كلن يعني كلن… ولكن

ناصر قنديل

عندما انطلقت الجموع الغاضبة في 17 تشرين الى الشوارع لم تكن للشعب قيادة يؤمن بمرجعيتها، ويثق بأهليتها، ولم تتح لأحد من المشاركين المنفردين الذين شكلوا الطوفان الشعبي الكبير يومها، أن يشترك لا في صوغ الشعارات ولا في تحديد السقوف السياسية، بل وضعت مجموعة مكوّنة من مصدرين اثنين يدها على التحرك ونالت فرصتها لاكتساب ثقة الجمهور الواسع، عبر ما يسمّى بالتصويت بالأقدام، اي المشاركة اللاحقة والمستدامة بتلبية دعوات التظاهر، وكان شعار «كلن يعني كلن» هو عنوان المعركة التي قررت هذه القيادة خوض شرعيتها على أساسها، اما المصدران لتكوين القيادة فقد تشكلا من المجموعات المنظمة القادرة على تنظيم حشود مؤيديها او ادارة الحشود الوافدة من جهة، والقنوات التلفزيونية التي منحت بثها المباشر للتحرك وصار مراسلوها ومذيعوها رموزاً للتحرك يشتركون عبر أثير قنواتهم في صناعة القيادات وتظهيرها، وفي رسم الخطوات وتحديد وجهتها، وفي الترويج للشعارات ومحاولة تعميمها، ويمكن القول في الحصيلة بعد أقل من عام على التحرك، إن التصويت الشعبي جاء في غير صالح هذه القيادة، وأنهى مهمتها رغم إصرار مجموعاتها على احتكار تسمية فضفاضة الثوب على أصحابها، «الثوار»، وفي ظل جفاف موارد المشاركة الواسعة في التحركات، رغم بقاء الأسباب وتفاقم الأزمات.

في الغالب لعب المال دوراً محورياً في عملية تظهير القيادة وشعاراتها، فبلا المال تتوقف القنوات التلفزيونية عن البث في ظل شح موارد الإعلان، وهي الحامل الأقوى للقيادة، ولولا المال تصاب الجماعات المنظمة بالشلل، والمال ليس مجانياً ومصادره ليست وافرة، ولا مبهمة، فهي في الغالب أيضاً من دول مقتدرة لها سياسات ومشاريع، وهي بالتحديد ثلاث دول إقليمية خليجية هي قطر والإمارات والسعودية تتوزّع تمويل ثلاث قنوات تلفزيونية كبرى رعت الحراك وتولت توحيد الشعارات رغم تباينات دولها، ما يجعل القيادة عند مرجعية أعلى هي المصدر الدولي للقرار والتمويل الذي تتوزّعه ثلاثة مصادر واشنطن وباريس والاتحاد الأوروبي، ولن نحتاج لكثير عناء لنكتشف أن واشنطن كانت من يتولى القيادة، وليس من خارج السياق الكلام الذي صدر عن الأميركيين والفرنسيين بعد انفجار مرفأ بيروت عن التوجّه نحو منظمات المجتمع المدني لتوزيع المساعدات بدلاً من مؤسسات الدولة تلافياً للفساد، الذي تصاعدت فضائحه بسرعة مع تدفق المال والمساعدات على هذه المنظمات، كما ليس خافياً إصرار معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر في زيارته الأخيرة إلى بيروت على تظهير مكانة هذه الجماعات في سياسة واشنطن، رغم الكلام القاسي الذي سمعوه منه داخل اللقاءات.

الشعار «كان يعني كلن» لم يكن عبثياً، فقد كانت له وظيفتان، الأولى نفي أي شبهة تورط للجماعات المنظمة بالتحالف مع أي من مكوّنات السلطة رداً على تشكيك شعبي واتهامات علنية بتلاقي الجماعات الواقفة وراء قيادة التحرك مع سياسات خارجية تستهدف نصف السلطة بخلفية موقفها من المقاومة، وتدعم بالمقابل نصفها الآخر، فيحقق الشعار كلن يعني كلن النفي المطلوب لهذا الاتهام والتشكيك. أما الوظيفة الثانية فهي شيطنة الفريق الواحد الموجود خارج منظومة الحكم والسلطة، الذي يمثله حزب الله ويرمز للمقاومة، وضمه للاستهداف تمهيداً لجعله العنوان الأول المستهدف تالياً، كما حدث لاحقاً بالفعل، بحيث بقي شعار «كلن يعني كلن» بداية أسير العجز عن توجيه الاتهام للمقاومة كشريك في الفساد فكان الاتهام ناعماً باتهامها بأنها لم تحارب الفساد، وصولاً إلى الاتهام الشديد الخشونة والحصري نحوها في تظاهرة 6-6 تحت شعار تطبيق القرار 1559.

بعد كل هذا سيحقّ لنا أن نستعير الشعار «كان يعني كلن» مرة في ضوء انضمام منظمات المجتمع المدني إلى نظام الفساد والطائفيّة بصورة رسمية مكرّسة، ليصير مدى الشعار أوسع فيطال تحت مظلته هذه المنظمات، ومرة ثانية في ضوء الأزمة الراهنة التي تنوء البلاد تحت ثقلها، وانسداد الباب أمام الحلول ولو المؤقتة، والتقاء كل القوى السياسية المكوّنة للسلطة ومؤسساتها للتبشير بأن الحل بدولة مدنية وبأن النظام الطائفي قد سقط، وليس من باب الصدفة أن تلتقي معها منظمات المجتمع المدني في التبشير ذاته، لنقول أيضاً «كلن يعني كلن» ليس بمضمون ما نسمع منهم من دعوات، بل كلن يعني كلن غير مؤهلين لقيادة البلد نحو الدولة المدنيّة، ذلك أن الطرح يأتي باباً للتلاعب بالمضمون والشكل، وهروباً من مواجهة أزمة جدية يعرفون أن ربط حلها بقيام دولة مدنية على أيديهم أقرب لحلم ليلة صيف.

لا تستقيم الدعوة للدولة المدنية مع الدفاع عن مصالح طائفية، وهذا يشمل الجميع مهما اختلفت مشروعية التبريرات المستوحاة من قلب النظام الطائفي، الذي لا يزال يشكل أرض الصراع وتشكل وصفة الدولة المدنية دعوة تعجيزية متبادلة بين أركانه وليست مشروعاً جدياً ينطوي على التسليم بالخروج من النظام الطائفي. فحصرية حقيبة المال التي يطلبها الثنائي مطلب طائفي، بغض النظر عن مندرجاته كعرف أو كمطلب مشروع للتوازن الطائفي في نظام الطوائف، وتاريخ تولي وزراء الثنائي لحقيبة المال لا يقدّم سجلاً مغايراً لمسار السياسات المالية التي أودت بلبنان الى الأزمة الخانقة بشكلها الراهن تجعل المطلب عنواناً إصلاحياً، ودعوة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر لإلغاء طائفية الحقائب السيادية لا تجعلهما أكثر مدنية، في ظل احتجاز مراسيم الفائزين في مباريات مجلس الخدمة المدنيّة تحت ذرائع حقوق الطوائف، ولو خالفت نص الدستور بإلغاء طائفية الوظيفة بما دون الفئة الأولى، ومداورة الوزارات بين الطوائف المنطلقة من أن لا نصّ على تخصيص وزارة بطائفة، تدحض صدقيتها إدارة الظهر لنص دستوري واضح على رفض تخصيص وظيفة من وظائف الفئة الأولى بطائفة، والتمسك بهذا التخصيص خلافاً للنص مقابل المطالبة بنص لقبول تبرير تخصيص وزارة حيث لا نصّ يمنعه بمثل أن لا نص يدعو إليه. اما نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي تحمل رموزه مسؤولية رئاسة الحكومة لإدارة البلد نحو الهاوية خلال ثلاثة عقود، فلا مصداقية لدعوته لتحرير الحكومة من الحصص بعدما وضع يده عليها كحصة كاملة من خلال احتكار تسمية رئيسها من دون امتلاك الأغلبية النابية، والطعن بالمصداقية مكرّر عندما يكون مبرر نيله «حق» التسمية قد جاء بقوة ميثاقية طائفية يرفض معاملة الغير بمثلها، ولذلك يصير شرعياً ومشروعاً القول «كلن يعني كلن» لا يشكلون قيادة صالحة لأخذنا نحو الدولة المدنية.

كلن يعني كلن، تطال أيضاً هنا منظمات المجتمع المدني والكثير من النخب التي تتحدث بلغة لاطائفية لإدانة من تتهمهم بالطائفيين، ثم تدافع بلغة طائفية عندما يتصل الأمر بجماعتها الطائفية، فكيف تكون جمعية أو يكون مثقف من الطراز المدني، ويصرّحون بالتمجيد لمرجعية طائفية، خصوصاً في اطلاق مواقف تنضح بالشحن والتحريض الطائفيين، وكيف يكون لاطائفياً ومدنياً من يصف طائفة بالسوء ويتحدث عن أمجاد طائفة أخرى بالمقابل، وبماذا يختلف هذا العقل عن العقل الميليشياوي الذي هتف لطائفته او يحمل شعارَ اعرف عدوك لتوصيف طوائف اخرى؟

لكن، وهنا نقول لكن، لنفتح قوسين على معادلتين، الأولى أن لبنان بقواه السياسية ونخبه يحتاج للكثير كي ينضج للانتقال نحو الدولة المدنية عاجز بالقوة ذاتها عن المضي في ظل النظام الطائفي الى غير الهاوية، لذلك فالمطلوب هو عدم التذاكي بطرح تعجيزي للدولة المدنية والذهاب لتطبيق الدستور الذي تفوّق على التذاكي الطائفي في رسم المخارج الواقعية والتدريجية، خصوصاً المادتين 22 و95، بإقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي وتشكيل مجلس للشيوخ، والإسراع بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية

فضيحة منظمات المجتمع المدنيّ

عندما تتخطى منظمات نخبويّة تهتم لشؤون بعينها وتتخصص بتقديم الخدمات ورفع الصوت بشأنها، حدود مهمتها واختصاصها وتتقدم لتصير مشروعاً سياسياً متكاملاً، يصير السؤال مشروعاً عن السبب، خصوصاً ان ذلك يحصل تحت شعار شيطنة السياسة وأهلها والتقدم كبديل مموّه عنها، ويصير الحاصل الأول لذلك هو تغييب القضايا المحورية في حياة الشعوب وصراعاتها عن الواجهة، وغالباً تحميل هذه القضايا واهلها مسؤولية الأزمات تحت شعار «تركونا نعيش»؛ فيصير الاحتلال والعدوان وانتهاك السيادة الوطنية أموراً ثانوية، وتصير المقاومة عبثاً يخرّب طريقة العيش.

نظرياً منظمات المجتمع المدني هي مؤسسات لا تبغي الربح يريد أصحابها بعيداً عن التورط في السياسة الاهتمام بقضايا مثل السجون والمخدرات والبيئة والفساد والحريات الإعلامية، تقف على مسافة واحدة من السياسيين بقياس القضية التي تشكل عنوان تحركها، ولكنها عملياً وفي زمن التحوّلات التي أصابت السياسات الغربية وتسببت بفشل مشاريعها صارت صيداً ثميناً وضالة منشودة لتحقيق هذه السياسات، فأغدقت عليها أموالاً غير خاضعة لرقابة الدول والمجتمعات، وأنيطت بها مهام تتخطى أحجامها وأدوارها، خصوصاً ان الغرب لا يمانع ان تتولى الإدارة السياسية في بلاد المستعمرات والمحميات نخب تقول إنها لا تتدخل في السياسة وتهتم لشؤون العيش، وترى في تدفق مساعدات الغرب سبباً للحياة ولو كان ذلك باسترهان البلد وثرواته.

خلال عقود مضت صعدت هذه المنظمات الى الواجهة في الكثير من بلدان العالم وليس الحال في البلاد العربية أولى التجارب. ولنتذكر ان ما سمي بالربيع العربي كان نتاج ادارة غربية بواسطة هذه المنظمات، التي قال الأميركيون إن تسميتها تغيرت وصارت تسمّى بالفاعلين غير الحكوميين، لكنهم قالوا في هذا السياق إن ثلاثة اطراف تتصدر قائمة هؤلاء الفاعلين غير الحكوميين، المقاومة وتنظيم القاعدة ومشتقاته، والفضائيات العربية الليبرالية وفي مقدمتها كانت قناة الجزيرة يومها، وإن المشروع الأميركي يستهدف تنشيط بعضها لإلغاء بعضها الآخر. والمطلوب إلغاؤه طبعاً هو المقاومة. أما المنظمات التي نعرفها فهي كومبارس الصف الخلفي في هذه العملية، لذلك في الربيع العربي ظهرت القاعدة وريثاً شرعياً لما بدأه ناشطو المنظمات المدنية، وواكبته قناة الجزيرة ومن بعدها قناة العربية، وليبيا وسورية مثال حيّ.

الفساد المالي مرادف دائم لحال هذه المنظمات التي جرّبها الغرب في مرحلة داخل كل من فلسطين والعراق لإفساد نخب الشعبين. فصارت ظاهرة ومصدر اتهام شعبي للمنضوين في صفوفها، ومن ثم تمّ اختبارها في تونس والجزائر والسودان واليمن، تحت شعارات سقوط القضايا الكبرى و«بدنا نعيش»، وفي لبنان لهذه المنظمات سيرة من السرقات والفساد وروائحه الكريهة مع المساعدات الخاصة بالنازحين السوريين، وفي سورية درّة تاج هذه المنظمات «الخوذ البيضاء» ذات التاريخ الملازم للتلاعب بقضية السلاح الكيميائي كما فضحتها التقارير الدبلوماسية والمخابراتية الروسية وبعض الصحف الغربية الوازنة. والمتتبع للجوائز العالمية في مجالات مختلفة سيكتشف «المعلم» الذي يصنع نجومية الرموز التي يعدها للأدوار المقبلة.

منظمات المجتمع المدني فضيحة متنقلة ما عدا قلة قليلة منها تواكب قضايا شعوبها بصدق، لكن صوتها في العالم لا يسمع كحال المنظمات الحقوقية في البحرين.

فيديوات متعلقة

مقالات متوقعة

دوافع التحرك الفرنسي في لبنان وحظوظ نجاحه

العميد د. أمين محمد حطيط

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-162.png

فجأة يجد لبنان نفسه أمام اهتمام فرنسي غير مسبوق بنوعه وحجمه وعمقه، تحرك يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، وينفذ وفقاً لخطة عمل واضحة مقترنة بجدول زمني لا يحتمل المماطلة والتسويف، ما يؤكد جدّيتها البعيدة المدى ويظهر انّ صاحبها قرّر ان ينجح ولا يتقبّل فكرة الفشل في التحرك، فرصيده الشخصي في الميزان كما قال. انه الاهتمام الفرنسي بلبنان الذي يثير أسئلة مركزية حول دوافعه، ثم عن حظوظ نجاحه في منطقة يُعتبر العمل فيها صعباً ومعقداً ومحفوفاً بالمخاطر.

ونبدأ بالدوافع والأهداف، ونذكر أنه في العلاقات الدولية ليس هناك ما يسمّى جمعيات خيرية وتقديمات مجانية فلكلّ شيء ثمن ولكلّ عطاء مقابل. وبالتالي عندما نسأل عن دوافع وأهداف فرنسا من التحرك يعني السؤال ضمناً عن المصالح الفرنسية خاصة والغربية عامة التي تريد فرنسا تحقيقها عبر تحركها الناشط هذا.

وفي البحث عن تلك المصالح والأهداف نجد أنها من طبيعة استراتيجية سياسية واقتصادية وامنية، تفرض نفسها على فرنسا في مرحلة حرجة يمرّ بها الشرق الأوسط والعالم. حيث اننا في مخاض ولادة نظام عالمي جديد يلد من رحم الشرق الأوسط، الذي يتعرّض الآن لأكبر مراجعة لحدود النفوذ والسيطرة فيه. وتعلم فرنسا انّ من يمسك بورقة او بموقع في هذه المنطقة يحجز لنفسه حيّزاً يناسبه في النظام العالم الجديد، الذي ستحدّد أحجام النفوذ فيه وترسم حدودها انطلاقاً من فعالية تلك الأوراق التي يملكها الطرف ومساحة النفوذ التي يشغلها وحجم التحالفات التي ينسجها في إطار تشكيل المجموعات الاستراتيجية التي يقوم عليها النظام العالم العتيد.

وفي هذا الإطار تعلم فرنسا انّ ما أخذته من معاهدة التقاسم في سايكس بيكو يلفظ أنفاسه اليوم، وانّ هناك توزيعاً جديداً بين أطراف منهم من جاء حديثاً ومنهم من يريد استعادة دور سقط قبل 100 عام ومنهم من يريد المحافظة على مواقعه التي استقرّ بها بعد الحرب العالمية الثانية. ولأجل ذلك ترى فرنسا انّ لبنان هو المنطقة الأسهل والموقع الأكثر أمناً لتحركها واحتمال النجاح فيه أفضل بعد ان تهدّدت مواقعها في معظم المنطقة. وتراهن فرنسا في ذلك على خصوصية بعض المناطق مشرقياً ولبنانياً ثقافياً وعقائدياً بما يعقد حركة أقرانها الغربيين ويسهّل حركتها بعد ان احتفظت بعلاقات مميّزة مع فئات محدّدة خلافاً للموقف الانكلوسكسوني منهم. (إيران وحزب الله)

كما تعتبر فرنسا انّ لها في لبنان صلات مباشرة او غير مباشرة، قديمة او مستحدثة مع جميع الطوائف والمكونات اللبنانية بشكل يمكّنها من حوار الجميع وليس أمراً عابراً أن تلبّي جميع القوى السياسية الأساسية ذات التمثيل الشعبي والنيابي الوازن في لبنان، أن تلبّي دعوة الرئيس الفرنسي إلى طاولة برئاسته ويضع معهم او يطرح او يملي عليهم خطة عمل لإنقاذ لبنان ويحصل على موافقتهم للعمل والتنفيذ ضمن مهلة زمنية محدّدة.

ومن جهة أخرى نرى انّ فرنسا تريد ان تقطع الطريق في لبنان أمام المشروع التركي لاجتياح المنطقة بدءاً من العراق وسورية ولبنان وصولاً الى لبيبا التي كانت فرنسا أساساً في إسقاط حكمها بقيادة القذافي ثم وجدت نفسها اليوم خارج المعادلات التي تتحكم بالميدان الليبي حيث تتقدّم تركيا هناك على أيّ أحد آخر.

بالإضافة إلى ذلك ترى فرنسا أنّ انهيار لبنان كلياً سيضع الغرب أمام مأزقين خطيرين الأول متصل بطبيعة من يملأ الفراغ ويقبض على البلاد بعد الانهيار، وفي هذا لا يناقش أحد بأنّ المقاومة ومحورها هم البديل، والثاني متصل بالنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين لن يكون لهم مصلحة في البقاء في بلد منهار لا يؤمّن لهم متطلبات العيش وستكون هجرتهم غرباً شبه أكيدة بما يهدّد الأمن والاقتصاد الأوروبيين.

أما على الاتجاه الاقتصادي المباشر، فانّ فرنسا تعلم عبر شركاتها التي تداولت بملف النفط والغاز المرتقب اكتشافه في لبنان، انّ ثروة لبنان تقدّر بمئات المليارات من الدولارات وانّ حضورها في لبنان يضمن لها حصة من هذه الثروة التي تعتبر اليوم عنواناً من أهمّ عناوين الصراع في شرقي المتوسط.

أضف الى كلّ ما تقدّم الخطر الاستراتيجي الكبير الذي يخشى الغرب من تحوّل أو إمكانية تحوّل لبنان الى الشرق والصين تحديداً ما يحرم الغرب وأوروبا وفرنسا باباً استراتيجياً واقتصادياً عاماً للعبور الى غربي آسيا.

نكتفي بهذا دون الخوض بأسباب تاريخية وثقافية وفكرية إلخ… تربط فرنسا بلبنان وتدفعها الى “شنّ هذا الهجوم” لإنقاذه من الانهيار، وانتشاله من القعر الذي قاده السياسيون اليه. فهل ستتمكن فرنسا من النجاح؟

في البدء يجب لأن نذكر بأنّ أكثر من لاعب إقليمي ودولي يتحرك او يحضر للتحرك او يطمح بالعمل على المسرح اللبناني ذي الخصوصية الاستراتيجية التي ينفرد بها، وبالتالي ان الفشل والنجاح لأيّ فريق يكون وفقاً لإمكاناته ثم لقدراته على الاستفادة من إمكانات البعض دعماً لحركته، وتخطيه لخطط البعض الآخر التي تعرقل تلك لحركة. ففرنسا تعلم انها ليست بمفردها هنا وانّ المكونات السياسية في لبنان ترتبط طوعاً او ضغطاً بمرجعيات خارجية لا تتخطاها. ولذلك نرى انّ حظوظ فرنسا بالنجاح مقترنة بما يلي:

1

ـ العامل الأميركي. حتى الآن تعتبر أميركا صاحبة اليد الأقوى في القدرة على التخريب والتعطيل في لبنان، وصحيح انّ أميركا فقدت سلطة القرار الحاسم في لبنان بسبب وجود المقاومة فيه، إلا أنها احتفظت الى حدّ بعيد بالفيتو وبالقدرة على التخريب والتعطيل إما مباشرة بفعل تمارسه أو عبر وكلائها المحليين. وعلى فرنسا ان تتقي خطر التخريب الأميركي ولا تركن الى ما تعلنه أميركا من تطابق الأهداف الفرنسية والأميركية في لبنان، والى قرار أميركا بإنجاح المسعى الفرنسي، فالموقف الأميركي المعلن متصل بالمرحلة القائمة في أميركا والإقليم وحتى الانتخابات الرئاسية فقد تكون أميركا استعانت بفرنسا للتحرك لملء فراغ عارض من أجل تأخير انهيار لبنان ومنع وقوعه في اليد التي تخشى أميركا رؤيته فيها. وقد تكون الحركة الفرنسية بالمنظور الأميركي نوعاً آخر أو صيغة عملية من القرار 1559 الذي صنعاه معاً، ونفذاه معاً ثم استحوذت أميركا على المتابعة فيه. نقول هذا رغم علمنا بتبدّل الظروف بين اليوم والعام 2004، ما يجعلنا نتمسّك بفكرة التمايز بين الموقفين الفرنسي والأميركي وهذا التمايز يضع المسعى الفرنسي في دائرة خطر النسف او التخريب الأميركي الذي احتاطت له أميركا فربطت النزاع فيه من خلال موقف وكلائها من المبادرة الفرنسية بدءاً برفض تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة.

2

ـ عامل المقاومة ومحورها. يجب على فرنسا ان تعلم وتتصرف بموجب هذا العلم انّ المقاومة في لبنان هي الفريق الأقوى بذاتها والطرف الأوسع تمثيلاً في لبنان والجهة الأبعد عمقاً إقليمياً فيه استراتيجيا، وبالتالي لا يمكن لأيّ مسعى في لبنان ان يُكتب له نجاح انْ كان في مواجهة المقاومة او على حسابها. ونحن نرى حتى الآن انّ فرنسا تدرك جيداً هذا الأمر وقد برعت في التعامل معه بواقعية ومنطق، لكن لا تكفي رسائل الطمأنينة بل يجب ان يكون الأمر ملازماً لأيّ تدبير او تصرف لاحق، ونحن نسجل بإيجابية السلوك الفرنسي في هذا المضمار حتى الآن.

3

ـ العامل الإقليمي. وهنا ينبغي الحذر والاحتياط في مواجهة أحداث وسلوكيات إقليمية طارئة او عارضة. فعلى فرنسا ان تعلم انّ جزءاً من مبادرتها يتناقض مع السعي التركي والأداء السعودي في لبنان، فضلاً عن الإمارات “المزهوة اليوم بصلحها مع “إسرائيل” وتطمح بفضاء استراتيجي لها في لبنان. لذلك يجب النظر لدور هذه الأطراف التي لها أو باتت لها أياد تخريبية واضحة كما انّ للسعودية قدرة على الضغط لمنع فرنسا من النجاح. ويكفي التوقف عند التناقض الرئيسي مرحلياً بين فرنسا والمعسكر الذي تقوده أميركا ومعها السعودية والإمارات حول حزب الله وسلاحه والعلاقة به لمنع فرنسا من النجاح لأن نجاحها مع تأجيل ملفّ السلاح خلافاً للرغبة السعودية الإماراتية الأميركية لا يروق لهم. ومن جهة أخرى يمكن الاستفادة إيجاباً من الموقف المصري الذي قد يعطي زخماً للتحرك الفرنسي.

4

ـ عامل الوقت. ليس أمام فرنسا سنين للتنفيذ بل هي فترة لا تتعدّى الأشهر الثلاثة، فإنْ نجحت كان لها ما أرادت وإنْ فشلت فإنّ متغيّرات ستحصل أميركياً وإقليمياً تجعل من متابعة المبادرة أمراً صعباً وتجعل النجاح مستحيلاً، وعليه إما ان نطوي العام على نجاح في الإنقاذ بيد فرنسية اوان ننسى كل شيء متصل بها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أكثر من تسمية… خطوة نحو التسوية

ناصر قنديل

التوافق الذي أظهرته تسمية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة الدكتور مصطفى أديب، وانطلاق التسمية من منصة رؤساء حكومات سابقين يصعب تلاقيهما على المشاركة بتسمية توافقية تحظى بقبول الغالبية النيابية وفي قلبها حزب الله، وتالياً العهد الرئاسيّ للعماد ميشال عون، من دون وجود موافقة خارجية تتخطى حدود باريس لتحطّ رحالها في الرياض وواشنطن، خصوصاً مع تولي الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة تلاوة التسمية تأكيداً للمشاركة فيها، وتزامن التوافق مع زيارة الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون الثانية إلى بيروت، بعد تحديد واضح لمضمون المبادرة الفرنسية، بقيامها على دعوة المكوّنات السياسية والطائفية إلى التعاون من ضمن حكومة جديدة تعمل على خطة إنقاذ مالي واقتصادي، والدعوة لوضع القضايا الخلافيّة جانباً، في توقيت كانت القوى الحليفة لباريس وواشنطن والرياض قد أعلنت رفضها الشراكة في حكومة في ظل عهد الرئيس ميشال عون، ولا تعتبر مهمتها المحورية مواجهة سلاح المقاومة، باعتباره المشكلة الرئيسية في البلد، ضمن خطة للتصعيد شقت صفوف مكونات الحراك الشعبي حول الموقف من سلاح المقاومة، ووضعت في إطار الخطة استقالات متتالية للنواب تمهيداً لانتخابات نيابية مبكرة كانت تأمل بنقل الأغلبية النيابية خلالها إلى صفوف معاكسة للغالبية الراهنة، وتعتبر أنها بذلك تلاقي التوجهات التي تلتقي عليها العواصم الثلاث باريس وواشنطن والرياض.

تلقت القوى التي لا تزال تعزف اللحن القديم صفعة عجزها عن التقاط حجم التغيير الحاصل في مراكز القرار، وذهب بعضها للإيحاء بأن هناك تفرّداً فرنسياً من خارج التفاهم مع واشنطن والرياض متجاهلين أن فرنسا لا تملك مقومات التفرد بهذا الحجم وتنجح، وأن حجم التوافق يتخطى التفرد الفرنسي، خصوصاً الإشارة التي يقدمها منتدى رؤساء الحكومات السابقين، وبات واضحاً أن هناك اتفاقاً خارجياً داخلياً على تجديد الشراكة التي كانت قائمة منذ اتفاق الطائف، وبدأت تهتزّ منذ العام 2000 بعد تحرير الجنوب وفشل المفاوضات السوريّة الإسرائيليّة، بالتزامن مع بدء حروب المحافظين الجدد، وترنّحت هذه الشراكة إقليمياً خلال خمس سنوات وانتهت بالقرار 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري، لتتحوّل حرباً في 2006، وحرباً أكبر شهدتها سورية منذ العام 2011، وبلغت الذروة في دفع لبنان نحو الانهيار، مع تجفيف كل موارده وفرصه في الاستقراض، أملاً بجعل سلاح المقاومة موضوعاً أوّلَ على طاولة التفاوض، وجاءت مخاطر هذا التوجه لتثبت تباعاً تهوره من وجهة نظر المصالح الغربية بما يتيحه من سلوك بدائل تملأ الفراغ الناجم عن التخلي الغربي عن لبنان، كما قال ماكرون علناً، في تفسير ما قاله للأميركيين، مكرراً دعوة وزير ماليته لفصل مسار تعافي لبنان عن المواجهة الأميركية عن إيران، كما ظهرت المخاطر الأمنيّة على ضفاف المتوسط، وبرز الحضور التركي المنافس وبنسبة أكبر الحضور الصيني.

خطوة تسمية الرئيس مصطفى أديب، تتخطّى مجرد الاتفاق على اسم رئيس مكلف بتشكيل الحكومة، وتفتح الباب للانتقال من التسمية إلى التسوية، حيث للتسوية أبعاد داخلية وخارجية، فمن الثابت استحالة تعويم النظام السابق سياسياً واقتصادياً، ونضوج لبنان للانتقال إلى نظام سياسي قاعدته قانون انتخاب خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس للشيوخ، كما نضوجه لنظام اقتصادي يعتمد على الإنتاج، وخارجياً سيصعب تخيّل نجاح المبادرة الفرنسية ومعها الحكومة الجديدة دون الالتفات إلى حجم الترابط بين الوضعين اللبناني والسوري، واستحالة تحقيق التقدم دون الانفتاح الفرنسي على سورية، وتعبيد طريق العلاقة بين الحكومتين اللبنانية والسورية كحاجة ملحّة في كل صعيد.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

International Tribune: A non-closed chapter

By Abir Bassam

August 20, 2020 – 0:16

Fifteen years, the Lebanese people have been waiting for fifteen years for the alleged justice that should be brought by the International Tribune. The tribune was commissioned to investigate the assassination of the Lebanese Prime Minister Rafic Hariri.

But, after the long waiting for the indefinite results, the indictment list on the 18th of August was clearly a “U” turn back to the starting point. The declaration was internationally needed as a damned sword on the necks of Syria and Hezbollah.

However, it is difficult to trust the results of the international investigations because it was doubted from the start by judges and investigators who were directly involved in it.  

According to an article published by the Lebanese newspaper al-Akhbar, the president of the International Tribune, Sir David Baragwanath, forced the vice president of the tribune Robert Roth to resign because his wife was working with an editor to unspecified Israeli newsletter. And Mrs. Roth was accused of tampering with the evidence.

Former UN investigator Bo Astrom announced another accusation of deliberately dropping crucial evidence. In a recorded interview, he said many facts involved the inquiry was totally ignored by the investigators, especially the facts related to the Wissam al-Hassan assassination in 2012. Al-Hassan was the only person who had information about the road or roads Hariri parade was supposed to take.

In addition, the tribune announcement was politically manipulated. Judge David Ray revealed on the 18th of August, as he was reciting the verdict that most of the evidence depended on telephone communication data.  Telephones were used to orchestrate the assassinator(s). However, the investigations could not link the numbers to its users.

Furthermore, the persons who were charged with the assassination were all Shiites.  As if Hezbollah was foolishly pointing the fingers towards him. In fact, the accusations were pointed to freedom fighters, who were preparing exploding charges that allegedly targeted the Israelis in South Lebanon.
The final investigation revealed that three of the accused persons were discharged. Hezbollah and Syria are the main parties that benefited from the assassination of Hariri; however, there are no proofs to support the accusations. Hence, the carefully planned assassination was declared as an act of political vendetta. And it took the stupid tribune fifteen years to announce these results.

It is important to dissect the political gain, especially the one that was achieved by Syria and Hezbollah from the assassination! Before the assassination, Hezbollah was leading fruitful talks with Hariri, relations with the late prime minister were about to become at its best since 1991. Total coordination in the next elections was about to be reached.

Secondly, Hezbollah, before the 14th of February 2005, did not aim to be part of the Lebanese political maze.

Meanwhile, the Syrians, with their presence in Lebanon, protected his back. The Hezbollah was indeed presented in the Lebanese Parliament, but it was not among its plans to be part of Lebanon’s corrupt governments since the Taif Agreement in 1989. Hezbollah’s main focus was on protecting the South, liberating the Shebaa and Kafer-Shoba farms, and liberating the Lebanese war prisoners in the Israeli dungeons. Three aims were not to be granted to Lebanon on a silver plate, and the Israeli knew that if it were accomplished, they would distort his image as the ultimate power in the region.

On the other hand, the Syrians were perfectly aware of the winds of international political changes accompanied by electing George Bush junior.

The Syrians were alerted by U.S. Secretary of State Colin Powell about the consequences of their continuous support for the resistance against Israel in Lebanon.
They urged the Syrians to disarm Hezbollah military wing. Nonetheless, the Syrians refused American demands. Resolution 1559 appeared on the horizon, and the Syrians refused to leave Lebanon unless the Lebanese government asked them. It seemed that the situation was still water running deep. When Hariri was assassinated, it was the huge eruption that made it possible for the Americans to fulfill at least one part of their demands: the Syrian Army withdrew from Lebanon.

The Syrian departure resulted in non-humanitarian results. Syrian workers were attacked in the streets, more than 100 were killed, and no official investigations were seriously held. Until today no indictments were directed to anyone. This, for sure, created sentiments of fear and hatred among the Syrians towards the Lebanese. Even Syrian businesspeople were kidnapped in several areas of Lebanon. The same was about to happen in Syria; however, the Syrian police arrested several attackers, and restrictive rules were issued in 2005 to control such irregularities. It was the Israeli war in 2006 that could bring back the Syrians and the Lebanese sentiments of pride.

The Americans thought they had created a deep ditch of hate among the brothers; nonetheless, it was in vain.

It is important to study the atmosphere that prevailed after 2005, on the political and social level, to understand who benefited from the assassination. The ridiculous legal pleading of Judge David Ray was totally dependent on the testimonies given by the same people and parties that have benefited from Hariri’s assassination, which paved the way for a golden era for all the parties who became fully in control.

Walid Jumblatt became the defender of Hariri. He took the family and the country under his “wings.” Fouad Siniora was nominated to be the next prime minister after the resignation of Omar Karami. The main beneficiary was Samir Geagea, the murderer of Lebanese politicians, and the executor of massacres in Lebanon was given a full pardon.

The previous group worked closely with the Americans to disarm Hezbollah during the 2006 war and later in 2007 during the attempt to control Hezbollah’s communication sector, which provided protection for the secret telephone lines among the freedom fighters and with their commandants.

There was a far greater conspiracy to displace the Shiites in South Lebanon if Israel had won the war in 2006. This was the end means of the assassination of an important man as much as Hariri was. The International Tribune has failed to read in politics these facts, as much as it was able to read the other version.

When Marwan Hamadeh’s attempt of assassination took place in 2005, Syria, without a certified investigation, was directly accused. In a paradox, the same technique of detonation was used in the attempt to kill Hamadeh was used to kill Harir; and before that was executed in Damascus in 1981. The French blamed the Syrians for the killing of their ambassador in Beirut and revenged it by blasting 500 kg of TNT in al-Azbakia neighborhood using almost the same technique. However, in Syria, it was a time bomb, while in other two it was remotely activated.

Bernard Emie, the French ambassador, was the first to go around giving consultation and provoking the different parties after the attempt to end Hamadeh’s life. Judge Ray called it a Syrian warning.

However, it can be easily called as the first attempt to threaten the Syrians. In case they failed to comply with the American demands in disarming Hezbollah.
It seems that we need to wait another month before the date of the sentence on the 21st of September. Nothing is special about the date. Salim Ayyash is going to be sentenced after declaring the innocence of the three other suspects. The next month, Ayyash, a simple man, will be accused of plotting, preparing, and killing a state’s man for personal vengeance. And that is why the Lebanese taxpayers paid 800 million American dollars so that an American cliche verdict is achieved.

RELATED NEWS

السياسة الأميركيّة: أوراق تحترق لتفتح الطريق إلى التسويات

العميد د. أمين محمد حطيط

 في سباقه إلى ولاية رئاسية ثانية يلقي ترامب بكلّ ما يستطيع استعماله من أوراق بعد أن فشلت سياسة الضغوط القصوى ضد إيران وتعثّرت استراتيجية إطالة أمد الصراع في سورية وفشلت خطة بومبيو في إخضاع لبنان ومحاصرة مقاومته كما شاءت وخططت أميركا. وبات الآن السؤال في مواجهة هذه النتائج السلبيّة ما هي اتجاهات السياسة الأميركية المحتملة بعد الفشل وإحراق هذه الأوراق ومتى يبدأ التغيير؟

أسئلة تطرح بعد تقليب جملة من الملفات لم تحصل منها أميركا إلا على خيبات ترتدّ سلباً على صورتها وهيبتها وتؤثر على نزعتها الاستفرادية في السيطرة على العالم ونهب ثرواته. ونكتفي هنا بالتوقف عند بعض من أهمّ تلك الملفات كالتالي:

1

ـ العلاقات الأميركية ـ الإيرانية. رغم كلّ ما يُقال عن محادثات سرية مباشرة أو غير مباشرة بين إيران وأميركا، فإنّ المعلن من المواقف يظهر بأنّ أميركا تسعى الى تفاوض تحت الضغط وإيران ترفض الجلوس الى طاولة تفاوض مع أميركا لا تطمئن فيها إلى صدقية في الحديث وجدية بالوصول الى نتائج وتأكيد على الوفاء بالالتزامات، وهذه المسائل كلها اليوم مفقودة مع ترامب الذي لحس توقيع أميركا على الاتفاقية المتعلقة بالملف النووي وتنكّر لقرار مجلس الأمن الذي أكد على هذه الاتفاقية ثم ذهب بكلّ وقاحة الى مجلس الأمن ليطالبه بتمديد حظر الأسلحة التقليدية عن إيران استيراداً وتصديراً. لكن مجلس الأمن وبأكثرية عالية (13 من 15) صفع ترامب وأظهر عزلة أميركية غير مسبوقة ساهم في إنتاجها حلفاء أميركا الأطلسيون الأعضاء الدائمون وغير الدائمين في مجلس الأمن. أما عن المستقبل ورغم سعي أميركا الأحادي الجانب لإعادة فرض العقوبات على إيران فإننا نرى أنّ الورقة هذه أحرقت ولن يكون لها من الأثر والفعالية ما عوّلت عليه أميركا في ظلّ بحث عن نظام مالي واقتصادي وتجاري عالمي جديد يتجاوز النظام الأميركي وعملته الدولار، أما الحديث عن المواجهة العسكرية فيجد الجواب عليه في قاعدة “عين الأسد” وبواخر النفط الإيراني الى فنزويلا ما يسقط الفرضية… وبالتالي لن يكون هناك حلّ مع إيران إلا التفاوض الذي ذكرنا شروطه… بعد أن سقطت أوراق العقوبات واستمرت مقفلة طريق القوة.

2

ـ المحكمة الخاصة بقتل رفيق الحريري في لبنان. من اللحظة الأولى التي فُجّر فيها موكب الحريري ذهب فكرنا وتحليلنا الى القول بأنّ الذي فشل في تطبيق القرار 1559 بالوسائل السياسية لجأ الى العنف في سبيل ذلك، وكنا ولا نزال نقصد بشكل رئيسي أميركا و”إسرائيل”، وأنّ الغاية الرئيسية من عملية الاغتيال كما رأينا يوم حدوثه وتأكد لنا طيلة السنين الـ 15 الماضية هي سلاح المقاومة. وكانت المحكمة تشكل بيد المعسكر الأميركي الإسرائيلي الخليجي سيفاً مسلطاً على لبنان ومقاومته من باب فتنة تقود الى اقتتال داخلي لمحاصرة المقاومة وتعطيل سلاحها. وانطلاقاً من فهم حزب الله للموضوع وإدراكه العميق للخطة الأميركية ومعرفته بأنّ الجريمة ارتكبت من أجل إلصاقها به والنيل من سلاحه وثقته بأنّ ذاك المعسكر قتل الحريري لينقض بدمه على المقاومة، لكلّ ذلك فإنّ الحزب اتخذ قراره بعدم الاعتراف بالمحكمة وبكلّ ما يصدر عنها لأكثر من سبب واعتبار، أولها رفضه مشاركة القاتل في مسرحية إخفاء الحقيقة، إلا أنّ أصحاب المشروع ظلوا على أملهم بأن يشكل قرار المحكمة صاعقاً يفجر الوضع اللبناني ويحقق لهم أحلامهم. ولأجل ذلك ماطلوا وسوّفوا واستهلكوا الوقت الطويل حتى تلقى القنبلة في الوقت المناسب بما يمكنهم من الاستثمار الى الحدّ الأقصى.

بيد أنّ الظروف الدولية والإقليمية كما يبدو اضطرت الفريق المستثمر بالمحكمة لاستعمال الورقة الآن، لتستغلّ بشكل يحجب الخسائر ويعوّض بعضها، فتم اختيار شهر آب الحالي من أجل هذا الهدف، وإذ بالقرار يصدر بشكل محبط في أكثر من اتجاه حيث أخرج بما لا يشبه أيّ قرار صادر عن محكمة جزائية في العالم، وجاء مطالعة سياسية تصلح لتكون قصة تروي تاريخ العلاقات الدولية كتبها بانحياز فاضح أحد المعنيّين بها، كما تضمّن ابتداعاً لأدلة جنائية غير مسبوقة في العلم الجنائي (دليل الاتصالات والدليل الظرفي والاقتران المكاني) ما أفرغ القرار من أيّ قيمة قانونية جزائية، ولن أضيف أكثر إلا القول بأنّ القرار الذي صدر لم يحقق ما رمى إليه مؤسّسو المحكمة الدولية تلك، وصحيح أنه أتى بصيغة واهنة اكتفت بإقامة ربط نزاع بين أطراف معنيين ولتحفظ استمرارية المحكمة ودوام عملها سنوات طويلة أخرى ولتفتح الطريق أمام التفاوض والتسوية، إلا أنه وبالطريقة التي جاء فيها القرار نسف الغاية التي من أجلها أسّست المحكمة، نقول نسفها رغم المحاولات البائسة التي يبذلها البعض من السياسيين والمحللين الذي ينصّبون أنفسهم قضاة يدينون ويعاقبون على هواهم متناسين انّ إدانة واحد من أصل 5 متهمين وبشكل واهن وبحجة لا تقنع أحداً ويمكن نسفها في الاستئناف باستحضار من ورقة واحدة تطيح بالـ 2500 صفحة التي سكب فيها القرار ما يعني انّ وهناً رهيباً وسم التحقيق الذي عجز عن معرفة الجاني أو الوصول اليه، لأنّ الجاني الحقيقي بعيد عن متناول المحكمة التي ما شكلت إلا من أجل حجب مسؤوليته ومنع الاقتراب منه. وعلى أيّ حال استنفدت ورقة المحكمة ولم تحقق اغراضها… وحتى حفظ ماء الوجه فيها لم يتحقق لأصحابها… ولم يبق منها إلا الباب الذي فتحته للتسوية لكن الطرف الذي وجهت له الدعوة للتسوية غير معني بها.

3

ـ نبقى في لبنان لنشير إلى ورقة استعملتها أميركا في إطار تنفيذ خطة بومبيو وأصبحت اليوم منتفية الصلاحية او أقله محدودة الأثر، وتتضمّن الحصار الاقتصادي وإقصاء حزب الله عن السلطة، وتبيّنت أميركا اليوم أنّ الحصار أعطى نتائج عكسيّة ودفع لبنان الى التفكير ببدائل أخرى غير الوجهة الغربية ما جعل أميركا تتراجع عنها، وإنْ بشكل محدود، لكن يكفي أن نقول إنّ الحصار كسر وبحدّ معقول، أما إقصاء حزب الله عن السلطة فقد تبيّن لأميركا أنه أمر مستحيل لا بل سمع مبعوثها هيل نقلاً عن الحزب أنه لا يمكن أن تقوم سلطة في لبنان لا يشارك الحزب فيها، ما اضطر أميركا الى التراجع وعلى لسان هيل نفسه الذي قال بالأمس “إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكومات يشارك فيها حزب الله” في إشارة واضحة لاستعداد أميركا للتعامل مع الحكومة المقبلة التي لن تُشكَّل إنْ لم يكن الحزب شريكاً فيها…

4

ـ أما في ما خصّ الاحتلال الأميركي لشرقي الفرات في سورية. فإنّ مستجدّات خطيرة حصلت من شأنها ان تفهم أميركا انّ أهدافها هناك لن تتحقق. وما حصل في الأسبوع الأخير يؤشر الى انّ هذه الورقة باتت تنذر بمخاطر كبرى وتشكل عبئاً على أصحابها من دون ان يكون هناك أيّ استعداد سوري للمساومة عليها أو التنازل عن شيء يتصل بالحقوق السيادية الوطنية السورية. وفي هذا الإطار نسجل المواجهة العسكرية التي حصلت قرب القامشلي بين حاجز الجيش العربي السوري ودورية من جيش الاحتلال الأميركي وما حصل بين الأهالي وعصابات “قسد” وطردها من أكثر من قرية وبلدة.

فالاشتباك بين عناصر من الجيشين الأميركي المحتل والعربي السوري يتعدّى في دلالاته حجم القوى المشتبكة ونتائج الاشتباك التي أدّت الى منع الدورية الأميركية من اجتياز الحاجز السوري وإصابة بعض عناصرها، في رسالة واضحة لأميركا بأنّ الجيش العربي السوري مستعدّ عندما تفرض الظروف أن يكون في مواجهة الاحتلال ليلاقي في ذلك المقاومة الشعبية السورية التي انطلقت في المنطقة والتي يخشاها الأميركي الذي لا زال يحمل عقدة فيتنام ولهيب مقاومة العراق.

نكتفي بهذا القدر من المواضيع التي تسجل خيبة وتراجعاً أميركياً يفرض على أميركا في الأشهر المقبلة أياً كان الرئيس الذي سيتسلّم مقاليد الحكم فيها، أن يراجع السياسة الأميركية وأن يتحوّل الى التفاوض المجدي بدل العنتريات والأعمال العقيمة، وعليه نرى أن التحضير لتسويات في المنطقة سيبدأ حتى قبل الانتخابات الأميركية، وعندما أقول تسوية يكون بين أطرافها مكوّنات من محور المقاومة فإنني أعني بأنّ الحلول ستأتي لتحفظ حقوق هذا المحور مع حفظ ماء وجه الطرف الآخر وليس تنازلاً عن حقوق ومواقع بُذلت الدماء لحمايتها.

استاذ جامعي خبير استراتيجي

في قرار المحكمة الدوليّة بين السياسة والقانون

ناصر قنديل

لم يتغيّر شيء من حقيقة كون المحكمة الدولية أداة من أدوات السياسة الدولية في لبنان، كما كانت من قبلها لجنة التحقيق الدولية، وقد بشّر جيفري فيلتمان عشية صدور الحكم بأن التفجير الذي أدّى إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد فقد أهميته السياسية، لصالح أهمية أعلى لتفجير المرفأ، بما يعني نهاية زمن الاستثمار القانوني والسياسي لجريمة اغتيال الرئيس الحريري كآلية تطبيقية للقرار 1559، قد أدّت المطلوب منها في تحقيق الانسحاب السوري من لبنان وتعثرت في تشكيل آليّة مناسبة لفتح الطريق لنزع سلاح حزب الله. وهذا الزمن صار وراء الحسابات الدولية والإقليمية التي باتت تحكمها معادلات جديدة تتناسب خدمتها مع استثمار تفجير المرفأ، في وضع العلاقة مع المقاومة على جدول التفاوض لا الاستئصال، والتفاوض تنازلات متبادلة، فيه حكومة يعرضها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون مميّزاً ممثل حزب الله بين ضيوفه، كما فيه مشاريع ترسيم حدود، وتجديد لليونيفيل من دون تعديل مهام، واستعمال دعوات الحياد ونزع السلاح والشيطنة التي تستهدف المقاومة، للضغط التفاوضيّ، مع رسم خطوط حمراء لأصحاب الدعوات، مثل ممنوع الاستقالات النيابية، ولا للانتخابات المبكرة، ولا حكومة حياديّة بل حكومة ترضي الجميع.

بمعزل عن السياق القانوني لقرار المحكمة، الذي مهّد له تحقيق مبنيّ أصلاً على الفساد، ومؤسس على الفبركات والاتهام المسبق، بحيث صار الحكم الذي برأ أغلبية المتهمين وحفظ ماء الوجه بإدانة واحد منهم، فإن القرار سياسياً وقانونياً، قال إن لا دليل على تورّط قيادة سورية وحزب الله في جريمة الاغتيال. وقال بالتوازي إن سياق الاغتيال سياسياً هو خلاف الرئيس الحريري مع سورية وحزب الله، وهو بالمناسبة خلاف مزعوم أدليت بشهادتي التي تثبت عكسه أمام لجنة التحقيق الدولية، من خلال مضمون ما دار بيني وبين الرئيس رفيق الحريري قبل أيام من الاغتيال، وبالتالي قال الشيء وعكسه ليبقى مشروعاً تفاوضياً صالحاً، وقال الحكم في القانون إن أحد وجوه الاتهام السياسي لا يزال على الطاولة وإن وجوهاً أخرى قد تمّت إزالتها، فبرأ من جهة وأدان من جهة مقابلة، بما يعني أن قرار المحكمة هو عرض تفاوضي سواء أدرك القضاة ذلك أم لم يدركوا، عندما تمّ وضعهم أمام تحقيق مهترئ وطلب إليهم حفظ ماء وجهه بالحد الأدنى الممكن، فكل السياق القانونيّ القائم على معادلات الخطوط الهاتفيّة حيث برأ وحيث أدان، هو في الحقيقة دون مستوى الإقناع والجدّية.

ما قالته المحكمة إن الرئيس الحريري تم اغتياله بتفجير انتحاري، لكنها لا تعلم ولا التحقيق وجه اتهاماً محدداً يتيح معرفة مَن هو الانتحاري، ولا مَن جنّده، وإن إعلان المسؤولية الذي رافق الجريمة كان للتضليل، لكنها لا تعرف مَن الذي ضلّل ولا مَن سجّل شريط إعلان، وإن التحقيق لم ينجح في توجيه اتهام مقنع على هذا الصعيد. وتقول المحكمة إن الاغتيال سياسي لكنها لا تملك أي أدلة على الأشخاص أو الجهات السياسية التي يمكن اتهامها، رغم تبنّيها فرضية من فرضيات تحليل سياسي حول سياق الجريمة، والتحليل السياسي مجرد فرضيات غير التحقيق والوقائع والأدلة، والمحكمة تعترف أن لا أدلة ولا وقائع. وتقول المحكمة إن الاغتيال تمّ بواسطة شاحنة الميتسوبيتشي، لكنها لا تملك أدلة، ولم يقدم لها التحقيق أدلة مقنعة حول مَن اشترى الشاحنة ومن اسخدمها للتفجير، وهذه هي عناصر الجريمة، أو ما يُعرف بالعناصر الجرميّة التي تقول لنا المحكمة بعد مليار دولار وخمس عشرة سنة إنها لا تعرف عنها شيئاً.

في كل السياق الذي انتهى إليه التحقيق، وتمّت على أساسه المحاكمة، تقول المحكمة إن كل ما لديها هي بيانات وتحليلات الاتصالات الهاتفية، وهنا من المهم الانتباه إلى أن المحكمة تعترف بأن ما قدّمه التحقيق ليس أدلة على قيام أشخاص معروفين باستعمال الخطوط التي تم استعمالها لغرض التفجير، بل إن شبكة التفجير المسمّاة بالخطوط الستّة لا تزال مجهولة الأصحاب، لكنها كانت ظرفياً لصيقة مكانياً بأرقام خطوط أخرى، هي بدورها كانت لصيقة ظرفياً ومكانياً بخطوط أخرى يسعى التحقيق لإثبات أنها كانت لصيقة ظرفياً ومكانياً بخطوط أخرى حاول التحقيق إثبات أنها خطوط شخصيّة لمن وجّه إليهم الاتهام، وبالنتيجة تقول المحكمة إنها لم تقتنع بإثباتات التحقيق في أغلب حالات الاتهام، واستثنت أحد المتهمين من البراءة من دون أن تقدّم ما يقنع بالفوارق بين حالته وحالة المتهمين الآخرين، وليس من ثابت هنا إلا الخطوط الستة التي عرفت بخطوط الضنيّة التي اشار إليها التحقيق اللبناني بعد أيام من الاغتيال، وهو التحقيق المتهم بالضعف والعجز وعدم الأهليّة.

مَن يستطيع اليوم القول إن ليس لديه الانطباع بعد الحكم بأن المحكمة مسيَّسة، وإنها تترجم مشروعاً تغيّرت أهدافه بعدما فشلت نسخته الأولى في التفجير الأول، بينما يُراد لنسخته الثانية أن تستثمر التفجير الثاني، فهل تكون العبرة التي يستخلصها اللبنانيون هي من جهة تحصين التحقيق اللبناني والضغط ليكون صحيحاً ومحميّاً وموثوقاً، ومجمعاً حوله ليكشف الحقيقة الحقيقيّة، ومن جهة موازية تحصين لبنان لكي لا يبقى مشرَّع النوافذ على التلاعب بمصيره في سوق الألاعيب المخابراتية والسياسية، وقد تكلف لبنان غالياً مالياً وسياسياً ووطنياً ودفع من أرواح أبنائه من قيادات ومواطنين ما يكفي كثمن للاتهامات السياسية التي لم تفعل سوى تشجيع القاتل على المزيد من القتل.

مقالات متعلقة

نداء لصاحب الغبطة البطريرك بشارة الراعي

Source

بكل تقدير واحترام نقرأ ما يصدر عن مقامكم السامي، وقد كان لافتاً حجم التأثر الذي أبديتموه في كلمتكم الأخيرة حول الوضع المعيشي وحجم الفساد وخطر المحاصصة على الوطن وشعبه، كما كان لافتاً أيضاً تبرّمكم من الأداء السياسي الفاسد أو القاصر الذي ينتهجه السياسيون والمسؤولون، وحرصكم على حق الشعب في التعبير، وحق الشباب في أن يثوروا.

بالتأكيد ينتظر الذين يستمعون لكلمتكم أبعد من المشاعر، فيرتقبون المواقف، وقد جاءت في الختام دعوة لرئيس الجمهورية لتحرير القرار الوطني الحر وفك الحصار عن الشرعية، وبالتوازي مناشدة المجتمع الدولي لمساعدة لبنان وحماية استقلاله وتطبيق القرارات الدوليّة وصولاً بإعلان حياده، وهو ما يوضح مقاصد الدعوتين حول تحرير القرار الوطني وتطبيق القرارات الدولية، بإيحاء بين السطور أن حزب الله هو المعني، أي أنه يحاصر الشرعية ويخطف القرار الوطني، وان تطبيق القرارات الدولية ليس المقصود به استكمال تطبيق القرار 425 باستعادة مزارع شبعا المحتلة، بل القرار 1559 لجهة نزع سلاح حزب الله، عسى أن يكون فهمنا خاطئاً!

السؤال لصاحب الغبطة، ولديه من المعلومات والاطلاع ما يكفي ليجلب الجواب المطمئن للبنانيين، هل دعواته هذه ستحمي لبنان من خطر التوطين الذي يستهدف حسم بقاء اللاجئين الفلسطينيين كحاملين للهوية اللبنانية، وهو هدف واضح معلن في صفقة القرن التي أعلنتها الإدارة الأميركية رسمياً كمشروع للسلام الذي تنشده كلمة صاحب الغبطة؟ وهل تجيب دعوة الحياد وتحرير القرار الوطني وتطبيق القرارات الدولية على كيفية مواجهة الأطماع بالثروات البحرية اللبنانية من نفط وغاز، وقد وجه لنا رئيس هذا المجتمع الدولي الذي يمثله الأميركي دعوة موازية لقبول خط ترسيم لهذه الثروات يلبي أطماع كيان الاحتلال، ويفرّط بحقوق لبنان، فهل نقبل؟

السيادة كل لا يتجزأ يا صاحب الغبطة، وكلنا شوق لنسمع ما يبرد قلوب اللبنانيين القلقين من ضياع ما تبقى من ثروات في حلم النفط والغاز، بعدما ضاع جنى العمر، بقيادة من ترعرعوا في أحضان وحمى هؤلاء الأصدقاء الذين لم يبخلوا على لبنان، حتى غرق في الديون وصار رهينتها، وننتظر ما يطمئن الخائفين على مستقبل الوطن من خطر محدق عنوانه التوطين يراد له أن يكون ثمن عدم موتنا جوعاً، بعدما جلب لنا السياسيون الاحتلال وفشلوا بإخراجه لولا المقاومة، وكان هؤلاء الأصدقاء يتهمونها بالمغامرة و/أو يصفونها بالإرهاب ويشجعوننا على توقيع صك استسلام مع العدو يسمّونه سلاماً!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Group of So-Called “Donald Trump Friends” in Beirut Plead US to Disarm Hezbollah

Source

July 4, 2020

Capture

A group of around 10 people gathered Saturday near the US embassy in Beirut, thanking Washington for its “support” to Lebanon.

The so-called “Donald Trump Friends” group demanded that the US administration disarm Hezbollah and implement the UN Resolution 1559.

It is worth noting that certain media outlets weirdly provided the event with a remarkable coverage despite the  very humble participation.

Source: Al-Manar English Website

التوجّه شرقاً بدءاً بالعراق والصين…‏ بين إيجابياته وصدمة التابعين لأميركا

حسن حردان

في لحظة بلوغ الأزمة الاقتصاديّة والمعيشيّة والخدماتيّة والنقديّة الذروة مع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى نحو عشرة آلاف ليرة، إلى جانب التقنين القاسي في التيار الكهربائي… وسيادة شعور عام لدى اللبنانيين باليأس والإحباط من إمكانيّة وضع حدّ لهذا المسار الكارثي بالنسبة لهم.. لغياب أيّ خطوات عملية تفتح أفقاً للخروج من نفق الأزمة.. في هذه اللحظة ظهر بصيص أمل حقيقي تجلّى في تجرّؤ الحكومة اللبنانيّة على كسر ما اعتبرته قوى وجماعات متأمركة أنه من المحرمات، وراحت تهوّل من خطر الإقدام عليه… وهو اتخاذ الحكومة خطوات عمليّة بالتوجّه نحو الشرق، بدءاً بالعراق والصين، وهو ما تجسّد…

أولاً، لقاءات صينيّة لبنانيّة مكثّفة، سبقها رسائل من الشركات الصينيّة للحكومة تبدي الاستعداد للاستثمار في تنفيذ مشاريع البنّية التحتيّة وفق نظام BOT وقد تناولت اللقاءات بين رئيس الحكومة حسان دياب والوزراء المعنيين مع الوفد الصيني المرافق للسفير الصيني وانغ كيجيان تعزيز الشراكة بين لبنان والصين في سياق مشروع الحزام والطريق… وتنفيذ مشاريع معامل الكهرباء والنفايات وسكة الحديد…

ثانياً، لقاءات عراقيّة لبنانيّة، بين وفد وزاري عراقي ونظرائه اللبنانيين ركزت على سبل التعاون المشترك، لا سيما لناحية مقايضة المنتجات اللبنانية بالنفط والفيول من العراق، حيث أبدى الوفد العراقي استعداداً لذلك…

هذا التطوّر الهامّ في توجّه الحكومة العملي لمعالجة الأزمة يأتي بعد أن سُدّت كلّ المنافذ أمامها لمعالجة الأزمة وباتت تواجه اشتداداً في الحصار الأميركي المصحوب بضغط من المسؤولين الأميركيين لإجبار لبنان على تقديم تنازلات يتخلى بموجبها عن جزء من ثروته النفطية في مياهه الإقليمية لكيان العدو الصهيوني. ويقبل الإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد كشرط لمنح لبنان قرضاً مالياً، وتنفيذ القرار 1559، واستطراداً القبول بعزل ومحاصرة المقاومة وصولاً إلى نزع سلاحها… أيّ باختصار وضع لبنان بين خيارين: البقاء يختنق بالحصار، أو الاستسلام الكامل للهيمنة الأميركية، بالتخلي عن عوامل قوّته المجسّدة بمقاومته، وجزء من ثرواته…

في موازاة ذلك لجأ الأميركي والفريق التابع له في لبنان إلى شنّ حرب الدولار المصحوبة بترهيب وإخافة الحكومة من الإقدام على التوجّه شرقاً، للخروج من قيود الحصار وإيجاد منافذ جديدة لحلّ أزمات لبنان بعيداً عن أيّ شروط تمسّ بسيادة واستقلال لبنان، وتنتهك كرامته الوطنية…

لكن ما أن سلكت الحكومة طريق التوجّه شرقاً وبدأ اللبنانيون يلمسون فعلياً أنّ هناك إمكانية لتحقيق تطلعاتهم بحلّ أزماتهم المزّمنة بما يحفظ لهم كرامتهم ويحرّرهم من لعبة الدولار، ويضع حداً للتلاعب بلقمة عيشهم… حتى أصيبت القوى والجماعات المتأمركة بالصدمة والذهول… فراحت تقلّل من أهمية هذه الخطوات العمليّة لإخراج الاقتصاد من أزمته ومعه إخراج اللبنانيين من أزماتهم الخدماتيّة والإحباط واليأس الذي خيّم عليهم… ولم يجد اتباع أميركا غير ادّعاء أنّ الحكومة «تسير بسيناريو جديد ومتكرّر، من النفط مقابل الغذاء، مختلف لكن النتيجة واحدة، ففي بلد لا نفط فيه ولا صناعة لا أسواق ولا تجارة… فقط قليل من الزراعة، تصبح المعادلة، انصياع مقابل النفط، وانتقال إلى ضفة الشرق مقابل المنتجات الأساسية، أما المشاريع الاستثماريّة في الطاقة والسكك الحديد وغيرها فلا وقت لها… الظروف لا تسمح بها، فالكرامة أولاً، والعزة ثانياً، والأكل ثالثاً».

غير أنّ أيّ إنسان بسيط يدرك أنّ هذا الكلام لا يعكس الواقع، للأسباب التالية…

السبب الأول، أنّ معادلة النفط مقابل الغذاء، التي طبّقت خلال حصار العراق، لا تنطبق على ما جرى من اتفاق مبدئي مع الوفد العراقي، يقضي بحصول لبنان على احتياجاته من النفط والفيول، مقابل أن يحصّل العراق ثمن ذلك منتجات لبنانية زراعية وصناعية ومنح تعليمية وخدمات صحية إلخ… وهو ما يؤدي إلى تحقيق نتيجتين إيجابيتين بالنسبة للبنان.

النتيجة الأولى، الحدّ من استنزاف ما تبقى من دولارات في مصرف لبنان، وتقليص فاتورة الاستيراد…

والنتيجة الثانية، تصريف الإنتاج اللبناني الذي يعاني من صعوبة تصدير منتجاته… وهو ما ينعكس تنشيطاً للزراعة والصناعة، وتحسين الوضع الاقتصادي وتوفير فرص عمل للعاطلين، واستطراداً تحسين الوضع المعيشي للبنانيين العاملين في القطاعات المنتجة، وهم يشكّلون شريحة كبيرة من الشعب…

السبب الثاني، وضع لبنان للمرة الأولى منذ أربعين عاماً على سكة إعادة تأهيل وبناء بناه التحتية المهترئة ولا تلبّي التطّور العمّراني والسكّاني ولا حاجات لبنان المطلوبة للنهوض الاقتصادي وتطوير قطاعه السياحي، الذي يعتمد على خدمات متطوّرة ومريحة… فعندما تقوم الشركات الصينية بتنفيذ مشاريع بناء معامل حديثة للكهرباء والنفايات، وإنشاء شبكة سكك حديد تصل المناطق اللبنانية بعضها ببعض وبالجوار العربي، فهذا سيكون له بكلّ تأكيد نتائج هامة على عدة مستويات…

مستوى أول، وضع وحدّ لأزمة اللبنانيين المزمنة مع تقنين الكهرباء وبالتالي التخفيف من الأعباء الضريبية عليهم بمجرد انتفاء الحاجة إلى دفع فاتورتين واحدة للمولد وأخرى للدولة…

مستوى ثان، إنّ تأمين الكهرباء 24/24 ينعكس إيجاباً على القطاع الصناعي والشركات بتقليص كلفة الإنتاج…

مستوى ثالث، إنّ حلّ مشكلة النفايات عبر إنشاء معامل حديثة، يُخلّص اللبنانيون من التلوث والأمراض الناتجة عنه، ويؤدي إلى تحويل النفايات إلى سماد وغاز وكهرباء…

مستوى رابع، إنّ إنشاء سكك الحديد ونفق بيروت ـ البقاع سوف يحدّ من هدر الوقت على الطرقات نتيجة زحمة السير الحالية، ويسهّل سرعة وحركة انتقال المنتوجات الزراعية والناس بين العاصمة والمناطق مما يخفض من كلفة الإنتاج، ويقود إلى الحدّ من استخدام السيارات، وإعادة انعاش الريف والحدّ من الهجرة إلى المدن الرئيسية وتمركز السكان فيها، لا سيما إذا تمّ النهوض بالزراعة وبناء معامل لتعليب المنتوجات الزراعية وصناعة السكر إلخ…

إنّ هذه النتائج المتوقع أنّ تتمخض عن التعاون الاقتصادي بين العراق ولبنان، وعن المشاريع التي ستنفذها الشركات الصينية، هو ما يجعل أميركا والقوى التابعة لها في حالة من الصدمة والارتباك والتخبّط، لأنّ الاتجاه شرقاً سيكسر الحصار الأميركي وينهي ورقة حرب الدولار ومحاولة استغلال الأزمة المعيشية والخدماتية التي تستخدم الآن لإخضاع اللبنانيين وحكومتهم، وتحرّر لبنان من الابتزاز الأميركي…

ولهذا فإنّ بدء الخطوات العملية في مسار التوجّه شرقاً أدّى سريعاً إلى انعكاسات إيجابية تجسّدت بتراجع سعر صرف الدولار من حوالى عشرة آلاف إلى ما دون الثمانية آلاف.. الأمر الذي يؤكد أنّ ارتفاع سعر الدولار ناتج عن حرب سياسية، وليس له علاقة بسعره الاقتصادي الحقيقي…

ولهذا من المتوقع مع وصول السلة الغذائية المدعومة من الدولة إلي الأسواق أن يتراجع تأثير سعر الدولار على الوضع المعيشي.. فكيف الوضع سيكون عندما يبدأ لبنان استيراد النفط والفيول من العراق، ويوقّع الاتفاقات مع الشركات الصينيّة، من المؤكد سوف يؤدّي ذلك إلى تراجع الطلب على الدولار…

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا قرّرت واشنطن التدخل علناً في لبنان وتشكيل إدارة للحرب الاقتصادية ضدّه؟

حسن حردان

لوحظ بشكل لافت وغير اعتيادي أنّ هناك تواتراً في إطلاق التصريحات للمسؤولين في وزارة خارجية الولايات المتحدة الأميركية وسفيرتهم في بيروت، والتي تتدخل بشكل فظ في الشؤون الداخلية للجمهورية اللبنانية، في مؤشر على استنفار أميركي واضح لإدارة الحرب الاقتصادية المالية التي بدأتها، منذ شهور، ضدّ لبنان.. لا سيما أنّ التصريحات تضمّنت إنذارات واضحة بأنّ أميركا لن تسمح للبنان بالحصول على أيّ قروض مالية من صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر إذا لم يقبل بالشروط التالية..

أولاً، إقصاء حزب الله المقاوم وحلفائه عن السلطة التنفيذية، وتشكيل حكومة اختصاصيين موالية لواشنطن..

ثانياً، قبول مقترح السفير الأميركي فريدريك هوف لترسيم الحدود البحرية والبرية بما يعطي كيان العدو الصهيوني جزءاً من مياه لبنان الإقليمية الخالصة في البلوكين 9 و10 الغنيين بالنفط والغاز، تقدر مساحته بـ 360 كلم مربع..

ثالثاً، إضعاف وتحجيم المقاومة وإبعادها عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وتعديل قواعد الاشتباك في القرار 1701 بما يسمح لقوات اليونيفيل لعب دور أمني في جنوب الليطاني لضمان أمن كيان العدو الصهيوني وتمكينهُ من العودة إلى سرقة مياه الوزاني وحرمان البلديات الجنوبية منها..

هذه الأهداف الأميركية ظهر جزء منها كشعارات رفعت في التظاهرات من قبل مجموعات الـ المدرّبة أميركياً لقيادة الثورات الملوّنة للإطاحة بالحكومات غير الموالية لواشنطن وتقف عقبة أمام تحقيق مشاريعها الاستعمارية، على غرار ما حصل في أوكرانيا والبلقان والربيع العربي إلخ… فشهدنا بدايةً أنّ هذه المجموعات ركزت على مطلب يستقطبُ اللبنانيون عامة، الذين اكتووا بنار الأزمة المعيشية، وهو محاربة الفساد والاقتصاص من الفاسدين، والقول إنّ كلّ من هم في السلطة فاسدون أو يحمون الفساد، والهدف طبعاً هو شُمول حزب الله بذلك وتحميلهُ هو وحلفاؤه في السلطة المسؤولية عن حماية النظام الفاسد ومنع محاربة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة إلخ… ثم تطورت الشعارات حتى كشفت هذه المجموعات عن الهدف الحقيقي وهو الإتيان بحكومة اختصاصيين لا يكون فيها ممثلون لـ حزب الله وحلفائه تكون مهمتُها تنفيذ الانقلاب الأميركي وتحقيق الشروط التي وضعتها واشنطن لرفع الحصار عن لبنان… وعندما فشلوا في ذلك، بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، وتشكيل حكومة حسان دياب بدعم من الأكثرية النيابية، تقرّر إخراج الأهداف الأميركية المُراد تحقيقها، من خلال محاولة الاستيلاء على السلطة، إلى العلن، وهي المطالبة بتنفيذ القرار 1559ونزع سلاح المقاومة ونشر القوات الدولية على الحدود مع سورية تحت ذريعة وقف التهريب.. وصولاً إلى ما صرّح به أخيراً المسؤولون الأميركيون بالربط بين قبول لبنان ترسيم الحدود البحرية وفقَ مقترح هوف، ورفع الحصار المفروض عليه لتمكينه الاستفادة من ثروته في مياهه الإقليمية..

لكن فشل القوى والمجموعات الموالية لواشنطن في تحقيق الأهداف المطلوبة من الحصار المالي، وما أدى إليه من تفجير للأزمة المالية النقدية والاجتماعية المعيشية في الشارع.. على الرغم من دعم الماكينة الإعلامية لحركة هذه القوى والمجموعات 24/24 .. شعرت واشنطن أنّ الثورات الملونة التي نجحت في أوكرانيا ودول البلقان وطُبق نموذجها في الربيع العربي.. تواجهُ التعثر في لبنان ومهدّدة بتداعيات سلبية على النفوذ الأميركي بإضعاف القوى الموالية للولايات المتحدة، والتي ترتكز إليها في تدخُلها بشؤون لبنان الداخلية.. فقرّرت الإدارة الأميركية الاستنفار وتشكيل لجنة من الخارجية لإدارة الحرب الاقتصادية والمالية عبر تكثيف التدخل الأميركي والمجاهرة علناً بما تريده واشنطن من لبنان، وهو الخضوع لشروطها القاضية بتنازل لبنان عن جزء من ثروته النفطية وإقصاء حزب الله وحلفائه عن السلطة عبر استقالة حكومة حسان دياب وتشكيل حكومة جديدة موالية لواشنطن، وتعديل القرار 1701 مقابل رفع الحصار عن لبنان..

ولتحقيق ذلك بدأت إدارة حرب الحصار بقيادة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومعاونيه تصعيد الضغوط الاقتصادية والمالية، عبر…

1

ـ تحريض الأطراف اللبنانية الموالية لواشنطن على التحرك لإسقاط الحكومة اللبنانية باعتبارها حكومة حزب الله.. والعمل على تشكيل حكومة موالية للسياسة الأميركية وقادرة على تنفيذ ما تريده واشنطن من طلبات تخدم السياسة الأميركية الإسرائيلية…

2

ـ تحريض اللبنانيين ضدّ المقاومة وسلاحها من خلال الزعم بأن المقاومة هي سبب الأزمة الاقتصادية والمالية..

إنّ واشنطن تدرك أنّ سلاح المقاومة هو الذي يقف حائلاً دون تمكن كيان العدو الصهيوني من سرقة نفط وغاز ومياه لبنان.. وهو الذي أسهم في إحباط أهداف الحرب الإرهابية الاستعمارية ضدّ سورية ولبنان، والتي استهدفت قصم ظهر محور المقاومة، مما حال دون تعويم مشروع الهيمنة الاستعمارية الأميركية على كامل المنطقة، وتمرير خطة القرن لتصفية القضية الفلسطينية.. ولهذا فإنّ الإدارة الأميركية استشعرت الخوف من أن يتفلت لبنان من قيود الحصار الاقتصادي الأميركي، وأن يتجرأ على الاتجاه نحو دول الشرق لتنويع علاقاته الاقتصادية وإيجاد أسواق لتصدير إنتاجه واستيراد حاجاته من دول تقبل التداول بالعملات الوطنية بديلاً عن الدولار.. وبالتالي تقليص حاجة لبنان للدولار.. إلى جانب حلّ مشكلات لبنان المالية والخدماتية من قبول العروض الصينية والإيرانية والروسية المتنوّعة والتي تُجنّب الحكومة اللبنانية الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر، بل تجعلُها في موقع قوة في التفاوض معهما للحصول على قروض ميسّرة غير مشروطة إذا أراد..

إنّ لجوء واشنطن إلى إشهار الحرب الاقتصادية والمالية لتجويع الشعب اللبناني بهدف دفعه إلى التخلي عن مقاومته وسيادته وجزء من ثرواته، إنما يعكسُ من جهة الوجه البشع للسياسة الاستعمارية الأميركية، ومن جهة ثانية يكشفُ مدى إفلاس السياسة الأميركية وفشلها في تحقيق أهدافها بوساطة حروبها العسكرية المباشرة والإرهابية غير المباشرة..

لكن كما تؤكد التجربة فإنّ المقاومة وحلفائها الذين صمدوا في مواجهة أشرس حرب إرهابية ونجحوا في تحقيق الانتصارات الهامة عليها وإحباط أهدافها، سيتمكنون من الصمود في مواجهة الحرب الاقتصادية المالية وإحباط أهدافها بإيجاد البدائل الاقتصادية التي تحبط أهداف الحصار الاقتصادي، وتحوّله إلى فرصة لبناء اقتصاد منتج والانفتاح على الشرق لتسويقه، وبالتالي إفقاد أميركا آخر سلاح تملكهُ للضغط على لبنان…

«اتفاق 17 أيار»… ومحاولة التخلص من المقاومة التي أسقطته وهزمت القوة التي لا تقهر…

حسن حردان

تحلّ ذكرى اتفاق الذل والإذعان، اتفاق 17 أيار، الذي وقع بين السلطة اللبنانية عام 1983، والعدو الصهيوني، الذي كان جيشه يحتلّ لبنان آنذاك.. والذي استهدف من الاتفاق جعل لبنان محمية صهيونية وتشريع العلاقات رسميا مع كيان العدو الصهيوني ليكون لبنان البوابة الصهيونية الثانية في المشرق العربي، بعد أن نجح قادة العدو في تحويل مصر إلى بوابة أولى من خلال توقيع اتفاقيات كامب ديفيد معها، وكان المايسترو وطابخ هذه الاتفاقيات، في الحالتين، وزيرا خارجية أميركا هنري كيسنجر وجورج شولتز…

الحديث عن اتفاق17 أيار والظروف التي أحاطت بولادته واهدافه، يكتسب أهمية هذه الأيام انطلاقاً من المحاولات الدؤوبة لإعادة إنتاج مثل هذا الاتفاق، والسعي إلى تشريع وجود هذا الكيان الغاصب الاستعماري على أرض فلسطين العربية المحتلة، ومحاولة النيل والتخلص من المقاومة التي هزمت الجيش الصهيوني الذي قيل يوماً إنه لا يُقهر، وأسقطت اتفاق 17 أيار ودشنت عصر قوة لبنان بمقاومته وشعبه وجيشه، واضعة نهاية لمقولة «قوة لبنان في ضعفه» التي كانت تجعل من لبنان فريسة سهلة لاعتداءات وأطماع العدو الصهيوني.

لكن مع ذلك لا زال قادة العدو «الإسرائيلي» يحلمون بإعادة لبنان إلى كنف الوصاية والهيمنة الأميركية الصهيونية ليبقى ساحة للتآمر على العرب، ويعبثون من خلالها بأمن الدول العربية التحرّرية، وفي المقدّمة سورية التي دعمت المقاومة وأسهمت في إسقاط 17 أيار وصناعة انتصار المقاومة عام الفين والذي نحتفل فيه بعد أيام في 25 أيار الحالي.. ولهذا عملوا وما زالوا يعملون للقضاء على المقاومة التي شكلت المثال في إثبات القدرة على مقاومة جيش الاحتلال «الإسرائيلي» وإلحاق الهزيمة المذلة به…

لقد جاء القرار1559 «الإسرائيلي» الصنع كمحاولة أولى لإحداث انقلاب في لبنان ضدّ المقاومة ولإعادته إلى فلك الوصاية الأميركية الصهيونية، ولدى فشل الإنقلاب بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 شنّ العدو محاولة ثانية، حربه العدوانية على لبنان سنة 2006 بدعم غربي وغطاء من بعض الأنظمة العربية، لسحق المقاومة وضرب المثال الذي قدّمته في مقاومة الاحتلال وإمكان هزيمته وتحرير فلسطين والأراضي العربية. لكن فشل هذه الحرب وانتصار المقاومة التاريخي والاستراتيجي ضاعف القلق الأميركي الصهيوني، ودفع واشنطن و»تل أبيب» إلى التحضير لمحاولة ثالثة تمثلت في تنظيم الحرب الإرهابية على سورية لإسقاط نظامها المقاوم الذي كان له دور مهمّ في تمكين المقاومة من الصمود وتحقيق نصر تموز، ولهذا الغرض حشدت جيوش الإرهابيين من أنحاء العالم وقدمت إليهم مختلف إشكال الدعم العسكري والمالي والتسهيلات من دول جوار سورية، وشُكل تحالف دولي إقليمي عربي وفر الدعم السياسي لهؤلاء الإرهابيين، ومع ذلك فشلت هذه الحرب الأمريكية الصهيونية الرجعية في تحقيق أهدافها في السيطرة على سورية وتحويلها إلى دولة عميلة ومتابعة للاستعمار، وها هي سورية بقيادة الرئيس المقاوم الدكتور بشار الأسد تقف على أعتاب إعلان تحقيق النصر النهائي ضدّ أشرس حرب كونية إرهابية قادتها إدارة العدوان والارهاب العالمي في واشنطن..

إذا كان أمراً طبيعياً أن يعمل أعداؤنا على محاولة إنتاج اتفاق 17 أيار جديد، بلوغاً إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال محاولة إسقاط سورية، ظهير المقاومة، كي يسهل بعد ذلك القضاء على المقاومة، فمن غير الطبيعي أن تنخرط قوى لبنانية وعربية، بأشكال مختلفة، في هذه الحرب ضدّ المقاومة وسورية وعموم جبهة المقاومة، والسعي إلى إعادة إنتاج ظروف مماثلة لتلك الظروف التي أنتجت اتفاق 17 أيار..

إنّ بعض الأصوات الداخلية التي وقفت مع الاتفاق ودافعت عن الاتفاق وصوّتت له هي نفسها لا تزال تنخرط في الحرب الناعمة الأميركية الصهيونية لتشويه صورة المقاومة والإساءة إلى سمعتها في سياق العمل للنيل منها.. وهذه الأصوات هي التي تستمرّ في الدفاع عن الاتفاق وتصويره على أنه يحقق ما سموه جلاء القوات «الإسرائيلية» عن لبنان، بينما تشكل جميع بنود الاتفاق انتقاصاً من سيادة لبنان واستقلاله وتعطي «إسرائيل» مكاسب أمنية وسياسية واقتصادية كانت في طليعة الأهداف التي سعت إليها من اجتياح لبنان سنة 1982 إلى جانب ضرب المقاومة الفلسطينية وتنصيب نظام موالٍ لها في بيروت، والعمل على محاصرة سورية تمهيداً إلى محاولة فرض الاستسلام عليها، بعدما فشلت جميع محاولات الترغيب والترهيب والحصار وتقويض استقرارها الداخلي بثنيها عن التشبث بمواقفها الوطنية والقومية والدفاع عنها.

إنّ الذين يدعون الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله اليوم، والذين يشكّكون في صدقية ومناقبية المقاومة، كان بعضهم في طليعة من وقّع على الاتفاق وصوّت وسوّق له، والبعض الآخر لم يطلق طلقة واحدة ضدّ الاحتلال بل استقبل قادة العدو وسهل لهم دخولهم، ولم يتوان عن لعب دور أمني في حماية الاحتلال من عمليات المقاومة.

فهذا الاتفاق الذي صدّق عليه مجلس النواب اللبناني بتاريخ 13/6/1983 لم يرفضه من النواب، سوى النائبين زاهر الخطيب ونجاح واكيم، اللذين يسجل التاريخ لهما هذا الموقف المقاوم المشرّف للاحتلال وعملائه.. ولقد تمّ التوصل إلى الاتفاق بعد مفاوضات طويلة بين الجانبين «الإسرائيلي» واللبناني، وبرعاية أميركية مباشرة، في ظلّ ظروف وتطورات مهّدت للاتفاق.

ما هي تلك الظروف؟

1

ـ احتلال قوات الجيش «الإسرائيلي» لمعظم الأراضي اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت، وسيطرته على سائر المرافق الحيوية في البلاد، بعد انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة الأميركية، وبلغ عدد القوات «الإسرائيلية» التي اجتاحت لبنان 120 ألف جندي.

2

ـ إجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية في ظل الاحتلال وإشرافه وتدخله المباشر بدعم ترشيح بشير الجميّل الذي سارع البرلمان اللبناني، بضغط من «إسرائيل»، إلى التعجيل في عملية انتخاب أمين الجميّل، شقيق بشير الجميّل، بعد مقتل الأخير.

انطلقت المفاوضات بين فندق ليبانون بيتش في خلدة قرب بيروت، ومستوطنة «كريات شمونة» في فلسطين المحتلة قرب الحدود مع لبنان.

3

ـ قيام نظام أمين الجميّل بالتنسيق مع الاحتلال بحملة قمع منظمة للقوى الوطنية واعتقالات واسعة للقيادات والعناصر الوطنية، وحصل تواطؤ مع جيش الاحتلال في ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا التي استهدفت بث الرعب في صفوف المواطنين وخلق مناخات من الاستسلام ومحاولة قتل إرادة المقاومة، والانتقام في الوقت ذاته.

4

ـ ممارسة عملية ترهيب وترغيب مع النواب، لدفعهم إلى الموافقة على الاتفاق أو الامتناع عن معارضته، وحصل تهديد مباشر للنواب الذين أعلنوا رفضهم للاتفاق إذا ذهبوا إلى الجلسة العامة في 17 أيار. (زاهر الخطيب، ونجاح واكيم).

هذه الظروف الذي نشأ فيها اتفاق 17 أيار المشؤوم ووقع عليه البرلمان اللبناني، تشير إلى أنه فُرض بالإكراه وقسراً في ظلّ الاحتلال والسيطرة «الإسرائيلية» الكاملة والضغط المباشر، وكان نظام أمين الجميّل من أشدّ المتحمّسين له.

يؤكد القانون الدولي في هذا المجال أن الاتفاقات التي تبرم في ظلّ الاحتلال باطلة بطلاناً مطلقاً أو قابلة للإبطال من قبل الدولة المقهورة، علماً أنّ لبنان كان عهدذاك مسلوب الحرية ومنتقص الإرادة، ولذلك فإن مثل هذا الاتفاق سمي باتفاق الإكراه والإذعان والاستسلام لشروط الاحتلال «الإسرائيلي».

إذاً كانت هذه الظروف التي جرى في ظلها إنضاج وتوقيع الاتفاق، فإنّ فكرة توقيع اتفاق صلح مع لبنان نشأت بعدما رأت «إسرائيل» أنّ اتفاقيات كامب ديفيد لم تلبّ أهدافها لناحية تحقيق الانفتاح الاقتصادي معه، وتحويل مصر إلى جسر عبور للدول العربية، بل رأت أنّ الفرصة مواتية لبلوغ ذلك عبر لبنان الذي اختير محطة ثانية بعد مصر لعدة عوامل ومبررات أبرزها:

العامل الأول: إن لبنان يشكل المنافس الاقتصادي الأول لـ«إسرائيل» والعقبة الأهمّ أمام أطماعها في تحقيق الهيمنة والسيطرة على الدول العربية، ولذلك أرادت استغلال روابط لبنان مع الدول العربية لتحقيق ذلك.

العامل الثاني: حالة التمزّق التي كان يعيشها لبنان نتيجة الحرب الأهلية، والتي اتخذت منحى تآكلياً فيما انهارت مؤسسات الدولة وتضرّر الاقتصاد اللبناني كثيراً.

العامل الثالث: التذرّع بأمن «إسرائيل» لتبرير اجتياح لبنان واحتلاله إن بحجة وجود المقاومة الفلسطينية، أو بحجة الدفاع عن المسيحيين.

العامل الرابع: توافر مناخ شجع «إسرائيل» على الاجتياح ويتمثل ببعض القوى المتعاملة والمتعاونة معها ولم تكن تخفي تأييدها لإقدام «إسرائيل» على غزو لبنان كي تتمكن، عبر الاستقواء به وبواسطته، من السيطرة على الحكم في البلاد.

إنها الظروف التي أنتجت توقيع اتفاق 17 أيار المشؤوم ونشوء الفكرة «إسرائيلياً» لاختيار لبنان كثاني بلد عربي بعد مصر لتوقيع اتفاق صلح مع «إسرائيل»، في سياق المخطط «الإسرائيلي» الأميركي الهادف إلى تشريع وجود الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين وجعله كيان طبيعي في المنطقة يملك جميع مقومات التفوق والهيمنة فيها، كما قال وأوضح موريس الجميّل في كراس له تحت عنوان «اسرائيل وسياسة النعامة».

انطلاقاً مما تقدّم، ان ما تتعرّض له المقاومة اليوم من حرب ناعمة تشنها ضدّها واشنطن والدول والأنظمة التابعة لها، إنما يندرج في سياق السعي الى تحقيق:

1

ـ محاولة اضعاف والقضاء على المقاومة، التي أسقطت اتفاق 17 أيار والحقت الهزيمة بجيش الاحتلال وحطمت اسطورته عامي 2000 و 2006.

2

ـ إعادة إخضاع لبنان إلى الهيمنة الاستعمارية.. وخصوصا بعدما أصبحت المقاومة تشكل العقبة الكأداء امام هذا المشروع الاستعماري وتسهم في اضعاف سيطرته في المنطقة، وكذلك بعد ان تحولت المقاومة إلى قوة رادعة تحمي لبنان وثرواته من الاعتداءات والأطماع الصهيونية، وتهدد وجود الكيان الغاصب وتجعله في حالة قلق على وجوده، لا سيما بعد انتصارات محور المقاومة في سورية واكتساب المقاومة المزيد من الخبرات والقدرات في الحرب ضد جيوش الإرهاب..

من هنا فإنّ الالتفاف حول المقاومة والتمسك بالمعادلة الماسية، جيش وشعب ومقاومة، هو الضمانة التي أثبتت انها القادرة على حماية لبنان من العدوانية والأطماع والصهيونية، ومنع إعادة لبنان إلى زمن الخضوع للمحتل الصهيوني، والحيلولة دون إنتاج اتفاق مشابه لاتفاق ١٧ إيار المشؤوم الذي اسقطته المقاومة الشعبية والمسلحة وتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى…

%d bloggers like this: