لماذا نعارض المؤسسات غير الحكومية

 

 ابراهيم الأمين

الإثنين 9 كانون الأول2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

قبل مئات السنين، بدأ فلاسفة وعلماء اجتماع في أوروبا يتداولون عبارة «المجتمع المدني». اعتبرها البعض مقابلاً للحالة السائدة مجتمعياً، أي ما كان يُعرف بنظام الحكم التقليدي الذي رسّخته عائلات ومنظومات اقتصادية بمساعدة الكنيسة. لكنّ في أوروبا نفسها، عاد الجميع إلى الانقلاب على هذا التوصيف. وبدل أن يكون المجتمع المدني عاكساً للمجتمع المنظّم سياسياً، ذهب كثيرون نحو اعتباره مجتمعاً خاصاً في مواجهة الدولة ككلّ، وخصوصاً عندما شعر المنتسبون إلى المجتمع المدني بأن قوانين الدولة صارت تمثّل سلطة إكراه وقمع. لكنّ هؤلاء لم يكترثوا بكون هذا المجتمع المدني إنما يسير من دون نظام عدالة ومساواة كاملة بين أفراد الدولة، بل يغرق في حماية متطلّبات العيش كفرد، ولو ترافق ذلك مع عجز مُستدام عن معالجة مشكلاته الداخلية.

في عالمنا اليوم، وبعد صراعات جميع مفكّري القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة الدولة، يحتلّ المجتمع المدني حيزاً أساسياً من اهتمامات بلداننا. لكنّه يطبّق المفهوم الغربي نفسه، القائم على نظرية تحقيق المصالح والحاجات الفردية ولو على حساب «المجتمع – الدولة».
المنتمون إلى هذا المجتمع يخلطون بين رفضهم قوانين ما قبل الدولة التي تتحكّم بكثير من الأمور في بلادنا، وبين رفضهم القوانين المتطوّرة المفترض أن تضعها مجموعات تسعى للخروج من هذه الأعراف – القوانين. وفي صحالتنا، يصبح المجتمع المدني رفضياً لكل ما هو عام.

(محمد نهاد علم الدين)

يتحول هؤلاء إلى مجموعة مستقلّة على شكل حلقات مستقلّة، ثم على شكل أفراد مستقلّين أيضاً، تجمعهم مُعضلة الانخراط في القانون العام، لأن القانون العام عندما يقوم ويتطور، إنما يراعي ـــ تلقائياً ـــ الوضعيات الاجتماعية القائمة في البلاد. وهو العدوّ الفعلي لهذه المجموعات. وينتهي بهم الأمر، ساعين إلى خلق إطارهم الخاص الذي يرفض المشترك الذي يقوم بين من يؤلّف المجتمع ـــ الدولة في المسائل الوطنية العامة، من موضوع الدفاع عن الوطن إلى بناء السياسات والعلاقات الخارجية إلى القوانين الناظمة لشؤون الناس اليومية. أبناء هذا المجتمع المدني يريدون قانوناً يحمي فرديّتهم ويحمي حريتهم حتى ولو تعارضت مع هذه القوانين. وبهذه الحالة، لا يمكن أن يشكلوا في أي لحظة حلاً يعالج مشكلات كل الناس. وهم يربطون موقفهم من الطروحات المقابلة، بحجم تأثيرها على الحاجات والمنافع والأهواء التي تشكّل روابطهم كأفراد. وجاءت فكرة المنظمات غير الحكومية لترسّخ الفكرة القائلة بأن المجتمع المدني إنما هو حالة صراعية مع الحكومة، التي يُفترض أنها تمثل الدولة، أي تمثل المشترك الفعلي بين جميع قاطني أراضي هذه الدولة.

عندما يتصرف أفراد المجتمع المدني على أساس أن السياسة هي خصمٌ رئيسي لهم، إنما هم يفعلون ما يعتقدون أنه الأنسب للتفلّت من نتائج الفعل السياسي، أي التفلّت من رقابة القانون العام الذي يفرضه المجتمع ـــ الدولة. وبهذا المعنى، يتحول أفراد المجتمع المدني إلى خصوم فعليّين للدولة، وخصوصاً عندما يُفرطون في الدفاع عن استقلالهم الفردي ومصالحهم الخاصة.

وبذلك يمكن فهم التأصيل النظري الذي قدّمه الفلاسفة عن أن المجتمع المدني إنما هو في حقيقة الأمر واقع يقيم بين مرحلتي العائلة والدولة. فهو يقوم على مبدأ رفض قوانين العائلة، لكنّه لم يندمج بعد في معادلة قوانين الدولة. وبذلك، يصير أفراد المجتمع المدني، من حيث منظومة الإنتاج والاستهلاك، أقرب إلى البرجوازيين الذي يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة، في نقيض تامّ لطبقة المواطنين الذي هم في موقع أدنى اقتصادياً، لكنّ هاجسهم هو المصلحة المشتركة، أو ما يُعرف بالمصلحة العامة.

في حالتنا اللبنانية، ووفق تجربة ربع قرن من النضالات الشعبية، خبرنا كيفية مشاركة أفراد المجتمع المدني. وغالبية هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن فئات، تتراوح بين متسلّق يسعى إلى المنبر بهدف الارتقاء من خلال بناء وضعية اجتماعية قابلة للتسييل على شكل أعمال وعائدات أو مناصب؛ أو مجموعة من الكوادر يجدون أنفسهم أسرى علاقات جديدة تُبعدهم أكثر عن البيئة العامة، فلا يحفظون من التجربة إلا الصور والذكريات، ثم يندمجون سريعاً في قواعد اللعبة، حيث يكون في انتظارهم جيش المنظّمات غير الحكومية؛ أو أفراد يسكنهم الإحباط ولا يُجيدون تمييز هوية المسؤول عن ذلك، فتراهم يصبّون جام غضبهم على السلطة القائمة، متجاهلين من ساروا خلفهم. أما الكتلة الأعمّ، فتعود إلى قوانينها اليومية: تمارس لعبة انفكاك القول عن قائله، بمعنى رفع نبرة الاعتراض مقابل تراجع فعلية الاحتجاج.

وصف ماركس المجتمع المدني بأنه الدولة الخاصة، أي الدولة غير السياسية. وهنا لا يعود المجتمع المدني إلا ممثلاً لكل ما هو مناقض للدولة. بهذا المعنى، يلجأ هؤلاء إلى لعبة التعميم والتجهيل، أي إنهم لا يهتمون بمحاسبة فلان أو فلان، بل هم يريدون التخلّص من خصم كبير اسمه الدولة. وبهذا المعنى، يتجنّب هؤلاء نقد المؤسسة الدينية الفاعلة جداً في حياة الناس، والمتورّطة في علاقة تخادم مع السلطة السياسية، إلا حيث تشكل عائقاً أمام حريتهم. لكنّهم لا ينظرون إليها بوصفها جزءاً من منظومة السيطرة على الحقّ العام.

والحال نفسها بالنسبة إلى النظم الأخرى، من حيث العمل النقابي، الذي يُراد له أن يكون طوعياً بالكامل، أي غير خاضع لمنظومة القوانين العامة. وهنا يمكن فهم المشكلة الأكبر في علاقة المجتمع المدني بالحق العام، من خلال عدم الاكتراث للتعليم العام، أي للتعليم المدعوم من الدولة والذي يقلّص الفوارق بين المواطنين في تأسيسهم التعليمي، بل يتجهون إلى التعليم الخاص الذي يشكل عنصر تمايز اجتماعي لهم عن بقية الناس، ما يقود إلى فكرة القوانين الخاصة التي يعتقدون أنها ممكنة. ففي بيروت، مثلاً، يمكن لطلاب وأساتذة وأطباء ومدراء ومنتجي الجامعتين الأميركية واليسوعية تشكيل مجتمع مستقلّ، له كلّ نُظمه في ما خصّ شوؤن العمل والحياة وحتى الحاجات والأهواء. وهم في هذه الحالة يريدون من الحق العام (أي الدولة) توفير ما يحصّن الحق الخاص (أي المجتمع المدني خاصّتهم). وهذا سبب كافٍ لتدرك أنه لا يمكن لهذه المجموعة أن تمثل خياراً عاماً لبقية الناس وهم الأغلبية. لأن هواجس وطموحات أغلبية المشكلين لهذا المجتمع المدني، إنما هي في الحقيقة، تمثل نقيض ما يمكن أن يكون مشتركاً في بقية العوام. وبذلك يصبح الموقف من مسائل ذات طابع وطني، متصلاً بانعكاسه على مصالحهم وأهوائهم الخاصة. هنا تصبح منظومة الفساد، ليس في احتكار العلم الجيد والطبّ الجيد والطعام الجيد والترفيه الجيد، بل في كون ريفي أتى به جَهلة إلى منصب عام، وصار يريد فرض قانون للضريبة يختلف مع مصالح هذا المجتمع المدني.

يعني، في لحظة واحدة، يصبح المجتمع المدني حليفاً طبيعياً لمجتمع الطوائف. الاثنان في حالة تناقض كلي مع المجتمع – الدولة. وبهذا، لا يبدو مستغرباً أن يذهب أفراد المجتمع المدني نحو التماهي مع ما تقوم به القوى الأكثر نفوذاً في البلاد. لنأخذ الحريرية المنهارة درساً، أو لننظر إلى حالة حزب الله الذي أسّس لنفسه مجتمعاً مستقلاً، من حيث الحاجات المشتركة لأبنائه في العلم والعمل والطبابة والسكن والثقافة والفنون والترفيه، إضافة إلى عنصر تمايز أكثر فعّالية يتعلق بجيشه الذي يقيه شرّ الانقلاب متى أراد خصومه ذلك.
بهذا المعنى، يمكن القول، بأن المخبولين فقط يعتقدون أن أغلبية الناس في لبنان تقبل السير خلف ناشطين من «المجتمع المدني« يتجمّعون في أطر تحت اسم «المنظّمات غير الحكومية». والمسألة هنا لا تعود متعلقة بمواصفات المتصدّين لدور القيادة. المسألة تتعلّق بالأهداف الفعلية لهؤلاء. حيث التناقض أشد قساوةً في طبيعة التطلّع والتطلّب عند الكتلة المَدينية عن أبناء أحياء البؤس داخل المدينة نفسها، أو أبناء الأحزمة التي صارت مدناً بحالها. وهو تناقض يتصل بكل أشكال الحياة، بما يجعل التوافق على ورقة أو إطار أو اسم، توافقاً مفترضاً كحال الثائرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

أفراد المجتمع المدني هنا، هم الذين تجمّعوا خلال عقود ما بعد الحرب الأهلية. هم أولاد جيلين: واحد تعثّر مشروعه الكبير في التغيير الشامل، وثانٍ عانى من إحباط الأهل فوجد ضالّته في خيارات فردية، تجعل القائم شيئاً مرذولاً يمكن الاستغناء عنه. احتاج هؤلاء ليس إلى علوم متقدمة فقط، بل إلى تسويق لقدرات لا تجد تاجراً لها سوى العابثين بأحوال المجتمعات المرصودة كأهداف لاستعمار جديد. والتسوية بين الطرفين تنتهي على شكل حضاري منمّق لنفس فكرة جماعات «التكفير والهجرة» التي قامت في تسعينات القرن الماضي في شمال أفريقيا. هي حالة تنشد ابتعاداً إلى حدّ الانفصال عن المجتمع – الدولة. لا تفترض بالضرورة عنفاً مؤسِّساً لاحتراب أهلي، بل تكتفي بعنف لفظي قائم على فوقية افتراضية وتسخيف الآخر، والسعي إلى بناء بيئة مستقلّة، تتطلب توحّداً في الطقوس اليومية للحياة، ولكن راضية منصاعة لمرجعية واحدة تتحكّم بكل هؤلاء، هي مصدر المال.

والعنف البديل عند هؤلاء هو العنف اللفظي الذي ينتهي عادة على شتم وأنواع من التنمّر، حتى يكاد رفع الصوت أو القبضة أن يكون فعلاً انتحارياً، يتطلب حفلاً وداعياً تُتلى فيه وصايا الاستشهاديين. وفي بال هؤلاء صورة المضربين في «وول ستريت». هكذا تعلموا فعل النضال الجذري. هكذا شاهدوه بأمّ العين، لكن على شاشات. وهذا ما تدرّبوا عليه لسنوات في ورش العمل على النضال من أجل المواطنة، كما تُقدمها مدارس الـ«أن جي اوز».

بالنسبة إلى هذا الصنف، ينحصر الأمر في معاناة تخصّهم لوحدهم. تخصّ مكان سكنهم وجامعاتهم وعملهم وسهرهم. لا تبقى في ذهنهم صور مختلفة عمّا عاشوه في منازل الأهل. كل مظاهر الاحتجاج والملل من سنوات العشرية الأولى من حياتهم، هي حكايات للتندّر فقط. هم كحال الذين انتموا إلى أحزاب عقائدية عابرة. يجمعون كل ما عاشوه مع الأهل، ويضعونه في كيس داخل صندوق أمانات على باب المكتب الحزبي. هؤلاء، يحتاجون إلى قطع نهائي مع الماضي الاجتماعي، مستعدون لفعل أي شيء من أجل ذلك. حتى ارتكاب ما تراه عائلاتهم عيباً كبيراً، إذا كان يساعدهم على الانقطاع الكلي. الترقّي بالنسبة إليهم هو فعل مظهري، يتصل بنوع الثياب وقصة الشعر والحلي، وهو يتصل بنوع الأكل والشراب وطريقة الكلام ونوعية المفردات المستخدمة، وطقوس موحّدة حيال المسرح والسينما والموسيقى والقراءة والسفر. يتحولون فجأة إلى كشافة يشبهون بعضهم البعض حتى ولو كانوا يكيلون لبعضهم السباب والشتائم. القاعدة الجديدة التي أرستها ثقافة الفرد المستقلّ كما تقول نظرية المنظمات غير الحكومية، هي التي تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات إزاء الرجل الأبيض. درجة من الإعجاب الأخّاذ، لكن من دون نقاش جدي أو اعتراض فعلي. وإلا تم حرمانهم من كل شيء: العمل والراتب والعلاقات، وهذا يعني تلقائياً تهديدهم بإعادتهم إلى بيوت الأهل. وإلى الأحياء الحقيقية التي لا يريدون البقاء فيها.

اللّاطائفية التي تتّسم بها مجموعات هؤلاء ليست مسألة عميقة الجذور ثقافياً. اللّاطائفية، هنا، شكل من المساواة فرضتها آليات المموّل الذي لا يهتم لغير الولاء. لكن البديل عن الطائفية كشكل من أشكال التمييز في بلادنا، هو الطبقية بشكلها الجديد. الطبقية التي تجعل الساعي إلى الانتماء إلى هذه الفئة متحفّزاً لإثبات أنه غادر موقعه السابق، ومستعد للقيام بكل ما يجعله يحظى بالعضوية الجديدة، ولفعل أي شيء أثناء صعوده درجات سلّم هذا العالم، ويتّسم بانتهازية دفينة تجعله مستعداً كل لحظة للانشقاق والتحول نحو منظمة أخرى متى جاءت الفرصة الأفضل مكانة ومرتباً ونفوذاً. والمموّل لا يهتم لكل هذا السباق وكل هذا الصراع. ما يهمه هو الحفاظ على مرجعيته الأساسية التي تتحكم عملياً بحياة عشرات الآلاف من الشباب في بلدان متعبة. والتحكم هنا، من أجل تحويلهم إلى جنود في معركة السيطرة على الأنظمة والثروات. وعلى طريقة الديمقراطية الأميركية، سيكون للمنضوين في جيش هذه المنظمات، الحق، كل الحق، في قول ما يريدون. لا يهم رفع السقف والصوت، لكن، دون تجاوز الخط الأحمر.

أفراد المجتمع المدني أقرب إلى البرجوازيين الذين يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة في نقيض لطبقة المواطنين الذين هم في موقع أدنى اقتصادياً وهاجسهم هو المصلحة المشتركة

قسم غير قليل من هؤلاء، عاشوا في ظل عائلات عانت الأمرّين لتوفير أفضل العلوم للأبناء. وباعت أرزاقاً توارثتها جيلاً بعد جيل من أجل تحسين نمط العيش، وتخلّت عن الكثير من أحلامها من أجل زرع الأمل بغد أفضل في قلوب وعقول الأبناء. وهي عائلات تحدّت أيضاً قوانين «العائلة» و«الطائفة» و«المجتمع – السلطة» من أجل تحقيق ذلك. وهي فعلت ذلك، بصورة فردية، في ظل غياب مجتمع متماسك، وفي ظل غياب دولة طبيعية. وفي ظل غياب قوانين ناظمة للحياة. أما الأبناء، الذين نراهم اليوم في الساحات متصدّين لقيادة الثورة المجيدة، فقد سمعوا وحفظوا الكثير عن حياة القهر. وحملوا الحقد على مرجعيات وإقطاع أذاق البلاد الأمرّين ولم يزل. وسكنتهم الضغينة إزاء غياب العدالة في توزيع الفرص والثروة على الناس. لكنّ هؤلاء، تربوا على أن البديل عن التغيير العام الذي لا يحصل من دون حركات سياسية متكاملة، هو التغيير الفردي. ولذلك، نشط هؤلاء من دون هوادة لتغيير جذري في حياتهم كأفراد. أسقطوا توالياً كل أشكال التضامن الاجتماعي والأهلي. ثم أعلنوا كفرهم بكل تشكيل سياسي أو اجتماعي عابر للقضايا والمناطق والطوائف. وقرروا الاغتراب فكرياً وسلوكياً وحياتياً. وهم في حالة غربة حقيقية.

والتنافس القائم بينهم لا يتصل فقط باسترضاء المموّلين. بل يقوم على فكرة النشاط المفرط في سبيل إثبات القدرة على التأثير أكثر في الشارع. وعلى قدرة تقديم المختلف، لا يهم كيف يتم الأمر. المهم الحفاظ على مصادر التمويل جارية من دون توقف. وفي هذه الحالة، تختفي الشفافية الحقيقية، وتحل مكانها عبارة تُذيّل بها أوراق ومواقع عمل هؤلاء، تحت اسم «الممولون». أما كيف تجري عملية الانتساب، فهذا شأن خاص. لك أن تتعرف إليه فقط، في حالة قررت الانتساب إلى هذا النادي. وهناك تتعلم ألاعيب تُذكرك بسماسرة الإدارات الرسمية في الدولة. كيف تختار النموذج الأفضل لكتابة الفكرة، ثم من تستشير للحصول على خبرة في شرح الفوائد. ومن ثم تستعين بصديق لكي يكون منتجك مطابقاً للمواصفات، ثم تبدأ رحلة الاستجداء والاستعطاء. فترسل مشروعك إلى مئات العناوين، وتتصرف بانتهازية غير مسبوقة في التواصل مع كل من يخدم غرضك. ومتى حصلت على الموافقة الأولى، تستعد لتعلم كل متطلبات النجاح في المقابلة المباشرة. ولا بأس هنا، من الاستفادة من خبرات السابقين في كيفية وضع الموازنات وفتح الحسابات وتوظيف الناس وإعداد قوائم الدفع للمشاركين في هذا المشروع أو ذاك. لكن، لا يحصل ابداً، أن يسأل هؤلاء عن المنفعة العامة لما يقومون به. ومع الوقت، يصبح الواحد منهم، أسير موقعه الجديد. يتعرّف شيئاً فشيئاً إلى ماهية الأمر. ويعرف أكثر طبيعة المقاصد. لكنه، يسير في قطيع أعمى، ويقف مثل عمال عصور العبودية، في طابور طويل، ينتظر من ينقطه بضعة دنانير مع نظرة فوقية تذكره بأنه لن يكون يوماً على شاكلة الرجل الأبيض.

هل تذكرون ماذا فعل رفيق الحريري بجيل كامل؟ جرّه من إحباطه إلى العمل في خدمة مشروع لا أسس ثابتة له. أيقظ طائفية ومذهبية مقيتتيْن في عقول وقلوب من خبر التفلّت من قيود القبيلة. وجعله يتلو فعل الندامة ليلَ نهارَ. جعل مثقفين يتفنّنون في تأصيل مشهد الكرم والسخاء على أنه فعل إنساني خالص. وجعل جيشاً من الأتباع فريسة نظام حياة إن تخلوا عنه ماتوا غيظاً، فصارت السيارة والبيت والثياب والمطاعم والسفر أساس أي موقف من أي قضية. وما إن فرط المشروع بشحطة قلم، حتى سكن الإحباط هؤلاء. والآن نراهم في الساحات، مثل العاطلين عن عمل، لكنهم يريدون قيادة الناس نحو تغيير شامل، من دون الإشارة إلى مصدر القهر. وكلهم يستغلّون خوف اللبنانيين من كتابة تاريخ كلّه دماء وقمع وكذب، لكنهم يتوافقون على حيلة أهل هذه البلاد، بأنهم شعب اصطفاه الخالق من دون الآخرين، منبعاً للحرية والتقدم!

هؤلاء، هم أنفسهم الذين يتصرفون بثقة مُفرطة، على أنهم قادة التغيير في البلاد. وأي بلاد؟ بلاد نهشتها قوانين وسياسات عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقبلية على مدى قرنين على الأقل، ويعتقدون أن تطبيقاً ذكياً جُرب في مكان ما في هذا العالم، سيكون كافياً لسحق منظومة تتجذّر في الأرض وتحتاج إلى جيوش لقلعها. ويعتقدون أن طقوساً بلهاء، تحت عنوان التعايش والحب والعلم الوطني، كافية لإعادة إنتاج شعب مختلف. ومع ذلك، تراهم يختارون بوعي أو من دونه، الساحات نفسها التي ترمز إلى الحرب الأهلية مكاناً للتجمعات، ويسيرون في شوارع سُميت بخطوط التماس بين المتقاتلين، كأنهم يشعرون في دواخلهم بأن الحرب لم تنته بعد.

هل سمع أحد بتظاهرة في الدكوانة أو فرن الشباك أو حارة حريك أو الطريق الجديدة؟ هل تجمّع الناس في وسط المتن أو في جرد كسروان؟ هل سار هؤلاء في شوارع فنيدق أو تكريت أو قصدوا أحياء شحيم الضيقة، أو جرّبوا التنقل بين أزقة باب التبانة أو أحياء جبل محسن؟ هل قصدوا البلدة القديمة في صيدا أو غابة اللحم البشري في الأوزاعي أو حي السلم، أو تعرفوا إلى أحياء عالية الداخلية أو ما الذي يجري خلف الجدران في بعقلين وكفرحيم أو كيف يحل الصمت عند كل غروب، كأن الحياة انتهت في عماطور وبقعاتا ونيحا الشوف بينما يسترق الفتية صوت السمر والسهر يأتي خفيفاً من قصر الزعيم؟

هل جرّب أحدهم الدخول في قلب بلدة مجدل عنجر، أو حي الطمليس وحارات عين الرمانة وقرى إهمج وجاج ولاسا في جرد جبيل؟ هل يعرف هؤلاء ماذا ترتدي النسوة في قرى بشري ودير الأحمر وأعالي القبيات، وهنّ يشجعن الفتيات على الدرس عسى يكبرن ويتاح لهن التشبه بثياب الزعيمة عارضة الأزياء؟

لم يفعلوا، ولن يفعلوا، هم يتصرفون كما يفترض بهم التصرف على طبيعتهم، يذهبون نحو الساحات التي ينظرون إليها باعتبارها مركز النظام. يعتقدون أنهم في حال احتلوا حيزاً فيها، صاروا جزءاً من النظام. أو صار بمقدورهم التصرف على أساس أنهم هم النظام. برغم أنهم يعرفون أن أصل النظام موجود في الأحياء البعيدة وفي المناطق والأرياف. هناك يجري حشد الناس والأصوات. ومن هناك يأتي الموظفون والجنود والمتعبون. فتية المجتمع المدني، يرون في ساحات وشوارع المدينة الرئيسية أمكنة الحياة. وهم لا يهتمون بغير المركز. ويفترضون على طريقة الانقلابيين، أن من يحتل المركز يسيطر على البلاد.

ينسون أين كانوا هم قبل جيل. وعلاقتهم بالمهمّشين، تتحول مع الوقت إلى علاقة قائمة على أساس التفوق في كل شيء، العلم والمعرفة والسلوك والذوق وحتى الإحساس. وعندما يبنون ريفهم في المناطق البعيدة، لا يجيدون بناء علاقة مع أهل الأرض. بالنسبة إليهم، الفقراء بحاجة إلى دعم. لكن على طريقة العمل الخيري، صاروا مثل الأثرياء الجدد، يتنافسون على طريقة الإحسان إلى الفقراء. لا يعرفون عملاً من دون استعراض. حتى القبلة على خدّ طفل تنتظر وصول الكاميرا. والكاميرا هنا، لم تعد وسيلة الإعلام – الإعلان التقليدية. بل صارت كل الفضاء المفتوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. والإصلاح عندهم، يقتصر على حملة لمنع التنمّر, أو تعلم وضع حزام الأمان والتوقف عند إشارة السير، أ التدرب على فرز النفايات في المنزل والحي، أو لنذهب في رحلة إلى ذاك الجبل، لكن بعد أن نشتري العدّة كما شاهدناها في فيلم المتسلّق المحبوب. أما البحر، فيصعب أن يكون مكاناً للاختلاط مع العاديين. نرفض كل شيء عام. نرفض حتى الفنادق الكبرى، لكن تعالوا نفرض نموذجاً عن الفنادق الخاصة، من تلك البيوت التي هجرها أهلها، بموت أو تشرّد أو حتى إبعاد من الأولاد، لتحويلها إلى بيوت سياحية تستقبل الزوار الآتين من المدينة مع ابتسامات ودهشة.

هكذا هي حياة هؤلاء. الأفراد أو المجموعات المشكّلة لمجتمع واحد ولو بوجهين، هما مجتمع المنظمات غير الحكومية، ومجتمع الطوائف. يتصرف هؤلاء على أنهم البديل الفعلي لإدارة الدولة. حفظوا مقرّرات من مناهج بعيدة. درسوا تطبيقات على أمكنة وشعوب لا تنطبق بالضرورة على ناسنا هنا، لكنهم قرروا أنها الأنسب لنا. ويعتقدون أن بمقدورهم التسلط على الناس المتعبين، وقيادتهم في حراك أو انتفاضة أو ثورة لتغيير يدّعون أنه شامل. هؤلاء ليسوا، مع الأسف، مؤهّلين لنضال عام يقود نحو دولة متكاملة متماسكة، لها قوانينها المدنية أي المضادّة لقوانين الطوائف، ولديها سياساتها غير المحايدة إزاء ما يجري من حولنا في السياسة والأمن والاقتصاد والاستراتيجيا. هؤلاء مجموعة من الانتهازيين، تلفّهم السذاجة عندما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة، على طريقة أفلام الكرتون، التي تجعل الفأر فيلاً، وهم مجموعة من المتكسّبين، يعانون من مرض عُضال لا يقلّ خطراً عن مرض الحاكمين باسم الله والطائفة والمنطقة والعائلة!

الوقوع في الفِخّ

ديسمبر 7, 2019

د. عماد عكوش 

عندما بدأ الحراك في 17 تشرين الأول، تأمّلنا خيراً في تحقيق الإصلاح السياسي، والاقتصادي، وكان مفترضاً أن يلاقي الحراك السياسيين الذين يحملون لواء محاربة الفساد ليكونوا سنداً داعماً ضاغطاً لتحقيق هذه الإصلاحات، وكان يمكن ان يحدث هذا التعاون تغييراً جذرياً في السياسة والاقتصاد. ولا زلنا نأمل هذا التعاون علنا نستطيع ان نحدث تغييراً في الواقع الطائفي الحالي.

في بداية الحراك نزلت الناس وبشكل عفوي تطالب بمحاسبة الفاسدين وإعادة المال المنهوب، لكن هل يمكن تحقيق ذلك بالشعارات فقط أم نحن بحاجة الى من يقدّم قوانين في هذا المضمار، وبالتالي بحاجة الى نواب نظيفي الكفّ يقفون الى جانب هذا الحراك؟

لقد كانت هذه البداية مخيفة للولايات المتحدة الأميركية لكون معظم المتهمين بالفساد هم حلفاء لها، لذلك لجأت الى زرع مجموعات منظمة ضمن الحراك تنادي بشعار “كلن يعني كلن” حتى تضمن عدم قيادة هذا الحراك أو على الأقل دخول الحزب بكل ثقله في هذا الحراك.

نعم لقد استطاعت هذه المجموعة إخراج كل الأحزاب حتى مَن لا يوجد لديه أي ملف فساد، وبالتالي أخرجتها من إمكانية الاستفادة منها في عملية الإصلاح عبر رفع شعار “كلن يعني كلن”. وكانت هذه الشعارات مقصودة ومقصود من ورائها إخراج هذه الأحزاب، لأن دخول هذه الأحزاب ضمن المنظومة الحركية للثوار كان يمكن أن يضاعف من شعبية هذه الأحزاب؛ وبالتالي فإن المقصود من وراء خروج هذا الحراك عبر مجموعات منظمة بهذه الشعارات لن يحقق الهدف الأساسي منها وهو إضعاف قوى الإصلاح والسيادة.

كما وقعت أيضاً هذه الأحزاب الإصلاحية في الفخ الذي نصبه لها هذا الجزء من الحراك، بحيث أصبحت في الجانب الآخر من الضفة، وبدأت تدافع بها عن نفسها تجاه من يتهمها بالشراكة مع الفساد، وبالتالي أصبحت أسيرة هذا الدفاع، ولم تعد تتمكن من الوقوف الى جانب هذا الحراك أو الاستفادة منه لفرض محاربة الفساد ولفرض الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلد.

كما فرضت في المقابل الولايات المتحدة على الأحزاب الحليفة أن تخرج من الحكومة فكانت استقالة الرئيس سعد الحريري واستقالة وزراء القوات والضغط لاستقالة وزراء الاشتراكي. كما فرضوا على هذه الأحزاب ان تدخل بطريقة او بأخرى في هذا الحراك مع القيام ببعض الخطوات الاستفزازية والتي طالت الحزب وبيئته حتى تستدرجه هو وبيئته الى الشارع، وبالتالي حصول صدام على الأرض يبرر تدخلاً أممياً أو دولياً.

لقد استطاع مَن رسم هذا الفخّ أن يوقع بين الناس العفوية التي نزلت الى الشارع بكل عفوية وبين الأحزاب الإصلاحية والتي تبنت قوانين إصلاحية كثيرة ولازلنا نأمل أن يتم، لكن بالتأكيد هذا الأمر أصبح صعباً جداً، لكن هل يمكن إنجاز توافق أو تسوية معينة بين هذا الحراك وهذه الأحزاب مع تشكيل الحكومة الجديدة، أم أن هذا التوافق غير مقبول لا اليوم ولا في الغد؟

مواضيع متعلقة

دار الإفتاء»: الحريري أو لا أحد

مصادر «البناء»: لا حكومة بشروط بيت الوسط وتفعيل «تصريف الأعمال» حتى إشعار آخر

ديسمبر 9, 2019

محمد حمية

لم يصمد خيار تكليف المهندس سمير الخطيب حتى موعد الاستشارات النيابية، فالدعوة لاستشارات بعبدا كشفت حقيقة المواقف وسياسة حرق المرشحين التي يتبعها الرئيس سعد الحريري منذ ترشيح النائب محمد الصفدي حتى الخطيب مروراً بالوزير السابق بهيج طبارة وذلك بغية فرض نفسه على الأكثرية النيابية مرشحاً أوحد؛ أما الأخطر في الأمر والذي عقد الأزمة أكثر، فهو موقف المرجعية الدينية للطائفة السنية بتزكية الحريري وحجب الغطاء عن أي مرشح بديل مكرّسة بذلك قاعدة جديدة: الحريري أو لا أحد، ما يعني إغلاق الباب بإحكام أمام تسمية أي مرشح بديل ممكن أن تكلفه الأكثرية النيابية أكان مستقلاً أو من اللقاء التشاوري للنواب السنة، ما أثار استياء «اللقاء التشاوري»، مشيراً في بيان بعد اجتماعه مساء أمس في دارة النائب عبد الرحيم مراد، بحضور جميع أعضائه، أن

«مصادرة الحياة السياسية من قبل المرجعيات الدينية يُنهي دور المؤسسات الدستورية، وفي طليعتها المجلس النيابي، ويصادر الحرية السياسية الوطنية التي تجلّت في حراك الشعب اللبناني المنتفض على سياسة الفساد وتوزيع المغانم الذي أوصل البلاد الى ما نحن فيه، ويسيء إلى الدور الروحي للمرجعيات الدينية التي تجمع ولا تفرق، وتنأى بنفسها عن زواريب الحياة السياسة والألعاب السياسية الرخيصة».

Image result for ‫زيارة الخطيب الى دار الفتوى‬‎

وبعد زيارة الخطيب الى دار الفتوى ثم الى بيت الوسط وإعلان انسحابه من السباق الى رئاسة الحكومة، أجرى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سلسلة مشاورات واتصالات لاتخاذ القرار المناسب في ضوء التطورات، وتلقى عون اتصالاً من الحريري طالباً منه تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة ثم اتصل رئيس الجمهورية برئيس مجلس النواب نبيه بري للتشاور، قبل أن يعلن عون في وقت متأخر من ليل أمس تأجيل الاستشارات الى الاثنين المقبل.

في المقابل أشارت مصادر في تيار المستقبل لـ»البناء» الى أن«الإجماع السياسي والديني حول الحريري يفرضه كمرشح أول، لكنه لم يجد أن الظروف مناسبة لعودته الى رئاسة الحكومة في ظل شروط الفريق الآخر عليه، فلا يريد تكرار تجربة الحكومة المستقيلة»،موضحة أن«عودته تقتضي إبرام اتفاق سياسي جديد مع الأطراف الأخرى وعلى رؤية وسياسة واضحة، والمهلة الإضافية لموعد الاستشارات ستكون فرصة للتوصل الى اتفاق لعودة الحريري»،مضيفة أن«أي مرشح آخر الخطيب أو غيره مقبول لدى الحريري لكن وفق شروط معينة لم يقبل بها عون وفريق 8 آذار».وجددت المصادر«إصرار الحريري على حكومة تكنوقراط مخصصة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية بعيداً عن المقاربات والنزاعات السياسية».

ولفتت أوساط سياسية لـ»البناء» الى أن «تأجيل الاستشارات جاء بعد مشاورات داخلية وخارجية وتحديداً فرنسية لبنانية، لترقب نتائج مؤتمر باريس على الصعيدين المالي والسياسي وتوضّح المشهد الداخلي أكثر».

في المقابل، أشارت مصادر مطلعة لـ»البناء» الى ان

«خطة الحريري كانت منذ استقالته ولا زالت اللعب في الوقت الضائع لفرض أمر واقع على فريق المقاومة، إما أنا رئيس بشروطي، أي حكومة تكنوقراط من دون التيار الوطني الحر وحزب الله وإما لا أحد، وإبقاء الأزمة مستمرة وتحميل خطر الفراغ السياسي وبالتالي التداعيات الاقتصادية والمالية والأمنية لفريق عون – حزب الله».

وأضافت المصادر أن

«حزب الله مستاء من سلوك الحريري حيال الملف الحكومي»، مؤكدة أن «قبول شروط الحريري لعودته الى رئاسة الحكومة غير وارد وإن طال أمد تصريف الأعمال سنوات»، وكشفت ان «شروط الحريري لعودته لرئاسة الحكومة لم تتغيّر، فهو يريد حصر قرار الحكومة السياسي والمالي والاقتصادي والخارجي بيده».

كما تحدّثت المصادر عن تنسيق بين الحريري ورئيس الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس القوات سمير جعجع ومع بعض مجموعات الحراك في الشارع لإجهاض الاستشارات لإبقاء الازمة ومفاقمة الوضع الاقتصادي والمالي بهدف الضغط على رئيس الجمهورية وحزب الله للسير بحكومة وفق الشروط الحريرية التي تُخفي الشروط الأميركية.وفي إطار ذلك، حذّر وزير الخارجية جبران باسيل السبت من أن «لبنان مهدّد في حال استمرت التوترات الحالية التي تشهدها، بالوقوع في فوضى لن تكون خلاقة بل ستكون مدمّرة». ودعا باسيل إلى تطبيق الإصلاحات المطلوبة لحماية البلد من التدخلات الخارجية والانهيار المالي والاقتصادي.

مواضيع متعلقة

ما الذي كان ينتظره الرئيس الحريري وماذا تغيّر؟

Image result for ‫الحريري والمفتي‬‎

ديسمبر 9, 2019

ناصر قنديل

– منذ تسلّل شعار إستقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط ليصبح شعار الحراك الشعبي، كان لدينا القناعة وكتبنا، أن المسلسل المرسوم سيمرّ بحلقات تُستكمل بتبني الرئيس سعد الحريري لدعوة الاستقالة، ولو تمّت تلبية كل طلباته بعد تهديده بالاستقالة ما لم تُقبل هذه الطلبات من شركائه في الحكومة، كما قال عندما حدد مهلة الاثنتين والسبعين ساعة. وكان السؤال يومها، هو السؤال اليوم، ما الذي تغيّر بين إقرار الورقة الإصلاحية التي أعلنها الحريري بلسان الحكومة، وبين إعلان الاستقالة بعد أسبوع. واليوم ما الذي تغير بين بدء الرئيس الحريري بتسمية سواه لرئاسة الحكومة، الاسم تلو الاسم، وبين ساعة تتويجه رئيساً محتملاً وحيداً لرئاسة الحكومة من دار الفتوى؟

– قد يكون من الظلم للرئيس الحريري الحديث عن خطة كان يعمل وفقاً لها، وقام خلالها باستهلاك أسماء أصدقائه المقرّبين كمرشحين محتملين لرئاسة الحكومة، لكن من غير الإنصاف للحقيقة القول إن الرئيس الحريري كان عازفاً عن تسميته، أو أنه لم يكن يتمنى أن تأتي ظروف مناسبة ليترأس هو بنفسه هذه الحكومة. وبالتالي فإن ثمة ما لم يكن متاحاً له في البدايات، وصار متاحاً اليوم، سواء في الصورة الداخلية المحيطة بتشكيل الحكومة أو في الصورة الخارجية السياسية والتمويلية، التي يرتبط بها نجاحه في تشكيل الحكومة بداية وفي مسيرة عملها لاحقاً.

– في الأيام الأولى للاستقالة كان الاشتباك في ذروته حول طبيعة المرحلة، بين القوتين الرئيسيتين المتقابلتين حول ما ينتظر لبنان، فواشنطن ومعها مشاركات وانتظارات غربية وعربية كانت تقرأ المشهد بعين التلويح على حافة الهاوية بخطر الانهيار، ورفض أي مساهمة منها أو من سواها في تعويم لبنان مالياً، وترى في ذلك فرصة لمحاصرة حزب الله وحلفائه، كما تراها فرصة للتقرب من إيران التي كانت الاضطرابات قد بدأت فيها، واعتقد كثيرون في واشنطن أن الوقت ليس للتسويات بل للتصعيد. وتجمّد الوضع الغربي والعربي عند خطها الأحمر. فتراجع الحريري عن السير بالورقة الإصلاحية واستجاب لنداء الاستقالة، وترجم الحريري شعوره بأن الوقت ليس مناسباً لتولي رئاسة الحكومة، بتداول أسماء يعرف عدم جديتها، بنظر شركائه في الحكم منذ البداية.

– المرحلة الثانية جاءت مع تسمية الحريري لكل من الوزيرين السابقين محمد الصفدي وبهيج طبارة تباعاً، بعدما كانت صورة الأحداث في إيران تتوضّح، ويسقط الأمل بتوظيفها في مشروع مواجهة ذات جدوى، بينما ظهر داخلياً أن حكومة تكنوسياسية هي الحد الأدنى الذي يمكن السير فيه مع الشركاء الآخرين، وخصوصاً حزب الله وحلفاءه، فيما كان الحريري قد صعد الشجرة عالياً ولم يعد ممكناً له النزول بسرعة عن سقف حكومة تكنوقراط خالصة بسهولة، فدخل التفاوض بالواسطة عبر الأسماء التي رشحها، وقطع مراحل من الاختبارات لما هو ممكن، وما هو غير ممكن، ونجح في بلوغ مراحل لم يكن وارداً تحصيلها بدون هذا السيناريو.

– المرحلة الثالثة مع المرشح سمير الخطيب كانت الوحيدة التي تتسم بالجدية وفقاً لما نتج عن المفاوضات التي رافقت مرحلتي الصفدي وطبارة، وكانت حسابات الحريري قائمة على ركنين، الأول يتصل بالحاجة لمرحلة انتقالية دولياً وعربياً ولبنانياً لبدء تدفق الأموال، ومرور فترة صعبة وقاسية مالياً، يفضل الحريري أن يقودها عبر سواه، ليعود لرئاسة الحكومة بعد تخطيها، وبدء التدفقات المالية الموعودة، والثاني هو تقدير الحريري لفرصة الإفادة من علاقات الخطيب المباشرة بسورية او من الدعم الذي سيلقاه من المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، لتجاوز القطيعة التي فرضها الحريري بين رئاستي الحكومتين في البلدين، وقد باتت الملفات الاقتصادية المتراكمة تتطلب ذلك، بانتظار المصالحة بين سورية والسعودية التي تتيح للحريري التقدّم بعد حدوث التمهيد المطلوب من الخطيب، ومعه ترتيبات المشاركة الموعودة في إعادة إعمار سورية.

– الذي حدث أن مؤشرات إزالة الخطوط الحمر الأميركية تسارعت بوتيرة غير متوقعة لجهة النظرة للمنطقة، وجاء مؤشر بتبادل الإفراج عن السجناء بين الحكومتين، ترجمة لتفاهم يشبه التفاهم الذي بشّر به الإفراج عن الرهائن الأجانب في لبنان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ومهّد لحرلة كان عنوانها مؤتمر مدريد واتفاق الطائف وحرب الخليج، وكانت كل من سورية وإيران شريكتين في هذه المرحلة. فالكلام السعودي عن قرب الحل في اليمن ليس بعيداً عن أذن الحريري، ونجاح مهمة وزير خارجية عمان في طهران وإعلانه التحضير لمؤتمر لأمن الخليج بموافقة ومشاركة سعودية وإيرانية، تشارك فيه كل الدول المعنية بأمن الخليج، ليس بعيداً عن عين الحريري، والاجتماعات التي شهدتها وستشهدها باريس حول لبنان، تقول في السياسة بحكومة يشترك فيها الجميع، ووعودها بالأموال ليست بحاجة للانتظار الطويل.

نزل  الحريري عن الشجرة وطلب رئاسة الحكومة لنفسه بلسان دارالفتوى، لكن الإخراج لم يكن موفقاً إلا إذا كان تمهيداً تسجيل سابقة ضرورة حصول المرشح لرئاسةالجمهوريةعلى ترشيح بكركي؟

مواضيع متعلقة

العبث بالتسويات مخاطرة غير محسوبة

 ناصر قنديل

– بات واضحاً أن المشاريع التي حملها كل من الأطراف المعنية بالملف الحكومي لا تشبه التسوية التي باتت على الطاولة اليوم. فالحل النموذجي بالنسبة لتيار المستقبل ورئيسه رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري كان عودته لرئاسة الحكومة بشروطه، ومضمونها حكومة طوع بنانه يحكم بواسطتها ويتحكم بها وعبرها برسم السياسات الاقتصادية والمالية، ويستقبل عبرها المساهمات المالية التي تعوّم نموذج إطلاق يديه في الحكم، تمهيداً لتوظيف ذلك في معاركه السياسية والانتخابية اللاحقة بوجه الغالبية النيابية، التي يسعى ويأمل باستعادتها عبر انتخابات مبكرة بقانون جديد يناسبه ويناسب حلفاءه يستند إلى النسبية والمحافظات الخمس، ولا يمكن لثنائي حركة أمل وحزب الله رفضه؛ بينما الحل النموذجي بالنسبة لثنائي حركة أمل وحزب الله كان بعودة الحريري وحكومته التي استقالت بنسخة منقحة، لا يتعدى تنقيحها حدود القبول بوزراء اختصاصيين يمثلون مكوّنات الحكومة ويحفظون توازناتها، خصوصاً لجهة حجم وصيغة تمثيل التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل؛ أما التيار الوطني الحر ورئيسه فكان الحل النموذجي عندهما استثمار فرصتي شراكة الحريري في التلاعب بمصير الحكومة مع قيادة الحراك على حساب شركائه في الحكومة والتسوية الرئاسية، ووجود أغلبية نيابية يملكها التيار وحلفاؤه، لترجمة ذلك بتدفيع الحريري ثمن فعلته، والمجيء برئيس حكومة وحكومة يستبعد الحريري منهما وتتيح للعهد الرئاسي ممارسة صلاحياته في نصف العهد الثاني بصورة تتيح تحقيق إنجازات وتفتح الباب للانتخابات النيابية والرئاسية أمام التيار.

– المفاوضات التي جرت خلال كل الفترة السابقة، وما تم تداوله خلالها من مرشحين، كانت تتم تحت إيقاع سعي كل فريق لفتح الباب أمام ما يراه حلاً نموذجياً، ومشكلة الحل الذي يريده الحريري أنه يعني تنازلات من ثنائي حركة أمل وحزب الله، وخصوصاً حزب الله، تطال وجوده المباشر في الحكومة، لكنها تصيب أكثر حليفه التيار الوطني الحر. وهذا غير مقبول عند حزب الله. والرهان على التهويل بالانهيار لإضعاف عزيمة الحزب في غير مكانه، بينما مشروع الثنائي فدونه قبول الحريري وتخلّي التيار عن مشروعه الخاص، فيما مشروع التيار يحتاج للغالبية لتطبيقه، وبالتالي لاقتناع حزب الله وعبره الحلفاء بأن لا فرص تفاهم مع الحريري، وهكذا كان الحريري يخوض التفاوض لينتزع التنازلات ويراكمها وصولاً لترجمتها في حكومة برئاسته، لكنه لم يصل. وكان الثنائي يخوض التفاوض ليثبت للحريري أن بمستطاعه التراجع عن انسحابه بعدما تخلى الغرب عن شروطه، وأن الفرصة مفتوحة لعودته، بينما يفاوض التيار ليثبت لحزب الله أن لا جدوى من التفاوض مع الحريري.

– في قلب التفاوض كان الوضع الدولي يدخل على الخط منعاً للتصعيد، لأن البديل كما وصفه المسؤولون الغربيون مكاسب لخصوم الغرب الاستراتيجيين على المدى الطويل، فينخفض سقف الشروط التي تبلّغها الثنائي من الغرب نفسه فما عاد الحريري قادراً على رفع سقوفها لتلاقي سقوفه المعلنة. وكان الخليج يدخل على الخط لتسمية تتيح تجسير العلاقة مع سورية بعيداً عن تعقيدات تحكم الحريري في هذه العلاقة بسورية، فصار بين أيدينا مشروع جدي لتسوية. وصار الجميع أمام التحدي العملي، جواب الثنائي كان عملياً ونهائياً باعتبار المشروع يستحق الترصيد ما لم يقبل الحريري بترؤسه في اللحظة الأخيرة دون شروط جديدة، وجواب التيار لا يزال التشكيك بصدقية الحريري واتخاذه سبباً وعذراً لإبقاء مشروع تسمية أخرى لحكومة غالبية بوجه الحريري على الطاولة، وجواب الحريري لا يزال نعم للتسوية، لكن مع التشكيك بصدقية سير التيار بها واتخاذه عذراً للتساؤل عن فرصها الحقيقية.

– التخريب على التسوية لايعني عملياً سوى الإطاحة بفرصة حكومة ،يحتاجها لبنان، بعدما تم الاتفاق على العناصر التي تفجر الحكومات، والفشل سيعني انقلاباً مباشراً من أحد الأطراف على شروط التسوية ويضعه في مأزق، لذلك سيبقى السؤال الحالي، هو ماذا سيفعل الثنائي كبيضة قبان في تشكيل غالبية مع التيار أو مع الحريري، إذ ااستحال الجمع بينهما؟والجواب أن الثنائي متمسك بالتسوية وأن الانقلاب عليها من أي طرف سيعني فتح الباب لمشروع خصمه ويعزز وضعه التفاوضي، والتسوية سلة متكاملة تبدأ بتسمية رئيس مكلف وتتوّج بتشكيل حكومة مشاركة بشروط تم تحديدها

فيديوات متعلقة

مواضيع متعلقة

الحريري: طلبات أميركا… أوامر!

Image result for ‫سعد الحريري مع الدب الدتشر‬‎

هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

 

ابراهيم الأمين

الأربعاء 4 كانون الأول 2019

واجه سعد الحريري أصعب الاستحقاقات في حياته. فلا هو قادر على عدم تأليف حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه يواجه ضغطاً كبيراً من الداخل والخارج للسير بتسوية ما. المسألة هنا تتعلق في كون الحريري لا يمكنه الخروج من السلطة الآن. واذا اجبر على هذه الخطوة، فهو سيبدأ بزرع الالغام على طول الطريق التي يفترض ان تسلكها من التكليف الى التأليف الى جلسة الثقة.

عدم رغبة الحريري بأن يشكل غيره الحكومة ترتبط بمصيره. الحديث، هنا، عن بطالة كاملة. عن تقاعد مبكر غير مضمون النتائج. عن اعتزال مبكر لكل أنواع الأعمال السياسية والتجارية. عن اعتكاف يقود صاحبه الى الابتعاد تدريجياً عن الأنظار حتى يصبح منسياً. عن مغادرة تعني الهروب الى أقاصي الارض بحثاً عن ملاذ آمن.

رئاسة الحكومة، بالنسبة إلى الحريري، تعني كل مستقبله. تعني مستقبله السياسي كواحد من زعماء لبنان، لا يمكنه، من دون السلطة والمال، قيادة تياره ولا كتلته النيابية في مواجهة صقور يريدون انتزاع الزعامة منه احتجاجاً على قلة دراية أو نقص في الوضوح أو تردّد في المواجهة. تعني مستقبل علاقته مع الناس في المناطق والقطاعات حيث انفرط عقد التيار ليعود الى جمعيات، النفوذ فيها لمن يملك القدرة على الدفع أو رفع الصوت. تعني فتح أفق الاعمال التجارية الجانبية بعد توقف المصدر الاول للرزق في السعودية والعالم. والعزوف عن الرئاسة يعني تعرضه لعزل من العائلة نفسها، في مواجهة زوجة والد لم تعد تطيق كل تصرفاته، وإخوة يتوزعون بين من يقاطعه ومن يحاربه مباشرة وعلناً، ومن لم يعودوا يرون في لبنان حتى مكاناً للعيش.

رئاسة الحكومة تعني لسعد الحريري الحصانة الفعلية في مواجهة مئات المعارك القانونية في لبنان والسعودية والامارات وغيرها. تعني حصانة تحول دون اعتقاله على باب طائرته الخاصة في عاصمة ما والتحقيق معه ومصادرة طائرته وما معه من حلي وثياب. تعني حصانة لا تزال تفتح له أبواب قادة وحكومات وأجهزة وشركات في العالم بصفته لا بشخصه.

Image result for ‫الدب الداشر‬‎

حصانة تقيه شر العزلة التامة التي تحوله الى رقم منسيّ إذا ما قرّر خصومه ذلك. حصانة تحول دون اعتقال وسجن أكيدين في ما لو زار السعودية كحامل لجنسيتها فقط. عندها، لن يقيه أحد في العالم شر «الدب الداشر».

رئاسة الحكومة تعني للحريري مركز نفوذ متنوع في لبنان وقابل للاستخدام في المحيط القريب والبعيد. تعني بقاءه في ظل حماية أمنية محلية وإقليمية ودولية، وهو هاجس صار يسكنه كما حال العائلات الحاكمة في بلادنا والعالم. تعني البقاء على التواصل مع جهات قوية في لبنان يمكنها أن تمحو رقم هاتفه من ذاكرة هواتفها لو استقال. وهي تحول دون سقوط ما تبقّى من هيبة له بين رجال أعمال وسماسرة وشركات تخشى قدرته على تعطيل أعمالها أو عرقلتها. وتعني، أيضاً، قدرة على استمالة ناس من هنا وهناك باسم الطائفة والموقع والبلاد.

كل ذلك يعني، ببساطة، أن الحريري لن يترك رئاسة الحكومة من دون قرار كبير يتخذه من يملك القدرة على تقرير مصيره السياسي. تجربة الاحتجاز في السعودية لم تمنحه قوة مقاومة لعدم تكرار التجربة، بل يبدو أن الايام القليلة التي أمضاها في معتقل مرفّه، أصابته بمتلازمة استوكهولم التي تجعل الرهينة أسير دونية غير مفسّرة أمام خاطفه. وهو الذي ضعف وارتبك وخاف من مصارحة الناس بحقيقة ما حصل معه، وتراجع عن محاسبة من خانه وتآمر عليه من أبناء بيته، وأبناء تياره، وأبناء جلدته ايضاً. وأصابته عوارض إطلاق السراح المشروط، فلا هو قادر على شكر من ساعده على الخروج من أزمته، ولا على الجهر بحقيقة من أعانه وأخرجه من سجنه بالقوة لا بالدبلوماسية. وهو الذي لم يقدر حتى على بقّ البحصة التي تحولت كتلاً خرسانية تعطل كامل جسده.

الذين يعرفون سعد الحريري جيداً يتحدثون عن مفاجآت في شخصه هذه الايام. عصبيّته وطريقة أكله للسيجار، لا تدخينه، وعلاقته مع طعامه أو نبيذه الفاخر، وطريقة جلوسه داخل الدار وخارجها، كل ذلك لا يعكس ارتياحاً، بل ضيقاً شديداً يرفع من منسوب توتره الشخصي.

واللافت أن الرجل الذي عُرف ببساطته السياسية وقلة حنكته في إدارة التحالفات والملفات، «أصيب» فجأة بنوبة من دهاء غير مسبوق. وما يقوم به في سياق ملف تشكيل الحكومة الجديدة، يعيد الى الأذهان حكايات بيروت عن مفاوضات صائب سلام ورشيد كرامي وآل الصلح. حتى والده لم يكن يهتم بالطرق الملتوية. وربما كان الحضور السوري في القرار النهائي مانعاً للمناورات. لكن، رغم ذلك، لم يكن رفيق الحريري يحتاج الى ألاعيب جانبية.

هل هو فعلاً محتجز هذه المرة لكن في بيروت، أم خاطف لرئاسة الحكومة، لا يريد تركها لحظة ويحضنها في سريره كأعزّ من ألف عشيقة؟

وحتى لا يبدو أن في الامر إهانة شخصية، لنقل إن سعد يحيط نفسه، أو إن هناك من يحيطه، بمن هم قادرون على التلاعب بالحقائق بطريقة افضل، وعلى درجة من الحنكة غير المسبوقة في بيت الوسط: من إبعاده المتعِبين من حوله، المعروفين بكثرة الكلام وقلة الافعال، الى إدارة شارعه الغاضب لألف سبب غير ملف رئاسة الحكومة، الى تعامله مع الازمات الهائلة التي تمر بها البلاد، الى طريقة إدارته مرحلة تصريف الاعمال، إذ يهمل ما يتعبه في الاقتصاد والادارة ويمسك بما يفيده في الامن والمال. والاهم طريقة إدارته النقاش مع المرشحين لخلافته في رئاسة الحكومة. فيظهر في غالب الاحيان كزاهد في الحكم، وغير مهتم بتفاصيل تشكيل الحكومة، وراغب في الابتعاد للاستراحة، لكن، سرعان ما يصبح شيخاً في السياسة، له باعه في النصح والمشورة. وما يخرج من فمه ليقع مباشرة في أذن من يطمح لخلافته، يتحول رصاصاً يجعل منافسه صريعاً فاقداً لأهلية الدور.

أما ملاحظاته، أو وصاياه، فهي، ببساطة شديدة، ليست سوى المطالب الواضحة لتحالف السعودية – أميركا الذي يدرج لبنان ساحة مركزية في معركته المفتوحة مع إيران ومحور المقاومة. وهي معركة لها أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية. لذلك، يكون الحريري واضحاً في مطالبه:

أولاً: لا تراجع عن السياسات المالية والاقتصادية ولا خيارات سوى الإقرار ببرامج الخصخصة الكاملة، وضرورة تأبيد وجود رياض سلامة في حاكمية مصرف لبنان.

ثانيا: إضعاف التيار الوطني الحر من خلال منع رئيسه جبران باسيل من الدور الوزاري المباشر، وحرمانه من حقائب اساسية تجعله قليل القوة في مواجهة خصمه الرئيسي سمير جعجع.

ثالثاً: تعزيز استقلالية الجيش وقيادته عن سلطة رئيس الجمهورية ووزارة الدفاع، ومنع التعرض لقائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير الاستخبارات العميد طوني منصور، والإقرار بهامش خاص لعمل الجيش على طول حدود لبنان الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية.

رابعاً: إفساح المجال أمام بقاء حالة «غليان الشارع» لكن في وجهته ضد عون وحزب الله، والسعي الى انتخابات نيابية مبكرة تعدل ميزان القوى داخل المجلس، وتفتح الباب أمام طرح انتخابات رئاسية مبكرة.

Image result for ‫سعد الحريري مع محمد بن سلمان‬‎

هنا، يصبح السؤال حول واقعه أمراً حتمياً: هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

Image result for ‫سعد الحريري‬‎

Related Videos

Related Articles

الحريري إلى الشارع مجدداً!

الحريري إلى الشارع مجدداً!

(مروان طحطح)

سياسة

الأخبار

الثلاثاء 3 كانون الأول 2019

طوال اليومين الماضين، تزامنت أخبار اللقاءات التي يجريها المرشح لتولي رئاسة الحكومة، سمير الخطيب، مع شائعات عن إيجابية توحي بقرب تأليف الحكومة. لكن وقائع الليلة الماضية كشفت أن كل ما اشيع عن تطورات ايجابية لا يبدو دقيقاً. على العكس من ذلك، تشير المعلومات إلى أن رئيس حكومة تصريف الاعمال، سعد الحريري، يتجه صوب التصعيد بهدف تحصيل تنازلات من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحزب الله وحركة أمل. وما يريده الحريري ليس أكثر من تأليف حكومة تُرضي الدول الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وأكثر ما أظهر نوايا الحريري العودة إلى اللعب بالشارع. ففيما لم تعلن أي جهة او مجموعة مشاركة في الانتفاضة الشعبية عن دعوة لإقفال الطرقات، نزل شبان في المناطق التي يملك فيها تيار «المستقبل» نفوذاً كبيراً، في بيروت والبقاع وطريق الجنوب، لقطع الطرقات، من دون تحديد أي هدف لهذا العمل. الأمنيون، قبل المعنيين بالمفاوضات الرامية إلى تسمية رئيس للحكومة، لم يصدقوا بيان تيار المستقبل الذي تبرأ من البيانات «المجهولة المصدر» التي دعت إلى إقفال الطرقات. الوجوه نفسها كانت في الشوارع أمس. وجوههم ظاهرة في كاميرات المراقبة التابعة لقوى الامن الداخلي. كما أن استخبارات الجيش وفرع المعلومات يعرفان أسماء المسؤولين عن تحريك الشبان. في الناعمة، وقصقص، والكولا، والمدينة الرياضية، وفي عدد من القرى البقاعية، قُطِعت الطرق، كما اعتاد المحركون انفسهم والقاطعون انفسهم أن يفعلوا منذ أسابيع. لكن هذه المرة كان الجيش أكثر «تشدّداً» من المرّات السابقة، ولم يصبر بالقدر الذي اعتاده. بمجرّد قطع مجموعة شبان طريق الناعمة، تحرّك عناصره لفتحها بالقوة. وكان جلياً أنّ القرار واضح بمنع قطع الطريق. كذلك الأمر بالنسبة إلى طريق المدينة الرياضية التي نزل شّبان على متن دراجات نارية لقطعها بمستوعبات النفايات عند السابعة والنصف مساء، قبل أن يعمدوا إلى قطع طريقي كورنيش المزرعة وقصقص. غير أنّ قرار الجيش الحاسم حال دون استمرار قطع الطرق. وقد لاحق عناصره قاطعي الطرق إلى الشوارع الداخلية لبلدة الناعمة حيث تخلل ذلك إطلاق أعيرة نارية في الهواء. وعلّق مصدر عسكري أنّ تطبيق إجراءات الجيش مرتبط بقرار قائد الجيش العماد جوزف عون بمنع قطع أي طريق.

وإضافة إلى ما تقدّم، ثمة تحذيرات أمنية جدية من ارتفاع حدة الاحتجاج «المستقبليّ» في الشمال، في ظل نشاط لافت للأجهزة الامنية الرسمية على خلفية توسع «سوق السلاح» في بعض المناطق الشمالية. وإضافة إلى ذلك، يزداد منسوب الاحتجاج الاهلي في مناطق نفوذ تيار المستقبل، وخاصة في عرسال والبقاع الاوسط وعكار وطرابلس ومحيطها وإقليم الخروب والطريق الجديدة، على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تظهر بشكل أكثر حدّة من باقي المناطق. ويريد تيار المستقبل الاستثمار في الفقر في هذه المناطق لتسويق مرشحين من أصحاب الثروات الطائلة، من الحريري نفسه إلى الرئيس نجيب ميقاتي والنائب السابق محمد الصفدي، وصولاً إلى المرشح الحالي سمير الخطيب، ثم الاستثمار في تحركات الفقراء أنفسهم لإحراق من يريد الحريري إحراقه.

تراجع منسوب التفاؤل بقرب تكليف الخطيب ترؤس الحكومة

وفي إطار «الإحراق»، تراجع امس منسوب التفاؤل، حتى عند اكثر المتفائلين سابقاً، بقرب تكليف الخطيب ترؤس الحكومة. تراجع التفاؤل سبق لجوء «المستقبل» إلى قطع الطرقات. فهؤلاء باتوا متوجسين من مماطلة الحريري، ومن الشروط التي يحمّلها للخطيب، ولو بلهجة إيجابية توحي بأنه لا يزال متمسكاً بمرشحه». ومن المتوقع ان يعلن التيار الوطني الحر موقفاً اليوم بعد اجتماع تكتل «لبنان القوي». وقالت مصادر التكتل إنه سيتضمّن «توضيح الموقف عن كل الفترة السابقة، بعد استقالة الحكومة، لعدم جواز السكوت بعد التعدي المتمادي على موقف التيار وتشويهه عن حقيقته، وتحديد موقف نوعيّ جديد».

من جهة أخرى، اعلن في واشنطن عن فك الحظر عن تسليم الجيش اللبناني مساعدات أميركية بقيمة تفوق 100 مليون دولار، سبق ان جمّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسابيع. في الوقت عينه، كان وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو يعلن موقفاً لافتاً من التحركات الاجتجاجية في لبنان، واضعاً لها عنوان «المطالبة بإخراج حزب الله من لبنان ومن السلطة»!

فديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

%d bloggers like this: