ماذا يعني انتظار الانتخابات الأميركيّة؟

الأخبار

ابراهيم الأمين 

الإثنين 2 تشرين الثاني 2020

الإقبال الكبير على الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركية، يقابله إقبال كبير في كل العالم على متابعة هذا الحدث. صحيح أنه منذ سنوات طويلة، ينظر العالم كله بعين القلق الى من سيكون رئيس أميركا، لكن هذه المرّة، يتصرّف البشر كأن مصيرهم عالق على نتيجة التصويت. إنها معضلة العلاقة الإلزامية بالممسك بمفاتيح أساسية لحياة مليارات البشر في العالم. وإذا كان الأميركيون لديهم حساباتهم الخاصة لتقرير من يفضّلون، فإن البشرية تتصرّف بتوتر ناجم عن كونها محرومة من إلقاء الورقة في صندوق سيختار من له دور أساسي في مستقبلهم. في هذه اللحظة، يتصرف البشر مثل قاطني بيروت من غير «سكانها الأصليين»، أي الذين لا يقدرون على اختيار مجلسها البلدي الذي يدير أمورهم اليومية. ها نحن الآن، نحسب لأنفسنا دوراً في هذه الانتخابات.

ولأننا كذلك، نختلق عناوين ونقاشات ومتابعات لما يحصل هناك، على قاعدة أنّ لنا رأينا بما سيحصل. وكما أن في أميركا انقساماً كبيراً في الرأي، فعند المواطنين غير المسجلين في كل الكرة الأرضية انقساماتهم أيضاً. المتماهون مع التجربة الأميركية، والراغبون بعيش الحلم الأميركي، يريدون فوز جو بايدن. غالبية هؤلاء يعتقدون أن بايدن سيعزز الطريقة الأميركية كما كانت عليه قبل مجيء ترامب، وأن المسألة تتعلق بشخص ترامب. ولذلك، يفترضون أنه كما يغيّر الرئيس الجديد أعضاء إدارته، فإن بايدن، في حال فوزه، سيعيد أميركا الى ما كانت عليه قبل وصول ترامب.

وجلّ هؤلاء يفكرون بأن ابتسامات الديموقراطيين ستعيد الألق الى صورة أميركا في العالم. هم مثل أبناء المدن الأميركية الكبرى، الذين يريدون رئيساً لا يكون مصدر سباب وشتيمة لهم. لكن هؤلاء يقيسون الأمر من زاوية تأثير الانتخابات على تواصلهم المباشر مع هذه البلاد. هؤلاء، مثلاً، يعتبرون أن سياسات أميركا الداخلية أو الخارجية ستكون أقل فظاظة لو أتى بايدن. وهؤلاء يخجلون بترامب كخجلهم بحكام بلادهم في العالم. هم يفضّلون النسخة المهذبة عن الرجل الأبيض. لكنهم يرفضون أي نقاش حول عقل بايدن، بل يريدون حسم الأمر عند حدود سلوكه.

ثمة في العالم من يؤيد السياسات الأميركية في الخارج. وثمة في العالم مَن يريد أن تبقى أميركا قائدة العالم. وهؤلاء يحسمون أن كل شيء جيد لن يكون جيداً إذا لم يكن مصدره أميركا… فكرة أو سيارة أو تكنولوجيا أو أي شيء. وهؤلاء لا يروقُهم أن يكون هناك نقاش واسع حول من يحكم أميركا، والغالبية من هؤلاء تكره ترامب، لكنها لا تنتقد سياساته، بل تقف عند سلوكه. وكأن الأمر سيكون على صورة أخرى، لو أن رئيس أميركا جاء وسرق أموال العرب مثلاً، لكن مع ابتسامات وكلام لطيف. أمّا أن يسرق أموالنا و«يبهدلنا» فهذا كثير…

لكن في العالم فئة أخرى تكره أميركا. وتعريف الكره يجب ألّا يكون محاطاً برهاب التمييز بين الحاكم والمحكوم وكل الزعبرات التي تسبق عادة كلمة «ولكن»: نعم هناك حكومة منتخبة رديئة، ولكن… صحيح أن الشعب الأميركي هو من اختار هذا الرئيس ولكن… الأخطاء التي ترتكب في العالم مسؤولية المجتمع الأميركي ولكن…!

لندع هذه الـ«ولكن» جانباً، ولنعد الى رأي خصوم أميركا، خصوم النظام الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي والعلمي والبيئي والصحي والسلوكي والديني والإثني وكل ما يتعلق بهذه الدولة. لأن الأمر هنا لا يبقى متعلقاً بحسابات من ينتظر الأعاجيب والمعجزات.

شعوب الجنوب، ومن غير البيض، يعانون الأمرّين منذ عشرات السنين إن لم يكن أكثر. ومصدر معاناتهم الدور المركزي الذي قام به الغرب، سواء عندما قادته أوروبا أو عندما تولّته أميركا. العقل نفسه، والأهداف نفسها، والغاية نفسها التي تختصر بسلبنا كل شيء. حريتنا وقدرتنا على التفكير قبل ثرواتنا وبلادنا. وهذا الغرب، هو الذي أنتج العقل التسلطي بكل صوره البشعة، وبكل قتله العشوائي الذي أصاب ملايين البشر، وهو العقل الذي يمنح قلة متعجرفة، حق التفوق والتصرف من دون محاسبة أو مساءلة. وهو العقل الذي لا يزال يحكم من بيده الأمر في قلب أميركا وقلب الغرب عامةً. وهو عقل فيه كل شيء من الشر. نظريات دينية وحضارية وثقافية وعنصرية متعددة الألوان، وتجاهل مستمر لحقوق الآخر. ولأن هذا الغرب تقوده أميركا اليوم، فإن مصلحة أهل الجنوب هي في انهيار النظام الحاكم في قلب أميركا. وربما يرى البعض جنوناً في الاعتقاد بأن خلاص العالم يبدأ بانهيار هذا الكيان الذي اسمه الولايات المتحدة الأميركية، وانهيار كل النظام الحاكم في أوروبا الغربية.

ما يعنينا هو هذه التمنّيات بأن تفيق أميركا على واقع سياسي يزيد من أزماتها الداخلية، ويعقّد من آليات الحكم فيها


ولأننا على هذا النحو، يجب أن يُسمح لنا بأن نتصرّف إزاء الانتخابات الأميركية من دون وهم صاحب الحق بالاقتراع. كل ما لدينا هنا هو مجرد آمال، بمعزل عن توافقها مع التقديرات أو التوقعات. في هذه اللحظة، ما يعنينا هو هذه التمنّيات، بأن تفيق أميركا على واقع سياسي يزيد من أزماتها الداخلية، ويعقّد من آليات الحكم فيها، ويجعل اقتصادها أكثر تعثّراً، وسوقها أقل رواجاً، وانقساماتها أكثر حدّة، وخلافاتها أكثر توتراً… ما سبق يحتاج إلى التجديد للأهبل الأكبر دونالد ترامب. الأهبل الذي يناسبنا ولو ألقى المزيد من القنابل فوق رؤوسنا. فهو مهما فعل، لن يزيد عما فعله أسلافه من «العقلاء». وإذا خسر ترامب، فالتمنيات أن تكون خسارته غير جليّة، فينعقد الخلاف حول البتّ بها. وليحصل ما يحصل. ولأن الأمر على هذا النحو، فإن كل كلام وتنظير آخر هو مجرد كلام من أشخاص أو جهات يتوهّمون أن لهم دوراً في صناعة القرار في أميركا، وهم في حقيقة الأمر يريدون لأميركا ما يرونه، من زاويتهم، أنه الأصح. عملياً، هم يتمنّون أيضاً. وهم مثلنا، من مواطني هذه الدولة المنتشرين في كل أرجاء المعمورة، ممن لا يملكون حق التصويت. ولأنهم كذلك، ليتوقفوا لحظة عن تلبّس شخصية الرجل الأبيض وهم يتحدثون الى شعوبهم.

سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم

 سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم
(هيثم الموسوي)

من هرّب 5 مليارات دولار في ثمانية أشهر؟

ابراهيم الأمين

الإثنين 7 أيلول 2020

بدو القطاع المصرفي في مرحلة الاستعداد لـ«ساعة الحساب». هذه المرة، لن تنفع كل محاولات التضليل الإعلامي التي قادتها ماكينة يُشرف عليها أصدقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. وهي ماكينة توزّع نفوذها في أكثر من دائرة مؤثرة، سواء داخل القطاع نفسه وداخل مصرف لبنان ووزارة المالية، أو داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي وحتى الإدارة العامة. إضافة إلى النفوذ المتوقّع بين السياسيين والإعلاميين.

المواجهة السابقة كان هدفها تعطيل خطة الحكومة للإصلاح المالي. صحيح أن مصرفيين أساسيين حاولوا في الأيام الأولى من عمر حكومة حسان دياب الدخول في نقاش مع الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق. إلّا أن الحكومة لم تُظهر استعداداً عملانياً للسير في اتفاق يحظى بتوافق أطرافها، بينما كان أرباب القطاع المصرفي ينتظرون إشارة الحاكم الذي لم يتأخّر في إبلاغهم: اصمدوا، هذه الحكومة غير قادرة علينا!

الذي حصل باختصار، أن مشروع إقالة رياض سلامة تعطّل بقوّة، لا سيما بعدما تراجع النائب جبران باسيل مُذعناً لرغبة الفريق الذي يضمّ الرئيسَين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط والذي عارض إقالة سلامة بحجّة أن الفراغ ممنوع الآن. باسيل كان ينتظر أن يقود حزب الله المعركة ضدّ سلامة. الحزب غير المعجب على الإطلاق بسياسات سلامة لن يبادر. لديه ثوابته التي تحول دون قيادة المعركة، لكنه مستعدّ دوماً لدعمها متى اندلعت. الذين رفضوا إقالة سلامة، لديهم أسبابهم الكثيرة. ظاهريّاً، المشكلة عندهم تبدأ من كون بديله سيُعيّن برضى وبركة الرئيس ميشال عون. لكنّ الأساس، هو الشراكة الفعلية بين هؤلاء وبين سلامة الذي – للأمانة – لم يَخَف يوماً من هذه المنظومة، فهو يعرفها أكثر من نفسها وله عليها الكثير.

ما فجّر الأزمة فعلياً، ليس الخلاف على الأرقام كما جرت محاولة اختزال القصة. لأن عملية احتساب الخسائر مهما جرى التلاعب بها، إنما تبقى في نهاية الأمر خسائر، وأي مقاربة جديدة لإدارة المالية العامة أو السياسة النقدية كانت ستكشف ما يُعمل دوماً على إخفائه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تركزت على سُبل منع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له. وهو تدقيق كان ليشمل أيضاً حركة التحويلات المالية الكبيرة في السنوات الأخيرة، وهو ما كان سيؤدّي عملياً إلى إسقاط السرّية المصرفية عن نسبة الـ2.5 بالمئة من المودعين والذين يحملون غالبية الودائع الموجودة لدى المصارف. عدا عن كون التدقيق كان سيكشف من تلقاء نفسه عن «حكاية الصفقات» التي تملأ كلّ دوائر الدولة اللبنانية وفي القطاعَين الخاص والعام على حدّ سواء. ولو أن التدقيق تم على طريقة شركة «كرول»، لكنّا أمام مادة لسلسلة تلفزيونية شيّقة تمتدّ حلقاتها لأعوام.

في أيام الاشتباك القوي، لم تكن المؤسسات الدولية تقف بعيداً عن النقاش. من البنك الدولي الذي صار محرجاً إزاء فضائح ستصيب فريقه الإداري أيضاً، نظراً إلى الأرقام الهائلة من المصاريف الإدارية التي كانت تُنفق، إلى صندوق النقد الدولي الذي كان أقرب إلى وجهة نظر الحكومة لاعتقاده الراسخ بأن حاكم مصرف لبنان كما المشرفين على المالية العامة إنما يتلاعبون بكل شيء ومنذ فترة طويلة. وصولاً إلى الجهات المانحة، ولا سيما فرنسا التي أُوكل إليها ملفّ الدعم الإنمائي من خلال برنامج «سيدر». كل هذه الجهات أوفدت مَن ناقش ودرس وسمع ودقّق. ومن المفارقات أنه في ظلّ الانقسام السياسي اللبناني حول تقييم موقع ودور حاكم مصرف لبنان، إلّا أن إجماعاً دولياً ظهر فجأة، على ضرورة تنحية الرجل، وتحميله مسؤولية رئيسية عن الأخطاء الكبيرة، سواء بسبب خضوعه لطلبات السلطات السياسية ثم شراكته معها، أو بسبب مشاركته أرباب القطاع المصرفي ألاعيبهم التي تمّت برعايته. علماً أنه للمرة الأولى، يوجّه موفدون دوليون نقداً لسلامة على خلفية استمرار عمله في الأسواق المالية العالمية بواسطة شركات مستقلة يديرها مقربون منه أو أقرباء، وهي الأعمال التي جعلت ثروته تكبر بصورة لافتة. علماً أنه يدافع عمّا قام به، وأنه كان يقوم باستثمار ما يملكه نتيجة عمله السابق، بصورة لا تتعارض مع موقعه ودوره، وأنه لم يستفِد بقرش واحد من العمليات الجارية ضمن نطاق عمله.

ما يجري اليوم هو تثبّت الجهات على اختلافها، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعمل شخصياً على إطاحة سلامة. وهو يتجنّبه بصورة كاملة، والفريق الاستشاري العامل إلى جانب الرئيس الفرنسي لا يكنّ أي احترام – مهنيّ وحتى شخصي – لسلامة. مع الإشارة إلى أن فريق ماركون جلّه من المصرفيين الكبار، وبينهم سمير عساف، المصرفي الذي رُشّح مراراً لخلافة سلامة في حاكمية المصرف المركزي. ولو أن روايات كثيرة من أوروبا، لا تميّز عساف كثيراً عن سلامة. ومع ذلك، فإن ماكرون يعرف أنّ ليس بمقدوره القيام بخطوة كهذه بالطريقة التقليدية. و يعرف أنّ من الصعب عقد تسوية مع النافذين في بيروت لأجل الإطاحة بسلامة، فوجد أن الحلّ يكون بتسوية مباشرة مع سلامة نفسه، والذي أبلغ للمرة الأولى، من يهمّه الأمر، بأنه مستعدّ لمغادرة منصبه. لكنّه صارح محدّثيه بأنه لا يثق بأي من المسؤولين اللبنانيين في السلطة وخارجها، وأنه يعرفهم واحداً واحداً على حقيقتهم. وهو يخشى تعرّضهم لملاحقة سيعملون على تحويلها صوبه، ليس بقصد محاسبته، بل لتحويله إلى «كبش فداء». الجديد أن سلامة أبدى استعداداً للمباشرة في عملية تدقيق بالتعاون مع مصرف فرنسا المركزي، تشمل عمليات المصرف المركزي ومشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالإضافة إلى أنه في حال ضمان الرئيس الفرنسي شخصياً عدم ملاحقته، فهو مستعدّ لترك منصبه ومغادرة لبنان فوراً. وسلامة الحريص على تكرار هذه اللازمة أخيراً، يعرف مسبقاً أن الجهات الدولية التي تدفع باتجاه التدقيق، إنما تستهدف الوصول إلى أرقام موحّدة حول الواقع المالي والنقدي في لبنان. يتصرف سلامة على قاعدة الثقة بأن هدف التدقيق محصور في هذه النقطة وليس هدفه تحميل المسؤوليات أو الإدانة والعقاب.

أكثر من ذلك، فإنّ الـ«السنفور غضبان» ديفيد شينكر لم يترك جهة إلّا التقاها، بما في ذلك مندوبون أو متصلون بالقوى السياسية التي قال إنه لن يجتمع مع قياداتها. وكان للمصرفيين نصيب بارز من اللقاءات، وهو حرص على إبلاغهم بأنه يجب عدم المراهنة على عمليات التدقيق ولا حتى على العقوبات. لافتاً إلى أنه يخشى إحباطاً إضافياً عند الناس جراء مبالغة قوى سياسية حيال ملف العقوبات، لأن ما هو مطروح حتى الآن لن يطال الصف الأول بالتأكيد، بل سيطال مجموعات يمكن ربطها بقوى وجهات. لكن شينكر صار ميّالاً الى الحديث عن «انتهاء أيام رياض سلامة» على ما يقول أحد الملتقين به، وأن واشنطن متوافقة مع باريس على هذا الأمر، لكنها لا تمنح فرنسا أيّ تفويض بتعيين أو اقتراح تعيين حاكم بديل. وأن الرأي الخارجي الحاسم سيكون بيد صندوق النقد الدولي قبل أي جهة أخرى.
لكن، ما لا يُقال أو لا يُشار إليه على أنه اتفاق ضمني، هو ما يبدو أن سلامة تعهد به، لجهة القيام بخطوات عملانية هدفها إنجاز بعض الأمور. يردّد أحدهم أن «سلامة سيقوم بخطوات تزعج حلفاءه في السوق، لكنها ضرورية لضمان الخروج المشرّف». بتعبير أوضح، يبدو أن سلامة وافق على تنفيذ عدد من طلبات الحكومة المستقيلة، لكن ضمن الإطار الذي يراه هو الأنسب. وخطة تعديل التموضع لديه، بدأت منذ صدور قرارات تعيين الأعضاء الجدد للمجلس المركزي لمصرف لبنان. دخول نواب الحاكم الجدد والآخرين من الأعضاء الحُكميين في المجلس المركزي، سمح بإشاعة أن المجلس المركزي الذي ظل معطّلاً لربع قرن، عاود العمل كفريق موسّع في الأسابيع الاخيرة. وأن سلامة نفسه بادر إلى إبلاغ أعضاء المجلس المركزي، أنه ينتظر منهم أفكارهم وتصوّراتهم لأجل الشروع في خطوات «إصلاحية».

في هذا السياق، يعرف سلامة أنه مضطر إلى عمليات قد تتسبب بأذية بعض أصدقائه المصرفيين. وربما تصيب مصالح بعض كبار المودعين الذين يعرفهم سلامة تمام المعرفة بالأسماء والأرقام الموجودة في حساباتهم. وهو أيضاً «خبير محلّف» بالقوانين المالية، وكيفية التطبيق الدقيق أو الجانبي لجميع بنود قانون النقد والتسليف، بالإضافة إلى خبرته الطويلة في لعبة التعاميم المصرفية التي يجب جمعها في كتاب لأجل تاريخ لبنان.

التعميم 154 ورسملة المصارف

جديد الوضع المصرفي، التعميم الذي أصدره الحاكم يوم 27 آب الماضي، ويحمل الرقم 154، والذي يفرض بموجبه على المودعين الذين حوّلوا أموالاً إلى الخارج بين تموز عام 2017 والشهر الماضي، إعادة تحويل جزء منها تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة إلى المصارف اللبنانية من الخارج. على أن يجري تجميد هذه المبالغ لخمس سنوات لدى القطاع المصرفي وترك أمر الفوائد للتفاوض بين المودع والمصرف. على أن تعمد المصارف إلى استعمال هذه الودائع الجديدة في تغذية السوق العطِش للأموال الطازجة، خصوصاً أن مصرف لبنان بدأ يرفع الصوت من عدم قدرته على توفير دولارات كافية لتغطية الدعم المطلوب لسلع رئيسية من قمح ومحروقات ودواء.
بالإضافة إلى ذلك، ذكّر سلامة المصارف بوجوب زيادة رساميلها من خلال توفير مبالغ إضافية تصل إلى عشرين بالمئة من قيمة الرساميل الحالية، على أن يكون هناك جدول زمني لتوفير هذه المطلوبات ينتهي مطلع العام المقبل. وأرفق هذا الطلب بتوضيح أن المصارف التي لا تقدر على تنفيذ هذه العملية ستحال إلى المجلس المركزي لاتخاذ القرار بشأن أن تبقى أو تخرج من السوق.

تضارب في التقديرات حول حجم الأموال الممكن إعادتها حسب التعميم 154 وخبراء يخشون انهياراً إضافياً لليرة


ردة الفعل على التعاميم لن تكون متطابقة، الأمر هنا لا يتعلق بالحسابات المباشرة فقط، بل في كيفية تعامل الجمهور مع الأجراء. في الشكل، سيبدو لقسم من الجمهور، أن التعميم الهادف الى إعادة استقطاب دولارات طازجة من الخارج، يمثل استجابة من الحاكم لمطالب قوى سياسية وتيارات شعبية التي تقع تحت بند «استعادة الأموال المنهوبة». والفكرة تصبح مغرية – أيضاً في الشكل – كون التعميم يشمل كل الذين حولوا أموالهم من صيف عام 2017. والمهم في هذه الفترة، هو حجم الأموال التي خرجت من لبنان إثر اعتقال السعودية الرئيس سعد الحريري في الرياض. ثم الأمر نفسه الذي تعاظم في عامي 2018 و 2019 ربطاً بالتدهور المتسارع للأحوال النقدية والمالية والاقتصادية في لبنان، وصولاً إلى ما جرى في الأشهر الأخيرة التي سبقت أزمة القطاع بعد 17 تشرين.
في هذا السياق، يتحدث مصرفيون عن مبالغ كبيرة جداً، وأن الآلية التي تفرض استعادة بين 15 و 30 بالمئة، يقدّر لها أن تعيد مبالغ كبيرة. وهنا يُظهر مصرفيون تفاؤلاً مبالغاً فيه حيال إمكانية استعادة نحو خمسة مليارات دولار، بينما يرى خبراء أن مثل هذه العملية لن تعيد إلا بضع مئات من ملايين الدولارات.

المصرفيون يعتقدون أن القرار قابل للتطبيق. وأن النقاش حول قانونيته لن يغيّر من قوته. صحيح أن المبدأ يقول بأنه لا يمكن لمصرف أن يُجبر مودعاً على إعادة أمواله إلى المصرف وتجميدها، لكن تعميم سلامة يخيّر المودعين بين أمرين: إما إعادة هذا الجزء، أو إحالة الملف إلى هيئة التحقيق الخاصة لأجل التدقيق في الأموال وأصولها وأسباب تحويلها إلى الخارج. وبحسب المصرفيين أنفسهم، فإن هذه العملية تعني عملياً رفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات، وهي خطوة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عدد كبير جداً من كبار المودعين. كما أن الاشتباه بالملف من قبل هيئة التحقيق الخاصة سيؤدي إلى مضاعفات يعتقد البعض أنها كافية للضغط على أصحاب الودائع الكبيرة من أجل إعادة بعض ما حولوه إلى الخارج.

التدقيق في حسابات مصرف لبنان هدفه توحيد أرقام الخسائر… ولا توقّعات بالمحاسبة


وبحسب أصحاب هذا الرأي فإن المصارف نفسها صارت أمام مسؤولية لم تكن تواجهها من قبل. فهي الآن مضطرة لإجراء جردة واسعة وشاملة ودقيقة ورسمية لكل عمليات التحويل التي تمت في الفترة الواردة في التعميم. والآلية تفرض على المصارف المسارعة إلى إبلاغ المودعين بالتعميم والطلب إليهم الالتزام بإعادة المبالغ وفق النسب المفروضة. وفي حال لم يجرِ الالتزام فإن المصارف ملزمة بإبلاغ مصرف لبنان بأسماء من رفض الالتزام، وهي لائحة ستذهب فوراً الى هيئة التحقيق الخاصة، والتي يتوقع أن تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات هؤلاء وعن كامل حركة حساباتهم خلال فترة زمنية تحددها الهيئة وقد لا تكون مقتصرة على الفترة الزمنية الواردة في التعميم. وعندها ستكون المصارف ملزمة بالتعاون، لأن الإحالة من هيئة التحقيق الخاصة تعني الاشتباه بوجود عمليات احتيال على القانون الضريبي أو حصول علميات تبييض للأموال. ويعتبر المدافعون عن التعميم، أنه يحقّق عملياً هدف الحكومة المستقيلة من بعض الوارد في خطتها، لكن الفارق أن قرار الحكومة كان يتطلّب إدخال تعديلات على 31 قانوناً مرتبطاً بالأمر النقدي والمالي. بينما يتيح هذا التعميم تنفيذ العملية، برغم كل النقاش حول قانونيته.


تهريب أموال جديدة؟

ما يرفض المصرفيون الإقرار به، أو حتى تقديم إجابات حاسمة حوله، هو المعلومات التي يجري تداولها على نطاق ضيق منذ أسابيع، حول حصول عمليات تحويل لمبالغ ضخمة تخص فئات محددة من رجال السياسة والأعمال والمال إلى الخارج. ويفيد مصدر واسع الاطلاع على هذه العمليات، أنّ نحو 5 مليارات دولار أميركي تم تحويلها إلى الخارج منذ مطلع عام 2020 حتى أواخر آب الماضي. وأن هذه المبالغ تعود إلى سياسيين ورجال أعمال وأصحاب أسهم في المصارف أو أعضاء في مجالس إدارتها. حتى إن بعض الجهات صار لديها لوائح بأسماء غالبية الذين أجروا تحويلات بسبب نفوذ سياسي أو وظيفي أو خلافه. وإن مصرف لبنان يحاول إخفاء الفضيحة من خلال التعميم 154 الهادف الى توفير ما يغطي هذه الفجوة. ويقول المصدر إن هناك معلومات موثوقة عن أن مصرف لبنان خسر أقل من 2.8 مليار دولار من الاحتياطي الموجود لديه في عملية الاستيراد للمواد المدعومة منذ مطلع العام، بينما أرقامه المعلنة تفيد عن خسارة خمسة مليارات إضافية من هذا الاحتياطي من دون شرح. صحيح أن المصرف المركزي حاول سابقاً فرض شروط قاسية على المصارف لأجل توفير سيولة لها بالدولار الأميركي، لكنه عملياً وفّر لها كميات كبيرة من الأموال الموجودة في الخارج، وهي الأموال التي استخدمتها المصارف لإجراء عمليات التحويل لعدد من المحظيين. بالإضافة الى سؤال قائم اليوم حول قدر الأرباح التي حققها تجار كبار في البلاد، استفادوا من برنامج الدعم، لكنهم لم يخفّضوا الأسعار على الإطلاق.

سعر الدولار

على أن الأهمّ اليوم، هو الحديث عن قبول سلامة ومسؤولين في الدولة التزام وصفة صندوق النقد لجهة سياسة الدعم. وهذا يعني ليس وقف دعم السلع الأساسية من قِبل مصرف لبنان كما هو حاصل اليوم، بل رفع القيود أيضاً عن السعر الرسمي للدولار الأميركي، خصوصاً في حال لجأ مصرف لبنان والمصارف مرة جديدة الى محاولة إرضاء المودعين بصرف حقوقهم المودعة بالدولار الأميركي، لكن بالليرة اللبنانية. وهذا سيؤدي حكماً إلى البحث من جديد عن كميات أكبر من الدولارات في الأسواق وفي البيوت أيضاً، ما يعني أن سعر الدولار الفعلي سيترفع بنسبة 35 بالمئة على الأقل عن سعره المتداول اليوم في السوق السوداء. مع العلم، أن أحد أبرز الخبراء في السياسات النقدية يرفض فكرة «استشارة أحد» حول مستقبل سعر العملة الوطنية. ويقول: المشكلة أنّ لبنان يحتاج الى عشرات مليارات الدولارات حتى يستعيد توازنه، لكن ذلك لن يعالج أزمة الثقة الهائلة بالدولة والقطاع المصرفي، ما يعني أن إعادة الدماء إلى القطاع المالي في لبنان أمر غير متوقع في القريب، حتى ولو انطلقت الإصلاحات.

فرصة الذهاب نحو نظام جديد

   ابراهيم الأمين 

الثلاثاء 1 أيلول 2020

لا أعرف ما الذي كان الناس يتوقعونه. الدهشة تعلو الوجوه من جراء التوافق على تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة. بعد أيام ستكون هناك تشكيلة حكومية تتوافق مع الأرضية السياسية للاتفاق على رئيسها. لن يكون هناك وزراء يثيرون حفيظة القوى الكبيرة، وسيحاولون الإتيان بشخصيات يعتقدون بأنها تناسب الرأي العام الغاضب. لكن النقاش الجدي الذي يريد الراعي الفرنسي حصوله يتعلق بمهام الحكومة. يتصرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أساس أن هناك إمكانية لفرض برنامج عمل على الطريقة الفرنسية؛ أي إن المجلس النيابي لن يكون عنصر عرقلة. وبدلاً من الحديث عن صلاحيات استثنائية، يكون الحديث عن ثقة مطلقة وكبيرة، لكنها محصورة بنقاط محددة، وهذا يتيح المجال أمام الحكومة للعمل على مهام مختارة وضمن جدول زمني محدد… أما النتائج، فما علينا جميعاً إلا الانتظار..

السؤال المحيّر حول حيرة الناس، سببه أن كثيرين في لبنان يتمثلون بجحا. يطلقون العنان لفكرة وكذبة، ثم يتصرفون على أساس أنها حقيقة. مثل النطق باسم الشعب اللبناني ومعرفة ميوله والقول إنه يريد كذا وكذا، ومن ثم يخرج علينا هؤلاء، عبر شاشات ومنابر، ويتصرفون على أساس أنهم يمثلون غالبية الرأي العام. لكن ما يحصل هو أنه عندما تنعقد طاولة البحث، يجلس من بأيديهم القرار، والأنكى أنهم يتصرفون على أساس أن هذا «الناطق» غير موجود أصلاً. ولا يقتصر ذلك على الداخل. فحتى الخارج المتدخل لـ«إنقاذنا»، لا يتصرف بطريقة مختلفة. صحيح أن ماكرون وديفيد هيل وغيرهما يلتقون بممثلي المجتمع المدني والهيئات الأهلية ومندوبين عن الثوار و… لكنهم يستمعون اليهم فقط، كوسيط «روحاني» يسجل الملاحظات. وعندما يعود هذا الخارج الى الطاولة، يبدأ بالبحث عن سبل انتزاع موافقات من أركان المنظومة الحاكمة؛ أي إن الخارج يعود الى حيث يوجد القرار والقدرة على تحويل الفكرة الى خطة عمل… هذه حقيقة قاسية مع الأسف!

ما يحصل، الآن في لبنان، قد يكون مناسبة لإعادة النظر في الشعارات التغييرية عند المعترضين. لا أعرف إذا كان صار واضحاً للجميع أن المشكلة لم تعد في سلطة أو إدارة أو أشخاص، بل هي في النظام. وكل عاقل لا يحتاج الى من يدله على برنامج عمل واقعي يدار بنفَس طويل جداً، وهدفه الفعلي تغيير جوهري في النظام القائم. وإذا كان السياسيون يكذبون حينما يتحدثون عن رغبتهم في إقامة دولة مدنية، فما على الجمهور إلا أن يلحق بهم الى باب دارهم، وأن يرفع شعاراً واضحاً بالعمل لتغيير جدي في النظام. تغيير لا يقتصر على جانب واحد، مثل طبيعة التمثيل السياسي، بل يشتمل على ما هو أهم، أي النظام الاقتصادي والمالي الحاكم، وتالياً طبيعة القوانين التي تدير هذه القطاعات. هذا هو جوهر الأزمة. ومتى تمّ التوصل الى فكرة تحظى بموافقة غالبية لبنانية معتبرة، يمكن لهذا الهيكل العظمي الجديد أن يكون جاهزاً لإلباسه ما تيسر من الأثواب السياسية ومتمماتها الخاصة بالحسابات والطوائف والأقليات وغير ذلك.

البعض يعتقد بأن المسألة مرتبطة بالسلاح. هم، هنا، يرفضون الإقرار بأن مشكلة النظام الحالي ليست في كونه لا يوفر عدالة اجتماعية وسياسية للناس، بل أصل مشكلته في أنه لا يقدم شرحاً عملانياً لمعنى السيادة، ولا هو وفّر يوماً هوية وطنية يمكن للناس أن تدافع عنها مجتمعة. ها هم أبناء لبنان الكبير يعيشون في حنين فارغ. وجلّ ما يريدون هو عودة الاستعمار. هؤلاء لا يمكنهم تقديم حل لمشكلة السيادة. ولكن عندما يكون لدينا نظام واضح، وعاقل، سيكون عنوان السيادة والدفاع الوطني بنداً رئيساً، وساعتها سنكون أمام الاستحقاق الكبير حول مصير الأدوات العسكرية والأمنية في البلاد.

الذين يحتجّون فعلياً على الفساد والاضطهاد ونقص الحقوق، والذين انتشروا مبعثرين في الشوارع والساحات أو في المنازل، أمامهم اليوم فرصة حقيقية لإعادة تنظيم أمورهم. لا ضير في الإقرار بأن تجربة 17 تشرين فشلت في أن تكون عنواناً جامعاً للتغيير. ويجب على هؤلاء الإقرار – وليس القبول – بحقيقة أن الكتل الاجتماعية للقوى الطائفية تتفوّق عليهم. ومن لا يريد المراجعة، ليس سوى مكابر جديد، يسعى فعلياً الى احتلال موقع في السلطة النافذة. وهذه السلطة لا تقتصر اليوم فقط على من يحتلون المقاعد النيابية والوزارية، بل أيضاً من يحتل مقعداً على المنبر العام، ويتصرف على أنه يتمتع بشرعية شعبية، حتى ولو لم تخرج من صناديق الاقتراع.

من كان يتوهم أن الخارج مهتم بإصلاح النظام جاءه الجواب من خلال تركيبة الحكومة، أما خطر المنظمات غير الحكومية فصار مطابقاً لخطر السلطة الحاكمة


أمام اللبنانيين فرصة لفهم أن التغيير لا يعني الهدم، وأن إعادة التأسيس لا تعني الهدم أيضاً، وأن الثورة على النظام وممارسة حتى العنف ضد رموزه لا تعنيان الهدم. والهدم، هنا، ليس مسموحاً بأن يطال فكرة الدولة. وإذا كانت انتفاضة 17 تشرين قد أسقطت الهيبة والفعالية عن السلطة السياسية، وجاء انفجار المرفأ ليسقط الهيبة والفعالية عن الإدارة اللبنانية، فإن ما يجري اليوم هو محاولة لإسقاط فكرة الدولة نهائياً. وما الانتشار الفطري والمشبوه لكل ما يسمى جمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية في الشوارع، سوى عمل عصابات تستهدف القضاء على فكرة الدولة. كل الذين أرادوا إسقاط السلطة من دون بديل، هم أنفسهم الذين أرادوا ثورة من دون قيادة، وهم أنفسهم الذين يرفضون تولي الادارة العامة للدولة ملف الأضرار في بيروت، وهم أنفسهم الذين بدأوا يرفضون التعامل مع جميع مؤسسات الدولة، وهؤلاء هم المرتزقة المنتشرون باسم المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية. وهؤلاء، برفضهم لفكرة الدولة، يبررون لأنفسهم كل أعمال السرقة التي يقومون بها، من تلقّي الأموال من دون رقيب، الى إنفاقها من دون حسيب، الى رفض التصريح عنها للجهات الرسمية، الى عدم التنسيق وترك الأمور فالتة، وكأننا في زمن الفوضى الشاملة. هؤلاء هم المجرمون الجدد الذين يعملون عند خارج يهتم فقط بتدمير الدولة لا بإسقاط السلطة السياسية. وهذا الخارج فعل الأمر نفسه في مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين، وهو يريد ذلك في لبنان، لأنه يتوهم أنه في هذه الحالة يمكنه احتلال مساحة من ناس لبنان وأرضه لتصفية حسابه الوحيد مع المقاومة…

ليس أمام العاقلين سوى التمسك برفضهم لهذه السلطة، لكن الأساس في عملهم هو الذهاب سريعاً نحو اقتراح نظام سياسي واقتصادي واجتماعي ومالي جديد. وغير ذلك، لن ينتح سوى مزيد من هذه الحكومات.

 اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

مقالات متعلقة

فرنسا ولبنان: وهمُ الدور ووهمُ الحليف

الأخبار 

ابراهيم الأمين 

خونة وعملاء… وإرهابيون أيضاً! – ابراهيم الأمين – الأخبار – Beirut ...

الإثنين 24 آب 2020

مع القرار 1559، انتقلت فرنسا كلّياً إلى الضفة الإميركية. أطلقت الرصاص على قدميها في سوريا ولبنان، بعدما انتهى دورها في فلسطين على صراخ فقط. ومنذ ذاك دخل النفوذ الفرنسي في لبنان والمنطقة مرحلة التراجع الهائل.

التحاق باريس بالسياسة الأميركية لم يقتصر على السلطات، بل شمل أساساً القوى الاقتصادية وكبريات الشركات التي تسعى لنيل حصص في الأسواق العالمية برضى أميركي. كما انتقلت المحاباة إلى قطاع الدبلوماسية والعلاقات العامّة والإعلام. وصار نادراً أن تسمع في فرنسا الأصوات النقدية للسياسات العدوانية التي تقودها أميركا وتشارك فيها أوروبا.

في لبنان، آخر المسارح التي يمكن لباريس الحضور فيها في المنطقة، صار الفرنسيون بلا حول ولا قوة. لا يوجد اليوم، في هذا البلد، من يمكنهم الاتّكال عليه كقوة حاسمة ووازنة. وحتى القوى التقليدية في 14 آذار تهتمّ، فعلياً، بالرضى الأميركي. وحده سعد الحريري بات مضطراً للخيار الفرنسي، بعدما تفاقمت مشكلته مع راعيه الأساسي، السعودية، وانزياح واشنطن إلى رؤية الرياض في لبنان. ما وفّرته فرنسا للحريري لا يتعدّى كونه نوعاً من الحصانة، لكنها غير كافية لضمان وجوده في السلطة. إذ أنها لا تملك قدرة على منافسة التأثير الأميركي – السعودي على سمير جعجع ووليد جنبلاط والكنيسة المارونية لتؤمّن تحالفاً يُبقي الحريري في السلطة. أما اقتصادياً، فلم تقدّم ما يشير إلى استعدادها لشراء النفوذ من لبنان. فحتى مدارس الليسيه الفرنسية باتت مشكلة حقيقية لروّادها بسبب التراجع في كلّ مستوياتها الإدارية وأفضليتها المالية، والشركات الفرنسية في لبنان ليست في رأس اهتمام أحد فعلياً. الدعم الفرنسي للبنان صار من الماضي. ولا يمكن لأي حكومة الاتّكال على دعم كهذا يتجاوز إطار مؤتمرات جلب مزيد من الديون.
مع اندلاع أحداث 17 تشرين الماضي، حاول الفرنسيون الدخول مجدّداً على الساحة. لكنهم عادوا مجدّداً للاستماع إلى نخب لبنانية قدّمت من الأفكار ما أثار حتى حفيظة الأجهزة الفرنسية الفاعلة. كل الدعم الذي حاولوا تقديمه لبقاء سعد الحريري في الحكم، لم يتجاوز الدعم الذي وفّره له حزب الله. والصلات الجانبية التي تربطهم بناشطين في الحراك الشعبي ليست كافية للبناء عليها. وعندما تشكلت حكومة حسان دياب. تصرفت باريس، شأنها شأن واشنطن وبقية عواصم العالم: بلامبالاة وانتظار. لكنها عادت وأقرّت بأن وضعية دياب ليست بالهشاشة التي تحدّث عنها خصومه. وحضر إلى بيروت مسؤولون فرنسيون أمكن لهم الاطلاع، مباشرة أو من خلال شركة «لازار» الاستشارية، على «فظائع الوضع المالي والنقدي»، حتى بات المسؤولون الفرنسيون عن الملف الاقتصادي يشهرون انتقاداتهم لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولأركان القطاع المصرفي إلى جانب نقدهم المتواصل للطبقة السياسية.

صحيح أن الفرنسيين أبدوا، في مرحلة معيّنة، تفهّماً لرؤية أميركية يقودها فريق جديد في وزارة الخارجية، تدعو إلى تغيير الطبقة السياسية في لبنان. لكن للفرنسيين تصورهم عن البديل. وقد عُقدت اجتماعات في باريس، أبرزها مع جماعات تُشرف عليها الاستخبارات الخارجية الفرنسية، انتهت إلى أنه يمكن العمل مع شخصيات جديدة، بينها من صاروا نواباً في البرلمان. وعلى خطّ موازٍ، سعت باريس إلى بناء علاقة خاصة مع حزب الله. خطّ بارد تقوده السفارة، وخطّ ساخن تقوده الاستخبارات. لكنّ البحث المركزي في هذا الجانب لا يتصل فقط بالوضع الداخلي، لأن فرنسا تعرف أن بطاقة الدخول إلى نادي المؤثّرين تحتاج إلى موافقة أميركية، وهي موافقة رهن بتلبية مطالب إسرائيل. لذلك تولّت باريس مهمّة نقل الرسائل التحذيريّة حول القوة الصاروخية للمقاومة. وصار الموفدون الفرنسيون خبراء في نوعية الصواريخ وطبيعة الأجهزة التي تحوّل الصواريخ الغبية إلى دقيقة. وفيما يقوم رجال فرنسا في القوات الدولية العاملة في الجنوب بدور الشرطي الحارس لمصالح إسرائيل، يسعى رجالها في بيروت للدخول إلى قلب المؤسسة العسكرية، وسط ممانعة كبيرة من قيادة الجيش التي تفضّل التعامل مع الأميركيين. وعندما يُسأل قائد الجيش العماد جوزيف عون عن سبب برودة العلاقة مع باريس يقول: «صراحة، لا نملك مالاً لشراء أسلحة وعتاد. وأميركا الوحيدة التي تقدّم لنا الدعم مجاناً». لكن المحيطين بقائد الجيش يضيفون: وما عسى أن تقدمه فرنسا في مجال التسليح الفعلي للجيش؟

المراوحة التي جعلت الموقف الفرنسي باهتاً، لم يكن ممكناً خرقها إلا عبر بوابات جديدة. فجاء التفجير الكبير في المرفأ. يوم 4 آب، صُدم العالم بالصور الآتية من بيروت، ولا شكّ في أن العالم أظهر تعاطفاً إنسانياً حقيقياً مع اللبنانيين. لكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تصرّف بطريقة مختلفة. قفز من كرسيه صارخاً: لنتحرّك!

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين وخصوصاً حزب الله


تصرف ماكرون على أن الكارثة مناسبة للقيام بأمور كثيرة. أولها، استغلال حاجة لبنان للدعم السريع لمخاطبة كل شركائه الغربيين بأن لا بد من التحرك فوراً. لكنّه سارع إلى إبلاغ الأميركيين بأنها فرصة لإعادة صياغة الموقف. نُقل الكثير من الكلام عن أن فرنسا استغلّت ما حصل لتقول للأميركيين: ها نحن نقف على الرصيف متفرجين، وأنتم تديرون حرب العقوبات، لكن الصراخ الآتي من بيروت ليس من عند حزب الله وأنصاره أو بيئته، بل من حلفائنا والبيئة الأقرب إلينا. يومها قيل أيضاً إن الأميركيين بدوا محرَجين إزاء المشهد المهول الوارد من بيروت. وافقوا على قيام ماكرون بمبادرة، لكنهم لم يعطوه التفويض المطلق، ولم يمارسوا أي ضغط حقيقي على بقية اللاعبين للسير في التصوّر الفرنسي الجديد.

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين، وخصوصاً حزب الله. تصرف ماكرون على خلفية أن بمقدوره انتزاع تفويض أميركي يتيح له التفاوض مع الحزب على الملفات اللبنانية الداخلية، لكن في إطار يتيح له الانتقال لاحقاً إلى الملفات التي تهمّ أميركا وإسرائيل والسعودية. حتى التظاهرة المذلّة التي نُظّمت لاستقباله في بيروت تحوّلت إلى مشكلة. إذ جرّه منظّمو الاستقبال إلى فخ الموقف الغبي برفض التعاون مع الدولة عندما أعلن أن المساعدات ستصل مباشرة إلى الناس وليس عبر المؤسسات الرسمية. لكن بالنسبة إلى جوهر الأزمة، اضطر إلى قول ما يجب قوله. لأن هاجسه السياسي منحصر في كيفية التوصّل إلى تسوية مع الطرف الأكثر فعالية في البلاد، أي مع حزب الله. وعندما وصل إلى بيروت، كانت بين يديه تقارير عن التواصل المعلن أو غير المعلن، الدبلوماسي والسياسي والأمني، الذي تجريه حكومته مع حزب الله، بما في ذلك ما جرى يوم حضر وزير الخارجية إلى بيروت. وكان ترتيب جدول أعمال ماكرون يتضمّن فرصة لبحث خاص مع حزب الله قام على فكرة وحيدة: نعرف من أنتم ونعرف حجمكم، ونعرف دوركم هنا وخارج لبنان، ونريد صراحة تعاوناً وتنسيقاً معكم للتوصّل إلى علاج لمشكلات كبيرة ليس أبرزها تشكيل الحكومة الجديدة.

طبعاً، لم يقفل حزب الله الباب، وهو أصلاً لم يقفله يوماً في وجه فرنسا، لكن الحزب ليس من النوع الذي يسيل لعابه لمجرّد أن باريس قرّرت التحاور معه. صحيح أنه لا يتجاهل موقعها ودورها، لكنه يعرف أنها ليست صاحبة القرار. لذلك سيترك الحزب للجانب الفرنسي القيام بكلّ جولاته وصولاته في لبنان وخارجه ثم العودة إليه لبحث أكثر تفصيلاً.
لكنّ مشكلة أخرى تنتظر فرنسا، خصوصاً أن قوى بارزة من وليد جنبلاط وسمير جعجع إلى آل الجميل وكتلة كبيرة من «أبناء لبنان الكبير»، لم يبدوا ارتياحاً إلى طريقة الإدارة الفرنسية للاتصالات. بعضهم خاب أمله عندما قال له ماكرون إن الحل يكون بإعادة تشكيل حكومة يدعمها الجميع، وبعضهم اعتقد أن فرنسا أتت لتدير انقلاباً. لكن ما قد يصدم هذه المجموعات أكثر، هو أن ماكرون كان وقحاً مع قادتهم، لأنه يتصرف معهم على أساس أنهم «الأبناء الأصليون للاستعمار الفرنسي». عملياً، يذهب ماكرون ليفاوض حزب الله معتبراً أن هذه القوى «مضمونة» في جيبه. لكن ما حصل بعد مغادرة الرئيس الفرنسي أن انتفاضة قامت بها هذه الجماعات، بدعم مباشر من السعودية ومن خلفها الولايات المتحدة، وصولاً إلى موقفهم الرافض اليوم لفكرة الحكومة الجامعة، لأنهم يعتبرون أن خيار ماكرون سيعيد الحياة إلى التسوية التي رافقت وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا.

مشكلة فرنسا ستتفاقم أكثر إذا لم تغيّر سلوكها، وأداء طاقمها الذي يخدم في لبنان دبلوماسياً وأمنياً وثقافياً واقتصادياً وإعلامياً. لا يزال كل من يتناوب من الفرنسيين على هذه المناصب، يلتقي بالمجموعات اللبنانية نفسها، ويسمع المقاربات نفسها، ويعيش على أوهام هذه المجموعات التي تعتقد أننا ما زلنا في عقد الستينات. أضف إلى ذلك، ما تظهره الاتصالات الجانبية عن أن فرنسا لا تفكر بأيّ دعم خاص للبنان. إذ ترفض الإفراج عن قرش واحد من خزائنها لدعم غير مشروط أو مشروط للبنان، بل لا تزال على الطريق نفسه الذي شقه رفيق الحريري وجاك شيراك، والذي يقود إلى ديون إضافية. وجلّ ما تهتم به، اليوم، هو السيطرة على مرافق رئيسية في لبنان تحت ذريعة إعادة إعمارها أو تشغيلها، من المطار وكهرباء لبنان وإدارة المياه والنفايات وصولاً إلى المرفأ الذي يُظهر الفرنسيون خشية حقيقية من تسلل الصين أو تركيا أو قطر لإدارة عملية إعادة إعماره وتطويره وتشغيله..

ليس معلوماً إن كان بمقدور ماكرون ومساعديه استغلال الوقت القصير لمغادرة المربع الذي يعيشون فيه، وإدراك حقائق لبنان الجديدة، وعسى أن يكون واعياً إلى أن الإشارة الأساسية للتغير، تنطلق من قيامه، فوراً، بإخلاء سبيل الرهينة اللبناني جورج ابراهيم عبدالله قبل الأول من أيلول، وأن يعمد إلى إعداد خطاب لمناسبة مئوية لبنانه الكبير، يعتذر فيه عن احتلال بلاده للبنان سنوات طويلة، ويعتذر من الأجيال الجديدة على ما قام ويقوم به ورثة استعماره من هذا النظام الطائفي البغيض. غير ذلك، لن يجد بعد انفجار المرفأ سوى العودة للتجول في شارع وحيد، يمتد من المتحف حتى مفترق السوديكو، حيث بقايا الإمبراطورية الفرنسية في لبنان، بينما تواصل استخباراته لملمة أوراقها المبعثرة في شارع الجميزة!

موت المتصرفية وموت الطائف

سياسة 

ابراهيم الأمين الثلاثاء 11 آب 2020

إبراهيم الأمين مرة أخرى: العنف ولو أدى إلى الفوضى هو الحل | مناطق

لن يتوقف الفجور أبداً، والكذب ملح الفاجرين. لا يهمهم شيء غير الصورة التي يعتقدون أن القوة تبقي عليها حية. هكذا هي حال سياسيين واعلاميين ورجال مال وأعمال عندنا. أما الناس العاديون، فعليهم تحمل تبعات أفعالهم. وكما يدفعون، منذ عقود، ثمن مبايعة هذه القيادات، عليهم تحمل تبعة مبايعة هذا الجنس من المعارضين. لا مبرر لغاضب أو متعب أو جائع عندما لا يجيد التمييز بين النصّابين، وعندما لا يريد لعقله أن يعمل للحظة واحدة. وكل كلام آخر، هو مساهمة في حفلة الدجل القائمة التي لا مؤشرات على أنها ستقف عند حدّ.

سامي الجميّل يستقيل، وكذلك ابن عمه نديم، وقبلهما مروان حمادة، وبعدهما ميشال معوض، وآخرون من بقايا الفولكلور الديموقراطي. هل لنا أن نسأل عمّا فعله هؤلاء وعائلاتهم منذ ولدنا جميعاً؟ هل من استقالوا من المجلس النيابي قرروا أنهم غير مناسبين للعمل العام أم ماذا؟ هل سيترشحون في أي انتخابات مقبلة؟ هل تعني استقالاتهم أنهم فشلوا في مهمتهم وعليهم المغادرة، أم أنهم يقولون لنا إن السلطة لم تناسبهم فقرروا استخدام تفويض الشعب، ولكن في الشارع.

هل فكّر أبناء عائلة الجميّل مرة في حجم الاموال العامة التي ينفقها اللبنانيون عليهم: رواتب رؤساء ووزراء ونواب حاليين ومتقاعدين؟ مصاريف خاصة معلنة وسرية؟ مشاريع ومزاريب وتوظيفات وإقطاع بشع؟ وبين كل هذه الأجيال، تجارب ومدارس في الدونية أمام أي خارج يحمي مصالحهم، من ياسر عرفات الى حافظ الاسد وصدام حسين وأمراء الخليج… الى كل جوقة الغرب القريب أو البعيد. وبعدها، يخرج من بينهم من يحدّثنا عن ثورة وتغيير!
ميشال معوض: هل تعتقد أن تجربتك في غينيا منحتك الخبرة لتجرب الانقلاب في لبنان أيضاً؟ أم ان تجربة جمع التبرعات عام 2006 منحتك الإلهام لجمع مزيد من التبرعات، لكن بأرقام أكبر، لأن انفجار المرفأ «حصل في مناطقنا»… كيف تشرح لنا سبب انضمامك الى تحالف جبران باسيل يوم التصويت وسبب تخليك عن هذا التحالف اليوم؟ وهل يمكن لك أن تتجاوز زوايا زغرتا قليلاً أم أصابك أيضاً وباء الرئاسة الذي يصيب كثيرين اليوم، من بينهم ناصيف حتي ودميانوس قطار وغيرهما؟ هل همس لكم أحد بأن أوان الانتخابات الرئاسية قد حان، وأن فرصتكم تكبر إن انتقلتم الى مواقع أخرى؟ وهل تعتقدون، فعلاً، أنكم صرتم في موقع الناس المقهورين، أم أن بعض التصفيق يعمي أبصاركم؟

ميشال المر الصغير قرر قيادة ثورة المقهورين والجياع. تخيّلوا أن من يرفع هذا الشعار هو الرجل الذي لم يتخلّ يوماً عن عنصريته وكراهيته لكل آخر. الرجل الذي يعتقد أن بمقدوره بناء كوكب مستقل قرب صنين، ويحق له سرقة المال العام من إنترنت، ومن قروض مصرف تملكه الدولة (بنك التمويل) ولا يسدده، قبل أن يخرج رياض سلامة، الملاك الرحيم، لإعادة تنظيم الأمور، فتنتهي المحطة مملوكة فعلياً لسلامة وجوقة المصارف، فيما أنت موظف صغير فيها، تكتفي ببعض المزايا مثل مراقبة الصبايا العاملات في المحطة… أما قرار منع السياسيين من الظهور على شاشتك، فهو حازم وصارم الى حدّ أن أحداً لن يجبرك على أي استثناء، لكن ما الذي تفعله، يا مسكين، إن قرر جهاز الإرسال، لوحده، أن يخالف قرارك عندما التقطت عدسة الكاميرا صورة الحكيم المنقذ في ساحة ساسين!
الحفل لا يكتمل من دون بقايا مرتزقة السعودية، التي لم تتحمل مجلة «نيوزويك» قدرتها على التضليل، فاضطرت الى كشف أن الذباب الإلكتروني للدب الداشر يقود معركة توجيه غضب الناس ضد حزب الله. وهو ما يفعله رائد التقدم في المنطقة العربية، محمد بن زايد، الذي لم يكتف بسرقة أموال شقيقه الأكبر، رئيس الدولة، كما يسرق نفط جنوب اليمن وغازه، بل سارع الى إنفاقها حيث يعتقد أن بمقدوره قيادة العرب الى العصر الحديث، عصر السجون السرية والقتل العشوائي والصمت الكامل. لكن الناس عندنا يحبونه، هكذا تقول 14 آذار وناشطو المجتمع المدني الذين ينبهرون، يوماً بعد يوم، برواد الحرية والازدهار في الإمارات العربية المسلوبة من عائلة قراصنة وقطاع طرق.
وماذا نفعل، أيضاً، مع ديناصور من وزن وليد جنبلاط. يطالب عبر قناة «الحرة» الأميركية بـ«تعليق المشانق لوزراء الحكومة الحالية». يا الله، كيف لهذا الرجل أن يتحدث بعد؟ وأي وزارة صحة يمكن أن تعلن خطره على السلامة العامة؟ كيف لنا أن نحل لغز هذا الرجل الذي يريد أن يضمن حكم أحفاد نجله الى ما بعد مئة عام؟ كيف لنا ذلك، ونحن لا نعرف كيف يصحو وكيف ينام ومن يعاشر وماذا يقرأ وأي علاج ينفع في إقناعه بأن المكابرة داء يمكن التخلص منه، وأن فرك العينين قليلاً، سيتيح له رؤية المشهد على حقيقته: حيث لا متصرفية جبل لبنان بقيت، وحيث اتفاق الطائف يترنح بقوة. والأهم، أن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي كان يموّل هذه السلطات المتعاقبة ضمن نظام طائفي بنسختي الميثاق والوثيقة قد سقط أيضاً. من يمكنه إقناع جنبلاط بأن أفضل ما يمكن أن يقوم به، اليوم، هو إعفاء الدروز من معمودية نار جديدة مع أولاده، وأن يوزع على فقراء الجبل أملاكه، ويترك لهم تدبر أمورهم ضمن انخراط في إطار مدني عام… وكفى الله المؤمنين شر القتال!

الوهم والحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية عادا ليسيطرا على قيادات فعّالة في الوسط المسيحي


وفي زاوية أخرى من المشهد، أشد قساوة، تكمن الخطورة الكبرى. حيث الوهم عاد ليسيطر على قيادات فعالة في الوسط المسيحي. وحيث الحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية كبير، وحيث هناك محاولة جدية لتعميمه على الناس البسطاء على قاعدة «ما لنا لنا وما لهم لهم… لسنا مثلهم لنعيش معهم». هذا كلام حقيقي يقال اليوم، وكل محاولة لنفيه أو الإلقاء به على هامش النقاش كلام غير حقيقي. وزير مثّل «القوات اللبنانية» في الحكومة السابقة قال أمام سفير أوروبي: ينقصنا المطار والسهل الزراعي، وإلا لكنا استقلّينا وانتهى الأمر. هذا كلام يتردّد بين مطارنة وفي أديرة ومجالس بلدية وأهلية، ويتسرب على شكل تعليقات ونكات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو يُردّد أمام غربيين يسألون عن الحل الأفضل. لكنه لا يعبّر عن وهم فقط، بل عن جنوح نحو عزلة غير مسبوقة، تقود الى انتحار جماعي لا أقل ولا أكثر. وهي نزعة ليست من اختراع الخارج، ولا نتيجة تحريض هذه الدولة أو تلك. هي نزعة موجودة في عقول قيادات لم تتعلم من التاريخ شيئاً، ولم تستفد من كل التجارب، وتفكر بطريقة لا ينفع معها كل تنبيه. كاد مانويل ماكرون يبح صوته وهو يقول لبعض هؤلاء: «أنا رئيس فرنسا، ولا تتحدثوا معي كأنني مالك السحر.. افهموا أنه يجب أن تتحاوروا مع الآخرين وتجدوا الصيغة للعيش معاً». لكن ماكرون الذي تملك بلاده معرفة واسعة بهؤلاء، يتصرف اليوم على أنه الوصي عليهم، وهو سيتصرف هكذا في ظل قراءة بلاده لتطورات تحدث انهياراً سياسياً واسعاً في الشارع المسيحي، وخشية من «تولّي مسيحيين أصوليين ومتطرفين الأمر»، على حدّ تعبير نافذين في إدارته.

المتظاهرون الغاضبون في الشارع يعبّرون عن سياق يخص كتلة سياسية فئوية في لبنان. ومع الأسف، وإن كان البعض سيفسر هذا الكلام بخلفيات مقيتة، إلا أن أمانة التوصيف تشير الى أن أفكار الجبهة اللبنانية البائدة هي المسيطرة على عقل غالبية من يدير الشارع. والمتوهمون من «المجتمع المدني» ليسوا سوى أدوات وبيادق لا قدرة لها على إدارة صنع القرار. وها نحن نقترب من لحظة الفراغ القاتلة، وأكثر ما يمكن للعالم أن يفعله، هو تكليف فرنسا بإدارة حوار لبناني – لبناني، في بيروت أو في باريس. حوار لا يستهدف تغيير السلطة، بل تغيير النظام… وما دونه فوضى ستجبّ كل ما قبلها!

مقالات متعلقة

أيام الاسئلة الكبرى؟

إبراهيم الأمين : المرحلة الثانية من الأزمة – مجلة وفاء WB

سياسة 

ابراهيم الأمين الإثنين 10 آب 2020

استقالة حكومة او هزيمة سلطة او سقوط للنظام. ما جرى ويجري، منذ انفجار الرابع من آب، يقود الى الاسئلة الكبرى امام الناس جميعاً، مواطنين ومسؤولين… ومتآمرين ايضاً. وهي اسئلة تخص الخارج المهتم بخلاص لبنان، او ذاك الباحث عن فرصة لتدميره نهائياً.

وقع حسان دياب تحت الضغط الكلي. مشكلته لم تكن محصورة بالقوى المعارضة لوجوده في السراي، بل في حلفائه ايضاً. وهو وجد، من تلقاء نفسه، ان اقتراح الانتخابات المبكرة قد يمثل مدخلا لهدوء يقود الى حل. نسي الرجل ان قواعد اللعبة ليست للشارع كما يظن المتوهّمون، بل لمن لا يزال بيده الامر. فكان القرار باطاحته مشتركاً: الرئيس ميشال عون الذي تعني له الانتخابات النيابية نزعاً للشرعية عنه. جبران باسيل الذين تعني الانتخابات المبكرة تشليحه نصف كتلته النيابية. سعد الحريري الذي لا يطيق الجلوس في البيت والخائف من ان تصبح كتلته بضعة نواب على شاكلة ديما الجمالي. وليد جنبلاط الذي يخشى على مصير زعامته..وفوق كل هؤلاء، الرئيس نبيه بري الذي لم يكن اصلا من المرحّبين بحكومة دياب. وكان ولا يزال يفضل الحريري على جميع الاخرين، والهارب ايضاً من ضائقة شعبية لا يمكن لحزب الله ان يعالجها كل الوقت… كل هؤلاء، معطوفين على الجهد المتواصل من الاميركيين وحلفائهم السعوديين والاسرائيليين، ومنظماتهم غير الحكومية في لبنان، انتج الجدار المرتفع الذي يعطل كل شيء. فكانت النتيجة القرار المبدئي باستقالة الحكومة. سيكون بوسع حسان دياب ان يستقيل بدل ان تتم اقالته في المجلس النيابي، وهو الذي رفض فكرة استدعائه لتحميله مسؤولية جريمة ارتكبها كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال السنوات الماضية. ومعه وزراء هم اليوم في حالتهم الطبيعية، عراة من كل شيء، لا قوة لهم ولا ثمن. من أتى بهم يبيعهم على مفترق طرق. يجري كل ذلك، وسط حال من الجنون تسود الشارع ومعه الاعلام الفاجر المنتشر على كل الشاشات والمنابر.

لكن الى اين من بعد هذه الهزة؟

الطبقة السياسية تريد تنفيذ توصية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بتشكيل حكومة وحدة وطنية. يعتقدون انه في حال استقالة حكومة دياب، سيُدعون الى استشارات نيابية تسمّي الحريري بطلاً منقذاً، على ان يجري منحه فرصة تشكيل حكومة تضم ممثلين عن كل القوى السياسية من دون أقطابها، وان يصار بعدها الى وضع برنامج عمل هدفه تهدئة الوضع في انتظار القرار الدولي.

لكن من يفكرون بهذه الطريقة، هل يملكون الاجابة عن الاسئلة المحرّمة، ومنها:

– ماذا يعني الفشل في تشكيل حكومة سريعاً؟ هل يصبح الجيش المكلف بقرار ادارة العاصمة الكبرى في ظل حالة طوارئ الحاكم الفعلي للبلاد؟ وهل الجيش قادر على هذه المهمة وهو الذي فشل في ادارة شوارع مثلومة الاسبوع الماضي؟ وهل لدى قيادته وهم بأن سلطة الامر الواقع تتيح له تشكيل حكومة واجراء انتخابات والاتيان بقائد الجيش رئيسا للجمهورية؟

– من سيكون المسؤول عن البلاد بعد ثمانية ايام، عند صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رفيق الحريري؟ من سيتسوعب الصدمة ومن يمكنه ضبط الشارع الذي سيتصرف على انه اسقط الحكومة وعليه اسقاط المجلس النيابي ورئيس الجمهورية ايضا؟ وكيف سيكون الوضع لو ان الشارع ضم الى مهامه ايضاً مهمة تنفيذ حكم المحكمة الدولية؟

– فرنسا التي قادت مؤتمراً لتحصيل مساعدات تقرر حصرها بنتائج الانفجار، تقول انها جمعت نحو ربع مليار يورو. لكنها – كما الولايات المتحدة – تريد ان تشرف الامم المتحدة على انفاقها. وهي تريد ذلك في ظل وجود الحكومة، فكيف اذا صارت البلاد من دون حكومة. وبالتالي، فان الامم المتحدة، وكر الفساد الاول في عالم المساعدات، ستتولّى تشكيل «حكومة ظل» قوامها مرتزقة المنظمات غير الحكومية ليتولّوا الاشراف على صرف المساعدات، وبالتالي الدخول الى الادارة العامة، وتخيلوا ما بعد ذلك.

– اذا كان اسقاط حكومة حسان دياب هدفاً بذاته، فان الفرق اللبنانية لديها اهدافها الاخرى. والمرجح ان الساعين الى رئاسة الجمهورية سيدعمون تنشيط المعارضة لاسقاط المجلس النيابي، وهم يعتقدون بأن انتخابات جديدة تحت اشراف دولي ستتيح تغييرا واسعا في تركيبة المجلس النيابي، وسيجدون العلاج لملف الرئاسة واطاحة الرئيس عون من بعبدا. وهؤلاء، سيفتحون بازار المفاوضات مع كل شياطين الارض لتحقيق الحلم بالوصول الى الرئاسة. وعندها سنقترب من الملفات الحساسة.

– العالم الخارجي الذي «حزن» بعد انفجار المرفأ، قرر صرف مساعدات موضعية. لكن قرار فك الحصار عن لبنان لم يحصل بعد. وبالتالي فان هذا العالم لديه مطالب غير تلك التي تهم الجياع والمطالبين بحسن التمثيل. هدفه واحد ومحصور في ضرب المقاومة. وهذا العالم، سيعتقد انه بمقدوره الضغط اكثر على اللبنانيين بغية ممارسة ضغط جانبي على المقاومة لاجبارها على الاتيان الى طاولة لتفاوض على سلاحه ولو بالتقسيط، هل يعتقد هؤلاء ان مصير المقاومة يعالج كأننا نصنع العجة؟

– حسناً، اذا كان الهدف اسقاط السلطة لانها لم تعد قادرة على القيام بمهمات تلبي حاجات الناس، فهل يحاول هؤلاء الهروب من استحقاق تغيير وجه النظام القائم وقلبه، سياسيا واقتصاديا واداريا. من يرد تعديل قواعد اللعبة، عليه ان يعرف ان المطلوب فعلياً ليس تغيير الحكومة، بل تغيير النظام، وهذا يعني الآن امراً واحداً: رصاصة الرحمة على اتفاق الطائف.

– اذا كانت فرنسا حصلت على تفويض ولو جزئي من العالم لادارة الازمة اللبنانية. واذا كان خيار تغيير النظام هو الاساس. فان الطاولة المستديرة التي جمع الرئيس الفرنسي اقطاب البلاد حولها، سيُعاد تشكيلها بغية ادارة حوار يستهدف عنوانا جديدا، وهو الاتفاق على نظام جديد في البلاد، ما يعني ان ثمن الانهيار القائم اليوم، هو المباشرة بالعمل على مؤتمر تأسيسي جديد لتشكيل سلطات جديدة، نيابية وحكومية وادارية وعسكرية وخلافه. واذا كانت سوريا منهكة بدمارها، والسعودية غير مؤهلة لادارة شؤونها، واميركا كما بقية العالم تشكل طرفا في الازمة، فهل توكل الى فرنسا مهمة ادارة حوار لبناني – لبناني للاتفاق على نظام سياسي جديد. وفي هذه الحال، هل يعلم الناس ان فرنسا ستتحدث باسم المسيحيين، اما المسلمون فسيواصلون انقساماتهم من دون التوصل الى قواسم مشتركة… وعندها سنكون امام لوحة فوضى مكتملة.

– سيحصل كل ذلك، والبلاد تسجل مزيداً من الانهيار الاقتصادي والمالي. فهل سيعود رياض سلامة حاكما لكل الادارات وليس للسياسات النقدية فحسب. وتطيير الحكومة الحالية يعني تطيير كل اشكال التدقيق الجنائي المحلي او الدولي في عمليات مصرف لبنان وبقية المصارف. وهذا هدفه الاول، لكن هل يمكنه إدّعاء القدرة على توفير تمويل للعصابة اياها لادارة البلاد من جديد؟

– الاكيد ان الاميركيين يعتقدون ان الافضل، الان، هو سقوط الحكومة وعدم تشكيل حكومة بديلة سريعا، وان يصار الى فرض سلطة الجيش مع وصاية خارجية على اقتصاد البلاد. وهم سيكثرون من الكلام عن ان لبنان قابل للحياة من جديد، فقط اذا قرر التخلي عن المقاومة.

ايها اللبنانيون، استعدوا لما هو اسوأ. واستعدوا لمنازلات لا نعرف حدودها ولا مساحتها ولا طبيعتها، واستعدوا لتحمل مسؤولية ما تقولون وما تفعلون وما تقرّرون من خطوات لاحقة… ولا شيء أمامكم أكثر وضوحا من فوضى الانهيار الكبير.

مقالات متعلقة

The Great Collapse الانهيار الكبير

The Great Collapse

Translated by Staff, Al-Akhbar Newspaper

It’s much similar to the end of the world scene in movies; a cloud that quickly tinted from red to black and then to poisonous ashes, seems like a scene from a movie on world wars. The absurd madmen destroyed the city and turned it into a rubble pile. Screams echoed throughout the country. There was an earthquake and then dust that hid for a moment the scale of the disaster, before people suddenly saw the whole picture. The great collapse that afflicted the center of the country, striking everyone with shrapnel, but unfortunately, failed to unite them. 

Whether the incident was due to a mistake, a sabotage operation, or anything else, what it did was lift the cover off of the mangled country. The explosion revealed the face of the great collapse. The collapse of an integrated system, the way of thinking, behaving, managing, and dealing with crises.

The litigants together chanted “the encounter at the edge of the grave”. But the tragedy will not bring together the Lebanese who run away from anything that adjoins them. The mass collapse has become an additional argument for further tampering, arrogance and denial. But it is a moral collapse, too, that has afflicted the whole system of values that preserve social and human sympathy. A collapse in the form of a tragedy that did not prevent parties, groups, and individuals from seeking to exploit it for their trivial gains. The collapse proved that nothing can be trusted whether it was an institution, a party, or a person. A collapse that will prevent a collective mourning tomorrow for those who died in this great disaster. A collapse which revealed, in few hours, that a grave tragedy awaits us.

Hearing the comments of those supposed to present themselves responsible, and how they became, in minutes, experts and foretellers of the unseen and the analyses and inventions they devised, means one thing: it is the collapse prior to the great destruction. The destruction that will erase everything. As for the exhausted people, whose blood was hard-wired with sweat yesterday, they will be left alone to die silently; hoping that their death will be less exploited by vultures welcoming death in search for their livelihood even among carcasses. Those, who we do know not why they have been permitted to move between the dead, are inciting victims against each other. 

In a moment, silence prevailed, and then the shock was over, as if people were waiting for this incident, as if this country had not yet been filled with destruction, fire, blood, and screams. This ongoing moment is not expected to end soon. And among people are those ominous who wish the worst to satisfy an abhorrent desire, believing that the great collapse will allow them to rise to the top, even above the rubble. Those who told us decades ago that they did not fear war and let the strongest win, are the same ones who groveled abroad and practiced all kinds of killing and abuse inside. Those who were not tired of wars even if no one was left alive. Those who wish for the great collapse believing that Lebanon should be as they wish or not to be! 

The sight of the injured at the doors of the emergency rooms makes one speechless. Thousands arrived at the hospitals and immediately returned when they saw the crowds at the door of hell. Doctors examined the victims of the massive storm: dislocated heads, eyes bulging out of faces, and skin peeled off of bones, and blood everywhere. On the scorched earth, rubble held captive those who were late to return home, while semi-homes of the poor were demolished. And what remained standing, iron levers, calling on God to protect those who remained beneath it: humans and stone…
The rest of the tragedy, if we return soon to our normal life as if nothing had happened. Or as if what happened was a mere bus accident. All talk about investigating and solving will remain the same. What one hopes, in these moments of anger, is that the tremor troubles everyone for a long time, to remind us that we no longer own our reaction to sorrow!


الانهيار الكبير

سياسة ابراهيم الأمين الأربعاء 5 آب 2020

كما في الأفلام التي ترسم مشهد نهاية الكون. الغيمة التي تلوّنت سريعاً من حمراء إلى سوداء إلى رماد سام، بدت صورة مستعادة من أفلام الحروب العالمية. المدينة تحوّلت إلى كومة ركام بعدما دُمّرت بعبثية مجانين. صراخ علا في المدينة وكل أطرافها، ووصل صدى الصوت إلى أنحاء البلاد. هزة أرضية فعصف ثم غبار يخفي، للحظات، حجم الكارثة، قبل أن يجد الناس أنفسهم، فجأة، أمام الصورة كاملة. صورة الانهيار الكبير الذي أصاب مركز البلاد، لتنتشر شظاياه في أجساد الجميع، ولكن، وللأسف، من دون أن توحّدهم.

سواء كان وراء ما حصل خطأ أو جريمة تخريب أو أي شيء آخر، فإنه ليس سوى رفع للغطاء عن الهريان الذي ضرب هذه البلاد. أتى الانفجار ليكشف عن وجه الانهيار الكبير. انهيار منظومة متكاملة، من طريقة تفكير وتصرّف وإدارة وطريقة تعامل مع الأزمات.

كان المتخاصمون ينشدون معاً نشيد «اللقاء عند حافة القبر». لكن المأساة لن تجمع الشعوب اللبنانية الآخذة بالتفلّت من كل شيء جامع. صار الانهيار الجماعي حجة إضافية لمزيد من العبث والمكابرة والإنكار. لكنه انهيار أخلاقي، أيضاً، أصاب كل منظومة القيم التي تحفظ تعاطفاً أو تكافلاً اجتماعياً وإنسانياً بين الناس. انهيار على شكل مأساة، لكنها لم تمنع جهات ومجموعات وأفراداً من السعي إلى استغلاله من أجل مكاسبهم التافهة. انهيار دلنا على أن بلادنا لم يعد فيها من يحظى بثقة الناس، سواء أكان مؤسسة أم جهة أم شخصاً. انهيار سيمنع غداً حزناً جامعاً على من سقط في هذه الكارثة الكبيرة. انهيار كشف لنا، في ساعات قليلة، أن مأساة كبيرة تنتظرنا خلف الأبواب.

من يسمع تعليقات من يفترض أنهم يعرضون أنفسهم لتولي المسؤولية، وكيف صاروا، في دقائق، خبراء وضاربين في علم الغيب، وما أفرغوه من تحليلات واختراع وقائع، لا يقول لنا سوى شيء واحد: إنه الانهيار السابق للخراب الكبير. الخراب الذي لن يُبقي على شيء. أما الناس المتعبون، الذين جُبل عرقهم بدمائهم أمس، فسيُتركون لحالهم، ينشدون موتاً أقل صخباً لو أمكن، عسى أن يكون استغلاله أقل من قبل كواسر صاروا يرحّبون بالموت بحثاً عن رزقهم ولو على شكل جيفة. هؤلاء الذين لا نعرف لماذا تسمح لهم الشاشات بالتنقل بين الموتى، لتحريض الضحايا بعضهم على بعض.

في لحظة واحدة ساد الصمت، ثم زالت الصدمة، وكأنّ الناس ينتظرون مثل هذا الحدث، وكأن هذه البلاد لم تشبع بعد من الدمار والنار والدماء والصراخ. وهي لحظة مستمرة لا يُتوقع لها أن تزول قريباً. وبين الناس من هم نذير شؤم يتمنون الأسوأ من أجل إشباع رغبة مقيتة، لاعتقادهم أن الانهيار الكبير سيتيح لهم الارتفاع إلى أعلى، ولو من على فوق ركام. هؤلاء الذين قالوا لنا قبل عقود بأنهم لا يخشون الحرب وليربح الأقوى، هم أنفسهم الذين مارسوا كل أنواع التذلّل للخارج، وكل أنواع القتل والتنكيل في الداخل، وهؤلاء الذين لم تُتعبهم الحروب حتى ولو لم يبق مبشّر على وجه هذه الأرض، هؤلاء هم الذين يتمنون الانهيار الكبير، لأنهم لا يرون لبنان إلا على شاكلتهم أو لا يكون!
لا شيء يمكن الحديث عنه أمام مشهد الجرحى على أبواب غرف الطوارئ في المستشفيات. الآلاف وصلوا إلى المستشفيات وعادوا عندما شاهدوا الزحام على باب الجحيم. عاين الأطباء ضحايا العصف الهائل: رؤوس مخلّعة، وعيون خارجة من الوجوه، وجلود كأنها سُلخت عن عظام، والدماء تغطي كل شيء. وفي الأرض المحروقة، بقي ركام يحتجز من تأخر في العودة إلى عائلته، بينما هُدمت أشباه المنازل على فقراء أحياء المنطقة. وما بقي واقفاً، رافعات من حديد، تناجي الله عسى أن يحمي من بقي تحتها من بشر وحجر…

لكن بقية المأساة، إن عدنا بعد قليل إلى يومياتنا كأنّ شيئاً لم يحصل. أو كأن الذي حصل هو حادث انقلاب باص. وكل كلام عن تحقيق وعلاج سيبقى على ما هو عليه. وما يأمله المرء، في لحظات الغضب هذه، أن تسكن الهزة الجميع لوقت طويل، عسى أن تبقى تذكّرنا بأننا لم نعد نملك حتى إدارة حزننا!

رهانات 2005 – 2006 تعود محلياً وخارجياً: مخاطر الحسابات الخاطئة

الأخبار

ابراهيم الأمين الخميس 6 آب 2020

لو خطّط أحد ما لتسريع الانهيار في لبنان، لما فكّر في خطة شيطانية كالتي أنتجت زلزال أول من أمس. الكل يعلم أن النقاش حول التفجير الهائل سيبقى مفتوحاً إلى أجل طويل، ولن تنفع معه تحقيقات رسمية ولا اعترافات أو غير ذلك. ففي بلاد كبلادنا، حيث تسيطر المافيات على كل شيء، لا مكان لحقيقة تتيح محاسبة عادلة. والمسرح مفتوح دوماً لعكاريت السياسية والاقتصاد والمال والدين الذين ينجون من كل حرب، ويعودون الى أعمالهم بازدهار. لا التاريخ يعلمهم ولا التجارب ولا دماء الناس.

إعلان المحكمة الدولية إرجاء النطق بحكمها في قضية اغتيال رفيق الحريري الى 18 آب الجاري، بُرّر بما يجري في بيروت على ضوء انفجار المرفأ. لكنّ ثمة عقلاً استعراضياً يقف خلف القرار. عقل يقول إن موعد النطق بالحكم ليس مناسبة إدارية لمحكمة يفترض أنها محايدة، بل هو توقيت سياسي له مراميه البعيدة أيضاً. وإذا كانت كارثة أول من أمس قد تحولت الى الحدث الوحيد في لبنان، فإن أصحاب هذا العقل هم أنفسهم من يبثون اليوم شائعات عن أن التفجير كان مقصوداً للتغطية على النطق بالحكم. ولأن عقل هؤلاء يعمل بهذه الطريقة، قرروا الإرجاء، وكأنهم يقولون لنا علناً: نريده حدثا جللاً. وإذا ما حصل حدثٌ قد يُضعف الاحتفال بالحكم، فسنعمل على اختيار توقيت يعيد الى الاستعراض فرصته التي يفترض أن يكون دويّها أعلى من دويّ انفجار المرفأ.

عملياً، من كانوا ينتظرون موعد 7 آب لتحويله حدثاً قابلاً للاستثمار السياسي، أُجبروا على أخذ إجازة إجبارية لأيام. لكنهم قرروا استغلال الجريمة الرهيبة وشرعوا، مرة جديدة، في لعبة استجرار الدم بأي طريقة. هكذا، سمعنا كلاماً عن تحميل السلطة الحالية المسؤولية، ومطالبات بلجنة تحقيق دولية، ودعوة مجلس الامن الدولي الى التدخل… وسنسمع غداً من يدعو الرئيس الفرنسي الى القيام بما قام به جاك شيراك قبل 15 سنة. وغير ذلك، سنسمع الكثير الذي يعيدنا الى عام 2005.

مشكلة من يفكرون على هذا النحو أنهم يريدون تكرار التجربة من دون أن يرفّ لهم جفن. وهم يسعون الى تكرار ما فشلوا في تحقيقه من عدواني 2005 و 2006، معتقدين بأن الظروف مهيّئة لذلك، وسيكون جدول أعمالهم هو نفسه: نزع الشرعية الدولية (نفسها) عن السلطة في لبنان، والسعي الى جذب الجمهور صوب تحركات شعبية تقود الى استقالة السلطة أو إقالتها. والهدف، هنا، هو المجلس النيابي والسعي الى انتخابات مبكرة، وإيكال مهمة الإنقاذ الاقتصادي الى وصاية عربية وغربية تفرض شروطها التي تمتد من المطالب السياسية حيال المقاومة والعلاقة مع سوريا والشرق، وصولاً الى بناء نموذج اقتصادي قائم على فكرة تحويل اللبنانيين الى عاملين بالسخرة عند مجموعة نصّابين لم يتوقفوا عن سرقة كل شيء.

لكن إلى ماذا يستند هؤلاء؟
في هذه اللحظة، يسيطر على عقولهم هاجس الاستغلال الى أبعد الحدود. وعادة، تواكب هذه السياسات حسابات خاطئة لعناصر الأزمة ولوقائع الأرض. وبهذا المعنى، ينبغي لفت انتباه من يهمه الأمر، من قيادات هذه الجماعات والدول الراعية لها الى جمهورها المتحمّس، الى أن الأمور ليست على النحو الذي يفترضون:

– بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، فإن انفجار المرفأ سرّع في عملية الانهيار الاقتصادي والمالي الى أقصى ما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان. فقد تسبّب الانفجار، عن قصد أو غير قصد، في حرق مراحل من عملية التهديم الممنهج لقدرات البلاد. وبالتالي، صار هؤلاء في حاجة إلى الإجابة عن السؤال الحقيقي: هل يبادرون الى احتواء الموقف، أم سيتفرجون على لبنان يذهب طواعية الى العنوان الأنسب للمساعدة؟ وسنسمع في الايام القليلة المقبلة الكثير من الكلام الغربي عن ضرورة توفير المساعدة العاجلة للبنان، ليس بهدف حماية بقيتنا، بل منعاً لوصول الشرق الذي سيكون أكثر حضوراً من المرات السابقة.

– الفرنسيون الذين خسروا لبنان يوم وقّع جاك شيراك ورقة مطالب جورج بوش في المنطقة، سيحاولون حجز مقعد إلزامي لهم في إدارة ملف لبنان. والزيارة «الإنسانية» للرئيس الفرنسي الى بيروت، اليوم، لن تفتح له الأبواب إذا كان مُصرّاً على اعتماد المقاربة الاميركية لمعالجة الازمة. فأمام فرنسا فرصة لاستعادة الدور، إذا قطع ماكرون مع إرث شيراك – بوش. أما إذا لم يفعل، وجرّب «التشاطر» كما فعل وزير خارجيته، فسيعود الى باريس مثقلاً بالهواجس التي تسبق الخيبات الكبرى.

– عرب أميركا الذين يعتقدون أنها الفرصة المناسبة لإجبار لبنان على تلقّي مساعدات مشروطة، سيرفعون من سقف توقعاتهم أيضاً، وسيطالبون أنصارهم ومرتزقتهم، هنا، برفع السقف عالياً لتحصيل تنازلات أساسية تقوم على تبديل واقع السلطة القائمة، وإعادة فريق 14 آذار الى الحكم، مصحوباً بعناوين تستهدف أولاً وأخيراً ضرب المقاومة في لبنان. وإذا كان هؤلاء يتّكلون على الأدوات نفسها التي عملوا عليها لعقد ونصف عقد، من دون جدوى، فستكون خسائرهم مضاعفة هذه المرة.

إذا لم يقطع ماكرون مع إرث شيراك – بوش فسيعود الى باريس مثقلاً بالهواجس التي تسبق الخيبات الكبرى


– إسرائيل، التي انتظرت عام 2005 انهيار الجدار الداخلي الذي يحمي المقاومة، وانتظرت حصد نتائج الغزو الأميركي للمنطقة وخروج القوات السورية من لبنان، ثم نفذت طلبات أميركية – توافق مصالحها – بشنّ حرب مدمرة على لبنان عام 2006، تفترض اليوم، وفق حسابات غير واقعية على الإطلاق، أن المقاومة تعاني الأمرّين في لبنان. ويبدو العدو – في سلوكه العسكري والأمني والدبلوماسي – وكأنه يقرأ خطأً في كتاب المقاومة. وربما يوجد بين قادته، السياسيين أو العسكريين أو الأمنيين، من يغامر في التفكير، وقد يذهب هؤلاء الى حد القيام بمغامرة على وقع الأزمة الداخلية في لبنان. هؤلاء الذين يراهنون على أن يؤدي انفجار المرفأ الى إلغاء حزب الله قرار الرد على جريمة سوريا، يفكرون مرة جديدة بطريقة خاطئة، لأنهم يعتقدون أن المقاومة في ورطة، وأنها تحتاج الى سلّم للنزول عن الشجرة. لكنهم سيدركون أن رد المقاومة واقع حتماً، وسيكون دموياً ضد قوات الاحتلال، وهدفه عقابي وردعي أيضاً. لكن ما يحاول العدو المكابرة في شأنه، اعتقاده بأن المقاومة لا تريد حرباً واسعة، وبالتالي هو يقرأ هذه الخلاصة على أنها إشارة ضعف، لكنها قراءة خاطئة بالمطلق. المقاومة التي لا تريد حرباً، لكنها لا تريد أيضاً نوعاً من المعارك بين الحروب، تنتج ما قد لا تنتجه حرب إسرائيلية شاملة. وبالتالي، فإن المقاومة التي أرست معادلة الردع خلال أربعة عقود، مستعدة حتى لخوض حرب تدفع فيها إسرائيل الأثمان غير المقدّرة أيضاً.

– في لبنان جبهة سياسية أصابها الهريان. كل القوى التي شكلت فريق 14 آذار، وحكمت البلاد منفردة منذ عام 2005، وبدعم العالم كله، لم تنجح في إصلاح مدرسة. حتى جريمة تخزين المواد التي انفجرت في المرفأ، هي من نتائج أعمالها وسياساتها ومن عيّنتهم في مواقع المسؤولية. وهي مسؤولة، أولاً وقبل أي أحد آخر، عن هذه الجريمة الموصوفة. وإذا كان قادة هذا الفريق يفكرون بطريقة معاكسة، وأن بمقدورهم رمي المسؤولية على حسان دياب لإصابة حزب الله، فهم يكررون الخطأ تلو الخطأ. حتى إن تقديرهم حيال تصرف حزب الله في الداخل ليس دقيقاً على الإطلاق. صحيح أن حزب الله لا ينوي التورط في مشاكل داخلية، وهو تجنّب كل الاستفزازات الداخلية والإقليمية خلال عشرين عاماً وأكثر، وهو سيستمر في هذه السياسة، إلا أن وقائع لبنان الداخلية لم تعد كما كانت عليه قبل 15 سنة. فلا هم في موقعهم الشعبي ولا نفوذهم هو ذاته، وهم يعرفون أيضاً أن غضب الناس على السلطات في لبنان إنما يصيبهم قبل غيرهم. أما اللجوء الى تسعير المناخات الطائفية والمذهبية، فالجواب على ذلك ربما سمعوه جميعاً من بيت الوسط.

في زمن الحسابات الخاطئة، يفترض بمن يجد نفسه معنياً بمنع محاولة إغراق لبنان في الدماء، أن يميّز بين الحقائق، وأن يقدّر جيداً الوقائع والأحجام والأوزان، وأن يتعرّف جيداً إلى قدرة الخارج على التدخل. لكنّ الأهم هو أن عليه أن يعرف أن لبنان تغيّر فعلاً، وأن ما يفكرون في أنه «لبنانهم» الذي خلقه الاستعمار على هذه الصورة قبل مئة عام، لم يعد له وجود سوى في أغنياتهم وأناشيد الأطلال، وكل صراخ أو كلام مرتفع أو غضب على طريقة خلافات أولاد الأحياء، لن يفيد في تعديل الصورة. ولا مجال مطلقاً لإعادة فرض الفيلم نفسه، لمرة خامسة على هذا الشعب المسكين… اتّقوا الله يا جماعة!

مقالات متعلقة

فيديوات متعلقة

عندما تتحول المقاومة عند العدو… إلى قدر!

ابراهيم الأمين 

الإثنين 27 تموز 2020

ظاهرتان لافتتان في المشهد السياسي المرافق للتوتر القائم عند الحدود الجنوبية: امتناع العدو الاسرائيلي عن إطلاق تهديدات مليئة بالنار والدمار الشامل، وعدم تفاعل معارضي المقاومة في لبنان مع الأمر بجدية. في تل أبيب، أصدر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمراً الى الوزراء والمسؤولين بضرورة عدم التطرق الى الوضع في الشمال. وهو اكتفى، أمس، بعرض موقف معروف ضمّنه تحميل لبنان المسؤولية عن أي عمل يقوم به حزب الله. لكن الإجراء العملي الذي يلحّ عليه رئيس حكومة العدو، هو مطالبة قياداته الأمنية والعسكرية بالعمل على إفشال قيام حزب الله برد موجع أو تناسبي أو ردعي. وهذا ما يترجمه الجيش والمؤسسة الأمنية باستنفار كبير يخص الجبهة الشمالية.

في لبنان، قد يكون الانشغال العام بالأزمة الاقتصادية وتفشّي وباء كورونا وارتفاع أعداد المصابين، عاملاً رئيسياً للانشغال عن الوضع جنوباً. لكن، ثمة اعتبارات أخرى، من بينها صمت حزب الله نفسه، وعدم الالتفات الى التهديدات الاسرائيلية. وأبعد من ذلك، اقتناع أطراف لبنانيين بارزين بأنه لا يمكن لأحد منع المقاومة من ممارسة حقها في الرد على جرائم العدو. لكن في النتيجة، يمكن الخلوص الى أن منسوب القلق أعلى عند العدو، حكومة وجيشاً وإعلاماً ومراقبين، بينما هو في مستوى متدن جداً في لبنان. وبالطبع، ليست هذه دعوة لأي كان إلى التطوع بالمشاركة في حملة التهويل الاسرائيلية، بل هي توصيف ولفت انتباه الى أن كل البلهوانيات لن تمنع ما هو مقدّر.

بالعودة الى الوضع القائم حالياً، يمكن ملاحظة ذروة الاستنفار المعادي على الحدود مع لبنان. الإجراءات العسكرية المتصاعدة تشمل نشر قوات إضافية وإطلاق أوسع عمل استخباري، بشري وتقني، بالتزامن مع تكرار رسائل التهديد. لكن هذه الإجراءات تزامنت مع توصية مفاجئة لرئيس أركان جيش العدو أفيف كوخافي – الذي أنهكنا العدو وهو يقول إنه قائد فذّ وضابط شجاع ومقدام – وهو يطلب من ضباطه وجنوده الاختفاء عن الشاشة وعدم ترك أي ثغرة قد ينفذ منها حزب الله لتنفيذ ردّه. كل ذلك يقود الى خلاصة أولية، وهي أن العدو يئس من الرهان على احتمالية عدم الرد، ويتصرف على أساس أن الرد حتمي، وأن توقيته لم يعد مرتبطاً بحالة سياسية أو بخطاب أو موقف، بل بوضع ميداني يعمل العدو على محاولة احتوائه على مدار الساعة. حتى إن أحد المراسلين العسكريين الاسرائيليين قال أمس: « لقد حُسم الامر، حزب الله أخرج المجموعات الى الميدان، ونحن نشهد ذروة استنفار الجيش على الحدود مع لبنان ومع سوريا أيضاً».

في هذه المرحلة، فهمت قيادة العدو أن للرد بعده الردعي حكماً، وبالتالي فهو سيتم بطريقة واضحة غير ملتبسة، وسيستهدف جنوداً للعدو لا منشأة مدنية. وهذا أمر قيد الاختبار بالنسبة إلى الجميع. لكن ما يجب على كثيرين، عندنا وعند العدو، أن يفهموه، هو أن ردّ المقاومة على جريمة ارتكبها العدو في سوريا له بعده الردعي الخاص بلبنان أيضاً، لأن العدو يعلم تماماً أن المقاومة عندما تقرر رداً ردعياً من لبنان على جريمة حصلت في سوريا، فدلك يعني أن المقاومة تقول له بوضوح إن عليه وقف ارتكاب ما يسمّيه «الأخطاء» في سوريا، وألا يفكر حتى في محاولة الاقتراب من ساحة لبنان. بل إن العدو يعلم بأن الرد القاسي الذي ينتظره على جريمة دمشق، قد لا يساوي شيئاً أمام الرد على أي جريمة قد يرتكبها في لبنان.

صحيح أن العدو حاول، خلال الايام القليلة الماضية، ومن خلال دبلوماسية بليدة وتقليدية، تسويق مزحة سمجة تقول إن ما قام به مجرد خطأ، إلا أنه فعل ذلك ساعياً لأن يتدخل العالم لمنع المقاومة من القيام بأي رد، أو أن يكون الرد شكلياً في أحسن الاحوال.

والعدو لا يمل من تجربة حظه معنا. علّمته التجربة أن الامور لا تسير وفق منطقه. ومع ذلك عاد الى اللعبة نفسها، خصوصاً عندما حاول إدخال مبدأ «الخطأ» الى القاموس العملياتي، علماً بأنه يعرف بأن هذا «الخطأ» ليس سوى استراتيجية تكتيكية كاملة. ومتى تُرك الأمر له، سيُرينا كمية كبيرة من الاخطاء يومياً، وهو لن يمانع بعد كل خطأ أن يصدر بيان اعتذار، علماً بأن العدو يحاول اختبار المقاومة هنا، لمعرفة إذا ما كانت مردوعة أو لا. فيطرح مبدأ الخطأ، وكأنه يعرض على المقاومة سلّماً لتنزل عن شجرة التهديد بالرد. وعندها، سيتصرف، كما يفكر فعلياً، بأن المقاومة مردوعة وغير قادرة على العمل. ولمجرد أن هذا الوهم لا يزال يسكن مكاناً في عقل العدو، فإن الرد أكثر من حتميّ.

الرد على جريمة ارتكبت في سوريا ردع إضافي لحماية لبنان، والمقاومة تذكّر بأن الاستحقاقات الداخلية ليست عائقاً أمام مقارعة العدو


ليست هناك حاجة للعودة الى السرديات الطويلة حول الاساس الذي ينطلق منه العدو أو تنطلق منه المقاومة في هذه الحرب الطويلة. لكن هناك حاجة أكيدة إلى مخاطبة أناس، عندنا أو في الاقليم، ممّن يدمنون التفكير في كيفية الاستفادة من أي عدوان إسرائيلي، للقول إن ما يجري في هذه الساعات وما قد يجري في الساعات أو الايام المقبلة، إنما هو في حقيقته من صنيعة قوات الاحتلال نفسها. فمنذ قيام كيان العدو الى كل حروبه في لبنان، مروراًَ بانطلاق المقاومة ووصولاً الى زمن التحرير ثم حرب 2006 الى المعارك بين الحروب، في كل هذه المفاصل، كان قرار الحرب بيد العدو حصراً، ولم يحصل أن بادرت المقاومة الى إعلان الحرب، بل على العكس، قالت دائماً – وهي تعني ما تقوله – إنها لا تريد الحرب. لكن هذا لا يتم بأي ثمن. بمعنى أن المقاومة التي لا تريد حرباً، لا تريد الاستسلام كي لا تقع الحرب. وليفكر المتبجّحون بالسيادة والاستقلال بالأمر قليلاً، ليدركوا أنه لو أرادت المقاومة شنّ حرب أو فتح النار على طول الجبهة الشمالية لكيان العدو لفعلت ذلك مراراً وتكراراً، وبيدها ألف حجة وحجة.

اليوم، تستقر الأمور على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة مع العدو. وظيفة المقاومة وردها إفهامه أن ما تكرس خلال أربعة عقود لن يتغير، وأن التضحيات التي بذلت ليست للبيع، وأن من يريد تكريس وقائع جديدة عليه أن يدفع الثمن غالياً، ولا ضمانة لديه في أنه سينجح. ووظيفة المقاومة التأكيد لأهلها وشعبها وناسها، كما للعدو، أنها «لا تتسلى»، ولا تضيّع وقتها، وأن انشغالاتها الداخلية أو بتطورات المنطقة، لم تكن يوماً على حساب دورها الاساسي والمركزي في ردع العدوان وتحرير الارض. وهذا يعني، ببساطة، أن علينا الاستعداد لنكون، كما كنا في كل وقت، الى جانب هؤلاء الرجال الذين يرسمون لنا ولأولادنا صورة البلاد الخالية، حقيقة، من الاحتلال والإرهاب والتبعية.

العدوّ يخضع لـ«تأديب ما قبل العقاب» وقواته التزمت «الوقوف على إجر ونص»

ابراهيم الأمين السبت 25 تموز 2020


إسرائيل مستنفرة وتنتظر الردّ

العدوّ يخضع لـ«تأديب ما قبل العقاب» وقواته التزمت «الوقوف على إجر ونص»
(أ ف ب )

من المفيد في حالة الصراع مع العدو أن نضع أنفسنا مكانه. أن نحاول بناء منظومة المعطيات التي تسمح له بتقدير الموقف. وبالتالي اتخاذ الخطوات، سواء كانت وقائية أو دفاعية أو هجومية. ومن الممكن الاعتقاد بقوة، أن «تغييرات ما» طرأت على العقل الإسرائيلي في الأشهر القليلة الماضية. وهي تغييرات تخص كل الأعداء في الشمال، وخصوصاً إيران. ويسود انطباع بأن قيادة العدو، بالتعاون مع جهات نافذة في الإدارة الأميركية، تعتقد أنه يمكن «اغتنام الفرصة» في هذه اللحظات العصيبة عالمياً، سياسياً واقتصادياً وصحياً، لأجل القيام بـ«إجراءات تعطل برامج إيران في المجالَين النووي والعسكري»، وأن الأمر يمكن القيام به حتى ولو تطور إلى مواجهة. وفي هذه الحالة، يبدو العقل الإسرائيلي عاملاً على فكرة جوهرية، وهي أن يكون الاشتباك مع إيران وحلفائها ليس مع إسرائيل وحدها، بل مع أميركا أساساً.

لنضع جانباً ما يجري في إيران. ثمة من يمكنه هناك احتساب القواعد وتقدير الموقف واتخاذ القرار. لكن ما يجري في سوريا ولبنان له قواعد تأخذ بشكل أساسي موقع وموقف الرئيس بشار الأسد. لا يمكن محاصرة الرجل أو ضغطه لأجل القيام بردّ مباشر على الاعتداءات الإسرائيلية. والقرار هنا مرتبط بالمصلحة الاستراتيجية، لأن هدف العدو من أي مواجهة في سوريا هو ضرب قواعد حماية النظام. ورهان إسرائيل أن ذلك يؤدي حكماً إلى إحداث ضرر كبير في برامج محور المقاومة بكامله. ولذلك، يمكن استعادة القواعد التي تولّت روسيا رعايتها ومختصرها يقول: روسيا لن تمنع إسرائيل من توجيه ضربات موضعية إلى خصومها من إيران وحزب الله في سوريا. لكنها لن تسمح لها بدخول طائراتها إلى السماء السورية. ولن تسمح لها بأن تضرب مراكز أو منشآت تهدد النظام. لكن للمعادلة الروسية إضافتها التي تقول: روسيا تتفهّم أي رد فعل يقوم به الإيرانيون أو حزب الله من سوريا، لكنها تعرف أن الجهتين لن تبادرا إلى أعمال من شأنها تهديد مصالح النظام الاستراتيجية. لكن المهم هنا، أن روسيا، وكما أنها لن تمنع إسرائيل من الهجوم، لن تقدر على منع إيران وحزب الله من الردّ.

العدو الذي يتصرف في سوريا بـ«راحة أكثر» من أي ساحة أخرى، لا يتوقف عن استهداف مراكز ذات طابع عسكري داخل الأراضي السورية، لكن استخدامها يكون في غالب الأحيان من قبل إيران أو حلفائها، حتى ولو كان بينهم سوريون. وهذه الهجمات على ضررها، لم تلامس حد تهديد البرنامج الاستراتيجي لمحور المقاومة بما يوجب الرد عليها بطريقة مشابهة. وهو أمر يعرفه العدو جيداً، وخصوصاً لناحية إدراكه العملاني بأن كل هذه الهجمات لم تدفع محور المقاومة إلى التوقف عن عملية بناء قدراته العسكرية الاستراتيجية. ولمن يهتم من الجمهور لمعرفة حجم الضرر، يمكنه العودة إلى تصريحات قادة العدو بأن كل هذه الهجمات لم تصب أكثر من عشرة بالمئة من برنامج المقاومة، فهل لنا أن نتخيل ماذا يعني نجاح المقاومة بتنفيذ 90 بالمئة من برنامجها؟

عند هذا الحدّ، يجب العودة إلى العقل الإسرائيلي حيال التصرف مع حزب الله على وجه التحديد. ليس حصراً لأن الحزب يمثل العمود الفقري لقوى المقاومة في المنطقة، بل لكون العدو يعتقد، وهو محقّ، بأن حزب الله يملك القدرات البشرية والتقنية والخبرات التي تسمح له بالمشاركة في إدارة هذه البرامج الاستراتيجية، بما في ذلك التي يُعمل على بنائها في سوريا، وخصوصاً أن الحزب يملك فعلياً ثقة إيران وسوريا، إضافة إلى ثقة كل القوى الرئيسَة في محور المقاومة. وبالتالي، فإن العدو يركز ضمناً على شكل تعطيل أو احتواء دور حزب الله في هذا المجال.

لكنّ إسرائيل تعرف، نتيجة خبرة 35 سنة، أن التعامل مع حزب الله ليس كما مع غيره، سواء كان قوى أو حكومات أو حتى أفراداً. وبالتالي، فإن على العدو أن يحسب في كل مرة الكثير من العناصر عندما يقوم بعمل قد يصيب حزب الله صدفة أو عن طريق «الخطأ المدروس». وهذا ما يجعل العدو مقيداً بصورة شبه كاملة في لبنان، ومقيداً بصورة كبيرة جداً في المناطق التي يوجد فيها عناصر من الحزب، أو يحتمل أن يكونوا موجودين فيها.

في سوريا، أصاب العدو في الخريف الماضي، مركزاً يديره الحرس الثوري الإيراني، لكن كان فيه كوادر من حزب الله. صحيح أن العدو يحرص على عدم إيذاء عناصر الحزب مباشرة، لكنه يرتكب الأخطاء، عمداً أو سهواً. وهو يعرف بأن عليه تحمّل مسؤولية ما يقوم به. ولمّا حاول في الخريف الماضي تبرير الأمر، وأنه سعى إلى الإبلاغ عن الهجوم قبل حصوله ووصل به الأمر إلى حد الاعتذار عن استهداف شباب المقاومة، إلا أن قيادة حزب الله بعثت برسالة واضحة بأن لكل خطأ ثمناً. ويومها، سعت المقاومة إلى تثبيت حقها في معاقبة العدو على الخطأ، لكنه عقاب يستهدف ليس حصراً تدفيعه الثمن، بل ردعه ومنعه من تكراره. وكانت عملية أفيفيم، التي لن يصدق أحد – ما عدا المقاومة وإسرائيل – أن عدم وقوع قتلى فيها كان نتيجة خطأ عسكري، لا نتيجة قرار.

اليوم عاد العدو إلى ارتكاب الخطأ نفسه. صحيح، أن الغارة على موقع قرب مطار دمشق مطلع الأسبوع الجاري يبررها العدو بأنها في سياق عمله ضد «التمركز الإيراني» في سوريا، لكنه تصرّف هذه المرة، مصحوباً بمناخات تحتاج إلى تدقيق، ولا سيما «نزعة التفلّت» من القيود السائدة لدى بعض أركان مؤسستَيه العسكرية والأمنية، هؤلاء الذين يراهنون بقوة على «تبدلات في المعطيات تسمح برفع سقف المواجهة مع إيران والحزب». وهذه التبدلات، كما يظهر في كل المعطيات المتداولة عند من يهمهم الأمر، تركز على أن حزب الله يمرّ بمرحلة «كبح جراء الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية التي تواجه لبنان».

عند هذه النقطة، يجب فهم أن العقل الإسرائيلي كان يعمل وفق قاعدة أن ظروف الحزب في لبنان لا تسمح له بالقيام بـ«ردّ تناسبي» من النوع الموجع بطريقة «تمنع» العدو من تكرار المحاولة. ورغم ذلك، يلجأ العدو، وكما جرت العادة، إلى استعدادات، أساسها الاتصالات السياسية والعمل السياسي – الأمني الهادف إلى محاولة إقناع الحزب أو «مَن يمون عليه» بعدم الرد؛ وبقية عناصرها تتعلق بالاستعداد لمواجهة قد تبدأ بصدام موضعي وتنتهي إلى جولة قتالية أو ربما حرب واسعة.

ليل الإثنين الماضي، أغار طيران العدو على موقع قرب مطار دمشق. وبعد ساعات، علم الإسرائيليون أن احد الشهداء هو من حزب الله. فبادرت قيادة قوات الاحتلال ومؤسساتها الأمنية إلى إطلاق برنامج عمل أساسه الاستنفار والاستعداد على طول الجبهة الشمالية، متوقعين رداً من قبل المقاومة. وقد شملت الإجراءات الميدانية والاستطلاعية التقنية كل المنطقة الممتدة من ساحل الناقورة غرباً في لبنان حتى الحدود الشرقية للجولان السوري المحتل، وكل المنطقة المتاخمة للحدود. وتزامناً، باشرت قوات الاحتلال تنفيذ خطة وقائية تشمل المستوطنات المليئة بالسكان والقواعد العسكرية ونقاط المراقبة الحدودية. كما سارعت إلى الطلب من القوات الحليفة أو الصديقة، من الجيش الأميركي في قاعدة التنف إلى قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، القيام بما يسمح بتكوين صورة واقعية ودقيقة عما يمكن أن يقوم به حزب الله. وفي جنوب لبنان، وصل الأمر بعدد من مراقبي القوات الدولية إلى القيام بدوريات مكثفة في نقاط محددة، حيث يعتقد العدو أن رجال المقاومة يمكن أن ينتشروا فيها أو أن يتموضعوا لأجل القيام بعمليات عسكرية.

لكن العدو سعى في المقابل إلى رهن خطواته بأشياء أخرى، من بينها مراقبة تصرفات وتصريحات قيادة حزب الله. وبعدما تنفّس بعض قادة العدو الصعداء عند انتشار البيان الأول لنعي الشهيد علي محسن، بالقول بأنه سقط أثناء قيامه بواجبه الجهادي، عاد التوتر مع انتشار بيان نعي جديد، يقول بأن الشهيد سقط جراء الاعتداء الإسرائيلي. لكن العدو ازداد ارتباكاً وقلقاً عندما تم توزيع البيان الجديد من قبل جهات في إعلام المقاومة، ولكن ليس عبر بيان رسمي. فيما ترقب العدو خروج الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله لإطلاق موقف من المسألة، وهو ترقب مستمر إلى الآن. ففي دائرة القرار عند العدو، ثمة مَن يفكر بأنه في حال أطل السيد حسن، فسوف يحسم الأمر. فيما يعتقد بعضهم، أو يراهن، على أن عدم صدور موقف رسمي أو خطاب علني، يُبقي الباب مفتوحاً أمام خيار «عدم الرد» أو «الرد الشكلي». وفي هذه النقطة، سرعان ما يعود العدو ليقدّم رهانه ربطاً بالأوضاع الداخلية للبنان. وكان أبرز من تناول هذا الموضوع هو قائد المنطقة الشمالية في جيش العدو أمير برعام الذي قال لـ«هآرتس» إن لبنان يعاني أوضاعاً صعبة للغاية وإن حزب الله لديه انشغالاته الداخلية الكثيرة التي تقيده. لكن الجنرال نفسه عاد ليتحدث عن الخطرين الرئيسين: «قوات الرضوان والصواريخ الدقيقة». ومثل كل قائد عسكري أو مسؤول أمني لدى العدو، فإن ذكر الرضوان والصواريخ يجب أن يعالج بجرعة من التهديدات الكبيرة. وهي تهديدات يريد قادة العدو الرد من خلالها على ما يعتبرونه «الحرب النفسية التي يقودها حزب الله ضدنا». قال برعام: «نصرالله هو بطل العالم في الحرب النفسية»!
عند هذه النقطة، يمكن العودة مرة جديدة إلى العقل الإسرائيلي. الآن، حين يرفع جيش الاحتلال من مستوى استنفاره على الحدود مع لبنان، ويعزز قواته العسكرية والأمنية وأذرع جيشه كافة، لا يزال مصدر القلق «الإدراك العميق بأن الردّ آت». لكن ما يزيد من القلق هو «صمت حزب الله». في المرة السابقة، أطل السيد حسن نصرالله وقال لهم: «انتظرونا على إجر ونص»!. هذه المرة لم يقل لهم ذلك، لكنهم لا يتحملون هذا المستوى من «التأديب قبل العقاب». ربما الناس عندنا، أو حتى المستوطنون، يعتقدون أن عملية إخلاء عسكرية وأمنية لمنطقة حدودية شاملة وبعمق عدة كيلومترات، أمر سهل. بينما هو في حقيقة الأمر عمل منهك على الصعيد اللوجستي، ومكلف مادياً، لكن الأهم، هو إهانة كبيرة لجيش يعتد بنفسه ويأتي من يلزمه بالاختباء لفترة غير محددة. وهذا بالضبط ما حاول العدو القيام به منذ ليل الإثنين الماضي. أي أن يقوم باتخاذ تدابير وإجراءات احترازية، تزيل أهدافاً محتملة من أمام مهداف حزب الله، لكنها لا تلزمه «الخضوع» لعقاب «الإجر ونص».

ما يفوت العدو أن مبدأ الردّ ليس حاجة شكلية لحماية صورة المقاومة، بل هو حاجة مركزية لحماية منجزات المقاومة، وتبقى كلفته أقلّ بكثير من كلفة عدم الردّ


عملياً المشكلة في العقل الإسرائيلي، ليست في كونه «لا يفهم على حزب الله»، بل في كونه لا يزال يتجاهل قاعدة رئيسَة تقوم على فكرة المراكمة في الإنتاج وفي تثبيت الوعي وفي تثبيت الحق في المقاومة. وبالتالي، فإن قواعد الاشتباك التي قامت مع الوقت، منذ عام 1982 إلى الآن، إنما حصلت بجهد وتضحيات قلّ نظيرهما في تاريخ الصراع مع العدو. وكانت المقاومة على الدوام تعرف أن هناك كلفة كبيرة، ليس لعمليات المقاومة وحسب، بل لحماية منجزات المقاومة. وهذا ما تدرّج في حماية الناس منذ عام 1993 إلى اليوم، كما هو الحال بالنسبة إلى ملف الأسرى في سجون العدو. وبالتالي، فإن العدو الذي يفهم عقل المقاومة، عليه أن يدرك حقيقة مركزية تتعلق بأن أصل الرد ليس سببه «صورة أمام الجمهور». صحيح أن هذه الصورة أساسية، لكنها لم تكن لتوجد لولا أن الحزب يقدر على توفيرها وعلى حمايتها. وهذا يقود إلى استنتاج بسيط وسهل، ولكن قاسٍ بالنسبة إلى العدو، ومفاده: أن كلفة عدم الرد هي الأعلى وهي التي تجر خلفها أكلافاً كثيرة في كل الأمكنة، وليس على جبهة الاحتلال فقط. وبالتالي، عندما قرر الحزب، وخرج السيد حسن في خطابه الحاسم، لم يقم بذلك انفعالاً أو تحت ضغط الناس. إنما فعل ذلك انسجاماً مع المسار المفترض لحماية منجزات المقاومة. وهذا ما يجعل عدم الرد غير وارد على الإطلاق.
أما عن الرد وكلفته، فهناك محاولة إسرائيلية لتهديدنا بكلفة مفترضة مسبقاً، والقول لنا، بأن حق الرد صار مكلفاً أكثر مما تعتقدون. ومن قال له بأنه مكلف بأكثر مما نعتقد؟ وهل لديه يقين بأن كلفة الرد على رده، ستكون متناسبة مع قدرته على التحمل؟ ومن قال بأن جبهته الداخلية أكثر تحصيناً من جبهتنا الداخلية؟ ومن قال بأن مشاكله السياسية والاقتصادية والصحية ليست قائمة ومؤثرة في كل ما يقوم به اليوم؟ والأهم، من قال للعدو أو أفهَم قادته، بأن عدم الرغبة في إشعال الجبهة يعكس ضعفاً في الإرادة أو في الإمكانات؟ هذا هو موقع الاختبار الفعلي هذه الأيام.
وما ينبغي قوله عن «فلسفة الرد»، هو ما يجب أن يكون واضحاً ليس عند العدو وحده، بل عند الجمهور اللبناني، سواء عند الذين يؤمنون بخيار المقاومة وقدراتها وكلفتها، أو عند الذين ينشطون اليوم ضمن الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية – السعودية التي تحاول تحميل المقاومة كلفة الخراب الاقتصادي في البلاد.

تحاول إسرائيل عدم دفع الثمن مرتين، مرة بالتأديب مع «وقفة الإجر ونص» ومرة ثانية عند تعرّضها للضربة، وجوابها الوقائي، استنفار بصوت خافت، والتهديد بردّ واسع


بالنسبة إلى جمهور المقاومة، الأمر واضح وليس فيه من جديد. هو برنامج مديد، مرّ عليه جيلان، وتنتظره أجيال حتى إنهاء ما يُسمى «إسرائيل». وعندما تخطط المقاومة لرد معين، فهي تأخذ في الاعتبار كل العناصر المرتبطة بهذا الرد. وتضع في حساباتها أن العدو قد يرتكب حماقة إضافية ويذهب إلى مواجهة. ومثل المحطات السابقة، فإن المقاومة تنتظره بما لا يسرّه ولا يسرّ حلفاءَه هنا أو في البعيد.

أما بالنسبة إلى الذين يعتقدون أنهم يقدرون على إطلاق حملة تستهدف المقاومة وتهدف إلى منعها من ممارسة حقنا جميعاً بالدفاع عن أنفسنا، فهؤلاء فاتهم أنها لن تكون المرة الأولى التي يعمدون فيها إلى هذا الفعل الشنيع. ومن نسي منهم، فليعد إلى وثائق ويكيليكس التي تفضح رغباتهم بنجاح حرب العدو. وهؤلاء، ربما عليهم هذه المرة، التنبه إلى أن خيانتهم لا يمكن أن تبقى كل الوقت من دون حساب، حتى ولو كانت قيادة المقاومة دائمة الرأفة بهم.

الحاصل في الساعات الماضية، أن العدو سرّع من الإجراءات التي ستقود حتماً إلى عملية إخلاء غير معلنة لكل المواقع في المنطقة الشمالية. لقد التزم العدو قرار التأديب الذي بات معروفاً بإجراء «الإجر ونص»، حتى ولو كان يحاول القيام به من دون ضجة ليمنع العار عنه. لكن ما يقوم به بدأ يبث الذعر أكثر لدى المستوطنين. وهي إجراءات تحاكي «تقديرات استخباراتية» بأن الرد حاصل. وإذا كان إعلام العدو حاول ملْء الفراغ الرسمي، وعمد إلى نشر تصورات وسيناريوهات لرد المقاومة، لكنها تقع جميعاً، ضمن الصندوقة نفسها. المخيلة الإسرائيلية، لا تقترب – أو هي لا ترغب بالاقتراب – من ملامسة احتمالات تعكس «عقل الصدمة» التي مثّلته عمليات المقاومة على مرّ السنين. ربما يجدر بقادة العدو فهم أن «صمت المقاومة» هو أيضاً جزء من الحرب النفسية التي تسبق عادة أي عمل تقرر القيام به. لكن تُرك لمَن بيدهم الأمر اختيار اللحظة المفيدة للبعث برسالة واضحة لا تحتمل التأويل… لننتظر!

دياب وخصومه: المواجهة داخل الحكومة وخارجها

الانتفاضة تربك الحكومة و«المعارضة»: حزب الله يطمئن دياب والحريري

ابراهيم الأمين

إبراهيم الامين - العنكبوت | Alankabout - أخبار لبنان - أخبار ...

الإثنين 15 حزيران 2020

لم يكن خطاب رئيس الحكومة، أول من أمس، عادياً. لكنه لم يكن نقطة تحوّل يمكن البناء عليها. في الشكل، قال الرئيس حسان دياب ما يمكن توصيفه بأنه تشخيص واقعي للأزمة. وهو جهد بات معلوماً ومفهوماً من الجميع. وحتى إشارته، مجدداً، إلى الفاسدين أو المسؤولين عن الكارثة ليس فيها جديد. بل إنه لا يزال متخلّفاً خطوات عن الاتهام المباشر الذي وجّهه الشارع إلى من يجب أن يتحمل المسؤولية عن الأزمة. ومشكلة دياب ستتفاقم كلما بقي يهرب من مهمة تسمية الأمور بأسمائها، وعدم تكرار ما يقوله السياسيون عن بعضهم البعض، عندما يطلقون اتهامات عامة، تعني في كل الحالات: لا شيء!

ما قاله دياب عن واقع الأزمة وعما يجري من خطوات سياسية من قبل خصومه، وعن تقديره لمتطلبات المرحلة، أمر معروف وليس فيه ما يثير أحداً. وهو لمّح إلى وقائع قال إنها موجودة لديه حول «ليلة الانقلاب الفاشل»، وهدّد بنشرها، لكن لا يبدو أنه سيفعل. والخشية كل الخشية منه أن يفعل ذلك في الوقت الضائع، علماً بأن الكل شعر بأن هناك من رغب في تكرار تجربة أيار 1992، عندما تولّى الراحل رفيق الحريري، بالتعاون مع كل أركان الطبقة (وهم أنفسهم الموجودون اليوم)، إطاحة الحكومة من خلال «سلاح الدولار». الانقلاب تطلّب تحريضاً غير مسبوق، بأبعاد طائفية ومذهبية، وماكينة شائعات جعلت الدولار بسعر خيالي (وفق حسابات اليوم، وقد يكون واقعياً بحسابات الغد)، وكان هؤلاء يتوقّعون مستوى من الفوضى لا يقدر أحد على ضبطه، وعندها تكون المهمة دفع الحكومة الى الاستقالة. لكن ما فاتهم، هو تماماً ما قاله دياب، من أنه شخصياً ليس في وارد الاستسلام. وربما بات على خصومه معرفة حقيقة أنه قليل التأثر بكل أشكال الدعاية. فهو، أساساً، دخل دائرة النار يوم قبل المهمة، وواجه كل محاولات الحرم السياسي والطائفي والمذهبي.

مع ذلك، فإن دياب عندما تحدّث بحرقة عما يحصل، ودافع عن نفسه بأنه ليس من ضمن فريق الخراب في البلاد، كان يعبّر عن قلق مستجدّ. وهو قلق ليس مصدره خصوم الحكومة، بل حلفاء الحكومة. ولذلك، سارع منذ الأربعاء الماضي، وعلى مدى يومين كاملين، شخصياً ومع مساعديه وحلقة وزارية مؤثرة، إلى الاتصال بكل من بيدهم الأمر، وسؤالهم مباشرة عما إذا كانوا في صدد إطاحة الحكومة. وكان حريصاً على سماع الأجوبة الواضحة والمباشرة وغير القابلة للتأويل، والخلاصة التي تهمّه كانت: لا، ليس بيننا من يريد الانقلاب على الحكومة!

هذه الخلاصة سمحت له بقول ما قاله في خطابه. لكن، مع الأسف، هذه خلاصة تخصّ دياب وحده، أو تخصّ حكومته وحدها. لكنها لا تعالج مشكلاته المتفاقمة يوماً بعد يوم، سواء من داخل الحكومة، حيث النقاش بين القوى المؤلفة لها لم يعد موجوداً كما في السابق وعادت الريبة لتسكن الجميع. سليمان فرنجية وطلال أرسلان يراعيان حزب الله. والأخير يهتم بكيفية تقليص حجم التوتر بين التيار الوطني الحر وحركة أمل. والرئيس ميشال عون يريد إنجازات كبيرة، لكنه لا يزال يحمّل الآخرين مسؤولية التعطيل. وحزب الله نفسه لا يريد الانفجار، ويقوم بدور الإطفائي في كل لحظة. لكن الحزب لن يكون قادراً على حماية الحكومة من المفاجآت التي تأتي من دون سابق إنذار. وبالتالي، فإن التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم، وأمام دياب شخصياً، هو في قدرته على إقناع ثلاثي التيار ــــ أمل ــــ حزب الله، بالدخول في نقاش يستهدف التفاهم على آلية إدارة عمل الحكومة في المرحلة اللاحقة. وهو نقاش لا يبدو أنه قريب المنال. لا بل إن الحوارات خارج الحكومة تجري بوتيرة أسرع، سواء تلك التي يقودها الرئيس نبيه بري لتهدئة التوترات بين حلفائه الدروز، أو تلك الجارية من دون نتيجة على جبهة فرنجية ــــ باسيل. لكن نصيب الحكومة من هذه الحوارات لا يبدو مطروحاً على الطاولة. وبالتالي، فإن الخطر على الحكومة من انفجار داخلي يوازي خطر تعرضها لضربة قوية من خارجها.

لم يعد مهمّاً التشخيص وتقدير الموقف والاتّهامات العامّة، والتحدّي بتسمية الخصوم واعتماد آليّات جديدة

على أن الفكرة التي يهرب دياب من مواجهتها تكمن في أن عليه تحديد الخصوم الحقيقيين للحكومة، سواء من خارجها أو من داخلها. وليس معروفاً إن كان قد تعلّم من درس التعيينات. ففي هذا الملف، لم يتمكن من درء مخاطر المواجهة مع التيار الوطني الحر أو حركة أمل، إلا عبر عقد صفقة معهما أمّنت لهما استمرار الإمساك بناصية التعيينات على الخلفيات الطائفية، وتركا له اختبار «لذة المحاصصة» من خلال بعض المناصب التي لن تقدم ولا تؤخّر في مسيرة إدارة الدولة. وما فعله دياب في ملف الكهرباء، مثلاً، وخضوعه الضمني لمطلب جبران باسيل ــــ ولو الشكلي ــــ بالحفاظ على حق سلعاتا في معمل ثالث، كان أكثر الإشارات خطورة. فهو، هنا، لم يراع حسابات داخل الحكومة، بل شرّع حسابات لها بعدها الطائفي لا التنموي، وكل محاولة من باسيل وجماعته لإضفاء طابع تنموي على الخطوة محاولة فاشلة للتستّر على موجة الطائفية ــــ الفدرالية التي تسود أوساط العونيين على وجه الخصوص، وتنذر بمخاطر كبيرة، وخصوصاً أن القائمين عليها لا يبدو أنهم تعلّموا دروس الماضي القريب.
الجانب الآخر من المشكلة يتعلق بالوضع العام للإدارة المالية والاقتصادية للبلاد. ومشكلة حسان دياب، هنا، هي أن توصيفه لواقع المشكلة لا يترافق مع طرح آليات مختلفة أو مناقضة لما كان سائداً. فأولوية إطاحة رياض سلامة لا تخص شخص الأخير، بل آليات عمله. وبالتالي فإن التعيينات المالية الجديدة لن تفيد في شيء ما لم يجرؤ رئيس الحكومة على طرح السؤال المركزي: ألم يحن الوقت لتعديل قانون النقد والتسليف الذي يوفر الحماية للنظام الاقتصادي والمالي العفن الذين تسبّب بكل أزمات لبنان؟

أمر أخير، يتعلق بالحسابات الخارجية. تحدّي «قانون قيصر» لا يتعلق بالقدرة على تحدي الضغوط الأميركية، بل يتعلق، أولاً وأخيراً، بأن لبنان في حال قرر عدم مواجهة هذا القانون سيكون طرفاً في مشكلة إقليمية كبيرة لا قدرة له على تحمل كلفتها. ولن يكون بمقدور أميركا ولا كل الغرب حمايته من آثارها السلبية. وبالتالي، فإن التحدّيات الكبيرة أمام حكومة دياب باتت اليوم أكثر وضوحاً: لقد انتهى زمن التشخيص وتقدير الوضع، وها نحن أمام زمن القرارات الكبيرة التي تتطلّب من دياب الاتّكال على حليف كبير يساعده على مواجهة خصومه من داخل الحكومة أو خارجها. وهذا الحليف هو الفعل الشعبي في الشارع من جهة، وصعوبة توفّر بديل منه لإدارة الحكومة.
بات على دياب الاستماع إلى غير الذين يلتقيهم هذه الأيام، والاقتناع بأن التغيير الحقيقي يشمل كل شيء، لا موقعاً أو اسماً أو وظيفة فقط… وما لا يمكن لدياب أو غيره تجاهله، هو أن فترة السماح تقارب على الانتهاء. وساعتها سيتحوّل الى مجرّد لافتة تنتظر لحظة إزالتها

مقالات متعلقة

رياض سلامة: رجاءً… ارحلْ

رياض سلامة: رجاءً... ارحلْ!

ابراهيم الأمين 

الخميس 30 نيسان 2020

يتعامل رياض سلامة مع الإعلام بكلّ ما يضمن له اللعب ضمن المربّع الذي يريد. فهو، منذ تولّيه منصبه، لم يخرج إلى الإعلام بشروط الإعلام والشفافية، بل وفقاً لشروطه هو. ولطالما كانت مقابلاته التلفزيونية «مهندسة» تماماً، وهامش المفاجأة فيها شبه معدوم. كما بقية مقابلاته الصحافية التي تقع تحت عنوان «مدفوع الأجر».

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن. الأسئلة التي تحاكي من يفترض به لعب دور تعزيز الاقتصاد المنتج لا الاقتصاد الريعي. وهو واحد من مهندسي الاقتصاد الريعي، وابن أصيل لمدرسة الرأسمال الاستهلاكي الذي قاد العالم منذ ثمانينات القرن الماضي. وكان رفيق الحريري وجهه الشرق أوسطي، وسلامة حيلته النقدية. طار الحريري وطارت معه الرؤوس والحكومات والسلطات، لكنّ سلامة بقي في موقعه. يريدون إقناع العالم بأن الجماهير كانت تتظاهر يومياً لبقائه. ويريدون لنا أن ننسى أنه الركن الثابت في سلطة تمثّل جميع وجوه النظام البائس، وأن نتجاهل كونه ممثل الرأسمالية العالمية في بلادنا، والوديعة الحقيقية للنظام الاقتصادي الاستعماري الذي تقوده أميركا في العالم.

لم يقبل سلامة يوماً المثول أمام لجنة عامة في مناظرة عامة. هو لا يقف في وجه خصم له. ولا يناقش علناً معارضين لسياساته. يُحضّر الأسئلة التي تناسبه ويقدّم الإجابات التي لا مجال لمناقشتها، مثله مثل رجال الدين في عظاتهم وخطبهم الأسبوعية. يقفون على منابر أعلى من الناس المصطفّين للاستماع من دون نقاش. سلامة لا يحبّ إلا هذا النوع من التواصل مع الناس. وهذا ما يوجب عليه معرفة أنه لا مجال لاحتساب ما يقوله. بل يمكن احتساب ما يفعله فقط، وما يصلنا منه على شكل نتائج. وبالتالي، عليه توقّع الأفعال المضادّة لسياساته بالطريقة التي تناسب خصومه، ووفق المسرح الذي يختاره هؤلاء، وبشروطهم، طالما أنه قرّر اللعب بنظام الركلات الترجيحية وعن بُعد.
كان على سلامة الإجابة عن أسئلة حقيقيّة تُطرح في وجهه طوال الوقت، وليس خلال الأشهر الماضية:
– كم كانت كلفة سياسة تثبيت سعر الصرف على الاقتصاد كلياً، وعلى القوة الشرائية للعملة الوطنية؟

كم كانت سياسة الفوائد عامل تنشيط للاقتصاد الحقيقي؟ وكم وفّرت من فرص عمل جدّيّة؟ وكم خفّفت من عجز الميزان التجاري؟

كم كانت مفيدة سياسة تفريخ المصارف مثل النقابات والدكاكين؟ وكم كانت مفيدة سياسة استخدام المال العام لمصلحة مُرابين تخلّوا عن زبائنهم عند أول مفترق؟

كم كانت هندساتك المالية مفيدة في حماية مصارف سقطت بالضربة القاضية، وأفلست حتى ولو رفضت هي وأنت إشهار إفلاسها؟

– كم كانت سياسات الدعم ناجعة في خلق اقتصاد منتج، لا حماية لمنظومة استهلاك تافهة تعرف اليوم أنها لا تفيد في شيء؟

كم كنت أميناً لعمليات التطوير واللحاق بالعصر في مجال العمل المصرفي تحديداً، وكم سهّلت انتقال النظام المصرفي عندنا ليصير شبيهاً بما يجري في دول قريبة لا في العالم الحرّ المتقدّم الذي تعشقه أنت ورفاقك؟

كم مرّة استخدمت صلاحياتك لكبح جماح المُرابين من حولك، على الأقل بالتوازن مع استخدامك المُفرط لصلاحياتك من أجل تعزيز نفوذهم وأرباحهم، إلا إذا كنت شريكاً فعلياً لهم؟

كم مرّة فكّرت أن العمل العام له نظام وإطار زمني، وأنه يجب التقاعد الطوعي لا الإخراج القسري المحتوم – كما هو متوقّع الآن – حيث لا تنفع معك لا مساعي الشركاء من زعماء الطوائف، ولا رشاوى المُرابين من حولك، ولا دعاء رجال الدين المتملّقين لك بصورة مُهينة، ولا ضغوط العم سام.

أمس، هرب سلامة، مجدّداً، من الأسئلة المتراكمة أمامه منذ ربع قرن

رياض سلامة يعرف، ولا يجرؤ على القول، بأنّ أزمة نظامه هو، لا أزمة النظام في لبنان، قد تفاقمت يوم قرّر الأميركيون بالمشاركة مع السعودية ممارسة أقسى الضغوط على لبنان. هو لا يريد أن يقول لنا حجم تأثير اعتقال السعودية لسعد الحريري على التحويلات المالية، ولا كم كلّفتنا عملية التجديد له في منصبه. كما لا يريد القول لنا كم هرّب أترابه في العام الأخير من أموال إلى الخارج بعلمه وتحت رعايته. ولا يريد أن يقول لنا ما هو الحجم الفعلي للقطاع المصرفي اليوم، وما الصالح منه للبقاء. كما أنه لا يريد أن يقول لنا الرقم السحري الخاص بكمية المبالغ التي مرّت عليه خلال ربع قرن، ومن أين أتت وإلى أين ذهبت، لا أن يكتفي بتعداد ما أنفقته الدولة ولو ضمن برامج خاطئة.

رياض سلامة: كل عمليات التجميل لم تعد تنفع، رجاءً… ارحلْ!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العجز والجنون الفردي

رسالة من ابراهيم الامين الى العماد عون؟ – شبكة أخبار جبل عامل

ابراهيم الأمين 

الإثنين 27 نيسان 2020

لم يشهد مجلس الوزراء معارضة حقيقية لإقالة رياض سلامة. يبدو أن غازي وزني كان يحاول شرح الموقف من زاوية قانونية. وهو، بالطبع، ليس من النوع الذي يطلق موقفاً مطلقاً، ولا هذه من خصاله. لكن عباس مرتضى، الوزير المطابق لمواصفات قيادات حركة أمل، كان شديد التوتر. وهو يدافع عن زميله وزني، حتى من دون أن يتعرّض الأخير لهجوم جدّي. توتّر مرتضى سببه الحقيقي توتّر رئيسه نبيه بري بعد جلسة المجلس النيابي الأخيرة. عكس الوزير قلق الرئيس من طريقة إدارة حسان دياب للأمور. فعلياً، لا يعارض بري سياسات دياب. أو لنقل، بصورة أدقّ، ليس على جدول أعمال رئيس المجلس بند اسمه إطاحة حسان دياب. لكنّ بري اعتاد، خلال ثلاثين عاماً، على آلية لإدارة أمور الدولة. وهو، أساساً، لا يحب المفاجآت. وتحديداً، في هذه المرحلة من عمره السياسي والشخصي، لن يكون ودوداً إزاء من يحاول مباغتته. لكن مشكلة رئيس المجلس، هنا، ليست في ما يدور في خَلد رئيس الحكومة، وإنما في كون أيّ علاج يتطلّب آليات تفكير وعمل ليست من الصنف الذي يحبه بري أو حتى يعرفه.

في جانب آخر من المشهد، يبدو جبران باسيل متقدماً كثيراً في العمر، وفي عمر الكهولة السياسية. ليست المشكلة، فقط، في شكل إدارته لحزبه، وفي استعجاله بناء الزعامة الفردية التي تعيد ربط كل قرار جدّي به شخصياً. بل في كونه لم ينتبه إلى أن هذه الزعامة، وعلى هذه الصورة، تنفع فقط أيام الرغد، عندما تكون له الكلمة الحاسمة. لكنّ الواقع ليس على هذا النحو. باسيل اليوم كمن يملك في رصيد هاتفه آلاف الوحدات، لكنه غير قادر على استعمالها إلا في التحدّث مع الصديق نفسه. ولا يعرف ماذا يفعل برصيده عند القوة الأكبر في البلاد، أي حزب الله. فالأخير لن يدعمه في مواجهة دياب، وأصلاً لن يدعمه في مواجهة بري، كما أنه متردّد في دعمه في وجه الحريري وجنبلاط. فماذا يفعل؟

يعود باسيل إلى الحكومة التي سمّى عدداً غير قليل من وزرائها، لكنه غير قادر على الادّعاء بأنه يديرهم كما يفعل مع حزبيّيه، وهو مضطر للمراعاة بالشكل وبالمضمون. مرّت تجربة التعيينات المالية، ثم التشكيلات القضائية، ثم الموقف من الخطة المالية، كلها اختبارات قالت لباسيل، إن كان راغباً بالتعلم، فإن «زمن الأول تحوّل»، وعليه التعوّد على واقع جديد. إذا كان يعتقد بأن التحالف السياسي سيمنع خصومه المسيحيين من احتلال مقاعد على حسابه، فهذا غير مهمّ الآن، لأن ما يأخذه سليمان فرنجية لا ينفع في المعركة الرئاسية. أما الكتائب والقوات فليسا في وضع يمكّنهما من العودة الآن إلى مواقع السلطة. والكنيسة دخلت مرحلة الموت السريري، حيث لا كلمة فعلية لها، ولا تفعل ما يتوجّب عليها فعله. تعرف الكنيسة أن كل ما تقدر عليه، وما يجب أن تقوم به، هو فتح خزائنها أمام الفقراء للبقاء على الحياة. بهذا المعنى، ليست لدى جبران مشكلة جدية داخل الشارع المسيحي: ما له له، وما لغيره لغيره. مشكلته في التوازن العام لإدارة الدولة، حيث لم يعد في مقدور الرئيس ميشال عون تولّي المواجهة المباشرة. إذ، مع الأسف، ضاع عهده في بروتوكولات لا تشبهه أبداً. لكنها الحاشية السخيفة التي أرادت استعادة مجد عفا عنه الزمان يوم خرج عون في الباخرة إلى فرنسا. مشكلة باسيل، هنا، في التوازن السياسي العام. وإذا كانت الكلمة الفصل بيد حزب الله، فالأخير ليس معنياً اليوم بإدارة انقلاب شامل في لبنان. حزب الله لا يقبل المساس بجماعة الحريري داخل الإدارة العامة (هاجس الفتنة السُّنية – الشيعية). ولا يريد مشكلة مع جنبلاط ولو كان في حالة يأس منه (هاجس الوحدة الوطنية ولو الشكلية)، كما أنه ليس في وارد التشنّج مع بري (هاجس الوحدة الشيعية). لكن الجديد في موقف الحزب أنه يقف فعلياً إلى جانب دياب. والحزب، هنا، لا يراهن على انقلابات في مزاج الشارع السني كما يفكر خصومه من جماعة المستقبل، بل يراهن على أن رئيس الحكومة ينجح في إرباك كل جماعة الحريرية السياسية اليوم. ليس سهلاً أنه ليس لدى كل هؤلاء، من دون استثناء، كلمة واحدة مفيدة يقولونها. لذلك، يعودون إلى نغمة حزب الله وسلاحه. إلا أنهم لا ينتبهون إلى ترداد أبناء الطريق الجديدة لنكتة درجت، في الانتخابات الأخيرة، عن ناخب قصد مكتب خدمات تابعاً للحريري طالباً مساعدة لتلقي علاج من أجل الإنجاب. فأجابه المسؤول: مشكلتك ليست عضوية بل نفسية، وعجزك عن الإنجاب ناجم عن رهاب سببه سلاح حزب الله!

عملياً، أزمة النظام في لبنان، اليوم، يمكن مراقبتها من خلال أداء بري وباسيل. لديهما مشكلة مستجدّة. حسان دياب ليس خصماً، لكنه ليس حليفاً يمكن عقد الصفقات معه. ثمّة أسباب كثيرة تمنعه من القيام بذلك. لندع جانباً المواصفات الشخصية للرجل، إذ لم تتمكن ماكينة 14 آذار – خصوصاً قوى المستقبل والقوات والحزب الاشتراكي – من إعداد ملف ضده. لكن لنذهب إلى البرامج التي يريد العمل بها. حتى اللحظة، ليس لدى الرجل حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين. قد يكون له برنامجه السياسي لاحقاً. لكنه يعي، بدقّة، أن اللحظة لا تناسب عملاً من هذا النوع. أصلاً، لم تعد الدولة قابلة لتوفير مثل هذه العصبيات. وما تقوم به القوى التقليدية إنما يعود إلى أدواتها الأصلية في التعبئة على خلفيات طائفية ومذهبية وعصبيات مناطقية وحزبية. وهي عصبيات لا تزال مؤثّرة. لكنها لم تعد حاسمة في معركة الحسم الكبرى. صار مشروعاً السؤال عن قدرة وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع، وحتى نبيه بري، على حشد الناس خلف معارك من أجل مكاسب في السلطة. ربما لا يسمع هؤلاء الزعماء حقيقة ما يجري في الحدائق الخلفية لمنازلهم. الروايات اليومية، مع كل المبالغات، تحدثنا عن فصل جديد، حيث المواجهة ستأخذ شكل الفوضى الشاملة التي لا تنفع فيها حكومة مركزية، ولا قوة طائفية مركزية، ولا سلطة مناطقية مركزية. لن يكون بمقدور أحد في البلاد إقفال أكثر من شارع واحد. ومن يتوهّم أن لديه القدرة على أكثر، فستخذله التجارب القريبة.

بهذا المعنى، فإن المواجهات التي تنتظرنا في الفترة المقبلة، يمكن محاصرتها من قبل حسان دياب وآخرين، في نطاق السجال حول المسؤولية. يكفي أن يخرج دياب على الرأي العام، سائلاً فقط عمّا فعله كل خصومه من داخل الحكومة وخارجها خلال العقود الثلاثة الماضية، أن يسألهم واحداً واحداً عمّا فعلوه في وزارات ومؤسسات وإدارات وقطاعات عامة أو حتى خاصة. أن يتحدّاهم بإظهار الكشوفات المالية لكل فرد من عائلاتهم وعصاباتهم وقواهم وماكيناتهم. أن يدعوهم إلى جردة بكلّ ما قاموا ويقومون به من استخدام المال العام لأغراض خاصة، وبحجم استغلال النفوذ من أجل مصالحهم الخاصة. يمكن لحسان دياب أن يخلق جيشاً من المتعاطفين والمتخادمين معه، إن هو أجاد رفع الصوت والتقدّم خطوة إلى الأمام في المعركة الإلزامية في وجه جيش الفساد الكبير. ليس بمقدوره التمهّل، ولا العودة إلى الخلف، وليس عنده ما يخسره، بل عند خصومه الكثير ليخسروه الآن وفي كل لحظة وفي كل يوم.

حتى اللحظة ليس لدى دياب حسابات من النوع الذي يتطلّب حشد الأنصار والمحازبين


أما في ما خصّ تفصيل اسمه رياض سلامة، فمن الأجدى بالأخير الشعور بقليل من الحياء. أن ينظر إلى المرآة للحظة واحدة ليعرف أن لكل قصة نهاية. لكنّ الفارق الوحيد هو المكابرة التي تقود إلى نهايات مشؤومة التي تليق بكبار المجرمين، بينما التواضع والانسحاب وإظهار الاستعداد لتحمّل المسؤولية، تخلق فرصة لحساب عادل لا يجعله وحده يدفع ثمن مجزرة كان فيها مجرّد برغي لا أكثر!

اليوم، يواجه لبنان معضلة كبيرة. في هذه البلاد، يرتفع جدار العجز والكراهية يوماً بعد يوم. نحن، جميعاً، نفقد القدرة على المبادرة. والجنون الذي يطلّ برأسه حاملاً النار في كل مكان سيبقى جنوناً فردياً مهما كبر الحشد في الساحات. لكنّ الجديد أنه لن يكون بمقدور أحد دعوة المجانين إلى الهدوء. وليس عند المتضرّرين من هذه السلطة سوى الصراخ في وجه الفجرة والفاسدين، بكامل أسمائهم وهوياتهم. وأفضل ما يمكن إضافته في هذا الحفل هو إسقاط كل قدسية رُسمت لطائفة أو مذهب أو موقع بفعل خرافات المتسلّطين.

ماذا يعني الإعلان الرسمي عن بدء معركة التحرير الكبرى؟

ابراهيم الأمين الإثنين 13 كانون الثاني 2020

ذات مرة، تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن الوضع في المنطقة، مشيراً بوضوح إلى أنه يتحدث باسم محور المقاومة. قال، على طريقته، إنه يعرف مواقف العواصم والقوى «واعتبروني ناطقاً» باسم هذا المحور. وحقيقة الأمر أن السيد نصر الله يعرف أن العالم كله، من دون استثناء، يتعامل مع ما يقوله على أنه تعبير عن الموقف المشترك لكل من في محور المقاومة. ولا يعود ذلك فقط إلى صدقيّته العالية لدى الجمهور وإلى أنه قائد واحدة من أقوى مجموعات المقاومة في العالم، بل لكونه أفضل من يعبّر عن عقل هذا المحور. فهو يعرف جيداً بلاد الشام. وتعرّف جيداً إلى عقل فلسطين، وفوق ذلك، يعرف جيداً العقل الإيراني. فكيف إذا أضفنا الى كل ما سبق، أن الرجل شريك أساسي في حلقة القرار الأولى على صعيد المحور. ومن دون أن يزعل أحد، ومن دون التواضع غير المناسب في هذه اللحظة، يعرف الجميع أن للسيد نصر الله موقعاً يوازي مواقع رؤساء دول وقادة في هذا الإقليم.

ذا التقديم ليس للمدح برجل يحتاج، في هذه الأيام، الى من يشور عليه لا الى من يُسمعه القصائد. وهدفه مساعدة مريدي محور المقاومة وأصدقائه وأعدائه على فهم طبيعة التحدي الذي نقبل عليه جميعاً. هو تقديم يهدف الى القول، صراحة، إن ما تحدّث عنه السيد نصر الله الأسبوع الماضي، وعاد وكرره أمس حيال التحدي الراهن، إنما يمثل الوجهة الفعلية لقيادة المحور وقواه. وهي وجهة دخلت حيّز التنفيذ العملاني في كل منطقتنا، وعنوانها الأوحد: كنس الاحتلال الأميركي!

طبعاً، لم يكن السيد نصر الله ليعرض برنامج العمل على هذا العنوان. ولا هو في وارد تقديم تقدير أولي أو متوسط للمرحلة المقبلة من العمل. كما أنه ليس ملزماً تقديم أي شروحات تفيد العدو الاميركي في هذه المعركة. لكن ما كان يجب أن يقوله يستهدف إبلاغ من يهمه الأمر، من أنصار المقاومة أو من أعداء أميركا، بأن الفرصة عادت لتكون كاملة لمن يريد الانخراط في معركة كنس الوجود الأميركي من بلادنا، ليس بوصفه احتلالاً عسكرياً فقط، بل لكونه يمثل عنوان القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني والعسكري في بلادنا. وكون الولايات المتحدة تمثل، اليوم، مركز الشر في مواجهة طموحات شعوبنا نحو التحرر من التبعية وبناء مستقبلها كما تريده هي لا كما يراد له أن يكون. وبالتالي، فإن ما كان يفترض بالسيد قوله، كواحد من ممثلي القرار وكناطق باسم المحور ورفيق الشهداء من كبارهم الى صغارهم، هو الإعلان صراحة، ورفع الستارة، معلناً افتتاح مرحلة جديدة من المقاومة الشاملة ضد الوجود الأميركي في المنطقة. وهي مقاومة لا يمكن لحكومة أو حدود أو هوية كيانية الحدّ من قدراتها أو ضبطها. ولا يمكن لأي إنسان، بالمطلق، أن يقرر أنها مقبولة أو لا. ومن لا يريد مقاومة الاحتلال الأميركي، بحجة أنه غير قادر أو مستفيد أو غير متضرر، فهو، بالنسبة إلينا، شريك لهذا الاحتلال في سرقة ثرواتنا، وعميل مسهّل لبقاء الاحتلال.

يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة

الأهم في هذه النقطة هو البحث الذي سينطلق ــــ وقد انطلق منذ مدة غير قصيرة ــــ حول الأولويات، وخصوصاً عند المتفكّرين والمعتاشين على فتات ممثلي النهب العالمي، من «يسار جورج سوروس» الى «كتبة تميم آل ثاني»، وصولاً الى «مرتزقة آل سعود وآل نهيان». ويمثل هؤلاء جيشاً ممن قرروا، عن وعي أو عن هبل، الانضمام طوعاً الى جبهة لا مشترك بين كل العاملين فيها سوى العداء لمحور المقاومة، والتي لا يظهر الغرب الاستعماري وإسرائيل، ولا الجماعات التفكيرية، أي خشية منها ومن نشاطها على كل المستويات. فلا يلاحق عناصر هذا الجيش، ويسافرون الى كل العالم، وحساباتهم تتوسع وتتفرع في مصارف العالم، وهم ضيوف على موائد القتلة من أصحاب الياقات البِيض. وهؤلاء لن ينطقوا يوماً بعبارة أو كلمة تؤذي العدو الأميركي أو حلفاءه في المنطقة. حتى إسرائيل لم تعد تضعهم في برامج عملها. ولا تبذل استخباراتها أي جهد من باب الخشية منهم، بل هي لا تفكر حتى في تجنيدهم مخبرين طالما أنهم يفيدون أكثر في ما يقومون به.

كل هؤلاء، بدأوا وسيكثفون نشاطهم الفكري والسياسي والإعلامي والأكاديمي، في خدمة فكرة واحدة تقول: إن مصائب بلادنا ناجمة عن القوى البارزة عندنا. وإنّ تخلّفنا هو بسبب معارضتنا للغرب الاستعماري، وإن تراجع النموّ في اقتصادنا سببه عدم الالتحاق بالعالم الحر. وإن القمع سببه ثقافة الموت، والتخلّف الاجتماعي سببه العادات والثقافات البالية… هؤلاء يريدون إقناع الجمهور بكل ذلك، على طريقة حراكات العواصم العربية برعاية المنظمات غير الحكومية، والتي يصادف ــــ فقط يصادف ــــ أنها مموّلة من أشخاص وجهات ومراكز تعمل وتعيش تحت سلطة الغرب الاستعماري..

لكن العنوان الأخطر هو أن بعضهم، الذي لا يهمّ إن شتم أميركا ورئيسها طالما لا يفعل أكثر من ذلك، سيقولون إن الأولوية اليوم هي لتأمين الاستقرار، وإن ذلك يكون من خلال التصرف بواقعية والتعامل مع الوقائع العالمية، وإن الغرب مستعد لمساعدة شعوبنا في الارتقاء والازدهار إن أسقطنا من فكرنا وعقلنا فكرة التحرر الكامل، ليس من احتلاله العسكري فحسب، بل من التبعية الكاملة لمؤسساته الاقتصادية والثقافية والإعلامية وأدوات حياته اليومية.
ولأن المواجهة المفتوحة لا تحتمل الحلول الوسط، ولأن الحرب التي دخلناها لا رحمة فيها للعدو ولا لعملائه، ولأن العدو نفسه سيكشف يوماً بعد يوم عن أبشع صوره كوحش متكامل، فإن الأفضل للجميع أن لا يكذب بعضهم على بعض. وفي هذا السياق، يجب التعامل مع خطاب السيد نصر الله على أنه إشهار من جانب فريق المقاومة لبرنامج عمله في المرحلة المقبلة. وهو إشهار تقرر عن وعي وسابق تصور وتصميم، وسياقه عدم المناورة والكذب على الناس.. لذلك، يفترض بخصوم المقاومة، من الأغبياء أو من العملاء، التصرف على هذا الأساس… أما حكاية القرار المستقل والحدود الكيانية، فهي ألعاب تسلية تنفع لأطفال من «مدارس المراهقين للحراك الاجتماعي»…
مرة جديدة، إنها الحرب!

لماذا نعارض المؤسسات غير الحكومية

 

 ابراهيم الأمين

الإثنين 9 كانون الأول2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

قبل مئات السنين، بدأ فلاسفة وعلماء اجتماع في أوروبا يتداولون عبارة «المجتمع المدني». اعتبرها البعض مقابلاً للحالة السائدة مجتمعياً، أي ما كان يُعرف بنظام الحكم التقليدي الذي رسّخته عائلات ومنظومات اقتصادية بمساعدة الكنيسة. لكنّ في أوروبا نفسها، عاد الجميع إلى الانقلاب على هذا التوصيف. وبدل أن يكون المجتمع المدني عاكساً للمجتمع المنظّم سياسياً، ذهب كثيرون نحو اعتباره مجتمعاً خاصاً في مواجهة الدولة ككلّ، وخصوصاً عندما شعر المنتسبون إلى المجتمع المدني بأن قوانين الدولة صارت تمثّل سلطة إكراه وقمع. لكنّ هؤلاء لم يكترثوا بكون هذا المجتمع المدني إنما يسير من دون نظام عدالة ومساواة كاملة بين أفراد الدولة، بل يغرق في حماية متطلّبات العيش كفرد، ولو ترافق ذلك مع عجز مُستدام عن معالجة مشكلاته الداخلية.

في عالمنا اليوم، وبعد صراعات جميع مفكّري القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة الدولة، يحتلّ المجتمع المدني حيزاً أساسياً من اهتمامات بلداننا. لكنّه يطبّق المفهوم الغربي نفسه، القائم على نظرية تحقيق المصالح والحاجات الفردية ولو على حساب «المجتمع – الدولة».
المنتمون إلى هذا المجتمع يخلطون بين رفضهم قوانين ما قبل الدولة التي تتحكّم بكثير من الأمور في بلادنا، وبين رفضهم القوانين المتطوّرة المفترض أن تضعها مجموعات تسعى للخروج من هذه الأعراف – القوانين. وفي صحالتنا، يصبح المجتمع المدني رفضياً لكل ما هو عام.

(محمد نهاد علم الدين)

يتحول هؤلاء إلى مجموعة مستقلّة على شكل حلقات مستقلّة، ثم على شكل أفراد مستقلّين أيضاً، تجمعهم مُعضلة الانخراط في القانون العام، لأن القانون العام عندما يقوم ويتطور، إنما يراعي ـــ تلقائياً ـــ الوضعيات الاجتماعية القائمة في البلاد. وهو العدوّ الفعلي لهذه المجموعات. وينتهي بهم الأمر، ساعين إلى خلق إطارهم الخاص الذي يرفض المشترك الذي يقوم بين من يؤلّف المجتمع ـــ الدولة في المسائل الوطنية العامة، من موضوع الدفاع عن الوطن إلى بناء السياسات والعلاقات الخارجية إلى القوانين الناظمة لشؤون الناس اليومية. أبناء هذا المجتمع المدني يريدون قانوناً يحمي فرديّتهم ويحمي حريتهم حتى ولو تعارضت مع هذه القوانين. وبهذه الحالة، لا يمكن أن يشكلوا في أي لحظة حلاً يعالج مشكلات كل الناس. وهم يربطون موقفهم من الطروحات المقابلة، بحجم تأثيرها على الحاجات والمنافع والأهواء التي تشكّل روابطهم كأفراد. وجاءت فكرة المنظمات غير الحكومية لترسّخ الفكرة القائلة بأن المجتمع المدني إنما هو حالة صراعية مع الحكومة، التي يُفترض أنها تمثل الدولة، أي تمثل المشترك الفعلي بين جميع قاطني أراضي هذه الدولة.

عندما يتصرف أفراد المجتمع المدني على أساس أن السياسة هي خصمٌ رئيسي لهم، إنما هم يفعلون ما يعتقدون أنه الأنسب للتفلّت من نتائج الفعل السياسي، أي التفلّت من رقابة القانون العام الذي يفرضه المجتمع ـــ الدولة. وبهذا المعنى، يتحول أفراد المجتمع المدني إلى خصوم فعليّين للدولة، وخصوصاً عندما يُفرطون في الدفاع عن استقلالهم الفردي ومصالحهم الخاصة.

وبذلك يمكن فهم التأصيل النظري الذي قدّمه الفلاسفة عن أن المجتمع المدني إنما هو في حقيقة الأمر واقع يقيم بين مرحلتي العائلة والدولة. فهو يقوم على مبدأ رفض قوانين العائلة، لكنّه لم يندمج بعد في معادلة قوانين الدولة. وبذلك، يصير أفراد المجتمع المدني، من حيث منظومة الإنتاج والاستهلاك، أقرب إلى البرجوازيين الذي يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة، في نقيض تامّ لطبقة المواطنين الذي هم في موقع أدنى اقتصادياً، لكنّ هاجسهم هو المصلحة المشتركة، أو ما يُعرف بالمصلحة العامة.

في حالتنا اللبنانية، ووفق تجربة ربع قرن من النضالات الشعبية، خبرنا كيفية مشاركة أفراد المجتمع المدني. وغالبية هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن فئات، تتراوح بين متسلّق يسعى إلى المنبر بهدف الارتقاء من خلال بناء وضعية اجتماعية قابلة للتسييل على شكل أعمال وعائدات أو مناصب؛ أو مجموعة من الكوادر يجدون أنفسهم أسرى علاقات جديدة تُبعدهم أكثر عن البيئة العامة، فلا يحفظون من التجربة إلا الصور والذكريات، ثم يندمجون سريعاً في قواعد اللعبة، حيث يكون في انتظارهم جيش المنظّمات غير الحكومية؛ أو أفراد يسكنهم الإحباط ولا يُجيدون تمييز هوية المسؤول عن ذلك، فتراهم يصبّون جام غضبهم على السلطة القائمة، متجاهلين من ساروا خلفهم. أما الكتلة الأعمّ، فتعود إلى قوانينها اليومية: تمارس لعبة انفكاك القول عن قائله، بمعنى رفع نبرة الاعتراض مقابل تراجع فعلية الاحتجاج.

وصف ماركس المجتمع المدني بأنه الدولة الخاصة، أي الدولة غير السياسية. وهنا لا يعود المجتمع المدني إلا ممثلاً لكل ما هو مناقض للدولة. بهذا المعنى، يلجأ هؤلاء إلى لعبة التعميم والتجهيل، أي إنهم لا يهتمون بمحاسبة فلان أو فلان، بل هم يريدون التخلّص من خصم كبير اسمه الدولة. وبهذا المعنى، يتجنّب هؤلاء نقد المؤسسة الدينية الفاعلة جداً في حياة الناس، والمتورّطة في علاقة تخادم مع السلطة السياسية، إلا حيث تشكل عائقاً أمام حريتهم. لكنّهم لا ينظرون إليها بوصفها جزءاً من منظومة السيطرة على الحقّ العام.

والحال نفسها بالنسبة إلى النظم الأخرى، من حيث العمل النقابي، الذي يُراد له أن يكون طوعياً بالكامل، أي غير خاضع لمنظومة القوانين العامة. وهنا يمكن فهم المشكلة الأكبر في علاقة المجتمع المدني بالحق العام، من خلال عدم الاكتراث للتعليم العام، أي للتعليم المدعوم من الدولة والذي يقلّص الفوارق بين المواطنين في تأسيسهم التعليمي، بل يتجهون إلى التعليم الخاص الذي يشكل عنصر تمايز اجتماعي لهم عن بقية الناس، ما يقود إلى فكرة القوانين الخاصة التي يعتقدون أنها ممكنة. ففي بيروت، مثلاً، يمكن لطلاب وأساتذة وأطباء ومدراء ومنتجي الجامعتين الأميركية واليسوعية تشكيل مجتمع مستقلّ، له كلّ نُظمه في ما خصّ شوؤن العمل والحياة وحتى الحاجات والأهواء. وهم في هذه الحالة يريدون من الحق العام (أي الدولة) توفير ما يحصّن الحق الخاص (أي المجتمع المدني خاصّتهم). وهذا سبب كافٍ لتدرك أنه لا يمكن لهذه المجموعة أن تمثل خياراً عاماً لبقية الناس وهم الأغلبية. لأن هواجس وطموحات أغلبية المشكلين لهذا المجتمع المدني، إنما هي في الحقيقة، تمثل نقيض ما يمكن أن يكون مشتركاً في بقية العوام. وبذلك يصبح الموقف من مسائل ذات طابع وطني، متصلاً بانعكاسه على مصالحهم وأهوائهم الخاصة. هنا تصبح منظومة الفساد، ليس في احتكار العلم الجيد والطبّ الجيد والطعام الجيد والترفيه الجيد، بل في كون ريفي أتى به جَهلة إلى منصب عام، وصار يريد فرض قانون للضريبة يختلف مع مصالح هذا المجتمع المدني.

يعني، في لحظة واحدة، يصبح المجتمع المدني حليفاً طبيعياً لمجتمع الطوائف. الاثنان في حالة تناقض كلي مع المجتمع – الدولة. وبهذا، لا يبدو مستغرباً أن يذهب أفراد المجتمع المدني نحو التماهي مع ما تقوم به القوى الأكثر نفوذاً في البلاد. لنأخذ الحريرية المنهارة درساً، أو لننظر إلى حالة حزب الله الذي أسّس لنفسه مجتمعاً مستقلاً، من حيث الحاجات المشتركة لأبنائه في العلم والعمل والطبابة والسكن والثقافة والفنون والترفيه، إضافة إلى عنصر تمايز أكثر فعّالية يتعلق بجيشه الذي يقيه شرّ الانقلاب متى أراد خصومه ذلك.
بهذا المعنى، يمكن القول، بأن المخبولين فقط يعتقدون أن أغلبية الناس في لبنان تقبل السير خلف ناشطين من «المجتمع المدني« يتجمّعون في أطر تحت اسم «المنظّمات غير الحكومية». والمسألة هنا لا تعود متعلقة بمواصفات المتصدّين لدور القيادة. المسألة تتعلّق بالأهداف الفعلية لهؤلاء. حيث التناقض أشد قساوةً في طبيعة التطلّع والتطلّب عند الكتلة المَدينية عن أبناء أحياء البؤس داخل المدينة نفسها، أو أبناء الأحزمة التي صارت مدناً بحالها. وهو تناقض يتصل بكل أشكال الحياة، بما يجعل التوافق على ورقة أو إطار أو اسم، توافقاً مفترضاً كحال الثائرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

أفراد المجتمع المدني هنا، هم الذين تجمّعوا خلال عقود ما بعد الحرب الأهلية. هم أولاد جيلين: واحد تعثّر مشروعه الكبير في التغيير الشامل، وثانٍ عانى من إحباط الأهل فوجد ضالّته في خيارات فردية، تجعل القائم شيئاً مرذولاً يمكن الاستغناء عنه. احتاج هؤلاء ليس إلى علوم متقدمة فقط، بل إلى تسويق لقدرات لا تجد تاجراً لها سوى العابثين بأحوال المجتمعات المرصودة كأهداف لاستعمار جديد. والتسوية بين الطرفين تنتهي على شكل حضاري منمّق لنفس فكرة جماعات «التكفير والهجرة» التي قامت في تسعينات القرن الماضي في شمال أفريقيا. هي حالة تنشد ابتعاداً إلى حدّ الانفصال عن المجتمع – الدولة. لا تفترض بالضرورة عنفاً مؤسِّساً لاحتراب أهلي، بل تكتفي بعنف لفظي قائم على فوقية افتراضية وتسخيف الآخر، والسعي إلى بناء بيئة مستقلّة، تتطلب توحّداً في الطقوس اليومية للحياة، ولكن راضية منصاعة لمرجعية واحدة تتحكّم بكل هؤلاء، هي مصدر المال.

والعنف البديل عند هؤلاء هو العنف اللفظي الذي ينتهي عادة على شتم وأنواع من التنمّر، حتى يكاد رفع الصوت أو القبضة أن يكون فعلاً انتحارياً، يتطلب حفلاً وداعياً تُتلى فيه وصايا الاستشهاديين. وفي بال هؤلاء صورة المضربين في «وول ستريت». هكذا تعلموا فعل النضال الجذري. هكذا شاهدوه بأمّ العين، لكن على شاشات. وهذا ما تدرّبوا عليه لسنوات في ورش العمل على النضال من أجل المواطنة، كما تُقدمها مدارس الـ«أن جي اوز».

بالنسبة إلى هذا الصنف، ينحصر الأمر في معاناة تخصّهم لوحدهم. تخصّ مكان سكنهم وجامعاتهم وعملهم وسهرهم. لا تبقى في ذهنهم صور مختلفة عمّا عاشوه في منازل الأهل. كل مظاهر الاحتجاج والملل من سنوات العشرية الأولى من حياتهم، هي حكايات للتندّر فقط. هم كحال الذين انتموا إلى أحزاب عقائدية عابرة. يجمعون كل ما عاشوه مع الأهل، ويضعونه في كيس داخل صندوق أمانات على باب المكتب الحزبي. هؤلاء، يحتاجون إلى قطع نهائي مع الماضي الاجتماعي، مستعدون لفعل أي شيء من أجل ذلك. حتى ارتكاب ما تراه عائلاتهم عيباً كبيراً، إذا كان يساعدهم على الانقطاع الكلي. الترقّي بالنسبة إليهم هو فعل مظهري، يتصل بنوع الثياب وقصة الشعر والحلي، وهو يتصل بنوع الأكل والشراب وطريقة الكلام ونوعية المفردات المستخدمة، وطقوس موحّدة حيال المسرح والسينما والموسيقى والقراءة والسفر. يتحولون فجأة إلى كشافة يشبهون بعضهم البعض حتى ولو كانوا يكيلون لبعضهم السباب والشتائم. القاعدة الجديدة التي أرستها ثقافة الفرد المستقلّ كما تقول نظرية المنظمات غير الحكومية، هي التي تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات إزاء الرجل الأبيض. درجة من الإعجاب الأخّاذ، لكن من دون نقاش جدي أو اعتراض فعلي. وإلا تم حرمانهم من كل شيء: العمل والراتب والعلاقات، وهذا يعني تلقائياً تهديدهم بإعادتهم إلى بيوت الأهل. وإلى الأحياء الحقيقية التي لا يريدون البقاء فيها.

اللّاطائفية التي تتّسم بها مجموعات هؤلاء ليست مسألة عميقة الجذور ثقافياً. اللّاطائفية، هنا، شكل من المساواة فرضتها آليات المموّل الذي لا يهتم لغير الولاء. لكن البديل عن الطائفية كشكل من أشكال التمييز في بلادنا، هو الطبقية بشكلها الجديد. الطبقية التي تجعل الساعي إلى الانتماء إلى هذه الفئة متحفّزاً لإثبات أنه غادر موقعه السابق، ومستعد للقيام بكل ما يجعله يحظى بالعضوية الجديدة، ولفعل أي شيء أثناء صعوده درجات سلّم هذا العالم، ويتّسم بانتهازية دفينة تجعله مستعداً كل لحظة للانشقاق والتحول نحو منظمة أخرى متى جاءت الفرصة الأفضل مكانة ومرتباً ونفوذاً. والمموّل لا يهتم لكل هذا السباق وكل هذا الصراع. ما يهمه هو الحفاظ على مرجعيته الأساسية التي تتحكم عملياً بحياة عشرات الآلاف من الشباب في بلدان متعبة. والتحكم هنا، من أجل تحويلهم إلى جنود في معركة السيطرة على الأنظمة والثروات. وعلى طريقة الديمقراطية الأميركية، سيكون للمنضوين في جيش هذه المنظمات، الحق، كل الحق، في قول ما يريدون. لا يهم رفع السقف والصوت، لكن، دون تجاوز الخط الأحمر.

أفراد المجتمع المدني أقرب إلى البرجوازيين الذين يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة في نقيض لطبقة المواطنين الذين هم في موقع أدنى اقتصادياً وهاجسهم هو المصلحة المشتركة

قسم غير قليل من هؤلاء، عاشوا في ظل عائلات عانت الأمرّين لتوفير أفضل العلوم للأبناء. وباعت أرزاقاً توارثتها جيلاً بعد جيل من أجل تحسين نمط العيش، وتخلّت عن الكثير من أحلامها من أجل زرع الأمل بغد أفضل في قلوب وعقول الأبناء. وهي عائلات تحدّت أيضاً قوانين «العائلة» و«الطائفة» و«المجتمع – السلطة» من أجل تحقيق ذلك. وهي فعلت ذلك، بصورة فردية، في ظل غياب مجتمع متماسك، وفي ظل غياب دولة طبيعية. وفي ظل غياب قوانين ناظمة للحياة. أما الأبناء، الذين نراهم اليوم في الساحات متصدّين لقيادة الثورة المجيدة، فقد سمعوا وحفظوا الكثير عن حياة القهر. وحملوا الحقد على مرجعيات وإقطاع أذاق البلاد الأمرّين ولم يزل. وسكنتهم الضغينة إزاء غياب العدالة في توزيع الفرص والثروة على الناس. لكنّ هؤلاء، تربوا على أن البديل عن التغيير العام الذي لا يحصل من دون حركات سياسية متكاملة، هو التغيير الفردي. ولذلك، نشط هؤلاء من دون هوادة لتغيير جذري في حياتهم كأفراد. أسقطوا توالياً كل أشكال التضامن الاجتماعي والأهلي. ثم أعلنوا كفرهم بكل تشكيل سياسي أو اجتماعي عابر للقضايا والمناطق والطوائف. وقرروا الاغتراب فكرياً وسلوكياً وحياتياً. وهم في حالة غربة حقيقية.

والتنافس القائم بينهم لا يتصل فقط باسترضاء المموّلين. بل يقوم على فكرة النشاط المفرط في سبيل إثبات القدرة على التأثير أكثر في الشارع. وعلى قدرة تقديم المختلف، لا يهم كيف يتم الأمر. المهم الحفاظ على مصادر التمويل جارية من دون توقف. وفي هذه الحالة، تختفي الشفافية الحقيقية، وتحل مكانها عبارة تُذيّل بها أوراق ومواقع عمل هؤلاء، تحت اسم «الممولون». أما كيف تجري عملية الانتساب، فهذا شأن خاص. لك أن تتعرف إليه فقط، في حالة قررت الانتساب إلى هذا النادي. وهناك تتعلم ألاعيب تُذكرك بسماسرة الإدارات الرسمية في الدولة. كيف تختار النموذج الأفضل لكتابة الفكرة، ثم من تستشير للحصول على خبرة في شرح الفوائد. ومن ثم تستعين بصديق لكي يكون منتجك مطابقاً للمواصفات، ثم تبدأ رحلة الاستجداء والاستعطاء. فترسل مشروعك إلى مئات العناوين، وتتصرف بانتهازية غير مسبوقة في التواصل مع كل من يخدم غرضك. ومتى حصلت على الموافقة الأولى، تستعد لتعلم كل متطلبات النجاح في المقابلة المباشرة. ولا بأس هنا، من الاستفادة من خبرات السابقين في كيفية وضع الموازنات وفتح الحسابات وتوظيف الناس وإعداد قوائم الدفع للمشاركين في هذا المشروع أو ذاك. لكن، لا يحصل ابداً، أن يسأل هؤلاء عن المنفعة العامة لما يقومون به. ومع الوقت، يصبح الواحد منهم، أسير موقعه الجديد. يتعرّف شيئاً فشيئاً إلى ماهية الأمر. ويعرف أكثر طبيعة المقاصد. لكنه، يسير في قطيع أعمى، ويقف مثل عمال عصور العبودية، في طابور طويل، ينتظر من ينقطه بضعة دنانير مع نظرة فوقية تذكره بأنه لن يكون يوماً على شاكلة الرجل الأبيض.

هل تذكرون ماذا فعل رفيق الحريري بجيل كامل؟ جرّه من إحباطه إلى العمل في خدمة مشروع لا أسس ثابتة له. أيقظ طائفية ومذهبية مقيتتيْن في عقول وقلوب من خبر التفلّت من قيود القبيلة. وجعله يتلو فعل الندامة ليلَ نهارَ. جعل مثقفين يتفنّنون في تأصيل مشهد الكرم والسخاء على أنه فعل إنساني خالص. وجعل جيشاً من الأتباع فريسة نظام حياة إن تخلوا عنه ماتوا غيظاً، فصارت السيارة والبيت والثياب والمطاعم والسفر أساس أي موقف من أي قضية. وما إن فرط المشروع بشحطة قلم، حتى سكن الإحباط هؤلاء. والآن نراهم في الساحات، مثل العاطلين عن عمل، لكنهم يريدون قيادة الناس نحو تغيير شامل، من دون الإشارة إلى مصدر القهر. وكلهم يستغلّون خوف اللبنانيين من كتابة تاريخ كلّه دماء وقمع وكذب، لكنهم يتوافقون على حيلة أهل هذه البلاد، بأنهم شعب اصطفاه الخالق من دون الآخرين، منبعاً للحرية والتقدم!

هؤلاء، هم أنفسهم الذين يتصرفون بثقة مُفرطة، على أنهم قادة التغيير في البلاد. وأي بلاد؟ بلاد نهشتها قوانين وسياسات عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقبلية على مدى قرنين على الأقل، ويعتقدون أن تطبيقاً ذكياً جُرب في مكان ما في هذا العالم، سيكون كافياً لسحق منظومة تتجذّر في الأرض وتحتاج إلى جيوش لقلعها. ويعتقدون أن طقوساً بلهاء، تحت عنوان التعايش والحب والعلم الوطني، كافية لإعادة إنتاج شعب مختلف. ومع ذلك، تراهم يختارون بوعي أو من دونه، الساحات نفسها التي ترمز إلى الحرب الأهلية مكاناً للتجمعات، ويسيرون في شوارع سُميت بخطوط التماس بين المتقاتلين، كأنهم يشعرون في دواخلهم بأن الحرب لم تنته بعد.

هل سمع أحد بتظاهرة في الدكوانة أو فرن الشباك أو حارة حريك أو الطريق الجديدة؟ هل تجمّع الناس في وسط المتن أو في جرد كسروان؟ هل سار هؤلاء في شوارع فنيدق أو تكريت أو قصدوا أحياء شحيم الضيقة، أو جرّبوا التنقل بين أزقة باب التبانة أو أحياء جبل محسن؟ هل قصدوا البلدة القديمة في صيدا أو غابة اللحم البشري في الأوزاعي أو حي السلم، أو تعرفوا إلى أحياء عالية الداخلية أو ما الذي يجري خلف الجدران في بعقلين وكفرحيم أو كيف يحل الصمت عند كل غروب، كأن الحياة انتهت في عماطور وبقعاتا ونيحا الشوف بينما يسترق الفتية صوت السمر والسهر يأتي خفيفاً من قصر الزعيم؟

هل جرّب أحدهم الدخول في قلب بلدة مجدل عنجر، أو حي الطمليس وحارات عين الرمانة وقرى إهمج وجاج ولاسا في جرد جبيل؟ هل يعرف هؤلاء ماذا ترتدي النسوة في قرى بشري ودير الأحمر وأعالي القبيات، وهنّ يشجعن الفتيات على الدرس عسى يكبرن ويتاح لهن التشبه بثياب الزعيمة عارضة الأزياء؟

لم يفعلوا، ولن يفعلوا، هم يتصرفون كما يفترض بهم التصرف على طبيعتهم، يذهبون نحو الساحات التي ينظرون إليها باعتبارها مركز النظام. يعتقدون أنهم في حال احتلوا حيزاً فيها، صاروا جزءاً من النظام. أو صار بمقدورهم التصرف على أساس أنهم هم النظام. برغم أنهم يعرفون أن أصل النظام موجود في الأحياء البعيدة وفي المناطق والأرياف. هناك يجري حشد الناس والأصوات. ومن هناك يأتي الموظفون والجنود والمتعبون. فتية المجتمع المدني، يرون في ساحات وشوارع المدينة الرئيسية أمكنة الحياة. وهم لا يهتمون بغير المركز. ويفترضون على طريقة الانقلابيين، أن من يحتل المركز يسيطر على البلاد.

ينسون أين كانوا هم قبل جيل. وعلاقتهم بالمهمّشين، تتحول مع الوقت إلى علاقة قائمة على أساس التفوق في كل شيء، العلم والمعرفة والسلوك والذوق وحتى الإحساس. وعندما يبنون ريفهم في المناطق البعيدة، لا يجيدون بناء علاقة مع أهل الأرض. بالنسبة إليهم، الفقراء بحاجة إلى دعم. لكن على طريقة العمل الخيري، صاروا مثل الأثرياء الجدد، يتنافسون على طريقة الإحسان إلى الفقراء. لا يعرفون عملاً من دون استعراض. حتى القبلة على خدّ طفل تنتظر وصول الكاميرا. والكاميرا هنا، لم تعد وسيلة الإعلام – الإعلان التقليدية. بل صارت كل الفضاء المفتوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. والإصلاح عندهم، يقتصر على حملة لمنع التنمّر, أو تعلم وضع حزام الأمان والتوقف عند إشارة السير، أ التدرب على فرز النفايات في المنزل والحي، أو لنذهب في رحلة إلى ذاك الجبل، لكن بعد أن نشتري العدّة كما شاهدناها في فيلم المتسلّق المحبوب. أما البحر، فيصعب أن يكون مكاناً للاختلاط مع العاديين. نرفض كل شيء عام. نرفض حتى الفنادق الكبرى، لكن تعالوا نفرض نموذجاً عن الفنادق الخاصة، من تلك البيوت التي هجرها أهلها، بموت أو تشرّد أو حتى إبعاد من الأولاد، لتحويلها إلى بيوت سياحية تستقبل الزوار الآتين من المدينة مع ابتسامات ودهشة.

هكذا هي حياة هؤلاء. الأفراد أو المجموعات المشكّلة لمجتمع واحد ولو بوجهين، هما مجتمع المنظمات غير الحكومية، ومجتمع الطوائف. يتصرف هؤلاء على أنهم البديل الفعلي لإدارة الدولة. حفظوا مقرّرات من مناهج بعيدة. درسوا تطبيقات على أمكنة وشعوب لا تنطبق بالضرورة على ناسنا هنا، لكنهم قرروا أنها الأنسب لنا. ويعتقدون أن بمقدورهم التسلط على الناس المتعبين، وقيادتهم في حراك أو انتفاضة أو ثورة لتغيير يدّعون أنه شامل. هؤلاء ليسوا، مع الأسف، مؤهّلين لنضال عام يقود نحو دولة متكاملة متماسكة، لها قوانينها المدنية أي المضادّة لقوانين الطوائف، ولديها سياساتها غير المحايدة إزاء ما يجري من حولنا في السياسة والأمن والاقتصاد والاستراتيجيا. هؤلاء مجموعة من الانتهازيين، تلفّهم السذاجة عندما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة، على طريقة أفلام الكرتون، التي تجعل الفأر فيلاً، وهم مجموعة من المتكسّبين، يعانون من مرض عُضال لا يقلّ خطراً عن مرض الحاكمين باسم الله والطائفة والمنطقة والعائلة!

الحريري: طلبات أميركا… أوامر!

Image result for ‫سعد الحريري مع الدب الدتشر‬‎

هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

 

ابراهيم الأمين

الأربعاء 4 كانون الأول 2019

واجه سعد الحريري أصعب الاستحقاقات في حياته. فلا هو قادر على عدم تأليف حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه يواجه ضغطاً كبيراً من الداخل والخارج للسير بتسوية ما. المسألة هنا تتعلق في كون الحريري لا يمكنه الخروج من السلطة الآن. واذا اجبر على هذه الخطوة، فهو سيبدأ بزرع الالغام على طول الطريق التي يفترض ان تسلكها من التكليف الى التأليف الى جلسة الثقة.

عدم رغبة الحريري بأن يشكل غيره الحكومة ترتبط بمصيره. الحديث، هنا، عن بطالة كاملة. عن تقاعد مبكر غير مضمون النتائج. عن اعتزال مبكر لكل أنواع الأعمال السياسية والتجارية. عن اعتكاف يقود صاحبه الى الابتعاد تدريجياً عن الأنظار حتى يصبح منسياً. عن مغادرة تعني الهروب الى أقاصي الارض بحثاً عن ملاذ آمن.

رئاسة الحكومة، بالنسبة إلى الحريري، تعني كل مستقبله. تعني مستقبله السياسي كواحد من زعماء لبنان، لا يمكنه، من دون السلطة والمال، قيادة تياره ولا كتلته النيابية في مواجهة صقور يريدون انتزاع الزعامة منه احتجاجاً على قلة دراية أو نقص في الوضوح أو تردّد في المواجهة. تعني مستقبل علاقته مع الناس في المناطق والقطاعات حيث انفرط عقد التيار ليعود الى جمعيات، النفوذ فيها لمن يملك القدرة على الدفع أو رفع الصوت. تعني فتح أفق الاعمال التجارية الجانبية بعد توقف المصدر الاول للرزق في السعودية والعالم. والعزوف عن الرئاسة يعني تعرضه لعزل من العائلة نفسها، في مواجهة زوجة والد لم تعد تطيق كل تصرفاته، وإخوة يتوزعون بين من يقاطعه ومن يحاربه مباشرة وعلناً، ومن لم يعودوا يرون في لبنان حتى مكاناً للعيش.

رئاسة الحكومة تعني لسعد الحريري الحصانة الفعلية في مواجهة مئات المعارك القانونية في لبنان والسعودية والامارات وغيرها. تعني حصانة تحول دون اعتقاله على باب طائرته الخاصة في عاصمة ما والتحقيق معه ومصادرة طائرته وما معه من حلي وثياب. تعني حصانة لا تزال تفتح له أبواب قادة وحكومات وأجهزة وشركات في العالم بصفته لا بشخصه.

Image result for ‫الدب الداشر‬‎

حصانة تقيه شر العزلة التامة التي تحوله الى رقم منسيّ إذا ما قرّر خصومه ذلك. حصانة تحول دون اعتقال وسجن أكيدين في ما لو زار السعودية كحامل لجنسيتها فقط. عندها، لن يقيه أحد في العالم شر «الدب الداشر».

رئاسة الحكومة تعني للحريري مركز نفوذ متنوع في لبنان وقابل للاستخدام في المحيط القريب والبعيد. تعني بقاءه في ظل حماية أمنية محلية وإقليمية ودولية، وهو هاجس صار يسكنه كما حال العائلات الحاكمة في بلادنا والعالم. تعني البقاء على التواصل مع جهات قوية في لبنان يمكنها أن تمحو رقم هاتفه من ذاكرة هواتفها لو استقال. وهي تحول دون سقوط ما تبقّى من هيبة له بين رجال أعمال وسماسرة وشركات تخشى قدرته على تعطيل أعمالها أو عرقلتها. وتعني، أيضاً، قدرة على استمالة ناس من هنا وهناك باسم الطائفة والموقع والبلاد.

كل ذلك يعني، ببساطة، أن الحريري لن يترك رئاسة الحكومة من دون قرار كبير يتخذه من يملك القدرة على تقرير مصيره السياسي. تجربة الاحتجاز في السعودية لم تمنحه قوة مقاومة لعدم تكرار التجربة، بل يبدو أن الايام القليلة التي أمضاها في معتقل مرفّه، أصابته بمتلازمة استوكهولم التي تجعل الرهينة أسير دونية غير مفسّرة أمام خاطفه. وهو الذي ضعف وارتبك وخاف من مصارحة الناس بحقيقة ما حصل معه، وتراجع عن محاسبة من خانه وتآمر عليه من أبناء بيته، وأبناء تياره، وأبناء جلدته ايضاً. وأصابته عوارض إطلاق السراح المشروط، فلا هو قادر على شكر من ساعده على الخروج من أزمته، ولا على الجهر بحقيقة من أعانه وأخرجه من سجنه بالقوة لا بالدبلوماسية. وهو الذي لم يقدر حتى على بقّ البحصة التي تحولت كتلاً خرسانية تعطل كامل جسده.

الذين يعرفون سعد الحريري جيداً يتحدثون عن مفاجآت في شخصه هذه الايام. عصبيّته وطريقة أكله للسيجار، لا تدخينه، وعلاقته مع طعامه أو نبيذه الفاخر، وطريقة جلوسه داخل الدار وخارجها، كل ذلك لا يعكس ارتياحاً، بل ضيقاً شديداً يرفع من منسوب توتره الشخصي.

واللافت أن الرجل الذي عُرف ببساطته السياسية وقلة حنكته في إدارة التحالفات والملفات، «أصيب» فجأة بنوبة من دهاء غير مسبوق. وما يقوم به في سياق ملف تشكيل الحكومة الجديدة، يعيد الى الأذهان حكايات بيروت عن مفاوضات صائب سلام ورشيد كرامي وآل الصلح. حتى والده لم يكن يهتم بالطرق الملتوية. وربما كان الحضور السوري في القرار النهائي مانعاً للمناورات. لكن، رغم ذلك، لم يكن رفيق الحريري يحتاج الى ألاعيب جانبية.

هل هو فعلاً محتجز هذه المرة لكن في بيروت، أم خاطف لرئاسة الحكومة، لا يريد تركها لحظة ويحضنها في سريره كأعزّ من ألف عشيقة؟

وحتى لا يبدو أن في الامر إهانة شخصية، لنقل إن سعد يحيط نفسه، أو إن هناك من يحيطه، بمن هم قادرون على التلاعب بالحقائق بطريقة افضل، وعلى درجة من الحنكة غير المسبوقة في بيت الوسط: من إبعاده المتعِبين من حوله، المعروفين بكثرة الكلام وقلة الافعال، الى إدارة شارعه الغاضب لألف سبب غير ملف رئاسة الحكومة، الى تعامله مع الازمات الهائلة التي تمر بها البلاد، الى طريقة إدارته مرحلة تصريف الاعمال، إذ يهمل ما يتعبه في الاقتصاد والادارة ويمسك بما يفيده في الامن والمال. والاهم طريقة إدارته النقاش مع المرشحين لخلافته في رئاسة الحكومة. فيظهر في غالب الاحيان كزاهد في الحكم، وغير مهتم بتفاصيل تشكيل الحكومة، وراغب في الابتعاد للاستراحة، لكن، سرعان ما يصبح شيخاً في السياسة، له باعه في النصح والمشورة. وما يخرج من فمه ليقع مباشرة في أذن من يطمح لخلافته، يتحول رصاصاً يجعل منافسه صريعاً فاقداً لأهلية الدور.

أما ملاحظاته، أو وصاياه، فهي، ببساطة شديدة، ليست سوى المطالب الواضحة لتحالف السعودية – أميركا الذي يدرج لبنان ساحة مركزية في معركته المفتوحة مع إيران ومحور المقاومة. وهي معركة لها أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية. لذلك، يكون الحريري واضحاً في مطالبه:

أولاً: لا تراجع عن السياسات المالية والاقتصادية ولا خيارات سوى الإقرار ببرامج الخصخصة الكاملة، وضرورة تأبيد وجود رياض سلامة في حاكمية مصرف لبنان.

ثانيا: إضعاف التيار الوطني الحر من خلال منع رئيسه جبران باسيل من الدور الوزاري المباشر، وحرمانه من حقائب اساسية تجعله قليل القوة في مواجهة خصمه الرئيسي سمير جعجع.

ثالثاً: تعزيز استقلالية الجيش وقيادته عن سلطة رئيس الجمهورية ووزارة الدفاع، ومنع التعرض لقائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير الاستخبارات العميد طوني منصور، والإقرار بهامش خاص لعمل الجيش على طول حدود لبنان الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية.

رابعاً: إفساح المجال أمام بقاء حالة «غليان الشارع» لكن في وجهته ضد عون وحزب الله، والسعي الى انتخابات نيابية مبكرة تعدل ميزان القوى داخل المجلس، وتفتح الباب أمام طرح انتخابات رئاسية مبكرة.

Image result for ‫سعد الحريري مع محمد بن سلمان‬‎

هنا، يصبح السؤال حول واقعه أمراً حتمياً: هل هو فعلاً مختطف، لكنه محتجز هذه المرة في بيته في بيروت؟ ام هو يحسن لعب الدور، فيتحول الى خاطف لرئاسة الحكومة، يحملها معه في تنقلاته بين الغرف والطوابق ويحضنها في سريره كأعز من ألف عشيقة؟

Image result for ‫سعد الحريري‬‎

Related Videos

Related Articles

سلامة شريك كارتيل النفط جنبلاط والبساتنة وشمّاس ويمّين وتوتال يبتزّون الناس

ابراهيم الأمين

السبت 30 تشرين الثاني 2019

لم يكتفِ رياض سلامة بكل ما فعله خلال ربع قرن من سياسات نقدية ومالية أفقرت الشعب اللبناني. ولم يقبل التواضع والخروج من الساحة، وقاتل لأجل ذلك مستخدماً أموال الدولة والمودعين، مانعاً تغييره منذ عام 2005. ولم يكتفِ بما جعل لبنان يدفع كلفة بقائه حاكماً قبل ثلاث سنوات. كذلك لم يكتفِ بالسماح بتهريب أموال كبار أثرياء الحرب الأهلية والحرب الاقتصادية وسارقي الدولة والناس في الأشهر الماضية، بل هو يواصل كذبه على الناس، ويتحدث عن صلابة وسلامة النقد والقطاع المصرفي. ولا يزال يصرّ على سياسات هدفها الأول والأخير المحافظة على أرباح كارتيلات البلاد المنتشرة في كل القطاعات، من المصارف الى النفط والمواد الاستهلاكية وتجّار العملة أيضاً.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن شركاء سلامة، في جولة اليوم، هم من أبناء الطبقة الحاكمة، من رجال أعمال يخدمون سياسيين كباراً بغية المحافظة على نفوذهم وقوّتهم. وبعض هؤلاء يحاولون ركوب موجة الحراك، وتراهم يتحدثون عن الثورة ونظافتها، مثل تاجر الدم والنهب وليد جنبلاط، الذي لم يكتفِ بإرسال زعرانه لقطع طريقَي الساحل والبقاع، وقتل متمرد عليه هو علاء أبو فخر برصاص الموالين له، بل هو اليوم يشارك في تصعيد مفتعل يقف خلفه كارتيل المحروقات، وهو أحدهم، من أجل جباية المزيد من الأرباح، والتي لا نعرف إن كان يضمن مسبقاً تهريبها الى خارج لبنان. وهو يفعل ذلك مطمئناً الى أن جماعة أميركا والـ«ان جي أوز» في الحراك، يمنعون أي كلمة ضده، وأي اعتصام في مواجهته، وأي تحرك تجاه منزله في بيروت أو المختارة، وأي اعتصام ضده في إمارة الشوف وعاليه، وأي بيان يجعله، فعلاً، واحداً من «كلن يعني كلن».

عنوانان احتلّا مشهد البلاد أمس، الى جانب البحث المملّ بشأن الوضع الحكومي، والذي لا يبشّر بخير، حتى ولو تحدد موعد الاستشارات، لأن الذين يريدون تأليف الحكومة هم أنفسهم الذين يرفض الشارع بقاءهم في مناصبهم. والعنوان الأول، هو استمرار التلاعب بسعر الليرة اللبنانية، وتواصل عملية ابتزاز المواطنين الساعين الى استعادة أموالهم المودعة في المصارف. والعنوان الثاني يتعلق بإضراب أصحاب محطات البنزين، وهم شبكة من كبار تجار النفط وموزعيه، والذين حصدوا أموالاً طائلة من الأرباح طوال الفترة الماضية، ويقف جنبلاط في مقدمهم، من أعمال «كوجيكو»، (بالإضافة الى نشاطه في قطاع الغاز والاسمنت)، الى الفرنسيين من خلال شركة «توتال»، الى أبناء البساتنة الذين صاروا يملكون عدداً هائلاً من محطات الوقود، ويتشاركون مع الأخوَين ريمون وتيدي رحمة في استيراد النفط والفيول من الخارج، الى أصحاب المحطات الأخرى من مارون شمّاس وأوسكار يمّين وآل رمضان، وغيرهم من الذين لا يريدون التنازل عن 5 بالمئة من أرباحهم في هذه الأزمة، ويتحدثون عن صعوبات تواجه عمليات الاستيراد.

لكن سلامة يعود ليقف على رأس فرقة إنقاذ هؤلاء. إذ عندما قررت وزارة الطاقة القيام بمبادرة كان يجب أن تكون سياسة عامة منذ وقت طويل، وقررت استيراد البنزين عبر «منشآت النفط»، لتضع ما ستستورده في خزانات تتسع لكميات تكفي البلاد لثلاثة أشهر على الأقل… عندما قررت الوزارة ذلك، قرر أصحاب المحطات الإضراب، بينما يعرقل سلامة إقرار الاعتمادات المالية للوزارة، مؤخِّراً عملية الاستيراد، ومتصرّفاً مع الدولة بطريقة لا تأخذ بالحسبان الأزمة القائمة. يريد منها اتخاذ إجراءات ستنعكس حكماً على المواطنين من خلال رفع أسعار الوقود الآن، من البنزين الى المازوت الذي سيرتفع الطلب عليه في فصل الشتاء والبرد.

اجتماع بعبدا يطالب مصرف لبنان بخفض الفوائد وبتسهيل متطلّبات المودعين

وإلى جانب هذا المسار، لا يزال سلامة يكذب على الناس في شأن الوضع المالي. هو أعلن بلسانه أن الودائع محميّة، وأنه يرفض إقرار قانون لتقييد السحوبات والتحويلات (capital control)، وأنه لن يمسّ بحرية التحويلات المالية الى الخارج. لكنه لم يلزم المصارف بهذا التوجه، بل تركها تتصرف كما لو أن القرار موجود. ثم لم يناقش المصارف في الإجراءات التي تقوم بها لمواجهة طلبات الزبائن. وبينما أعلنت جمعية المصارف برنامج عملها، عادت ولم تلتزم به، وفرضت على الناس البرنامج الذي يناسبها، وهي التي حددت سقف السحب اليومي أو الأسبوعي من العملات المحلية أو الأجنبية. وفوق ذلك، فإن سلامة يترك قطاع الصرّافين يعمل بلا رقيب أو حسيب، علماً بأنه من مسؤولياته، كما هي حال شركات شحن الأموال، التي يرفع أصحابها لواء «ثورة الفقراء»، لكنهم غير مستعدين لخسارة واحد في المئة من أرباحهم.

في القصر الجمهوري، انعقد اجتماع مالي هو الثاني منذ اندلاع الأزمة. وغاب عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، المهتم بتأليف حكومة يديرها من دون أن يترأّسها. وخلال الاجتماع، جرت مراجعة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف في الإجراءات المتخذة في سوق القطع وكيفية التعامل مع المودعين. وبحسب معلومات مشاركين في الاجتماع، من المفترض أن يبادر رياض سلامة ــــ ولا أحد يثق بأنه سيفعل شيئاً ــــ إلى إلزام المصارف بسياسات تسهّل للناس الحصول على حاجتهم من أموالهم المودعة، وكذلك تسهيل التحويلات الضرورية للناس وللأعمال إلى الخارج. لكن النقطة الجديدة التي أثيرت في اجتماع أمس، هي دفع القطاع المصرفي الى خفض الفوائد المعتمدة على العملات المحلية والأجنبية الى النصف، باعتبار أن سبب رفعها سابقاً لم يعد موجوداً، إذ كان سلامة يبرّر رفع الفوائد بالحاجة الى جذب أموال من الخارج، وهو ما لا يحصل الآن. ويفترض أن يصدر عن حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف مجموعة من القرارات والتعاميم في هذا السياق.

أما في جانب عمل الصرّافين، فالصورة تبدو قاتمة، حيث لا يضمن أحد من المسؤولين تغييرات حقيقية. وبينما ارتفع سعر الليرة مساء أول من أمس، عاد وانهار أمس ليبقى متداولاً بين 2100 و2250 ليرة لكل دولار.

Related Videos

Related News

مسؤولية الكبار

 ابراهيم الأمين

الجمعة 29 تشرين الثاني 2019

كلّ تفصيل إضافي نسمعه عن سلوك أهل السلطة في الملفّ الحكومي يؤكّد، مرة جديدة، أن هؤلاء ليسوا في وارد التنازل الجدّي، بل يفكّرون في شكليات يعتقدون بأنها تناسب ذوق الجمهور. البحث عن رئيس جديد للحكومة، أو عن وزراء، يجري على قاعدة الإبقاء على جوهر المقاربات والسياسات نفسها، مع البحث عن طريقة لاستهبال الناس والاعتقاد بأن تغييراً في أسماء وزراء والإتيان بحزبيين مقنّعين بدل آخرين مكشوفي الوجوه، من شأنه إقناع الشارع بوقف غضبه، علماً بأنه يمكن للسلطة أن تقول كلاماً واضحاً حول ضرورة التمثيل السياسي في أي حكومة، على أن تبحث في برنامج العمل وفي الأهداف، وهو ما لا يجري مطلقاً.

أكثر من ذلك، يبدو من النقاش أن القوى الرئيسية لا تزال تتصرّف على أن ما حصل في الشارع لا يُلزمها بتغييرات كبيرة. لذلك، يتردد في مداولات تشكيل الحكومة كلام عن تمسك التيار الوطني الحر بحقائب معينة، وحتى بوزراء حاليين. والحال نفسها بالنسبة إلى الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، فيما تعتبر القوات اللبنانية أنها حققت نجاحات حيث انتشر وزراء التكنوقراط، وتريد مزيداً من هذا الصنف. أما حزب الله فلا يظهر حماسة للضرب على الطاولة وإلزام اللاعبين حوله بضرورة مغادرة هذه العقلية، بل يبدو مهتماً بتقليص مسافة الخلافات بين القوى المفترض بها تشكيل الحكومة ولو على حساب البرامج، علماً بأن الرئيس سعد الحريري الذي يعلن عزوفه عن ترؤس الحكومة الجديدة، يتصرف على أنه الرئيس الفعلي للحكومة ولو من خلف الستار، ويتشاطر في طرح أفكار على المرشحين الآخرين تمثل طموحاته، إلا إذا كان الحريري ــــ كما يعتقد البعض ــــ في حالة أسر، وسجيناً بقرار أميركي ــــ سعودي، لكن في بيروت لا في السعودية.

مطالب الحريري تتركز على سبل عدم إحداث أي تغيير. ففي توصياته للمرشحين أنه لا يمكن الموافقة على إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو قائد الجيش العماد جوزيف عون ومدير المخابرات العميد طوني منصور أو قيادة قوى الأمن الداخلي، ورؤساء بعض المؤسسات العامة مثل مجلس الإنماء والإعمار والميدل إيست وغيرها. فيما يشدّد في المقابل على ضرورة إبعاد ممثلي حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل عن وزارات أساسية، ولا ينسى تشجيع المرشحين لخلافته على انتزاع تعهّد بإجراء انتخابات نيابية مبكرة خلال ستة أشهر.

كل هذا ــــ وتفاصيل أخرى أكثر مأسوية تتعلّق بمقاربة الأزمة المالية والنقدية ــــ يدل بصورة مباشرة على أن من في السلطة ليس في وارد التغيير. فهذه السلطة لو كانت مهتمة أصلاً بمنع الانهيار، لكانت عدّلت في سياسات المحاصصة التي اعتمدتها منذ توقف الحرب الأهلية. وبالتالي، من المفترض باللبنانيين عموماً، وقوى الحراك الوطنية الساعية الى تغييرات جوهرية، لا الى احتلال مقاعد في السلطة، ألّا يراهنوا على تغييرات جوهرية مقبلة. ما يعني أن أي حكومة ستتشكّل لن تلبّي الحد الأدنى من الطموحات. لكن السؤال الذي سيطرح أمام الحراك هو: كيف نواصل الضغط من أجل التغيير الجدي؟ وكيف نجذب قوى اجتماعية وشعبية أكبر نحو الحراك لخلق نمو متين في جسم الحراك، لا البقاء في دائرة النفخ الجارية الآن؟
إذا كان كبار البلاد في السلطة على هذه الحال، فكيف يتصرف بقية «الكبار» من أهل البلاد، أي كبار السلطة المالية والنقدية بكل أركانها، وكبار المؤسسات الدينية الغنية، وكبار القوم من الأغنياء والمتمولين؟

التبسيط يساعد كثيراً في فهم الغاية من العمل المطلوب. والتبسيط يقول إن لبنان يواجه مشكلات كبيرة؛ أبرزها، اليوم، الملف المالي والنقدي. والمشكلة هنا أيضاً بسيطة لناحية التوصيف: هناك عجز مالي كبير في الموازنة العامة للدولة، وهناك دين كبير جداً على الدولة، ودين كبير على المواطنين للمصارف، وعجز كبير في الميزان التجاري، وعجز أكبر في ميزان المدفوعات. وهناك نقص في سيولة المصارف بالعملات الأجنبية، وشكوك حول قدرة القطاع المصرفي على ضمان ودائع المواطنين، وتراجع سريع في قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، ونقص تدريجي في قدرة الناس على الإنفاق العادي، وتراجع في القوة الشرائية لمداخيلهم، وهذا يؤدي الى تراجع في الاقتصاد وفي عمل القطاعات كافة، ويقود الى تقليص المداخيل وتراجع القدرة على توفير وظائف، ومن ثم إغلاق لمؤسسات وزيادة نسبة البطالة… الخ!

هذا أمر ليس بسيطاً على الإطلاق. لكن علاجه، في هذه اللحظة، يتطلب من كبار السلطة الموازية، المالية والاقتصادية والدينية، المبادرة الى تحمل المسؤولية. والمبادرة تستوجب منهم التنازل عن جزء مما جمعوه خلال ثلاثين سنة وأكثر من أموال وقدرات وأملاك بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة. وهذا التنازل إما أن يحصل طوعاً، وإما أنه سيحصل عملياً بسبب الأزمة!

ببساطة أكبر، يجب أن يتخلى كبار المودعين، الذين نمت ودائعهم جراء السياسات النقدية وبرامج الفوائد، عن جزء حقيقي ووازن من هذه الثروات لتقليص حجم الدين العام على الدولة.
وببساطة أكبر، أيضاً، يجب إلزام كبار المالكين بدفع بدلات ضريبية على ما يملكون أو ما تملّكوه، سواء بفعل أعمال المضاربة العقارية أو بفعل تراكم الثروات غير الواضحة المصدر، من أجل تغذية الخزينة بما يقلّص قيمة العجز.

ببساطة أكبر، يجب على الشركات الكبيرة، مالية أو تجارية أو خلافه، أن تقلص حجم أرباحها بما يقلّص كلفة الاستهلاك العام على الناس، وبالتالي، على هذه الشركات أن تقبل بتعديلات جوهرية في طريقة عملها، وهو أمر سينعكس حكماً على واقع أصحابها ومالكيها،
ببساطة أكبر، يجب على المرجعيات والمؤسسات الدينية (أوقاف وخلافه) أن تدرك أن ما تملك باسم الله يجب أن يعود إلى الناس. وعودته الى الناس ليس وفق هوى هذه المرجعيات، حتى لو قررت أن تمنحه لرعاياها دون غيرهم. هذه المرجعيات تملك ثروة عقارية ومالية كبيرة، واستثمارات مالية وتجارية كبرى، وجيشاً من العاطلين عن العمل يجري تمويه توصيفهم بدور الراعي والمبشّر والمبلّغ. وإذا كان هناك من مدخل لتعديل الواقع الاجتماعي للناس، فإن لهذه المرجعيات دورها الأساسي الإلزامي، وهو أمر لا يتمّ من دون تعديلات في القوانين الراعية لعمل هذه المرجعيات التي تتصرّف عملياً على أنها فوق القانون وفوق المؤسسات والسلطات.

مطالب الحريري: الابقاء على سلامة وجوزيف عون ورؤساء الأجهزة والمؤسسات العامة التابعين له

ببساطة أكبر، يجب على السلطة، أيّ سلطة حكيمة، أن تبادر الى التعامل مع ملف الدَّين العام بطريقة مختلفة، وأن تبادر الى خطوات سلبية باتجاه دائنين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو حكومات، تقوم على أساس وقف خدمة هذا الدين، والتفاوض لتقليص المتوجبات مهما كانت الكلفة، علماً بأن البعض يتحدث كثيراً عن مصادرة أملاك الدولة خارجياً وملاحقتها قضائياً داخلياً.

وببساطة أكبر، من المفيد تذكير أصحاب المصارف وكبار المساهمين، وحتى كبار المودعين الذين يتحوّلون مع الوقت الى مساهمين ولو من دون عضوية، المبادرة من تلقاء أنفسهم الى مساعدة الناس على تحمل كلفة الأزمة، وأن يتم شطب الكثير من الديون، وخصوصاً المتعلقة بالتعليم والسكن الصغير والطبابة والمشاريع الإنتاجية الصغيرة الحجم، وهو شطب يجب أن يفهم من قبل أصحاب المصارف وكبار المساهمين وكبار المودعين على أنه خطوة تضامنية عادلة، لا مقابل لها سوى استعادة الاستقرار العام ومنع الانهيار الذي سيصيب عائلات كثيرة لو ألزمت على سداد هذه الديون مع تراجع المداخيل وتراجع القدرة الشرائية لمداخيلهم.

نحن أمام مشكلات متنوعة، والكل يعرف أن من الواجب إعادة النظر في واقع القطاع العام. ولكن، كل آلية لـ«تطهير» القطاع العام ومؤسساته، من الفاسدين أو العاطلين، أو الذين وظّفتهم مرجعيات ولا يحترمون واجبهم في العمل، يجب أن تأخذ في الحسبان أن تعاظم جيش العاطلين عن العمل سيتحوّل عبئاً على البلد كله، وليس على فئة دون غيرها. لكن اللبنانيين، الذين يعانون من شراهة القطاع الخاص، لن يتعايشوا طويلاً مع كسل قسم من القطاع العام وغياب الجدوى منه.

مرة جديدة، الأزمة لن تحلّ بحكومة كالتي يجري العمل على تشكيلها، ولن تحل بفوضى الشعارات عند لصوص الحراك من جماعة أميركا والقوى السلطوية. الحلّ لن يكون من دون مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية كبيرة وصعبة ستفرض سلوكاً جديداً على الناس، قد يدفعهم الى اكتئاب وإحباط، لكنه السلوك المتناسب مع واقعهم الحقيقي، وليس مع واقعهم الافتراضي.

Related Videos

Related News

قاطع الطريق وداعمه ومساعده مجرمو حرب

ابراهيم الأمين

الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019

متلازمة السوشال ميديا صارت مرضاً يسيطر على غالبية الجمهور. لكنها أصابت مقتلاً حتى من فئات تعتبر نفسها في موقع متقدم عن الناس ثقافياً ومعرفياً. المشكلة، هنا، ليست في أن تقول كلاماً صحيحاً، وليست في أن تقول الحقيقة، ولا في أن تكذب أو تخفي وقائع قاسية. المشكلة هنا متوقفة فقط عند عنوان واحد اسمه: الانطباع!

يعني، لا يهمّ أي نوع من التدقيق في طبيعة المواجهات التي تحصل بين وقت وآخر في الشارع بين جمهور المتنازعين سياسياً. ولا ينفع التدقيق في إقناع هذا أو ذاك بتعديل موقفه. المهم، هنا، هو الانطباع الذي سيزرع في عقول الناس وقلوبهم. لذلك، يسيطر الانطباع على العقل. وحتى من يريد وضع خطة عمل لفريق أو جهة، أو من يريد القيام بعمل له حساباته الواقعية، لا يقف الا عند الانطباع. الجملة السحرية التي تسيطر على ألسنة الجميع هي: ماذا سيقول الناس عنا؟ والناس، هنا، ليسوا سوى لاعبين افتراضيين على منصّات التواصل الاجتماعي الذين باتوا قادرين على إطلاق الأحكام على الجميع ومنع محاكمتهم في الوقت نفسه.

ولأن الانطباع هو المسيطر، تجد نفسك في موقع غير الراغب في الشرح والتدقيق. بل في موقع اللامبالي إزاء ردود فعل مهما كبرت أو تحولت الى وقائع، لأن النقاش يصبح من دون فعالية إذا كان من يقف على الضفة الاخرى غير مهتم إلا بالانطباع. وهذا مصدر نجاح كبير لمن يقود ما يسمى في عالمنا اليوم «الحرب الناعمة». هذه الحرب التي لا تستهدف خلق وعي معرفي عند الاصدقاء أو الخصوم، بل هدفها الوحيد هو تطويق هؤلاء بفكرة الانطباع: أنت جميل، هو قبيح، أنت واضح، هو متذبذب، أنت طائفي هو علماني، أنت آدمي هو حرامي… وهكذا الى نهاية السلسلة من لعبة زرع الجزئيات التي تنتهي عادة على شكل صورة لشيء وحيد هو: الانطباع!

والانطباع سرعان ما يصبح أسير قوانين اللعبة الافتراضية، أي أسير أدوات العمل على مواقع التواصل. والمهم، هنا، كيفية تحويل الانطباع الى «ترند»، أي رفع قيمته من لحظة انفعال عاطفي الى لحظة نمط تعامل. أي إن الـ«ترند» هو المرحلة التالية في تحويل الانطباع الى حقيقة. وهذا وحده كفيل بجعل الكذاب في حالة زهو غير مسبوقة إذا حصد المرتبة الاولى. كما من شأنه أن يدفع صادقاً الى الانتحار، لأنه فشل في الدفاع عن نفسه أو وجهة نظره. ومن يرد التجاهل والتجاوز ما عليه سوى اختبار نفسه ضمن مسابقة النقاط، التي تحصر في هذا العالم بلعبة «لايكات»، تتحول الى علامات نجاح أو رسوب، وهي ما تجعل من الانطباع قوة رئيسية في التفكير بالقول، كما تجعل من الـ«ترند» قوة رئيسية في الفعل… وهكذا!

في لبنان اليوم، وعلى هامش الأزمة القائمة، ثمة حشد مقبول، من أشخاص وجمعيات وجهات وقوى ومؤسسات، يديرون يومياتهم السياسية على أساس الانطباع القائل بأن جمهور المقاومة في لبنان صار عدواً لكل من يطالب بالإصلاح. وهؤلاء يتصرفون على أساس ان غالبية لبنانية تقف الى جانبهم، وأن أقلية تقف في جانب جمهور المقاومة الذي يتعرض لعملية عزل متواصلة. والبعض من هذه الفئة يتصرف على أساس أنه قادر على تحديد وجهة التفاعل على الارض، ولا يهم بقية الناس، لان الانطباع هو الأقوى. لكن هذه الفئة لا نعرف كيف تتصرف عندما تصدم بحقيقة الوقائع، التي تنسف الانطباع، وتفرض صورة معاكسة تماماً، حتى ولو حصل ما حصل من إشكالات وخسائر!

بناءً على لعبة الانطباع، التي يمكن تحويلها الى حقيقة، لا الى «ترند»، وجب اليوم قول الآتي:
كل مشارك في الحراك لا يخرج الى العلن، ويدين صراحة قاطعي الطرق، هو شريك فعلي في جريمة اغتيال المواطنين حسين شلهوب وسناء الجندي على طريق الجية.
كل ناشط في الحراك لا يخرج الى العلن، ويذيع بياناً يدين بالاسم مرتكبي هذه الجريمة، هو شريك في سفك دماء الأبرياء.

كل إعلامي، مؤيّد للحراك، لا يكتب أو يذيع موقفاً واضحاً، جهاراً نهاراً، يشتم فيه قاطعي الطرق هو شريك مساهم في الجريمة.
كل سياسي مؤيّد للحراك بكل صنوفه، طوعاً أو غصباً، وعن حق أو عن دجل، لا يسارع الى إيجاد وسيلة إعلامية لإذاعة بيان يدين بالأسماء المسؤولين عن قطع الطرقات هو شريك في هذه الجريمة.

كل جمعية مدنية، أو منظمة غير حكومية، تشارك في الحراك، لا تصدر بياناً واضحاً، فيه إشارة واضحة الى المسؤولين عن قطع الطرقات، وتحميلهم مسؤولية الجريمة، شريكة في الجريمة وتتحمل مسؤولية الدماء التي سفكت.

كل قوة سياسية أو حزب أو حركة تشارك في الحراك، وتملك الجرأة على المطالبة بإسقاط النظام، ولا تخرج وتعلن على لسان قيادييها أنها تدين قطع الطرقات وتهاجم المرتكبين بالأسماء، هي قوة وحركة وحزب شريك في الجريمة.

من يتوهّم نقل البلاد الى جبهة الغرب هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى تراند عالمي!

ولمن لا يعرف، أو يتذرع بعدم المعرفة، فإن زعران سعد الحريري وسمير جعجع وسامي الجميّل ووليد جنبلاط هم من يتولى قطع الطرقات، ومن يتولى مهاجمة المارة وشتمهم، ومعهم كل المجموعات التي تعمل طوعاً أو غصباً مع مخابرات الجيش اللبناني، ومع فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي،

أما من يعتقد بأن هناك طبقات اجتماعية عند ضحايا فوضى الحراك، ويعتقد أن إعلاماً حقيراً ومشوّهاً منذ نشوئه، يمكنه التمييز بين هذا أو ذاك، ويمكنه تجهيل الفاعل وتحييد الناس، وتركهم ضحايا الانطباع إياه، وأسرى الـ«ترند» إياه، فمن المفيد تذكير هؤلاء بأننا سوف نلاحقهم، اسماً اسماً، وناشطاً ناشطاً، وجمعية جمعية، ومنظمة منظمة، وجهة جهة، وحزباً حزباً، وحركة حركة، وإعلامياً إعلامياً، وإعلامية وإعلامية، ولن نترك منهم أحداً من دون مساءلته يومياً عن مصدر أمواله ومرجعيته، وسنلزمه، الآن وكل يوم، بأن يقدم لنا جردة يومية بكل ما قام ويقوم به، وسنروي للناس ما حرصنا على كتمه من أجل الصالحين في الحراك..

أما من يهربون من مسؤوليتهم في تنظيف الحراك من هذا الوسخ، فهم اليوم أمام استحقاق أساسي، لأن من يريد التلطّي خلف شعارات عامة ومطالب مفتوحة، عليه أن يعرف أن نتائج الأفعال تقع على عاتق من بيده الأمر من بين هؤلاء، ومن لا يزال يتوهم أن بإمكانه نقل البلاد الى جبهة الغرب، فقط لأنه قرر ذلك، إنما هو أسير انطباع لن يكون حقيقة، ولو تحول الى «ترند» عالمي!

يجب أن يعرف هؤلاء أن دموع الصبية الناجية من محرقة الجية أمس، وحرقتها على من فقدته أمام عينيها، هي أهم من كل شعار يرفع في أي ساحة من ساحات لبنان.

Related

لماذا ينقسم النظام بين مؤيّد ومعارض للمتظاهرين؟

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

ابراهيم الأمين

الخميس 14 تشرين الثاني 2019

 وقائع اجتماعات «المنظمات غير الحكومية»
 برامج الحكم البديل والتمويل… ومن التقى كوشنير؟

للحراك الشعبي هوية مفترضة يقول الناشطون إنها تتعلق باستعادة الدولة الحقيقية. المشترك الوحيد الفعلي بين كل من يصرخون في الساحات اليوم هو المطالبة بإسقاط رموز السلطات الحاكمة في لبنان جميعاً. ويجتهد الحقيقيون منهم، وحتى المزوّرون، بالتأكيد أن لا وجود لأجندات أخرى غير المطالبة بتغيير حقيقي في بنى السلطة أو حتى النظام. ولكن، لدى التدقيق، يمكن التمييز بين مطالب ذات طابع فئوي، وأخرى لمجموعات تطالب بإنتاج آليات جديدة لقيام سلطة تمنع القهر بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والإنسانية. أما ما يصرخ به الجمهور لجهة عدم الحاجة إلى قيادة أو ناطقين أو ممثلين يفاوضون باسمهم، فلا يعبّر بدقة عمّن يمكن تسميتهم بـ«الوجوه المعبّرة» عن تطلعات قسم كبير من المشاركين في الاحتجاجات. وهؤلاء يسردون وقائع كثيرة تراكمت حتى لامست حدّ الانفجار الكبير، قبل أن يصمتوا عندما يُسألون: كيف يتم التغيير السلمي؟ وعبر مَن؟ وبواسطة مَن؟

لنعد إلى البداية.

لا يحتاج عاقل في لبنان إلى معرفة طبيعة الانقسام القائم حول آلية إدارة الدولة. وهو انقسام له خلفية طائفية ومذهبية ومصلحية. وقد أدت التسويات بين أركان القوى النافذة إلى تعميق الخلل على صعيد البنية الإجمالية للنظام، ما جعله مُنهَكاً حتى وصلنا إلى مرحلة الموت. وهذه الحقيقة التي يعاند أركان الصيغة في رفضها. وبما أن الانهيار حاصل حتماً، فإن الغضب الشعبي الذي كان يقوم مرات بصورة قطاعية، تجمع هذه المرة على شكل احتجاج عام، شارك فيه قسم كبير من اللبنانيين، سواء من نزلوا إلى الشوارع أو الساحات أم من لازموا منازلهم. لكن الحقيقة الأكيدة أن اللبنانيين أعلنوا، هذه المرة، أن الصيغة القائمة سقطت. إلا أن أحداً لم يتحدث عن بديل جاذب لغالبية لبنانية جديدة تُتيح بناء الجديد.

لكن، ماذا عن التدخلات في الحراك القائم، قبل اندلاعه وبعده؟ وهل صرنا في وقت مسموح فيه السؤال عن بعض الأمور وعرض بعض التفاصيل التي تفيد في الإجابة عن أسئلة كثيرة حول هوية المستفيدين والمستغلّين؟ وكذلك حول قدرة أهل الحراك على حمايته من الخطف أو الأخذ صوب مواجهات تخدم أركان الصيغة الساقطة أو رعاتهم الخارجيّين؟ وطالما يصعب توقع تفاهمات وطنية كبيرة على صيغة جديدة قريباً، فإن البلاد أمام خيارين: إما ترميم الحكم الحالي في انتظار لحظة تغيير جذرية تحتاج إلى عناصر جديدة؛ وإما الاستمرار في حال الفراغ القائمة على صعيد الحكم، مع ما يصاحبها من مخاطر الفوضى وما هو أكثر (بالمناسبة، هل كنا نحن خلف الفوضى القائمة عندما حذّرنا منها باكراً؟).

(مروان بوحيدر)

عند هذه النقطة، يبدأ الانقسام الكبير في المقاربات مع من يعتقدون، واهمين، أن المسألة محلية مئة في المئة، ويتماهون مع شعراء الكبة النية والتبولة وفخر الصناعة اللبنانية والوحدة الوطنية وبقية الزجل السخيف!

لا بأس، هنا، من الحديث بصراحة عن التدخلات. داخلياً، هناك قوى وجهات مختلفة صاحبة مصلحة في استخدام الاحتجاج لإحداث تغييرات تصبّ في مصلحتها، أبرزها قوى 14 آذار التي خسرت الكثير منذ عام 2005. وهي لم تخسر محلياً فقط، بل خسرت كل عناصر الدعم النوعي في الإقليم والعالم، وتشعر بوهن كبير نتيجة التراجع الذي أصاب المحور الإقليمي – الدولي الذي تنتمي إليه. هذه القوى تريد نسف التسوية الرئاسية التي قامت في الأعوام القليلة الماضية، لكنها لا تريد نسف النظام لأنها، تاريخياً، من المستفيدين منه. وهذه حال وليد جنبلاط وسمير جعجع وفريقهما، كما هي حال قوى وشخصيات «خرجت من المولد بلا حمص» رغم انخراطها في الصراع الداخلي. ويضاف إلى هؤلاء خليط من الشخصيات التي يمكن أن تُطلق عليها تسميات كـ«التكنوقراط» و«الاختصاصيين» ممن ينتشرون في كل مفاصل لبنان تحت عناوين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني وتوابعهما. وهؤلاء، باتوا اليوم في صلب الحركة السياسية الطامحة إلى امتلاك مواقع في السلطة. وهم يقولون، صراحة، إن عجزهم عن إنتاج أحزاب سياسية يجعلهم أكثر حرية في العمل ضمن أطر ذات بُعد مهني أو قطاعي أو مدني.

اليوم، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل من مرّ على قوى 14 آذار لا يشعر بالذعر جراء ما يحصل في الشارع، وإلى أن يتصرف على أنه جزء من الحراك الشعبي. وحتى من يتجنبون الظهور مباشرة في الساحات، ولو بغير رضى، لا يتصرفون كما لو أن ما يجري يستهدفهم. بل يتصرفون من موقع الداعم. وفي كل مرة يُتاح لهم التحدث، يعلنون «تبني مطالب الناس». وهو لسان حال كل من في هذا الفريق. كما تجدر ملاحظة أن كل من له علاقات جيدة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة وأميركا وفرنسا وبريطانيا، يتصرف براحة وفرح إزاء ما يحصل في الشارع. وهؤلاء ليسوا سياسيين فقط، بل بينهم أيضاً اقتصاديون وإعلاميون وناشطون وناشطات وخبراء!

في المقابل، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل خصوم 14 آذار، من حزب الله إلى حركة أمل والتيار الوطني الحر وكل من هو في موقع الحليف للمقاومة، يتصرفون بقلق كبير إزاء الحراك. ويمكن من دون جهد كبير ملاحظة أن الشعارات والهتافات التي سيطرت على المشهد الإعلامي الخارج من الساحات، ركّزت – ولا تزال – على هذا الفريق ورموزه، كما يمكن بسهولة ملاحظة حال القلق، بل وحتى الذعر، التي تسود لدى جمهور هذه القوى في الشارع. ويمكن، أيضاً، ملاحظة أن الناس العاديين الذين يقفون إلى جانب المقاومة، والذين بكّروا في النزول إلى الساحات للمشاركة في الاحتجاجات، خرجوا منها تباعاً بمجرد أن سمعوا ملاحظات مقلقة من السيد حسن نصرالله حيال ما يجري وما يُخطَّط له.

كذلك يمكن، من دون جهد استثنائي، ملاحظة أن وسائل الإعلام والإعلاميين الذين بنوا امبراطورياتهم وشركاتهم الموازية عبر الاستفادة من هذا النظام ومن كل من تعاقب على الحكم فيه، ومعهم جيش من رجال الأعمال العاملين في لبنان وخارجه، يقفون إلى جانب الحراك، بل يتغنون به بلا تردّد. ويفاخرون بحروبهم ضد الفساد، وهم الذين استغلوا كل أنواع التسهيلات المصرفية والإعلانية والقانونية للحصول على مكتسبات لا يمكنهم الحصول عليها في ظروف طبيعية.

اجتماعات لغالبية الجمعيات غير الحكومية في مكاتب للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والوكالة الأميركية

خارجياً، لم تبق جهة تعادي المقاومة إلا ورحبت بما يجري، من دون أي استثناء. من عواصم سياسية ومؤسسات اقتصادية أو إعلامية أو خلافها. ويذهب كثيرون في المحور السعودي – الأميركي إلى اعتبار ما يجري على أنه مرحلة الانتفاضة ضد النفوذ الإيراني في لبنان (اقرأ حزب الله وسلاح المقاومة). بينما كانت روسيا، ومعها الصين وإيران، تبدي خشية سابقة (نشرت «الأخبار» مقابلة مع السفير الروسي في بيروت قبل اندلاع الحراك حذّر فيها من فوضى تعد لها أميركا في لبنان).

ببساطة، يمكن قراءة ما يعتقده الأطراف من نتائج لهذا الحراك. وهذا ما يجعلهم يرحبون به أو يحذرون منه، من دون أن يعني ذلك أن النتائج ستصيب في نهاية المطاف ما يريده كل منهم. وهذا رهن أداء الأكثر حضوراً ونفوذاً في الساحات، ومدى قدرتهم على تنظيف صفوفهم من اللصوص.

هل من خطة غربية؟

إلى جانب كل ما سبق، وبرغم الحساسية المُبالغ فيها عند مشاركين أو ناشطين في الحراك إزاء الحديث عن استغلال لهم أو وجود مؤامرة، صار من الواجب ذكر العديد من العناصر التي لا يرغب كثيرون في سماعها، ومنها:

أولاً، ما إن انطلق الحراك حتى انطلقت ماكينة عمل فريق الخبراء والناشطين والاختصاصيين المرشحين لتولي مناصب حكومية بديلة. وبعد مرور نحو شهر على الحراك، خرجت الأحاديث إلى العلن، عن اجتماعات عقدت في مكاتب هؤلاء، بحضور ممثلين عن «الجمعية الدولية للمدراء الماليين اللبنانيين -LIFE»، وناشطين ممن كانوا منضوين في مجموعة «بيروت مدينتي» التي خاضت الانتخابات البلدية الأخيرة في العاصمة، إضافة إلى ممثلين عن حزب الكتلة الوطنية بقيادته الجديدة وناشطين عادوا وانضووا في تجمعات مثل «وطني» الذي تتصرّف النائبة بولا يعقوبيان كما لو أنها قائدته، وممثلة عن جمعية «كلنا إرادة» التي تعرّف عن نفسها بأنها مجموعة من الشخصيات اللبنانية العاملة في القطاع الخاص خارج لبنان، وتهتم بأن تشكل «مجموعة ضغط» من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان.

قوى 14 آذار تريد نسف التسوية الرئاسية لا النظام لأنها تاريخياً من المستفيدين منه

ولم يكن قد مرّ وقت طويل على انطلاق التجمعات الكبيرة في الساحات، حتى انعقدت الاجتماعات بصورة مختلفة، وأكثر كثافة، بمشاركة غالبية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو التي يحب روّادها تسمية أنفسهم بالحراك المدني. وكان بعض الاجتماعات يُعقد في مكاتب تخص ممثليات للاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي الجهات التي تموّل غالبية هذه الجمعيات. ويحضر اللقاءات إلى جانب ممثلي هذه الجمعيات، موظفون من المؤسسات الغربية والدولية، وفي بعض الاجتماعات حضر دبلوماسيون من رتب متدنية.

خارج لبنان، كانت الحركة تدبّ في ثلاث عواصم رئيسية. في واشنطن، دعت مراكز دراسات أميركية إلى عقد ندوات حول الأزمة اللبنانية، وإرسال رسائل إلى الإدارة الأميركية والكونغرس، إضافة إلى لقاءات عقدها ناشطون من قوى سياسية، بينهم فريق التقى صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير الذي وعد بنقل الصورة إلى الرئيس دونالد ترامب. وقد تم جمع الوفد اللبناني الذي التقاه من عدة ولايات أميركية. أما في باريس، فإلى جانب التحركات الشعبية التي قامت دعماً للحراك في لبنان، عُقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وأخرى مع المعنيين بملف لبنان والشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية الذي يديره السفير الفرنسي الأسبق في لبنان برنارد إيمييه. أما المدينة العربية التي تحسّست حكومتها من النشاط العلني، فكانت إمارة دبي التي رفضت إعطاء الإذن لمجموعة لبنانية بالتظاهر تضامناً مع الحراك الشعبي، ثم نبّهت الحكومة هناك «المتبرعين» من تحويل أي أموال عبر المصارف العاملة في الإمارة إلى لبنان، مع إبراز خشية أن تكون الأموال ذاهبة عن طريق الخطأ إلى جهات معادية.

اللافت للأمر أن مجموعة «life» كانت حاضرة في غالبية هذه الاجتماعات والتحركات. لكن الأهم، هنا، هو أن ممثلي هذه المجموعة سارعوا، منذ اليوم الأول، إلى الحديث عن الحكم البديل. في بيروت أثارت مندوبة «كلنا إرادة»، وآخرون من «بيروت مدينتي»، إمكان الشروع فوراً في خطة لتنظيم إطار تنسيقي، والإعداد لورقة عمل تحت عنوان «حكومة الإنقاذ البديلة». وفشلت مساعي هذه المجموعة في جذب شخصيات وقوى وجماعات مشاركة في الحراك. بينما تعمّدت إبعاد مجموعات أخرى، لا سيما من هم أقرب إلى الحزب الشيوعي. والحجة الدائمة، هي نفسها التي استُخدمت مع الفرنسيين أثناء التحضير لزيارة الموفد الفرنسي، بأن الشيوعيين ليسوا أصحاب نفوذ قوي، وأنه يمكن الاستعانة بشخصيات مدنية واقتصادية تمثلهم، ويكون هؤلاء من أصحاب وجهات النظر الأقل تطرفاً تجاه التغيير الجذري في النظام الاقتصادي.

* غداً: عدة الشغل من الشعارات إلى الأهداف

%d bloggers like this: