July War Memories: How Sayyed Nasrallah Contacted Hezbollah Fighters in Border Town

 August 13, 2022

Sixteen years have passed on the divine victory in 2006, and the stories of the 33-day war are still told by fighters who took part in.

Mohammad Al-Sayyed, a Hezbollah fighter who was along with many others confronting the Israeli attempts to advance in the southern town of Ayta Al-Shaab, speaks how Secretary General Sayyed Hasan Nasrallah was following up on the battles taking place in the Lebanese border town.

During an interview on Friday, Al-Sayyed told Al-Manar’ Imad Marmal about the phone call Sayyed Nasrallah made during July War, recalling how the resistance leader was “a great leader following up on smallest details.”

“When he (Sayyed Nasrallah) called, he asked us to withdraw from Ayta, citing dangers on our lives. I didn’t know that he was Sayyed Nasrallah as he didn’t introduce himself. I thought he was just a commander in the resistance,” Al-Sayyed said, referring to the short name of Ayta Al-Shaab town.

“I felt somehow nervous and wondered right away: What are you talking about?”

“We will never leave Ayta. Either to deliver the key of victory or to be martyred here,” Al-Sayyed told Sayyed Nasrallah as he said during Al-Manar interview.

Another fighter, who was then known as the commander Abu Mohammad Salman, took the phone from Al-Sayyed and told Sayyed Nasrallah about details regarding the battles in Ayta.

“What a responsible and great leader Sayyed Nasrallah is! He was following up on smallest details of all battles taking place in the southern Lebanese towns during July War,” Al-Sayyed told Marmal.

Source: Al-Manar English Website

Related Videos

Ibrahim Al-Amin – Editor-in-Chief of Al-Akhbar newspaper / Hadith Al-Sa’a
Protracted crises and open scenarios.. A reading of international political developments with Nasser Qandil
Dr.. Waseem Bazzi in the event / the most prominent headlines and events of the hour

Related Articles

نصر الله يعلن الحرب على تجويع لبنان: حقوق لبنان مقابل كل الطاقة في المتوسط

 الخميس 14 تموز 2022

(هيثم الموسوي)

قضية اليوم 

ابراهيم الأمين 

فتح لأبواب وإقفال لأخرى، بل أكثر من ذلك: هو إعلان عن مرحلة جديدة من الصراع.

هذه خلاصة بسيطة لما أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أمس، في شأن ملف النفط والغاز والصراع مع العدو. وقد يكون ضرورياً فهم خلفية كلام نصر الله وأبعاده ليس في إطار موضعي يتّصل بمسار التفاوض التقني الجاري بين لبنان والعدو بوساطة أميركية، بل بأبعد من ذلك، وبما يتصل بأمن الطاقة في المنطقة ككل. وفي قراءة واقعية، مستندة الى معطيات ومؤشرات، يمكن قول الآتي:
أولاً، حدّد السيد نصر الله الطابع المصيري للمعركة، وقال كلاماً شديد الوضوح بأن هناك من يريد للبنان أن يموت جوعاً واقتتالاً على لقمة العيش، وأن المقاومة مستعدة لمواجهة ذلك بما هو أقسى وأشدّ، وبما ينعكس تبعات مشابهة على كل الأطراف، سواء العدو الإسرائيلي نفسه أو الدول المستفيدة من برنامج الطاقة في البحر المتوسط.

ثانياً، عندما تعلن جهة مثل حزب الله أنها تواجه مسألة مصيرية، وعندما يكون الشرح على لسان شخصية كالسيد نصر الله عن التزامات المقاومة تجاه شعبها وليس تجاه قوى سياسية، فإن الأمر يكون مرتبطاً بخيارات استراتيجية تعني، ببساطة، أن المقاومة باتت في حالة جهوزية عملانية لخوض حرب واسعة وليس القيام بعمليات موضعية من أجل ضمان حقوق لبنان نظرياً وعملياً.
ثالثاً، إشارة السيد نصر الله العلنية الى مسح الأهداف مقابل سواحل فلسطين المحتلة، وقوله صراحة إن المقاومة مستعدة لـ«ما بعد كاريش»، يعني أن المقاومة وضعت كل وحداتها المعنية في حال جهوزية واستعداد لخوض معركة واسعة. ومن البديهي أن أي مواجهة بين المقاومة والعدو قبالة سواحل لبنان وفلسطين تعني، ببساطة، إسقاط الأمن عن كل أعمال التنقيب ومشاريع استخراج الطاقة في كل شرق المتوسط، وأن منطقة البحر المتوسط كلها وليس منطقة بحدّ ذاتها ستتحول إلى مسرح للعمليات. بمعنى أوضح: تقول المقاومة إن المعركة لا تقف عند حدود معيّنة، بل يمكن أن تتجاوزها الى أبعد مما يقدّره الآخرون إذا تطلّب الأمر.
رابعاً، كان الأمين العام لحزب الله شديد الوضوح بأن عملية المسيّرات ما هي إلا رسالة صغيرة، ومن «لا يصدق» عليه «انتظار» الخطوات اللاحقة في حال استمرار تعنّت العدو، ومن خلفه الأميركيون، وعندها سيكتشف الجميع، في لبنان والمنطقة، أن منطق التدرج في الردود سيصل الى حدود لا يبدو أن كثيرين يدركون أبعادها.

خامساً، قد يكون من المفيد لفت انتباه المعنيين الى أن للمقاومة أدبيّاتها التي تشير الى ما تفكر فيه. وتكفي، هنا، الإشارة الى مطلع الخطاب الذي استشهد فيه السيد نصر الله بالآية القرآنية «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِير…»، وفي هذا إشارة ورسالة واضحة الى أن المقاومة تتصرّف بأنه أُذن لها القتال من أجل ضمان حقوق شعبها. وهذا يعني، لمن لا يفهم عقل حزب الله، أن المقاومة وضعت نفسها في مرحلة المواجهة التي تقفل كل طرق المناورات، أو ما يسمى بخيار «اللاعودة» ما لم يبادر «عاقل» ما في هذا الكون بالتدخل سريعاً.
سادساً، ثبّت السيد نصر الله النتائج الأولية لعملية المسيّرات بتحديد إطار التفاوض، لكنه كان أكثر حدّة في قوله إن الأمر لا يتعلق بنقاش حول حدود بحرية أو خلافه، بل بالحقوق، وربط الأمر بحاجة لبنان إلى هذه الثروات لمواجهة الأزمة. وفي هذا السياق، لم يكن سهلاً عليه الإشارة المباشرة الى أن من يحاول تخيير لبنان بين الموت جوعاً وبين الحرب، عليه أن يعرف أن خيار الحرب هو الأسهل والأكثر جدوى. ولم يكن السيد مناوراً عندما تحدث عن واقع الأزمة الحالية في لبنان، بل ربما كان شديد الوضوح بأن المرحلة تجاوزت تهديد اللبنانيين بالجوع الى مرحلة تنفيذ هذا التهديد، وبالتالي تجد المقاومة نفسها في موقع الردّ على هذا النوع من الحروب.

وضعت المقاومة نفسها في مرحلة المواجهة التي تقفل كل طرق المناورات ما لم يبادر «عاقل» ما في هذا الكون بالتدخل سريعاً


عملياً، أعلن السيد نصر الله عن مستوى جديد من المواجهة ليس مع العدو الإسرائيلي فقط، بل مع كل حلفائه في العالم. لكنه، وإلى جانب تبيانه حقائق تتصل بالاستعداد للمواجهة الشاملة، فتح الباب أمام أي «عاقل» في العالم لاستنقاذ الوضع والضغط على إسرائيل من أجل إنجاز عملية الإقرار بحقوق لبنان خلال ستة أسابيع على أبعد تقدير، وفتح الباب أمام العالم المحتاج للطاقة للتدخل مع الأميركيين والإسرائيليين لتسهيل حصول لبنان على حقه في الاستخراج المباشر لثرواته النفطية والغازية وإطلاق عملية الإنقاذ الداخلي. وفي الوقت نفسه، عمد الى إقفال باب المناورات الأميركية والإسرائيلية الخاصة بالمفاوضات الجارية الآن. وكان شديد الوضوح، مع اللبنانيين وغيرهم، بأن المقاومة قررت الخروج مسبقاً من لعبة تضييع الوقت.
وبمعزل عن أي تعليقات يمكن أن تصدر من جهات سياسية لبنانية، من الدولة أو خارجها، على تهديد السيد نصر الله بمنع العدو من العمل في كل الساحل الفلسطيني وليس في حقل كاريش فقط، فإن الرد الأبرز سيكون مصدره في العلن والسرّ هو عند العدو. وقد بات واضحاً أن بنداً إلزامياً فُرض على جدول أعمال زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن لكيان الاحتلال والمنطقة، وهو بند ينصّ على أن في لبنان قوة قادرة على حرق المراكب كلها ومنع أي حركة في كل البحر المتوسط، وربما في ما هو أبعد إن لزم الأمر، ما يُلزم العدو ومعه الأميركيون بردة فعل واضحة: إما السير في خطوات عملانية تقود الى التزام بكامل حقوق لبنان النظرية والعملية، أو وضع المنطقة أمام استحقاق مواجهة لا أحد يعرف الى أين ستنتهي.

يبقى أن السيد نصر الله، الذي سبق له أن تخلّى عن استراتيجية الإقناع بخيار المقاومة لجميع اللبنانيين والعرب، عاد وأكد أن المقاومة تتصرف وفق مصلحة لبنان وشعبه الذي تمثّل غالبية فيه، ولن تقف عند خاطر هذا الفريق أو ذاك ممن لا يزالون يسترضون الأميركيين والغربيين، ولو على حساب البلاد التي دخلت مرحلة جديدة من الانهيار الذي يقود الى ما هو «أسوأ من الحرب» مع العدو.

من ملف : نصرالله: حقوقنا أو الحرب

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

دونيّة بعض المسؤولين لن تنفع العدو

 الأربعاء 6 تموز 2022

ابراهيم الأمين 

في زمن الوجود السوري في لبنان، كان أركان في الدولة يهمسون في مجالس خاصة، مع ديبلوماسيين أجانب، بأنهم لم يقصدوا ما أعلنوه من مواقف. وتشير وثائق «ويكيليكس» العائدة إلى الثمانينيات والتسعينيات إلى أن كثيرين كانوا يقولون، في جلسات النميمة مع السفراء والقناصل، إنهم مضطرون لمجاراة الحكم السوري في مواقفهم من الأزمات الكبرى. وما إن خرج الجيش السوري من لبنان، حتى خلع هؤلاء كل الأقنعة التي لبسوها وأطلقوا العنان لسموم وأحقاد ضد كل ما له صلة بسوريا، ووصل الأمر بمرضى مسيحيي 14 آذار إلى رفض النسب السوري لمار مارون نفسه.

اليوم، تستمر سردية جماعة أميركا وإسرائيل والسعودية بأن لبنان تحت الوصاية الإيرانية، وأن حزب الله يسيطر على قرار الدولة. لكن «يصادف» – والله أعلم – أن غالبية وازنة من المسؤولين تطلق تصريحات علنية تهدف إلى نيل رضا الأميركيين والأوروبيين والخليجيين، وهم أنفسهم، عندما يجتمعون بحزب الله، يعتذرون ويتذرّعون بأنهم اضطروا لإطلاق هذه المواقف لئلا يتعرضون، هم أو لبنان، لمزيد من الضغوط والعقوبات.
يدرك الجميع أن حزب الله قد يكون الأكثر واقعية بين القوى السياسية في لبنان، لا بل صار شديد الواقعية إلى درجة أثّرت في روح التغيير المفترض أن تسكنه طوال الوقت. فالحزب يعرف أن البلاد ليست تحت وصايته، ويعرف، أيضاً، أنه يملك حق الفيتو الذي يمنع آخرين من فرض وصايتهم على البلاد. ولذلك، فهو لم ولا ولن يمانع وصول مسؤولين إلى سدة الحكم من الذين يملكون صلات تفاعل وليس صلات تكاذب مع الغرب والخليج. ويسود اعتقاد قوي في عواصم ولدى قوى رئيسية في البلاد أن الحزب لم يخض الانتخابات النيابية الأخيرة بهدف الفوز بها، لأنه لا يريد أن يتحمّل مسؤولية إدارة الأزمة وحده. وهو يقبل بكل أنواع التعاون مع القوى اللبنانية، بما فيها تلك التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الخليج والغرب. ومن هذا المنطلق يقرّر موقفه بشأن رئاسة الحكومة وبعض الحقائب والمواقف من قضايا حساسة، بما فيها التفاوض مع صندوق النقد الدولي.

لكن الحزب لا يكذب، على حلفائه الحقيقيين ولا على حلفائه الاضطراريين، عندما يتعلق الأمر بالصراع مع العدو الإسرائيلي. وهنا، يظهر التمايز الحقيقي، وهو ما نشهده منذ انطلاق المفاوضات غير المباشرة حول ملف ترسيم الحدود البحرية مع العدو بوساطة أميركية.
عندما أبلغ الحزب المسؤولين اللبنانيين أنه ملتزم قرار الحكومة حيال تحديد إطار الحقوق، بادر إلى إعلان تشكيل ملف حزبي خاص بالأمر، وسلّمه للنائب السابق نواف الموسوي المعروف بعمليته وخبرته في الشؤون الديبلوماسية والخارجية، والمعروف في الوقت نفسه بمواقفه غير القابلة لأي تفسير أو تأويل، والذي يعرف تاريخ الغرب والصهاينة مثلما يعرف تاريخ العرب ولبنان. وهو، حتى اللحظة، لم ينطق بأي كلمة حول ما يتابعه عن المفاوضات وعن التطورات المحيطة به لبنانياً وإقليمياً ودولياً وحتى إسرائيلياً.

حزب الله لا ينتظر المفاوض اللبناني لمعرفة ما يجري ولا يمكنه السكوت عند ملامسة الخطر

عملياً، قال الحزب إنه ليس طرفاً في لعبة التفاوض، وأعلن أنه يثق بما يلتزم به المسؤولون في الدولة حيال الثوابت التي تحفظ حقوق لبنان. وهو يدرك أن المفاوضات تحتاج إلى مناورات قد تجعل البعض يبدو متهاوناً، لكنه يدرك، أكثر، أن بين المسؤولين المشاركين في المفاوضات من مدنيين وغير مدنيين من لديه حسابات خاصة، سواء تتعلق بمراضاة الخارج خشية التعرض لعقوبات أميركية أو أوروبية، أو من يفترضون أنها فرصة لتسجيل نقاط في رصيد طموحاتهم السياسية لدى أهل القرار في الغرب. لذلك، يحرص الحزب على الاحتفاظ بحقه وقدرته على إجراء التواصل الضروري مع الجهات الداخلية والخارجية المتابعة للملف للوقوف على كل جوانب الرواية، وهو ما أتاح ويتيح له التثبت من كثير من الفصول التي تُروى بألف شكل في لبنان.
بالنسبة لحزب الله الأمر واضح: العدو، ومن خلفه الأميركيون، لا يريدون للبنان الاستفادة من حقوقه في البحر، ويفرضون كل أنواع العقوبات لمنع وصول الكهرباء، ولن يسمحوا للبنان بالحصول على ثروة تتيح له الخروج من أزمته الخانقة وتفتح الباب أمام معالجات لملفات كثيرة معقّدة.
كما يعرف الحزب نوايا العدو، بل يعرف أكثر عما يدور في أروقة القرار في المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في الكيان، وهو واثق بأن العدو سيقود أكبر مناورة لتحصيل الحقوق من طرف واحد وإجبار لبنان ليس على التنازل فقط، بل وعلى الخضوع لإملاءات الخارج بشأن طريقة استخراج النفط وطريقة التصرف بالعائدات. وهو، لذلك، لن يقف مكتوف الأيدي إزاء ما يحصل.

وفيما كانت الجهات الرسمية اللبنانية تنتظر عودة السفيرة الأميركية دوروثي شيا بالرد الإسرائيلي من واشنطن، كان حزب الله قد تلقى، عبر جهة خارجية، فحوى الموقف الإسرائيلي الذي يرفض عرض لبنان بمقايضة حقل كاريش بحقل قانا، رغم أن الأمر بقي ملتبساً في الرد الذي حملته السفيرة الأميركية وحاولت تلطيفه بالحديث عن تفهم وإيجابية إسرائيليين، وأن تل أبيب قبلت العودة إلى الناقورة. فيما الواقع أن الجميع يعرف أن الرد لم يلامس حدود المطالب اللبنانية.


وحتى لا يقع أحد في المحظور، وتنتقل كرة النار إلى الحضن اللبناني، بادرت المقاومة إلى عملية المسيّرات السبت الماضي. ويبدو أنها كانت قد قامت بأمور أخرى قبل ذلك، الأمر الذي فهمه العدو على أنه الرسالة الأوضح حول خلفية الموقف اللبناني، كما فهم الأميركيون الرسالة أيضاً وربطوها بما سمعوه من مراجع رئاسية لبنانية عن أن لبنان لا يمكنه الموافقة على أقل مما حمله الوسيط عاموس هوكشتين، وهو قاله الرئيس ميشال عون بوضوح للسفيرة الأميركية طالباً منها العودة برد واضح ومكتوب.
لكن حفلة التهويل التي قامت بها الولايات المتحدة وعواصم أوروبية وعربية ضد لبنان بعد العملية، لا تعكس بالضرورة حقيقة الموقف في تل أبيب أو حتى في واشنطن. ومرة أخرى، وقبل أن تطلق السفيرة الأميركية حملتها المجنونة لاستصدار مواقف تدين المقاومة، كان حزب الله يتلقى مساء السبت اتصالات من جهات أوروبية وأممية تنقل له ما قالت إنه «رسالة إسرائيلية»، مفادها أن عملية المسيّرات «تصعيد خطير قد يؤثر في المفاوضات، لكن إسرائيل تريد احتواء الموقف، ولا رغبة في التصعيد أو الحرب، بل تريد ضمان استمرار المفاوضات للوصول إلى حل».

هذه الرسالة ليست هي التي نقلت إلى المسؤولين، حتى ارتكب رئيس الحكومة، ومعه وزير الخارجية، الخطأ في البيان – الفضيحة الذي لم تكن تنقصه إلا عبارة إدانة المقاومة. علماً أن مشاركين في الاجتماع بين الرجلين سمعا أحدهما يقول إن العملية تخدم الموقف اللبناني وقد وافقه الآخر، لكنهما اتفقا على ضرورة إصدار البيان.
كثيرون شمتوا بحزب الله لأنه تلقى الطعنة ممن سماه لترؤس الحكومة الجديدة. ومع أن الشامتين يعرفون أن السياسة لا تدار على هذا النحو في لبنان، إلا أن الجميع فهم أن موقف الحزب حاسم ومطابق لموقف الرئيس عون: لا مجال لأن تستخرج إسرائيل الغاز قبل تثبيت حقوق لبنان ومباشرة لبنان في استخراج الغاز. ومن لم يفهم معنى الرسالة، ليسمع ما يقال في تل أبيب عن أن ما قامت به المقاومة ليس سوى طرق للباب، وأن ما لديها من إمكانات يتيح لها تنفيذ وعدها بمنع العدو من سرقة حقوق لبنان، حتى ولو ثار العالم كله ضد لبنان… وهي ليست المرة الأولى!

من ملف : المسيّرات تحتلّ سماء المفاوضات

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حماس في قلب محور المقاومة

الثلاثاء 28 حزيران 2022

فلسطين 

ابراهيم الأمين 

الضغوط التي تتعرض لها حركة حماس من جهات فلسطينية أو عربية أو دولية تكاد تكون الأولى من نوعها في تاريخ الحركة. ورغم أن التنظيم الإسلامي الفلسطيني لم يكن بعيداً عن التأثيرات السلبية لانهيار تجربة الإخوان المسلمين في الحكم في عدد من الدول العربية، إلا أن تثبيت حماس قاعدة تفكيرها ونشاطها وبرنامجها على أساس أولوية المقاومة ضد الاحتلال، ساعدها على البقاء في قلب المشهد، وفتح لها الأبواب لترميم شبكة واسعة من العلاقات العربية والإسلامية وحتى الدولية من باب المقاومة.

في السنوات العشر الماضية، غرقت الحركة في موجة من المواقف السياسية التي أدت الى تضرّر صورتها كحركة مقاومة. ومثلما تعرّض حزب الله في لبنان لحملة بسبب وقوفه الى جانب الدولة السورية في مواجهة الحرب عليها، تعرضت حماس لحملة من التيار المقابل، واتُّهمت بمجاراة برنامج الإخوان المسلمين الهادف الى الاستيلاء على الحكم في عدد من الدول العربية، حتى إن قواعد من الحركة دعمت الحروب الأهلية التي وقعت في أكثر من بلد عربي؛ منها سوريا.
لكنّ تبدلاً جدياً طرأ منذ ما بعد حرب عام 2014، وتطور الأمر بعد انتخاب قيادة جديدة للحركة عام 2017. وبعد استرداد كتائب القسام المبادرة وجعل الأولوية المطلقة للمقاومة، بدا أن الحركة تتقدم خطوات سريعة باتجاه الخروج نهائياً من دائرة التجاذبات حيال ما يجري داخل كل دولة عربية، وهو ما سهّل لها استئناف التواصل مع مصر ومع حكومات عربية أخرى في بلاد الشام أو الخليج أو المغرب العربي. ورغم أن تركيا سهّلت للحركة إقامة مريحة لقيادتها السياسية، إلا أن حماس بدت أكثر تصميماً على الانخراط في الجبهة التي تعدّ المقاومة خياراً وحيداً وإلزامياً ومجدياً لتحقيق التحرير.

سيكون محور المقاومة أمام وقائع جديدة بعد التفاهمات التي توصّل إليها هنيّة ونصر الله


خلال العامين الماضيين، تقدمت حماس خطوات كبيرة الى الأمام في سياق التموضع ضمن محور المقاومة. وجاءت معركة سيف القدس لتختبر التفاعل العملاني مع القوى الأساسية في المحور. وأظهرت تطورات الأشهر القليلة الماضية أن السعي الأميركي – الإسرائيلي – السعودي – الإماراتي لبناء جبهة سياسية واقتصادية وأمنية وإعلامية تعمل على مواجهة محور المقاومة، أن على حماس تعزيز خيارها وموقعها داخل محور المقاومة. وهي اتخذت قرارات كبيرة، لا تدخلها في صدام مع أحد، وخصوصاً مع تركيا وقطر، ولكن لا تمنعها من تعزيز علاقتها مع قوى المقاومة بدءاً بإيران، وصولاً الى حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، وحتى إطلاق اتصالات أولية مع فصائل المقاومة في العراق. ولكن الخطوة الأهم تمثلت في قرار المكتب السياسي استئناف العلاقة مع سوريا، وإفساح المجال أمام الوسطاء الذين ينشطون بين القيادة السورية وقيادة حماس للتقدم أكثر صوب تحقيق المصالحة التي تقول قيادة الحركة إنها تحتاج إليها من أجل تعزيز المقاومة.

حماس اليوم أمام تحديات جديدة. وكلما زاد تمسكها بخيار المقاومة، ستجد أنها أكثر ثباتاً داخل فلسطين وأكثر حضوراً وفعالية في المنطقة العربية، وسيكون محور المقاومة أمام وقائع جديدة بعد الزيارة الأخيرة لرئيس الحركة إسماعيل هنية لبيروت وطبيعة المناقشات والتفاهمات التي توصّل إليها مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعد سلسلة من اللقاءات بينهما…

لقاء أمني أميركي ــ ايراني يمهّد لاختراق: الاتفاق النووي خلال أسابيع؟

الخميس 3 شباط 2022

ابراهيم الأمين 

هل نحن على عتبة اتفاق جدّي بين إيران والولايات المتحدة وأوروبا بشأن الملف النووي؟

يصعب على كثيرين تقصّي معطيات مباشرة حول ما يجري في فيينا وعواصم أخرى. لكن التفاؤل الحذر الذي عبّر عنه الجانب الإيراني قبل أسابيع، عكس اختراقاً ما. وهو ما عزّزه الموقف الإسرائيلي «الرسمي» بأن الاتفاق إن تم لن يكون أمراً مفاجئاً، بل قال إسرائيليون إنه قد يكون جيداً التوصل الى اتفاق في حال عدم وجود بديل واضح كضربة لإيران تقودها أميركا.

عملياً، يتصرّف الجميع على أننا أمام أسابيع حاسمة. في الغرب يتحدثون عن جولات خاصة الشهر الجاري، وفي إيران لا يستبعدون اتفاقاً قبل عيد النوروز في آذار المقبل. لكن الجديد الذي أكدته مصادر وثيقة الصلة بالملف، يتعلق بموافقة أميركية أولية على إطار اتفاق أعدّته روسيا بالاتفاق مع إيران، وسط إشارات إلى تبدّل واضح في الموقف الأوروبي الذي كان شديد السلبية سابقاً ليتحوّل الى داعم لاتفاق أشمل.

لا يمكن الجزم بنوع المحادثات التي جرت قبل توقف المحادثات فجأة، وعودة الوفود الى بلادها للتشاور قبل نحو أسبوعين. لكن ما حصل هو أن اجتماعات عقدت بصورة غير علنية سهّلت التوصل الى تفاهم يسرّع المباحثات بين الأطراف المعنية. وعلمت «الأخبار» أن اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى عقد بين الجانبين الأميركي والإيراني مهّد لعدد من الخطوات. وبينما يتستّر الجميع على طبيعة الاجتماع ومكانه، إلا أن المصادر تشير الى أنه عقد في ألمانيا خلال زيارة سرية لرئيس المخابرات المركزية الأميركية وليام بيرنز الى برلين، علماً بأن صحيفة «وول ستريت جورنال» نشرت الخبر، وقالت إن الزيارة سبقت بأسبوع زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن للمنطقة، وإنها مرتبطة بالحدث الروسي ــــ الأوكراني فقط.

إطار الاتفاق
وفيما ران الصمت على الدوائر المعنية حول نتائج التواصل الأمني الأميركي ــــ الإيراني، كان لافتاً أن تغييراً كبيراً ونوعياً طرأ على تركيبة الوفد الأميركي إلى مفاوضات فيينا، وأُعلن بعد زيارة بيرنز استقالة عضوَين من الوفد هما: نائب المبعوث الأميركي الخاص بشأن إيران، ريتشارد نيفيو، وكبيرة المستشارين في مكتب الرقابة على التسلح في الخارجية الأميركية، أريان تاباتاباي. وورد أن الاستقالتين مرتبطتان بخلافات داخل الفريق على آلية التعامل مع الجانب الإيراني، مع الإشارة الى أن الاثنين شكّلا جبهة مواجهة مع المبعوث الأميركي الخاص بإيران روبرت مالي، والذي يتهمه صقور الإدارة بأنه يدعم اتفاقاً لمصلحة طهران. لكن الأهم هو أن ما بين الحدثين، تبيّن أنه طرأ تطور في الموقف الأميركي من المفاوضات، وقالت مصادر من طهران لـ«الأخبار» إن الوفد الإيراني فوجئ بتجاوب أميركي سهّل الاتفاق على ثلثَي نقاط البحث، وإن ما بقي عالقاً يعدّ في إطار النقاط غير القابلة لنسف الاتفاق، وهو ما دفع بالوفد الإيراني الى العودة سريعاً الى إيران للتشاور والحصول على غطاء للمضيّ قدماً في المباحثات النهائية.

وفي هذا السياق، تقول مصادر تتابع المحادثات عن كثب إن الجلسات الأخيرة بين الوفود شهدت نقاشاً لطرحٍ إيراني ــــ روسي حول رفع العقوبات والعودة الى بنود الاتفاق النووي. وتؤكّد المصادر أن الولايات المتحدة أبدت موافقتها على أغلب بنود الخطة الإيرانية ــــ الروسية، وأن احتمال عقد اتفاقٍ جديد بين إيران والمجموعة الدولية خلال الأسابيع المقبلة أصبح مرجّحاً. وتضيف المصادر إن المباحثات التي جرت في فيينا خلال الثلث الأخير من كانون الثاني تمحورت حول طرحٍ صمّمته إيران وروسيا وقدّمته للمجموعة الدولية، وإنّ الولايات المتحدة وافقت على أغلب بنوده، بشكلٍ فاجأ المفاوضين الإيرانيين.

التوافق الحالي بين إيران والدول المفاوضة يترجم الى رفعٍ شبه كامل للعقوبات الأميركية على بيع النفط الإيراني، وتلك التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب خلال ولايته، إضافة الى استعادة طهران لكلّ أرصدتها المجمّدة حول العالم (لم تفصّل المصادر مستوى العقوبات الأخرى التي وافق الأميركيون على تعليقها). في المقابل، ستوقف إيران، بموجب العرض الجديد، تخصيب اليورانيوم الى مستوى 20 و60%. وفيما يظلّ اليورانيوم المخصّب الى درجة 20% في إيران تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذريّة، سيتمّ شحن اليورانيوم العالي التخصيب بنسبة 60% الى روسيا. أما في ما يتعلّق بآلات تخصيب اليورانيوم، فينصّ العرض الإيراني ــــ الروسي على وقف العمل بالمعدّات التي يمنعها الاتفاق النووي الأصلي عام 2015، ولكن مع بقائها في التخزين داخل إيران تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذريّة.

هواجس وطلبات إيران
من الجانب الإيراني، تقول المعلومات إن نائب وزير الخارجية، علي باقر كاني، عاد الى طهران لعرض المستجدات، وللحصول على تفويض أكثر وضوحاً ليس من الرئيس إبراهيم رئيسي فقط، بل من المرشد السيد علي الخامنئي الذي يصرّ دوماً على اتفاق واضح وبعيد المدى مع كامل الضمانات التي تثبت رفع العقوبات وتمنع العودة إليها استنسابياً.
بالنظر الى الموقف الأميركي الجديد وموافقة القيادة الإيرانية على خريطة الطريق التي تمّ التوصّل إليها، تزداد حظوظ عقد صيغةٍ جديدة من الاتفاق النووي مع إيران، يكون لروسيا فيها دورٌ تنفيذي مهمّ فيها. في الوقت نفسه، تقول المصادر إن هناك احتمالات قائمة لعرقلة الاتفاق، من بينها المعارضة المحتملة لمستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جايك سوليفان و«صقور» الإدارة الأميركية الذين يعارضون إبداء الليونة تجاه طهران.
في موازاة هذا البحث، قال متابعون إن المشكلة ليست محصورة في بنود أوراق التفاوض الحالية، بل في ما خصّ مرحلة ما بعد الاتفاق. إذ إن إيران ليست متحمّسة لعودة سريعة الى اتفاق عام 2015 من دون الحصول مسبقاً على ضمانات أكيدة حيال الأمور الآتية:

ــــ رفع كل العقوبات الأميركية والأوروبية والأممية التي اندرجت تحت خانة مواجهة البرنامج النووي، مقابل التزام إيران وقف التخصيب، لكن مع حقّها في الحصول على تعهّد يضمن استعادة ما قد يتمّ تخزينه في موسكو في حال تراجع أي طرف غربي عن الاتفاق.
ــــ رفع العقوبات التي تحول دون قيام إيران بتصدير ما تشاء من نفطها وغازها الى أي دولة في العالم، وتحرير كل العمليات المالية الخاصة بهذه الصفقات من دون أيّ عراقيل.

طهران: نتعاون في أي مفاوضات بما لا يتجاوز مصالح القوى الاقليمية الحليفة


ــــ تحرير قطاع التجارة العالمية لإيران بما يسمح لها بالتعاون مع أي شركة في العالم لتطوير برامج التنمية داخلها على الصعد كافة، من البنى التحتية الى المرافق الحيوية الى الصناعات المدنية على أنواعها. وأن لا يبقى هناك أيّ عائق يلزم أيّ شركة في العالم بالحصول مسبقاً على إعفاء أميركي للقيام بعمل تجاري مع إيران.
ــــ أن تلتزم أميركا منع إسرائيل من القيام بأيّ عمل ضد الاتفاق أو ضدّ إيران، لأن طهران حاسمة بأن أي عمل إسرائيلي إنما هو عمل أميركي في حقيقة الأمر، وأن لا قدرة لإسرائيل على القيام بأيّ خطوة من دون غطاء من واشنطن.
ــــ أن تلتزم السلطات الأميركية كافة بالاتفاق، وأن لا يقتصر الأمر على توقيعه بقرار صادر عن البيت الأبيض، ما يعني أن على الإدارة الأميركية البحث مع الكونغرس الأميركي في صيغة تثبت أيّ اتفاق، وتمنع الحكومة من أيّ خطوات استنسابية.

أوروبا وقطر
من جهة أخرى، علمت «الأخبار» أن اتصالات جانبية تجرى بين إيران وعدد من العواصم الأوروبية المعنية، لتوسيع نطاق الشراكة في مرحلة ما بعد الاتفاق. ويبدو أن إيران سمعت كلاماً أوروبياً واضحاً عن استعداد للمضيّ في اتفاقات طويلة الأمد شرط إنجاز الاتفاق مع الأميركيين أولاً، وهو أمر لا ترفضه إيران، لكنها ترى في الاشتراط الأوروبي بأن تكون الاتفاقات معها لاحقة للاتفاق الأساسي، نقطة ضعف في الموقف الأوروبي.

كذلك، شدد الجانب الإيراني أمام الجهات الأوروبية المعنية بملفات حساسة في المنطقة، على أن كل الملفات المتعلقة بما يجري في الشرق الأوسط لن تكون بنداً على أي طاولة مفاوضات، لا الآن ولا في أي مرحلة لاحقة. وأن طهران مستعدة للتعاون والمساعدة بما لا يتجاوز مصالح وحسابات القوى الإقليمية الحليفة لها من العراق الى اليمن الى سوريا الى لبنان وفلسطين.

ويبدو أن هذه النقطة مدرجة في جدول أعمال عواصم عدة، وسط سعي خاص من بعض الدول للقيام بدور يتجاوز استضافة الاجتماعات الى دور الوسيط الفعال، وهو ما تشير إليه مصادر مطّلعة، بالقول إن قطر تعرض بأن تكون وسيطاً لتفاوض مباشر بين أميركا وإيران لمعالجة ملف العلاقات الثنائية والقضايا العالقة بين الطرفين. وتستند الدوحة الى العلاقات الاستثنائية التي تربطها بالإدارة الأميركية من جهة، ومحافظتها على علاقات قوية مع إيران طوال الفترة الماضية. ويبدو أن القطريين يحاولون الاستفادة من تجربة الوساطة التي قاموا بها بين الأميركيين وحركة طالبان، وأثمرت اتفاقاً على انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان قبل بضعة أشهر.

عن حزب الله وحلفائه… والمعركتيْن

 الإثنين 17 كانون الثاني 2022

ابراهيم الأمين

المعركة القائمة في لبنان تحتمل التمييز بين معركة كبرى على هُوية البلاد، وأخرى أقلّ حجماً على طبيعة السلطات القائمة وأدائها. هدف التمييز التفريق بين طبيعة وخلفية المنخرطين في المعركتين اللتين ستشهدان احتداماً في الأشهر القليلة المقبلة. صحيح أن الانتخابات النيابية تشكّل استحقاقاً مركزياً، لكنّ أحداً لا يمكنه اليوم أن يجزم بأنها حاصلة حتماً. وقد يكون الانفجار الاجتماعي الحقيقي هو العامل المركزي في الدفع ليس نحو تغيير للسلطة من خلال صناديق الاقتراع فحسب، بل نحو إعادة صياغة دستور جديد لهذه البلاد. وعندها لا يبقى معنى لهذه الانتخابات.

في المعركة الكبرى، يتشارك اللاعبون في لبنان مصالح وحسابات قوى في المنطقة والعالم. عملياً، نحن أمام مواجهة بين محور تقوده الولايات المتحدة ومحور تقوده إيران. ولا يُخفي أنصار أميركا، أو المتحالفون معها، أن هدفهم التخلّص من المقاومة، إذ يجدون في فكرة المقاومة، وفي آلية عملها وأهدافها، ما يتناقض مع أحلامهم وتصوّراتهم لهذا البلد. وبالتالي، فإن قسماً من اللبنانيين يقول، صراحة، إنه لا يريد المقاومة. ومن كان يزعم سابقاً أنه يدعم المقاومة حتى تحرير الأرض، بات يصرّح اليوم بأنه لا يريدها من أصلها، بل يريد تسوية مع إسرائيل.

يعرف خصوم المقاومة أنها ليست لاعباً محلياً كالآخرين، ويدركون أن طبيعتها تحول دون أن تكون لاعباً محلياً. وجود إسرائيل سبب رئيس وحاكم لوجود المقاومة. وجود إسرائيل، وليس احتلالها لأرض لبنانية، هو الحاكم لوجود المقاومة في كل مكان من هذه المنطقة. وهذا يعني، ببساطة، أن المقاومة تحتاج إلى عناصر قوّة لحماية نفسها وتأمين صمودها وتطوير قدراتها وأدوارها الردعية. وهي تفعل ذلك عبر تعزيز قوتها في لبنان، ومن خلال حماية ظهرها عبر الدور الذي تلعبه في سوريا والعراق، وبتعزيز فعّاليتها من خلال التحالف العضوي مع المقاومة في فلسطين، وبحماية عمقها في المنطقة والإقليم من خلال علاقتها الخاصة مع اليمن أو تحالفها الاستراتيجي مع إيران. ولأنّ الأمر على هذا النحو، لا يُفترض بخصوم المقاومة التصرّف بغرابة مع المواقف التي تتخذها والخطوات التي تقوم بها. كما أنه ساذج من يتوقع أن تحصر المقاومة نفسها ودورها في لبنان.

في هذه المعركة، لم تعد هناك أسلحة خَفيّة. أميركا لا تمزح الآن. وهي لا تعاقب المقاومة فقط، بل كل من لا يرفض المقاومة. الجديد في الحرب أن الأميركيين لن يقبلوا، بعد اليوم، من أي طرف لبناني أن يقول: «نحن مع المقاومة… ولكن». وهم واضحون في أنهم يريدون من الجميع الجهر صراحةً بأنهم «ضدّ المقاومة». وهذا ما فرض تعديلاً جوهرياً في آليات العمل، وما يجعل الضغوط على لبنان تتخذ أشكالاً، من السياسة إلى الاقتصاد والأمن والمال. وهي ضغوط ستتعاظم كلّما اشتدّت المعركة.

في المقابل، لا تزال المقاومة تلعب في موقع الدفاع. فلا تبادر إلى ضرب الأميركيين مباشرة، ولا إلى ردع المنخرطين في المحور الذي تقوده أميركا أو معاقبتهم. وهي لا تزال ترفع «الصبر» شعاراً، لأنها تريد أن تختار، هي، موقع المعركة مع الأميركيين وزمانها. ولذلك، فإنها مستعدّة لتحمّل العبء والأثمان، وحتى الضربات، من أنّى أتت وكيفما جاءت، وهذا ما يدفع الطرف الآخر إلى مزيد من التصعيد.

لكن، يبدو أن هناك ما استجدّ بما يفرض تعديل آليات العمل، إذ يبدو أن المقاومة تتحضّر لمغادرة موقع الدفاع. والمواقف الأخيرة، حيال الحملة السياسية والإعلامية المحلية والخارجية على المقاومة، ليست سوى إشارة أولى، من ضمن استراتيجية تستهدف الانتقال إلى الهجوم كوسيلة مناسبة للدفاع، خصوصاً أن الطرف الآخر لا يقف عند أي اعتبار إنساني في هذه الحرب الشرسة، وأن هناك جيشاً من اللبنانيين والعرب المنخرطين، بقوة، في هذه المعركة، وكل ما نشهده يؤكّد بوضوح أن محور أميركا، لم يعد يقبل حتى بتسويات، بل يريد إطاحة المقاومة أياً كانت الكلفة.

على حزب الله أن يدفع حلفاءه إلى تغيير كبير في سلوكهم، والوقوف عند خاطر التائهين من أنصار المقاومة


في هذه المعركة، يصبح لزاماً على أنصار المقاومة وقف المزاح أيضاً. الأمر اليوم يتجاوز النقاشات العامة والجدل القابل للضبط، إذ إننا أمام معركة وجودية. والدفاع عن المقاومة وحقّها في حماية نفسها وتعزيز قوتها وتوسيع دائرة نفوذها، يحتاج إلى انخراط مختلف في هذه المعركة، وهنا، سنكون أمام اختبار لكثير من القوى والشرائح التي لم تكن تجد مشكلة سابقاً في مجرد إعلان دعمها للمقاومة، فيما هي تقف اليوم أمام تحدّي دفع ثمن هذه المواقف، وهذا ما يجعل سقوط كثيرين أمراً متوقّعاً.

في المعركة الثانية، يجد لبنانيون كثر أنفسهم أمام عصابة تستمر في حكمهم، بكل قساوة وجلافة واستهتار، وأن عليهم رفع السقف في مواجهة أركانها. هؤلاء يتصرّفون تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، ويتقدمون أكثر نحو مواجهة ستكون مليئة بفوضى الشعارات والتحالفات والخطوات. وفي هذا الإطار، لن يكون مقبولاً أن تتصرف المقاومة، ومن يدعمها، بالطريقة نفسها كما في المعركة الكبرى. هنا، يجب التنبّه إلى أن التكتيك السياسي للمقاومة سيضعف إذا ما بقي محكوماً بطبيعة التحالفات القائمة اليوم.

ربما يرى كثيرون مناورةً في دعوة التيار الوطني الحر إلى مراجعة التفاهم مع حزب الله، وأن للتيار أهدافه الموضعية المرتبطة بالانتخابات. لكنّ التيار رمى، عامداً أو من دون قصد، حجراً كبيراً في المياه الراكدة (أو حتى الآسنة) التي يعيش فيها الحلف الذي قام منذ عام 2006.

وما فعله التيار تقوم به حركة أمل، وإن بطريقة مختلفة. لا تخاطب الحركة الحزب احتجاجاً أو تدعوه إلى مراجعة. لكنها تقول له إن نظرتها إلى المعركة الداخلية باتت تختلف عن نظرته. مشكلة أمل، هنا، أنها تخوض معركة دفاعية كبرى عن حجمها التمثيلي في السلطة وفي الدولة وفي الشارع أيضاً. لكنّ الحركة، كما التيار وتيار «المردة» وغيرهما من قوى وشخصيات، إنما يصعّبون الأمر على المقاومة في كل ما يطالبون به. فيما يرفض معظمهم القيام بأي مراجعة أو نقد ذاتي، أو حتى محاولة تشخيص المشكلة، من أجل توزيع عادل للمسؤوليات عن المشكلات القائمة. الأسهل لهؤلاء، جميعاً، رمي كرة النار في حضن حزب الله وإحراجه لإلزامه بخطوات تهدف إلى تحسين وضع كل فريق على حساب الآخرين.

لا يمكن لعاقل فصل قراءة حزب الله للأحداث الداخلية عن المعركة الكبرى. لكنّ أخطاء كثيرة وقعت تستدعي لفت انتباه الحزب إلى أن هناك خللاً ما في إدارة الملفات الداخلية. وهو خلل يتطلّب المراجعة الأهم. كما يتطلّب – ولو أننا جميعاً تحت الضغط – إعادة النظر في مقاربة الملفات. ويمكن الافتراض أن هناك حاجة إلى ابتداع آليات عمل تتيح الوصول إلى نتائج أفضل.

اليوم، ما يقوله نبيه بري أو جبران باسيل أو سليمان فرنجية أو آخرون من حلفاء المقاومة، هو أنهم هم من يجيدون إدارة الملف الداخلي بصورة أفضل. يُكثر هؤلاء من تكرار لازمة «لتترك لنا المقاومة الملف الداخلي ولتتفرّغ هي فقط لحماية المقاومة». ويتجاهلون أن المقاومة فعلت ذلك منذ ثلاثة عقود، والحصيلة كانت خسائر تلو الخسائر. كما يتجاهلون أن نظرتهم إلى الملفات الداخلية ليست واقعية، وأن المقاربات غير علمية، وأن الحسابات ضيّقة وفئوية، وأن طريقة إدارة المؤسسات والسلطات خلال ثلاثة عقود لم تنتج سوى الفشل.

عملياً، عندما يجري التوجه إلى حزب الله لإعادة النظر، إنما يُقصد بذلك رسم إطار جديد للتحالفات، ومطالبة الحلفاء – الأقربين منهم والأبعدين – بتغيير حقيقي. وهذا يقتضي أن يعالج الحزب مسألة الانتخابات النيابية مبكراً، عبر إعلان برنامج سياسي وخطة تحالفات وترشيحات تقطع مع الماضي، وأن يفرض (نعم يفرض)، على الآخرين، سياسات ومقاربات جديدة، وأن المهم ليس فقط الوقوف عند خاطر حلفاء هم حاجة للمقاومة اليوم، بل عند خاطر كتل من الناس غادروا مربّعات الحلفاء، وبعضهم تائه تتصيّده أدوات المحور الأميركي المهتمّ بالمعركة الكبرى.

غير ذلك، سنبقى نحصد خسائر نحن في غنى عنها، وليس آخرها كيفية مقاطعة الحكومة ثم قرار العودة إليها!

مقالات متعلقة

الصيصان… مش «كلّن يعني كلّن»

الإثنين 10 كانون الثاني 2022

ابراهيم الأمين 

لا يمكن لسفير أجنبي في بيروت أن يمارس ما تعلّمه في أكاديميات بلاده، أو أن يحافظ على بروتوكول العمل الديبلوماسي كما تقتضي الأعراف. غالباً، يعاني الديبلوماسيون الأجانب كثيراً عندما يغادرون لبنان إلى بلاد طبيعية. «متلازمة لبنان» تلاحقهم أينما ذهبوا. المشكلة ليست في أن لدى بعضهم – أو غالبيتهم – استعداداً لـ«الانحراف»، بل لكون «الفيروس» اللبناني قوياً جداً، وهو، ربما، سابق على فيروس «كورونا» الذي يكشف نقاط الضعف في الجسد. فـ«الفيروس» اللبناني كاشف لنقاط الضعف لدى عدد غير قليل من الأجانب ممن عاشوا في لبنان مستعمرين أو غزاة أو ضيوفاً، أو حتى عابري سبيل.

الديبلوماسيون الأجانب ليسوا كلهم عرضة للإصابة. لكن من ينجو منهم، يصلح أن يتحوّل خبيراً محلفاً في شؤون «الشعب العنيد». سفير دولة أوروبية كبيرة أسف، في حفل عائلي ضيق قبل مغادرته لبنان، على حال هذه البلاد. ليس على حال سياسييها الذين يعتقدون بأن الدنيا لا تعيش من دونهم، بل على حال مواطنيها الذين يكذبون على أنفسهم طوال الوقت. إذ يشكون كثيراً، لكن ليست صدفة أنهم لم يتمكّنوا يوماً من إحداث تغيير شامل وحقيقي في آلية إنتاج السلطة في بلادهم.

الديبلوماسي العربي أو الغربي، أو حتى الشرقي، الذي يمر في لبنان، يعرف أن مهامه تتجاوز إطار العلاقات التقليدية بين بلدين. وهو، أساساً، يدرك أن ضابط الأمن في السفارة شريك أساسي له في مهامه. صحيح أن محطات الاستخبارات ناشطة في كل سفارات العالم، لكنها في لبنان تلعب دوراً يبدو في بعض الأحيان متقدماً على دور السفير نفسه. إلا أن صاحب التأثير الأكبر اليوم، هو الديبلوماسي الذي يتولى ملف «السلطة الموازية». وهو تعريف يُقصد به كل من يلعب دوراً موازياً للدولة، سواء كان موجوداً في مؤسساتها، أو يملك نفوذاً خارج إطار المؤسسات. يعرف الديبلوماسيون، مثلاً، أن زيارة قصر المختارة أو بنشعي أو بكفيا أو بكركي أو… أمر لا يقف عند طبيعة من هو موجود في الحكم الآن. يعرف هؤلاء أن في البلاد جمعيات ومؤسسات أكاديمية تحفر عميقاً في النظام اللبناني. الجامعتان الأميركية واليسوعية لهما حظوة لا يتمتع بها حزب كبير في لبنان. وما هو مستجدّ، يتجلى في الإطار الجديد للتنظيم البديل، أو «فرقة العمل الناعم» التي تضم عدداً غير محدود من المنظمات غير الحكومية، أو ما يمكن تسميته أحياناً بقوى المجتمع المدني أو الجمعيات والمؤسسات الأهلية… وقس على ذلك ما تشاء من أسماء وصفات هي، في حقيقة الأمر، عناوين لمجموعات تنشط بعيداً من الدولة ومؤسساتها، وبعيداً من أي تقاليد متعارف عليها للعمل السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. هي مجموعات لا يمكن محاسبتها من قبل الشعب أو السلطات. تكتسب حصانتها بمجرد حصولها على «إجازة عمل» من الممول الغربي أو العربي المتصل، أولاً وأخيراً، بحكومة أو سفارة أو حزب حاكم في دولة قادرة. و«الفوضى» اللبنانية، تسمح لهذه الجمعيات أو المنظمات بالعمل بعيداً من أعين الرقابة. وحده الممول يحق له سؤال هذه الجمعية أو تلك عن موازنتها وأنشطتها، و«الشاطر بشطارته». يمكن لجمعية أن تخدع مموّلاً وتنصب عليه، ويمكن لهذا الممول أن يحول جمعية، بكل من فيها، إلى مجموعة مخبرين لديه. لكن القاعدة الأساسية هي أنه لا يحق للشعب اللبناني، ولا لحكومته أو لأجهزته الأمنية والقضائية والمالية – الضريبية، أن تراقب أو تسائل أو تحاسب هذه الجمعية أو تلك. وحده الممول من بيده قرار تشكيلها وحلّها. مع ذلك، تمنح هذه الجمعيات نفسها حق مراقبة السلطات المنتخبة من الناس، بحجة أن انتخابهم تم بطريقة غير شرعية أو غير موثوقة (من الممول)، وتمنح نفسها حق المطالبة بالتغيير، لمواقع حكومية أو نيابية أو حزبية أو لكل أطر قانونية، بحجة أنها تمثل «الغالبية الصامتة»، وهذا ما جرى تعميمه طوال عقود، بينما ترفض هذه الجمعيات ومن خلفها الإقرار بأن غالبية وازنة من الشعب المقيم صوّتت وانتخبت ممثلين عنها في البلديات أو المجالس النيابية واختارت هذا الحزب أو ذاك.

هذا الحشد من الجمعيات صار أبرز «حيلة» بيد الغرب الذي يواجه بلادا دخلتها «سوسة المقاومة»

«كلن يعني كلن» شعار يمكن رده إلى هذه الجمعيات لو أردنا التصرف بنكاية. لأن التمايز حيال الموقف من المسألة الوطنية لا يبدو واضحاً عند الغالبية، والسبب واضح وبسيط، وهو يتصل بالعلاقة مع الممول. وهذا يعني، ببساطة، أنه عندما يصار إلى اتهام القوى السياسية لبعضها البعض بأن هذه تعمل لأجندة هذا المحور وتلك تعمل وفق أجندة محور آخر، فإن هذه «القوى الناعمة» التي تقدم نفسها بديلاً عن كل هذه القوى، إنما تعمل بدرجة أعلى من الخضوع لشروط المموّل. حصل أن قُلبت القوى الكبيرة في لبنان على بطنها وظهرها مرات عدة. طارت دول وسقطت أنظمة ولا تزال الزعامات اللبنانية واقفة على قدمين وليس على قدم واحدة. بينما يكفي أن تقلص أميركا أو ألمانيا موازنة الدعم لهذه المجموعات حتى نجد قسماً منها قد تبخر في ليلة واحدة، وتشرّد العاملون فيها بحثاً عن مصدر رزق آخر.

المسألة، هنا، تتعلق بالقدرة على محاسبة هؤلاء جميعاً. المحاسبة بمعنى سؤالهم عما يفعلون، وكيف يعملون، ولمن يصرّحون عن تمويلهم، وكيف يصلهم وكيف ينفقونه؟ ولأن الأمر يبدو صعباً، وجدنا في «الأخبار» أن نطرق الباب من زاوية تجميع ما يكفي من معطيات حول الجهات المانحة وكيفية إعداد الموازنات والبرامج وآلية التمويل وحجم الأموال التي وصلت إلى هذه الجمعية أو تلك، ولسنا هنا في معرض الإدانة المسبقة لأي طرف، بل في معرض طرح السؤال المشروع والمحددّ: هل تعرفون ماذا تفعلون وعند من تعملون؟

بالعودة إلى الديبلوماسيين الأجانب الذين يعرفون تفاصيل هائلة عن أمزجتنا وأذواقنا في الطعام والمشرب والملبس والهوايات والرغبات بالسفر، فإنهم عندما يتعرضون للسؤال حول كيفية عمل حكوماتهم أو مؤسساتهم المانحة يتحولون فجأة إلى لبنانيين ويجيبون على السؤال بسؤال: من أنت، وبأي حق تسال؟

لأمر، باختصار، هو حقنا بالسؤال والبحث عن الأجوبة، ومن لا يخشى على شيء من كرامة أو عدالة أو حق، ليس عليه سوى التوضيح، أما من يرى نفسه فوق المحاسبة، فليعلم أنه لا يعدو كونه صوصاً يقف عند أقدام دجاجة لا تبيض ذهباً كل الوقت!

هدية مجانية لماكرون وابن سلمان يبتسم

الإثنين 6 كانون الأول 2021

ابراهيم الأمين

سياسة

مشكلة لبنان في إدارة علاقاته الخارجية لم تكن يوماً منفصلة عن مشكلته في إدارة علاقاته الداخلية، خصوصاً أن القوى المحلية تربط، صراحة، علاقاتها ومواقفها بتحالفاتها الخارجية. وهذا ينسحب على السياسيين والاقتصاديين والناشطين والإعلاميين أيضاً. لنأخذ، مثلاً، صاحب إحدى المؤسسات الإعلامية البارزة في لبنان، الذي تربطه صداقة بوزير الإعلام المستقيل جورج قرداحي. إذ إن هذا، عندما طالبه الأخير – من باب الصداقة – ألا يكون شريكاً في سفك دمه، ردّ بأنه يتقاضى راتبه من السعودية وليس من قرداحي نفسه.

الرواية – حتى ولو نفاها الطرفان – تعبّر عن طريقة تعامل اللبنانيين مع أزمات من هذا النوع. هل يمكن، مثلاً، أن نجد إعلامياً أو سياسياً أو ناشطاً أو حزباً أو رجل أعمال يرتبط بعمل أو علاقة دخل مع دول الخليج العربية، يبادر بانتقاد أي خطأ يقع في أي من هذه الدول. هل عثر أحد على ملاحظات نقدية لبرامج التدريس أو التعبئة الدينية أو السياسات الاقتصادية أو الاستهلاكية في هذه الدول، قبل أن نسأل عما إذا كان كل أدعياء الحريات قد علقوا على جريمة قتل وتقطيع الصحافي جمال الخاشقجي؟

الوثائق المسرّبة من عواصم ممالك القهر والموت كافية – ما نشر منها وما لم ينشر – لتشرح لنا طبيعة علاقة طبقة من السياسيين والإعلاميين والاقتصاديين مع هذه الدول وممثليها. ما من دونية يمكن أن تنزل إلى قعر أعمق مما حيث هم اليوم. لا يجرؤ أحد – أي أحد – على انتقاد أو توجيه ملاحظة. هل تتخيّلون، مثلاً، أنه يوم وقعت انفجارات في ميناء دبي في تموز الماضي، لم يجرؤ لبنانيون كثر على التواصل في ما بينهم للسؤال عما يحصل. تماماً كما هي الحال مع عاملين ومقيمين في السعودية ممن يتحدثون، عندما يعودون إلى بلدانهم، عن الحرب على اليمن وآثارها الداخلية، ويهمسون عن تعرّض قصور ملكية في الرياض لإصابات مباشرة بالقصف. أما السؤال حول كيفية تعامل اللبنانيين المقيمين هناك مع الإعلام الوارد من لبنان، فلهذا فصل آخر. إذ إن جلهم عمد إلى كل الخطوات التقنية التي تحول دون العثور في حواسيبهم أو هواتف أولادهم أو حتى في باقة القنوات الخاصة بشاشاتهم الصغيرة، على أي أثر قد يعرّضهم لـ«خطر» الاستماع أو قراءة أو متابعة ما يصدر عن جهات قريبة من محور المقاومة. وبالمناسبة، فإن الضغط في هذا المجال لم يعد يقتصر على العاملين اللبنانيين في السعودية، بل حتى على العاملين مع السعوديين ممن يقيمون في بلدان أخرى. وبلغت الأمور حدّ تجنّب وسائل إعلام لبنانية وعربية، قدر المستطاع، استضافة من يحتمل أن يوجه انتقادات مباشرة أو انتقادات لسياسات السعودية ودول الخليج.

الانقسام اللبناني لا يقتصر على الهوية الوطنية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية بل حول مفهوم الكرامة أيضاً


عملياً، نحن في مواجهة آلة من الشر تقودها السعودية بمشاركة الغرب. وعندما يتجاوز رئيس فرنسا كل أطروحاته حول الحريات وحقوق الإنسان، ولا يخشى أن يصافح قاتلاً كمحمد بن سلمان، فهو يفعل ذلك لأنه يعرف أنه لا يوجد في فرنسا نفسها من يحاسبه، ولأنه يريد تحصيل ما أمكن من عقود توفر أموالاً لشركات بلاده، مع إدراكه بأن الرياض بقيادة ابن سلمان تتجه إلى تولي الإدارة المباشرة لعشرات الشركات التي كانت تتخذ من دبي أو الدوحة أو الكويت أو حتى المنامة مقراً لإداراتها الإقليمية، وبدأت إبلاغ شركات عالمية كبرى بأن عليها نقل مكاتبها الإقليمية إلى جدة أو إلى نيوم (بعد اكتمالها) تحت طائلة عدم التعاون معها (وزيارة السعودية من بوابة جدة تبدو تعايشاً سعودياً مع الوجهة الجديدة لابن سلمان بنقل كل شيء إلى جدة وإلى الساحل القريب من البحر الأحمر، ونيته جعل جدة العاصمة السياسية والتجارية والدينية ومنطلق الأنشطة السياحية والإعلامية). ولا يأخذ ابن سلمان بالاعتبار، في ذلك، غضب شيوخ أبو ظبي ودبي الذين باتوا يستشعرون هذه الخطوات التي ستدفع بعشرات الشركات للانتقال إلى السعودية، وبينها ما يشغّل عشرات الآلاف في الإمارات، كما هي الحال بالنسبة لوسائل إعلامية كبيرة تخشى على نفسها إن جرى إلزامها الانتقال إلى السعودية، وفي مقدمها شبكة «mbc».

عملياً، يتصرّف ماكرون في السعودية كأنه نعمة طعمة! الأخير مقاول مستعد لمراضاة آخر مولود في عائلة آل سعود إذا كان في ذلك ما يحفظ له عقود عمله في السعودية. وهذا الأخير، شأنه شأن غيره من رجال الأعمال في لبنان ومصر وسوريا والأردن، مستعد لممارسة كل أنواع الضغط في بلده لتحسين صورة السعودية. هذا، بالضبط، ما فعله ويفعله ماكرون الذي يسعى إلى تحقيق جملة من المكاسب في هذه المرحلة، لكنه لا يريد صرفها إلا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة. في هذه النقطة بالتحديد، نجح ماكرون في جرّ طبقة سياسية لبنانية بأكملها نحو مربعه، لخدمته في تنظيم علاقة خاصة مع الرياض لا نتائج لبنانية لها سوى أن «مملكة الخير» قد تفكّر في «العفو» عن لبنان، إذا ما استكمل خطوة استقالة قرداحي بخطوات عملية أخرى.

لكن ما هي هذه الخطوات؟

ظاهرياً، يحق لنجيب ميقاتي الزهو بأنه حقّق انتصاراً إعلامياً كبيراً في نجاحه بدفع قرداحي إلى الاستقالة، وهو يعتبر أنه انتصر على جمع كبير من القوى في لبنان، من حزب الله وميشال عون إلى سليمان فرنجية وآخرين، كما نجح في التنمّر على حلفائه – خصومه من نادي رؤساء الحكومات بأنه أقدر على الوصول إلى ابن سلمان منهم، بالتالي لا يحتاجهم لتحقيق ذلك، ومن دون أن يقدم تنازلات من كيسه. وفوق ذلك، انتزع التغطية التي تتيح له الاستمرار في الحكومة وطي صفحة «البحث» في استقالته أو استقالتها. لكن ميقاتي يعرف أن ما حصل في الرياض لا يعدو كونه كلاماً بكلام، لأن تحقيق ما تطلبه السعودية يتطلّب حرباً أهلية في لبنان. فالدب الداشر يريد من اللبنانيين جميعاً، ومن الفرنسيين أيضاً، الدخول في معركة مع حزب الله كرمى لعيونه، وإلا سيظل غاضباً… والويل لكم من غضبه. كل ذلك في مقابل «تنازله» بقبوله الاتصال بميقاتي، في حضور ماكرون وبإصرار منه، أو الطلب إلى وزير خارجيته فيصل بن فرحان تسهيل «زيارة عمرة» لرئيس الحكومة وترتيب لقاء معه، من دون ضمانة مسبقة بأن يستقبله ابن سلمان نفسه.

لكن، ما الذي حصّله لبنان من هذا كله؟

أمر واحد، وهو تأكيد أن الانقسام ليس فقط حول السياسات الخارجية والاقتصادية والمالية والإدارية والانتخابية، بل هو انقسام حول مفهوم الكرامة الوطنية، خصوصاً عندما لا يرف جفن جيش كبير من التافهين، سياسيين واقتصاديين ورجال أعمال وإعلاميين، إزاء ما حصل، بل يواصلون إعطاء الدروس في كيفية بناء العلاقات مع الدول… وإذا كانوا بهذه الوضاعة أمام ابن سلمان، فكيف ستكون صورتهم أمام ماكرون، وهم الذين يعانون دونية مستمرة تجاه الرجل الأبيض…

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المنازلة مع العدو داخل لبنان وعلى حدوده

الأربعاء 24 تشرين الثاني 2021

الأخبار

ابراهيم الأمين

«في خضم «معارك الأيام العشرة» في يوليو 1948: قال ديفيد بن غوريون: يجب أن تنتهي الحرب بمثل هذا القصف لدمشق وبيروت والقاهرة، حتى لا يعود لديهم أي رغبة في تحدّينا [في] الحرب وصنع السلام معنا. وأوضح أنه يجب أن نكتسب قلب العرب، وبطريقة واحدة فقط يمكننا تعليمهم احترامنا. إذا لم نقصف القاهرة فسيعتقدون أن بإمكانهم نسف تل أبيب».

(من محضر اجتماع 11 يوليو 1948، المحفوظ في أرشيف الكيان الإسرائيلي، دولة بأي ثمن – قصة حياة ديفيد بن غوريون، 2018, p.416).

قبلت إسرائيل بقواعد اللعبة مع حزب الله في لبنان. لا عمليات عسكرية أو حتى أمنية تؤدي إلى سقوط عناصر أو كوادر من الحزب. وقررت، بناء على ذلك، الطلب إلى أجهزتها العملانية، الاستخباراتية والتنفيذية، ابتداع وسائل تتيح لها تحقيق المطلوب من دون ترك أثر. لكنها أعطت نفسها حق القيام بما هو أكثر في ساحات أخرى. لدى العدو وحدة مستقلة تعمل على حزب الله. تطارده في لبنان وخارجه. في كل ساحة، تضع إسرائيل تصوراً خاصاً لمواجهة الحزب. وغالباً، يبرر العدو أعماله بـ«الإجراء الوقائي» لاعتقاد قيادة العدو بأن الحزب يسعى إلى إيقاع الضرر بإسرائيل، إما انتقاماً لعمليات اغتيال أو كرد على رسائل لا يعرف الجمهور الكثير عنها.

في سوريا والعراق ومناطق أخرى، يركز العدو على عمل أكثر مباشرة، لأن الخطر بالنسبة إليه في لبنان، يتعلق بعملية لوجستية – أمنية – عسكرية. بمعنى أدق، يسعى العدو إلى توجيه ضربات مباشرة للحزب في مجال تعزيز قدراته العسكرية ولا سيما الصاروخية منها. والتعديل الذي قبلت به إسرائيل، في سوريا كما في العراق، هو أنها ملزمة بعمليات «نظيفة». أي أن على قواتها تجنب التعرض لعناصر المقاومة أو كوادرها خلال أي عمل أمني أو عسكري. لذلك، يعمد العدو في حالات كثيرة إلى إبلاغ الروس مسبقاً أنه في صدد توجيه ضربة جوية إلى هذا الموقع أو تلك الآلية، ليتولى الروس إبلاغ السوريين أو الإيرانيين، أو حتى حزب الله مباشرة، لتجنّب وقوع خسائر بشرية. وفي حالات أخرى، يوجّه العدو طلقات تحذيرية لدفع عناصر الحزب إلى مغادرة مركز أو عربة قبل ضربها بقليل. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى إيجاد وسائل اتصال تقني تتيح له الطلب من عناصر الحزب مغادرة نقطة معيّنة لأنها ستتعرض للضرب.

لكن، في كلا الحالتين، لا يمكن للعدو الوقوف مكتوف الأيدي إزاء ما يسميه «برنامج تعاظم القدرات لدى حزب الله»، كما هي الحال مع قوات الحرس الثوري الإيراني أو فصائل المقاومة العراقية في سوريا أو العراق، لأن لدى العدو برنامجاً آخر اسمه «منع تمركز إيران في المناطق القريبة». والعدو، هنا، يجبر نفسه على خيارات عملانية من النوع الصعب والمعقّد، بما في ذلك القيام بعمليات أمنية بالغة الحساسية خلف خطوط العدو لتوجيه ضربات مباشرة، نوعية أو وهمية. لكنه يقوم بما يريد من خلال إبلاغ إيران وحلفائها في المنطقة بأن إسرائيل لن تقف متفرجة على ما يحصل بالقرب منها.

إسرائيل تدعم الفتنة الداخلية لعجزها عن حرب واسعة والمقاومة ترفض الفتنة لكنها لن تكبّل نفسها بالصمت والموت


وإذا كان لدى العدو برنامج عمل يستهدف فقط ضرب المقاومة في لبنان أو سوريا أو العراق، أو حتى إيران، فإنه ينظر بقلق إلى تطورين بارزين في السنوات الأخيرة. الأول يتصل بواقع المقاومة في فلسطين وخصوصاً بعد معركة «سيف القدس» وتطور علاقة المقاومة في فلسطين مع محور المقاومة الذي تقوده إيران ويفعّله حزب الله. والثاني يتعلق بما يجري في اليمن. إذ يتصرف العدو بأن ما يحصل في هذا البلد ليس سوى عملية بناء لقدرات صار مضطراً لأن يضعها في الحسبان، ليس لكونها في يد قوة معادية فقط، بل لكون هذه القوة تعلن جهاراً أنها جزء من معركة تحرير فلسطين. أضف إلى ذلك أن العدو يعرف معنى أن يتحول اليمن قاعدة متماسكة في قلب محور المقاومة. وهو اكتشف، خلال مواجهة «سيف القدس»، أن «أنصار الله» في اليمن، اتخذوا خطوات عملانية وأبدوا استعداداً للدخول في الحرب متى اقتضى الأمر. ورصدت استخبارات العدو اتصالات بين فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين وبين «أنصار الله» تضمّنت معطيات يدرك العدو أن فيها ما يؤذيه في ما لو دخل اليمنيون في الحرب. ولذلك، اضطر، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، إلى إعادة تفعيل قيادة الجبهة الجنوبية التي أقفلت منذ الاتفاق مع مصر والأردن.

This image has an empty alt attribute; its file name is 202.jpg

عملياً، ليس بيد العدو اليوم سوى النظر في وسائل محاصرة المقاومة في لبنان وبقية المواقع. صحيح أن جيش الاحتلال لا يتوقف عن التدريب على حرب واسعة تشمل جبهات عدة، لكنه يتصرف بحذر شديد مع الجبهة الشمالية، وهو يعي تماماً أن قدرات المقاومة في لبنان أو سوريا أو حتى العراق ليست من النوع الذي يقارن بما هو موجود في قطاع غزة. كما أن الهشاشة التي ظهرت بها جبهته الداخلية جراء تساقط صواريخ المقاومة الفلسطينية في أيار الماضي، تشي بمخاطر لا قدرة له على ضبط نتائجها ولا حدودها، فكيف وهو مضطر لأن يتصرف على قاعدة أن المقاومة في لبنان يمكنها ليس فقط إطلاق الصواريخ بطرق مختلفة، بل استخدام أنواع من الأسلحة الفتاكة على أكثر من صعيد، إضافة إلى احتمال قيام المقاومة بعمل هجومي يستهدف السيطرة على مناطق في الجليل الأعلى، وهو ما لم يكن يعتقد بأنه سيأتي يوم يضطر للتعامل مع هذا الأمر كاحتمال حقيقي، وهذا ما يوجب على العدو اللجوء إلى وسائل أخرى في مواجهة المقاومة في قلب لبنان.

في هذا السياق، ينبغي النظر إلى جانب من الأزمة اللبنانية. صحيح أن المشكلة هنا لا تتعلق حصراً بالمساعي الإسرائيلية، وأن اللبنانيين عموماً، وبينهم حلفاء للمقاومة، يتحملون مسؤولية الخراب الداخلي. لكن ما يجب عدم التغافل عنه، ولو رفض لبنانيون ذلك، هو أن سعي مجموعات لبنانية، بدعم من دول عربية وجهات غربية، لأن يكون ملف المقاومة هو عنوان المواجهة الداخلية، لا يمكن عزله عن المشروع الإسرائيلي. ولا ضير هنا من اتهام هذه المجموعات بأنها تقوم بعمل يخدم فعلياً العدو، ويجب قول هذا الكلام صراحة حتى ولو اعتبره البعض اتهاماً له بالخيانة، علماً أن «لاجئي الإمارات» من اللبنانيين توقفوا عن الخداع والمداراة وصاروا يتحدثون علناً عن «خطأ عدم اللحاق بركب السلام مع إسرائيل».

وفق هذا المنطق، يجب النظر إلى المرحلة الجديدة من المواجهة الداخلية القائمة، سواء في ما خص عمل الحكومات أو الانتخابات النيابية أو السياسات الاقتصادية والمالية، وصولاً إلى العلاقات الخارجية للبنان. والجديد هنا، أنه مثلما لا يهتم الأميركيون والغربيون وبعض العرب بالعمل في وضح النهار ضد المقاومة، مستفيدين من وجود مرتزقة لبنانيين يطلقون على أنفسهم ألقاباً تحت مسمى السياديين، فإن على هؤلاء الأخذ في الاعتبار أن المقاومة باتت مضطرة للتشهير بهم علناً، وأن هذا التشهير لا يمكن وضعه في خانة التحضير لعمل أكبر، لكنه إجراء بديهي وعادي إزاء من يعمل على تهيئة المناخ لحروب أهلية جديدة في لبنان. ومثلما تتمسك المقاومة بخيارها تحمل الضغوط وعدم الانجرار إلى حرب أهلية، فهي تتمسك بحقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة هذه المجموعات ومشغّليها بمعزل عن طبيعتها وعناوينها وحجمها وطريقة عملها.

لبنان اليوم مقبل على مستوى جديد من المواجهة. وإذا كان بيننا من يستعد لمغامرات متجاهلاً حقائق التاريخ، فإن بيننا أيضاً من يهتم للحفاظ على مكتسبات معارك التحرير في الجنوب وسوريا وحتى الداخل. وهذا الاهتمام بات يوجب علينا، في لحظة الحسم، الاستعداد للمنازلة الكبرى مع هؤلاء، بقسوة لا تقودنا حتماً إلى المواجهة التي يريدون. إنها لعبة تتطلب، إلى جانب الهدوء والصبر، الكثير من الحكمة والذكاء والفعالية، وهي عناصر خبرناها مرات ومرات عند المقاومة وجمهورها خلال أربعة عقود، ولا نزال.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

البرغي

 السبت 13 تشرين الثاني 2021

البرغي - أنواع وقياسات مختلفة من البراغي
إبراهيم الأمين كما عرفته..وأعرفه! – الحوار نيوز

سياسة  ابراهيم الأمين 

لم أكن يوماً مضلَّلاً، أو تعرضت للغش ولم أكن أعرفك. بل كنتُ أرى فيك صحافياً ناجحاً، وأقبلُك كما أنت. صحافياً نمت علاقاته المهنية والشخصية كغيره في ظل هذا النظام الذي تقول اليوم إنك ضده.

لكنني أعرف، ولا ينتقص ذلك منك شيئاً، أنك لم تكن يوماً رأس حربة، لا ضد الوصاية السورية، ولا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما لم تكن يوماً رأس حربة في مواجهة الظلم والتعسّف والدولة الأمنية اللبنانية والعربية والدولية التي حكمت لبنان باسم التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري. ولا في مواجهة الفساد الذي أطل برأسه قبل وأثناء وبعد رحيل رفيق الحريري.

ولم أكن، كغيري، لأطالبك بما لا تريده أو لا قدرة لك عليه. لم يسألك أحد، في «الأخبار»، لا قبل 17 تشرين ولا بعده، عن علاقاتك الوطيدة بكل أركان النظام، من رؤساء جمهورية وحكومات ورئيس مستمر لمجلس النواب وحاكم دائم لمصرف لبنان، ولا عن علاقاتك الوثيقة بكل نادي الوزراء والنواب وقادة الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية وأركان «الاقتصاد الحر»، وبكل زعماء القبائل اللبنانية، والقيادات الحزبية على اختلافها. كما لم يسألك أحد عن نفوذك القوي في قلب الدولة العميقة التي أدارت البلاد ولا تزال، والتي قرّرت أنت، في لحظة ما، الثورة ضدها.

حتى في سياق عملك المهني مع بيار الضاهر، الرجل الذي حار ودار ولم يتوقف عن القيام بكل ما يقنع أو لا يقنع، لحماية المؤسسة، كنت أنا ممن يحترمون حقّك في الحفاظ على مسافة تقيك شرّ الظلم المهني، وتمنحك عدلاً حتى في العقد المالي المجحف مع هذه المؤسسة، وما كان أحد يلومك على كل أنواع التسويات التي أبرمتها باعتبارها حقاً لك.

وعندما كتبتُ دفاعاً عنك في «الأخبار»، قبل تسع سنوات، في وجه من أراد النيل من حريتك، لم أفعل ذلك محاباة أو مراضاة، وأظنّك تعرفني جيداً، وتعرف أنني ما كنت لأقف صامتاً عندما يصيب الظلم أياً كان. أنت شخصياً، تعرف، عن قرب، موقف سعد الحريري مني شخصياً ومن الجريدة. مع ذلك، وحْدنا في «الأخبار» دافعنا عنه يوم اعتقله الدبّ الداشر، بطل العروبة الأغرّ كما تصورونه في قناتكم اليوم. فعلنا ذلك عن قناعة، بينما ران الصمت على كل المنصات، بما فيها حيث كنت تعمل، وحيث تعمل اليوم.

لكن، ثمة ما تغير فيك يا عزيزي، ومنذ ما قبل مغادرتك المؤسسة اللبنانية للإرسال. ما تغير لم يكن (فقط) تعبيراً عن طموح مهني محقّ في تطور تطمح إلى تقديمه، بل هو أنك قررت في لحظة سياسية ومهنية ومالية – وهذا خيارك الحر أيضاً – أن تنتقل إلى ضفة لها وجهها الأكثر وضوحاً في الإعلام، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع أيضاً. قرّرت أن تطلّ، هذه المرة، من بوابة مفتاحها في يد شاب تعرف، وأعرف، ما الذي جرّب فعله في العديد من المحطات، حتى إبان اعتقال صديقك الحريري الذي لم تنتفض يومها من أجل حريته الشخصية أو دفاعاً عن كرامة بلدك. مع ذلك، لن ألومك على عدم الإقدام على فعل لست مقتنعاً به، أو لا قدرة لك عليه.

«صار الوقت»: هدية مصرفية إلى «الديمقراطية» اللبنانية

ما حدث، يا عزيزي، أنك انضممت إلى ماكينة تعرف مسبقاً إلى أين تقود. وصدمتي أنك قبلت بأن ينتهي بك الأمر مجرد «برغي» في ماكينة صدئة لا تملك فكرة أو قولاً أو عملاً أصيلاً، وقبلت الانضواء في برنامج قاده أنطون الصحناوي الذي رتّب كل عملية انتقالك إلى محطة الـ«مر تي في». وأنت تعرف، أيضاً، أن آل المر لا يفعلون سوى بيع الهواء. ويسرقون الأفكار مما هو رائج في الغرب، كما سرقوا الإنترنت والاتصالات أيضاً بحسب التحقيقات والأحكام القضائية. وهم اليوم يعرضون منصتهم لمن يدفع أكثر. ولا مانع لدى ابن المر في أن يختار الشاري الآلية التي تناسبه للتمويل، مباشرة أو عبر رعاية إعلانية أو غيرها. فالمهم، بالنسبة إليه، هو أن يحتل الموقع الأول في عالم «التتفيه» لا «الترفيه»، على ما كان يقول الراحل رمزي نجار. لكن الرجل لم يعد يكتفي بذلك. ولو أنك قرأت تفاصيل مفاوضاته مع السعوديين لبيعهم حصصاً في قناته، لكنت عرفت، وأعتقد أنك تعرف جيداً، مع من تعمل. فالرجل اليوم مصاب بعارض أصاب كثيرين في لبنان. من المخلّص سمير جعجع الذي أرسله الله لتطهيرنا من خطيئتنا الأصلية والمستمرة فينا، مروراً بالمحقق العدلي الذي نزل عليه وحي إلهي بإنقاذ لبنان من الفاسدين والزعران، وصولاً إلى «الثائر» ميشال المر الذي لن يقبل بأقل من كتلة نيابية يقودها من أجل تحرير لبنان من الاحتلال الإيراني، بعدما قاد عملية تحرير لبنان من الاحتلال السوري… ألم يقل هو ذلك؟

لم أكن يوماً مضلّلاً حيالك. تعلم جيداً أنني أعرفك، وأعرف من أي بيت خرجت، لذلك أحزن على ما آلت إليه أمورك، وعلى أنك صرت واحداً ممن يرى فيهم الناس بومة تحرض على الفتنة. كما أحزن كيف تعطينا درساً في أصول العمل الصحافي، من دون أن تكلّف نفسك التدقيق قليلاً قبل استقبال «شاهد» مسكين أنقذه تقرير طبي من ورطة كان برنامجك مدخلاً لها.

مارسيل غانم إعلامي جريء ينتظره اللبنانيون كل خميس | صلاح تقي الدين | صحيفة  العرب

وحْدنا في «الأخبار» دافعنا بقناعة عن سعد الحريري يوم اعتقله الدبّ الداشر، بطل العروبة الأغرّ كما تصورونه في قناتكم اليوم، بينما ران الصمت على كل المنصات


ثم، هل أنت مقتنع حقاً بأن السعودية وسفارتها في بيروت ومخابراتها المتخلفة لا تقرّر كل كبيرة وصغيرة ليس في قناتك فحسب، بل في كل النادي السياسي الذي انضممت إليه من دون مقدّمات؟

ألا تعرف أنت، وتفصيلياً، عن دور السفارة الأميركية في عوكر، ومسؤولين في واشنطن من أصدقاء الصحناوي، في رعاية «إعلام التغيير»، ومنه القناة التي تعمل فيها، وتوفير التمويل، رغم أن بين الأميركيين، في بيروت وفي واشنطن، من لا يستهضم ابن المر نفسه. ومع ذلك، يساهمون في تمويل ودعم «التدريب على الديموقراطية» في الإعلام اللبناني، وفي برنامجك بالتحديد. وهل تعتقد أن الوثائق التي تكشف عمليات التمويل والتجنيد، ولو صُنّفت على أنها فائقة السرية، عصية على أن تصبح متاحة بفعل قوانين وقواعد وأعراف… وفوق ذلك بقدرة وإصرار من يريد أن يعرف أيضاً…

ألم تسأل نفسك يوماً، أو هل حاولت أن تعرف، عن مصير الداتا التي تخص كل من يريد المشاركة في البرنامج حضوراً أو مساهمة في صفوف الجماهير – عفواً الجمهور. لن أسألك عن كيفية الاختيار بينهم، لكنني أسألك إن كنت تعلم بمصير الداتا – وما هو أكثر – التي تحوي الأسماء وأرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني الخاصة بهم، والتفاصيل الخاصة بميولهم السياسية وطوائفهم ومذاهبهم وتعليمهم وأين يعيشون وماذا يعملون؟

هل فكرت من يستعمل هذه الداتا، وكيف صُرف جزء منها في حراك تشرين وما بعده في المجموعات التي نبتت كالفطر، و«صودف» أن الثائر الأممي ديفيد شينكر، ومن سبقه وخلفه، ظلوا يعملون على الاستثمار فيها؟

ألا تعرف أن كل البرنامج الأميركي عندما تقرر تفعيله في لبنان وتمت ترجمته إعلامياً عبر أشكال مختلفة في مقدمها رعاية «قنوات الفتنة»، كانت المهمة وحيدة، وعنوانها أوضح من الشمس: شيطنوا حزب الله وما يسمى المقاومة وأنصارها، واضربوا التيار الوطني الحر من ميشال عون وجبران باسيل إلى آخر نصير لهم، واصرخوا عالياً، ولو شمل سبابكم غالبية الشعب اللبناني.

لماذا يهتاجون لتحقيق هذا الهدف، وهل من مشكلة عندهم مع المقاومة غير أنها تهزم إسرائيل وتقاوم بقية الهيمنة الأميركية في بلادنا، وتتصدى لشياطينهم؟

وهل أنت مقتنع فعلاً بأن برنامجك لم يتحول منصة لشعارات وأحقاد تعيدنا إلى أيام المحافظين الجدد الذين أرادوا تغيير وجه الكون بعد 11 أيلول؟ ولا بأس لو سُمح لك، نعم لو سُمح لك، بتلوين المشهد بأصوات «الرأي الآخر»، على طريقة ما فعلته القنوات التي فتحت باب التطبيع مع العدو. أم أنك تصدق الرواية عن تدريب الشباب اللبناني على الحوار والديموقراطية، وصرت تعتقد فعلاً أنك صاحب دور استثنائي لا يقتصر دوره على صداقة الطبقة السياسية، بل على صناعة بديلها أيضاً.

اقرأ الفقرة التالية وابحث عن مصدرها – وأعتقد أنه ليس مستحيلاً عليك العثور عليه، أما بقيتها فجرّب حظك – وفيها يرد الآتي: «يأمل مارسيل غانم والـ mtv بأن نشر ثقافة المناظرة في لبنان وإثبات قدرة التلامذة على النقاش سيفسحا المجال لاستضافة أولى المناظرات في لبنان بين القيادات السياسية الوطنية قبيل الانتخابات النيابية القادمة التي يفترض أن تقام في عام 2022».

أسفي عليك كبير لأنك قبلت أن تكون «برغياً» في ماكينة صدِئة، لن تنفع أموال الدنيا في إعادتها إلى العمل. وإذا كنت لا تجيد القراءة، وهذا أمر غريب عليك، فتذكّر بأن ما أشرتُ إليه في مقالتي عن دور وليد البخاري لا صلة له بالفيديو الذي وُزّع بعد الحلقة. وأنت تعرف أنني لست بالخفة التي تجعلني أصدق كل ما يشاع من هنا أو هناك، ولديّ مثلك، أو أقل منك، خبرة في كيفية إدارة الحلقات عن قرب أو عن بعد. ويمكنك أن تسأل العزيز جورج، الذي حدثته عن الحلقة وعن الفيديو نفسه، وكررتُ على مسامعه ما قلتُه له مرات ومرات من ملاحظات كنت أشعر دوماً أنني ملزم بها من باب الحرص. وأقرّ هنا، علناً، بأنني أهملت من تسريبات «أقبية السوء» في ممالك القهر والإذلال، ما كتبه سفراؤهم أو نسبوه إلى غيرهم، قولاً وتوصيفاً وتقديرات… أهملتُ عن وعي كل ما قد يشكّل إساءة لك، وخاصة أنني أحفظ للراحلة والدتك، ولو عن بُعد، مكانتها الخاصة، كما حفظت الودّ لجورج ودوللي، ولك أيضاً.

أما وأنك تلبّستَ دور البطل القادر على هزم جيوش وتحرير البلاد وقيادة العباد إلى الصالح، وقررتَ دخول معركة تستخدم فيها ما تعتقد أنه حق لك، واستلّيت من الكلام سيوفاً أثقل من قدرتك على حملها، وشتمت وحقّرت واستخدمت ما وجدته مناسباً في القول والنبرة والاتهام… فلا مانع من المنازلة.

لكن، نصيحتي لك، احصر معركتك معي ومع «الأخبار»، ولا تقحم حزب الله في الأمر. وأنت، كما جورج، والبقية، تعرفون جيداً على أي أرض أقف أنا ورفاقي. كل ما أنصحك به هو التالي: واجهني مباشرة، وها أنا أبلغك مسبقاً بأن ليس في مقدورك اختيار المسرح والتوقيت والطريقة. وبما أننا نعمل في منصات تمثل كل أسلحتنا، فدعوتي لك بأن تكون في المرات المقبلة أقل توتراً وأكثر استعداداً!

مقالات متعلقة

تعلموا الديموقراطية في السعودية؟

27.10.2021

تعلموا الديموقراطية في السعودية؟ 

ابراهيم الامين – صحيفة الاخبار

الديموقراطية، وفق القاعدة التي تديرها السعودية، تقول إن ما يرضي قياداتها هو رأي حر يجب احترامه، وما يعاكسها أو يخالفها هو اعتداء على سيادتها. وليست هذه حال السعودية فقط، بل حال كل مجانين إمارات القهر والموت، من السعودية إلى الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة. لكن المأساة أن صبيان هذه الدول، عندنا، يتبنّون هذه القاعدة في محاكمتهم كل من يخالفهم الرأي. ويُظهرون حساسية منقطعة النظير لإدانة كل من ينتقد هذه الدول المحكومة بقوانين القرون الوسطى، ولا يصدر منها – ولم يصدر يوماً – سوى الموت والقهر.

قامت الدنيا ولم تقعد لكون وزير الإعلام جورج قرداحي عبّر، قبل توليه منصبه الحكومي، عن رأيه الشخصي في مسائل خلافية قائمة في العالم العربي، وقال ما يؤمن به كثيرون في هذا العالم: إنه ضد الحرب الكونية التي هدفت إلى تدمير سوريا، وضد الحرب العدوانية على اليمن، وإنه مع المقاومة.
يا لطيف!
ما الذي يجب أن يحصل؟
أحزاب وقوى وشخصيات وسياسيون ومثقفون وإعلاميون انتفضوا لكرامة حكومات الموت في ممالك الصمت طالبين رأس الرجل، فقط لأنه ممنوع انتقاد أحد مثل الدبّ الداشر محمد بن سلمان الذي قطّع الصحافي جمال الخاشقجي، والذي وصفه سعد الجبري، في محطة أميركية، بأنه ولد مجبول بالحقد، ومهووس بقتل منافسيه وخصومه، وأنه خطط يوماً لقتل الملك عبدالله بخاتم مسموم، وأنه، كما حكام الإمارات، لا يترددون في مطاردة خصومهم من أبناء بلدهم في أي مكان في العالم لقتلهم، أو خطفهم في أحسن الأحوال.
كل الإعلام اللبناني، ما عدا «الأخبار»، لم يجرؤ على انتقاد هؤلاء القتلة الذين يفتكون بشعب اليمن كما فعلوا في سوريا. هلا تراجعون كم أنفقت قطر على الإرهابيين الذين دمروا سوريا، وكيف تنافس حكام قطر والإمارات على سرقة آثار العراق وسوريا بعد تدميرهما والعبث بأمن شعبيهما. وهلا يشرح لنا هؤلاء ما الذي كانت قوات هذه الدول تفعله في اليمن منذ نحو عقد، مع ست سنوات من القتل اليومي.
إنه «الغضب الإلهي» على رجل قرّر أن يعلن رأيه، من دون الدعوة إلى إطاحة هؤلاء القتلة أو المطالبة بمحاسبتهم. ومع ذلك، يريد مسؤولون عندنا، إلى جانب جيش المرتزقة من إعلاميي تركي آل الشيخ وطحنون بن زايد وتميم بن حمد وأزلام حكام الكويت، إعدام جورج قرداحي لأنه انتقدهم… وكل من يقود هذه الحملة يذكّرنا بأن هذه الدول إنما تستضيف مئات الآلاف من اللبنانيين الذين من دونهم لا نأكل ولا نشرب.
ما من داع لكثير من النقاش مع هؤلاء. بل يجب تذكيرهم، وتذكير حكام إمارات وممالك القتل والقهر وأزلامهم هنا، بأن الصمت هو أفضل ما يقومون به. أما جورج قرداحي فهو حر في ما يقول. وفي ما يؤمن به. هو حر. ونقطة على السطر.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

سهيل عبود وطارق البيطار يشعلان الشارع وسط غليان طائفي: انفجار يهدّد الحكومة وخراب يهدد البلاد

الخميس 14 تشرين الأول 2021

ابراهيم الأمين

لا يبدو أن هناك عاقلاً يمكنه التحكم بأفعال المحقّق العدلي طارق البيطار. الرجل فقد عقله، ويتصرف وكأن وحياً نزل عليه للقيام بما يخلّص البلاد، ويتصرف بلامبالاة مطلقة، ليس إزاء الآراء المنتقدة لسلوكه القضائي فحسب، بل وأيضاً تجاه القضاء نفسه، ويبدي ثقة عمياء بأن أحداً من القضاة لن يجرؤ على المسّ بموقعه.

أكثر من ذلك، يراهن البيطار ندماءه، من إعلاميين وناشطي جمعيات، على أن ما من أحد في لبنان قادر على تنحيته أو إجباره على التنحي، وأنه سيستمر في استدعاء كل من يعتقد أنه يجب أن يخضع له، بما في ذلك أرفع السياسيين… فكيف إذا ما حظي بمباركة ممثل الإله البطريرك الماروني بشارة الراعي، وضمانة المرشح الفرنسي لرئاسة الجمهورية رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود، وحصانة في لبنان وخارجه توفّرها له دول عدة من أميركا إلى فرنسا وبريطانيا.

(هيثم الموسوي)

المشكلة أن البيطار ليس وحده في هذا المسار غير العقلاني في إدارة ملف قد يقود البلاد ليس إلى تعطيل الحكومة، وإنما إلى حرب أهلية حقيقية. بل معه فريق يضم قضاة كباراً – بينهم من يجلس في مجلس القضاء الأعلى – ممن يلهجون بـ«حصانة القضاء»، وهم الذين يدينون للسلطة السياسية في وصولهم إلى مناصبهم. كما أن إلى جانبه كل الفريق السياسي المعارض للمقاومة، من أحزاب وشخصيات و«صيصان سفارات» منتشرين على شكل فطريات تسمي نفسها «المجتمع المدني». ومعه، أيضاً، فريق إعلامي تديره السفارات الأميركية والفرنسية والإماراتية والسعودية. وهاجس هؤلاء جميعاً هو السير في تحقيق قضائي غامض وإجراءات ملتبسة تهدف إلى واحد من أمرين:

إما القبول بوجهة البيطار التي تستهدف، عملياً، فريقاً سياسياً بعينه.
أو تجهيل الحقيقة وترك اللبنانيين رهينة حرب الإشاعات التي يريد الأميركيون وفريقهم في لبنان استثمارها في الانتخابات النيابية المقبلة.

يحصل ذلك، وسط سجال يراد أن يكون له بعده الطائفي. إذ تسود البلد مناخات تريد اعتبار المشكلة القائمة اليوم بين مسيحيين ومسلمين. ولا يقتصر الأمر على الشعارات والمواقف، بل يشمل ترهيب الجسم القضائي والسياسي والأمني، بما في ذلك إثارة مناخات طائفية بقصد إحراج قوى حليفة للمقاومة، ولا سيما التيار الوطني الحر وتيار المردة.

من جانب الثنائي الشيعي، كان قرار الطلب من الحكومة بت الأمر قبل بحث أي عنوان آخر، مدخلاً لنقاش يستهدف وقف التسييس، لا التدخل في تعيين قضاة أو تنحيتهم. حتى أن الرئيس نبيه بري أبلغ وزير العدل هنري خوري، أمس، أن المخرج المطلوب هو توفير ضمانة بأن يحترم المحقق العدلي الدستور والقوانين لا أن يتجاوزها، سائلاً إياه: «كيف يعقل إدارة ملف بهذه الحساسية، من دون أن تكون هناك هيئة قادرة على مساءلة هذا القاضي، في وقت يتجاوز أبسط القواعد الدستورية ويفرض نفسه فوق سلطة المجلس النيابي؟».

وقد زار وزير العدل أمس بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ساعياً باسم الرئيس ميشال عون إلى إيجاد مخرج يضمن وضع ضوابط توقف مخالفات البيطار، وتحول دون تعطيل الحكومة، خصوصاً بعدما قرّر وزراء تحالف حزب الله – أمل – المردة تعليق مشاركتهم في جلسات الحكومة في حال رفضت البت بالأمر. فيما جرت على الهامش اتصالات لمعالجة مسألة شكلية تتصل بامتعاض رئيس الجمهورية من طريقة تحدث وزير الثقافة محمد مرتضى في جلسة أول من أمس، وهو أمر تمت معالجته مع استمرار تفويض الثنائي الشيعي لمرتضى التحدث باسمه في أي جلسة للحكومة تعقد لمعالجة الملف.

الفريق المتضرر من أداء البيطار مستعد للذهاب إلى أبعد الحدود ولن يقف عند خاطر أحد


المؤشرات السياسية توحي بمناخات سلبية، لكن أحداً لا يتحدث عن أبواب موصدة، لأن عدم معالجة المشكلة سيتسبّب ليس فقط بتعليق عمل الحكومة بل في تعطيلها، ما ينعكس سلباً على البلد كله، لأن عدم قدرة الحكومة على معالجة ملف متفجّر وحساس، يعني أنها لن تكون قادرة على حسم أي ملف. ويدرك رئيس الحكومة أن الاعتراض سيطيح أي توافق على قضايا شديدة الحساسية هي موضع نقاش الآن، من مشروع استجرار الغاز المصري والسؤال عما يثبت أنه ليس إسرائيلياً، إلى ملف المشكلة المالية ومصير رياض سلامة وضرورة تصفية المصارف المتسببة بسرقة ودائع الناس ومحاكمة المسؤولين عنهم، إلى ملف ترسيم الحدود البحرية الذي تريد الولايات المتحدة علاجاً سريعاً له، وصولاً إلى الملف الأكثر حساسية المتعلق بالاتفاق على التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي لن يمر من دون اتفاق، ولو اقتضى الأمر هزة شعبية كبيرة جداً في البلاد، مع رفض مسبق لكل أفكار ميقاتي حول رفع الضرائب وتقليص القطاع العام وإعادة فتح ملف الخصخصة وحتى التفكير في استخدام الذهب أو تسييله لسداد الدين الخارجي قبل الداخلي…
الفريق المتضرر من أداء البيطار مستعد للذهاب إلى أبعد الحدود، ولن يقف عند خاطر أحد هذه المرة. هذه هي الأجواء التي تسود ليس قياداته فقط، بل قواعده التي تعيش تعبئة غير مسبوقة. وكل المناقشات أمس انتهت إلى الاتفاق على عدم القيام بتحرك يتسبب بذعر كبير، والاقتصار على تحرك «رمزي» و«أولي» أمام قصر العدل، بمشاركة بضعة آلاف من الطلاب والنقابيين، يتقدمهم حقوقيون سيدلون بتصريحات ذات طابع قانوني يفنّد مخالفات المحقق العدلي.
في الجهة المقابلة، ووسط مخاوف من حصول مواجهات على الأرض، وبعدما تدارست قوى الفريق الآخر الأمر، وبسبب خشية المجموعات المدنية من عدم قدرتها على توفير حشد مناسب، وحصول انقسام بين أهالي الضحايا، ورفض كثيرين الدعوات إلى حراك شعبي تتزعمه القوات اللبنانية التي عملت وحداتها الحزبية على إطلاق النفير في الأشرفية وفرن الشباك وعين الرمانة… أتت «التعليمات» بالتراجع والعمل على بديل بالدعوة إلى إضراب عام، باعتبار أن تحركاً من هذا النوع قد يجد تجاوباً ولا يقود إلى مواجهة قد تأخذ البلاد إلى تطورات «ليست في حسابات السفارات»، على حد تعبير مسؤول أمني بارز أبدى خشيته من عدم قدرة القوى الأمنية والعسكرية على ضبط الأمر في حال التصعيد على خلفيات طائفية، وذلك بعدما بدأت مجموعات تابعة للقوات اللبنانية عمليات تعبئة في عدد من المناطق وحركة رفع للصلبان في مناطق عدة في بيروت وتوزيع رسائل صوتية تدعو إلى الاستعداد للمواجهة. علماً أن نائب القوات عماد واكيم نفى لاحقاً أي تحرك لعناصر القوات اللبنانية في الأشرفية.
في سياق الاتصالات، يبدو أن الأمر يحتاج إلى نقاش جدي مع الرئيسين عون وميقاتي، خصوصاً أن الأخير أظهر تفهماً لإيجاد مخرج في جلسة أول من أمس. ونُقل عنه تلقيه اتصالات «خارجية» تحذره من مغبة «الوقوع تحت ضغط حزب الله واستفزاز مشاعر الناس»، فيما سادت الأوساط الحزبية القريبة من الرئيس عون مناخات تدعو إلى التنبه من أن الأخذ بمطالب الفريق المتضرر قد تنعكس سلباً على قواعد التيار في خضم التحضير للانتخابات النيابية المقبلة.

تعليمات لداعمي البيطار بعدم الذهاب إلى مواجهة قد تأخذ البلاد إلى تطورات «ليست في حسابات السفارات»


الرئيس عون استقبل موفدين شرحوا له حقيقة موقف الثنائي الشيعي، وقيل له صراحة إن حزب الله وحركة أمل ليسا في صدد إحراجه أو الضغط عليه أو على رئيس الحكومة. لكن الأمر لا يتعلق بحسابات موضعية، بل بموقف حاسم من قضية قد تقود البلاد إلى انفجار يطيح الحكومة ويعطّل ما تبقّى من ولاية العهد بصورة نهائية، ويترك الشارع لحالات شعبوية ستصيبه قبل غيره.

وسمع الرئيس عون والنائب جبران باسيل أنه لا يمكن الامتناع عن القيام بخطوة تعالج الأزمة بحجة عدم المساس بالقضاء، كما أنه لا يمكن التعامل مع هذا الملف بازدواجية، فيكون عون هو رئيس جلسة مجلس الدفاع الأعلى الذي يمنع ملاحقة اللواء طوني صليبا، بينما يدعو باسيل إلى رفع الحصانات عن الآخرين من وزراء ونواب.

رئيس الجمهورية الذي لا يريد أن تذهب البلاد إلى مواجهة مدمرة، ويعرف جيداً حقيقة الموقف الحاسم لحزب الله على الأقل، بادر إلى ورشة اتصالات، بدأت بالاتفاق مع الرئيس ميقاتي على تأجيل جلسة أمس، والطلب إلى وزير العدل زيارة مرجعيات لمناقشتها في المخارج الممكنة، والبحث في طريقة التعامل مع مجلس القضاء الأعلى، وخصوصاً رئيسه الذي صار الجميع يتعامل معه أخيراً على أنه بوجهين: يقول للوزير شيئاً، ويقول للقاضي البيطار شيئاً آخر. ووصل الأمر بجهة سياسية مسيحية بارزة إلى مصارحة عبود بأنه قد يكون مسؤولاً عن التجييش الطائفي وحتى عن عملية ترهيب للقضاة، وسأله زواره: «ما هي الأسباب التي تجعلك تختار قضاة من طائفة معينة لتولي دراسة طلبت الرد أو كف يد المحقق العدلي، وأنت تعلم أنهم عرضة لضغط على خلفية طائفية؟». علماً أن عبود نفسه كان لجأ مرات عدة إلى البطريرك الماروني لبحث الأمر نفسه، ناهيك عن أنه ينسق خطواته مع جهات غير لبنانية يعرف مسبقاً أن لديها برنامجاً يقتصر على بند واحد: ضرب المقاومة!

عملياً، تدخل البلاد اليوم مرحلة جديدة من المواجهة السياسية على خلفية ملف تفجير مرفأ بيروت. ويبدو أن بين القوى السياسية والشخصيات المعنية بالملف من لم يفهم جيداً واقع الأمور في البلاد اليوم، ومن ضمنها القوى التي تحرص على الظهور بمظهر «الحياد»، كالحزب التقدمي الاشتراكي الذي يمضي رئيسه وليد جنبلاط إجازة في الخارج. إذ إنه أعطى الضوء الأخضر لنواب في كتلته باستخدام الملف للهجوم على الرئيس عون وحزب الله في سياق التعبئة الانتخابية. واللافت، هنا، أن جنبلاط يتجاوز للمرة الأولى حليفه الرئيس بري الذي سيكون أبرز المتضررين من كل هذا الملف.


المفتي والبطريرك والتحقيقات


وعد البطريرك الماروني بشارة الراعي وفداً من دار الفتوى، ضمّ الشيخ خلدون عريمط والباحث محمد السماك وآخرين بأن يعرض وجهة نظر المجلس الشرعي الإسلامي من ملف التحقيقات في مرفأ بيروت على مجلس المطارنة في أقرب فرصة من أجل العمل لمنع تفاقم الخلافات السياسية التي تأخذ طابعاً طائفياً.

وكان المفتي عبد اللطيف دريان قد أوفد الى الراعي من يشرح له خطورة ما يجري في ملف التحقيقات، ويسلّمه نسخة عن موقف المجلس الشرعي. ويجري الحديث عن موقف متوقع لدار الإفتاء متابعة لقرار المجلس الشرعي، وخصوصاً بعدما برزت مواقف خجولة للقيادات السياسية التي تدور في فلك الدار، وبعدما ران الصمت على موقف الرئيس سعد الحريري ونادي رؤساء الحكومات الذين يبدو أنهم يراعون متطلبات التعبئة الخاصة بالانتخابات، علماً بأن هناك احتقاناً في بعض أوساط دار الفتوى من أداء بكركي، وخصوصاً بعدما تبيّن أن إدارة الدار كانت قد طلبت من المشرفين على احتفال 4 آب الماضي التنسيق لحضور ديني مشترك، وأن لا يقتصر الأمر على قدّاس حتى لا يبدو وكأن الجريمة تستهدف طائفة دون أخرى. إلا أن الدار لم تتلقّ أي جواب من دوائر بكركي.


مجلس النواب: تحرك لاستعادة الصلاحية

وجّهت الأمانة العامة لمجلس النواب كتاباً الى وزارة الداخلية والبلديات، أشارت فيه إلى أنه «لما كان المجلس النيابي قد أبلغ النيابة العامة التمييزية بواسطة وزارة العدل ولأكثر من مرة موقفه من ملاحقة الرؤساء والوزراء يعود الى المجلس النيابي والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وفقاً للمواد ٧٠ – ٧١ و٨٠ من الدستور، ولما كان المجلس قد باشر السير بالإجراءات اللازمة في ما يتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت، ولما كان هذا الأمر لا يعود اختصاصه للقضاء العدلي، وبالتالي فإن أي إجراء من قبله يتعلق بأحد الرؤساء والوزراء والنواب يعتبر تجاوزاً لصلاحيته».

وبحسب المعلومات، فإن «مجلس النواب بصدد التحضير لجلسة مستقلة يكون ملف المرفأ البند الوحيد على جدول أعمالها، على أن يعاد طرح كتاب المحقق العدلي السابق فادي صوان، باعتباره كتاباً قائماً».

وكان صوان قد طالب المجلس باتخاذ ما يراه مناسباً بشأن مسؤولية وزراء عن إهمال «ما» ساهم في وقوع انفجار المرفأ. ورأى صوان يومها في رسالته، أنه بعد أشهر من حصول التفجير، لم يقُم البرلمان بأي دور. وقال إنه بناءً على التحقيقات التي أُجريت، «ربما تكون هناك شبهة إهمال» من قبل مسؤولين ووزراء تعاقبوا على وزارات المالية والأشغال والعدل، وأن على مجلس النواب «القيام بما يراه مناسباً وفق مادتين من الدستور». الأولى هي المادة 70 التي تنص على أن «لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلا بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس»، والثانية المادة 71 التي تنص على أن «اﻟوزﯾر اﻟﻣﺗﮭم يُحاكم أﻣﺎم اﻟﻣﺟﻟس اﻷﻋﻟﯽ لمحاكمة الرؤساء والوزراء».

لكن مصادر متابعة لاحظت أن خطوة المجلس النيابي قد تحافظ على فكرة الاستنسابية في حال قررت حصر الدعوى بالأسماء الذين ادّعى القاضي البيطار عليهم، وبالتالي صار واجباً على رئيس المجلس إيجاد المخرج الذي يجعل الادّعاء أو المحاكمة تشمل كل مسؤول تعاقب على المواقع الرئيسية المعنيّة بالملف، من رؤساء للجمهورية والحكومة وجميع وزراء الوصاية المختصين من دون استثناء.


دياب عاد الى بيروت

عاد الرئيس حسان دياب إلى بيروت مساء أمس بعد زيارة عائلية للولايات المتحدة استمرت نحو شهر. ومعلوم أن هناك مذكرتي إحضار أصدرهما في حقه المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، وقد دان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في كلمته الأخيرة استقواء البيطار على رئيس الحكومة السابق.


مخارج للنقاش والبيطار على موقفه

بحسب المعنيّين، فإنّ المخارج التي جرى التداول بها حتى مساء أمس لم تتجاوز فكرة التوافق على آليّة لا تحقق هدف وقف الاستنسابية، ما استدعى مزيداً من البحث وتأجيل جلسة الحكومة أمس. وكان الجميع يترقّب قرار رئيس محكمة التمييز القاضي ناجي عيد بشأن الدعوى الجديدة لرد القاضي البيطار. إلا أنه لم ينجح في عقد جلسته أمس لعدم توفر النصاب بسبب غياب العضو رنا عويدات التي يعتقد أنها ستعلن اليوم تنحّيها عن القضية. وسط أجواء توحي بأن عيد، بضغط من رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود (المرشح الفرنسي لرئاسة الجمهورية)، يستعد لإصدار قرار برد طلب المدعى عليهم.

ومعلوم أن هناك ثلاث دعاوى مقدمة ضد البيطار أمام محكمة التمييز، ارتياب مشروع ودفوع شكلية وطلبات رد. ولذا يجب أن يكون هناك قضاة قادرون على اتخاذ موقف جريء، بدل التهرب من المسؤولية بحجة عدم الصلاحية. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن الوزير علي حسن خليل الذي صدرت في حقه مذكرة توقيف غيابية قد يتقدم في اليومين المقبلين بطلب أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز لتحديد الجهة القضائية التي لها صلاحية البتّ بالدعاوى المقدّمة ضد البيطار.

الى ذلك، طُرح على وزير العدل هنري خوري الطلب الى مجلس القضاء إعادة النظر في تكليف القاضي البيطار وتسمية خليفة له، أو تقديم ضمانات لاحترام الآليات القانونية والدستورية لمنع التورط في أي استثمار سياسي للملف. ومع ضعف الثقة برغبة عبود القيام بذلك، طرح مخرج آخر قد يكون صعب التحقيق، وهو مبادرة مجلس الوزراء الى استرداد الملف من أصله من المجلس العدلي وإحالته الى محاكم أخرى تحترم أصول المحاكمات والاختصاصات.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المغامرة الجديدة لضرب المقاومة في لبنان

الخميس 19 آب 2021

ابراهيم الأمين

المغامرة الجديدة لضرب المقاومة في  لبنان
واشنطن تهدّد المسؤولين والشركات والمؤسسات بالعقوبات إن سهّلوا دخول المشتقات النفطية الإيرانية إلى لبنان (أ ف ب )

لم يكن يوم السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا عادياً نهار الرابع من آب الماضي. لكنها في ساعات الليل، غالبت نفسها وحاولت التخفيف عن فريقها بالقول: «كان من الجيد أننا لم نرسل تقديرات بناء على ما قاله لنا المنظّمون، وإلا لكنا وقعنا في فضيحة»!

الفضيحة، بحسب شيا، كانت عنوان اجتماع دعت إليه السفيرة ممثلي نحو 16 جمعية «مدنية» أنفق الأميركيون عليها أموالاً طائلة، وساندوها بحملة إعلامية ضخمة نظّمتها تلفزيونات طحنون بن زايد («أل بي سي» و«أم تي في» و«الجديد») ومواقع إلكترونية وعشرات الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي.

وكان ممثلو هذه الجمعيات قد أعدّوا برنامجاً لنشاط جماهيري قال بعضهم للأميركيين إنه سيحشد مليون لبناني على الأقل، ستتقدّم ثلة منهم وتقتحم مجلس النواب وتعلن السيطرة على البرلمان قبل السيطرة على السراي الحكومي. وهي فكرة أقرّ ناشطون بأنهم عملوا عليها، لكنهم اتهموا زملاء لهم بالخوف والجبن. لكن الفكرة من أساسها كانت مصدر قلق للأميركيين، باعتبار أنه عندما تسمّرت شيا وفريقها أمام الشاشات، لم يعثروا على المليون. وهذا ما دفعها في الاجتماع الذي عقدته في مكتبها في السفارة إلى وصف ممثلي «الثورة الإصلاحية الكبرى» بأنهم فاشلون، ويتحمّلون مسؤولية ما حصل، وأن أكثر ما قدروا عليه لا يتجاوز بضعة آلاف (حصل جدل لاحق حول تقديرات القوى الأمنية لحجم المشاركين في نشاط 4 آب، إذ تم التمييز بين الحشد العام، وبين الذين شاركوا في قداس البطريرك الراعي، وبين من خرجوا من الساحات فور اندلاع المواجهات، وينقل عن مسؤول جهاز أمني رفيع قوله إن المليون الذين انتظرتهم شيا لم يحضر منهم سوى عشرة آلاف على أكثر تقدير).

المهم، بالنسبة إلى السفيرة الأميركية، هو برنامج العمل للمرحلة المقبلة. وهي قرّرت مصارحة الحاضرين بأنه ستكون هناك من الآن وصاعداً رقابة على ما يقومون به. وكرّرت لهم أن ثقة بلادها أكبر بأهمية إنفاقها على الجيش اللبناني وكيفية التعامل مع قوى الأمن الداخلي، وأن واشنطن لا تزال تراهن على المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاضعة لبرنامج التعاون – التمويل، لكن صار من الضروري الانتقال إلى جدول أعمال أكثر وضوحاً: من الآن وصاعداً، مهمتكم محصورة في بند واحد، وهو تحميل حزب الله مسؤولية كل خراب يحصل في البلاد، وأن الحل هو باستسلام حزب الله. والضغط يجب أن يكون على كل من يتعامل معه.

وثمة كلام خطير قالته شيا أمام الحاضرين عن التحقيقات في جريمة مرفأ بيروت. وربما من الضروري أن يوضح المحقق العدلي ما إذا كان صحيحاً أنه يعقد اجتماعات مع سفراء عرب وغربيين وممثلين عنهم، وفي مقدمهم السفيرة الأميركية نفسها.

لكن شيا لم تتوقف عند هذا الحد. المراجعون لإدارتها في واشنطن مباشرة، سمعوا كلاماً عن ضرورة تشكيل الحكومة. لكن مهمة شيا ترتبط بمواجهة حزب الله. وهي مضطرة الآن لمواجهة التحدي الأبرز المتعلق بقرار حزب الله إدخال نفط إيراني إلى لبنان للمساعدة في مواجهة أزمة المشتقات النفطية. وهي، لذلك، قصدت نهاية الأسبوع الماضي الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي وقائد الجيش العماد جوزيف عون. وبعدما تلت معزوفة حماية لبنان وأمنه واستقراره وضرورة تشكيل حكومة مستقلين، عادت لتقول بأن هناك أهمية كبرى لضبط الحدود. وحتى لا يفهم المستمعون أنها تشكو من تهريب محروقات من لبنان إلى سوريا، أوضحت أن إدارتها «لن تكون مسرورة من أي مخالفة للقوانين الدولية أو قرارات العقوبات، وأن من يقدم على مخالفة من هذا النوع سيكون عرضة للعقوبات المباشرة».

طبعاً لم يكن ما قصدته شيا يحتاج إلى شرح لأن الكل يعرف، من الرئاسات القائمة أو المستقيلة أو المكلفة مروراً بالوزراء والنواب والمصارف وصولاً إلى الشركات العاملة في حقل النفط ومشتقاته، أن الولايات المتحدة قررت خوض معركة منع وصول أي دعم نفطي إيراني إلى لبنان، سواء عبر البحر أو البرّ أو أي وسيلة أخرى.

كل هذه المقدمة الخبرية الطويلة هدفها الإشارة بوضوح، لا يشبه كل كلام سابق، إلى الدور المباشر الذي تقوده الولايات المتحدة وسفيرتها في لبنان، بمساعدة سفراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وتعاون غير خفي من سفراء دول عربية وأوروبية أخرى. وكل هؤلاء يعملون وفق نظرية واحدة مفادها أن هزيمة حزب الله تحتاج الآن إلى أمرين: فض الحلفاء عنه مهما كانت الكلفة، وخلق التوترات الناجمة عن أزمات معيشية أينما كان ومهما كانت الكلفة.

أنّبت السفيرة الأميركية ممثليها في الثورة على فشل خطة 4 آب وكرّرت طلبها التركيز على خطر حزب الله


قبل 15 سنة. قرر الأميركيون بمساعدة الرئيس الفرنسي الراحل – من دون محاكمة – جاك شيراك (الذي كان يتلو فعل الندامة على غلطته بمعارضة حرب العراق وعدم انخراطه في حرب مباشرة ضد سوريا والمقاومة في لبنان) الشروع في خطة إنهاك لبنان لدفعه، وسوريا، إلى التماهي مع التغييرات الكبيرة التي تلت أكبر عدوان أميركي على العراق. وتظهر وثائق ويكيليكس (النسخة السورية) أنه بدأت في ذلك الحين مشاريع العمل على المعارضة السورية ضد حكم الرئيس بشار الأسد. ولم يكن في لبنان عنوان سوى جمع أركان النظام نفسه، وتخييرهم بين البقاء كما هم لكن تحت المظلة الأميركية – الفرنسية – السعودية، وإما التعرض لضغوطات كبيرة. لم تكن مفاجأة كبرى للفرنسيين والأميركيين عدم موافقة ميشال عون على المقترح. كان الأخير يجد لبنان أمام فرصة استعادة تسوية داخلية كبيرة تتيح بناء حكم مختلف. لذلك قرر الحلف الجديد عزله ومعاقبته. وخرج وليد جنبلاط وسعد الحريري، ومعهما حتى البطريرك الراحل نصرالله صفير، بفكرة أنه يمكن تحييد حزب الله. لكنهم سارعوا إلى تلبية الطلب الأميركي بالضغط عليه، وهو ما دفع برنامج العمل على التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى الحدّ الأقصى مباشرة: تجييش الشارع ضد حلفاء المقاومة وسوريا، اعتقال الضباط الأربعة وترويع كل من يشكك في نزاهة التحقيق الدولي، الشروع في تغييرات كبيرة على مستوى إدارات الدولة، والسعي إلى الفوز بغالبية نيابية تتيح تنفيذ الانقلاب الكبير. ومع تراجع فرص نجاح المشروع، عاد الجميع وقبل النصيحة الإسرائيلية بالتصويب حصراً على حزب الله. فجأة، خرجت الأوراق التي تقول إن حزب الله، لا سوريا، مسؤول عن قتل الحريري. وبوشر الضغط السياسي عبر وسائل كثيرة قامت على فكرة عزل المقاومة، وصولاً إلى ما اعتُبر في حينه تمهيداً مناسباً لشن العدو «العملية العسكرية الساحقة» التي توفر القضاء على قوة المقاومة العسكرية… وهو ما جعل بعض العرصات – ليس هناك من تعبير لطيف أكثر – يتحدثون عن زنزانات جاهزة لاستقبال حسن نصرالله ورفاقه. ومع الصدمة التي أذهلت العالم كله بفشل الحرب الإسرائيلية، قرر الأميركيون رفع مستوى الضغط الداخلي، وتولى ثلاثي الحريري – جنبلاط – مسيحيي 14 آذار الانتقال إلى خطة الهجوم الداخلي، مع مستوى أعلى من التصعيد، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في 7 أيار. ذلك اليوم الذي سبقه إقناع الحريري بأنه يملك جيشاً قادراً على طرد حزب الله من بيروت الكبرى، وأن هناك جيشاً رديفاً ومدداً ينتظره في عاليه والشوف وطريقي البقاع وبيروت قادر على محاصرة المقاومة، وفي اللحظة المناسبة يمكن للجيش اللبناني أن يكون جاهزاً لإدارة استسلام حزب الله… لكنه فيلم أجهزت عليه المقاومة خلال ساعات قليلة. ولم تفشله فحسب، بل أدارت المعركة في حينه بطريقة تمنع إعادة البلاد إلى زمن خطوط التماس والتجمعات المسلحة والمناطق ذات الصفاء الطائفي والمذهبي.

فشل الأميركيون حينها في تدفيع المقاومة في لبنان ثمن انتصارها على إسرائيل بين تجربة العام 2000 والعام 2006. لكن تبدل الخطط العالمية في اتجاه قطع صلة الوصل مع سوريا، جعل العالم في مواجهة جديدة مع حزب الله، وصار لزاماً تدفيعه ثمن الدور الاستراتيجي الذي لعبه في منع إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد، وضرب البنية الاستراتيجية للجهات التكفيرية في العراق. وفوق ذلك، مدّ يد العون – على تواضعها – لليمنيين الذين يواجهون إرثاً استعمارياً عمره أكثر من مئة عام. وفوق كل ذلك، ها هو حزب الله، يلعب دوراً في إعادة لمّ شمل قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، ويلعب دوراً محورياً حتى في المواجهة الأخيرة التي شهدتها فلسطين التي خاضت أكبر المعارك وأكثرها أهمية في «سيف القدس».

اليوم، لا يجد الأميركيون، ومعهم فرنسا وبريطانيا وألمانيا (غريبة الجرأة الألمانية في تولي أدوار قذرة في لبنان، وكأنهم لم يتعلموا من دروس الماضي في مواجهة حركات التحرر العربية، أو لا يعون حجم الثمن الذي سيضطرون لدفعه جراء التزامهم تعاليم الولايات المتحدة وإسرائيل). يجتمع كل هؤلاء، بالتعاون مع السعودية (بكل الحقد الذي يسيطر على عقل قادتها) والإمارات العربية (بكل التوتر الذي يسود قادتها جراء الهزائم المتتالية في أكثر من ساحة)، ويقررون استخدام حيلهم اللبنانية، القديمة منها (أحزاب وزعامات إقطاعية ومرجعيات دينية ومؤسسات أكاديمية)، والجديدة (جمعيات للنشاط المدني من نوع غب الطلب، وأفراد يطمحون لتولي أدوار خاصة وربما يفكرون الآن في كيفية مغادرة لبنان والمنطقة قبل رحيل القوات الأميركية لئلا يصيبهم ما أصاب أقرانهم في كابول)، والهدف وحيد: تنفيذ استراتيجية التوتر في حدودها القصوى ضد حزب الله. في السياسة والحصار الاقتصادي وفي الأمن وفي الاجتماع والتحريض الإعلامي، وفي كل ما يقود، في اعتقادهم، إلى محاصرة الحزب وعزله تمهيداً لمحاولة جديدة يفترضون أن إسرائيل ستكون قادرة على إنجازها في مواجهة المقاومة في لبنان.

مع الأسف، قد نشهد كثيراً من الأحداث التي تعكس هذا الفهم الأميركي للفوضى، من نوع مواجهات دامية في أكثر من منطقة لبنانية، أو حملات إعلامية موتورة، أو حتى إجراءات قضائية (كما يحصل في ملف المرفأ)، إضافة إلى ضغوط أكبر لمنع حصول لبنان على أي نوع من الدعم المباشر أو غير المباشر ما لم يخضع لإدارة الغرب. وغداً ستسمعون أن أي قرش يتقرر صرفه في لبنان من خلال صناديق دولية أو عربية، يجب أن يخضع لإدارة مختلفة. وسيطلب الغرب أن يكون الجيش اللبناني هو الإدارة التنفيذية، وأن يكون ممثلو الجمعيات «المدنية» هم الأدوات المشرفة على الأرض، وأن يكون هناك مراقب من قبل المؤسسات الدولية تصدر عنه الموافقة لصرف أي قرش…

حسناً، ها نحن أمام حلقة جديدة من فيلم أميركي لم يتوقف منذ مئة عام وأكثر، وعنوانه خلق الفوضى لمنع استقرار أي حكم يرفض الهيمنة الأميركية. لكن، من الجيد تذكير كل هؤلاء بأن الخصم الذي تواجهه الولايات المتحدة تعلّم الكثير من دروس الماضي. ويعرف كيف يتعامل مع أبناء جلدته، ويجيد التمييز بين المضلَّل وبين العميل المتورط. لكن، متى حانت اللحظة، فالضربات لا توجه إلا إلى المسؤول الفعلي عن كل هذا الشر…

لنصبر وننتظر!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

MBS Requests Spying on Ghassan Ben Jeddou, Several Figures

19 Jul 2021

By Al Mayadeen

Source: Le Monde

With Israeli spyware Pegasus exposed, Le Monde reveals that Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman requested spying on several politicians and journalists in Lebanon: Who are they?

Visual search query image
Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman

The French daily Le Monde revealed Monday that Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman asked to spy on several Lebanese journalists and politicians, including President Michel Aoun, through Israeli NSO’s spyware Pegasus.

Le Monde added in an investigation published today that several Lebanese political and media figures were victims of a spying attack on Saudi Arabia and the UAE’s behalf between 2018-2019.

Figures included former Prime Minister Saad Hariri, president of the Free Patriotic Movement Gebran Bassil, General Director of the Lebanese General Directorate of General Security Abbas Ibrahim.

The newspaper highlighted that bin Salman also asked Pegasus to spy “on Hezbollah MPs Hassan Fadlallah, and  Ali Fayyad, in addition to the head of Hezbollah’s liaison and coordination unit Wafiq Safa.”

The Saudi Crown Prince also requested to spy on Banque du Liban Governor Riad Salameh and former Minister of Finance Ali Hassan Khalil.

Le Monde also indicated that “Saudi Arabia and the UAE requested spying on two journalists: Ghassan Ben Jeddou and Ibrahim Al Amine.”

According to the newspaper, Pegasus is able to steal content from phones, including WhatsApp and Signal messages.

The Israeli NSO group is the developer of this spyware.

Today, several governments, organizations, media outlets, and unions condemned worldwide spyware attacks carried out through Israeli Pegasus spyware, which targeted activists, journalists, and politicians.

In January 2020, The Washington Post reported, in an extensive investigation, that the UAE and Saudi Arabia were spying on journalists and activists in London and Qatar, through the Israeli Pegasus spyware.

لماذا يتجسّس ابن سلمان و”إسرائيل” على غسّان بن جدو؟

21 تموز 2021

المصدر: الميادين نت

قاسم عز الدين

عصابة ذئاب الليل في الشركات الخاصة للاستخبارات الغربية تدخل إلى غرف النوم التي تستهويها، لكن هوس ابن سلمان وابن زايد و”إسرائيل” الذي مسّ شبكة صيد واسعة خصّ الإعلام والصحافيين الأحرار.

Visual search query image
لا ريب في أن اللائحة المسرّبة حالياً هي مجرّد عيّنة أولية عن مئات الأسماء في لبنان.

بقدرة قادر، تكشف مؤسسة “فوربيدن ستوريز” المغمورة في فرنسا، على لسان مديرتها لوران ريشار (الاسم الفرنسي يوحي باسم مذكّر)، عن تجسّس إسرائيلي على هواتف موالية ومعادية، من بينها هواتف 180 إعلامياً في أكثر من 50 دولة، لمصلحة ابن سلمان وابن زايد وغيرهما.

التسريبات التي عرضت بعضها صحيفة “لوموند” الفرنسية ونقلها الإعلام في لبنان، تذكر أسماء سياسيين ومسؤولين عديدين. ومن بين الإعلاميين، تخصّ غسان بن جدو وإبراهيم الأمين.

إعلام المقاومة الإنسانية الأممية

لا ريب في أن اللائحة المسرّبة حالياً هي مجرّد عيّنة أولية عن مئات الأسماء في لبنان، وربما أكثر. وقد تشمل كل الصحافيين وكل إعلاميي المقاومة ورافضي الغطرسة الأميركية والغربية والاحتلال الإسرائيلي والعدوان السعودي – الإماراتي على اليمن وفلسطين.

ثلاثي محور الحرب، الإسرائيلي – السعودي – الإماراتي، يجنّد في معركة التجسّس الأمنية (إضافة إلى عملاء الاستخبارات والأجهزة الأمنية) أكثر من ألف عميل في شركة “إن إس أو” منذ العام 2016، بينهم حوالى 200 صحافي.

ربما تستوقف بعضهم في تقاريرهم الاستخبارية، جريدة “الأخبار” بخطابها الداعم للمقاومة في بيئة اليسار العربي، وقناة “الميادين” التي شبّت عن التقوقع المحلي والإقليمي إلى مهنية إعلامية تمتد باتجاه مقاومة عالم الجنوب الأرحب. مهندس هذا المسار وربّان السفينة بشعار “مع الإنسان في كل مكان”، يُقلق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المقام الأوّل، والتي تُطلق أيديها الاستخبارات الأميركية والغربية في أميركا اللاتينية وأفريقيا السمراء، فتسرح وتمرح بسردية الخرافات الأسطورية بين الناس الطيّبين.

ولعلّ أكثر ما يحبط التضليل والتلاعب بالعقول، المقاربة التي تعمل عليها “الميادين” بمهنية إعلامية ملتزمة في الخبر والتغطية والحوار وقراءة الأحداث والبرامج… لتقديم رواية تاريخية وثقافية إنسانية عقلانية.

شريكا “إسرائيل” في تحالف الحرب، ابن سلمان وابن زايد، المصابان بعصاب الرهاب المرضي، تقلقهما “الميادين” بتوجّهها فوق الاصطفافات البينية والاحتراب الداخلي، من أجل تحصين الجامع الوطني والقومي المشترك الذي ينمو على تبديده ابن سلمان وابن زايد في نفخ أوار حرب داحس والغبراء العرقية والمذهبية.

ثبات “الميادين” بعزيمة وأناة الصبر الاستراتيجي لإرساء مدرسة الحقيقة في الإعلام المهني الملتزم، يقضّ مضاجع العصاب النرجسي في الرياض وأبو ظبي، والذي توهّم لوهلة، تحت مظلّة ترامب ونتنياهو، أنه صار شاهين.

توسّع “الميادين” فاقم مأزقهم وكشف عن أياديهم الملطّخة بدماء الأطفال والأبرياء في اليمن وفلسطين، بمخاطبة قلوب العالم وعقولهم بلغة الضمير الإنساني ولسان اللغة العربية والإسبانية والإنكليزية الذي يخترق قبَب التوحّش الفولاذية.

عصابة ذئاب الليل تشوبها تباينات افتراس الضحايا

كيف استطاعت مؤسسة لوران ريشار الصغيرة في عالم الاستقصاء الإداري الكشف عن لائحة مستهدفين بالبرنامج الإسرائيلي “بيغاسوس” منذ العام 2016؟ ولماذا تحرّك على الأثر النائب العام الفرنسي ومنظمة “هيومن رايس ووتش” وتحالف 17 مؤسسة إعلامية من المرجح أن تتضاعف أعدادها؟

على الأرجح أنَّ جهات حكومية فرنسية وأميركية في وكالات الاستخبارات تشعر بوصول الموس إلى لحاها، إذ تتخطى شركة “إن إس أو” الإسرائيلية الخطوط العامة المتفق عليها بين الإدارات الغربية والشركات الخاصة التابعة لها.

يبدو أنَّ “إن إس أو” طفحت في اتفاقياتها مع ابن سلمان وابن زايد وغيرهما (المغرب مثلاً) عن الجامع المشترَك في ما يسمى “مكافحة الإرهاب”، والذي ترسم توجهاته الإدارات السياسية، وتوكل خطوطه العريضة إلى وكالات الاستخبارات والشركات الخاصة، ومن بينها “إن إس أو” الإسرائيلية.

كل وكالات الاستخبارات الحكومية الغربية باتت تعتمد منذ عقدين على خصخصة الدولة والأمن (بلاك ووتر) والاستخبارات أيضاً، بحسب النموذج الأميركي. شركات المعلوماتية والاستخبارية الخاصة التي تعمل لمصلحة شركات الاستثمار المتعددة الجنسية، تعمل كذلك مع وكالات الاستخبارات الحكومية بدعم من الإدارات الحكومية، وتبزّها أحياناً بالكفاءة والخبرة التقنية.

شركة “ويست بريدج”، الذراع الأميركية لشركة “إن إس أو”، فلحت مع “سي آي إي” في البيت الأبيض والكونغرس بدعم من ترامب وكوشنر، وتشاركت مع شركة الأسهم الأميركية الخاصة “فرانسيسكو بارتزز مانجمنت”. اتهمت سويسرا استخبارات “سي آي إي” واستخبارات ألمانيا “بي إن دي”، بالاستيلاء على شركة “كريبتو إي جي” السويسرية وشركة “أومنيسك” الأخرى. 

لم تظهر الاختلافات الكثيرة على السّطح، على الرغم من الدلائل والفضائح الأسبوعية، فحلّها الأخوي يجري داخل العائلة الواحدة، لكنّ اتهام الشركة الإسرائيلية باحتمال اختراق هاتف ماكرون وحكومته السابقة والحالية، يدق باب الخطر، وكذلك اتهام “ويتي ويب” باختراق “لوكهيد مارتن” وعدد من الأجهزة العسكرية الأمنية الأميركية لمصلحة “إسرائيل”، بالتعاون مع عملاء سابقين أميركيين وإسرائيليين.

من غير المحتمل أن تصل الحكومات الأميركية والغربية إلى معاقبة “إسرائيل” أو محمد بن سلمان ومحمد بن زايد في العائلة الواحدة، وليس بالضرورة أن تكون التسريبات في لبنان والمنطقة العربية موجّهة ضد “إسرائيل” والسعودية وأبو ظبي، فالدول الغربية معنية بالموافقة على عمليات الموساد “لحفظ أمن إسرائيل”.

قد تكون بعض أهداف التسريب تخويف بعض السياسيين وإسكات صوت بعض الإعلاميين. في كلِّ الأحوال، لم يحرّك غسان بن جدو دافع عرَضي طارئ لهندسة مدرسة “الميادين” الإعلامية، ولن يدفعه إنذار أو تلويح بتهديد إلى تغيير قيْد أنملة عما هو عليه، منتمياً إلى مبادئ وقناعات جُبل عليها مع الحليب وشبّ في تجربة الحياة، لكن عصابة ذئاب الليل تهاجم فريستها في العتمة الكالحة. وقد تخيفها شمعة نور أو نبرة صوت لا يرتعش من أشباح الظلام.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

MBS Used ‘Israeli’ Spyware Pegasus to Spy on Lebanese, Hezbollah Officials – Report

20-07-2021

MBS Used ‘Israeli’ Spyware Pegasus to Spy on Lebanese, Hezbollah Officials - Report

By Staff, Agencies

An ‘Israeli’ software company is revealed to have helped Saudi Crown Prince Mohammad bin Salman [MBS] take over the smart phones of high-ranking Lebanese authorities, senior figures of Hezbollah resistance movement as well as journalists, and spy on their communications.

According to the report published by the French daily newspaper Le Monde, Saudi Arabia’s de facto ruler used the NSO Group’s cell phone-hacking software, Pegasus, to conduct cyber-espionage on Lebanon’s President Michel Aoun, former prime minister Saad Hariri, former foreign minister and leader of the Free Patriotic Movement Gebran Bassil, and Chief of the Directorate of General Security Major General Abbas Ibrahim.

The report added the ‘Israeli’ spyware was abused on behalf of Saudi Arabia and the United Arab Emirates between 2018 and 2019 to spy on some Lebanese political officials and journalists.

Le Monde said the Saudi crown prince also called for espionage on Lebanese lawmakers representing Hezbollah Hassan Fadlallah and Ali Fayyad, governor of Lebanon’s central bank Riad Salameh and former finance minister Ali Hassan Khalil.

The report added that the Riyadh and Abu Dhabi regimes had demanded that two renowned Lebanese journalists, director of Beirut-based al-Mayadeen television news network Ghassan bin Jiddo, and correspondent and political analyst for al-Akhbar Arabic language newspaper Ibrahim al-Amin, be kept under close watch.

Similarly, the United Arab Emirates has apparently deployed digital spyware enabling surveillance of top leaders of Yemen’s popular Ansarullah resistance movement and officials from the administration of former Yemeni president Abd Rabbuh Mansur Hadi.

The Arabic-language al-Khabar al-Yemeni news website reported that Ansarullah’s leader Abdul-Malik al-Houthi and Chairman of the Yemeni Supreme Revolutionary Committee Mohammed Ali al-Houthi were among senior Yemeni officials targeted by the UAE.

According to the report, Hadi was also on the list of targets.

One of the most prominent targets was Ahmed Obeid bin Daghr, the former Yemeni prime minister in Hadi’s government. He was under surveillance since April 2016 until the end of 2018.

Being a highly invasive tool, Pegasus is said to be able to turn on the victim’s cell phone camera and microphone and access data on it, meaning that it can effectively turn the phone into a pocket spy.

The ‘Israeli’ firm NSO has been in the headlines since 2016 when experts said it was helping spy on an activist in the UAE.

The University of Toronto’s Citizen Lab, through a study, has found a link between the NSO technology and political surveillance in Mexico, the UAE and Saudi Arabia.

Victims of the hacking spree included diplomats, political dissidents, journalists and top government officials.

لماذا تخشى «إسرائيل» حرباً جديدة مع لبنان؟

See the source image

ابراهيم الأمين

الإثنين 12 تموز 2021

تلهّي سياسيين أو ناشطين في مناقشة الخلافات الداخلية على طريقتهم، أمر تعوّده الناس منذ قيام هذا البلد المسخ. لكن الأمر لا يستقيم عندما يتصدّى هؤلاء، بالتعاون مع ماكينة إعلامية تحتاج إلى «مطابقة للمواصفات المهنية»، للتعامل مع التدخلات الخارجية كأنها جزء من منازعات قوى السلطة داخل الحكم وخارجه. وحتى الذين يريدون تحديد المسؤوليات عن الأزمة، يسارعون الى رمي كرة النار في حضن اللبنانيين حصراً، بطريقة تبرّر الدور السلبي للحراك الإقليمي والدولي الذي يتحمّل مسؤولية كبيرة، وكبيرة جداً، عن الأزمة وعن تفاقمها في الآونة الأخيرة.

في سلوكيات الدول، إقليمياً وعالمياً، ما يكفي للجزم بأن هذا الخارج لم يكن يوماً يريد لبنان إلا وفق ما يناسب استراتيّجيته. وما نعرفه، بعد كل أنواع التجارب، هو أن ما ينفع إسرائيل يتقدم على كل أمر آخر. وهذا ما يستدعي مراقبة ما يقوله وما يفكر به العدو حيال الأزمة اللبنانية.

تبدو «إسرائيل»، هذه الأيام، منشغلة بالأزمة التي تواجه لبنان، وبتأثير تفاقمها على أمنها «القومي». وتنقل وسائل إعلام العدو تصريحات وتحليلات وتسريبات، عن مسؤولين في قادة الحكومة والجيش والأمن، بأن لبنان دخل مرحلة الانهيار الشامل، وأن هناك «خشية» من أن يتحوّل الانهيار الى «ورقة قوة في يد حزب الله». ومع كل قراءة، يجري الحديث عن التشاور الدائم بين «إسرائيل» وأميركا وأوروبا ودول عربية حول ما يجب القيام به، ليس لمنع الانهيار، بل لـ«منع وقوع لبنان في يد حزب الله».
ما الذي تخشاه «إسرائيل»؟

أولاً، تبدي تحفّظاً عن العلاج السياسي الذي يتطلّب تغطية حزب الله أو موافقته، وتحاول دفع القوى الخارجية المؤثّرة الى خوض معركة إبعاد أي حكومة جديدة عن الحزب ومنع مشاركته فيها. وهي تعتقد بأن مجرد وجود الحزب داخل الحكومة سيقيّدها ويمنعها من القيام بخطوات تناسب متطلبات الغرب. وحصة «إسرائيل» من سلطة المطالب الغربية تركّز على فكرة إمساك الدولة بسلاح المقاومة أو تقييده، وعلى فرض آليات تعاون أمني مع لبنان يوفر الأمن لحدود إسرائيل ويمنع أيّ دعم، ولو سياسي، لقوى المقاومة في فلسطين.
ثانياً، تبدي «إسرائيل» رفضاً دائماً لتسليح الجيش اللبناني بما قد يسمح له بعرقلة نشاطها في الجو أو البحر، أو حتى في البر. لكنها، اليوم، تريد من العالم التدخل لمنع انهيار الجيش، لكن شرط ربط مساعدته بآلية تسمح للغرب بالإشراف المباشر على عمله. وهي تعتبر أن كل فراغ أمني يحصل بسبب تراجع الجيش أو القوى الأمنية سيملأه حزب الله الذي سيتصرف براحة أكبر في حال تفكّك القوى الأمنية والعسكرية.

ثالثاً، تريد «إسرائيل» تعزيز الضغط الاقتصادي والمعيشي على الدولة وعلى الناس لدفعهم إلى انتفاضة في وجه حزب الله. لكنها تخشى أن يعمد الحزب الى استغلال نفوذه الميداني الكبير براً وبحراً، والى استغلال علاقاته وقدراته لتوفير ما يعطّل مفعول الحصار على لبنان. ولذلك، تحاول الضغط كي يلجأ الغرب، بالتعاون مع «عربه»، إلى وضع آليات للإشراف على المساعدات المقترحة للبنان، منها نشر قوات أجنبية ولو على شكل «قوى إسناد» لعملية توزيع المساعدات كما يروّج المغفّلون. ويعتبر العدو أن مزيداً من التورّط الغربي في لبنان سيسمح ليس فقط بممارسة الضغط المباشر على الحكومة، وبالتالي على حزب الله، بل ربما يوفر أيضاً عناصر حماية لقوى ومجموعات لبنانية تخشى المواجهة المباشرة والكاملة مع الحزب. وينبغي لفت الانتباه الى أن جانباً من الضغوط الإسرائيلية الكبيرة على واشنطن لعدم العودة الى الاتفاق النووي مع إيران، يرتبط بتقدير العدو أن رفع العقوبات سيسمح بضخ مليارات الدولارات في الخزينة الإيرانية، وسيجد جزء من هذه الأموال طريقه إلى حزب الله، كما أنه لا يوجد ما يمنع إيران من استغلال جزء من أرباح النفط لزيادة نفوذها في بيروت.

رابعاً، تشهد «إسرائيل» نقاشاً حول طريقة التعامل مع لبنان، وما إذا كان ينبغي الاستمرار بشعار أن كل لبنان رهينة للحزب ويجب أن يدفع الجميع ثمن ذلك، أو العودة الى سياسات الثمانينيات حول وجود إمكانية للتعاون مع قوى في لبنان، أو استغلال الظروف الحالية لخلق بيئة معارضة لحزب الله والعودة الى العمل داخلياً.

قلق العدو من كونه مكبّل اليدين إزاء أي عمل عسكري مكشوف مستمر. لذلك، يبدو منطقياً أن يفكر بعض قادته بأن الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية في لبنان قد تسمح بمزيد من الأعمال الأمنية ــــ العسكرية ضد حزب الله، ربطاً بما لا ينفكّ الإسرائيليون عن ترديده من أن حزب الله، رغم الأزمة الحالية وتعقيداتها، «مستمر في برنامج دقة الصواريخ والتزود بمنظومات دفاع جوي تهدد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سماء لبنان».

وإلى ذلك، كان لافتاً ما نقل أمس عن مصدر أمني إسرائيلي من أن «الوضع القابل للانفجار في لبنان، يقرّب إسرائيل من المواجهة… وحرب لبنان الثالثة مسألة وقت».

ما الذي يعنيه ذلك، ولماذا يفكّر العدو بأن الأمور قد تتطوّر الى حدود نشوب حرب جديدة، وهل يتم الأمر على شكل ما فعله في كل حروبه السابقة، أم أن لديه خططاً تفترض ردوداً قاسية من المقاومة تقود الأمور الى المواجهة… أم أنه يخشى أن يبادر حزب الله نفسه الى شنّ الحرب… وخصوصاً بعدما علّمتنا غزّة أن زمن ابتداء الحروب من جانبنا بات متاحاً؟

فيديوات مرتبطة

مقالات مرتبطة

Hezbollah Officially Announces Providing Palestinian Resistance with Decisive Intelligence Reports during Al-Quds Sword Battle

July 8, 2021

Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Naim Qassem
Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Naim Qassem

Hezbollah Deputy Secretary General Sheikh Naim Qassem stated that the Resistance in Lebanon provided the Palestinian resistance factions with decisive intelligence reports during “Al-Quds Sword” battle, adding that this informational coordination changed the course of the confrontation with the Israeli enemy.

Sheikh Qassem told Al-Mayadeen TV Channel that the intelligence reports Hezbollah provided the Palestinian resistance with exposed the Zionist tricky announcement about launching a ground offensive.

It is worth noting that this is the first time Hezbollah officially announces this coordination with the Palestinian resistance during “Al-Quds Sword” battle.

The editor-in-chief of the Lebanese daily Al-Akhbar, Ibrahim Al-Amin, said during an interview with Al-Manar TV Channel on May 28 that Hezbollah, IRGC, and Hamas established a chamber of military operations in Beirut during the recent Israeli aggression on Gaza.

Al-Amin added that officers from Hezbollah, IRGC, and Hamas coordinated the military confrontation in Gaza, adding that the Commander of IRGC’s Al-Quds Force, General Esmail Qaani, visited Lebanon twice to attend the chamber meetings.

Hezbollah transmitted weaponry and ammunition to Gaza and moved a number of Palestinian Resistance officers out of the Strip during the aggression, according to Al-Amin.

Al-Amin noted that the Islamic Resistance also provided the Palestinian factions with the needed data about the movements of the Israeli occupation military, which frustrated the enemy’s plot to ambush the Palestinian fighters near Gaza border, adding that drones were employed to reach this goal.

On May 10, 2021, the Palestinian resistance waged its battle against the Israeli enemy in response to the Zionist attacks on Al-Aqsa Mosue and plots to expel the Palestinians from Sheikh Jarrah neighborhood in occupied Al-Quds, firing thousands of missiles at the Zionist settlements in most of the Palestinian cities and inflicting heavy losses upon the Zionists. The Zionist enemy insisted on its violations and launched an aggression on Gaza, killing 232 of its civilians and injuring around 1900 others. After an 11-day confrontation, the Palestinian resistance managed to defeat the Zionist aggression and provide Al-Quds City and its sanctities with a considerable protection from the Israeli attacks and violations.

Source: Al-Manar English Website

Related

فلسطين عادت قضيّة عربيّة

ابراهيم الأمين

إذاعة النور | رئيس تحرير جريدة الأخبار الأستاذ إبراهيم الأمين

الإثنين 17 أيار 2021

ثلاثة عقود مرت، وبرنامج العمل الذي تقوده الولايات المتحدة بدعم من دول الاستعمار في أوروبا وتوابعهما من العرب والفلسطينيين، ينجح في جعل القضية الفلسطينية «مسألة إنسانية» تخصّ مجموعة من البشر تواجه مشكلة مع عصابة تستولي على حقوقها المدنية. وتهنا في حروب متنوعة، انتهت الى رفع سقف القوى الحليفة لأميركا داخل العالم العربي ضد التدخل في القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لا تخصّ إلا الفلسطينيين، وإلى تشرذم فلسطيني داخلي على شكل تقسيمات جعلت الفلسطينيين يعيشون في عدة مربعات تواجه كل الأزمات السياسية والاقتصادية والهوياتية، من غزة الى القدس والضفة وفلسطينيّي الـ 48، وصولاً الى أهل الشتات. ولم يكن في العالم أبداً من نصير لإعادة الاعتبار الى القضية الفلسطينية كقضية عامة، تخص العرب والمسلمين وأحرار العالم، إلا قلّة قليلة، حافظت على موقفها ودورها حتى اللحظة، متجاهلة كل الضغوط وكل الإهمال وحتى كل المزايدات الفلسطينية نفسها. وهذه القلّة، لم تعد قلّة، بل صارت قوة كبيرة في المنطقة اسمها محور المقاومة بقيادة إيران!
لم يكن يرد، ولن يرد، في عقل أي منخرط في معركة تحرير فلسطين، أن الدور المركزي سيكون لغير الشعب الفلسطيني. ولم يفكر، ولن يفكر عاقل مهتم باستعادة فلسطين، أن يتصرف بمعزل عن الدور المركزي للشعب الفلسطيني وقوى المقاومة فيه في هذه المعركة الكبرى. لكن ما يحصل بين جولة وأخرى من جولات المواجهة مع العدو، أن يخرج علينا، من فلسطينيين ذوي نزعة انعزالية، ومن عرب جاهروا بتحالفاتهم مع إسرائيل، ومن أصوات في العالمين الإسلامي والغربي، من يعيد على مسامعنا معزوفة: بناء القيادة الفلسطينية المستقلة القادرة على اتخاذ القرار المناسب في المواجهة مع العدو، وتحدد سقف المطالب كما سقف المواجهة.

اليوم، ونحن في قلب معركة قاسية هدفها الواضح والمعلن، تثبيت معادلات تعيد وصل بعض ما انقطع من التواصل السياسي والنضالي بين التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، تعود هذه الأصوات لتخرج على شكل نصائح لقوى المقاومة أو على شكل ضغوط على قوى وقواعد شعبية فلسطينية. وهؤلاء لا يستهدفون فقط حصر القضية الفلسطينية بكتلة ومكان وزمان، بل يسعون أساساً الى إشاعة وهم بأن المقاومة الفلسطينية قادرة من دون عون جدي من خارج الأسوار على فرض معادلات عسكرية وأمنية وسياسية جديدة. هؤلاء الذين تحالفوا مع الشيطان في مواجهة قوى وحكومات من محور المقاومة بذريعة الدفاع عن الشعوب وعن القرار الوطني المستقل، هم أنفسهم اليوم، من يحاولون الإيحاء، بأن المقاومة الفلسطينية قادرة وحدها، من دون دعم وإسناد حقيقيين، على بناء قدرات عسكرية يمكنها قلب المعادلات. وهم يعرفون تمام المعرفة أن الأمر ليس على هذا النحو، وبالطبع ليس المقصود بهذا الكلام تبخيس الجهد الهائل لقوى المقاومة الفلسطينية في بناء القدرات الذاتية، بل المقصود القول بوضوح إن المقاومة في لبنان لم تكن قادرة على طرد الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، أو إفشال حربه في عام 2006 من دون دعم واضح ومباشر وقوي من حكومات محور المقاومة ولا سيما دمشق وطهران. وهذا يقودنا الى تكرار ما قاله يحيى السنوار، قائد حماس في غزة، عن دور قوى وحكومات محور المقاومة في بناء الترسانة العسكرية لكتائب القسام، كما هو ذاته الكلام الذي يقوله قادة «الجهاد الإسلامي» وبقية الفصائل، بما في ذلك جناح رئيسي في كتائب شهداء الأقصى التابع لحركة فتح.

آن الأوان للخروج من الخطاب الانعزالي بحجّة القرار الفلسطيني المستقلّ، والمقاومة خيار وحيد ولا تنتصر من دون سند خارجي


المسألة هنا تتعلق بالمسار المقبل من المعركة. وهو مسار يجب أن يكون واضحاً ومن دون أي محاولة لـ«الزعبرة»، أنه يتعلق بخيار المقاومة المسلحة كورقة أساسية في جعل العدو ينظر الى الأمور بطريقة مختلفة. وهذا يعني أن من غير المتوقع السماح للمتطفلين بالعودة الى لعبة هدفها الفعلي خلق إطار مانع للتقدم خطوة نوعية نحو بناء الجبهة العربية والإسلامية وحتى العالمية الهادفة الى استعادة الحق في فلسطين.

وهؤلاء المتطفلون ثلاثة أنواع:

واحد جرّبناه ولا يزال ينشط باسم السلطة الفلسطينية وبقايا الهيكل المتهالك لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهو يضم جيشاً كبيراً يشمل منظّرين ومسؤولين وأكاديميين ورجال أمن ورجال أعمال ومنظومة اجتماعية لها متفرعاتها داخل فلسطين وخارجها. وهؤلاء يشبهون أهل السلطة عندنا في لبنان الذين لا يغادرون مواقعهم إلا طرداً. وسنشهد نشاطاً لهؤلاء تحت عنوان أنهم البديل من المقاومة مع رهان بأن العدو والغرب سيعطيانهم دوراً من جديد. وهم يعرفون مسبقاً أن الدور الوحيد الذي يريده العدو منهم ليس سوى فتح حرب أهلية ضد قوى المقاومة وجمهورها.

نوع ثان، هو الفريق الذي انخرط في مشاريع التطبيع المباشرة، وهؤلاء يمثلون حكومات ومنظومة مصالح معقدة على أكثر من صعيد. وسيعودون الى النغمة القديمة بأن المقاومة ليست خياراً، وأنه إذا قررت مجموعة ما اللجوء الى المقاومة، فلتفعل ذلك وحدها، وهي تكون مسؤولة عما تقوم به، وأن هذه الجهات ستدافع عن مصالحها، وهي واضحة أنها مصالح متقاطعة مع العدو الإسرائيلي. وسيهوّل هؤلاء علينا بأن المشكلة أصلها وفرعها الخلاف الفلسطيني ــــ الفلسطيني، لنشهد ولادة نماذج جديدة كمحمد دحلان ومن على شاكلته.

النوع الثالث وهو الأكثر خبثاً، ولن يكون الأكثر إعاقة للمشروع الجبهوي الجديد. لكنه الفريق الذي اشتغل خلال العقد الأخير على فكرة «الديموقراطية»، وهو الفريق المنتشر في مختلف الأوساط الثقافية والإعلامية وجماعات النشاط المجتمعي المدني، وتربطه صلات قوية بمراكز القرار المعادي في الغرب كما في عواصم عربية لا تهتم فقط بتهديم دول المقاومة الاجتماعية وقواعدها، بل بجعل قضية فلسطين قضية لا تخص شعوب هذه الدول. وقد أنفقت خلال العقد الماضي مليارات الدولارات، وخصوصاً في دول الطوق، من مصر الى الأردن وسوريا ولبنان وحتى العراق، من أجل إشغال هذه الشعوب بقضايا تشكل هماً حقيقياً عند هذه الشعوب، لكن إدارتها لا تتم على النحو المفترض من قبل هؤلاء. وهذه المجموعات عملت على كل الخطوط، من إعلاء شأن التوترات المذهبية والسياسية وتقديم العنصر الإيراني كمركز خطر يساوي الخطر الصهيوني، بالإضافة الى الجهد غير المسبوق لجعل الناس يتصرّفون على أن ما يجري في فلسطين كأنه يحصل في كوكب آخر، بل أكثر من ذلك، عُمل بقوة في بلدين مثل العراق وسوريا على تحويل الفلسطينيين والقوى الإسلامية منهم على وجه التحديد الى خصوم وإلى شركاء في الأزمات الوطنية التي عاناها البلدان.
يعرف هذا النوع الثالث، والأكثر خبثاً، أن ما شهده لبنان والعراق وسوريا في الأيام القليلة الماضية، لم يكن حدثاً عادياً أو مفتعلاً أو عابراً. في لحظات قليلة، عادت قضية فلسطين وقضية القدس لتكون عنواناً حارّاً، جعل الناس يتعاملون مع نصرة الفلسطينيين كقضية تفكير في كل لحظة. وإذا كان هناك من يحاول ابتزاز قوى المقاومة بضرورة انخراطها المباشر في المعركة، فيكفي القول لهؤلاء بأن التنسيق اليومي جارٍ وقائم ميدانياً بين قيادة المقاومة في غزة وقيادة محور المقاومة من لبنان الى سوريا الى إيران وحتى اليمن. لكن المسألة تتعلق بالموجة الشعبية التي تعيد الاعتبار الى القضية الفلسطينية ليس بوصفها قضية تحتاج الى تضامن إنساني، بل لكونها جزءاً من قضية التحرر التي تحتاج إليها كل هذه الدول للتخلص من عبء الاستعمار الغربي المباشر أو من خلال إسرائيل.

وهذا ما يجعل الناس معنيّين بالقول صراحة:

بعد اليوم، ليس هناك على وجه الكرة الأرضية مَن يمكنه التصرف بالحقّ العام في فلسطين. وإن محور المقاومة، ينظر الى ما يجري الآن من مواجهات عسكرية ومدنية وسياسية بوصفها درساً استثنائياً يبنى عليه للمرحلة المقبلة… وإن خيار المقاومة ليس مطروحاً للتشكيك، بل على أصحاب الخيارات الأخرى البحث عن وسيلة إما لإعادة التموضع بصورة تتطلّب مراجعة حقيقية، أو الاستعداد للابتعاد عن المشهد بفعل قوة الفعل المقاوم نفسه.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

من الخارج إلى الداخل وبالعكس: آل سلمان و«قدر» طهران ودمـشق

ابراهيم الأمين

الإثنين 10 أيار 2021

لن يكون بمقدور اللبنانيين تغيير عاداتهم بصورة جدية. لا في الكلام ولا في الأكل ولا في التصرف ولا حتى بالتفكير. إلى الآن، لا يزال كثيرون يكرّرون عبارات من نوع «لن يتركونا نغرق» أو «الجميع بحاجة إلى لبنان» أو «لبنان رسالة يحتاجها العالم» أو «كلفة انهيار لبنان على العالم أكبر من كلفة إنقاذه»، إلى آخره من النظريات التي تعكس فهماً بالمقلوب لما يجري في العالم من حولنا. ومن يتمسّك بهذا المنطق، يهدف عملياً إلى أمرين:

الأول، عدم رغبته بتعديل طريقة تفكيره أو التصرف وفق منطق حياة جديد.

الثاني، استمرار لعبة التعمية على الحقائق القوية التي قامت بفعل المعارك الكونية في منطقتنا طوال العقد الماضي.

يأتي وزير خارجية فرنسا إلى بيروت، ونشهد استنفاراً سياسياً وإعلامياً وخلافه، لكن أحداً من كلّ الذين تابعوا الزيارة أثناء التحضير لها وبعد حصولها، أو الذين شاركوا في الاجتماعات معه، لا يقدر على أن يعطينا عبارة وحيدة مفيدة. وبدل محاولة فهم خلفية الزيارة وواقع الرجل نفسه، وحجم نفوذ وقوة تأثير بلاده، ننشغل في التأويل والتحليل، الذي يُراد له أن ينتهي على شكل أن في لبنان كتلة تغيير قوية تمثل «الغالبية الصامتة» وهي جاهزة لتسلّم البلاد، بانتخابات أو من دونها…

هو نوع من الهزل. ولكن، من دون أن يبدو الكلام عن مشكلتنا استهتاراً بموقع اللبنانيين الحالي، من الضروري تكرار ما يجب أن يُقال حول حاجة البلاد إلى خارج يساعد على معالجة أزماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذا بحدّ ذاته أمر يعيدنا إلى المربع الأول، حيث الجد مكان المزاح، وحيث حقيقة أن ما يجري في الإقليم، له أثره الأول على الصنف الحالي من أزماتنا. وبالتالي، ينبغي السؤال عن طبيعة القوى الإقليمية والدولية الأكثر تأثيراً في لبنان.

خلال العقد الأخير، ثمة دول لم تعدل بوصة في آلات قياسها للأزمة اللبنانية. لم تغير لا في استراتيجيتها ولا في أهدافها ولا في تحالفاتها ولا في برامج عملها، وأبرز هذه الدول، هي سوريا وإيران وإسرائيل وتركيا. لكن الدول الأخرى باشرت بإدخال تعديلات على استراتيجياتها. هي دول تقودها الولايات المتحدة الأميركية وتساعدها بريطانيا، وأبرز عناصرها السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر. علماً أننا ما زلنا في مرحلة قياس الدور الجديد لدول انضمّت إلى ساحتنا ودورها الذي يزداد فعالية مع الوقت، مثل روسيا أولاً والصين ثانياً.

المحور الذي تقوده الولايات المتحدة دخل مرحلة إعادة النظر في أمور كثيرة، نتيجة المقاصة المنطقية التي أجرتها دوله في ضوء ما حصل في العقد الأخير. هذا لا يعني أن العالم سيتغير، لكن الأكيد أن تغييرات كبيرة ستطرأ على قواعد اللعبة، وأن بلداناً مثل لبنان، ستتأثر كثيراً بهذه التغييرات. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف سيتعامل اللبنانيون مع هذه التغييرات، هل سيصبحون أكثر واقعية ويتخلّون عن البهورات والبهلوانيات والادعاءات والتبجح، وهل بينهم من يبادر إلى تحمل مسؤولية أفعاله في السنوات الماضية، فيبادر إلى الانسحاب أو إعادة التموضع، أو أننا – وهذا هو الأرجح – سنكون أمام فصل جديد من المكابرة والإنكار، الذي يترك أثره على المناخ العام للبلاد، ويقلّل فرص استفادة لبنان من المتغيرات الحاصلة من حولنا.

يرغب الفريق الحاكم بجناحي السلطة والمعارضة باستئناف حياة الاستهلاك، وجلّ ما يريده تمويلاً وديوناً جديدة


يقول دبلوماسي مخضرم يشارك في وساطات دولية، إن مشكلة قسم غير قليل من اللبنانيين، أنه لم يفهم طبيعة التغيير الذي حصل في العقد الأخير حول دور الدول المتوسطة والدول الكبرى. ويشرح كيف أن خطط الإدارات الأميركية الأخيرة، وخصوصاً مع دونالد ترامب، دفعت نحو تعزيز دور الدول ذات الحضور الإقليمي الكبير، وعدم رهن الأمور بحسابات الدول الكبرى. ويشرح من جهة ثانية، أن النفوذ يمكن ممارسته من قِبل دول لا تملك بالضرورة وضعية اقتصادية كبيرة مثل الدول الكبرى، ويعطي على ذلك مثال الدور السوري التاريخي في لبنان، والذي لطالما كان أكثر فعالية وأكثر قوة حتى من الولايات المتحدة وأوروبا. وإن هذا الأمر يتكرّر في السنوات الأخيرة مع دول مثل تركيا وإيران، وإن السعودية نفسها، عدّلت في سياستها وتركت موقع «الحياد النسبي» لتقترب من «موقع المبادر» كونها شعرت بالقدرة على لعب دور أكبر، وهو دور جرّبت دول أقل قوة ممارسته في ساحات المنطقة مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر، بينما ابتعدت عن المشهد دول ذات حجم كبير مثل مصر.

وإذا ما جرت مقاربة الوضع اللبناني الحالي، يمكن باختصار التثبت من عنصرَين، واحد يتعلّق بطبيعة المشكلة الاقتصادية القائمة، حيث يرغب الفريق الحاكم بجناحي السلطة والمعارضة باستئناف حياة الاستهلاك، وجلّ ما يريده تمويلاً وديوناً جديدة. وعنصر آخر يتصل بالتعقيدات السياسية والتوترات الأمنية والعسكرية، خصوصاً بعد الأزمة السورية وما يجري في العراق، وهذا يعني، أن القوى القادرة على ممارسة نفوذ، هي القوة المؤهلة لذلك بفعل حضورها ودورها. وكل ذلك، يقول لنا بأن اللبنانيين مجبرون على النظر من حولهم، والتدقيق في نوعية التغييرات القائمة، وأن يقوموا بالحسابات وفق معادلات رياضية سليمة، حتى ولو كانت النتائج غير مناسبة لبعضهم.

لا داعي لإهمال العناصر الداخلية للأزمة، لكن من الضروري محاولة معرفة ما يجري حولنا:

أين أصبحت المفاوضات الإيرانية – الأميركية؟ وما هي نتائج جولات الاتصالات الإيرانية – السعودية؟ وماذا جرى بين سوريا وكل من السعودية وقطر والإمارات ومصر؟ وماذا تخطّط تركيا بشأن سوريا أيضاً؟ وماذا عن التطورات داخل التيارات الإسلامية صاحبة الدور الأكبر خلال العقد الأخير في لبنان وسوريا والمنطقة؟

 آل سلمان و«قدر» طهران ودمـشق

من الخارج إلى الداخل وبالعكس    [2]: آل سلمان و«قدر» طهران ودمـشق

على غرار عمل العصابات التي يدعو بعضها بعضاً الى «التهدئة» في حالة وصول ضباط جدد الى مواقع المسؤولية في القوى الأمنية، سارع الفريق الخاص بوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان الى استراتيجية «خفض الرأس» بمجرد إقرار الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب بنتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية. تصرّف «الدب الداشر» وفريقه على أن الجميع ملزم بمراقبة خطوات إدارة جو بايدن الجديدة تجاه المنطقة. وكل الكلام الذي سمعوه عن رغبة في تغيير طريقة التعامل مع السعودية، لم يجعله في موقع الخائف من تطورات كبيرة ونوعية. وبوشر الإعداد لفريق جديد يتولى إطلاق حملة علاقات عامة مع مفاصل الإدارة الجديدة، والتقصّي من الموظفين الدائمين في الإدارة عن المؤشرات المقلقة. وظل الجميع في حالة انتظار، الى أن تم إبلاغهم، مطلع شباط الماضي، نيّة ساكن البيت الأبيض الجديد، البعث برسالة عامة تصيب السعودية، لكنها تستهدف تقديم شعارات جديدة. وكما يبرع الديموقراطيون، قرروا إعلاء شأن صورة أميركا الحامية للقيم وحقوق الانسان. وهي حيلة لا تزال تنطلي على كثيرين في العالم. لكن محمد بن سلمان فهم أن الرسالة تتعلق بتصفية جمال خاشقجي. وكل ما قام به هو البعث برسالة «تنبيه» الى من يهمه الأمر في واشنطن، من أن الذهاب بعيداً في خطوات ضد حكمه، ينذر بانقلاب كبير في العلاقات السعودية – الاميركية، وأنه مستعد لهذه المغامرة.

كلّف وليّ العهد السعودي شقيقه خالد بمتابعة الملف، حتى تاريخ صدور التقرير الخاص بالاستخبارات الأميركية بشأن قتل خاشقجي، والذي فهمه آل سلمان على أنه «إدانة لولي العهد من دون إصدار حكم يوجب خطوات تنفيذية». لكن الملك دعا أولاده والمقربين من العائلة الى اجتماعات متفرقة، كان أبرزها بين محمد وخالد، حيث تم التفاهم على إعداد استراتيجية قصيرة المدى تستهدف «استرضاء الإدارة الأميركية الجديدة». هذه الوجهة كانت لها حساباتها الإضافية، وهو ما عاد خالد نفسه وأبلغه الى من يهمه الأمر داخل المملكة وخارجها، موجزاً الخطة السياسية الجديدة بعناصر محددة:

أولاً: إن العائلة الحاكمة ستتصدى بكل الأساليب لأي محاولة انقلابية تدعمها الولايات المتحدة أو أي طرف خارجي. واتخذت خطوات داخلية هدفت الى إفهام المعارضين أو الطامحين إلى أدوار جديدة أن الأمر لن يحصل ولو كانت كلفته كبيرة.

ثانياً: إن الرياض مستعدة لإعادة النظر في برامج سياساتها العامة في المنطقة، من دون تنازل يجعلها ضعيفة وينعكس على الحكم داخلياً. وفي حال كانت واشنطن قد اتخذت قراراها النهائي بالعودة الى الاتفاق النووي مع إيران، وتهدئة الجبهات في الشرق الأوسط، فإن السعودية نفسها لا ترى مانعاً في القيام بالخطوات نفسها. وهي مستعدة للبدء فوراً بمحادثات مع إيران لتهدئة الأمور معها.

ثالثاً: إعداد استراتيجية لإنهاء الحرب في اليمن وفق تصور يمنح المملكة أثماناً كبيرة على صعيد تركيبة الوضع السياسي اللاحق، وإظهار الرغبة في التوصل الى اتفاق ولو كان على حساب بعض حلفائهم اليمنيين، وخصوصاً أتباع الإمارات العربية المتحدة.

رابعاً: عدم تنفيذ الخطوات التي كانت منتظرة في شأن التطبيع مع إسرائيل، والتفاهم مع تل أبيب على الأمر، من زاوية أن إقدام الرياض على خطوة من هذا النوع سيزيد من مستوى التوتر مع إيران ومع قوى أخرى، وسيعقّّد مهمة وقف حرب اليمن، عدا عن كون المناخ العام في العالم العربي لم يكن شديد الترحيب بالتطبيع، رغم كل الجهود التي مارستها الحكومات ووسائل إعلامها.

شرعت قطر في اتصالات مباشرة مع الرئيس الأسد وحكومته، كما هي حال تركيا التي بعثت بما يناسب من رسائل!


خامساً: الذهاب الى استراتيجية تعاون جديدة في العالم العربي تتطلب رفع مستوى التنسيق مع العراق، واستئناف التواصل مع سوريا، ودرس خيار التحالف الذي يجمع السعودية بمصر ودول عربية أخرى، وتطبيع العلاقات مع قطر وسلطنة عمان بما يخفف من التوتر داخل الجزيرة العربية.

استراتيجية فريق ابن سلمان راقت وسطاء كثراً في المنطقة، ولا سيما رئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي، الذي يحظى برعاية لدوره الإقليمي من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وهو يملك أصلاً الصلات المناسبة مع إيران وقوى بارزة في محور المقاومة. ودور الكاظمي سمح للسعودية بحركة تعفيها من منح أي أوراق لخصومها الخليجيين، ولا سيما الدوحة ومسقط، ثم أنها لم تقرر تبدلاً جوهرياً في اتجاه بناء علاقة من نوع مختلف مع تركيا، وإنْ كانت تحدثت عن أنها ساعدت مصر والإمارات العربية المتحدة في معركتهما ضد تيار «الإخوان المسلمين». وهو ما عاد خالد بن سلمان وعرضه في اجتماع عمل تفصيلي عقد في الرياض مع أحد مساعدي مصطفى الكاظمي، تحضيراً للخطوات اللاحقة.

قال السعوديون إنهم مستعدون للاجتماع فوراً بالإيرانيين، وهم يفضّلون بغداد مكاناً للاجتماع، وليس لديهم جدول أعمال محدد، لأن الاجتماع الأول هدفه كسر الجليد، وإعادة التواصل المباشر، والإعداد لجولات جديدة تستهدف عرض كل نقاط الخلاف والتوتر بين الجانبين. وطلب ابن سلمان من الكاظمي أن يكون الاجتماع الأول على مستوى القيادات الأمنية، وإن حضره موظفون كبار في وزارة الخارجية، وهو ما وافقت عليه طهران. وعندما توجّه الوفدان الى بغداد، كان الكاظمي في استقبالهما، مرحِّباً ومُبدياً الاستعداد لكل ما يسهّل التحاور والتوصل الى تفاهم، قبل أن ينسحب من القاعة تاركاً مندوبه الرفيع المستوى يشارك في الاجتماع الذي شابه بعض التوتر إزاء مداخلات متبادلة، حمّل فيه كل طرف الجانب الآخر مسؤولية التدهور في العلاقات الثنائية وفي أوضاع المنطقة، قبل أن يعود الجميع الى الاستماع الى جدول أعمال إيراني تراوح بين استئناف العلاقات الدبلوماسية بالتدرّج وصولاً الى كيفية إدارة موسم الحج. لكن الجميع كان يعرف أن الأمر لا يتعلق بهذه البنود الآن، بل بملفّين رئيسّين: الأول، هو مستقبل علاقات دول الخليج مع إسرائيل، والثاني هو ملف حرب اليمن.

للمرة الأولى، كان السعوديون يتحدثون بلغة لا تنسجم مع كل سياساتهم المعلنة أو المطبّقة، إذ أكدوا أن «خادم الحرمين الشريفين لن يقيم علاقات مع إسرائيل من دون حلّ يؤمّن دولة للفلسطينيين تكون عاصمتها القدس». وأضافوا «أن السعودية لا تستهدف أمن الآخرين في أيّ خطوة تقوم بها»، ليطلبوا مباشرة تدخلاً إيرانياً مباشراً لأجل «ردع الحوثيين وإقناعهم بقبول مبادرة الرياض لوقف الحرب في اليمن».

لم يخرج الجميع من الاجتماع برضى كامل، لكنّ الكاظمي كان يتوقع الأسوأ لو أن التوتر تحكم في المفاوضين، وهو يعرف أن اللقاء سيكون تمهيداً لجولات جديدة بمستويات رفيعة أكثر، وخصوصا أنه كان قد أطلق مسارات عديدة للتفاوض مع إيران، بينها مع مصر والأردن وكذلك مع الإمارات العربية المتحدة، التي حاولت إظهار التمايز في ملفات عديدة، من بينها ملف سوريا، لجهة أنها قادرة على لعب دور كبير بمساعدة مصر في إقناع السعودية بالعودة الى العلاقات مع دمشق، والدفع نحو معالجة موقع سوريا في الجامعة العربية، والبدء بمشروع تفاوض مع الأميركيين والأوروبيين لأجل تأمين قرار يرفع الغطاء عن عملية إعادة إعمار سوريا.

مضمون الاجتماعات نقله كل طرف الى حلفائه. صحيح أن السعودية ليست مضطرة الى إبلاغ مصر أو الإمارات بكامل التفاصيل، لكنها حرصت على إبلاغ الأميركيين، علماً بأن مسؤولاً كبيراً في الرياض قال إن واشنطن ستكون قد اطّلعت من الكاظمي على كل ما يحصل. لكنّ إيران بادرت الى إبلاغ حلفائها من دول وقوى بارزة، في سوريا ولبنان والعراق واليمن، بمضمون المحادثات. كذلك جرى إطلاع قوى فلسطينية على الأمر. وكان واضحاً للجميع أن السعودية ترحّب بقوة بتخفيض مستوى التوتر، لكنها كانت تعرف مسبّقاً أن الخطوة السعودية لا تعكس مبادرة حقيقية بقدر ما تعكس «رغبة» في مواكبة التغييرات الجارية بسبب استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والغرب. ومع ذلك، فإن الإيرانيين الذين أبدوا استعداداً للمساعدة في معالجة أزمة اليمن، كانوا أكثر صراحة في إشارتهم الى أن الأمر يتطلب مفاوضات مباشرة مع أنصار الله، وكل تقدير بأن طهران تقدر أن تفرض على صنعاء خيارات هو مجرد وهم.

ومع ذلك، فإن الجانب السعودي عاد وكرر في اتصالات إضافية، كما فعلت دول أوروبية، ضرورة أن تبادر طهران الى الضغط على أنصار الله. وفي زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لمسقط ضمن جولته الخليجية، عقد اجتماع عمل مطوّل مع ممثل أنصار الله في المفاوضات الخارجية، محمد عبد السلام، وبدا أن ظريف معني بشرح وجهات النظر التي تتطلب «لجوء أنصار الله الى تدوير الزوايا» في المفاوضات التي بدأت ثم تعطّلت مع الموفد الأميركي. ومع أن ظريف لم يكن يطلب مباشرة أو يحاول فرض وجهة نظر معينة، إلا أن عبد السلام كان شديد الوضوح في التعبير عن موقف «أنصار الله» لناحية أن وقف الحرب يعني وقفاً شاملاً لكل الحرب وليس لبعض العمليات العسكرية، وأن العودة إلى المفاوضات رهن بتجاوب الطرف الأميركي – السعودي مع المطالب الإنسانية الخاصة برفع الحصار عن المطار والموانئ والمعابر الحدودية لليمن مع جواره. حتى إن عبد السلام كان شديد الصراحة في قوله إن قوات الجيش واللجان الشعبية قادرة على حسم معركة مأرب سريعاً والدخول الى المدينة، لكن الأمر لا يتعلق بحسابات عسكرية، بل بحسابات الواقع الأهلي، وإن تجميد الهجوم الكبير يرتبط بالجانب الإنساني، وهو أكثر ما يمكن أن تقدمه صنعاء بانتظار جواب واشنطن والرياض على مقترح العلاجات الإنسانية.

«العائلة الحاكمة السعودية ستتصدى بكل الأساليب لأي محاولة انقلابية تدعمها الولايات المتحدة أو أي طرف خارجي»


هناك أمور كثيرة تتعلق بالمفاوضات السعودية – الإيرانية وما يجري من اتصالات بشأن اليمن، لكن الخطوة السعودية التالية كانت في توسيع دائرة «خفض التوتر»، وهنا دارت من جديد محركات الوسطاء العرب من أكثر من جهة، ترتيباً لأول تواصل نوعي مع القيادة السورية. وفي دمشق، لم يكن الرئيس بشار الأسد في غفلة عمّا يجري في العالم، وعمّا يجري من حول سوريا على وجه التحديد. وهو أوصى العاملين في فريقه بأن سوريا لم تبدأ الحرب ضد أحد، وهي ليست مستعدة لمراعاة أحد في أمور استراتيجية، لكنها مستعدة للانفتاح الذي يفيد سوريا أولاً، ويفيد العرب ثانياً. ولذلك كان الفريق السوري المكلف باستقبال وفد سعودي في دمشق مجهّزاً بأجوبة مُعدّة حول الأسئلة المتوقعة من الجانب السعودي، الذي بادر الى محاولة تبرئة نفسه من أصل الحرب على سوريا، وأن الأمر يتعلق بالأوضاع التي سادت المنطقة والعالم، وأن الرياض مستعدة لاستئناف العلاقات مع دمشق، ولكن لديها أسئلة مباشرة تحتاج الى إجابات عنها، وهي تتركز على مستقبل الوضع السياسي الداخلي في سوريا، وإمكان التوصّل الى اتفاق يتيح تأليف حكومة جديدة بمشاركة قوى بارزة في المعارضة، والإشارة الى وجود آليات عمل لدى السعودية ودول أخرى تتيح المشاركة في إعادة إعمار سوريا من دون انتظار أيّ قرار دولي بما خصّ العقوبات. لكنّ وجه الموفد السعودي صار مختلفاً عندما سأل نظيره السوري: هل تفكرون في ترك التحالف مع إيران وحزب الله وإخراج قواتهما من سوريا والذهاب نحو تحالف عربي يواجه تركيا؟

لم يكن السعوديون يتوقعون جواباً مختلفا عمّا سمعوه سابقاً، إذ كرر المسؤول السوري الترحيب بالحوار، لكنه شدّد على أن دمشق لا تحتاج الى حوارات سرية وعلاقات من تحت الطاولة، بل الى خطوات مباشرة وواضحة في شأن استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية وغيره ذلك. أما بشأن العلاقة مع إيران وحزب الله، فكان الموقف السوري شديد البساطة والوضوح: «عندما جئتم جميعاً ودعمتم حرب تدمير سوريا وإسقاط الدولة والنظام، كانت إيران وحزب الله إلى جانبنا، وليس لهذين الطرفين أيّ تدخّل في ما نقرّره بشأن الوضع الداخلي أو استراتيجية علاقاتنا مع الخارج، لكنّهم ليسوا مجرّد أصدقاء أو حلفاء في معركة، بل هم أكثر من ذلك بكثير».
بالمناسبة، والى أن يقرّر أحد الطرفين الإعلان، فإن ما يحاول البعض التكتّم عليه هو شروع قطر في اتصالات مباشرة مع الرئيس الأسد وحكومته، كما هي حال تركيا التي بعثت بما يناسب من رسائل!

غداً: فيينا، وحيرة أميركا إزاء إيران

الانحطاط الاستخباريّ الإسرائيليّ:
من تقرير فينوغراد إلى تقرير أمان

ناصر قنديل

فضلنا أن ننتظر نشر النص الكامل لما عُرف بالتقرير السريّ لوكالة «أمان» الاستخباريّة عن شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قبل أن نعلق أو نحلل ونفهم التقرير وإيحاءاته ووظيفته، وما يعكسه من مستوى تماسك أو ارتباك، قدرة على امتلاك مجسّات الإنذار المبكر، أم وقوع في البروباغندا المبتذلة، نجاح في فك شيفرة حزب الله وقائده، أم تغميس خارج الصحن لزوم تعزية الذات المهزومة، توصيف يحاكي ما يمثله العدو الأول للكيان بمقدار من معايير العلم، أم شعوذة تعبّر عن انحطاط مستوى التقييم الاستراتيجي ما يعني أبرز مؤشرات أفول الدول القائمة على القوة، خصوصاً أن التقرير هو الأول من نوعه عملياً، وهو من صناعة المؤسسة النخبوية الصانعة لمعطيات صناعة القرار الاستراتيجي في كيان الاحتلال، التي تتقدّم أمان صفوفها الأولى، وفي أجهزة استخبارات الدول التي تشكل الحروب مكوناً عضوياً من مكانتها، وتشكل الاستخبارات عصب المعطيات والمقدمات التي تبني عليها قراراتها، ومنها كيان الاحتلال، ثمة وحدات متخصصة برصد شخصيات «العالم الآخر»، سواء الأعداء أو الحلفاء، ويصل بعضها إلى بناء نماذج محاكاة تتمثل الشخصية المعنية وتحاول تلبّس قيمها ومفاهيمها وردّات فعلها، يتم اعتمادها للتنبؤ بمواقف هذه الشخصيات، بمثل ما قيل عن شخصيات كانت تلعب دور جمال عبد الناصر وياسر عرفات وحافظ الأسد، وشخصيات بريجنيف وأندروبوف، وكاسترو في دوائر الاستخبارات الإسرائيلية.

ليست القضية في المعلومات التي تمّ نشرها في التقرير، والتي يعرف أبسط الناس أنها دون مستوى الحديث عن ملف سري أو عمل استخباريّ، في الصحيح منها، وهو علني ومعلوم للعامة، أو أنّها جزء من حملة إساءة متعمّدة بتسويق صفات وخصال يعرف كل متابع أنها بعيدة كل البُعد عن شخصية السيد نصرالله، القضية تكمن أولاً وأخيراً في درجة الجدية التي يظهرها التقرير لفهم الخصم الأول، وسبر غور شخصية القائد الذي يعترف قادة كيان الاحتلال أنه مصدر القلق الوجودي لكيانهم، وليس المعيار هو النجاح أو الفشل، بمقدار ما هو الجدية، والاستناد إلى درجة من المقاربة الموضوعية العلمية التي يجب ان يتحلى بها العدو عندما يحلل نقاط قوة ونقاط ضعف عدوه. فعندما نقرأ تقرير فينوغراد الذي أعدّته لجنة التحقيق الخاصة بحرب تموز 2006، نقع على هذه الجدية وهذه المحاولة لمقاربة الوقائع بعيداً عن روح تزيين الهزيمة وتحويلها الى نصر، أو تهوين العدو والاستخفاف بمقدراته وإنجازاته، فقيمة تقرير فينوغراد تكمن في أنه أظهر أن الكيان الذي أصيب بفشل استراتيجي كبير في الحرب التي فشل بتحقيق أهدافها، لا يزال قادراً على التصرف بمعايير «الدولة»، أي فصل التقييم عن الموقف، وامتلاك مساحة للقراءة تحتكم لمعايير على درجة من محاكاة الوقائع بعيداً عن «النرجسية»، التي تختصرها معادلة إخضاع الوقائع للتمنيات والرغبات، وتجاهل الحقائق لخدمة السياسات.

بمعزل عن أي قراءة في المعلومات والتحليلات التي تضمّنها تقرير أمان حول السيد نصرالله، ستقدّم لأصحابها خدمة مجانيّة في النفي والتأكيد، تقول سيرة المواجهة بين الكيان وحزب الله، وفقاً للرواية الإسرائيلية الصادرة عن أعلى المستويات السياسية والعسكرية في مؤسساته، أن حرب عام 2006، التي يصنفها التقرير كنقطة صدمة في مسيرة حزب الله، هي نقطة التحوّل إلى قوة استراتيجية عظمى، بينما هي بداية عدّ تنازلي للقيمة الاستراتيجية للكيان وقدرته على شنّ الحروب. والمعيار هنا ليس بالرغبات بل بالوقائع، هل شكل القرار 1701 مدخلاً لإضعاف حزب الله كمصدر لقلق جيش الاحتلال على الحدود اللبنانية، كما قال قادة الكيان في تسويقه، أم أنه شكّل إطاراً لتعاظم مقدرات حزب الله كتهديد جدّي ووجوديّ للكيان. وهل شكلت الحرب في سورية سبباً لإغراق حزب الله في حرب استنزاف، كما راهن قادة الكيان، أم تحوّلت الى فرصة لتعملق حضوره الإقليميّ ومصدر شراكته في انتصارات كبرى، وامتلاكه خبرات استثنائية وتحالفات عابرة للمنطقة وما وراءها، كما تعترف تقارير المؤسسات الإسرائيلية واعترافات قادته؟ وهل ظهر حزب الله منذ حرب 2006 صاحب خطة لبناء المزيد من عناصر القوة التي تجعله أقرب لرفع درجة التهديد لأمن الكيان، بينما ظهر الكيان يراوح مكانه في السعي لردم الفجوة التي ظهرت بينه وبين الحزب في حرب تموز 2006 والآخذة في الاتساع لصالح الحزب، مع فشل سياسات ترميم قدرة الدرع، سواء على صعيد الجبهة الداخلية، أو على صعيد القوات البرية، أو على صعيد القبة الحديديّة؟ وماذا عن قطع حزب الله لأربع مراحل إضافية من التهديد بعد تموز 2006 يعترف بها كل قادة الكيان، القدرة على الدخول الى الجليل، الانتقال من صواريخ محدودة المدى والقدرة التدميريّة الى صواريخ ثقيلة بعيدة المدى، وثالثا الانتقال الى عهد الصواريخ الدقيقة، وأخيراً هل نجح حزب الله بالانتقال من حرب الجبهة الواحدة الى حرب الجيهات المفتوحة عبر تأسيس محور المقاومة الممتدّ بين لبنان وفلسطين وسورية والعراق وإيران وصولاً إلى اليمن؟

See the source image

يأتي تقرير أمان في غربة عن الواقع أمام حجم التحديات والتحولات التي تمثلها لصالح حزب الله وقائده، ليخبرنا عن شخصية مأزومة بعد صدمة 2006، متردّدة، نرجسيّة، وهو ما يصحّ فعلاً في حال الكيان وليس أفراد قياداته، بل روحه الجماعيّة، التي تبدو قد دخلت آخر مراحل الانحطاط التي تسبق عادة الأفول، عندما تعيش حالة اغتراب ومفارقة وانفصام تجعلها تزين الواقع لتعزي نفسها المأزومة والمهزومة، بعدما فشلت في تغييره، ويكفي كمثال أن نتذكر ونذكر، أن السيد نصرالله الذي يقول التقرير إنه خفّض لهجة تهديداته وصار يشترطها بشنّ حرب إسرائيليّة ويحصرها بحال الردّ على هذه الحرب، لم يغادر هذه المعادلة يوماً، ولم يتحدّث يوماً عن حرب يبادر اليها، بينما مَن فعل العكس هو الكيان، الذي كان يتحدث دائماً عن حرب استباقية تؤكد قدرة الدرع، ثم حرب استباقية ترمم هذه القدرة، وصار اليوم يتحدث بلسان كل قادته عن قدرته التدميريّة في أي حرب مقبلة يشنّها حزب الله، وحزب الله لم يقل يوماً إنه سيشنّ حرباً. وذروة الانحطاط في حال الدول والكيانات قبل الأفول، عندما تزيّف الحقائق لترضي غرورها وتطمئن ولو كان التهديد وراء الباب يقترب، وتصير القراءات التي يفترض أن تستند الى العلم مجرد ادوات لبروباغندا قائمة على الأكاذيب والتلفيقات.

السؤال الذي يطرحه التقرير، ماذا لو فعل حزب الله الشيء نفسه، أي قرأ كيان الاحتلال بالعيون الزائفة التي يظهرها التقرير في القراءة الإسرائيليّة؟ فالحزب يبني قوته بالتوازي مع الحفاظ على قراءة موضوعيّة لمصادر قوة الكيان، وسعي لاستكشاف نقاط الضعف، لبناء خططه على العلم، والعلم وحده. وهذه المفارقة التي تبدأ مع انتقال الكيان من مرحلة فينوغراد الى مرحلة أمان، تفتح سياقاً جديداً للتعبير عن تفوّق حزب الله، الذي بدأ أساساً كتفوق أخلاقي، في القضية والبنية والعقيدة والسياسة والقيادة، وفي آلية الأداء وقراءة العدو وفهمه. وهذا التفوّق ينمو كما تنمو فجوة القوة، ويستمر كما تستمر.

‫«إسرائيل» تقرأ «في عقل نصر الله»: فضيحة استخبارات وفضيحة صحافة

See the source image

فضيحة صحافة واستخبارات في «إسرائيل»: أهوَ عقل «أمان» أم عقل نصر الله؟

الأخبار

ابراهيم الأمين

السبت 13 آذار 2021

أتابع الإعلام الإسرائيلي منذ تسعينيّات القرن الماضي. كنّا نحصل على صحف العدوّ من خلال بريد خاص في قبرص. صديق لديه اشتراك في صحف «إسرائيل» يرسلها مع صديق يعمل في شركة طيران الشرق الأوسط، وينتظرها زميل تعلّم العبريّة عن بُعد. قبل أن يصل إلى بيروت مترجمون عاشوا في السجون الإسرائيلية، ثم انطلق عالم الإنترنت في بلادنا، وكانت «إسرائيل» سبّاقة، ما أفادنا في الحصول على كلّ دوريّاتها، سواء الصحافية أو نشرات دراسية أو خلافه. ولطالما تميّز الكثير من الصحافيّين والكتّاب في «إسرائيل» بمعرفة واسعة، والأهم، بدرجة عالية من الاستقلالية، برغم مقصّ الرقابة العسكريّة الصارم. وكان الأفضل في تلك الفئة من الإعلاميين الإسرائيليين، عدم الانجرار الى البروباغندا الرديئة، حتى لو اقتضت المصلحة العليا لبلادهم ذلك.

مفاجأة أمس، ليست سوى إشارة إضافية الى تدهور يحصل في «إسرائيل» على مستويات كثيرة، من بينها الصحافة نفسها. لا أعرف كيف قبلت إدارة التحرير في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تلقّي هذه الإهانة المهنية ووافقت على إنتاج مادة كان يمكن لطالب في كلية الإعلام أن يعدّ ما هو أفضل منها لو طلب منه أستاذه إعداد بحث موجز عن شخصية عدو إسرائيل الأبرز، أي السيّد حسن نصر الله.
على مدى أيام، روّجت الدعاية الإسرائيلية لحدث صحافي سينشر يوم الجمعة (أمس) ويتعلّق بكشف شعبة «أمان» (الاستخبارات العسكرية في جيش العدوّ) معلومات مصنّفة تتعلق بالسيّد نصر الله. وتم أمس نشر التقرير المفصّل تحت عنوان «الملفّ السرّي لنصر الله، في أمان». ومع أن الموجز الذي سرّب في الأيام الماضية لم يكن يحمل عناوين مغرية، إلا أن الصدمة كانت في التقرير نفسه الذي كان من الأفضل نشره في موقع «ديبكا» وبقلم رئيس تحريره المشهور بنقص صدقيّته، غيورا شاميس، وليس عبر كاتبين مخضرمين وبارزين مثل يوسي يهوشع ورؤوفين فايس.

من المفيد الإشارة أولاً، إلى أن التقرير يستند إلى مقابلات مع عاملين في «أمان»، وهي أكبر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية وأكثرها كلفةً من حيث الموازنة. ويتركّز نشاطها حول جمع وتحليل المعلومات العسكرية من خلال المصادر المختلفة، وتتولّى مهمة تشخيص الإنذار المبكر ضد الحرب والأنشطة العسكرية المعادية بشكل عام. إضافة إلى أنها مكلّفة بإعداد التقدير الاستخباري الاستراتيجي لوضعه أمام صانعي القرار في «إسرائيل». ولذلك يجري وصف «أمان» بأنه جهاز «التقدير القومي» لدى العدوّ، ولأوراقه دور بارز في صياغة سياسات تل أبيب تجاه الأطراف المعادية. ويشكّل قسم الأبحاث (الذي ينتمي إليه الضبّاط الذين أجروا المقابلة) نواة «أمان»، بوصفه الجهة التي تتجمّع فيها كلّ المواد الاستخبارية الواردة ليقوم بمعالجتها وتحليلها واستخلاص التقديرات اللازمة منها. ومن بين هؤلاء، عناصر من متخرّجي برنامج «حبتسالوت»، وهو البرنامج العَلَم لسلاح الاستخبارات الذي يجمع بين الخدمة الدائمة ودراسات العلوم السياسية وعلوم الشرق الأوسط، بالاندماج مع الأقسام التحليلية الآتية: علوم الكومبيوتر، الرياضيات، الاقتصاد والسياسة. ويتطوّع لاختبار برنامج «حبتسالوت» (تعني بالعربية زهرة الزنبق أو النرجس، سبق أن ذكرت في التوراة وطبعت على عملة الشيكل) نحو 50 متدرباً ومتدربة سنوياً، يتمّ العمل على تأهيلهم لدور ضباط الاستخبارات الرائدين الذين يتعاملون مع القضايا المركزية على جدول الأعمال الوطني والعسكري.

كان من الأفضل نشر التقرير نفسه في موقع «ديبكا» وبقلم رئيس تحريره المشهور بنقص صدقيّته، غيورا شاميس


حقيقةً، يحتار المرء في تقييم الصحافيين الذين نشروا التقرير للذين قدّموا لهم المعلومات. كان عليهم التدقيق فعلياً عمّا إذا كانوا أمام محلّلين وضبّاط جهاز محترف، أم أمام مجموعة هواة يحترفون الرصد الإعلامي. وبداهةً، كما يحلو لهم القول تكراراً، كان على الصحافيين إدراك أن «إسرائيل» في قلب معركة محتدمة وقاسية جداً. وفي هذه الحالة، لا تخسر الاستخبارات معلومات ذات قيمة من دون ضمان نتائج توازي أهمية المعلومة. وهذا ما ظهر في مضمون التقرير الذين يمكن الجزم بأنه «يخلو من أي معلومة ذات طابع استخباري»… لم تقدم لكم «أمان» أي معلومة ذات قيمة استخبارية، وهو أمر بالمناسبة يمكن فهمه لمن يعيش في قلب صراع بهذا الحجم. وحتى لا يتكرر الاستخفاف بكم مرة جديدة، سأروي لكم ماذا يجري من صوبنا نحن. هل تعتقدون مثلاً أن أجهزة الأمن السياسية والعسكرية التابعة للمقاومة، يمكنها أن تتسلّى بما يؤذي احترافيّتها عبر ضخّ معلومات ساذجة وسخيفة في الإعلام بقصد التبجّح؟ كان يفترض بصحافيّي العدوّ المحترفين ألّا يقعوا في هذا الفخ، وأن تتصرّفوا ــــ وإن كان هذا الكلام لا يُسعدكم ــــ بمنطق التماثل. وأنا أفيدكم هنا، بأنه لا يجدر بكم تخيّل أن حزب الله مستعدّ لمنحنا مقابلة مع متخصّصين في رصد قيادات العدو الاستراتيجيين، وتوفير تحليلهم ومعطياتهم لنا… أبداً هذا لن يحصل!

لكن، لنعد قليلاً إلى يوم قبل نشر التقرير، حين جرى حوار في القناة 12 الإسرائيلية حول التقرير. وفيه يسأل المحاور عن الهدف من التقرير، فيأتي الجواب مباشرة ومن دون تحضير على لسان يعقوب أخيمئير، وهو صحافي مخضرم ومقدم برامج سابق في قناة «كان»: التبجّح، التبجّح…

يحاول آفي بنياهو، وهو ناطق باسم الجيش الإسرائيلي سابقاً كبحَه بالردّ: كلا. لكن أخيمئير يكمل حديثه: كل أسبوع هناك مسرح، يقول لنا نجحت ونجحنا وفتحنا ملف نصر الله، كفى، حقاً كفى!
لكن بنياهو يحاول رتق الموقف: من الممكن أننا نريد أن نريه إلى أيّ مدى هو مكشوف، ومن الممكن أن هناك أموراً أخرى مكشوفة، كي يعلم بألّا يتعاطى معنا. كل ذلك عمل استخباري، تخفيض التصنيف الأمني لمعلومات استخبارية من أجل احتياجات عملانية، أفترض أنه يوجد هنا اعتبار من هذا النوع، لم يقم أيّ أحد بأيّ أمر سياسي إن قام طاقم من عناصر الخدمة النظامية في وحدة الأبحاث في أمان..

ومع ذلك يعود أخيمئير ليصدم الحضور: أكره هذا التبجّح كثيراً، بالتأكيد الأسبوع المقبل أيضاً سيكون هناك «انتصرنا» مرة أخرى…
الأمر هنا ليس سباقاً بين من يسجّل النقاط على الآخر. المسألة هنا في التواطؤ السيئ بين الصحافة وأركان المؤسسة العسكرية والأمنية في «إسرائيل» لمواجهة «عجز ما» أو حتى «عقدة نفسية». وهو عجز يتّصل بعدم قدرة العدوّ، ليس على عدم تحمّل تعاظم قوة المقاومة العسكرية وحسب، بل أيضاً على عدم تحمّل الموقع المتقدّم جداً الذي يحتلّه نصر الله في الوعي عند الجمهور الإسرائيلي، وليس حصراً عند أهل القرار في «إسرائيل». ويبدو أن حجم الأضرار والخشية لدى الجمهور الإسرائيلي، هو ما دفع بالقيادة العليا للجوء إلى الاستخبارات العسكرية، من أجل الترويج لبعض المفردات حول شخص السيد نصر الله، وإنْ مع إقرار لا بدّ منه، بصدقيّته وجدّية تهديداته وقدرته على تنفيذها، وتحديداً ما يتّصل باستهداف العمق الإسرائيلي.

ماذا يريدون أن يقولوا لنا؟ هل هي رغبة في ادّعاء المعرفة لدى الاستخبارات العسكرية، الى حدّ الزعم بأنه لم يبق شيء لا تعرفه «إسرائيل»، حتى لو كان في خانة النيّات المبيّتة، ومن دون أن يسأل من يفترض أنه يجري مقابلة: كيف لإسرائيل ألّا تُجهز على قيادة حزب الله دفعة واحدة ومن دون بصمة، طالما هي قادرة على معرفة النيّات في الصدور، وليس حصراً أماكن وجود قادة حزب الله وتدابيرهم…

ماذا يعني أن تخرج المقابلة مع 15 ضابطاً ومتخصّصاً وباحثاً ــــ يعملون ليل نهار لجمع المعلومات عن نصر الله وتحليلها ــــ بهذه المعطيات التي لا تزيد عمّا هو موجود في الإعلام العربي عن حزب الله وأمينه العام وعن عائلته وما يرتبط به، صحيحة كانت أو مختلقة أو محوّرة، وجرى عرضها للجمهور الإسرائيلي في سياقات محدّدة وموجّهة، للإيحاء بالقدرة على تحصيل المعرفة والربط بين الأمور، ومن بينها مقابلة نصر الله مع «الأخبار» عام 2014.

«أمان» تعرف الكثير، غير ما أعطته للصحافيين الإسرائيليين. وحتى لا تخرجوا من المولد بلا حمّص، سأفيدكم بالآتي:
نصر الله لا يعيش تحت الأرض، وهو يسافر خارج لبنان، ويتنقّل بين المدن والقرى وفي الشوارع والأحياء. ولديه فرق متخصّصة في كلّ شيء، وجدول أعمال فيه من جو بايدن إلى مختار ميس الجبل ورئيس المجلس المحلّي في مستوطنة شلومي.. وبالمناسبة، يداه تلامسان الأشجار دوماً!

فيديوات متعلقة

%d bloggers like this: