الانحطاط الاستخباريّ الإسرائيليّ:
من تقرير فينوغراد إلى تقرير أمان

ناصر قنديل

فضلنا أن ننتظر نشر النص الكامل لما عُرف بالتقرير السريّ لوكالة «أمان» الاستخباريّة عن شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قبل أن نعلق أو نحلل ونفهم التقرير وإيحاءاته ووظيفته، وما يعكسه من مستوى تماسك أو ارتباك، قدرة على امتلاك مجسّات الإنذار المبكر، أم وقوع في البروباغندا المبتذلة، نجاح في فك شيفرة حزب الله وقائده، أم تغميس خارج الصحن لزوم تعزية الذات المهزومة، توصيف يحاكي ما يمثله العدو الأول للكيان بمقدار من معايير العلم، أم شعوذة تعبّر عن انحطاط مستوى التقييم الاستراتيجي ما يعني أبرز مؤشرات أفول الدول القائمة على القوة، خصوصاً أن التقرير هو الأول من نوعه عملياً، وهو من صناعة المؤسسة النخبوية الصانعة لمعطيات صناعة القرار الاستراتيجي في كيان الاحتلال، التي تتقدّم أمان صفوفها الأولى، وفي أجهزة استخبارات الدول التي تشكل الحروب مكوناً عضوياً من مكانتها، وتشكل الاستخبارات عصب المعطيات والمقدمات التي تبني عليها قراراتها، ومنها كيان الاحتلال، ثمة وحدات متخصصة برصد شخصيات «العالم الآخر»، سواء الأعداء أو الحلفاء، ويصل بعضها إلى بناء نماذج محاكاة تتمثل الشخصية المعنية وتحاول تلبّس قيمها ومفاهيمها وردّات فعلها، يتم اعتمادها للتنبؤ بمواقف هذه الشخصيات، بمثل ما قيل عن شخصيات كانت تلعب دور جمال عبد الناصر وياسر عرفات وحافظ الأسد، وشخصيات بريجنيف وأندروبوف، وكاسترو في دوائر الاستخبارات الإسرائيلية.

ليست القضية في المعلومات التي تمّ نشرها في التقرير، والتي يعرف أبسط الناس أنها دون مستوى الحديث عن ملف سري أو عمل استخباريّ، في الصحيح منها، وهو علني ومعلوم للعامة، أو أنّها جزء من حملة إساءة متعمّدة بتسويق صفات وخصال يعرف كل متابع أنها بعيدة كل البُعد عن شخصية السيد نصرالله، القضية تكمن أولاً وأخيراً في درجة الجدية التي يظهرها التقرير لفهم الخصم الأول، وسبر غور شخصية القائد الذي يعترف قادة كيان الاحتلال أنه مصدر القلق الوجودي لكيانهم، وليس المعيار هو النجاح أو الفشل، بمقدار ما هو الجدية، والاستناد إلى درجة من المقاربة الموضوعية العلمية التي يجب ان يتحلى بها العدو عندما يحلل نقاط قوة ونقاط ضعف عدوه. فعندما نقرأ تقرير فينوغراد الذي أعدّته لجنة التحقيق الخاصة بحرب تموز 2006، نقع على هذه الجدية وهذه المحاولة لمقاربة الوقائع بعيداً عن روح تزيين الهزيمة وتحويلها الى نصر، أو تهوين العدو والاستخفاف بمقدراته وإنجازاته، فقيمة تقرير فينوغراد تكمن في أنه أظهر أن الكيان الذي أصيب بفشل استراتيجي كبير في الحرب التي فشل بتحقيق أهدافها، لا يزال قادراً على التصرف بمعايير «الدولة»، أي فصل التقييم عن الموقف، وامتلاك مساحة للقراءة تحتكم لمعايير على درجة من محاكاة الوقائع بعيداً عن «النرجسية»، التي تختصرها معادلة إخضاع الوقائع للتمنيات والرغبات، وتجاهل الحقائق لخدمة السياسات.

بمعزل عن أي قراءة في المعلومات والتحليلات التي تضمّنها تقرير أمان حول السيد نصرالله، ستقدّم لأصحابها خدمة مجانيّة في النفي والتأكيد، تقول سيرة المواجهة بين الكيان وحزب الله، وفقاً للرواية الإسرائيلية الصادرة عن أعلى المستويات السياسية والعسكرية في مؤسساته، أن حرب عام 2006، التي يصنفها التقرير كنقطة صدمة في مسيرة حزب الله، هي نقطة التحوّل إلى قوة استراتيجية عظمى، بينما هي بداية عدّ تنازلي للقيمة الاستراتيجية للكيان وقدرته على شنّ الحروب. والمعيار هنا ليس بالرغبات بل بالوقائع، هل شكل القرار 1701 مدخلاً لإضعاف حزب الله كمصدر لقلق جيش الاحتلال على الحدود اللبنانية، كما قال قادة الكيان في تسويقه، أم أنه شكّل إطاراً لتعاظم مقدرات حزب الله كتهديد جدّي ووجوديّ للكيان. وهل شكلت الحرب في سورية سبباً لإغراق حزب الله في حرب استنزاف، كما راهن قادة الكيان، أم تحوّلت الى فرصة لتعملق حضوره الإقليميّ ومصدر شراكته في انتصارات كبرى، وامتلاكه خبرات استثنائية وتحالفات عابرة للمنطقة وما وراءها، كما تعترف تقارير المؤسسات الإسرائيلية واعترافات قادته؟ وهل ظهر حزب الله منذ حرب 2006 صاحب خطة لبناء المزيد من عناصر القوة التي تجعله أقرب لرفع درجة التهديد لأمن الكيان، بينما ظهر الكيان يراوح مكانه في السعي لردم الفجوة التي ظهرت بينه وبين الحزب في حرب تموز 2006 والآخذة في الاتساع لصالح الحزب، مع فشل سياسات ترميم قدرة الدرع، سواء على صعيد الجبهة الداخلية، أو على صعيد القوات البرية، أو على صعيد القبة الحديديّة؟ وماذا عن قطع حزب الله لأربع مراحل إضافية من التهديد بعد تموز 2006 يعترف بها كل قادة الكيان، القدرة على الدخول الى الجليل، الانتقال من صواريخ محدودة المدى والقدرة التدميريّة الى صواريخ ثقيلة بعيدة المدى، وثالثا الانتقال الى عهد الصواريخ الدقيقة، وأخيراً هل نجح حزب الله بالانتقال من حرب الجبهة الواحدة الى حرب الجيهات المفتوحة عبر تأسيس محور المقاومة الممتدّ بين لبنان وفلسطين وسورية والعراق وإيران وصولاً إلى اليمن؟

See the source image

يأتي تقرير أمان في غربة عن الواقع أمام حجم التحديات والتحولات التي تمثلها لصالح حزب الله وقائده، ليخبرنا عن شخصية مأزومة بعد صدمة 2006، متردّدة، نرجسيّة، وهو ما يصحّ فعلاً في حال الكيان وليس أفراد قياداته، بل روحه الجماعيّة، التي تبدو قد دخلت آخر مراحل الانحطاط التي تسبق عادة الأفول، عندما تعيش حالة اغتراب ومفارقة وانفصام تجعلها تزين الواقع لتعزي نفسها المأزومة والمهزومة، بعدما فشلت في تغييره، ويكفي كمثال أن نتذكر ونذكر، أن السيد نصرالله الذي يقول التقرير إنه خفّض لهجة تهديداته وصار يشترطها بشنّ حرب إسرائيليّة ويحصرها بحال الردّ على هذه الحرب، لم يغادر هذه المعادلة يوماً، ولم يتحدّث يوماً عن حرب يبادر اليها، بينما مَن فعل العكس هو الكيان، الذي كان يتحدث دائماً عن حرب استباقية تؤكد قدرة الدرع، ثم حرب استباقية ترمم هذه القدرة، وصار اليوم يتحدث بلسان كل قادته عن قدرته التدميريّة في أي حرب مقبلة يشنّها حزب الله، وحزب الله لم يقل يوماً إنه سيشنّ حرباً. وذروة الانحطاط في حال الدول والكيانات قبل الأفول، عندما تزيّف الحقائق لترضي غرورها وتطمئن ولو كان التهديد وراء الباب يقترب، وتصير القراءات التي يفترض أن تستند الى العلم مجرد ادوات لبروباغندا قائمة على الأكاذيب والتلفيقات.

السؤال الذي يطرحه التقرير، ماذا لو فعل حزب الله الشيء نفسه، أي قرأ كيان الاحتلال بالعيون الزائفة التي يظهرها التقرير في القراءة الإسرائيليّة؟ فالحزب يبني قوته بالتوازي مع الحفاظ على قراءة موضوعيّة لمصادر قوة الكيان، وسعي لاستكشاف نقاط الضعف، لبناء خططه على العلم، والعلم وحده. وهذه المفارقة التي تبدأ مع انتقال الكيان من مرحلة فينوغراد الى مرحلة أمان، تفتح سياقاً جديداً للتعبير عن تفوّق حزب الله، الذي بدأ أساساً كتفوق أخلاقي، في القضية والبنية والعقيدة والسياسة والقيادة، وفي آلية الأداء وقراءة العدو وفهمه. وهذا التفوّق ينمو كما تنمو فجوة القوة، ويستمر كما تستمر.

‫«إسرائيل» تقرأ «في عقل نصر الله»: فضيحة استخبارات وفضيحة صحافة

See the source image

فضيحة صحافة واستخبارات في «إسرائيل»: أهوَ عقل «أمان» أم عقل نصر الله؟

الأخبار

ابراهيم الأمين

السبت 13 آذار 2021

أتابع الإعلام الإسرائيلي منذ تسعينيّات القرن الماضي. كنّا نحصل على صحف العدوّ من خلال بريد خاص في قبرص. صديق لديه اشتراك في صحف «إسرائيل» يرسلها مع صديق يعمل في شركة طيران الشرق الأوسط، وينتظرها زميل تعلّم العبريّة عن بُعد. قبل أن يصل إلى بيروت مترجمون عاشوا في السجون الإسرائيلية، ثم انطلق عالم الإنترنت في بلادنا، وكانت «إسرائيل» سبّاقة، ما أفادنا في الحصول على كلّ دوريّاتها، سواء الصحافية أو نشرات دراسية أو خلافه. ولطالما تميّز الكثير من الصحافيّين والكتّاب في «إسرائيل» بمعرفة واسعة، والأهم، بدرجة عالية من الاستقلالية، برغم مقصّ الرقابة العسكريّة الصارم. وكان الأفضل في تلك الفئة من الإعلاميين الإسرائيليين، عدم الانجرار الى البروباغندا الرديئة، حتى لو اقتضت المصلحة العليا لبلادهم ذلك.

مفاجأة أمس، ليست سوى إشارة إضافية الى تدهور يحصل في «إسرائيل» على مستويات كثيرة، من بينها الصحافة نفسها. لا أعرف كيف قبلت إدارة التحرير في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تلقّي هذه الإهانة المهنية ووافقت على إنتاج مادة كان يمكن لطالب في كلية الإعلام أن يعدّ ما هو أفضل منها لو طلب منه أستاذه إعداد بحث موجز عن شخصية عدو إسرائيل الأبرز، أي السيّد حسن نصر الله.
على مدى أيام، روّجت الدعاية الإسرائيلية لحدث صحافي سينشر يوم الجمعة (أمس) ويتعلّق بكشف شعبة «أمان» (الاستخبارات العسكرية في جيش العدوّ) معلومات مصنّفة تتعلق بالسيّد نصر الله. وتم أمس نشر التقرير المفصّل تحت عنوان «الملفّ السرّي لنصر الله، في أمان». ومع أن الموجز الذي سرّب في الأيام الماضية لم يكن يحمل عناوين مغرية، إلا أن الصدمة كانت في التقرير نفسه الذي كان من الأفضل نشره في موقع «ديبكا» وبقلم رئيس تحريره المشهور بنقص صدقيّته، غيورا شاميس، وليس عبر كاتبين مخضرمين وبارزين مثل يوسي يهوشع ورؤوفين فايس.

من المفيد الإشارة أولاً، إلى أن التقرير يستند إلى مقابلات مع عاملين في «أمان»، وهي أكبر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية وأكثرها كلفةً من حيث الموازنة. ويتركّز نشاطها حول جمع وتحليل المعلومات العسكرية من خلال المصادر المختلفة، وتتولّى مهمة تشخيص الإنذار المبكر ضد الحرب والأنشطة العسكرية المعادية بشكل عام. إضافة إلى أنها مكلّفة بإعداد التقدير الاستخباري الاستراتيجي لوضعه أمام صانعي القرار في «إسرائيل». ولذلك يجري وصف «أمان» بأنه جهاز «التقدير القومي» لدى العدوّ، ولأوراقه دور بارز في صياغة سياسات تل أبيب تجاه الأطراف المعادية. ويشكّل قسم الأبحاث (الذي ينتمي إليه الضبّاط الذين أجروا المقابلة) نواة «أمان»، بوصفه الجهة التي تتجمّع فيها كلّ المواد الاستخبارية الواردة ليقوم بمعالجتها وتحليلها واستخلاص التقديرات اللازمة منها. ومن بين هؤلاء، عناصر من متخرّجي برنامج «حبتسالوت»، وهو البرنامج العَلَم لسلاح الاستخبارات الذي يجمع بين الخدمة الدائمة ودراسات العلوم السياسية وعلوم الشرق الأوسط، بالاندماج مع الأقسام التحليلية الآتية: علوم الكومبيوتر، الرياضيات، الاقتصاد والسياسة. ويتطوّع لاختبار برنامج «حبتسالوت» (تعني بالعربية زهرة الزنبق أو النرجس، سبق أن ذكرت في التوراة وطبعت على عملة الشيكل) نحو 50 متدرباً ومتدربة سنوياً، يتمّ العمل على تأهيلهم لدور ضباط الاستخبارات الرائدين الذين يتعاملون مع القضايا المركزية على جدول الأعمال الوطني والعسكري.

كان من الأفضل نشر التقرير نفسه في موقع «ديبكا» وبقلم رئيس تحريره المشهور بنقص صدقيّته، غيورا شاميس


حقيقةً، يحتار المرء في تقييم الصحافيين الذين نشروا التقرير للذين قدّموا لهم المعلومات. كان عليهم التدقيق فعلياً عمّا إذا كانوا أمام محلّلين وضبّاط جهاز محترف، أم أمام مجموعة هواة يحترفون الرصد الإعلامي. وبداهةً، كما يحلو لهم القول تكراراً، كان على الصحافيين إدراك أن «إسرائيل» في قلب معركة محتدمة وقاسية جداً. وفي هذه الحالة، لا تخسر الاستخبارات معلومات ذات قيمة من دون ضمان نتائج توازي أهمية المعلومة. وهذا ما ظهر في مضمون التقرير الذين يمكن الجزم بأنه «يخلو من أي معلومة ذات طابع استخباري»… لم تقدم لكم «أمان» أي معلومة ذات قيمة استخبارية، وهو أمر بالمناسبة يمكن فهمه لمن يعيش في قلب صراع بهذا الحجم. وحتى لا يتكرر الاستخفاف بكم مرة جديدة، سأروي لكم ماذا يجري من صوبنا نحن. هل تعتقدون مثلاً أن أجهزة الأمن السياسية والعسكرية التابعة للمقاومة، يمكنها أن تتسلّى بما يؤذي احترافيّتها عبر ضخّ معلومات ساذجة وسخيفة في الإعلام بقصد التبجّح؟ كان يفترض بصحافيّي العدوّ المحترفين ألّا يقعوا في هذا الفخ، وأن تتصرّفوا ــــ وإن كان هذا الكلام لا يُسعدكم ــــ بمنطق التماثل. وأنا أفيدكم هنا، بأنه لا يجدر بكم تخيّل أن حزب الله مستعدّ لمنحنا مقابلة مع متخصّصين في رصد قيادات العدو الاستراتيجيين، وتوفير تحليلهم ومعطياتهم لنا… أبداً هذا لن يحصل!

لكن، لنعد قليلاً إلى يوم قبل نشر التقرير، حين جرى حوار في القناة 12 الإسرائيلية حول التقرير. وفيه يسأل المحاور عن الهدف من التقرير، فيأتي الجواب مباشرة ومن دون تحضير على لسان يعقوب أخيمئير، وهو صحافي مخضرم ومقدم برامج سابق في قناة «كان»: التبجّح، التبجّح…

يحاول آفي بنياهو، وهو ناطق باسم الجيش الإسرائيلي سابقاً كبحَه بالردّ: كلا. لكن أخيمئير يكمل حديثه: كل أسبوع هناك مسرح، يقول لنا نجحت ونجحنا وفتحنا ملف نصر الله، كفى، حقاً كفى!
لكن بنياهو يحاول رتق الموقف: من الممكن أننا نريد أن نريه إلى أيّ مدى هو مكشوف، ومن الممكن أن هناك أموراً أخرى مكشوفة، كي يعلم بألّا يتعاطى معنا. كل ذلك عمل استخباري، تخفيض التصنيف الأمني لمعلومات استخبارية من أجل احتياجات عملانية، أفترض أنه يوجد هنا اعتبار من هذا النوع، لم يقم أيّ أحد بأيّ أمر سياسي إن قام طاقم من عناصر الخدمة النظامية في وحدة الأبحاث في أمان..

ومع ذلك يعود أخيمئير ليصدم الحضور: أكره هذا التبجّح كثيراً، بالتأكيد الأسبوع المقبل أيضاً سيكون هناك «انتصرنا» مرة أخرى…
الأمر هنا ليس سباقاً بين من يسجّل النقاط على الآخر. المسألة هنا في التواطؤ السيئ بين الصحافة وأركان المؤسسة العسكرية والأمنية في «إسرائيل» لمواجهة «عجز ما» أو حتى «عقدة نفسية». وهو عجز يتّصل بعدم قدرة العدوّ، ليس على عدم تحمّل تعاظم قوة المقاومة العسكرية وحسب، بل أيضاً على عدم تحمّل الموقع المتقدّم جداً الذي يحتلّه نصر الله في الوعي عند الجمهور الإسرائيلي، وليس حصراً عند أهل القرار في «إسرائيل». ويبدو أن حجم الأضرار والخشية لدى الجمهور الإسرائيلي، هو ما دفع بالقيادة العليا للجوء إلى الاستخبارات العسكرية، من أجل الترويج لبعض المفردات حول شخص السيد نصر الله، وإنْ مع إقرار لا بدّ منه، بصدقيّته وجدّية تهديداته وقدرته على تنفيذها، وتحديداً ما يتّصل باستهداف العمق الإسرائيلي.

ماذا يريدون أن يقولوا لنا؟ هل هي رغبة في ادّعاء المعرفة لدى الاستخبارات العسكرية، الى حدّ الزعم بأنه لم يبق شيء لا تعرفه «إسرائيل»، حتى لو كان في خانة النيّات المبيّتة، ومن دون أن يسأل من يفترض أنه يجري مقابلة: كيف لإسرائيل ألّا تُجهز على قيادة حزب الله دفعة واحدة ومن دون بصمة، طالما هي قادرة على معرفة النيّات في الصدور، وليس حصراً أماكن وجود قادة حزب الله وتدابيرهم…

ماذا يعني أن تخرج المقابلة مع 15 ضابطاً ومتخصّصاً وباحثاً ــــ يعملون ليل نهار لجمع المعلومات عن نصر الله وتحليلها ــــ بهذه المعطيات التي لا تزيد عمّا هو موجود في الإعلام العربي عن حزب الله وأمينه العام وعن عائلته وما يرتبط به، صحيحة كانت أو مختلقة أو محوّرة، وجرى عرضها للجمهور الإسرائيلي في سياقات محدّدة وموجّهة، للإيحاء بالقدرة على تحصيل المعرفة والربط بين الأمور، ومن بينها مقابلة نصر الله مع «الأخبار» عام 2014.

«أمان» تعرف الكثير، غير ما أعطته للصحافيين الإسرائيليين. وحتى لا تخرجوا من المولد بلا حمّص، سأفيدكم بالآتي:
نصر الله لا يعيش تحت الأرض، وهو يسافر خارج لبنان، ويتنقّل بين المدن والقرى وفي الشوارع والأحياء. ولديه فرق متخصّصة في كلّ شيء، وجدول أعمال فيه من جو بايدن إلى مختار ميس الجبل ورئيس المجلس المحلّي في مستوطنة شلومي.. وبالمناسبة، يداه تلامسان الأشجار دوماً!

فيديوات متعلقة

That Tripoli today … is kidnapped! في أنّ طرابلس اليوم… مخطوفة!

**Machine translation Please scroll down for the Arabic original **

احتجاجات طرابلس: غياب الخطّة الأمنيّة... والمرجعيّة

That Tripoli today … is kidnapped

Ibrahim al-Amin, editor in chief of Al-Akhbar newspaper, is pictured...  News Photo - Getty Images

Ibrahim Al-Amin

Saturday, January 30, 2021

For more than a year, on the day lebanon sparked a variety of protests, Tripoli was strongly present in the scene. But no one was able to catch the game’s strings there. Everyone participated in the celebration. Politicians, clerics, leaders and poor, old and new parties, civil societies, Arab, regional and international embassies, security agencies and local, regional and international armies, artists, media and activists of various races…

It’s been a long time, and the image of the night celebration is occupying the screens. However, there are those who have decided that Beirut needs Tripoli’s “muscles”. Buses carried what was available daily to fight the Regime’s youth or the “counter-revolutionary group”. Thus, things went on until everyone disappeared from the scene. No one knows why the motivation, enthusiasm, ability and organization have disappeared. Saad Hariri returned to form thegovernment!


For weeks after October 17, many of the city listened and scrutinised data on outside interference in the city’s activity. The positions remained the same until, about three weeks ago, delegates from the embassies of the United States, Britain, France and the European Union, toured and dialogues with state officials and leaders in all military and security agencies, carrying one clear and concise message: the difficult economic situation, the lack of government formation will inevitably lead to the return of popular protests, and we ask you not to resort to any repressive measures against demonstrators, and not to prevent them from saying what they want and doing what they want, and those who practice repression will be followed by us, and the price will be paid outside Lebanon, and the price will be paid outside Lebanon. If he doesn’t push him inside.


The letter was not ambiguous at all. The security and military authorities have even tried to examine them on the ground.


Let’s put aside all the boring political talk about power and its role. Also, let’s put aside external pressures to form a government that will proceed in the international program (offered by France) for a solution in Lebanon.  Let us put aside the natural effects of the economic and social crisis on the people of this neglected city in a way that was previously unknown to a Lebanese region, including the “loss” of the city’s wealthy people who do not leave the charity box and do not build a single factory that occupies thousands of the city’s youth and girls, and supports their families.

What is happening today indicates that Lebanon is facing the challenge of testing the regional chaos that there may be those who dream of turning it into a moment of dispensing with any connection to the state.


But is there any way to ask the questions that everyone is running away from? The government’s policy of “eliminating the threat of the use of force” is a major challenge. How can the protests be limited to local objectives that say that they strike all the positions that belong to the idea of the state, the security forces, the companies, the municipalities and other institutions on the list of targets? Do we want to repeat last year’s experience, where we go back to the obvious questions of who leads the people and what framework governs their movements, or whether the question about that is still forbidden? They are demons, other than this or that one who happens only to be from the group that sees the overthrow of Michel Aoun and the disarmament of the resistance as the only central goal?


This time, no one needs to be studied in the difficult social realities of this city, and no one needs explanations about the need for an uprising or even a coup d’état against this abhorrent power. What is happening today, according to all mental calculations, indicates that Lebanonis on the verge of challenging the test of regional chaos, which there may be those who dream of turning it into a moment of dispensing with any connection to the State, and then we will start to hear about the mass civil disobedience, the new local government, the independent or parallel administration of state facilities, and then we will find those who come out of the self-security rabbit and here the great nation… The result is that Tripoli is now kidnapped, as it has been for at least 40 years. It is waiting for election day to renew itself through money, kidnapped by the lords of the axes, the guardians of blood and the prisoners, and from a mercenary army that is spreading today like mushrooms in the name of civil society, and most of them are “the boys of embassies” of all kinds.   


The   city will continue to be haunted by the terror of the great security chaos, especially with security and military forces and agencies that know only exploitation or excessive use of force. Before who comes out to free this city and returns it to its true people!

في أنّ طرابلس اليوم… مخطوفة!

Ibrahim al-Amin, editor in chief of Al-Akhbar newspaper, is pictured...  News Photo - Getty Images

الأخبار

ابراهيم الأمين 

السبت 30 كانون الثاني 2021

بل أكثر من سنة، يوم اشتعل لبنان احتجاجات متنوعة الأهداف، كانت طرابلس حاضرة بقوة في المشهد. لكنّ أحداً لم يكن يقدر على الإمساك بخيوط اللعبة هناك. الجميع شاركوا في الاحتفال. سياسيون ورجال دين، زعماء وفقراء، أحزاب عريقة وأخرى مستجدة، جمعيات مدنية وسفارات عربية وإقليمية ودولية، أجهزة أمنية وجيوش محلية وإقليمية ودولية، فنانون وإعلاميون وناشطون من مختلف الأجناس…

مضى وقت طويل، وصورة الاحتفال الليلي تحتل الشاشات. لكن، ثمة من قرر أن بيروت تحتاج إلى «عضلات» الطرابلسيين. فكانت الحافلات تنقل ما تيسّر يومياً لمقارعة «شباب النظام» أو «جماعة الثورة المضادة». وهكذا، سارت الأمور حتى اختفى الجميع من المشهد. لا أحد يعرف لماذا اختفت الحافزية والحماسة والقدرة والتنظيم. لا أحد يعرف كيف ولماذا ولأيّ سبب انفضّ القوم، علماً بأن لا تغيير واحداً حصل. لا الأحوال الاقتصادية تحسّنت، ولا السلطة استقالت، ولا النظام سقط بيد الثوار، ولا الفقر هرب من تلك الأحياء، ولا الزعماء باعوا قصورهم وبنوا مكانها مصانع، ولا ميشال عون سقط ولا سلاح حزب الله نزع… بل عاد سعد الحريري ليؤلّف الحكومة!

طوال أسابيع من بعد 17 تشرين، كان كثيرون من ناشطي المدينة، وفاعلياتها، يسمعون ويدققون في معطيات حول التدخلات الخارجية في نشاط المدينة. لكن القائمين على «الثورة المدنية» كانوا يرفضون أصل النقاش. هم قرروا من طرف واحد أن الحقيقة محصورة في أن هناك غضباً بسبب الفقر وغياب الديموقراطية، وأن الثورة مصانة وستُستأنَف في أقرب وقت ممكن. والأكثر غرابة كان في أن أحداً من قوى السلطة أو قوى الشارع لم يكلف نفسه عناء إجراء حوار ولو جانبي بين المتخاصمين أو المشتبكين. وظلت المواقف على حالها إلى أن قام فجأة، وقبل نحو ثلاثة أسابيع، موفدون من سفارات أميركا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، بجولات وحوارات مع مسؤولين في الدولة ومع قادة في جميع الأجهزة العسكرية والأمنية، يحملون رسالة واحدة واضحة ومختصرة: الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وعدم تأليف الحكومة سيقودان حتماً الى عودة الاحتجاجات الشعبية، ونحن نطلب منكم عدم اللجوء إلى أي إجراءات قمعية ضد المتظاهرين، وعدم منعهم من قول ما يريدون والقيام بما يريدون، ومن يمارس القمع سيكون محل متابعة منا، وسيدفع الثمن خارج لبنان إن لم يدفعه داخله.

لم تكن الرسالة غامضة على الإطلاق. بل إن الجهات الأمنية والعسكرية حاولت معاينتها ميدانياً. جرت محاولة لمطابقة التقدير الغربي مع المعطيات الميدانية لديها. والحيرة التي سادت لدى هذه أن غالبيتها لديها ناسها في الشارع، سواء على شكل مناصرين لقوى سياسية، أو على شكل مجموعات لا تزال ــــ نعم لا تزال ــــ تعمل بإمرة ضباط أمنيين من هذا الجهاز أو ذاك. وكانت النتيجة عدم توقّع أمر كبير، إلى أن انطلقت الاحتجاجات قبل أيام في طرابلس، وسط محاولات حثيثة لنقلها الى مناطق أخرى، وخصوصاً في بيروت والبقاع الأوسط وطريق الجنوب وصولاً إلى صيدا.

لنضع جانباً كل الحديث السياسي المملّ عن السلطة ودورها. هذه سلطة لم ولن يخرج منها الخير. ولنضع جانباً، كل الكلام المطابق لكلام السلطة والصادر عن قوى في السلطة انتقلت الى المعارضة. وهي قوى لم ولن يخرج منها إلا الشر كما فعلت طوال أربعة عقود. ومهما تلونت ورسمت لنفسها صورة جميلة، فهي ستظل المرآة تعكس روحها البشعة.

أيضاً، لنضع جانباً الضغوط الخارجية لأجل تأليف حكومة تسير في البرنامج الدولي (الذي عرضته فرنسا) للحل في لبنان. وهو برنامج يقضي بأن يكون لبنان تحت انتداب جديد ولو بصورة مقنّعة من خلال استخدام جماعات الـ«ان جي أوز» كقناع لتولّي إدارة الدولة، وهو انتداب يستهدف الإمساك بمقدرات لبنان القائمة أو المتوقعة، كما يستهدف جرّه الى ضفة المحور العامل برعاية أميركا وأوروبا وإسرائيل والسعودية، ما يوجب التخلص من المقاومة.
ولنضع جانباً الآثار الطبيعية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية على أهالي هذه المدينة المهملة بصورة لم تعرفها منطقة لبنانية سابقاً، بما في ذلك «خِسّة» أثرياء المدينة الذين لا يغادرون مربع الصدقة والإحسان ولا يبنون مصنعاً واحداً يشغّل الآلاف من شباب المدينة وصباياها، ويعيل أهلهم.

ما يحصل اليوم يشير إلى أن لبنان مقبل على تحدّي اختبار الفوضى المناطقية التي قد يكون هناك من يحلم بتحويلها الى لحظة الاستغناء عن أي صلة بالدولة


لكن، هل من مجال لطرح الأسئلة التي يهرب منها الجميع؟

ترى، كيف لا يمكن لسياسي في لبنان، أو إعلامي، أو أمني، أن يقدّم خريطة واقعية تشرح طبيعة ما يجري في عاصمة الشمال؟ من هم هؤلاء المحتجّون؟ ومن هم الناشطون بينهم؟ وكيف يتمّ تنظيم تحرّكهم، ومن يقرّر هذه الوجهة من تنفيس الغضب من تلك، ومن يصرف الأموال المطلوبة (حتى لو كانت مئة ألف ليرة فقط)، ومن يقرر إعادة التركيز الإعلامي على هذه الزاوية أو تلك، ومن هو العبقري الذي يرفع الشعارات الكبيرة ضد ميشال عون وحزب الله، ثم يرمي القنابل على فرع المعلومات المحسوب على سعد الحريري الذي لا يزال خصماً أساسياً لميشال عون، ورابطاً للنزاع مع حزب الله؟ وكيف يمكن حصر الاحتجاجات بأهداف موضعية تقول بضرب كل المراكز التي تخص فكرة الدولة، قوى الأمن والسرايا والبلدية ومؤسسات أخرى موجودة على لائحة الأهداف؟ وهل نريد تكرار تجربة العام الماضي، حيث نعود من جديد الى الأسئلة البديهية عمّن يقود الناس وعن أي إطار ينظّم تحركاتهم، أم لا يزال السؤال حول ذلك محرّماً؟ ثم من هو الذي قرر أن كلّ سياسيي المدينة هم من الشياطين، ما عدا هذا أو ذاك من الذين يصادف ــــ يصادف فقط ــــ أنهم من المجموعة التي ترى أن إسقاط ميشال عون ونزع سلاح المقاومة هو الهدف المركزي الوحيد؟

هذه المرة، لا أحد يحتاج الى درس في معرفة الوقائع الاجتماعية الصعبة لهذه المدينة، ولا أحد يحتاج الى شروحات حول الحاجة الى انتفاضة أو حتى انقلاب على هذه السلطة المقيتة. لكنْ هناك حاجة إلى عدم التساهل مع الذين يحاولون اليوم، خطف المدينة وأخذها الى مواجهة نفسها فقط، إذ لا نتيجة عامّة لأي حركة من دون مشروع سياسي واضح. ولن تكون النتيجة سوى المزيد من العنف العدمي، الذي لا يشبه حتى دراما المنتحرين غضباً. وما يحصل اليوم يشير، وفق كل الحسابات العقلية، إلى أن لبنان مقبل على تحدّي اختبار الفوضى المناطقية التي قد يكون هناك من يحلم بتحويلها الى لحظة الاستغناء عن أي صلة بالدولة، وعندها سنبدأ نسمع عن العصيان المدني الشامل، وعن الحكومة المحلية الجديدة، وعن الإدارة المستقلة أو الموازية لمرافق الدولة، ومن ثم سنجد من يخرج أرنب الأمن الذاتي وهنا الطامّة الكبرى…

النتيجة أن طرابلس مخطوفة الآن، كما كانت مخطوفة منذ أربعين سنة على الأقل. رهينة يتبادلها الخاطفون. مخطوفة من سلطات تعاقبت على حرمانها من كل شيء. ومن برلمانات وبرلمانيين فاشلين. ومن زعامات لا ترتقي الى مقام فتوة الأحياء. بل تنتظر يوم الانتخاب لتجدّد لذاتها عبر المال، مخطوفة من أمراء المحاور وأولياء الدم والمسجونين، ومن جيش مرتزقة ينتشر اليوم كالفطر باسم المجتمع المدني، وجلّهم من «صبية السفارات» على أنواعها. ومخطوفة من بقايا «الثورة السورية المجيدة» الذين لا يزالون الى الأمس يعطون الدروس في كيفية العسكرة والانتقال الى مستوى جديد من «العنف الثوري»…

طرابلس فيها مساكين، يقوم دهاة من أهل النظام نفسه بتوجبه غضبهم الى حيث لن يكون هناك تغيير ولا ما يحزنون. والمدينة ستظلّ مسكونة برهاب الفوضى الأمنية الكبيرة، وخصوصاً مع قوى وأجهزة أمنية وعسكرية لا تعرف إلا الاستغلال أو الإفراط في استخدام القوة. وفي كل يوم يخضع فيه العاقلون لابتزاز المجانين، سترتفع الكلفة… قبل أن يخرج من يحرّر هذه المدينة ويعيدها الى أهلها الحقيقيين!

عن «هول» مشهد اقتحام الكابيتول على أنصار الغرب

جريدة الحوار نيوز

 ابراهيم الأمين 

الإثنين 11 كانون الثاني 2021

الاحتجاج على اقتحام مؤيدي دونالد ترامب مبنى الكونغرس ليس ذاته لدى الجميع. لم يكن الأمر غريباً على بلاد أعاد نصف الناخبين فيها تجديد الثقة به رئيساً لولاية جديدة، فيما لم ينجح خصمه الفائز في خلق غالبية شعبية حقيقية تدين ترامب وأفكاره وسياساته.

لندع النقاش الأميركي الداخلي جانباً. ما يجب الالتفات إليه هي حال «الهلع» التي سادت «مناصري» الديموقراطية الأميركية في العالم. هلع من انهيار «الفكرة» التي سكنتهم، بأشكال مختلفة، على مرّ عشرات السنين. «الفكرة» التي ثبتت بكل أشكال الحياة: اقتصادياً من خلال آليات إنتاج وتحكّم بالسوق وربط الإبداع بمنظومة تحتكر تصريف المنتجات على أنواعها. سياسياً من خلال نظم تحكم بتبعية شاملة لا فكاك منها مع النظام الحاكم في أميركا. ثقافياً من خلال نمط تعليم وتفكير وتعبير في الصحافة والفنون والأكاديميا والدراسات، والسيطرة على مراكز الإنتاج الثقافي بكل أنواعه، حتى صار أسلوب الحياة الأميركية ــــ كما تعرضه المنتجات ــــ الأسلوب الأكثر إغراءً لشعوب العالم.

في بلادنا، ظهر هلع يعيد تذكيرنا بالتاريخ اللبناني الرطب. هذا التاريخ الذي تشكّل على وقع المنظومة الغربية نفسها (قبل أن تنتقل إدارة الاستعمار من أوروبا إلى أميركا). كما تشكّل وسط النجاحات الهائلة التي حققتها «الفكرة الغربية». لذلك، نجد اليوم في لبنان، فقراء وأغنياء، متديّنين وعلمانيين، متحزّبين ومستقلين، كلهم «يخشون» على هذه «الفكرة».

في لبنان، لا يقتصر الصراخ على مرجعيات ومنظومات تحذّر من خطر «أخذنا الى خيارات لم نعتدها». هنا، بالضبط، يمكن فهم القلق على الفكرة الغربية من غالبية كبيرة ترفض التعامل مع الوقائع الجديدة التي تحكم العالم. غالبية لا تزال تعتقد أن أحداً لن يكون قادراً على التقدم خارج قفص الغرب أو الارتقاء خارج القواعد الغربية. حتى بات الناس يتصرفون وفق «مسلّمة» أن الدواء والعلاج، كما التعليم والبرامج وأساليب التدريس، كلها لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا جاءت من الغرب. من يردّدون هذه الفكرة، لا يسألون أنفسهم كيف يعيش مئات الملايين من البشر خارج هذا القيد. أساساً، لم يسأل هؤلاء، مرة واحدة، عن المصدر الحقيقي للثروات التي يتنعّم بها الغرب المتقدم، وعن سرقة ثروات الشعوب ومواردها المادية والبشرية من قبل هذه الدول المستعمرة على مدى مئات السنوات. وهؤلاء يرفضون، مثلاً، تقبّل حقيقة أن كلفة تنظيف الشوارع في «سوليدير» تساوي كلفة تنمية كل عين الرمانة وفرن الشباك. وهم يرفضون الإقرار بأن سارقي حقوق الناس في وسط بيروت، أعادوا رسم قلب المدينة على شكل لوحة باردة وأن ذلك تمّ بثروات وقدرات غيرهم. وكأن أهالي حيّ السلم لا يحبّون لشوارعهم أن تكون نظيفة ومضاءة وفيها أرصفة ومجارٍ لصرف المياه.

في لبنان، يمكن فهم «الاستلاب» ليس على صعيد فكري أو ثقافي. الناس، هنا، غير مستعدين لتغيير حزب أو قائد أو مرجع أو إدارة أو مؤسسة. في لبنان، اليوم، من هو مقتنع بأن الكهرباء لا يمكن أن تأتي من الصين أو روسيا أو إيران، مفترضين أن مليارَي إنسان يعيشون في العتَمة، وأن المولّد إذا أتى من الصين فلن يعمل عندنا، وكأن إنتاج الكهرباء متعلق بحسابات جينية وجغرافية وطبائع بشرية. والأمر نفسه ينسحب على نواحٍ كثيرة في حياتنا اليومية.

باختصار، القلقون في لبنان على انهيار «الفكرة الغربية»، هم أنفسهم الذين تعايشوا مع دونالد ترامب عندما ثبت رئيساً، والتزموا قراراته وشعاراته وآليات عمله، واليوم صاروا يرفضونه، معتقدين ربما أن أميركا أصبحت بلداً آخر. يتجاهل هؤلاء أن ما فعله ترامب ليس سوى الكشف عن حجم الأوساخ الموجودة تحت السجادة في تلك البلاد العجيبة. وكل ما أظهره هو حجم التنازع الداخلي على طريقة إدارة الحياة داخل أميركا أولاً، وخارجها ثانياً.

اللبنانيون الذين يتعاملون مع الحدث الأميركي من موقع الخائف على النموذج الغربي، يعيشون وهم «الدور» الاستثنائي لهم في مستقبل الحياة. لكن ما هو أكثر وضوحاً في ردود الفعل اللبنانية، مثلاً، هو تصدّر الحملة من قبل من يلمسون تراجع دورهم العام في حاضر البلاد وشبه المستحيل في مستقبلها. هؤلاء نخب لم يعد لديها أوهام للبيع، ولا أفكار، وكل ما تفعله، عملياً، هو «النقّ» والاحتجاج على ما يقوم به الآخرون. وهم إذ يمارسون أسوأ أنواع الكسل، يفترضون أن رصيد «الفكرة الغربية» يكفي لكي يبقوا حيث هم.

خذوا، مثلاً، حالة وليد جنبلاط، باعتباره أكثر رموز نظام التبعية رسوخاً في لبنان، والوحيد الذي لم تشمله رياح التغيير التي عصفت بلبنان على مدى نصف قرن. قلقه من التغييرات العالمية لا يتعلق بقلقه على مصير أفكار أو مجتمعات، بل يكمن في إدراكه أن صلاحيته انتهت، لا كقائد سياسي أو مرجع طائفي، بل كمفعّل ومروّج للفكرة الغربية. لا يعرف جنبلاط، مثلاً، كيفية التواصل مع محمد بن سلمان. ويأخذ عليه أنه لا يعرف مكانة الزعامة الجنبلاطية ومكانة جبل لبنان. لا يريد جنبلاط الإقرار بأن وسائل التواصل بين البشر تتيح لأقران ابن سلمان من الحكام الجدد العثور على كل ما يبتغون في أمكنة أكثر نظافة ولطافة وخدمة من هذه الزاوية التي يسمّونها لبنان الصغير.

الخشية على «الفكرة الغربية» عندنا تشمل جيلاً جديداً رغب في الثورة والتغيير، لا لقلب المعادلات بل ليحجز لنفسه مقعداً حول الطاولة


لكن جنبلاط لا يستند في «مقاومته» إلى صراخه غير المجدي، بل يستند، أساساً، إلى المريدين والتابعين. أولئك الذين يخشون انهيار زعامة المختارة، تماماً كما يخشى زعيم المختارة انهيار الفكرة الغربية. ترى الناس هائمين على وجوههم وهم يسمعون عن إمكان إنتاج تسوية جديدة في البلاد من دون الوقوف على خاطر البيك. هؤلاء يعرفون حقائق هذه اللحظة التاريخية من عمر لبنان. ويدركون، جيداً، أنه ليس بإمكان جنبلاط أن يطلب منهم ما لا يقدرون على فعله، لا سلماً ولا حرباً ولا ما يحزنون. كما يعرفون، أكثر، أن جنوح زعامتهم نحو خيارات متطرفة سيقود إلى الانتحار الجماعي. وهي حالة موجودة لا عند جنبلاط فحسب، بل عند كل الزعامة التاريخية للمسيحيين، أو المستجدّة عند السنّة والشيعة أيضاً.

عندما برز نبيه بري ورفيق الحريري وسمير جعجع وميشال عون كحالات بديلة من القيادات السابقة، كانوا يحصدون الأنصار على خلفية إحداث تغييرات كبيرة، لا على مستوى تداول السلطة وطبيعة التمثيل فقط، بل على شكل إدارة شؤون الناس. لكن الحقيقة أن أربعة عقود أظهرتهم في موقع المنقلب على السلطة، لا على النظام، والساعي إلى احتلال موقع في النظام نفسه. وهم تورّطوا في كل آلياته حتى صاروا يظهرون الخشية على انهيار «الحلم اللبناني». وهي خشية يظهر لنا، مع التدقيق، أنها محصورة بمنظومة المكاسب والمصالح والامتيازات التي تشكّلت حولهم منذ أن تولّوا الحكم. في حالة هؤلاء، تحديداً، تجد زعامة وليد جنبلاط، مثلاً، لا تخشاهم على الإطلاق. كأن جنبلاط يعرف تماماً، مثل أركان النظام الاقتصادي والمالي والتجاري، أن هؤلاء سيحدثون ضجيجاً. صحيح أن البيك سيضطرّ إلى «التعامل» مع شخصيات لم «تتمرّن» في مدارس «العائلات الكبيرة»، لكنه لم يكن يوماً يخشى أن يقترب أحد من هؤلاء من أساس النظام الذي يستمدّ هو قوته منه. بل كان، ولا يزال، مصدر نصح لهم في كيفية التعامل مع المستجدات بغية الحفاظ على الامتيازات. جنبلاط يعرف جيداً أن أبناء الشوف وعاليه، مثلاً، يخشون فعلياً على الزعامة الجنبلاطية. الناس هناك لا يملكون حجة منطقية وعلمية للدفاع عن موقفهم. ولا يقدرون على شرح أسباب حاجتهم إلى هذه القيادة. تراهم يتراجعون في كل شيء: في التعليم والاقتصاد والسياحة والقوة والنفوذ والعدد أيضاً. ومن يرغب منهم في بناء تجربة جديدة أو اتّباع شرط الارتقاء الحقيقي اجتماعياً وثقافياً، فما عليه سوى الانفكاك عن هذه الزعامة.
في لبنان، الخشية على «الفكرة» لا تقتصر على أبناء المؤسسة التي رعاها الغرب وثبّتها، بل هي موجودة لدى جيل جديد، سبق أن رغب في الثورة والتغيير. لكن هذا الجيل لا يستهدف قلب المعادلات، بل يريد أن يحجز لنفسه مقعداً حول الطاولة. وإذا تعذّر ذلك بسبب حشود الجالسين من طوائف وملل، فإنه يريد أن يُفسَح له المجال ليجلس إلى جانبهم، كأصحاب بدعة الطائفة العلمانية، هو جيل يمارس اللعبة نفسها التي قادها «التغييريون» الممسكون بالسلطة اليوم، ويهوى الغرب ونمط تفكيره وعيشه وآليات الإنتاج فيه. وهنا تظهر الأرض الخصبة لمنظّمات الـ«إن جي أوز». هؤلاء، لا يبحثون عن تعزيز الموارد المالية والفكرية والعلمية لبناء نموذج مختلف يخصّ كل الناس، بل يريدون تعديلات تخصّهم كأفراد. لكنهم، كما هي حالهم اليوم، لا يريدون الخروج أبداً من دائرة التبعية للنموذج الغربي، ولذلك لا يرون مشكلة في التعامل أو التعاقد مع مؤسسات الغرب، فيتقاضون منها التمويل ويردّون الخدمات لها بالدفاع عن سياسات النظام الغربي ومحاربة كل منتفض عليه.

الفريق الملتصق بفكرة الهيمنة الغربية لا يرى، ولا يقبل، أي تطور في الجهة المقابلة من العالم. أميركا وأوروبا تخوضان أعنف حرب ضد الثورة التكنولوجية والإنتاجية التي تقودها الصين، فيما في بلادنا من لا يزال عالقاً عند مزحة: هل تدعوني لشراء سيارة صينية أو هاتف صيني أو مولّد صيني؟

لننظر إلى كيفية تفاعل هؤلاء مع معركة العالم في مواجهة «كورونا». عندما تستقرّ الأولوية بناءً على وهم تفوق «الفكرة»، لا يعود هناك مكان للعقل في البحث عن عناصر مواجهة الوباء والبقاء. لننظر الى الدونية الكاملة في مقاربة أزمة كورونا. دونية تمنع انتقاد النظام الغربي الفاشل في الشقّين: الإداري، أي ما يتصل بإجراءات الحكومات، والطبّي لناحية اللقاح والعناية الصحية. يصرّح عتاة هؤلاء، وهم جهلة في حقيقة أمرهم: هل تنتظرون لقاحاً من الصين أو كوريا أو روسيا أو إيران؟ وهم عندما يفعلون ذلك، إنما يرفضون أيّ نقاش حول فضيحة تعامل المنظومة الغربية مع الوباء، وحول دور الدولة المركزية، وحول حقيقة الإنفاق على الرعاية الصحية، وحجم العناية بمراكز الأبحاث العلمية خارج إطار الشركات التجارية، وحول قدرة الجسم الاجتماعي على تحمّل كلفة الإغلاق التام، وحول المعركة المتعلقة بالأضرار النفسية الناجمة عن اضطرار مجتمعات بأكملها إلى تجربة طريقة جديدة في التواصل بين البشر، وحول إلزامية التصاق العائلات بعضها ببعض، وفشل التكنولوجيا في معالجة السأم… الخ.

أنصار «الفكرة» خارج دول الغرب الأساسية. ومنهم في لبنان يعتمدون الإنكار وسيلة وحيدة في الدفاع عن كسلهم والتحاقهم بهذا المشروع الذي لا ينتج هذه الأيام سوى الأزمات. ولا يخرج منه سوى القهر والصعوبات والتهديد بالحروب والقتل.

المسألة، هنا، ليست أن تعجب أو توافق على فكرة بديلة يحملها الشرق بتاريخه الإمبراطوري، سواء من الصين أو روسيا، أو التجربة التفاعلية المستندة الى فكر ديني تاريخي كما تفعل إيران… المسألة هي أن تقرّ بأن هناك مشكلة في أصل الفكرة الغربية، وأنها دخلت مرحلة جديدة من التحدّيات الصعبة. المشكلة في أن هناك غالبية لدينا ترفض الإقرار بالوقائع الجديدة… كم من هؤلاء يعرفون ما يميّز مطار شنغهاي عن أهم مطارات أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا؟ كم من صحافي أو أكاديمي أو باحث جرّب، من موقع محايد، أن يبحث في الأسباب التي تقف خلف بقاء الحكم على ما هو عليه في كوبا وكوريا، رغم كل الضغط والحصار والقتل والتجويع؟

غالبية لبنانية وازنة لا تزال تتصرف كجزء من هذا العالم المسكون بفكرة غربية سيطرت على كل نواحي الحياة. الناس، هنا، يتصرفون وفق الرواية التي تقول إن اقتحام متظاهرين لمبنى حكومي أو وطني كبير متل الكابيتول أمر غريب. كيف يمكن تفسير غضب مثقفي الـ«ثاو ثاو» مما فعله أنصار ترامب، لكنهم يدعون بعض «الرعاع» إلى تدمير المؤسسات الوطنية. هؤلاء لا يفكرون لحظة واحدة في انتفاضة من أجل إنقاذ الجامعة اللبنانية، لكنهم يخوضون معارك قاسية، وليست كلها مدفوعة الأجر، دفاعاً عن الجامعتين الأميركية واليسوعية… لأنهم، في حقيقة الأمر، لا يريدون خسارة أي رمز يربطهم عميقاً بالفكرة الغربية. هؤلاء يسيرون في شوارع العاصمة التي أطلقت عليها أسماء محتلّين وقتلة من المستعمرين الغربيين، ويرحّبون برئيس فرنسا ويطالبونه بإعادة الاستعمار، لكنهم يرفضون فكرة أن يحيي مناضلون ذكرى قائد أممي وقف إلى جانبهم في معارك لا تزال حرارتها قائمة، كما هي الحال مع الشهيد قاسم سليماني.

الغرابة أننا، هنا، نواجه غالبيّة غير متراصّة، لكنها قوية، وتتصل بأناس يقفون اليوم أمام استحقاق لم يشعروا يوماً بقربه، عندما يكون صعباً للغاية أن تعلّم أبناءك القيم، ثم تقرّر الهروب من مواجهة التحديات خشية أن تخسرهم.

السعودية راعية التطبيع مع العدوّ

الأخبار

موقع المقاومة الإسلامية في لبنان :: ذكرى 14 آب: بين تموزين – إبراهيم الأمين*  – خاص موقع المقاومة الإسلامية

ابراهيم الأمين الإثنين 21 كانون الأول 2020

في معرض شرحه أو تبريره قبول السلطات المغربية الاتفاق العام مع العدوّ الإسرائيلي، يقول دبلوماسي مغربي إن السعودية كانت على الدوام لاعباً مهماً في هذا المجال. لا ينفي الدبلوماسي العلاقات التاريخية التي ربطت العائلة الحاكمة المغربية بالمنظّمات اليهودية العالمية، وانعكاس ذلك علاقات مع المنظمات الصهيونية الداعمة لإسرائيل. ويقرّ بأن العلاقات مع إسرائيل أكثر عمقاً من العلاقات التي ربطت حكام آل سعود مع العدو. لكنه يدعو الى الانتباه إلى أن السعودية كما الإمارات العربية المتحدة تقومان بدور «مموّل هذه الاتفاقات الجديدة»، لافتاً الى أن حزمة المساعدات التي أغرت الولايات المتحدة الدول العربية بها للتعجيل بهذه الخطوة، تستند في جانب منها الى دعم ستوفّره الرياض وأبو ظبي مباشرة، أو من خلال المشاركة في مشاريع استثمارية تقوم فيها إسرائيل بدور مباشر، ولا سيما على صعيد الخبرات اللوجستية والتقنية.

المسألة، هنا، لا تتعلق فقط بهذا الدور المساعد، بل بالخريطة الإجمالية لفكرة التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. لأن من فكر بأن دونالد ترامب استعجل اتفاقات التطبيع لاستثمارها في الانتخابات الأميركية، أدرك بأن الأمر لم يكن بنداً ساخناً على جدول أعمال الناخب الأميركي. حتى الكتلة اليهودية الناخبة لم تتأثّر فعلياً بهذه الأمور. ثمّة ما هو مختلف في مقاربة اليهود الأميركيين للانتخابات الداخلية الأميركية، وهو أمر له أثره على أمور كثيرة، من بينها التباين بين هذه الكتلة وبين رئيس حكومة العدوّ بنيامين نتنياهو. وهو تباين لا يجب البناء عليه بسذاجة من يفكر بأن هناك احتمالاً لانقلاب يهود أميركا على إسرائيل. لكن حدوده متعلقة بالمصالح الاستراتيجية للكتلة اليهودية داخل أميركا نفسها.

صحيح أن النفوذ الكبير ليهود الغرب يفيد من يتحالف معهم أو يخدم مصالحهم، ومن ضمنها إسرائيل، لكن حكام الخليج يحتاجون إلى هذه المؤسسة لاحتواء أي إشكال يقوم مع الغرب، ولمنع قيام علاقات بين الولايات المتحدة ودول مركزية في المنطقة، من دون الأخذ في الحسبان مصالحهم. صار السعوديون والإماراتيون على وجه التحديد، يتصرفون على أساس أن وجودهم مرتبط بتوفير عناصر الأمان على يد الغرب، وفي مقدمته أميركا. وهم، هنا، يشعرون بأن المعركة الوجودية التي قرروا أنهم في داخلها، تتطلب حرباً من نوع مختلف مع المحور المقابل. وعند هذا الحد، لا تعود العلاقات مع إسرائيل محل نقاش، بل ما يبقى للنقاش هو الشكل والإخراج المطلوب لمنع حصول ما ليس في الحسبان.

في إسرائيل ليس هناك من يتوهم بأن العلاقات مع حكومات الإمارات والسعودية والبحرين والسودان والمغرب كما مع حكومات مصر والأردن وقطر، يمكن أن تنعكس تحوّلاً في المزاج الشعبي في هذه الدول. لا بل إن الاستراتيجيين في كيان العدو، يعرفون أن الحكومات المطبّعة غير قادرة على ضرب فكرة المقاومة حيث تنمو.
عند هذا الحدّ، يصبح المهم والأهم هو المتعلق بالواقع الاستراتيجي الذي يخص المصالح الرئيسية لدول التحالف الجديد. السعودية والإمارات والبحرين مثلاً، هي من الدول التي تخشى على استقرار نظامها السياسي والأمني والاقتصادي أيضاً. وهي تعتقد بأن الحماية الأميركية لم تعد كافية، وأدركت تدريجاً، منذ عام 2011، أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الوجود هنا، ولو بالأجرة. أما إسرائيل التي تدرك أيضاً منذ عام 2006 أنها لم تعد قادرة على خوض الحرب وحدها من دون دعم أميركي، فتظهر الخشية ليس من تمدّد محتمل لمحور المقاومة، وخصوصاً بعد الذي يجري في اليمن، بل من أن انهيار المنظومة الحالية في الخليج العربي سيضيق هامش الحركة الأميركية والأوروبية في هذه المنطقة. وهو ما يتطلّب الحضور الإسرائيلي المباشر. والعارفون بشؤون المنطقة يلمسون أن إسرائيل لم تعد تكتفي بما يردها من معلومات بالواسطة من هذه الساحات. ولم تعد تكتفي بشبكات المتعاونين معها مهما علت رتبهم. صار الوجود المباشر للأجهزة الإسرائيلية المعنية أمراً ضرورياً. وهو يتطلب مشروعية تسهّل الكثير من الأمور التي تبقى معقّدة مهما أتاحت لها الحكومات هوامش للحركة. الى جانب أمر آخر، يتعلق بفئة من المستثمرين الإسرائيليين الذين يريدون هذه السوق مباشرة، أو استخدامها للوصول الى أسواق يصعب الدخول إليها بشكل عادي والتي تمتد شرقاً حتى أفغانستان، وغرباً حتى إفريقيا.

ولذلك، يمكن العودة الى كلام الدبلوماسي المغربي، وفهم الدور السعودي المحوري والأساسي. بمعزل عما يظهر منه إلى العلن الآن أو في أي وقت آخر. السعودية، هنا، باتت حجر الزاوية لهذا التحالف الجديد. وعلى عاتقها مهمات كثيرة. وفي هذا السياق، يمكن فهم التدرّج في الخطوات السياسية وغير السياسية التي يقوم بها حكام آل سعود داخل الجزيرة العربية وخارجها من أجل تثبيت دعائم هذا التحالف.

تنشر «الأخبار» في ما يلي نصّ وثيقة مصدرها البريد السري داخل مراكز الحكم في السعودية، كتبها رئيس المخابرات السعودية خالد الحميدان إلى رئيسه وليّ العهد محمد بن سلمان، تتعلّق بملف التطبيع مع الإسرائيليين. وهو تقرير يشرح الخطوط العامة للتوجّه السعودي في كيفية التعامل مع هذا الملف.

 اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا
من ملف : «السعودية – ليكس»: فوائد التطبيع مع اسرائيل

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Britain’s spy system منظومة بريطانيا للتجسس

Britain’s spy system

Ibrahim Al-Amin

See the source image

Monday, December 14, 2020

The British ambassador to Lebanon left for good, and a successor was appointed. It was said that the reasons are personal and family, and in this speech, there is a lot of accuracy. But other official and informal staff with the British embassy in Beirut also left without noise, but not for personal or family reasons. As for those who remained, he was advised to be very careful, act on the basis that he was under surveillance, and to work to convince his family members of the futility of living in a country that was coming to a collapse.

However, not all informal liaison and work offices have been closed. To date, Badaro Street, for example, is still teeming with “foreign youth” who care about the Lebanese and Syrian people. They are working according to the principle of cash payments.


The British with experience in ancient colonialism also became experienced in the services of neo-colonialism. In Iraq, they laughed at the Americans for how they manage things in chaos, and in Syria they succeeded in convincing the Americans to leave some tasks for them, as is now the case in the Gulf states and in Yemen in particular.


After months of widespread frustration among the “cadres” of October 17 protests, the British motivated some activists, presenting many business projects focused on corruption, uncovering the hidden of the ruling political class, and identifying the source of the real danger to Lebanon’s position and role.

Unfortunately, they assume that there is no need to make much effort in other circles, where Her Majesty’s government has relations dating back to tens or even hundreds of years, as isthe case with the Druze reference and with the club that took root with Rafik Hariri within Sunna sect

The British know very well what has been happening in Lebanon for at least 18 months. A few weeks ago, the most prominent British government ministers explained the situation in Lebanon in front of Lebanese and Arab figures from our country, meeting them on the sidelines of a private meeting in the British capital.

If the general collapse is the only way to achieve this goal, it will be difficult for the Lebanese to anticipate any kind of support in the near term…

In the meantime, all those who accept to join the world of NGOs, the most attractive title of the new spies of the West deployed in many places and sectors, must work hard, and most of them call for revolution in the name of freedom, sovereignty and independence…

Britain has been and continues to be a bastion of colonial thought, whether it does so with its own hands and by its own decision, or as an adviser to the executioner of the new world.


Her Majesty… Everyone has strong eyes, ears and hearts whenever it is needed!

Subscribe to “News” on YouTube  here

From the file:    «London Lex»: How do we make the revolution of Lebanon?

منظومة بريطانيا للتجسس

ابراهيم الأمين 

See the source image

الإثنين 14 كانون الأول 2020

غادر السفير البريطاني في لبنان نهائياً، وتم تعيين خلف له. قيل إن الاسباب شخصية وعائلية، وفي هذا الكلام الكثير من الدقة. لكنّ آخرين من العاملين بصورة رسمية وغير رسمية مع السفارة البريطانية في بيروت غادروا ايضاً من دون ضجيج، لكن ليس لأسباب شخصية ولا عائلية. أما من ظل منهم، فقد جاءته النصيحة بأن يكون شديد الحذر، ويتصرف على أساس أنه تحت المراقبة، وأن يعمل على إقناع افراد عائلته بعدم جدوى الاقامة في بلد مقبل على الانهيار.

لكنّ مكاتب الاتصال والعمل غير الرسمية لم تقفل كلها. الى الآن، لا يزال شارع بدارو، مثلاً، يعجّ بـ«الشباب الاجنبي» الذي يهتم لأمر الشعبين اللبناني والسوري. هؤلاء، يعملون وفق مبدأ الدفع نقداً. لا حوالات ولا إيصالات ولا حتى تسجيلات. فقط هناك اتفاق على عمل يتم بين المشغّل وشباب لبناني يبحث عن عمل، وكل ما يعرفه أنه يقوم بأعمال الترجمة أو البحث أو كتابة عن أمور عادية يعرفها كل أبناء الحي. لكن مستلم المادة، ليس فقيراً وساذجاً. جمع كل هذه الداتا يجري في سياق خطة أوسع، هدفها معركة اتجاهات الرأي العام لدى الاوساط الشبابية اللبنانية.

البريطانيون أصحاب الخبرة في الاستعمار القديم باتوا اصحاب خبرة ايضاً في خدمات الاستعمار الجديد. في العراق كانوا يضحكون على الاميركيين كيف يديرون الامور بفوضى، وفي سوريا نجحوا في إقناع الاميركيين بترك بعض المهام لهم، كما هي الحال الآن في دول خليجية وفي اليمن على وجه الخصوص. عندنا، يتعرف البريطانيون من جديد على طواقم شبابية تهوى الغرب وأسلوب حياته. وبعض هؤلاء يتحمسون للعمل علناً مع أي عاصمة غربية. لكنّ البريطانيين، الذين سبق أن جرّبوا احتراق الجواسيس بعد كل انهيار، لا يريدون المغامرة. هم يفضّلون إدارة الامور بهدوء، وبصمت، وبعيداً عن أي جلبة.

بعد أشهر من انتشار الإحباط بين «كوادر» 17 تشرين، عمد البريطانيون الى تحفيز بعض الناشطين، عرضوا مشاريع عمل كثيرة تركز على الفساد وكشف المستور عن الطبقة السياسية الحاكمة، وتحديد مصدر الخطر الحقيقي على موقع لبنان ودوره. لا يحتاج البريطانيون الى شروحات كثيرة، لكنهم في بعض الحالات يغضبون، وعندما يلحّون على إنجاز أمر معين، هم يحددون العنوان فوراً: المطلوب التدخل لتحقيق انزياح في تموضع الشباب بين قواعد التيار الوطني الحر عند المسيحيين والقواعد «المتعلمة» المؤيدة لحزب الله عند الشيعة. وهم يفترضون – بكل أسف – أنه لا داعي لبذل جهد كبير في الاوساط الاخرى، حيث تربط حكومة صاحبة الجلالة بأقطاب الطوائف علاقات تعود الى عشرات بل مئات السنين، كما هي الحال مع المرجعية الدرزية ومع النادي الذي ترسخ مع رفيق الحريري عند السنّة.

البريطانيون يعرفون جيداً ما يحصل في لبنان منذ 18 شهراً على الاقل. لهم إصبعهم في كثير من الامور، وهم لا يتحدثون بجزم عن استراتيجية واضحة وحاسمة. وقبل اسابيع، تولى أبرز وزراء الحكومة البريطانية شرح الموقف من الوضع في لبنان امام شخصيات لبنانية وعربية من بلادنا، التقاهم على هامش اجتماع خاص في العاصمة البريطانية. كان شديد الوضوح في الحديث عن تضارب في الافكار لدى الغرب حيال ما يجب القيام به في لبنان. لكنه شدد على وجود خيار قوي، يقول بأن هناك من يعتقد أن لبنان يصعب إصلاحه مع هذه الطبقة الحاكمة، وأنه يمكن توفر فرصة كبيرة في حال أطيحت. واذا كان الانهيار العام هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف، فسيكون من الصعب على اللبنانيين توقع أي نوع من انواع الدعم في المدى القريب… و في هذه الاثناء، يجب العمل بقوة على كل من يقبل الانضمام الى عالم الـ«ان جي أوز»، العنوان الأكثر جذباً لجواسيس الغرب الجدد المنتشرين في أماكن وقطاعات كثيرة، وجلّهم يدعو الى الثورة باسم الحرية والسيادة والاستقلال…

بريطانيا كانت ولا تزال معقل الفكر الاستعماري، سواء فعلت ذلك بيدها وبقرارها، أو كمستشارة عند جلاد العالم الجديد. وكل كلام عن ديموقراطية وحرية وغير ذلك، يمكن التعرف عليه، في الغرفة الضيقة، حيث تتم عملية الاغتيال البطيئة لأحد أبطال التحرير، المناضل المعتقل جوليان أسانج.
صاحبة الجلالة… للجميع أعين وآذان وقلوب قوية متى احتاج الأمر!

 اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

من ملف : «لندن ليكس»: كيف نصنع ثورة لبنان؟

مقالات متعلقة

إلى الحرب… كما في الحرب | المقاومة بعد مناورة «السهم الفتّاك»: قاموسنا ليس فيه أيام قتاليّة

إلى الحرب... كما في الحرب | المقاومة بعد مناورة «السهم الفتّاك»: قاموسنا ليس فيه أيام قتاليّة

ابراهيم الأمين 

الإثنين 30 تشرين الثاني 2020

بين 25 و 30 تشرين الأول الماضي، استنفرت المقاومة الإسلامية جميع وحداتها في مختلف مناطق انتشارها، داخل لبنان وخارجه. عدد هائل من المقاومين، من القوات النظامية أو قوات التعبئة، التحقوا بنقاط عملهم المقرّرة. وحدات الرصد كثّفت من عملها، وتمّ نشر الوحدات القتالية حيث يفترض أن تؤدي دوراً مركزياً، بينما كانت الوحدات الاستراتيجية تقوم بالتموضع العملياتيّ الذي يجعلها في حالة الخدمة المباشرة متى صدرت الأوامر. ودخل الباقون، من العاملين في مختلف صنوف خدمات الدعم القتالي (دعم، اتصالات، إسعاف حربي، إلخ)، مروراً بالمشرفين على آليات العمل في غرف العمليات، في حالة جهوزية وصلت إلى حدّ إخلاء عدد كبير من المراكز. كلّ ذلك حصل بصمت، بضجيج لم يلتفت إليه إلا المعنيون، وبعض من صار يفهم بلفتة أو حركة عابرة، أن هناك حالة طوارئ قائمة.

قرار الاستنفار، الذي جعل الجسم العسكري للمقاومة الإسلامية في وضعيّة مناورة واقعية، اتُّخذ عشية بدء قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي مناورة دفاعية رفيعة المستوى في مساحة واسعة من شمال فلسطين المحتلة، وهي مناورة «السهم الفتّاك» التي اتخذت من الجبهة الشمالية عنواناً مركزياً لها. والجبهة الشمالية في عرف العدو العسكري، هي المنطقة التي تشمل كلّ حدود فلسطين الشمالية في لبنان وبحره وسوريا وجبالها. منذ ما بعد تحرير عام 2000، يتعامل العدو بطريقة مختلفة مع الجبهة الشمالية، وبعد فشله في حرب عام 2006، صار الربط عضوياً بين الجبهتين السورية واللبنانية. في كيان العدو، ثمة مَن صار يتحدث عن الحرب المقبلة باعتبارها «حرب الشمال الأولى» وليس حرب لبنان الثالثة.
لكن الذي ربما لا يعرفه الجمهور عندنا، يعرفه العدو، بأجهزة استخباراته العسكرية والتجسّسية، كما قياداته العسكرية، الذين شاهدوا استنفار المقاومة وتلقّوا الرسالة. فهذه المرة، سعت المقاومة من خلال بعض الخطوات الى إفهام العدو قصداً، أنها في حالة جهوزية قتالية جدية، إن هو فكّر بالقيام بعمل خارج المألوف، أو حاول اتخاذ المناورة ساتراً لعدوان ما.
ربّما ليس معلوماً أيضاً، أن مناورة «السهم الفتّاك» جاءت كتتويج لسلسلة تدريبات صامتة استمرت أسابيع عدة، واشتملت على مناورات متنوّعة تخصّ ساحات عدة. لكن ما أُنجز قبالتنا، شكّل الجزء البري والأخير. ومع ذلك، فإن كل هذه المناورات كانت تحت نظر المقاومة الإسلامية، وهي لم تكن أصلاً بعيدة عن المعرفة المسبقة بنوايا العدو. وميزة المقاومة الإسلامية في لبنان عن بقية أعداء إسرائيل تكمن في نضج جاء ثمرة تراكم خبرات وعمل أربعة عقود جعلت حزب الله يفهم العدو عميقاً جداً.

ثالوث كوخافي
نظريات عسكرية كثيرة أطلقها الذين تعاقبوا على قيادة جيش الاحتلال في السنوات الـ15 الأخيرة. الثابت الوحيد فيها كان ولا يزال التهديد بضربات فتّاكة لقواعد المقاومة وبيئتها المدنية والبنية التحتية للدولة اللبنانية كعقاب على عدم نزع سلاح حزب الله. لكنّ النقاش لا يخص الحافزية والأسباب الموجبة للحرب الشاملة. المسألة هنا أن في إسرائيل مَن يرفع الصوت كلّما تحمّس البعض للحرب الشاملة سائلاً: هل لديكم اليقين بنصر حاسم وسريع وواضح؟
اللاجواب على هذا السؤال، لا يمنع العدو من استمرار العمل على فكرة الجهوزية الكاملة. لكنّ التعديلات الجوهرية تتصل بالمدى الزمني لهذا النوع من الجهوزية. نحن أمام جيش كبير، وأمام تركيبة عسكرية معقّدة، ووحدات قتالية ولوجستية ضخمة، وأمام عديد كبير جداً. ما يعني أن الجهوزية تحتاج إلى تبدّل جوهري في آليات العمل اليومي عند العدو. ولذلك، كان رئيس أركان جيش العدو افيف كوخافي واضحاً خلال كلامه المتعدّد والمتنوّع الذي قاله أمام ضباطه وجنوده: يجب أن نكون في حالة جهوزية كأنّ الحرب واقعة الآن!
لكن كوخافي يتصرف على أساس أن الجهوزية تستهدف إمّا مواجهة تطور طارئ ناجم عن عمل ابتدائي تقوم به المقاومة ضد أهداف إسرائيلية، أو مبادرة إسرائيل إلى عمل عسكري يستوجب مواجهة كبيرة، لكنّها أقل من حرب شاملة. وهنا برز إلى الواجهة تعبير جديد هو «الأيام القتالية»، وهو غير تكتيك «المعركة بين الحروب» الذي تستخدمه قوات العدو لتنفيذ عمليات قصف واغتيالات وتخريب ضد جبهة المقاومة. أما فكرة «الأيام القتالية» فلها معنى آخر في العقل العسكري للعدو.
في أيام المناورة، وُزِّع في كيان العدو فيديو لرئيس أركان جيش الاحتلال يتحدث فيه أمام ضباط من القوات العاملة في البرّ. الخطاب لم يُقَل في هذه المناورة بالتحديد، إلا أن مضمونه يلخّص تصور كوخافي عن إطار المواجهة التي تحتاج حكماً إلى تدخل القوات البرية المشاركة في المناورة. هو قال: «نحتاج إلى إنجاز عالٍ جداً في وقت قصير قدر المستطاع، لكن مع ثمن منخفض من الكلفة، وهو لا يتمّ من دون دخول بري، والأهم أن عليكم أن تستعدّوا كأن هذا سيحدث غداً».
وقد سبق لكوخافي أن تحدث في أكثر من مناسبة في العامين الماضيين عن نظريته، والتي يمكن وصفها بـ«ثالوث كوخافي». وهي تتضمّن الأضلع الثلاثة الآتية:
– حدّ أقصى من الفتك، أي تدمير الطرف الآخر مادياً وبشرياً.
– حدّ أدنى من الخسائر، في قوات الاحتلال وجبهته الداخلية.
-حدّ أقصر من الوقت لإنجاز المهمة.

المقاومة: لا نعترف بأيام قتاليّة
قائد فرقة الجليل في جيش الاحتلال شلومو بيندر يذهب ليكون أكثر وضوحاً. قال لمراسل «إسرائيل هايوم»: إن المعركة الحقيقية «هي من يتعلّم أكثر وأسرع». فرقة الجليل لم تشارك أصلاً في المناورة. كانت تقوم بمهامّها كالمعتاد. انتشارها ودورها على طول الحدود مع لبنان بقيا في حالة استنفار كما هي الحال منذ أربعة شهور. لكنّ شلومي بيندر يحاكي أهداف المناورة الأخيرة، منطلقاً من أن حزب الله سيردّ بشكل مؤكد على قتل مقاتل له في سوريا. لكنّه يذهب إلى التهديد بردّ قاسٍ قائلاً: «لا أنصحهم باختبارنا من جديد، لأن الرد سيكون غير متناظر مع ما يُتوقع حدوثه. نحن مستعدون جيداً، أيضاً لوضع نضطرّ فيه إلى خوض عدة أيام قتالية. حزب الله سيدفع ثمناً باهظاً». هنا، يصل بيندر إلى الكلمة المفتاح، أي إلى «الأيام القتالية»، وهو يقف عند هدفها المركزي: حزب الله يريد إرساء معادلات وهو ما لا نقبل به.
وبحسب مناورات جيش العدو، فإن فلسفة «الأيام القتالية»، تستهدف عمليات لتغيير قواعد الاشتباك. وهذا يعني في قاموس العدو عدم تقييد حركة قواته في لبنان وسوريا لضرب أهداف تخصّ «التموضع الاستراتيجي» للحزب هناك، كما تستهدف منع المقاومة من مراكمة قدرات في البناء الصاروخي، ولا سيما عملية تحويل الصواريخ إلى صواريخ ذكية تحقق إصابات نقطوية مع فعّالية تدميرية كبيرة. والعقل الاستراتيجي الإسرائيلي يفترض أنه في «الأيام القتالية»، سيوجّه ضربات قاسية جداً تجعل حزب الله يدفع الثمن الكبير وتردعه، من دون أن يقود ذلك إلى حرب مفتوحة.


تصميم: سنان عيسى | انقر على الصورة لتكبيرها
في المقابل، ثمّة أمور يجب التوقف عندها. فتطور العقل العسكري للمقاومة في العقدين الأخيرين، انعكس نتائج عملانية واضحة على الأرض، تمثل في إزالة قسم كبير من آثار الاحتلال، ومنع تكراره، ثم إفشال حرب قاسية كما حصل في عام 2006. كذلك وفّر منظومة ردعت العدو عن القيام بأعمال عدائية، ليس ضد المدنيين فحسب، بل ضد المقاومة أيضاً. وجرى تثبيت قاعدة مركزية في عقل العدو بشأن حق المقاومة في تطوير قدراتها بما يتناسب مع خططها. ثم جاءت تجربة الحرب السورية لتظهر نتائج التطور المباشر ليس على صعيد القدرات والأدوات القتالية، بل على صعيد العقل الاستراتيجي أيضاً.
بهذا المعنى، فإن العدو عندما يفكر في الأيام القتالية، ينسى أو يتجاهل حقيقة أن حزب الله لم ولن يقبل المسّ بقواعد الاشتباك الحالية. بل أكثر من ذلك، فإن الحزب يعمل على تثبيت قواعد الاشتباك في سوريا وليس في لبنان فقط. وبالتالي فإن السؤال موجّه إلى عقل قادة العدو: هل تعتقدون أن الأيام القتالية ستدفع المقاومة إلى القبول بما لم تقبل به جرّاء الحرب الكبيرة أو المعارك بين الحروب؟
العقل العسكري للمقاومة يتصرّف بحسم مع هذا الموضوع، وأول القرارات، هو إبطال مسبق لفكرة وفلسفة وبنية وهدف «الأيام القتالية». وهذا ما يوجزه المعنيون في قيادة المقاومة بعبارات واضحة: «طبيعتنا لا تسمح بأيام قتالية، وبالنسبة إلينا، الأيام القتالية هي حرب. وبالتالي فإن المقاومة ستخوض هذه الأيام القتالية على أساس أنها حرب، وفي الحرب، تكون الحرب بكل مواصفاتها».
هناك منطق عسكري يردّده قادة العدو (يُكتب بالعبرية: במלחמה כמו במלחמה)، وهو مفهوم ثبّته قادة جيوش أوروبا في القرن السابع عشر، «à la guerre comme à la guerre»، ومعناه بالعربية: «في الحرب كما في الحرب»، وعندما يستخدمه قائد مع قواته فهو يقول لهم: «في حالة الحرب، عليكم إنجاز كل ما هو مطلوب، وتصبح كل الوسائل متاحة، ولا تبخلوا في الخيارات أو الوسائل لتحقيق الهدف… وهذا ما تنوي المقاومة القيام به».

لكن ماذا عن ثالوث كوخافي؟
لا تنكر المقاومة حقيقة القدرات الهائلة لجيش العدو على صعيد القوة النارية التدميرية. وبحسب العقل العسكري للمقاومة، ثمّة إقرار بأن العدو قادر على تحقيق الضلع الأول من ثالوث كوخافي، أي بلوغ الحد الأقصى من الفتك. لكنّ المقاومة تدعو العدو هنا إلى تذكّر، أنه لم يكن أقل فتكاً في كل حروبه السابقة. وفي مراجعة لتاريخ كل حروبه، يظهر بوضوح أن إسرائيل لم تكن زاهدة على الإطلاق في عمليات القصف المجنونة. (أرقام جيش العدو نفسه، تتحدث عن استخدام 173 ألف مقذوف بري فقط خلال حرب عام 2006، والاضطرار إلى إقامة جسر جوي سريع مع الولايات المتحدة لإعادة ملء المخازن). وبالتالي فإن السؤال يصبح: ما هي الإضافة، وماذا يعني المزيد من الفتك، إلا إذا وضع العدو في بنك أهدافه المنشآت المدنية اللبنانية، تلك التي تجنّب قصفها عام 2006 لأسباب سياسية فرضتها الخطة الأميركية للحرب.
لكن إذا كان العدو يقدر على تحقيق الضلع الأول المتمثل في الفتك، فماذا عن الضلعين الآخرين، أي حجم الخسائر في جبهته وفترة الحرب الزمنية؟
تجزم المقاومة، من دون تردد، بأن العدو لن يكون قادراً على الإطلاق، وتحت أي ظرف، على التحكّم بعنصر الوقت. كما سيكون من شبه المستحيل على العدو التحكّم بحجم ردود المقاومة، وبالتالي، التحكّم بحجم الخسائر التي ستقع في جبهته.
وبعيداً عن أي حماسة أو تهويل، فإن المقاومة هي من يتحكّم بضلعَي الوقت والخسائر. وفي هذه النقطة، فإن برنامج عمل المقاومة يشتمل على تصوّر واضح وخاص لكلمة «فتاك»، أي أن على العدو توقّع ردود غير مسبوقة من قبل المقاومة لتحقيق «فتك» لم تعرفه «إسرائيل» أصلاً منذ عام 1948. ومن المفترض أن يكون قادة العدو قد أدركوا المعنى المباشر للمعادلة التي أعلن عنها سابقاً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، عندما رفع شعار «الضاحية مقابل تل أبيب». وهذا له تداعياته على كل الأمور الأخرى في الحرب، بهدف تثبيت المعادلة الأكيدة في قرارات المقاومة لناحية «العمق بالعمق».
ويمكن هنا الاكتفاء بما ينقله إعلام العدو عن قياداته العسكرية والأمنية حول القدرات الصاروخية للمقاومة. لقد توقّف العدّاد منذ مدة طويلة عند رقم 150 ألف صاروخ من أنواع مختلفة. وذهب العدو بعدها إلى الحديث فقط عن الصواريخ الكبيرة ومن ثم الدقيقة. وهو يشير دائماً إلى أنواع من الصواريخ التي تستعرضها القوات الإيرانية ويتصرف على أساس أنها باتت في حوزة حزب الله، وهي من أنواع تغطي، على صعيد المدى، كل مساحة فلسطين المحتلة، وتحمل رؤوساً متفجّرة بزنة تصل إلى 600 كلغ من المتفجّرات، عدا قدرتها على تحقيق إصابات دقيقة مع هامش خطأ لا يتجاوز الأمتار العشرة. وفي حالة الحرب، فإن المقاومة لم تمتلك هذه الصواريخ لتزيّن بها أرض لبنان، والمقاومة لا تخزّن السلاح كما فعلت وتفعل جيوش عربية كثيرة، بل هي تستخدمها متى تطلّب الأمر. وربّما بات معلوماً، أن قيادة المقاومة، وخلال حرب عام 2006، لم تجد نفسها مضطرّة إلى استخدام أنواع من الصواريخ التي كانت تغطي منطقة «غوش دان» وسط الكيان. لكنّ الأكيد أنه في أي جولة مقبلة، سنعود إلى فكرة الشتاء الصاروخي على كلّ فلسطين، وتحديداً على المستطيل الذي كان أشار إليه السيد نصرالله في مقابلة سابقة له، وهو بمساحة تقلّ عن مئة كيلومتر مربع، وفيه قلب وعصب الكيان.
أما لناحية الضلع الثالث المتعلّق بفترة الحرب، فإن العدو يعرف بالتجربة، من كل المواجهات السابقة مع المقاومة في لبنان أن هناك حقيقة ثابتة تقول بأن إسرائيل كانت من يصرخ أولاً. حتى إن قادة العدو يُقرّون بصورة دائمة بأن حزب الله يتميّز بإجادة «لعبة الصبر والاستنزاف»، وأنه كان دائماً صاحب الصلية الأخيرة.

المقاومة والمناورة؟
ليست هي المرة الأولى التي تُجري فيها إسرائيل مناورات ضخمة قبالة لبنان. لكنّ هذه المرة، جاء استنفار المقاومة بدرجة كبيرة ليس خشية من أمور تجهلها حيال نوايا العدو، إنما بقصد البعث برسالة واضحة إلى العدو بأن ما يقوم به من تدريبات ووضع خطط إنما هو تحت نظر المقاومة.
وفي بعض الخلاصات، يتضح أن هناك ثغرة مركزية يواجهها جيش الاحتلال، وأن مصدر الإحباط أو التعب عند العقل العسكري لقيادة العدو يتركّز حول القلق من فعّالية القوات البرية في أي معركة في مواجهة حزب الله. والسبب ببساطة، أن نظرية كوخافي في المواجهة تفترض دوراً مركزياً للقوات البرية. ولذلك حاكت المناورة هدف «تقصير المدى العملانيّ» للقوات البرية في أي خطة عملياتية إسرائيلية. وأن المهمة تُترجَم بوضع حد ضيق للتوغّل داخل الأراضي اللبنانية.
في حروب سابقة، من بينها اجتياح عام 1982، نفّذت القوات البرية للعدو مناورة قتالية أوصلتها إلى تخوم بيروت. لكن ما هو مطروح اليوم أمام القوات البرية، يقتصر على توغّل بعدة كيلومترات فقط داخل الأراضي اللبنانية. وهذا المبدأ يعرف العدو أنه من النتائج المباشرة لحرب تموز، تلك الحرب التي أنتجت حقيقتين عسكريتين عند العدو، أُولاهما، عدم القدرة على حسم الحرب من الجو، والثانية، تتعلّق بانعدام فعّالية القوات البرية لتحقيق الاحتلال والسيطرة.
أمر آخر يتابعه العدو، ولكن ربّما لا يعي حقيقته، وهو متصل بكلام السيد نصرالله مراراً عن أن المقاومة ستدمّر كل فرق العدو البرية التي تتوغّل في الأراضي اللبنانية. وواضح أن العدو صارت لديه صورة، وإن لم تكن مكتملة، حول قدرات المقاومة وخططها لتنفيذ هذا الوعد. ومن يعرف قليلاً عن هذه الخطط يدرك بأن الجهوزية لمواجهة القوات البرية أكبر من أن يتخيّلها أحد.
وفي هذا السياق، تظهر تجارب حرب تموز 2006، وتجارب المعارك المتنوّعة في سوريا، حجم التطور على مستوى العمل المباشر للوحدات القتالية للمقاومة في أرض الميدان. وهذا يُحيلنا إلى الوجه الآخر لمبدأ «الفتك» الذي سيواجهه العدو في حال تورّطه في أي حرب، لأن ما ينتظر فرقه وقواته البرية التي يقول رئيس أركان جيش الاحتلال إنها ستعمل بالضرورة، سيكون أكبر من المُتخيَّل. إذ أن تدريبات ومناورات المقاومة النظرية والعملانية على مدى عقد ونصف عقد، أنتجت أفكاراً ووسائل تشرح المعنى المقصود بعبارات السيد نصرالله عندما يقول جازماً: «إن كل فرقكم البرية ستُدمَّر في حال دخولها إلى لبنان».

ماذا عن تحدّي الجليل؟
في هذه النقطة، يظهر البعد الإضافي للمناورة الإسرائيلية. حيث وضعت على طاولة هيئتها الأركانية وقواتها، مَهمة دفاعية مركزية تقوم على فرضية أن قوات خاصة من حزب الله ستكون مجهّزة للدخول إلى الجليل الفلسطيني المحتل، وهدفها السيطرة على مواقع ومستوطنات. وهنا يضع العدو في حساباته أن المقاومة ستقوم بعمليات أسر وتحويل المستوطنين إلى رهائن. ولذلك، كان قائد فرقة الجليل شلومي بيندر صريحاً بقوله، إن هناك ما لا يقل عن 22 مستوطنة قريبة من الحافة مع لبنان سيتم إخلاؤها في أي مواجهة، ولن يبقى فيها إلا قوات الحماية المحلية (مجموعات شكّلتها مجالس المستوطنات) بالإضافة إلى القوات العسكرية. وبيندر نفسه، لا يحسم مسبقاً القدرة على منع تجاوز المقاومين للحدود. بل هو قلّل من أهمية تعطيل الأنفاق قائلاً: «يقدر حزب الله على الدخول من فوق الأرض إذا تعذّر عليه الدخول من تحتها»!
يبدو العدو لمرة أولى في تاريخه حاسماً لناحية أن المقاومة لا تملك الرغبة أو الإرادة فحسب، بل هي تملك أيضاً القدرة على تحقيق هدف من هذا النوع. والعدو يراجع هنا تجارب العمليات الهجومية للمقاومة في سوريا، وخصوصاً قيام قوات كبيرة أو متوسطة بالسيطرة على مدن كبيرة ومتوسطة أو أحياء في مدن مكتظّة عمرانياً وسكانياً أو حتى الوصول إلى مواقع في تضاريس جغرافية شديدة التعقيد.

خطأ التقدير عند العدوّ
في عقل المقاومة العسكري متابعة لا تقتصر على الجانب الإجرائي من عمل قوات العدو، بل أكثر من ذلك. ويلفت أحد القادة الجهاديين إلى «أمر مستجدّ ومُهم»، قائلاً: «نلاحظ اليوم تبدّل أجيال القادة عند العدو، ويوجد اليوم ضباط كبار يُظهرون جرعة زائدة من المعنويات. هؤلاء ربما يفكرون بأنهم سينجحون حيث فشل أسلافهم. لكننا نعرف أن بعض العقلاء عندهم يُحذرونهم من مغبة التباهي والذهاب إلى حرب. لكن، قد يحصل خطأ في التقدير، وعندها سيواجهون ما لا يتوقّعون».
ويضيف القائد الجهادي: «تمتلك إسرائيل قدرات كبيرة جداً، وهي تعرف الكثير عن المقاومة. ومعرفة الإسرائيليين ببعض الأمور، هي التي تنعكس قلقاً عندهم من بعض الأمور، مثل اقتحام الجليل. لكن هم لا يعرفون كل ما نفكر به نحن، وهناك أشياء كثيرة جداً لا يعرفون عنها أي شيء. يوميات الصراع الدائر، تشرح لنا ما يعرفه العدو عنا، لكنّ الأهم، أننا نعرف العدو بصورة وافية. نعرف كل شيء عن جيشه وقواته، ونعرف أكثر كيف يفكر ونجيد توقّع تصرفاته. لدينا تقديرات دقيقة حول أيّ قرارات سيتخذها العدو، حتى إن لدينا تقديرات بشأن القرارات التي لم يتخذها بعد. وإذا كانت بعض الأوضاع المستجدّة، ستضطره إلى اتخاذ بعض الخطوات، فإن لدينا قدرة على استشراف ما سيقوم به العدوّ. في مكان ما، وبمعزل عن طبيعة الوسائل التي نستخدمها، إلا أننا نعرف عنهم أكثر مما يعرفون عنّا».


القوات المشاركة في «السهم الفتاك»
بحسب المعطيات، فإن مناورة “السهم الفتاك»، تمّت بمشاركة وحدات مختلفة من جيش الاحتلال، التي تشتمل على قوات نظامية وعلى القوات التي تعمل ضمن خانة الخدمة الإجبارية في الجيش. ومن أبرز المشاركين في المناورة:
هيئة الأركان العامة./ قيادة المنطقة الشمالية./ شعبة الاستخبارات./ ذراع الجوّ.

تشكيل الدفاع الجوي:
– الكتيبة 137 (القبة الحديدية).
– الكتيبة 138 (التي تُعنى بتشغيل منظومة الدفاع الجوي «باتريوت»).
– مقلاع داود ــــ أو العصا السحرية (منظومة دفاع صاروخي).
– منظومة «حيتس» لاعتراض الصواريخ.
– تشكيل الطائرات المأهولة عن بعد «كتمام».
– سرب “هناحش هشاحور” (الثعبان الأسود) الذي يشغل طائرات «هرمس 450».
– السرب 200 الذي يشغل طائرات «شوفال».
– قاعدة تل نوف: السرب «مغاع هكساميم» (مروحيّات أباتشي).
– قاعدة رمات دافيد في الشمال بكلّ أسرابها.
– قاعدة نيفاتيم: السرب 140 (طائرات F35i ــــ المسمّاة إسرائيلياً «أدير»).

ذراع البر:
– المركز القومي للتدريبات البرية.
– الفرقة 162 (الفرقة النظامية المدرعة الرقم 2 في الجيش بعد الفرقة 36، وهي من ناور في حرب تموز 2006 داخل وادي الحجير، سواء بلواء المدرعات فيها 401 أو لواء المشاة الناحل 933 وتلقّوا شرَّ هزيمة).
– فوج المدفعية 215، التابع للفرقة 162.
– لواء المشاة الناحل 933، التابع للفرقة 162.
– لواء المدرعات 401 (كتائبه الثلاث 9، 46، 52)، التابع للفرقة 162. (ميركافا 4 ومزوَّدة بمنظومة معطف الريح «تروفي»).
– كتيبة روتم من لواء المشاة غفعاتي 84، التابع للفرقة 162.
– وحدة محاكاة العدو (الوحدة الحمراء).
– كتيبة الهندسة 601 التابعة للواء 401.

ذراع البحر:
– سفن الصواريخ، زوارق سوبر ديفورا، غواصات.
– الشييطت 3 (الفصيلة 33 ).
سلاح الاتصالات والحوسبة
– شعبة الحوسبة والدفاع في السايبر
– قسم حماية السايبر
– منظومة الاتصالات «تْسَيّاد» 750. (الكلمة تسياد هي اختصار بالعبرية للأحرف الأولى من جملة «جيش ــــ بري ــــ رقمي»).

شعبة التكنولوجيا واللوجيستيكا:
– مركز الذخيرة في شعبة التكنولوجيا واللوجيستيكا

وحدات خاصة:
– الوحدة المتعددة الأبعاد (عُتْسْباتْ بِيْزِكْ).

قيادة العمق:
– لواء الكومندوس (مَغْلانْ، دوفدوفان، إيغوز)


«فتاك» لا «قاتل»… وأدرعي!

في سياق الحديث عن المناورة العسكرية للعدو، تداولت كل وسائل الإعلام العربية اسم «السهم القاتل» على المناورة. لكن بعض التدقيق، يكشف أنها ترجمة غير دقيقة وغير محترفة لاسمها العبري «חץ קטלני» الذي يعني بالعربية «السهم الفتاك»، أما صفة «القاتل» التي استخدمها الإعلام العربي، فمردّها الى ما نشره الناطق باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي في سياق تغريداته عن المناورة. وأدرعي هذا، يظهر دائماً بصورة «بهلوان» الحرب النفسية لجيش العدو، علماً بأنه يملك إمكانات وفريقاً وهامش حركة. لكن، هل يقيّم قادته ما يقوم به على صعيد وظيفته المصرّح عنها مهنياً، لأنه بالتأكيد ليس هناك في إدارة أجهزة العدو المعنية أغبياء يعتقدون أنه يحقق أي نتيجة مهنية مباشرة، إلا إذا كانت الاستخبارات الإسرائيلية تستخدمه لغايات أمنية، وتتخذه ساتراً للنفاذ الى متابعين له على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم بالمناسبة كثر.

ماذا يعني انتظار الانتخابات الأميركيّة؟

الأخبار

ابراهيم الأمين 

الإثنين 2 تشرين الثاني 2020

الإقبال الكبير على الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركية، يقابله إقبال كبير في كل العالم على متابعة هذا الحدث. صحيح أنه منذ سنوات طويلة، ينظر العالم كله بعين القلق الى من سيكون رئيس أميركا، لكن هذه المرّة، يتصرّف البشر كأن مصيرهم عالق على نتيجة التصويت. إنها معضلة العلاقة الإلزامية بالممسك بمفاتيح أساسية لحياة مليارات البشر في العالم. وإذا كان الأميركيون لديهم حساباتهم الخاصة لتقرير من يفضّلون، فإن البشرية تتصرّف بتوتر ناجم عن كونها محرومة من إلقاء الورقة في صندوق سيختار من له دور أساسي في مستقبلهم. في هذه اللحظة، يتصرف البشر مثل قاطني بيروت من غير «سكانها الأصليين»، أي الذين لا يقدرون على اختيار مجلسها البلدي الذي يدير أمورهم اليومية. ها نحن الآن، نحسب لأنفسنا دوراً في هذه الانتخابات.

ولأننا كذلك، نختلق عناوين ونقاشات ومتابعات لما يحصل هناك، على قاعدة أنّ لنا رأينا بما سيحصل. وكما أن في أميركا انقساماً كبيراً في الرأي، فعند المواطنين غير المسجلين في كل الكرة الأرضية انقساماتهم أيضاً. المتماهون مع التجربة الأميركية، والراغبون بعيش الحلم الأميركي، يريدون فوز جو بايدن. غالبية هؤلاء يعتقدون أن بايدن سيعزز الطريقة الأميركية كما كانت عليه قبل مجيء ترامب، وأن المسألة تتعلق بشخص ترامب. ولذلك، يفترضون أنه كما يغيّر الرئيس الجديد أعضاء إدارته، فإن بايدن، في حال فوزه، سيعيد أميركا الى ما كانت عليه قبل وصول ترامب.

وجلّ هؤلاء يفكرون بأن ابتسامات الديموقراطيين ستعيد الألق الى صورة أميركا في العالم. هم مثل أبناء المدن الأميركية الكبرى، الذين يريدون رئيساً لا يكون مصدر سباب وشتيمة لهم. لكن هؤلاء يقيسون الأمر من زاوية تأثير الانتخابات على تواصلهم المباشر مع هذه البلاد. هؤلاء، مثلاً، يعتبرون أن سياسات أميركا الداخلية أو الخارجية ستكون أقل فظاظة لو أتى بايدن. وهؤلاء يخجلون بترامب كخجلهم بحكام بلادهم في العالم. هم يفضّلون النسخة المهذبة عن الرجل الأبيض. لكنهم يرفضون أي نقاش حول عقل بايدن، بل يريدون حسم الأمر عند حدود سلوكه.

ثمة في العالم من يؤيد السياسات الأميركية في الخارج. وثمة في العالم مَن يريد أن تبقى أميركا قائدة العالم. وهؤلاء يحسمون أن كل شيء جيد لن يكون جيداً إذا لم يكن مصدره أميركا… فكرة أو سيارة أو تكنولوجيا أو أي شيء. وهؤلاء لا يروقُهم أن يكون هناك نقاش واسع حول من يحكم أميركا، والغالبية من هؤلاء تكره ترامب، لكنها لا تنتقد سياساته، بل تقف عند سلوكه. وكأن الأمر سيكون على صورة أخرى، لو أن رئيس أميركا جاء وسرق أموال العرب مثلاً، لكن مع ابتسامات وكلام لطيف. أمّا أن يسرق أموالنا و«يبهدلنا» فهذا كثير…

لكن في العالم فئة أخرى تكره أميركا. وتعريف الكره يجب ألّا يكون محاطاً برهاب التمييز بين الحاكم والمحكوم وكل الزعبرات التي تسبق عادة كلمة «ولكن»: نعم هناك حكومة منتخبة رديئة، ولكن… صحيح أن الشعب الأميركي هو من اختار هذا الرئيس ولكن… الأخطاء التي ترتكب في العالم مسؤولية المجتمع الأميركي ولكن…!

لندع هذه الـ«ولكن» جانباً، ولنعد الى رأي خصوم أميركا، خصوم النظام الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي والعلمي والبيئي والصحي والسلوكي والديني والإثني وكل ما يتعلق بهذه الدولة. لأن الأمر هنا لا يبقى متعلقاً بحسابات من ينتظر الأعاجيب والمعجزات.

شعوب الجنوب، ومن غير البيض، يعانون الأمرّين منذ عشرات السنين إن لم يكن أكثر. ومصدر معاناتهم الدور المركزي الذي قام به الغرب، سواء عندما قادته أوروبا أو عندما تولّته أميركا. العقل نفسه، والأهداف نفسها، والغاية نفسها التي تختصر بسلبنا كل شيء. حريتنا وقدرتنا على التفكير قبل ثرواتنا وبلادنا. وهذا الغرب، هو الذي أنتج العقل التسلطي بكل صوره البشعة، وبكل قتله العشوائي الذي أصاب ملايين البشر، وهو العقل الذي يمنح قلة متعجرفة، حق التفوق والتصرف من دون محاسبة أو مساءلة. وهو العقل الذي لا يزال يحكم من بيده الأمر في قلب أميركا وقلب الغرب عامةً. وهو عقل فيه كل شيء من الشر. نظريات دينية وحضارية وثقافية وعنصرية متعددة الألوان، وتجاهل مستمر لحقوق الآخر. ولأن هذا الغرب تقوده أميركا اليوم، فإن مصلحة أهل الجنوب هي في انهيار النظام الحاكم في قلب أميركا. وربما يرى البعض جنوناً في الاعتقاد بأن خلاص العالم يبدأ بانهيار هذا الكيان الذي اسمه الولايات المتحدة الأميركية، وانهيار كل النظام الحاكم في أوروبا الغربية.

ما يعنينا هو هذه التمنّيات بأن تفيق أميركا على واقع سياسي يزيد من أزماتها الداخلية، ويعقّد من آليات الحكم فيها


ولأننا على هذا النحو، يجب أن يُسمح لنا بأن نتصرّف إزاء الانتخابات الأميركية من دون وهم صاحب الحق بالاقتراع. كل ما لدينا هنا هو مجرد آمال، بمعزل عن توافقها مع التقديرات أو التوقعات. في هذه اللحظة، ما يعنينا هو هذه التمنّيات، بأن تفيق أميركا على واقع سياسي يزيد من أزماتها الداخلية، ويعقّد من آليات الحكم فيها، ويجعل اقتصادها أكثر تعثّراً، وسوقها أقل رواجاً، وانقساماتها أكثر حدّة، وخلافاتها أكثر توتراً… ما سبق يحتاج إلى التجديد للأهبل الأكبر دونالد ترامب. الأهبل الذي يناسبنا ولو ألقى المزيد من القنابل فوق رؤوسنا. فهو مهما فعل، لن يزيد عما فعله أسلافه من «العقلاء». وإذا خسر ترامب، فالتمنيات أن تكون خسارته غير جليّة، فينعقد الخلاف حول البتّ بها. وليحصل ما يحصل. ولأن الأمر على هذا النحو، فإن كل كلام وتنظير آخر هو مجرد كلام من أشخاص أو جهات يتوهّمون أن لهم دوراً في صناعة القرار في أميركا، وهم في حقيقة الأمر يريدون لأميركا ما يرونه، من زاويتهم، أنه الأصح. عملياً، هم يتمنّون أيضاً. وهم مثلنا، من مواطني هذه الدولة المنتشرين في كل أرجاء المعمورة، ممن لا يملكون حق التصويت. ولأنهم كذلك، ليتوقفوا لحظة عن تلبّس شخصية الرجل الأبيض وهم يتحدثون الى شعوبهم.

سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم

 سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم
(هيثم الموسوي)

من هرّب 5 مليارات دولار في ثمانية أشهر؟

ابراهيم الأمين

الإثنين 7 أيلول 2020

بدو القطاع المصرفي في مرحلة الاستعداد لـ«ساعة الحساب». هذه المرة، لن تنفع كل محاولات التضليل الإعلامي التي قادتها ماكينة يُشرف عليها أصدقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. وهي ماكينة توزّع نفوذها في أكثر من دائرة مؤثرة، سواء داخل القطاع نفسه وداخل مصرف لبنان ووزارة المالية، أو داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي وحتى الإدارة العامة. إضافة إلى النفوذ المتوقّع بين السياسيين والإعلاميين.

المواجهة السابقة كان هدفها تعطيل خطة الحكومة للإصلاح المالي. صحيح أن مصرفيين أساسيين حاولوا في الأيام الأولى من عمر حكومة حسان دياب الدخول في نقاش مع الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق. إلّا أن الحكومة لم تُظهر استعداداً عملانياً للسير في اتفاق يحظى بتوافق أطرافها، بينما كان أرباب القطاع المصرفي ينتظرون إشارة الحاكم الذي لم يتأخّر في إبلاغهم: اصمدوا، هذه الحكومة غير قادرة علينا!

الذي حصل باختصار، أن مشروع إقالة رياض سلامة تعطّل بقوّة، لا سيما بعدما تراجع النائب جبران باسيل مُذعناً لرغبة الفريق الذي يضمّ الرئيسَين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط والذي عارض إقالة سلامة بحجّة أن الفراغ ممنوع الآن. باسيل كان ينتظر أن يقود حزب الله المعركة ضدّ سلامة. الحزب غير المعجب على الإطلاق بسياسات سلامة لن يبادر. لديه ثوابته التي تحول دون قيادة المعركة، لكنه مستعدّ دوماً لدعمها متى اندلعت. الذين رفضوا إقالة سلامة، لديهم أسبابهم الكثيرة. ظاهريّاً، المشكلة عندهم تبدأ من كون بديله سيُعيّن برضى وبركة الرئيس ميشال عون. لكنّ الأساس، هو الشراكة الفعلية بين هؤلاء وبين سلامة الذي – للأمانة – لم يَخَف يوماً من هذه المنظومة، فهو يعرفها أكثر من نفسها وله عليها الكثير.

ما فجّر الأزمة فعلياً، ليس الخلاف على الأرقام كما جرت محاولة اختزال القصة. لأن عملية احتساب الخسائر مهما جرى التلاعب بها، إنما تبقى في نهاية الأمر خسائر، وأي مقاربة جديدة لإدارة المالية العامة أو السياسة النقدية كانت ستكشف ما يُعمل دوماً على إخفائه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تركزت على سُبل منع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له. وهو تدقيق كان ليشمل أيضاً حركة التحويلات المالية الكبيرة في السنوات الأخيرة، وهو ما كان سيؤدّي عملياً إلى إسقاط السرّية المصرفية عن نسبة الـ2.5 بالمئة من المودعين والذين يحملون غالبية الودائع الموجودة لدى المصارف. عدا عن كون التدقيق كان سيكشف من تلقاء نفسه عن «حكاية الصفقات» التي تملأ كلّ دوائر الدولة اللبنانية وفي القطاعَين الخاص والعام على حدّ سواء. ولو أن التدقيق تم على طريقة شركة «كرول»، لكنّا أمام مادة لسلسلة تلفزيونية شيّقة تمتدّ حلقاتها لأعوام.

في أيام الاشتباك القوي، لم تكن المؤسسات الدولية تقف بعيداً عن النقاش. من البنك الدولي الذي صار محرجاً إزاء فضائح ستصيب فريقه الإداري أيضاً، نظراً إلى الأرقام الهائلة من المصاريف الإدارية التي كانت تُنفق، إلى صندوق النقد الدولي الذي كان أقرب إلى وجهة نظر الحكومة لاعتقاده الراسخ بأن حاكم مصرف لبنان كما المشرفين على المالية العامة إنما يتلاعبون بكل شيء ومنذ فترة طويلة. وصولاً إلى الجهات المانحة، ولا سيما فرنسا التي أُوكل إليها ملفّ الدعم الإنمائي من خلال برنامج «سيدر». كل هذه الجهات أوفدت مَن ناقش ودرس وسمع ودقّق. ومن المفارقات أنه في ظلّ الانقسام السياسي اللبناني حول تقييم موقع ودور حاكم مصرف لبنان، إلّا أن إجماعاً دولياً ظهر فجأة، على ضرورة تنحية الرجل، وتحميله مسؤولية رئيسية عن الأخطاء الكبيرة، سواء بسبب خضوعه لطلبات السلطات السياسية ثم شراكته معها، أو بسبب مشاركته أرباب القطاع المصرفي ألاعيبهم التي تمّت برعايته. علماً أنه للمرة الأولى، يوجّه موفدون دوليون نقداً لسلامة على خلفية استمرار عمله في الأسواق المالية العالمية بواسطة شركات مستقلة يديرها مقربون منه أو أقرباء، وهي الأعمال التي جعلت ثروته تكبر بصورة لافتة. علماً أنه يدافع عمّا قام به، وأنه كان يقوم باستثمار ما يملكه نتيجة عمله السابق، بصورة لا تتعارض مع موقعه ودوره، وأنه لم يستفِد بقرش واحد من العمليات الجارية ضمن نطاق عمله.

ما يجري اليوم هو تثبّت الجهات على اختلافها، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعمل شخصياً على إطاحة سلامة. وهو يتجنّبه بصورة كاملة، والفريق الاستشاري العامل إلى جانب الرئيس الفرنسي لا يكنّ أي احترام – مهنيّ وحتى شخصي – لسلامة. مع الإشارة إلى أن فريق ماركون جلّه من المصرفيين الكبار، وبينهم سمير عساف، المصرفي الذي رُشّح مراراً لخلافة سلامة في حاكمية المصرف المركزي. ولو أن روايات كثيرة من أوروبا، لا تميّز عساف كثيراً عن سلامة. ومع ذلك، فإن ماكرون يعرف أنّ ليس بمقدوره القيام بخطوة كهذه بالطريقة التقليدية. و يعرف أنّ من الصعب عقد تسوية مع النافذين في بيروت لأجل الإطاحة بسلامة، فوجد أن الحلّ يكون بتسوية مباشرة مع سلامة نفسه، والذي أبلغ للمرة الأولى، من يهمّه الأمر، بأنه مستعدّ لمغادرة منصبه. لكنّه صارح محدّثيه بأنه لا يثق بأي من المسؤولين اللبنانيين في السلطة وخارجها، وأنه يعرفهم واحداً واحداً على حقيقتهم. وهو يخشى تعرّضهم لملاحقة سيعملون على تحويلها صوبه، ليس بقصد محاسبته، بل لتحويله إلى «كبش فداء». الجديد أن سلامة أبدى استعداداً للمباشرة في عملية تدقيق بالتعاون مع مصرف فرنسا المركزي، تشمل عمليات المصرف المركزي ومشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالإضافة إلى أنه في حال ضمان الرئيس الفرنسي شخصياً عدم ملاحقته، فهو مستعدّ لترك منصبه ومغادرة لبنان فوراً. وسلامة الحريص على تكرار هذه اللازمة أخيراً، يعرف مسبقاً أن الجهات الدولية التي تدفع باتجاه التدقيق، إنما تستهدف الوصول إلى أرقام موحّدة حول الواقع المالي والنقدي في لبنان. يتصرف سلامة على قاعدة الثقة بأن هدف التدقيق محصور في هذه النقطة وليس هدفه تحميل المسؤوليات أو الإدانة والعقاب.

أكثر من ذلك، فإنّ الـ«السنفور غضبان» ديفيد شينكر لم يترك جهة إلّا التقاها، بما في ذلك مندوبون أو متصلون بالقوى السياسية التي قال إنه لن يجتمع مع قياداتها. وكان للمصرفيين نصيب بارز من اللقاءات، وهو حرص على إبلاغهم بأنه يجب عدم المراهنة على عمليات التدقيق ولا حتى على العقوبات. لافتاً إلى أنه يخشى إحباطاً إضافياً عند الناس جراء مبالغة قوى سياسية حيال ملف العقوبات، لأن ما هو مطروح حتى الآن لن يطال الصف الأول بالتأكيد، بل سيطال مجموعات يمكن ربطها بقوى وجهات. لكن شينكر صار ميّالاً الى الحديث عن «انتهاء أيام رياض سلامة» على ما يقول أحد الملتقين به، وأن واشنطن متوافقة مع باريس على هذا الأمر، لكنها لا تمنح فرنسا أيّ تفويض بتعيين أو اقتراح تعيين حاكم بديل. وأن الرأي الخارجي الحاسم سيكون بيد صندوق النقد الدولي قبل أي جهة أخرى.
لكن، ما لا يُقال أو لا يُشار إليه على أنه اتفاق ضمني، هو ما يبدو أن سلامة تعهد به، لجهة القيام بخطوات عملانية هدفها إنجاز بعض الأمور. يردّد أحدهم أن «سلامة سيقوم بخطوات تزعج حلفاءه في السوق، لكنها ضرورية لضمان الخروج المشرّف». بتعبير أوضح، يبدو أن سلامة وافق على تنفيذ عدد من طلبات الحكومة المستقيلة، لكن ضمن الإطار الذي يراه هو الأنسب. وخطة تعديل التموضع لديه، بدأت منذ صدور قرارات تعيين الأعضاء الجدد للمجلس المركزي لمصرف لبنان. دخول نواب الحاكم الجدد والآخرين من الأعضاء الحُكميين في المجلس المركزي، سمح بإشاعة أن المجلس المركزي الذي ظل معطّلاً لربع قرن، عاود العمل كفريق موسّع في الأسابيع الاخيرة. وأن سلامة نفسه بادر إلى إبلاغ أعضاء المجلس المركزي، أنه ينتظر منهم أفكارهم وتصوّراتهم لأجل الشروع في خطوات «إصلاحية».

في هذا السياق، يعرف سلامة أنه مضطر إلى عمليات قد تتسبب بأذية بعض أصدقائه المصرفيين. وربما تصيب مصالح بعض كبار المودعين الذين يعرفهم سلامة تمام المعرفة بالأسماء والأرقام الموجودة في حساباتهم. وهو أيضاً «خبير محلّف» بالقوانين المالية، وكيفية التطبيق الدقيق أو الجانبي لجميع بنود قانون النقد والتسليف، بالإضافة إلى خبرته الطويلة في لعبة التعاميم المصرفية التي يجب جمعها في كتاب لأجل تاريخ لبنان.

التعميم 154 ورسملة المصارف

جديد الوضع المصرفي، التعميم الذي أصدره الحاكم يوم 27 آب الماضي، ويحمل الرقم 154، والذي يفرض بموجبه على المودعين الذين حوّلوا أموالاً إلى الخارج بين تموز عام 2017 والشهر الماضي، إعادة تحويل جزء منها تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة إلى المصارف اللبنانية من الخارج. على أن يجري تجميد هذه المبالغ لخمس سنوات لدى القطاع المصرفي وترك أمر الفوائد للتفاوض بين المودع والمصرف. على أن تعمد المصارف إلى استعمال هذه الودائع الجديدة في تغذية السوق العطِش للأموال الطازجة، خصوصاً أن مصرف لبنان بدأ يرفع الصوت من عدم قدرته على توفير دولارات كافية لتغطية الدعم المطلوب لسلع رئيسية من قمح ومحروقات ودواء.
بالإضافة إلى ذلك، ذكّر سلامة المصارف بوجوب زيادة رساميلها من خلال توفير مبالغ إضافية تصل إلى عشرين بالمئة من قيمة الرساميل الحالية، على أن يكون هناك جدول زمني لتوفير هذه المطلوبات ينتهي مطلع العام المقبل. وأرفق هذا الطلب بتوضيح أن المصارف التي لا تقدر على تنفيذ هذه العملية ستحال إلى المجلس المركزي لاتخاذ القرار بشأن أن تبقى أو تخرج من السوق.

تضارب في التقديرات حول حجم الأموال الممكن إعادتها حسب التعميم 154 وخبراء يخشون انهياراً إضافياً لليرة


ردة الفعل على التعاميم لن تكون متطابقة، الأمر هنا لا يتعلق بالحسابات المباشرة فقط، بل في كيفية تعامل الجمهور مع الأجراء. في الشكل، سيبدو لقسم من الجمهور، أن التعميم الهادف الى إعادة استقطاب دولارات طازجة من الخارج، يمثل استجابة من الحاكم لمطالب قوى سياسية وتيارات شعبية التي تقع تحت بند «استعادة الأموال المنهوبة». والفكرة تصبح مغرية – أيضاً في الشكل – كون التعميم يشمل كل الذين حولوا أموالهم من صيف عام 2017. والمهم في هذه الفترة، هو حجم الأموال التي خرجت من لبنان إثر اعتقال السعودية الرئيس سعد الحريري في الرياض. ثم الأمر نفسه الذي تعاظم في عامي 2018 و 2019 ربطاً بالتدهور المتسارع للأحوال النقدية والمالية والاقتصادية في لبنان، وصولاً إلى ما جرى في الأشهر الأخيرة التي سبقت أزمة القطاع بعد 17 تشرين.
في هذا السياق، يتحدث مصرفيون عن مبالغ كبيرة جداً، وأن الآلية التي تفرض استعادة بين 15 و 30 بالمئة، يقدّر لها أن تعيد مبالغ كبيرة. وهنا يُظهر مصرفيون تفاؤلاً مبالغاً فيه حيال إمكانية استعادة نحو خمسة مليارات دولار، بينما يرى خبراء أن مثل هذه العملية لن تعيد إلا بضع مئات من ملايين الدولارات.

المصرفيون يعتقدون أن القرار قابل للتطبيق. وأن النقاش حول قانونيته لن يغيّر من قوته. صحيح أن المبدأ يقول بأنه لا يمكن لمصرف أن يُجبر مودعاً على إعادة أمواله إلى المصرف وتجميدها، لكن تعميم سلامة يخيّر المودعين بين أمرين: إما إعادة هذا الجزء، أو إحالة الملف إلى هيئة التحقيق الخاصة لأجل التدقيق في الأموال وأصولها وأسباب تحويلها إلى الخارج. وبحسب المصرفيين أنفسهم، فإن هذه العملية تعني عملياً رفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات، وهي خطوة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عدد كبير جداً من كبار المودعين. كما أن الاشتباه بالملف من قبل هيئة التحقيق الخاصة سيؤدي إلى مضاعفات يعتقد البعض أنها كافية للضغط على أصحاب الودائع الكبيرة من أجل إعادة بعض ما حولوه إلى الخارج.

التدقيق في حسابات مصرف لبنان هدفه توحيد أرقام الخسائر… ولا توقّعات بالمحاسبة


وبحسب أصحاب هذا الرأي فإن المصارف نفسها صارت أمام مسؤولية لم تكن تواجهها من قبل. فهي الآن مضطرة لإجراء جردة واسعة وشاملة ودقيقة ورسمية لكل عمليات التحويل التي تمت في الفترة الواردة في التعميم. والآلية تفرض على المصارف المسارعة إلى إبلاغ المودعين بالتعميم والطلب إليهم الالتزام بإعادة المبالغ وفق النسب المفروضة. وفي حال لم يجرِ الالتزام فإن المصارف ملزمة بإبلاغ مصرف لبنان بأسماء من رفض الالتزام، وهي لائحة ستذهب فوراً الى هيئة التحقيق الخاصة، والتي يتوقع أن تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات هؤلاء وعن كامل حركة حساباتهم خلال فترة زمنية تحددها الهيئة وقد لا تكون مقتصرة على الفترة الزمنية الواردة في التعميم. وعندها ستكون المصارف ملزمة بالتعاون، لأن الإحالة من هيئة التحقيق الخاصة تعني الاشتباه بوجود عمليات احتيال على القانون الضريبي أو حصول علميات تبييض للأموال. ويعتبر المدافعون عن التعميم، أنه يحقّق عملياً هدف الحكومة المستقيلة من بعض الوارد في خطتها، لكن الفارق أن قرار الحكومة كان يتطلّب إدخال تعديلات على 31 قانوناً مرتبطاً بالأمر النقدي والمالي. بينما يتيح هذا التعميم تنفيذ العملية، برغم كل النقاش حول قانونيته.


تهريب أموال جديدة؟

ما يرفض المصرفيون الإقرار به، أو حتى تقديم إجابات حاسمة حوله، هو المعلومات التي يجري تداولها على نطاق ضيق منذ أسابيع، حول حصول عمليات تحويل لمبالغ ضخمة تخص فئات محددة من رجال السياسة والأعمال والمال إلى الخارج. ويفيد مصدر واسع الاطلاع على هذه العمليات، أنّ نحو 5 مليارات دولار أميركي تم تحويلها إلى الخارج منذ مطلع عام 2020 حتى أواخر آب الماضي. وأن هذه المبالغ تعود إلى سياسيين ورجال أعمال وأصحاب أسهم في المصارف أو أعضاء في مجالس إدارتها. حتى إن بعض الجهات صار لديها لوائح بأسماء غالبية الذين أجروا تحويلات بسبب نفوذ سياسي أو وظيفي أو خلافه. وإن مصرف لبنان يحاول إخفاء الفضيحة من خلال التعميم 154 الهادف الى توفير ما يغطي هذه الفجوة. ويقول المصدر إن هناك معلومات موثوقة عن أن مصرف لبنان خسر أقل من 2.8 مليار دولار من الاحتياطي الموجود لديه في عملية الاستيراد للمواد المدعومة منذ مطلع العام، بينما أرقامه المعلنة تفيد عن خسارة خمسة مليارات إضافية من هذا الاحتياطي من دون شرح. صحيح أن المصرف المركزي حاول سابقاً فرض شروط قاسية على المصارف لأجل توفير سيولة لها بالدولار الأميركي، لكنه عملياً وفّر لها كميات كبيرة من الأموال الموجودة في الخارج، وهي الأموال التي استخدمتها المصارف لإجراء عمليات التحويل لعدد من المحظيين. بالإضافة الى سؤال قائم اليوم حول قدر الأرباح التي حققها تجار كبار في البلاد، استفادوا من برنامج الدعم، لكنهم لم يخفّضوا الأسعار على الإطلاق.

سعر الدولار

على أن الأهمّ اليوم، هو الحديث عن قبول سلامة ومسؤولين في الدولة التزام وصفة صندوق النقد لجهة سياسة الدعم. وهذا يعني ليس وقف دعم السلع الأساسية من قِبل مصرف لبنان كما هو حاصل اليوم، بل رفع القيود أيضاً عن السعر الرسمي للدولار الأميركي، خصوصاً في حال لجأ مصرف لبنان والمصارف مرة جديدة الى محاولة إرضاء المودعين بصرف حقوقهم المودعة بالدولار الأميركي، لكن بالليرة اللبنانية. وهذا سيؤدي حكماً إلى البحث من جديد عن كميات أكبر من الدولارات في الأسواق وفي البيوت أيضاً، ما يعني أن سعر الدولار الفعلي سيترفع بنسبة 35 بالمئة على الأقل عن سعره المتداول اليوم في السوق السوداء. مع العلم، أن أحد أبرز الخبراء في السياسات النقدية يرفض فكرة «استشارة أحد» حول مستقبل سعر العملة الوطنية. ويقول: المشكلة أنّ لبنان يحتاج الى عشرات مليارات الدولارات حتى يستعيد توازنه، لكن ذلك لن يعالج أزمة الثقة الهائلة بالدولة والقطاع المصرفي، ما يعني أن إعادة الدماء إلى القطاع المالي في لبنان أمر غير متوقع في القريب، حتى ولو انطلقت الإصلاحات.

فرصة الذهاب نحو نظام جديد

   ابراهيم الأمين 

الثلاثاء 1 أيلول 2020

لا أعرف ما الذي كان الناس يتوقعونه. الدهشة تعلو الوجوه من جراء التوافق على تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة. بعد أيام ستكون هناك تشكيلة حكومية تتوافق مع الأرضية السياسية للاتفاق على رئيسها. لن يكون هناك وزراء يثيرون حفيظة القوى الكبيرة، وسيحاولون الإتيان بشخصيات يعتقدون بأنها تناسب الرأي العام الغاضب. لكن النقاش الجدي الذي يريد الراعي الفرنسي حصوله يتعلق بمهام الحكومة. يتصرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أساس أن هناك إمكانية لفرض برنامج عمل على الطريقة الفرنسية؛ أي إن المجلس النيابي لن يكون عنصر عرقلة. وبدلاً من الحديث عن صلاحيات استثنائية، يكون الحديث عن ثقة مطلقة وكبيرة، لكنها محصورة بنقاط محددة، وهذا يتيح المجال أمام الحكومة للعمل على مهام مختارة وضمن جدول زمني محدد… أما النتائج، فما علينا جميعاً إلا الانتظار..

السؤال المحيّر حول حيرة الناس، سببه أن كثيرين في لبنان يتمثلون بجحا. يطلقون العنان لفكرة وكذبة، ثم يتصرفون على أساس أنها حقيقة. مثل النطق باسم الشعب اللبناني ومعرفة ميوله والقول إنه يريد كذا وكذا، ومن ثم يخرج علينا هؤلاء، عبر شاشات ومنابر، ويتصرفون على أساس أنهم يمثلون غالبية الرأي العام. لكن ما يحصل هو أنه عندما تنعقد طاولة البحث، يجلس من بأيديهم القرار، والأنكى أنهم يتصرفون على أساس أن هذا «الناطق» غير موجود أصلاً. ولا يقتصر ذلك على الداخل. فحتى الخارج المتدخل لـ«إنقاذنا»، لا يتصرف بطريقة مختلفة. صحيح أن ماكرون وديفيد هيل وغيرهما يلتقون بممثلي المجتمع المدني والهيئات الأهلية ومندوبين عن الثوار و… لكنهم يستمعون اليهم فقط، كوسيط «روحاني» يسجل الملاحظات. وعندما يعود هذا الخارج الى الطاولة، يبدأ بالبحث عن سبل انتزاع موافقات من أركان المنظومة الحاكمة؛ أي إن الخارج يعود الى حيث يوجد القرار والقدرة على تحويل الفكرة الى خطة عمل… هذه حقيقة قاسية مع الأسف!

ما يحصل، الآن في لبنان، قد يكون مناسبة لإعادة النظر في الشعارات التغييرية عند المعترضين. لا أعرف إذا كان صار واضحاً للجميع أن المشكلة لم تعد في سلطة أو إدارة أو أشخاص، بل هي في النظام. وكل عاقل لا يحتاج الى من يدله على برنامج عمل واقعي يدار بنفَس طويل جداً، وهدفه الفعلي تغيير جوهري في النظام القائم. وإذا كان السياسيون يكذبون حينما يتحدثون عن رغبتهم في إقامة دولة مدنية، فما على الجمهور إلا أن يلحق بهم الى باب دارهم، وأن يرفع شعاراً واضحاً بالعمل لتغيير جدي في النظام. تغيير لا يقتصر على جانب واحد، مثل طبيعة التمثيل السياسي، بل يشتمل على ما هو أهم، أي النظام الاقتصادي والمالي الحاكم، وتالياً طبيعة القوانين التي تدير هذه القطاعات. هذا هو جوهر الأزمة. ومتى تمّ التوصل الى فكرة تحظى بموافقة غالبية لبنانية معتبرة، يمكن لهذا الهيكل العظمي الجديد أن يكون جاهزاً لإلباسه ما تيسر من الأثواب السياسية ومتمماتها الخاصة بالحسابات والطوائف والأقليات وغير ذلك.

البعض يعتقد بأن المسألة مرتبطة بالسلاح. هم، هنا، يرفضون الإقرار بأن مشكلة النظام الحالي ليست في كونه لا يوفر عدالة اجتماعية وسياسية للناس، بل أصل مشكلته في أنه لا يقدم شرحاً عملانياً لمعنى السيادة، ولا هو وفّر يوماً هوية وطنية يمكن للناس أن تدافع عنها مجتمعة. ها هم أبناء لبنان الكبير يعيشون في حنين فارغ. وجلّ ما يريدون هو عودة الاستعمار. هؤلاء لا يمكنهم تقديم حل لمشكلة السيادة. ولكن عندما يكون لدينا نظام واضح، وعاقل، سيكون عنوان السيادة والدفاع الوطني بنداً رئيساً، وساعتها سنكون أمام الاستحقاق الكبير حول مصير الأدوات العسكرية والأمنية في البلاد.

الذين يحتجّون فعلياً على الفساد والاضطهاد ونقص الحقوق، والذين انتشروا مبعثرين في الشوارع والساحات أو في المنازل، أمامهم اليوم فرصة حقيقية لإعادة تنظيم أمورهم. لا ضير في الإقرار بأن تجربة 17 تشرين فشلت في أن تكون عنواناً جامعاً للتغيير. ويجب على هؤلاء الإقرار – وليس القبول – بحقيقة أن الكتل الاجتماعية للقوى الطائفية تتفوّق عليهم. ومن لا يريد المراجعة، ليس سوى مكابر جديد، يسعى فعلياً الى احتلال موقع في السلطة النافذة. وهذه السلطة لا تقتصر اليوم فقط على من يحتلون المقاعد النيابية والوزارية، بل أيضاً من يحتل مقعداً على المنبر العام، ويتصرف على أنه يتمتع بشرعية شعبية، حتى ولو لم تخرج من صناديق الاقتراع.

من كان يتوهم أن الخارج مهتم بإصلاح النظام جاءه الجواب من خلال تركيبة الحكومة، أما خطر المنظمات غير الحكومية فصار مطابقاً لخطر السلطة الحاكمة


أمام اللبنانيين فرصة لفهم أن التغيير لا يعني الهدم، وأن إعادة التأسيس لا تعني الهدم أيضاً، وأن الثورة على النظام وممارسة حتى العنف ضد رموزه لا تعنيان الهدم. والهدم، هنا، ليس مسموحاً بأن يطال فكرة الدولة. وإذا كانت انتفاضة 17 تشرين قد أسقطت الهيبة والفعالية عن السلطة السياسية، وجاء انفجار المرفأ ليسقط الهيبة والفعالية عن الإدارة اللبنانية، فإن ما يجري اليوم هو محاولة لإسقاط فكرة الدولة نهائياً. وما الانتشار الفطري والمشبوه لكل ما يسمى جمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية في الشوارع، سوى عمل عصابات تستهدف القضاء على فكرة الدولة. كل الذين أرادوا إسقاط السلطة من دون بديل، هم أنفسهم الذين أرادوا ثورة من دون قيادة، وهم أنفسهم الذين يرفضون تولي الادارة العامة للدولة ملف الأضرار في بيروت، وهم أنفسهم الذين بدأوا يرفضون التعامل مع جميع مؤسسات الدولة، وهؤلاء هم المرتزقة المنتشرون باسم المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية. وهؤلاء، برفضهم لفكرة الدولة، يبررون لأنفسهم كل أعمال السرقة التي يقومون بها، من تلقّي الأموال من دون رقيب، الى إنفاقها من دون حسيب، الى رفض التصريح عنها للجهات الرسمية، الى عدم التنسيق وترك الأمور فالتة، وكأننا في زمن الفوضى الشاملة. هؤلاء هم المجرمون الجدد الذين يعملون عند خارج يهتم فقط بتدمير الدولة لا بإسقاط السلطة السياسية. وهذا الخارج فعل الأمر نفسه في مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين، وهو يريد ذلك في لبنان، لأنه يتوهم أنه في هذه الحالة يمكنه احتلال مساحة من ناس لبنان وأرضه لتصفية حسابه الوحيد مع المقاومة…

ليس أمام العاقلين سوى التمسك برفضهم لهذه السلطة، لكن الأساس في عملهم هو الذهاب سريعاً نحو اقتراح نظام سياسي واقتصادي واجتماعي ومالي جديد. وغير ذلك، لن ينتح سوى مزيد من هذه الحكومات.

 اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

مقالات متعلقة

فرنسا ولبنان: وهمُ الدور ووهمُ الحليف

الأخبار 

ابراهيم الأمين 

خونة وعملاء… وإرهابيون أيضاً! – ابراهيم الأمين – الأخبار – Beirut ...

الإثنين 24 آب 2020

مع القرار 1559، انتقلت فرنسا كلّياً إلى الضفة الإميركية. أطلقت الرصاص على قدميها في سوريا ولبنان، بعدما انتهى دورها في فلسطين على صراخ فقط. ومنذ ذاك دخل النفوذ الفرنسي في لبنان والمنطقة مرحلة التراجع الهائل.

التحاق باريس بالسياسة الأميركية لم يقتصر على السلطات، بل شمل أساساً القوى الاقتصادية وكبريات الشركات التي تسعى لنيل حصص في الأسواق العالمية برضى أميركي. كما انتقلت المحاباة إلى قطاع الدبلوماسية والعلاقات العامّة والإعلام. وصار نادراً أن تسمع في فرنسا الأصوات النقدية للسياسات العدوانية التي تقودها أميركا وتشارك فيها أوروبا.

في لبنان، آخر المسارح التي يمكن لباريس الحضور فيها في المنطقة، صار الفرنسيون بلا حول ولا قوة. لا يوجد اليوم، في هذا البلد، من يمكنهم الاتّكال عليه كقوة حاسمة ووازنة. وحتى القوى التقليدية في 14 آذار تهتمّ، فعلياً، بالرضى الأميركي. وحده سعد الحريري بات مضطراً للخيار الفرنسي، بعدما تفاقمت مشكلته مع راعيه الأساسي، السعودية، وانزياح واشنطن إلى رؤية الرياض في لبنان. ما وفّرته فرنسا للحريري لا يتعدّى كونه نوعاً من الحصانة، لكنها غير كافية لضمان وجوده في السلطة. إذ أنها لا تملك قدرة على منافسة التأثير الأميركي – السعودي على سمير جعجع ووليد جنبلاط والكنيسة المارونية لتؤمّن تحالفاً يُبقي الحريري في السلطة. أما اقتصادياً، فلم تقدّم ما يشير إلى استعدادها لشراء النفوذ من لبنان. فحتى مدارس الليسيه الفرنسية باتت مشكلة حقيقية لروّادها بسبب التراجع في كلّ مستوياتها الإدارية وأفضليتها المالية، والشركات الفرنسية في لبنان ليست في رأس اهتمام أحد فعلياً. الدعم الفرنسي للبنان صار من الماضي. ولا يمكن لأي حكومة الاتّكال على دعم كهذا يتجاوز إطار مؤتمرات جلب مزيد من الديون.
مع اندلاع أحداث 17 تشرين الماضي، حاول الفرنسيون الدخول مجدّداً على الساحة. لكنهم عادوا مجدّداً للاستماع إلى نخب لبنانية قدّمت من الأفكار ما أثار حتى حفيظة الأجهزة الفرنسية الفاعلة. كل الدعم الذي حاولوا تقديمه لبقاء سعد الحريري في الحكم، لم يتجاوز الدعم الذي وفّره له حزب الله. والصلات الجانبية التي تربطهم بناشطين في الحراك الشعبي ليست كافية للبناء عليها. وعندما تشكلت حكومة حسان دياب. تصرفت باريس، شأنها شأن واشنطن وبقية عواصم العالم: بلامبالاة وانتظار. لكنها عادت وأقرّت بأن وضعية دياب ليست بالهشاشة التي تحدّث عنها خصومه. وحضر إلى بيروت مسؤولون فرنسيون أمكن لهم الاطلاع، مباشرة أو من خلال شركة «لازار» الاستشارية، على «فظائع الوضع المالي والنقدي»، حتى بات المسؤولون الفرنسيون عن الملف الاقتصادي يشهرون انتقاداتهم لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولأركان القطاع المصرفي إلى جانب نقدهم المتواصل للطبقة السياسية.

صحيح أن الفرنسيين أبدوا، في مرحلة معيّنة، تفهّماً لرؤية أميركية يقودها فريق جديد في وزارة الخارجية، تدعو إلى تغيير الطبقة السياسية في لبنان. لكن للفرنسيين تصورهم عن البديل. وقد عُقدت اجتماعات في باريس، أبرزها مع جماعات تُشرف عليها الاستخبارات الخارجية الفرنسية، انتهت إلى أنه يمكن العمل مع شخصيات جديدة، بينها من صاروا نواباً في البرلمان. وعلى خطّ موازٍ، سعت باريس إلى بناء علاقة خاصة مع حزب الله. خطّ بارد تقوده السفارة، وخطّ ساخن تقوده الاستخبارات. لكنّ البحث المركزي في هذا الجانب لا يتصل فقط بالوضع الداخلي، لأن فرنسا تعرف أن بطاقة الدخول إلى نادي المؤثّرين تحتاج إلى موافقة أميركية، وهي موافقة رهن بتلبية مطالب إسرائيل. لذلك تولّت باريس مهمّة نقل الرسائل التحذيريّة حول القوة الصاروخية للمقاومة. وصار الموفدون الفرنسيون خبراء في نوعية الصواريخ وطبيعة الأجهزة التي تحوّل الصواريخ الغبية إلى دقيقة. وفيما يقوم رجال فرنسا في القوات الدولية العاملة في الجنوب بدور الشرطي الحارس لمصالح إسرائيل، يسعى رجالها في بيروت للدخول إلى قلب المؤسسة العسكرية، وسط ممانعة كبيرة من قيادة الجيش التي تفضّل التعامل مع الأميركيين. وعندما يُسأل قائد الجيش العماد جوزيف عون عن سبب برودة العلاقة مع باريس يقول: «صراحة، لا نملك مالاً لشراء أسلحة وعتاد. وأميركا الوحيدة التي تقدّم لنا الدعم مجاناً». لكن المحيطين بقائد الجيش يضيفون: وما عسى أن تقدمه فرنسا في مجال التسليح الفعلي للجيش؟

المراوحة التي جعلت الموقف الفرنسي باهتاً، لم يكن ممكناً خرقها إلا عبر بوابات جديدة. فجاء التفجير الكبير في المرفأ. يوم 4 آب، صُدم العالم بالصور الآتية من بيروت، ولا شكّ في أن العالم أظهر تعاطفاً إنسانياً حقيقياً مع اللبنانيين. لكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تصرّف بطريقة مختلفة. قفز من كرسيه صارخاً: لنتحرّك!

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين وخصوصاً حزب الله


تصرف ماكرون على أن الكارثة مناسبة للقيام بأمور كثيرة. أولها، استغلال حاجة لبنان للدعم السريع لمخاطبة كل شركائه الغربيين بأن لا بد من التحرك فوراً. لكنّه سارع إلى إبلاغ الأميركيين بأنها فرصة لإعادة صياغة الموقف. نُقل الكثير من الكلام عن أن فرنسا استغلّت ما حصل لتقول للأميركيين: ها نحن نقف على الرصيف متفرجين، وأنتم تديرون حرب العقوبات، لكن الصراخ الآتي من بيروت ليس من عند حزب الله وأنصاره أو بيئته، بل من حلفائنا والبيئة الأقرب إلينا. يومها قيل أيضاً إن الأميركيين بدوا محرَجين إزاء المشهد المهول الوارد من بيروت. وافقوا على قيام ماكرون بمبادرة، لكنهم لم يعطوه التفويض المطلق، ولم يمارسوا أي ضغط حقيقي على بقية اللاعبين للسير في التصوّر الفرنسي الجديد.

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين، وخصوصاً حزب الله. تصرف ماكرون على خلفية أن بمقدوره انتزاع تفويض أميركي يتيح له التفاوض مع الحزب على الملفات اللبنانية الداخلية، لكن في إطار يتيح له الانتقال لاحقاً إلى الملفات التي تهمّ أميركا وإسرائيل والسعودية. حتى التظاهرة المذلّة التي نُظّمت لاستقباله في بيروت تحوّلت إلى مشكلة. إذ جرّه منظّمو الاستقبال إلى فخ الموقف الغبي برفض التعاون مع الدولة عندما أعلن أن المساعدات ستصل مباشرة إلى الناس وليس عبر المؤسسات الرسمية. لكن بالنسبة إلى جوهر الأزمة، اضطر إلى قول ما يجب قوله. لأن هاجسه السياسي منحصر في كيفية التوصّل إلى تسوية مع الطرف الأكثر فعالية في البلاد، أي مع حزب الله. وعندما وصل إلى بيروت، كانت بين يديه تقارير عن التواصل المعلن أو غير المعلن، الدبلوماسي والسياسي والأمني، الذي تجريه حكومته مع حزب الله، بما في ذلك ما جرى يوم حضر وزير الخارجية إلى بيروت. وكان ترتيب جدول أعمال ماكرون يتضمّن فرصة لبحث خاص مع حزب الله قام على فكرة وحيدة: نعرف من أنتم ونعرف حجمكم، ونعرف دوركم هنا وخارج لبنان، ونريد صراحة تعاوناً وتنسيقاً معكم للتوصّل إلى علاج لمشكلات كبيرة ليس أبرزها تشكيل الحكومة الجديدة.

طبعاً، لم يقفل حزب الله الباب، وهو أصلاً لم يقفله يوماً في وجه فرنسا، لكن الحزب ليس من النوع الذي يسيل لعابه لمجرّد أن باريس قرّرت التحاور معه. صحيح أنه لا يتجاهل موقعها ودورها، لكنه يعرف أنها ليست صاحبة القرار. لذلك سيترك الحزب للجانب الفرنسي القيام بكلّ جولاته وصولاته في لبنان وخارجه ثم العودة إليه لبحث أكثر تفصيلاً.
لكنّ مشكلة أخرى تنتظر فرنسا، خصوصاً أن قوى بارزة من وليد جنبلاط وسمير جعجع إلى آل الجميل وكتلة كبيرة من «أبناء لبنان الكبير»، لم يبدوا ارتياحاً إلى طريقة الإدارة الفرنسية للاتصالات. بعضهم خاب أمله عندما قال له ماكرون إن الحل يكون بإعادة تشكيل حكومة يدعمها الجميع، وبعضهم اعتقد أن فرنسا أتت لتدير انقلاباً. لكن ما قد يصدم هذه المجموعات أكثر، هو أن ماكرون كان وقحاً مع قادتهم، لأنه يتصرف معهم على أساس أنهم «الأبناء الأصليون للاستعمار الفرنسي». عملياً، يذهب ماكرون ليفاوض حزب الله معتبراً أن هذه القوى «مضمونة» في جيبه. لكن ما حصل بعد مغادرة الرئيس الفرنسي أن انتفاضة قامت بها هذه الجماعات، بدعم مباشر من السعودية ومن خلفها الولايات المتحدة، وصولاً إلى موقفهم الرافض اليوم لفكرة الحكومة الجامعة، لأنهم يعتبرون أن خيار ماكرون سيعيد الحياة إلى التسوية التي رافقت وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا.

مشكلة فرنسا ستتفاقم أكثر إذا لم تغيّر سلوكها، وأداء طاقمها الذي يخدم في لبنان دبلوماسياً وأمنياً وثقافياً واقتصادياً وإعلامياً. لا يزال كل من يتناوب من الفرنسيين على هذه المناصب، يلتقي بالمجموعات اللبنانية نفسها، ويسمع المقاربات نفسها، ويعيش على أوهام هذه المجموعات التي تعتقد أننا ما زلنا في عقد الستينات. أضف إلى ذلك، ما تظهره الاتصالات الجانبية عن أن فرنسا لا تفكر بأيّ دعم خاص للبنان. إذ ترفض الإفراج عن قرش واحد من خزائنها لدعم غير مشروط أو مشروط للبنان، بل لا تزال على الطريق نفسه الذي شقه رفيق الحريري وجاك شيراك، والذي يقود إلى ديون إضافية. وجلّ ما تهتم به، اليوم، هو السيطرة على مرافق رئيسية في لبنان تحت ذريعة إعادة إعمارها أو تشغيلها، من المطار وكهرباء لبنان وإدارة المياه والنفايات وصولاً إلى المرفأ الذي يُظهر الفرنسيون خشية حقيقية من تسلل الصين أو تركيا أو قطر لإدارة عملية إعادة إعماره وتطويره وتشغيله..

ليس معلوماً إن كان بمقدور ماكرون ومساعديه استغلال الوقت القصير لمغادرة المربع الذي يعيشون فيه، وإدراك حقائق لبنان الجديدة، وعسى أن يكون واعياً إلى أن الإشارة الأساسية للتغير، تنطلق من قيامه، فوراً، بإخلاء سبيل الرهينة اللبناني جورج ابراهيم عبدالله قبل الأول من أيلول، وأن يعمد إلى إعداد خطاب لمناسبة مئوية لبنانه الكبير، يعتذر فيه عن احتلال بلاده للبنان سنوات طويلة، ويعتذر من الأجيال الجديدة على ما قام ويقوم به ورثة استعماره من هذا النظام الطائفي البغيض. غير ذلك، لن يجد بعد انفجار المرفأ سوى العودة للتجول في شارع وحيد، يمتد من المتحف حتى مفترق السوديكو، حيث بقايا الإمبراطورية الفرنسية في لبنان، بينما تواصل استخباراته لملمة أوراقها المبعثرة في شارع الجميزة!

موت المتصرفية وموت الطائف

سياسة 

ابراهيم الأمين الثلاثاء 11 آب 2020

إبراهيم الأمين مرة أخرى: العنف ولو أدى إلى الفوضى هو الحل | مناطق

لن يتوقف الفجور أبداً، والكذب ملح الفاجرين. لا يهمهم شيء غير الصورة التي يعتقدون أن القوة تبقي عليها حية. هكذا هي حال سياسيين واعلاميين ورجال مال وأعمال عندنا. أما الناس العاديون، فعليهم تحمل تبعات أفعالهم. وكما يدفعون، منذ عقود، ثمن مبايعة هذه القيادات، عليهم تحمل تبعة مبايعة هذا الجنس من المعارضين. لا مبرر لغاضب أو متعب أو جائع عندما لا يجيد التمييز بين النصّابين، وعندما لا يريد لعقله أن يعمل للحظة واحدة. وكل كلام آخر، هو مساهمة في حفلة الدجل القائمة التي لا مؤشرات على أنها ستقف عند حدّ.

سامي الجميّل يستقيل، وكذلك ابن عمه نديم، وقبلهما مروان حمادة، وبعدهما ميشال معوض، وآخرون من بقايا الفولكلور الديموقراطي. هل لنا أن نسأل عمّا فعله هؤلاء وعائلاتهم منذ ولدنا جميعاً؟ هل من استقالوا من المجلس النيابي قرروا أنهم غير مناسبين للعمل العام أم ماذا؟ هل سيترشحون في أي انتخابات مقبلة؟ هل تعني استقالاتهم أنهم فشلوا في مهمتهم وعليهم المغادرة، أم أنهم يقولون لنا إن السلطة لم تناسبهم فقرروا استخدام تفويض الشعب، ولكن في الشارع.

هل فكّر أبناء عائلة الجميّل مرة في حجم الاموال العامة التي ينفقها اللبنانيون عليهم: رواتب رؤساء ووزراء ونواب حاليين ومتقاعدين؟ مصاريف خاصة معلنة وسرية؟ مشاريع ومزاريب وتوظيفات وإقطاع بشع؟ وبين كل هذه الأجيال، تجارب ومدارس في الدونية أمام أي خارج يحمي مصالحهم، من ياسر عرفات الى حافظ الاسد وصدام حسين وأمراء الخليج… الى كل جوقة الغرب القريب أو البعيد. وبعدها، يخرج من بينهم من يحدّثنا عن ثورة وتغيير!
ميشال معوض: هل تعتقد أن تجربتك في غينيا منحتك الخبرة لتجرب الانقلاب في لبنان أيضاً؟ أم ان تجربة جمع التبرعات عام 2006 منحتك الإلهام لجمع مزيد من التبرعات، لكن بأرقام أكبر، لأن انفجار المرفأ «حصل في مناطقنا»… كيف تشرح لنا سبب انضمامك الى تحالف جبران باسيل يوم التصويت وسبب تخليك عن هذا التحالف اليوم؟ وهل يمكن لك أن تتجاوز زوايا زغرتا قليلاً أم أصابك أيضاً وباء الرئاسة الذي يصيب كثيرين اليوم، من بينهم ناصيف حتي ودميانوس قطار وغيرهما؟ هل همس لكم أحد بأن أوان الانتخابات الرئاسية قد حان، وأن فرصتكم تكبر إن انتقلتم الى مواقع أخرى؟ وهل تعتقدون، فعلاً، أنكم صرتم في موقع الناس المقهورين، أم أن بعض التصفيق يعمي أبصاركم؟

ميشال المر الصغير قرر قيادة ثورة المقهورين والجياع. تخيّلوا أن من يرفع هذا الشعار هو الرجل الذي لم يتخلّ يوماً عن عنصريته وكراهيته لكل آخر. الرجل الذي يعتقد أن بمقدوره بناء كوكب مستقل قرب صنين، ويحق له سرقة المال العام من إنترنت، ومن قروض مصرف تملكه الدولة (بنك التمويل) ولا يسدده، قبل أن يخرج رياض سلامة، الملاك الرحيم، لإعادة تنظيم الأمور، فتنتهي المحطة مملوكة فعلياً لسلامة وجوقة المصارف، فيما أنت موظف صغير فيها، تكتفي ببعض المزايا مثل مراقبة الصبايا العاملات في المحطة… أما قرار منع السياسيين من الظهور على شاشتك، فهو حازم وصارم الى حدّ أن أحداً لن يجبرك على أي استثناء، لكن ما الذي تفعله، يا مسكين، إن قرر جهاز الإرسال، لوحده، أن يخالف قرارك عندما التقطت عدسة الكاميرا صورة الحكيم المنقذ في ساحة ساسين!
الحفل لا يكتمل من دون بقايا مرتزقة السعودية، التي لم تتحمل مجلة «نيوزويك» قدرتها على التضليل، فاضطرت الى كشف أن الذباب الإلكتروني للدب الداشر يقود معركة توجيه غضب الناس ضد حزب الله. وهو ما يفعله رائد التقدم في المنطقة العربية، محمد بن زايد، الذي لم يكتف بسرقة أموال شقيقه الأكبر، رئيس الدولة، كما يسرق نفط جنوب اليمن وغازه، بل سارع الى إنفاقها حيث يعتقد أن بمقدوره قيادة العرب الى العصر الحديث، عصر السجون السرية والقتل العشوائي والصمت الكامل. لكن الناس عندنا يحبونه، هكذا تقول 14 آذار وناشطو المجتمع المدني الذين ينبهرون، يوماً بعد يوم، برواد الحرية والازدهار في الإمارات العربية المسلوبة من عائلة قراصنة وقطاع طرق.
وماذا نفعل، أيضاً، مع ديناصور من وزن وليد جنبلاط. يطالب عبر قناة «الحرة» الأميركية بـ«تعليق المشانق لوزراء الحكومة الحالية». يا الله، كيف لهذا الرجل أن يتحدث بعد؟ وأي وزارة صحة يمكن أن تعلن خطره على السلامة العامة؟ كيف لنا أن نحل لغز هذا الرجل الذي يريد أن يضمن حكم أحفاد نجله الى ما بعد مئة عام؟ كيف لنا ذلك، ونحن لا نعرف كيف يصحو وكيف ينام ومن يعاشر وماذا يقرأ وأي علاج ينفع في إقناعه بأن المكابرة داء يمكن التخلص منه، وأن فرك العينين قليلاً، سيتيح له رؤية المشهد على حقيقته: حيث لا متصرفية جبل لبنان بقيت، وحيث اتفاق الطائف يترنح بقوة. والأهم، أن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي كان يموّل هذه السلطات المتعاقبة ضمن نظام طائفي بنسختي الميثاق والوثيقة قد سقط أيضاً. من يمكنه إقناع جنبلاط بأن أفضل ما يمكن أن يقوم به، اليوم، هو إعفاء الدروز من معمودية نار جديدة مع أولاده، وأن يوزع على فقراء الجبل أملاكه، ويترك لهم تدبر أمورهم ضمن انخراط في إطار مدني عام… وكفى الله المؤمنين شر القتال!

الوهم والحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية عادا ليسيطرا على قيادات فعّالة في الوسط المسيحي


وفي زاوية أخرى من المشهد، أشد قساوة، تكمن الخطورة الكبرى. حيث الوهم عاد ليسيطر على قيادات فعالة في الوسط المسيحي. وحيث الحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية كبير، وحيث هناك محاولة جدية لتعميمه على الناس البسطاء على قاعدة «ما لنا لنا وما لهم لهم… لسنا مثلهم لنعيش معهم». هذا كلام حقيقي يقال اليوم، وكل محاولة لنفيه أو الإلقاء به على هامش النقاش كلام غير حقيقي. وزير مثّل «القوات اللبنانية» في الحكومة السابقة قال أمام سفير أوروبي: ينقصنا المطار والسهل الزراعي، وإلا لكنا استقلّينا وانتهى الأمر. هذا كلام يتردّد بين مطارنة وفي أديرة ومجالس بلدية وأهلية، ويتسرب على شكل تعليقات ونكات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو يُردّد أمام غربيين يسألون عن الحل الأفضل. لكنه لا يعبّر عن وهم فقط، بل عن جنوح نحو عزلة غير مسبوقة، تقود الى انتحار جماعي لا أقل ولا أكثر. وهي نزعة ليست من اختراع الخارج، ولا نتيجة تحريض هذه الدولة أو تلك. هي نزعة موجودة في عقول قيادات لم تتعلم من التاريخ شيئاً، ولم تستفد من كل التجارب، وتفكر بطريقة لا ينفع معها كل تنبيه. كاد مانويل ماكرون يبح صوته وهو يقول لبعض هؤلاء: «أنا رئيس فرنسا، ولا تتحدثوا معي كأنني مالك السحر.. افهموا أنه يجب أن تتحاوروا مع الآخرين وتجدوا الصيغة للعيش معاً». لكن ماكرون الذي تملك بلاده معرفة واسعة بهؤلاء، يتصرف اليوم على أنه الوصي عليهم، وهو سيتصرف هكذا في ظل قراءة بلاده لتطورات تحدث انهياراً سياسياً واسعاً في الشارع المسيحي، وخشية من «تولّي مسيحيين أصوليين ومتطرفين الأمر»، على حدّ تعبير نافذين في إدارته.

المتظاهرون الغاضبون في الشارع يعبّرون عن سياق يخص كتلة سياسية فئوية في لبنان. ومع الأسف، وإن كان البعض سيفسر هذا الكلام بخلفيات مقيتة، إلا أن أمانة التوصيف تشير الى أن أفكار الجبهة اللبنانية البائدة هي المسيطرة على عقل غالبية من يدير الشارع. والمتوهمون من «المجتمع المدني» ليسوا سوى أدوات وبيادق لا قدرة لها على إدارة صنع القرار. وها نحن نقترب من لحظة الفراغ القاتلة، وأكثر ما يمكن للعالم أن يفعله، هو تكليف فرنسا بإدارة حوار لبناني – لبناني، في بيروت أو في باريس. حوار لا يستهدف تغيير السلطة، بل تغيير النظام… وما دونه فوضى ستجبّ كل ما قبلها!

مقالات متعلقة

أيام الاسئلة الكبرى؟

إبراهيم الأمين : المرحلة الثانية من الأزمة – مجلة وفاء WB

سياسة 

ابراهيم الأمين الإثنين 10 آب 2020

استقالة حكومة او هزيمة سلطة او سقوط للنظام. ما جرى ويجري، منذ انفجار الرابع من آب، يقود الى الاسئلة الكبرى امام الناس جميعاً، مواطنين ومسؤولين… ومتآمرين ايضاً. وهي اسئلة تخص الخارج المهتم بخلاص لبنان، او ذاك الباحث عن فرصة لتدميره نهائياً.

وقع حسان دياب تحت الضغط الكلي. مشكلته لم تكن محصورة بالقوى المعارضة لوجوده في السراي، بل في حلفائه ايضاً. وهو وجد، من تلقاء نفسه، ان اقتراح الانتخابات المبكرة قد يمثل مدخلا لهدوء يقود الى حل. نسي الرجل ان قواعد اللعبة ليست للشارع كما يظن المتوهّمون، بل لمن لا يزال بيده الامر. فكان القرار باطاحته مشتركاً: الرئيس ميشال عون الذي تعني له الانتخابات النيابية نزعاً للشرعية عنه. جبران باسيل الذين تعني الانتخابات المبكرة تشليحه نصف كتلته النيابية. سعد الحريري الذي لا يطيق الجلوس في البيت والخائف من ان تصبح كتلته بضعة نواب على شاكلة ديما الجمالي. وليد جنبلاط الذي يخشى على مصير زعامته..وفوق كل هؤلاء، الرئيس نبيه بري الذي لم يكن اصلا من المرحّبين بحكومة دياب. وكان ولا يزال يفضل الحريري على جميع الاخرين، والهارب ايضاً من ضائقة شعبية لا يمكن لحزب الله ان يعالجها كل الوقت… كل هؤلاء، معطوفين على الجهد المتواصل من الاميركيين وحلفائهم السعوديين والاسرائيليين، ومنظماتهم غير الحكومية في لبنان، انتج الجدار المرتفع الذي يعطل كل شيء. فكانت النتيجة القرار المبدئي باستقالة الحكومة. سيكون بوسع حسان دياب ان يستقيل بدل ان تتم اقالته في المجلس النيابي، وهو الذي رفض فكرة استدعائه لتحميله مسؤولية جريمة ارتكبها كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال السنوات الماضية. ومعه وزراء هم اليوم في حالتهم الطبيعية، عراة من كل شيء، لا قوة لهم ولا ثمن. من أتى بهم يبيعهم على مفترق طرق. يجري كل ذلك، وسط حال من الجنون تسود الشارع ومعه الاعلام الفاجر المنتشر على كل الشاشات والمنابر.

لكن الى اين من بعد هذه الهزة؟

الطبقة السياسية تريد تنفيذ توصية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بتشكيل حكومة وحدة وطنية. يعتقدون انه في حال استقالة حكومة دياب، سيُدعون الى استشارات نيابية تسمّي الحريري بطلاً منقذاً، على ان يجري منحه فرصة تشكيل حكومة تضم ممثلين عن كل القوى السياسية من دون أقطابها، وان يصار بعدها الى وضع برنامج عمل هدفه تهدئة الوضع في انتظار القرار الدولي.

لكن من يفكرون بهذه الطريقة، هل يملكون الاجابة عن الاسئلة المحرّمة، ومنها:

– ماذا يعني الفشل في تشكيل حكومة سريعاً؟ هل يصبح الجيش المكلف بقرار ادارة العاصمة الكبرى في ظل حالة طوارئ الحاكم الفعلي للبلاد؟ وهل الجيش قادر على هذه المهمة وهو الذي فشل في ادارة شوارع مثلومة الاسبوع الماضي؟ وهل لدى قيادته وهم بأن سلطة الامر الواقع تتيح له تشكيل حكومة واجراء انتخابات والاتيان بقائد الجيش رئيسا للجمهورية؟

– من سيكون المسؤول عن البلاد بعد ثمانية ايام، عند صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري؟ من سيتسوعب الصدمة ومن يمكنه ضبط الشارع الذي سيتصرف على انه اسقط الحكومة وعليه اسقاط المجلس النيابي ورئيس الجمهورية ايضا؟ وكيف سيكون الوضع لو ان الشارع ضم الى مهامه ايضاً مهمة تنفيذ حكم المحكمة الدولية؟

– فرنسا التي قادت مؤتمراً لتحصيل مساعدات تقرر حصرها بنتائج الانفجار، تقول انها جمعت نحو ربع مليار يورو. لكنها – كما الولايات المتحدة – تريد ان تشرف الامم المتحدة على انفاقها. وهي تريد ذلك في ظل وجود الحكومة، فكيف اذا صارت البلاد من دون حكومة. وبالتالي، فان الامم المتحدة، وكر الفساد الاول في عالم المساعدات، ستتولّى تشكيل «حكومة ظل» قوامها مرتزقة المنظمات غير الحكومية ليتولّوا الاشراف على صرف المساعدات، وبالتالي الدخول الى الادارة العامة، وتخيلوا ما بعد ذلك.

– اذا كان اسقاط حكومة حسان دياب هدفاً بذاته، فان الفرق اللبنانية لديها اهدافها الاخرى. والمرجح ان الساعين الى رئاسة الجمهورية سيدعمون تنشيط المعارضة لاسقاط المجلس النيابي، وهم يعتقدون بأن انتخابات جديدة تحت اشراف دولي ستتيح تغييرا واسعا في تركيبة المجلس النيابي، وسيجدون العلاج لملف الرئاسة واطاحة الرئيس عون من بعبدا. وهؤلاء، سيفتحون بازار المفاوضات مع كل شياطين الارض لتحقيق الحلم بالوصول الى الرئاسة. وعندها سنقترب من الملفات الحساسة.

– العالم الخارجي الذي «حزن» بعد انفجار المرفأ، قرر صرف مساعدات موضعية. لكن قرار فك الحصار عن لبنان لم يحصل بعد. وبالتالي فان هذا العالم لديه مطالب غير تلك التي تهم الجياع والمطالبين بحسن التمثيل. هدفه واحد ومحصور في ضرب المقاومة. وهذا العالم، سيعتقد انه بمقدوره الضغط اكثر على اللبنانيين بغية ممارسة ضغط جانبي على المقاومة لاجبارها على الاتيان الى طاولة لتفاوض على سلاحه ولو بالتقسيط، هل يعتقد هؤلاء ان مصير المقاومة يعالج كأننا نصنع العجة؟

– حسناً، اذا كان الهدف اسقاط السلطة لانها لم تعد قادرة على القيام بمهمات تلبي حاجات الناس، فهل يحاول هؤلاء الهروب من استحقاق تغيير وجه النظام القائم وقلبه، سياسيا واقتصاديا واداريا. من يرد تعديل قواعد اللعبة، عليه ان يعرف ان المطلوب فعلياً ليس تغيير الحكومة، بل تغيير النظام، وهذا يعني الآن امراً واحداً: رصاصة الرحمة على اتفاق الطائف.

– اذا كانت فرنسا حصلت على تفويض ولو جزئي من العالم لادارة الازمة اللبنانية. واذا كان خيار تغيير النظام هو الاساس. فان الطاولة المستديرة التي جمع الرئيس الفرنسي اقطاب البلاد حولها، سيُعاد تشكيلها بغية ادارة حوار يستهدف عنوانا جديدا، وهو الاتفاق على نظام جديد في البلاد، ما يعني ان ثمن الانهيار القائم اليوم، هو المباشرة بالعمل على مؤتمر تأسيسي جديد لتشكيل سلطات جديدة، نيابية وحكومية وادارية وعسكرية وخلافه. واذا كانت سوريا منهكة بدمارها، والسعودية غير مؤهلة لادارة شؤونها، واميركا كما بقية العالم تشكل طرفا في الازمة، فهل توكل الى فرنسا مهمة ادارة حوار لبناني – لبناني للاتفاق على نظام سياسي جديد. وفي هذه الحال، هل يعلم الناس ان فرنسا ستتحدث باسم المسيحيين، اما المسلمون فسيواصلون انقساماتهم من دون التوصل الى قواسم مشتركة… وعندها سنكون امام لوحة فوضى مكتملة.

– سيحصل كل ذلك، والبلاد تسجل مزيداً من الانهيار الاقتصادي والمالي. فهل سيعود رياض سلامة حاكما لكل الادارات وليس للسياسات النقدية فحسب. وتطيير الحكومة الحالية يعني تطيير كل اشكال التدقيق الجنائي المحلي او الدولي في عمليات مصرف لبنان وبقية المصارف. وهذا هدفه الاول، لكن هل يمكنه إدّعاء القدرة على توفير تمويل للعصابة اياها لادارة البلاد من جديد؟

– الاكيد ان الاميركيين يعتقدون ان الافضل، الان، هو سقوط الحكومة وعدم تشكيل حكومة بديلة سريعا، وان يصار الى فرض سلطة الجيش مع وصاية خارجية على اقتصاد البلاد. وهم سيكثرون من الكلام عن ان لبنان قابل للحياة من جديد، فقط اذا قرر التخلي عن المقاومة.

ايها اللبنانيون، استعدوا لما هو اسوأ. واستعدوا لمنازلات لا نعرف حدودها ولا مساحتها ولا طبيعتها، واستعدوا لتحمل مسؤولية ما تقولون وما تفعلون وما تقرّرون من خطوات لاحقة… ولا شيء أمامكم أكثر وضوحا من فوضى الانهيار الكبير.

مقالات متعلقة

The Great Collapse الانهيار الكبير

The Great Collapse

Translated by Staff, Al-Akhbar Newspaper

It’s much similar to the end of the world scene in movies; a cloud that quickly tinted from red to black and then to poisonous ashes, seems like a scene from a movie on world wars. The absurd madmen destroyed the city and turned it into a rubble pile. Screams echoed throughout the country. There was an earthquake and then dust that hid for a moment the scale of the disaster, before people suddenly saw the whole picture. The great collapse that afflicted the center of the country, striking everyone with shrapnel, but unfortunately, failed to unite them. 

Whether the incident was due to a mistake, a sabotage operation, or anything else, what it did was lift the cover off of the mangled country. The explosion revealed the face of the great collapse. The collapse of an integrated system, the way of thinking, behaving, managing, and dealing with crises.

The litigants together chanted “the encounter at the edge of the grave”. But the tragedy will not bring together the Lebanese who run away from anything that adjoins them. The mass collapse has become an additional argument for further tampering, arrogance and denial. But it is a moral collapse, too, that has afflicted the whole system of values that preserve social and human sympathy. A collapse in the form of a tragedy that did not prevent parties, groups, and individuals from seeking to exploit it for their trivial gains. The collapse proved that nothing can be trusted whether it was an institution, a party, or a person. A collapse that will prevent a collective mourning tomorrow for those who died in this great disaster. A collapse which revealed, in few hours, that a grave tragedy awaits us.

Hearing the comments of those supposed to present themselves responsible, and how they became, in minutes, experts and foretellers of the unseen and the analyses and inventions they devised, means one thing: it is the collapse prior to the great destruction. The destruction that will erase everything. As for the exhausted people, whose blood was hard-wired with sweat yesterday, they will be left alone to die silently; hoping that their death will be less exploited by vultures welcoming death in search for their livelihood even among carcasses. Those, who we do know not why they have been permitted to move between the dead, are inciting victims against each other. 

In a moment, silence prevailed, and then the shock was over, as if people were waiting for this incident, as if this country had not yet been filled with destruction, fire, blood, and screams. This ongoing moment is not expected to end soon. And among people are those ominous who wish the worst to satisfy an abhorrent desire, believing that the great collapse will allow them to rise to the top, even above the rubble. Those who told us decades ago that they did not fear war and let the strongest win, are the same ones who groveled abroad and practiced all kinds of killing and abuse inside. Those who were not tired of wars even if no one was left alive. Those who wish for the great collapse believing that Lebanon should be as they wish or not to be! 

The sight of the injured at the doors of the emergency rooms makes one speechless. Thousands arrived at the hospitals and immediately returned when they saw the crowds at the door of hell. Doctors examined the victims of the massive storm: dislocated heads, eyes bulging out of faces, and skin peeled off of bones, and blood everywhere. On the scorched earth, rubble held captive those who were late to return home, while semi-homes of the poor were demolished. And what remained standing, iron levers, calling on God to protect those who remained beneath it: humans and stone…
The rest of the tragedy, if we return soon to our normal life as if nothing had happened. Or as if what happened was a mere bus accident. All talk about investigating and solving will remain the same. What one hopes, in these moments of anger, is that the tremor troubles everyone for a long time, to remind us that we no longer own our reaction to sorrow!


الانهيار الكبير

سياسة ابراهيم الأمين الأربعاء 5 آب 2020

كما في الأفلام التي ترسم مشهد نهاية الكون. الغيمة التي تلوّنت سريعاً من حمراء إلى سوداء إلى رماد سام، بدت صورة مستعادة من أفلام الحروب العالمية. المدينة تحوّلت إلى كومة ركام بعدما دُمّرت بعبثية مجانين. صراخ علا في المدينة وكل أطرافها، ووصل صدى الصوت إلى أنحاء البلاد. هزة أرضية فعصف ثم غبار يخفي، للحظات، حجم الكارثة، قبل أن يجد الناس أنفسهم، فجأة، أمام الصورة كاملة. صورة الانهيار الكبير الذي أصاب مركز البلاد، لتنتشر شظاياه في أجساد الجميع، ولكن، وللأسف، من دون أن توحّدهم.

سواء كان وراء ما حصل خطأ أو جريمة تخريب أو أي شيء آخر، فإنه ليس سوى رفع للغطاء عن الهريان الذي ضرب هذه البلاد. أتى الانفجار ليكشف عن وجه الانهيار الكبير. انهيار منظومة متكاملة، من طريقة تفكير وتصرّف وإدارة وطريقة تعامل مع الأزمات.

كان المتخاصمون ينشدون معاً نشيد «اللقاء عند حافة القبر». لكن المأساة لن تجمع الشعوب اللبنانية الآخذة بالتفلّت من كل شيء جامع. صار الانهيار الجماعي حجة إضافية لمزيد من العبث والمكابرة والإنكار. لكنه انهيار أخلاقي، أيضاً، أصاب كل منظومة القيم التي تحفظ تعاطفاً أو تكافلاً اجتماعياً وإنسانياً بين الناس. انهيار على شكل مأساة، لكنها لم تمنع جهات ومجموعات وأفراداً من السعي إلى استغلاله من أجل مكاسبهم التافهة. انهيار دلنا على أن بلادنا لم يعد فيها من يحظى بثقة الناس، سواء أكان مؤسسة أم جهة أم شخصاً. انهيار سيمنع غداً حزناً جامعاً على من سقط في هذه الكارثة الكبيرة. انهيار كشف لنا، في ساعات قليلة، أن مأساة كبيرة تنتظرنا خلف الأبواب.

من يسمع تعليقات من يفترض أنهم يعرضون أنفسهم لتولي المسؤولية، وكيف صاروا، في دقائق، خبراء وضاربين في علم الغيب، وما أفرغوه من تحليلات واختراع وقائع، لا يقول لنا سوى شيء واحد: إنه الانهيار السابق للخراب الكبير. الخراب الذي لن يُبقي على شيء. أما الناس المتعبون، الذين جُبل عرقهم بدمائهم أمس، فسيُتركون لحالهم، ينشدون موتاً أقل صخباً لو أمكن، عسى أن يكون استغلاله أقل من قبل كواسر صاروا يرحّبون بالموت بحثاً عن رزقهم ولو على شكل جيفة. هؤلاء الذين لا نعرف لماذا تسمح لهم الشاشات بالتنقل بين الموتى، لتحريض الضحايا بعضهم على بعض.

في لحظة واحدة ساد الصمت، ثم زالت الصدمة، وكأنّ الناس ينتظرون مثل هذا الحدث، وكأن هذه البلاد لم تشبع بعد من الدمار والنار والدماء والصراخ. وهي لحظة مستمرة لا يُتوقع لها أن تزول قريباً. وبين الناس من هم نذير شؤم يتمنون الأسوأ من أجل إشباع رغبة مقيتة، لاعتقادهم أن الانهيار الكبير سيتيح لهم الارتفاع إلى أعلى، ولو من على فوق ركام. هؤلاء الذين قالوا لنا قبل عقود بأنهم لا يخشون الحرب وليربح الأقوى، هم أنفسهم الذين مارسوا كل أنواع التذلّل للخارج، وكل أنواع القتل والتنكيل في الداخل، وهؤلاء الذين لم تُتعبهم الحروب حتى ولو لم يبق مبشّر على وجه هذه الأرض، هؤلاء هم الذين يتمنون الانهيار الكبير، لأنهم لا يرون لبنان إلا على شاكلتهم أو لا يكون!
لا شيء يمكن الحديث عنه أمام مشهد الجرحى على أبواب غرف الطوارئ في المستشفيات. الآلاف وصلوا إلى المستشفيات وعادوا عندما شاهدوا الزحام على باب الجحيم. عاين الأطباء ضحايا العصف الهائل: رؤوس مخلّعة، وعيون خارجة من الوجوه، وجلود كأنها سُلخت عن عظام، والدماء تغطي كل شيء. وفي الأرض المحروقة، بقي ركام يحتجز من تأخر في العودة إلى عائلته، بينما هُدمت أشباه المنازل على فقراء أحياء المنطقة. وما بقي واقفاً، رافعات من حديد، تناجي الله عسى أن يحمي من بقي تحتها من بشر وحجر…

لكن بقية المأساة، إن عدنا بعد قليل إلى يومياتنا كأنّ شيئاً لم يحصل. أو كأن الذي حصل هو حادث انقلاب باص. وكل كلام عن تحقيق وعلاج سيبقى على ما هو عليه. وما يأمله المرء، في لحظات الغضب هذه، أن تسكن الهزة الجميع لوقت طويل، عسى أن تبقى تذكّرنا بأننا لم نعد نملك حتى إدارة حزننا!

رهانات 2005 – 2006 تعود محلياً وخارجياً: مخاطر الحسابات الخاطئة

الأخبار

ابراهيم الأمين الخميس 6 آب 2020

لو خطّط أحد ما لتسريع الانهيار في لبنان، لما فكّر في خطة شيطانية كالتي أنتجت زلزال أول من أمس. الكل يعلم أن النقاش حول التفجير الهائل سيبقى مفتوحاً إلى أجل طويل، ولن تنفع معه تحقيقات رسمية ولا اعترافات أو غير ذلك. ففي بلاد كبلادنا، حيث تسيطر المافيات على كل شيء، لا مكان لحقيقة تتيح محاسبة عادلة. والمسرح مفتوح دوماً لعكاريت السياسية والاقتصاد والمال والدين الذين ينجون من كل حرب، ويعودون الى أعمالهم بازدهار. لا التاريخ يعلمهم ولا التجارب ولا دماء الناس.

إعلان المحكمة الدولية إرجاء النطق بحكمها في قضية اغتيال رفيق الحريري الى 18 آب الجاري، بُرّر بما يجري في بيروت على ضوء انفجار المرفأ. لكنّ ثمة عقلاً استعراضياً يقف خلف القرار. عقل يقول إن موعد النطق بالحكم ليس مناسبة إدارية لمحكمة يفترض أنها محايدة، بل هو توقيت سياسي له مراميه البعيدة أيضاً. وإذا كانت كارثة أول من أمس قد تحولت الى الحدث الوحيد في لبنان، فإن أصحاب هذا العقل هم أنفسهم من يبثون اليوم شائعات عن أن التفجير كان مقصوداً للتغطية على النطق بالحكم. ولأن عقل هؤلاء يعمل بهذه الطريقة، قرروا الإرجاء، وكأنهم يقولون لنا علناً: نريده حدثا جللاً. وإذا ما حصل حدثٌ قد يُضعف الاحتفال بالحكم، فسنعمل على اختيار توقيت يعيد الى الاستعراض فرصته التي يفترض أن يكون دويّها أعلى من دويّ انفجار المرفأ.

عملياً، من كانوا ينتظرون موعد 7 آب لتحويله حدثاً قابلاً للاستثمار السياسي، أُجبروا على أخذ إجازة إجبارية لأيام. لكنهم قرروا استغلال الجريمة الرهيبة وشرعوا، مرة جديدة، في لعبة استجرار الدم بأي طريقة. هكذا، سمعنا كلاماً عن تحميل السلطة الحالية المسؤولية، ومطالبات بلجنة تحقيق دولية، ودعوة مجلس الامن الدولي الى التدخل… وسنسمع غداً من يدعو الرئيس الفرنسي الى القيام بما قام به جاك شيراك قبل 15 سنة. وغير ذلك، سنسمع الكثير الذي يعيدنا الى عام 2005.

مشكلة من يفكرون على هذا النحو أنهم يريدون تكرار التجربة من دون أن يرفّ لهم جفن. وهم يسعون الى تكرار ما فشلوا في تحقيقه من عدواني 2005 و 2006، معتقدين بأن الظروف مهيّئة لذلك، وسيكون جدول أعمالهم هو نفسه: نزع الشرعية الدولية (نفسها) عن السلطة في لبنان، والسعي الى جذب الجمهور صوب تحركات شعبية تقود الى استقالة السلطة أو إقالتها. والهدف، هنا، هو المجلس النيابي والسعي الى انتخابات مبكرة، وإيكال مهمة الإنقاذ الاقتصادي الى وصاية عربية وغربية تفرض شروطها التي تمتد من المطالب السياسية حيال المقاومة والعلاقة مع سوريا والشرق، وصولاً الى بناء نموذج اقتصادي قائم على فكرة تحويل اللبنانيين الى عاملين بالسخرة عند مجموعة نصّابين لم يتوقفوا عن سرقة كل شيء.

لكن إلى ماذا يستند هؤلاء؟
في هذه اللحظة، يسيطر على عقولهم هاجس الاستغلال الى أبعد الحدود. وعادة، تواكب هذه السياسات حسابات خاطئة لعناصر الأزمة ولوقائع الأرض. وبهذا المعنى، ينبغي لفت انتباه من يهمه الأمر، من قيادات هذه الجماعات والدول الراعية لها الى جمهورها المتحمّس، الى أن الأمور ليست على النحو الذي يفترضون:

– بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فإن انفجار المرفأ سرّع في عملية الانهيار الاقتصادي والمالي الى أقصى ما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان. فقد تسبّب الانفجار، عن قصد أو غير قصد، في حرق مراحل من عملية التهديم الممنهج لقدرات البلاد. وبالتالي، صار هؤلاء في حاجة إلى الإجابة عن السؤال الحقيقي: هل يبادرون الى احتواء الموقف، أم سيتفرجون على لبنان يذهب طواعية الى العنوان الأنسب للمساعدة؟ وسنسمع في الايام القليلة المقبلة الكثير من الكلام الغربي عن ضرورة توفير المساعدة العاجلة للبنان، ليس بهدف حماية بقيتنا، بل منعاً لوصول الشرق الذي سيكون أكثر حضوراً من المرات السابقة.

– الفرنسيون الذين خسروا لبنان يوم وقّع جاك شيراك ورقة مطالب جورج بوش في المنطقة، سيحاولون حجز مقعد إلزامي لهم في إدارة ملف لبنان. والزيارة «الإنسانية» للرئيس الفرنسي الى بيروت، اليوم، لن تفتح له الأبواب إذا كان مُصرّاً على اعتماد المقاربة الاميركية لمعالجة الازمة. فأمام فرنسا فرصة لاستعادة الدور، إذا قطع ماكرون مع إرث شيراك – بوش. أما إذا لم يفعل، وجرّب «التشاطر» كما فعل وزير خارجيته، فسيعود الى باريس مثقلاً بالهواجس التي تسبق الخيبات الكبرى.

– عرب أميركا الذين يعتقدون أنها الفرصة المناسبة لإجبار لبنان على تلقّي مساعدات مشروطة، سيرفعون من سقف توقعاتهم أيضاً، وسيطالبون أنصارهم ومرتزقتهم، هنا، برفع السقف عالياً لتحصيل تنازلات أساسية تقوم على تبديل واقع السلطة القائمة، وإعادة فريق 14 آذار الى الحكم، مصحوباً بعناوين تستهدف أولاً وأخيراً ضرب المقاومة في لبنان. وإذا كان هؤلاء يتّكلون على الأدوات نفسها التي عملوا عليها لعقد ونصف عقد، من دون جدوى، فستكون خسائرهم مضاعفة هذه المرة.

إذا لم يقطع ماكرون مع إرث شيراك – بوش فسيعود الى باريس مثقلاً بالهواجس التي تسبق الخيبات الكبرى


– إسرائيل، التي انتظرت عام 2005 انهيار الجدار الداخلي الذي يحمي المقاومة، وانتظرت حصد نتائج الغزو الأميركي للمنطقة وخروج القوات السورية من لبنان، ثم نفذت طلبات أميركية – توافق مصالحها – بشنّ حرب مدمرة على لبنان عام 2006، تفترض اليوم، وفق حسابات غير واقعية على الإطلاق، أن المقاومة تعاني الأمرّين في لبنان. ويبدو العدو – في سلوكه العسكري والأمني والدبلوماسي – وكأنه يقرأ خطأً في كتاب المقاومة. وربما يوجد بين قادته، السياسيين أو العسكريين أو الأمنيين، من يغامر في التفكير، وقد يذهب هؤلاء الى حد القيام بمغامرة على وقع الأزمة الداخلية في لبنان. هؤلاء الذين يراهنون على أن يؤدي انفجار المرفأ الى إلغاء حزب الله قرار الرد على جريمة سوريا، يفكرون مرة جديدة بطريقة خاطئة، لأنهم يعتقدون أن المقاومة في ورطة، وأنها تحتاج الى سلّم للنزول عن الشجرة. لكنهم سيدركون أن رد المقاومة واقع حتماً، وسيكون دموياً ضد قوات الاحتلال، وهدفه عقابي وردعي أيضاً. لكن ما يحاول العدو المكابرة في شأنه، اعتقاده بأن المقاومة لا تريد حرباً واسعة، وبالتالي هو يقرأ هذه الخلاصة على أنها إشارة ضعف، لكنها قراءة خاطئة بالمطلق. المقاومة التي لا تريد حرباً، لكنها لا تريد أيضاً نوعاً من المعارك بين الحروب، تنتج ما قد لا تنتجه حرب إسرائيلية شاملة. وبالتالي، فإن المقاومة التي أرست معادلة الردع خلال أربعة عقود، مستعدة حتى لخوض حرب تدفع فيها إسرائيل الأثمان غير المقدّرة أيضاً.

– في لبنان جبهة سياسية أصابها الهريان. كل القوى التي شكلت فريق 14 آذار، وحكمت البلاد منفردة منذ عام 2005، وبدعم العالم كله، لم تنجح في إصلاح مدرسة. حتى جريمة تخزين المواد التي انفجرت في المرفأ، هي من نتائج أعمالها وسياساتها ومن عيّنتهم في مواقع المسؤولية. وهي مسؤولة، أولاً وقبل أي أحد آخر، عن هذه الجريمة الموصوفة. وإذا كان قادة هذا الفريق يفكرون بطريقة معاكسة، وأن بمقدورهم رمي المسؤولية على حسان دياب لإصابة حزب الله، فهم يكررون الخطأ تلو الخطأ. حتى إن تقديرهم حيال تصرف حزب الله في الداخل ليس دقيقاً على الإطلاق. صحيح أن حزب الله لا ينوي التورط في مشاكل داخلية، وهو تجنّب كل الاستفزازات الداخلية والإقليمية خلال عشرين عاماً وأكثر، وهو سيستمر في هذه السياسة، إلا أن وقائع لبنان الداخلية لم تعد كما كانت عليه قبل 15 سنة. فلا هم في موقعهم الشعبي ولا نفوذهم هو ذاته، وهم يعرفون أيضاً أن غضب الناس على السلطات في لبنان إنما يصيبهم قبل غيرهم. أما اللجوء الى تسعير المناخات الطائفية والمذهبية، فالجواب على ذلك ربما سمعوه جميعاً من بيت الوسط.

في زمن الحسابات الخاطئة، يفترض بمن يجد نفسه معنياً بمنع محاولة إغراق لبنان في الدماء، أن يميّز بين الحقائق، وأن يقدّر جيداً الوقائع والأحجام والأوزان، وأن يتعرّف جيداً إلى قدرة الخارج على التدخل. لكنّ الأهم هو أن عليه أن يعرف أن لبنان تغيّر فعلاً، وأن ما يفكرون في أنه «لبنانهم» الذي خلقه الاستعمار على هذه الصورة قبل مئة عام، لم يعد له وجود سوى في أغنياتهم وأناشيد الأطلال، وكل صراخ أو كلام مرتفع أو غضب على طريقة خلافات أولاد الأحياء، لن يفيد في تعديل الصورة. ولا مجال مطلقاً لإعادة فرض الفيلم نفسه، لمرة خامسة على هذا الشعب المسكين… اتّقوا الله يا جماعة!

مقالات متعلقة

فيديوات متعلقة

عندما تتحول المقاومة عند العدو… إلى قدر!

ابراهيم الأمين 

الإثنين 27 تموز 2020

ظاهرتان لافتتان في المشهد السياسي المرافق للتوتر القائم عند الحدود الجنوبية: امتناع العدو الاسرائيلي عن إطلاق تهديدات مليئة بالنار والدمار الشامل، وعدم تفاعل معارضي المقاومة في لبنان مع الأمر بجدية. في تل أبيب، أصدر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمراً الى الوزراء والمسؤولين بضرورة عدم التطرق الى الوضع في الشمال. وهو اكتفى، أمس، بعرض موقف معروف ضمّنه تحميل لبنان المسؤولية عن أي عمل يقوم به حزب الله. لكن الإجراء العملي الذي يلحّ عليه رئيس حكومة العدو، هو مطالبة قياداته الأمنية والعسكرية بالعمل على إفشال قيام حزب الله برد موجع أو تناسبي أو ردعي. وهذا ما يترجمه الجيش والمؤسسة الأمنية باستنفار كبير يخص الجبهة الشمالية.

في لبنان، قد يكون الانشغال العام بالأزمة الاقتصادية وتفشّي وباء كورونا وارتفاع أعداد المصابين، عاملاً رئيسياً للانشغال عن الوضع جنوباً. لكن، ثمة اعتبارات أخرى، من بينها صمت حزب الله نفسه، وعدم الالتفات الى التهديدات الاسرائيلية. وأبعد من ذلك، اقتناع أطراف لبنانيين بارزين بأنه لا يمكن لأحد منع المقاومة من ممارسة حقها في الرد على جرائم العدو. لكن في النتيجة، يمكن الخلوص الى أن منسوب القلق أعلى عند العدو، حكومة وجيشاً وإعلاماً ومراقبين، بينما هو في مستوى متدن جداً في لبنان. وبالطبع، ليست هذه دعوة لأي كان إلى التطوع بالمشاركة في حملة التهويل الاسرائيلية، بل هي توصيف ولفت انتباه الى أن كل البلهوانيات لن تمنع ما هو مقدّر.

بالعودة الى الوضع القائم حالياً، يمكن ملاحظة ذروة الاستنفار المعادي على الحدود مع لبنان. الإجراءات العسكرية المتصاعدة تشمل نشر قوات إضافية وإطلاق أوسع عمل استخباري، بشري وتقني، بالتزامن مع تكرار رسائل التهديد. لكن هذه الإجراءات تزامنت مع توصية مفاجئة لرئيس أركان جيش العدو أفيف كوخافي – الذي أنهكنا العدو وهو يقول إنه قائد فذّ وضابط شجاع ومقدام – وهو يطلب من ضباطه وجنوده الاختفاء عن الشاشة وعدم ترك أي ثغرة قد ينفذ منها حزب الله لتنفيذ ردّه. كل ذلك يقود الى خلاصة أولية، وهي أن العدو يئس من الرهان على احتمالية عدم الرد، ويتصرف على أساس أن الرد حتمي، وأن توقيته لم يعد مرتبطاً بحالة سياسية أو بخطاب أو موقف، بل بوضع ميداني يعمل العدو على محاولة احتوائه على مدار الساعة. حتى إن أحد المراسلين العسكريين الاسرائيليين قال أمس: « لقد حُسم الامر، حزب الله أخرج المجموعات الى الميدان، ونحن نشهد ذروة استنفار الجيش على الحدود مع لبنان ومع سوريا أيضاً».

في هذه المرحلة، فهمت قيادة العدو أن للرد بعده الردعي حكماً، وبالتالي فهو سيتم بطريقة واضحة غير ملتبسة، وسيستهدف جنوداً للعدو لا منشأة مدنية. وهذا أمر قيد الاختبار بالنسبة إلى الجميع. لكن ما يجب على كثيرين، عندنا وعند العدو، أن يفهموه، هو أن ردّ المقاومة على جريمة ارتكبها العدو في سوريا له بعده الردعي الخاص بلبنان أيضاً، لأن العدو يعلم تماماً أن المقاومة عندما تقرر رداً ردعياً من لبنان على جريمة حصلت في سوريا، فدلك يعني أن المقاومة تقول له بوضوح إن عليه وقف ارتكاب ما يسمّيه «الأخطاء» في سوريا، وألا يفكر حتى في محاولة الاقتراب من ساحة لبنان. بل إن العدو يعلم بأن الرد القاسي الذي ينتظره على جريمة دمشق، قد لا يساوي شيئاً أمام الرد على أي جريمة قد يرتكبها في لبنان.

صحيح أن العدو حاول، خلال الايام القليلة الماضية، ومن خلال دبلوماسية بليدة وتقليدية، تسويق مزحة سمجة تقول إن ما قام به مجرد خطأ، إلا أنه فعل ذلك ساعياً لأن يتدخل العالم لمنع المقاومة من القيام بأي رد، أو أن يكون الرد شكلياً في أحسن الاحوال.

والعدو لا يمل من تجربة حظه معنا. علّمته التجربة أن الامور لا تسير وفق منطقه. ومع ذلك عاد الى اللعبة نفسها، خصوصاً عندما حاول إدخال مبدأ «الخطأ» الى القاموس العملياتي، علماً بأنه يعرف بأن هذا «الخطأ» ليس سوى استراتيجية تكتيكية كاملة. ومتى تُرك الأمر له، سيُرينا كمية كبيرة من الاخطاء يومياً، وهو لن يمانع بعد كل خطأ أن يصدر بيان اعتذار، علماً بأن العدو يحاول اختبار المقاومة هنا، لمعرفة إذا ما كانت مردوعة أو لا. فيطرح مبدأ الخطأ، وكأنه يعرض على المقاومة سلّماً لتنزل عن شجرة التهديد بالرد. وعندها، سيتصرف، كما يفكر فعلياً، بأن المقاومة مردوعة وغير قادرة على العمل. ولمجرد أن هذا الوهم لا يزال يسكن مكاناً في عقل العدو، فإن الرد أكثر من حتميّ.

الرد على جريمة ارتكبت في سوريا ردع إضافي لحماية لبنان، والمقاومة تذكّر بأن الاستحقاقات الداخلية ليست عائقاً أمام مقارعة العدو


ليست هناك حاجة للعودة الى السرديات الطويلة حول الاساس الذي ينطلق منه العدو أو تنطلق منه المقاومة في هذه الحرب الطويلة. لكن هناك حاجة أكيدة إلى مخاطبة أناس، عندنا أو في الاقليم، ممّن يدمنون التفكير في كيفية الاستفادة من أي عدوان إسرائيلي، للقول إن ما يجري في هذه الساعات وما قد يجري في الساعات أو الايام المقبلة، إنما هو في حقيقته من صنيعة قوات الاحتلال نفسها. فمنذ قيام كيان العدو الى كل حروبه في لبنان، مروراًَ بانطلاق المقاومة ووصولاً الى زمن التحرير ثم حرب 2006 الى المعارك بين الحروب، في كل هذه المفاصل، كان قرار الحرب بيد العدو حصراً، ولم يحصل أن بادرت المقاومة الى إعلان الحرب، بل على العكس، قالت دائماً – وهي تعني ما تقوله – إنها لا تريد الحرب. لكن هذا لا يتم بأي ثمن. بمعنى أن المقاومة التي لا تريد حرباً، لا تريد الاستسلام كي لا تقع الحرب. وليفكر المتبجّحون بالسيادة والاستقلال بالأمر قليلاً، ليدركوا أنه لو أرادت المقاومة شنّ حرب أو فتح النار على طول الجبهة الشمالية لكيان العدو لفعلت ذلك مراراً وتكراراً، وبيدها ألف حجة وحجة.

اليوم، تستقر الأمور على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة مع العدو. وظيفة المقاومة وردها إفهامه أن ما تكرس خلال أربعة عقود لن يتغير، وأن التضحيات التي بذلت ليست للبيع، وأن من يريد تكريس وقائع جديدة عليه أن يدفع الثمن غالياً، ولا ضمانة لديه في أنه سينجح. ووظيفة المقاومة التأكيد لأهلها وشعبها وناسها، كما للعدو، أنها «لا تتسلى»، ولا تضيّع وقتها، وأن انشغالاتها الداخلية أو بتطورات المنطقة، لم تكن يوماً على حساب دورها الاساسي والمركزي في ردع العدوان وتحرير الارض. وهذا يعني، ببساطة، أن علينا الاستعداد لنكون، كما كنا في كل وقت، الى جانب هؤلاء الرجال الذين يرسمون لنا ولأولادنا صورة البلاد الخالية، حقيقة، من الاحتلال والإرهاب والتبعية.

العدوّ يخضع لـ«تأديب ما قبل العقاب» وقواته التزمت «الوقوف على إجر ونص»

ابراهيم الأمين السبت 25 تموز 2020


إسرائيل مستنفرة وتنتظر الردّ

العدوّ يخضع لـ«تأديب ما قبل العقاب» وقواته التزمت «الوقوف على إجر ونص»
(أ ف ب )

من المفيد في حالة الصراع مع العدو أن نضع أنفسنا مكانه. أن نحاول بناء منظومة المعطيات التي تسمح له بتقدير الموقف. وبالتالي اتخاذ الخطوات، سواء كانت وقائية أو دفاعية أو هجومية. ومن الممكن الاعتقاد بقوة، أن «تغييرات ما» طرأت على العقل الإسرائيلي في الأشهر القليلة الماضية. وهي تغييرات تخص كل الأعداء في الشمال، وخصوصاً إيران. ويسود انطباع بأن قيادة العدو، بالتعاون مع جهات نافذة في الإدارة الأميركية، تعتقد أنه يمكن «اغتنام الفرصة» في هذه اللحظات العصيبة عالمياً، سياسياً واقتصادياً وصحياً، لأجل القيام بـ«إجراءات تعطل برامج إيران في المجالَين النووي والعسكري»، وأن الأمر يمكن القيام به حتى ولو تطور إلى مواجهة. وفي هذه الحالة، يبدو العقل الإسرائيلي عاملاً على فكرة جوهرية، وهي أن يكون الاشتباك مع إيران وحلفائها ليس مع إسرائيل وحدها، بل مع أميركا أساساً.

لنضع جانباً ما يجري في إيران. ثمة من يمكنه هناك احتساب القواعد وتقدير الموقف واتخاذ القرار. لكن ما يجري في سوريا ولبنان له قواعد تأخذ بشكل أساسي موقع وموقف الرئيس بشار الأسد. لا يمكن محاصرة الرجل أو ضغطه لأجل القيام بردّ مباشر على الاعتداءات الإسرائيلية. والقرار هنا مرتبط بالمصلحة الاستراتيجية، لأن هدف العدو من أي مواجهة في سوريا هو ضرب قواعد حماية النظام. ورهان إسرائيل أن ذلك يؤدي حكماً إلى إحداث ضرر كبير في برامج محور المقاومة بكامله. ولذلك، يمكن استعادة القواعد التي تولّت روسيا رعايتها ومختصرها يقول: روسيا لن تمنع إسرائيل من توجيه ضربات موضعية إلى خصومها من إيران وحزب الله في سوريا. لكنها لن تسمح لها بدخول طائراتها إلى السماء السورية. ولن تسمح لها بأن تضرب مراكز أو منشآت تهدد النظام. لكن للمعادلة الروسية إضافتها التي تقول: روسيا تتفهّم أي رد فعل يقوم به الإيرانيون أو حزب الله من سوريا، لكنها تعرف أن الجهتين لن تبادرا إلى أعمال من شأنها تهديد مصالح النظام الاستراتيجية. لكن المهم هنا، أن روسيا، وكما أنها لن تمنع إسرائيل من الهجوم، لن تقدر على منع إيران وحزب الله من الردّ.

العدو الذي يتصرف في سوريا بـ«راحة أكثر» من أي ساحة أخرى، لا يتوقف عن استهداف مراكز ذات طابع عسكري داخل الأراضي السورية، لكن استخدامها يكون في غالب الأحيان من قبل إيران أو حلفائها، حتى ولو كان بينهم سوريون. وهذه الهجمات على ضررها، لم تلامس حد تهديد البرنامج الاستراتيجي لمحور المقاومة بما يوجب الرد عليها بطريقة مشابهة. وهو أمر يعرفه العدو جيداً، وخصوصاً لناحية إدراكه العملاني بأن كل هذه الهجمات لم تدفع محور المقاومة إلى التوقف عن عملية بناء قدراته العسكرية الاستراتيجية. ولمن يهتم من الجمهور لمعرفة حجم الضرر، يمكنه العودة إلى تصريحات قادة العدو بأن كل هذه الهجمات لم تصب أكثر من عشرة بالمئة من برنامج المقاومة، فهل لنا أن نتخيل ماذا يعني نجاح المقاومة بتنفيذ 90 بالمئة من برنامجها؟

عند هذا الحدّ، يجب العودة إلى العقل الإسرائيلي حيال التصرف مع حزب الله على وجه التحديد. ليس حصراً لأن الحزب يمثل العمود الفقري لقوى المقاومة في المنطقة، بل لكون العدو يعتقد، وهو محقّ، بأن حزب الله يملك القدرات البشرية والتقنية والخبرات التي تسمح له بالمشاركة في إدارة هذه البرامج الاستراتيجية، بما في ذلك التي يُعمل على بنائها في سوريا، وخصوصاً أن الحزب يملك فعلياً ثقة إيران وسوريا، إضافة إلى ثقة كل القوى الرئيسَة في محور المقاومة. وبالتالي، فإن العدو يركز ضمناً على شكل تعطيل أو احتواء دور حزب الله في هذا المجال.

لكنّ إسرائيل تعرف، نتيجة خبرة 35 سنة، أن التعامل مع حزب الله ليس كما مع غيره، سواء كان قوى أو حكومات أو حتى أفراداً. وبالتالي، فإن على العدو أن يحسب في كل مرة الكثير من العناصر عندما يقوم بعمل قد يصيب حزب الله صدفة أو عن طريق «الخطأ المدروس». وهذا ما يجعل العدو مقيداً بصورة شبه كاملة في لبنان، ومقيداً بصورة كبيرة جداً في المناطق التي يوجد فيها عناصر من الحزب، أو يحتمل أن يكونوا موجودين فيها.

في سوريا، أصاب العدو في الخريف الماضي، مركزاً يديره الحرس الثوري الإيراني، لكن كان فيه كوادر من حزب الله. صحيح أن العدو يحرص على عدم إيذاء عناصر الحزب مباشرة، لكنه يرتكب الأخطاء، عمداً أو سهواً. وهو يعرف بأن عليه تحمّل مسؤولية ما يقوم به. ولمّا حاول في الخريف الماضي تبرير الأمر، وأنه سعى إلى الإبلاغ عن الهجوم قبل حصوله ووصل به الأمر إلى حد الاعتذار عن استهداف شباب المقاومة، إلا أن قيادة حزب الله بعثت برسالة واضحة بأن لكل خطأ ثمناً. ويومها، سعت المقاومة إلى تثبيت حقها في معاقبة العدو على الخطأ، لكنه عقاب يستهدف ليس حصراً تدفيعه الثمن، بل ردعه ومنعه من تكراره. وكانت عملية أفيفيم، التي لن يصدق أحد – ما عدا المقاومة وإسرائيل – أن عدم وقوع قتلى فيها كان نتيجة خطأ عسكري، لا نتيجة قرار.

اليوم عاد العدو إلى ارتكاب الخطأ نفسه. صحيح، أن الغارة على موقع قرب مطار دمشق مطلع الأسبوع الجاري يبررها العدو بأنها في سياق عمله ضد «التمركز الإيراني» في سوريا، لكنه تصرّف هذه المرة، مصحوباً بمناخات تحتاج إلى تدقيق، ولا سيما «نزعة التفلّت» من القيود السائدة لدى بعض أركان مؤسستَيه العسكرية والأمنية، هؤلاء الذين يراهنون بقوة على «تبدلات في المعطيات تسمح برفع سقف المواجهة مع إيران والحزب». وهذه التبدلات، كما يظهر في كل المعطيات المتداولة عند من يهمهم الأمر، تركز على أن حزب الله يمرّ بمرحلة «كبح جراء الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية التي تواجه لبنان».

عند هذه النقطة، يجب فهم أن العقل الإسرائيلي كان يعمل وفق قاعدة أن ظروف الحزب في لبنان لا تسمح له بالقيام بـ«ردّ تناسبي» من النوع الموجع بطريقة «تمنع» العدو من تكرار المحاولة. ورغم ذلك، يلجأ العدو، وكما جرت العادة، إلى استعدادات، أساسها الاتصالات السياسية والعمل السياسي – الأمني الهادف إلى محاولة إقناع الحزب أو «مَن يمون عليه» بعدم الرد؛ وبقية عناصرها تتعلق بالاستعداد لمواجهة قد تبدأ بصدام موضعي وتنتهي إلى جولة قتالية أو ربما حرب واسعة.

ليل الإثنين الماضي، أغار طيران العدو على موقع قرب مطار دمشق. وبعد ساعات، علم الإسرائيليون أن احد الشهداء هو من حزب الله. فبادرت قيادة قوات الاحتلال ومؤسساتها الأمنية إلى إطلاق برنامج عمل أساسه الاستنفار والاستعداد على طول الجبهة الشمالية، متوقعين رداً من قبل المقاومة. وقد شملت الإجراءات الميدانية والاستطلاعية التقنية كل المنطقة الممتدة من ساحل الناقورة غرباً في لبنان حتى الحدود الشرقية للجولان السوري المحتل، وكل المنطقة المتاخمة للحدود. وتزامناً، باشرت قوات الاحتلال تنفيذ خطة وقائية تشمل المستوطنات المليئة بالسكان والقواعد العسكرية ونقاط المراقبة الحدودية. كما سارعت إلى الطلب من القوات الحليفة أو الصديقة، من الجيش الأميركي في قاعدة التنف إلى قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، القيام بما يسمح بتكوين صورة واقعية ودقيقة عما يمكن أن يقوم به حزب الله. وفي جنوب لبنان، وصل الأمر بعدد من مراقبي القوات الدولية إلى القيام بدوريات مكثفة في نقاط محددة، حيث يعتقد العدو أن رجال المقاومة يمكن أن ينتشروا فيها أو أن يتموضعوا لأجل القيام بعمليات عسكرية.

لكن العدو سعى في المقابل إلى رهن خطواته بأشياء أخرى، من بينها مراقبة تصرفات وتصريحات قيادة حزب الله. وبعدما تنفّس بعض قادة العدو الصعداء عند انتشار البيان الأول لنعي الشهيد علي محسن، بالقول بأنه سقط أثناء قيامه بواجبه الجهادي، عاد التوتر مع انتشار بيان نعي جديد، يقول بأن الشهيد سقط جراء الاعتداء الإسرائيلي. لكن العدو ازداد ارتباكاً وقلقاً عندما تم توزيع البيان الجديد من قبل جهات في إعلام المقاومة، ولكن ليس عبر بيان رسمي. فيما ترقب العدو خروج الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله لإطلاق موقف من المسألة، وهو ترقب مستمر إلى الآن. ففي دائرة القرار عند العدو، ثمة مَن يفكر بأنه في حال أطل السيد حسن، فسوف يحسم الأمر. فيما يعتقد بعضهم، أو يراهن، على أن عدم صدور موقف رسمي أو خطاب علني، يُبقي الباب مفتوحاً أمام خيار «عدم الرد» أو «الرد الشكلي». وفي هذه النقطة، سرعان ما يعود العدو ليقدّم رهانه ربطاً بالأوضاع الداخلية للبنان. وكان أبرز من تناول هذا الموضوع هو قائد المنطقة الشمالية في جيش العدو أمير برعام الذي قال لـ«هآرتس» إن لبنان يعاني أوضاعاً صعبة للغاية وإن حزب الله لديه انشغالاته الداخلية الكثيرة التي تقيده. لكن الجنرال نفسه عاد ليتحدث عن الخطرين الرئيسين: «قوات الرضوان والصواريخ الدقيقة». ومثل كل قائد عسكري أو مسؤول أمني لدى العدو، فإن ذكر الرضوان والصواريخ يجب أن يعالج بجرعة من التهديدات الكبيرة. وهي تهديدات يريد قادة العدو الرد من خلالها على ما يعتبرونه «الحرب النفسية التي يقودها حزب الله ضدنا». قال برعام: «نصرالله هو بطل العالم في الحرب النفسية»!
عند هذه النقطة، يمكن العودة مرة جديدة إلى العقل الإسرائيلي. الآن، حين يرفع جيش الاحتلال من مستوى استنفاره على الحدود مع لبنان، ويعزز قواته العسكرية والأمنية وأذرع جيشه كافة، لا يزال مصدر القلق «الإدراك العميق بأن الردّ آت». لكن ما يزيد من القلق هو «صمت حزب الله». في المرة السابقة، أطل السيد حسن نصرالله وقال لهم: «انتظرونا على إجر ونص»!. هذه المرة لم يقل لهم ذلك، لكنهم لا يتحملون هذا المستوى من «التأديب قبل العقاب». ربما الناس عندنا، أو حتى المستوطنون، يعتقدون أن عملية إخلاء عسكرية وأمنية لمنطقة حدودية شاملة وبعمق عدة كيلومترات، أمر سهل. بينما هو في حقيقة الأمر عمل منهك على الصعيد اللوجستي، ومكلف مادياً، لكن الأهم، هو إهانة كبيرة لجيش يعتد بنفسه ويأتي من يلزمه بالاختباء لفترة غير محددة. وهذا بالضبط ما حاول العدو القيام به منذ ليل الإثنين الماضي. أي أن يقوم باتخاذ تدابير وإجراءات احترازية، تزيل أهدافاً محتملة من أمام مهداف حزب الله، لكنها لا تلزمه «الخضوع» لعقاب «الإجر ونص».

ما يفوت العدو أن مبدأ الردّ ليس حاجة شكلية لحماية صورة المقاومة، بل هو حاجة مركزية لحماية منجزات المقاومة، وتبقى كلفته أقلّ بكثير من كلفة عدم الردّ


عملياً المشكلة في العقل الإسرائيلي، ليست في كونه «لا يفهم على حزب الله»، بل في كونه لا يزال يتجاهل قاعدة رئيسَة تقوم على فكرة المراكمة في الإنتاج وفي تثبيت الوعي وفي تثبيت الحق في المقاومة. وبالتالي، فإن قواعد الاشتباك التي قامت مع الوقت، منذ عام 1982 إلى الآن، إنما حصلت بجهد وتضحيات قلّ نظيرهما في تاريخ الصراع مع العدو. وكانت المقاومة على الدوام تعرف أن هناك كلفة كبيرة، ليس لعمليات المقاومة وحسب، بل لحماية منجزات المقاومة. وهذا ما تدرّج في حماية الناس منذ عام 1993 إلى اليوم، كما هو الحال بالنسبة إلى ملف الأسرى في سجون العدو. وبالتالي، فإن العدو الذي يفهم عقل المقاومة، عليه أن يدرك حقيقة مركزية تتعلق بأن أصل الرد ليس سببه «صورة أمام الجمهور». صحيح أن هذه الصورة أساسية، لكنها لم تكن لتوجد لولا أن الحزب يقدر على توفيرها وعلى حمايتها. وهذا يقود إلى استنتاج بسيط وسهل، ولكن قاسٍ بالنسبة إلى العدو، ومفاده: أن كلفة عدم الرد هي الأعلى وهي التي تجر خلفها أكلافاً كثيرة في كل الأمكنة، وليس على جبهة الاحتلال فقط. وبالتالي، عندما قرر الحزب، وخرج السيد حسن في خطابه الحاسم، لم يقم بذلك انفعالاً أو تحت ضغط الناس. إنما فعل ذلك انسجاماً مع المسار المفترض لحماية منجزات المقاومة. وهذا ما يجعل عدم الرد غير وارد على الإطلاق.
أما عن الرد وكلفته، فهناك محاولة إسرائيلية لتهديدنا بكلفة مفترضة مسبقاً، والقول لنا، بأن حق الرد صار مكلفاً أكثر مما تعتقدون. ومن قال له بأنه مكلف بأكثر مما نعتقد؟ وهل لديه يقين بأن كلفة الرد على رده، ستكون متناسبة مع قدرته على التحمل؟ ومن قال بأن جبهته الداخلية أكثر تحصيناً من جبهتنا الداخلية؟ ومن قال بأن مشاكله السياسية والاقتصادية والصحية ليست قائمة ومؤثرة في كل ما يقوم به اليوم؟ والأهم، من قال للعدو أو أفهَم قادته، بأن عدم الرغبة في إشعال الجبهة يعكس ضعفاً في الإرادة أو في الإمكانات؟ هذا هو موقع الاختبار الفعلي هذه الأيام.
وما ينبغي قوله عن «فلسفة الرد»، هو ما يجب أن يكون واضحاً ليس عند العدو وحده، بل عند الجمهور اللبناني، سواء عند الذين يؤمنون بخيار المقاومة وقدراتها وكلفتها، أو عند الذين ينشطون اليوم ضمن الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية – السعودية التي تحاول تحميل المقاومة كلفة الخراب الاقتصادي في البلاد.

تحاول إسرائيل عدم دفع الثمن مرتين، مرة بالتأديب مع «وقفة الإجر ونص» ومرة ثانية عند تعرّضها للضربة، وجوابها الوقائي، استنفار بصوت خافت، والتهديد بردّ واسع


بالنسبة إلى جمهور المقاومة، الأمر واضح وليس فيه من جديد. هو برنامج مديد، مرّ عليه جيلان، وتنتظره أجيال حتى إنهاء ما يُسمى «إسرائيل». وعندما تخطط المقاومة لرد معين، فهي تأخذ في الاعتبار كل العناصر المرتبطة بهذا الرد. وتضع في حساباتها أن العدو قد يرتكب حماقة إضافية ويذهب إلى مواجهة. ومثل المحطات السابقة، فإن المقاومة تنتظره بما لا يسرّه ولا يسرّ حلفاءَه هنا أو في البعيد.

أما بالنسبة إلى الذين يعتقدون أنهم يقدرون على إطلاق حملة تستهدف المقاومة وتهدف إلى منعها من ممارسة حقنا جميعاً بالدفاع عن أنفسنا، فهؤلاء فاتهم أنها لن تكون المرة الأولى التي يعمدون فيها إلى هذا الفعل الشنيع. ومن نسي منهم، فليعد إلى وثائق ويكيليكس التي تفضح رغباتهم بنجاح حرب العدو. وهؤلاء، ربما عليهم هذه المرة، التنبه إلى أن خيانتهم لا يمكن أن تبقى كل الوقت من دون حساب، حتى ولو كانت قيادة المقاومة دائمة الرأفة بهم.

الحاصل في الساعات الماضية، أن العدو سرّع من الإجراءات التي ستقود حتماً إلى عملية إخلاء غير معلنة لكل المواقع في المنطقة الشمالية. لقد التزم العدو قرار التأديب الذي بات معروفاً بإجراء «الإجر ونص»، حتى ولو كان يحاول القيام به من دون ضجة ليمنع العار عنه. لكن ما يقوم به بدأ يبث الذعر أكثر لدى المستوطنين. وهي إجراءات تحاكي «تقديرات استخباراتية» بأن الرد حاصل. وإذا كان إعلام العدو حاول ملْء الفراغ الرسمي، وعمد إلى نشر تصورات وسيناريوهات لرد المقاومة، لكنها تقع جميعاً، ضمن الصندوقة نفسها. المخيلة الإسرائيلية، لا تقترب – أو هي لا ترغب بالاقتراب – من ملامسة احتمالات تعكس «عقل الصدمة» التي مثّلته عمليات المقاومة على مرّ السنين. ربما يجدر بقادة العدو فهم أن «صمت المقاومة» هو أيضاً جزء من الحرب النفسية التي تسبق عادة أي عمل تقرر القيام به. لكن تُرك لمَن بيدهم الأمر اختيار اللحظة المفيدة للبعث برسالة واضحة لا تحتمل التأويل… لننتظر!

دياب وخصومه: المواجهة داخل الحكومة وخارجها

الانتفاضة تربك الحكومة و«المعارضة»: حزب الله يطمئن دياب والحريري

ابراهيم الأمين

إبراهيم الامين - العنكبوت | Alankabout - أخبار لبنان - أخبار ...

الإثنين 15 حزيران 2020

لم يكن خطاب رئيس الحكومة، أول من أمس، عادياً. لكنه لم يكن نقطة تحوّل يمكن البناء عليها. في الشكل، قال الرئيس حسان دياب ما يمكن توصيفه بأنه تشخيص واقعي للأزمة. وهو جهد بات معلوماً ومفهوماً من الجميع. وحتى إشارته، مجدداً، إلى الفاسدين أو المسؤولين عن الكارثة ليس فيها جديد. بل إنه لا يزال متخلّفاً خطوات عن الاتهام المباشر الذي وجّهه الشارع إلى من يجب أن يتحمل المسؤولية عن الأزمة. ومشكلة دياب ستتفاقم كلما بقي يهرب من مهمة تسمية الأمور بأسمائها، وعدم تكرار ما يقوله السياسيون عن بعضهم البعض، عندما يطلقون اتهامات عامة، تعني في كل الحالات: لا شيء!

ما قاله دياب عن واقع الأزمة وعما يجري من خطوات سياسية من قبل خصومه، وعن تقديره لمتطلبات المرحلة، أمر معروف وليس فيه ما يثير أحداً. وهو لمّح إلى وقائع قال إنها موجودة لديه حول «ليلة الانقلاب الفاشل»، وهدّد بنشرها، لكن لا يبدو أنه سيفعل. والخشية كل الخشية منه أن يفعل ذلك في الوقت الضائع، علماً بأن الكل شعر بأن هناك من رغب في تكرار تجربة أيار 1992، عندما تولّى الراحل رفيق الحريري، بالتعاون مع كل أركان الطبقة (وهم أنفسهم الموجودون اليوم)، إطاحة الحكومة من خلال «سلاح الدولار». الانقلاب تطلّب تحريضاً غير مسبوق، بأبعاد طائفية ومذهبية، وماكينة شائعات جعلت الدولار بسعر خيالي (وفق حسابات اليوم، وقد يكون واقعياً بحسابات الغد)، وكان هؤلاء يتوقّعون مستوى من الفوضى لا يقدر أحد على ضبطه، وعندها تكون المهمة دفع الحكومة الى الاستقالة. لكن ما فاتهم، هو تماماً ما قاله دياب، من أنه شخصياً ليس في وارد الاستسلام. وربما بات على خصومه معرفة حقيقة أنه قليل التأثر بكل أشكال الدعاية. فهو، أساساً، دخل دائرة النار يوم قبل المهمة، وواجه كل محاولات الحرم السياسي والطائفي والمذهبي.

مع ذلك، فإن دياب عندما تحدّث بحرقة عما يحصل، ودافع عن نفسه بأنه ليس من ضمن فريق الخراب في البلاد، كان يعبّر عن قلق مستجدّ. وهو قلق ليس مصدره خصوم الحكومة، بل حلفاء الحكومة. ولذلك، سارع منذ الأربعاء الماضي، وعلى مدى يومين كاملين، شخصياً ومع مساعديه وحلقة وزارية مؤثرة، إلى الاتصال بكل من بيدهم الأمر، وسؤالهم مباشرة عما إذا كانوا في صدد إطاحة الحكومة. وكان حريصاً على سماع الأجوبة الواضحة والمباشرة وغير القابلة للتأويل، والخلاصة التي تهمّه كانت: لا، ليس بيننا من يريد الانقلاب على الحكومة!

هذه الخلاصة سمحت له بقول ما قاله في خطابه. لكن، مع الأسف، هذه خلاصة تخصّ دياب وحده، أو تخصّ حكومته وحدها. لكنها لا تعالج مشكلاته المتفاقمة يوماً بعد يوم، سواء من داخل الحكومة، حيث النقاش بين القوى المؤلفة لها لم يعد موجوداً كما في السابق وعادت الريبة لتسكن الجميع. سليمان فرنجية وطلال أرسلان يراعيان حزب الله. والأخير يهتم بكيفية تقليص حجم التوتر بين التيار الوطني الحر وحركة أمل. والرئيس ميشال عون يريد إنجازات كبيرة، لكنه لا يزال يحمّل الآخرين مسؤولية التعطيل. وحزب الله نفسه لا يريد الانفجار، ويقوم بدور الإطفائي في كل لحظة. لكن الحزب لن يكون قادراً على حماية الحكومة من المفاجآت التي تأتي من دون سابق إنذار. وبالتالي، فإن التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم، وأمام دياب شخصياً، هو في قدرته على إقناع ثلاثي التيار ــــ أمل ــــ حزب الله، بالدخول في نقاش يستهدف التفاهم على آلية إدارة عمل الحكومة في المرحلة اللاحقة. وهو نقاش لا يبدو أنه قريب المنال. لا بل إن الحوارات خارج الحكومة تجري بوتيرة أسرع، سواء تلك التي يقودها الرئيس نبيه بري لتهدئة التوترات بين حلفائه الدروز، أو تلك الجارية من دون نتيجة على جبهة فرنجية ــــ باسيل. لكن نصيب الحكومة من هذه الحوارات لا يبدو مطروحاً على الطاولة. وبالتالي، فإن الخطر على الحكومة من انفجار داخلي يوازي خطر تعرضها لضربة قوية من خارجها.

لم يعد مهمّاً التشخيص وتقدير الموقف والاتّهامات العامّة، والتحدّي بتسمية الخصوم واعتماد آليّات جديدة

على أن الفكرة التي يهرب دياب من مواجهتها تكمن في أن عليه تحديد الخصوم الحقيقيين للحكومة، سواء من خارجها أو من داخلها. وليس معروفاً إن كان قد تعلّم من درس التعيينات. ففي هذا الملف، لم يتمكن من درء مخاطر المواجهة مع التيار الوطني الحر أو حركة أمل، إلا عبر عقد صفقة معهما أمّنت لهما استمرار الإمساك بناصية التعيينات على الخلفيات الطائفية، وتركا له اختبار «لذة المحاصصة» من خلال بعض المناصب التي لن تقدم ولا تؤخّر في مسيرة إدارة الدولة. وما فعله دياب في ملف الكهرباء، مثلاً، وخضوعه الضمني لمطلب جبران باسيل ــــ ولو الشكلي ــــ بالحفاظ على حق سلعاتا في معمل ثالث، كان أكثر الإشارات خطورة. فهو، هنا، لم يراع حسابات داخل الحكومة، بل شرّع حسابات لها بعدها الطائفي لا التنموي، وكل محاولة من باسيل وجماعته لإضفاء طابع تنموي على الخطوة محاولة فاشلة للتستّر على موجة الطائفية ــــ الفدرالية التي تسود أوساط العونيين على وجه الخصوص، وتنذر بمخاطر كبيرة، وخصوصاً أن القائمين عليها لا يبدو أنهم تعلّموا دروس الماضي القريب.
الجانب الآخر من المشكلة يتعلق بالوضع العام للإدارة المالية والاقتصادية للبلاد. ومشكلة حسان دياب، هنا، هي أن توصيفه لواقع المشكلة لا يترافق مع طرح آليات مختلفة أو مناقضة لما كان سائداً. فأولوية إطاحة رياض سلامة لا تخص شخص الأخير، بل آليات عمله. وبالتالي فإن التعيينات المالية الجديدة لن تفيد في شيء ما لم يجرؤ رئيس الحكومة على طرح السؤال المركزي: ألم يحن الوقت لتعديل قانون النقد والتسليف الذي يوفر الحماية للنظام الاقتصادي والمالي العفن الذين تسبّب بكل أزمات لبنان؟

أمر أخير، يتعلق بالحسابات الخارجية. تحدّي «قانون قيصر» لا يتعلق بالقدرة على تحدي الضغوط الأميركية، بل يتعلق، أولاً وأخيراً، بأن لبنان في حال قرر عدم مواجهة هذا القانون سيكون طرفاً في مشكلة إقليمية كبيرة لا قدرة له على تحمل كلفتها. ولن يكون بمقدور أميركا ولا كل الغرب حمايته من آثارها السلبية. وبالتالي، فإن التحدّيات الكبيرة أمام حكومة دياب باتت اليوم أكثر وضوحاً: لقد انتهى زمن التشخيص وتقدير الوضع، وها نحن أمام زمن القرارات الكبيرة التي تتطلّب من دياب الاتّكال على حليف كبير يساعده على مواجهة خصومه من داخل الحكومة أو خارجها. وهذا الحليف هو الفعل الشعبي في الشارع من جهة، وصعوبة توفّر بديل منه لإدارة الحكومة.
بات على دياب الاستماع إلى غير الذين يلتقيهم هذه الأيام، والاقتناع بأن التغيير الحقيقي يشمل كل شيء، لا موقعاً أو اسماً أو وظيفة فقط… وما لا يمكن لدياب أو غيره تجاهله، هو أن فترة السماح تقارب على الانتهاء. وساعتها سيتحوّل الى مجرّد لافتة تنتظر لحظة إزالتها

مقالات متعلقة

رياض سلامة: رجاءً… ارحلْ

رياض سلامة: رجاءً... ارحلْ!

ابراهيم الأمين 

الخميس 30 نيسان 2020

يتعامل رياض سلامة مع الإعلام بكلّ ما يضمن له اللعب ضمن المربّع الذي يريد. فهو، منذ تولّيه منصبه، لم يخرج إلى الإعلام بشروط الإعلام والشفافية، بل وفقاً لشروطه هو. ولطالما كانت مقابلاته التلفزيونية «مهندسة» تماماً، وهامش المفاجأة فيها شبه معدوم. كما بقية مقابلاته الصحافية التي تقع تحت عنوان «مدفوع الأجر».

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن. الأسئلة التي تحاكي من يفترض به لعب دور تعزيز الاقتصاد المنتج لا الاقتصاد الريعي. وهو واحد من مهندسي الاقتصاد الريعي، وابن أصيل لمدرسة الرأسمال الاستهلاكي الذي قاد العالم منذ ثمانينات القرن الماضي. وكان رفيق الحريري وجهه الشرق أوسطي، وسلامة حيلته النقدية. طار الحريري وطارت معه الرؤوس والحكومات والسلطات، لكنّ سلامة بقي في موقعه. يريدون إقناع العالم بأن الجماهير كانت تتظاهر يومياً لبقائه. ويريدون لنا أن ننسى أنه الركن الثابت في سلطة تمثّل جميع وجوه النظام البائس، وأن نتجاهل كونه ممثل الرأسمالية العالمية في بلادنا، والوديعة الحقيقية للنظام الاقتصادي الاستعماري الذي تقوده أميركا في العالم.

لم يقبل سلامة يوماً المثول أمام لجنة عامة في مناظرة عامة. هو لا يقف في وجه خصم له. ولا يناقش علناً معارضين لسياساته. يُحضّر الأسئلة التي تناسبه ويقدّم الإجابات التي لا مجال لمناقشتها، مثله مثل رجال الدين في عظاتهم وخطبهم الأسبوعية. يقفون على منابر أعلى من الناس المصطفّين للاستماع من دون نقاش. سلامة لا يحبّ إلا هذا النوع من التواصل مع الناس. وهذا ما يوجب عليه معرفة أنه لا مجال لاحتساب ما يقوله. بل يمكن احتساب ما يفعله فقط، وما يصلنا منه على شكل نتائج. وبالتالي، عليه توقّع الأفعال المضادّة لسياساته بالطريقة التي تناسب خصومه، ووفق المسرح الذي يختاره هؤلاء، وبشروطهم، طالما أنه قرّر اللعب بنظام الركلات الترجيحية وعن بُعد.
كان على سلامة الإجابة عن أسئلة حقيقيّة تُطرح في وجهه طوال الوقت، وليس خلال الأشهر الماضية:
– كم كانت كلفة سياسة تثبيت سعر الصرف على الاقتصاد كلياً، وعلى القوة الشرائية للعملة الوطنية؟

كم كانت سياسة الفوائد عامل تنشيط للاقتصاد الحقيقي؟ وكم وفّرت من فرص عمل جدّيّة؟ وكم خفّفت من عجز الميزان التجاري؟

كم كانت مفيدة سياسة تفريخ المصارف مثل النقابات والدكاكين؟ وكم كانت مفيدة سياسة استخدام المال العام لمصلحة مُرابين تخلّوا عن زبائنهم عند أول مفترق؟

كم كانت هندساتك المالية مفيدة في حماية مصارف سقطت بالضربة القاضية، وأفلست حتى ولو رفضت هي وأنت إشهار إفلاسها؟

– كم كانت سياسات الدعم ناجعة في خلق اقتصاد منتج، لا حماية لمنظومة استهلاك تافهة تعرف اليوم أنها لا تفيد في شيء؟

كم كنت أميناً لعمليات التطوير واللحاق بالعصر في مجال العمل المصرفي تحديداً، وكم سهّلت انتقال النظام المصرفي عندنا ليصير شبيهاً بما يجري في دول قريبة لا في العالم الحرّ المتقدّم الذي تعشقه أنت ورفاقك؟

كم مرّة استخدمت صلاحياتك لكبح جماح المُرابين من حولك، على الأقل بالتوازن مع استخدامك المُفرط لصلاحياتك من أجل تعزيز نفوذهم وأرباحهم، إلا إذا كنت شريكاً فعلياً لهم؟

كم مرّة فكّرت أن العمل العام له نظام وإطار زمني، وأنه يجب التقاعد الطوعي لا الإخراج القسري المحتوم – كما هو متوقّع الآن – حيث لا تنفع معك لا مساعي الشركاء من زعماء الطوائف، ولا رشاوى المُرابين من حولك، ولا دعاء رجال الدين المتملّقين لك بصورة مُهينة، ولا ضغوط العم سام.

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن

رياض سلامة يعرف، ولا يجرؤ على القول، بأنّ أزمة نظامه هو، لا أزمة النظام في لبنان، قد تفاقمت يوم قرّر الأميركيون بالمشاركة مع السعودية ممارسة أقسى الضغوط على لبنان. هو لا يريد أن يقول لنا حجم تأثير اعتقال السعودية لسعد الحريري على التحويلات المالية، ولا كم كلّفتنا عملية التجديد له في منصبه. كما لا يريد القول لنا كم هرّب أترابه في العام الأخير من أموال إلى الخارج بعلمه وتحت رعايته. ولا يريد أن يقول لنا ما هو الحجم الفعلي للقطاع المصرفي اليوم، وما الصالح منه للبقاء. كما أنه لا يريد أن يقول لنا الرقم السحري الخاص بكمية المبالغ التي مرّت عليه خلال ربع قرن، ومن أين أتت وإلى أين ذهبت، لا أن يكتفي بتعداد ما أنفقته الدولة ولو ضمن برامج خاطئة.

رياض سلامة: كل عمليات التجميل لم تعد تنفع، رجاءً… ارحلْ!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العجز والجنون الفردي

رسالة من ابراهيم الامين الى العماد عون؟ – شبكة أخبار جبل عامل

ابراهيم الأمين 

الإثنين 27 نيسان 2020

لم يشهد مجلس الوزراء معارضة حقيقية لإقالة رياض سلامة. يبدو أن غازي وزني كان يحاول شرح الموقف من زاوية قانونية. وهو، بالطبع، ليس من النوع الذي يطلق موقفاً مطلقاً، ولا هذه من خصاله. لكن عباس مرتضى، الوزير المطابق لمواصفات قيادات حركة أمل، كان شديد التوتر. وهو يدافع عن زميله وزني، حتى من دون أن يتعرّض الأخير لهجوم جدّي. توتّر مرتضى سببه الحقيقي توتّر رئيسه نبيه بري بعد جلسة المجلس النيابي الأخيرة. عكس الوزير قلق الرئيس من طريقة إدارة حسان دياب للأمور. فعلياً، لا يعارض بري سياسات دياب. أو لنقل، بصورة أدقّ، ليس على جدول أعمال رئيس المجلس بند اسمه إطاحة حسان دياب. لكنّ بري اعتاد، خلال ثلاثين عاماً، على آلية لإدارة أمور الدولة. وهو، أساساً، لا يحب المفاجآت. وتحديداً، في هذه المرحلة من عمره السياسي والشخصي، لن يكون ودوداً إزاء من يحاول مباغتته. لكن مشكلة رئيس المجلس، هنا، ليست في ما يدور في خَلد رئيس الحكومة، وإنما في كون أيّ علاج يتطلّب آليات تفكير وعمل ليست من الصنف الذي يحبه بري أو حتى يعرفه.

في جانب آخر من المشهد، يبدو جبران باسيل متقدماً كثيراً في العمر، وفي عمر الكهولة السياسية. ليست المشكلة، فقط، في شكل إدارته لحزبه، وفي استعجاله بناء الزعامة الفردية التي تعيد ربط كل قرار جدّي به شخصياً. بل في كونه لم ينتبه إلى أن هذه الزعامة، وعلى هذه الصورة، تنفع فقط أيام الرغد، عندما تكون له الكلمة الحاسمة. لكنّ الواقع ليس على هذا النحو. باسيل اليوم كمن يملك في رصيد هاتفه آلاف الوحدات، لكنه غير قادر على استعمالها إلا في التحدّث مع الصديق نفسه. ولا يعرف ماذا يفعل برصيده عند القوة الأكبر في البلاد، أي حزب الله. فالأخير لن يدعمه في مواجهة دياب، وأصلاً لن يدعمه في مواجهة بري، كما أنه متردّد في دعمه في وجه الحريري وجنبلاط. فماذا يفعل؟

يعود باسيل إلى الحكومة التي سمّى عدداً غير قليل من وزرائها، لكنه غير قادر على الادّعاء بأنه يديرهم كما يفعل مع حزبيّيه، وهو مضطر للمراعاة بالشكل وبالمضمون. مرّت تجربة التعيينات المالية، ثم التشكيلات القضائية، ثم الموقف من الخطة المالية، كلها اختبارات قالت لباسيل، إن كان راغباً بالتعلم، فإن «زمن الأول تحوّل»، وعليه التعوّد على واقع جديد. إذا كان يعتقد بأن التحالف السياسي سيمنع خصومه المسيحيين من احتلال مقاعد على حسابه، فهذا غير مهمّ الآن، لأن ما يأخذه سليمان فرنجية لا ينفع في المعركة الرئاسية. أما الكتائب والقوات فليسا في وضع يمكّنهما من العودة الآن إلى مواقع السلطة. والكنيسة دخلت مرحلة الموت السريري، حيث لا كلمة فعلية لها، ولا تفعل ما يتوجّب عليها فعله. تعرف الكنيسة أن كل ما تقدر عليه، وما يجب أن تقوم به، هو فتح خزائنها أمام الفقراء للبقاء على الحياة. بهذا المعنى، ليست لدى جبران مشكلة جدية داخل الشارع المسيحي: ما له له، وما لغيره لغيره. مشكلته في التوازن العام لإدارة الدولة، حيث لم يعد في مقدور الرئيس ميشال عون تولّي المواجهة المباشرة. إذ، مع الأسف، ضاع عهده في بروتوكولات لا تشبهه أبداً. لكنها الحاشية السخيفة التي أرادت استعادة مجد عفا عنه الزمان يوم خرج عون في الباخرة إلى فرنسا. مشكلة باسيل، هنا، في التوازن السياسي العام. وإذا كانت الكلمة الفصل بيد حزب الله، فالأخير ليس معنياً اليوم بإدارة انقلاب شامل في لبنان. حزب الله لا يقبل المساس بجماعة الحريري داخل الإدارة العامة (هاجس الفتنة السُّنية – الشيعية). ولا يريد مشكلة مع جنبلاط ولو كان في حالة يأس منه (هاجس الوحدة الوطنية ولو الشكلية)، كما أنه ليس في وارد التشنّج مع بري (هاجس الوحدة الشيعية). لكن الجديد في موقف الحزب أنه يقف فعلياً إلى جانب دياب. والحزب، هنا، لا يراهن على انقلابات في مزاج الشارع السني كما يفكر خصومه من جماعة المستقبل، بل يراهن على أن رئيس الحكومة ينجح في إرباك كل جماعة الحريرية السياسية اليوم. ليس سهلاً أنه ليس لدى كل هؤلاء، من دون استثناء، كلمة واحدة مفيدة يقولونها. لذلك، يعودون إلى نغمة حزب الله وسلاحه. إلا أنهم لا ينتبهون إلى ترداد أبناء الطريق الجديدة لنكتة درجت، في الانتخابات الأخيرة، عن ناخب قصد مكتب خدمات تابعاً للحريري طالباً مساعدة لتلقي علاج من أجل الإنجاب. فأجابه المسؤول: مشكلتك ليست عضوية بل نفسية، وعجزك عن الإنجاب ناجم عن رهاب سببه سلاح حزب الله!

عملياً، أزمة النظام في لبنان، اليوم، يمكن مراقبتها من خلال أداء بري وباسيل. لديهما مشكلة مستجدّة. حسان دياب ليس خصماً، لكنه ليس حليفاً يمكن عقد الصفقات معه. ثمّة أسباب كثيرة تمنعه من القيام بذلك. لندع جانباً المواصفات الشخصية للرجل، إذ لم تتمكن ماكينة 14 آذار – خصوصاً قوى المستقبل والقوات والحزب الاشتراكي – من إعداد ملف ضده. لكن لنذهب إلى البرامج التي يريد العمل بها. حتى اللحظة، ليس لدى الرجل حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين. قد يكون له برنامجه السياسي لاحقاً. لكنه يعي، بدقّة، أن اللحظة لا تناسب عملاً من هذا النوع. أصلاً، لم تعد الدولة قابلة لتوفير مثل هذه العصبيات. وما تقوم به القوى التقليدية إنما يعود إلى أدواتها الأصلية في التعبئة على خلفيات طائفية ومذهبية وعصبيات مناطقية وحزبية. وهي عصبيات لا تزال مؤثّرة. لكنها لم تعد حاسمة في معركة الحسم الكبرى. صار مشروعاً السؤال عن قدرة وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع، وحتى نبيه بري، على حشد الناس خلف معارك من أجل مكاسب في السلطة. ربما لا يسمع هؤلاء الزعماء حقيقة ما يجري في الحدائق الخلفية لمنازلهم. الروايات اليومية، مع كل المبالغات، تحدثنا عن فصل جديد، حيث المواجهة ستأخذ شكل الفوضى الشاملة التي لا تنفع فيها حكومة مركزية، ولا قوة طائفية مركزية، ولا سلطة مناطقية مركزية. لن يكون بمقدور أحد في البلاد إقفال أكثر من شارع واحد. ومن يتوهّم أن لديه القدرة على أكثر، فستخذله التجارب القريبة.

بهذا المعنى، فإن المواجهات التي تنتظرنا في الفترة المقبلة، يمكن محاصرتها من قبل حسان دياب وآخرين، في نطاق السجال حول المسؤولية. يكفي أن يخرج دياب على الرأي العام، سائلاً فقط عمّا فعله كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال العقود الثلاثة الماضية، أن يسألهم واحداً واحداً عمّا فعلوه في وزارات ومؤسسات وإدارات وقطاعات عامة أو حتى خاصة. أن يتحدّاهم بإظهار الكشوفات المالية لكل فرد من عائلاتهم وعصاباتهم وقواهم وماكيناتهم. أن يدعوهم إلى جردة بكلّ ما قاموا ويقومون به من استخدام المال العام لأغراض خاصة، وبحجم استغلال النفوذ من أجل مصالحهم الخاصة. يمكن لحسان دياب أن يخلق جيشاً من المتعاطفين والمتخادمين معه، إن هو أجاد رفع الصوت والتقدّم خطوة إلى الأمام في المعركة الإلزامية في وجه جيش الفساد الكبير. ليس بمقدوره التمهّل، ولا العودة إلى الخلف، وليس عنده ما يخسره، بل عند خصومه الكثير ليخسروه الآن وفي كل لحظة وفي كل يوم.

حتى اللحظة ليس لدى دياب حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين


أما في ما خصّ تفصيل اسمه رياض سلامة، فمن الأجدى بالأخير الشعور بقليل من الحياء. أن ينظر إلى المرآة للحظة واحدة ليعرف أن لكل قصة نهاية. لكنّ الفارق الوحيد هو المكابرة التي تقود إلى نهايات مشؤومة التي تليق بكبار المجرمين، بينما التواضع والانسحاب وإظهار الاستعداد لتحمّل المسؤولية، تخلق فرصة لحساب عادل لا يجعله وحده يدفع ثمن مجزرة كان فيها مجرّد برغي لا أكثر!

اليوم، يواجه لبنان معضلة كبيرة. في هذه البلاد، يرتفع جدار العجز والكراهية يوماً بعد يوم. نحن، جميعاً، نفقد القدرة على المبادرة. والجنون الذي يطلّ برأسه حاملاً النار في كل مكان سيبقى جنوناً فردياً مهما كبر الحشد في الساحات. لكنّ الجديد أنه لن يكون بمقدور أحد دعوة المجانين إلى الهدوء. وليس عند المتضرّرين من هذه السلطة سوى الصراخ في وجه الفجرة والفاسدين، بكامل أسمائهم وهوياتهم. وأفضل ما يمكن إضافته في هذا الحفل هو إسقاط كل قدسية رُسمت لطائفة أو مذهب أو موقع بفعل خرافات المتسلّطين.

ماذا يعني الإعلان الرسمي عن بدء معركة التحرير الكبرى؟

ابراهيم الأمين الإثنين 13 كانون الثاني 2020

ذات مرة، تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن الوضع في المنطقة، مشيراً بوضوح إلى أنه يتحدث باسم محور المقاومة. قال، على طريقته، إنه يعرف مواقف العواصم والقوى «واعتبروني ناطقاً» باسم هذا المحور. وحقيقة الأمر أن السيد نصر الله يعرف أن العالم كله، من دون استثناء، يتعامل مع ما يقوله على أنه تعبير عن الموقف المشترك لكل من في محور المقاومة. ولا يعود ذلك فقط إلى صدقيّته العالية لدى الجمهور وإلى أنه قائد واحدة من أقوى مجموعات المقاومة في العالم، بل لكونه أفضل من يعبّر عن عقل هذا المحور. فهو يعرف جيداً بلاد الشام. وتعرّف جيداً إلى عقل فلسطين، وفوق ذلك، يعرف جيداً العقل الإيراني. فكيف إذا أضفنا الى كل ما سبق، أن الرجل شريك أساسي في حلقة القرار الأولى على صعيد المحور. ومن دون أن يزعل أحد، ومن دون التواضع غير المناسب في هذه اللحظة، يعرف الجميع أن للسيد نصر الله موقعاً يوازي مواقع رؤساء دول وقادة في هذا الإقليم.

ذا التقديم ليس للمدح برجل يحتاج، في هذه الأيام، الى من يشور عليه لا الى من يُسمعه القصائد. وهدفه مساعدة مريدي محور المقاومة وأصدقائه وأعدائه على فهم طبيعة التحدي الذي نقبل عليه جميعاً. هو تقديم يهدف الى القول، صراحة، إن ما تحدّث عنه السيد نصر الله الأسبوع الماضي، وعاد وكرره أمس حيال التحدي الراهن، إنما يمثل الوجهة الفعلية لقيادة المحور وقواه. وهي وجهة دخلت حيّز التنفيذ العملاني في كل منطقتنا، وعنوانها الأوحد: كنس الاحتلال الأميركي!

طبعاً، لم يكن السيد نصر الله ليعرض برنامج العمل على هذا العنوان. ولا هو في وارد تقديم تقدير أولي أو متوسط للمرحلة المقبلة من العمل. كما أنه ليس ملزماً تقديم أي شروحات تفيد العدو الاميركي في هذه المعركة. لكن ما كان يجب أن يقوله يستهدف إبلاغ من يهمه الأمر، من أنصار المقاومة أو من أعداء أميركا، بأن الفرصة عادت لتكون كاملة لمن يريد الانخراط في معركة كنس الوجود الأميركي من بلادنا، ليس بوصفه احتلالاً عسكرياً فقط، بل لكونه يمثل عنوان القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني والعسكري في بلادنا. وكون الولايات المتحدة تمثل، اليوم، مركز الشر في مواجهة طموحات شعوبنا نحو التحرر من التبعية وبناء مستقبلها كما تريده هي لا كما يراد له أن يكون. وبالتالي، فإن ما كان يفترض بالسيد قوله، كواحد من ممثلي القرار وكناطق باسم المحور ورفيق الشهداء من كبارهم الى صغارهم، هو الإعلان صراحة، ورفع الستارة، معلناً افتتاح مرحلة جديدة من المقاومة الشاملة ضد الوجود الأميركي في المنطقة. وهي مقاومة لا يمكن لحكومة أو حدود أو هوية كيانية الحدّ من قدراتها أو ضبطها. ولا يمكن لأي إنسان، بالمطلق، أن يقرر أنها مقبولة أو لا. ومن لا يريد مقاومة الاحتلال الأميركي، بحجة أنه غير قادر أو مستفيد أو غير متضرر، فهو، بالنسبة إلينا، شريك لهذا الاحتلال في سرقة ثرواتنا، وعميل مسهّل لبقاء الاحتلال.

يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة

الأهم في هذه النقطة هو البحث الذي سينطلق ــــ وقد انطلق منذ مدة غير قصيرة ــــ حول الأولويات، وخصوصاً عند المتفكّرين والمعتاشين على فتات ممثلي النهب العالمي، من «يسار جورج سوروس» الى «كتبة تميم آل ثاني»، وصولاً الى «مرتزقة آل سعود وآل نهيان». ويمثل هؤلاء جيشاً ممن قرروا، عن وعي أو عن هبل، الانضمام طوعاً الى جبهة لا مشترك بين كل العاملين فيها سوى العداء لمحور المقاومة، والتي لا يظهر الغرب الاستعماري وإسرائيل، ولا الجماعات التفكيرية، أي خشية منها ومن نشاطها على كل المستويات. فلا يلاحق عناصر هذا الجيش، ويسافرون الى كل العالم، وحساباتهم تتوسع وتتفرع في مصارف العالم، وهم ضيوف على موائد القتلة من أصحاب الياقات البِيض. وهؤلاء لن ينطقوا يوماً بعبارة أو كلمة تؤذي العدو الأميركي أو حلفاءه في المنطقة. حتى إسرائيل لم تعد تضعهم في برامج عملها. ولا تبذل استخباراتها أي جهد من باب الخشية منهم، بل هي لا تفكر حتى في تجنيدهم مخبرين طالما أنهم يفيدون أكثر في ما يقومون به.

كل هؤلاء، بدأوا وسيكثفون نشاطهم الفكري والسياسي والإعلامي والأكاديمي، في خدمة فكرة واحدة تقول: إن مصائب بلادنا ناجمة عن القوى البارزة عندنا. وإنّ تخلّفنا هو بسبب معارضتنا للغرب الاستعماري، وإن تراجع النموّ في اقتصادنا سببه عدم الالتحاق بالعالم الحر. وإن القمع سببه ثقافة الموت، والتخلّف الاجتماعي سببه العادات والثقافات البالية… هؤلاء يريدون إقناع الجمهور بكل ذلك، على طريقة حراكات العواصم العربية برعاية المنظمات غير الحكومية، والتي يصادف ــــ فقط يصادف ــــ أنها مموّلة من أشخاص وجهات ومراكز تعمل وتعيش تحت سلطة الغرب الاستعماري..

لكن العنوان الأخطر هو أن بعضهم، الذي لا يهمّ إن شتم أميركا ورئيسها طالما لا يفعل أكثر من ذلك، سيقولون إن الأولوية اليوم هي لتأمين الاستقرار، وإن ذلك يكون من خلال التصرف بواقعية والتعامل مع الوقائع العالمية، وإن الغرب مستعد لمساعدة شعوبنا في الارتقاء والازدهار إن أسقطنا من فكرنا وعقلنا فكرة التحرر الكامل، ليس من احتلاله العسكري فحسب، بل من التبعية الكاملة لمؤسساته الاقتصادية والثقافية والإعلامية وأدوات حياته اليومية.
ولأن المواجهة المفتوحة لا تحتمل الحلول الوسط، ولأن الحرب التي دخلناها لا رحمة فيها للعدو ولا لعملائه، ولأن العدو نفسه سيكشف يوماً بعد يوم عن أبشع صوره كوحش متكامل، فإن الأفضل للجميع أن لا يكذب بعضهم على بعض. وفي هذا السياق، يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة. وهو إشهار تقرر عن وعي وسابق تصور وتصميم، وسياقه عدم المناورة والكذب على الناس.. لذلك، يفترض بخصوم المقاومة، من الأغبياء أو من العملاء، التصرف على هذا الأساس… أما حكاية القرار المستقل والحدود الكيانية، فهي ألعاب تسلية تنفع لأطفال من «مدارس المراهقين للحراك الاجتماعي»…
مرة جديدة، إنها الحرب!

%d bloggers like this: