لماذا نعارض المؤسسات غير الحكومية

 

 ابراهيم الأمين

الإثنين 9 كانون الأول2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

قبل مئات السنين، بدأ فلاسفة وعلماء اجتماع في أوروبا يتداولون عبارة «المجتمع المدني». اعتبرها البعض مقابلاً للحالة السائدة مجتمعياً، أي ما كان يُعرف بنظام الحكم التقليدي الذي رسّخته عائلات ومنظومات اقتصادية بمساعدة الكنيسة. لكنّ في أوروبا نفسها، عاد الجميع إلى الانقلاب على هذا التوصيف. وبدل أن يكون المجتمع المدني عاكساً للمجتمع المنظّم سياسياً، ذهب كثيرون نحو اعتباره مجتمعاً خاصاً في مواجهة الدولة ككلّ، وخصوصاً عندما شعر المنتسبون إلى المجتمع المدني بأن قوانين الدولة صارت تمثّل سلطة إكراه وقمع. لكنّ هؤلاء لم يكترثوا بكون هذا المجتمع المدني إنما يسير من دون نظام عدالة ومساواة كاملة بين أفراد الدولة، بل يغرق في حماية متطلّبات العيش كفرد، ولو ترافق ذلك مع عجز مُستدام عن معالجة مشكلاته الداخلية.

في عالمنا اليوم، وبعد صراعات جميع مفكّري القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة الدولة، يحتلّ المجتمع المدني حيزاً أساسياً من اهتمامات بلداننا. لكنّه يطبّق المفهوم الغربي نفسه، القائم على نظرية تحقيق المصالح والحاجات الفردية ولو على حساب «المجتمع – الدولة».
المنتمون إلى هذا المجتمع يخلطون بين رفضهم قوانين ما قبل الدولة التي تتحكّم بكثير من الأمور في بلادنا، وبين رفضهم القوانين المتطوّرة المفترض أن تضعها مجموعات تسعى للخروج من هذه الأعراف – القوانين. وفي صحالتنا، يصبح المجتمع المدني رفضياً لكل ما هو عام.

(محمد نهاد علم الدين)

يتحول هؤلاء إلى مجموعة مستقلّة على شكل حلقات مستقلّة، ثم على شكل أفراد مستقلّين أيضاً، تجمعهم مُعضلة الانخراط في القانون العام، لأن القانون العام عندما يقوم ويتطور، إنما يراعي ـــ تلقائياً ـــ الوضعيات الاجتماعية القائمة في البلاد. وهو العدوّ الفعلي لهذه المجموعات. وينتهي بهم الأمر، ساعين إلى خلق إطارهم الخاص الذي يرفض المشترك الذي يقوم بين من يؤلّف المجتمع ـــ الدولة في المسائل الوطنية العامة، من موضوع الدفاع عن الوطن إلى بناء السياسات والعلاقات الخارجية إلى القوانين الناظمة لشؤون الناس اليومية. أبناء هذا المجتمع المدني يريدون قانوناً يحمي فرديّتهم ويحمي حريتهم حتى ولو تعارضت مع هذه القوانين. وبهذه الحالة، لا يمكن أن يشكلوا في أي لحظة حلاً يعالج مشكلات كل الناس. وهم يربطون موقفهم من الطروحات المقابلة، بحجم تأثيرها على الحاجات والمنافع والأهواء التي تشكّل روابطهم كأفراد. وجاءت فكرة المنظمات غير الحكومية لترسّخ الفكرة القائلة بأن المجتمع المدني إنما هو حالة صراعية مع الحكومة، التي يُفترض أنها تمثل الدولة، أي تمثل المشترك الفعلي بين جميع قاطني أراضي هذه الدولة.

عندما يتصرف أفراد المجتمع المدني على أساس أن السياسة هي خصمٌ رئيسي لهم، إنما هم يفعلون ما يعتقدون أنه الأنسب للتفلّت من نتائج الفعل السياسي، أي التفلّت من رقابة القانون العام الذي يفرضه المجتمع ـــ الدولة. وبهذا المعنى، يتحول أفراد المجتمع المدني إلى خصوم فعليّين للدولة، وخصوصاً عندما يُفرطون في الدفاع عن استقلالهم الفردي ومصالحهم الخاصة.

وبذلك يمكن فهم التأصيل النظري الذي قدّمه الفلاسفة عن أن المجتمع المدني إنما هو في حقيقة الأمر واقع يقيم بين مرحلتي العائلة والدولة. فهو يقوم على مبدأ رفض قوانين العائلة، لكنّه لم يندمج بعد في معادلة قوانين الدولة. وبذلك، يصير أفراد المجتمع المدني، من حيث منظومة الإنتاج والاستهلاك، أقرب إلى البرجوازيين الذي يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة، في نقيض تامّ لطبقة المواطنين الذي هم في موقع أدنى اقتصادياً، لكنّ هاجسهم هو المصلحة المشتركة، أو ما يُعرف بالمصلحة العامة.

في حالتنا اللبنانية، ووفق تجربة ربع قرن من النضالات الشعبية، خبرنا كيفية مشاركة أفراد المجتمع المدني. وغالبية هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن فئات، تتراوح بين متسلّق يسعى إلى المنبر بهدف الارتقاء من خلال بناء وضعية اجتماعية قابلة للتسييل على شكل أعمال وعائدات أو مناصب؛ أو مجموعة من الكوادر يجدون أنفسهم أسرى علاقات جديدة تُبعدهم أكثر عن البيئة العامة، فلا يحفظون من التجربة إلا الصور والذكريات، ثم يندمجون سريعاً في قواعد اللعبة، حيث يكون في انتظارهم جيش المنظّمات غير الحكومية؛ أو أفراد يسكنهم الإحباط ولا يُجيدون تمييز هوية المسؤول عن ذلك، فتراهم يصبّون جام غضبهم على السلطة القائمة، متجاهلين من ساروا خلفهم. أما الكتلة الأعمّ، فتعود إلى قوانينها اليومية: تمارس لعبة انفكاك القول عن قائله، بمعنى رفع نبرة الاعتراض مقابل تراجع فعلية الاحتجاج.

وصف ماركس المجتمع المدني بأنه الدولة الخاصة، أي الدولة غير السياسية. وهنا لا يعود المجتمع المدني إلا ممثلاً لكل ما هو مناقض للدولة. بهذا المعنى، يلجأ هؤلاء إلى لعبة التعميم والتجهيل، أي إنهم لا يهتمون بمحاسبة فلان أو فلان، بل هم يريدون التخلّص من خصم كبير اسمه الدولة. وبهذا المعنى، يتجنّب هؤلاء نقد المؤسسة الدينية الفاعلة جداً في حياة الناس، والمتورّطة في علاقة تخادم مع السلطة السياسية، إلا حيث تشكل عائقاً أمام حريتهم. لكنّهم لا ينظرون إليها بوصفها جزءاً من منظومة السيطرة على الحقّ العام.

والحال نفسها بالنسبة إلى النظم الأخرى، من حيث العمل النقابي، الذي يُراد له أن يكون طوعياً بالكامل، أي غير خاضع لمنظومة القوانين العامة. وهنا يمكن فهم المشكلة الأكبر في علاقة المجتمع المدني بالحق العام، من خلال عدم الاكتراث للتعليم العام، أي للتعليم المدعوم من الدولة والذي يقلّص الفوارق بين المواطنين في تأسيسهم التعليمي، بل يتجهون إلى التعليم الخاص الذي يشكل عنصر تمايز اجتماعي لهم عن بقية الناس، ما يقود إلى فكرة القوانين الخاصة التي يعتقدون أنها ممكنة. ففي بيروت، مثلاً، يمكن لطلاب وأساتذة وأطباء ومدراء ومنتجي الجامعتين الأميركية واليسوعية تشكيل مجتمع مستقلّ، له كلّ نُظمه في ما خصّ شوؤن العمل والحياة وحتى الحاجات والأهواء. وهم في هذه الحالة يريدون من الحق العام (أي الدولة) توفير ما يحصّن الحق الخاص (أي المجتمع المدني خاصّتهم). وهذا سبب كافٍ لتدرك أنه لا يمكن لهذه المجموعة أن تمثل خياراً عاماً لبقية الناس وهم الأغلبية. لأن هواجس وطموحات أغلبية المشكلين لهذا المجتمع المدني، إنما هي في الحقيقة، تمثل نقيض ما يمكن أن يكون مشتركاً في بقية العوام. وبذلك يصبح الموقف من مسائل ذات طابع وطني، متصلاً بانعكاسه على مصالحهم وأهوائهم الخاصة. هنا تصبح منظومة الفساد، ليس في احتكار العلم الجيد والطبّ الجيد والطعام الجيد والترفيه الجيد، بل في كون ريفي أتى به جَهلة إلى منصب عام، وصار يريد فرض قانون للضريبة يختلف مع مصالح هذا المجتمع المدني.

يعني، في لحظة واحدة، يصبح المجتمع المدني حليفاً طبيعياً لمجتمع الطوائف. الاثنان في حالة تناقض كلي مع المجتمع – الدولة. وبهذا، لا يبدو مستغرباً أن يذهب أفراد المجتمع المدني نحو التماهي مع ما تقوم به القوى الأكثر نفوذاً في البلاد. لنأخذ الحريرية المنهارة درساً، أو لننظر إلى حالة حزب الله الذي أسّس لنفسه مجتمعاً مستقلاً، من حيث الحاجات المشتركة لأبنائه في العلم والعمل والطبابة والسكن والثقافة والفنون والترفيه، إضافة إلى عنصر تمايز أكثر فعّالية يتعلق بجيشه الذي يقيه شرّ الانقلاب متى أراد خصومه ذلك.
بهذا المعنى، يمكن القول، بأن المخبولين فقط يعتقدون أن أغلبية الناس في لبنان تقبل السير خلف ناشطين من «المجتمع المدني« يتجمّعون في أطر تحت اسم «المنظّمات غير الحكومية». والمسألة هنا لا تعود متعلقة بمواصفات المتصدّين لدور القيادة. المسألة تتعلّق بالأهداف الفعلية لهؤلاء. حيث التناقض أشد قساوةً في طبيعة التطلّع والتطلّب عند الكتلة المَدينية عن أبناء أحياء البؤس داخل المدينة نفسها، أو أبناء الأحزمة التي صارت مدناً بحالها. وهو تناقض يتصل بكل أشكال الحياة، بما يجعل التوافق على ورقة أو إطار أو اسم، توافقاً مفترضاً كحال الثائرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

أفراد المجتمع المدني هنا، هم الذين تجمّعوا خلال عقود ما بعد الحرب الأهلية. هم أولاد جيلين: واحد تعثّر مشروعه الكبير في التغيير الشامل، وثانٍ عانى من إحباط الأهل فوجد ضالّته في خيارات فردية، تجعل القائم شيئاً مرذولاً يمكن الاستغناء عنه. احتاج هؤلاء ليس إلى علوم متقدمة فقط، بل إلى تسويق لقدرات لا تجد تاجراً لها سوى العابثين بأحوال المجتمعات المرصودة كأهداف لاستعمار جديد. والتسوية بين الطرفين تنتهي على شكل حضاري منمّق لنفس فكرة جماعات «التكفير والهجرة» التي قامت في تسعينات القرن الماضي في شمال أفريقيا. هي حالة تنشد ابتعاداً إلى حدّ الانفصال عن المجتمع – الدولة. لا تفترض بالضرورة عنفاً مؤسِّساً لاحتراب أهلي، بل تكتفي بعنف لفظي قائم على فوقية افتراضية وتسخيف الآخر، والسعي إلى بناء بيئة مستقلّة، تتطلب توحّداً في الطقوس اليومية للحياة، ولكن راضية منصاعة لمرجعية واحدة تتحكّم بكل هؤلاء، هي مصدر المال.

والعنف البديل عند هؤلاء هو العنف اللفظي الذي ينتهي عادة على شتم وأنواع من التنمّر، حتى يكاد رفع الصوت أو القبضة أن يكون فعلاً انتحارياً، يتطلب حفلاً وداعياً تُتلى فيه وصايا الاستشهاديين. وفي بال هؤلاء صورة المضربين في «وول ستريت». هكذا تعلموا فعل النضال الجذري. هكذا شاهدوه بأمّ العين، لكن على شاشات. وهذا ما تدرّبوا عليه لسنوات في ورش العمل على النضال من أجل المواطنة، كما تُقدمها مدارس الـ«أن جي اوز».

بالنسبة إلى هذا الصنف، ينحصر الأمر في معاناة تخصّهم لوحدهم. تخصّ مكان سكنهم وجامعاتهم وعملهم وسهرهم. لا تبقى في ذهنهم صور مختلفة عمّا عاشوه في منازل الأهل. كل مظاهر الاحتجاج والملل من سنوات العشرية الأولى من حياتهم، هي حكايات للتندّر فقط. هم كحال الذين انتموا إلى أحزاب عقائدية عابرة. يجمعون كل ما عاشوه مع الأهل، ويضعونه في كيس داخل صندوق أمانات على باب المكتب الحزبي. هؤلاء، يحتاجون إلى قطع نهائي مع الماضي الاجتماعي، مستعدون لفعل أي شيء من أجل ذلك. حتى ارتكاب ما تراه عائلاتهم عيباً كبيراً، إذا كان يساعدهم على الانقطاع الكلي. الترقّي بالنسبة إليهم هو فعل مظهري، يتصل بنوع الثياب وقصة الشعر والحلي، وهو يتصل بنوع الأكل والشراب وطريقة الكلام ونوعية المفردات المستخدمة، وطقوس موحّدة حيال المسرح والسينما والموسيقى والقراءة والسفر. يتحولون فجأة إلى كشافة يشبهون بعضهم البعض حتى ولو كانوا يكيلون لبعضهم السباب والشتائم. القاعدة الجديدة التي أرستها ثقافة الفرد المستقلّ كما تقول نظرية المنظمات غير الحكومية، هي التي تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات إزاء الرجل الأبيض. درجة من الإعجاب الأخّاذ، لكن من دون نقاش جدي أو اعتراض فعلي. وإلا تم حرمانهم من كل شيء: العمل والراتب والعلاقات، وهذا يعني تلقائياً تهديدهم بإعادتهم إلى بيوت الأهل. وإلى الأحياء الحقيقية التي لا يريدون البقاء فيها.

اللّاطائفية التي تتّسم بها مجموعات هؤلاء ليست مسألة عميقة الجذور ثقافياً. اللّاطائفية، هنا، شكل من المساواة فرضتها آليات المموّل الذي لا يهتم لغير الولاء. لكن البديل عن الطائفية كشكل من أشكال التمييز في بلادنا، هو الطبقية بشكلها الجديد. الطبقية التي تجعل الساعي إلى الانتماء إلى هذه الفئة متحفّزاً لإثبات أنه غادر موقعه السابق، ومستعد للقيام بكل ما يجعله يحظى بالعضوية الجديدة، ولفعل أي شيء أثناء صعوده درجات سلّم هذا العالم، ويتّسم بانتهازية دفينة تجعله مستعداً كل لحظة للانشقاق والتحول نحو منظمة أخرى متى جاءت الفرصة الأفضل مكانة ومرتباً ونفوذاً. والمموّل لا يهتم لكل هذا السباق وكل هذا الصراع. ما يهمه هو الحفاظ على مرجعيته الأساسية التي تتحكم عملياً بحياة عشرات الآلاف من الشباب في بلدان متعبة. والتحكم هنا، من أجل تحويلهم إلى جنود في معركة السيطرة على الأنظمة والثروات. وعلى طريقة الديمقراطية الأميركية، سيكون للمنضوين في جيش هذه المنظمات، الحق، كل الحق، في قول ما يريدون. لا يهم رفع السقف والصوت، لكن، دون تجاوز الخط الأحمر.

أفراد المجتمع المدني أقرب إلى البرجوازيين الذين يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة في نقيض لطبقة المواطنين الذين هم في موقع أدنى اقتصادياً وهاجسهم هو المصلحة المشتركة

قسم غير قليل من هؤلاء، عاشوا في ظل عائلات عانت الأمرّين لتوفير أفضل العلوم للأبناء. وباعت أرزاقاً توارثتها جيلاً بعد جيل من أجل تحسين نمط العيش، وتخلّت عن الكثير من أحلامها من أجل زرع الأمل بغد أفضل في قلوب وعقول الأبناء. وهي عائلات تحدّت أيضاً قوانين «العائلة» و«الطائفة» و«المجتمع – السلطة» من أجل تحقيق ذلك. وهي فعلت ذلك، بصورة فردية، في ظل غياب مجتمع متماسك، وفي ظل غياب دولة طبيعية. وفي ظل غياب قوانين ناظمة للحياة. أما الأبناء، الذين نراهم اليوم في الساحات متصدّين لقيادة الثورة المجيدة، فقد سمعوا وحفظوا الكثير عن حياة القهر. وحملوا الحقد على مرجعيات وإقطاع أذاق البلاد الأمرّين ولم يزل. وسكنتهم الضغينة إزاء غياب العدالة في توزيع الفرص والثروة على الناس. لكنّ هؤلاء، تربوا على أن البديل عن التغيير العام الذي لا يحصل من دون حركات سياسية متكاملة، هو التغيير الفردي. ولذلك، نشط هؤلاء من دون هوادة لتغيير جذري في حياتهم كأفراد. أسقطوا توالياً كل أشكال التضامن الاجتماعي والأهلي. ثم أعلنوا كفرهم بكل تشكيل سياسي أو اجتماعي عابر للقضايا والمناطق والطوائف. وقرروا الاغتراب فكرياً وسلوكياً وحياتياً. وهم في حالة غربة حقيقية.

والتنافس القائم بينهم لا يتصل فقط باسترضاء المموّلين. بل يقوم على فكرة النشاط المفرط في سبيل إثبات القدرة على التأثير أكثر في الشارع. وعلى قدرة تقديم المختلف، لا يهم كيف يتم الأمر. المهم الحفاظ على مصادر التمويل جارية من دون توقف. وفي هذه الحالة، تختفي الشفافية الحقيقية، وتحل مكانها عبارة تُذيّل بها أوراق ومواقع عمل هؤلاء، تحت اسم «الممولون». أما كيف تجري عملية الانتساب، فهذا شأن خاص. لك أن تتعرف إليه فقط، في حالة قررت الانتساب إلى هذا النادي. وهناك تتعلم ألاعيب تُذكرك بسماسرة الإدارات الرسمية في الدولة. كيف تختار النموذج الأفضل لكتابة الفكرة، ثم من تستشير للحصول على خبرة في شرح الفوائد. ومن ثم تستعين بصديق لكي يكون منتجك مطابقاً للمواصفات، ثم تبدأ رحلة الاستجداء والاستعطاء. فترسل مشروعك إلى مئات العناوين، وتتصرف بانتهازية غير مسبوقة في التواصل مع كل من يخدم غرضك. ومتى حصلت على الموافقة الأولى، تستعد لتعلم كل متطلبات النجاح في المقابلة المباشرة. ولا بأس هنا، من الاستفادة من خبرات السابقين في كيفية وضع الموازنات وفتح الحسابات وتوظيف الناس وإعداد قوائم الدفع للمشاركين في هذا المشروع أو ذاك. لكن، لا يحصل ابداً، أن يسأل هؤلاء عن المنفعة العامة لما يقومون به. ومع الوقت، يصبح الواحد منهم، أسير موقعه الجديد. يتعرّف شيئاً فشيئاً إلى ماهية الأمر. ويعرف أكثر طبيعة المقاصد. لكنه، يسير في قطيع أعمى، ويقف مثل عمال عصور العبودية، في طابور طويل، ينتظر من ينقطه بضعة دنانير مع نظرة فوقية تذكره بأنه لن يكون يوماً على شاكلة الرجل الأبيض.

هل تذكرون ماذا فعل رفيق الحريري بجيل كامل؟ جرّه من إحباطه إلى العمل في خدمة مشروع لا أسس ثابتة له. أيقظ طائفية ومذهبية مقيتتيْن في عقول وقلوب من خبر التفلّت من قيود القبيلة. وجعله يتلو فعل الندامة ليلَ نهارَ. جعل مثقفين يتفنّنون في تأصيل مشهد الكرم والسخاء على أنه فعل إنساني خالص. وجعل جيشاً من الأتباع فريسة نظام حياة إن تخلوا عنه ماتوا غيظاً، فصارت السيارة والبيت والثياب والمطاعم والسفر أساس أي موقف من أي قضية. وما إن فرط المشروع بشحطة قلم، حتى سكن الإحباط هؤلاء. والآن نراهم في الساحات، مثل العاطلين عن عمل، لكنهم يريدون قيادة الناس نحو تغيير شامل، من دون الإشارة إلى مصدر القهر. وكلهم يستغلّون خوف اللبنانيين من كتابة تاريخ كلّه دماء وقمع وكذب، لكنهم يتوافقون على حيلة أهل هذه البلاد، بأنهم شعب اصطفاه الخالق من دون الآخرين، منبعاً للحرية والتقدم!

هؤلاء، هم أنفسهم الذين يتصرفون بثقة مُفرطة، على أنهم قادة التغيير في البلاد. وأي بلاد؟ بلاد نهشتها قوانين وسياسات عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقبلية على مدى قرنين على الأقل، ويعتقدون أن تطبيقاً ذكياً جُرب في مكان ما في هذا العالم، سيكون كافياً لسحق منظومة تتجذّر في الأرض وتحتاج إلى جيوش لقلعها. ويعتقدون أن طقوساً بلهاء، تحت عنوان التعايش والحب والعلم الوطني، كافية لإعادة إنتاج شعب مختلف. ومع ذلك، تراهم يختارون بوعي أو من دونه، الساحات نفسها التي ترمز إلى الحرب الأهلية مكاناً للتجمعات، ويسيرون في شوارع سُميت بخطوط التماس بين المتقاتلين، كأنهم يشعرون في دواخلهم بأن الحرب لم تنته بعد.

هل سمع أحد بتظاهرة في الدكوانة أو فرن الشباك أو حارة حريك أو الطريق الجديدة؟ هل تجمّع الناس في وسط المتن أو في جرد كسروان؟ هل سار هؤلاء في شوارع فنيدق أو تكريت أو قصدوا أحياء شحيم الضيقة، أو جرّبوا التنقل بين أزقة باب التبانة أو أحياء جبل محسن؟ هل قصدوا البلدة القديمة في صيدا أو غابة اللحم البشري في الأوزاعي أو حي السلم، أو تعرفوا إلى أحياء عالية الداخلية أو ما الذي يجري خلف الجدران في بعقلين وكفرحيم أو كيف يحل الصمت عند كل غروب، كأن الحياة انتهت في عماطور وبقعاتا ونيحا الشوف بينما يسترق الفتية صوت السمر والسهر يأتي خفيفاً من قصر الزعيم؟

هل جرّب أحدهم الدخول في قلب بلدة مجدل عنجر، أو حي الطمليس وحارات عين الرمانة وقرى إهمج وجاج ولاسا في جرد جبيل؟ هل يعرف هؤلاء ماذا ترتدي النسوة في قرى بشري ودير الأحمر وأعالي القبيات، وهنّ يشجعن الفتيات على الدرس عسى يكبرن ويتاح لهن التشبه بثياب الزعيمة عارضة الأزياء؟

لم يفعلوا، ولن يفعلوا، هم يتصرفون كما يفترض بهم التصرف على طبيعتهم، يذهبون نحو الساحات التي ينظرون إليها باعتبارها مركز النظام. يعتقدون أنهم في حال احتلوا حيزاً فيها، صاروا جزءاً من النظام. أو صار بمقدورهم التصرف على أساس أنهم هم النظام. برغم أنهم يعرفون أن أصل النظام موجود في الأحياء البعيدة وفي المناطق والأرياف. هناك يجري حشد الناس والأصوات. ومن هناك يأتي الموظفون والجنود والمتعبون. فتية المجتمع المدني، يرون في ساحات وشوارع المدينة الرئيسية أمكنة الحياة. وهم لا يهتمون بغير المركز. ويفترضون على طريقة الانقلابيين، أن من يحتل المركز يسيطر على البلاد.

ينسون أين كانوا هم قبل جيل. وعلاقتهم بالمهمّشين، تتحول مع الوقت إلى علاقة قائمة على أساس التفوق في كل شيء، العلم والمعرفة والسلوك والذوق وحتى الإحساس. وعندما يبنون ريفهم في المناطق البعيدة، لا يجيدون بناء علاقة مع أهل الأرض. بالنسبة إليهم، الفقراء بحاجة إلى دعم. لكن على طريقة العمل الخيري، صاروا مثل الأثرياء الجدد، يتنافسون على طريقة الإحسان إلى الفقراء. لا يعرفون عملاً من دون استعراض. حتى القبلة على خدّ طفل تنتظر وصول الكاميرا. والكاميرا هنا، لم تعد وسيلة الإعلام – الإعلان التقليدية. بل صارت كل الفضاء المفتوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. والإصلاح عندهم، يقتصر على حملة لمنع التنمّر, أو تعلم وضع حزام الأمان والتوقف عند إشارة السير، أ التدرب على فرز النفايات في المنزل والحي، أو لنذهب في رحلة إلى ذاك الجبل، لكن بعد أن نشتري العدّة كما شاهدناها في فيلم المتسلّق المحبوب. أما البحر، فيصعب أن يكون مكاناً للاختلاط مع العاديين. نرفض كل شيء عام. نرفض حتى الفنادق الكبرى، لكن تعالوا نفرض نموذجاً عن الفنادق الخاصة، من تلك البيوت التي هجرها أهلها، بموت أو تشرّد أو حتى إبعاد من الأولاد، لتحويلها إلى بيوت سياحية تستقبل الزوار الآتين من المدينة مع ابتسامات ودهشة.

هكذا هي حياة هؤلاء. الأفراد أو المجموعات المشكّلة لمجتمع واحد ولو بوجهين، هما مجتمع المنظمات غير الحكومية، ومجتمع الطوائف. يتصرف هؤلاء على أنهم البديل الفعلي لإدارة الدولة. حفظوا مقرّرات من مناهج بعيدة. درسوا تطبيقات على أمكنة وشعوب لا تنطبق بالضرورة على ناسنا هنا، لكنهم قرروا أنها الأنسب لنا. ويعتقدون أن بمقدورهم التسلط على الناس المتعبين، وقيادتهم في حراك أو انتفاضة أو ثورة لتغيير يدّعون أنه شامل. هؤلاء ليسوا، مع الأسف، مؤهّلين لنضال عام يقود نحو دولة متكاملة متماسكة، لها قوانينها المدنية أي المضادّة لقوانين الطوائف، ولديها سياساتها غير المحايدة إزاء ما يجري من حولنا في السياسة والأمن والاقتصاد والاستراتيجيا. هؤلاء مجموعة من الانتهازيين، تلفّهم السذاجة عندما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة، على طريقة أفلام الكرتون، التي تجعل الفأر فيلاً، وهم مجموعة من المتكسّبين، يعانون من مرض عُضال لا يقلّ خطراً عن مرض الحاكمين باسم الله والطائفة والمنطقة والعائلة!

الحريري: طلبات أميركا… أوامر!

Image result for ‫سعد الحريري مع الدب الدتشر‬‎

هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

 

ابراهيم الأمين

الأربعاء 4 كانون الأول 2019

واجه سعد الحريري أصعب الاستحقاقات في حياته. فلا هو قادر على عدم تأليف حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه يواجه ضغطاً كبيراً من الداخل والخارج للسير بتسوية ما. المسألة هنا تتعلق في كون الحريري لا يمكنه الخروج من السلطة الآن. واذا اجبر على هذه الخطوة، فهو سيبدأ بزرع الالغام على طول الطريق التي يفترض ان تسلكها من التكليف الى التأليف الى جلسة الثقة.

عدم رغبة الحريري بأن يشكل غيره الحكومة ترتبط بمصيره. الحديث، هنا، عن بطالة كاملة. عن تقاعد مبكر غير مضمون النتائج. عن اعتزال مبكر لكل أنواع الأعمال السياسية والتجارية. عن اعتكاف يقود صاحبه الى الابتعاد تدريجياً عن الأنظار حتى يصبح منسياً. عن مغادرة تعني الهروب الى أقاصي الارض بحثاً عن ملاذ آمن.

رئاسة الحكومة، بالنسبة إلى الحريري، تعني كل مستقبله. تعني مستقبله السياسي كواحد من زعماء لبنان، لا يمكنه، من دون السلطة والمال، قيادة تياره ولا كتلته النيابية في مواجهة صقور يريدون انتزاع الزعامة منه احتجاجاً على قلة دراية أو نقص في الوضوح أو تردّد في المواجهة. تعني مستقبل علاقته مع الناس في المناطق والقطاعات حيث انفرط عقد التيار ليعود الى جمعيات، النفوذ فيها لمن يملك القدرة على الدفع أو رفع الصوت. تعني فتح أفق الاعمال التجارية الجانبية بعد توقف المصدر الاول للرزق في السعودية والعالم. والعزوف عن الرئاسة يعني تعرضه لعزل من العائلة نفسها، في مواجهة زوجة والد لم تعد تطيق كل تصرفاته، وإخوة يتوزعون بين من يقاطعه ومن يحاربه مباشرة وعلناً، ومن لم يعودوا يرون في لبنان حتى مكاناً للعيش.

رئاسة الحكومة تعني لسعد الحريري الحصانة الفعلية في مواجهة مئات المعارك القانونية في لبنان والسعودية والامارات وغيرها. تعني حصانة تحول دون اعتقاله على باب طائرته الخاصة في عاصمة ما والتحقيق معه ومصادرة طائرته وما معه من حلي وثياب. تعني حصانة لا تزال تفتح له أبواب قادة وحكومات وأجهزة وشركات في العالم بصفته لا بشخصه.

Image result for ‫الدب الداشر‬‎

حصانة تقيه شر العزلة التامة التي تحوله الى رقم منسيّ إذا ما قرّر خصومه ذلك. حصانة تحول دون اعتقال وسجن أكيدين في ما لو زار السعودية كحامل لجنسيتها فقط. عندها، لن يقيه أحد في العالم شر «الدب الداشر».

رئاسة الحكومة تعني للحريري مركز نفوذ متنوع في لبنان وقابل للاستخدام في المحيط القريب والبعيد. تعني بقاءه في ظل حماية أمنية محلية وإقليمية ودولية، وهو هاجس صار يسكنه كما حال العائلات الحاكمة في بلادنا والعالم. تعني البقاء على التواصل مع جهات قوية في لبنان يمكنها أن تمحو رقم هاتفه من ذاكرة هواتفها لو استقال. وهي تحول دون سقوط ما تبقّى من هيبة له بين رجال أعمال وسماسرة وشركات تخشى قدرته على تعطيل أعمالها أو عرقلتها. وتعني، أيضاً، قدرة على استمالة ناس من هنا وهناك باسم الطائفة والموقع والبلاد.

كل ذلك يعني، ببساطة، أن الحريري لن يترك رئاسة الحكومة من دون قرار كبير يتخذه من يملك القدرة على تقرير مصيره السياسي. تجربة الاحتجاز في السعودية لم تمنحه قوة مقاومة لعدم تكرار التجربة، بل يبدو أن الايام القليلة التي أمضاها في معتقل مرفّه، أصابته بمتلازمة استوكهولم التي تجعل الرهينة أسير دونية غير مفسّرة أمام خاطفه. وهو الذي ضعف وارتبك وخاف من مصارحة الناس بحقيقة ما حصل معه، وتراجع عن محاسبة من خانه وتآمر عليه من أبناء بيته، وأبناء تياره، وأبناء جلدته ايضاً. وأصابته عوارض إطلاق السراح المشروط، فلا هو قادر على شكر من ساعده على الخروج من أزمته، ولا على الجهر بحقيقة من أعانه وأخرجه من سجنه بالقوة لا بالدبلوماسية. وهو الذي لم يقدر حتى على بقّ البحصة التي تحولت كتلاً خرسانية تعطل كامل جسده.

الذين يعرفون سعد الحريري جيداً يتحدثون عن مفاجآت في شخصه هذه الايام. عصبيّته وطريقة أكله للسيجار، لا تدخينه، وعلاقته مع طعامه أو نبيذه الفاخر، وطريقة جلوسه داخل الدار وخارجها، كل ذلك لا يعكس ارتياحاً، بل ضيقاً شديداً يرفع من منسوب توتره الشخصي.

واللافت أن الرجل الذي عُرف ببساطته السياسية وقلة حنكته في إدارة التحالفات والملفات، «أصيب» فجأة بنوبة من دهاء غير مسبوق. وما يقوم به في سياق ملف تشكيل الحكومة الجديدة، يعيد الى الأذهان حكايات بيروت عن مفاوضات صائب سلام ورشيد كرامي وآل الصلح. حتى والده لم يكن يهتم بالطرق الملتوية. وربما كان الحضور السوري في القرار النهائي مانعاً للمناورات. لكن، رغم ذلك، لم يكن رفيق الحريري يحتاج الى ألاعيب جانبية.

هل هو فعلاً محتجز هذه المرة لكن في بيروت، أم خاطف لرئاسة الحكومة، لا يريد تركها لحظة ويحضنها في سريره كأعزّ من ألف عشيقة؟

وحتى لا يبدو أن في الامر إهانة شخصية، لنقل إن سعد يحيط نفسه، أو إن هناك من يحيطه، بمن هم قادرون على التلاعب بالحقائق بطريقة افضل، وعلى درجة من الحنكة غير المسبوقة في بيت الوسط: من إبعاده المتعِبين من حوله، المعروفين بكثرة الكلام وقلة الافعال، الى إدارة شارعه الغاضب لألف سبب غير ملف رئاسة الحكومة، الى تعامله مع الازمات الهائلة التي تمر بها البلاد، الى طريقة إدارته مرحلة تصريف الاعمال، إذ يهمل ما يتعبه في الاقتصاد والادارة ويمسك بما يفيده في الامن والمال. والاهم طريقة إدارته النقاش مع المرشحين لخلافته في رئاسة الحكومة. فيظهر في غالب الاحيان كزاهد في الحكم، وغير مهتم بتفاصيل تشكيل الحكومة، وراغب في الابتعاد للاستراحة، لكن، سرعان ما يصبح شيخاً في السياسة، له باعه في النصح والمشورة. وما يخرج من فمه ليقع مباشرة في أذن من يطمح لخلافته، يتحول رصاصاً يجعل منافسه صريعاً فاقداً لأهلية الدور.

أما ملاحظاته، أو وصاياه، فهي، ببساطة شديدة، ليست سوى المطالب الواضحة لتحالف السعودية – أميركا الذي يدرج لبنان ساحة مركزية في معركته المفتوحة مع إيران ومحور المقاومة. وهي معركة لها أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية. لذلك، يكون الحريري واضحاً في مطالبه:

أولاً: لا تراجع عن السياسات المالية والاقتصادية ولا خيارات سوى الإقرار ببرامج الخصخصة الكاملة، وضرورة تأبيد وجود رياض سلامة في حاكمية مصرف لبنان.

ثانيا: إضعاف التيار الوطني الحر من خلال منع رئيسه جبران باسيل من الدور الوزاري المباشر، وحرمانه من حقائب اساسية تجعله قليل القوة في مواجهة خصمه الرئيسي سمير جعجع.

ثالثاً: تعزيز استقلالية الجيش وقيادته عن سلطة رئيس الجمهورية ووزارة الدفاع، ومنع التعرض لقائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير الاستخبارات العميد طوني منصور، والإقرار بهامش خاص لعمل الجيش على طول حدود لبنان الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية.

رابعاً: إفساح المجال أمام بقاء حالة «غليان الشارع» لكن في وجهته ضد عون وحزب الله، والسعي الى انتخابات نيابية مبكرة تعدل ميزان القوى داخل المجلس، وتفتح الباب أمام طرح انتخابات رئاسية مبكرة.

Image result for ‫سعد الحريري مع محمد بن سلمان‬‎

هنا، يصبح السؤال حول واقعه أمراً حتمياً: هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

Image result for ‫سعد الحريري‬‎

Related Videos

Related Articles

سلامة شريك كارتيل النفط جنبلاط والبساتنة وشمّاس ويمّين وتوتال يبتزّون الناس

ابراهيم الأمين

السبت 30 تشرين الثاني 2019

لم يكتفِ رياض سلامة بكل ما فعله خلال ربع قرن من سياسات نقدية ومالية أفقرت الشعب اللبناني. ولم يقبل التواضع والخروج من الساحة، وقاتل لأجل ذلك مستخدماً أموال الدولة والمودعين، مانعاً تغييره منذ عام 2005. ولم يكتفِ بما جعل لبنان يدفع كلفة بقائه حاكماً قبل ثلاث سنوات. كذلك لم يكتفِ بالسماح بتهريب أموال كبار أثرياء الحرب الأهلية والحرب الاقتصادية وسارقي الدولة والناس في الأشهر الماضية، بل هو يواصل كذبه على الناس، ويتحدث عن صلابة وسلامة النقد والقطاع المصرفي. ولا يزال يصرّ على سياسات هدفها الأول والأخير المحافظة على أرباح كارتيلات البلاد المنتشرة في كل القطاعات، من المصارف الى النفط والمواد الاستهلاكية وتجّار العملة أيضاً.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن شركاء سلامة، في جولة اليوم، هم من أبناء الطبقة الحاكمة، من رجال أعمال يخدمون سياسيين كباراً بغية المحافظة على نفوذهم وقوّتهم. وبعض هؤلاء يحاولون ركوب موجة الحراك، وتراهم يتحدثون عن الثورة ونظافتها، مثل تاجر الدم والنهب وليد جنبلاط، الذي لم يكتفِ بإرسال زعرانه لقطع طريقَي الساحل والبقاع، وقتل متمرد عليه هو علاء أبو فخر برصاص الموالين له، بل هو اليوم يشارك في تصعيد مفتعل يقف خلفه كارتيل المحروقات، وهو أحدهم، من أجل جباية المزيد من الأرباح، والتي لا نعرف إن كان يضمن مسبقاً تهريبها الى خارج لبنان. وهو يفعل ذلك مطمئناً الى أن جماعة أميركا والـ«ان جي أوز» في الحراك، يمنعون أي كلمة ضده، وأي اعتصام في مواجهته، وأي تحرك تجاه منزله في بيروت أو المختارة، وأي اعتصام ضده في إمارة الشوف وعاليه، وأي بيان يجعله، فعلاً، واحداً من «كلن يعني كلن».

عنوانان احتلّا مشهد البلاد أمس، الى جانب البحث المملّ بشأن الوضع الحكومي، والذي لا يبشّر بخير، حتى ولو تحدد موعد الاستشارات، لأن الذين يريدون تأليف الحكومة هم أنفسهم الذين يرفض الشارع بقاءهم في مناصبهم. والعنوان الأول، هو استمرار التلاعب بسعر الليرة اللبنانية، وتواصل عملية ابتزاز المواطنين الساعين الى استعادة أموالهم المودعة في المصارف. والعنوان الثاني يتعلق بإضراب أصحاب محطات البنزين، وهم شبكة من كبار تجار النفط وموزعيه، والذين حصدوا أموالاً طائلة من الأرباح طوال الفترة الماضية، ويقف جنبلاط في مقدمهم، من أعمال «كوجيكو»، (بالإضافة الى نشاطه في قطاع الغاز والاسمنت)، الى الفرنسيين من خلال شركة «توتال»، الى أبناء البساتنة الذين صاروا يملكون عدداً هائلاً من محطات الوقود، ويتشاركون مع الأخوَين ريمون وتيدي رحمة في استيراد النفط والفيول من الخارج، الى أصحاب المحطات الأخرى من مارون شمّاس وأوسكار يمّين وآل رمضان، وغيرهم من الذين لا يريدون التنازل عن 5 بالمئة من أرباحهم في هذه الأزمة، ويتحدثون عن صعوبات تواجه عمليات الاستيراد.

لكن سلامة يعود ليقف على رأس فرقة إنقاذ هؤلاء. إذ عندما قررت وزارة الطاقة القيام بمبادرة كان يجب أن تكون سياسة عامة منذ وقت طويل، وقررت استيراد البنزين عبر «منشآت النفط»، لتضع ما ستستورده في خزانات تتسع لكميات تكفي البلاد لثلاثة أشهر على الأقل… عندما قررت الوزارة ذلك، قرر أصحاب المحطات الإضراب، بينما يعرقل سلامة إقرار الاعتمادات المالية للوزارة، مؤخِّراً عملية الاستيراد، ومتصرّفاً مع الدولة بطريقة لا تأخذ بالحسبان الأزمة القائمة. يريد منها اتخاذ إجراءات ستنعكس حكماً على المواطنين من خلال رفع أسعار الوقود الآن، من البنزين الى المازوت الذي سيرتفع الطلب عليه في فصل الشتاء والبرد.

اجتماع بعبدا يطالب مصرف لبنان بخفض الفوائد وبتسهيل متطلّبات المودعين

وإلى جانب هذا المسار، لا يزال سلامة يكذب على الناس في شأن الوضع المالي. هو أعلن بلسانه أن الودائع محميّة، وأنه يرفض إقرار قانون لتقييد السحوبات والتحويلات (capital control)، وأنه لن يمسّ بحرية التحويلات المالية الى الخارج. لكنه لم يلزم المصارف بهذا التوجه، بل تركها تتصرف كما لو أن القرار موجود. ثم لم يناقش المصارف في الإجراءات التي تقوم بها لمواجهة طلبات الزبائن. وبينما أعلنت جمعية المصارف برنامج عملها، عادت ولم تلتزم به، وفرضت على الناس البرنامج الذي يناسبها، وهي التي حددت سقف السحب اليومي أو الأسبوعي من العملات المحلية أو الأجنبية. وفوق ذلك، فإن سلامة يترك قطاع الصرّافين يعمل بلا رقيب أو حسيب، علماً بأنه من مسؤولياته، كما هي حال شركات شحن الأموال، التي يرفع أصحابها لواء «ثورة الفقراء»، لكنهم غير مستعدين لخسارة واحد في المئة من أرباحهم.

في القصر الجمهوري، انعقد اجتماع مالي هو الثاني منذ اندلاع الأزمة. وغاب عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، المهتم بتأليف حكومة يديرها من دون أن يترأّسها. وخلال الاجتماع، جرت مراجعة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف في الإجراءات المتخذة في سوق القطع وكيفية التعامل مع المودعين. وبحسب معلومات مشاركين في الاجتماع، من المفترض أن يبادر رياض سلامة ــــ ولا أحد يثق بأنه سيفعل شيئاً ــــ إلى إلزام المصارف بسياسات تسهّل للناس الحصول على حاجتهم من أموالهم المودعة، وكذلك تسهيل التحويلات الضرورية للناس وللأعمال إلى الخارج. لكن النقطة الجديدة التي أثيرت في اجتماع أمس، هي دفع القطاع المصرفي الى خفض الفوائد المعتمدة على العملات المحلية والأجنبية الى النصف، باعتبار أن سبب رفعها سابقاً لم يعد موجوداً، إذ كان سلامة يبرّر رفع الفوائد بالحاجة الى جذب أموال من الخارج، وهو ما لا يحصل الآن. ويفترض أن يصدر عن حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف مجموعة من القرارات والتعاميم في هذا السياق.

أما في جانب عمل الصرّافين، فالصورة تبدو قاتمة، حيث لا يضمن أحد من المسؤولين تغييرات حقيقية. وبينما ارتفع سعر الليرة مساء أول من أمس، عاد وانهار أمس ليبقى متداولاً بين 2100 و2250 ليرة لكل دولار.

Related Videos

Related News

مسؤولية الكبار

 ابراهيم الأمين

الجمعة 29 تشرين الثاني 2019

كلّ تفصيل إضافي نسمعه عن سلوك أهل السلطة في الملفّ الحكومي يؤكّد، مرة جديدة، أن هؤلاء ليسوا في وارد التنازل الجدّي، بل يفكّرون في شكليات يعتقدون بأنها تناسب ذوق الجمهور. البحث عن رئيس جديد للحكومة، أو عن وزراء، يجري على قاعدة الإبقاء على جوهر المقاربات والسياسات نفسها، مع البحث عن طريقة لاستهبال الناس والاعتقاد بأن تغييراً في أسماء وزراء والإتيان بحزبيين مقنّعين بدل آخرين مكشوفي الوجوه، من شأنه إقناع الشارع بوقف غضبه، علماً بأنه يمكن للسلطة أن تقول كلاماً واضحاً حول ضرورة التمثيل السياسي في أي حكومة، على أن تبحث في برنامج العمل وفي الأهداف، وهو ما لا يجري مطلقاً.

أكثر من ذلك، يبدو من النقاش أن القوى الرئيسية لا تزال تتصرّف على أن ما حصل في الشارع لا يُلزمها بتغييرات كبيرة. لذلك، يتردد في مداولات تشكيل الحكومة كلام عن تمسك التيار الوطني الحر بحقائب معينة، وحتى بوزراء حاليين. والحال نفسها بالنسبة إلى الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، فيما تعتبر القوات اللبنانية أنها حققت نجاحات حيث انتشر وزراء التكنوقراط، وتريد مزيداً من هذا الصنف. أما حزب الله فلا يظهر حماسة للضرب على الطاولة وإلزام اللاعبين حوله بضرورة مغادرة هذه العقلية، بل يبدو مهتماً بتقليص مسافة الخلافات بين القوى المفترض بها تشكيل الحكومة ولو على حساب البرامج، علماً بأن الرئيس سعد الحريري الذي يعلن عزوفه عن ترؤس الحكومة الجديدة، يتصرف على أنه الرئيس الفعلي للحكومة ولو من خلف الستار، ويتشاطر في طرح أفكار على المرشحين الآخرين تمثل طموحاته، إلا إذا كان الحريري ــــ كما يعتقد البعض ــــ في حالة أسر، وسجيناً بقرار أميركي ــــ سعودي، لكن في بيروت لا في السعودية.

مطالب الحريري تتركز على سبل عدم إحداث أي تغيير. ففي توصياته للمرشحين أنه لا يمكن الموافقة على إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير المخابرات العميد طوني منصور أو قيادة قوى الأمن الداخلي، ورؤساء بعض المؤسسات العامة مثل مجلس الإنماء والإعمار والميدل إيست وغيرها. فيما يشدّد في المقابل على ضرورة إبعاد ممثلي حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل عن وزارات أساسية، ولا ينسى تشجيع المرشحين لخلافته على انتزاع تعهّد بإجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال ستة أشهر.

كل هذا ــــ وتفاصيل أخرى أكثر مأسوية تتعلّق بمقاربة الأزمة المالية والنقدية ــــ يدل بصورة مباشرة على أن من في السلطة ليس في وارد التغيير. فهذه السلطة لو كانت مهتمة أصلاً بمنع الانهيار، لكانت عدّلت في سياسات المحاصصة التي اعتمدتها منذ توقف الحرب الأهلية. وبالتالي، من المفترض باللبنانيين عموماً، وقوى الحراك الوطنية الساعية الى تغييرات جوهرية، لا الى احتلال مقاعد في السلطة، ألّا يراهنوا على تغييرات جوهرية مقبلة. ما يعني أن أي حكومة ستتشكّل لن تلبّي الحد الأدنى من الطموحات. لكن السؤال الذي سيطرح أمام الحراك هو: كيف نواصل الضغط من أجل التغيير الجدي؟ وكيف نجذب قوى اجتماعية وشعبية أكبر نحو الحراك لخلق نمو متين في جسم الحراك، لا البقاء في دائرة النفخ الجارية الآن؟
إذا كان كبار البلاد في السلطة على هذه الحال، فكيف يتصرف بقية «الكبار» من أهل البلاد، أي كبار السلطة المالية والنقدية بكل أركانها، وكبار المؤسسات الدينية الغنية، وكبار القوم من الأغنياء والمتمولين؟

التبسيط يساعد كثيراً في فهم الغاية من العمل المطلوب. والتبسيط يقول إن لبنان يواجه مشكلات كبيرة؛ أبرزها، اليوم، الملف المالي والنقدي. والمشكلة هنا أيضاً بسيطة لناحية التوصيف: هناك عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة، وهناك دين كبير جداً على الدولة، ودين كبير على المواطنين للمصارف، وعجز كبير في الميزان التجاري، وعجز أكبر في ميزان المدفوعات. وهناك نقص في سيولة المصارف بالعملات الأجنبية، وشكوك حول قدرة القطاع المصرفي على ضمان ودائع المواطنين، وتراجع سريع في قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، ونقص تدريجي في قدرة الناس على الإنفاق العادي، وتراجع في القوة الشرائية لمداخيلهم، وهذا يؤدي الى تراجع في الاقتصاد وفي عمل القطاعات كافة، ويقود الى تقليص المداخيل وتراجع القدرة على توفير وظائف، ومن ثم إغلاق لمؤسسات وزيادة نسبة البطالة… الخ!

هذا أمر ليس بسيطاً على الإطلاق. لكن علاجه، في هذه اللحظة، يتطلب من كبار السلطة الموازية، المالية والاقتصادية والدينية، المبادرة الى تحمل المسؤولية. والمبادرة تستوجب منهم التنازل عن جزء مما جمعوه خلال ثلاثين سنة وأكثر من أموال وقدرات وأملاك بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة. وهذا التنازل إما أن يحصل طوعاً، وإما أنه سيحصل عملياً بسبب الأزمة!

ببساطة أكبر، يجب أن يتخلى كبار المودعين، الذين نمت ودائعهم جراء السياسات النقدية وبرامج الفوائد، عن جزء حقيقي ووازن من هذه الثروات لتقليص حجم الدين العام على الدولة.
وببساطة أكبر، أيضاً، يجب إلزام كبار المالكين بدفع بدلات ضريبية على ما يملكون أو ما تملّكوه، سواء بفعل أعمال المضاربة العقارية أو بفعل تراكم الثروات غير الواضحة المصدر، من أجل تغذية الخزينة بما يقلّص قيمة العجز.

ببساطة أكبر، يجب على الشركات الكبيرة، مالية أو تجارية أو خلافه، أن تقلص حجم أرباحها بما يقلّص كلفة الاستهلاك العام على الناس، وبالتالي، على هذه الشركات أن تقبل بتعديلات جوهرية في طريقة عملها، وهو أمر سينعكس حكماً على واقع أصحابها ومالكيها،
ببساطة أكبر، يجب على المرجعيات والمؤسسات الدينية (أوقاف وخلافه) أن تدرك أن ما تملك باسم الله يجب أن يعود إلى الناس. وعودته الى الناس ليس وفق هوى هذه المرجعيات، حتى لو قررت أن تمنحه لرعاياها دون غيرهم. هذه المرجعيات تملك ثروة عقارية ومالية كبيرة، واستثمارات مالية وتجارية كبرى، وجيشاً من العاطلين عن العمل يجري تمويه توصيفهم بدور الراعي والمبشّر والمبلّغ. وإذا كان هناك من مدخل لتعديل الواقع الاجتماعي للناس، فإن لهذه المرجعيات دورها الأساسي الإلزامي، وهو أمر لا يتمّ من دون تعديلات في القوانين الراعية لعمل هذه المرجعيات التي تتصرّف عملياً على أنها فوق القانون وفوق المؤسسات والسلطات.

مطالب الحريري: الابقاء على سلامة وجوزيف عون ورؤساء الأجهزة والمؤسسات العامة التابعين له

ببساطة أكبر، يجب على السلطة، أيّ سلطة حكيمة، أن تبادر الى التعامل مع ملف الدَّين العام بطريقة مختلفة، وأن تبادر الى خطوات سلبية باتجاه دائنين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حكومات، تقوم على أساس وقف خدمة هذا الدين، والتفاوض لتقليص المتوجبات مهما كانت الكلفة، علماً بأن البعض يتحدث كثيراً عن مصادرة أملاك الدولة خارجياً وملاحقتها قضائياً داخلياً.

وببساطة أكبر، من المفيد تذكير أصحاب المصارف وكبار المساهمين، وحتى كبار المودعين الذين يتحوّلون مع الوقت الى مساهمين ولو من دون عضوية، المبادرة من تلقاء أنفسهم الى مساعدة الناس على تحمل كلفة الأزمة، وأن يتم شطب الكثير من الديون، وخصوصاً المتعلقة بالتعليم والسكن الصغير والطبابة والمشاريع الإنتاجية الصغيرة الحجم، وهو شطب يجب أن يفهم من قبل أصحاب المصارف وكبار المساهمين وكبار المودعين على أنه خطوة تضامنية عادلة، لا مقابل لها سوى استعادة الاستقرار العام ومنع الانهيار الذي سيصيب عائلات كثيرة لو ألزمت على سداد هذه الديون مع تراجع المداخيل وتراجع القدرة الشرائية لمداخيلهم.

نحن أمام مشكلات متنوعة، والكل يعرف أن من الواجب إعادة النظر في واقع القطاع العام. ولكن، كل آلية لـ«تطهير» القطاع العام ومؤسساته، من الفاسدين أو العاطلين، أو الذين وظّفتهم مرجعيات ولا يحترمون واجبهم في العمل، يجب أن تأخذ في الحسبان أن تعاظم جيش العاطلين عن العمل سيتحوّل عبئاً على البلد كله، وليس على فئة دون غيرها. لكن اللبنانيين، الذين يعانون من شراهة القطاع الخاص، لن يتعايشوا طويلاً مع كسل قسم من القطاع العام وغياب الجدوى منه.

مرة جديدة، الأزمة لن تحلّ بحكومة كالتي يجري العمل على تشكيلها، ولن تحل بفوضى الشعارات عند لصوص الحراك من جماعة أميركا والقوى السلطوية. الحلّ لن يكون من دون مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية كبيرة وصعبة ستفرض سلوكاً جديداً على الناس، قد يدفعهم الى اكتئاب وإحباط، لكنه السلوك المتناسب مع واقعهم الحقيقي، وليس مع واقعهم الافتراضي.

Related Videos

Related News

قاطع الطريق وداعمه ومساعده مجرمو حرب

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019

متلازمة السوشال ميديا صارت مرضاً يسيطر على غالبية الجمهور. لكنها أصابت مقتلاً حتى من فئات تعتبر نفسها في موقع متقدم عن الناس ثقافياً ومعرفياً. المشكلة، هنا، ليست في أن تقول كلاماً صحيحاً، وليست في أن تقول الحقيقة، ولا في أن تكذب أو تخفي وقائع قاسية. المشكلة هنا متوقفة فقط عند عنوان واحد اسمه: الانطباع!

يعني، لا يهمّ أي نوع من التدقيق في طبيعة المواجهات التي تحصل بين وقت وآخر في الشارع بين جمهور المتنازعين سياسياً. ولا ينفع التدقيق في إقناع هذا أو ذاك بتعديل موقفه. المهم، هنا، هو الانطباع الذي سيزرع في عقول الناس وقلوبهم. لذلك، يسيطر الانطباع على العقل. وحتى من يريد وضع خطة عمل لفريق أو جهة، أو من يريد القيام بعمل له حساباته الواقعية، لا يقف الا عند الانطباع. الجملة السحرية التي تسيطر على ألسنة الجميع هي: ماذا سيقول الناس عنا؟ والناس، هنا، ليسوا سوى لاعبين افتراضيين على منصّات التواصل الاجتماعي الذين باتوا قادرين على إطلاق الأحكام على الجميع ومنع محاكمتهم في الوقت نفسه.

ولأن الانطباع هو المسيطر، تجد نفسك في موقع غير الراغب في الشرح والتدقيق. بل في موقع اللامبالي إزاء ردود فعل مهما كبرت أو تحولت الى وقائع، لأن النقاش يصبح من دون فعالية إذا كان من يقف على الضفة الاخرى غير مهتم إلا بالانطباع. وهذا مصدر نجاح كبير لمن يقود ما يسمى في عالمنا اليوم «الحرب الناعمة». هذه الحرب التي لا تستهدف خلق وعي معرفي عند الاصدقاء أو الخصوم، بل هدفها الوحيد هو تطويق هؤلاء بفكرة الانطباع: أنت جميل، هو قبيح، أنت واضح، هو متذبذب، أنت طائفي هو علماني، أنت آدمي هو حرامي… وهكذا الى نهاية السلسلة من لعبة زرع الجزئيات التي تنتهي عادة على شكل صورة لشيء وحيد هو: الانطباع!

والانطباع سرعان ما يصبح أسير قوانين اللعبة الافتراضية، أي أسير أدوات العمل على مواقع التواصل. والمهم، هنا، كيفية تحويل الانطباع الى «ترند»، أي رفع قيمته من لحظة انفعال عاطفي الى لحظة نمط تعامل. أي إن الـ«ترند» هو المرحلة التالية في تحويل الانطباع الى حقيقة. وهذا وحده كفيل بجعل الكذاب في حالة زهو غير مسبوقة إذا حصد المرتبة الاولى. كما من شأنه أن يدفع صادقاً الى الانتحار، لأنه فشل في الدفاع عن نفسه أو وجهة نظره. ومن يرد التجاهل والتجاوز ما عليه سوى اختبار نفسه ضمن مسابقة النقاط، التي تحصر في هذا العالم بلعبة «لايكات»، تتحول الى علامات نجاح أو رسوب، وهي ما تجعل من الانطباع قوة رئيسية في التفكير بالقول، كما تجعل من الـ«ترند» قوة رئيسية في الفعل… وهكذا!

في لبنان اليوم، وعلى هامش الأزمة القائمة، ثمة حشد مقبول، من أشخاص وجمعيات وجهات وقوى ومؤسسات، يديرون يومياتهم السياسية على أساس الانطباع القائل بأن جمهور المقاومة في لبنان صار عدواً لكل من يطالب بالإصلاح. وهؤلاء يتصرفون على أساس ان غالبية لبنانية تقف الى جانبهم، وأن أقلية تقف في جانب جمهور المقاومة الذي يتعرض لعملية عزل متواصلة. والبعض من هذه الفئة يتصرف على أساس أنه قادر على تحديد وجهة التفاعل على الارض، ولا يهم بقية الناس، لان الانطباع هو الأقوى. لكن هذه الفئة لا نعرف كيف تتصرف عندما تصدم بحقيقة الوقائع، التي تنسف الانطباع، وتفرض صورة معاكسة تماماً، حتى ولو حصل ما حصل من إشكالات وخسائر!

بناءً على لعبة الانطباع، التي يمكن تحويلها الى حقيقة، لا الى «ترند»، وجب اليوم قول الآتي:
كل مشارك في الحراك لا يخرج الى العلن، ويدين صراحة قاطعي الطرق، هو شريك فعلي في جريمة اغتيال المواطنين حسين شلهوب وسناء الجندي على طريق الجية.
كل ناشط في الحراك لا يخرج الى العلن، ويذيع بياناً يدين بالاسم مرتكبي هذه الجريمة، هو شريك في سفك دماء الأبرياء.

كل إعلامي، مؤيّد للحراك، لا يكتب أو يذيع موقفاً واضحاً، جهاراً نهاراً، يشتم فيه قاطعي الطرق هو شريك مساهم في الجريمة.
كل سياسي مؤيّد للحراك بكل صنوفه، طوعاً أو غصباً، وعن حق أو عن دجل، لا يسارع الى إيجاد وسيلة إعلامية لإذاعة بيان يدين بالأسماء المسؤولين عن قطع الطرقات هو شريك في هذه الجريمة.

كل جمعية مدنية، أو منظمة غير حكومية، تشارك في الحراك، لا تصدر بياناً واضحاً، فيه إشارة واضحة الى المسؤولين عن قطع الطرقات، وتحميلهم مسؤولية الجريمة، شريكة في الجريمة وتتحمل مسؤولية الدماء التي سفكت.

كل قوة سياسية أو حزب أو حركة تشارك في الحراك، وتملك الجرأة على المطالبة بإسقاط النظام، ولا تخرج وتعلن على لسان قيادييها أنها تدين قطع الطرقات وتهاجم المرتكبين بالأسماء، هي قوة وحركة وحزب شريك في الجريمة.

من يتوهّم نقل البلاد الى جبهة الغرب هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى تراند عالمي!

ولمن لا يعرف، أو يتذرع بعدم المعرفة، فإن زعران سعد الحريري وسمير جعجع وسامي الجميّل ووليد جنبلاط هم من يتولى قطع الطرقات، ومن يتولى مهاجمة المارة وشتمهم، ومعهم كل المجموعات التي تعمل طوعاً أو غصباً مع مخابرات الجيش اللبناني، ومع فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي،

أما من يعتقد بأن هناك طبقات اجتماعية عند ضحايا فوضى الحراك، ويعتقد أن إعلاماً حقيراً ومشوّهاً منذ نشوئه، يمكنه التمييز بين هذا أو ذاك، ويمكنه تجهيل الفاعل وتحييد الناس، وتركهم ضحايا الانطباع إياه، وأسرى الـ«ترند» إياه، فمن المفيد تذكير هؤلاء بأننا سوف نلاحقهم، اسماً اسماً، وناشطاً ناشطاً، وجمعية جمعية، ومنظمة منظمة، وجهة جهة، وحزباً حزباً، وحركة حركة، وإعلامياً إعلامياً، وإعلامية وإعلامية، ولن نترك منهم أحداً من دون مساءلته يومياً عن مصدر أمواله ومرجعيته، وسنلزمه، الآن وكل يوم، بأن يقدم لنا جردة يومية بكل ما قام ويقوم به، وسنروي للناس ما حرصنا على كتمه من أجل الصالحين في الحراك..

أما من يهربون من مسؤوليتهم في تنظيف الحراك من هذا الوسخ، فهم اليوم أمام استحقاق أساسي، لأن من يريد التلطّي خلف شعارات عامة ومطالب مفتوحة، عليه أن يعرف أن نتائج الأفعال تقع على عاتق من بيده الأمر من بين هؤلاء، ومن لا يزال يتوهم أن بإمكانه نقل البلاد الى جبهة الغرب، فقط لأنه قرر ذلك، إنما هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى «ترند» عالمي!

يجب أن يعرف هؤلاء أن دموع الصبية الناجية من محرقة الجية أمس، وحرقتها على من فقدته أمام عينيها، هي أهم من كل شعار يرفع في أي ساحة من ساحات لبنان.

Related

لماذا ينقسم النظام بين مؤيّد ومعارض للمتظاهرين؟

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

ابراهيم الأمين

الخميس 14 تشرين الثاني 2019

 وقائع اجتماعات «المنظمات غير الحكومية»
 برامج الحكم البديل والتمويل… ومن التقى كوشنير؟

للحراك الشعبي هوية مفترضة يقول الناشطون إنها تتعلق باستعادة الدولة الحقيقية. المشترك الوحيد الفعلي بين كل من يصرخون في الساحات اليوم هو المطالبة بإسقاط رموز السلطات الحاكمة في لبنان جميعاً. ويجتهد الحقيقيون منهم، وحتى المزوّرون، بالتأكيد أن لا وجود لأجندات أخرى غير المطالبة بتغيير حقيقي في بنى السلطة أو حتى النظام. ولكن، لدى التدقيق، يمكن التمييز بين مطالب ذات طابع فئوي، وأخرى لمجموعات تطالب بإنتاج آليات جديدة لقيام سلطة تمنع القهر بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والإنسانية. أما ما يصرخ به الجمهور لجهة عدم الحاجة إلى قيادة أو ناطقين أو ممثلين يفاوضون باسمهم، فلا يعبّر بدقة عمّن يمكن تسميتهم بـ«الوجوه المعبّرة» عن تطلعات قسم كبير من المشاركين في الاحتجاجات. وهؤلاء يسردون وقائع كثيرة تراكمت حتى لامست حدّ الانفجار الكبير، قبل أن يصمتوا عندما يُسألون: كيف يتم التغيير السلمي؟ وعبر مَن؟ وبواسطة مَن؟

لنعد إلى البداية.

لا يحتاج عاقل في لبنان إلى معرفة طبيعة الانقسام القائم حول آلية إدارة الدولة. وهو انقسام له خلفية طائفية ومذهبية ومصلحية. وقد أدت التسويات بين أركان القوى النافذة إلى تعميق الخلل على صعيد البنية الإجمالية للنظام، ما جعله مُنهَكاً حتى وصلنا إلى مرحلة الموت. وهذه الحقيقة التي يعاند أركان الصيغة في رفضها. وبما أن الانهيار حاصل حتماً، فإن الغضب الشعبي الذي كان يقوم مرات بصورة قطاعية، تجمع هذه المرة على شكل احتجاج عام، شارك فيه قسم كبير من اللبنانيين، سواء من نزلوا إلى الشوارع أو الساحات أم من لازموا منازلهم. لكن الحقيقة الأكيدة أن اللبنانيين أعلنوا، هذه المرة، أن الصيغة القائمة سقطت. إلا أن أحداً لم يتحدث عن بديل جاذب لغالبية لبنانية جديدة تُتيح بناء الجديد.

لكن، ماذا عن التدخلات في الحراك القائم، قبل اندلاعه وبعده؟ وهل صرنا في وقت مسموح فيه السؤال عن بعض الأمور وعرض بعض التفاصيل التي تفيد في الإجابة عن أسئلة كثيرة حول هوية المستفيدين والمستغلّين؟ وكذلك حول قدرة أهل الحراك على حمايته من الخطف أو الأخذ صوب مواجهات تخدم أركان الصيغة الساقطة أو رعاتهم الخارجيّين؟ وطالما يصعب توقع تفاهمات وطنية كبيرة على صيغة جديدة قريباً، فإن البلاد أمام خيارين: إما ترميم الحكم الحالي في انتظار لحظة تغيير جذرية تحتاج إلى عناصر جديدة؛ وإما الاستمرار في حال الفراغ القائمة على صعيد الحكم، مع ما يصاحبها من مخاطر الفوضى وما هو أكثر (بالمناسبة، هل كنا نحن خلف الفوضى القائمة عندما حذّرنا منها باكراً؟).

(مروان بوحيدر)

عند هذه النقطة، يبدأ الانقسام الكبير في المقاربات مع من يعتقدون، واهمين، أن المسألة محلية مئة في المئة، ويتماهون مع شعراء الكبة النية والتبولة وفخر الصناعة اللبنانية والوحدة الوطنية وبقية الزجل السخيف!

لا بأس، هنا، من الحديث بصراحة عن التدخلات. داخلياً، هناك قوى وجهات مختلفة صاحبة مصلحة في استخدام الاحتجاج لإحداث تغييرات تصبّ في مصلحتها، أبرزها قوى 14 آذار التي خسرت الكثير منذ عام 2005. وهي لم تخسر محلياً فقط، بل خسرت كل عناصر الدعم النوعي في الإقليم والعالم، وتشعر بوهن كبير نتيجة التراجع الذي أصاب المحور الإقليمي – الدولي الذي تنتمي إليه. هذه القوى تريد نسف التسوية الرئاسية التي قامت في الأعوام القليلة الماضية، لكنها لا تريد نسف النظام لأنها، تاريخياً، من المستفيدين منه. وهذه حال وليد جنبلاط وسمير جعجع وفريقهما، كما هي حال قوى وشخصيات «خرجت من المولد بلا حمص» رغم انخراطها في الصراع الداخلي. ويضاف إلى هؤلاء خليط من الشخصيات التي يمكن أن تُطلق عليها تسميات كـ«التكنوقراط» و«الاختصاصيين» ممن ينتشرون في كل مفاصل لبنان تحت عناوين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني وتوابعهما. وهؤلاء، باتوا اليوم في صلب الحركة السياسية الطامحة إلى امتلاك مواقع في السلطة. وهم يقولون، صراحة، إن عجزهم عن إنتاج أحزاب سياسية يجعلهم أكثر حرية في العمل ضمن أطر ذات بُعد مهني أو قطاعي أو مدني.

اليوم، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل من مرّ على قوى 14 آذار لا يشعر بالذعر جراء ما يحصل في الشارع، وإلى أن يتصرف على أنه جزء من الحراك الشعبي. وحتى من يتجنبون الظهور مباشرة في الساحات، ولو بغير رضى، لا يتصرفون كما لو أن ما يجري يستهدفهم. بل يتصرفون من موقع الداعم. وفي كل مرة يُتاح لهم التحدث، يعلنون «تبني مطالب الناس». وهو لسان حال كل من في هذا الفريق. كما تجدر ملاحظة أن كل من له علاقات جيدة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة وأميركا وفرنسا وبريطانيا، يتصرف براحة وفرح إزاء ما يحصل في الشارع. وهؤلاء ليسوا سياسيين فقط، بل بينهم أيضاً اقتصاديون وإعلاميون وناشطون وناشطات وخبراء!

في المقابل، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل خصوم 14 آذار، من حزب الله إلى حركة أمل والتيار الوطني الحر وكل من هو في موقع الحليف للمقاومة، يتصرفون بقلق كبير إزاء الحراك. ويمكن من دون جهد كبير ملاحظة أن الشعارات والهتافات التي سيطرت على المشهد الإعلامي الخارج من الساحات، ركّزت – ولا تزال – على هذا الفريق ورموزه، كما يمكن بسهولة ملاحظة حال القلق، بل وحتى الذعر، التي تسود لدى جمهور هذه القوى في الشارع. ويمكن، أيضاً، ملاحظة أن الناس العاديين الذين يقفون إلى جانب المقاومة، والذين بكّروا في النزول إلى الساحات للمشاركة في الاحتجاجات، خرجوا منها تباعاً بمجرد أن سمعوا ملاحظات مقلقة من السيد حسن نصرالله حيال ما يجري وما يُخطَّط له.

كذلك يمكن، من دون جهد استثنائي، ملاحظة أن وسائل الإعلام والإعلاميين الذين بنوا امبراطورياتهم وشركاتهم الموازية عبر الاستفادة من هذا النظام ومن كل من تعاقب على الحكم فيه، ومعهم جيش من رجال الأعمال العاملين في لبنان وخارجه، يقفون إلى جانب الحراك، بل يتغنون به بلا تردّد. ويفاخرون بحروبهم ضد الفساد، وهم الذين استغلوا كل أنواع التسهيلات المصرفية والإعلانية والقانونية للحصول على مكتسبات لا يمكنهم الحصول عليها في ظروف طبيعية.

اجتماعات لغالبية الجمعيات غير الحكومية في مكاتب للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والوكالة الأميركية

خارجياً، لم تبق جهة تعادي المقاومة إلا ورحبت بما يجري، من دون أي استثناء. من عواصم سياسية ومؤسسات اقتصادية أو إعلامية أو خلافها. ويذهب كثيرون في المحور السعودي – الأميركي إلى اعتبار ما يجري على أنه مرحلة الانتفاضة ضد النفوذ الإيراني في لبنان (اقرأ حزب الله وسلاح المقاومة). بينما كانت روسيا، ومعها الصين وإيران، تبدي خشية سابقة (نشرت «الأخبار» مقابلة مع السفير الروسي في بيروت قبل اندلاع الحراك حذّر فيها من فوضى تعد لها أميركا في لبنان).

ببساطة، يمكن قراءة ما يعتقده الأطراف من نتائج لهذا الحراك. وهذا ما يجعلهم يرحبون به أو يحذرون منه، من دون أن يعني ذلك أن النتائج ستصيب في نهاية المطاف ما يريده كل منهم. وهذا رهن أداء الأكثر حضوراً ونفوذاً في الساحات، ومدى قدرتهم على تنظيف صفوفهم من اللصوص.

هل من خطة غربية؟

إلى جانب كل ما سبق، وبرغم الحساسية المُبالغ فيها عند مشاركين أو ناشطين في الحراك إزاء الحديث عن استغلال لهم أو وجود مؤامرة، صار من الواجب ذكر العديد من العناصر التي لا يرغب كثيرون في سماعها، ومنها:

أولاً، ما إن انطلق الحراك حتى انطلقت ماكينة عمل فريق الخبراء والناشطين والاختصاصيين المرشحين لتولي مناصب حكومية بديلة. وبعد مرور نحو شهر على الحراك، خرجت الأحاديث إلى العلن، عن اجتماعات عقدت في مكاتب هؤلاء، بحضور ممثلين عن «الجمعية الدولية للمدراء الماليين اللبنانيين -LIFE»، وناشطين ممن كانوا منضوين في مجموعة «بيروت مدينتي» التي خاضت الانتخابات البلدية الأخيرة في العاصمة، إضافة إلى ممثلين عن حزب الكتلة الوطنية بقيادته الجديدة وناشطين عادوا وانضووا في تجمعات مثل «وطني» الذي تتصرّف النائبة بولا يعقوبيان كما لو أنها قائدته، وممثلة عن جمعية «كلنا إرادة» التي تعرّف عن نفسها بأنها مجموعة من الشخصيات اللبنانية العاملة في القطاع الخاص خارج لبنان، وتهتم بأن تشكل «مجموعة ضغط» من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان.

قوى 14 آذار تريد نسف التسوية الرئاسية لا النظام لأنها تاريخياً من المستفيدين منه

ولم يكن قد مرّ وقت طويل على انطلاق التجمعات الكبيرة في الساحات، حتى انعقدت الاجتماعات بصورة مختلفة، وأكثر كثافة، بمشاركة غالبية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو التي يحب روّادها تسمية أنفسهم بالحراك المدني. وكان بعض الاجتماعات يُعقد في مكاتب تخص ممثليات للاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي الجهات التي تموّل غالبية هذه الجمعيات. ويحضر اللقاءات إلى جانب ممثلي هذه الجمعيات، موظفون من المؤسسات الغربية والدولية، وفي بعض الاجتماعات حضر دبلوماسيون من رتب متدنية.

خارج لبنان، كانت الحركة تدبّ في ثلاث عواصم رئيسية. في واشنطن، دعت مراكز دراسات أميركية إلى عقد ندوات حول الأزمة اللبنانية، وإرسال رسائل إلى الإدارة الأميركية والكونغرس، إضافة إلى لقاءات عقدها ناشطون من قوى سياسية، بينهم فريق التقى صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير الذي وعد بنقل الصورة إلى الرئيس دونالد ترامب. وقد تم جمع الوفد اللبناني الذي التقاه من عدة ولايات أميركية. أما في باريس، فإلى جانب التحركات الشعبية التي قامت دعماً للحراك في لبنان، عُقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وأخرى مع المعنيين بملف لبنان والشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية الذي يديره السفير الفرنسي الأسبق في لبنان برنارد إيمييه. أما المدينة العربية التي تحسّست حكومتها من النشاط العلني، فكانت إمارة دبي التي رفضت إعطاء الإذن لمجموعة لبنانية بالتظاهر تضامناً مع الحراك الشعبي، ثم نبّهت الحكومة هناك «المتبرعين» من تحويل أي أموال عبر المصارف العاملة في الإمارة إلى لبنان، مع إبراز خشية أن تكون الأموال ذاهبة عن طريق الخطأ إلى جهات معادية.

اللافت للأمر أن مجموعة «life» كانت حاضرة في غالبية هذه الاجتماعات والتحركات. لكن الأهم، هنا، هو أن ممثلي هذه المجموعة سارعوا، منذ اليوم الأول، إلى الحديث عن الحكم البديل. في بيروت أثارت مندوبة «كلنا إرادة»، وآخرون من «بيروت مدينتي»، إمكان الشروع فوراً في خطة لتنظيم إطار تنسيقي، والإعداد لورقة عمل تحت عنوان «حكومة الإنقاذ البديلة». وفشلت مساعي هذه المجموعة في جذب شخصيات وقوى وجماعات مشاركة في الحراك. بينما تعمّدت إبعاد مجموعات أخرى، لا سيما من هم أقرب إلى الحزب الشيوعي. والحجة الدائمة، هي نفسها التي استُخدمت مع الفرنسيين أثناء التحضير لزيارة الموفد الفرنسي، بأن الشيوعيين ليسوا أصحاب نفوذ قوي، وأنه يمكن الاستعانة بشخصيات مدنية واقتصادية تمثلهم، ويكون هؤلاء من أصحاب وجهات النظر الأقل تطرفاً تجاه التغيير الجذري في النظام الاقتصادي.

* غداً: عدة الشغل من الشعارات إلى الأهداف

بلا مداراة وبلا محاباة: اطردوا منتفعي النظام من صفوفكم

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2019

لن تنفع المداراة في معالجة مشكلة، ولا تعالج المحاباة جروحاً عميقة، ولا المسايرة تبني وطناً أو علاقات وطيدة. وحدها الصراحة، مهما كانت قاسية، تفيد في اللحظات الحرجة، وتساعد الناس في لحظة تعقل كاملة، أو حتى في لحظة انفعال، على الاختيار بين الذل المغطّى بغيوم كثيفة من الكلام المعسول والأحلام، والحياة الحرة مهما كانت قصيرة.

الذين نزلوا الى الشارع غاضبين من هذا الحكم ليسوا هم الذين يرفعون الشعارات المنمّقة. من يحتاجون إلى دولة عادلة غير الذين يريدون الاستيلاء على الدولة كما يفعل الحاكمون اليوم. ومن يعانون الأمرّين من جرّاء الظلم المتنوّع غير الذين لا يعانون نقصاً في الأكل والطبابة والثياب والسكن. ولا يمكن أن يستوي تغيير جذري بهذه الآليات.

من لديه ذاكرة، فليراجع ما شهده لبنان خلال ربع قرن. احتجاجات سياسية وتحركات شعبية وانتفاضات أهلية ومواجهات وحروب باردة أو ساخنة. ومن لديه ذاكرة وعقل، وقلب حقيقي، فليعد الى أرشيف لم يندمل، وإلى مواقف وتصريحات وشعارات وتحركات غالبية من ينسبون الى أنفسهم النطق باسم آلام الناس، من سياسيين وإعلاميين وناشطين وأحزاب وتجار ورجال أعمال وأصحاب مهن حرة. ليرجع الجميع الى أرشيف طريّ، موجود حيث يريدون، وليعاودوا قراءة المواقف والمقالات والتصريحات، وليعاودوا مراجعة المفاوضات والتحالفات والتكتلات، وليعاودوا مراجعة التسويات والصفقات السياسية وغير السياسية، وليعاودوا قراءة لوائح المرشحين لتولي المناصب… ثم ليختموا بمراجعة أسماء المرشحين لتولي مناصب نيابية ووزارية، وكيف ترتفع أكثر أصوات من لم تشملهم الترشيحات.

من يفعل ذلك بصورة هادئة، سيكتشف أن هناك جيشاً من المنافقين الذين ينتشرون اليوم في الساحات والشوارع، ويحتلون الشاشات والمنابر على أنواعها، ويركضون ويهتفون ويصفقون ويغنون ويرقصون، بالطريقة نفسها واللغة نفسها والأسلوب نفسه، وإن خارت قوى بعضهم، أو احتال آخرون على أعمارهم وعلى الأجيال، لكن النتيجة هي ذاتها؛ من فشل الى فشل، ومن إحباط الى إحباط، ومن خيبة الى خيبة. وفي كل مرة نعود فيها الى لحظة الاختيار الهادئ، حيث يقف الإنسان الحر، بينه وبين نفسه، ولو لثوان أمام صندوقة اقتراع، ترى هذا المواطن الملدوغ يعود الى هواجس يعتقد أنها أصيلة، ويعود الى حسابات تبدو معبّرة عن حاله وتطلعاته وقدراته، ويختار من يختار.

في كل مرة، نكتشف أن التغيير بطيء للغاية. الأمر لا يتعلق بسلطة فاسدة وقاهرة ومحركة للعصبيات الطائفية والمذهبية فحسب، بل بنقص حاد في المحفزات عند الناس من أجل اختيار بديل غير واضح. ولأن الناس يشعرون بالخير وبالشر، كما يشعرون بالسكينة أو بالخطر، فهم لا يبالغون عندما يختارون هذا بدل ذاك، مهما كانت التعبئة قاسية، ومهما كانت اللحظات حساسة. ومن يفرح لغضب الناس وانتفاضتهم، يعرف أنهم هم أنفسهم من غضبوا وانتفضوا مرات ومرات، وهم أنفسهم الذين عبّروا عن سخطهم طوال السنوات الماضية، تارة باحتجاج على تلوّث، أو نقص في المياه، أو غياب لعدالة في الرتبة والراتب، أو بحثاً عن هوية وطنية وسيادة مغناة في القصائد فقط، أو نصرة لقائد أو شعار أو مظلوم، أو بحثا عن ملاذ بعيد عن الطائفية والذمية والقهر السياسي، أو رفضاً لسلطة أمنية أو سياسية أو اقتصادية. لقد خرج الناس مراراً وتكراراً خلال ربع قرن.

لكن، في كل مرة يعود فيها هؤلاء الى صندوقة الاقتراع اللعينة، تراهم يعيدون إنتاج البضاعة نفسها. ليس لأنهم يرغبون في هذا القدر المحتوم، بل لأنه لا بديل يجرّهم الى المكان الأفضل، ولا بديل يمنحهم الثقة الكافية لهدم الهيكل القائم. ولأن الناس على هذا المنوال، لا يمكن اليوم أن يخرج مجهول من بين الناس، يوزع شعارات ويضع خططاً ويقرر تحركات من هنا أو هناك. ولا يمكن لشاشات ملوثة، لا ملونة، أن تخترع قادة وصنّاع تاريخ. ولا يمكن لمرتزقة وسارقين أن يرفعوا لواء الدفاع عن مظلوم. ولا يمكن لثريّ لا يشرح لنا مصدر ثروته، أن يعدنا بالمنّ والسلوى إن فوّضنا إليه إدارة البلاد وخيراتها. ولا يمكن لمثقف يخفي جبنه خلف مؤسسات اخترعها الغرب المعادي، أن يعطي دروساً في الوطنية والاستقلالية والمدنية، وهو الذي لا يشرح سرّ الهبات الغربية التي تصله دون غيره. ولا يمكن لمناضلي الساعة العاشرة أن يخلعوا الثياب المنمّقة والياقات، وينزلوا الى الساحات كأنهم في فيلم هوليودي، ثم يعتقدون أننا سنفضّلهم على من بذل الدم من أجلنا ومن أجل مستقبل أولادنا…

لكل ذلك، لا مناص من قول ما لا يعجب كثيرين من الغاضبين، لكنه ما يغضب كثيرين من الكذابين، وهو قول واضح محدد:

إن ما يشهده لبنان اليوم لا يؤسّس لتغيير حقيقي وشامل، بل هو سيعيد ترميم النظام نفسه، من خلال استبدال وجوه بوجوه. وما نشهده اليوم لن يقود الى بلد جديد، بنظام حكم جديد، وبمؤسسات وسياسات جديدة، بل هو سيعيد إنتاج النظام نفسه، لكن بتعليب جديد وأسماء جديدة.

لم يشهد التاريخ انتفاضة تبقى طوال الوقت من دون قيادة أو إطار تنسيق واضح وفعلي

كل انتفاضة لا تصيب مقتلاً في أهل النظام القائم، وكل انتفاضة لا تدمر هيكل النظام القائم، وكل انتفاضة لا تطرد اللصوص من الساحات ولو بقيت قلة صادقة، وكل انتفاضة لا تبدع في اختيار قادة مستعدين للتضحية بكل شيء، لا نفع منها، ولا رجاء… وكل ثورة لا تسأل عن مصدر هذا الدعم أو ذاك لا أمل منها، وكل انتفاضة لا تسأل عن سبب وجود هذا أو ذاك من مستثمري النظام القائم لا جدوى منها. ومع الأسف، لن يتأخر الوقت حتى يتعرّف الناس، من جديد، على وجوه ستنضمّ الى نادي المستوزرين والساعين الى احتلال مواقع السلطة بحجة التغيير. وستعود وسائل الإعلام التي تطارد المنتفضين اليوم، الى استضافة من تعوّدت فتح منابرها لهم، وعقد الصفقات معهم، أفراداً وجماعات، ثم تركض وسائل الإعلام ذاتها الى حصر برامجها عند أي انتخابات بأصحاب الأموال من دون سؤالهم عن مصدرها. وهل يحتاج الجمهور والحقيقيون من الناشطين إلى دليل إضافي على نفاق هؤلاء الإعلاميين والسياسيين الذين صاروا مثل حواريي الإقطاع يدورون من حولنا؟

صحيح أن أيّ انتفاضة تنطلق بعفوية، ثم تستقطب الناس بعفوية أيضاً، لكن لم يشهد التاريخ انتفاضة تبقى طوال الوقت من دون قيادة أو إطار تنسيق واضح وفعلي، إلا إذا كانت هناك «كلمة سر» تشجع الناشطين على عدم تنظيم صفوفهم، وعلى عدم خلق إطار قيادي فعلي. ومن يقف خلف هذه الكلمة، هو نفسه من يقرر جدول الأعمال. وهو نفسه، من يُعدّ اللوائح بأسماء المرشحين لتولّي المناصب، وهو من تواكبه السيارات السوداء الى مقار كبار أهل السلطة للتفاوض.

أكثر من ذلك، ثمة ميل عند بعض الذين انتفخت رؤوسهم لتولّي إدارة محكمة أخلاقية تقرر من هو الثائر ومن هو الفاسد. وبسذاجة سبق أن جُرّبت سابقاً، يُصِرُّ هؤلاء على لعبِ الدورِ نفسِه الذي تعودناه منذ عام 2005. وهؤلاء لا يشكون من تعرّضهم للقمع، بل يمارسون أقذر أنواع الكراهية والترهيب بحق الآخرين. والمشكلة ليست مع هؤلاء الذين نعرف أين مآلهم بعد وقت غير طويل. لكن السؤال هو للناس: فهل بين الذين نزلوا الى الساحات، ولو ظنوا أنهم يمثلون نصف لبنان، من يعتقد أن من حقّهم إرغام الآخرين، أي نصف لبنان الآخر، على السير خلفهم. وإذا رفض طلبهم، فهل يمنحون أنفسهم الحق في إدارة الحياة على ذوقهم؟

لم يعد المشهد هو نفسه كما كان قبل نحو شهر. الناس أنفسهم باتوا يعرفون الكثير من الحقائق، ويجيدون التمييز بين الحقيقي والمفتعل. ولن يتأخر الوقت حتى نجد أنفسنا بين خيارين لا ثالث لهما: الفوضى التي تثبت انقساماً صار واضحاً ولن تحجبه أصوات أو غيوم مصطنعة، أو الذهاب نحو مرحلة انتقالية، تستوجب بقاء الناس الحقيقيين في الشوارع والساحات، وستلزم المناضلين الحقيقيين بأجندات وبرامج، قد لا تجد إعلاماً يروِّج لها!

%d bloggers like this: