الانتداب المالي أقصر الطرق للارتهان السياسيّ اللبنانيّ!

د. وفيق إبراهيم

النظام السياسي للبناني مرتهن دائماً للخارج السياسي الدولي الإقليمي الذي يُغطيه ويرعاه، الا أن نجاح حزب الله في طرد الاسرائيلي والارهاب في لبنان ومعظم سورية، ادى الى ولادة ظروف داخلية لتحالفه مع التيار الوطني الحر.

لقد أنتج هذا التحالف استقراراً لبنانياً اجتماعياً وسياسياً أجهض مشاريع الفتن المذهبية والطائفية… لكن الغطاء الخارجي للقوى السياسيّة اللبنانية، حماها في مشاريع السطو على الاقتصاد البناني وإفلاس البلاد.

وتمكنت من توحيد الاقتصاد اللبناني لأنها استغلت الصراع بين ثلاثة مشاريع اقليمية، الاول هو المشروع الاميركي الذي ابتدأ بغزو افغانستان والمشرق منذ 2001 لإعادة إنتاج شرق اوسط جديد. والثاني هو المشروع الاسلاماوي ذهب نحو بناء خلافة اسلامية مزعومة بالقتل والذبح والتسعير الطائفي والعرقي واقصى درجات الارهاب.

اما المشروع الثالث فهو «المقاوم» الذي جابه الاميركيين والارهاب وقوى يمنية عراقية سورية لبنانية مرتبطة بهم مسدداً ضربات متواصلة لهذه القوى أدت الى منع الاستفراد الاميركي مع قواه المحلية ببلدان المنطقة. الا ان لبنان بسبب طائفية نظامه المغطاة أيضاً من الطبقة الدينية المتمثلة بالمفتين والكرادلة وشيوخ العقل والمطارين، تمكنت من استغلال الصراع بين المشاريع المذكورة للاستمرار في سطوها على كامل الاقتصاد اللبناني والادارة والدين والتعليم والقضاء والجيش وسط انهماك المقاومين بالتصدي للعدوين الأكثر خطورة، «اسرائيل» والارهاب والغطاء الاميركي السميك.

هذا ما ادى الى الانهيار الاقتصادي الدراماتيكي في لبنان، وعجز الدولة عن إعادة ترميم بناها الدستورية، واستمرارها في تبني أسلوب التحاصص الحكومي وكأن شيئاً لم يكن.

هذا النظام يعرف أنه لا يزال حاجة أميركية، ويدرك ايضاً انه ليس جزءاً من الاستهدافات الأميركية في الشر، بقدر ما يشكل حليفاً أساسياً لحركتها في لبنان والإقليم إذا كان ذلك ممكناً.

بذلك يتبدّى مشهد حقيقي، قد يراه بعض المحللين صعب التصديق، وهو نجاح المقاومة في الحماية الوطنية والسياسية للمنطقة، مقابل نجاح القوى المحلية التقليدية في تنفيذ أكبر عملية فساد في التاريخ، ورسوخها في مواقفها الدستورية.

هنا تفتق الابتكار الغربي عن خطة جديدة للسيطرة على لبنان، يجري العمل على تنفيذها باسلوب متدحرج.

المؤشرات الاولى لهذا المخطط هو الدفع نحو فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية طائفيّة تهدف الى تشديد العزلة على الجناح اللبناني المقاوم، تريد هذه السياسة إفهام المواطن اللبناني أنه جائع بسبب حزب الله الذي يضفي صورة غير مستقرة على الوضع الداخلي. ويمنع هيئات النقد الدولية من دون تسليف لبنان ما يحتاجه وهذا يدفع نحو المزيد من الانقسامات الداخلية والتصدع المذهبي والطائفي.

بالمقابل، يقوم الإعلام الغربي والداخلي الموالي له بتسريب معلومات من الصناديق الدولية يرد فيها أن مؤشر «سيدر» جاهز لتقديم ديون للبنان مقدارها اثنا عشر مليار دولار وصندوق النفقد الدولي خمسة عشر مليارات وبين مليار وخمسة مليارات من البنك الدولي. لكن دون الحصول على هذه الأموال، ضرورة اشراف هذه المؤسسات المالية الدولية على النظام الاقتصادي اللبناني لمدة خمس سنوات على الأقل، بمواكبة هذه الارقام المغرية لبلد مفلس كلبنان تصل أوامر اميركية بالبريد الدبلوماسي السريع ان الحكومة المرتقبة يجب ان لا تضم وزراء من حزب الله… هذا يعني باللغة الصريحة ان اسماء الوزراء الجدد يجب أن تنال مسبقاً موافقة السفارة الأميركية.

هذا المشروع الاميركي الجديد هو اذا مخطط لانتداب على لبنان لخمس سنوات متواصلة قابلة للتجديد عبر الهيمنة الاقتصادية او الفوضى…

اما مهامها الفعلية، فهي التوقيع على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وفتح ملف سلاح حزب الله، باعتبار أن اسباب وجوده لم تعد اساسية، لان ابواب المفاوضات على الحدود البرية أصبحت مفتوحة مع الكيان المحتل… وهذا يشمل بالطبع إيلاء شركة شيفرون الاميركية ومثيلاتها حقوق التنقيب في آبار الغاز اللبنانية بالتعاون مع الطبقة السياسية اللبنانية التي نهبت البلاد في الثلاثين سنة الماضية.

أليست هذه من فئة الحروب الاميركية الجديدة عبر استعمال السلاح الاقتصادي للإمساك بسياسات الدول.

لبنان اذاً أمام إرهاب اميركي غربي كبير فهل يستسلم له ام يجد وسيلة لإجهاضه؟

إن ما يحبط المشروع الخارجي المستهدف للبنان، هو اتفاق القوى السياسية اللبنانية على مسألتين: الاولى ان آبار الغاز والنفط اللبنانية هي حصراً لوقف الانهيار الاقتصادي من دون ربطها بشروط سياسية او تركها بجشع القوى السياسية الداخلية.. وهذا يتطلب إعلاناً وطنياً من الرئاسات الثلاث للدولة بتحريم أي دور لأي سياسي لبناني او من يمثله في موضوعها… وهذا يتطلب تشكيل لجنة وطنية عليا نزيهة وتدير نفسها من دون تعليمات من قوى النظام السياسي، وتعمل على المكشوف في التظهير الإعلامي المباشر للناتج وطرق إنفاقه على اولويات وطنية. وفقط من دون الغرق في لعبة توازنات الطوائف التي يتبنى فينا بعد انها توازنات في السطو على المال العام بين أحزاب الطوائف.

إن الاتفاق بين القوى السياسية يردع المشروع الاميركي ويدفعه الى تراجع كبير..

اما لجهة حزب الله فيجب الإقرار انه سلاح داخلي واقليمي يتصدى لـ«اسرائيل» والارهاب.. بمعنى ان لا امكانية لسحبه الا بعد انتهاء إرهاب يؤكد الأميركيون والأوروبيون على استمرار وجوده.

اما السبب الآخر فيتعلق بالاحتلال الاسرائيلي لأراض لبنانية وسورية واسعة. وهذا بمفرده كافٍ لدعم حزب الله في مواصلة تصديه للعدو الاسرائيلي، وإعادة تسليح الجيش اللبناني بأسلحة موازية للأخطار المحيطة بلبنان والتي تتجاوز بكل تأكيد أسلحة الشرطة التي يتباهى الأميركيون بانهم يقدمونها للبنان في حين ان كل المصادر الدولية تؤكد أن هناك خطراً أميركياً على تسليح الجيش اللبناني بأسلحة فعالة لمجابهة العدوانية الاسرائيلية.

ما يجب أن يشجع كل القوى السياسية اللبنانية على المطالبة باستمرار حزب الله للدفاع عن لبنان واللبنانيين من كل الطوائف ومصادر ثرواته.

صراع مُستعرٌ بين الفرنجة والعثمانيين على التهام العرب؟

د. وفيق إبراهيم

هذه معادلة تعيد الى المشهد السياسي للمنطقة العربية الصراع العثماني، الاوروبي الذي يعمل على السيطرة على المنطقة العربية منذ ستة قرون متواصلة وسط «غربة» كاملة من اهل المنطقة.

فما الفارق بين سليم الاول ووريثه المعاصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مستوى المشروع السياسي؟ وهل هناك من تغيير جذري في السياسات الاميركية – الاوروبية المعاصرة عن الاحتلال البريطاني الفرنسي منذ القرن التاسع؟ وهل هو مختلف عن حروب الفرنجة التي احتلت الشرق العربي 192 عاماً ولم تتركه إلا بعد هزيمة تلقتها من المماليك، على الرغم من أن صلاح الدين سبقهم في ضربها في معركة حطين، لكن أولاده أعادوا تسليم المنطقة الى الفرنجة.

بذلك ينتقل هذا الشرق من احتلال عسكري الى سيطرة اقتصادية ملتزماً صمت الضعفاء والمساكين في إطار معادلة قوامها تحالف الخارج الغربي او التركي مع أنظمة الداخل لقهر شعوب هذه المنطقة. والهيمنة عليها اقتصادياً فتصبح جزءاً من النفوذ الجيوبوليتيكي الخاص بأي منتصر.

التاريخ هنا مستمر بأسماء جديدة وبالمعادلات القديمة نفسها، سليم الاول يعود متسللاً من مرج دابق نموذج 1516 الى سورية عبر إرهابيي الاخوان المسلمين وسراج ليبيا واخوان العراق واليمن ومصر متسربلاً بقناع الرئيس التركي أردوغان انما مع المشروع التاريخي نفسه.

وها هو الرئيس الفرنسي ماكرون يستعمل حادثة قتل مروّعة قتل فيها اسلاموي شيشاني مدرساً فرنسياً، ليؤسس فرصة تاريخية لإعادة تنظيم الفرنجة الجدد، هؤلاء بحاجة الى ايديولوجيا تختبئ المصالح الاقتصادية في زواياها؛ الامر الذي دفع بماكرون الى توجيه اتهامات الى الاسلام باعتبار انه يجتاز ازمة تاريخية على حد قوله وكانت كافية لتحريض الشارع الفرنسي أولاً والأوروبي ثانياً والغربي عموماً في دفاع عنيف عن طروحات ماكرون بدت وكأنها مشابهة للتحريض الذي أطلقته المراكز الدينية في الغرب لاستيلاد فكرة «الفرنجة» الأوروبيين الذاهبين الى الشرق لتحرير «الصليب» كما كانوا يزعمون.

بدورهم رفع العثمانيون شعار الخلافة الإسلامية كتبرير لاحتلالهم للشرق وشمال افريقيا مهددين اوروبا بإدراكهم أسوار فيينا العاصمة النمساوية.

هذا الصراع انحسم لمصلحة الغرب في القرن التاسع عشر بعد هيمنة تركية دامت أربعة قرون ونيف.

لكنه يعود في هذه المرحلة عبر الصراع على البحر المتوسط وسواحل بلدانه المليئة بالغاز، فكان لا بد من شعارات تبريرية وجدها أردوغان التركي في الدفاع عن هجمات غربية مفترضة على الإسلام. ودخل فيها ماكرون الفرنسي فريقاً أوروبياً يرى أن الإسلام اصبح يشكل ازمة عالمية.

اما أصحاب المنطقة وهم الغرب فيلوذون في صمت المذعورين، موجهين رفضاً ضعيفاً لهجوم ماكرون على الإسلام ومنتقدين الأداء التركي لمحاولاته احتلال مناطق عربية.

على المستوى العملي، لا يساوي موقف الدول العربية شيئاً، لأن الطرفين المتقاتلين يعبثان بأمن العالم العربي لأسباب تتعلق بنهجيهما الاستعماريين، فلا ماكرون عائد لاستعادة الصليب ولا أردوغان يريد حماية ديار الاسلام.

هناك اذاً إصرار من الطرفين على التهام العرب بالتبريرات التاريخية وما يؤكد ذلك هي تلك الاندفاعة الهجومية من مستشارة المانيا ورؤساء النمسا وفنلندا ورئيس وزراء بريطانيا باتجاه تأييد موقف ماكرون وكأن المرحلة مماثلة لمراحل تشكيل الفرنجة قبل تسوية قرون تقريباً.

ان ما يشجع هذه الدول على التستر بغطاء ديني، هي تلك الدول العربية التي لا تعمل إلا لحماية عائلاتها المالكة ورؤساء جمهورياتها على حساب المصالح الفعلية للدول.

وسد النهضة مثال على الانكسار العربي الراهن، لأنه يحتجز 74 مليار متر مكعب من مياه النيل في هذا السد الاثيوبي متسبباً بقطع اكثر من ثلاثين مليار متر من حصة مصر من هذا النهر البالغة 55 مليار متر مكعب تشكل 90 في المئة من المياه في مصر، وتهددها بضرب 70 في المئة من قطاعها الزراعي.

للتوضيح فإن اثيوبيا ابتدأت ببناء السد منذ تسعة عشر عاماً وخاض معها عهد الرئيس السيسي مفاوضات عميقة، تبين فيها أن إثيوبيا كانت تستعمل لعبة تقطيع الوقت لاستكمال السد، وهذا ما حدث على حساب الأمن الوطني المصري المهدد بشكل فعلي وسط لامبالاة عهد السيسي.

هناك اذاً معوقات امام العرب، تحتل فلسطين رأس لائحتها الى جانب الصراعات الدولية والإقليمية الأميركية والاوروبية والتركية والاسرائيلية على مواردها والتخلف الاقتصادي العميق، والديكتاتوريات والخلافات الداخلية، هذه عوامل تؤسس لأكثر من عثماني جديد وآخر من الفرنجة مع استمرار التموضع الاستراتيجي الاميركي في عشرات القواعد على اراضي العرب.

لا بد أيضاً من لفت النظر الى أن التذرع الغربي بالإرهاب الإسلاموي هو ذريعة لتبرير الاستعمار الغربي لأن هذا النوع من الاسلام هو غربي التأسيس يرقى الى الدعم البريطاني للوهابية في مطلع القرن العشرين، والاستثمار الاميركي في منظمة القاعدة في سبعينيات القرن الماضي بالاشتراك مع المخابرات السعودية.

كما يعود الى الاستثمار الاميركي – الاوروبي التركي في منظمات داعش وأشباهها في افغانستان والعراق وسورية وليبيا ومصر.

فهل يمكن للعرب مجابهة هذه المشاريع؟

وحدها سورية القادرة على تشكيل جبهة قوية في وجه الإرهاب الذي هزمته في ميادينها اكثر من مرة ولم يعد موجوداً إلا في مناطق السيطرة التركية والأميركية.

هي اذاً سورية التي يستطيع العرب دعمها لتواصل حملة التصدي للإرهاب الذي يكمن خلفه الاميركيون والاتراك المسنودون حالياً من الفرنجة الجدد.

وكما رحلوا بالقوة قبل ثمانية قرون، فلا بد أنهم راحلون مع مشاريعهم بقوة التضامن السوري بين الدولة والجيش والشعب.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: