حسان دياب لن يكون «كاظميّاً جديداً»؟

د. وفيق إبراهيم

يضعُ الأميركيون كامل إمكاناتهم اللبنانية والإقليمية لإسقاط حكومة حسان دياب وإعادة تشكيل أخرى جديدة تحاكي حكومة «الكاظمي العراقية».

يشمل هذا الولاء مثلاً، حرصاً من حكومة الكاظمي على حصر السلاح بيد الدولة، وهذا يعني تجريد الحشد الشعبي منه، ويتوجّه لنصب حكومة لبنانية جديدة لديها شعار سياسي وهو حصر السلاح اللبناني في يد الدولة، وباللغة الأوضح تجريد حزب الله من سلاحه، أي تماماً كما تطالب الأحزاب اللبنانية الموالية للأميركيين و»إسرائيل».

يبدو بشكل منطقي أن الأميركيين هنا يرون في حكومة حسان دياب سداً يحول دون تطبيق هذه المشاريع، ما دفع بومبيو وفريقه الدبلوماسي والعسكري لطلب إقالة حكومة دياب واستبدالها بحكومة جديدة لا تضمّ وزراء من حزب الله.

هناك أيضاً حظر أميركي على استيراد الكهرباء من سورية ومشتقات نفطية من إيران، فالأميركيون يعرفون أن رئيس الحكومة حسان دياب لا ينتمي للمنظومة السياسية التاريخية التي تعمل على تطبيق ما يريده الأميركيون والأوروبيون، وتلتبس في الموقف مع «إسرائيل».

بما يتبين في معظم الأحيان أن حكومة دياب ليست من نتاج الطبقة التقليديّة التي اعتاد الأميركيون على انصياعها، ولا تشكل جزءاً من منظومة تاريخية فاسدة أفلست لبنان بنهبه وسرقته منذ ثلاثين عاماً بغطاء أميركي وأوروبي وخليجي، وتحاول تحميل وزر هذه المأساة لحكومة دياب.

فلا أحد يصدّق مشاهد الحريري وجنبلاط والجميل وجعجع وهم يتهمون الحكومة الحالية بأنها لم تفعل شيئاً لوقف هذا الانهيار، وهم على علم عميق بأنه نتائج انهيار متراكم منذ ثلاثين عاماً لا يحصل ببضعة أشهر ولا يمكن معالجته في ظل حصار أميركي مباشر على لبنان التجاري والمصرفي، أصاب أيضاً المغتربين اللبنانيين في العالم.

ومن الصعب مجابهة هذا الانهيار وسط ضغط أميركي على صناديق النقد الدولية ومؤتمرات سيدر كي تمتنع عن إمداد لبنان بأي شيء.

يمكن أيضاً اتهام الأميركيين وبضمير مرتاح أنهم يمنعون دول الخليج وخصوصاً السعودية والإمارات عن مدّ يد العون إلى لبنان.

فكيف يمكن لحكومة دياب إيجاد حلول في مثل هذه المناخات الغربية العدائية والعربية الصامتة إلى حدود التآمر؟

وهل بوسعها العمل فيما تقطع القوى اللبنانية «المتأمركة» الطرق الأساسية في البلاد، حتى وصل الأمر بـ «الشيخ سعد الحريري» إلى حد اتهام الحكومة بالنفاق، لأنها «تزعم أنها تريد العمل وليس لديها كهرباء»، متناسياً أن الحكومات التي تولاها أبوه الراحل رفيق الحريري وحكوماته وحكومات السنيورة هي التي منعت إصلاح الكهرباء، وعملت مع آخرين على استئجار باخرتين تركيتين لتزويد لبنان بكهرباء هي الأغلى من نوعها في العالم لأن أسعارها تحتوي على عمولات إضافية ضخمة للرعاة «الأذكياء» و»الخواجات» منهم.

لماذا يريد الأميركيون إذاً نسف الحكومة؟

هذه حكومة لا تأتمر بالخارج السياسي وترفض الانصياع لمطالبه، ولا تقترب إلا ما ترى أنه لمصلحة عموم اللبنانيين، أما لماذا لم تنجز المطلوب؟

فالإجابة واضحة وجلية وتتمركز في الحصار الأميركي الأوروبي المفروض عليها والمستورد خليجياً، فكيف يمكن لهذه الحكومة أن تعتبر أن الخطورة في سلاح حزب الله فيما الطيران الإسرائيلي يختال في أجواء لبنان، وأجهزة مخابراتها تسرح في محافظاتنا ودوائرنا، وتخترق دورياً الشريط الشائك عند الحدود وتحتل قرية الغجر اللبنانية ومزارع شبعا وكفرشوبا والقرى السبع وآبار نفط وغاز عند الحدود مع فلسطين المحتلة؟ وكيف تقبل أيضاً بإبعاد حزب الله عن الحكومة وهو الذي يحوز على أعلى نسبة مؤيدين في لبنان؟ولا علاقة له وباعتراف أخصامه السياسيين بكل أنواع الفساد الذي أوقع لبنان في انهيار اقتصادي عميق جداً.

هذا ما يوضح أن استهداف حكومة دياب يرتبط بنيوياً بمشروع يحاول ترميم تراجع النفوذ الأميركي في الإقليم، فيسدّد على الحكومة اللبنانية من خلال استهداف حزب الله والسعي إلى حكومة جديدة يترأسها سياسيّ بإمكانات الحريري أو البعاصيري ونواف سلام أو ربما الريفي، أي بمستويات لا تطمح إلى دور وطني بل تعتمد على نفوذ «قيصر» للاستيلاء على السلطة.بما يوضح أن «قيصر» يمرّ بدباباته الثقيلة على لبنان وسورية مجتاحاً العراق ومحاولات خنق إيران وإبادة اليمن بقصف جوي بريطاني سعودي لا يرمي إلا على المدنيين.

بالمقابل لا تدخل حكومة حسان دياب في الصراع الوهمي بين شرق وغرب، لأنها تعرف أن العلاقات الدولية لم تعُد مبنية على هذا النحو منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في 1989.

بمعنى أن هناك بلداناً تتعاقد حسب مصالحها وفي كل الاتجاهات.. والعلاقات الاقتصاديّة بين الصين والأميركيين تزيد عن 250 مليار دولار فضلاً عن ديون تصل إلى 3 تريليونات دولار.فأي شرق يجري الحديث عنه وأي غرب نريد الخروج منه؟

لذلك فإن على اللبنانيين الضغط على مؤسساتهم الحزبية لتنضبط في إطار دعم الحكومة لأن طبيعة الصراع اللبناني أصبحت بين البحث عن المصالح الشعبية أو الانصياع للمصالح الأميركية، والدليل أن الأميركيين يعملون على تحالفات بين قوى سياسية ودينية لإعادة تعميق لبنان الطائفي المنزوي في قاع التخلف.

لذلك يكفي تسجيل مدى الضغط الأميركي على حسان دياب عبر تسريب معلومة للشهم العريق وليد جنبلاط بأن رئيس الحكومة يطالب بتعويضات من الجامعة الأميركية عن مرحلة تدريسه لمدة طويلة فيها.

والغريب أن هذا أمر طبيعي يفعله الأساتذة الجامعيّون الذين يقبضون تعويضات أو رواتب تقاعديّة عند خروجهم من التدريس.

فلماذا تعتبر السفارة الأميركية أنها حادثة «يمكن ابتزاز دياب بها»؟

وهل يعتقد أبو تيمور أن تعويضات دياب الجامعية هي جزء الريوع والمغانم الإدارية التي يجب تقاسمها على الطريقة الحريرية المعتادة؟

لا بد أخيراً من تأكيد أن موازنة القوى الحالية داخلياً وخارجياً، لا تسمح بأي تغيير حكومة ينقلها من الحيادية والإنتاج إلى واحدة من حكومات الحريري والسنيورة التي تبيع مصالح الوطن لسياسات الخارج مقابل ترسيخها في سلطة جعلتها من أصحاب المليارات والمزارع في بلد يتجه للغرق وهم ثابتون على سياستهم الموالية للأميركيين وحلفائهم.

HEZBOLLAH BETWEEN TWO FIRES: ITS OWN SOCIETY AND ITS DOMESTIC ALLIES

By Elijah J. Magnier: @ejmalrai

Hezbollah between two fires: its own society and its domestic ...

Lebanese Hezbollah Secretary General Sayyed Hassan Nasrallah enjoys unparalleled support among Shia in Lebanon and more broadly among the “Axis of the Resistance” he is leading. He is the most famous leader in Lebanon and is highly respected and heeded by both followers and enemies, particularly Israel. However, since the financial situation in Lebanon has sharply deteriorated, he is no longer in an enviable position and will need exceptional skills to keep Lebanon united at a time when his supposed political allies are exhibiting unfriendly behaviour. Hezbollah’s followers and Hezbollah’s political allies are no longer in harmony. Tensions are now reaching unprecedented levels, not only in social media, but also with regard to political choices. The reasons are many.

Sayyid Nasrallah has uncontested influence over his supporters to the extent that most of them echo the word of “Sayyid”- as he is called by his followers who also use the acronym “Samahto”, the Arabic terms meaning his eminence, a religious title. His speeches become a roadmap to followers, analysts, journalists and politicians, and details of his political views and ideas are repeated on most media

But this does not prevent members of the society that bred Hezbollah – of which Hezbollah is an integral part – from disagreeing with the Sayyid’s statements with regard to his political bond to his allies, in particular the largest Christian party “Tayyar al Watani al-Hurr”, the Free Patriotic Movement (FPM). In fact, Hezbollah’s supporters have decided to bypass Sayyid’s recommendations and “ride the night as riding a camel” (an expression used by Imam Hussein Bin Ali to his followers the day before the last battle of Karbala, when he invited his followers to leave at nightfall to avoid been seen by the enemy and escape death the next day). On social media, another war is taking place where Hezbollah’s followers harshly vent their frustrations, impinging on Hezbollah’s comfort zone and challenging its political preferences.

In one of his latest speeches, Sayyid emphasized the importance of moderating social media platform exchanges among allies on all sides, affirming that the bond with his allies is robust and in good condition. Sayyid Nasrallah wanted to deflate the current level of tensions resulting from a series of events that have taken place in Lebanon. No doubt, Hezbollah’s leader hoped to tackle the real problem between allies from a different angle, away from public platforms.

As with similar demonstrations in Iraq, the US embassy attempted to subvert the popular wave of protest to divert protesters against Israel’s most feared enemy, Hezbollah. 

The “Future Movement” – founded by the late Prime Minister Rafiq Hariri and now led by his son Saad, both targets of the protestors – escalated the situation to the brink where its supporters closed the only road linking Beirut to the south of Lebanon. Hariri was upset that he had failed in this selection of a new government and was replaced by Hasan Diab. Hariri regretted having approved the selection of Diab and since then has sought to undermine any chances of success of the new cabinet.

Closing the South Lebanon – Beirut road means blocking the movement of Hezbollah to the south, necessary to maintain military readiness in the case of any possible war with Israel. Following repeated blockage of this vital road, Hezbollah called on its reserves located along this road to be prepared to clear it by force. At this point the Lebanese army intervened to avoid confrontation, defusing tensions and winning a commitment to keep the road open at all times. The goal was to preserve the rights of peaceful demonstrators while preventing rioters with a political agenda from jeopardising Lebanese co-existence among different religions.

Because the Americans are protecting him, Salameh is for Berri a bargaining chip to prove to Washington that he is also a protector of the US interests in Lebanon. Moreover, Berri doesn’t want to replace him because he, as Salameh’s protector, in effect controls the Christian Central Bank governor. This would not be the case if Salameh were replaced and a new governor appointed by the leader of the largest Christian parliamentary block, Tayyar al-Watani, the FPM led by Berri’s fiercest political enemy, the former minister Gebran Basil.

In fact, for many decades, Berri and his closest (late) partner Prime Minister Rafiq Hariri divided amongst themselves the key positions that were, according to the domestic agreement, the share of the Christians. Because the Syrians were in command in Lebanon, the Christians were not allowed to choose their own representatives. However, this imbalance led the FPM to a fierce battle to regain all the lost positions, making its leader Basil the enemy of all parties, Christian, Druse, Sunni and Shia, with the exception of Hezbollah.

There is another motive for Hezbollah to accommodate Speaker Berri at this time: why should Riyad Salameh be dismissed from his function when he is responsible for accomodating Presidents of the Republic to avoid sharing with the public the reality of Lebanon’s financial situation and for failing to warn depositors? Why did he agree to “buy time”, devise financial engineering and fabricate figures creating a time bomb that would explode without warning decades later, leaving more than 95% of the population without access to their savings? Let him stay and endure the consequences of his own policies since an immediate solution is not apparent.

The dollar has already come halfway towards the ominous target predicted by the speaker in the case of Salameh having been removed. It is fluctuating between 7,500 and 10,000 L.L. to the dollar; it was 1,500 several months ago. Berri has become the focal point of the 14th of March political groups. He is their mediator and protector. The speaker, who has held his position for 28 years and is fully supported by all those accused of decades of corruption, is also a “good guy” in the eyes of the US embassy because he holds back his powerful ally, Hezbollah (as Berri offers himself) from taking over the country and thus protects the allies of the US, the 14th of March group.

The Leader of the FPM is now left with only Hezbollah as an ally; unlike Geagea, he doesn’t enjoy US support. When the time comes for presidential elections, the Americans will not remember the apologies of all the FPM officials and ministers to ambassador Shea because the US quite simply has no allies but only interests. In any case, Washington is no longer in a position to decide who will be the next Lebanese president.

The current Lebanese government of Hassan Diab has decided not to give up on the West but to diversify its choices and to fast track its industrial collaboration with China. It is also signing agreements with Iraq to import fuel and gasoline in exchange for Lebanese agriculture and local products with generous facilities for payment. Lebanese are already receiving medicine and food from Iran. Starvation is not imminent as Hezbollah is supporting the Shia population to cultivate the land, offering fertilisers and other agricultural needs.

The possibility of civil war is remote. No one can stand against the Lebanese armed forces and Hezbollah. Both entities represent a wall against any possibility of a civil war whose existence is mainly limited to the social media.

Hezbollah is showing high tolerance even towards those Lebanese who manifested in front of the US embassy in Beirut and offered their condolences to the US Marines killed in Beirut during the suicide bomb attack in 1983, triggered by the US bombing of several Lebanese locations and for taking part of the civil war. Although these protestors represent a show of folklore, their weight in Lebanese politics is insignificant. Hezbollah is not behaving like the ultimate dominant of the ground or the government even if it is the strongest military force in the country and is part of the largest political coalition.

Hezbollah has always excelled in treading carefully the domestic and regional minefields and turning the tables on its enemies at the right time. Current alliances in Lebanon have been shaken by an economic crisis which is expected to last for a number of years. This crisis will certainly test Hezbollah’s diplomacy and the cohesion of its membership. 

Proofread by:  C.G.B. and  Maurice Brasher

خياران لا ثالث لهما… إما المواجهة بالفعل أو الاستقالة ‏والصمت

علي بدر الدين

لم يعد جائزاً ولا مقبولاً التمادي في الصمت على ارتكابات الفساد والتحاصص، وعلى إفقار الشعب وتجويعه وإذلاله وتركه وحيداً تتقاذفه ألسنة الطبقة السياسية وألاعيبها وفبركاتها ومكائدها التي لا تنتهي، والتي أفرغت الدولة من مؤسّساتها، والشعب من حقوقه، والخزينة من أموالها، ونتفت ريش البلد برمّته وعرّته من كلّ مقوماته الوجودية كوطن ودولة وشعب ومؤسسات، وحوّلته إلى متسكّع على أبواب السفارات والدول ومنظمات المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤتمرات الدعم والمساعدة والاستدانة من دون طائل لأن لا ثقة لكلّ هؤلاء بحكامه وطبقته السياسية، وهم الذين أفسدوا ونهبوا وطنهم ودولتهم وشعبهم وكدّسوا في خزائنهم وفي المصارف الخارجية أموالاً وثروات لم يحلموا فيها وبأرقامها العصية حتى على العدّ، ومن دون رحمة أو شفقة أو مسؤولية وطنية وأخلاقية حوّلوا الوطن إلى هيكل عظمي والشعب إما إلى فقير أو جائع أو مريض أو تائه أو مهاجر أو باحث عن بقايا طعام في أكوام النفايات أو متشرّد في الشوارع أو يطرق الأبواب مادّاً يده ومطأطئاً رأسه خجلاً وذلاً عله يحظى برغيف خبز او بعض القروش التي قد تسدّ بعضاً من رمق عائلته المتضورة جوعاً.

هذه الطبقة التي لم تعتبر أو تتعظ مما ارتكبته بحق الشعب الجائع والموجوع تواصل نهجها الإغراقي له وكأنها تنتقم منه على خطأ ارتكبها وشكل وصمة عار له لأنه ساهم بإعادة إنتاجها وجدّد ثقته فيها وهي التي امتهنت إضعافه وسرقته وإذلاله وأدمنت على قهره وتعذيبه من دون ان يرفّ لها جفن أو تندم على ما فعلته فيه من شرّ ومارست بحقه من ظلم واستبداد، بل على العكس تماماً فإنها تتفنّن في ابتداع إلهائه والإيقاع به كلما حاول الوقوف على رجليه باحثاً عن حقوقه المهدورة والمصادَرة، وآخر إبداعاتها إشغال اللبنانيين بالحكومة… هل تستقيل تحت ضغط الشارع الموجّه أو تحت الضغط السياسي والقصف المركّز من أكثر من جهة، أو من خلال توجيه النصيحة لرئيسها لينفذ بريشه قبل أن يُحمّل وحده المسؤولية عن كلّ النكبات التي حلت بالبلاد والعباد ومن أقرب المقربين ممن يعتقد أنهم حلفاء له، ومن دون ان يقدّم أحد بديلاً أو حلاً أو مخرجاً ربما يفتح كوة أمل أو بصيص ضوء بأنّ الآتي من الزمن قد يكون أفضل.

إنّ رئيس الحكومة حسان دياب يتحمّل جزءاً من المسؤولية لأنه اعتمد الصمت على ارتكابات الفساد والتحاصص ولم يجرؤ على إقرار القوانين التي سيكون لها مفعول السحر في تقويض أسس الفساد والفاسدين وقد تفرّغ لتشكيل اللجان وإطلاق الوعود وتكرار مواجهة التحدّيات والإصرار على عدم الاستقالة واستجاب من دون أن يدري الى ألاعيب من يستهدفه ويصوّب عليه بدخوله حلبة إطلاق المواقف والسجالات الإعلامية والسياسية التي لا طائل ولا جدوى منها ولا تنتج سوى الكلام وتعطل الفعل الذي ينتظره الناس. انّ استمرار سياسة الصمت والبلد ينهار والشعب يجوع والفوضى تعمّ من دون ضوابط عوامل سلبية جداً تنبئ بالخطر المستطير في ظلّ الترويج المقصود لأحداث أمنية قد تعيد الحرب الأهلية، ولم يعد الشعب يصدّق مقولة «ما خلوني اشتغل» التي استخدمها قبلاً الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل. ومن حقنا أن نسأل من هم الذين يعرقلون عملكم ويعطلون مشاريعكم ويمنعونكم من العمل؟ هل هم من الأنس أو الجنّ أم هم من الأشباح؟ ولماذا لا يعلن عن المعرقلين والفاسدين وعن المشاريع التي عرقلوا تنفيذها…؟

لم تعد هذه المقولة تخدم مطلقها في أيّ موقع كان وأصبحت مزحة سمجة غير مقبولة وغير مهضومة ولا تبرير لها سوى الهروب إلى الأمام ومن المسؤولية.

إنّ الفرصة متاحة أمام رئيس الحكومة ليسمّي الأشياء بأسمائها بصراحة ووضوح في وقت تشتدّ الحملة عليه لإسقاطه، والجميع بيوتهم من زجاج وعليه أن يتغداهم قبل أن يتعشوه، وليس لديه ما يخسره لأنه سيخسر كثيراً إذا ما نجحوا في إسقاطه بأيّ وسيلة، وإذا كان غير قادر على قول الكلمة الفصل وكشف ما في حوزته من حقائق ومعلومات، فليصارح الشعب اللبناني الذي وصل إلى الحضيض بحقيقة ما يعانيه ويتعرّض له ويقدم على اتخاذ القرار الشجاع بالاستقالة وترك جنّة الحكومة لمن يريدها ولمن كان شريكاً في إغراق البلد وإفلاسه وانهياره واذا ما كان يملك الإرادة والإصرار على المواجهة فليعلنها معركة استباقية مدعومة بسلاح الجرأة والشجاعة والقرارات الإنقاذية ومن دونها فالمعركة خاسرة ولو بعد حين.

ويحضرني كلام للأديب والكاتب الروسي فيودور دستويفسكي: لا حياة لمن يظلّ واقفاً على الضفاف، خائفاً من الأمواج والأعاصير. الحياة لمن يتحرك، يقدم، يقبل، يخوض، يتعثر، ينهض، يصبر، يكافح حتى يظفر أخيراً. أو نبقى حيث نحن. وقد سأل يوماً «أين نحن؟ في القاع! جيد… على الأقلّ لن نسقط مرة ثانية». والكرة في مرمى العهد والحكومة والفريق الموالي. المطلوب تحديد الخيار والمسار قبل سقوط الهيكل على الجميع.

مقالات متعلقة

ISF: Hariri’s Convoy Not Directly Targeted Itself

Source

June 29, 2020

Lebanon's PM-designate Saad Hariri

Lebanese security forces are investigating an explosion that took place 11 days ago near the convoy of former Prime Minister Saad Al-Hariri.

Hariri’s office said the incident, in which nobody was hurt, took place during a tour of the eastern Beqaa valley.

Saudi TV station Al-Hadath claimed that a rocket had exploded 500 meters away from Hariri’s 30-car convoy during a recent trip to the Bekaa Valley, quoting unidentified “Lebanese sources.”

The ISF issued a statement on the matter, stating that a citizen had “witnessed the explosion of an object in the air,” whilst also cautioning the media not to jump to any conclusions before the investigation is complete.

The ISF also confirmed that Hariri’s convoy was not directly targeted itself.

الحريري وموازين الربح والخسارة في لقاء بعبدا

ناصر قنديل

فيما يجنح النائب السابق وليد جنبلاط نحو ترميم البيت السياسي الداخلي لطائفته، ويضمن إغلاق النوافذ أمام الاختراقات، أو أمام الاستثمار على الخلافات لجعلها مدخلاً لتصفية حسابات في ظل سعي موازٍ بتنظيم العلاقة برئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر، على قاعدة عنوانها الفصل بين الوطني والسياسي، فيسلّم الراية لرئيس مجلس النواب نبيه بري لهندسة الخطوتين، فإن جنبلاط يضع أمامه خطورة المرحلة وما يرد من معلومات عن وجود مخططات للعبث الأمني، بالتزامن مع قراءة لاتجاه الوضع الاقتصادي والاجتماعي نحو المزيد من التأزم، مستنيراً بصورة ثنائي حزب الله وحركة أمل، أملاً بتحقيق بعض التعاون والتبريد والتهدئة للعصبيات الحزبية في الجبل، رغم صعوبة وجود أرضية سياسية تجمعه بالنائب طلال أرسلان كالتي تجمع الثنائي، تتيح بلوغ مراتب التنسيق لضبط الشارع والجغرافيا في أداء الثنائي.

المسعى الذي ترجمه الرئيس بري في جمعه لجنبلاط وارسلان، يشكل مشروعاً كاملاً لديه، لمحاولة وضع الخلافات السياسيّة في إطار يحمي الساحة من الاختراقات، ولا يرمي لإنهائها أو لجعل أحد الفريقين رابحاً والثاني خاسراً. فالوضع خطير ويزداد خطورة، وما سيجعل الانهيار كارثياً هو أن يتلاقى الضغط الاقتصادي مع توترات سياسية تتحول طائفية ومذهبية وحزبية، ثم يفاجأ الجميع بلاعب أو بلاعبين جدد يدخلون الساحة من بوابة الخلافات والفوضى وفقدان السيطرة، ولذلك سعى بري لإقناع من يستطيع إيصال صوته إليهم بأهمية المشاركة في لقاء بعبدا، الذي لا يجوز النظر إليه كسياق لإلغاء المعارضة، بل لمشاركتها في خطة تحصين تتيح للصراع السياسي أخذ مساحة التأثير اللازمة، في مناخ صحي غير قابل للتفلت، ويبقى تحت السيطرة.

الرئيس سعد الحريري يشكل الحلقة الأهم في مسعى بري، لكن الحريري يعتقد، كما بعض أوساطه، أن مشاركته خسارة كاملة له وربح كامل لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اللذين يعتبرهما الحريري الخصمين الراهنين، فيختلط في الحساب مصطلح الخصومة بمصطلح القطيعة، ويمكن النظر لهذه الرؤية كتعبير عن استجابة لاواعية لمناخ شعبوي عنوانه إسقاط العهد والحكومة، وكأن الأمر وارد وراهن وممكن وفي الطريق، ويأتي اللقاء في بعبدا فيجهض كل شيء؛ بينما يعلم الحريري ومستشاروه، أن الأمر الوارد حدوثه قبل بلوغ لحظة فاصلة نحو إسقاط الحكومة وبعدها العهد، هو إسقاط زعامة الحريري نفسه، لأن المشروع الذي يملك مقدرات وأجهزة مخابرات وأموالاً، تحت عنوان إسقاط الحكومة والعهد يدرك استحالة تحقيق المهمة، فيكتفي منها ببلوغ مرتبة متقدّمة من الفوضى، ويكتفي من الفوضى بالسيطرة على شمال لبنان، ومن السيطرة على شمال لبنان تكفيه نهاية الزعامة الحريريّة، والحريري يدرك بالتفاصيل مضمون هذا الكلام.

التهدئة السياسية، وسحب المناخات المتوترة تجهض المشروع الواقف وراء الباب، وتمنح اللاعبين المدعوين إلى بعبدا فرصة الربح المتبادل، بقطع الطريق على مشاريع مموّلة من الخارج لإنتاج زعامات بديلة، او تعويم زعامات سابقة أصابها الضعف، أو التهميش، ولهذا يفكر الجميع بإقفال الأبواب أمام هذه الفرص، ومعها يسعى بري لإقفال الأبواب أمام الفتن. والفتن ليست فقط مذهبية، بل داخل المذهب الواحد، وليست محصورة بمنطقة وطائفة، بل هي تستهدف كل المناطق والطوائف، لكن ما بات منها قيد التشغيل هو ما يعدّ للعائلة الحريرية، وما يقطع الطريق عليه شيء واحد، اسمه الحصانة الوطنية، التي لا يوفرها لقاء رؤساء الحكومات السابقين، حيث واحد منهم لا حول ولا قوة، وآخر ينتظر ساعة سقوط الحريريّة ويفتح القنوات مع بدائلها الشمالية ورعاتهم لاستثنائه من الاستهداف، وثالث يمهّد للحريري طريق السقوط أملاً بالوراثة.

Sheikh Qassem: Hezbollah Rejects Federalism & Confederalism, Resistance Allies Will Win

Source

News-P-528217-637280240634504510

Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Naim Qassem stressed that the party’s creed has not changed since 1985, pointing out that its Islamic essence does not contradict with its national role.

In an interview with LBCI broadcast Wednesday night, Sheikh Qassem confirmed that Hezbollah rejects the two governance systems of federalism and confederalism, adding that the party does not even aim at amending the Taef Constitution to achieve more gains in the Lebanese state.

We would not employ our military power to achieve more gains in the state, according to Sheikh Qassem, who added all the Lebanese groups suffer from oppression, and that the complete implementation of the Taef Constitution would be the solution.

His eminence stressed that Hezbollah is an independent party and does not plan to evoke Iran’s intervention in Lebanon’s domestic affairs.

Sheikh Qassem emphasized that the Resistance achievements contributed to the proportional advance of Lebanon’s economic situation, especially after 2000 Liberation, adding that Hezbollah is not responsible for the socioeconomic crisis.

Hezbollah Deputy Secretary General pointed out that regime corruption is behind the deteriorating living conditions in Lebanon, calling on the government to assume its responsibilities to cope with crisis affecting all the Lebanese.

“We are not looking for changing the government or any governmental amendment. This government is supposed to last till the parliamentary elections in 2022.”

His eminence clarified that the reason behind the resignation of the former PM Saad Hariri is not Hezbollah conditions, yet US pressures and the Lebanese Forces “which let him down at the last moment.”

Regarding the performance of the Central Bank Governor Riad Salameh, Sheikh Qassem stressed that Hezbollah does not discuss this issue publicly, but in the cabinet sessions.

Sheikh Qassem underscored that Hezbollah does not aim at changing the economic system in Lebanon, adding that establishing cooperation with the eastern states targets averting the US blackmail and preventing starvation in Lebanon.

Hezbollah Deputy S.G. denounced the acts of sabotage which stormed Beirut and Tripoli during the recent protests, calling on the security forces to arrest the vandals.

Sheikh Qassem also stressed that Hezbollah is not responsible for the illegal border crossings, adding that the army units ought to stop the acts of smuggling.

Source: Al-Manar English Website

Related

هل يطيح الجوع الطائفيّة؟

د. وفيق إبراهيم

اكتمال مشهد الجياع في لبنان بالتحاق الطوائف «المغيبة» الى صفوفه، يوحي بواحد من أمرين: إما سقوط آخر الدفاعات عن النظام الطائفي واكتمال المشهد الوطني الذي يرفضه، واما انه افرازٌ من طبقة طائفية ماكرة تحاول استيعاب «ثورة الجياع» بأسلوب التماهي والاحتواء ومنعها من التوغل بعيداً في مواضيع التغيير السياسي البنيوي، وإنتاج نظام سياسي حديث.

ما يدفع الى هذا الاعتقاد هو أن احداً لا يصدق ان اللبنانيين الذين تبارزوا مذهبياً وطائفياً منذ خمسة أيام وكادوا يدفعون البلاد نحو حروب أهلية طائفية لمجرد تسجيلات تلفزيونية مشبوهة تشتم الاديان والأنبياء وزوجاتهم.

فكيف يصدقون ان هؤلاء اللبنانيين انفسهم بتنوعاتهم المذهبية يتظاهرون منذ يومين فقط متضامنين متكاتفين ومطلقين شعارات وطنية متناقضة بشكل عجيب مع ما كانوا يرددونه في السبت الطائفي المشؤوم، وكانوا ينتشرون في أماكن المناوشات الطائفية السابقة نفسها في وسط البلد قرب الخندق الغميق وبين الشياح وعين الرمانة والرينغ وبربور والطريق الجديدة والجية وخلدة وحواملها.

لذلك فإن ما هو قريب من المنطق، يتعلق بذلك الصعود العمودي المباغت للدولار الذي أسقط بناءات «وهمية» كانت الطبقة السياسية تعمل عليها مع حاكم مصرف لبنان لتهدئة اسعار السلع عند حدود دولار مقابل ثلاثة آلاف وثمانمئة ليرة لبنانية.

لكن صعوده الى مشارف الستة آلاف في يوم واحد، أوحى للنظام الطائفي أن القرار الأميركي بخنق لبنان يزداد شراسة.

فحاولت الفرار هذه المرة على غير نهجها السابق كانت تستنجد بالخارج المتنوّع والدين لتقسيم اللبنانيين والإمساك الشديد بالسلطة، وسياسة التوظيف العشوائي، اما اليوم فإداراتها مفلسة، والخارج الذي تعتمد عليه مضروب في تراجع اسعار النفط وتداعياته الخليجية والحصار على إيران والتراجع الأميركي الأوروبي.

هذا بالإضافة الى تراجع تأثير رجال الدين على الطبقات الشعبية التي بدأت تعتقد أن الله بريء من هذه الطبقة التي تعمل لترسيخ زعامات النظام الطائفي وارتباطاته الخارجية فقط.

هذا ما أرغم قوى الطبقة الطائفية على تحشيد أنصارهم بعناوين وطنية، لعلها تشكل لهم خشبة خلاص تسمح لهم بالمراوحة حتى وصول المدد والغوث.

لقد احتمى هذا النظام بحكومة زعم انها من المستقلين، لكنها تعمل على فضح سيطرته عليها بشكل يومي متدخلاً في الكبيرة والصغيرة من تعيين حاجب وحتى المدراء العامين ونواب الحاكم ومقرري السياسات الاقتصادية في غير ذوي الاختصاص بما يسمح بالسؤال كيف ان ذئباً بإمكانه أن يلد مصلحاً اقتصادياً او ادارياً؟

نحن اذاً في مرحلة احتواء للجوع ترقباً لنتائج حركات الخنق الأميركية في سورية او العراق وإيران. هناك بعض اللبنانيين يتمنى هذا الخنق توهماً منه بإمكانية انعكاسه بالإيجاب على حركة سيطرته على لبنان الطوائفي مقابل فئة اخرى ترى ان حلفها ينتصر إقليمياً الأمر الذي يبرر امساكها بلبنان او المشاركة في ادارته الطائفية.

هذان التياران الحاكمان يستندان الى مشاريع هيمنة على الطوائف والمذاهب مؤسسين لمعادلات دستورية وسياسية تمنع الاندماج السياسي بين اللبنانيين بشكل دستوري.

وهذا لا يمنعها من ترداد شعارات الإخاء والعدالة والوطنية في بلد كلبنان لم يصل إلى مستوى وطن فعلي، فالوطن يحتاج لمواطنين فيما تطغى الانتماءات المذهبية والطائفية على اللبناني وذلك بموجب الدستور الذي يتعامل معه على اساس مذهبي وفقط.

بالمقابل يوجد إفلاس لبناني كامل وديون باهظة وإقليم مشتعل باحترابات قاسية ترسل تداعياتها الى لبنان الى جانب سفراء أميركيين وسعوديين يتحركون وكأنهم من حكام لبنان.

فإذا كانت تحركات «السبت الطائفي» و»الخميس الوطني» من وسائل النظام الطائفي لإعادة تشكيل حكومة جديدة ترضي الأميركيين فهذا لا يتطلب توتراً شعبياً خطيراً جداً كاد يضع البلاد في أتون حروب أهلية داخلية.

بالإضافة الى ان تهدئة الوضع الداخلي اللبناني يحتاج الى تمويل الدولة. وهذا غير ممكن في مرحلة يبتدئ الأميركيون فيها بتطبيق مشروع خنق سورية بنظام أسموه «قيصر» وما يتسبّب به من خنق إلزامي للبنان والإساءة الى الاقتصاد العراقي.

فكيف يمكن اذاً الوصول الى هدنة اميركية – إيرانية عبر حزب الله في لبنان وحزب الله مستهدف في لبنان وسورية معاً، فإذا وافق الحزب على حكومة برئاسة الحريري بديلاً من حسان دياب فإنه يشترط بالمقابل رفع الحظر المصرفي عن أصدقاء الحزب وحلفائه، وإعادة ترميم علاقات المصارف اللبنانية بالخارج والإبقاء على الحدود السورية مفتوحة للحركة اللبنانية.

هذا يوضح أن الشروط الأميركية متناقضة مع مطالب حزب الله الى حدود أن التسويات بينهما تبدو مستحيلة، فالأميركيون يرون أنها فرصتهم لمعالجة تراجعهم في المدى السوري اللبناني العراق الإيراني، فيما يعتبر حزب الله انه مكلف بالدفاع عن بلده لبنان وجواره السوري وتحالفاته السياسية في إيران وانتماءاته العربية والعاطفية في العراق حيث موطن الإئمة.

لذلك فلن يرضى الحزب الا بهدنة تكسر قيصر مقابل إعادة الحريري والحلف الأميركي على أساسين: التعامل مع الصندوق الدولي، وفتح لبنان على سوق مشرقيّة تؤسس للبنان مزدهر لا يعتاش على التسوّل والإكراميات، بل من خلال بناء نظام اقتصادي يعتمد على الإنتاج ونظام الخدمات الاقتصادي وليس السياسي.

هل هناك مشروع تركيّ في لبنان؟

ناصر قنديل

في نظر الكثيرين ربما يبدو السؤال مستغرباً، لكن كثيرين فوجئوا قبل عشر سنوات بوجود مشروع تركي في سورية وصل حدّ تدخل عسكري مباشر، في زمن تحذر فيه الدول العظمى من التورط بتدخل عسكري لجيوشها خارج الحدود. وتقاطع المشروع التركي في البدايات مع المشروع الأميركي وتحول إلى حصان رهانه، لكن عندما تضاربت المصالح حول حجم ونوع الدور الكردي في الحرب على سورية، لم ينطفئ المشروع التركي ولم ينضبط بالمشروع الأميركي، بل استقل بخصوصياته محافظاً على نقاط تشابك ونقاط تعارض مع المشروع الأميركي والمصالح الأميركية. وبنظر كثيرين كان الحديث قبل سنتين عن مشروع تركي في ليبيا مستغرباً، على قاعدة أن سقف الحضور التركي في ليبيا وغيرها ينبع من رهان تركي على الأخوان المسلمين واعتبارهم حصان نفوذ في المنطقة، لكن لم يكن ببال أحد توقع إقدام تركيا على الزج بقوات عسكرية عبر البحار، كما لم تفعل الدول العظمى. واليوم تمثل تركيا لاعباً إقليمياً أساسياً في الحرب الليبية، ويبدو واضحا أن خصومها داعمي الجنرال خليفة حفتر لا يملكون جرأتها وحساباتها لتدخل مشابه لتدخلها فيكتفون بالدعم المالي والتسليحي والسياسي، سواء مصر جارة ليبيا، والمعترف لها بمشروعية التداخل بالمصالح الأمنية مع ما يجري في ليبيا، ومشروعية التفكير بالتدخل بقياس التداخل، أو السعودية والإمارات، بينما غرق السعودية والإمارات في الفشل اليمني لا يفسّر وحده الحذر، باعتبار أن الفشل التركي في سورية لم يردعها عن التفكير في التدخل في ليبيا، بل ربما كان هو حافزها للتعويض عن هذا الفشل.

متابعة تحرّكات الرئيس التركي رجب أردوغان تؤكد أنه لم يسلم بفشل المشروع الإقليمي لدور تركي في المنطقة، بمجرد سقوط مشروع العثمانية الجديدة، عبر سقوط مشروع السيطرة على سورية، بواسطة الأخوان المسلمين وما توفر لهم في بدايات «الربيع العربي» من قوة وزخم بزواج الغضب الشعبي مع الدعم الأميركي والغربي والخليجي، والذي جرى أن الرئيس التركي أعاد ترتيب مشروعه في ضوء النتائج، فتقبّل الحصول على كانتون تحت السيطرة التركية في سورية بديلاً عن سورية كلها، كهدف سياسي وعسكري للدور التركي في سورية، وطرح مشروع تقسيمها وتقاسمها، ثم تقبل السعي لدور في الحل السياسي والأمني في سورية بديلاً عن الكانتون. وبالتوازي لم تفت في عضد المشروع التركي بحثاً عن دور إقليمي خسائرُهُ في مصر وتونس وسقوط حكم الأخوان فيهما، بل قام أيضاً بالتنسيق مع الأخوان وقيادتهما بإعادة رسم خطة السيطرة على ليبيا أملاً بالعودة منها إلى تونس ومصر، وهو لا يمانع اليوم بمقاسمة ليبيا مع الآخرين والحصول على كانتون في طرابلس، ولن يمانع غداً بشراكة في الحل السياسي والأمني في ليبيا، بعدما يسقط حلم الكانتون.

في لبنان وخصوصاً في الشمال، نشاط تركي قديم، على نمط تقديم مساعدات غذائية، وإحياء مناسبات دينية، وبناء مستشفيات ومراكز صحية، والاشتغال على الجالية التركمانية خصوصا في عكار، وإحياء اللغة التركية حيث أمكن، وتوزيع الأعلام التركية بالتوازي، وكان لافتاً أن تقوم جماعات ناشطة في الحراك الشعبي منذ تشرين الأول، بتظهير هويتها المرجعية لتركيا، وأن ينضوي نشطاء الأخوان المسلمين في منتديات ترفع لواء «الثورة»، وأن ينتقل عشرات النشطاء من طرابلس إلى بيروت من هذه الجماعات لقيادة أعمال الشغب. كما هو لافت اليوم أن يشكل هؤلاء الإطار المنظم الذي يستند إليه رجل الأعمال بهاء الحريري الهادف لحجز مقعد سياسي في البيئة المتفجّرة والمتشققة لزعامة شقيقه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، وليس مهماً أن يكون بهاء الحريري رجل تركيا أو لا، بل الأهم أن تركيا تملك خبرة الإستعمال والتوظيف بصورة غير مباشرة فلا تمانع مؤقتاً من التقاطع بالواسطة مع بهاء، منعاً لإحراجه خليجياً، تأسيساً للمرحلة التالية.

تركيا لن تألو جهداً لالتقاط أي فرصة لبناء نفوذ في أي بقعة إقليمية حساسة، بمجرد التحقق من أمرين، وجود فرصة، وكلفة منخفضة للحضور، ولبنان الذاهب للمزيد من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، فرصة ستتعاظم كلما تفاقمت الأزمة، وزاد الغضب الشعبي من جهة، وضعفت هيبة مؤسسات الدولة ودرجة تماسكها تحت ضغط تراجع قيمة رواتب العاملين فيها من جهة مقابلة، بحيث لا تتماسك إلا المناطق التي تقودها أحزاب ضخمة بمقدرات هائلة كحال حزب الله، وبحيث تتهاوى سريعاً نحو الفراغ والفوضى المناطق التي تعاني الفراغ السياسي في قياداتها، وهذا يجعل الشمال اللبناني مرشحاً قبل سواه لتشكيل فرصة تركيا الجديدة على البحر المتوسط، كيف وأن المال القطري جاهز للاستثمار التنافسي مع السعودية والإمارات المنكفئتين، في لبنان أكثر من سواه، والسعودية والإمارات تعانيان شح الموارد، وتوزع جبهات الاستنزاف، وكيف وأن لتركيا مآرب أخرى تتصل بترحيل المسلحين والنازحين على دفعات من إدلب نحو مكان ما، كان ليبيا، فكيف لا يكون شمال لبنان؟

Former Lebanese president elaborates on Rafik Hariri’s bribe to bomb southern Lebanon

Source

By  Fadi Boudieh and Mehdi Azizi

May 8, 2020 – 11:24

TEHRAN– The former Lebanese president Emile Lahoud referred to Rafik Hariri’s half a million-dollar bribe to bomb southern Lebanon which made Lahoud demand his own resignation.

Emile Lahoud is the 15th President of Lebanon from Nov. 24, 1998, to Nov. 23, 2007. He was born on January 12, 1936, in the town of Baabdat. He is the son of General Jamil Lahoud, who played a key role in establishing the Lebanese army and strived to achieve independence for the country.

In an interview with Mehr News Agency, Emile Lahoud discussed a number of regional and global issues. This is the second and final part. The first one was previously published on Monday.

What is your assessment of the latest events in Lebanon? Are there still efforts to destroy the weapons of The Resistance and Hezbollah in Lebanon? Especially since all the plans and scenarios for disarming the Resistance failed?

Since the beginning of 2005, when Rafiq Hariri was assassinated, I have only spoken to the media once a year, after the anniversary of Lebanon’s independence, because I was the army commander at the time and was speaking on the anniversary of the army’s feast.

Rafiq Hariri was a businessman and was always looking for making more profit. When I was commander of the army, he offered me half a million dollars a month to buy army officers, but I strongly opposed him. When I became president, he offered me the same thing again, but as someone who believed in the rights and interests of the Lebanese people and the importance of resistance to deter Israeli threats, I strongly opposed the offer. Due to my thorough familiarity with military affairs, I strongly opposed the merger law (Hezbollah’s integration into the military), while the Lebanese authorities at the time insisted on doing so.

In 1993, I was the commander of the army, and I did not know Hafez al-Assad, the then president of Syria, and all Lebanese politicians opposed the merger of the army and complained to Hafez al-Assad. He further told them that Lahoud is right and that the merger should take place.

In 1993, when bombing Israel was planned, Rafik Hariri, Abu Jamal, al-Shahabi, and Ghazi al-Kanaan said that it was the right of the Lebanese government to get rid of Hezbollah. Hariri told me that the Lebanese Supreme Council of Defense was going to pass a resolution in order to terminate Hezbollah and that all I had to do was to hit (bomb) Hezbollah in the south.

My conscience would not allow me to bomb the Lebanese in their homes, and I demanded my resignation and told them to find someone else as commander of the army. Of course, I had predicted that they would not be able to pass the resolution in the Supreme Council of Defense. Despite this, they made their decision and informed me of the order to attack Hezbollah in southern Lebanon.

After the order was issued, as I entered my office, I saw a map prepared by the commander of the international forces for the destruction of Hezbollah. The commander of the international forces was affiliated with the intelligence service in which Jamil al-Sayyid and Michel Rahbani were playing a part in. I asked them to ignore the plan, but they refused, then I told them to look for another commander for the army.

The then foreign minister Farès Boueiz called and asked me to launch a missile attack on Hezbollah’s positions. I told him I was no longer in the army. During a trip to Damascus, Jamil al-Sayyid met with Mohammed Nasif and informed Hafez al-Assad of this issue, which surprised him. It was later revealed that Abu Jamal, al-Shahabi, Ghazi Kanaan, together with Rafik al-Hariri had made the decision.

For the first time, Hafez al-Assad wanted to meet with me. At that time, if this decision was made, Hezbollah could only resist for 2 hours. I said this to show that Lebanon is built on a mountain of corruption and commercial profit. Here, I need to mention the election law in Lebanon. I consider the election law in Lebanon to be a purely Israeli because each of the foreign parties, including France, the United States, and Saudi Arabia, is working to secure Israel’s consent to support their tribes in the Lebanese elections. I believe that the new election laws in Lebanon can save the country politically from the shackles of religious tribalism.

Can the government of Hassan al-Diab make a serious change? Given your political experience and knowledge of Lebanese political leaders, can the new prime minister implement these changes, especially since the region is undergoing new developments?

Hassan Diab is able to make changes, and he is an honorable man and follows a school that has taught us responsibility. It should be noted that the credentials of the cabinet ministers have been approved by Parliament, which has come to power on the basis of religious divisions. Most cabinet members are out of politics, and each has its own authority in parliament. Therefore, al-Diab had no choice but to make some concessions. In my opinion, Hassan al-Diab has done 100 times better than al-Hariri. If Hariri remained prime minister, things would certainly not have gotten any better.

In the tenth month of last year, when the entire Lebanese nation sought the survival of al-Hariri as prime minister, I explicitly stated that Hariri should leave because, due to his presence, the country’s affairs would not improve. So I announced that he should be replaced by al-Diab whom I didn’t know well at the time. However, after watching him closely for a while, I realized that he is a very good person and has taken the right path. I also stated that we must form an interim government to assume certain duties and responsibilities.

These tasks include monitoring individuals who have transferred their money out of Lebanon and whose assets must be transferred to Lebanese banks and the Lebanese economic cycle; the policy brings in $ 20 billion in foreign currency to the country. Unfortunately, they deny this today. Recently, Lebanese central bank governor Riad Salamé falsely claimed that there was no such amount, despite the $ 20 billion. Therefore, I believe that returning such money to Lebanon could solve the problem of the dollar or foreign currency in the country and reduce prices.

Today, decisions are being made in the Lebanese cabinet, but it is clear that cabinet members will not be able to prosecute the powerful corrupted individuals and punish them. It seems that today everyone is satisfied that we cannot provide the necessary foreign currency for our country; We have not borrowed money for seven months, and this is due to the fact that the Lebanese authorities have decided to use the deposited property instead of borrowing.

Here, I warn the government and the country’s political rulers not to encroach upon people’s property, because protecting this property is part of the people’s sacred rights. If the government plays with this property, I will be the first to stand up to it. We did not allow Israel to take our rights, so how can we allow government officials to oppress the rights of the people with their corruption.

End of part 2 of the interview

نصرالله : لا مناخ تصادميّاً في البلد

ناصر قنديل

كل القضايا المهمة التي تناولها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، سواء في ملف الأزمة الاقتصادية المالية وخطة الحكومة، أو في مواجهة الغلاء، أو في توضيحاته حول قطاعَي المصارف والصرافين، ما كانت لتكون، لو لم يكن لدى السيد نصرالله، ما وصفه بغياب مناخ تصادميّ يضع أولوية إسقاط الحكومة على جدول أعمال معارضيها، ما يتيح وفقاً لكلام السيد منح الفرصة إن لم يكن التعاون ممكناً، ولو كان مرغوباً ومطلوباً، ولولا هذا التقدير لما بلغ الأمر بالسيد نصرالله أن يعرض استعداد الحزب للعب دور المسهّل والميسّر لعلاقات التوتر بين الأطراف والزعامات، نافياً بين سطور كلامه، اتهام الرئيس سعد الحريري للحزب بدعم رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل في وجه الحريري. ووفقاً للسيد فإن الدول قد لا تملك المناخ ولا الإمكانات لتساعد لبنان، إن أرادت، وهي حكماً لا تملك مثلها لتصديعه وتفخيخه ثم تفجيره إن أرادت. والأهم أن القول بأن الجميع منشغل بتداعيات كورونا وانخفاض أسعار النفط، هو الأصح، وليس ما أوحت به بعض المواقف التي تزامنت مع جولات السفيرة الأميركية، وبنيت عليها استنتاجات وتحليلات تتحدث عن دنو ساعة التصادم الكبير، الدولي الإقليمي المحلي، مع حماية الغالبية النيابية وفي طليعتها حزب الله، لحكومة الرئيس حسان دياب.

بعد شهور من المناخات التصادمية المحيطة بمناخات الإقليم، في ضوء المستجدات التي أعقبت اغتيال القائدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، والتي جاءت ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة في قلبها، وجاء الاستقطاب السياسي الداخلي على خلفيتها، من موقع التأثر والتأثير المتبادلين، جاء وباء كورونا وما خلفه وراءه من تداعيات أصابت العالم بأسره، خصوصاً المركزين الدولي والإقليمي المناوئين للمقاومة، من واشنطن إلى الرياض، وبينهما تل أبيب، وصار السؤال بداية، إلى أي مدى تتواصل مكابرة الرئيس الأميركي في الإقرار بأن شيئاً قد تغير، ثم بعد الإقرار والاعتراف بحجم المأزق، صار السؤال عن حدود التغيير الذي سيُصيب السياسات الأميركية في المنطقة، وفي قلبها كيفية تعامل حلفاء واشنطن والرياض مع الحكومة التي سارع بعضهم لوصفها بحكومة حزب الله، لجعلها تحت مجهر التصويب، وجاءت جولات السفيرة الأميركية، وتصريحات معاون وزير الخارجية الأميركيّة ديفيد شنكر لتزيد الغموض والأسئلة، وجاءت المعارك الداخلية حول سياسات حاكم مصرف لبنان وطرحت في سياقها فرضية إقالته. ووسط هذا الصخب الكبير، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية، رغم بقائها بين حدود تسجيل الحضور وتفادي المواجهة، وخرجت التحليلات والفرضيات تتحدث عن أمر عمليات لإنشاء جبهة معارضة تتولى إسقاط الحكومة والعهد، وصولاً لاستهداف المقاومة عبرهما، وأخذ البعض يتحدث عن السيناريوات الافتراضية لحرب إسرائيلية مقبلة، تستظل بالجوع والفوضى، وتستثمر على اصطفافات جديدة تضمّ مجموعات من الحراك جرى توضيبها أميركياً، وثلاثي تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي. وها هو السيد نصرالله يقول بالوضوح الكامل، لا تقلقوا ليس هناك مناخ من هذا النوع، رغم كل الصخب، أما التوترات القائمة فهي نابعة من اعتبارات لبنانية تقليدية، كالنفوذ والسلطة، وليس بينها ما يتصل بما يسمّى هوية النظام وشكل النظام.

من هنا تستمد دعوات السيد نصرالله للحوار ولمدّ الجسور مصداقيتها. ومن هنا يصير لدعوة مناقشة الخطة المالية والاقتصادية للحكومة الباقية حتى إشعار آخر بعيد، معناها. ومن هنا يصير لدعوة الحكومة للتصرف بخلفية أنها باقية لتواجه استحقاقات التفويض الممنوح لها لمواجهة الأزمة ضمن ضوابط معلومة، أهمها النقاش عند كل محطة واستحقاق، بما في ذلك، خصوصاً في هذا النقاش، حاصل التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولأن التفويض ليس مطلقاً والخطة ليست نهائية، فباب الحوار مع الكتل النيابية والقوى السياسية يجب أن يبقى مفتوحا بإيجابية، وحاصل التوافق هو الأهم للبنان، لأن خطر التجاذب والاستقطاب والتصعيد سيطيح بفرص الإنقاذ المحفوفة بالصعوبات والمخاطر والتي تفوق طاقة الحكومات، ولذلك يصير لدعوة الحكومة لتحمل مسؤولياتها في مواجهة الغلاء ودعوتها لمعالجة سعر الصرف، مكان واقعي، لأن لا معارك كبرى في السياسة وراء الباب. فليس هناك أمر عمليات خارجي داخلي لإطاحة الحكومة يجد حزب الله نفسه معنياً بالإعداد لمواجهته، ولا هناك بالمقابل قرار لدى الحكومة يؤيده حزب الله ويحميه لإطاحة الخصوم سواء من بوابة مكافحة الفساد أو من باب التعيينات. ولأن الأمر كذلك، فكل فرضيات الحديث عن انكسار العلاقة بين حزب الله وحركة أمل نابعة من هاتين الفرضيتين، فرضية هجوم الخصوم أو فرضية هجوم الحزب وحلفائه، فإن نفيهما يكفي لنفي النتيجة.

هكذا يفسر لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالنائب السابق وليد جنبلاط ما قاله السيد نصرالله، بمثل ما يفسّر كلام السيد موقع اللقاء.

الحريري يجمع رؤساء الحكومات: دياب غريمنا

إيلي الفرزلي

 الجمعة 1 أيار 2020

الحريري يجمع رؤساء الحكومات: دياب  غريمنا
(أ ف ب )

من المبكر القول «مبروك للبنان». ذلك مسار طويل مليء بالمطبّات ستسير عليه الخطة المالية التي أقرّتها الحكومة أمس. لكن مع ذلك، فإن حسّان دياب ردّدها أكثر من مرة، مبدياً التفاؤل بخطة حكومته التي «تنتهي بها وعبرها مرحلة التخبّط في سياسات مالية أوصلت البلد إلى حالة الانهيار الحالية».

تلك عبارة يتحسس منها كثيرون، من مردّدي نغمة «الحكومة تسعى إلى الانتقام من الحريرية». يتجاهل هؤلاء حقيقة أن المشكلة الأولى للحكومة أنها لا تزال ترفض محاسبة من أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه، وفي مقدمتهم الحريرية وشركاؤها. والمقصود هنا سياسات الأب والابن ومن مثّلهما في رئاسة الحكومة، ومن عاونهما ومكّنهما من تنفيذ السياسات التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. مع ذلك، لا يتردّد رؤساء الحكومة السابقون، بالوقوف سداً منيعاً أمام محاولات نبش المغارة. صار البحث عن الأموال المسلوبة انتقاماً. وصارت الإشارة إلى فشل رياض سلامة في القيام بوظيفته انتقاماً. وصار المس بمصالح المصارف التي تسرق الناس انتقاماً. لكن أن يسارع أربعة رؤساء حكومة قادوا البلد إلى الغرق، على الأقل منذ عام ٢٠٠٥ إلى عام ٢٠٢٠، لتحميل مسؤولية الانهيار إلى خلفهم الذي لم يمض على تولّيه مسؤوليته المئة اليوم، فذلك مسموح. فات الحريري هنا أن حرده بعد تقديم استقالته في تشرين الأول الماضي، ورفضه القيام بأي إجراء من شأنه الحد من الانهيار، الذي كان يتسلل إلى جسد الدولة، يكفي لمساءلته.
خطة دياب وحكومته ليست مثالية. يسهل نقدها وانتقادها في كثير من البنود، لكن هذا لا يمكن أن يكون حقاً لمن قاد البلاد إلى الانهيار.

نجيب ميقاتي يكره الحريري والحريري يكرهه. ذلك لا يحتاج إلى دليل، لكن يجمعهما كره دياب أيضاً، الآتي من خارج النادي، الذي يضمهما إلى فؤاد السنيورة وتمام سلام. لا دور لهذا النادي سوى التحريض الطائفي والمزايدات. ميقاتي يجيد هذه اللعبة، وكذلك السنيورة. لكن الحريري، آكل حقوق مئات العائلات من موظفي مؤسسات المستقبل، فيسمح لنفسه بتقييم خلفه، وبتحديد متى يجب أن تسقط حكومته. صدّق الحريري أنه ابن انتفاضة ١٧ تشرين. لكنه أفتى أمس بأن «المتظاهرين ليسوا من جمهوري، فجمهور رفيق الحريري ما بيعتدوا وما بيكسروا وما بيدمروا». ليس هذا فحسب: «جمهورنا يعرف ما تمر به المنطقة وينتظر حتى يستطيع التغيير».

لرؤساء الحكومة السابقين أن يتّهموا من يشاؤون، لكن عليهم تسليم السنيورة إلى القضاء


ثقة الحريري بنفسه تسمح له بالافتراض أن الناس سيصدقونه، عندما يعاهدهم، مع ناديه، بأن «نبقى أمناء لقضاياهم ومشكلاتهم التي هي مشكلات وطنية لا يمكن تجاهلها ولا غض النظر عن الإساءات التي تسبب بها هذا العهد وحكومته لجمهور المواطنين ولنظام لبنان ودستوره». ماذا عن الإساءات التي سببتها حكومتا العهد الأولى والثانية برئاسة الحريري، أحد طرفي التسوية الرئاسية؟

يتذاكى الحريري عندما يدعو إلى «العودة إلى إقرار الإصلاحات الواجب اعتمادها من دون أي تأخير، بدلاً من التلهّي بحرف الانتباه عن جذور المشكلات وأسبابها الحقيقية. وبالتالي، افتعال معارك سياسية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والتوتر في البلاد، وإلى تبديد الموارد وفرص الخروج من المآزق المنهالة على لبنان». لا داعي للتوقف عند التهديد الذي تتضمنه هذه العبارة، لكن لا بد من التنبه فعلاً إلى «جذور المشكلات». يحلو لرؤساء الحكومة السابقين أن يختصروا «المشكلات الحقيقية» بقطاع الكهرباء وما سبّبه من مفاقمة للدين العام. هذا جزء من الحقيقة. الكهرباء واحد من مزاريب الإنفاق التي لم يوقفها أحد. لكن تبقى الإشارة إلى جذور المأزق ناقصة، إذا لم توجه أصابع الاتهام إلى السنيورة. أول أشكال الفساد كان التلاعب وعدم التدقيق بالحسابات المالية للدولة منذ عام ١٩٩٣ حتى عام ٢٠٠٩.

يمكن لرؤساء الحكومة السابقين أن يتهموا من يشاؤون، لكن عليهم، على الأقل، تسليم السنيورة إلى القضاء، الذي يُمنع من فتح الملف من جهة، ثم تتم المطالبة باستقلاليته من جهة أخرى. ليس هذا فحسب. لمزيد من الدعم للقضاء، لا ضير في أن ترفع المرجعية الدينية الخطوط الحمر!

حكمة أمس، كانت في البند الثالث من بيان رؤساء الحكومة: التوقف عن محاولات تحويل النظام اللبناني من نظام ديموقراطي برلماني الى نظام رئاسي، كما التوقف عن ضرب صلاحيات رئاسة الحكومة وجعلها مطيّة طائعة صاغرة لأحقاد أو أطماع صغيرة لهذا أو ذاك…

يحار المرء هنا من يصدق. ميقاتي الذي لطالما اتهم الحريري بالتفريط بصلاحيات رئاسة الحكومة، أم الحريري الذي سار في تحالف ظنّه مربحاً، ليس لرئاسة الحكومة طبعاً، بل لشخصه. ثم خرج عندما لم يحقق مبتغاه، متذكراً صلاحيات المنصب وحقوق الطائفة.

في المحصلة، أعطى الحريري الفرصة لدياب، بعدما اطمأن إلى أن صندوق النقد حاضر في الخطة الحكومية. قال الحريري: «سنقرأ الخطة، وإذا كانت جيدة فسنتعاون بالعمل على إنجاحها، وإذا فشلت الحكومة فأنا طبعاً مع إسقاطها في شكل شنيع».

المهمة ثقيلة أمام الحكومة، ليس لأن الحريري يراقب عملها، بل لأن «الدولة في حالة انهيار شبه كامل، والواقع المالي يستند إلى أرقام غير واقعية، واستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية هو وهم نعيشه ونصدّقه»، كما قال دياب عقب انتهاء جلسة مجلس الوزراء الذي أقرّ بالإجماع الخطة المالية الاقتصادية.


الحكومة تقرّ الخطة الاقتصادية
تنطلق الخطة الاقتصادية للحكومة من ضرورة البدء فوراً بتنفيذ الإصلاحات على مستوى إدارة الدولة، والسياسة المالية، والقطاع المالي، والمصرف المركزي، والحساب الجاري، وميزان المدفوعات، وهي حدّدت أهدافاً على مدى خمس سنوات، منها:

ــــ انحسار العجز في الحساب الجاري إلى 5.6 بالمئة.
ــــ الحصول على دعم مالي خارجي يفوق 10 مليارات دولار، بالإضافة إلى أموال مؤتمر سيدر.
ــــ العودة إلى النمو الإيجابي اعتباراً من عام 2022.
ــــ اعتماد الدعم المباشر وغير المباشر للفئات غير الميسورة وتنفيذ برامج اجتماعية في هذا المجال.
ــــ العودة إلى الفائض الأولي في المالية العامة في عام 2024، وهيكلة محفظة الدين السيادي وتقليص نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى ما دون 100 بالمئة.
ــــ إعادة هيكلة القطاعين المصرفي والمالي للسماح للاقتصاد بإعادة الانطلاق وتوفير فرص عمل جيدة ومستدامة.

وأشار دياب إلى أن الخطة بنيت على أسس تسمح للبنان بالحصول على الدعم الدولي المطلوب لجهة إعادة إطلاق العجلة الاقتصادية، وإعادة رسملة المصارف والمؤسسات، وتأمين شبكات الأمان الضرورية والبنى التحتية التي طال انتظارها، وذلك لإعادة إخراج معظم اللبنانيين من حالة الفقر والعوز.

وأوضح دياب أن الحكومة ستقوم بالإصلاحات الأساسية، مثل قطاع الكهرباء ونظام نهاية الخدمة وتعويض الصرف والضرائب العادلة والتصاعدية التي لا تصيب العمل والإنتاج. وسوف تحظى مسألة استعادة الأموال المنهوبة بحيّز أساسيّ من عمل الحكومة للتعويض على اللبنانيين عن الجرائم التي اقترفت بحقهم.

أما على صعيد القطاع المصرفي، فتهدف الخطة إلى حماية أموال المودعين وتقوية المصارف وإعادة هيكلتها، لكي تستطيع تأمين أموال الناس والخدمات الأساسية للاقتصاد، على أن يعيد البنك المركزي التركيز على عمله الأساسي، أي حماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي.

باختصار، قال دياب: توجد خسائر كبيرة في النظام، ويجب أن نتعاون في تحمّلها، دولة ومصرفاً مركزياً ومصارف، لكي نعاود الانطلاق باقتصادنا في أسرع وقت. وسوف نسعى إلى امتصاص الخسائر بشكل عادل، أي من دون تحميل من لم يستفد من سياسة الماضي أية أعباء. نريد مساهمة من الفوائد الخيالية التي دفعت، ومن الذين جنوا أرباحاً من الهندسات، وأيضاً من الذين خالفوا القوانين وسرقوا المال العام.

إضافة إلى الخطة الاقتصادية، وافق مجلس الوزراء على عرض وزارة الطاقة والمياه لاستراتيجية التحوط لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان من مخاطر تقلبات أسعار المشتقات النفطية وتكليف وزارة المالية بتسديد كلفة الـ call options لتغطية تقلبات سعر النفط.

كما أقر مشروع قانون يرمي الى تعديل صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب القانون الرقم 44/2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، وفق ملاحظات هيئة التشريع والاستشارات ووزارة المال.
ووافق على مرسوم يرمي إلى نقل موظفين إلى ملاك التفتيش المركزي وتعيينهم بوظيفة مفتّش معاون (فئة ثالثة) في المفتشية العامة التربوية في الملاك المذكور.

Related

مصرف لبنان: إمبراطوريّة الحاكم كيف تُعالَج؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في زمن الانهيار والإفلاس الواقعي في لبنان خرج حاكم مصرف لبنان على اللبنانيين بمطالعة فضاضة ظنّ أنه يقدّم بها سند براءته مما آل اليه الوضع المالي في الدولة. وضعٌ تفاقمت فيه الخسائر وتهدّدت ودائع المودعين بالتبخر وفقدت السيولة أو خشي من فقدها في المصارف التي لجأت وبشكل غير قانوني إلى التقنين في الاستجابة لطلبات المودعين (أيّ مارست capital control وبشكل غير قانوني) واختلّ سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار إلى الحدّ الذي بات للدولار فيه 4 أسعار صرف (رسميّ بين المصارف 1507، وواقعيّ لدى الصرافين تجاوز 4000 ليرة وسعر تحويل السحوبات من قبل المودع، 3200 وسعر تحويل الحوالات الواردة إلى الشركات المالية 3600 ليرة). فهل وفق الحاكم في مسعاه في التنصل من المسؤولية عن الكارثة وهل أقنع الخبراء وأرضى اللبنانيين؟

قد تكون الإيجابية المهمة لمطالعة رياض سلامة هي ما أعلنه للمودعين بأنّ أموالهم المودعة لدى المصارف موجودة وأنها تستعمل. ما يعني أن لا خوف عليها وهو التقى في ذلك مع تصريح سابق لرئيس الحكومة كان أشدّ وضوحاً وأشدّ صراحة ودقة وتحديداً عندما قال إنّ ودائع 98% من المودعين هي مضمونة وإنها لا تمسّ. وبالتالي حتى هذه المسحة الإيجابية في قول سلامة للطمأنينة على أموال المودعين جاءت تعزيزاً لموقف رسمي مسؤول سبق إطلاقه وبدقة أوضح.

بعد ذلك تنصل سلامة من كلّ مسؤولية عن الأوضاع، مؤكداً انّ المجلس المركزي في المصرف هو الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات ويقبل أو يرفض الطلبات الواردة اليه، متناسياً ان هذا المجلس لا ينعقد في ظلّ انتهاء ولاية نواب الحاكم الأربعة منذ أكثر من سنة، وصحيح أنّ مسؤولية عدم التعيين تقع على عاتق الحكومة (شغرت المقاعد في ظلّ حكومة سعد الحريري وتعذر إملاء الشواغر بسبب التنازع التحاصصي بين السياسيين)، لكن سلامة استمرّ بنفسه وبشخصه و”تطبيقاً للقانون الذي لا يقبل تعطيل أعمال المجلس” استمرّ في اتخاذ القرارات وتسيير الأعمال بشكل يكاد يكون منفرداً.

وبالمناسبة نقول إنّ الصلاحيات والحصانة التي أعطيت لحاكم مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف والذي لم يقرّه مجلس النواب بل صدر بمرسوم بعد مضيّ 40 يوماً على إحالته من الحكومة إلى المجلس في العام 1963، تجعل منه شبه إمبراطور مطلق الصلاحية إذ يعيّن لست لسنوات لا يمكن إقالته فيها إلا في حالات حصرية وضيقة جداً، ويتمتع بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف وتسيير أعماله ويعيّن ويقيل جميع الموظفين من جميع الرتب (م26 نقد وتسليف) ويُستشار في تعيين نوابه بحيث جرى التعامل على عدم تعيين من لا يرضى الحاكم به. والمضحك المثير للسخرية هنا انّ الحاكم هو من يعيّن لنوابه وظائفهم (م 18 نقد وتسليف)، حيث بإمكانه أن يقرّب او يقصي منهم مَن يشاء دون رقيب ما يعني انّ النص يجعل من 4 نواب للحاكم رهن مشيئة الحاكم الذي يمكنه تهميشهم او تفعيلهم وخطورة هذا الأمر تنعكس على عمل المجلس المركزي لاحقاً.

هذا الواقع الإمبراطوري في مصرف لبنان جعل الحاكم ذا سلطة تمكنه قول نعم أو لا لأيّ كان في الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء مجتمعاً. وبالتالي هذا الواقع يقفل الطريق على حاكم مصرف لبنان بأن يقول “أُجبرت” او “اضطررت” او “ضغطت” لأفعل هذا او ذاك، ما يعني أن كلّ ما يحصل في مصرف لبنان يقع بشكل مباشر على عاتق الحاكم ولا تخفف من مسؤوليته شراكة المجلس المركزي بالفعل، فهو رئيس هذا المجلس وهو يملك الهيمنة على 4 من أعضائه هم نوابه كما ذكرنا، وهو من يضع جدول أعماله. وبالتالي انّ التلطي خلف المجلس المركزي امر ليس منتجاً لما يريده الحاكم من براءة في هذا المجال. طبعاً وهنا لا يمكن أن نهمل مسؤولية الحكومة عن الشغور في مواقع نواب الحاكم وتالياً المجلس المركزي.

أما عن مسالة إعلام الحكومة بقرارات المجلس وما يحصل في المصرف، فإننا نميّز بين قرارات الحاكم وتعاميمه، وبين قرارات المجلس المركزي، حيث إنّ مفوض الحكومة يبدي رأيه في الثانية ويطلع على الأولى بمقدار ما يعلمه الحاكم بها، وهنا نذكر أيضاً بأنّ موقع المفوّض شاغر منذ 15 شهراً. هذا الشغور حصل في ظلّ حكومة سعد الحريري وهو مستمر إلى الآن، وتتحمّل الحكومة مسؤوليته قطعاً. فوظيفة مفوض الحكومة في المصرف هامة للغاية، لأنه هو عين الحكومة في المصرف، وإذا مارس المفوّض صلاحياته فإنه يشكل خط أمان يمنع انحراف المصرف عن مساره بشكل او بآخر. فمفوّض الحكومة هو حلقة الوصل بين المصرف والحكومة عبر وزير المال الذي يمكنه إذا مارس صلاحياته وكان خبيراً او استعان بخبراء في الشأن المالي أن يمنع عبر الحكومة أيّ شذوذ في إدارة المصرف.

وهنا نصل إلى مسألة الاستقلالية التي يتمسك بها حاكم مصرف لبنان، فنجد أنّ النص جاء صريحاً على انّ المصرف “شخص معنوي من القانون العام ويتمتع بالاستقلال المالي” (م13 من النقد والتسليف) وبعطف النص على نص صلاحيات الحاكم بأنه يتمتع بواسع الصلاحيات في إدارة المصرف (م 26 نقد وتسليف) نصل إلى القول بأنه يجب التمييز بين نوعين من التصرفات تصرفات الحاكم في إدارة المصرف وشؤونه الداخلية، وبين تسيير المرفق العام لجهة مسّه بالدولة والمواطن. ففي الأولى نعم نوافق الحاكم على استقلاليته وحقه في الفعل أو الامتناع دون الأصغاء لأحد، أما في الثانية فواجب الحاكم أن ينصاع للسياسة العامة للدولة وينسّق مع الحكومة في كلّ ما له علاقة بالأمن المالي والأمن الاجتماعي وليس له أن يتذرّع بأيّ استقلالية غير موجودة في النص أصلاً. وهنا تثار مسؤولية مفوض الحكومة ووزير المال ومجلس الوزراء الذي هو السلطة التنفيذية بحسب الدستور. ولو كانت الاستقلالية هي كما يقول الحاكم لما كان حاجة إلى الرقيب الحكومي في المجلس الذي هو مفوّض الحكومة.

أما عن الهندسات المالية التي اشترى بها الوقت كما اعترف، فإنّ تبريره مرفوض حتى من قبل أقلّ الخبراء خبرة في هذا المجال، خاصة إذا قارنّا بين ما تكبّده المصرف من خسائر الدولة حصدتها المصارف أرباحاً، وبين قيمة المهلة الذي يزعم أنه اشتراها.

وعليه نقول إنّ رياض سلامة حاكم مصرف لبنان لم يقنعنا بتبريراته، ولكننا لا نوافق على أنّ المسؤولية في ما وصلت اليه الأمور تقع عليه وحده، فهو عضو رئيسي في المنظومة التي تسبّبت بهذا الانهيار، لكنه ليس الوحيد فيها، فكلّ أعضاء المجلس المركزي مع مفوّض الحكومة مع زير المال مع الحكومات المتعاقبة شركاء في صنع هذه الكارثة، ويتحمّلون مسؤولية الفعل المباشر أو مسؤولية السكوت عن الخطأ خاصة في السنوات الخمس الأخيرة التي تفاقم فيها الوضع وحدث فيها الانهيار.

أما المعالجة فإنها برأينا لا تكون فقط بإعادة النظر في تركيبة حاكمية مصرف لبنان حاكماً ونواباً ومفوّض حكومة ومجلساً مركزياً، بل يجب أن يبدأ العلاج بمراجعة قانون النقد والتسليف الذي يجب أن يُسقط إمبراطورية الحاكم ويقيم المؤسسة المتماسكة المتوازنة، حيث تظهر فيها الرقابة الجدية على إدارة المصرف ضمن منظومة تحفظ الاستقلال الإداري الداخلي من دون تفرّد، وتؤمّن رقابة الحكومة وتدخلها حيث يقتضي.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

رياض سلامة لم يضع النقاط على حروف اللبنانيّين

ناصر قنديل

قد يهتمّ التقنيون والخبراء الماليون ببعض الأرقام التي قدمها حاكم المصرف المركزي في إطلالته التلفزيونية، لكن سردية الأرقام وتعقيداتها في مخاطبة للرأي العام ليست سوى متاهة لا خروج منها، قد تنجح بتضييع الطاسة، لكنها لا تقنع أحداً ولا تردّ الكرة إلى مرمى أحد. وقد يهتم القانونيون بمناقشة حدود الصلاحيّات التي تحدّث عنها الحاكم في انتظام علاقته بالحكومة، فيسائله الرقميّون عما فعلته الهندسات المالية التي باعنا فضله بأنه فعلها ليشتري لنا وللحكومات وقتاً، عن كلفة هذا الشراء قياساً بعائداته. وقد يسائله القانونيّون عن موجبات العلاقة بين الحكومة والحاكم بغياب مفوّض للحكومة ونواب للحاكم، أي سقوط مرجعية نظرية اسمها المجلس المركزي، ومراجعة اعتراضيّة اسمها مفوضية الحكومة، لكن كل هذا سيبقى مجرد تفاصيل من المشهد الذي يتطلع نحوه اللبنانيون، الذين يتمحور سؤالهم حول: متى سيمكنهم التصرف بودائعهم، ومتى سيعود الدولار للتواجد شخصياً في السوق، وبأي سعر، وماذا عن وعده بأن الودائع بأمان والليرة بخير، إذا ما خرجنا من صومعة الحاكم وقيود مصرف لبنان، إلى أقرب كونتوار في مصرف أو شباك صراف، في شارع الحمراء، حيث لا يبعد عن مكتب الحاكم بضعة أمتار؟

الجواب سلبي وقاتم، فكلام الحاكم لم يقدّم ولم يؤخّر في ما يعرفه اللبنانيون بالملموس كل يوم، بأنهم غير قادرين على التصرف بودائعهم أو بجزء منها، وما يعرفونه بالملموس أيضاً أنهم غير قادرين على شراء الدولار بأسعار مصرف لبنان، بتدرجاتها الأول والثاني والثالث، وأن التجار يبيعونهم السلع على أساس سعر خامس هو مرّة ونصف قيمة السعر الرابع الذي يباع فيه الدولار في السوق، لأن سعر التجار هو 6000 ليرة للدولار إذا قارنا تسعيرات اليوم بأسعار السلع قبل ستة شهور، ولأن ما يطلبه أغلب اللبنانيين ليس في السياسة بل في حياتهم اليومية، وهم يوافقون الحاكم على رفض حصر المسؤوليّة به وبقراراته وتوجّهاته، ويدركون أن الحكومات المتعاقبة والمجالس النيابية المتعاقبة شريكة في المسؤولية عن النتائج الكارثية التي يعيشون في ظلّها، فمن حقهم أن نقول للحاكم، لم تكن موفقاً بالاستعانة بمثال الدول التي تسببت مواجهة الكورونا بدفعها إلى الركود والأزمات المالية، لأنها لا تصحّ في لبنان الذي أدركته الأزمة قبل كورونا، ولم يكن بلوغها مفاجئاً، كي تصحّ فيه حال الأسباب القاهرة التي تحاكي حال الدول التي تفاجأت بأزماتها بنتاج مواجهة وباء الكورونا، لندخل بعيداً عن السجال العقيم أو التخصصي في صلب الموضوع.

يعرف الحاكم أنه عاجز عن الإفراج عن ودائع اللبنانيين بالدولار، وكذلك عن ودائعهم بالليرة اللبنانية رغم تأكيده وجودها دفترياً. كما يعرف أنه عاجز عن ضمان سعر ثابت لصرف الدولار في سوق الصرف وجعله سعراً موحداً للقيود الدفترية وللسوق النقدية، ولأن هذين الأمرين هما ما يعنيان اللبنانيين فباقي الكلام لا يحرّك فيهم ساكناً، لأنه لا يعنيهم. والحاكم حاز مكانة مميزة عند اللبنانيين خلال توليه منصبه أتاحت له الوقوف فوق السياسيين وربما معاملتهم من فوق، لأنه كان قادراً على ضمان ما لم يعد قادراً على ضمانه اليوم، ولذلك فعليه أن يعتاد على حقيقة أن المقدس قد سقط، وأنه آخر هذا المقدس الذي سقط وقد سبقه سقوط السياسيين منذ زمن، وصار متاحاً للنقد مثلهم والنقاش معه يجب أن يكون حراً ومتاحاً، من دون الذهاب لعقل المؤامرة، والحديث عن خطط مدبّرة، وسواها مما يعتاده الواقع اللبناني ويكثر من استعماله.

قاد الحاكم السفينة المالية والنقدية وفقاً لما كان يظنه اللبنانيون خياراً استراتيجياً مدروساً، اقرب للحلم، ليكتشفوا أنه رهان يشبه الكابوس، والرهان أقرب للمقامرة. والفارق بين الرؤية الاستراتيجية والرهان هو أن الرؤية الاستراتيجية تعتمد خياراً مبنياً على فرضيّات وتقيم خطط خروج من خيار إلى آخر في حال تغيّرت الوقائع والحسابات، بينما الرهان لا يقيم هذا الحساب فيسقط بمجرد تغير الظروف والمعطيات. فالسؤال الذي يحق لنا توجيهه للحاكم هو عن خطط الخروج من الرهان على تثبيت سعر الصرف عندما بدأت السفينة تواجه خطر الغرق. وكما قال الحاكم معلوم أن فوارق الاستيراد عن التصدير في الميزان التجاري تلقي بضغط يقارب 17 مليار دولار مطلوبة في السوق كانت تتم تغطيتها من التحويلات الآتية من الخارج، ومنذ العام 2010، أي منذ دخول العقوبات الأميركيّة القاسية على اللبنانيين حيّز التنفيذ، بدأت تحويلات اللبنانيين من الخارج تدخل في الجفاف وصولاً للنضوب، وبدء العجز في العام 2010 موثق في تقارير المصرف المركزي، ومثله تواصل العجز التراكمي في ميزان المدفوعات أعوام 2011 و2012 و2013 و2014 و2015 وفقط في عام 2016 تحقق وفر ناتج عن الهندسات المالية التي قال الحاكم إنها بهدف شراء الوقت، بعدما كان العجز التراكميّ قد زاد عن 18 مليار دولار، ولم يبدأ العجز إذن في عام 2015 كما قال الحاكم، ليفسر لنا أنه في العام التالي أقدم على الهندسات لنشتري الوقت، بل انتظر خمس سنوات ليفعل شيئاً، ويا ليته لم يفعل، لواجهنا الوضع الذي نواجهه اليوم بمعطيات أفضل وظروف أقل وطأة. فالهندسات هي عملياً شراء مليارات عدة من دولارات المصارف بضعف السعر أي بـ 3000 ليرة للدولار. وهي نسخة عن كل المنهجية التي قاد عبرها الحاكم سفينة المال والنقد، معالجة الدين بمزيد من الدين، وارتفاع الفوائد بمزيد من الارتفاع، وهذه هي النتيجة أمامنا.

الحقيقة أن سياسة تثبيت سعر الصرف، وبموازاتها تمويل الدولة بالمزيد من الديون، بمثل ما يجب مساءلة الذين توالوا على الحكم عنهما، لم يكونا عند حاكم المصرف مجرد طاعة وتلبية لتعليمات السلطات السياسية، بل كانا استراتيجية المصرف المتلازمة، بين تثبيت سعر الصرف والدين بفوائد مرتفعة، فتلك هي فلسفة الحاكم المالية والنقدية بجناحيها الأقرب للسحر الأسود. فكم من مرة فاقت الديون المسجلة على الخزينة حاجاتها، بداعي سحب السيولة لحماية سعر الصرف ولو عبر المزيد من الاستدانة من دون ضرورة مالية للدولة، عبر إغراء الفوائد المرتفعة للمصارف كي تستجيب لطلب المصرف، برفع نسب ودائعها لديه، ويحمي سعر الصرف، والحصيلة هي سؤال: هل بيئة الفوائد العالية هي بيئة مناسبة لنمو الاقتصاد والاستثمار، أم هي مجرد بيئة للمضاربات المالية والعقارية؟ فهكذا تجمّد الاقتصاد وتراجع الإنتاج، ودخلنا في دائرة مغلقة ستنفجر بوجهنا يوماً ما، وهذا اليوم هو عندما يتقلص عائد التحويلات من الخارج الذي يعوّض ضعف الإنتاج والتصدير مقابل ارتفاع متزايد في فاتورة الاستيراد بفعل التشجيع على الاستهلاك الذي وفّره تثبيت سعر الصرف، وأغرت به الفوائد المرتفعة.

بين العامين 2009 و2010 كانت اللحظة التي يجب أن يتحرّك خلالها مصرف لبنان لتعديل الخطة، ولوضع استراتيجية خروج من الرهان، وكان المناخ السياسي مؤاتياً، في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وبعدها حكومة الرئيس سعد الحريري، في عهد الرئيس ميشال سليمان، فميزان المدفوعات يُنذر بالخطر عند مصرف لبنان خلال عام 2009 وأظهرته حصيلة العام 2010 وتواصل بعدها. والخروج من الرهان هو أولاً بوقف نزيف العملات الصعبة، بضغط الاستهلاك تدريجاً خلال خمس سنوات من 20 ملياراً إلى 15 ملياراً ورفع التصدير من 3 إلى 5 مليارات، وهذا كان ممكناً بتعاون الحكومة والمصرف المركزي، لتضييق الفجوة في ميزان المدفوعات من 17 ملياراً إلى 10، ومعها تحرير تدريجي مسيطر عليه لسعر الصرف ضمن خطة خمس سنوات تسمح بخسارة الليرة 25% من قيمتها، لدخول خمسة أخرى ينخفض خلالها الاستيراد من 15 إلى 10 مليارات ويرتفع التصدير من 5 إلى 7 – 8 مليارات، وتحرير إضافيّ لسعر الصرف بنسبة 25 % خلال خمس سنوات أخرى، وضمن كل ذلك التخطيط وفي طليعته تخفيض الفوائد لتشجيع الاستثمار في الإنتاج، فهل أوصلنا الحاكم إلى خروج هادئ من رهانه عندما تغيرت المعطيات، أم واصل إصراره على الرهان، حتى سقطنا كتدحرج صخرة كبيرة من أعلى الجبل نحو قعر الوادي؟ فهل فكر في تغيير المنهجية ومواجهة المخاطر، هل فعل ذلك؟ هل طلب ذلك ورفضوه، هل حذّر من هذا السقوط ولم يسمعوه؟ إن كان ذلك قد حصل فهو بريء وهم وحدهم المذنبون، ولعله عندها يخرج علينا بما يثبت أنه فعل وحذّر ليبرئ اللبنانيون ساحته، وإن لم يفعل، وهذا هو الأرجح بدليل الهندسات المالية المشؤومة، فهو خاض رهانه كأنه يقامر بماله الخاص، يتقبل لمتعة المغامرة خسارة كل شيء، أو ربح كل شيء، واللبنانيون لم يأتمنوه ليفعل ذلك بأموالهم وجنى أعمارهم، وحقهم بالعيش الكريم، من دون أن ينتقص ذلك من مسؤولية من أفسدوا وسرقوا واستغنوا بأموال غيرهم، وتنعموا بالفوائد والهندسات، لكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فمسؤوليته تبقى الأكبر بهذا القياس، لأنهم سيلقون المسؤولية عليه ساعة الحساب بداعي، أن رياض قال إن الأمور بخير.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حزب الله وحسان دياب علاقة “تكنوقراط”!

 روزانا رمّال

بين الحديث عن حكومة مؤيدة لحزب الله واعتبارها جزءاً من نفوذه المترجم محلياً على أثر المتغيرات الإقليمية التي تقدّمت لصالحه خصوصاً في سورية وبين النظر الى السياق العام للموقف الأميركي منها والعلاقة معها يتوقف المشهد السياسي عند ترجمة هذه العلاقة بقرارات تنفيذية يمكن قراءة موقف واشنطن على اساسها.

بأي حال من الأحوال يبدو الموقف الأميركي حيال التعاطي مع حكومة الرئيس حسان دياب «متقدّماً» فقد انتقل من مرحلة «الاعتراف» عشية زيارة «دايفيد هايل» الأخيرة الى بيروت منذ أشهر وسلوكها المسار الطبيعي بين أخذ الثقة والبيان والوزاري ثم «الترقب» وبين إطلاق المواقف الأميركية منها التي لا يشوبها أي نوع من التصويب المباشر عليها وصولاً نحو علاقة رسمية ودبلوماسية «طبيعية» اليوم صار يمكن الحديث عن تطور الموقف الأميركي على أساسها عملاً بعمر الحكومة القصير ليتبين أنها لا «تزعج» إدارة الرئيس دونالد ترامب ولا تعتبر مساحة تحدٍّ له وإذا كان هذا هو موقف البيت الأبيض فإن الاستنتاج الأساسي هنا يصبح عدم صحة اعتبار أن الأميركيين يصنفون هذه الحكومة حكومة حزب الله. فواشنطن لم تتردد لحظة بتصنيف حكومة الرئيس السابق سعد الحريري حكومة للحزب او لحلفائه بالحد الأدنى؛ اما اليوم فهذا التصريح يغيب عن الادارة الأميركية حتى «اللحظة» مع ان «إسرائيل» تقدمت نحوه.

عملياً لا يمكن لواشنطن أن تؤسس لصيغة حكومية لبنانية أفضل من هذه التي يمثلها فريق حسان دياب فأي صيغة تلك أفضل من صيغة لا تبرز بشكل صريح وزراء حزب الله ضمن الكادر السياسي واصطفافاته؟

وأي صيغة هي الأفضل من حكومة لا تحفظ لحليف حزب الله الأكبر وهو الحليف الاستراتيجي رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل حضوراً مباشراً فيها يعطيه التفوق الصريح على خصومه المحليين وتساعده انتخابياً وهم حلفاء واشنطن بالأعم الأغلب؟

بالعودة إلى مواقف الإدارة الأميركية السابقة من حكومة دياب، فقد حذر مسؤول أميركي كبير في 11 شباط لشبكة «العربية» من أن «ما نراه الآن من حكومة دياب ليس واعداً، ولا يتطابق مع المطلوب ولا مع ما يطالب به اللبنانيون». وأشار المسؤول في الإدارة الأميركية إلى أن «الولايات المتحدة تراجع دائماً موقفها ومساعداتها وهي ستفعل ذلك». وتابع «واشنطن تراقب التطورات وتصرفات حكومة حسّان دياب، وستتصرّف بناء على هذه التصرفات وليس بناء على هوية الوزراء وانتماءاتهم، ولا حتى مضمون البيان الوزاري»، وأكد أن «إدارة ترامب قرّرت عدم التدخّل».

الكلام الأميركي وكذلك الموقف تطور منذ ذلك الوقت وبشكل كبير فقد حرصت السفيرة الأميركية الجديدة «دوروثي شيا» على زيارات بروتوكولية تحوّلت الى زيارات دعم وتعاون، كما كان عنوان الزيارة منذ يومين الى السراي الحكومي فقد عبرت السفيرة لدياب حسب مصادر حكومية «عن اهتمامها باستكمال المساعدات الأخيرة التي تقدمت بها بلادها»، شاجبة ما أسمته «التعديات في الشارع الطرابلسي». وهذا الكلام يؤكد بالنظر الى كلام المسؤول الأميركي في شهر شباط الماضي الذي ربط مساعدات بلاده بسلوك دياب على تطور الموقف. فهذا السلوك على ما يبدو لم يزعج إدارة ترامب حتى الآن. وبالتالي فان التعاون معها بالنسبة لواشنطن يتدرج نحو التعزيز بعد أن أيقنت ان لا سيطرة لنفوذ حزب الله على دياب. فالسلوك المقصود هنا هو الهوية السياسية لهذه الحكومة وأن لا تكون أحد أذرع حزب الله في البلاد او امتداداً لنفوذ إيراني صريح.

أما من جهة حزب الله فيؤكد مصدر متابع لـ»البناء» ان العلاقة بين الطرفين جيدة، لكنها لا تصنف إلا بـ»الطبيعية». فحزب الله الذي انتقل من التعاون مع الرئيس سعد الحريري وهو رئيس لتيار المستقبل والممثل الأقوى في الساحة السنية ليس معنياً اليوم ببعض الحساسيات التي كانت تشوب تلك العلاقة حتى أن الزيارات المتوالية على الرئيس الحريري من قبل «الخليلين» ممثلي الثنائية الشيعية، وهما كل من مساعد امين عام حزب الله السياسي ومعاون الرئيس نبيه بري السياسي، ليست اليوم بمثل هذا الزخم السابق مع بيت الوسط. فما يجمع حزب الله بتيار المستقبل وكثرة الملفات والحساسيات في الساحتين كان يتطلب نوعاً آخر من العلاقة وهي ثلاثية الركائز «سياسية – حزبية –حكومية». الأمر غير الموجود لدى دياب. فحزب الله لا يتعاطى معه لا بعين التحدي للحريري ولا بعين اعتباره زعامة قيد الولادة، بل إن العلاقة بين الطرفين مبنية على «إدارة المرحلة». وهي المهمة التي قبل بها دياب لمواجهة الازمة التي يعيشها لبنان. وعلى هذا الأساس يختم المصدر «يمكن وصف العلاقة بين حزب الله وحسان دياب بـ»التكنوقراط» أي علاقة حزب برئيس حكومة يمثل السلطة التنفيذية غير الآتية من رحم الأحزاب بل الاختصاص.

من ناحية أخرى، لا شك في أن نجاح حكومة دياب يعني لحزب الله نوعاً من الاحتفاظ بموقعه المتقدم في الساحة السياسية. فالحزب وحلفاؤه كانوا عشية 17 تشرين واقعين بين خيارات ضمنها استقالة الحريري او ملء الفراغ ببديل آتٍ من تحالفات أميركية او خلفيات مؤيدة لواشنطن: اما اليوم وبوجود دياب هم بموقع أفضل بل «أضمن»، اذا جاز التعبير، وأبعد عن التحدي وحسابات نقاط النفوذ. الأمر الذي لا تتحمله المنطقة والذي لم تجهز بعد له ساحات المفاوضات وتسجيل النقاط.. فهل ينجح حسان دياب بالاستفادة من المرحلة؟

السيّد: نطالب الحريري بالإعتذار من الضباط الأربعة كما اعتذر من الأسد

البناء

صيدا أون لاين | الحريري: إلى جميل السيد النابغة في الاقتصاد ...

أعلن النائب جميل السيد، في مؤتمر صحافي عقده أمس في مجلس النواب، لممناسبة الذكرى الحادية عشرة لتحرير الضباط الأربعة، أننا «طلبنا من الرئيس سعد الحريري أن يعتذر من الضباط الأربعة، كما اعتذر من الرئيس بشار الأسد عام 2009، والأوْلى أن يعتذر منا وتنتهي القصة، طالبناه بأن يعتذر باعتباره راعياً لشهود الزور، بحسب الملفات التي استندت إليها المحكمة الدولية. مع الأسف، لم يعتذر مثلما اعتذر من الرئيس الأسد. والأوْلى أن يعتذر منا كضباط لبنانيين وتنتهي القضية أدبياً، والرجوع عن الخطأ فضيلة».

وأضاف «أتحداهم والشكوى التي سأقدّمها أصبحت جاهزة لأنهم ما زالوا يتاجرون بدم الشهيد. يكلفك الأمر، يا شيخ سعد، أن تدلي بتصريح أو تقول كما قلت للرئيس الأسد عام 2009، في تصريح أو عبر التلفزيون: نعتذر من الضباط الأربعة لأننا أخطأنا في حقهم في الاعتقال بناء على شهود زور. ونقطة على السطر».

ورأى أن «قانون العفو، واجب وضروري، وفي نظري ونظر كل اللبنانيين سارق البيضة في السجن وسارق الدجاجة في السلطة. الذي قتل شخصاً أو أطلق رصاصة في الهواء في السجن والذين قتلوا الآلاف ودمّروا وهجّروا في الحكم. العدالة نسبية وليست مطلقة، عدا عن الظروف الاجتماعية المحيطة بالموضوع».

وقال «غيري دخل في موضوع الجرائم. أنا قاربت العفو على أساس المدة. تقريباً 99 في المئة من الناس، إذا طبق الحق الشخصي فهو يحتاج إلى تنازل لأننا لا نستطيع أن نتنازل عنه بالعفو، يعني لا نريد أن ننصف القاتل ونظلم القتيل، وبالتالي إذا فعلنا ذلك من دون إجراء مصالحات فلا نريد تزايد تفاعل الجرائم بين العائلات وأخذ الثأر وبالتالي إذا حصل وأتى بإسقاط شخصي مع قانون عفو يخرج، وإذا لم يحصل على إسقاط شخصي يجرون إتصالات بين بعضهم البعض من أجل تقديم إسقاط ويمشي الحال». وأشار إلى أنّ «كلّ مذكرات التوقيف الغيابية والبحث والتحري تسقط وتعطى مهلة 6 اشهر للناس المعنيين جدياً ليتقدموا ولا يتمّ توقيفهم ويُسألوا ويحقق معهم بفترة أشهر ولا يكونون موقوفين إلاّ إذا صدر حكم في حقهم فيفيدوا من العفو».

كلام دياب وكلام الحريري في الميزان

ناصر قنديل

مقاربة كلام رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب على الطريقة التي قام بها الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، فيها الكثير من التحامل ومجافاة الحقيقة. فلو كان موقف الرئيس دياب تحميل حاكم المصرف المركزي رياض سلامة تبعات كل أسباب الأزمة المالية التي تشارك في صنعها، مَن توالوا على الحكم وأصحاب المصارف ومعهم مصرف لبنان، لتمّ طرح تعيين بديل للحاكم بعد إعفائه من منصبه استناداً إلى مواد قانون النقد والتسليف التي تجعل الإخلال بالواجبات المهنية سبباً كافياً للإعفاء، ويعرف الرئيس الحريري وكل الذين يتحدثون اليوم عن حاكم المصرف، تحت شعار ليس وحده مسؤولاً، إن ما قاله رئيس الحكومة أن حاكم المصرف يعرف ما يجب أن يعرفه اللبنانيون، ودعاه لكشف ما يعرف أمام اللبنانيين، فهل هذا ما يخشاه الخائفون من استجابة سلامة أكثر من خوفهم من كلام دياب؟

في أزمة كالتي تحدّث عنها الحريري ووصف أبعادها، الكلمة الفصل للمعلومات والأرقام، لنعرف أين نحن ولنعرف توزيع أحمال المسؤولية، ولنضع خطة إنقاذ حقيقية يعرف الرئيس الحريري أنها تحتاج إلى معلومات حقيقية، موجودة لدى حاكم مصرف لبنان، وفي المعلومات التي تحدّث عنها الرئيس دياب، عينة تحليلية ذات قيمة تشبه مؤشرات الفحوصات العشوائية في مواجهة وباء كورونا، هي الأموال التي تمّ تهريبها خلال عام مضى، فمنذ مطلع العام الماضي عندما بدأت مؤشرات التدهور المالي تتجمّع لدى العارفين، وحاكم المصرف في طليعتهم وكذلك أصحاب المصارف وكبار النافذين في الدولة، وحتى تاريخه، خرج من لبنان أكثر من 20 مليار دولار لأسباب غير تجارية وغير استهلاكية، بل تهريباً علنياً لأموال، تفادياً للمشاركة في دفع فواتير الانهيار، الذي ترك اللبنانيون يدفعون فواتيره ومنعوا من تحويل أبسط المبالغ لأولادهم، بقرارات من أصحاب المصارف ومدرائها، وتحت عين حاكم المصرف المركزي، فهل يشكل كشف حقيقة ما جرى على هذا الصعيد جريمة بحق الديمقراطية وانقلاباً على النظام، وهل يمكن وصفه بالانتقامية والكيدية، أم هو عين الممارسة المسؤولة في الأنظمة الديمقراطية؟

ما قاله الرئيس دياب معاكس تماماً للتهم التي ساقها ضده الرئيس الحريري، فهو خاطب الغاضبين والمطالبين بإجراءات ثوريّة، بأن يهدأوا لأن الحكومة ليست محكمة ثورية، لكنها ستعمل ليحاسب القضاء وحده، المرتكبين وتحت سقف القانون فقط. وهو هنا ترك لحاكم المصرف ولأصحاب المصارف وللذين تحوم حولهم شبهات التحويلات الإجراميّة، طريق العودة بالإشارة إلى نية إقرار مشروع قانون يطلب إلى الذين حوّلوا أموالهم منذ تشرين الماضي، بإعادة هذه الأموال المهربة، تحت طائلة الملاحقة الجزائية، أي أن الملاحقة القانونية لن تتم إلا في حال التخلف عن إعادة هذه الأموال، آملاً أن يتم ذلك قبل صدور قانون، فهل ثمة روح تسووية أكثر من فتح الباب لغض النظر عن التهريب كعمل جرميّ بإعادة المال المهرّب، أما عن ارتفاع سعر الصرف بصورة جنونيّة فيعرف الرئيس الحريري كمصرفي سابق، أن تجفيف سوق الصرف من الدولارات كافٍ ليتكفل بما يجري وأكثر، والتجفيف ليس ناجماً عن عدم تدخل مصرف لبنان في سوق القطع، بل قبله عن طريق تهريب الأموال، وبعده عبر تعميم مصرف لبنان بمنع تلقي أصحاب التحويلات الطازجة أموالهم بالعملة الأجنبية، ما جعل الطلب على الدولار بلا عرض في السوق كانت تؤمنه هذه الأموال المحوّلة والمقدرة بمئة مليون دولار شهرياً، فتخفف من سرعة ارتفاع سعر الدولار إن لم تمنع هذا الارتفاع. فهل يملك الحاكم تفسيراً لتعميمه الأخير غير المخاطرة بالليرة التي طمأن اللبنانيين أنها بخير؟

حاكم المصرف هو الحلقة الذكية والعارفة ومخزن المعلومات، في الفريق الذي يتقاسم أركانه المسؤولية عن ضياع ودائع اللبنانيين، ومساءلته هي الأوجب لتوضيح الحقائق، والحصول على المعلومات، وتعاونه يسهّل المهمة ويفتح طريق المعالجات، وتعاون الذين هرّبوا الأموال يخفف وطأة الأزمة، ويقطع طريق الخيارات الانقلابية أو الثورية، ويحول دون الفوضى، لكن مع دولار بعشرة آلاف ليرة، لا يبقى مكان لكلام العاقل حسان دياب، فإن كان من كلام يقوله الرئيس الحريري فهو للحاكم كي يستجيب لدعوات الرئيس دياب، ولأصحاب المصارف والذين حوّلوا أموالهم وهرّبوها من لبنان ليتجاوبوا مع دعوة الرئيس دياب بإعادتها. والحقيقة المرة هي أن لبنان في وضع أسوأ وأصعب من أن يتم تخطيه بالأنانيات السياسية والحزبية، وحتى بالمحاسبة الثورية، أو برفع وتيرة التحدّي، أو بالاستقطاب الطائفي والحزبي، واختراع عدو وهميّ لمقاتلته. والطريق مفتوح لتفاهمات إنقاذية إذا أدرك الجميع أن الانهيار إذا وقع فإن دوي الانفجار لن يُبقي مكاناً لقصور ولا لمصارف ولا البلد

حكومة دياب ووكر الأفاعي

د. عدنان منصور

كلّ الثعابين خرجت دفعة واحدة من أوكارها، لتبخّ سمومها على حكومة الرئيس حسان دياب… جوقة ناهبي البلد ومقاوليه، ومحتكريه، وسارقيه، ينبرون اليوم ليتنافسوا في ما بينهم، ليظهروا حرصهم وغيرتهم وتحسّسهم «وعاطفتهم الجياشة» مع مطالب الشعب المقهور، وأوضاعه المزرية!

غيرة وحرص يأتي من مَن؟! من حيتان وتماسيح المال ولصوصه، ومالكي بنوك، وأصحاب احتكارات للنفط والغاز والمصانع والشركات والالتزامات والمقاولات الحصرية، والمال الحرام. من مختلسي أموال الشعب المنهوبة ومهرّبيها، والمتعدّين على الأملاك العامة، والمصادِرين للأملاك الخاصة! نحن لسنا بوارد الدفاع عن حكومة الرئيس حسان دياب، وهو ليس بحاجة لمن يدافع عنها. هو يعرف جيداً ما له وما عليه، ويعرف أيضاً كيف يدافع عن سياسات حكومته ونهجها، وعن أدائه فيها. فهي إنْ قصّرت وتلكّأت، فإنّ المواطن الحر، وكلّ متابع لعملها لن يسكت بكلّ تأكيد، على تقصيرها. لكن أن تتجنّوا على حكومة لم يمرّ عليها شهران، وتصبّوا جامّ غضبكم الظالم عليها، بسبب استفحال غيظكم، وكراهيتكم، وغيّكم، وحقدكم الأعمى، وأنتم تعلمون انّ حكومة دياب، ورثت أوساخكم وقذارتكم وسرقات مقاولاتكم وحاشيتكم، وسياساتكم المالية والاقتصادية والمعيشية والتنموية الفاسدة والفاشلة، والمحاصصات التي وزعتموها عليكم، واعتمدتموها في ما بينكم. هجومكم هذا، يشكل قمة العهر والنذالة والاستخفاف بعقول الناس…

نقول للثعابين الغيارى على لبنان، الذين يحملون على أداء حكومة يافعة: ما الذي فعلتموه أنتم للمواطن اللبناني على مدار عقود؟! هل انتقدتم ولو مرة واحدة، سياساتكم الفاسدة الفاشلة، ونهجكم وسلوككم الذي أوصل البلد الى الخراب والإفلاس؟! هل أجريتم مرة واحدة نقداً ذاتياً بنّاء كشفتم فيه، عن فشل السياسات المتبعة من جانبكم، أو صارحتم المواطنين على الأخطاء وما أكثرها التي ارتكبتموها عمداً من خلال صفقاتكم السرية والعلنية، وسرقة المال العام، التي أثقلت كاهل اللبنانيين وجوّعتهم، وقضت على آمالهم وأحلامهم ومستقبلهم؟! قولوا لنا: مَن أوصل الشعب اللبناني إلى حالته الكارثية هذه؟! أهي حكومة حسان دياب، ام حكومات أباطرة المال، ومقاوليها التي كنتم أنتم حاكميها والمهيمنين عليها وعرّابيها؟! قولوا لنا ما الذي فعلتموه حيال المساعدات والتحويلات والهبات المالية والأموال المنهوبة، وما أكثرها، ومنها الأحد عشر مليار دولار، ناهيكم عن التلزيمات المشبوهة، والأموال المهدورة، والنفقات الموزّعة على الأنصار والأعوان والمحاسيب والأزلام والمفاتيح الانتخابية، وزمر العصابات التي تحيط بكم وتوفر الحماية لكم؟! هل حاسبتم فاسداً، او طالبتم بمحاسبة سارق واحد، او رفعتم الغطاء عن مختلس او ناهب للمال العام؟! أم كنتم ترفعون دائماً عند الاستحقاق، الخطوط الحمر، أمام كلّ مَن يريد ان يفتح ملفاً لمحاكمة فاسد يخصّكم من قريب او بعيد، مجيّشين ومثيرين الحساسيات والنعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية، لتجهضوا بعد ذلك ايّ محاولة للإصلاح ومحاربة الفساد.

اليوم تخرجون من أوكاركم، لا صدقية ولا نزاهة لكم، تبثون السموم، بكلّ وقاحة وصلف وغرور في كلّ اتجاه، وأنتم الذين بعتم لبنان وشعبه، وقامرتم به علانية، في الداخل، وساومتم عليه، وشوّهتم صورته في الخارج، من دون شرف او كرامة او وازع ضمير، أو أدنى حسّ وطني، فسرقتم من شعبه كلّ شيء، بما فيه أحلامه وجنى عمره. وبعد ذلك، وبكلّ عنجهية واستخفاف، تطلّ علينا جوقة من المقاولين السياسيين وأذنابهم، والانتهازيين، ووعاظ السلاطين، والمتاجرين بالدين، والمنتفعين، والأزلام والمحاسيب، والمرتزقة المأجورين، والمفاتيح الانتخابية الصدئة المهترئة، لتوجّه سهامها المسمومة الى الحكومة وأعضائها، لتظهر «وطنيتها» الخالصة، وانشغالها بهموم المواطنين، واهتمامها الكبير بمصلحة البلد، وهي لا تعلم أنها آخر من يحق له الانتقاد او الكلام…

يا جوقة الفاسدين والمفسدين في الأرض، كفى تحريضاً ومزايدات وأكاذيب، وتشويشاً وتشويهاً للحقائق والوقائع… إنّ الحكم على أداء الحكومة، لا يأتي منكم، وليس من صلاحية المنافقين أو الفاسدين، ولا من قوادي السياسة والمنتفعين منها، ولا من الأفاعي التي سمّمت البلد وقتلت شعبه. إنّ الرأي السديد والحكم العادل للشعب وحده ولا غيره. هو يعرف بكلّ شفافية، السارق من الشريف، واللصّ من النزيه، والحريص على الوطن، من المفرّط به، والمتحسّس آلام الشعب من مَن لا يعنيه.

محكمة الشعب لزمرة الثعابين قادمة لا محالة، والحكم بتصفية الحساب معها، وقطع رأسها مسألة وقت…

وزير سابق

الحريري ـ جنبلاط ـ جعجع: لا جبهة معارضة

 تقرير ميسم رزق

 الثلاثاء 21 نيسان 2020

الحريري ـ جنبلاط ـ جعجع: لا جبهة معارضة
لدى الحريري وجنبلاط شعرة لا يُريدان قطعها مع حزب الله وبرّي (هيثم الموسوي)

وليد جُنبلاط في وادٍ، وسعد الحريري في وادٍ وسمير جعجع في وادٍ آخر. لا بوصلة تجمَعهُم، وإن كانَ الهدَف واحِداً، فالمسار مُختلِف والاعتبارات مُختلفة. المُحصلة: زمَن ١٤ آذار ولّى… لا جبهة مُعارضة ولا مَن يحزَنون

في أيلول 2018، جمَع النائِب نعمة طعمة في منزلِه وليد جنبلاط وسمير جعجع. كانَت مُناسبة طرَحَ فيها رئيس القوات اللبنانية على الطاوِلة فكرة إنشاء جبهة مُعارضة ضد عهد الرئيس ميشال عون. مضَت أعوام كثيرة على تحالُف ثورة «الأرز» لم يتنبّه جعجع خلالها إلى أن جنبلاط ما عادَ مُغامراً ولا مُبادراً، قبلَ أن يحسِمها «البيك» بأنه «لا يُريد الدخول في سياسة المحاوِر».

منذُ أيام لا تتوّقف التحليلات عن جبهة مُعارضة سينضمّ إليها رئيس الحكومة السابِق سعد الحريري، إذ تزامَنت عودته من باريس مع تصريحات هجومية للقوات والاشتراكي تنال مِن العهد وحكومة الرئيس حسان دياب، ومع حركة تقوم بها السفيرة الأميركية الجديدة دوروثي شيا على القيادات «الصديقة» لبلادها في بيروت.
حينَ يُنظَر إلى هذا التزامُن من زاوية التكهّنات، يصير الحديث عن مشروع كهذا «ببلاش». لكن كِلا الأمرين لا يلغيان واقِع أن لا زمان يسمَح لأن اللحظة السياسية التي وُلدت في ٢٠٠٥ انطوَت، ولا مكان يجمَع، فهذا فندُق «البريستول» حيث أسرار وخفايا ما عُرف يوماً بـ«فريق 14 آذار» ودّع ماضيه منُذ أيام…
كُل المؤشرات تُفيد بأن البلاد مُقبلة على اضطرابات سياسية وشعبية شرسة. وحتى ذلِك الحين، يتناوب الثلاثي جنبلاط – الحريري – جعجع على المعارضة وفقَ مشتركات أساسية، أبرزها تصفية حساب مع العهد والحكومة، والحفاظ على ودائعهم داخِل النظام السياسي والمالي، ولا سيما أن المسار الذي تتبعه الحكومة بالتناغم مع سياسة رئيس الجمهورية، يجعلهم يشعرون بالخطر، على صعيد الإجراءات التي يلوّح بها فريق رئاسة الحكومة، كما لجهة التعيينات المالية حيث الطاقم القديم يشكل العمود الفقري للسطوة الأميركية على الساحة الداخلية. كذلك يرى الثلاثي نفسه معنياً بالدفاع عن كبار المودعين (بعضهم من هؤلاء «الكبار»)، وعن رياض سلامة الذي لطالما مدّ مصرف الحريري بالدعم، على شكل هندسات مالية أو غيرها. يُضاف إلى ما سبق أن التعيينات المالية، وخاصة في مصرف لبنان، تمثل أهمية قصوى للحريري وجنبلاط، لأسباب لها صلة بالمحاصصة، كما لإراحة سلامة، فضلاً عن «الامتثال» للأمر الأميركي بإعادة تعيين محمد البعاصيري في منصبه السابق، نائباً ثالثاً لحاكم مصرف لبنان. ولدى جنبلاط مطلب خاص يجعله يخوض حروباً كلامية يُلبسها لبوساً «عالمياً» أحياناً: الأخذ برأيه لتعيين قائد للشرطة القضائية.
ما سبق يجعل الثلاثي يلتقي على المواقِف نفسها، من دون أن يعني ذلِك إحياء منطِق ١٤ آذار، إذ تنعدِم المقدرة على صوغ مثل هذا التحالف نتيجة اعتبارات عديدة:
أولاً، لدى الحريري وجنبلاط شعرة لا يُريدان قطعها مع حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري. الاثنان يعلمان بأن تحالُفاً من هذا النوع يستفزّ الثنائي ويجعلهما أكثر تشدداً، خصوصاً أن جعجع بالنسبة اليهما هو بمثابة «شبهة». لذا يلعَب كل من الحريري وجنبلاط منفردين، وحدود لعبتهما انتقاد العهد والحكومة والتحريض عليهما، والإعداد لركوب موجة أي انتفاضة مُقبلة.
ثانياً، لا يزال الحريري يُراهِن على العودة إلى الرئاسة الثالثة. وهذا الرهان ينتظِر انتهاء أزمة كورونا، ويعوِّل على إسقاط حكومة دياب في الشارع. ولأن الحريري يعلَم بأن لا حظوظ له من دون غطاء حزب الله، فلن يُغامِر في ارتكاب خطوة تستفزّه.
ثالثاً، ليس جنبلاط في وارِد الخروج عن السكة التي رسمها لنفسه منذ ٢٠٠٨. يمشي «جالس» مُحاذراً التوتر مع الحزب، ومحافظاً على العلاقة التي تربطه ببري. لذا فإن الابتعاد عن «سياسة المحاور» لا يزال الخيار المُفضّل لديه. وإن تقاطعت تغريداته مع مواقف «المُستقبل» و«القوات» ضدّ طرف سياسي محدّد، العهد أو حسان دياب، لكنها لا تعني أن «خصم خصمي حليفي».

ليسَ جنبلاط في وارِد الخروج عن السّكة التي رسمَها لنفسه منذ 2008


رابعاً، الاعتبار الأهم الذي يحول دون إنشاء هذه الجبهة، هو العلاقة السيئة بين الحريري وجعجع. فباعتراف مصادِر الطرفين «الأمور تحتاج إلى الكثير من المعالجة». القوات تشعر بأنها المخدوعة، ولم تتخطَّ العلاقة العميقة التي جمعت الحريري بالوزير السابِق جبران باسيل. أضِف إلى ذلك أن الحريري لم يتعافَ من الضربة التي وجّهتها القوات له بإخراجه من الحكومة، ثم رفضها تسميته لتأليف حكومة جديدة بعدَ استقالته، فضلاً عن جرح «الريتز» الذي لم يندمل بعد.

صيدا أعادت الحريري
دفعت عودة الحريري إلى الافتراض بأنها تتعلّق بتفعيل عمله السياسي، وإطلاق جبهة معارضة للحكومة. لكن هذه العودة ترتبط بشكل أساسي بما حصلَ في صيدا أخيراً، والحديث عن تواصل بينَ الرئيس الأسبق للحكومة فؤاد السنيورة ودياب ودعوته إلى صيدا، ومن ثم تدخل النائبة بهية الحريري الذي أدى إلى تجميد زيارة رئيس الحكومة ووزير الصحة حسن حمد إلى صيدا. ليسَ تفصيلاً بالنسبة إلى الحريري خسارة أحد أعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين الذين يستنِجد بهم كلما دعت الحاجة، فضلاً عن البلبلة التي أصابت جمهوره، في ظل أزمة كورونا والشح المالي. وقد وصلت إلى مسامِع الحريري في باريس (قبلَ عودته) أن الناس في المرحلة المُقبلة ستركض إلى الشارع منتفضة ضد سياسة التجويع، وأن خطاب العصب الطائفي لم يعُد ينفع، لأن الناس لا تريد أن تقاتِل بل تريد أن تأكل. أما بالنسبة إلى الحركة التي تقوم بها السفيرة الأميركية، فلا ارتباط بينها وبين عودة الحريري، كما أنها لا تأتي في إطار لمّ الشمل أو توحيد البوصلة عند الفريق الأميركي السياسي في لبنان، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تُدرك أن أحصنتها القديمة في لبنان لن تجتمع لجرّ عربة مواجهة حزب الله. حركة السفيرة لا تزال في إطار التعارف وجس النبض، في انتظار أمر عمليات لم يصدر بعد، على ما يقول قريبون من الثلاثي ومن السفارة في عوكر.

لمَ فجور الطبقة السياسيّة ضدّ حكومة دياب؟ وكيف يكون الردّ…؟

العميد د. أمين محمد حطيط

بات من المسلّم به انّ حكومة حسان دياب القائمة في لبنان منذ نيّف و3 أشهر تقريباً هي حكومة تختلف في كثير من الوجوه والمفاصل عن الحكومات التي شهدتها جمهورية الطائف التي انطلقت بعد العام 1989. ولأنّ هذه الحكومة تختلف عن سابقاتها فقد سجل أمران هامان يتصلان بأدائها وبردة الفعل على هذا الأداء:

ـ الأول جرأة الحكومة ونجاحها في اتخاذ القرارات الكبرى مثل قرار تعليق إيفاء اليوروبوند او خطة مواجهة كورونا او خطة إعادة المغتربين إلخ…

ـ الثاني ردة فعل الطبقة السياسية التي شاركت في حكومات لبنان منذ ثلاثة عقود، خاصة أولئك الذين أخرجوا أنفسهم من الحكومة الحالية واختاروا المعارضة بذريعة انّ صوتهم كان مهمّشاً داخل مجلس الوزراء في ظلّ عهد العماد عون الحالي واعتقادهم بأنهم لا يُستغنى عنهم، وبالتالي سيعودون إلى الحكم على حصان أبيض بعد فشل سريع للحكومة الحالية، كما يرتقبون.

في الموضوع الأول، لمس اللبناني ولأول مرة منذ العام 2005 انّ لديه مسؤولاً يهتمّ بشأنه ويحرص على أمنه وسلامته، وسلّم الجميع بأنهم أمام أداء حكومي فاعل ومنتج لا بل انّ الحكومة تعقد اجتماعات تحت عناوين شتى وبشكل مستمرّ وتكاملي وتعطي كلّ مكوّن وهيئة دورها وتترك لها ممارسة اختصاصها بشكل منسّق مع الآخرين بدءاً من الاجتماعات الوزارية المحدودة إلى اجتماعات اللجان الوزارية مروراً باجتماعات الهيئات المختصة الفرعية والعامة وصولاً إلى المجلس الأعلى للدفاع وانتهاء بالهيئة الأعلى التي تمارس السلطة التنفيذية أيّ مجلس الوزراء.

اجتماعات تتمّ بشكل منهجي وقانوني مدروس ومنتج وقد سمعنا الكثير من الناس من رسميين وغير رسميين يشكرون الله على أنّ الجائحة كورونا عصفت بلبنان في ظلّ هذه الحكومة لأنها لو حصلت في ظلّ الحكومة السابقة لكان مصير لبنان الصحّي أسوأ حالاً من مصير المالية العامة التي تلامس الإفلاس، ويتردّد انّ حكومة دياب عقدت في ثلاثة أشهر من الاجتماعات واتخذت من القرارات الخطيرة أكثر مما عقدت حكومتا سعد الحريري من اجتماعات في ثلاث سنوات. وفي خلاصة الأمر نقول انّ نجاح حكومة دياب في الشهرين الأولين لممارستها السلطة هو نجاح فرض نفسه ولا ينكره إلا موتور او جاهل او أعمى.

أما في الثاني أيّ ردات فعل الطبقة السياسية على أداء الحكومة ونجاحها وهي الطبقة التي كما ذكرنا أخرجت نفسها كيدياً او تبعياً او تآمرياً من الحكم لأول مرة منذ 1992 لبعضها، ومنذ 2005 لبعضها الآخر، فإنها ردات غاية في السلبية وتتسم بالهستيريا إذ هالها ان تنجح الحكومة حيث فشلت هي وهالها أن تكشف الحكومة جرائمها وتهدّد أموالاً سرقتها وتتحضّر لاستعادته. ومن أجل الدفاع عن مصالحها ومسروقاتها لجأت إلى الحرب الاستباقية على الحكومة متوسّلة الزور والبهتان والكذب وتحريف الحقائق للتنصل من أعمالها الإجرامية عندما مارست الحكم خلال عقود ثلاثة سبقت، وهي تتصرّف الآن وبكلّ وقاحة وفجور وكأنّ الناس بلا ذاكرة او كأن الناس معدومو العقول والأفئدة، وأنهم سيسيرون خلف الزعيم الناهب للأموال المصادر للكرامات من دون ان يكون هناك مَن يجرؤ على قول الحقيقة ويواجه افتراءهم وكذبهم وتنصّلهم من المسؤولية وإلقاء عبئها على حكومة “ليس لها في القصر قبل أمس العصر”.

نعم لقد هال أركان الطبقة السياسية أن تنجح الحكومة حيث فشلوا بعد ان نهبوا وأفسدوا، وهالهم ان تكشف الحكومة عيوبهم وعوراتهم التي ظهر نموذج منها عندما قرّرت الحكومة تقديم مساعدات نقدية للعائلات الأشدّ فقراً وحاجة، إذ انّ الحكومة ومن أجل كسب الوقت اعتمدت البيانات الممسوكة في وزارة الشؤون الاجتماعية التي دأب على الإمساك بحقيبتها تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية ونظمت تلك اللوائح بالعائلات الأشدّ فقراً وحاجة. لقد اعتمدت الحكومة ومن أجل كسب الوقت المعطيات الجاهزة في وزارة الشؤون الاجتماعية مع بعض الإضافات الجاهزة، وأوكلت إلى الجيش بما يتمتع به من صدقية ودقة تنظيم وأمانة ان يتولى عملية التوزيع بعد التحقق والتدقيق، وهنا ظهرت الفضيحة الفظيعة حيث تبيّن انّ اللوائح تعطي غير المستحق وتحرم المستحق فتوقف التوزيع حتى يكتمل التدقيق.

ومن جهة أخرى هال الطبقة السياسية التي نهبت البلاد وأفلستها أن تتصدّى الحكومة لعملية إصلاح تنجّي لبنان من الغرق، وأدركت انّ الإصلاح يمرّ بممرّ إجباري هو الإصلاح المالي مالاً وأشخاصاً قائمين عليه. هنا بدأت عملية تحسّس الرقاب وانفجار الجنون والهستيريا وأطلقوا مقولة “رفض الـ هيركاتhair cut ويعنون بها رفض الاقتطاع من الودائع المصرفية. ناسبين زوراً إلى الحكومة سعيها إلى ذلك رغم انّ أحداً لم يطرح هذا التدبير الذي يعتبر برأينا في الصيغة المتداولة إعلامياً نوعاً من السطو غير المسموح به على أموال الغير.

لكن قولهم في مكان والحقيقة في مكان آخر. فمسودة الورقة الاقتصادية الإنقاذية التي قيل إنها تتضمّن هذا الأمر هي خلوّ منه، وإنّ هناك أفكاراً تبحث عن طريقة قانونية يُستعاد بموجبها المال المنهوب خاصة في السنوات الأخيرة، ولقد هال طبقة الفساد السياسي في لبنان ان تفكر الحكومة باستعادة تلك الأموال التي نهبوها تحت عناوين متعدّدة، فشنوا عليها الحرب الاستباقية وانهالوا عليها بالتشنيع والتقريع رافضين ما لم تطرحه الحكومة أصلاً في مسودّة ورقتها.

ووضعاً للأمور في نصابها نقول إننا من حيث المبدأ نرفض أيّ مسّ بمال المودعين خاصة أنّ هؤلاء وثقوا بالنظام المصرفي اللبناني وأودعوا جنى العمر في مصارف لبنان سواء في ذلك من اغترب وعمل في الخارج او من عمل في الداخل، إنه رفض مبدئي لا يمكن المساومة عليه، ولكن هذا لا يعني توفير حماية لمن استفاد من خطط وهندسات وسلوكيات مصرفية تمّت في لبنان وحققت له المال بشبهة وانعدام مشروعية وأدّت إلى ما أدّت اليه من عجز في مالية الدولة بما شكل إفلاساً واقعياً لها. تُضاف إلى ذلك أموال هدرتها الحكومات السابقة ليستفيد منها بغير وجه حق سياسيون من أرباب الفساد أيضاً، وأخيراً هناك الأموال التي تشكلت نتيجة الرشى والسرقة واستغلال الوظيفة العامة لمدّ اليد على المال العام. أيّ في الخلاصة هناك مال من الكسب غير المشروع، ومال منهوب ومال مهدور، وجلّ هذه الأموال هرّبت إلى الخارج بالتعاون الحثيث والتسهيل من قبل حاكم مصرف لبنان والمصارف المعنية.

انّ جنون وهستيريا الطبقة السياسة مرتكبة النهب والكسب غير المشروع سببه خوفها من تجريدها من أموال سرقتها ومن مواقع سياسية أزيحت عنها وخاب ظنها بالعودة السريعة اليها، ومن فضائح متعدّدة كشفتها الحكومة القائمة، لذلك تقوم هذه الطبقة بشنّ الحرب الظالمة على الحكومة من أجل منعها من متابعة العمل الذي قدّمت نموذجاً فذاً عنه في مواجهتها للوباء الجرثومي الذي يجتاح العالم فنجحت نجاحاً باهراً حيث سقطت قوى عظمى ولهذا نرى أنّ خير عمل تقوم به الحكومة في مواجهة عدوان الفاسدين يلخص بما يلي:

1

ـ عدم السكوت على مواقف التجنّي والافتراء والتنصل من المسؤولية. فإلى جانب العمل الحكومي الرسمي الحثيث الذي يجعل الأعمال تتكلم يجب وضع الأمور في نصابها من خلال عمل إعلامي مقارن يظهر الحقائق للرأي العام ويظهر ما كان قائماً وما ترغب الحكومة به ويجب أن يكون باب القضاء مشرعاً للمحاسبة.

2

ـ عرض الواقع المالي الحقيقي كما تسلمته، ووضع خطة واضحة لاستعادة المال المنهوب والمهدور والمهرّب ووقف الهدر والرشوة والتفريق في ذلك بين استعادة الدولة أموالها من اللصوص والسارقين، وهو حق قانوني لها، وبين اقتطاع مال المودعين الذين جنوا مالهم بالطرق المشروعة وهو اقتطاع مرفوض.

3

ـ استبدال كافة الأشخاص الذين تولوا مهام إدارة المال العام خلال السنوات الثلاثين السابقة.

4

ـ السير قدماً بالقرارات الاستراتيجية الجريئة مثل قرار تجميد دفع الديون. من دون تهيّب الضغط الداخلي او الخارجي. وهنا يجب تذكير الجميع في الحكومة وخارجها انّ هذه الحكومة تقوم بمهمة وطنية مقدّسة فإما ان تنجح وينجو لبنان وإما ان تفشل ويذهب لبنان إلى المجهول.

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي

حكومة مواجهة التحديات

التعليق السياسي

اعتقد الكثيرون مع تكليف الرئيس حسان دياب بتشكيل الحكومة، ومن ثم بعد تشكيلها ونيلها الثقة، أنهم على موعد مع حكومة وقت ضائع سترحل قريباً محكومة بالفشل والانهيار أمام تحديات مالية تهرّب من مواجهتها من هم أكثر قدرة وفاعلية وعراقة وعلاقات من حمل أعبائها، لأن الفشل في مواجهتها أكيد. فالدول التي لم تمنح المال لحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري لن تمنحه لحكومة برئاسة سواه، عدا أن بعضها سيحارب حكومة الرئيس دياب ويحجب عنها المال لأسباب غطائها السياسي. وبالتالي لن يكون حظها أفضل من حكومات الحريري على هذا الصعيد. ومن جهة ثانية ستكون الحكومة محكومة بمكوّناتها التي ستمزقها بتجاذبات الحصص في التشكيل، وعند كل مفترق في التعيينات والتلزيمات، والحكومة تواجه وضعاً شعبياً آتياً من انتفاضة غضب سيصعب عليها إرضاء طلباتها المتعددة المصادر، والتي يعبّر بعضها عن نيات سياسية داخلية وخارجية للوصول إلى حزب الله. وهذا سيكون أسهل مع حكومة الرئيس دياب خصوصاً بانضمام خصوم حزب الله من خارج الحكم اليوم لتزخيم الاحتجاجات.

بالكاد أتمت الحكومة نصف المئة يوم الموعودة لإعلان فشلها، منذ نالت الثقة، وبالرغم مما جاء به فيروس كورونا ليضيف تحدياً أكبر من طاقة حكومات مستقرة وراسخة ومقتدرة في دول متقدمة وغنية ومحدودة الأزمات والمشاكل، فإن حكومة الرئيس دياب اجتازت بنجاح مطبات تتصل بتجاذب مكوناتها في تشكيلها، ثم في مسارها، كان آخرها ما يتصل بملف عودة المغتربين، ولن يكون آخرها ما يتصل بتعيينات مصرف لبنان، ونجحت في حسم أمرها بقرار عدم سداد المستحقات من السندات، ولم تقع الشمس على الأرض ويتغيّر النظام الكوني، كما هوّل الكثيرون من المتربّصين بالحكومة على اللبنانيين، وريحت الحكومة رهانها ومضت، ونجحت في مواجهة كورونا فبقي لبنان في مرتبة الدول القادرة على الاحتواء مسجلاً مرتبة تتراوح بين الرقم 60 والرقم 70 بين دول العالم من حيث الإصابات، ومحافظاً على نسبة للمصابين بقياس عدد السكان دون المعدل الوسطي في العالم على طول مراحل نمو الفيروس.

بالأمس، سجلت الحكومة نجاحين جديدين، الأول بتخصيص مساعدة نقدية للعائلات الأشد فقراً وتأثراً بالعزل الاجتماعي الناجم عن إجراءات مواجهة فيروس كورونا رغم الأوضاع المالية الشديدة الصعوبة للدولة، والثاني بوضع خطة لإجلاء المغتربين اللبنانيين، تضمن التوازن بين حل قضية بمعيار الحق، ومواجهة مشكلة بمعيار الواجب، فالقضية هي حق العودة للمغتربين، والمشكلة هي واجب الدولة بحماية صحة المقيمين. وجاءت الخطة التي سيبدأ تنفيذها تعبيراً عن هذا التوازن.

تستحق الحكومة اسمها بجدارة، حكومة مواجهة التحديات.

%d bloggers like this: