صبية السفارة….صيدا تصوّب البوصلة

See the source image

ابراهيم الأمين 

الخميس 17 كانون الأول 2020

«اللي بجَنبو مسلّة بتنعَروا»!

التسريبات عن دور الحكومات الغربية في رعاية «الأنشطة المدنية التغييرية» ليست جديدة. والمعلومات المتداولة كثيرة حول أدوار تفصيلية تقوم بها هذه الجهة أو تلك. وفي كل مرة، يلجأ المشار اليهم بعنوان «المتعاونين» مع هذه الجهات الدولية الى الاحتجاج، بعد إشهار ما يخص «تعاونهم»، سواء على شكل محاضر اجتماعات جرت معهم (وثائق الخارجية الاميركية)، أم على شكل خلاصات وتوصيات تشير الى أدوارهم (وثائق السعودية والامارات). مع ذلك، يمارس هؤلاء دفاعاً فيه حياء من يشعر بأنه بات من دون غطاء، إلى درجة تستحق الشفقة، كما هي حال معارضين سوريين (تحولوا إلى أدوات في معركة تدمير الدولة والمجتمع في سوريا) امتنعت «الأخبار» – عن سابق تصميم – عن نشر ما يتعلق بـ«تعاونهم» أيضاً، رغم أن تفاصيل ذلك باتت مباحة على موقع «ويكيليكس»!

لكنَّ ثمة أمراً غريباً يحصل منذ أيام في بيروت. لم تنشر «الأخبار» سوى الاطار العام للوثائق المسرّبة من جهات بريطانية حول برامج الدعم التي قدمتها حكومة صاحبة الجلالة الى «المتمردين» في لبنان. ما نُشر لا يُقارن بما نُشر سابقاً حول البرامج نفسها في سوريا، ولا يمثّل سوى رأس جبل الجليد في ملفات موثّقة، بصورة رسمية وغير رسمية، حول تفاصيل العمل البريطاني المستمر في لبنان منذ عقدين على الاقل، مع حرارة أعلى منذ نحو عقد. مع ذلك، ثارت ثائرة «صبية السفارة» ممن استشعروا «خطر» الكشف عن صلاتهم العميقة بهذا المشروع، وبادروا الى حملة ردود لها عنوان واحد: إذا كنا متّهمين بالعمالة للغرب، فأنتم عملاء لإيران… ما يعني عودة من جديد الى لعبة الأشقياء المحبّبة والتي لها عنوان واحد: «بيّي أقوى من بيّك»!

حقيقة الأمر تكمن في أن هذه المجموعات وعدت مشغّليها بكثير من الانجازات. أساساً، لم تتحمّل رؤوس هؤلاء أورام 17 تشرين عندما تخيّلوا أنفسهم أمام قصر الشتاء في لينينغراد، وهم الذين لم يتقدموا مرة واحدة صفوف الشباب المحتج. بل كانوا يتكلون، طوال الوقت، على «أطفال اليسار» أو «فقراء الضواحي وطرابلس». وإلا، هل في ذاكرة أحد خبر عن اعتقال أحد هؤلاء أو توقيفه أو ضربه من قبل جلاوزة السلطة؟ لم يحصل ذلك… ولن يحصل، لأن هؤلاء الصبية تعلّموا وتدرّبوا ليتولّوا إدارة البلاد، ولكي يُطلّوا منظّرين على الشاشات، خصوصاً «شاشات الثورة» التي اهتمت بها مشاريع صاحبة الجلالة ايضاً، تماماً كما تهتم بها اليوم مشيخة الامارات العربية المتحدة أو برنامج الدعاية الاميركية؛ إذ لم يعد سراً ما تدفعه دولة الامارات والولايات المتحدة لقنوات «الجديد» و«مر تي في» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال» مقابل خدمات التحريض ضد حزب الله، حيث أمكن، وضد حلفاء الحزب، حيث يجب. ولن تكون مقدمة نشرة أخبار «الجديد» المليئة بالقبح والحقد والسفالة تجاه الرئيس ميشال عون، قبل يومين، آخر الأنشطة الثورية لهذه الموبقات الموجودة على شكل هياكل خراسانية أو بشرية!

المهم أن هؤلاء «الصبية» انزعجوا من فتح الملف فقط. وهم في حال قلق من المستور الذي لم يكشف بعد. وربما يدرسون، الآن، كيفية إعادة النظر في حساباتهم، لأنه عندما تُنشر أرقام الاموال التي حصلوا عليها، ستطرح الاسئلة في دوائرهم الضيقة، وعندما تُنشر البرامج سيسأل القريبون منهم عن حقيقة ما أنجز. إلا أن هذا القلق لم يجعل توترهم يقتصر على الهجوم الأعمى دفاعاً عن أنفسهم، بل دفعهم الى قطع «شرش الحياء»، لأنهم وجدوا أنه لم يعد هناك من داع للتبرؤ من الانتماء الطوعي الى مشروع له هدف واحد أحد: ضرب المقاومة في لبنان، سواء كان ذلك عبر تدمير الدولة بحجة مكافحة الفساد، أم تدمير المؤسسات بحجة أنها خاضعة لسيطرة حزب الله، وشن حملة إعلامية بأدوات مختلفة تحت عنوان الدفاع عن الحريات، من «تمكين المرأة» و«حقوق المثليين» الى «إدارة النفايات الصلبة» وتقليص حجم القطاع العام بحجة تطهيره من حشو أزلام السلطة.

ما نُشر حول تفاصيل العمل البريطاني في لبنان لا يمثّل سوى رأس جبل الجليد في ملفات موثّقة


هؤلاء الصبية لا يهتمون لبقاء شيء في لبنان، ويظهرون استعدادا لتدمير صروح من داخلها. ترى، مثلاً، كيف يتصرف «العلمانيون» الذي حصدوا الحكومة الطلابية في الجامعة الاميركية مع خطط فضلو خوري وبرامجه لتدمير الجامعة وتفريغها من أصحاب الرأي الآخر وإبعاد الخبرات الجدية ودفع كثيرين الى الهجرة، بحجة تقليص النفقات، وهو الذي لم يقل لنا ما هو حجم التبرعات التي حصلت عليها الجامعة لترميم ما دمره انفجار المرفأ من زجاج فيها. هل لأحد أن يسأل عن الرقم؟ ما يقوم به خوري في هذه المؤسسة بات يرقى الى مصاف التآمر على تدمير صرح كبير، لأنه صار واحداً من مجموعة تعتبر أن بيروت لا تستحق مؤسسة لها سمعة أكاديمية مقبولة، إلا في حال صمتنا عن سوء سمعتها الأخلاقية والسياسية، وامتنعنا عن التدقيق في طريقة إدارتها اليومية لشؤون العاملين فيها، علماً بأنه في الوقت نفسه الذي قرر فيه رفع الاقساط بنسبة 160 في المئة، وهو يعرف أن النتيجة تعني إبعاد ثلث الطلاب من ذوي الاصول الاجتماعية المتوسطة، أطلق معركة في وجه العاملين بعقود مع الجامعة (غير المتفرغين)، أي ممن لا يتقاضون راتباً شهرياً مع بدلاته وضرائبه. فوضع ميزانية لهم تجعل عملهم أقرب الى السخرة، صارفاً لهم زيادات لا تتجاوز قيمتها ثلاثين دولاراً، فيما يوقّع عقوداً خاصة لمن يعملون على العلاقات العامة بآلاف الدولارات الطازجة شهرياً. أكثر من ذلك، فقد قرر تعديل آلية احتساب مداخيل العاملين لديه من حملة الجنسية الأميركية، بقصد رفع نسبة الضريبة على دخلهم، والنتيجة، أنه يحتسب الدخل على أدنى سعر للصرف، بينما يدفع للحكومة الأميركية ضرائب أكبر… لكن بالدولار الطازج نفسه.

«صبية السفارة» هؤلاء «يصادف» أنهم تلامذة وأساتذة ومتعاونون ومتعاملون وخبراء في «دكانة فضلو خوري وشركاه». وهؤلاء يريدون اليوم نقل المواجهة الى مستوى جديد، لكنهم لا يزالون يخشون إشهار علاقتهم بالغرب الاستعماري، ويرفضون الإقرار بأنهم يعملون عنده وفي خدمة أهدافه. ولو كان بينهم من يملك شجاعة القول لخرج علينا ليقول: نحن أحرار في اختيار الدولة التي نتأثر بأفكارها، وفي اختيار الجهات والحكومات التي نعمل وفق برامجها، وفي تلقّي الأموال من دون الحاجة الى شروحات أو توضيحات أو تبريرات.

لكن مهلاً. هل تعتقدون أنكم إذا رفعتم صوت صراخكم فستوقفون عملية فضحكم، أو أن ذبابكم الإلكتروني قادر على غسلكم من عار التآمر على أبناء بلدكم والمشاركة في ارتكاب أفظع الجرائم في حقهم، والتورط في أكبر عملية إعداد لأكبر عدوان وحشي يعدّ له الغرب على لبنان، أو أن كل برامجكم عن محاربة الفساد والدفاع عن الحريات ستؤهلكم لقيادة البلد… اللهم إلا إذا كان ارتفاع معنوياتكم سببه رأفة «أهل الأمر» بكم، أو لأنكم تشعرون بـ«وهم القوة» لأن مموّليكم في عواصم القبح قد أشهروا علاقتهم مع العدو؟

مشكلتكم أنكم مجرد صبية. لكن لم يتح لكم اللعب في أحياء طبيعية. لذا لا تجيدون الركل ولا حتى السباب. كل ما تعرفون القيام به، هو تقمّص شخصية الرجل الأبيض الذي حبذا لو تجيدون سماعه في تقييم أحوالكم كمجرد فقراء العقل وحقيري الأنفس!

البناء
صيدا تصوّب البوصلة

في خطوة غير عاديّة رغم كونها تعبيراً هو الأقرب لتاريخ هذه المدينة العريقة في نضالها الوطني والقومي، فصيدا هي ذات موقع وبصمة في كل تاريخ النضال لأجل فلسطين وهي عرين المناضل الوطني والقومي الشهيد معروف سعد ومن بعده نجله الشهيد مصطفى سعد، لكن السياق السياسي الراهن يجعل الموقف الاحتجاجيّ الفاعل الذي عطل زيارة السفيرة الأميركية الى بلدية صيدا ذا قيمة مختلفة، والإعلان عن إلغاء الزيارة من السفارة الأميركية لا تعوّضه صورة للسفيرة من القلعة البحريّة في ظل العواصف لمجرد القول إنها قبلت التحدّي وهي تعلم أن التحدّي كان ينتظرها وهربت.

قيمة الحدث بزاويتين جديدتين، الأولى أنه في زمن العقوبات الأميركية وانقسام الوسط السياسيّ بأغلبيته بين نصفين، نصف يتأقلم مع السياسات الأميركية ونصف يتفادى الظهور في الصفوف الأمامية للمواجهة، هذا بمعزل عن الذين يمثلون فرق التطبيل والتزمير للسياسات الأميركية، والاعتقاد السائد بأن الذين يقفون خارج كل ألوان هذا السياق جذرياً هم حكر على لون طائفي وعقائدي يتوسطه حزب الله، فتأتي المدينة الجنوبية التي كانت دائماً تمنح المقاومة بعدها الوطني والقومي بانتمائها الطائفي المختلف لتؤكد موقعها كعاصمة للمقاومة وتُعيد الكرة وتقول إن ليس للمواجهة مع السياسات الأميركية لوناً طائفياً.

الزاوية الثانية هي أن الذين قادوا الحراك بوجه السفيرة الأميركية لا ينتمون الى الخط العقائديّ الذي يمثله حزب الله، أي الخط الإسلامي، بل إنهم لا ينتمون الى أي من المجموعات الحزبية الكبرى التي تتصدّر المشهد الصيداوي، فالمجموعة التي نظمت التحرك هي مجموعة يساريّة قوميّة من الحزب الديمقراطي الشعبي الذي يمتلك في صيدا قاعدة نضالية متجذّرة وله حضور مميز في الحراك الصيداوي الذي مثل حضور صيدا في انتفاضة 17 تشرين ومن حوله مجموعات يسارية بعضها ينتمي للحزب الشيوعيّ وبعضها للتنظيم الشعبيّ الناصريّ.

نموذج حراك صيدا كما ظهر أمس يصوّب البوصلة الوطنية، في الرسالة التي يحملها للأميركيين، الذين ربما توهّموا أنهم نجحوا بترويض النخب اللبنانية والشباب اللبناني وهم يستقبلون عشرات نشطاء جماعات المنظمات «المدنية» طالبة التمويل، ومثلهم من الساسة التقليديين، وكذلك يصوّب الحراك الصيداويّ البوصلة في شأن الحراك نفسه فيقدّم نموذجاً لقيادة شعبيّة ميدانيّة فاعلة في الحراك تدرك حجم الترابط بين النضال لأجل التغيير وبين التمسك بخيار المقاومة.

مقالات ذات صلة

التهويل بالحرب

ناصر قنديل

امتلأت خلال يوم أمس، الصحافة الأميركيّة والإسرائيليّة ووسائل الإعلام المموّلة خليجياً بالتقارير التي تصف الشهور الباقية من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالشديدة الحساسية متضمنة الإشارات لفرضية توجيه ضربة موجعة لإيران قبل نهاية ولاية ترامب وفي السياق استهداف قوى المقاومة، خصوصاً في سورية بضربات متلاحقة. والتقارير لا تُخفي أن المقصود هو قطع الطريق على إمكانية قيام تسويات بين ايران ومعها قوى محور المقاومة في المنطقة من جهة وادارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن من جهة مقابلة، بخلق أمر واقع يفرض سياقاً مختلفاً للعلاقات يصعب تخطيه ويدفع المنطقة نحو استقطاب جديد بطابع عسكري تجد الإدارة الجديدة أنها محكومة بالبقاء ضمنه.

الأكيد أن فرضية القيام بحماقة أمر لا يمكن استبعاده مع وجود شخص كدونالد ترامب في البيت الأبيض، علماً أنه أظهر عقلانية عالية في تحمل الضربات الموجعة تفادياً للتصعيد، عندما أُسقطت الطائرة الأميركيّة التجسسيّة العملاقة في الأجواء الإيرانيّة، بحيث بدا تهوره دوراً تمثيلياً يؤديه لشعبويّة انتخابية، وبالتوازي عملياً لا يمكن لإيران ولمحور المقاومة إلا أخذ هذه الفرضيات بحذر شديد والبقاء على جهوزية لمواجهة كل تهديد، لكن السؤال هو من الزاوية التحليلية هل يمكن منح هذا الاحتمال فرصاً حقيقية؟ وهل يشكل سياقاً منطقياً وارداً للتطورات؟

العقبة الأولى التي تعترض هذا الطريق، طالما لا نتحدّث عن عمليات كبرى تغيّر سياق الأحداث في المنطقة، وليس عن عمليات إعلاميّة أو ضربات لأهداف تكتيكيّة تمّ استطلاعها، هي أن قبول ترامب دخول المرحلة الانتقاليّة مع فريق الرئيس المنتخب جو بايدن رغم التمسك بالطعن بالنتائج، له موجبات من أهمها أن تصل التقارير الاستخبارية والتحليلات الأمنية الصادرة عن وكالات المخابرات والبنتاغون للرئيس المنتخب وفريق عمله بالصورة ذاتها التي تصل فيها للرئيس الحالي طيلة الفترة الانتقالية حتى دخول الرئيس المنتخب الى البيت الأبيض، وتالياً فإن القرارات الكبرى التي يفكر بها الرئيس المنتهية ولايته موجبة التداول والتشاور مع الرئيس المنتخب، خصوصاً ما قد يرتب تبعات وتداعيات تحكم ولاية الرئيس المنتخب، فكيف إذا كان قصدها أن تفعل ذلك.

العقبة الثانية هي أن خلق هذا المناخ المطلوب من ترامب وفريقه وحلفائه الإقليميين، خصوصاً ثنائي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يستدعي القيام بعمل كبير لا يمكن لإيران وحلفائها عدم الرد عليه بقوة، خصوصاً أن تفادي الرد على الاستفزازات يطبع أداء محور المقاومة خلال المرحلة الانتقاليّة، وهذا يعني الحاجة الأميركية للقيام بعمل عسكري أمني كبير يجبر محور المقاومة على ردّ يخلق سجالاً عسكرياً، ويفرض إيقاعاً مختلفاً يقطع طريق السياسة أمام إدارة بايدن، وهذا يعني استدراج رد يصيب القواعد العسكرية الأميركية والأساطيل الأميركية في المنطقة، بصورة تلزم واشنطن الدخول في حالة حرب، لكن بلوغ هذه المرحلة لن يكون من دون أن تسبقه مرحلة تكون فيها منشآت كيان الاحتلال الحيويّة ومستوطناته قد تلقت آلاف الصواريخ الثقيلة والدقيقة، وأن تكون منشآت النفط في الخليج، وخصوصاً القواعد العسكرية الخليجية في دول التطبيع قد تلقت نصيبها من الردّ. وهذا في حال حدوثه سيخلق تدحرجاً لتطورات يصعب تحمل نتائجها. فمدن الزجاج قد تتهاوى ومعها حكوماتها واقتصاداتها، وعمق الجليل قد يكون هدفاً لتوغل المقاومة، وكلها ارتدادات يصعب احتواؤها.

العقبة الثالثة أن مثل هذه المواجهة التي تفاداها ترامب طيلة ولايته يحتاج للقيام بها إلى سبب جوهري يتمثل بعمل عدائي قامت به إيران يمكن تسويقه وشرحه للرأي العام الأميركي والعالمي، وهذا لا يبدو وارد الحدوث، كما أن ترامب يعلم بأن المباحثات والتنسيق الاستباقي لمنع التلاعب بمستقبل التفاهم النووي خلال المرحلة الانتقالية من جانب إدارته هو موضوع تنسيق يجري في باريس بين مبعوثي إدارة بايدن برعاية جون كيري ومبعوثي الخارجية الإيرانية برعاية محمد جواد ظريف، حيث تدرس كل الفرضيات وتبحث كل الاحتمالات.

يقول أحد الخبراء، إذا وقعت الحرب فتشوا عن دبي وأبو ظبي على الخريطة، وعن ديمونا وناتانيا، ونيوم، قبل أن تسألوا عن تل أبيب والرياض.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حرب فضربة فعمليّة

طبّلت وزمّرت وسائل الإعلام الخليجية لمشروع حرب يشنها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب وتقلب معادلات المنطقة، انطلاقاً من خبر قيام ترامب بإقالة وزير دفاعه مايك إسبر. وخلال أيام وبعد تعيين وزير جديد كتبت الصحف الأميركية عبر تسريبات ترامب نفسه أنه كان يفكر بضرب المفاعل النووي الإيراني في نطنز، لكنه صرف النظر عن الفكرة بعد تلقيه تحذيرات من مستشاريه بخطورة فتح حرب كبرى في المنطقة.

في الخبر نفسه أن وزير خارجية ترامب مايك بومبيو كان الوحيد في فريقه المؤيّد للعمل العسكري في المدة المتبقية من ولاية ترامب ووجاءت جولة بومبيو الخارجية تعبيراً عن سعيه لتسويق مشروعه وربط الخطوات السياسيّة في المنطقة بنتائج هذا المشروع.

في باريس كان واضحاً أن بومبيو سعى لتجميد ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة تحت شعار أن متغيرات كبرى مقبلة وستقلب الوقائع في المنطقة ومنها لبنان ولاستبعاد أي فرضية تربط كلام بومبيو بفرضية عمل عسكري أميركي أصدرت وزارة الدفاع الأميركية بياناتها عن تنفيذ قرار انسحاب متدرّج من المنطقة بتوجيهات ترامب.

لم يكن كافياً تقلّص الحرب الى ضربة فتقلص المرجع أيضاً من ترامب الى بومبيو الذي حط رحاله في كيان الاحتلال وقام بجولات استفزازية وصلت الى الجولان تعبيراً عن الوقوف الأعمى مع الكيان في كل خطواته العدوانية وفي طليعتها ضم الجولان، لكن يبدو أن زيارة الجولان كانت تعبيراً رمزياً عن أبوة بومبيو لتقلص جديد حيث الضربة صارت عملية تنفذها قوات الاحتلال على تخوم الجولان المحتل وتمنحها وسائل الإعلام الخليجية تغطية استثنائية بصفتها تغييراً نوعياً لقواعد الاشتباك وإصابة استراتيجية لمحور المقاومة.

الشهداء عندما يسقطون مهما كانت رتبهم ومهما كان عددهم هم إصابات موجعة، لكن التغيير الاستراتيجي شيء آخر.

بلغ الهزال في حالة المشروع الأميركي حدّ أن يكون الردّ على قرار الانسحاب الجزئي صواريخ على السفارة الأميركيّة وأن يكون سقف المقدور عليه أميركياً وإسرائيلياً هو تكرار لما سبق وتمّ اختباره من عمليات توجع بسقوط الشهداء، لكنها لا تغير معادلات باتت فوق طاقة الأميركي والإسرئيلي والمطبع الخليجي معهم ولا تعوّض عجز الفقاعات الإعلاميّة ولا النقل المباشر للقنوات الخليجية وخروج بعض المعلقين المدفوعي الأجر ليكرروا عبارة تحول استراتيجي.

مقالات متعلقة

لماذا أنفق الأميركيون 10 مليار دولار في لبنان؟

ناصر قنديل

الكلام الذي قاله نائب وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس هو كلام رسميّ موثّق يُقال في مناسبة مدوّنة ضمن علاقة دستورية بين الإدارة والكونغرس، فلا يحتمل الارتجال، ولذلك فإن كلام هيل لجهة الكشف عن إنفاق مبلغ عشرة مليارات دولار خلال السنوات الماضيّة لدعم القوى المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني، يستحقّ وحده التساؤل عن وجهة إنفاق هذا المبلغ الضخم، والأهداف من إنفاقه.

تقدّم واشنطن مساعدات للجيش اللبناني، وغالب هذه المساعدات مسقوف بما لا يتيحُ للجيش امتلاك ما يتيح مواجهة الاعتداءات “الإسرائيلية”، يُقدّر سنوياً وفقاً لما يُنشَر على ألسنة المسؤولين الأميركيين، وما تتضمّنه تقارير المساعدات العسكرية الأميركيّة لبلدان العالم على مواقع عسكرية أميركيّة، بمئة مليون دولار، منذ العام 2005، وأقلّ من ذلك بكثير قبلها، ما يعني أن سقف هذه المساعدات لا يصلُ الى ثلاثة مليارات دولار خلال ثلاثين عاماً، فأين ذهبت السبعة مليارات دولار الأخرى؟

أن تكون الإدارة الأميركيّة قد أنفقت سبعة مليارات دولار خلال أربعة عشر عاماً، يعني نصف مليار دولار سنوياً، على ما أسماه هيل بمنظمات المجتمع المدني، وهي وفقاً لما يمكن للمتابع أن يعرفه، موزعة بين ثلاثة مستويات، مساهمات ومشاريع لمنظمات تتعاقد بتمويل أميركي مع الوزارات والمؤسسات الحكومية، وقد بات معلوماً أنها أكبر مصادر الفساد في الدولة، حيث يتقاضى مستشارون مبالغ طائلة خارج أي إطار رسمي وأية رقابة رسمية، وأغلبهم لا يقدم شيئاً يذكر، والأهم أنهم بلا استثناء محسوبيات لزعامات، ينطبق على توظيفهم مفهوم المشاركة الأميركيّة بتوفير الاحتياط المالي لإعادة إنتاج نظام الفساد السياسي والمالي من خارج الموازنات الرسميّة.

المستوى الثاني هو مساهمات تقدّمها المؤسسات الأميركيّة الماليّة لمؤسسات لبنانيّة خاصة يسمّيها هيل بمنظمات المجتمع المدني، وهي جمعيات سياسية تابعة لزعامات مناطقية وطائفية تساعد هذه الزعامات بإعادة إنتاج زعامتها بصورة منافية لأبسط شروط التكافؤ والمنافسة الديمقراطية، عبر تقديم خدمات مموّلة من الخارج لمواطنين حرمتهم الدولة من حقوقهم، ووفّرها لهم الزعيم المدعوم من التمويل الأميركي.

المستوى الثالث هو مساهمات تستفيد منها مؤسسات ناشطة سياسياً وإعلامياً، عبّر عنها التحالف الذي تصدّى لقيادة انتفاضة تشرين، والذي لم يعُد خافياً انضباط أغلبه الإعلاميّ والسياسي، بما في ذلك أحزاب ناشئة، ومنظمات بعناوين إنسانية وسياسية ولدت تحت عنوان تعزيز الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان أو الاهتمام بالنازحين السوريين، وبمثل ما ينضح سجل أغلب هذه المؤسسات بالفساد، فإن دورها السياسي كأدة للسياسة الأميركيّة ليس خافياً ولا مخفياً.

بعض وسائل الإعلام المستفيدة من برامج عنوانها التشجيع على الديمقراطيّة، لم يتأخر عن إعداد تقارير ترويجيّة للتطبيع الذي قامت واشنطن برعايته بين كيان الاحتلال والإمارات والبحرين، والتزم بقرارات أميركيّة لمنع بث خطابات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، تحت حجج واهية، بمثل ما التزم بلا مبرّر بنقل خطابات شخصيات منضوية تحت العباءة الأميركيّة وتخدم المشروع الأميركي.

الأميركيون الذين يحجبون الأموال عن الشعب اللبناني وينفذون سياسة خنق وحصار وتجويع، يجدون المال بوفرة عندما يكون المطلوب تجنيد عملاء خمس نجوم، وهم يفرضون العقوبات تحت عناوين ملاحقة الفساد يقيمون ويشجعون قيام إمبراطوريات الفساد المنتشرة في كل المناطق وكل القطاعات.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كلن يعني كلن… ولكن

ناصر قنديل

عندما انطلقت الجموع الغاضبة في 17 تشرين الى الشوارع لم تكن للشعب قيادة يؤمن بمرجعيتها، ويثق بأهليتها، ولم تتح لأحد من المشاركين المنفردين الذين شكلوا الطوفان الشعبي الكبير يومها، أن يشترك لا في صوغ الشعارات ولا في تحديد السقوف السياسية، بل وضعت مجموعة مكوّنة من مصدرين اثنين يدها على التحرك ونالت فرصتها لاكتساب ثقة الجمهور الواسع، عبر ما يسمّى بالتصويت بالأقدام، اي المشاركة اللاحقة والمستدامة بتلبية دعوات التظاهر، وكان شعار «كلن يعني كلن» هو عنوان المعركة التي قررت هذه القيادة خوض شرعيتها على أساسها، اما المصدران لتكوين القيادة فقد تشكلا من المجموعات المنظمة القادرة على تنظيم حشود مؤيديها او ادارة الحشود الوافدة من جهة، والقنوات التلفزيونية التي منحت بثها المباشر للتحرك وصار مراسلوها ومذيعوها رموزاً للتحرك يشتركون عبر أثير قنواتهم في صناعة القيادات وتظهيرها، وفي رسم الخطوات وتحديد وجهتها، وفي الترويج للشعارات ومحاولة تعميمها، ويمكن القول في الحصيلة بعد أقل من عام على التحرك، إن التصويت الشعبي جاء في غير صالح هذه القيادة، وأنهى مهمتها رغم إصرار مجموعاتها على احتكار تسمية فضفاضة الثوب على أصحابها، «الثوار»، وفي ظل جفاف موارد المشاركة الواسعة في التحركات، رغم بقاء الأسباب وتفاقم الأزمات.

في الغالب لعب المال دوراً محورياً في عملية تظهير القيادة وشعاراتها، فبلا المال تتوقف القنوات التلفزيونية عن البث في ظل شح موارد الإعلان، وهي الحامل الأقوى للقيادة، ولولا المال تصاب الجماعات المنظمة بالشلل، والمال ليس مجانياً ومصادره ليست وافرة، ولا مبهمة، فهي في الغالب أيضاً من دول مقتدرة لها سياسات ومشاريع، وهي بالتحديد ثلاث دول إقليمية خليجية هي قطر والإمارات والسعودية تتوزّع تمويل ثلاث قنوات تلفزيونية كبرى رعت الحراك وتولت توحيد الشعارات رغم تباينات دولها، ما يجعل القيادة عند مرجعية أعلى هي المصدر الدولي للقرار والتمويل الذي تتوزّعه ثلاثة مصادر واشنطن وباريس والاتحاد الأوروبي، ولن نحتاج لكثير عناء لنكتشف أن واشنطن كانت من يتولى القيادة، وليس من خارج السياق الكلام الذي صدر عن الأميركيين والفرنسيين بعد انفجار مرفأ بيروت عن التوجّه نحو منظمات المجتمع المدني لتوزيع المساعدات بدلاً من مؤسسات الدولة تلافياً للفساد، الذي تصاعدت فضائحه بسرعة مع تدفق المال والمساعدات على هذه المنظمات، كما ليس خافياً إصرار معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر في زيارته الأخيرة إلى بيروت على تظهير مكانة هذه الجماعات في سياسة واشنطن، رغم الكلام القاسي الذي سمعوه منه داخل اللقاءات.

الشعار «كان يعني كلن» لم يكن عبثياً، فقد كانت له وظيفتان، الأولى نفي أي شبهة تورط للجماعات المنظمة بالتحالف مع أي من مكوّنات السلطة رداً على تشكيك شعبي واتهامات علنية بتلاقي الجماعات الواقفة وراء قيادة التحرك مع سياسات خارجية تستهدف نصف السلطة بخلفية موقفها من المقاومة، وتدعم بالمقابل نصفها الآخر، فيحقق الشعار كلن يعني كلن النفي المطلوب لهذا الاتهام والتشكيك. أما الوظيفة الثانية فهي شيطنة الفريق الواحد الموجود خارج منظومة الحكم والسلطة، الذي يمثله حزب الله ويرمز للمقاومة، وضمه للاستهداف تمهيداً لجعله العنوان الأول المستهدف تالياً، كما حدث لاحقاً بالفعل، بحيث بقي شعار «كلن يعني كلن» بداية أسير العجز عن توجيه الاتهام للمقاومة كشريك في الفساد فكان الاتهام ناعماً باتهامها بأنها لم تحارب الفساد، وصولاً إلى الاتهام الشديد الخشونة والحصري نحوها في تظاهرة 6-6 تحت شعار تطبيق القرار 1559.

بعد كل هذا سيحقّ لنا أن نستعير الشعار «كان يعني كلن» مرة في ضوء انضمام منظمات المجتمع المدني إلى نظام الفساد والطائفيّة بصورة رسمية مكرّسة، ليصير مدى الشعار أوسع فيطال تحت مظلته هذه المنظمات، ومرة ثانية في ضوء الأزمة الراهنة التي تنوء البلاد تحت ثقلها، وانسداد الباب أمام الحلول ولو المؤقتة، والتقاء كل القوى السياسية المكوّنة للسلطة ومؤسساتها للتبشير بأن الحل بدولة مدنية وبأن النظام الطائفي قد سقط، وليس من باب الصدفة أن تلتقي معها منظمات المجتمع المدني في التبشير ذاته، لنقول أيضاً «كلن يعني كلن» ليس بمضمون ما نسمع منهم من دعوات، بل كلن يعني كلن غير مؤهلين لقيادة البلد نحو الدولة المدنيّة، ذلك أن الطرح يأتي باباً للتلاعب بالمضمون والشكل، وهروباً من مواجهة أزمة جدية يعرفون أن ربط حلها بقيام دولة مدنية على أيديهم أقرب لحلم ليلة صيف.

لا تستقيم الدعوة للدولة المدنية مع الدفاع عن مصالح طائفية، وهذا يشمل الجميع مهما اختلفت مشروعية التبريرات المستوحاة من قلب النظام الطائفي، الذي لا يزال يشكل أرض الصراع وتشكل وصفة الدولة المدنية دعوة تعجيزية متبادلة بين أركانه وليست مشروعاً جدياً ينطوي على التسليم بالخروج من النظام الطائفي. فحصرية حقيبة المال التي يطلبها الثنائي مطلب طائفي، بغض النظر عن مندرجاته كعرف أو كمطلب مشروع للتوازن الطائفي في نظام الطوائف، وتاريخ تولي وزراء الثنائي لحقيبة المال لا يقدّم سجلاً مغايراً لمسار السياسات المالية التي أودت بلبنان الى الأزمة الخانقة بشكلها الراهن تجعل المطلب عنواناً إصلاحياً، ودعوة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر لإلغاء طائفية الحقائب السيادية لا تجعلهما أكثر مدنية، في ظل احتجاز مراسيم الفائزين في مباريات مجلس الخدمة المدنيّة تحت ذرائع حقوق الطوائف، ولو خالفت نص الدستور بإلغاء طائفية الوظيفة بما دون الفئة الأولى، ومداورة الوزارات بين الطوائف المنطلقة من أن لا نصّ على تخصيص وزارة بطائفة، تدحض صدقيتها إدارة الظهر لنص دستوري واضح على رفض تخصيص وظيفة من وظائف الفئة الأولى بطائفة، والتمسك بهذا التخصيص خلافاً للنص مقابل المطالبة بنص لقبول تبرير تخصيص وزارة حيث لا نصّ يمنعه بمثل أن لا نص يدعو إليه. اما نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي تحمل رموزه مسؤولية رئاسة الحكومة لإدارة البلد نحو الهاوية خلال ثلاثة عقود، فلا مصداقية لدعوته لتحرير الحكومة من الحصص بعدما وضع يده عليها كحصة كاملة من خلال احتكار تسمية رئيسها من دون امتلاك الأغلبية النابية، والطعن بالمصداقية مكرّر عندما يكون مبرر نيله «حق» التسمية قد جاء بقوة ميثاقية طائفية يرفض معاملة الغير بمثلها، ولذلك يصير شرعياً ومشروعاً القول «كلن يعني كلن» لا يشكلون قيادة صالحة لأخذنا نحو الدولة المدنية.

كلن يعني كلن، تطال أيضاً هنا منظمات المجتمع المدني والكثير من النخب التي تتحدث بلغة لاطائفية لإدانة من تتهمهم بالطائفيين، ثم تدافع بلغة طائفية عندما يتصل الأمر بجماعتها الطائفية، فكيف تكون جمعية أو يكون مثقف من الطراز المدني، ويصرّحون بالتمجيد لمرجعية طائفية، خصوصاً في اطلاق مواقف تنضح بالشحن والتحريض الطائفيين، وكيف يكون لاطائفياً ومدنياً من يصف طائفة بالسوء ويتحدث عن أمجاد طائفة أخرى بالمقابل، وبماذا يختلف هذا العقل عن العقل الميليشياوي الذي هتف لطائفته او يحمل شعارَ اعرف عدوك لتوصيف طوائف اخرى؟

لكن، وهنا نقول لكن، لنفتح قوسين على معادلتين، الأولى أن لبنان بقواه السياسية ونخبه يحتاج للكثير كي ينضج للانتقال نحو الدولة المدنية عاجز بالقوة ذاتها عن المضي في ظل النظام الطائفي الى غير الهاوية، لذلك فالمطلوب هو عدم التذاكي بطرح تعجيزي للدولة المدنية والذهاب لتطبيق الدستور الذي تفوّق على التذاكي الطائفي في رسم المخارج الواقعية والتدريجية، خصوصاً المادتين 22 و95، بإقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي وتشكيل مجلس للشيوخ، والإسراع بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية

فضيحة منظمات المجتمع المدنيّ

عندما تتخطى منظمات نخبويّة تهتم لشؤون بعينها وتتخصص بتقديم الخدمات ورفع الصوت بشأنها، حدود مهمتها واختصاصها وتتقدم لتصير مشروعاً سياسياً متكاملاً، يصير السؤال مشروعاً عن السبب، خصوصاً ان ذلك يحصل تحت شعار شيطنة السياسة وأهلها والتقدم كبديل مموّه عنها، ويصير الحاصل الأول لذلك هو تغييب القضايا المحورية في حياة الشعوب وصراعاتها عن الواجهة، وغالباً تحميل هذه القضايا واهلها مسؤولية الأزمات تحت شعار «تركونا نعيش»؛ فيصير الاحتلال والعدوان وانتهاك السيادة الوطنية أموراً ثانوية، وتصير المقاومة عبثاً يخرّب طريقة العيش.

نظرياً منظمات المجتمع المدني هي مؤسسات لا تبغي الربح يريد أصحابها بعيداً عن التورط في السياسة الاهتمام بقضايا مثل السجون والمخدرات والبيئة والفساد والحريات الإعلامية، تقف على مسافة واحدة من السياسيين بقياس القضية التي تشكل عنوان تحركها، ولكنها عملياً وفي زمن التحوّلات التي أصابت السياسات الغربية وتسببت بفشل مشاريعها صارت صيداً ثميناً وضالة منشودة لتحقيق هذه السياسات، فأغدقت عليها أموالاً غير خاضعة لرقابة الدول والمجتمعات، وأنيطت بها مهام تتخطى أحجامها وأدوارها، خصوصاً ان الغرب لا يمانع ان تتولى الإدارة السياسية في بلاد المستعمرات والمحميات نخب تقول إنها لا تتدخل في السياسة وتهتم لشؤون العيش، وترى في تدفق مساعدات الغرب سبباً للحياة ولو كان ذلك باسترهان البلد وثرواته.

خلال عقود مضت صعدت هذه المنظمات الى الواجهة في الكثير من بلدان العالم وليس الحال في البلاد العربية أولى التجارب. ولنتذكر ان ما سمي بالربيع العربي كان نتاج ادارة غربية بواسطة هذه المنظمات، التي قال الأميركيون إن تسميتها تغيرت وصارت تسمّى بالفاعلين غير الحكوميين، لكنهم قالوا في هذا السياق إن ثلاثة اطراف تتصدر قائمة هؤلاء الفاعلين غير الحكوميين، المقاومة وتنظيم القاعدة ومشتقاته، والفضائيات العربية الليبرالية وفي مقدمتها كانت قناة الجزيرة يومها، وإن المشروع الأميركي يستهدف تنشيط بعضها لإلغاء بعضها الآخر. والمطلوب إلغاؤه طبعاً هو المقاومة. أما المنظمات التي نعرفها فهي كومبارس الصف الخلفي في هذه العملية، لذلك في الربيع العربي ظهرت القاعدة وريثاً شرعياً لما بدأه ناشطو المنظمات المدنية، وواكبته قناة الجزيرة ومن بعدها قناة العربية، وليبيا وسورية مثال حيّ.

الفساد المالي مرادف دائم لحال هذه المنظمات التي جرّبها الغرب في مرحلة داخل كل من فلسطين والعراق لإفساد نخب الشعبين. فصارت ظاهرة ومصدر اتهام شعبي للمنضوين في صفوفها، ومن ثم تمّ اختبارها في تونس والجزائر والسودان واليمن، تحت شعارات سقوط القضايا الكبرى و«بدنا نعيش»، وفي لبنان لهذه المنظمات سيرة من السرقات والفساد وروائحه الكريهة مع المساعدات الخاصة بالنازحين السوريين، وفي سورية درّة تاج هذه المنظمات «الخوذ البيضاء» ذات التاريخ الملازم للتلاعب بقضية السلاح الكيميائي كما فضحتها التقارير الدبلوماسية والمخابراتية الروسية وبعض الصحف الغربية الوازنة. والمتتبع للجوائز العالمية في مجالات مختلفة سيكتشف «المعلم» الذي يصنع نجومية الرموز التي يعدها للأدوار المقبلة.

منظمات المجتمع المدني فضيحة متنقلة ما عدا قلة قليلة منها تواكب قضايا شعوبها بصدق، لكن صوتها في العالم لا يسمع كحال المنظمات الحقوقية في البحرين.

فيديوات متعلقة

مقالات متوقعة

%d bloggers like this: