دياب وخصومه: المواجهة داخل الحكومة وخارجها

الانتفاضة تربك الحكومة و«المعارضة»: حزب الله يطمئن دياب والحريري

ابراهيم الأمين

إبراهيم الامين - العنكبوت | Alankabout - أخبار لبنان - أخبار ...

الإثنين 15 حزيران 2020

لم يكن خطاب رئيس الحكومة، أول من أمس، عادياً. لكنه لم يكن نقطة تحوّل يمكن البناء عليها. في الشكل، قال الرئيس حسان دياب ما يمكن توصيفه بأنه تشخيص واقعي للأزمة. وهو جهد بات معلوماً ومفهوماً من الجميع. وحتى إشارته، مجدداً، إلى الفاسدين أو المسؤولين عن الكارثة ليس فيها جديد. بل إنه لا يزال متخلّفاً خطوات عن الاتهام المباشر الذي وجّهه الشارع إلى من يجب أن يتحمل المسؤولية عن الأزمة. ومشكلة دياب ستتفاقم كلما بقي يهرب من مهمة تسمية الأمور بأسمائها، وعدم تكرار ما يقوله السياسيون عن بعضهم البعض، عندما يطلقون اتهامات عامة، تعني في كل الحالات: لا شيء!

ما قاله دياب عن واقع الأزمة وعما يجري من خطوات سياسية من قبل خصومه، وعن تقديره لمتطلبات المرحلة، أمر معروف وليس فيه ما يثير أحداً. وهو لمّح إلى وقائع قال إنها موجودة لديه حول «ليلة الانقلاب الفاشل»، وهدّد بنشرها، لكن لا يبدو أنه سيفعل. والخشية كل الخشية منه أن يفعل ذلك في الوقت الضائع، علماً بأن الكل شعر بأن هناك من رغب في تكرار تجربة أيار 1992، عندما تولّى الراحل رفيق الحريري، بالتعاون مع كل أركان الطبقة (وهم أنفسهم الموجودون اليوم)، إطاحة الحكومة من خلال «سلاح الدولار». الانقلاب تطلّب تحريضاً غير مسبوق، بأبعاد طائفية ومذهبية، وماكينة شائعات جعلت الدولار بسعر خيالي (وفق حسابات اليوم، وقد يكون واقعياً بحسابات الغد)، وكان هؤلاء يتوقّعون مستوى من الفوضى لا يقدر أحد على ضبطه، وعندها تكون المهمة دفع الحكومة الى الاستقالة. لكن ما فاتهم، هو تماماً ما قاله دياب، من أنه شخصياً ليس في وارد الاستسلام. وربما بات على خصومه معرفة حقيقة أنه قليل التأثر بكل أشكال الدعاية. فهو، أساساً، دخل دائرة النار يوم قبل المهمة، وواجه كل محاولات الحرم السياسي والطائفي والمذهبي.

مع ذلك، فإن دياب عندما تحدّث بحرقة عما يحصل، ودافع عن نفسه بأنه ليس من ضمن فريق الخراب في البلاد، كان يعبّر عن قلق مستجدّ. وهو قلق ليس مصدره خصوم الحكومة، بل حلفاء الحكومة. ولذلك، سارع منذ الأربعاء الماضي، وعلى مدى يومين كاملين، شخصياً ومع مساعديه وحلقة وزارية مؤثرة، إلى الاتصال بكل من بيدهم الأمر، وسؤالهم مباشرة عما إذا كانوا في صدد إطاحة الحكومة. وكان حريصاً على سماع الأجوبة الواضحة والمباشرة وغير القابلة للتأويل، والخلاصة التي تهمّه كانت: لا، ليس بيننا من يريد الانقلاب على الحكومة!

هذه الخلاصة سمحت له بقول ما قاله في خطابه. لكن، مع الأسف، هذه خلاصة تخصّ دياب وحده، أو تخصّ حكومته وحدها. لكنها لا تعالج مشكلاته المتفاقمة يوماً بعد يوم، سواء من داخل الحكومة، حيث النقاش بين القوى المؤلفة لها لم يعد موجوداً كما في السابق وعادت الريبة لتسكن الجميع. سليمان فرنجية وطلال أرسلان يراعيان حزب الله. والأخير يهتم بكيفية تقليص حجم التوتر بين التيار الوطني الحر وحركة أمل. والرئيس ميشال عون يريد إنجازات كبيرة، لكنه لا يزال يحمّل الآخرين مسؤولية التعطيل. وحزب الله نفسه لا يريد الانفجار، ويقوم بدور الإطفائي في كل لحظة. لكن الحزب لن يكون قادراً على حماية الحكومة من المفاجآت التي تأتي من دون سابق إنذار. وبالتالي، فإن التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم، وأمام دياب شخصياً، هو في قدرته على إقناع ثلاثي التيار ــــ أمل ــــ حزب الله، بالدخول في نقاش يستهدف التفاهم على آلية إدارة عمل الحكومة في المرحلة اللاحقة. وهو نقاش لا يبدو أنه قريب المنال. لا بل إن الحوارات خارج الحكومة تجري بوتيرة أسرع، سواء تلك التي يقودها الرئيس نبيه بري لتهدئة التوترات بين حلفائه الدروز، أو تلك الجارية من دون نتيجة على جبهة فرنجية ــــ باسيل. لكن نصيب الحكومة من هذه الحوارات لا يبدو مطروحاً على الطاولة. وبالتالي، فإن الخطر على الحكومة من انفجار داخلي يوازي خطر تعرضها لضربة قوية من خارجها.

لم يعد مهمّاً التشخيص وتقدير الموقف والاتّهامات العامّة، والتحدّي بتسمية الخصوم واعتماد آليّات جديدة

على أن الفكرة التي يهرب دياب من مواجهتها تكمن في أن عليه تحديد الخصوم الحقيقيين للحكومة، سواء من خارجها أو من داخلها. وليس معروفاً إن كان قد تعلّم من درس التعيينات. ففي هذا الملف، لم يتمكن من درء مخاطر المواجهة مع التيار الوطني الحر أو حركة أمل، إلا عبر عقد صفقة معهما أمّنت لهما استمرار الإمساك بناصية التعيينات على الخلفيات الطائفية، وتركا له اختبار «لذة المحاصصة» من خلال بعض المناصب التي لن تقدم ولا تؤخّر في مسيرة إدارة الدولة. وما فعله دياب في ملف الكهرباء، مثلاً، وخضوعه الضمني لمطلب جبران باسيل ــــ ولو الشكلي ــــ بالحفاظ على حق سلعاتا في معمل ثالث، كان أكثر الإشارات خطورة. فهو، هنا، لم يراع حسابات داخل الحكومة، بل شرّع حسابات لها بعدها الطائفي لا التنموي، وكل محاولة من باسيل وجماعته لإضفاء طابع تنموي على الخطوة محاولة فاشلة للتستّر على موجة الطائفية ــــ الفدرالية التي تسود أوساط العونيين على وجه الخصوص، وتنذر بمخاطر كبيرة، وخصوصاً أن القائمين عليها لا يبدو أنهم تعلّموا دروس الماضي القريب.
الجانب الآخر من المشكلة يتعلق بالوضع العام للإدارة المالية والاقتصادية للبلاد. ومشكلة حسان دياب، هنا، هي أن توصيفه لواقع المشكلة لا يترافق مع طرح آليات مختلفة أو مناقضة لما كان سائداً. فأولوية إطاحة رياض سلامة لا تخص شخص الأخير، بل آليات عمله. وبالتالي فإن التعيينات المالية الجديدة لن تفيد في شيء ما لم يجرؤ رئيس الحكومة على طرح السؤال المركزي: ألم يحن الوقت لتعديل قانون النقد والتسليف الذي يوفر الحماية للنظام الاقتصادي والمالي العفن الذين تسبّب بكل أزمات لبنان؟

أمر أخير، يتعلق بالحسابات الخارجية. تحدّي «قانون قيصر» لا يتعلق بالقدرة على تحدي الضغوط الأميركية، بل يتعلق، أولاً وأخيراً، بأن لبنان في حال قرر عدم مواجهة هذا القانون سيكون طرفاً في مشكلة إقليمية كبيرة لا قدرة له على تحمل كلفتها. ولن يكون بمقدور أميركا ولا كل الغرب حمايته من آثارها السلبية. وبالتالي، فإن التحدّيات الكبيرة أمام حكومة دياب باتت اليوم أكثر وضوحاً: لقد انتهى زمن التشخيص وتقدير الوضع، وها نحن أمام زمن القرارات الكبيرة التي تتطلّب من دياب الاتّكال على حليف كبير يساعده على مواجهة خصومه من داخل الحكومة أو خارجها. وهذا الحليف هو الفعل الشعبي في الشارع من جهة، وصعوبة توفّر بديل منه لإدارة الحكومة.
بات على دياب الاستماع إلى غير الذين يلتقيهم هذه الأيام، والاقتناع بأن التغيير الحقيقي يشمل كل شيء، لا موقعاً أو اسماً أو وظيفة فقط… وما لا يمكن لدياب أو غيره تجاهله، هو أن فترة السماح تقارب على الانتهاء. وساعتها سيتحوّل الى مجرّد لافتة تنتظر لحظة إزالتها

مقالات متعلقة

رياض سلامة: رجاءً… ارحلْ

رياض سلامة: رجاءً... ارحلْ!

ابراهيم الأمين 

الخميس 30 نيسان 2020

يتعامل رياض سلامة مع الإعلام بكلّ ما يضمن له اللعب ضمن المربّع الذي يريد. فهو، منذ تولّيه منصبه، لم يخرج إلى الإعلام بشروط الإعلام والشفافية، بل وفقاً لشروطه هو. ولطالما كانت مقابلاته التلفزيونية «مهندسة» تماماً، وهامش المفاجأة فيها شبه معدوم. كما بقية مقابلاته الصحافية التي تقع تحت عنوان «مدفوع الأجر».

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن. الأسئلة التي تحاكي من يفترض به لعب دور تعزيز الاقتصاد المنتج لا الاقتصاد الريعي. وهو واحد من مهندسي الاقتصاد الريعي، وابن أصيل لمدرسة الرأسمال الاستهلاكي الذي قاد العالم منذ ثمانينات القرن الماضي. وكان رفيق الحريري وجهه الشرق أوسطي، وسلامة حيلته النقدية. طار الحريري وطارت معه الرؤوس والحكومات والسلطات، لكنّ سلامة بقي في موقعه. يريدون إقناع العالم بأن الجماهير كانت تتظاهر يومياً لبقائه. ويريدون لنا أن ننسى أنه الركن الثابت في سلطة تمثّل جميع وجوه النظام البائس، وأن نتجاهل كونه ممثل الرأسمالية العالمية في بلادنا، والوديعة الحقيقية للنظام الاقتصادي الاستعماري الذي تقوده أميركا في العالم.

لم يقبل سلامة يوماً المثول أمام لجنة عامة في مناظرة عامة. هو لا يقف في وجه خصم له. ولا يناقش علناً معارضين لسياساته. يُحضّر الأسئلة التي تناسبه ويقدّم الإجابات التي لا مجال لمناقشتها، مثله مثل رجال الدين في عظاتهم وخطبهم الأسبوعية. يقفون على منابر أعلى من الناس المصطفّين للاستماع من دون نقاش. سلامة لا يحبّ إلا هذا النوع من التواصل مع الناس. وهذا ما يوجب عليه معرفة أنه لا مجال لاحتساب ما يقوله. بل يمكن احتساب ما يفعله فقط، وما يصلنا منه على شكل نتائج. وبالتالي، عليه توقّع الأفعال المضادّة لسياساته بالطريقة التي تناسب خصومه، ووفق المسرح الذي يختاره هؤلاء، وبشروطهم، طالما أنه قرّر اللعب بنظام الركلات الترجيحية وعن بُعد.
كان على سلامة الإجابة عن أسئلة حقيقيّة تُطرح في وجهه طوال الوقت، وليس خلال الأشهر الماضية:
– كم كانت كلفة سياسة تثبيت سعر الصرف على الاقتصاد كلياً، وعلى القوة الشرائية للعملة الوطنية؟

كم كانت سياسة الفوائد عامل تنشيط للاقتصاد الحقيقي؟ وكم وفّرت من فرص عمل جدّيّة؟ وكم خفّفت من عجز الميزان التجاري؟

كم كانت مفيدة سياسة تفريخ المصارف مثل النقابات والدكاكين؟ وكم كانت مفيدة سياسة استخدام المال العام لمصلحة مُرابين تخلّوا عن زبائنهم عند أول مفترق؟

كم كانت هندساتك المالية مفيدة في حماية مصارف سقطت بالضربة القاضية، وأفلست حتى ولو رفضت هي وأنت إشهار إفلاسها؟

– كم كانت سياسات الدعم ناجعة في خلق اقتصاد منتج، لا حماية لمنظومة استهلاك تافهة تعرف اليوم أنها لا تفيد في شيء؟

كم كنت أميناً لعمليات التطوير واللحاق بالعصر في مجال العمل المصرفي تحديداً، وكم سهّلت انتقال النظام المصرفي عندنا ليصير شبيهاً بما يجري في دول قريبة لا في العالم الحرّ المتقدّم الذي تعشقه أنت ورفاقك؟

كم مرّة استخدمت صلاحياتك لكبح جماح المُرابين من حولك، على الأقل بالتوازن مع استخدامك المُفرط لصلاحياتك من أجل تعزيز نفوذهم وأرباحهم، إلا إذا كنت شريكاً فعلياً لهم؟

كم مرّة فكّرت أن العمل العام له نظام وإطار زمني، وأنه يجب التقاعد الطوعي لا الإخراج القسري المحتوم – كما هو متوقّع الآن – حيث لا تنفع معك لا مساعي الشركاء من زعماء الطوائف، ولا رشاوى المُرابين من حولك، ولا دعاء رجال الدين المتملّقين لك بصورة مُهينة، ولا ضغوط العم سام.

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن

رياض سلامة يعرف، ولا يجرؤ على القول، بأنّ أزمة نظامه هو، لا أزمة النظام في لبنان، قد تفاقمت يوم قرّر الأميركيون بالمشاركة مع السعودية ممارسة أقسى الضغوط على لبنان. هو لا يريد أن يقول لنا حجم تأثير اعتقال السعودية لسعد الحريري على التحويلات المالية، ولا كم كلّفتنا عملية التجديد له في منصبه. كما لا يريد القول لنا كم هرّب أترابه في العام الأخير من أموال إلى الخارج بعلمه وتحت رعايته. ولا يريد أن يقول لنا ما هو الحجم الفعلي للقطاع المصرفي اليوم، وما الصالح منه للبقاء. كما أنه لا يريد أن يقول لنا الرقم السحري الخاص بكمية المبالغ التي مرّت عليه خلال ربع قرن، ومن أين أتت وإلى أين ذهبت، لا أن يكتفي بتعداد ما أنفقته الدولة ولو ضمن برامج خاطئة.

رياض سلامة: كل عمليات التجميل لم تعد تنفع، رجاءً… ارحلْ!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العجز والجنون الفردي

رسالة من ابراهيم الامين الى العماد عون؟ – شبكة أخبار جبل عامل

ابراهيم الأمين 

الإثنين 27 نيسان 2020

لم يشهد مجلس الوزراء معارضة حقيقية لإقالة رياض سلامة. يبدو أن غازي وزني كان يحاول شرح الموقف من زاوية قانونية. وهو، بالطبع، ليس من النوع الذي يطلق موقفاً مطلقاً، ولا هذه من خصاله. لكن عباس مرتضى، الوزير المطابق لمواصفات قيادات حركة أمل، كان شديد التوتر. وهو يدافع عن زميله وزني، حتى من دون أن يتعرّض الأخير لهجوم جدّي. توتّر مرتضى سببه الحقيقي توتّر رئيسه نبيه بري بعد جلسة المجلس النيابي الأخيرة. عكس الوزير قلق الرئيس من طريقة إدارة حسان دياب للأمور. فعلياً، لا يعارض بري سياسات دياب. أو لنقل، بصورة أدقّ، ليس على جدول أعمال رئيس المجلس بند اسمه إطاحة حسان دياب. لكنّ بري اعتاد، خلال ثلاثين عاماً، على آلية لإدارة أمور الدولة. وهو، أساساً، لا يحب المفاجآت. وتحديداً، في هذه المرحلة من عمره السياسي والشخصي، لن يكون ودوداً إزاء من يحاول مباغتته. لكن مشكلة رئيس المجلس، هنا، ليست في ما يدور في خَلد رئيس الحكومة، وإنما في كون أيّ علاج يتطلّب آليات تفكير وعمل ليست من الصنف الذي يحبه بري أو حتى يعرفه.

في جانب آخر من المشهد، يبدو جبران باسيل متقدماً كثيراً في العمر، وفي عمر الكهولة السياسية. ليست المشكلة، فقط، في شكل إدارته لحزبه، وفي استعجاله بناء الزعامة الفردية التي تعيد ربط كل قرار جدّي به شخصياً. بل في كونه لم ينتبه إلى أن هذه الزعامة، وعلى هذه الصورة، تنفع فقط أيام الرغد، عندما تكون له الكلمة الحاسمة. لكنّ الواقع ليس على هذا النحو. باسيل اليوم كمن يملك في رصيد هاتفه آلاف الوحدات، لكنه غير قادر على استعمالها إلا في التحدّث مع الصديق نفسه. ولا يعرف ماذا يفعل برصيده عند القوة الأكبر في البلاد، أي حزب الله. فالأخير لن يدعمه في مواجهة دياب، وأصلاً لن يدعمه في مواجهة بري، كما أنه متردّد في دعمه في وجه الحريري وجنبلاط. فماذا يفعل؟

يعود باسيل إلى الحكومة التي سمّى عدداً غير قليل من وزرائها، لكنه غير قادر على الادّعاء بأنه يديرهم كما يفعل مع حزبيّيه، وهو مضطر للمراعاة بالشكل وبالمضمون. مرّت تجربة التعيينات المالية، ثم التشكيلات القضائية، ثم الموقف من الخطة المالية، كلها اختبارات قالت لباسيل، إن كان راغباً بالتعلم، فإن «زمن الأول تحوّل»، وعليه التعوّد على واقع جديد. إذا كان يعتقد بأن التحالف السياسي سيمنع خصومه المسيحيين من احتلال مقاعد على حسابه، فهذا غير مهمّ الآن، لأن ما يأخذه سليمان فرنجية لا ينفع في المعركة الرئاسية. أما الكتائب والقوات فليسا في وضع يمكّنهما من العودة الآن إلى مواقع السلطة. والكنيسة دخلت مرحلة الموت السريري، حيث لا كلمة فعلية لها، ولا تفعل ما يتوجّب عليها فعله. تعرف الكنيسة أن كل ما تقدر عليه، وما يجب أن تقوم به، هو فتح خزائنها أمام الفقراء للبقاء على الحياة. بهذا المعنى، ليست لدى جبران مشكلة جدية داخل الشارع المسيحي: ما له له، وما لغيره لغيره. مشكلته في التوازن العام لإدارة الدولة، حيث لم يعد في مقدور الرئيس ميشال عون تولّي المواجهة المباشرة. إذ، مع الأسف، ضاع عهده في بروتوكولات لا تشبهه أبداً. لكنها الحاشية السخيفة التي أرادت استعادة مجد عفا عنه الزمان يوم خرج عون في الباخرة إلى فرنسا. مشكلة باسيل، هنا، في التوازن السياسي العام. وإذا كانت الكلمة الفصل بيد حزب الله، فالأخير ليس معنياً اليوم بإدارة انقلاب شامل في لبنان. حزب الله لا يقبل المساس بجماعة الحريري داخل الإدارة العامة (هاجس الفتنة السُّنية – الشيعية). ولا يريد مشكلة مع جنبلاط ولو كان في حالة يأس منه (هاجس الوحدة الوطنية ولو الشكلية)، كما أنه ليس في وارد التشنّج مع بري (هاجس الوحدة الشيعية). لكن الجديد في موقف الحزب أنه يقف فعلياً إلى جانب دياب. والحزب، هنا، لا يراهن على انقلابات في مزاج الشارع السني كما يفكر خصومه من جماعة المستقبل، بل يراهن على أن رئيس الحكومة ينجح في إرباك كل جماعة الحريرية السياسية اليوم. ليس سهلاً أنه ليس لدى كل هؤلاء، من دون استثناء، كلمة واحدة مفيدة يقولونها. لذلك، يعودون إلى نغمة حزب الله وسلاحه. إلا أنهم لا ينتبهون إلى ترداد أبناء الطريق الجديدة لنكتة درجت، في الانتخابات الأخيرة، عن ناخب قصد مكتب خدمات تابعاً للحريري طالباً مساعدة لتلقي علاج من أجل الإنجاب. فأجابه المسؤول: مشكلتك ليست عضوية بل نفسية، وعجزك عن الإنجاب ناجم عن رهاب سببه سلاح حزب الله!

عملياً، أزمة النظام في لبنان، اليوم، يمكن مراقبتها من خلال أداء بري وباسيل. لديهما مشكلة مستجدّة. حسان دياب ليس خصماً، لكنه ليس حليفاً يمكن عقد الصفقات معه. ثمّة أسباب كثيرة تمنعه من القيام بذلك. لندع جانباً المواصفات الشخصية للرجل، إذ لم تتمكن ماكينة 14 آذار – خصوصاً قوى المستقبل والقوات والحزب الاشتراكي – من إعداد ملف ضده. لكن لنذهب إلى البرامج التي يريد العمل بها. حتى اللحظة، ليس لدى الرجل حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين. قد يكون له برنامجه السياسي لاحقاً. لكنه يعي، بدقّة، أن اللحظة لا تناسب عملاً من هذا النوع. أصلاً، لم تعد الدولة قابلة لتوفير مثل هذه العصبيات. وما تقوم به القوى التقليدية إنما يعود إلى أدواتها الأصلية في التعبئة على خلفيات طائفية ومذهبية وعصبيات مناطقية وحزبية. وهي عصبيات لا تزال مؤثّرة. لكنها لم تعد حاسمة في معركة الحسم الكبرى. صار مشروعاً السؤال عن قدرة وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع، وحتى نبيه بري، على حشد الناس خلف معارك من أجل مكاسب في السلطة. ربما لا يسمع هؤلاء الزعماء حقيقة ما يجري في الحدائق الخلفية لمنازلهم. الروايات اليومية، مع كل المبالغات، تحدثنا عن فصل جديد، حيث المواجهة ستأخذ شكل الفوضى الشاملة التي لا تنفع فيها حكومة مركزية، ولا قوة طائفية مركزية، ولا سلطة مناطقية مركزية. لن يكون بمقدور أحد في البلاد إقفال أكثر من شارع واحد. ومن يتوهّم أن لديه القدرة على أكثر، فستخذله التجارب القريبة.

بهذا المعنى، فإن المواجهات التي تنتظرنا في الفترة المقبلة، يمكن محاصرتها من قبل حسان دياب وآخرين، في نطاق السجال حول المسؤولية. يكفي أن يخرج دياب على الرأي العام، سائلاً فقط عمّا فعله كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال العقود الثلاثة الماضية، أن يسألهم واحداً واحداً عمّا فعلوه في وزارات ومؤسسات وإدارات وقطاعات عامة أو حتى خاصة. أن يتحدّاهم بإظهار الكشوفات المالية لكل فرد من عائلاتهم وعصاباتهم وقواهم وماكيناتهم. أن يدعوهم إلى جردة بكلّ ما قاموا ويقومون به من استخدام المال العام لأغراض خاصة، وبحجم استغلال النفوذ من أجل مصالحهم الخاصة. يمكن لحسان دياب أن يخلق جيشاً من المتعاطفين والمتخادمين معه، إن هو أجاد رفع الصوت والتقدّم خطوة إلى الأمام في المعركة الإلزامية في وجه جيش الفساد الكبير. ليس بمقدوره التمهّل، ولا العودة إلى الخلف، وليس عنده ما يخسره، بل عند خصومه الكثير ليخسروه الآن وفي كل لحظة وفي كل يوم.

حتى اللحظة ليس لدى دياب حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين


أما في ما خصّ تفصيل اسمه رياض سلامة، فمن الأجدى بالأخير الشعور بقليل من الحياء. أن ينظر إلى المرآة للحظة واحدة ليعرف أن لكل قصة نهاية. لكنّ الفارق الوحيد هو المكابرة التي تقود إلى نهايات مشؤومة التي تليق بكبار المجرمين، بينما التواضع والانسحاب وإظهار الاستعداد لتحمّل المسؤولية، تخلق فرصة لحساب عادل لا يجعله وحده يدفع ثمن مجزرة كان فيها مجرّد برغي لا أكثر!

اليوم، يواجه لبنان معضلة كبيرة. في هذه البلاد، يرتفع جدار العجز والكراهية يوماً بعد يوم. نحن، جميعاً، نفقد القدرة على المبادرة. والجنون الذي يطلّ برأسه حاملاً النار في كل مكان سيبقى جنوناً فردياً مهما كبر الحشد في الساحات. لكنّ الجديد أنه لن يكون بمقدور أحد دعوة المجانين إلى الهدوء. وليس عند المتضرّرين من هذه السلطة سوى الصراخ في وجه الفجرة والفاسدين، بكامل أسمائهم وهوياتهم. وأفضل ما يمكن إضافته في هذا الحفل هو إسقاط كل قدسية رُسمت لطائفة أو مذهب أو موقع بفعل خرافات المتسلّطين.

ماذا يعني الإعلان الرسمي عن بدء معركة التحرير الكبرى؟

ابراهيم الأمين الإثنين 13 كانون الثاني 2020

ذات مرة، تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن الوضع في المنطقة، مشيراً بوضوح إلى أنه يتحدث باسم محور المقاومة. قال، على طريقته، إنه يعرف مواقف العواصم والقوى «واعتبروني ناطقاً» باسم هذا المحور. وحقيقة الأمر أن السيد نصر الله يعرف أن العالم كله، من دون استثناء، يتعامل مع ما يقوله على أنه تعبير عن الموقف المشترك لكل من في محور المقاومة. ولا يعود ذلك فقط إلى صدقيّته العالية لدى الجمهور وإلى أنه قائد واحدة من أقوى مجموعات المقاومة في العالم، بل لكونه أفضل من يعبّر عن عقل هذا المحور. فهو يعرف جيداً بلاد الشام. وتعرّف جيداً إلى عقل فلسطين، وفوق ذلك، يعرف جيداً العقل الإيراني. فكيف إذا أضفنا الى كل ما سبق، أن الرجل شريك أساسي في حلقة القرار الأولى على صعيد المحور. ومن دون أن يزعل أحد، ومن دون التواضع غير المناسب في هذه اللحظة، يعرف الجميع أن للسيد نصر الله موقعاً يوازي مواقع رؤساء دول وقادة في هذا الإقليم.

ذا التقديم ليس للمدح برجل يحتاج، في هذه الأيام، الى من يشور عليه لا الى من يُسمعه القصائد. وهدفه مساعدة مريدي محور المقاومة وأصدقائه وأعدائه على فهم طبيعة التحدي الذي نقبل عليه جميعاً. هو تقديم يهدف الى القول، صراحة، إن ما تحدّث عنه السيد نصر الله الأسبوع الماضي، وعاد وكرره أمس حيال التحدي الراهن، إنما يمثل الوجهة الفعلية لقيادة المحور وقواه. وهي وجهة دخلت حيّز التنفيذ العملاني في كل منطقتنا، وعنوانها الأوحد: كنس الاحتلال الأميركي!

طبعاً، لم يكن السيد نصر الله ليعرض برنامج العمل على هذا العنوان. ولا هو في وارد تقديم تقدير أولي أو متوسط للمرحلة المقبلة من العمل. كما أنه ليس ملزماً تقديم أي شروحات تفيد العدو الاميركي في هذه المعركة. لكن ما كان يجب أن يقوله يستهدف إبلاغ من يهمه الأمر، من أنصار المقاومة أو من أعداء أميركا، بأن الفرصة عادت لتكون كاملة لمن يريد الانخراط في معركة كنس الوجود الأميركي من بلادنا، ليس بوصفه احتلالاً عسكرياً فقط، بل لكونه يمثل عنوان القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني والعسكري في بلادنا. وكون الولايات المتحدة تمثل، اليوم، مركز الشر في مواجهة طموحات شعوبنا نحو التحرر من التبعية وبناء مستقبلها كما تريده هي لا كما يراد له أن يكون. وبالتالي، فإن ما كان يفترض بالسيد قوله، كواحد من ممثلي القرار وكناطق باسم المحور ورفيق الشهداء من كبارهم الى صغارهم، هو الإعلان صراحة، ورفع الستارة، معلناً افتتاح مرحلة جديدة من المقاومة الشاملة ضد الوجود الأميركي في المنطقة. وهي مقاومة لا يمكن لحكومة أو حدود أو هوية كيانية الحدّ من قدراتها أو ضبطها. ولا يمكن لأي إنسان، بالمطلق، أن يقرر أنها مقبولة أو لا. ومن لا يريد مقاومة الاحتلال الأميركي، بحجة أنه غير قادر أو مستفيد أو غير متضرر، فهو، بالنسبة إلينا، شريك لهذا الاحتلال في سرقة ثرواتنا، وعميل مسهّل لبقاء الاحتلال.

يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة

الأهم في هذه النقطة هو البحث الذي سينطلق ــــ وقد انطلق منذ مدة غير قصيرة ــــ حول الأولويات، وخصوصاً عند المتفكّرين والمعتاشين على فتات ممثلي النهب العالمي، من «يسار جورج سوروس» الى «كتبة تميم آل ثاني»، وصولاً الى «مرتزقة آل سعود وآل نهيان». ويمثل هؤلاء جيشاً ممن قرروا، عن وعي أو عن هبل، الانضمام طوعاً الى جبهة لا مشترك بين كل العاملين فيها سوى العداء لمحور المقاومة، والتي لا يظهر الغرب الاستعماري وإسرائيل، ولا الجماعات التفكيرية، أي خشية منها ومن نشاطها على كل المستويات. فلا يلاحق عناصر هذا الجيش، ويسافرون الى كل العالم، وحساباتهم تتوسع وتتفرع في مصارف العالم، وهم ضيوف على موائد القتلة من أصحاب الياقات البِيض. وهؤلاء لن ينطقوا يوماً بعبارة أو كلمة تؤذي العدو الأميركي أو حلفاءه في المنطقة. حتى إسرائيل لم تعد تضعهم في برامج عملها. ولا تبذل استخباراتها أي جهد من باب الخشية منهم، بل هي لا تفكر حتى في تجنيدهم مخبرين طالما أنهم يفيدون أكثر في ما يقومون به.

كل هؤلاء، بدأوا وسيكثفون نشاطهم الفكري والسياسي والإعلامي والأكاديمي، في خدمة فكرة واحدة تقول: إن مصائب بلادنا ناجمة عن القوى البارزة عندنا. وإنّ تخلّفنا هو بسبب معارضتنا للغرب الاستعماري، وإن تراجع النموّ في اقتصادنا سببه عدم الالتحاق بالعالم الحر. وإن القمع سببه ثقافة الموت، والتخلّف الاجتماعي سببه العادات والثقافات البالية… هؤلاء يريدون إقناع الجمهور بكل ذلك، على طريقة حراكات العواصم العربية برعاية المنظمات غير الحكومية، والتي يصادف ــــ فقط يصادف ــــ أنها مموّلة من أشخاص وجهات ومراكز تعمل وتعيش تحت سلطة الغرب الاستعماري..

لكن العنوان الأخطر هو أن بعضهم، الذي لا يهمّ إن شتم أميركا ورئيسها طالما لا يفعل أكثر من ذلك، سيقولون إن الأولوية اليوم هي لتأمين الاستقرار، وإن ذلك يكون من خلال التصرف بواقعية والتعامل مع الوقائع العالمية، وإن الغرب مستعد لمساعدة شعوبنا في الارتقاء والازدهار إن أسقطنا من فكرنا وعقلنا فكرة التحرر الكامل، ليس من احتلاله العسكري فحسب، بل من التبعية الكاملة لمؤسساته الاقتصادية والثقافية والإعلامية وأدوات حياته اليومية.
ولأن المواجهة المفتوحة لا تحتمل الحلول الوسط، ولأن الحرب التي دخلناها لا رحمة فيها للعدو ولا لعملائه، ولأن العدو نفسه سيكشف يوماً بعد يوم عن أبشع صوره كوحش متكامل، فإن الأفضل للجميع أن لا يكذب بعضهم على بعض. وفي هذا السياق، يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة. وهو إشهار تقرر عن وعي وسابق تصور وتصميم، وسياقه عدم المناورة والكذب على الناس.. لذلك، يفترض بخصوم المقاومة، من الأغبياء أو من العملاء، التصرف على هذا الأساس… أما حكاية القرار المستقل والحدود الكيانية، فهي ألعاب تسلية تنفع لأطفال من «مدارس المراهقين للحراك الاجتماعي»…
مرة جديدة، إنها الحرب!

لماذا نعارض المؤسسات غير الحكومية

 

 ابراهيم الأمين

الإثنين 9 كانون الأول2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

قبل مئات السنين، بدأ فلاسفة وعلماء اجتماع في أوروبا يتداولون عبارة «المجتمع المدني». اعتبرها البعض مقابلاً للحالة السائدة مجتمعياً، أي ما كان يُعرف بنظام الحكم التقليدي الذي رسّخته عائلات ومنظومات اقتصادية بمساعدة الكنيسة. لكنّ في أوروبا نفسها، عاد الجميع إلى الانقلاب على هذا التوصيف. وبدل أن يكون المجتمع المدني عاكساً للمجتمع المنظّم سياسياً، ذهب كثيرون نحو اعتباره مجتمعاً خاصاً في مواجهة الدولة ككلّ، وخصوصاً عندما شعر المنتسبون إلى المجتمع المدني بأن قوانين الدولة صارت تمثّل سلطة إكراه وقمع. لكنّ هؤلاء لم يكترثوا بكون هذا المجتمع المدني إنما يسير من دون نظام عدالة ومساواة كاملة بين أفراد الدولة، بل يغرق في حماية متطلّبات العيش كفرد، ولو ترافق ذلك مع عجز مُستدام عن معالجة مشكلاته الداخلية.

في عالمنا اليوم، وبعد صراعات جميع مفكّري القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة الدولة، يحتلّ المجتمع المدني حيزاً أساسياً من اهتمامات بلداننا. لكنّه يطبّق المفهوم الغربي نفسه، القائم على نظرية تحقيق المصالح والحاجات الفردية ولو على حساب «المجتمع – الدولة».
المنتمون إلى هذا المجتمع يخلطون بين رفضهم قوانين ما قبل الدولة التي تتحكّم بكثير من الأمور في بلادنا، وبين رفضهم القوانين المتطوّرة المفترض أن تضعها مجموعات تسعى للخروج من هذه الأعراف – القوانين. وفي صحالتنا، يصبح المجتمع المدني رفضياً لكل ما هو عام.

(محمد نهاد علم الدين)

يتحول هؤلاء إلى مجموعة مستقلّة على شكل حلقات مستقلّة، ثم على شكل أفراد مستقلّين أيضاً، تجمعهم مُعضلة الانخراط في القانون العام، لأن القانون العام عندما يقوم ويتطور، إنما يراعي ـــ تلقائياً ـــ الوضعيات الاجتماعية القائمة في البلاد. وهو العدوّ الفعلي لهذه المجموعات. وينتهي بهم الأمر، ساعين إلى خلق إطارهم الخاص الذي يرفض المشترك الذي يقوم بين من يؤلّف المجتمع ـــ الدولة في المسائل الوطنية العامة، من موضوع الدفاع عن الوطن إلى بناء السياسات والعلاقات الخارجية إلى القوانين الناظمة لشؤون الناس اليومية. أبناء هذا المجتمع المدني يريدون قانوناً يحمي فرديّتهم ويحمي حريتهم حتى ولو تعارضت مع هذه القوانين. وبهذه الحالة، لا يمكن أن يشكلوا في أي لحظة حلاً يعالج مشكلات كل الناس. وهم يربطون موقفهم من الطروحات المقابلة، بحجم تأثيرها على الحاجات والمنافع والأهواء التي تشكّل روابطهم كأفراد. وجاءت فكرة المنظمات غير الحكومية لترسّخ الفكرة القائلة بأن المجتمع المدني إنما هو حالة صراعية مع الحكومة، التي يُفترض أنها تمثل الدولة، أي تمثل المشترك الفعلي بين جميع قاطني أراضي هذه الدولة.

عندما يتصرف أفراد المجتمع المدني على أساس أن السياسة هي خصمٌ رئيسي لهم، إنما هم يفعلون ما يعتقدون أنه الأنسب للتفلّت من نتائج الفعل السياسي، أي التفلّت من رقابة القانون العام الذي يفرضه المجتمع ـــ الدولة. وبهذا المعنى، يتحول أفراد المجتمع المدني إلى خصوم فعليّين للدولة، وخصوصاً عندما يُفرطون في الدفاع عن استقلالهم الفردي ومصالحهم الخاصة.

وبذلك يمكن فهم التأصيل النظري الذي قدّمه الفلاسفة عن أن المجتمع المدني إنما هو في حقيقة الأمر واقع يقيم بين مرحلتي العائلة والدولة. فهو يقوم على مبدأ رفض قوانين العائلة، لكنّه لم يندمج بعد في معادلة قوانين الدولة. وبذلك، يصير أفراد المجتمع المدني، من حيث منظومة الإنتاج والاستهلاك، أقرب إلى البرجوازيين الذي يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة، في نقيض تامّ لطبقة المواطنين الذي هم في موقع أدنى اقتصادياً، لكنّ هاجسهم هو المصلحة المشتركة، أو ما يُعرف بالمصلحة العامة.

في حالتنا اللبنانية، ووفق تجربة ربع قرن من النضالات الشعبية، خبرنا كيفية مشاركة أفراد المجتمع المدني. وغالبية هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن فئات، تتراوح بين متسلّق يسعى إلى المنبر بهدف الارتقاء من خلال بناء وضعية اجتماعية قابلة للتسييل على شكل أعمال وعائدات أو مناصب؛ أو مجموعة من الكوادر يجدون أنفسهم أسرى علاقات جديدة تُبعدهم أكثر عن البيئة العامة، فلا يحفظون من التجربة إلا الصور والذكريات، ثم يندمجون سريعاً في قواعد اللعبة، حيث يكون في انتظارهم جيش المنظّمات غير الحكومية؛ أو أفراد يسكنهم الإحباط ولا يُجيدون تمييز هوية المسؤول عن ذلك، فتراهم يصبّون جام غضبهم على السلطة القائمة، متجاهلين من ساروا خلفهم. أما الكتلة الأعمّ، فتعود إلى قوانينها اليومية: تمارس لعبة انفكاك القول عن قائله، بمعنى رفع نبرة الاعتراض مقابل تراجع فعلية الاحتجاج.

وصف ماركس المجتمع المدني بأنه الدولة الخاصة، أي الدولة غير السياسية. وهنا لا يعود المجتمع المدني إلا ممثلاً لكل ما هو مناقض للدولة. بهذا المعنى، يلجأ هؤلاء إلى لعبة التعميم والتجهيل، أي إنهم لا يهتمون بمحاسبة فلان أو فلان، بل هم يريدون التخلّص من خصم كبير اسمه الدولة. وبهذا المعنى، يتجنّب هؤلاء نقد المؤسسة الدينية الفاعلة جداً في حياة الناس، والمتورّطة في علاقة تخادم مع السلطة السياسية، إلا حيث تشكل عائقاً أمام حريتهم. لكنّهم لا ينظرون إليها بوصفها جزءاً من منظومة السيطرة على الحقّ العام.

والحال نفسها بالنسبة إلى النظم الأخرى، من حيث العمل النقابي، الذي يُراد له أن يكون طوعياً بالكامل، أي غير خاضع لمنظومة القوانين العامة. وهنا يمكن فهم المشكلة الأكبر في علاقة المجتمع المدني بالحق العام، من خلال عدم الاكتراث للتعليم العام، أي للتعليم المدعوم من الدولة والذي يقلّص الفوارق بين المواطنين في تأسيسهم التعليمي، بل يتجهون إلى التعليم الخاص الذي يشكل عنصر تمايز اجتماعي لهم عن بقية الناس، ما يقود إلى فكرة القوانين الخاصة التي يعتقدون أنها ممكنة. ففي بيروت، مثلاً، يمكن لطلاب وأساتذة وأطباء ومدراء ومنتجي الجامعتين الأميركية واليسوعية تشكيل مجتمع مستقلّ، له كلّ نُظمه في ما خصّ شوؤن العمل والحياة وحتى الحاجات والأهواء. وهم في هذه الحالة يريدون من الحق العام (أي الدولة) توفير ما يحصّن الحق الخاص (أي المجتمع المدني خاصّتهم). وهذا سبب كافٍ لتدرك أنه لا يمكن لهذه المجموعة أن تمثل خياراً عاماً لبقية الناس وهم الأغلبية. لأن هواجس وطموحات أغلبية المشكلين لهذا المجتمع المدني، إنما هي في الحقيقة، تمثل نقيض ما يمكن أن يكون مشتركاً في بقية العوام. وبذلك يصبح الموقف من مسائل ذات طابع وطني، متصلاً بانعكاسه على مصالحهم وأهوائهم الخاصة. هنا تصبح منظومة الفساد، ليس في احتكار العلم الجيد والطبّ الجيد والطعام الجيد والترفيه الجيد، بل في كون ريفي أتى به جَهلة إلى منصب عام، وصار يريد فرض قانون للضريبة يختلف مع مصالح هذا المجتمع المدني.

يعني، في لحظة واحدة، يصبح المجتمع المدني حليفاً طبيعياً لمجتمع الطوائف. الاثنان في حالة تناقض كلي مع المجتمع – الدولة. وبهذا، لا يبدو مستغرباً أن يذهب أفراد المجتمع المدني نحو التماهي مع ما تقوم به القوى الأكثر نفوذاً في البلاد. لنأخذ الحريرية المنهارة درساً، أو لننظر إلى حالة حزب الله الذي أسّس لنفسه مجتمعاً مستقلاً، من حيث الحاجات المشتركة لأبنائه في العلم والعمل والطبابة والسكن والثقافة والفنون والترفيه، إضافة إلى عنصر تمايز أكثر فعّالية يتعلق بجيشه الذي يقيه شرّ الانقلاب متى أراد خصومه ذلك.
بهذا المعنى، يمكن القول، بأن المخبولين فقط يعتقدون أن أغلبية الناس في لبنان تقبل السير خلف ناشطين من «المجتمع المدني« يتجمّعون في أطر تحت اسم «المنظّمات غير الحكومية». والمسألة هنا لا تعود متعلقة بمواصفات المتصدّين لدور القيادة. المسألة تتعلّق بالأهداف الفعلية لهؤلاء. حيث التناقض أشد قساوةً في طبيعة التطلّع والتطلّب عند الكتلة المَدينية عن أبناء أحياء البؤس داخل المدينة نفسها، أو أبناء الأحزمة التي صارت مدناً بحالها. وهو تناقض يتصل بكل أشكال الحياة، بما يجعل التوافق على ورقة أو إطار أو اسم، توافقاً مفترضاً كحال الثائرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

أفراد المجتمع المدني هنا، هم الذين تجمّعوا خلال عقود ما بعد الحرب الأهلية. هم أولاد جيلين: واحد تعثّر مشروعه الكبير في التغيير الشامل، وثانٍ عانى من إحباط الأهل فوجد ضالّته في خيارات فردية، تجعل القائم شيئاً مرذولاً يمكن الاستغناء عنه. احتاج هؤلاء ليس إلى علوم متقدمة فقط، بل إلى تسويق لقدرات لا تجد تاجراً لها سوى العابثين بأحوال المجتمعات المرصودة كأهداف لاستعمار جديد. والتسوية بين الطرفين تنتهي على شكل حضاري منمّق لنفس فكرة جماعات «التكفير والهجرة» التي قامت في تسعينات القرن الماضي في شمال أفريقيا. هي حالة تنشد ابتعاداً إلى حدّ الانفصال عن المجتمع – الدولة. لا تفترض بالضرورة عنفاً مؤسِّساً لاحتراب أهلي، بل تكتفي بعنف لفظي قائم على فوقية افتراضية وتسخيف الآخر، والسعي إلى بناء بيئة مستقلّة، تتطلب توحّداً في الطقوس اليومية للحياة، ولكن راضية منصاعة لمرجعية واحدة تتحكّم بكل هؤلاء، هي مصدر المال.

والعنف البديل عند هؤلاء هو العنف اللفظي الذي ينتهي عادة على شتم وأنواع من التنمّر، حتى يكاد رفع الصوت أو القبضة أن يكون فعلاً انتحارياً، يتطلب حفلاً وداعياً تُتلى فيه وصايا الاستشهاديين. وفي بال هؤلاء صورة المضربين في «وول ستريت». هكذا تعلموا فعل النضال الجذري. هكذا شاهدوه بأمّ العين، لكن على شاشات. وهذا ما تدرّبوا عليه لسنوات في ورش العمل على النضال من أجل المواطنة، كما تُقدمها مدارس الـ«أن جي اوز».

بالنسبة إلى هذا الصنف، ينحصر الأمر في معاناة تخصّهم لوحدهم. تخصّ مكان سكنهم وجامعاتهم وعملهم وسهرهم. لا تبقى في ذهنهم صور مختلفة عمّا عاشوه في منازل الأهل. كل مظاهر الاحتجاج والملل من سنوات العشرية الأولى من حياتهم، هي حكايات للتندّر فقط. هم كحال الذين انتموا إلى أحزاب عقائدية عابرة. يجمعون كل ما عاشوه مع الأهل، ويضعونه في كيس داخل صندوق أمانات على باب المكتب الحزبي. هؤلاء، يحتاجون إلى قطع نهائي مع الماضي الاجتماعي، مستعدون لفعل أي شيء من أجل ذلك. حتى ارتكاب ما تراه عائلاتهم عيباً كبيراً، إذا كان يساعدهم على الانقطاع الكلي. الترقّي بالنسبة إليهم هو فعل مظهري، يتصل بنوع الثياب وقصة الشعر والحلي، وهو يتصل بنوع الأكل والشراب وطريقة الكلام ونوعية المفردات المستخدمة، وطقوس موحّدة حيال المسرح والسينما والموسيقى والقراءة والسفر. يتحولون فجأة إلى كشافة يشبهون بعضهم البعض حتى ولو كانوا يكيلون لبعضهم السباب والشتائم. القاعدة الجديدة التي أرستها ثقافة الفرد المستقلّ كما تقول نظرية المنظمات غير الحكومية، هي التي تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات إزاء الرجل الأبيض. درجة من الإعجاب الأخّاذ، لكن من دون نقاش جدي أو اعتراض فعلي. وإلا تم حرمانهم من كل شيء: العمل والراتب والعلاقات، وهذا يعني تلقائياً تهديدهم بإعادتهم إلى بيوت الأهل. وإلى الأحياء الحقيقية التي لا يريدون البقاء فيها.

اللّاطائفية التي تتّسم بها مجموعات هؤلاء ليست مسألة عميقة الجذور ثقافياً. اللّاطائفية، هنا، شكل من المساواة فرضتها آليات المموّل الذي لا يهتم لغير الولاء. لكن البديل عن الطائفية كشكل من أشكال التمييز في بلادنا، هو الطبقية بشكلها الجديد. الطبقية التي تجعل الساعي إلى الانتماء إلى هذه الفئة متحفّزاً لإثبات أنه غادر موقعه السابق، ومستعد للقيام بكل ما يجعله يحظى بالعضوية الجديدة، ولفعل أي شيء أثناء صعوده درجات سلّم هذا العالم، ويتّسم بانتهازية دفينة تجعله مستعداً كل لحظة للانشقاق والتحول نحو منظمة أخرى متى جاءت الفرصة الأفضل مكانة ومرتباً ونفوذاً. والمموّل لا يهتم لكل هذا السباق وكل هذا الصراع. ما يهمه هو الحفاظ على مرجعيته الأساسية التي تتحكم عملياً بحياة عشرات الآلاف من الشباب في بلدان متعبة. والتحكم هنا، من أجل تحويلهم إلى جنود في معركة السيطرة على الأنظمة والثروات. وعلى طريقة الديمقراطية الأميركية، سيكون للمنضوين في جيش هذه المنظمات، الحق، كل الحق، في قول ما يريدون. لا يهم رفع السقف والصوت، لكن، دون تجاوز الخط الأحمر.

أفراد المجتمع المدني أقرب إلى البرجوازيين الذين يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة في نقيض لطبقة المواطنين الذين هم في موقع أدنى اقتصادياً وهاجسهم هو المصلحة المشتركة

قسم غير قليل من هؤلاء، عاشوا في ظل عائلات عانت الأمرّين لتوفير أفضل العلوم للأبناء. وباعت أرزاقاً توارثتها جيلاً بعد جيل من أجل تحسين نمط العيش، وتخلّت عن الكثير من أحلامها من أجل زرع الأمل بغد أفضل في قلوب وعقول الأبناء. وهي عائلات تحدّت أيضاً قوانين «العائلة» و«الطائفة» و«المجتمع – السلطة» من أجل تحقيق ذلك. وهي فعلت ذلك، بصورة فردية، في ظل غياب مجتمع متماسك، وفي ظل غياب دولة طبيعية. وفي ظل غياب قوانين ناظمة للحياة. أما الأبناء، الذين نراهم اليوم في الساحات متصدّين لقيادة الثورة المجيدة، فقد سمعوا وحفظوا الكثير عن حياة القهر. وحملوا الحقد على مرجعيات وإقطاع أذاق البلاد الأمرّين ولم يزل. وسكنتهم الضغينة إزاء غياب العدالة في توزيع الفرص والثروة على الناس. لكنّ هؤلاء، تربوا على أن البديل عن التغيير العام الذي لا يحصل من دون حركات سياسية متكاملة، هو التغيير الفردي. ولذلك، نشط هؤلاء من دون هوادة لتغيير جذري في حياتهم كأفراد. أسقطوا توالياً كل أشكال التضامن الاجتماعي والأهلي. ثم أعلنوا كفرهم بكل تشكيل سياسي أو اجتماعي عابر للقضايا والمناطق والطوائف. وقرروا الاغتراب فكرياً وسلوكياً وحياتياً. وهم في حالة غربة حقيقية.

والتنافس القائم بينهم لا يتصل فقط باسترضاء المموّلين. بل يقوم على فكرة النشاط المفرط في سبيل إثبات القدرة على التأثير أكثر في الشارع. وعلى قدرة تقديم المختلف، لا يهم كيف يتم الأمر. المهم الحفاظ على مصادر التمويل جارية من دون توقف. وفي هذه الحالة، تختفي الشفافية الحقيقية، وتحل مكانها عبارة تُذيّل بها أوراق ومواقع عمل هؤلاء، تحت اسم «الممولون». أما كيف تجري عملية الانتساب، فهذا شأن خاص. لك أن تتعرف إليه فقط، في حالة قررت الانتساب إلى هذا النادي. وهناك تتعلم ألاعيب تُذكرك بسماسرة الإدارات الرسمية في الدولة. كيف تختار النموذج الأفضل لكتابة الفكرة، ثم من تستشير للحصول على خبرة في شرح الفوائد. ومن ثم تستعين بصديق لكي يكون منتجك مطابقاً للمواصفات، ثم تبدأ رحلة الاستجداء والاستعطاء. فترسل مشروعك إلى مئات العناوين، وتتصرف بانتهازية غير مسبوقة في التواصل مع كل من يخدم غرضك. ومتى حصلت على الموافقة الأولى، تستعد لتعلم كل متطلبات النجاح في المقابلة المباشرة. ولا بأس هنا، من الاستفادة من خبرات السابقين في كيفية وضع الموازنات وفتح الحسابات وتوظيف الناس وإعداد قوائم الدفع للمشاركين في هذا المشروع أو ذاك. لكن، لا يحصل ابداً، أن يسأل هؤلاء عن المنفعة العامة لما يقومون به. ومع الوقت، يصبح الواحد منهم، أسير موقعه الجديد. يتعرّف شيئاً فشيئاً إلى ماهية الأمر. ويعرف أكثر طبيعة المقاصد. لكنه، يسير في قطيع أعمى، ويقف مثل عمال عصور العبودية، في طابور طويل، ينتظر من ينقطه بضعة دنانير مع نظرة فوقية تذكره بأنه لن يكون يوماً على شاكلة الرجل الأبيض.

هل تذكرون ماذا فعل رفيق الحريري بجيل كامل؟ جرّه من إحباطه إلى العمل في خدمة مشروع لا أسس ثابتة له. أيقظ طائفية ومذهبية مقيتتيْن في عقول وقلوب من خبر التفلّت من قيود القبيلة. وجعله يتلو فعل الندامة ليلَ نهارَ. جعل مثقفين يتفنّنون في تأصيل مشهد الكرم والسخاء على أنه فعل إنساني خالص. وجعل جيشاً من الأتباع فريسة نظام حياة إن تخلوا عنه ماتوا غيظاً، فصارت السيارة والبيت والثياب والمطاعم والسفر أساس أي موقف من أي قضية. وما إن فرط المشروع بشحطة قلم، حتى سكن الإحباط هؤلاء. والآن نراهم في الساحات، مثل العاطلين عن عمل، لكنهم يريدون قيادة الناس نحو تغيير شامل، من دون الإشارة إلى مصدر القهر. وكلهم يستغلّون خوف اللبنانيين من كتابة تاريخ كلّه دماء وقمع وكذب، لكنهم يتوافقون على حيلة أهل هذه البلاد، بأنهم شعب اصطفاه الخالق من دون الآخرين، منبعاً للحرية والتقدم!

هؤلاء، هم أنفسهم الذين يتصرفون بثقة مُفرطة، على أنهم قادة التغيير في البلاد. وأي بلاد؟ بلاد نهشتها قوانين وسياسات عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقبلية على مدى قرنين على الأقل، ويعتقدون أن تطبيقاً ذكياً جُرب في مكان ما في هذا العالم، سيكون كافياً لسحق منظومة تتجذّر في الأرض وتحتاج إلى جيوش لقلعها. ويعتقدون أن طقوساً بلهاء، تحت عنوان التعايش والحب والعلم الوطني، كافية لإعادة إنتاج شعب مختلف. ومع ذلك، تراهم يختارون بوعي أو من دونه، الساحات نفسها التي ترمز إلى الحرب الأهلية مكاناً للتجمعات، ويسيرون في شوارع سُميت بخطوط التماس بين المتقاتلين، كأنهم يشعرون في دواخلهم بأن الحرب لم تنته بعد.

هل سمع أحد بتظاهرة في الدكوانة أو فرن الشباك أو حارة حريك أو الطريق الجديدة؟ هل تجمّع الناس في وسط المتن أو في جرد كسروان؟ هل سار هؤلاء في شوارع فنيدق أو تكريت أو قصدوا أحياء شحيم الضيقة، أو جرّبوا التنقل بين أزقة باب التبانة أو أحياء جبل محسن؟ هل قصدوا البلدة القديمة في صيدا أو غابة اللحم البشري في الأوزاعي أو حي السلم، أو تعرفوا إلى أحياء عالية الداخلية أو ما الذي يجري خلف الجدران في بعقلين وكفرحيم أو كيف يحل الصمت عند كل غروب، كأن الحياة انتهت في عماطور وبقعاتا ونيحا الشوف بينما يسترق الفتية صوت السمر والسهر يأتي خفيفاً من قصر الزعيم؟

هل جرّب أحدهم الدخول في قلب بلدة مجدل عنجر، أو حي الطمليس وحارات عين الرمانة وقرى إهمج وجاج ولاسا في جرد جبيل؟ هل يعرف هؤلاء ماذا ترتدي النسوة في قرى بشري ودير الأحمر وأعالي القبيات، وهنّ يشجعن الفتيات على الدرس عسى يكبرن ويتاح لهن التشبه بثياب الزعيمة عارضة الأزياء؟

لم يفعلوا، ولن يفعلوا، هم يتصرفون كما يفترض بهم التصرف على طبيعتهم، يذهبون نحو الساحات التي ينظرون إليها باعتبارها مركز النظام. يعتقدون أنهم في حال احتلوا حيزاً فيها، صاروا جزءاً من النظام. أو صار بمقدورهم التصرف على أساس أنهم هم النظام. برغم أنهم يعرفون أن أصل النظام موجود في الأحياء البعيدة وفي المناطق والأرياف. هناك يجري حشد الناس والأصوات. ومن هناك يأتي الموظفون والجنود والمتعبون. فتية المجتمع المدني، يرون في ساحات وشوارع المدينة الرئيسية أمكنة الحياة. وهم لا يهتمون بغير المركز. ويفترضون على طريقة الانقلابيين، أن من يحتل المركز يسيطر على البلاد.

ينسون أين كانوا هم قبل جيل. وعلاقتهم بالمهمّشين، تتحول مع الوقت إلى علاقة قائمة على أساس التفوق في كل شيء، العلم والمعرفة والسلوك والذوق وحتى الإحساس. وعندما يبنون ريفهم في المناطق البعيدة، لا يجيدون بناء علاقة مع أهل الأرض. بالنسبة إليهم، الفقراء بحاجة إلى دعم. لكن على طريقة العمل الخيري، صاروا مثل الأثرياء الجدد، يتنافسون على طريقة الإحسان إلى الفقراء. لا يعرفون عملاً من دون استعراض. حتى القبلة على خدّ طفل تنتظر وصول الكاميرا. والكاميرا هنا، لم تعد وسيلة الإعلام – الإعلان التقليدية. بل صارت كل الفضاء المفتوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. والإصلاح عندهم، يقتصر على حملة لمنع التنمّر, أو تعلم وضع حزام الأمان والتوقف عند إشارة السير، أ التدرب على فرز النفايات في المنزل والحي، أو لنذهب في رحلة إلى ذاك الجبل، لكن بعد أن نشتري العدّة كما شاهدناها في فيلم المتسلّق المحبوب. أما البحر، فيصعب أن يكون مكاناً للاختلاط مع العاديين. نرفض كل شيء عام. نرفض حتى الفنادق الكبرى، لكن تعالوا نفرض نموذجاً عن الفنادق الخاصة، من تلك البيوت التي هجرها أهلها، بموت أو تشرّد أو حتى إبعاد من الأولاد، لتحويلها إلى بيوت سياحية تستقبل الزوار الآتين من المدينة مع ابتسامات ودهشة.

هكذا هي حياة هؤلاء. الأفراد أو المجموعات المشكّلة لمجتمع واحد ولو بوجهين، هما مجتمع المنظمات غير الحكومية، ومجتمع الطوائف. يتصرف هؤلاء على أنهم البديل الفعلي لإدارة الدولة. حفظوا مقرّرات من مناهج بعيدة. درسوا تطبيقات على أمكنة وشعوب لا تنطبق بالضرورة على ناسنا هنا، لكنهم قرروا أنها الأنسب لنا. ويعتقدون أن بمقدورهم التسلط على الناس المتعبين، وقيادتهم في حراك أو انتفاضة أو ثورة لتغيير يدّعون أنه شامل. هؤلاء ليسوا، مع الأسف، مؤهّلين لنضال عام يقود نحو دولة متكاملة متماسكة، لها قوانينها المدنية أي المضادّة لقوانين الطوائف، ولديها سياساتها غير المحايدة إزاء ما يجري من حولنا في السياسة والأمن والاقتصاد والاستراتيجيا. هؤلاء مجموعة من الانتهازيين، تلفّهم السذاجة عندما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة، على طريقة أفلام الكرتون، التي تجعل الفأر فيلاً، وهم مجموعة من المتكسّبين، يعانون من مرض عُضال لا يقلّ خطراً عن مرض الحاكمين باسم الله والطائفة والمنطقة والعائلة!

الحريري: طلبات أميركا… أوامر!

Image result for ‫سعد الحريري مع الدب الدتشر‬‎

هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

 

ابراهيم الأمين

الأربعاء 4 كانون الأول 2019

واجه سعد الحريري أصعب الاستحقاقات في حياته. فلا هو قادر على عدم تأليف حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه يواجه ضغطاً كبيراً من الداخل والخارج للسير بتسوية ما. المسألة هنا تتعلق في كون الحريري لا يمكنه الخروج من السلطة الآن. واذا اجبر على هذه الخطوة، فهو سيبدأ بزرع الالغام على طول الطريق التي يفترض ان تسلكها من التكليف الى التأليف الى جلسة الثقة.

عدم رغبة الحريري بأن يشكل غيره الحكومة ترتبط بمصيره. الحديث، هنا، عن بطالة كاملة. عن تقاعد مبكر غير مضمون النتائج. عن اعتزال مبكر لكل أنواع الأعمال السياسية والتجارية. عن اعتكاف يقود صاحبه الى الابتعاد تدريجياً عن الأنظار حتى يصبح منسياً. عن مغادرة تعني الهروب الى أقاصي الارض بحثاً عن ملاذ آمن.

رئاسة الحكومة، بالنسبة إلى الحريري، تعني كل مستقبله. تعني مستقبله السياسي كواحد من زعماء لبنان، لا يمكنه، من دون السلطة والمال، قيادة تياره ولا كتلته النيابية في مواجهة صقور يريدون انتزاع الزعامة منه احتجاجاً على قلة دراية أو نقص في الوضوح أو تردّد في المواجهة. تعني مستقبل علاقته مع الناس في المناطق والقطاعات حيث انفرط عقد التيار ليعود الى جمعيات، النفوذ فيها لمن يملك القدرة على الدفع أو رفع الصوت. تعني فتح أفق الاعمال التجارية الجانبية بعد توقف المصدر الاول للرزق في السعودية والعالم. والعزوف عن الرئاسة يعني تعرضه لعزل من العائلة نفسها، في مواجهة زوجة والد لم تعد تطيق كل تصرفاته، وإخوة يتوزعون بين من يقاطعه ومن يحاربه مباشرة وعلناً، ومن لم يعودوا يرون في لبنان حتى مكاناً للعيش.

رئاسة الحكومة تعني لسعد الحريري الحصانة الفعلية في مواجهة مئات المعارك القانونية في لبنان والسعودية والامارات وغيرها. تعني حصانة تحول دون اعتقاله على باب طائرته الخاصة في عاصمة ما والتحقيق معه ومصادرة طائرته وما معه من حلي وثياب. تعني حصانة لا تزال تفتح له أبواب قادة وحكومات وأجهزة وشركات في العالم بصفته لا بشخصه.

Image result for ‫الدب الداشر‬‎

حصانة تقيه شر العزلة التامة التي تحوله الى رقم منسيّ إذا ما قرّر خصومه ذلك. حصانة تحول دون اعتقال وسجن أكيدين في ما لو زار السعودية كحامل لجنسيتها فقط. عندها، لن يقيه أحد في العالم شر «الدب الداشر».

رئاسة الحكومة تعني للحريري مركز نفوذ متنوع في لبنان وقابل للاستخدام في المحيط القريب والبعيد. تعني بقاءه في ظل حماية أمنية محلية وإقليمية ودولية، وهو هاجس صار يسكنه كما حال العائلات الحاكمة في بلادنا والعالم. تعني البقاء على التواصل مع جهات قوية في لبنان يمكنها أن تمحو رقم هاتفه من ذاكرة هواتفها لو استقال. وهي تحول دون سقوط ما تبقّى من هيبة له بين رجال أعمال وسماسرة وشركات تخشى قدرته على تعطيل أعمالها أو عرقلتها. وتعني، أيضاً، قدرة على استمالة ناس من هنا وهناك باسم الطائفة والموقع والبلاد.

كل ذلك يعني، ببساطة، أن الحريري لن يترك رئاسة الحكومة من دون قرار كبير يتخذه من يملك القدرة على تقرير مصيره السياسي. تجربة الاحتجاز في السعودية لم تمنحه قوة مقاومة لعدم تكرار التجربة، بل يبدو أن الايام القليلة التي أمضاها في معتقل مرفّه، أصابته بمتلازمة استوكهولم التي تجعل الرهينة أسير دونية غير مفسّرة أمام خاطفه. وهو الذي ضعف وارتبك وخاف من مصارحة الناس بحقيقة ما حصل معه، وتراجع عن محاسبة من خانه وتآمر عليه من أبناء بيته، وأبناء تياره، وأبناء جلدته ايضاً. وأصابته عوارض إطلاق السراح المشروط، فلا هو قادر على شكر من ساعده على الخروج من أزمته، ولا على الجهر بحقيقة من أعانه وأخرجه من سجنه بالقوة لا بالدبلوماسية. وهو الذي لم يقدر حتى على بقّ البحصة التي تحولت كتلاً خرسانية تعطل كامل جسده.

الذين يعرفون سعد الحريري جيداً يتحدثون عن مفاجآت في شخصه هذه الايام. عصبيّته وطريقة أكله للسيجار، لا تدخينه، وعلاقته مع طعامه أو نبيذه الفاخر، وطريقة جلوسه داخل الدار وخارجها، كل ذلك لا يعكس ارتياحاً، بل ضيقاً شديداً يرفع من منسوب توتره الشخصي.

واللافت أن الرجل الذي عُرف ببساطته السياسية وقلة حنكته في إدارة التحالفات والملفات، «أصيب» فجأة بنوبة من دهاء غير مسبوق. وما يقوم به في سياق ملف تشكيل الحكومة الجديدة، يعيد الى الأذهان حكايات بيروت عن مفاوضات صائب سلام ورشيد كرامي وآل الصلح. حتى والده لم يكن يهتم بالطرق الملتوية. وربما كان الحضور السوري في القرار النهائي مانعاً للمناورات. لكن، رغم ذلك، لم يكن رفيق الحريري يحتاج الى ألاعيب جانبية.

هل هو فعلاً محتجز هذه المرة لكن في بيروت، أم خاطف لرئاسة الحكومة، لا يريد تركها لحظة ويحضنها في سريره كأعزّ من ألف عشيقة؟

وحتى لا يبدو أن في الامر إهانة شخصية، لنقل إن سعد يحيط نفسه، أو إن هناك من يحيطه، بمن هم قادرون على التلاعب بالحقائق بطريقة افضل، وعلى درجة من الحنكة غير المسبوقة في بيت الوسط: من إبعاده المتعِبين من حوله، المعروفين بكثرة الكلام وقلة الافعال، الى إدارة شارعه الغاضب لألف سبب غير ملف رئاسة الحكومة، الى تعامله مع الازمات الهائلة التي تمر بها البلاد، الى طريقة إدارته مرحلة تصريف الاعمال، إذ يهمل ما يتعبه في الاقتصاد والادارة ويمسك بما يفيده في الامن والمال. والاهم طريقة إدارته النقاش مع المرشحين لخلافته في رئاسة الحكومة. فيظهر في غالب الاحيان كزاهد في الحكم، وغير مهتم بتفاصيل تشكيل الحكومة، وراغب في الابتعاد للاستراحة، لكن، سرعان ما يصبح شيخاً في السياسة، له باعه في النصح والمشورة. وما يخرج من فمه ليقع مباشرة في أذن من يطمح لخلافته، يتحول رصاصاً يجعل منافسه صريعاً فاقداً لأهلية الدور.

أما ملاحظاته، أو وصاياه، فهي، ببساطة شديدة، ليست سوى المطالب الواضحة لتحالف السعودية – أميركا الذي يدرج لبنان ساحة مركزية في معركته المفتوحة مع إيران ومحور المقاومة. وهي معركة لها أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية. لذلك، يكون الحريري واضحاً في مطالبه:

أولاً: لا تراجع عن السياسات المالية والاقتصادية ولا خيارات سوى الإقرار ببرامج الخصخصة الكاملة، وضرورة تأبيد وجود رياض سلامة في حاكمية مصرف لبنان.

ثانيا: إضعاف التيار الوطني الحر من خلال منع رئيسه جبران باسيل من الدور الوزاري المباشر، وحرمانه من حقائب اساسية تجعله قليل القوة في مواجهة خصمه الرئيسي سمير جعجع.

ثالثاً: تعزيز استقلالية الجيش وقيادته عن سلطة رئيس الجمهورية ووزارة الدفاع، ومنع التعرض لقائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير الاستخبارات العميد طوني منصور، والإقرار بهامش خاص لعمل الجيش على طول حدود لبنان الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية.

رابعاً: إفساح المجال أمام بقاء حالة «غليان الشارع» لكن في وجهته ضد عون وحزب الله، والسعي الى انتخابات نيابية مبكرة تعدل ميزان القوى داخل المجلس، وتفتح الباب أمام طرح انتخابات رئاسية مبكرة.

Image result for ‫سعد الحريري مع محمد بن سلمان‬‎

هنا، يصبح السؤال حول واقعه أمراً حتمياً: هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

Image result for ‫سعد الحريري‬‎

Related Videos

Related Articles

سلامة شريك كارتيل النفط جنبلاط والبساتنة وشمّاس ويمّين وتوتال يبتزّون الناس

ابراهيم الأمين

السبت 30 تشرين الثاني 2019

لم يكتفِ رياض سلامة بكل ما فعله خلال ربع قرن من سياسات نقدية ومالية أفقرت الشعب اللبناني. ولم يقبل التواضع والخروج من الساحة، وقاتل لأجل ذلك مستخدماً أموال الدولة والمودعين، مانعاً تغييره منذ عام 2005. ولم يكتفِ بما جعل لبنان يدفع كلفة بقائه حاكماً قبل ثلاث سنوات. كذلك لم يكتفِ بالسماح بتهريب أموال كبار أثرياء الحرب الأهلية والحرب الاقتصادية وسارقي الدولة والناس في الأشهر الماضية، بل هو يواصل كذبه على الناس، ويتحدث عن صلابة وسلامة النقد والقطاع المصرفي. ولا يزال يصرّ على سياسات هدفها الأول والأخير المحافظة على أرباح كارتيلات البلاد المنتشرة في كل القطاعات، من المصارف الى النفط والمواد الاستهلاكية وتجّار العملة أيضاً.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن شركاء سلامة، في جولة اليوم، هم من أبناء الطبقة الحاكمة، من رجال أعمال يخدمون سياسيين كباراً بغية المحافظة على نفوذهم وقوّتهم. وبعض هؤلاء يحاولون ركوب موجة الحراك، وتراهم يتحدثون عن الثورة ونظافتها، مثل تاجر الدم والنهب وليد جنبلاط، الذي لم يكتفِ بإرسال زعرانه لقطع طريقَي الساحل والبقاع، وقتل متمرد عليه هو علاء أبو فخر برصاص الموالين له، بل هو اليوم يشارك في تصعيد مفتعل يقف خلفه كارتيل المحروقات، وهو أحدهم، من أجل جباية المزيد من الأرباح، والتي لا نعرف إن كان يضمن مسبقاً تهريبها الى خارج لبنان. وهو يفعل ذلك مطمئناً الى أن جماعة أميركا والـ«ان جي أوز» في الحراك، يمنعون أي كلمة ضده، وأي اعتصام في مواجهته، وأي تحرك تجاه منزله في بيروت أو المختارة، وأي اعتصام ضده في إمارة الشوف وعاليه، وأي بيان يجعله، فعلاً، واحداً من «كلن يعني كلن».

عنوانان احتلّا مشهد البلاد أمس، الى جانب البحث المملّ بشأن الوضع الحكومي، والذي لا يبشّر بخير، حتى ولو تحدد موعد الاستشارات، لأن الذين يريدون تأليف الحكومة هم أنفسهم الذين يرفض الشارع بقاءهم في مناصبهم. والعنوان الأول، هو استمرار التلاعب بسعر الليرة اللبنانية، وتواصل عملية ابتزاز المواطنين الساعين الى استعادة أموالهم المودعة في المصارف. والعنوان الثاني يتعلق بإضراب أصحاب محطات البنزين، وهم شبكة من كبار تجار النفط وموزعيه، والذين حصدوا أموالاً طائلة من الأرباح طوال الفترة الماضية، ويقف جنبلاط في مقدمهم، من أعمال «كوجيكو»، (بالإضافة الى نشاطه في قطاع الغاز والاسمنت)، الى الفرنسيين من خلال شركة «توتال»، الى أبناء البساتنة الذين صاروا يملكون عدداً هائلاً من محطات الوقود، ويتشاركون مع الأخوَين ريمون وتيدي رحمة في استيراد النفط والفيول من الخارج، الى أصحاب المحطات الأخرى من مارون شمّاس وأوسكار يمّين وآل رمضان، وغيرهم من الذين لا يريدون التنازل عن 5 بالمئة من أرباحهم في هذه الأزمة، ويتحدثون عن صعوبات تواجه عمليات الاستيراد.

لكن سلامة يعود ليقف على رأس فرقة إنقاذ هؤلاء. إذ عندما قررت وزارة الطاقة القيام بمبادرة كان يجب أن تكون سياسة عامة منذ وقت طويل، وقررت استيراد البنزين عبر «منشآت النفط»، لتضع ما ستستورده في خزانات تتسع لكميات تكفي البلاد لثلاثة أشهر على الأقل… عندما قررت الوزارة ذلك، قرر أصحاب المحطات الإضراب، بينما يعرقل سلامة إقرار الاعتمادات المالية للوزارة، مؤخِّراً عملية الاستيراد، ومتصرّفاً مع الدولة بطريقة لا تأخذ بالحسبان الأزمة القائمة. يريد منها اتخاذ إجراءات ستنعكس حكماً على المواطنين من خلال رفع أسعار الوقود الآن، من البنزين الى المازوت الذي سيرتفع الطلب عليه في فصل الشتاء والبرد.

اجتماع بعبدا يطالب مصرف لبنان بخفض الفوائد وبتسهيل متطلّبات المودعين

وإلى جانب هذا المسار، لا يزال سلامة يكذب على الناس في شأن الوضع المالي. هو أعلن بلسانه أن الودائع محميّة، وأنه يرفض إقرار قانون لتقييد السحوبات والتحويلات (capital control)، وأنه لن يمسّ بحرية التحويلات المالية الى الخارج. لكنه لم يلزم المصارف بهذا التوجه، بل تركها تتصرف كما لو أن القرار موجود. ثم لم يناقش المصارف في الإجراءات التي تقوم بها لمواجهة طلبات الزبائن. وبينما أعلنت جمعية المصارف برنامج عملها، عادت ولم تلتزم به، وفرضت على الناس البرنامج الذي يناسبها، وهي التي حددت سقف السحب اليومي أو الأسبوعي من العملات المحلية أو الأجنبية. وفوق ذلك، فإن سلامة يترك قطاع الصرّافين يعمل بلا رقيب أو حسيب، علماً بأنه من مسؤولياته، كما هي حال شركات شحن الأموال، التي يرفع أصحابها لواء «ثورة الفقراء»، لكنهم غير مستعدين لخسارة واحد في المئة من أرباحهم.

في القصر الجمهوري، انعقد اجتماع مالي هو الثاني منذ اندلاع الأزمة. وغاب عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، المهتم بتأليف حكومة يديرها من دون أن يترأّسها. وخلال الاجتماع، جرت مراجعة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف في الإجراءات المتخذة في سوق القطع وكيفية التعامل مع المودعين. وبحسب معلومات مشاركين في الاجتماع، من المفترض أن يبادر رياض سلامة ــــ ولا أحد يثق بأنه سيفعل شيئاً ــــ إلى إلزام المصارف بسياسات تسهّل للناس الحصول على حاجتهم من أموالهم المودعة، وكذلك تسهيل التحويلات الضرورية للناس وللأعمال إلى الخارج. لكن النقطة الجديدة التي أثيرت في اجتماع أمس، هي دفع القطاع المصرفي الى خفض الفوائد المعتمدة على العملات المحلية والأجنبية الى النصف، باعتبار أن سبب رفعها سابقاً لم يعد موجوداً، إذ كان سلامة يبرّر رفع الفوائد بالحاجة الى جذب أموال من الخارج، وهو ما لا يحصل الآن. ويفترض أن يصدر عن حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف مجموعة من القرارات والتعاميم في هذا السياق.

أما في جانب عمل الصرّافين، فالصورة تبدو قاتمة، حيث لا يضمن أحد من المسؤولين تغييرات حقيقية. وبينما ارتفع سعر الليرة مساء أول من أمس، عاد وانهار أمس ليبقى متداولاً بين 2100 و2250 ليرة لكل دولار.

Related Videos

Related News

مسؤولية الكبار

 ابراهيم الأمين

الجمعة 29 تشرين الثاني 2019

كلّ تفصيل إضافي نسمعه عن سلوك أهل السلطة في الملفّ الحكومي يؤكّد، مرة جديدة، أن هؤلاء ليسوا في وارد التنازل الجدّي، بل يفكّرون في شكليات يعتقدون بأنها تناسب ذوق الجمهور. البحث عن رئيس جديد للحكومة، أو عن وزراء، يجري على قاعدة الإبقاء على جوهر المقاربات والسياسات نفسها، مع البحث عن طريقة لاستهبال الناس والاعتقاد بأن تغييراً في أسماء وزراء والإتيان بحزبيين مقنّعين بدل آخرين مكشوفي الوجوه، من شأنه إقناع الشارع بوقف غضبه، علماً بأنه يمكن للسلطة أن تقول كلاماً واضحاً حول ضرورة التمثيل السياسي في أي حكومة، على أن تبحث في برنامج العمل وفي الأهداف، وهو ما لا يجري مطلقاً.

أكثر من ذلك، يبدو من النقاش أن القوى الرئيسية لا تزال تتصرّف على أن ما حصل في الشارع لا يُلزمها بتغييرات كبيرة. لذلك، يتردد في مداولات تشكيل الحكومة كلام عن تمسك التيار الوطني الحر بحقائب معينة، وحتى بوزراء حاليين. والحال نفسها بالنسبة إلى الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، فيما تعتبر القوات اللبنانية أنها حققت نجاحات حيث انتشر وزراء التكنوقراط، وتريد مزيداً من هذا الصنف. أما حزب الله فلا يظهر حماسة للضرب على الطاولة وإلزام اللاعبين حوله بضرورة مغادرة هذه العقلية، بل يبدو مهتماً بتقليص مسافة الخلافات بين القوى المفترض بها تشكيل الحكومة ولو على حساب البرامج، علماً بأن الرئيس سعد الحريري الذي يعلن عزوفه عن ترؤس الحكومة الجديدة، يتصرف على أنه الرئيس الفعلي للحكومة ولو من خلف الستار، ويتشاطر في طرح أفكار على المرشحين الآخرين تمثل طموحاته، إلا إذا كان الحريري ــــ كما يعتقد البعض ــــ في حالة أسر، وسجيناً بقرار أميركي ــــ سعودي، لكن في بيروت لا في السعودية.

مطالب الحريري تتركز على سبل عدم إحداث أي تغيير. ففي توصياته للمرشحين أنه لا يمكن الموافقة على إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير المخابرات العميد طوني منصور أو قيادة قوى الأمن الداخلي، ورؤساء بعض المؤسسات العامة مثل مجلس الإنماء والإعمار والميدل إيست وغيرها. فيما يشدّد في المقابل على ضرورة إبعاد ممثلي حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل عن وزارات أساسية، ولا ينسى تشجيع المرشحين لخلافته على انتزاع تعهّد بإجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال ستة أشهر.

كل هذا ــــ وتفاصيل أخرى أكثر مأسوية تتعلّق بمقاربة الأزمة المالية والنقدية ــــ يدل بصورة مباشرة على أن من في السلطة ليس في وارد التغيير. فهذه السلطة لو كانت مهتمة أصلاً بمنع الانهيار، لكانت عدّلت في سياسات المحاصصة التي اعتمدتها منذ توقف الحرب الأهلية. وبالتالي، من المفترض باللبنانيين عموماً، وقوى الحراك الوطنية الساعية الى تغييرات جوهرية، لا الى احتلال مقاعد في السلطة، ألّا يراهنوا على تغييرات جوهرية مقبلة. ما يعني أن أي حكومة ستتشكّل لن تلبّي الحد الأدنى من الطموحات. لكن السؤال الذي سيطرح أمام الحراك هو: كيف نواصل الضغط من أجل التغيير الجدي؟ وكيف نجذب قوى اجتماعية وشعبية أكبر نحو الحراك لخلق نمو متين في جسم الحراك، لا البقاء في دائرة النفخ الجارية الآن؟
إذا كان كبار البلاد في السلطة على هذه الحال، فكيف يتصرف بقية «الكبار» من أهل البلاد، أي كبار السلطة المالية والنقدية بكل أركانها، وكبار المؤسسات الدينية الغنية، وكبار القوم من الأغنياء والمتمولين؟

التبسيط يساعد كثيراً في فهم الغاية من العمل المطلوب. والتبسيط يقول إن لبنان يواجه مشكلات كبيرة؛ أبرزها، اليوم، الملف المالي والنقدي. والمشكلة هنا أيضاً بسيطة لناحية التوصيف: هناك عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة، وهناك دين كبير جداً على الدولة، ودين كبير على المواطنين للمصارف، وعجز كبير في الميزان التجاري، وعجز أكبر في ميزان المدفوعات. وهناك نقص في سيولة المصارف بالعملات الأجنبية، وشكوك حول قدرة القطاع المصرفي على ضمان ودائع المواطنين، وتراجع سريع في قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، ونقص تدريجي في قدرة الناس على الإنفاق العادي، وتراجع في القوة الشرائية لمداخيلهم، وهذا يؤدي الى تراجع في الاقتصاد وفي عمل القطاعات كافة، ويقود الى تقليص المداخيل وتراجع القدرة على توفير وظائف، ومن ثم إغلاق لمؤسسات وزيادة نسبة البطالة… الخ!

هذا أمر ليس بسيطاً على الإطلاق. لكن علاجه، في هذه اللحظة، يتطلب من كبار السلطة الموازية، المالية والاقتصادية والدينية، المبادرة الى تحمل المسؤولية. والمبادرة تستوجب منهم التنازل عن جزء مما جمعوه خلال ثلاثين سنة وأكثر من أموال وقدرات وأملاك بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة. وهذا التنازل إما أن يحصل طوعاً، وإما أنه سيحصل عملياً بسبب الأزمة!

ببساطة أكبر، يجب أن يتخلى كبار المودعين، الذين نمت ودائعهم جراء السياسات النقدية وبرامج الفوائد، عن جزء حقيقي ووازن من هذه الثروات لتقليص حجم الدين العام على الدولة.
وببساطة أكبر، أيضاً، يجب إلزام كبار المالكين بدفع بدلات ضريبية على ما يملكون أو ما تملّكوه، سواء بفعل أعمال المضاربة العقارية أو بفعل تراكم الثروات غير الواضحة المصدر، من أجل تغذية الخزينة بما يقلّص قيمة العجز.

ببساطة أكبر، يجب على الشركات الكبيرة، مالية أو تجارية أو خلافه، أن تقلص حجم أرباحها بما يقلّص كلفة الاستهلاك العام على الناس، وبالتالي، على هذه الشركات أن تقبل بتعديلات جوهرية في طريقة عملها، وهو أمر سينعكس حكماً على واقع أصحابها ومالكيها،
ببساطة أكبر، يجب على المرجعيات والمؤسسات الدينية (أوقاف وخلافه) أن تدرك أن ما تملك باسم الله يجب أن يعود إلى الناس. وعودته الى الناس ليس وفق هوى هذه المرجعيات، حتى لو قررت أن تمنحه لرعاياها دون غيرهم. هذه المرجعيات تملك ثروة عقارية ومالية كبيرة، واستثمارات مالية وتجارية كبرى، وجيشاً من العاطلين عن العمل يجري تمويه توصيفهم بدور الراعي والمبشّر والمبلّغ. وإذا كان هناك من مدخل لتعديل الواقع الاجتماعي للناس، فإن لهذه المرجعيات دورها الأساسي الإلزامي، وهو أمر لا يتمّ من دون تعديلات في القوانين الراعية لعمل هذه المرجعيات التي تتصرّف عملياً على أنها فوق القانون وفوق المؤسسات والسلطات.

مطالب الحريري: الابقاء على سلامة وجوزيف عون ورؤساء الأجهزة والمؤسسات العامة التابعين له

ببساطة أكبر، يجب على السلطة، أيّ سلطة حكيمة، أن تبادر الى التعامل مع ملف الدَّين العام بطريقة مختلفة، وأن تبادر الى خطوات سلبية باتجاه دائنين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حكومات، تقوم على أساس وقف خدمة هذا الدين، والتفاوض لتقليص المتوجبات مهما كانت الكلفة، علماً بأن البعض يتحدث كثيراً عن مصادرة أملاك الدولة خارجياً وملاحقتها قضائياً داخلياً.

وببساطة أكبر، من المفيد تذكير أصحاب المصارف وكبار المساهمين، وحتى كبار المودعين الذين يتحوّلون مع الوقت الى مساهمين ولو من دون عضوية، المبادرة من تلقاء أنفسهم الى مساعدة الناس على تحمل كلفة الأزمة، وأن يتم شطب الكثير من الديون، وخصوصاً المتعلقة بالتعليم والسكن الصغير والطبابة والمشاريع الإنتاجية الصغيرة الحجم، وهو شطب يجب أن يفهم من قبل أصحاب المصارف وكبار المساهمين وكبار المودعين على أنه خطوة تضامنية عادلة، لا مقابل لها سوى استعادة الاستقرار العام ومنع الانهيار الذي سيصيب عائلات كثيرة لو ألزمت على سداد هذه الديون مع تراجع المداخيل وتراجع القدرة الشرائية لمداخيلهم.

نحن أمام مشكلات متنوعة، والكل يعرف أن من الواجب إعادة النظر في واقع القطاع العام. ولكن، كل آلية لـ«تطهير» القطاع العام ومؤسساته، من الفاسدين أو العاطلين، أو الذين وظّفتهم مرجعيات ولا يحترمون واجبهم في العمل، يجب أن تأخذ في الحسبان أن تعاظم جيش العاطلين عن العمل سيتحوّل عبئاً على البلد كله، وليس على فئة دون غيرها. لكن اللبنانيين، الذين يعانون من شراهة القطاع الخاص، لن يتعايشوا طويلاً مع كسل قسم من القطاع العام وغياب الجدوى منه.

مرة جديدة، الأزمة لن تحلّ بحكومة كالتي يجري العمل على تشكيلها، ولن تحل بفوضى الشعارات عند لصوص الحراك من جماعة أميركا والقوى السلطوية. الحلّ لن يكون من دون مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية كبيرة وصعبة ستفرض سلوكاً جديداً على الناس، قد يدفعهم الى اكتئاب وإحباط، لكنه السلوك المتناسب مع واقعهم الحقيقي، وليس مع واقعهم الافتراضي.

Related Videos

Related News

قاطع الطريق وداعمه ومساعده مجرمو حرب

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019

متلازمة السوشال ميديا صارت مرضاً يسيطر على غالبية الجمهور. لكنها أصابت مقتلاً حتى من فئات تعتبر نفسها في موقع متقدم عن الناس ثقافياً ومعرفياً. المشكلة، هنا، ليست في أن تقول كلاماً صحيحاً، وليست في أن تقول الحقيقة، ولا في أن تكذب أو تخفي وقائع قاسية. المشكلة هنا متوقفة فقط عند عنوان واحد اسمه: الانطباع!

يعني، لا يهمّ أي نوع من التدقيق في طبيعة المواجهات التي تحصل بين وقت وآخر في الشارع بين جمهور المتنازعين سياسياً. ولا ينفع التدقيق في إقناع هذا أو ذاك بتعديل موقفه. المهم، هنا، هو الانطباع الذي سيزرع في عقول الناس وقلوبهم. لذلك، يسيطر الانطباع على العقل. وحتى من يريد وضع خطة عمل لفريق أو جهة، أو من يريد القيام بعمل له حساباته الواقعية، لا يقف الا عند الانطباع. الجملة السحرية التي تسيطر على ألسنة الجميع هي: ماذا سيقول الناس عنا؟ والناس، هنا، ليسوا سوى لاعبين افتراضيين على منصّات التواصل الاجتماعي الذين باتوا قادرين على إطلاق الأحكام على الجميع ومنع محاكمتهم في الوقت نفسه.

ولأن الانطباع هو المسيطر، تجد نفسك في موقع غير الراغب في الشرح والتدقيق. بل في موقع اللامبالي إزاء ردود فعل مهما كبرت أو تحولت الى وقائع، لأن النقاش يصبح من دون فعالية إذا كان من يقف على الضفة الاخرى غير مهتم إلا بالانطباع. وهذا مصدر نجاح كبير لمن يقود ما يسمى في عالمنا اليوم «الحرب الناعمة». هذه الحرب التي لا تستهدف خلق وعي معرفي عند الاصدقاء أو الخصوم، بل هدفها الوحيد هو تطويق هؤلاء بفكرة الانطباع: أنت جميل، هو قبيح، أنت واضح، هو متذبذب، أنت طائفي هو علماني، أنت آدمي هو حرامي… وهكذا الى نهاية السلسلة من لعبة زرع الجزئيات التي تنتهي عادة على شكل صورة لشيء وحيد هو: الانطباع!

والانطباع سرعان ما يصبح أسير قوانين اللعبة الافتراضية، أي أسير أدوات العمل على مواقع التواصل. والمهم، هنا، كيفية تحويل الانطباع الى «ترند»، أي رفع قيمته من لحظة انفعال عاطفي الى لحظة نمط تعامل. أي إن الـ«ترند» هو المرحلة التالية في تحويل الانطباع الى حقيقة. وهذا وحده كفيل بجعل الكذاب في حالة زهو غير مسبوقة إذا حصد المرتبة الاولى. كما من شأنه أن يدفع صادقاً الى الانتحار، لأنه فشل في الدفاع عن نفسه أو وجهة نظره. ومن يرد التجاهل والتجاوز ما عليه سوى اختبار نفسه ضمن مسابقة النقاط، التي تحصر في هذا العالم بلعبة «لايكات»، تتحول الى علامات نجاح أو رسوب، وهي ما تجعل من الانطباع قوة رئيسية في التفكير بالقول، كما تجعل من الـ«ترند» قوة رئيسية في الفعل… وهكذا!

في لبنان اليوم، وعلى هامش الأزمة القائمة، ثمة حشد مقبول، من أشخاص وجمعيات وجهات وقوى ومؤسسات، يديرون يومياتهم السياسية على أساس الانطباع القائل بأن جمهور المقاومة في لبنان صار عدواً لكل من يطالب بالإصلاح. وهؤلاء يتصرفون على أساس ان غالبية لبنانية تقف الى جانبهم، وأن أقلية تقف في جانب جمهور المقاومة الذي يتعرض لعملية عزل متواصلة. والبعض من هذه الفئة يتصرف على أساس أنه قادر على تحديد وجهة التفاعل على الارض، ولا يهم بقية الناس، لان الانطباع هو الأقوى. لكن هذه الفئة لا نعرف كيف تتصرف عندما تصدم بحقيقة الوقائع، التي تنسف الانطباع، وتفرض صورة معاكسة تماماً، حتى ولو حصل ما حصل من إشكالات وخسائر!

بناءً على لعبة الانطباع، التي يمكن تحويلها الى حقيقة، لا الى «ترند»، وجب اليوم قول الآتي:
كل مشارك في الحراك لا يخرج الى العلن، ويدين صراحة قاطعي الطرق، هو شريك فعلي في جريمة اغتيال المواطنين حسين شلهوب وسناء الجندي على طريق الجية.
كل ناشط في الحراك لا يخرج الى العلن، ويذيع بياناً يدين بالاسم مرتكبي هذه الجريمة، هو شريك في سفك دماء الأبرياء.

كل إعلامي، مؤيّد للحراك، لا يكتب أو يذيع موقفاً واضحاً، جهاراً نهاراً، يشتم فيه قاطعي الطرق هو شريك مساهم في الجريمة.
كل سياسي مؤيّد للحراك بكل صنوفه، طوعاً أو غصباً، وعن حق أو عن دجل، لا يسارع الى إيجاد وسيلة إعلامية لإذاعة بيان يدين بالأسماء المسؤولين عن قطع الطرقات هو شريك في هذه الجريمة.

كل جمعية مدنية، أو منظمة غير حكومية، تشارك في الحراك، لا تصدر بياناً واضحاً، فيه إشارة واضحة الى المسؤولين عن قطع الطرقات، وتحميلهم مسؤولية الجريمة، شريكة في الجريمة وتتحمل مسؤولية الدماء التي سفكت.

كل قوة سياسية أو حزب أو حركة تشارك في الحراك، وتملك الجرأة على المطالبة بإسقاط النظام، ولا تخرج وتعلن على لسان قيادييها أنها تدين قطع الطرقات وتهاجم المرتكبين بالأسماء، هي قوة وحركة وحزب شريك في الجريمة.

من يتوهّم نقل البلاد الى جبهة الغرب هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى تراند عالمي!

ولمن لا يعرف، أو يتذرع بعدم المعرفة، فإن زعران سعد الحريري وسمير جعجع وسامي الجميّل ووليد جنبلاط هم من يتولى قطع الطرقات، ومن يتولى مهاجمة المارة وشتمهم، ومعهم كل المجموعات التي تعمل طوعاً أو غصباً مع مخابرات الجيش اللبناني، ومع فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي،

أما من يعتقد بأن هناك طبقات اجتماعية عند ضحايا فوضى الحراك، ويعتقد أن إعلاماً حقيراً ومشوّهاً منذ نشوئه، يمكنه التمييز بين هذا أو ذاك، ويمكنه تجهيل الفاعل وتحييد الناس، وتركهم ضحايا الانطباع إياه، وأسرى الـ«ترند» إياه، فمن المفيد تذكير هؤلاء بأننا سوف نلاحقهم، اسماً اسماً، وناشطاً ناشطاً، وجمعية جمعية، ومنظمة منظمة، وجهة جهة، وحزباً حزباً، وحركة حركة، وإعلامياً إعلامياً، وإعلامية وإعلامية، ولن نترك منهم أحداً من دون مساءلته يومياً عن مصدر أمواله ومرجعيته، وسنلزمه، الآن وكل يوم، بأن يقدم لنا جردة يومية بكل ما قام ويقوم به، وسنروي للناس ما حرصنا على كتمه من أجل الصالحين في الحراك..

أما من يهربون من مسؤوليتهم في تنظيف الحراك من هذا الوسخ، فهم اليوم أمام استحقاق أساسي، لأن من يريد التلطّي خلف شعارات عامة ومطالب مفتوحة، عليه أن يعرف أن نتائج الأفعال تقع على عاتق من بيده الأمر من بين هؤلاء، ومن لا يزال يتوهم أن بإمكانه نقل البلاد الى جبهة الغرب، فقط لأنه قرر ذلك، إنما هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى «ترند» عالمي!

يجب أن يعرف هؤلاء أن دموع الصبية الناجية من محرقة الجية أمس، وحرقتها على من فقدته أمام عينيها، هي أهم من كل شعار يرفع في أي ساحة من ساحات لبنان.

Related

لماذا ينقسم النظام بين مؤيّد ومعارض للمتظاهرين؟

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

ابراهيم الأمين

الخميس 14 تشرين الثاني 2019

 وقائع اجتماعات «المنظمات غير الحكومية»
 برامج الحكم البديل والتمويل… ومن التقى كوشنير؟

للحراك الشعبي هوية مفترضة يقول الناشطون إنها تتعلق باستعادة الدولة الحقيقية. المشترك الوحيد الفعلي بين كل من يصرخون في الساحات اليوم هو المطالبة بإسقاط رموز السلطات الحاكمة في لبنان جميعاً. ويجتهد الحقيقيون منهم، وحتى المزوّرون، بالتأكيد أن لا وجود لأجندات أخرى غير المطالبة بتغيير حقيقي في بنى السلطة أو حتى النظام. ولكن، لدى التدقيق، يمكن التمييز بين مطالب ذات طابع فئوي، وأخرى لمجموعات تطالب بإنتاج آليات جديدة لقيام سلطة تمنع القهر بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والإنسانية. أما ما يصرخ به الجمهور لجهة عدم الحاجة إلى قيادة أو ناطقين أو ممثلين يفاوضون باسمهم، فلا يعبّر بدقة عمّن يمكن تسميتهم بـ«الوجوه المعبّرة» عن تطلعات قسم كبير من المشاركين في الاحتجاجات. وهؤلاء يسردون وقائع كثيرة تراكمت حتى لامست حدّ الانفجار الكبير، قبل أن يصمتوا عندما يُسألون: كيف يتم التغيير السلمي؟ وعبر مَن؟ وبواسطة مَن؟

لنعد إلى البداية.

لا يحتاج عاقل في لبنان إلى معرفة طبيعة الانقسام القائم حول آلية إدارة الدولة. وهو انقسام له خلفية طائفية ومذهبية ومصلحية. وقد أدت التسويات بين أركان القوى النافذة إلى تعميق الخلل على صعيد البنية الإجمالية للنظام، ما جعله مُنهَكاً حتى وصلنا إلى مرحلة الموت. وهذه الحقيقة التي يعاند أركان الصيغة في رفضها. وبما أن الانهيار حاصل حتماً، فإن الغضب الشعبي الذي كان يقوم مرات بصورة قطاعية، تجمع هذه المرة على شكل احتجاج عام، شارك فيه قسم كبير من اللبنانيين، سواء من نزلوا إلى الشوارع أو الساحات أم من لازموا منازلهم. لكن الحقيقة الأكيدة أن اللبنانيين أعلنوا، هذه المرة، أن الصيغة القائمة سقطت. إلا أن أحداً لم يتحدث عن بديل جاذب لغالبية لبنانية جديدة تُتيح بناء الجديد.

لكن، ماذا عن التدخلات في الحراك القائم، قبل اندلاعه وبعده؟ وهل صرنا في وقت مسموح فيه السؤال عن بعض الأمور وعرض بعض التفاصيل التي تفيد في الإجابة عن أسئلة كثيرة حول هوية المستفيدين والمستغلّين؟ وكذلك حول قدرة أهل الحراك على حمايته من الخطف أو الأخذ صوب مواجهات تخدم أركان الصيغة الساقطة أو رعاتهم الخارجيّين؟ وطالما يصعب توقع تفاهمات وطنية كبيرة على صيغة جديدة قريباً، فإن البلاد أمام خيارين: إما ترميم الحكم الحالي في انتظار لحظة تغيير جذرية تحتاج إلى عناصر جديدة؛ وإما الاستمرار في حال الفراغ القائمة على صعيد الحكم، مع ما يصاحبها من مخاطر الفوضى وما هو أكثر (بالمناسبة، هل كنا نحن خلف الفوضى القائمة عندما حذّرنا منها باكراً؟).

(مروان بوحيدر)

عند هذه النقطة، يبدأ الانقسام الكبير في المقاربات مع من يعتقدون، واهمين، أن المسألة محلية مئة في المئة، ويتماهون مع شعراء الكبة النية والتبولة وفخر الصناعة اللبنانية والوحدة الوطنية وبقية الزجل السخيف!

لا بأس، هنا، من الحديث بصراحة عن التدخلات. داخلياً، هناك قوى وجهات مختلفة صاحبة مصلحة في استخدام الاحتجاج لإحداث تغييرات تصبّ في مصلحتها، أبرزها قوى 14 آذار التي خسرت الكثير منذ عام 2005. وهي لم تخسر محلياً فقط، بل خسرت كل عناصر الدعم النوعي في الإقليم والعالم، وتشعر بوهن كبير نتيجة التراجع الذي أصاب المحور الإقليمي – الدولي الذي تنتمي إليه. هذه القوى تريد نسف التسوية الرئاسية التي قامت في الأعوام القليلة الماضية، لكنها لا تريد نسف النظام لأنها، تاريخياً، من المستفيدين منه. وهذه حال وليد جنبلاط وسمير جعجع وفريقهما، كما هي حال قوى وشخصيات «خرجت من المولد بلا حمص» رغم انخراطها في الصراع الداخلي. ويضاف إلى هؤلاء خليط من الشخصيات التي يمكن أن تُطلق عليها تسميات كـ«التكنوقراط» و«الاختصاصيين» ممن ينتشرون في كل مفاصل لبنان تحت عناوين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني وتوابعهما. وهؤلاء، باتوا اليوم في صلب الحركة السياسية الطامحة إلى امتلاك مواقع في السلطة. وهم يقولون، صراحة، إن عجزهم عن إنتاج أحزاب سياسية يجعلهم أكثر حرية في العمل ضمن أطر ذات بُعد مهني أو قطاعي أو مدني.

اليوم، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل من مرّ على قوى 14 آذار لا يشعر بالذعر جراء ما يحصل في الشارع، وإلى أن يتصرف على أنه جزء من الحراك الشعبي. وحتى من يتجنبون الظهور مباشرة في الساحات، ولو بغير رضى، لا يتصرفون كما لو أن ما يجري يستهدفهم. بل يتصرفون من موقع الداعم. وفي كل مرة يُتاح لهم التحدث، يعلنون «تبني مطالب الناس». وهو لسان حال كل من في هذا الفريق. كما تجدر ملاحظة أن كل من له علاقات جيدة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة وأميركا وفرنسا وبريطانيا، يتصرف براحة وفرح إزاء ما يحصل في الشارع. وهؤلاء ليسوا سياسيين فقط، بل بينهم أيضاً اقتصاديون وإعلاميون وناشطون وناشطات وخبراء!

في المقابل، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل خصوم 14 آذار، من حزب الله إلى حركة أمل والتيار الوطني الحر وكل من هو في موقع الحليف للمقاومة، يتصرفون بقلق كبير إزاء الحراك. ويمكن من دون جهد كبير ملاحظة أن الشعارات والهتافات التي سيطرت على المشهد الإعلامي الخارج من الساحات، ركّزت – ولا تزال – على هذا الفريق ورموزه، كما يمكن بسهولة ملاحظة حال القلق، بل وحتى الذعر، التي تسود لدى جمهور هذه القوى في الشارع. ويمكن، أيضاً، ملاحظة أن الناس العاديين الذين يقفون إلى جانب المقاومة، والذين بكّروا في النزول إلى الساحات للمشاركة في الاحتجاجات، خرجوا منها تباعاً بمجرد أن سمعوا ملاحظات مقلقة من السيد حسن نصرالله حيال ما يجري وما يُخطَّط له.

كذلك يمكن، من دون جهد استثنائي، ملاحظة أن وسائل الإعلام والإعلاميين الذين بنوا امبراطورياتهم وشركاتهم الموازية عبر الاستفادة من هذا النظام ومن كل من تعاقب على الحكم فيه، ومعهم جيش من رجال الأعمال العاملين في لبنان وخارجه، يقفون إلى جانب الحراك، بل يتغنون به بلا تردّد. ويفاخرون بحروبهم ضد الفساد، وهم الذين استغلوا كل أنواع التسهيلات المصرفية والإعلانية والقانونية للحصول على مكتسبات لا يمكنهم الحصول عليها في ظروف طبيعية.

اجتماعات لغالبية الجمعيات غير الحكومية في مكاتب للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والوكالة الأميركية

خارجياً، لم تبق جهة تعادي المقاومة إلا ورحبت بما يجري، من دون أي استثناء. من عواصم سياسية ومؤسسات اقتصادية أو إعلامية أو خلافها. ويذهب كثيرون في المحور السعودي – الأميركي إلى اعتبار ما يجري على أنه مرحلة الانتفاضة ضد النفوذ الإيراني في لبنان (اقرأ حزب الله وسلاح المقاومة). بينما كانت روسيا، ومعها الصين وإيران، تبدي خشية سابقة (نشرت «الأخبار» مقابلة مع السفير الروسي في بيروت قبل اندلاع الحراك حذّر فيها من فوضى تعد لها أميركا في لبنان).

ببساطة، يمكن قراءة ما يعتقده الأطراف من نتائج لهذا الحراك. وهذا ما يجعلهم يرحبون به أو يحذرون منه، من دون أن يعني ذلك أن النتائج ستصيب في نهاية المطاف ما يريده كل منهم. وهذا رهن أداء الأكثر حضوراً ونفوذاً في الساحات، ومدى قدرتهم على تنظيف صفوفهم من اللصوص.

هل من خطة غربية؟

إلى جانب كل ما سبق، وبرغم الحساسية المُبالغ فيها عند مشاركين أو ناشطين في الحراك إزاء الحديث عن استغلال لهم أو وجود مؤامرة، صار من الواجب ذكر العديد من العناصر التي لا يرغب كثيرون في سماعها، ومنها:

أولاً، ما إن انطلق الحراك حتى انطلقت ماكينة عمل فريق الخبراء والناشطين والاختصاصيين المرشحين لتولي مناصب حكومية بديلة. وبعد مرور نحو شهر على الحراك، خرجت الأحاديث إلى العلن، عن اجتماعات عقدت في مكاتب هؤلاء، بحضور ممثلين عن «الجمعية الدولية للمدراء الماليين اللبنانيين -LIFE»، وناشطين ممن كانوا منضوين في مجموعة «بيروت مدينتي» التي خاضت الانتخابات البلدية الأخيرة في العاصمة، إضافة إلى ممثلين عن حزب الكتلة الوطنية بقيادته الجديدة وناشطين عادوا وانضووا في تجمعات مثل «وطني» الذي تتصرّف النائبة بولا يعقوبيان كما لو أنها قائدته، وممثلة عن جمعية «كلنا إرادة» التي تعرّف عن نفسها بأنها مجموعة من الشخصيات اللبنانية العاملة في القطاع الخاص خارج لبنان، وتهتم بأن تشكل «مجموعة ضغط» من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان.

قوى 14 آذار تريد نسف التسوية الرئاسية لا النظام لأنها تاريخياً من المستفيدين منه

ولم يكن قد مرّ وقت طويل على انطلاق التجمعات الكبيرة في الساحات، حتى انعقدت الاجتماعات بصورة مختلفة، وأكثر كثافة، بمشاركة غالبية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو التي يحب روّادها تسمية أنفسهم بالحراك المدني. وكان بعض الاجتماعات يُعقد في مكاتب تخص ممثليات للاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي الجهات التي تموّل غالبية هذه الجمعيات. ويحضر اللقاءات إلى جانب ممثلي هذه الجمعيات، موظفون من المؤسسات الغربية والدولية، وفي بعض الاجتماعات حضر دبلوماسيون من رتب متدنية.

خارج لبنان، كانت الحركة تدبّ في ثلاث عواصم رئيسية. في واشنطن، دعت مراكز دراسات أميركية إلى عقد ندوات حول الأزمة اللبنانية، وإرسال رسائل إلى الإدارة الأميركية والكونغرس، إضافة إلى لقاءات عقدها ناشطون من قوى سياسية، بينهم فريق التقى صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير الذي وعد بنقل الصورة إلى الرئيس دونالد ترامب. وقد تم جمع الوفد اللبناني الذي التقاه من عدة ولايات أميركية. أما في باريس، فإلى جانب التحركات الشعبية التي قامت دعماً للحراك في لبنان، عُقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وأخرى مع المعنيين بملف لبنان والشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية الذي يديره السفير الفرنسي الأسبق في لبنان برنارد إيمييه. أما المدينة العربية التي تحسّست حكومتها من النشاط العلني، فكانت إمارة دبي التي رفضت إعطاء الإذن لمجموعة لبنانية بالتظاهر تضامناً مع الحراك الشعبي، ثم نبّهت الحكومة هناك «المتبرعين» من تحويل أي أموال عبر المصارف العاملة في الإمارة إلى لبنان، مع إبراز خشية أن تكون الأموال ذاهبة عن طريق الخطأ إلى جهات معادية.

اللافت للأمر أن مجموعة «life» كانت حاضرة في غالبية هذه الاجتماعات والتحركات. لكن الأهم، هنا، هو أن ممثلي هذه المجموعة سارعوا، منذ اليوم الأول، إلى الحديث عن الحكم البديل. في بيروت أثارت مندوبة «كلنا إرادة»، وآخرون من «بيروت مدينتي»، إمكان الشروع فوراً في خطة لتنظيم إطار تنسيقي، والإعداد لورقة عمل تحت عنوان «حكومة الإنقاذ البديلة». وفشلت مساعي هذه المجموعة في جذب شخصيات وقوى وجماعات مشاركة في الحراك. بينما تعمّدت إبعاد مجموعات أخرى، لا سيما من هم أقرب إلى الحزب الشيوعي. والحجة الدائمة، هي نفسها التي استُخدمت مع الفرنسيين أثناء التحضير لزيارة الموفد الفرنسي، بأن الشيوعيين ليسوا أصحاب نفوذ قوي، وأنه يمكن الاستعانة بشخصيات مدنية واقتصادية تمثلهم، ويكون هؤلاء من أصحاب وجهات النظر الأقل تطرفاً تجاه التغيير الجذري في النظام الاقتصادي.

* غداً: عدة الشغل من الشعارات إلى الأهداف

بلا مداراة وبلا محاباة: اطردوا منتفعي النظام من صفوفكم

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2019

لن تنفع المداراة في معالجة مشكلة، ولا تعالج المحاباة جروحاً عميقة، ولا المسايرة تبني وطناً أو علاقات وطيدة. وحدها الصراحة، مهما كانت قاسية، تفيد في اللحظات الحرجة، وتساعد الناس في لحظة تعقل كاملة، أو حتى في لحظة انفعال، على الاختيار بين الذل المغطّى بغيوم كثيفة من الكلام المعسول والأحلام، والحياة الحرة مهما كانت قصيرة.

الذين نزلوا الى الشارع غاضبين من هذا الحكم ليسوا هم الذين يرفعون الشعارات المنمّقة. من يحتاجون إلى دولة عادلة غير الذين يريدون الاستيلاء على الدولة كما يفعل الحاكمون اليوم. ومن يعانون الأمرّين من جرّاء الظلم المتنوّع غير الذين لا يعانون نقصاً في الأكل والطبابة والثياب والسكن. ولا يمكن أن يستوي تغيير جذري بهذه الآليات.

من لديه ذاكرة، فليراجع ما شهده لبنان خلال ربع قرن. احتجاجات سياسية وتحركات شعبية وانتفاضات أهلية ومواجهات وحروب باردة أو ساخنة. ومن لديه ذاكرة وعقل، وقلب حقيقي، فليعد الى أرشيف لم يندمل، وإلى مواقف وتصريحات وشعارات وتحركات غالبية من ينسبون الى أنفسهم النطق باسم آلام الناس، من سياسيين وإعلاميين وناشطين وأحزاب وتجار ورجال أعمال وأصحاب مهن حرة. ليرجع الجميع الى أرشيف طريّ، موجود حيث يريدون، وليعاودوا قراءة المواقف والمقالات والتصريحات، وليعاودوا مراجعة المفاوضات والتحالفات والتكتلات، وليعاودوا مراجعة التسويات والصفقات السياسية وغير السياسية، وليعاودوا قراءة لوائح المرشحين لتولي المناصب… ثم ليختموا بمراجعة أسماء المرشحين لتولي مناصب نيابية ووزارية، وكيف ترتفع أكثر أصوات من لم تشملهم الترشيحات.

من يفعل ذلك بصورة هادئة، سيكتشف أن هناك جيشاً من المنافقين الذين ينتشرون اليوم في الساحات والشوارع، ويحتلون الشاشات والمنابر على أنواعها، ويركضون ويهتفون ويصفقون ويغنون ويرقصون، بالطريقة نفسها واللغة نفسها والأسلوب نفسه، وإن خارت قوى بعضهم، أو احتال آخرون على أعمارهم وعلى الأجيال، لكن النتيجة هي ذاتها؛ من فشل الى فشل، ومن إحباط الى إحباط، ومن خيبة الى خيبة. وفي كل مرة نعود فيها الى لحظة الاختيار الهادئ، حيث يقف الإنسان الحر، بينه وبين نفسه، ولو لثوان أمام صندوقة اقتراع، ترى هذا المواطن الملدوغ يعود الى هواجس يعتقد أنها أصيلة، ويعود الى حسابات تبدو معبّرة عن حاله وتطلعاته وقدراته، ويختار من يختار.

في كل مرة، نكتشف أن التغيير بطيء للغاية. الأمر لا يتعلق بسلطة فاسدة وقاهرة ومحركة للعصبيات الطائفية والمذهبية فحسب، بل بنقص حاد في المحفزات عند الناس من أجل اختيار بديل غير واضح. ولأن الناس يشعرون بالخير وبالشر، كما يشعرون بالسكينة أو بالخطر، فهم لا يبالغون عندما يختارون هذا بدل ذاك، مهما كانت التعبئة قاسية، ومهما كانت اللحظات حساسة. ومن يفرح لغضب الناس وانتفاضتهم، يعرف أنهم هم أنفسهم من غضبوا وانتفضوا مرات ومرات، وهم أنفسهم الذين عبّروا عن سخطهم طوال السنوات الماضية، تارة باحتجاج على تلوّث، أو نقص في المياه، أو غياب لعدالة في الرتبة والراتب، أو بحثاً عن هوية وطنية وسيادة مغناة في القصائد فقط، أو نصرة لقائد أو شعار أو مظلوم، أو بحثا عن ملاذ بعيد عن الطائفية والذمية والقهر السياسي، أو رفضاً لسلطة أمنية أو سياسية أو اقتصادية. لقد خرج الناس مراراً وتكراراً خلال ربع قرن.

لكن، في كل مرة يعود فيها هؤلاء الى صندوقة الاقتراع اللعينة، تراهم يعيدون إنتاج البضاعة نفسها. ليس لأنهم يرغبون في هذا القدر المحتوم، بل لأنه لا بديل يجرّهم الى المكان الأفضل، ولا بديل يمنحهم الثقة الكافية لهدم الهيكل القائم. ولأن الناس على هذا المنوال، لا يمكن اليوم أن يخرج مجهول من بين الناس، يوزع شعارات ويضع خططاً ويقرر تحركات من هنا أو هناك. ولا يمكن لشاشات ملوثة، لا ملونة، أن تخترع قادة وصنّاع تاريخ. ولا يمكن لمرتزقة وسارقين أن يرفعوا لواء الدفاع عن مظلوم. ولا يمكن لثريّ لا يشرح لنا مصدر ثروته، أن يعدنا بالمنّ والسلوى إن فوّضنا إليه إدارة البلاد وخيراتها. ولا يمكن لمثقف يخفي جبنه خلف مؤسسات اخترعها الغرب المعادي، أن يعطي دروساً في الوطنية والاستقلالية والمدنية، وهو الذي لا يشرح سرّ الهبات الغربية التي تصله دون غيره. ولا يمكن لمناضلي الساعة العاشرة أن يخلعوا الثياب المنمّقة والياقات، وينزلوا الى الساحات كأنهم في فيلم هوليودي، ثم يعتقدون أننا سنفضّلهم على من بذل الدم من أجلنا ومن أجل مستقبل أولادنا…

لكل ذلك، لا مناص من قول ما لا يعجب كثيرين من الغاضبين، لكنه ما يغضب كثيرين من الكذابين، وهو قول واضح محدد:

إن ما يشهده لبنان اليوم لا يؤسّس لتغيير حقيقي وشامل، بل هو سيعيد ترميم النظام نفسه، من خلال استبدال وجوه بوجوه. وما نشهده اليوم لن يقود الى بلد جديد، بنظام حكم جديد، وبمؤسسات وسياسات جديدة، بل هو سيعيد إنتاج النظام نفسه، لكن بتعليب جديد وأسماء جديدة.

لم يشهد التاريخ انتفاضة تبقى طوال الوقت من دون قيادة أو إطار تنسيق واضح وفعلي

كل انتفاضة لا تصيب مقتلاً في أهل النظام القائم، وكل انتفاضة لا تدمر هيكل النظام القائم، وكل انتفاضة لا تطرد اللصوص من الساحات ولو بقيت قلة صادقة، وكل انتفاضة لا تبدع في اختيار قادة مستعدين للتضحية بكل شيء، لا نفع منها، ولا رجاء… وكل ثورة لا تسأل عن مصدر هذا الدعم أو ذاك لا أمل منها، وكل انتفاضة لا تسأل عن سبب وجود هذا أو ذاك من مستثمري النظام القائم لا جدوى منها. ومع الأسف، لن يتأخر الوقت حتى يتعرّف الناس، من جديد، على وجوه ستنضمّ الى نادي المستوزرين والساعين الى احتلال مواقع السلطة بحجة التغيير. وستعود وسائل الإعلام التي تطارد المنتفضين اليوم، الى استضافة من تعوّدت فتح منابرها لهم، وعقد الصفقات معهم، أفراداً وجماعات، ثم تركض وسائل الإعلام ذاتها الى حصر برامجها عند أي انتخابات بأصحاب الأموال من دون سؤالهم عن مصدرها. وهل يحتاج الجمهور والحقيقيون من الناشطين إلى دليل إضافي على نفاق هؤلاء الإعلاميين والسياسيين الذين صاروا مثل حواريي الإقطاع يدورون من حولنا؟

صحيح أن أيّ انتفاضة تنطلق بعفوية، ثم تستقطب الناس بعفوية أيضاً، لكن لم يشهد التاريخ انتفاضة تبقى طوال الوقت من دون قيادة أو إطار تنسيق واضح وفعلي، إلا إذا كانت هناك «كلمة سر» تشجع الناشطين على عدم تنظيم صفوفهم، وعلى عدم خلق إطار قيادي فعلي. ومن يقف خلف هذه الكلمة، هو نفسه من يقرر جدول الأعمال. وهو نفسه، من يُعدّ اللوائح بأسماء المرشحين لتولّي المناصب، وهو من تواكبه السيارات السوداء الى مقار كبار أهل السلطة للتفاوض.

أكثر من ذلك، ثمة ميل عند بعض الذين انتفخت رؤوسهم لتولّي إدارة محكمة أخلاقية تقرر من هو الثائر ومن هو الفاسد. وبسذاجة سبق أن جُرّبت سابقاً، يُصِرُّ هؤلاء على لعبِ الدورِ نفسِه الذي تعودناه منذ عام 2005. وهؤلاء لا يشكون من تعرّضهم للقمع، بل يمارسون أقذر أنواع الكراهية والترهيب بحق الآخرين. والمشكلة ليست مع هؤلاء الذين نعرف أين مآلهم بعد وقت غير طويل. لكن السؤال هو للناس: فهل بين الذين نزلوا الى الساحات، ولو ظنوا أنهم يمثلون نصف لبنان، من يعتقد أن من حقّهم إرغام الآخرين، أي نصف لبنان الآخر، على السير خلفهم. وإذا رفض طلبهم، فهل يمنحون أنفسهم الحق في إدارة الحياة على ذوقهم؟

لم يعد المشهد هو نفسه كما كان قبل نحو شهر. الناس أنفسهم باتوا يعرفون الكثير من الحقائق، ويجيدون التمييز بين الحقيقي والمفتعل. ولن يتأخر الوقت حتى نجد أنفسنا بين خيارين لا ثالث لهما: الفوضى التي تثبت انقساماً صار واضحاً ولن تحجبه أصوات أو غيوم مصطنعة، أو الذهاب نحو مرحلة انتقالية، تستوجب بقاء الناس الحقيقيين في الشوارع والساحات، وستلزم المناضلين الحقيقيين بأجندات وبرامج، قد لا تجد إعلاماً يروِّج لها!

السذاجة

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎
ابراهيم الأمين

الثاني من نوفمبر 2019

من باب التوضيح: الناس المقهورون الذين نزلوا وينزلون الى الشارع من حقهم ليس إسقاط الحكم والحكومة فحسب، بل قلب هذا النظام من أساسه. ومن حقهم القيام بكل ما يلزم لاستعادة حقوقهم وحمايتها، بل وعليهم الاعتراض الدائم من أجل إسقاط هذه التركيبة والصيغة الطائفية، والذهاب نحو دولة مدنية حقيقية، فيها قوانين واضحة وزجرية تمنع عودة المرض الطائفي الكارثي. ومن باب التنويه أيضاً، فإن من نزلوا وينزلون الى الشارع من حقهم قول كل شيء، وفعل أي شيء، ورفع أي شعار يخدم قضيتهم.

وما هو ملازم، في هذه الحالة، رسم علامة استفهام حول كل أبناء النظام الذين ينضمّون الى الحراك، متضامنين أو داعمين أو مساعدين. لأنه في لحظة الانفعال التي لا تزال تتحكّم بحشد من الانتهازيين والمراهقين، يتحول الأمر الى سذاجة تقارب حدّ من يغلق عينيه عمّا يدور حوله، وحول العمل الجاري من أجل استغلال قضيته لأهداف أخرى.

وللسذاجة فصولها في مقاربة بعض التطورات والوقائع المتصلة بما يجري منذ عشرين يوماً. واقتراب موعد تأليف الحكومة سيصدم معظم المشاركين في الحراك، عندما يسمعون أسماء المرشحين لتمثيلهم في الحكومة وكيفية اختيارهم، وكيف سيتم الترويج لهم تباعاً. وهؤلاء يتوزّعون على منظمات العمل المدني (مدني!!)، الى جانب خبراء الأحزاب «غير المتطرفة». ويمكن قراءة بعض الأسماء في اللائحة، لتجد مرشحي «بيروت مدينتي» و«حزب سبعة» الى «ناشطي» المنظمات الداعمة لحقوق الإنسان ورفض العنف، مروراً برجال سنسمع أنهم أهل قانون واستقامة لأنهم حصلوا على ورقة مبايعة وقّعها فضلو خوري، ما غيره… وسيواصل «المفاوضون الحقيقيون» استبعاد أي رمز من رموز اليسار الحقيقي، لأنه «متطرف يريد تحطيم الدولة». وسيتم استبعاد أي علماني حقيقي لأنه «يعرّض التركيبة اللبنانية للاهتزاز».

وللسذاجة في عدم مراقبة ما يجري من حول الحراك فصولها الغريبة. ولنأخذ مثلاً ما تفعله السفارات الغربية.

السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد ملّت الانتظار في بيروت منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، وهي تعاني الأمرّين. من جهة، لم تعد سفارتها مصدر القرارات الأميركية بشأن لبنان. وهي تستمر في تسقّط الأخبار عن موعد اختيار من يخلفها في منصبها. ومن جهة ثانية، هي مضطرة الى الاستماع الى اللبنانيين على أنواعهم، وتجيبهم بقليل من الكلمات وكثير من الغمزات والضحكات، وتترك لهم التفسير، علماً بأن مساعدين لها، وبينهم من يتولى مهمات غير دبلوماسية لكنه يحمل صفة دبلوماسي، يتولون الشرح بإسهاب. لكن للسفيرة، كما كل الدبلوماسيين في لبنان، نظرتهم الى السياسيين اللبنانيين. وهي نظرة غير محترمة مع الأسف، ليس بسبب الفوقية الأميركية فحسب، بل بسبب الدونية المفرطة عند جماعات لبنانية معتنقة لثقافة القناصل منذ زمن بعيد. وما تتمناه ريتشارد قبل مغادرتها بيروت غير قابل للتحقق، لأن من ترغب في الاجتماع به (يعرف بعض القريبين منها أنها تقول إنها ترغب في ذلك من كل قلبها) ليس من النوع الذي يرحب بها!
السفيرة التي تشرح أحياناً أنها من فئة الناس العاديين في بلادها، تهتم أيضاً لـ«مشاعر المواطنين الرافضين للفساد». وهي التقت قبل أيام، برفقة مسؤولين من السفارة، شخصيات لبنانية؛ بينها مصرفي تعرف أنه على صلة بقوى 8 آذار. لكنها تميّزه لناحية أنه يفضل حياة أميركا على حياة إيران. وتعرف أن روح عمله مرتبطة بقرار وزارة الخزانة الأميركية. وتعرف أن ميوله الشخصية ليست حيث يقف الآن سياسياً. لكنها تفضل أن تستمع منه الى بعض المعطيات، كما بعض الأسئلة، التي تفيدها في بعض الأمور. وتستمتع بتحميله كمية من الرسائل التي تعرف أنه سيحملها على وجه السرعة الى مرجعيته السياسية حيث القناة المباشرة مع حزب الله.

المصرفي الشطّور فعل كل ما توقّعته السفيرة تقريباً. عاد بمحضر عن اللقاء. من كان موجوداً وماذا دار في اللقاء، ومن سأل ومن أجاب ومن قدم إيضاحات. وكيف كانت تعابير الوجوه، وخصوصاً أنه استفاد من وجود إعلامي في اللقاء كان له دور في الحوارات والإيضاحات. لكن المهم، أن موجز ما نقله المصرفي هو الآتي:

ــــ حرص الفريق الدبلوماسي الأميركي على نفي «أي علاقة لنا بما يجري، لكن تحقيق المطالب يحتاج ربما الى استمرار التظاهرات وأي أساليب احتجاج أخرى، بما فيها قطع الطرقات». وعبّر الفريق عن قلقه، على صيغة أسئلة، عن احتمال حصول «توتر مسيحي ــــ مسيحي في حال تركّز الحراك في مناطق معينة وانحساره بعيداً عن جمهور أو مناطق حزب الله».

«رسائل التحذير الضرورية»، عندما تأتي من سفارات ودول، لا يكون فيها أدنى حرص على سلامة المواطنين

ــ يملك فريق السفارة نظرة سلبية الى الوضع الاقتصادي والمالي، ويتحدّث عن صعوبة في توقع خروج لبنان من الأزمة (بالمناسبة، قال سفير أوروبي بارز إن تقديرات واقعية تقول إن لبنان يحتاج الى 5 سنوات على الأقل للخروج من النفق الاقتصادي الحالي إن باشر إصلاحات كبيرة). لكن الفريق الدبلوماسي الأميركي يرى «إيجابية» لناحية أن «واقع لبنان اليوم سيجعل المسؤولية تقع على ميشال عون وحزب الله».

ـــ إشادة متكررة بقائد الجيش العماد جوزيف عون «الذي يبدو أنه أفضل من يعرف لبنان من بين جميع المسؤولين، برغم أن ميشال عون هو من اختاره لمنصبه، لكن واشنطن تتحمّس له بعدما تعرفت إليه وهو محلّ احترام المؤسسات الأميركية وستواصل دعمه في منصبه ودعم الجيش».

ــــ اعتبار أن دور وسائل الإعلام يمكن أن يتجاوز ما تحتاج إليه السلطة، بل يمكن أن يكون رافعة ليس فقط لشعارات بل لشخصيات من خارج النادي المعروف. وفي تدقيق جانبي، مع أحد المسؤولين في السفارة الأميركية، يكون الحرص واضحاً حيال «انتباه» الإعلام الى «منع الترويج لمحتجّين متطرفين يريدون تغييراً جذرياً لتركيبة النظام، لأن الواقعية تفترض العمل على تغيير سياسة النظام وسلوكه، ومعرفة أن الإصلاحات المطلوبة هدفها لا يتعلق حصراً بإرضاء الناس، بل باستعادة ثقة المجتمع الدولي».

لكن الأمر لا يتوقف هنا بالنسبة إلى الإحاطة الخارجية بالحدث اللبناني. لأن ما هو أهم يتعلق بدور الأجهزة الأمنية والعسكرية. و«رسائل التحذير الضرورية» بعدم التعرض للمتظاهرين، عندما تأتي من سفارات ودول، لا يكون فيها أدنى حرص على حياة المواطنين وسلامتهم. وحتى لا يجتهد أحد، يكون الجواب الغربي واضحاً: «ممنوع على القوى الأمنية القيام بأي نشاط أو إجراء من شأنه إحباط الاعتراضات القائمة، والمطلوب هو احتواء التحرك لمنع استغلاله من الطرف الآخر»، علماً بأن هذه «النصائح» تترافق مع مطالبات بإجراءات خاصة لحماية السفارات والقنصليات والمؤسسات الغربية، وتسهيل مغادرة من يشاء من الرعايا الأجانب. بالمناسبة، هل هناك من سأل كيف ترك الجيش (والقوى الأمنية) الطرقات مقفلة أمام مسافرين، بينما تولى تأمين خط سير آمن لقافلات تنقل رعايا السعودية وغيرها؟ بالإضافة الى عدد كبير من الأسئلة حول دور الأجهزة الأمنية في بعض الأنشطة وخصوصاً ملف قطع الطرقات أو منع فتح بعضها.

لكن السذاجة تأخذ منحى أكثر خطورة، عندما لا ينتبه الناس المقهورون الى من بات يقف «إلى جانبهم» في الحراك. تذكّروا هذه اللائحة: القوات اللبنانية، حزب الكتائب، وليد جنبلاط والحزب الاشتراكي، قيادات 14 آذار، فؤاد السنيورة ورضوان السيد مع كامل فريق الانقلاب المستقبلي على سعد الحريري، قيادة الجيش وقيادة قوى الأمن الداخلي، الجماعة الإسلامية، جميع المنظمات غير الحكومية وخصوصاً تلك المموّلة من حكومات وجهات غربية، الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، أرباب الفساد من «المتبرعين» من أصحاب شركات الترابة والاسفلت، وحشد المقاولين وممثلي الشركات الناشطة في الأعمال التجارية العامة… وصولاً الى الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا… ومحمد دحلان!

السذاجة هي في الإصرار على عدم رؤية كل هؤلاء، وعدم القطع بينهم وبين الحراك. فبقاؤهم مؤثرين على المسرح، سيعني ضياع اللحظة، وتبديد السبل التي تسمح بالوصول إلى الأهداف التي من اجلها خرج الناس إلى الشوارع.

التسييس الفئوي للتظاهرات ينذر بفوضى تهدد الحراك والبلاد

التسييس الفئوي للتظاهرات ينذر بفوضى تهدد الحراك والبلاد

(هيثم الموسوي)

سياسة

ابراهيم الأمين 25 تشرين الأول 2019

من يملكون ترف النقاش المفتوح، وجلّهم من النخب المنتفخة، وحدهم من لا يهتمون لاندلاع الفوضى في لبنان. ليس لأنهم قصيرو النظر حيال ما سيصيبهم من ضرر، شأنهم شأن بقية الناس. ولكن، فقط، لأنهم ليسوا على الطاولة. هؤلاء يتصرفون، في كل الاحتجاجات والانتفاضات والثورات، على أنهم الناطقون الدائمون باسمها، لكن ما يريدونه هو الوصول الى جنّة السلطة، لا أكثر ولا أقل.

قد يكون هذا حقهم. كما هو حق القوى السياسية استغلال كل تطور سياسي أو شعبي لتحسين موقعها. لكن ما ليس من حق كل هؤلاء، محاولة جرّ الناس الى مواجهات وأهداف ليست هي جوهر ما يطالب به الخارجون الى الشوارع في معظم لبنان. ليس من حق هؤلاء، أفراداً أو مجموعات أو قوى سياسية، أخذ الشارع الى مطارح لا تطابق هواجسه الرئيسية المتمثلة في كنس جيش الفاسدين. وهذا الجيش لا يقتصر على من يصرّ الإعلام في لبنان على حصره في لائحة سياسيين. وكأن البقية ــــ من اقتصاديين وتجار ورجال أعمال ورجال دين وإعلاميين وخبراء وناشطي المنظمات الممولة من الخارج ــــ ليسوا من أعضاء هذا الجيش الذي ينهش في جسد لبنان.

بات واضحاً، اليوم، حجم الخطر الذي يحدق بالحراك. والخطر، هنا، ليس من أهل الحراك وجمهوره الحقيقي. بل من مساعي أركان هذا الجيش لنقل المواجهة الى مكان آخر، وإلى إعادة إحياء الشعارات الزائفة حول تعايش الطوائف والطائفيين، وحول وحدة البلاد من شمالها الى جنوبها، وحول الدور السياسي لهذا الفريق أو ذاك، وحول علاقات لبنان بالخارج، وحول أحوال الموضة والتسوّق والصراعات المالية والتجارية. وكأن الناس المقهورين الذين يعانون البطالة والعوز، وباتوا لا يثقون أن في إمكانهم تعليم أولادهم أو توفير ملاذ صحي لهم أو عمل، ليسوا هم أصحاب القضية.

لذلك، بات واجباً تحذير الجميع من خطر الفوضى التي تهدد كل شيء: الحراك وما بقي من استقرار في لبنان. الفوضى التي تعيد بثّ الروح في التوترات، التي سرعان ما تأخذ أبعاداً مناطقية وطائفية وجِهَوِية، وسرعان ما تستدعي الخارج للتمويل والدعم والتسلح والغطاء السياسي. وتستدعي آليات الاستفزاز الباحثة عن ضربة ورد عليها. وتستدعي العاطلين عن العمل ودفعهم ليكونوا جيوش الجيل الجديد من ورثة الطائفيين على اختلافهم.

يلعب بعض الاعلام أقذر الادوار في تقديم الشعارات السياسية على المطلبية ويسدّد فواتيره الى القوى الداعمة له

أصحاب المصلحة في نشر هذه الفوضى باتوا أكثر من المتوقع. من بينهم قوى السلطة التي تعتقد بأن الفوضى تعيد إنتاج قواعدها للعودة الى لعبة الحوار من فوق من أجل المكاسب من فوق أيضاً. ومن بينهم، كذلك، أصحاب النفوذ في المؤسسات المالية والاقتصادية الذين يريدون إعادة تعويم تجربة مافيات الحرب لكسب المزيد من الأموال غير المشروعة. ومن بينهم، أيضاً، القوى السياسية المتقلبة ــــ تارة في السلطة وطوراً في المعارضة ــــ والساعية الى تحسين شروطها. كما أن من بينهم المجموعات التي تعيش على تمويل الخارج وتريد تسديد الفواتير له، والإعلام الخاضع لسلطة المال والميليشيات الطائفية. هذا الإعلام الذي يتوهم أن بإمكانه الحلول مكان أهل الحكم، والذي يقوم بأقذر الأدوار في تقديم الشعارات السياسية على الشعارات المطلبية، لأنه ــــ أيضاً ــــ يسدّد فواتيره الى القوى السياسية والمالية التي لا تزال تموّله من أموال الناس والدولة. وهذه هي الحال مع غالبية القنوات التلفزيونية التي سبق لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي استغل نفوذه داخل المؤسسات التابعة لمصرف لبنان وداخل القطاع المصرفي ومع كبار التجار، لمعالجة مشكلات أصحابها، وسهّل لها الحصول على قروض مالية كبيرة، لم يصرف منها قرش واحد في المؤسسات الإعلامية أو لتحسين ظروف العاملين فيها، بل استخدمت لخدمة أصحاب هذه الوسائل ومشاريعهم التجارية الجانبية.

الفوضى المحدقة بالحراك خطيرة لأنها ستضع الناس أمام الاختيار بين الاستمرار في المطالبة بالتغيير الشامل، والفوضى الأمنية والانهيار المالي. يراد، اليوم، أن يقال للناس إن عليكم أن تختاروا: إما القبول بحكم الفاسدين في الدولة والاقتصاد والإعلام والمُستَولِين على القطاعات التربوية والصحية والاجتماعية، وإما الذهاب الى فوضى وحروب تنال من راحتكم وأمن عائلاتكم.
وإذا كان الحراك لم يتشكّل على هيئة تحرّك منظّم تقف خلفه قوى أو تحالفات واضحة، فإن الوقت لا يزال متاحاً لخلق إطار تنسيقي يحميه من عملية التسييس القائمة لأهداف لا تخصّه. وهو إطار ضروري، لكون جيش الانتهازيين يتحرك بقوة داخل الساحات، ولأن الإعلام يريد أن يقرر ما هي المطالب الحقيقية للناس، علماً بأن هذا كله لا يعفي السلطة، وقواها كافة، من التصرف بواقعية بدل الإنكار والمكابرة. أما التذرع بأننا لا نعرف مطالب الناس فهو عذر أقبح من ذنب. الشارع يريد، أولاً، شراكة تمنحه حق الرقابة الفعلية على ما تقوم به مؤسسات السلطة ويريد التثبت من وصول شخصيات الى مواقع القرار والإشراف على إنفاق المال العام وإدارة مؤسسات الدولة. وهو أمر متاح، ما لم تواصل السلطة عمليات فحص دماء الطائفية والولاءات الشخصية لكل مرشح لتولّي وظيفة عامة. ولأن الناس يريدون الخلاص من زمن ربط مصير البلاد ومقدراتها بأشخاص دون غيرهم.

هل بات لبنان عاجزاً عن إيجاد حاكم جديد لمصرف لبنان يتولى الإشراف على آليات منطقية وعملية ولاسياسية للسياسات النقدية في البلاد؟

هل يخلو لبنان من شخصيات تجيد إدارة وزارات الخدمات كافة من دون الخضوع لوصاية هذه الجهة السياسية أو تلك؟

وهل بات خالياً من كوادر قادرة على حفظ الحق العام في البحر والبر والهواء؟ هل بات لبنان عاجزاً عن إدارة مرفق عام، حتى يكون البديل بيع الدولة إلى أثرياء جمعوا أموالهم من السرقات والفساد.

الدور الابرز في منع الفوضى لقوى أمنية وعسكرية يجب ان تفكر قياداتها بأن طموحاتها السياسية لم تعد تنفع

على أن الدور الأبرز في منع انزلاق الجميع نحو الفوضى المدمرة، هو لقوى أمنية وعسكرية، يجب أن تفكر قياداتها، لمرة واحدة، بأن طموحاتها السياسية لم تعد تنفع. هذه القيادات الطائفية لم تعد قادرة على حماية مواقعكم. ووعود الدول الخارجية لكم بمناصب وامتيازات لم تعد قابلة للتحقق. انظروا من حولكم كيف يهرب الغرب، تاركاً من وثق به وتعامل معه. وإذا لم تبادر القوى العسكرية والأمنية الى ابتداع وسائل تمنع صدام الناس بعضها ببعض، وتمنع استغلال هذا أو ذاك لإدارة الحراك، وهو أمر في إمكانها فعله، فسنكون أمام انقسامات تطيح وحدة هذه القوى وفعاليتها. عندها، سيقول الناس بأن من غير المجدي إنفاق قرش واحد على جيش وقوى أمن وأجهزة لا تبادر الى حماية السلم الأهلي…

لبنان اليوم على مفترق طرق. والفوضى التي تهدّد الحراك الشعبي ستجلب العار لكل من يعلم ويصمت، ولكل من يصرّ على أنه الأكثر معرفة، وكل من يمارس فوقيّة أخلاقيّة على الآخرين.

Related Articles

إنذار أخير للإمارات: الانسحاب أو العقاب المؤلم

الفشل المستمر: مصدر الطائرات التي ضربت «أرامكو» غير محدد

في حال لم تستجب السعودية للمبادرة اليمنية ستتكرر هذه العملية وضد أهداف اخرى (أ ف ب )

الفشل المستمر: مصدر الطائرات التي ضربت «أرامكو» غير محدد

سياسة ابراهيم الأمين

الإثنين 23 أيلول 2019

ليس أمراً عابراً أو تفصيلاً يمكن تجاوزه. إنه عنصر التحدي المهني الاكبر امام الجيوش العالمية التي تقف مع السعودية والامارات في عدوانهما المفتوح ضد اليمن. والسؤال لا يزال من دون إجابة: من أين انطلقت الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة التي ضربت «أرامكو»؟

الإجابة القائمة اليوم سياسية بامتياز. أصلاً، لا حاجة الى هذه الجمل الطويلة عن السلاح الايراني والدور الايراني والدعم الايراني حتى تبرر السعودية فشلها في مواجهة اليمنيين. لكن الجواب السياسي هدفه، مرة جديدة، العودة الى استراتيجية قامت منذ عامين، ضمن تحالف جمع السعودية واسرائيل والامارات، وجهات حزبية ورسمية عربية اخرى، يحاول من دون توقف إقناع الادارة الاميركية بلا جدوى الحروب الجانبية. صار هؤلاء يتصرفون بأن المعارك في غزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق معارك جانبية، وان العلاج يكون بتوجيه ضربة واحدة وحاسمة ضد الرأس المدبر والمشغل، أي إيران.

الاميركيون لا يقلّون حماسة عن جماعتهم لضرب ايران. لكن الحسابات الواقعية تقول عكس ما يفترضون. والرئيس دونالد ترامب، الذي يرفع شعار «أميركا أولاً»، لا يحيد عن المصالح الاساسية لبلاده. وهو لا يرى أن حمايتها تتطلب اليوم حرباً ضد ايران كما حصل في العراق وأفغانستان. وبديله القوي هو برنامج العقوبات والحصار والعزل. وبمعزل عن النتائج الفعلية لهذه السياسات، الا انها البديل الوحيد في غياب خيار الحرب الشاملة. أما افتراض خوض معارك بين حروب، على شاكلة الاعتداءات الاسرائيلية في لبنان وسوريا والعراق، فهو خيار غير متاح، لسبب بسيط، وهو أن ايران لا تقبل به. بل هي تفهم الامر على نحو بسيط: الاعتداء يعني الحرب الشاملة ونقطة على السطر!

في بعض الحالات، تكون مضطراً إلى مساعدة عدوك على شرح حقيقة موقفه وموقعه، لأن التعثر الذي يعانيه يعيق بشكل أكبر عودته الى صوابه. كما يلزمك تصنيع المزيد من السلالم لتأمين نزوله عن الشجرة. أما عندما تصبح سياسة الإنكار قاعدة في تحديد المواقف والسلوكيات، فانك تضطر الى توجيه تحذيرات تهزّه قليلاً، وإن لم يفهم، فعليك بالمزيد ولو اضطررت الى صفعة تفقده وعيه، وهذه هي الحال اليوم مع السعودية واسرائيل والامارات.

لا يزال الكتمان يحيط بتفاصيل كثيرة ومهمة عن عملية «أرامكو» البطولية والنوعية. وفي حال لم تستجب السعودية للمبادرة اليمنية، فستتكرر هذه العملية، وضد أهداف اخرى. وهذا ما يفرض جانباً من الكتمان حول الجوانب التقنية والعملياتية. لكن العقدة المهنية، هنا، ليست في الفشل الاستخباراتي لدى محور العدوان لناحية عدم اعتراف هؤلاء بقدرة أنصار الله على تنفيذ هذا العمل، بل في عدم التقاط أي مؤشرات عملانية على أن عملية بهذا الحجم يجري الاعداد لها. أما الفشل التقني، فلا ينحصر فقط في فشل منظومات الدفاع الجوي المنتشرة بكثافة في السعودية وعلى حدود اليمن، في اعتراض هذه الطائرات، بل يتعلق، أكثر، بالعجز المستمر حتى اليوم عن تحديد نقطة انطلاق هذه العملية، علماً بأن اليمنيين حاولوا تسهيل الامر بالاشارة الى ثلاث نقاط وليس نقطة واحدة انطلقت منها الصواريخ والطائرات.

في لبنان، وخلال ايام قليلة – حتى ولو تأخر الاعلان أكثر – تم تحديد كل التفاصيل الخاصة بغارة الطائرات المسيرة على الضاحية الجنوبية من قبل العدو الاسرائيلي. وعندما يقال كل التفاصيل، لا يقصد كل ما قيل، لأن ما يجب أن يعرفه الجمهور تم كشفه، لناحية مصدر انطلاق الطائرات، وكيفية الاعداد والتجهيز، وتحديد دقيق للمسارات الهجومية ولمسارات الانسحاب أيضاً، إضافة الى تفاصيل مثيرة عن طبيعة الادوات العسكرية والتقنية المستخدمة في هذا الهجوم من قبل العدو.

الهجوم عقابي يهدف إلى وقف العدوان وإذا لم يستجب الأعداء يتم حكماً الانتقال الى الهجوم الاستراتيجي لتغيير كل المعادلات الحالية

إذا كان بمقدور حزب الله والجيش اللبناني الوصول الى هذه النتائج الحاسمة علمياً وأمنياً وعسكرياً، فكيف لا يمكن لجيوش أميركا وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا والمانيا ومصر والسودان والسعودية والامارات أن تصل الى خلاصة حول كيفية تنفيذ عملية أرامكو… ما يحصل حتى الآن، لا ينفي أننا اقوياء، لكن هل نحن قبالة أغبياء أم ماذا؟

هذا يعني، ببساطة، أن التحديات المقبلة لا تتصل فقط بطبيعة القرار الذي يجب اتخاذه على المستوى السياسي في كيفية تعامل اميركا وجماعتها مع محور المقاومة، بل تتصل، اكثر، بكيفية التعامل مع العناصر التقنية والعسكرية والامنية والعملياتية التي اظهر محور المقاومة انه يملكها، مع الاشارة الى أن ما ظهر يبدو أنه لا يمثل حتى رأس جبل الجليد لما تملكه دول وقوى محور المقاومة من قدرات.

استراتيجية محور المقاومة

وفي سياق ما يجري، صار واضحاً أن لدى محور المقاومة استراتيجية جديدة في مواجهة الاعداء. والامر هنا لا ينحصر في ساحة دون اخرى، لكن، بما خصّ جبهة اليمن، يمكن الحديث عن الآتي:

أولاً: قرار محور المقاومة الانتقال من مرحلة الصبر الاستراتيجي الى الهجوم العقابي بات مفعلاً ولا يمكن وقفه إلا بوقف الحروب العسكرية والامنية والاقتصادية التي يشنها العدو الاميركي مع حلفائه.

ثانياً: هذا القرار لصيق بقرار آخر، وهو الجاهزية الكاملة للانتقال الى مواجهة شاملة ومفتوحة إن تطلّب الامر، أو قرر العدو الذهاب نحو الحرب الشاملة كخيار مقابل.

ثالثاً: الهجوم العقابي له أهدافه الواضحة والمعلنة بوقف العدوان القائم. ومتى تحقق الهدف سيتوقف الهجوم. أما في حال لم يستجب الاعداء، فهذا يعني، حكماً، الانتقال الى الهجوم الاستراتيجي الهادف الى تغيير كامل للمعادلات القائمة الآن، سياسياً وعسكرياً، وحتى اقتصادياً.

رابعاً: الهجوم العقابي لا يقتصر على مدة أو زمن أو هدف بحدّ ذاته، بل هو قابل للتوسع نحو كل من هو متورط في هذه الحروب القائمة ضد محور المقاومة، ومن دون استثناء. وهذا يعني أن على المنخرطين في هذه الحرب التحسّب لردود قاسية متى تطلب الأمر.

خامساً: إن الهجوم العقابي بات يتطلب اليوم توجيه ضربات مؤلمة أكثر لدول العدوان المباشرة. ويمكن القول إن عملية «أرامكو» قد تبدو «فركة أذن» أمام ما يمكن القيام به، بحسب برنامج الاهداف المحدد.

سادساً: تم توجيه إنذار أخير الى دولة الامارات العربية المتحدة، صراحة وبواسطة طرف ثالث، وهي أمام مهلة زمنية محددة وغير طويلة: إما أن تخرج من المناورة القائمة الآن، وتباشر عملية الخروج من هذا التحالف والانسحاب من اليمن حرباً وتخريباً، شمالاً وجنوباً، وإما عليها أن تنتظر حصتها من الهجوم العقابي. وهو هجوم سيكون قاسياً على دولة لم يسبق لها أن اختبرت النيران داخل بيتها.

أما البند المتعلق بقدرات القوات اليمنية على تنفيذ مثل هذه العمليات، فإن العمل الاستخباراتي الهائل الذي تقوم به دول العدوان على اليمن، سواء من خلال التجسس التقني المتواصل على مدار الساعة، ويشمل كل شيء في اليمن، أم من خلال شبكات العملاء الجاري تجنيدهم بصورة متواصلة، أم من خلال التقاط الاشارات الناجمة عن أخطاء معينة، كل هذا العمل يقود الفرق العاملة في الاستخبارات العسكرية لهذه الدول الى نتيجة واضحة: ثمة نشاط غير مسبوق يجري داخل اليمن، من أجل إنتاج هذه القدرات، ولم يعد الامر يتعلق بعملية تهريب لأسلحة نوعية من خارج الحدود، علماً بأن عمليات المراقبة جارية لكل المنافذ نحو مناطق سيطرة أنصار الله، ويستخدم فيها محور العدوان كل الوسائل التقنية والبشرية والأمنية، ويجري ذلك جواً وبراً وبحراً، وهذا ما يجعل الامور معقدة أكثر بالنسبة إلى دول العدوان بشأن كيفية وصول أنصار الله الى هذا المستوى من التقدم التقني غير المتناسب مع تاريخهم العسكري من جهة، ومع قدرات اليمن الحالية من جهة ثانية…ولذلك، يكون هؤلاء أكثر راحة وهم يفركون رؤوسهم الحائرة، ويصرخون: إنها إيران!

ما يجب أن يعرفه هؤلاء، أن لدى قيادة أنصار الله تصورات وقواعد وروادع وحسابات تحدّ من قدرة قواتها العسكرية على العمل في أماكن شديدة الحساسية عند الأعداء. لكن هذه القواعد تسقط تباعاً، متى صارت الضرورات مبيحة للمحظورات… وعندها لا تبقى هناك خطوط حمر ولا ما يحزنون!

صفر أهداف = صفر حياة

 

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 3 أيلول 2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

خلال ساعات قليلة، شرع العدو في تنفيذ خطة تدرّب عليها سابقاً، لإخلاء كل مواقعه ومراكزه على طول المساحة التي يعتقد أنها هدف مفترض لعمل المقاومين. وعندما أصدر الأمر بذلك، لم يكن متساهلاً في تنفيذ دقيق. لكنّ قيادة جيش الاحتلال لم تكن معنية بتكثيف الضغط على الجنود والمستوطنين لالتزام الأوامر، كان يكفي سماع هؤلاء كلام السيد حسن نصر الله، حتى يتصرفوا من تلقاء أنفسهم، بما يتناسب عملياً مع قرار قيادتهم بالاختفاء عن الشاشة.

خلال وقت قياسي، عمد العدو الى إخلاء مساحات طويلة مقابل لبنان من كل المظاهر العسكرية. بدا لوهلة أنه يقوم بتجربة على تنفيذ قرار كالذي يصدر عادة من مجلس الامن، ولكنه يخص أعداء إسرائيل. مثل حالة لبنان، حيث يفترض القرار 1701 أن لا يكون المقاومون موجودين على طول الحدود مع فلسطين وبعمق كبير. لكنّ واقع الحال خلال أسبوع، أن العدو هو من قام بعملية الإخلاء، والاختباء خلف المدنيين، واتخاذ سياراتهم ومزارعهم وبيوتهم ومتاجرهم دروعاً لقوات الجيش التي باتت حصانتهم تفرض عليهم خلع البزة العسكرية، تماماً كعناصر ميليشيا ألزمهم القرار الرسمي بإخلاء مواقعهم لمصلحة الدولة، حتى إن العدو تمنى خلال هذا الاسبوع لو أن القوات الدولية كانت موجودة عنده، لكان احتمى بجنودها وسياراتها ودورياتها.

القرار الميداني من قبل قيادة العدو بتصفير الاهداف العسكرية على طول الحدود، وبعمق يتفاوت بين خمسة وسبعة كيلومترات، تحول عملياً الى تصفير لكل أشكال الحياة هناك. المستوطنون الذين تراجع حضورهم بقوة خلال العقد الأخير في تلك المناطق الحدودية، كان ينقصهم أن يهرب الجنود من مواقعهم، حتى شعروا بأنهم متروكون لمصيرهم. ولو أنهم كانوا أكثر اطمئناناً لأن المقاومة في لبنان لا تتجاسر على مدنيين. لكن برنامج الحظر الذي شمل اتصالاتهم ولقاءاتهم وأنشطتهم، حتى لا يثيروا انتباه العدو، جعلهم يفضّلون الابتعاد أصلاً عن تلك المنطقة. وإذا كان في لبنان من يثق، بأن العدو لن يقدم على تفجير كبير رداً على أي عملية عسكرية، فإن تهديدات قادة العدو بالويل والثبور، إنما أصابت هؤلاء المستوطنين، الذين يعرفون أن جيشهم قوي على المدنيين فقط، وأنهم سيدفعون ثمن فعلة الجنود. ولذلك، بادروا الى التماهي مع قرار تصفير الأهداف العسكرية بأن عمدوا الى تصفير الحياة في هذه المنطقة. صار هؤلاء يخشون أن ينكشف أمر الجنود الذين يتحركون بلباس مدني، أو يستخدمون سيارات مدنية للتحرك، وصارت خشيتهم أكبر من أن يكتشف حزب الله هذه الحيلة، وأن يعمد الى ضربهم فيصيب المستوطنين بدلاً من الجنود، ففضّلوا الابتعاد. ومثلما فهموا من إجراءات جيشهم أن حزب الله يستعد لضربة ما، فهموا أيضاً أن حزب الله أنهى عمليته عندما قرر الجنود العودة الى مهامهم الاصلية، مخلّفين أضراراً ستكون على لائحة طلبات رؤساء المجالس المحلية خلال الاسابيع المقبلة.

ان تكون مردوعا يعني ان تفاخرك بعملك الاستباقي صار من ايام الزمن الجميل الذي مضى

هكذا يتصرف من أصابه الردع في صميمه.

أن تكون مردوعاً، يعني أن تكون خائفاً من كل شيء حولك. لا تثق بنفسك ولا بمن يجاورك ولا بمن يفترض به أن يحميك.

أن تكون مردوعاً، يعني أن تكون مدركاً أن هامش الخطأ عندك يضيق يوماً بعد يوم، وأن قدرتك جرى حدّها حتى تتفلت من القواعد والتصرّف من موقع اللامبالاة.

أن تكون مردوعاً، يعني أن قوة الحماية لم تعد تجدي الآن، وأن تفاخرك بعملك الاستباقي صار من أيام الزمن الجميل الذي مضى.

أن تكون مردوعاً، يعني أن تتسمّر أمام الشاشة، منتظراً البلاغ العسكري من عدوّك، ليقول لك متى يحين وقت خروجك الى الشمس.

أن تكون مردوعاً، عندما ترى في الجهة المقابلة دخاناً وناراً، وخلفهما ناس مثلك، يقفون ويصفّقون ويهلّلون، وليسوا بخائفين من شيء.

أن تكون مردوعاً، عندما تلمس أن الارض التي قبالتك، تحمل في بطنها زرعاً مختلفاً، وأشجارها تثمر ما هو أكثر قوة وبأساً من نتاج البساتين.

أن تكون مردوعاً، هو أن تبدأ الآن فصلاً جديداً من حياة ترتبط تفاصيلها بجرس إنذار، يأتيك من خلف الحدود، لا من مركز الجيش أو الشرطة. وأن تبدأ منذ اليوم بالبحث عن وسائل حماية ذاتية لك، ولا تتّكل على جيش ودولة يهرب جنودها بناءً على خطاب!

هذه هي نتيجة مواجهة الأسبوع الماضي، ومع الأيام، سننتظر جميعاً حصاداً من نوع مختلف، حيث القدرة على المناورة أعلى بكثير، إلا في حال قرّر العدو ترك سمائنا لطيورنا فقط!

من ملف : فلسطين… بلا خط أحمر!

Related Video

يا شعب لبنان العظيم… تباً لنا!

 ابراهيم الأمين

 السبت 3 آب 2019

يقف اللبنانيون مشدوهين أمام من انتخبوهم وهم يقوّضون ما بقي من البلاد. محاضرات العفة تملأ الأرجاء. لم يبقَ من القتلة واحد إلا وقدّم لنا على مدى أربعة عقود شهادات في حسن تخريب كل شيء. العائلة والقبيلة والطائفة والدولة. وها هم اليوم، يرقصون على جثث ضحاياهم، ويبتسمون لعائلاتهم ويعدون الجميع بموت أفضل. لكن الجمهور لا يبدو أنه ملّ منهم ومن ألاعيبهم، ولذلك، سيكون على الناس الاستعداد لموجة موت جديدة، وهذه المرة الخيارات ستكون واسعة: بالرصاص أو الذبح لمن يرغب، بالمرض والسموم لهواة الصنف، وبالاكتئاب والسأم لمن بقي صامداً. أما الهجرة، فلا يبدو أنها علّمت الناس شيئاً. لأن الانقسامات القائمة خارج البحار لا تقلّ قساوة عمّا هو موجود هنا. والفارق، أنّ شرور اللبنانيين في الخارج يجري التعامل معها بقسوة من قبل مجتمعات لا تعترف بأمراض هذا الشعب المجنون الذي يسميه البعض «الشعبَ الجبّار والخلّاق والعظيم»!

ولأنّ الجميع يرفض فكرة المؤامرة، لا يمكن الحديث عن تلاعب بالمسرح اللبناني. في لبنان، لا يزال من يقول بحروب الآخرين على أرضنا. وفي لبنان، لا يزال من يقول إنها شرارات الإقليم التي تصيب جسدنا. وفي لبنان أيضاً، من يعتقد أنّ العالم ينام ويعيش على أخبار هذه القبيلة اللبنانية، ويتسلى بها، ولذلك لا يريد لها الفناء. ولذلك، من الجنون توهُّم تغييرات جدية على المشهد القائم. حتى ولو قتل الآلاف يومياً، لأنّ الزعران الذين يتحكمون بالبلاد، يعيشون اطمئناناً غير مسبوق. وهذا مهرّجهم الأول وليد جنبلاط يعطي المثال:

Related image

سأقتل من أبناء جلدتي مَن أرغب، وسأرفع الصوت والسلاح بوجه الآخرين، وسيلحق بي أنصاري، لا أحد منهم يسألني ماذا أفعل، أو يلومني على شيء، وهم سيثقون بما أقوله. ولا ضير من أن يقول الخصوم كل ما يقولونه. لقد نجحت وربطت مصير هذه القبيلة بي، وبأفراد عائلتي، ولن يجرؤ أحد على معارضتي، وهاكم الدليل، ما يحصل الآن!

هذه حقيقة. قاسية جداً، لكنها حقيقة. وهذا الحال موجود عند الآخرين:

هل يتوقع أحد أن يخسر حزب الله المقعد النيابي في صور؟

أو هل ينتظر أحد اعتذاراً شاملاً من حركة أمل وابتعاداً عن السلطة؟

أم هل تتصورون أنّ سمير جعجع سيترك مقعده لأحد قبل أن يقرر الله ما يريد؟

أم أن جبران باسيل سيترك أحداً يناقشه داخل التيار الوطني، قبل أن يجبر المسيحيين على استعادة شعور الخوف من الآخر، أي آخر لا يهم؟

أم هناك من يعتقد أن سعد الحريري سيخرج من القمقم ويعيد الأموال التي جمعها كل أركان تياره على مدى ربع قرن ولا يزالون؟

أم ستتوقعون أن يتبرع رياض سلامة وصحبه من كبار المصرفيين بفوائد ودائعهم لمعالجة ملف النفايات؟

نحن عنوان التفاهة الكاملة، حكومةً وشعباً ومؤسسات، زعامات وقيادات وجماهير

ماذا ينتظر الناس من هذه المجموعة التي لم تترك شيئاً إلا وقصدته بهدف الاستيلاء أو المصادرة أو الاستخدام؟ هل منكم من يعتقد أنّ المراجع الدينية التي نصبتها الزعامات السياسية هنا وهناك، سترفع الصوت دفاعاً عن وصايا الله؟ هل تسألون الكنيسة المارونية عن هذا العشق الإلهي لتملّك الأراضي ثم التوجه بعظات إلى الناس لئلا يتبادلوا أملاكهم مع غير المسيحيين؟ ومن تعثّر، سيجد الكنيسة وكل منتجاتها الرهبانية في الانتظار لتولي الأمر. أم يوجد بينكم من لا يعرف حال المجلس الشيعي الأعلى، الذي لم يبقَ منه شيء إلا يافطة، يقف تحتها رجال دين يريدون تقرير مصير العائلات باسم الإله الحكيم. وهل منكم من يعرف ماذا يفعل الدروز بأوقافهم، بينما يكاد يموت الناس في الجبل ووادي التيم جوعاً، وينتظرون يوم العطلة ليقصدوا هذا أو ذاك من الزعماء بحثاً عن صدقة آخر النهار؟ أم ترون في دار الفتوى معمل التفكير لمواجهة كل الأفكار النتنة التي نطقت باسم أهل السُّنة والجماعة، فكفّرت وسبَت وقتلت، ولم يخرج من الدار صوت يسأل عن أصل هذا الكلام؟ ثم ترى هذا الجمع من العمامات يقفز إن تعرض مسؤول سياسي لنقد من صحافي أو سياسي آخر؟

ماذا ينتظر الناس بعد؟

هل لأحد فيكم أن يجيبنا ماذا فعلت كل هذه المنظمات غير الحكومية، غير إيواء أفراد باسم الكفاءة ثم تعطيلهم وتحويلهم أدوات لا تنتج غير بيانات وشعارات، ولم يحصل قَطّ، على الإطلاق، إن حظي الناس بمشروع واحد منهم؟ ثم من منكم يسأل عن جيوش المنظمات الدولية المنتشرة في الوزارات والمؤسسات العامة، تغرقنا بالاستشارات التافهة ثم يقبض جنودها من جيوبنا الأموال المكدسة؟ وما بال الناس في حالة دهشة عندما يتجول دبلوماسي غربي، من أقذر خلق الله، موزعاً علينا نصائحه حول الإصلاح والقانون وحقوق الإنسان، بينما لا تترك طائراتهم وجواسيسهم مكاناً هادئاً في العالم؟ هل تصدّقون فعلاً، أنه يمكن العثور على خير في أميركا أو فرنسا أو بريطانيا؟ أم تراكم تتطلعون إلى الثورات العالمية الصادرة من آبار النفط والغاز في السعودية والإمارات والكويت وقطر، أم تصلّون الليل والنهار علّ مصر تستفيق من غفوتها لساعات… هاكم المنظر الجميل من حولكم: فلسطين لم يبقَ منها شيء، والدمار أتى على سوريا والعراق واليمن وليبيا، والأردن يعيش على حافة القبر، بينما يغلي المغرب العربي في انتظار انفجار عسى أن يتأخر.

أيها اللبنانيون، نحن عنوان التفاهة الكاملة. حكومةً وشعباً ومؤسسات. زعامات وقيادات وجماهير. نحن اللاشيء الذي لا يراه أحد بعين الغيرة أو الحسد. نحن لا نستحق الشفقة… تباً لنا!

Related Articles

لا أمل من النقاش معكم!

ابراهيم الأمين 

Related image

الإثنين 15 تموز 2019

يشكو خصوم المقاومة أنّ السيد حسن نصرالله يتحدث بلغة صاحب القرار، وأنه عندما يطلق مواقف من قضايا داخلية وخارجية، يتصرف كأنه هو الدولة ويحلّ مكانها في تحديد السياسات الاستراتيجية. ويقيس هؤلاء أقوال حزب الله وأفعاله من زاوية اتهامه الدائم بتصدير أزماته أو أزمات حلفائه في الإقليم.

الواقعيون من السياسيين والناشطين والمناصرين لجبهة أعداء المقاومة يمارسون الصمت حيال ذلك. هذا ليس دليلاً على موافقتهم على ما يجري، ولكن على عجزهم عن القيام بشيء. والعجز، هنا، ليس عن إطلاق المواقف الرافضة لخطّ المقاومة ومواقف قياداتها، بل العجز عن إقناع الناس بوجهة نظرهم، وتحريضهم على خطوات عملانية ضد المقاومة، والعجز حتى عن إقناع العدو بالتحرك لمناصرتهم. وأكثر من ذلك، العجز عن ابتداع موقف يمكنه أن يؤثر في النقاش العام. إذ ليس في الجعبة البالية لهؤلاء سوى شعارات بلهاء عن سيادة وحرية واستقلال كالتي يتغنون بها منذ عام 1943.

أما غير الواقعيين، فهم في الأغلب الأعمّ فئة مهملة تشعر بالغبن نتيجة وجودها خارج المشهد السياسي. لا يضمّهم إطار، ولا تجمعهم جمعية، ويشتركون في كونهم من ضيوف مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يحدث – منذ سنوات طويلة – أن قال أحدهم جملة مفيدة، أو فوجئ أحد بما يقولونه. حتى صاروا مثل المبرمجين مسبقاً: ما إن يخرج موقف من حزب الله، حتى يخرج من عندهم موقف مقابل. أما كيف ولماذا، فهم أنفسهم لا يعرفون السبب. كل ما يعرفونه أن الصمت الكامل يلغي كل أثر لهم. علماً أن حراكهم ليس فيه بركة لهم أو لغيرهم.

البارزون من معارضي المقاومة ينتشرون في مواقع السلطة والمؤسسات العامة والخاصة. هؤلاء يتوزعون بين قوى وشخصيات ومؤسسات. لا يطلقون علناً المواقف التي من شأنها تهديد التسوية التي عقدوها مع حزب الله لبقائهم في السلطة. لكنهم يضطرون، بين وقت وآخر، إلى إطلاق مواقف حادة، تسجَّل في دفاتر حساباتهم الإقليمية، وفي الوقت نفسه يرسلون – بعيداً من الأضواء – من يشرح لحزب الله حقيقة الأمر. لذلك، يتصرف الحزب بشيء من اللامبالاة إزاء ما يقولونه.

أما للمهتمين بالصورة الحقيقية، فلهم أن يقرأوا الوقائع كما هي. وحتى لو قالوا إن قيادة المقاومة وأنصارها يتصرفون بفوقية ولغة استفزازية، فهذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً.

يعرف هؤلاء أنهم لا يضيفون شيئاً إلى المشهد الأساسي المتعلق بمصير المنطقة

قبل 13 عاماً، مارس أعداء المقاومة الداخليون، الذين تجمعوا في إطار 14 آذار، أعلى درجات التآمر ضد المقاومة وناسها. اشتغلوا علناً مع العدو على ضرب المقاومة وسحقها. مارسوا كل الأفعال القذرة لتحقيق هذا الهدف. دفعتهم وقاحتهم وعمالتهم إلى الضرب على ناس المقاومة في اللحظات الأولى لسريان وقف إطلاق النار. لكنهم استفادوا، مرة جديدة، من العقلنة التي تتسم بها قيادة المقاومة. وهم يجب أن يعرفوا الحقيقة القاسية، وهي أن قيادة المقاومة منعت محاسبتهم.

خلال الأعوام الماضية، انتقل هؤلاء إلى مستويات مختلفة من التآمر. صاروا شركاء في كل الألعاب الشيطانية ضد المقاومة وضد كل ما تحتاجه أو تقوم به. أمنياً، لم يتوقف العمل ضد كوادرها ومقارّها وحركتها وانتشارها وتسليحها. وسياسياً، لم يتوقف العمل على حجب التغطية الرسمية المنطقية لعمل وطني بهذا الحجم. واقتصادياً، يتصرفون مع المقاومة على قاعدة الطلبات الأميركية المباشرة. وإعلامياً، لم يتوقفوا عن الحملات المحرضة المبنية على كره مذهبي وطائفي. مع ذلك، فقد تراجعت حظوظهم، والفضل، هنا، لجمهور عريض ملّ منهم ومن خطاباتهم ومشاريعهم، ولم يعد مستعداً للسير خلفهم في مغامرات لا طائل منها.

اليوم، يعرف هؤلاء أنهم لا يضيفون شيئاً إلى المشهد الأساسي المتعلق بمصير المنطقة. هم ليسوا في حسابات أحد من الكبار، ولو أن قيادة المقاومة تخلت قليلاً عن تواضعها لحذفتهم هي أيضاً من الحسابات الجدية. بناءً عليه، لا بأس من واقعية قهرية تلزم كل هؤلاء بالتوقف عن «النق» و«القدّ» و«الشدّ». لأنهم، ببساطة، لا يؤثرون في شيء. وحتى استعدادهم لاثارة فتن دموية، كالتي حصلت في الجبل، يبقى عملاً أحمق، وأقرب إلى تمرين على انتحار أكيد لا يشعر به أحد. ومهما علا الصراخ وارتفعت المنابر، فليس بمقدور هؤلاء، كلهم من دون استثناء، فعل شيء في مواجهة مسيرة لم ولن تنتظر إذنهم أو رضاهم للقيام بما يجب أن تقوم به، دفاعاً عن نفسها وأهلها وناسها، وعن قيم إنسانية تتجاوز كل هذه الجغرافيا.

هي لغة فوقية كما سيبدو لكثيرين، لكنها تبدو كذلك، نظراً إلى دونية غير مسبوقة يعيشها هؤلاء، حيث هم وحيث سيذهبون… إذ لا أمل من نقاش معهم.

Related Videos

Related News

 

 

عندما يُربَك القوي

ابراهيم الأمين

الجمعة 21 حزيران 2019

لم يعد من يملك التفوق العسكري والتكنولوجي، بالضرورة، صاحب الكلمة الفصل. التحولات التي يشهدها العالم، في مفهوم القوة وعناصرها، سمحت بفرض معادلات من نوع آخر. فبات الأقوياء مضطرين إلى إجراء حسابات دقيقة للكلفة قبل المبادرة إلى خيارات عملانية، وخصوصاً عندما يكون في الطرف المقابل من هو مستعد للتضحية.

مرة جديدة، الرغبة لا تكفي. القدرة والكلفة، وحدهما، اللتان تحدّدان مسار الحروب في عالم اليوم. هذه هي قاعدة الحسابات لدى الأقوياء قبل الضعفاء. وهذا، بالضبط، ما تفعله واشنطن اليوم مع طهران.

المستويات المدنية والسياسية والاقتصادية والإعلامية من الحرب الأميركية على إيران قائمة من دون توقف. لكن تعقيدات المسألة جعلت المستوى العسكري يحضر بقوة على الطاولة. وهو، هذه المرة، لم يحضر بفرض أميركي، بل استدعته إيران نفسها التي تعرف أن ليس لمصارفها القدرة على تجميد حسابات الرئيس الأميركي وصحبه، وأن لا قدرة لدى اقتصادها على فرض آليات عمل على الشركات العالمية. لكنها تريد إشعار الأميركيين والأوروبيين، وبقية العالم، بأن لديها أوراق قوة قادرة على تحويلها الى أدوات انتقام مما تقوم به أميركا.

إيران ليست في وضع تقبل فيه التفاوض تحت النار ولا بأي ثمن. وهي التي خبرت الحصار والعقوبات، ترى نفسها قادرة على المواجهة. لا تريد البقاء في موقع المتلقي للضربات فقط لأنها ترفض مماشاة الجنون الأميركي. بل تريد القول، للأميركيين والأوروبيين العاجزين عن كبح جنون واشنطن وبقية العالم، إنها صمدت واستعدّت وبذلت تضحيات كبيرة حتى باتت قادرة على مواجهة القهر الأميركي.

التخبط في خطاب البيت الأبيض لا يعني أن الأمور متجهة إلى الهدوء

إيران التي تملك حلفاء وأصدقاء وأنصاراً، وحتى أتباعاً، لديها القدرة على اللعب في أكثر من ساحة. لكنها، اليوم، لا تظهر بمظهر الهارب من المواجهة. بل تعمد الى الرد التصاعدي على حدودها وفي مياهها وداخل أجوائها. صحيح أن ذلك يتزامن مع ضربات توجه في بعض الساحات للمصالح الأميركية. لكن الأساس، هو أن طهران تريد إفهام أميركا والعالم بأنها مستعدة لمواجهة مباشرة وشاملة، من دون حاجة الى أحد. وهي لا تريد توجيه الضربات في الظلام، بل في إمكانها فعل الأمر صراحة متى تطلب الأمر. وهذا ما حصل أمس.

إسقاط القوات الإيرانية طائرة تجسس أميركية، جاء ليؤكد استعداد إيران للدفاع عن نفسها مهما كان الثمن. فهي لم تعمد الى إسقاط الطائرة، وتوجيه رسالة مكتومة المصدر، بل بادرت إلى إعلان المسؤولية، وسط ذهول ونفي أميركيين. وهو إعلان يضاهي، بقوته، عملية الإسقاط نفسها. فعلت طهران ذلك كي لا تترك لواشنطن فرصة التنصل من إسقاط الطائرة، ولا حتى فرصة الهروب نحو الادعاء بأنها سقطت في ظروف مجهولة. أرادت إعلام الأميركي بأنها قادرة، عسكرياً وتقنياً واستخبارياً، على إسقاط طائراته. وأرادت، عبر إعلانها مسؤوليتها، إعلامه أيضاً باستعدادها لتحمل نتائج هذه الخطوة، وانتظار الرد حتى ولو كان حرباً. حتى يبدو، في لحظة ما، كأنها تستدرجه الى الحرب، أو تضيق خياراته بغية دفعه الى ارتكاب الخطأ الكبير بإشعال المنطقة. بهذا المعنى، تقول إيران للأميركيين: توقفوا عن الألاعيب والمناورات، وتعالوا مباشرة الى المواجهة الشاملة. وهي رسالة من شأنها تضييق هامش المناورة الأميركية، ودفع واشنطن الى خيارات حاسمة: إما الذهاب نحو تسوية تعود فيها عن كل قراراتها، وإما الى المواجهة الشاملة وانتظار الحصاد.

الخطوة الإيرانية أدخلت الأميركي في مرحلة حرجة. ما من أحد يشكّك بقدرة واشنطن على شن حرب قاسية ومجنونة. وما من أحد ينكر أن في مركز القرار الأميركي من لديه الحافزية الكافية لخطوة بهذا الحجم. لكن السؤال الأول الذي يطرح على طاولة القرار الأميركي يعود بالجميع الى القاعدة ــــ المفتاح: ما هي القدرة وما هي الكلفة؟ وهنا أصل الحكاية!

حصاد الأسابيع الماضية يشير بوضوح الى أن لدى طهران إرادة سياسية للمواجهة الشاملة، من دون الركون الى أي وسيط أو طرف ثالث. وهي حددت هدفها بانتزاع حقوقها من دون أي تنازلات، في ظروف تتيح لها استعراض عناصر القوة السياسية والاقتصادية والذاتية، واستعراض القوة العسكرية القادرة على الدخول في مواجهة شاملة. ناهيك عن امتلاكها نفوذاً كبيراً وقوياً جداً في المنطقة، يسمح لها بإرباك كل حلفاء أميركا من حكومات وجهات ومجموعات. وهو نفوذ قابل للترجمة خطوات عملية متى تطلب الأمر.

إيران ليست في وضع تقبل فيه التفاوض تحت النار ولا بأي ثمن

في المقابل، تبدو أميركا المتفوقة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً في حالة إرباك. فهي غير قادرة على الركون الى أي من حلفائها في المنطقة. بل باتت مضطرة إلى الدفاع عن جنودها المنتشرين هنا، وعن أنظمة أقرب المقربين إليها، من إسرائيل الى آل سعود. كما أنها مضطرة ــــ في حال قررت المواجهة ــــ إلى القيام بخطوات عملانية، وإعداد موازنات تتجاوز أضعاف ما أنفقته في حروبها المفتوحة منذ عام 2001. لذلك، فإن من يجلس الى طاولة الرئيس الأميركي ليس مدعواً الى إلقاء خطب حماسية، بل الى تقديم عرض عملاني لحجم القدرة المفترض استخدامها في الحرب، ولحجم الكلفة المتوقعة، وهما أمران غير سهلين في ظل انعدام معرفة مدى قدرة الطرف الآخر على الحركة.

ما حصل أمس، والتخبط الواضح في خطاب البيت الأبيض وسيده، لا يعني أن الأمور متجهة الى الهدوء. على العكس من ذلك، نحن وسط مناخات توتر تفتح المجال أمام أخطاء تقود الى حروب كبيرة. لكن المؤكد، الآن، أن في أميركا صاحب قرار يذرع مكتبه جيئة وذهاباً وهو يستمع الى الخيارات المفتوحة، بين رد موضعي وحرب قاسية وشاملة، لكنه شارد في محاولة الإجابة عن سؤال: هل أفعلها؟ وكيف؟

على الهامش: عندما يستمع الصحافي منا الى كلام الرئيس الأميركي، أمس، ستصعب عليه متابعة التصريحات والحملات القائمة في إسرائيل والسعودية. وفي لحظة ما، يمكننا أن نفهم أن ما يجري بين أميركا وإيران اليوم، يفتح الباب جدياً على سؤال ليس قائماً الآن، لكنه بات متاحاً، يتعلق بمصير نظامي إسرائيل وآل سعود معاً!

من ملف : حيرة ترامب

Related Videos

Related News

‫«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

اتهم «المستقبل» التيار الوطني الحر بتقديم أوراق اعتماد جديدة لحزب الله (هيثم الموسوي)

في معركة «الدفاع» عن نهج «الحريرية السياسية»، يبدو تيار المستقبل مُستعدّاً لأن يُحرق كلّ الأوراق. بنى سور حماية حول فؤاد السنيورة، مانعاً أي تدقيق في حسابات الدولة، ومُخفياً عن اللبنانيين مصير أموالهم المفقودة والمسروقة. مستعيناً بمحطته التلفزيونية، للردّ على التيار الوطني الحرّ، رفع «المستقبل» الفيتو المذهبي: السنيورة هو الطائفة!

الإسفين الذي لم يتمكّن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة من دقّه سياسياً بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، منذ التسوية الرئاسية وحتى يوم الجمعة الماضي، نجح به من الباب المالي. انطلقت مواجهة بين التيارين الحليفين، قادتها المحطتان التلفزيونيتان التابعتان لهما. ومن غير المعلوم إن كان الخلاف سيُطوق، أم ستكون له ارتدادات أكبر من ساحته الإعلامية. افتتحت قناة «أو تي في» جولة الخلاف، بمقدمة اعتبرت فيها أنّ السنيورة «يخوض معركة استباقية بأسلحة الماضي ورجالات الماضي الغابر والربيع العابر الذين أضحوا في خريف المسيرة وسن اليأس السياسي. السنيورة يخشى سوء العاقبة وفتح الأوراق القديمة في عهد الأب بعدما تخلّى عنه الابن وأفرد من النيابة والوزارة ورئاسة الوزارة واستفرد في الفساد من دون سائر العباد (…) حزب الله الذي لم ينسَ دور السنيورة في حرب تموز وما تلاها من انهيار حكومي و7 أيار وما سبقها من تلاعب بالخيار وتوجيه القرار». فأتى الردّ أمس من مقدمة «المستقبل»، بالقول إنّ «الإبراء المستحيل، فيمكنهم أن يبلّوه ويشربوا المياه الآسنة التي نشأت عنه. تقديمٌ لحزب الله أوراق اعتماد جديدة للمعارك السياسية المقبلة. هذا شأنكم». أما الأخطر في مقدمة التلفزيون الأزرق، فهو اللعب على الوتر الطائفي، الطريق الأسهل للتجييش وشدّ العصب الشعبي وتحوير القضية عن مسارها الصحيح: «فؤاد السنيورة اليوم هو تيار المستقبل، وهو الحزب والموقع، وهو رئاسة الحكومة وهو الطائفة التي يمثلها إذا شئتم».

مقالات مرتبطة

يُصرّ تيار المستقبل وفؤاد السنيورة، على تحويل قضية الحسابات المالية للدولة، إلى معركة شخصية موجّهة ضدّهما. يُركّزان على مبلغ الـ11 مليار دولار التي أنفقتها حكومة الـ2005 – 2008 متجاوزة القاعدة الاثني عشرية، ويتجاهلان أن القضية هي قضية حسابات الدولة، منذ العام 1993. يريدان لهذه القضية الخطيرة أن تبقى في إطار «المناكفات الإعلامية»، أما حين تجهز الأوراق الرسمية ويُصبح بالإمكان تحويله إلى القضاء من أجل كشف الثغرات التي واجهت الحسابات منذ الـ1993 حتى الـ2013، فينبري «المستقبل» لمنع أي «إصلاح» و«مكافحة فساد».

وكان عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق، قد أكّد أمس إن هدف حزب الله «التدقيق في الحسابات المالية، وليس تصفية الحسابات السياسية، فضلاً عن حماية المال العام، ونحن لسنا بوارد الانتقام من أحد». ولفت إلى أنّ حزب الله أعلن مشروعه في مكافحة الفساد «وهو يتوقع مسبقاً أنّ هناك متضررين سيحاولون أن يحرضوا ليحجبوا الحقيقة، ونحن نتوقع المزيد من الافتراءات لأجل حماية المفسدين».

من ناحية أخرى، قرّرت «القوات» استلحاق نفسها، بإطلاق مبادرة لعودة النازحين السوريين إلى أرضهم. طيلة سنتين في الحكومة السابقة، لم تُبادر «القوات» إلى أي خطوة من أجل حلّ هذه المسألة، بل على العكس من ذلك، تصرّفت بطريقة «تُرضي» المجتمع الغربي، معارضة نهج رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والمغتربين وفريق 8 آذار السياسي، القائم على فصل العودة عن الحلّ السياسي في سوريا، وتشجيع العودة الآمنة وإعطاء المساعدات للنازحين في أرضهم وليس في البلدان المضيفة. وصلت «القوات» متأخرة، بعد أن عُيّن في وزارة الدولة لشؤون النازحين وزيرٌ من خلفية سياسية حليفة لسوريا، ويريد العمل مباشرةً معها لحلّ الملّف، مدعوماً من القصر الجمهوري. أعلن عن التوجه القواتي الجديد وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، مُوضحاً بأنّ المبادرة أُطلقت «لأنّ موضوع النازحين السوريين بات يشكل أزمة وطنية كبرى، ولأنّ الخلاف السياسي على التطبيع والعلاقة مع النظام الحاكم في سوريا يجب ألا ينعكس على إرادتنا المشتركة لإيجاد الحلول الآيلة لعودة النازحين إلى بلادهم». وقد تضمنت المبادرة الآتي: «المكان الوحيد لبحث حلّ العودة هو مجلس الوزراء، تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الموضوع، الإناطة بهذه اللجنة الوزارية بحث عودة النازحين بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، لتحفيز السوريين على العودة عبر إمدادهم بالمساعدة داخل سوريا، كما التنسيق مع الدول الكبرى ولا سيما روسيا، صاحبة المبادرة، على الحكومة أن تطلب من المجتمع الدولي مزيداً من الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة (تسمح «القوات» لنفسها بالتدخل في شؤون دولة أخرى، و«نصح» المجتمع الدولي بالضغط لإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وإعادة النظر بقوانين إثبات ملكية العقارات…)، الأمن العام اللبناني هو الجهاز الصالح لتنسيق عودتهم عبر الحدود. ولتحفيز العودة، تلغي الحكومة اللبنانية كل رسوم تسوية أوضاع الإقامة للسوريين العائدين، ستكون وزارة الشؤون الاجتماعية على استعداد، وفق الخطة التي ستقرها الحكومة، للطلب من الفرق العاملة في خطة الاستجابة للأزمة السورية، المساهمة أولاً في حث النازحين على العودة وثانياً أخذ أسماء العائلات الراغبة بذلك».

تقول مصادر القوات إنها ضدّ موقف الحريري المؤيد للعودة الطوعية

اللافت للنظر، أنّه في 3 شباط 2019، كان نائب القوات اللبنانية بيار بو عاصي، يختتم مسيرته كوزيرٍ للشؤون الاجتماعية، بالمشاركة في مؤتمر «خطة الاستجابة للنزوح السوري للعام 2019»، التي تهدف بشكل واضح إلى منع النازحين السوريين من العودة إلى بلدهم، وتوفير كلّ المُساعدات النقدية والعينية لهم وللبلدان المضيفة، من أجل أن يؤسّسوا لحياتهم خارج سوريا. فماذا فعلت وزارة الشؤون الاجتماعية، لمواجهة هذا المُخطّط؟ وهل حاولت «فرض هيبة» الدولة، برفضها دخول الأموال الغربية إلى البلد من دون المرور أولاً بالمؤسسات الرسمية، الواجب عليها أن تُشرف على كيفية إنفاق هذه المبالغ؟ «لا عمل» وزارة الشؤون الاجتماعية مع بو عاصي، لمواجهة مشكلة النزوح، كان جزءاً من سياسة القوات اللبنانية العامة، التي بدت مُتماهية إلى حدّ بعيد مع الرغبات الدولية في منع عودة النازحين إلى أرضهم، تحت ستار «عدم التواصل مع النظام السوري»، واختلاق أعذارٍ شتّى بدءاً من غياب الأمان في سوريا، وصولاً إلى نظرية أنّ الرئيس بشار الأسد لا يريد للنازحين أن يعودوا. كان ذلك، قبل أن تعتبر «القوات» أنّ العودة الطوعية للنازحين السوريين، «قرار غير سيادي». وترى ضرورة في عودتهم السريعة، فأفضل مئة مرّة أن يسكن المرء داخل خيمة في بلده من أن يسكن بخيمة خارجه، على حدّ قول نائب «القوات» فادي سعد خلال مناسبة حزبية يوم السبت. تُصرّ مصادر «القوات» على أنّها من أول المُتحدثين عن عودة آمنة، «إلى المناطق التي يغيب عنها النزاع المُسلّح»، فأتى القرار بأن تبدأ حملة «لتوضيح موقفنا حتى لا يستمرّ أحد في غشّ الرأي العام، ولنشنّ حملة ضدّ التطبيع مع النظام السوري، بعد أن ارتفع في الآونة الأخيرة الحديث عن ربط العودة بالتطبيع». دولتان تتبادلان البعثات الدبلوماسية، تتواصلان وزارياً، وتربطهما علاقات اقتصادية وتجارية، ولا تزال «القوات» تتحدّث عن رفض لـ«التطبيع»؟ تردّ المصادر بالقول: «فلتبقَ هذه حدود التواصل. نحن غير موافقين على تبادل السفراء وزيارات الوزراء، ولكن القرار ليس بيدنا. خلاف ذلك، سنواجه محاولات تعويم النظام السوري». مبادرة «القوات» فيها تناقض أساسي، وهو استنجادها من جهة بـ«المجتمع الدولي» للضغط على النظام السوري، وفي المقابل مطالبتها بتقديم المساعدات للنازحين في سوريا وتشجيع عودتهم غير الطوعية (حديث فادي سعد). تردّ المصادر بالقول: «لا نستنجد بالمجتمع الدولي، بل نُقدّم له رؤيتنا، وسنضغط من أجل إقناعه بها. كما أنّنا سنتحاور مع سعد الحريري، لأنّنا ضدّ موقفه المؤيد للعودة الطوعية، ليكون موضوع العودة مُتفق عليه داخل الحكومة».

Related Videos

Related Articles

من «سلامة الجليل» الى «درع الشمال»: قتال المهزوم

ابراهيم الأمين

من «سلامة الجليل» الى «درع الشمال»: قتال المهزوم

ماذا في مقدور العدو أن يفعل، إذا كان عاجزاً عن تحمل كلفة حرب مفتوحة مع حزب الله؟ (أ ف ب )

سألت ضابطاً في المقاومة الإسلامية: هل ضعف عدوّنا الى هذه الدرجة؟ أجابني: لا لم يضعف، لكن الواقف قبالته صار قوياً!

السؤال فرضته إجراءات العدو القائمة منذ اسبوع، تحت عنوان «درع الشمال». والمسألة، هنا، ليست التنمّر على عدو قوي وحاقد، حقق نقطة استخباراتية في كشف ما اعلن عنه، لكنها تكمن في المتغيرات الجوهرية التي طرأت على معركة تقترب من مفترق اساسي في سياق مشروع ازالة اسرائيل من الوجود. وكل ما علينا، ليس التحديق إلى صورة اسرائيل التي عرفناها قوية جداً، بل التركيز على الثقب الكبير في روحها، حيث باتت خطواتها العملانية، عسكرياً وأمنياً وإعلامياً ودبلوماسياً، تشبه بعض العرب في زمن الهزيمة الذي أفل الى غير رجعة.

منذ توقف العمليات العسكرية في 14 آب 2006، واسرائيل تعاين، يومياً، استثماراً غير مسبوق من جانب حزب الله لنصره الكبير. والاستثمار بالنسبة الى الجهات الحرفية في تل ابيب، لا يتعلق بموجة التعاطف والتأييد الشعبي له، ولا في تقدمه سياسياً داخل لبنان، بل في كيفية انتقاله، مرة واحدة، من هيكل القوة المنظّمة التي تقوم عقيدتها على الدفاع وافشال خطط العدو، الى هيكل القوة المنظّمة والقوية أكثر، والتي تضم عقيدتها بند القتال الهجومي، ونقل المعركة الى ارض العدو. وخلال السنوات الـ12 الماضية، كان العدو يقوم بكل ما يقدر عليه، لمنع تراكم القوة لدى المقاومة. لكن يأسه من تحقيق الهدف، جعله يعمل على توظيف قدرات غيره في معارك مختلفة مع المقاومة. ومع كل استحقاق، كان العدو يعود ليدرك ان مشكلته لا تعالج بواسطة الغير. وها هي حرب سوريا وأزمات العراق واليمن، وكل مشاكل لبنان الداخلية، لم تأت للعدو بما يأمله، بل على العكس، صار لزاماً عليه التعامل بنفسه مع قوة، يقول هو، إنها اقرب الى جيش يملك القدرة على الصمود والإيلام.

لسنا نحن من يريد معالجة ازمة الخيارات عند العدو. لكن، يمكن تلبّس عقل العدو في هذه الاثناء، في محاولة لفهم ما يقوم به.

«متى توافرت القدرة والارادة للقيام بعمل عسكري كبير، فإن اسرائيل لن تحتاج الى ذريعة لشن عدوان جديد على لبنان»! هذه قاعدة ثابتة في عقل كل من ينخرط فعلياً في الصراع العربي – الاسرائيلي. لكن، متى تتوافر هذه القدرة والارادة؟ ليس في اسرائيل، اليوم، من يجرؤ على الاجابة. لا يقدر سياسيوها ولا عسكريوها ولا أمنيّوها، ولا كل من هو في موقع القرار ومطّلع على المعطيات، على ادعاء معرفة الجواب. لكن كل من في اسرائيل يعرف انه لا يمكن الركون الى هذا الاحباط، وانه يجب القيام بأي شيء، في سياق ما يفترضونه معركة احتواء قوة حزب الله.

دلّت حرب عام 2006 على نقطة جوهرية في الصراع الاستخباراتي مع العدو. في تلك الايام، أعلن دان حالوتس، رئيس الاركان، عن عملية الوزن النوعي، التي قام بها سلاح الجو ضد ما اعتقد العدو انها مخازن الصواريخ الاساسية للمقاومة. لم تمض ايام قليلة، حتى تيقن العدو ان تقديره لم يكن دقيقاً. والخلاصة التي توصل اليها الحرفيون لدى العدو تقول: يبدو ان عدونا يعلم ما نعلمه عنه. بل قد يكون عدونا ضللنا بأن أعلمنا بما أراد لنا ان نعتقده الكنز الثمين، ووقعنا في الفخ!

اليوم، يتصرف جيش الاحتلال وقيادته استناداً الى معطيات استخباراتية حول تموضع المقاومة على طول الحدود مع فلسطين. قرّر العدو، فجأة، أن يوافق المستوطنين على وجود أنفاق. يقول موشي يعلون، وزير الحرب الاسبق، إن الكذب ليس فيه مشكلة. لقد نفيت وجود أنفاق قبل عامين، رغم أنني كنت أعلم بوجودها. بنيامين نتنياهو لا يريد أن يكذب هذه المرة، لكنه قرر التخلي عما يفترض أنه «سر استخباراتي ثمين» بالكشف عن الانفاق وتدميرها من الناحية الجنوبية. لكن لا نتنياهو، ولا قيادته العسكرية، يجيبان عن اسئلة الجمهور: هل ان ما تعرفونه هو كل شيء عند الطرف المقابل؟ وماذا لو كان حزب الله يعلم بأنكم تعرفون بوجود هذه الانفاق؟ وكيف لنا ان نتأكد من عدم وجود المئات من هذه الانفاق على طول الحدود؟ ثم لماذا لم تتركوا هذه المعلومات للاستخدام في الحرب المقبلة، مثل ان تفخخوا النفق، وتفجروه في حالة استخدامه من قبل حزب الله؟…

إذا كان مبدأ حفر الانفاق صار واقعاً في عقل العدو إزاء طريقة عمل حزب الله، فكيف سيكون العمل على مسح الحدود متراً متراً من اجل ضمان عدم وجود أنفاق مخفية؟ ومن قال إن حفر نفق قبل عشرة اعوام، يشبه حفر نفق قبل بضعة أعوام فقط، أو قبل بضعة شهور، أو قبل بضعة اسابيع؟ ومن قال إن الانفاق يشبه بعضها بعضاً، كما هي التربة وطبيعة الارض التي لا تتطابق في كل الامكنة؟ وكم من الوقت تحتاج اسرائيل للخروج الى شعبها معلنة انجاز المهمة؟ وكيف سيعيش المستوطنون مع اسابيع واشهر طويلة من الحياة الخاضعة تماماً لمزاج ضابط عسكري؟ وكم ستصرف موازنات من الجيش ومن المؤسسات المدنية لمواجهة هذا الاستحقاق؟ وفي النهاية، فإن في قيادة العدو الحقيقية من يقول، عن وعي، إن الانفاق، على اهميتها الاستراتيجية أو التكتيكية، ليست هي الخطر الحقيقي الذي تخشاه اسرائيل.

هاجس العدو المركزي الحصول على موقف عالمي ضد حزب الله ومحاولة تعديل القرار 1701 واستئناف الخلاف بين اللبنانيين

لكن بعيداً عن الضجيج، والى جانب الحذر القائم من احتمال ارتكاب العدو حماقة على شكل خطأ، ينتج عنه ما لا يريده احد اليوم، فان تل ابيب تسعى الى مكاسب سياسية مباشرة من خلف هذه العملية، وهي تريد النتائج السياسية، لانها ببساطة باتت تعلم علم اليقين انه لا يوجد في الجهة المقابلة لها، من يقدر على إدخال اي تعديل، شكلي او هامشي او ثانوي، في برنامج عمل المقاومة العسكري والامني العامل من دون توقف. وقد لاحظت استخبارات العدو، خلال الاسبوع الماضي، كيف تصرف حزب الله على الحدود، لكنهم، لن يتحدثوا لشعبهم عن الامر!

والثمن السياسي المتاح الان، هو منع اللبنانيين أولاً، ودول المنطقة ثانياً، وعواصم القرار العالمي ثالثاً، من التصرف وكأن حزب الله بات قدراً لا قدرة عليه. العدو هنا، يسعى بكل قوته لأن يعيد المقاومة بنداً خلافياً داخل لبنان. صار العدو يقبل بأن يخرج سياسي أو اعلامي فقط، ويعترض على سلاح المقاومة. هو يريد ضجة في لبنان، لكنه لا يحصل عليها. وهو في المقابل يريد من حلفائه في فلسطين وسوريا والدول العربية البقاء في حالة استنفار، على خلفية ان حزب الله يشكل عنصر تهديد لهم قبل ان يكون عنصر تهديد لاسرائيل. والعدو يريد من اوروبا ودول العالم التصرف مع حزب الله على انه جسم منبوذ، لا فائدة من الحوار معه أو التعامل معه حتى كأمر واقع. العدو يريد ان تساعده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في موجة ادانة عالمية لحزب الله. يريد ان يعيد النقاش في الامم المتحدة حول القرار 1701، وما اذا كان بالامكان تعديل القرار واضافة بنود تجعل القوة الدولية قادرة على تولي حماية الحدود. والعدو يسعى الى إقناع اوروبا بأن تصنف الحزب كله كمنظمة ارهابية، ومن ثم منظمة اجرامية. والعدو يسعى الى جعل العرب المتحالفين معه يقومون بالامر نفسه، وان يجعلوا حزب الله عدواً لشعوبهم، وان يحظروا التعامل معه او النطق باسمه او الدفاع عنه. وهم يسعون مع الغرب لأن يفرضوا حظراً عالمياً على حزب الله، لاعتقادهم ان ذلك يفيدهم في لحظة المواجهة الكبرى، وهم يدركون انه جهد لا طائل منه.

لكن، ماذا في مقدور العدو أن يفعل، إذا كان عاجزاً عن تحمل كلفة حرب مفتوحة مع حزب الله؟ وماذا بمقدوره أن يفعل إذا كان جيشه لا يضمن نصراً، لا سريعاً حاسماً ولا ناصعاً، إن فتحت النار على جانبي الحدود.

الذين لم يتعرّفوا على اسرائيل الجديدة، يمكنهم العودة الى الخلف مسافة ست وثلاثين سنة. عام 1982، قامت اسرائيل بأكبر عملية عسكرية تحت عنوان «سلامة الجليل». هذه «السلامة» جعلت العدو يتذرع بجروح أصابت دبلوماسياً اسرائيلياً، لشن حرب قادت الى احتلال بيروت، وسعي الى طرق ابواب الشام يومها. أما اليوم، فإن هذه «السلامة» تحتاج الى كل أنوار العالم للإضاءة على مشهد اكتشاف نفق، يمتد بضعة امتار داخل فلسطين المحتلة، وفي مكان منبسط، يعرف العدو أنه ليس فيه أي مانع طبيعي، أو بشري، لقيام عشرات المقاتلين بالتقدم، سيراً أو بدراجاتهم أو بسياراتهم العسكرية او المدنية نحو قلب الجليل. والمخيال لدى العدو، ليس فقيراً الى درجة أن يقنع نفسه بأن تدمير نفق كفركلا، يقفل بوابة تحرير فلسطين!

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: