حكومة مواجهة التحديات

التعليق السياسي

اعتقد الكثيرون مع تكليف الرئيس حسان دياب بتشكيل الحكومة، ومن ثم بعد تشكيلها ونيلها الثقة، أنهم على موعد مع حكومة وقت ضائع سترحل قريباً محكومة بالفشل والانهيار أمام تحديات مالية تهرّب من مواجهتها من هم أكثر قدرة وفاعلية وعراقة وعلاقات من حمل أعبائها، لأن الفشل في مواجهتها أكيد. فالدول التي لم تمنح المال لحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري لن تمنحه لحكومة برئاسة سواه، عدا أن بعضها سيحارب حكومة الرئيس دياب ويحجب عنها المال لأسباب غطائها السياسي. وبالتالي لن يكون حظها أفضل من حكومات الحريري على هذا الصعيد. ومن جهة ثانية ستكون الحكومة محكومة بمكوّناتها التي ستمزقها بتجاذبات الحصص في التشكيل، وعند كل مفترق في التعيينات والتلزيمات، والحكومة تواجه وضعاً شعبياً آتياً من انتفاضة غضب سيصعب عليها إرضاء طلباتها المتعددة المصادر، والتي يعبّر بعضها عن نيات سياسية داخلية وخارجية للوصول إلى حزب الله. وهذا سيكون أسهل مع حكومة الرئيس دياب خصوصاً بانضمام خصوم حزب الله من خارج الحكم اليوم لتزخيم الاحتجاجات.

بالكاد أتمت الحكومة نصف المئة يوم الموعودة لإعلان فشلها، منذ نالت الثقة، وبالرغم مما جاء به فيروس كورونا ليضيف تحدياً أكبر من طاقة حكومات مستقرة وراسخة ومقتدرة في دول متقدمة وغنية ومحدودة الأزمات والمشاكل، فإن حكومة الرئيس دياب اجتازت بنجاح مطبات تتصل بتجاذب مكوناتها في تشكيلها، ثم في مسارها، كان آخرها ما يتصل بملف عودة المغتربين، ولن يكون آخرها ما يتصل بتعيينات مصرف لبنان، ونجحت في حسم أمرها بقرار عدم سداد المستحقات من السندات، ولم تقع الشمس على الأرض ويتغيّر النظام الكوني، كما هوّل الكثيرون من المتربّصين بالحكومة على اللبنانيين، وريحت الحكومة رهانها ومضت، ونجحت في مواجهة كورونا فبقي لبنان في مرتبة الدول القادرة على الاحتواء مسجلاً مرتبة تتراوح بين الرقم 60 والرقم 70 بين دول العالم من حيث الإصابات، ومحافظاً على نسبة للمصابين بقياس عدد السكان دون المعدل الوسطي في العالم على طول مراحل نمو الفيروس.

بالأمس، سجلت الحكومة نجاحين جديدين، الأول بتخصيص مساعدة نقدية للعائلات الأشد فقراً وتأثراً بالعزل الاجتماعي الناجم عن إجراءات مواجهة فيروس كورونا رغم الأوضاع المالية الشديدة الصعوبة للدولة، والثاني بوضع خطة لإجلاء المغتربين اللبنانيين، تضمن التوازن بين حل قضية بمعيار الحق، ومواجهة مشكلة بمعيار الواجب، فالقضية هي حق العودة للمغتربين، والمشكلة هي واجب الدولة بحماية صحة المقيمين. وجاءت الخطة التي سيبدأ تنفيذها تعبيراً عن هذا التوازن.

تستحق الحكومة اسمها بجدارة، حكومة مواجهة التحديات.

رؤساء الحكومات السابقون صوتُ المصارف

ناصر قنديل

لو خرج رؤساء الحكومات السابقون ببيان يحذّرون فيه رئيس الحكومة حسان دياب من القبول بإعلان حالة الطوارئ، طالما أن التحديات التي يواجهها لبنان مع فيروس كورونا مدنيّة، وتغطيها حالة التعبئة العامة بما في ذلك تقييد حرية النقل، من خلال حظر التجوّل، لأنهم يعتبرون في حالة الطوارئ تهميشاً لموقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، فيما تحتفظ رئاسة الجمهورية بصلاحية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لصدّقناهم، لأنهم دأبوا على قياس الكثير من مواقفهم بقياس طائفي ومذهبي، يضع الأولوية لمعيار توازن الصلاحيات الرئاسية، سواء عندما كان الرؤساء السابقون فعليين أو عندما أصبحوا سابقين. ولو أعلنوا تأييدهم الرئيس دياب لتمسكه بحال التعبئة العامة ورفضه لحال الطوارئ لاستهجنا، لأنهم ما عوّدونا على موقف منصف لخصم سياسي في قلب الطائفة التي يحاولون احتكار تمثيلها، ودأبوا على رفض كل جديد قادم إلى نادي رؤساء الحكومة من كفاءات هذه الطائفة، بل إن بعضهم ومن باب الكيد نسي مسألة توازن الصلاحيات وراح يسرّب استغرابه لعدم إعلان حالة الطوارئ.

اللافت في بيان رؤساء الحكومات السابقين أمس، هو تناوله قضية التعيينات، وتقصّد الحديث عنها بلغة العمومية، وهم ونحن والكل يعلم أن القضية هي التعيينات في مصرف لبنان. وهذا الملف يتخطى بطبيعته وموضوعه، ما حاول الرؤساء السابقون التركيز عليه، بتظهير مخاوفهم من مشروع السيطرة على الدولة. والمقصود هو تعيين بدائل لمن قاموا هم بتعيينهم، وهذا له توصيف واحد، الحفاظ على مفهوم المحاصصة الذي جرى في ظلال وجودهم في السلطة. وفي أحسن الأحوال الدفاع عن جماعات المحظيين بدعمهم، خشية خسارة صورة الزعامة التي تتغذّى من القدرة على توفير الحماية، علماً أن المطروح ليس استبدالاً قسرياً، كي يجري الحديث عن افتعال قضية، حتى لو كانت المناصب الإدارية المعنية خارج مصرف لبنان، فما يطلبونه ليس بقاء موظفين في مناصبهم، بل إعادة تعيين موظفين انتهت ولايتهم وفقاً للقانون، مرة ثانية، بدلاً من تعيين موظفين جدد.

أما أن القضية في مصرف لبنان، فلها وجه آخر بالنسبة لموقفهم، وبالنسبة للحكم على موقف رئيس الحكومة. فاللبنانيون يُجمعون على تحميل السلطة النقدية التي يمثلها مصرف لبنان جزءاً كبيراً من مسؤولية الأزمة التي يعيشها لبنان، وسواء كان هذا الاعتقاد في مكانه أم لا، فهو يُلقي على الحكومة التي جاءت بخلفية مواجهة الأزمة، أن تأخذه بالاعتبار. والطبيعي طالما أن حاكم مصرف لبنان لا يزال ضمن ولايته القانونية، وأن نوابه وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف ورئيسها ومفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان، قد انتهت ولايتهم، أن تتجه أي حكومة لتشكيل هيئة قيادية في المصرف تقول للبنانيين إن التعيينات قد بُنيت على حساب المجيء بكفاءات تستطيع إقامة التوازن بوجه حجم نفوذ المصارف التي يشكو منها اللبنانيون في إدارتها لودائعهم وحجم استفادتها من سندات الخزينة والهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان. وهنا يكون المتوقع من الرؤساء السابقين للحكومات أن يطالبوا رئيس الحكومة، بتعيين كفاءات تعبر عن صرخة الشعب بوجه المصارف، إذا كانوا يريدون التعبير عن موقف شارع يغلي غضباً ويريدون احتواء غضبه.

يبقى ثمّة تفسير وحيد لموقف رؤساء الحكومات السابقين، وهو مرتبط بمضمون التعيينات وخشية أصحاب المصارف من أن ينتج عنها توازن جديد في دور مصرف لبنان، وتفعيل المجلس المركزي الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات، ما يجعل سياسة المصرف المركزي أقرب للتعبير عما يطالب به الناس من تقييد تحكم المصارف بودائعهم وأموالهم، ويصير مفهوماً موقف رؤساء الحكومات السابقين، الذين يشكل ثلاثة من أربعة بينهم رموزاً في القطاع المصرفي، ومن كبار أصحاب الأموال والثروات، والمستفيدين من سياسات مصرف لبنان، حتى أمكن القول ببساطة، إنهم صوت أصحاب المصارف، بثوب مذهبي للضغط على رئيس الحكومة.

القلق من المحاصصة لا يشغلُ بال رؤساء الحكومات السابقين، بل يشغل بال الناس وبالنا، ولذلك سيراقب الجميع التعيينات، ويأملون أن يحكمها اختيار كفاءات تحقق التوازن المنشود في السياسات المالية والنقدية بصورة تقيّد هذا التوحش المصرفي، بحق لبنان واللبنانيين.

الحكومة ومكوّناتها: بين الاستقلال والارتباك

ناصر قنديل

شكّل تلويح رئيس المجلس النيابي بتعليق المشاركة بالحكومة، من بوابة قضية عودة المغتربين، مدخلاً للتساؤلات التي يرغب بسماع أجوبة إيجابية عليها معارضو الحكومة، وخصوم مكوّناتها، بل معارضو الحكومة بسبب خصومتهم مع مكوّناتها، وهم يسألون، هل دنت ساعة إسقاط الحكومة على أيدي الذين شكلوها. ويسارعون للجواب بالإيجاب على السؤال، وهم فرحون بمواقف خصومهم، كأن الحكومة صارت هي خصمهم الفعلي، ولم يعد مصدر خصومتهم لها هو علاقتها بمكوناتها وداعميها، بل كأنهم بدوا مستعدين لمد يد التحالف لخصومهم تحت عنوان التعاون لإسقاط الحكومة، وجاء تلاقي مواقف الرئيس بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ورئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل، حول انتقاد الموقف الحكومي المتباطئ في البتّ بعودة المغتربين، ونداؤهم لها لاعتبار الأمر مهمة ملحة وراهنة، عدا كونها حقاً وطنياً ودستورياً للراغبين بالعودة، وواجباً وطنياً ودستورياً وأخلاقياً على الحكومة، ليطرح السؤال ذاته بقوة أكبر، حول مصير العلاقة بين الحكومة ومكوناتها، ويوحي بالكثير حول مستقبل الحكومة.

كما كل مرة، يقع الكثيرون في فخ التسرّع بتحليل وتفسير موقف الرئيس بري، خصوصاً من بعض حلفائه الذين يعتبرون أن عنوان معركتهم هو مع ما يسمونه بالحريرية السياسية، فيطرحون الشكوك حول رغبته بعدم القطع معها، ويروّجون لسعيه لفتح أبواب العودة أمامها، ويشترك مع هؤلاء الذين سبقوا الرئيس بري بالتشارك مع الحريرية في تفاهمات لم يكن جزءاً منها، بل كان من معارضيها، لكن بعض هؤلاء الحلفاء ينطلقون اليوم من معادلة تحكم تفكيرهم، عنوانها أن الحكومة الجديدة لا تناسب الذين اعتادوا على حكومات المحاصصة. ومن الطبيعي برأيهم أن يلتقي هؤلاء ضمناً ولو مختلفين، على الامتعاض من هذا الوضع الجديد، ويجمعهم الحنين للعودة لصيغ حكومات ثلاثين عاماً مضت. ولذلك يتحدث هؤلاء عن حلف تحت الطاولة بين كلام الرئيس بري وكلام الوزير السابق سليمان فرنجية، وكلام النائب السابق وليد جنبلاط، ولا يرون في قضية المغتربين إلا عنواناً عابراً لقضية مستمرة، ستكبر أكثر.

لو سلمنا بصحة الفرضية، فعلينا أن نطرح سؤالين، الأول هو كيف نفسر انضمام المكونات الكبرى للحكومة إلى موقف موحّد من قضية المغتربين، أي الرئيس بري والسيد نصرالله، والوزير باسيل، وإذا كان المشترك بين هذه القوى الداعمة للحكومة هو السعي للتخلص منها، فهذا لا يستدعي الكثير وهي لا تمتلك تغطية نيابية تحميها وتحفظ استمرارها بدونهم. وهذا يعني أن اللقاء على الموقف لا صلة له بإعادة النظر في مستقبل الحكومة. ويعني أيضاً أن لا صلة له بجمع الخصوم، فلا منطق يقول بتفاهم الوزيرين باسيل وفرنجية على نظرة موحّدة نحو الوضع الحكومي، أو بتفاهم حزب الله والنائب السابق وليد جنبلاط، والسؤال في حال العكس يصير، ما هي هذه القوة الجبارة التي تبقي الحكومة إذا كان كل هذا الجمع لا يريدها؟ أما السؤال الثاني فهو عن صدقية الفرضية المطروحة في التداول لإسقاط الحكومة ورئيسها، في ظل التوقيت الراهن، حيث أزمة كورونا في الصدارة، ومن خلفها أزمة الديون والتوقف عن السداد تجرجر ذيولها، ومن سيحمل عبء تشكيل حكومة جديدة، وبأي مقاربات، وخلال أي مهلة، وهل يوجد فعلاً بديل متاح واقعياً للتفكير بتغيير الحكومة، وكل الوقائع تشير بالعكس. وللذين يرغبون بالتحليل البوليسي، ويرون ظلال الرئيس سعد الحريري ظاهرة، يصير السؤال هل فعلاً هناك ما يمكن اعتباره قابلاً للتصديق في تفاهم يجمع حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر مع الرئيس الحريري؟

كل شيء يقول إن ما يجري بين الحكومة ومكوناتها يرتبط بقضايا جدية وحقيقية، لكنها قطعاً ليست القضايا التي ينطلق البحث فيها لينتهي بقرار إسقاط الحكومة ورئيسها، وليست القضايا التي يجري تحريكها بصورة مفتعلة لخلق مناخ ينتهي بإسقاط الحكومة، بل العكس، هي قضايا كبرى وقائمة بذاتها على خلفية التمسك ببقاء الحكومة، والقناعة بأنها حكومة الضرورة التي لا بديل عنها، والتأقلم مع قواعد التشارك في إدارتها، وهي بلا شك قواعد جديدة، تتشكل بصورة رئيسية من نمط عمل وتفكير رئيسها، وأسلوبه في إدارة العمل الحكومي، والمعادلات التي تحكم تفكيره وقراراته، وهي غير معتادة، ولا تشبه القواعد التي تتحكم بالسياسيين، على اختلافهم وتعدد تحالفاتهم وخصوماتهم. فقد نجح الرئيس حسان دياب في مرحلة تشكيل الحكومة، مستقوياً بمزاج شعبي سلبي تجاه القوى السياسية التي كانت في الحكم، خصوصاً من شارك منها بمواقع صناعة القرار لسنوات طويلة ولدت في رحمها ظاهرتا الفساد وتغوّل المصارف، لينتزع حكومة تمثلت فيها القوى الداعمة لها بوزراء أقرب لمفهوم الاستقلال عنها، سواء كان هذا مردود هذا الاستقلال سلبياً ام إيجابياً، فهو ظاهر وغير قابل للإنكار، وتثبته وقائع العلاقة بين حركة أمل ووزير المالية غازي وزني في تجربة قرار عدم السداد للديون وفي مشروع الكابيتال كونترول، ومثلها علاقة وزير الخارجية ناصيف حتي بالتيار الوطني الحر في قضية عودة المغتربين، والتجاذب حول القضية تفجر على خلفية تصريح وزير الخارجية بأن لا شيء في قضيتهم قبل موعد 12 نيسان، ولاحقاً وبعد تشكيل الحكومة ونيلها الثقة وبدء ممارسة مهامها بدا أن ثمة منهجاً خاصاً برئيس الحكومة يعكس موقعه وتكوينه المغايرين، وقد ترجم رئيس الحكومة منهجه في العمل كممثل للتكنوقراط، وليس كممثل للغالبية النيابية التي جاءت به رئيساً للحكومة ومنحت الثقة لحكومته.

يدرك الرئيس حسان دياب أن الانتفاضة التي هزت لبنان قبل شهور، كانت تعبيراً عن توق إصلاحيّ، لا ينسجم مع مخاطر الفوضى والعبثيّة التي أظهرت كثيراً من المجموعات القائدة للحراك الشعبي، ميلاً نحو المغامرة بسلوك طرق مؤدية إليها، ما أدى إلى تراجع زخم المشاركة الشعبية في الحراك قبل حضور أزمة كورونا، ويدرك أن هذا المزاج الشعبي لا يريد أيضاً رؤية مخاطر إجهاض الانتفاضة كرسالة احتجاج على نمط الأداء السابق وكتعبير عن دعوة عميقة للإصلاح، ويسعى لأن يكون المعبّر عن هذين التطلعين الشعبيين مستقوياً بهما، في تقديم أداء حكومي يحول دون الفوضى ولا يشكل امتداداً لأساليب العمل السابقة، ويتصرّف على قاعدة أنه وريث هذه الانتفاضة وضميرها السياسي، وأنه بالتوازي نقطة التقاطع بين هذا المزاج الشعبي والتركيبة السياسية التي تضمن عبر المؤسسات الدستورية إصلاحاً منشوداً سلمياً وسلساً وتحول دون فوضى مقلقة.

يعتمد رئيس الحكومة منهجاً تجريبياً مدروساً في العمل، يقوم على طرح القضايا أمام فرق عمل متخصصة يترأسها الوزراء ويشارك فيها الخبراء، وهو متحرر في مقاربة النتائج من ثلاثة حسابات تحضر في مواقف القوى السياسية المشاركة في الحكومة، حساب المصلحة السياسية والحزبية، وحساب مصالح مباشرة لشريحة تشكل بنية محيطة ولصيقة بكل منها، وحساب موقف عقائدي أو مبدئي يقبل ويرفض الخيارات على أساسه. فهكذا تدرج في قضية الموقف من سداد الديون والامتناع، من حساب السيناريوات، سداد دفعة أولى، أو سداد الفوائد، أو لا سداد، وهكذا تدرج في التعامل مع مخاطر تفشي كورونا، من الاحتواء الهادئ إلى إقفال المدراس والجامعات، إلى إقفال الملاهي والمطاعم، وصولاً إلى التعبئة العامة وإقفال المطار والمعابر الحدودية، وانتهاء باستعمال كل تدابير تتيحها التعبئة العامة، وليس حالة الطوارئ التي تحفظ لرئيس الجمهورية دور القائد الأعلى للقوات المسلحة وتهمش رئيس الحكومة والحكومة، ورغم ذلك ينادي بها من يعتبرون أنفسهم مدافعين عن دور وصلاحيات رئاسة الحكومة، لاعتبارات مذهبيّة، بينما يرى تمسكه بهما لإعتبارت إصلاحيّة.

في قضية الكابيتال كونترول، وفي قضية صندوق النقد الدولي، وتالياً في قضية عودة المغتربين، حمل رئيس الحكومة حسابات السيناريوات المفترضة، والمكاسب والمخاطر، ولم يحمل موقفاً مؤيداً أو رافضاً، بخلاف شركائه السياسيين في الحكومة، وكان التفاعل الساخن بينه وبين الشركاء، الذين تفرض طبيعتهم كأحزاب وقوى سياسية وشعبية، أن يتخذوا الموقف ثم يتعاملوا مع الوقائع، بينما هو يتعامل مع الوقائع في طريق طويل قبل الوصول للموقف. فأنتج هذا التفاعل الساخن رغم أضراره الجانبية، توازناً ألزم الشركاء بتحمل تبعات أو ملاقاته في منتصف الطريق، بينما ألزمه بتراجعات وتعديل في الموقف، لكن النظرة الحيادية والموضوعية ستقول إن ما نتج كان الأمثل والأفضل، وإنه غير معتاد في تاريخ الحكومات، والخطأ الكبير هو في قراءة الحاصل برابح وخاسر، بل برؤية القرار النهائي وما لحقه من تعديلات على مواقف الطرفين، نحو الأفضل، واعتباره اختباراً للتأقلم المتبادل بين رئيس الحكومة وشركائه، يستدعي من رئيس الحكومة الاكتفاء بنصف دراسة قبل القرار لإفساح المجال للنصف السياسي منه، وترك النصف الثاني من الدراسة لبلورة الخطة التنفيذية، بدلاً من اشتراط تحكم كامل الدراسة التقنية بالقرار وعزله المستحيل عن كل ما هو سياسي، ويستدعي من شركائه بدلاً من اتخاذ القرار وفقاً للاعتبار السياسي الخالص وترك الدراسة التقنية لبلورة الخطة لتنفيذه فقط، تقبل نصف الدراسة التقنية كشرط لبلورة القرار بمصالحة التقني والسياسي فيه، واعتماد نصف الدراسة التقنية الثاني كأساس في رسم الخطة التنفيذية.

ربما سيحتاج الطرفان مزيداً من التمارين والاختبارات حتى تتبلور حالة التأقلم المنشودة بينهما، لكن الأكيد أن الحكومة باقية، وأن لا قرار لدى أحد بالمغامرة بفتح ملف رحيلها. والأكيد أن رئيس الحكومة نجح في إثبات استقلاله وإدخال الروح التقنية على العمل الحكومي والسياسي، وأن حلفاءه وشركاءه في الحكومة نجحوا في منحه فرصة دخول عالم السياسة والتأقلم مع حقيقة أن روما من فوق غير روما من تحت، والأكيد الأهم أن الذين ينتظرون تحوّل واحد من هذه التمارين إلى انفجار يطيح الحكومة ويفكك التحالف الذي جاء برئيسها ومنحها الثقة، سينتظرون طويلاً وطويلاً جداً، وستكون الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة هي المولود الأهم، الذي آن له أن يبصر النور، لتشكل التعبير الأهم عن بلوغ التأقلم بين الفريقين مرحلة النضج.

Sayyed Nasrallah: Lebanese Expatriates Stranded in Corona-hit Countries Must Be Returned Immediately

March 29, 2020

Capture

Mohammad Salami

Hezbollah Secretary General Sayyed Hasan Nasrallah highlighted Saturday that the process of returning the Lebanese expatriates, who are stranded in corona-hit countries and interested in going back to their country, must start immediately.

In a televised speech via Al-Manar TV Channel, Sayyed Nasrallah explained that any procrastination in this file will expose the expatriates to health dangers in the countries which will witness a large-scale outbreak of the coronavirus during the coming days.

Sayyed Nasrallah added that the coronavirus outbreak might lead to a social and security collapse in certain countries, which will endanger the Lebanese expatriates as they may be killed there.

“Even in the United Sates, the rate of arms purchase has sharply increased because of the fear of the security collapse.”

Sayyed Nasrallah maintained that all the Lebanese locked in corona-hit countries have the right to return to their country, adding that the Lebanese authorities’ duty to return them must be also indisputable.

“Whatever the threats are, the Lebanese authorities must respond to the pleas of the expatriates,” Hezbollah leader said, “Preventive measures can be taken to guarantee a safe return to the expatriates.”

Sayyed Nasrallah further stressed that the returning expatriates have houses in Lebanon and have vowed to financially contribute to the process aimed at bringing them back to their country.

Sayyed Nasrallah further called on all the Lebanese, including the wealthy people, to help the government carry out this mission which would be a source of pride for the cabinet, when done.

“Medical capabilities, closed hotels, and funds must be consecrated by all the parties for this mission.”

Sayyed Nasrallah also urged all the Lebanese political parties to avoid the mutual provocations and cooperate in order to help the government in face of the Coronavirus challenge.

In this context, Sayyed Nasrallah called on the bank owners to ease the transactions from the Lebanese families to their children studying abroad, stressing that it is a simple mission in case a serious decision is taken.

Coronavirus Challenge

Hezbollah Secretary General stressed that all the Lebanese must recognize the fact that the confrontation with the coronavirus is a world war as all countries are preoccupied with this challenge, citing the failure of many world governments to address this threat in their countries

“In comparison with the confusion storming the world countries, including the major powers, the confrontation with the coronavirus in Lebanon is acceptable and promising.”

Sayyed Nasrallah pointed out that the government is taking good measures in this regard, adding that Hezbollah does not oppose any of them and explaining some people propose declaring the state of emergency without knowing what it means.

In this regard, Sayyed Nasrallah hailed the efforts exerted by President Michel Aoun, House Speaker Nabih Berri, PM Hassan Diab and all the ministers to confront the coronavirus.

Sayyed Nasrallah highlighting the importance of mitigating the political rifts in the country in order to concentrate all the efforts on facing this pandemic, citing the eminent threat posed by the virus whose nature and essence have not been discovered by the scientists yet.

Thus, the plan to face the coronavirus depends mainly on imposing home quarantine and social distancing in order to siege the threat, according to Sayyed Nasrallah who added that this is adopted by all the world countries, including China.

Sayyed Nasrallah called on the Lebanese to keep committed to the state general mobilization, adding that violations will waste all the previously exerted efforts.

Sayyed Nasrallah hailed all the initiatives of the political and social organizations to help the needy people during this crisis, highlighting the veracity of competition in this field.

Hezbollah Chief suggested coordinating the efforts among all the parties and organizations, shedding light on helping the families which reject to apply for aids due to moral concerns.

Sayyed Nasrallah called the judiciary to try all the merchants who are raising prices and monopolizing during the crisis, urging the honorable tradesmen to break monopoly and lower prices by dumping the market with their commodities.

Sayyed Nasrallah further highlighted the importance of ending the crisis of the small depositors, stressing that the human and moral responsibility imposes on the banks to solve this problem by returning the funds.

Hezbollah leader addressed the bank owners, “What is the suitable rhetoric that we should use in order to stir your humaneness?”

“You have earned billions of dollars from the Lebanese deposits since 1992, benefiting from certain governmental policies. Now you have to help your nation during this calamity.”

“You donated $6 million dollars to the Lebanese government, while your children’s weddings used to cost millions of dollars.”

Sayyed Nasrallah considered that the Banking Association grant to the government was shameful, highlighting the ceremony held at the Grand Serail for this purpose.

Sayyed Nasrallah called on the premier Diab to announce publicly that the banks would not fund their nation during this crisis in case they reject that, adding that this would be enough.

Will USA keep united?

Hezbollah Secretary General called on all the educated, elites and thinkers to observe the major changes caused by the coronavirus, adding that since World War I and II, the world will be reshaped and political coalitions may break up.

Sayyed Nasrallah wondered whether the United States would keep united or the European Union would remain, adding that even the efficiency economic system of capitalism and the heath care policies are being questioned.

Sayyed Nasrallah also called for considering the moral lessons given by the woe of the coronavirus “which is still vague despite all the technological and scientific development in the world”, citing the confusion of the US administration in dealing with the pandemic.

Saudi War on Yemen

Hezbollah Secretary General hailed the steadfastness of the Yemeni people in face of the 5-year Saudi-led war on their country, calling on KSA to halt its aggression amid international tendency to ease conflicts in order to concentrate efforts on fighting the coronavirus.

Sayyed Nasrallah also greeted the initiative of Ansarullah leader Sayyed Abdul Malik Al-Houthi who proposed releasing a number of KSA’s servicemen in exchange for Palestinian prisoners in Saudi, which highlights his commitment to the Palestinian cause.

Source: Al-Manar English Website

ترامب يحتفل ولبنان يغرق في ذّله: الأزمة الأعمق من مهانة الفاخوري

ترامب يحتفل ولبنان يغرق في ذّله: الأزمة الأعمق من مهانة الفاخوري

سياسة مقالة

 حسن عليق

 الجمعة 20 آذار 2020

هذه المرة، كانت الصفعة مرئية، فقررنا أن نعتبرها الأفدح. تأتي طائرة عسكرية أميركية، تحط في السفارة في عوكر، لتنتشل عامر الفاخوري على طريقة أفلام هوليوود التي تحكي قصص جنود جيش الاحتلال الأميركي الذين يتم إنقاذهم من «خلف خطوط العدو». هي عملية كاملة، يمكن مدير محطة الـ«سي آي ايه» في لبنان أن ينال تهنئة عليها. جهود مشتركة بين الاستخبارات المركزية (والاستخبارات العسكرية في المرحلة الأخيرة) ووزارة الخارجية ومكتب الأمن القومي وأعضاء في الكونغرس تكلّلت بالنجاح. استعاد الأميركيون عميلهم وعميل «إسرائيل» من لبنان، بلا أي خسائر. خسائر عملائهم في لبنان لا تزال في أدنى مستوياتها. وبدل أن توجّه السهام إلى هؤلاء، سخّر القدر إلى حد أن العملية وضعت المقاومة في قفص الاتهام. صار على الفريق الذي قضى كل عمره السياسي والعسكري في مقارعة العدو الإسرائيلي والأميركي، والذي تضعه الولايات المتحدة في الخانة الأولى من جدول أعدائها، وترى فيه «إسرائيل» خطراً استراتيجياً، وتعاقب واشنطن أي مشتبه بوجود صلة له مع من له صلة به، بات عليه أن يدافع عن نفسه.

(مروان بوحيدر)

ربحٌ أميركي إضافي حققته العملية التي نُفِّذَت، فيما حزب الله مطمئن إلى وعود تبرّع بها رئيس المحكمة العسكرية الدائمة (مجدداً، لا أحد يعلم لماذا هي «دائمة» فيما هي محكمة استثنائية) العميد حسين العبدالله ــــ من تلقاء نفسه، من دون طلب من أحد ــــ بأنه لا يمكن أن يرضخ للضغوط التي تطالبه بالإفراج عن العميل عامر الفاخوري. وهذه الوعود ظل يكررها أمام قضاة وضباط حتى ما قبل ظهر يوم الجمعة الفائت (وهو سعى في اليومين الماضيين الى البحث عن دعم له من مرجعيات عدة، عسكرية وأمنية وسياسية وحتى دينية).

الصفعة مدوية في لبنان. لا شيء يكشف زيف «الدولة» أكثر من مشهد طائرة تحط في عوكر، وتقلع بعد خمس دقائق، لتحرر الفاخوري من «سجنه»، سوى عدم صدور أي تعليق من أي مسؤول رسمي لبناني على ما جرى. لم يردّ أحد الشكر الذي وجّهه دونالد ترامب لـ«الحكومة اللبنانية على تعاونها بشأن الإفراج عن عامر الفاخوري».

أحد الوزراء طالب يوم الثلاثاء الماضي بتوضيح ملابسات الإفراج عن الفاخوري. لكن جلسة مجلس الوزراء انعقدت أمس، بعد هبوط الطائرة الأميركية في السفارة ورحيلها، من دون أن يكلّف أحد نفسه عناء التفسير. الجيش رأى نفسه غير معني. سرّب أن الأميركيين أبلغوا المؤسسة العسكرية بأن طائرة ستهبط في عوكر للتزود بالوقود، قبل أن يركن إلى تفسير مفاده أن الطائرات الأميركية تهبط في عوكر وفي مطار رفيق الحريري وفي قاعدة «وج الحجر» (حامات) وفي رياق، من دون إذن مسبق من الجيش، بل بقرار يصدر عن مجلس الوزراء مرة كل ستة أشهر. أين القرار؟ لم تظهر نسخة منه بعد. لاحقاً، قيل إن الطائرات الأميركية تدخل المجال الجوي اللبناني، وتحطّ على الأراضي اللبنانية، من دون إبلاغ أحد. وبعد ذلك، يستحصل الجيش على موافقة مجلس الوزراء، «على سبيل التسوية».

واقع الحال يُظهر أن إخراج الفاخوري، على فداحته، ليس سوى رأس جبل الجليد. وإذا جاز صرف النظر عن قدر الإهانة غير المسبوقة للروح الوطنية (هل في لبنان شيء ما يجوز إطلاق هذه التسمية عليه) الذي تسبّب به، فإنه يبقى الأقل خطراً. الأميركيون يحتلون نظامنا المالي، ويحددون لنا من علينا تعيينه حاكماً لمصرف لبنان، ومن علينا تعيينه نائباً للحاكم. والقضاء اللبناني يتعامل مع الأجهزة الأمنية الأميركية بصفتها «ضابطة عدلية». يكفي أن تُرسِل «الخزانة» رسالة إلى مصرف لبنان، عن لبناني مشتبه في حركة أمواله، ليحاكمه القضاء اللبناني بالتهم التي توجهها له «الضابطة العدلية» في نيويورك أو واشنطن. ما تقدّم معروف، إضافة إلى غيره من القطاعات التي تحتلها الولايات المتحدة في لبنان، أو تسيطر عليها، أو تتحكّم بها تمام التحكم. لكن ما هو مجهول، وما لا يُحكى به لا من قريب ولا من بعيد، هو ما يجري «في الخفاء»، عسكرياً.

في شباط عام 2017، أعلنت شركة «بارسنز» (Parsons، مقرها ولاية كاليفورنا) أنها فازت بمناقصة أجرتها «الوكالة الأميركية للحد من التهديدات الدفاعية» (DTRA)، لـ«تأمين الحدود مع سوريا، لمصلحة الجيش اللبناني». في تلك الفترة، كان البريطانيون يموّلون إقامة أبراج للمراقبة على طول الحدود بين البقاع من جهة، وحمص وريف دمشق من جهة أخرى. وفي مقر قيادة الجيش في اليرزة، ينعقد بصورة دورية اجتماع بين ما يُسمى «لجنة الإشراف العليا على برنامج المساعدات الأميركية والبريطانية لحماية الحدود البرية»، برئاسة قائد الجيش، وحضور السفيرين الأميركي والبريطاني. حماية الحدود البرية من أي خطر؟ لماذا الأمر محصور بالحدود مع سوريا؟ من قرّر هذا البرنامج؟ ومن اختار الحدود الشرقية والشمالية؟ بعد اندحار «داعش» وإخوته من المنطقة الحدودية، من الذي ارتأى أن هذه هي الأولوية الدفاعية؟ من أوهم قائد الجيش (الحالي والسابق) بأنه يحدد السياسة الدفاعية للبلاد؟ ومن أقنعه بأن الحليفين الأوثق لعدوّنا الأول يحق لهما أن يكونا شريكين في رسم سياستنا الدفاعية، فيما هما شريكان في كل عدوان على لبنان؟

الأسئلة تكشف واقعاً أكثر خطورة. إذ علمت «الأخبار» أن شركة «بارسنز» بدأت (قبل اندلاع أزمة كورونا) العمل لنشر أجهزة رادار ومراقبة على طول الحدود اللبنانية السورية. وأن مشروع الـ DTRA يتمدد من أجل إقامة شبكة رادارات على طول الشواطئ اللبنانية. والكارثة أن كل ذلك يجري من دون علم وزارة الدفاع، ومن دون موافقة مجلس الوزراء. تُضاف إلى ما سبق معلومات تفيد بأن الـ DTRA لديها مشروع لإقامة نظام رادارات بحرية في قبرص، مشابه للنظام المنوي إقامته في لبنان، على أن يتم الربط بينهما مستقبلاً، في إطار «نظام مشترك لمراقبة شرقي المتوسط» يجري ذلك من دون أن يعرف أحد في الدولة اللبنانية، أو بتجاهل تام من الجميع.

الوقاحة الأميركية في لبنان لا تقف عند حد. الطائرة التي «انتشلت» الفاخوري أمس لم تكن الاختراق الأميركي الوحيد للسيادة اللبنانية الذي يمر بلا أي تعليق رسمي. الطائرات المسيّرة عن بُعد، التي يقول الأميركيون إنهم «وهبوها» للجيش اللبناني، وتُسيّر من رياق وحامات، تنطلق أحياناً كثيرة من دون إذن قيادة الجيش. مرجع عسكري نفى ذلك سابقاً، مؤكداً أن الرادارات التابعة لمنظمة الـ S400 الروسية في سوريا جعلت «المسيّرات» الأميركية في لبنان بلا جدوى، بسبب الإطباق عليها إلكترونياً كلّما حلّقت في الأجواء اللبنانية. لكن قوله هذا يتناقض مع معلومات وصلت إلى وزير سيادي، تؤكد أن الأميركيين سيّروا طائرات فوق السلسلة الشرقية، انطلاقاً من لبنان، ومن دون علم الجيش. وآخر تلك «الرحلات» المثبتة جرت في الثامن من كانون الثاني الماضي فوق السلسلة الشرقية.

ما تقدّم هو بعض ما يدور في «الخفاء». الطائرة التي حطّت في عوكر أمس، ليست «مقطوعة من شجرة». بل هي حلقة في سلسلة من الاستهانة الأميركية بالسيادة اللبنانية. وللمزيد من الدقة، ليست استهانة، ولا استباحة. يتصرّف الأميركيون في لبنان على أنه «شبه مستعمرة»، أقرب إلى بورتوريكو منها إلى أي دولة أخرى في العالم، مع فارق جوهري أن في لبنان قوة لا تزال تحول دون الهيمنة الأميركية التامة. وعلى تلك القوة وحدها يمكن التعويل لكي لا يكون لبنان «بورتوريكو الشرق».

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بين الطوارئ والتعبئة العامة فرق شاسع… الحكومة أصابت

العميد د. أمين محمد حطيط

إذا أراد المرء أن يكون موضوعيّاً في نظرته لتصرف الحكومة اللبنانية تجاه فيروس كورونا الذي يحتاج العالم فإنه يجد أنّ الحكومة لم تقتصر ولم تتأخر في اتخاذ تدبير مناسب في ظرفه لمواجهة هذا الخطر وحماية اللبنانيين منه، لا بل بالعكس قد يجد البعض أنّ الحكومة اتخذت تدابير استباقية قبل تشكل الضرورة الأكيدة لاعتمادها، خاصة إذا قسنا ذلك على ما اتخذ في أوروبا في المرحلة نفسها ولمواجهة الخطر ذاتها، ومع هذا نجد أنّ معارضي الحكومة يمعنون في انتقادها ورفضهم لكلّ ما قامت به ويصرّون على سلوك التلفيق والبهتان ضدّها لا لشيء إلا لتهشيمها وإسقاطها والعودة الى محاولة السعي الأولى للفراغ السياسي المنتج للفوضى.

وفي هذا السياق يصرّ بعض هؤلاء على وجوب إعلان حالة الطوارئ في لبنان لمواجهة وباء «كورونا» ولا يرون في غير الطوارئ حلاً للموضوع، فهل يدرك هؤلاء ماذا تعني حالة الطوارئ وهل لبنان بحاجة فعلاً لمثل هذا التدبير؟ وهل المطالبون بحالة الطوارئ مستعدون فعلاً لتقبّل التدابير التي يمكن للدولة أن تتخذها في ظل حالة الطوارئ؟

بحسب المادتين 1 و 3 من قانون الدفاع الوطني المعتمد بالمرسوم الاشتراعي 102\1983 تعلن حالة الطوارئ إذا تعرّضت البلاد للأخطار الناجمة عن أيّ اعتداء على أرض الوطن وأيّ عدوان ضدّه ولضمان سيادة الدولة وسلامة المواطنين في مواجهة تلك الأخطار. أما في المواد 2 و 4 من القانون نفسه فيضيف المشترع مصطلحات أخرى إلى جانب مصطلح «حالة الطوارئ» هما «التعبئة العامة» أو الجزئية و«تكليف الجيش حفظ الأمن» و «إعلان المنطقة العسكرية». وهنا نسأل هل كان يدرك أولئك المطالبون بإعلان حالة الطوارئ، لا بل وأعلنوها هم من خلال وسائلهم الإعلامية إعلاناً وقحاً مخالفاً لكلّ قانون، هل كان يدرك هؤلاء ماذا يعني طلبهم وهل الظروف تستوجبه؟

نعود الى النص حيث إنه وبحسب القانون تعلن حالة الطوارئ العامة المنصوص عليها قانوناً (كما ورد في قانون الدفاع الوطني والمرسوم الاشتراعي 52 تاريخ 5\8\1967) لتكون تدبيراً دفاعياً ذا طبيعة عسكرية يهدف إلى مقاومة أيّ اعتداء (لاحظ انّ المشترع استعمل أيضاً عبارة مقاومة أيّ اعتداء في المادة 1 من م.ا. 102\1983 ) ما يعني أن حالة الطوارئ ترمي الى إنشاء بيئة دفاعية عامة مرتكزها الطابع العسكري للدفاع ضدّ عدوان على أرض الوطن أو سكانه ومرتكزها قيادة الجيش التي تقود الوضع، بيئة تمكن الدولة من حشد طاقاتها لمقاومته أيّ جميع طاقاتها ذات الطبيعة العسكرية أولاً، ثم ذات الطبيعة المساندة أو المعززة للأولى ثانياً، ثم وضع اليد على ما يمكن ان يحدّ من فعالية عملية الحشد وتعطيله، ومن أجل ذلك توضع كلّ القوى العسكرية بتصرف قيادة الجيش ويتاح للدولة وخلافا لأيّ نص قانوني ان تتخذ من التدابير ما يخدم العملية الدفاعية دون التوقف عند حق لهذا أو مطلب لذاك (يمكنها مصادرة الأملاك، منع التجول، مراقبة الإعلام إلخ…).

من يقف على ما تعنيه حالة الطوارئ وأسبابها الموجبة يدرك فوراً انها في مكان والحالة اللبنانية الراهنة في مكان آخر ولا تماس بينهما، وأنّ الدولة لو كانت بصدد ممارسة الكيدية لكانت استغلت الظرف واستجابت لمطالبة معارضيها وسارعت الى إعلان حالة طوارئ (غير لازمة) واستغلتها لكمّ الأفواه ومصادرة الممتلكات والاتكاء على قضاء استثنائي تشرف عليه من أجل الانتقام من خصومها كما تفعل الأنظمة البوليسية القمعية في العالم. وكان هؤلاء المعارضون أول ضحايا حالة الطوارئ التي ينادون بها، فهل يعلم المطالبون بحالة الطوارئ وينتقدون الى حدّ التجريح وتهديد الحكومة بالملاحقة القضائية لتقصيرها في إعلان حالة الطوارئ، هل يعلمون هذه الحقيقة؟ أم أنهم يطالبون بحالة الطوارئ لأنهم يخفون خلف طلباتهم نيات خسيسة خبيثة ضدّ الدولة او ضدّ بعض الأطراف الآخرين الشركاء في الوطن، أو انهم لا يعرفون وطرحوا طلباتهم بدافع الخفة والجهل وسعياً للإساءة للحكومة التي يعارضون والتي حجبوا الثقة عنها؟ نطرح التساؤل مع ظننا بوجود الفئتين معاً ونتمنى أن نكون مخطئين هنا وأن يكون الطلب فقط بسبب الجهل.

أما من جهة المصطلحات أخرى فإننا نجد انّ المشترع نص على «حالة التأهّب الكلي والجزئي» و«التعبئة العامة أو الجزئية» التي تعلن في حال «تعرّض الوطن او مجموعة من السكان للخطر دون أيّ يحدّد المشترع طبيعة ومصدر الخطر وإذا أعلنت، فإنها تتيح للدولة فرض الرقابة على مصادر الطاقة والمواد الأولية للإنتاج ومراقبة النقل والانتقال والاتصالات ومصادرة الأشخاص والأموال خدمة للمصلحة العامة المتمثلة في مواجهة الخطر الذي من أجله أُعلنت. وهذا ما ينطبق بالضبط على الحالة التي يمرّ بها لبنان في مواجهة فيروس كورونا الذي يتهدّد السكان في لبنان حالة تستوجب ما ذكر، وبالتالي يكون اختيار الحكومة لإعلان حالة التعبئة العامة في موقعه القانوني والعملي الملائم، وتكون الحكومة باعتمادها هذا الخيار قد أكدت علمها بالقانون أولاً وأكدت عمقاً في فهمه وفهم الواقع واتخذت التدبير المناسب لمواجهة خطر وبائي يهدّد الصحة العامة، ويبقى أن يستجيب الجميع لقرارات الحكومة وان يظهروا التعاون معها ويتوقف الآخرون عن الدسائس والاستغلال السياسي البعيد عن مصالح لبنان واللبنانيين.

لقد أصابت الحكومة في قرارها وسلوكها وأخطأ معارضوها، في مواجهة وباء يجتاح العالم، وأثبتت تدابير الحكومة حتى الآن انّ هذه الحكومة على قدر المسؤولية، خلافاً لما اعتاد اللبنانيون عليه مع معظم الحكومات السابقة.

*أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

المعارضة المفلسة لا تملك معياراً موضوعياً

ناصر قنديل

تنتصر المعارضة في أي بلد عندما تكون متسلحة بمعيار علمي في مقاربة أي ملف وتحاسب الحكومة على أساسه، لأنها تراكم وعياً في عقول الناس ينمو تدريجاً لينضم إلى الدعوة للمحاسبة ولا تستطيع أي حكومة فاسدة أو فاشلة مواجهة معارضة منهجيّة لا ترتكب أخطاء قاتلة كالكيدية واتّباع الحقد في تحديد مواقفها. والمثال تقدمه تجربة حكومة الرئيس حسان دياب خلال الفترة البسيطة التي أعقبت نيلها الثقة النيابية مع المعارضة المكوّنة من أحزاب كبرى وعريقة، بينما الحكومة التي نالت دعم وثقة غالبية نيابية من أحزاب كبرى لا تملك دفاعاً عنها بحجم ما تتلقى من هجمات. وهذا بالمناسبة لصالحها، لأنه يحرر الحكم الشعبي عليها من ثنائية المواجهة المزمنة بين فريقي 8 و14 آذار، وضعفها في المواجهة لا يضعفها أمام الناس ولو كانت بلا حجة تقابل حجج خصومها لإدانتها، بل ربما يتيح محاكمة أحادية لحجج الخصوم، وإصدار الحكم عليها.

ملفان رئيسيان تعاطت معهما حكومة الرئيس حسان دياب خلال هذا الشهر الأول من عملها الدستوري، الأول هو ملف سندات اليوروبوند، حيث اصطف المعتدلون من خصومها تحت دعوات السداد والتوجه نحو المؤسسات المالية الدولية لطلب عونها في تأمين قدرة على السداد، واتباع شروط تضعها هذه المؤسسات وفي طليعتها صندوق النقد الدولي. ووقف الصقور يربطون القرار بالضغط على حزب الله لتغيير مواقفه بما يحقق الرضا الخليجي والأميركي كشرط لما أسموه استعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي؛ لكن الحمائم والصقور أجمعوا على أن الامتناع عن السداد سوف يحول لبنان إلى كوريا شمالية ثانية، محاصَراً ومقاطعاً، وقالوا إن الامتناع سوف يرتّب فوراً حجزاً على أملاك لبنان وموجوداته في الخارج وفي طليعتها الذهب، وإن القرار إعلان إفلاس سوف يعقبه انهيار في سعر العملة، وإعلان استحقاق كامل سندات الدين اللبناني دفعة واحدة. وها نحن بعد مضي الأسبوع الأول على القرار الحكومي، والإعلان من الجهات الدائنة عن عزمها على قبول القرار الحكومي والدخول بالتفاوض الودّي على أساسه لهيكلة الدين، ومع إعلان جهة بوزن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بوصف كلام رئيس الحكومة بالجريء والواضح والذي يشخّص الأزمة ويفتح طريق حلها، لا نحتاج اعتذار المعارضة التي بنت مواقفها على الحقد والكيديّة. فيكفي أن اللبنانيين الذين كانوا يراقبون ويتابعون ويسمعون، عرفوا من يحتكم للعلم والمصلحة الوطنية ويرى أمامه بوضوح، ومن لا مشكلة لديه بخوض حرب تيئيس اللبنانيين والتشجيع على إعلان إفلاس بلده، فقط لأنه ملتزم بمشروع سياسي داخلي وخارجي يُملي عليه ذلك.

الملف الثاني هو ملف فيروس كورونا المستجدّ، الذي نالت الحكومة ووزارة الصحة فيه ما يكفي من التجريح والتهجم، مرة بداعي أن الحكومة والوزير وضعا العلاقة بإيران فوق المصلحة الوطنية، وقد مرّت التجربة لتقول العكس دون حاجة لشرح تفاصيل يتداولها اللبنانيون. ومرة بداعي أن الحكومة والوزير يخفيان الحقائق، وأخرى بداعي أن المواجهة ليست بالمستوى المطلوب، لكن دون حجة أو رقم، حتى تدخل وزير صحة سابق من صفوف معارضي الحكومة ليستعمل الرقم فاخترع معادلة لا وجود لها اسمها سرعة الانتشار ليقول إن لبنان في مرتبة أسوأ الدول في مواجهة الفيروس والنمو فيه يزيد عن 29%، حيث زيادة عدد المصابين في دولة من مصاب إلى إثنين تعني سرعة نمو 100%، فهل هذا يضع هذه الدولة وفقاً لمعياره في مرتبة أدنى من دولة يزيد مصابوها من 2000 إلى 3000 في يوم واحد فقط لأن نسبة الزيادة هنا هي 50%؟ إنها الهرطقة بعينها! وفي هذا الملف مقياس واحد له قيمة، هو نسبة المصابين من عدد السكان، وترتيب هذه النسبة بين دول العالم وتحرّك هذا الترتيب صعوداً ونزولاً، فقبل عشرة أيام كان لبنان في المرتبة 17 من حيث نسبة المصابين لعدد السكان ثم صار بالمرتبة 19 ومن ثم بالمرتبة 23 وهو اليوم في المرتبة 31 أي أن نسبة المصابين لعدد السكان ترتفع بسرعة أكثر في دول أخرى لتتخطّى لبنان، رغم أن نسبة المصابين لعدد السكان في لبنان زادت من 9،6 إلى 11،3 و12،2 و13،6 وصولاً إلى 14،5 لكنها بقيت دائماً تحت المعدل الوسطي لهذه النسبة عالمياً، والتي تزداد هي الأخرى طبعاً وهي اليوم 21،5، وهذا معيار موضوعي للحكم بالمقارنة مع دول العالم على مقياس هو درجة ومرتبة تعامل الحكومة ووزارة الصحة مع مواجهة الفيروس. وبالمناسبة عندما تكون النسبة في لبنان 14،5 من كل مليون وفي إيطاليا 409 بالمليون وفي سويسرا 256 وفي النروج 227 وفي كوريا الجنوبية وإيران 156 وفي الصين 56 وتتقدّم لبنان في النسبة ثلاثون دولة أغلبها من العالم المتقدم، فهذا لا يدعو لليأس، ولا يتيح القول إن الحكومة فاشلة، من دون أن يعني هذا الدعوة للاسترخاء. فلبنان يقع في عدد الإصابات بين ثلاث فئات، فئة فوق المئة تضمّ 47 دولة تسبق لبنان بدخول دائرة الخطر بعدما كان لبنان في المرتبة 19 من حيث عدد الإصابات، و47 أخرى بين 10 و100 إصابة يطمح لبنان للبقاء ضمنها أو مغادرتها للبقاء في أسفل سلم الدول التي تزيد إصاباتها عن الـ100، وفئة من 70 دولة لا تزال دون الـ 10 إصابات هي الأكثر أماناً، يبدو أن لظروف المناخ الأفريقيّ وجغرافية دول آسيا الوسطى دوراً في تخفيف انتشار الفيروس فيها، حيث ربما يكون التواصل البشريّ المحدود في هذه الدول نعمة بعدما كان يبدو أنه نقمة.

المعارضة الفاشلة والمفلسة تخترع الأسباب لتبرير مواقف عدائية للحكومة سرعان ما تبدو طلباً للشر ليصيب البلد فتخسر مرتين، بخيبة رهانها، وبسقوطها بأعين الناس.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: