جميل السيّد مدافعاً بالهجوم: فيلتمان خائف!

الجمعة 29 تشرين الأول 2021

جميل السيّد مدافعاً بالهجوم: فيلتمان خائف!

الأخبار

ظهر النائب جميل السيد، اليوم، في مؤتمر صحافي من مجلس النواب خصّصه للرد على إدراج الخزانة الأميركية اسمه في العقوبات، كمن يحاصر «معاقبه» بجملة نقاط اتخذ بها وضعية الهجوم بدل الدفاع عن «براءته». ففي معرض تفنيد خلفيات التدخّل الأميركي، كشف أن أصدقاءه الأجانب من سفراء وغيرهم، كانوا ينقلون له باستمرار انزعاج الأميركي منه، وأنه في الفترة الأخيرة «نصحه أحدهم بالانتباه، كونه بدأ يتحدّاهم ولم يعد يزعجهم فقط، وذلك على خلفية تحضيره منذ 6 أشهر لدعوى في الأمم المتحدة للمطالبة بتعويض واعتذار عن فترة اعتقاله لمدة 4 سنوات في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري». وعزا إدراجه على العقوبات إلى «جملة تراكمات… ومن عجّل بالقرار هو جيفري فيلتمان السفير الأميركي الأسبق في لبنان، والمبعوث الأميركي الحالي للقرن الأفريقي، كون ملفّاته التي ستصل إلى الأمم المتحدة تثبت أن سفيراً عمل لسنوات على اعتقال رجل أمني في لبنان اعتقالاً سياسياً».

ورفض المدير العام الأسبق للأمن العام استخدام كلمة «أنا بريء» لاعتباره أنها تنمّ عن ضعف وأنه ليس بمعرض الدفاع عن النفس، مؤكداً أنه لن يتراجع عن الدعوى التي في صدد تحضيرها وتقديمها في الأمم المتحدة لطلب التعويض والاعتذار عن فترة اعتقاله في قضية الحريري. واكتفى بتفنيد نواقص وخلفيات قرار الخزانة التي اتهمته بالاستفادة من الفساد المستشري في البلد لضرب سيادة القانون، طارحاً جملة أسئلة: «إن كان تحويل الـ 120 مليون دولار الذي تتهمونني به قد تم بالفعل، فسيتم عبر مصرف. فمن أي مصرفٍ تم التحويل؟ وإلى أين؟ متى وكيف؟ وأين المستندات؟ ومن هو المسؤول الحكومي الذي ساعدني في ذلك، ومن المفترض أنه شريكي في التحويل؟». وعن الاستثمار الخارجي الذي تحدّث عنه القرار، سأل: «ما هو هذا الاستثمار الخارجي؟ ولماذا اكتفيتم بعناوين عامة كهذه، في حين أن إدانتكم للآخرين كانت بالأرقام؟».

واستعان اللواء السيد بسرد تاريخي للسنوات السابقة، وتحديداً بمظلومية السجن لسنوات أربع في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فذكّر أنه بين الأعوام «2005 – 2009 كان مكشوف السرية المصرفية وخضع للتدقيق الدولي، واضطرت عائلتي إلى الاقتراض في حينها». وبين الأعوام «2005 و2018، لم يكن لديّ مسؤولية في الدولة، وكنت أقاتل المحكمة الدولية من جيبي»، مضيفاً: «في عام 2018 أصبحت نائباً لا مسؤولية تنفيذية لديّ، لكني أقاتل الجميع وعلى رأسهم النظام المصرفي».

تحصّن الرجل بجيشٍ ممن سمّاهم «الشهود» على حفاظه على القانون وسيادته. إذ اعتبر أن كل المواطنين اللبنانيين هم شهوده، كذلك ضباط وقادة وعناصر الجيش والأمن العام. وفي الشهود أيضاً: «البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير – المعادي لسوريا – حين استثنى الأمن العام خلال إدانته للفساد». وقد اتخذ من السفارات الأجنبية وعلى رأسها الأميركية «التي كان تواصلها يوميّاً مع الأمن العام وأمنها وأمن رعاياها مرتبط به»، شاهدةً بدورها. وطالب بمنحه تأشيرة للذهاب إلى الولايات المتحدة: «أريد مقارعتكم في عقر داركم»، متحدّياً الجانب الأميركي أنه في حال إثبات تحويله مبلغ 120 مليون دولار إلى الخارج، سيذهب نصفه إلى تمويل البطاقة التمويلية والنصف الآخر لإنماء منطقة بعلبك الهرمل.

وفي معرض تأكيد الخلفيات السياسية للقرار، توجّه إلى السفيرة دوروثي شيا، بالقول: «من هو مع إسرائيل فهو معكم، ومن هو ضد إسرائيل فهو ضدكم. تتشرّفين بزيارة ومصافحة أركان الدولة الملطّخة أيديهم بالدماء، وفي الوقت عينه تدّعي أميركا محاربة الفساد في لبنان»، مؤكداً إيمانه بالمقاومة «المحصورة في لبنان»، قبل أن يستدرك موضحاً: «لم تفرض عليّ العقوبات فقط لأنني ضد إسرائيل، إلا أن موقفي هو جزء من خلفيات القرار».

أمّا في ما يخصّ تهمة التحريض «على قتل متظاهري انتفاضة 17 تشرين»، فذكّر السيد أنه وفي كلمة من مجلس النواب اعتبر أن «من يهدّد حرمة منزله ويحاول اقتحامه كما فعل المتظاهرون يومها يستحق إطلاق النار، كدعوة لكل مواطن يتهدّد أمنه وأمن عائلته»، مضيفاً «لم أطلب بشكل رسمي من جهاز أمني أو أي مسؤول قتل الناس».

وبدا لافتاً أن السيد تقصّد عدم الحديث عن رجلَي المقاولات؛ «متعهّد الجمهورية» جهاد العرب، وصاحب إمبراطورية خوري للمقاولات داني خوري، اللذين أدرجت الخزانة الأميركية اسميهما على لائحة عقوباتها إلى جانبه.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

واشنطن ونصرالله: حرب بالنقاط لا الضربة القاضية ترسيم الحدود البحرية والغاز والنفط ساحة المنازلة

  ناصر قنديل

عندما يكون الصراع على زعامة أميركا للعالم من الطبيعي أن يكون القطب المقابل في الصراع كلاً من روسيا والصين، وعندما يتحوّل الصراع إلى عنوان مستقبل الهيمنة الأميركية على آسيا من الطبيعي أن تبرز إيران كقطب مقابل، لكن عندما تقرر واشنطن الانسحاب من المنطقة وتتعثر بعقدة الأمن الإسرائيلي، وتتركز عندها كل خيوط الحركة الأميركية في آسيا واستطراداً بوجه روسيا والصين، يتحول التجاذب إلى قطبين متقابلين، واشنطن في ضفة ويقف حزب الله على الضفة المقابلة، بصفته القوة الممسكة بالتهديد الأكبر على أمن “إسرائيل”، ويتعقد كل المشهد الإقليمي والدولي عند هذه النقطة، وتصير كل قراءة سياسية مدعوة للتوقف أمام المفردات التي يتشكل منها مشهد التجاذب والصراع بين واشنطن وحزب الله، وتصر التفاصيل اللبنانية التي لا تقدم ولا تؤخر في الحسابات الدولية، ذات أهمية استثنائية في هذه الحسابات، فتقرر واشنطن تجميد مفاعيل قانون قيصر للعقوبات على سورية، لتسجيل نقطة في السباق التنافسي الذي أطلقه حزب الله مع سفن كسر الحصار.

ينطلق الفريقان في هذا الصراع من مسلمة استحالة حسمه بالضربة القاضية خصوصاً من الجانب الأميركي، طالما أن حزب الله لا يتطلع إلى الضربة القاضية في المواجهة مع السياسات الأميركية ولا يزعم قدرته على ذلك، لكن المهم أن واشنطن كقوة عاملية عظمى تلاقي الحزب على التسليم بنتيجة مشابهة في ما يخص مواجهتها معه، فكثيرة هي الدراسات والتحليلات التي تتحدث عن استحالة إلحاق هزيمة ساحقة بالحزب، سواء عبر الحرب أو عبر المسارات البديلة، لحروب جانبية، فسقف الرهان الأميركي على تجييش اللبنانيين بنتيجة الدفع نحو الانهيار الاقتصادي هو إضعاف الحليف المسيحي لحزب الله الذي يمثله التيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية كما قال جيفري فيلتمان في قراءته لانتفاضة 17 تشرين التي تحولت إلى برنامج عمل أميركي منذ ذلك التاريخ، والرهان الذي ترجمه الاعتماد على تشكيلات المجتمع المدني وحزبي الكتائب والقوات اللبنانية للاستثمار بهذا الاتجاه، وهو ما يسميه حزب القوات بنقل الغالبية النيابية من ضفة إلى ضفة، وهذا إن حصل لا يغير كثيراً في التوازنات الحاكمة، فالكل يعترف أن أكبر إنجازات حزب الله في فرض إرادته في مؤسسات الدولة كان الفوز بالمجيء بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وهذا حدث عندما كانت الغالبية النيابية عند حلف مناوئ لحزب الله.

الحدثان الكبيران المحيطان بالتجاذبات اللبنانية الداخلية لا يصلح أي منهما لتشكيل المنصة التي سيظهر عليها حاصل التوازنات المتنازع على ترسميها بالنقاط، بعد التسليم بسقوط فرضية الضربة القاضية، فقضية التحقيق التي يقودها المحقق العدلي قاضي بيطار وتشكل محور اشتباك كبير بين واشنطن وحزب الله، واستحضار مخاطرة دفع البلد نحو الحرب الأهلية، التي أطلت بقرنيها من بوابة مجزرة الطيونة، منصتان خطيرتان لكنهما لا تصلان إلى حد تمثيل إحداهما المنصة الرئيسية لتسييل التوازنات، فالذي يعرفه الأميركيون أن سقف كل من هاتين المنصتين مشاغلة حزب الله، من دون القدرة على فرض أي تنازلات عليه، والتحقيق القضائي لو بلغ ذروته بتوجيه الاتهام لحزب الله، وهو أمر إشكالي كبير يبطل كل منهج القاضي القائم على استبعاد جرم تفجير وتركيز الملاحقة على التقصير والإهمال، وليس لحزب الله مسؤول حكومي معني بالمرفأ يمكن ملاحقة الحزب من خلاله، وفتح ملف النترات ومن جلبها ومن استعملها سيسقط قيمة الملاحقات الحالية ويظهر كيديتها، ويمنح حزب الله فرصة الخوض في ملفات موثقة لديه حول مصدر النترات ووجهتها ومن استفاد منها، وفي أسوأ الأحوال إن سار القاضي نحو الاتهام، فلن يكون أشد خطورة من حكم صادر عن محكمة دولية يتهم الحزب باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يغير شيئاً في التوازنات ولم يفتح باباً لتفاوض وتنازلات، أما الحرب الأهلية فهي ليست قراراً يتخذه طرف، ما دام الآخرون غير مستعدين للاستجابة، وسقف الممكن هو المخاطرة بميني حرب أهلية قابلة للتكرار، وهذا يسغل بال حزب الله، لكنه ليس منصة الربح بالنقاط على حزب الله لفتح باب المساومات المفترض أميركياً، فهو لن يكون أشد خطورة في إشغال واستنزاف حزب الله مما مثلته الحرب على سورية بسعتها وامتدادها وجدية ما أتاحته من فرص حشد مقدرات يمكن الرهان عليها لقلب الموازين بوجه حزب الله.

المنصة الوحيدة التي تصلح لتشكيل محور التجاذب، والتي لا تغيب عن خطابات السيد نصرالله هي منصة ثروات النفط والغاز، وهي التي تشكل المحور الأشد أهمية لدى الأميركي، والتي يعتقد الأميركيون أن صرف أي توازنات داخلية لبنانية يتم على منصتها، فعلى هذه المنصة يراهن الأميركيون أن يتم التوصل بشأنها إلى تسوية تتيح استثمار ثروات النفط والغاز على طرفي الحدود، وخلق مناخ اقتصادي يخلق ظروفاً ضاغطة تحول دون التورط في الحروب، التي تخشى واشنطن منها على أمن إسرائيل بعد الانسحاب من المنطقة، طالما أن تحصيل أي تنازلات من حزب الله لضمان أمن إسرائيل صار أعلى مرتبة من المستحيلات، وهذا معنى وصول المبعوث الأميركي لتهيئة ظروف العودة للتفاوض حول ترسيم الحدود البحرية، فما شهدناه ونشهده في قضيتي التحقيق ومجزرة الطيونة، بالونات اختبار لقياس مدى قدرة حزب الله على تجاوز المطبات الخطيرة، وقياس مدى توافر فرص لخلق مناخ داخلي لتمرير تسوية بخصوص الترسيم، لا تحمل إسرائيل أكلافاً باهظة، بعدما قرر الأميركي السير بخيار السعي لفكفكة العقد التي صنعها أملاً بإضعاف حزب الله، وباتت اليوم عبئاً يجب التراجع عنه، لكن بأقل الأكلاف، تماماً كما جرى في الملف الحكومي، فجرى فك الحظر عن ولادتها، لكن لم يفك الحظر عن شروط نجاحها.

قرأ الأميركيون جيداً سلوك حزب الله تجاه ملفي التحقيق ومجزرة الطيونة، وتمعنوا في كلام السيد نصرالله وما بين السطور، وسيحاول موفدهم حول ترسيم الحدود إنعاش التفاوض، وسيحاولون الوصول إلى تسوية يقبلها لبنان، وضمناً حزب الله، وربما يحمل المبعوث الأميركي مسعى القبول بخط الـ860 كلم الذي رفضه سلفه فريديريك هوف وعرض على لبنان نصف المساحة، ويبقى تقدير ما يراه لبنان بتوازناته وحساباته مقبولاً أمراً معلقاً لحين سماع العرض الأميركي، وحتى لو تم التوصل إلى تفاهم فهذا لا يعني أن الأميركي سيترك لبنان سيرتاح، فسيعاود العرقلة في مسار التنقيب، وستبقى المواجهة سجال، ولذلك لا يبدو حزب الله مستعجلاً على حسم الترسيم قبل الرحيل الأميركي من المنطقة، من دون أن يشترك بالسجال حول خطوط الترسيم، أو المراسيم.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

التحقيق وانفجار المرفأ… والفرز الطائفي

 ناصر قنديل

دخل ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت المرحلة السياسية الحرجة مع تحوله إلى بند خلافي على جدول أعمال الحكومة، وبات واضحاً نجاح التجييش الطائفي الذي رافق اللحظة الأولى من الانفجار للتركيز على اعتبار الضحايا والأحياء المصابة من لون طائفي واحد، وتجاهل الطابع الجامع للكارثة التي وحدت اللبنانيين بدماء ضحاياهم وخسائر بيوتهم ومنشآتهم الاقتصادية، ولم تميز بين طائفة وأخرى، ونجح التجييش الطائفي الإعلامي والسياسي بالانتقال إلى البيت القضائي والحقوقي، سواء على مستوى تسمية المحقق العدلي الأول والثاني، أو على مستوى تموضع نقابة المحامين، وصولاً لمقاربة وسائل الإعلام، كما كان واضحاً ويزداد وضوحاً أن اليد الأميركية كانت حاضرة في كل هذه المحطات، تشجع وتحرض وتضع الأولويات، وصولاً للإيحاء بالرعاية للمحقق العدلي من باب وصفه بالنزاهة من الكونغرس الأميركي.

منذ اليوم الأول للأحداث التي انطلقت في الشارع اللبناني في تشرين 2019 حضر الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان ليقول إن قيمة ما يجري بأنه يفتح الباب لقيادة تحول على المستوى النيابي في الساحة المسيحية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ خلق مناخ إعلامي وسياسي لشيطنة حزب الله وتصويره من دون أي مقدمات وبشكل مفارق لكل المعطيات وحجم الأدوار والمسؤوليات، سبباً للأزمة الاقتصادية والمالية، وشيئاً فشيئاً كان هذا الخطاب المفتعل الذي أدى لخسارة تحركات تشرين شارعها الإسلامي، يتحول إلى خطاب رسمي للإعلام المخصص لمخاطبة الشارع المسيحي، ويجد التيار الوطني الحر نفسه محاصراً بشارع يستدرجه شيئاً فشيئاً إلى خطاب مختلف مع حليفه الاستراتيجي الذي يمثله حزب الله تحت شعار الحاجة الانتخابية، حتى جاء تفجير مرفأ بيروت، وتمت برمجة مشهد التحقيق والشارع تحت العنوان الطائفي، ليجد التيار والعهد أنهما أسرى معادلة عنوانها دعم التحقيق والمحقق، على رغم الشعور ببعض الاستهداف في مفاصل التحقيق، وعلى الرغم من عدم منح الأذون لملاحقات طلبها المحقق، بقي خطاب التيار محكوماً بهذه الشعبوية الطائفية وأسيراً لها، تحت شعار اذهبوا إلى المحقق ودعوه يكمل مهمته، ورفض معادلة محاكمة الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى المخصص دستورياً لمحاكمتهم، والشراكة في لعبة التعبئة تحت عنوان لا للحصانات.

في ظل موقف للمرجعيات الدينية المسيحية الداعمة للمحقق والمشككة بكل اعتراض على إجراءاته، مقابل مواقف واضحة للمرجعيات الإسلامية تشكك بسلامة التحقيق وأداء المحقق، يكتمل الانقسام السياسي بوقوف القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر على أرضية واحدة من التحقيق، والمحقق، مقابل موقف موحد لتيار المستقبل وحركة أمل وحزب الله، ولا يفيد تمايز تيار المردة مسيحياً، والحزب التقدمي الإشتراكي إسلامياً، بموقفين متعاكسين بين التشكيك والتأييد، في تغيير الاصطفاف الطائفي، الذي يقسم المجتمع ويقسم البرلمان وبدأ يهدد وحدة الحكومة، كما يصيب المناخ القضائي والحقوقي، بحيث يبدو البلد كله في متاهة الانقسام الخطير التي لم يعرفها منذ نهاية الحرب الأهلية.

مقاربة حزب الله لملف التحقيق ليست مجرد تحسب لأهداف يستشعرها الحزب من حركة المحقق لتركيب ملف اتهامي مباشر أو غير مباشر يخدم مهمة شيطنة الحزب، بل هي محاولة لإخراج الاستقطاب حول القضية من الاشتباك الطائفي، والرهان على العلاقة الخاصة التي تربط الحزب بالتيار الوطني الحر للوصول إلى موقف حكومي يتيح نقل النقاش حول التحقيق من اللعبة الشعبوية الخطرة بدرجة سخونتها وأرضيتها الطائفية، إلى مسار قانوني بارد وتقني يقوم على معادلات بعيدة عن لعبة الشارع من جهة، والتوظيف السياسي من جهة موازية، فهل ينجح أم يبقى الانقسام ويتجذر لأنه جزء من عدة تحضير البلد لدخول الانتخابات مع مطبات سياسية وإعلامية، وفي ظل تشنج طائفي مكهرب على التوتر العالي، يصيب الاصطفافات والتحالفات بشظاياه؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Infographics: NGOs and the American Role

October 4, 2021

Infographics: NGOs and the American Role

By Al-Ahed News

Infographics: NGOs and the American Role

سورية ولبنان ليسا ضمن الأولويّات الأميركيّة؟

ناصر قنديل

ينقلب الذين كانوا يروّجون دائماً لكون لبنان وسورية تحت مجهر المتابعة الدوليّة، والأميركية خصوصاً، الى حد تصوير حال البلدين ترد في برقية موجزة للرئيس الأميركي كل صباح مع الفطور، للتحدث عن هامشية الاهتمام الأميركي بسورية ولبنان، والتبدّل ليس نتاجاً لوطنية هبطت عليهم فجأة، فما عاد يهمهم الاهتمام الغربيّ عموماً والأميركي خصوصاً، بل لسببين ظاهرين، الأول أن مصدر هذا الاهتمام عائد لما يكرهونه ويرفضونه في البلدين، وهو حال المقاومة والصمود التي يريدون تحميلها مسؤولية تهميش كل من البلدين، والثاني أن وجهة هذا الاهتمام ليست في الاتجاه الذي يرغبونه، وهو التحضير لمزيد من الحروب ومزيد من العقوبات، كانوا دائماً من المحرّضين عليها. وهكذا فجأة بتنا نقرأ لأقلام يسميها البعض مرموقة، أصحابها نجوم صحف عربية مموّلة خليجياً، ونجوم إعلام العلاقات العامة الذي يكثر من الضجيج ويفتقد السعي للحقيقة.

بالتوازي ينقلب هؤلاء لتبييض وجوههم عند المموّل المنتمي للعالم للحر ومنظومة حقوق الإنسان والديمقراطية من حكومات الحليج، للتحدّث عن أولوية حاكمة للسياسات الأميركية الجديدة، تتمثل بالاستثمار على الإنجاز المعجزة لعمليات التطبيع التي خلقت حلفاً جديداً في المنطقة يشكل ركيزة السياسات الأميركية سيتم استرضاؤه، والسعي لوضع أولوياته كأولويات أميركية جديدة، ويتغافلون حيث يكتبون ويعلقون كل ما ينشر ويُذاع عن أن حدود الالتزام الأميركي بثنائي التطبيع الخليجي الإسرائيلي، هو الحماية، أما صناعة السياسة فلن تكون لدعاة وأدعياء الالتزام، لا لشيء إلا لأنهم وكلاء تم الاعتماد عليهم قبل التورط الأميركي في حروب المنطقة وفشلوا فشلاً ذريعاً في مهمتهم المتمثلة بتجنيب أميركا التورط في الحروب، وبعد التورط الأميركي تم اعتماد وصفتهم بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران والذهاب الى لعبة التصعيد، والضغوط، وجاءت النتيجة كارثية، حيث يقول المسؤولون الأميركيون الجدد، إن تنامي مقدرات محور المقاومة وإيران نمت بصورة مرعبة في عهد هذا الرهان، من امتلاك المقاومة للصواريخ الدقيقة الى تطور برنامج إيران النووي والصاروخي الى تبلور حضور المقاومة في العراق وتدحرج الانتصارات السورية، وسيطرة أنصار الله على أمن الخليج، وفي قلب التغافل والتجاهل يتعامى هؤلاء ومؤسساتهم الإعلامية عن مجرد ذكر ما يصرّح به المسؤولون الأميركيون حول وقف صفقات السلاح، وإعادة النظر بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وبتصنيف أنصار الله على لوائح الإرهاب، وفتح ملف جريمة قتل الصحافي جمال الخاشقجي.

من الزاوية الواقعية لم يكن لبنان ولم تكن سورية يوماً في مكانة هامشية في السياسات الأميركية، لسبب بسيط هو أن «إسرائيل» ليست في مكانة هامشية في هذه السياسة، ومنذ فشلت إسرائيل في توفير شروط الحماية الذاتية، وصارت واشنطن مسؤولة عن حمايتها، ومنذ صار لبنان وسورية مصدر تهديد جدّي لأمن كيان الاحتلال، دخل البلدان قائمة الأولويات الأميركية، والذي يتبدّل مع السياسات هو وجهة الاهتمام الأميركي، فمع فشل الحروب والضغوط واعتماد الوصفات الغبية للثلاثي، بولتون وبنيامين نتنياهو وبن سلمان، بقي الاهتمام وتغيرت الوجهة نحو كيفية تفادي الأسوأ، وطريق تفادي الأسوأ الذي يحكم السياسة الأميركية الجديدة، انطلاقاً من مقاربة العودة للاتفاق النووي مع إيران، يجد أمامه مع مساعي العودة الآمنة للاتفاق تحت شعار تفادي امتلاك إيران مقدرات إنتاج سلاح نووي، أنه معنيّ بالسير بالتوازي بما يضمن تفادي الأسوأ في ساحات الاشتباك المحورية في المنطقة، والتي نصنع فيها بيئات التصعيد والتهدئة، وخصوصاً لبنان وسورية والعراق واليمن، وليس من باب الفراغ ولا المصادفات، أن تتحرّك واشنطن على الخط اليمنيّ، وأن تتحرّك باريس بإيعاز أميركيّ لاستكشاف وتعديل السياسات بما يتناسب مع مخاطبة المعادلات اللبنانية المحيطة بالمقاومة، وأن يتسابق صناع الرأي والنخب الدبلوماسيّة على تقديم التوصيات والمقترحات لمغادرة الفشل الذريع الذي كانوا رواده وصناعه في سورية، كما هو حال كتابات السفيرين السابقين روبرت فورد وجيفري فيلتمان.

تندّر أحد السفراء الذين رافقوا حقبة فيلتمان اللبنانية، والتي رسمت عبرها سياسات واشنطن نحو لبنان وسورية، وتساءل ماذا لو عين فيلتمان مبعوثاً أميركياً خاصاً في سورية وفقا لتوصياته بالاعتراف بانتصارات سورية ورئيسها، فهل سيجرؤ أصدقاؤه اللبنانيون على مواصلة ما يقولونه عن سورية؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة


هل للترسيم علاقة بمزارع شبعا… وماذا يقول فيلتمان؟

ناصر قنديل

مع الإعلان عن اتفاق إطار التفاوض لترسيم الحدود قفزت الى الواجهة قضية مزارع شبعا المحتلة من مصدرين لا يبدوان على اطلاع بالملف رغم مواقعهما العالية في السياسة والإعلام، المصدر الأول هو من مناوئين للمقاومة واستطراداً لعلاقتها بسورية، طرح فوراً قضية مزارع شبعا داعياً لتسريع ترسيم حدودها مع سورية كي يتسنى استرجاعها ضمن أطر التفاوض الحدودي المقبل. والمصدر الثاني من مناصرين للمقاومة أبدى خشيته من فخ في التفاوض فلم يجد الا القلق من أن يتم الانسحاب من مزارع شبعا لإخراج المقاومة وطرح مصير سلاحها بناء على ذلك. وبالرغم من أن المطالبين بالترسيم مع سورية يدركون أن القرار الإسرائيلي بالانسحاب منها أكبر من مجرد القناعة بكونها لبنانية لأن الحسابات الإسرائيلية للبقاء في المزارع استراتيجية وعسكرية، كما يدرك القلقون على مستقبل السلاح من الانسحاب أن له مهام ووظائف لا ينهيها الانسحاب بل يؤكدها طالما أن الانسحاب ما كان ليتم لولا هذا السلاح؛ يبدو أن نقاش النظريتين حول فرضيات علاقة مفاوضات الترسيم بمزارع شبعا باتت ضرورية.

القضية التي يتجاهلها او يجهلها الفريقان، هي أن رفض الأمم المتحدة الأخذ بالوثائق والخرائط اللبنانية التي تثبت لبنانية المزارع، لضمها إلى ولاية القرار 425 الذي ينص على انسحاب الفوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية للبنان، لم يقم على تشكيك أممي بلبنانية المزارع، ولا بعدم تعاون سورية مع لبنان في تقديم الإثباتات اللازمة للبنانية المزارع، والموقف الإسرائيلي الرافض للانسحاب من المزارع كان مشابهاً للموقف الأممي ان لم يكن سبباً له. فالرفض الأممي والإسرائيلي ينطلقان من معادلة مختلفة، هي ربط مصير مزارع شبعا التي احتلت عام 1967 مع احتلال الجولان السوري بولاية القرار الأممي 242 ووقوعها تحت مهام الأندوف الذي يشكل قوة المراقبين الأمميين لفك الاشتباك في الجولان، وليس القرار 425 الذي صدر عام 1978، ولا ضمن مهام قوة اليونيفيل التي تشرف على تطبيقه في جنوب لبنان، ولذلك فإن كل المراسلات الأممية والإسرائيلية متطابقة لجهة أن ملف الانسحاب من مزارع شبعا المحتلة لن يفتح إلا مع البحث بتطبيق القرار 242 وعندها سيكون للوثائق اللبنانية والتأكيدات السورية عليها معنى ودور في تسهيل استعادتها من قبل لبنان.

الموقف الإسرائيلي لم يخض أي جدال حول لبنانية المزارع والتشكيك بوثائق وخرائط قدّمها لبنان مدعومة بتأييد سوري، بل كان ينطلق دائماً من ربط مصير المزارع بمصير القرار 242، وفي خلفية الموقف حسابات عسكرية استراتيجية تجعل الانسحاب من المزارع من الزاوية العسكرية إضعافا للانتشار العسكري في الجولان، وإخلالاً بتوازنات القوة العسكرية، حيث الترابط الجغرافي بين الجولان والمزارع، يجعل احتلالها ضرورة عسكرية لتثبيت احتلال الجولان، والانسحاب منها خلخلة للقدرة العسكرية على الاحتفاظ بالجولان، أما في الاعتبار الاستراتيجي وهو الأهم، فإن الإسرائيلي عندما ينسحب من المزارع يسلم بأن تطبيق القرار 242 قد فتح من بابه الواسع، فنص القرار واضح لجهة الدعوة للانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها إلى خلف خط الرابع من حزيران عام 67، والمزارع تقع ضمن هذه الأراضي، وكل الوثائق الإسرائيلية في المراسلات الأممية تؤكد هذا المنطلق الإسرائيلي، ما يحول دون أي تراجع قانوني، عن الترابط بين المزارع والجولان، ولذلك سورية التي أيدت وثائق لبنان للمطالبة بالمزارع كانت تقوم بما تستدعيه علاقات الأخوة، خصوصاً أن ترسيم الحدود في المزارع خلافاً لما يعتقده الكثيرون خطأ هو ترسيم قائم وخرائطه موثقة لبنانياً وسورياً، ونقاط تحديده على الأرض قائمة قبل وقوع الاحتلال، وسورية تعرف انها مستفيد رئيسي من الانسحاب الإسرائيلي من المزارع لأنه يفتح الباب واسعاً لطرح القرار 242 على الطاولة، ويضع الإسرائيلي في وضع حرج، بالنسبة للجولان، ويذهب بعض المحللين الإسرائيليين للقول إن الانسحاب الإسرائيلي من المزارع مطلب سوري لإسقاط قرارات ضمّ الجولان وفتح باب إحياء القرار 242.

الكلام الصادر عن الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان خلال حوار مع قناة الحرة الأميركية حول مفاوضات لا ترسيم له قيمة استثنائية، لأن فيلتمان الذي كان سفيراً أميركياً في لبنان خلال طرح قضية المزارع غداة التحرير عام 2000، وأصبح معاوناً للأمين العام للأمم المتحدة، تابع الملف من زواياه المختلفة، ولذلك فهو يجيب عن مصير المزارع من جهة، وعن سياق التفاوض وموازين القوى المحيطة به من جهة أخرى، فيقول «المزارع احتلت عام 1967 وعندما احتلت «إسرائيل» هضبة الجولان فقد شملت هذه المنطقة مزارع شبعا واللبنانيون لم يثيروا مسألة احتلال المزارع في الأمم المتحدة أو غيرها، إلا بعد وقت طويل جداً بعد عام 2000، على إثر انسحاب الإسرائيليين، وهي ليست جزءاً من الخط الأزرق بعد عام 1967 بين لبنان و»إسرائيل»، إنها جزء من الخطوط السورية الإسرائيلية، وأتساءل ما إذا كان حزب الله يتطلع إلى أن يحتفظ بكعكته ويأكلها في الوقت نفسه، كما يقال باللغة الإنجليزية. يعني أن يسمح بحل قضية الحدود البحرية من خلال اتفاق الإطار الذي رعاه الأميركيون، فيمكن للبنان أن يستفيد من احتياطات الغاز وربما يحل أيضاً الخلافات البرية بعد عام 1967، إذ هناك فقط 13 نقطة أحد الأطراف لديه تحفظات عليها، وقد يكون ممكناً حل هذه المسائل الحدودية، ولكن هذا لا يحل مسألة مزارع شبعا. ما يبقي لحزب الله عذر وحجة للحفاظ على ترسانته التي تشكل خطراً على لبنان».

قلق فيلتمان يفسّر قلق جماعته في لبنان ويطمئننا، ولعله لم يرد أن يقلها بالفم الملآن، لكنها تسربت بين شفاهه، أن المقاومة رابح رابح في هذا التفاوض، فهي أسقطت معادلة لا تفاوض ولا حلول في ظل السلاح، وفتحت باب حلول مالية واعدة للبنان، كما يقول فيلتمان، ونعلم ويعلم فيلتمان أن السلاح الحاضر في خلفية التفاوض سيفرض ربط أي استثمار إسرائيلي للثروات البحرية برضا المقاومة، اي بحصول لبنان على حقوقه، ووضعت «إسرائيل» في مأزق الانسحاب من مزارع شبعا وليس المقاومة، التي يحزن فيلتمان ومعه جماعته لأن السلاح باق ويتمدّد.

السياسة فن صناعة الأمل من واشنطن إلى بيروت

ناصر قنديل

يقول نابليون بونابرت إن مهمة السياسي الناجح هي أن يعرف كيف يبيع الأمل للشعب. وعبر التاريخ كانت السياسة شيئاً مختلفاً عن العقيدة، لكنها عندما تنبثق من عقيدة أو من الواقعية ومدارس المصلحة تشبه بعضها بصفتها فن صناعة الأمل، فيتفوّق منها مَن يكون أشدّ إقناعاً بصدقية قدرته على تحقيق وعوده، ويشكل هذا السعي للإقناع محور التنافس السياسي في الانتخابات، والحروب الإعلاميّة والنفسيّة، وتشكل الصدقية عنصراً حاسماً فيه، لكنها ليست العنصر الوحيد، وإلا بقي الرابح رابحاً والخاسر خاسراً. وفي مرات كثيرة ينجح عديمو الصدقية بالفوز في مباريات صناعة الأمل ويخسرها أصحاب المصداقية، وتدور كل معارك السياسة على سعي لا يتوقف على صناعة الأمل لجمهور يشكل بيئة القوة لصاحب السياسة، وتدمير الأمل عند فئة مقابلة تسمّى الخصم أو العدو، وهذا هو ما يُعرف بكي الوعي.

في واشنطن تدور منافسة رئاسية حامية الوطيس، تبدو مغايرة عن كل سابقاتها من مشهد المناظرة التي دارت بين الرئيس دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن، وبالمقارنة بين ما قدّمه الفريقان، وما قدّمه أسلافهما، ليست القضية بتدنّي مستوى النقاش واللجوء الى البذاءة والشتائم، كما علقت وسائل الإعلام الأميركية، بل بفقدان القدرة على المشاركة في صناعة الأمل، فعندما نعود للأمس القريب وحملتي كل من باراك أوباما الديمقراطي ودونالد ترامب الجمهوري، نجد المشاريع الانتخابية التي طغت على مطالعات المرشحين في المناظرات، ومهدت لكسبهم الفوز في الانتخابات، فقد تركزت حملة أوباما على عنواني سحب القوات الأميركية من العراق ولاحقاً من أفغانستان، وتعديل النظام الضريبي بما يتيح تأميناً صحياً منصفاً بحق الفقراء وذوي الدخل المحدود، وكانت وعوده مصدر أمل للأميركيين الذين ضاقوا ذرعاً من حروب عبثية ورطتهم بها إدارة الرئيس جورج بوش، فيما يعاني نصف الأميركيين من فشل نظام التأمين الصحي الذي لا يحقق الأمان إلا للأغنياء وشرائح من الطبقات الوسطى. وفي حملة الرئيس ترامب، كانت صناعة الأمل بالانتقال من وعد بأميركا العظمى إلى أميركا العظيمة، وأميركا أولاً، والتخلي عن دور شرطي العالم، في ظل بنى تحتية متهالكة وتراجع في مستوى التعليم وتدهور الصناعة وتخلف الأرياف، بينما بدت الحملات الانتخابية لهذا الموسم الرئاسيّ خالية من أي مصدر لصناعة الأمل، فترامب الذي خان شعاراته الانتخابية وبايدن الذي لا يملك إلا إنجازات أوباما للتذكير بها، تحوّلا مهاترة شخصية، في إعلان موت السياسة، ما يعني فتح الباب لخيارات قاتمة.

في فلسطين المحتلة يتقابل كيان الاحتلال مع الشعب الفلسطيني في ظل لاتوزان غير محدود بالمقدرات ومستويات الدعم الخارجي السياسي والمعنوي والمادي، لصالح الكيان، لكن المعركة تظهر صعوداً فلسطينياً مقابل الهبوط الإسرائيلي، والعامل الحاسم هو أن الفلسطينيين باتوا مشبَعين بالأمل بأن الغد لهم، منذ انتصار المقاومة في لبنان وتالياً في غزة، وهو أمل ينمو كل يوم، بينما المستوطنون الذي عاشوا على نمو الأمل ببقائهم في فلسطين بعد انتصار جيش الاحتلال في حرب العام 67، تأرجحوا على حبال الصعود والهبوط منذ حرب تشرين عام 73، وصولاً لبدء العد التنازلي المتواصل للأمل منذ انتصار المقاومة عام 2000، وحيث كل يوم تزرع فيه المقاومة بقيادتها وحربها النفسية، مزيداً من الشكوك في نفوس المستوطنين، تنجح بزرع المزيد من الأمل في جمهورها، خصوصاً في فلسطين بأن الغد لهم، وقد صارت إصابة الكيان في روحه وتفوّقت المقاومة في روحها، ولم يعد ينفع في تغيير هذه المعادلة لا أكاذيب بنيامين نتنياهو عن أماكن الصواريخ، ولا تطبيع الخليج، وبات مفعول كل منهما لا يتعدّى الليلة التي يُطلَق فيها، ما يعني نهاية مهمة السياسة.

في لبنان، رغم المحاولات المتعددة والمختلفة المصادر، يتراجع الأمل بمكافحة الفساد وبناء دولة القانون، بعدما نجح التبشير بعهد الرئيس ميشال عون كمدخل للإصلاح والتغيير، وجاءت بعده انتفاضة 17 تشرين وأعادت إحياء أمل باتجاه آخر، وتحولت الفرصتان إلى الشكوى من العجز والضعف بمعزل عن المبررات، فأخليت الساحة لتنافس بين وعدين بالأمل، وعد بالكرامة مشفوع بالإثبات تمثله المقاومة، ووعد بالازدهار المفترض، شرط التخلي عن المقاومة، وليس خافياً أن ما يتعرّض له لبنان من تدمير اقتصادي وإفقار ودفع للإفلاس يتم تحت عنوان ترجيح كفة الوعد بالازدهار. وهو الوصف الذي أطلقه الدبلوماسي الأميركي السابق جيفيري فيلتمان على الخطة الأميركية لضرب المقاومة، واستجابت لها دعوة الحياد، كما ليس خافياً أن هذه المنافسة تدور على منصة المبادرة الفرنسية ايضاً، وهي التي تفسر فشل مهمة الرئيس المكلف مصطفى أديب، وهي أرضية السجال الدائر حولها، من كلام الرئيس الفرنسي إلى رد الأمين العام لحزب الله والرد على الرد من نادي رباعي رؤساء الحكومات السابقين، ما يعني احتدام السياسة إلى حدّ الفوضى.

ردّ رؤساء الحكومات السابقين

سارع نادي رؤساء الحكومات السابقين للردّ على كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فقال إن السيد نصرالله خالف الحقائق مقدماً حججاً يعتقد أنها ترد له الاعتبار وتثبت صحة مقاربته.

قال النادي إن المبادرة الفرنسية بنيت على ضرورة تعليق كل ما يمتّ الى​ السياسة الداخلية التقليدية، ومسألة تنافس الكتل والأحزاب، لأشهر معدودة بحيث تتفق ​الكتل النيابية​ الرئيسية على حكومة إنقاذ مصغرة. و”النادي” أشد العارفين بأن كل هذا الكلام هو كلامه هو وليس من المبادرة الفرنسية بشيء، ومثلها لا مكان للمداورة ولا لمن تسند حقيبة المال في نص المبادرة ولا في الكلام الشفهي الذي قاله الرئيس الفرنسي في قصر الصنوبر.

قال «النادي» إنه لم يلعب دور الوصاية على الرئيس المكلف، ولم يكن له دور في تشكيل الحكومة. وهو يعلم أن الذي ذهب يفاوض الرئيس نبيه بري على طلب حقيبة المال هو الرئيس سعد الحريري، وأن الرئيس المكلف بعد مفاوضاته مع ممثلي الثنائي طلب الإستمهال لمراجعة رؤساء الحكومات السابقين، ويعلم «النادي» أن تسمية الرئيس المكلف انطلقت من عنده بتصريح للرئيس فؤاد السنيورة، قد تمّت على قاعدة ضمان تغطية ميثاقية التسمية طائفياً، وبدعة «النادي» هي ميثاقية لمرة واحدة يضمن من خلالها خلافاً للديمقراطية، التي تمنح الغالبية حق التسمية، ويريد اغتصاب الحكومة خارج هذه الميثاقية، المنصوص عليها بتمثيل الطوائف بصورة عادلة في الحكومة، والعدالة في طريقة التسمية قبل أي شيء آخر.

يستعيد «النادي» تأييد رئيس الجمهورية للمداورة في وجه كلام السيد نصرالله، لكن هذا التأييد لا يجعل المداورة ضمن المبادرة الفرنسية، لكنه حجة على «النادي» الذي لم يشفع عنده كلام رئيس الجمهورية المؤيد للمداورة ليتم التعامل معه وفقاً للأصول الدستورية، فيتّهم السيد نصرالله بافتعال مشكلة بين «النادي» ورئيس الجمهورية، فهل قام الرئيس المكلف بالتفاهم مع رئيس الجمهورية على حجم الحكومة وتوازناتها الطائفية والسياسية، وكيفية تسمية وزرائها؟ وهو ما طالب به رئيس الجمهورية علناً. مضيفاً انه لم يسمع من الرئيس المكلف شيئاً، خلال ثلاثة أسابيع، فهل هذا هو الدستور والحرص على صلاحيات رئيس الجمهورية؟

يقول «النادي» إن كلام السيد عن الشأن الاقتصادي ينسف المبادرة الفرنسة، فهل نصّت المبادرة على التوقيع من دون نقاش مع صندوق النقد الدولي، ويقول إن التحذير من تكرار سيناريو 5 ايار 2005 هو تهديد من دون فهل يقصد بذلك تأكيد الاتهام بالسعي للتكرار؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بين الموقف السعودي والفيتو الأميركي… ودور نادي الرؤساء!

حسن حردان

شكل موقف الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لناحية توجيه الاتهام الى حزب الله بالإرهاب، واشتراط عودة الاستقرار للبنان بنزع سلاح المقاومة، شكل مؤشراً واضحاً لا لبس فيه على تماهي موقف المملكة مع الهدف الأميركي المُراد تحقيقه في لبنان في هذه المرحلة، كون الموقف السعودي إنًما هو يُجسّد ويُترجم السياسة الأميركية في لبنان وعموم الوطن العربي والشرق الأوسط.. ذلك أنّ السياسة السعودية إنما هي مرتبطة تماماً بالسياسة الأميركية، وليست مستقلة عنها…

والهدف الأميركي هو إخراج حزب الله وحلفائه من السلطة وتغيير المعادلة النيابية، في سياق خطة مدروسة، كان قد شرحها بالتفصيل السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان في شهادته الشهيرة أمام الكونغرس الأميركي في شهر تشرين الثاني 2019.

ولتحقيق هذا الهدف، أقدمت واشنطن على تشديد الحصار المالي على لبنان وتفجير الاستقرار فيه وربط تسهيل الحلول للأزمة ورفع الحصار عن لبنان بإقصاء حزب الله وحلفائه عن السلطة التنفيذية، عبر فرض تشكيل حكومة من الاختصاصيين، يكون ولاؤهم للسياسة الأميركية، لضمان تنفيذ خطة إنجاز انقلاب سياسي في لبنان على غرار انقلاب 2005 للسيطرة على السلطة وتحقيق الأهداف الأميركية التي تنسجم أيضاً مع الأهداف الصهيونية… وهي:

فرض الهيمنة الأميركية على لبنان وإخضاعه بالكامل لتوجهات الولايات المتحدة، وإنهاء وجود المقاومة ونزع سلاحها، وتأمين أمن الكيان الصهيوني، وفرض اتفاق لترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وفلسطين المحتلة يحقق لكيان العدو أطماعه في ثروات لبنان النفطية والغازية والمائية، وصولاً إلى فرض خطة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، والتي لا يمكن أن تفرض طالما هناك مقاومة تملك القدرات والإمكانيات الردعية وتشكل جزءاً من محور مقاوم يعيق تعويم مشروع الهيمنة الأميركي…

لذلك فإنّ طرح موضوع المداورة في حقيبة وزارة المالية، ومن ثم إعلان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري اقتراح أن يسمّي الرئيس المكلف مصطفى أديب وزير شيعياً مستقلاً، إنما يضمر محاولة تمرير الخطة الانقلابية الأميركية السعودية الأشمل، والتي تقتضي قلب المعادلة في لبنان عبر تغيير قواعد اللعبة السياسية وفرض آليات جديدة لتشكيل الحكومة، يتولى نادي رؤساء الحكومات السابقون التحكم فيها من خلال إظهاره في صورة، أولاً، من يسمّي الرئيس المكلف، وثانياً، من يشكل معه الحكومة من دون أيّ مشاركة من الكتل النيابية ورئيس الجمهورية، وأنّ المطلوب ألا يعترض أحد على ذلك، والقبول بالتشكيلة الحكومية والطريقة المبتكرة في تأليفها، وإلا تكونوا، (أيّ الكتل النيابية التي تمثل الأكثرية)، تعرقلون المبادرة الفرنسية، وتقفون عقبة في طريق إنقاذ البلاد من الكارثة الاقتصادية والمالية إلخ…

والرهان في محاولة تمرير هذه الخطة من قبل نادي الرؤساء، إنما على…

أولاً، إحداث شرخ في العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله وصولاً الى تفكيكه.. من خلال محاولات فريق المستقبل والقوات اللبنانية، التصويب بشكل مستمر على هذا التحالف بتحميله مسؤولية الأزمة من جهة، وتغذية التناقضات والخلافات والعمل على تأليب قواعد الطرفين ضدّ بعضهما البعض من خلال إثارة الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ثانياً، إطلاق مناورات مستمرة مفخخة لوضع تحالف حزب الله ـ أمل في وضع حرج… فإذا قبل يكون قد وقع في فخ الموافقة على ولادة حكومة انقلابية يسمّيها، من ألِفها إلى يائها، الرئيس المكلف مصطفى أديب ومن ورائه نادي رؤساء الحكومات السابقين، أما إذا رفض التحالف فإنه يجري اتهامه بالعرقلة ويُحمّل المسؤولية عن تعطيل تشكيل الحكومة.

ثالثاً، ممارسة الضغط الاستثنائي على التيار الوطني عبر…

1

ـ استغلال المبادرة الفرنسية التي تلقى قبولاً وترحيباً عاماً، لا سيما في الوسط المسيحي، انطلاقاً من الارتباط الثقافي والعلاقات المصلحية الاقتصادية مع الغرب.

2

ـ الضغط الأميركي بسلاح العقوبات، والذي رفع الأميركي من منسوب التهديد به لقيادات في التيار الوطني وفي المقدمة الوزير جبران باسيل، إذا ما وقف ضدّ تشكيل حكومة يختارها أديب.. وكانت العقوبات على الوزيرين السابقين، علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، في سياق هذه الخطة الأميركية لإرهاب حلفاء حزب الله ودفعهم إلى الرضوخ للمطلب الأميركي القاضي بفرض تشكيل حكومة تكنوقراط أميركية الهوى. تكون الأداة لتمرير جملة الأهداف المُراد تحقيقها في لبنان…

3

ـ ممارسة الضغوط من قبل بكركي على الرئيس ميشال عون، لمنعه من الاعتراض على تشكيل حكومة، منزلة عليه بالبراشوت، وبالتالي دفعه الى التخلي عن ممارسة صلاحياته الدستورية التي تضمن له الحق بالمشاركة في تأليف الحكومة مع الرئيس المكلف.

انطلاقاً مما تقدّم، باتت الصورة واضحة، مهما جرى تمويهها، وهي الضغط بكلّ الوسائل لفكّ عرى التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وفرض تشكيل حكومة اللون الأميركي.. واقتراح الرئيس الحريري بأن يسمّي أديب وزيراً مستقلاً للمالية من الطائفة الشيعية، لا يخرج عن هذا السياق، وهو مناورة حيكت في مطبخ نادي رؤساء الحكومات السابقين، لتعلن باسم الحريري لضمان خطة الرجعة في حال فشلت محاولة تمريرها، والرئيس فؤاد السنيورة يتقن حياكة مثل هذه المناورات المفخخة، التي جرى تصويرها على أنها تنازل كبير في حين هي بالجوهر تريد دسّ السمّ في العسل، لتمرير حكومة يختار كلّ وزرائها نادي الرؤساء.. وفي الحالتين هي خروج على دستور الطائف الذي يحدّد بوضوح كيفية تشكيل الحكومة على أسس التمثيل البرلماني والطائفي والميثاقي.. كما يحدّد دور رئيس الجمهورية في المشاركة في عملية تأليف الحكومة مع الرئيس المكلف…

من هنا فإنّ المهمة الملحة الملقاة على عاتق تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر إنما هي…

1

ـ التنبّه لخطورة المخطط الذي يستهدف النيل من تحالفهما، وإقصائهما عن السلطة وإضعاف تمثيلهما الشعبي والوطني.. وإعلان التمسك، أكثر من أيّ وقت مضى، بهذا التحالف، (وهو ما أكد عليه بالأمس الوزير باسيل)، والعمل على تحصينه والتصدي بخطة موحدة بالتنسيق مع كلّ القوى الوطنية، لمنع الانقلاب على قواعد دستور الطائف التي تضمن مشاركة الكتل النيابية وفق أحجامها التمثيلية، وعلى أسس التمثيل الطائفي والحفاظ على الميثاقية.. ريثما يتمّ تطبيق البنود الإصلاحية في اتفاق الطائف، لإلغاء الطائفية السياسية المنصوص عليها في المادتين 95 و22 من الدستور.

2

ـ الامتناع عن إطلاق أيّ تصريحات علنية حول مسائل الخلاف، والتركيز على أهمية القضايا المشتركة التي قام عليها التحالف، لا سيما في هذه المرحلة التي يستهدف فيها هذا التحالف بسهام أميركية مسمومة، وبسهام خصوم الداخل، الذين يراهنون على تفكيك التحالف لتحقيق ما يطمحون إليه من العودة إلى فرض هيمنتهم على السلطة، وإضعاف شعبية وتمثيل التيار الوطني الحر في الشارع المسيحي باعتبار ذلك مقدمة أيضاً لمحاصرة حزب الله المقاوم.. وهو ما يشكل أيضاً هدفاً مركزياً لرئيس حزب القوات سمير جعجع، الذي باتت تتمحور معظم مواقفه حول كيفية تحقيق هذا الهدف الذي يعتبره هو الأساس في نجاح أو فشل الخطة الأميركية الانقلابية للإمساك بناصية القرار السياسي في لبنان وقلب المعادلة النيابية…

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation

by Nasser Kandil

The Lebanese Parliament Majority stands before the scenario of a new Lebanese government in a changing international and regional climate.  Expressive of the most nationalistic views among all the other Lebanese political power groups, it faces a crucial test equivalent in magnitude to its responsibilities. This Majority supports Al Mukawama, and defends Lebanese independence in the face of subjugation schemes titled on one occasion as “neutrality” and on many others as complete surrender to American demands which begin and end with the full preservation of Israeli interests.

The considerable responsibility carried by this Parliamentarian Majority includes an awareness of the changes resulting from the West’s fear of Lebanon moving towards choices defines by French President Emanuel Macron as “the West’s loss of this sensitive spot in the East Mediterranean,” and described as “strategic competition” by the U.S. Diplomat Jeffrey Feltman. Included in these changes is the West’s calculation of risks associated with the confrontation with Al Mukawama Axis, at its head Iran, and a dissension about ways of confrontation, in which settlement offers is one considered way of confrontation, where Lebanon becomes a major experimental field to test chances for their success.

Everything points to the world and the region swimming in muddy swaps filled with surprises, Lebanon and the region dancing on a hot tin roof, uncertainty of outcomes, and experimental balloons rather than final policies.  For those reasons, the Parliamentarian Majority’s bigger responsibility lies in not falling prey to fantasies about an end to confrontation, or any decisive settlement, or the positioning of the West outside of the language of pressure, or of favoring unilateral investments to improve economic conditions at the price of political concessions as long as immutable tenets of sovereignty remain untouched.

Considerations in the formation of a new government come within the context of this scenario of changes and uncertainty.  Among these considerations is the possibility of a representative government, or one acceptable to, if not representative of, all major political factions. In all cases, what is being considered is a government which ends the political fragmentation which followed the resignation of the unity government headed by Saa’d Al Hariri  before the October 17 uprising.

Prior to any discussion of hypotheses and possibilities, chief of which is about the naming of a Prime Minister to head the new government, a major question should be asked about the failure in governing by the Majority’s choices, before and after it became a Majority in Parliament, and before and after a team member became President, and when it shared the government with its opponents, and on the occasion it exclusively participated in the formation of the government.

Any fair review will reveal that the defect does not lie in the opponents or in circumstances but in these power groups’ considerations related to groupings, party, or religious sect and unrelated to government. Such considerations resulted in a fragile coalition, incapable of constructing a serious and effective governmental plan. A clear and simple proof is that the dissention in partnership governments which stood in the way of numerous accomplishments, was dissention between the power groups within the Coalition rather than with their opponents. Further proof is that nothing changed when the Majority formed its government. The same disagreements, suspicions, and accusations persisted, and the same failure was reaped. Without rectification of this defect, a replication of such failures is inevitable.

There are serious Lebanese and foreign deliberations about calling on the former Prime Minister Saa’d Al Hariri to form a new government. There are two approaches the Majority can adopt towards this hypothesis. One approach is a familiar one, characterized by giving precedence to categories, party, and sectarian considerations, which it had adopted in the past, and was rewarded with failure.  Such approach consists of holding on to a heterogeneous mix during deliberations which separates and goes back to its original groups and their insistence on quotas in projects and in the naming to official positions, and disintegrates anew within the formed government, regardless of who is named as Prime Minister.

Sufficient to consider is the distance separating the Free National Movement from the Marada Movement, and the way the late government was formed without the participation of the Syrian Nationalist and Social Party, and the features of marginalization of the Consultative Gathering in deliberations about governmental options. Such consideration highlights the loss in value of the improvement in the relationship between the Amal and the Free National Movements, which has allowed the success of the Coalition’s prominent Trio in interactions and discussions as one team seeking a unified approach, unless such improvement can guarantee success in changing the approaches adopted thus far to allow a change in outcomes.

Such change is predicated on two conditions.  The first is to widen the dialogue and unify the constituents of the Parliamentarian Majority into one political front united in views, positions, and approaches.  The second is to put forth a plan for the new government in which priorities take precedence over the naming for positions.  Principal among the priorities are (1) a new election law which brings Lebanon closer to a secular country in compliance with Article 22 of the Lebanese Constitution, (2) an economic rebirth based on reinforcing productivity, (3) openness to the oriental depth and to Syria as a priority, (4) openness to the variety in the numerous economic options in the world, at its head China and the plans made possible through cooperation with her, (5) refusal of any exchange of sovereignty for money be it in matters related to the designation of the border lines or in the matters related to the Syrian and Palestinian Refugees.

The most dangerous step the Majority could take would be to believe that it can rest once Prime Minister Hariri or someone similar to him undertakes the formation of a new government acceptable to all, because the responsibilities imposed by the current economic burdens and by  an  economic resurgence do not lie with the new government alone.  Outcomes after a new government is in place will come step by step. A price in sovereignty will be attached to every financial facilitation offered by the West.  The Parliamentarian Majority will be blamed each time it rejects such type of offer, or will be pushed into ornamenting such offers only to fall into the many traps set for it. Furthermore, the Majority will be divided as a result of each of its components bargaining of their share in the new government, or in case of the failure to form one and a return to square one, the Majority will be blamed for such failure.  It will lose the golden time separating it from new elections. The price it will pay will be the loss of its majority status in a new parliament.  Deprived of new election law, it will be driven by the force of the current election law to the loss in its majority on the eve of the Lebanese Presidential election.

غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

ناصر قنديل

في مناخ دولي وإقليمي متغيّر تقف قوى الغالبية النيابية أمام المشهد الحكومي الجديد. وهذا الامتحان حاسم بقياس مسؤولية هذه القوى، بصفتها التعبير الأشد وطنية بين القوى السياسية، بوقوف هذه الغالبية وما تمثل من حاضن للمقاومة ومدافع عن الموقف الاستقلالي بوجه مشاريع الاستتباع المسمّاة مرّة بالحياد ومرّات بالخضوع التام للإملاءات الأميركية التي تبدأ وتنتهي عند حدود المصالح “الإسرائيلية”، والمسؤولية تقتضي عدم تجاهل المتغيّرات الناتجة عن الخشية الغربية من ذهاب لبنان إلى خيارات أسماها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون بخسارة الغرب، لهذا الموقع الحسّاس في شرق المتوسط، ووصفها الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان بالتنافسية استراتيجياً، والمتغيرات في جزء آخر منها نتاج الحسابات التي يقيمها الغرب لمخاطر المواجهة مع محور المقاومة وعلى رأسه إيران، وانقسامه حول سبل المواجهة، ومن بينها عروض التسويات، التي يشكل لبنان أحد عناوين الاختبارات الرئيسية لفرصها، لكن المسؤولية تقتضي أكثر عدم الوقوع في أوهام انتهاء المواجهة، أو حسم خيارات التسويات، أو تموضع غربي خارج لغة الضغوط لصالح الإستثمار الأحادي على فرضيات تعويم الوضع الاقتصادي بأثمان سياسية تسووية لا تمسّ الثوابت السياديّة، فكل شيء يقول إن العالم والمنطقة يسبحان في وحول مستنقع مليء بالمفاجآت، وإن لبنان والمنطقة يرقصان على صفيح ساخن، وإن النهايات غير محسومة، وبالونات الاختبار ليست سياسات نهائية.

في قلب هذا المشهد تجري مقاربة الملف الحكومي، وإمكانية حكومة جامعة أو حكومة يرضى عنها الجميع إن لم تكن حكومة تمثيل الجميع، ولكنها في كل الأحوال حكومة تنهي الانقسام السياسي الذي أعقب استقالة الحكومة الجامعة التي ترأسها الرئيس السابق سعد الحريري قبل انتفاضة 17 تشرين، وقبل الدخول في مناقشة الفرضيات والاحتمالات، التي يتصدّرها الحديث عن تسمية رئيس يكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، يجب طرح السؤال الجوهريّ عن سبب فشل خيارات قوى الغالبية في العمل الحكوميّ، قبل أن تصير غالبية وبعد أن صارت، وقبل أن يصل من فريقها رئيس للجمهورية وبعد وصوله، وعندما كانت تشارك خصومها في حكومات، وعندما تفرّدت بتشكيل حكومة، وأي مراجعة منصفة ستكشف أن الخلل ليس في الظروف ولا في الخصوم، بل بكون هذه القوى تعاملت بحسابات منفصلة مع الملف الحكومي، وهي حسابات يغلب عليها الطابع الفئوي الحزبي والطائفي، فبقيت مجرد حلف هش عاجز عن تشكيل مشروع حكومي جدي وقادر، والدليل البسيط والأوضح على ذلك هو أن الخلافات التي حالت دون تحقيق الكثير في حكومات الشراكة كانت خلافات أطراف الغالبية فيما بينها وليست خلافاتها مع خصومها، وعندما شكلت الغالبية حكومتها لم يتغيّر شيء، وبقيت الخلافات وبقيت الشكوك والاتهامات، وبقي الحصاد الفاشل نفسه، ومن دون مراجعة هذا الخلل سيُعاد إنتاج النتائج ذاتها.

التداول بفرضية تسمية الرئيس السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة جدّي، داخلياً وخارجياً، لكن ثمة طريقتان في مقاربة هذه الفرضية من قبل الغالبية، طريقة تقليدية تعرفها قوى الغالبية وسبق وسلكتها وحصدت الفشل، وهي تغليب المقاربات الفئوية الحزبية والطائفية، والبقاء خليط غير متجانس يتفرق بعد التسمية إلى مكوناته الأصلية في حسابات الحصص، ويتفكك مجدداً داخل التركيبة الحكومية بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة، حول محاصصة المشاريع والتعيينات، ويكفي النظر للمسافات الفاصلة بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، والنظر للطريقة التي انتهت بعدم مشاركة الحزب السوري القومي الاجتماعي للحكومة الأخيرة، وبملامح تهميش اللقاء التشاوري عن التداول بالخيارات الحكوميّة، لمعرفة أن التحسن على خط العلاقة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر، الذي أتاح نجاح الثلاثي الأبرز في الغالبية في التلاقي والحوار كفريق يسعى لرسم مقاربة مشتركة، يفقد قيمته ما لم يرتبط بشرطين، يضمنان له النجاح بتغيير قواعد المقاربات كي تتغيّر النتائج، الشرط الأول توسيع الحوار ليطال مكوّنات الغالبية كجبهة سياسية يجب أن توحّدها النظرة والمواقف والمقاربات، والشرط الثاني وضع برنامج أولويات للحكومة الجديدة يتقدّم على التسميات، وفي أساسه قانون انتخابات جديد يقترب بلبنان من الدولة المدنية وفقاً لصيغة المجلسين المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور، وخطة نهوض اقتصادي تقوم على تعزيز الإنتاج والانفتاح على العمق المشرقي وفي الأولوية سورية، والانفتاح على التنوع في الخيارات المتعددة اقتصادياً في العالم وفي الطليعة الصين وما تتيحه مشاريع التعاون معها، ورفض أي مقايضات للسيادة بالمال سواء في ترسيم الحدود أو في قضايا النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين.

أخطر ما قد تُقدم عليه الغالبية هو الاعتقاد أنها سترتاح بمجرد تولي الرئيس الحريري أو من يشبهه مهمة تشكيل حكومة ترضي الجميع، لأن مسؤولية المتاعب الاقتصادية وكذلك مسؤولية النهوض بها لم تعد في حضنها وحدها، لأن الحصيلة ستكون خطوة خطوة، وضع ثمن سيادي لكل تسهيل غربي مالي يجري تحميل الغالبية مسؤولية إفشاله، أو دفعها لتزيين قبوله بالسقوط التدريجي في الفخاخ، والغالبية ستكون مفككة وقد ساوم كل من أطرافها على حصته، وفي حال الفشل والعودة إلى المربع الأول ستحمل الغالبية مجدداً المسؤولية، كما ستكون قد تسببت بخسارة ما تبقى لها من وقت ذهبي يفصلها عن الانتخابات، التي ستدفع فيها ثمناً يسحب عنها صفة الغالبية، وستحرم من إنتاج قانون جديد، وتؤخذ بقوة القانون الحالي إلى خسارة غالبيتها عشية الانتخابات الرئاسية.

فتّش عن المستفيد لتتعرّف على المجرم

د. جمال شهاب المحسن

ما صدر مؤخّراً بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي نشأت خارجَ الأصول الوطنية السيادية اللبنانية والقوانين الدولية ولم يفاوضْ بشأنها رئيس الجمهورية اللبنانية ولم يصادقْ عليها مجلس النواب في خرقٍ فاضحٍ للدستور اللبناني، وبعد تنصّلِها من صلاحيتها في ملاحقة الشهود الزور واعتمادها على «أدلة ظرفية» قاصرة وغير ذات قيمة ثبوتية من خلال الاتصالات «الهاتفية المتزامنة» دون معرفة مضامينها وما دار فيها كأحد ركائز التحقيق والمحكمة والحكم والتي لا ترقى الى مستوى القرينة والدليل الفعلي، لا يُنتظر من هذه المحكمة إحقاقُ الحق ولا إقامةُ العدل.. وهنا لا بدَّ من التساؤل عن غياب وتغييب كلّ الفرضيات والحقائق والشواهد في مسار التحقيق الدولي والمحكمة الدولية منذ خمسة عشر عاماً التي تؤدي إلى توجيه أصابع الاتهام للكيان الصهيوني الإرهابي المجرم والولايات المتحدة الأميركية وأدواتهما المستفيدين الحقيقيين من الانقلاب السياسي والإعلامي والأمني الذي حصل في لبنان بعد اغتيال الحريري، وهذا يأخذُنا مباشرةً الى موضوع تضليل التحقيق الدولي والشهود الزور الذين ضلّلوا التحقيق ضمن خطةٍ مصمّمةٍ لذلك لاتهام سورية وحزب الله والضباط الأربعة وإبعاد التهمة عن المستفيدين الحقيقيين من عملية الاغتيال.

قبل سنوات صدر كتاب بعنوان: «النفاق الأميركي» لمؤلّفه عمران أدهم الوثيق الصلة بالأميركيين، سلِّط فيه الضوءَ على كثيرٍ من المخططات الأميركية في «الشرق الأوسط» وفي العالم، وأخطر ما فيه هو أنّ الولايات المتحدة الأميركية و»إسرائيل» كانتا وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. ويتضمّن الكتاب شهادات يقول المؤلف إنها نُقلت إليه شخصياً من أصحابها الذين كانوا مسؤولين كباراً في المخابرات الأميركية ويوردُ أسماءهم الصريحة، ويؤكد في الوقت نفسه أنه يملك ما يوثِّق هذه الإفادات وهو مستعدٌّ لعرضها إذا لزم الأمر، إذ يقول حرفياً: «إنني أحتفظ بعناية بالمستندات التي رفدتني بالمعلومات والأسرار الكبيرة والصغيرة وأنا على استعداد كامل للكشف عنها إذا لزم الأمر» ص 78.

ويتابع : يقول «جون بيركنز، أحد كبار المسؤولين في المخابرات المركزية الأميركية (قبل تقاعده)، روى لي القصة كاملة وأنقل وقائعها على لسانه حيث قال: «المسؤول عن موكب الحريري كان يعرف جيداً الساعة الصفر، ولأنه كان يعرف، فقد امتنع عن مرافقته عندما كان يستعدّ للانتقال من مجلس النواب إلى دارته في قريطم، بل إنه هو الذي أشار على الموكب بسلوك الطريق البحري في طريق العودة». مضيفاً: «إنّ الأقمار الأميركية والإسرائيلية صوّرت عملية الاغتيال، إضافةً إلى طائرة هليكوبتر إسرائيلية كانت في الجو في محاذاة الشاطئ اللبناني وكانت تراقب سير العملية، وقد رفضت الإدارة الأميركية أن تتولى لجنة تحقيق لبنانية التحقيق في العملية.. وفي تلفيق التهم، تمّ اختيار المحقق الألماني ديتليف ميليس كي يرأس لجنة تحقيق دولية ووافق على تشكيلها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان». ص 80 .

ويضيف أيضاً: «وبالمناسبة، أقول (والكلام لبيركنز) إنّ سيارة الحريري كانت مزوّدةً بأجهزة رصد تقنية متقدّمة لا تستطيع أيّ دولة ـ باستثناء الولايات المتحدة الأميركية و»إسرائيل» ـ تعطيلها. كذلك، مهمة التعطيل هذه أوكلت إلى الباخرة الإسرائيلية التي كانت ترابط على حدود المياه الإقليمية اللبنانية تساندها من الجو طائرة أواكس أميركية وهليكوبتر إسرائيلية». ص 81.

ثم يقول في الصفحة 84: «أعود إلى اغتيال الحريري، على لسان بيركنز إيّاه، لأتوقّف عند ما قاله المحقق السويدي في طاقم المحكمة الدولية «بو أستروم»، وهو كبير المحققين ونائب رئيس فريق التحقيق، من أن الإسرائيليين والأميركيين رفضوا تزويد التحقيق بالصور التي التقطتها الأقمار مما يحمل دلالات مهمة على أن واشنطن لا تريد الإسهام في كشف الحقيقة. لقد اكتفت الحكومة الأميركية بالقول إن مشاكل تقنية حصلت خلال فترة إغتيال الحريري. ولهذا السبب، لم نحصل على أي معلومات حيوية ولعلّ الأمر مجرد سياسة.

ثم يتوقّفُ صاحب الكتاب أمام إفادة لمسؤول سابق آخر في المخابرات المركزية الأميركية هو «دافيد وين» الذي يصفه بأنه كان مسؤولاً طوال ثماني سنوات على امتداد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى آخر أيار 2014، فيروي التالي:

قال لي «وين» إنّ أسباباً عدة تجمّعت وأدّت في النهاية إلى اتخاذ القرار . وأبرز هذه الأسباب اقتناع إسرائيل بأن الحريري شخصية عربية قوية تتمتع بحضور مؤثّر على المستويين الإقليمي والدولي، كما أنّ هذا الرجل نسَج شبكة علاقات بالغة الأهمية، عربياً وأوروبياً وأميركياً، وظّفها في مساندة المقاومة ومساندة سوريا، كما وظّفها في خدمة لبنان وتعزيز دوره المالي والإقتصادي كقطبٍ جاذبٍ للرساميل والاستثمارات الخليجية، وما حصل عقب الإكتشافات النفطية الأخيرة، أنّ لجنة أمنية ـ سياسية نبّهت الحكومة الإسرائيلية إلى أنّ وجود الحريري في الحكم سوف يتسبّب بمتاعب لـ «إسرائيل»، خصوصاً في عملية ترسيم الحدود بين قبرص ولبنان، الأمر الذي يضع الدولة العبرية أمام ما يشبه «الأمر الواقع» في ما يتعلق بحجم ثروتها النفطية والغازية».

وقد ورد في التقرير بالحرف الواحد: لا بدّ من التخلص من هذا الرجل، لأنّ تطلعاته وطموحاته لا تنسجمان مع تطلعاتنا وطموحاتنا ونظرتنا إلى مستقبل المنطقة ودور «إسرائيل» في المدى الإقليمي.

وطوال أسابيع عدة، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يتشاور مع القيادات الأمنية في الصيغة الفضلى لتصفية الحريري من دون إلحاق الضرر بـ «إسرائيل». وبعد مداولات طالت، استقرَّ الرأي على اغتيال الرجل في بلد أوروبي أو عربي، لكن خبراء «الموساد» رفضوا هذا التوجه لأنه قد يرتّب عواقب وخيمة على «إسرائيل».

هنا اقترح رئيس الوزراء «أرييل شارون» استبدال كلّ الخطط الموضوعة بخطة تقضي بتنفيذ العملية داخل بيروت وبذلك تصيب «إسرائيل» عصفورين بحجر واحد: التخلص من الرجل والتأسيس لصراع داخلي طويل في لبنان بين أنصار الحريري من جهة ومؤيدي سورية وحزب الله من جهة أخرى، ما يؤدي إلى إنسحاب القوات السورية في نهاية المطاف ومَذْهَبَة الصراع السياسي الداخلي . ص87.

أردتُ من استحضار ما ورد في الكتاب المذكور، أن أشير الى أنه يتقاطع مع تقارير استقصائية ومعلومات استخبارية أعلن عنها العديد من المتابعين والإعلاميين والخبراء.

وفي مثل هذه الجرائم، فتش عن المستفيد لتتعرّف على المجرم، وهذا ما لم تفعله، لا لجنة التحقيق الدولية التي استعانت بالشهود الزور والروايات المضللة، ولا المحكمة الدولية التي وُلدت ميتة في قضيتي الحق والعدالة وفي سياق الابتزاز: إمّا الإستجابة للطلبات الأميركية وهذا مستحيلٌ عند الأحرار المقاومين في سورية ولبنان، وإمّا أن تواجه «سيف» المحكمة والمسرحيات الإعلامية الدعائية المسمومة التي تريد تزوير الحقائق وقلبها والتلاعب فيها.. وهنا نتذكّر شهادة السفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان أمام الكونغرس الأميركي في الثامن من حزيران عام 2010، حيث اعترف بأن الإدارة الأميركية قدّمت منذ عام 2006، أكثر من 500 مليون دولار أميركي عبر الوكالة الأميركية للتنمية ومبادرة الشراكة الشرق ـــــ أوسطية لتشويه حزب الله، وشدّد على أنّ العنوان الأساسي لهذه الأموال: «الحدّ من جاذبية حزب الله لدى الشباب اللبناني».. وطبعاً هناك مَن يدفع كالأميركي وغيره ومَن يقبض تحت مسمّيات وجمعيات وأقنعة سياسية وإعلامية و»مدنية» مختلفة.. ولكن كلّ هذا التآمر والتشويش المعادي لن يؤثّر على محور المقاومة المنتصر.

إعلامي وباحث في علم الإجتماع السياسي

في قرار المحكمة الدوليّة بين السياسة والقانون

ناصر قنديل

لم يتغيّر شيء من حقيقة كون المحكمة الدولية أداة من أدوات السياسة الدولية في لبنان، كما كانت من قبلها لجنة التحقيق الدولية، وقد بشّر جيفري فيلتمان عشية صدور الحكم بأن التفجير الذي أدّى إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد فقد أهميته السياسية، لصالح أهمية أعلى لتفجير المرفأ، بما يعني نهاية زمن الاستثمار القانوني والسياسي لجريمة اغتيال الرئيس الحريري كآلية تطبيقية للقرار 1559، قد أدّت المطلوب منها في تحقيق الانسحاب السوري من لبنان وتعثرت في تشكيل آليّة مناسبة لفتح الطريق لنزع سلاح حزب الله. وهذا الزمن صار وراء الحسابات الدولية والإقليمية التي باتت تحكمها معادلات جديدة تتناسب خدمتها مع استثمار تفجير المرفأ، في وضع العلاقة مع المقاومة على جدول التفاوض لا الاستئصال، والتفاوض تنازلات متبادلة، فيه حكومة يعرضها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون مميّزاً ممثل حزب الله بين ضيوفه، كما فيه مشاريع ترسيم حدود، وتجديد لليونيفيل من دون تعديل مهام، واستعمال دعوات الحياد ونزع السلاح والشيطنة التي تستهدف المقاومة، للضغط التفاوضيّ، مع رسم خطوط حمراء لأصحاب الدعوات، مثل ممنوع الاستقالات النيابية، ولا للانتخابات المبكرة، ولا حكومة حياديّة بل حكومة ترضي الجميع.

بمعزل عن السياق القانوني لقرار المحكمة، الذي مهّد له تحقيق مبنيّ أصلاً على الفساد، ومؤسس على الفبركات والاتهام المسبق، بحيث صار الحكم الذي برأ أغلبية المتهمين وحفظ ماء الوجه بإدانة واحد منهم، فإن القرار سياسياً وقانونياً، قال إن لا دليل على تورّط قيادة سورية وحزب الله في جريمة الاغتيال. وقال بالتوازي إن سياق الاغتيال سياسياً هو خلاف الرئيس الحريري مع سورية وحزب الله، وهو بالمناسبة خلاف مزعوم أدليت بشهادتي التي تثبت عكسه أمام لجنة التحقيق الدولية، من خلال مضمون ما دار بيني وبين الرئيس رفيق الحريري قبل أيام من الاغتيال، وبالتالي قال الشيء وعكسه ليبقى مشروعاً تفاوضياً صالحاً، وقال الحكم في القانون إن أحد وجوه الاتهام السياسي لا يزال على الطاولة وإن وجوهاً أخرى قد تمّت إزالتها، فبرأ من جهة وأدان من جهة مقابلة، بما يعني أن قرار المحكمة هو عرض تفاوضي سواء أدرك القضاة ذلك أم لم يدركوا، عندما تمّ وضعهم أمام تحقيق مهترئ وطلب إليهم حفظ ماء وجهه بالحد الأدنى الممكن، فكل السياق القانونيّ القائم على معادلات الخطوط الهاتفيّة حيث برأ وحيث أدان، هو في الحقيقة دون مستوى الإقناع والجدّية.

ما قالته المحكمة إن الرئيس الحريري تم اغتياله بتفجير انتحاري، لكنها لا تعلم ولا التحقيق وجه اتهاماً محدداً يتيح معرفة مَن هو الانتحاري، ولا مَن جنّده، وإن إعلان المسؤولية الذي رافق الجريمة كان للتضليل، لكنها لا تعرف مَن الذي ضلّل ولا مَن سجّل شريط إعلان، وإن التحقيق لم ينجح في توجيه اتهام مقنع على هذا الصعيد. وتقول المحكمة إن الاغتيال سياسي لكنها لا تملك أي أدلة على الأشخاص أو الجهات السياسية التي يمكن اتهامها، رغم تبنّيها فرضية من فرضيات تحليل سياسي حول سياق الجريمة، والتحليل السياسي مجرد فرضيات غير التحقيق والوقائع والأدلة، والمحكمة تعترف أن لا أدلة ولا وقائع. وتقول المحكمة إن الاغتيال تمّ بواسطة شاحنة الميتسوبيتشي، لكنها لا تملك أدلة، ولم يقدم لها التحقيق أدلة مقنعة حول مَن اشترى الشاحنة ومن اسخدمها للتفجير، وهذه هي عناصر الجريمة، أو ما يُعرف بالعناصر الجرميّة التي تقول لنا المحكمة بعد مليار دولار وخمس عشرة سنة إنها لا تعرف عنها شيئاً.

في كل السياق الذي انتهى إليه التحقيق، وتمّت على أساسه المحاكمة، تقول المحكمة إن كل ما لديها هي بيانات وتحليلات الاتصالات الهاتفية، وهنا من المهم الانتباه إلى أن المحكمة تعترف بأن ما قدّمه التحقيق ليس أدلة على قيام أشخاص معروفين باستعمال الخطوط التي تم استعمالها لغرض التفجير، بل إن شبكة التفجير المسمّاة بالخطوط الستّة لا تزال مجهولة الأصحاب، لكنها كانت ظرفياً لصيقة مكانياً بأرقام خطوط أخرى، هي بدورها كانت لصيقة ظرفياً ومكانياً بخطوط أخرى يسعى التحقيق لإثبات أنها كانت لصيقة ظرفياً ومكانياً بخطوط أخرى حاول التحقيق إثبات أنها خطوط شخصيّة لمن وجّه إليهم الاتهام، وبالنتيجة تقول المحكمة إنها لم تقتنع بإثباتات التحقيق في أغلب حالات الاتهام، واستثنت أحد المتهمين من البراءة من دون أن تقدّم ما يقنع بالفوارق بين حالته وحالة المتهمين الآخرين، وليس من ثابت هنا إلا الخطوط الستة التي عرفت بخطوط الضنيّة التي اشار إليها التحقيق اللبناني بعد أيام من الاغتيال، وهو التحقيق المتهم بالضعف والعجز وعدم الأهليّة.

مَن يستطيع اليوم القول إن ليس لديه الانطباع بعد الحكم بأن المحكمة مسيَّسة، وإنها تترجم مشروعاً تغيّرت أهدافه بعدما فشلت نسخته الأولى في التفجير الأول، بينما يُراد لنسخته الثانية أن تستثمر التفجير الثاني، فهل تكون العبرة التي يستخلصها اللبنانيون هي من جهة تحصين التحقيق اللبناني والضغط ليكون صحيحاً ومحميّاً وموثوقاً، ومجمعاً حوله ليكشف الحقيقة الحقيقيّة، ومن جهة موازية تحصين لبنان لكي لا يبقى مشرَّع النوافذ على التلاعب بمصيره في سوق الألاعيب المخابراتية والسياسية، وقد تكلف لبنان غالياً مالياً وسياسياً ووطنياً ودفع من أرواح أبنائه من قيادات ومواطنين ما يكفي كثمن للاتهامات السياسية التي لم تفعل سوى تشجيع القاتل على المزيد من القتل.

مقالات متعلقة

ماكرون مكلّف بملف لبنان بشروط ومهلة!

ناصر قنديل

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إلى بيروت تمهيداً لزيارة ثانية في أول أيلول للاحتفال بذكرى إعلان دولة لبنان الكبير وبدء عهد الانتداب الفرنسي على لبنان، والزيارة لا تنفصل عن استثمار تفجير المرفأ الذي أصاب لبنان بخسائر فادحة لا يمكن معها تأمين تمويل إعادة الإعمار من دون مساعدة خارجية، بحيث حل التفجير وحاجات الترميم والبناء مكان استخدام ارتفاع سعر الصرف في الضغط على لبنان واللبنانيين، وفي ظل خشية من تورط “إسرائيلي” في التفجير وتحوّل العملية إلى مدخل تصعيد كبير يهدّد بحرب شاملة، يصير خلالها أمن الكيان في خطر، وتأتي الزيارة لمواكبة نشاط سياسي داخلي ليس بعيداً عن التوظيف المبرمج للتفجير، تحت عنوان الحياد الدولي، وتحت عنوان التحقيق الدولي، وصولاً لدعوات وضع لبنان تحت الوصاية والانتداب مجدداً.

يتحدث ماكرون عن نظام جديد، ويتخطى الحظر الذي فرضته حكومته على العلاقة مع حزب الله بعد انضمامه إلى قطيع تصنيف الحزب على لوائح الإرهاب، بينما يشير الأميركيون إلى تبدّل في التعامل “الإسرائيلي” مع قضية ترسيم الحدود بما يرضي لبنان، بما يوحي بوجود جزرة ما يُراد عرضها على المقاومة لقاء ثمن يتصل بما ركز عليه ماكرون في زيارته، وهما أمران، المرفأ والحدود مع سورية، بالتوازي مع ما يطرحه جماعة فرنسا وأميركا في لبنان من دعوات لتحقيق دولي وانتخابات مبكرة، وحركة ماكرون التي تشبه حركة الرئيس جاك شيراك نحو بيروت عام 2005 تختلف عنها لجهة أن ماكرون يتحرّك في ظل تكليف أميركي، لأن المهمة تستدعي التواصل مع حزب الله، مقابل إغراء لفرنسا بتولي الانتداب على لبنان إذا نجحت في المهمة، ولو كان انتداباً من دون إطار قانوني بل بصيغة مرجعية تحل مكان الدور السوري بعد اتفاق الطائف، لقاء صيغة سياسية جديدة يعرض فيها على المقاومة تحت عنوان دور الشيعة السياسي مكاسب على حساب أدوار سائر الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة.

الخشية من مجيء الصين إلى المرفأ وهي تبدو جاهزة لذلك، والخشية من رد المقاومة على عملية مطار دمشق، والخشية من انكشاف تورط “إسرائيلي” في عملية تفجير المرفأ، وما يعنيه من تصعيد خطير، أسباب تقف وراء الزيارة السريعة الناعمة لماكرون، تمهيداً لزيارة أول أيلول، وبينهما سيتابع سفيره في بيروت المهمة، ومقابل جزرة ماكرون المعروضة على المقاومة، بدور أكبر في النظام الجديد، وبتمويل كافٍ ينهض به لبنان، ورفع الحظر عن العلاقة معها، عصا تحقيق دولي ومعركة إسقاط الحكومة واستثمار الشارع المبرمج تحت عناوين ثورة مزوّرة، وانتخابات مبكرة، يعرفون أن المقاومة لا تخشاها، لكنهم يراهنون على أن تكون رياح الأزمة قد أضعفت رصيد التيار الوطني الحر والعهد، كحليف للمقاومة، وفقاً لنصائح الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، بتدفيع العهد والتيار ثمن علاقتهما بالمقاومة، تمهيداً لتغيير مكان الأغلبية النيابية والسياسية.

تبدو مهلة ماكرون حتى الأول من أيلول، لكن ربما تكون نهايتها في كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي سيرسم اليوم إطار ما جرى وما سيجري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

نهاية فترة السماح وسقوط «حكومة المستقلّين»

ناصر قنديل

يعرف كل متابع لشؤون لبنان والمنطقة أن الحديث عن حياد في السياسة هرطقة، فأصل السياسة التزام. وعندما يكون الحديث عن أعلى هيئات ممارسة السياسة في أي دولة هي الحكومة، يكون أعضاؤها حكماً هم الأقل حيادية بين مواطنيهم، وقد اجتمعوا في حكومة على خط سياسي يتبدى اقوالاً تشكل الرابط الذي جاء بهم إلى الحكم لترجمته أفعالاً، فكيف ببلد كلبنان واقف على فالق الزلازل الإقليمي والدولي، وجاءت حكومته الأخيرة بعد أحداث عاصفة ونتاج تفاقم أزمته الاقتصادية والمالية، ولذلك كان مستغرباً أن تصرّ الحكومة على أنها حكومة مستقلين، إلا بقدر ما كان ذلك انتزاعاً لكذبة حكومة المستقلين من أصحابها الأصليين الذين طرحوها، بقصد المجيء بحكومة مناوئة للمقاومة، يطلقون عليها تسمية المستقلين نفاقاً، وللعب بعقول وقلوب الناس التي سئمت السياسة والسياسيين، فلعبت الحكومة لعبة خصومها الذين أنكروا عليها هذه الصفة منذ البداية، لأنها استولت على منتج فكري تعود ملكية حقوق استعماله لهم حصراً.

تحت عنوان حكومة المستقلين تشكل مركب الحكومة الجديدة قبل سبعة شهور، وفتح الباب لممثلين بنصف لون عن الأطراف الممثلة في الحكومة والداعمة لها، ومعهم لممثلي اللون الرمادي العربي والدولي الراغب باختبار فرص الفصل بين مساعي تعافي لبنان اقتصادياً والمواجهة التي تخوضها إدارة الرئيس الأميركي مع إيران وحزب الله، وكان لهذه الدعوة عراب هو الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، الذي أطلق دعوته من منبر الكونغرس، الذي قال أمامه إن لبنان ساحة تنافس استراتيجي مع روسيا والصين من جهة، وإن لبنان ساحة مواجهة مع حزب الله من جهة موازية، ليصل إلى الدعوة للفصل بين المسارين، بعدم التخلي عن الدعم المالي والاقتصادي للبنان ضمن شروط إصلاحيّة نص عليها مؤتمر سيدر كي لا يسيطر المنافسون عليه، والاستثمار السياسي على الأزمة لإضعاف حلفاء حزب الله وفي مقدّمتهم العهد الرئاسي للرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، كي ينجح توظيف الأزمة في خدمة خيار المواجهة، وكان لهذه الدعوة ذاتها ناطق رسمي هو وزير المالية الفرنسية برونو لومير الذي وقف متحدثاً بلسان حكومته في اجتماع وزراء مالية دول قمة العشرين الافتراضي مطلع العام، داعياً لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة الأميركية مع إيران.

خلال شهور مضت كانت الحكومة تعيش مناخ التفاؤل بنجاح فرضيات فيلتمان ولومير، وكان من يلتقي الوزراء المتمسكين بالحديث عن حكومة مستقلين والفرحين بها، يسمع منهم تمسكهم بالحكومة والدفاع الشرس عنها، وفي مقدمتهم الوزير المستقيل ناصيف حتي، الذي لم يكن قد اكتشف يومها، قبل أسابيع قليلة، أن البلد بحاجة لعقول خلاقة ونيات صادقة لم يجدها في الحكومة، بل وجد فيها أرباب عمل عديدين بدلاً من رب عمل واحد هو لبنان، وليس بعيداً وجود وزراء آخرين يكتشفون فجأة اليوم أو غداً ما اكتشفه حتّي بالأمس، فجوهر القضية هو أن فترة السماح قد انتهت، والحكومة قد اكتشفت مع زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، أن رهان فيلتمان – لومير قد سقط، وأن السياسة الأميركيّة صارت أوروبية خليجية، ومضمونها أن لا أموال للبنان لا من صندوق النقد ولا من سيدر ولا من بعض الراغبين، خارج سياق مستقبل المواجهة مع حزب الله التي تقودها واشنطن، والتي تستهدف تحصيل مكاسب لحساب أمن كيان الاحتلال، عنوانها انسحاب الحزب من سورية وتسهيله قبول الحكومة بخط «هوف» لترسيم الحدود البحرية، ولذلك سيتبلّغ الوزراء «المستقلون» تباعاً أن عليهم مغادرة المركب الحكومي، تعبيراً عن استقلاليتهم، فمضمون الاستقلال كما الحياد، هو الاستقلال عن حزب الله والحياد عن خياراته.

تمر المواجهة بين واشنطن وحزب الله بلحظة مفصلية بانتظار رد المقاومة على العملية التي أدت لاستشهاد أحد مجاهديها قرب مطار دمشق، والواضح أن الحراك الأميركي في الفترة الفاصلة عن الرد سيكون محموماً، وأن أوراق الضغط والرسائل المشفّرة ستستعمل على مدار الساعة، وبمعزل عن تقييم الأشخاص، سنشهد كثيراً من اللزوجة السياسية تعلن انتقال الحكومة من حكومة مستقلين حيادية إلى حكومة صمود ومواجهة، تعرف وتعترف بأنها في قلب مواجهة كبرى لا مكان للاستقلال عنها ولا للحياد فيها، أياً كانت الملاحظات التي سيُبديها المغادرون، والتي قد تحاكي بعض الوقائع الصحيحة، لكن بهدف تبرير المواقف الخاطئة.

مقالات متعلقة

هل عاد بومبيو إلى نصائح فيلتمان ودعوة لومير؟

ناصر قنديل

قبل تسعة شهور وغداة انتفاضة 17 تشرين الأول، استمعت لجنة الخارجية في الكونغرس الأميركي إلى السفير السابق جيفري فيلتمان في مداخلة مطوّلة، وكان أبرز ما ورد فيها دعوة فيلتمان للاستثمار على الانتفاضة وتزخيمها كفرصة يمكن لها أن تخدم السياسات الأميركية في لبنان والمنطقة، على قاعدة أن الأزمة المالية والاقتصادية مستمرة ومتصاعدة وهي في جزء منها ثمرة العقوبات الأميركية، بهدف محاصرة حزب الله كعنوان للمقاومة بوجه كيان الاحتلال، لكن فيلتمان وضع ضوابط لهذا الاستثمار على الأزمة والانتفاضة معاً، أولها عدم المبالغة بتحميلهما أوزار مهام فوق طاقتهما، كطرح مستقبل سلاح المقاومة في التداول، وبالتالي الدعوة للتواضع في رسم السقف الذي يمكن للأزمة والانتفاضة أن تخدمه على هذا الطريق، وحصره بمحاصرة وإضعاف التيار الوطني الحر كحليف للحزب والمقاومة، ساهم بتوفير مظلة وطنية لهما، ومنحهما من موقع وجوده في رئاسة الجمهورية مقداراً أعلى من الشرعية، رابطاً صرف رصيد هذا الاستهداف بالانتخابات النيابية المقبلة وليس المبكرة. الضابط الثاني الذي وضعه فيلتمان كان عدم المبالغة بالضغط المالي بالتوازي مع عدم المبالغة بالتوقعات، لأن المزيد من الضغط المالي قد يؤدي لانهيار غير محمود العواقب، والمزيد من الضغط قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً كاستحضار روسيا والصين، وتكامل دول المشرق وصولاً إلى إيران. والضابط الثالث كان الدعوة لوضع الاستعداد لتمويل لبنان على الطاولة، مستذكراً أن حجم كل ديون لبنان الخارجية أقل من كلفة سنة واحدة تنفقها السعودية على حربها في اليمن. والضابط الرابع هو عدم وضوع شروط سياسية تتصل بحضور حزب الله مقابل هذا التمويل، بل حصر الشروط بطلب الإصلاحات التي وردت في مؤتمر سيدر.

قبل ستة شهور عقد في الرياض اجتماع افتراضي لوزراء مالية الدول المشاركة في قمة العشرين، التي تترأس السعودية دورتها هذه المرة، وتكلم في الاجتماع وزير مالية فرنسا برونو لومير، وقال إن “فرنسا مستعدّة لدعم لبنان مالياً، في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف»، ونقلت وكالة “رويترز” عن لومير تحذيره في نهاية الاجتماع من “خلط التعافي الاقتصادي في لبنان مع الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران في المنطقة”، وتابع: “نعرف أن ثمة روابط بين المسألتين، لكننا لا نريد خلط قضية التعافي الاقتصادي في لبنان، وهو اليوم في حالة طوارئ واضحة، مع مسألة إيران”.

رفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ممثلة خصوصاً بوزير الخارجية مايك بومبيو، الإصغاء لصوتي فيلتمان ولومير، وحددت إطاراً لتعاملها مع الوضع في لبنان بما أسماه بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر بالضغط الأقصى، ووضع المقابل على الطاولة وهو تحجيم حزب الله وصولاً لانتزاع تنازل من الدولة اللبنانية في ملف ترسيم الحدود البحرية بقبول خط الترسيم الذي اقترحه المبعوث الأميركي فريدريك هوف، وكان شينكر صريحاً بقوله، أنتم في معاناة كبيرة ولديكم ثروات واعدة في الغاز في البحر حولها نزاع مع “إسرائيل” وقد قدمنا لكم تصوراً للحل ومن مصلحتكم أن تقبلوا هذا التصور. وجاء تفعيل قانون قيصر للعقوبات على سورية، ليضيف للضغط الأقصى مزيداً من الضغط على لبنان، وحدد جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص بسورية سقف المطلوب للتراجع، أسوة بما فعله شينكر، قائلاً إن حكومته تريد العودة إلى العام 2011، فتسلم بانتصار الرئيس السوري، مقابل أن تخرج قواتها من سورية ويخرج بالمثل حزب الله وإيران منها.

المطلبان يعنيان أمن ومصالح كيان الاحتلال، ولا علاقة لهما بالملفات الإصلاحية التي تحدث عنها سيدر، كما دعا فيلتمان، ويمثلان الحد الأقصى من الربط بين الأزمة اللبنانية والمواجهة الأميركية مع طهران، كما حذر لومير، والعنوان طلب أمن “إسرائيل” ومصالحها من حزب الله، فخرج الأمين العام لحزب الله بمعادلته الشهيرة، أنت تخيّرني بين الجوع والقتل، فلن نجوع وسنقتلك سنقتلك سنقتلك، ومنذ ذلك الإعلان، بدا أن المقاومة وضعت للجهوزيّة ترتيباتها وبنوك أهدافها، وأعقبتها بوضع أطروحة التوجه شرقاً على الطاولة، من المشتقات النفطية الإيرانية مقابل الليرة اللبنانية، إلى البوابة العراقية كبلد نفطي وسوق استهلاك، والتكامل السلعي الغذائي والاستهلاكي مع سورية، وصولاً لطرح حزمة مشاريع للتعاون مع الصين، وانتهاء بالإعلان عن الجهاد الزراعي والصناعي.

تراجع بومبيو وتراجعت سفيرته، ولم يعُد تغيير الحكومة مطلباً، وبات الحديث عن مساعدات للبنان مقابل الإصلاحات. وبدأ الحديث عن دول خليجية ستضع ودائع بالدولار لدى مصرف لبنان، بعد حصولها على إشارات أميركية، وزارت السفيرة الأميركية السراي الحكومي لتناول طعام الغداء مع رئيس الحكومة الذي دعت لاستبداله بالموظف الذي رفض رئيس الحكومة إعادة تعيينه نائباً لحاكم المصرف المركزي، وبعدما كانت السفيرة تقول إن التفاوض على الحدود البحرية مجمّد بانتظار تلقي موافقة لبنانية على خط هوف، بادرت لزيارة رئيس مجلس النواب لتستمع إلى شروط لبنان لاستئناف التفاوض وتعد بنقلها ودراستها للعودة مجدداً..

معادلة الردع في المواجهة المالية بدأت تتشكل أسوة بما جرى في معادلات الميدان، التي يبدو أن ما فيها من بنك أهداف قد تسبب بالقلق لبومبيو وإدارته في واشنطن، بمثل ما تسبب الذعر في تل أبيب.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

‏«حجر» السفيرة الأميركية ومنعها من التصريح قرار صائب ومحق… ويعبّر عن إرادة الشرفاء

د. جمال شهاب المحسن

بمعزل عن الحيثيات القانونية التي استند إليها قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح لإصدار قرار بمنع السفيرة الأميركية في لبنان من التصريح، فإنّ القرار صائب ومحق عدا عن أنه يعبّر عن إرادة اللبنانيين الشرفاء الذين هالهم تدخل السفيرة الأميركية في شؤون بلدهم الداخلية وخرقها إتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية بين الدول، وهي التي في جولاتها ولقاءاتها الإعلامية المسمومة والوقحة تهاجم مقاومتنا البطلة وعناصر قوة لبنان.

ما هو ثابت أنّ الأميركيين لهم اليد الطولى في ما وصلت إليه أوضاعنا السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية المتردّية عن طريق تسخير عملائهم المحليين للتلاعب بسعر الدولار وتدمير عملتنا الوطنية وتوجيه ذلك باتجاه صناعة الفوضى التي يزعمون أنها خلاّقة وهي تدميرية قلباً وقالباً …

مَن يقرأ بومبيو وشينكر وفيلتمان يعرف خطط السياسة الخارجية الأميركية المستهدفة لبنان عن طريق التخويف والتجويع والتخريب والترهيب وصولاً إلى التدمير في سياق صناعة فوضاهم التي ستنقلب عليهم وعلى أذنابهم بفعل صلابتنا وعوامل قوّتنا وصمودنا المبدع …

القاصي والداني يعرف أنّ الأميركيين وأجهزتهم الإستخباراتية المجرمة يتابعون دورهم القذر في التآمر على لبنان وشعبه ومقاومته من خلال الإشراف المباشر على عملائهم المحليين الميدانيين المستغِلِّين لموجة المطالب الشعبية اللبنانية لتوظيفها في سياق المخططات الأميركية – الصهيونية في لبنان والمنطقة .

هنا لا بدّ من التشديد على ضرورة عدم التساهل مع الذين يعملون سرّاً وعلانيةً في استغلال المظاهرات والمطالب الشعبية المحقّة لصالح أصحاب الأجندات المشبوهة، علماً أنّ الأميركيين والسعوديين وبعض الخليجيين هم على خطّ الأزمة بعد عملهم في التأزيم وافتعال الفوضى منذ فترة، وهذا لا يعني أننا لا نحمّل مسؤولية الفساد للفاسدين الذين أثروا الى درجة التخمة على حساب اللبنانيين ووضعهم المعيشي الصعب، وبالتالي ضرورة التطبيق الفوري لقانون من أين لك هذا؟ ورفع كلّ الغطاءات المذهبية والطائفية والفئوية والشلليّة عنهم .

ويبقى أن ندعو الوطنيين الشرفاء المعنيين بالشأن العام في لبنان إلى أن يضاعفوا الجهود لوضع حدٍّ لهذا الفلتان في ارتفاع الأسعار واستغلال كثير من التجار هذا الصعود الكبير المتسارع لسعر الدولار في السوق السوداء، وعلى رأس ذلك وقف انهيار العملة الوطنية واتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة ضدّ المضاربين المصرفيين وحماية المستهلك اللبناني.

معاً وسويّاً، فلنعمل على محارية الفساد والإفساد الذي يفتح المجالات لاختراق أوضاعنا الداخلية …

*إعلامي وباحث في علم الإجتماع السياسي

مقالات متعلقة

«قيصر» فرصة ذهبيّة للإنقاذ؟ سفير دولة عظمى: واشنطن تريد خنق لبنان!‏

محمد حميّة

يُغلِف الأميركيّون توجهاتهم التدميرية للدول المناوئة لسياساتهم في المنطقة والعالم بمصطلحات تخدع الرأي العام للدولة المستهدفة والرأي العام العالمي.

فإطلاق مصطلح «قانون» على خطة عقوبات جائرة على الشعب السوري الخارج من حرب كونية منذ حوالي العقد، هو ذروة التضليل وتجميل لصورة الأميركيين لدى الشعوب لتحريضها على حكوماتها ودولها. وعندها يحلُ الانقسام وتقعُ الفتن الداخلية وتضعفُ الدولة لصالح الأحزاب والمذاهب والطوائف والقوميات، ما يتيحُ للأميركيين الانقضاض على الدولة والتحكم بقرارها السيادي والسيطرة على ثرواتها الحيوية المتنوّعة. فالقوانين عادة تهدف الى تنظيم المجتمعات وتطويرها وليس تدميرها وخنق شعوبها!

وهذا ما يحصل في سورية بفرض «قانون» العقوبات الأميركي «قيصر» بإيهام الشعب السوري بأن الهدف معاقبة النظام السوري ودفعه الى وقف جرائمه بحق السوريين، علماً أن الحرب العسكرية في سورية انتهت منذ عامين تقريباً مع بقاء بعض المعارك المجزأة في الشمال والشرق السوريين، فعن أي جرائم يتحدث الأميركيون؟

وهذه السياسة تسري أيضاً على لبنان، حيث يخضع الموقف الرسمي فيه منذ عقود للوصايات المتنوعة وللخضوع، فتوهِم الادارة الأميركية الشعب اللبناني بأنها تعاقب حزب الله، لكونه المسؤول، بحسب زعمها عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهها البلد وبسبب تمسكه بسلاحه ودوره في الإقليم. لذلك تريد واشنطن إقناع اللبنانيين بأن إلحاق حزب الله في دائرة «قيصر» سيدفع الحزب الى رفع قبضته عن الدولة ما يؤدي الى ازدهار وانتعاش اقتصادي في لبنان.

أما الأهداف الخفيّة لهذه السياسة، فتكمن في الاستمرار بسياسة حصار لبنان وتجويع شعبه تمهيداً لإخضاعه للشروط الأميركيّة الاسرائيليّة لا سيما في ملف الحدود البحرية. والملاحظ تسخين الساحة اللبنانية منذ 17 تشرين الماضي توازياً مع تقدم المشروع الأميركي الاسرائيلي الخليجي الجديد للمنطقة المتمثل بـ»صفقة القرن»، وذلك لنفاد الوقت أمام تمرير هذا المشروع قبيل نهاية ولاية الرئيس الأميركي الحالي.

وتُترجم هذه السياسة اليوم في الساحة اللبنانيّة عبر جملة وسائل وتكتيكات:

تصويب المسؤولين الأميركيين على فساد السلطة السياسية الحاكمة عقوداً وذلك لتسييلها بإثارة الشعب ودفعه للنزول الى الشارع والتحكم بشعاراته وحركته واتجاهاته عبر مجموعات تدُسّها واشنطن بين المتظاهرين لتوجيههم نحو الأهداف التي تريدها ووضع الشعب في وجه حزب الله… وألم تكن تعلم أميركا بأن السلطة فاسدة؟ فكيف تعاملت معها كل هذا الوقت؟

إثارة جملة أحداث وتوترات أمنية في الشارع لخلق فتن اجتماعية واستحضار الفتن الطائفية والمذهبية وابتزاز الطبقة السياسية بحركة الشارع لإبقائها تحت إمرتها.

استخدام سلاح الدولار لتقويض الاقتصاد وإفقار كل الشعب بهدف تجويع بيئة المقاومة لدفع قيادة الثنائي أمل وحزب الله للتنازل في الملفات السيادية. وهذا ما كشفه السيد حسن نصرالله أمس الأول بأن أميركا تمنع وصول الدولار الى لبنان وتسعّر الفتنة… سياسة أميركية وصفها الدبلوماسي الأميركي البارز جيفيري فيلتمان خلال أحداث 17 تشرين بالفاشلة وأيّده بذلك النائب السابق وليد جنبلاط. وهنا تكشف أوساط مطلعة على مراهنة بعض الأحزاب السياسية على أن تسقط الحكومة بضربة «قيصر» وسيف الدولار!

تحريك أدواتها الداخلية لفرملة وعرقلة عمل الحكومة والاتفاقات والحلول، كان آخرها اتفاق تخفيض سعر الصرف مع المصرف المركزي فاستنفرت واشنطن أدواتها السياسية و»مافياتها» في قطاعي المصارف والصيرفة لنسف الاتفاق.

فالخطة الأميركية إلهاء لبنان بعملية المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، كي ينام لبنان على حرير مساعدات «الصندوق» وتعطيل أي توجّه لحلول أخرى ويجري التذرّع ببعض الأسباب المموّهة لتمديد المفاوضات كالخلاف بين المصرف المركزي والحكومة والمصارف على أرقام الخسائر. وبعد مرور ستة أشهر أو أكثر تحدث الصدمة بإحجام الصندوق (ليس سوى أداة مالية أميركية لفرض الوصاية السياسية) عن تقديم المساعدات بحجج واهية، وحينها يوضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مرُ: الخضوع لشروط الصندوق المالية والسياسية والأمنية والعسكرية أو الانهيار الكامل والشامل وما ينتجه من مفاعيل الجوع والفوضى الاجتماعية والاقتتال في الشوارع وذلك بعد تدمير آخر قلاع الصمود النقدي أي البنك المركزي باستنزاف احتياطاته.

فماذا يفعل لبنان حينها؟ ليس أمامه أي خيارات بديلة سوى الخضوع ويكون الأميركيون انتزعوا من لبنان بالاقتصاد ما عجزوا عنه بالحروب العسكرية، وبالتالي لن ينتظر محور المقاومة لحظة السقوط النهائي مكتوف الأيدي ما يعني أن الحرب هي أهون الشرور، بحسب ما تؤكد مصادر عليمة. فالشعب السوريّ وصل الى درجة الجوع لكنه بقي على كرامته وكذلك الشعب اللبناني منذ 17 تشرين حتى الآن، لكن المعروض اليوم أميركياً هو الجوع مع الذُل؛ وهذا لن يمر، تجزم المصادر.

وفي خضم هذه الحرب المفتوحة هل يمكن المواجهة من خلال تحويل «قيصر» الأميركي الى فرصة لإنقاذ لبنان؟ لا سيما أن تداعيات القانون السلبية على لبنان أشد بأضعاف من تداعياته السورية، كما قال السيد نصرالله لكون سورية تشكل رئة لبنان الوحيدة وبالتالي حرمانه من التجارة المباشرة والترانزيت واستجرار الكهرباء والمشتقات النفطية والمشاركة بإعادة الإعمار وحل أزمة النزوح… فهل تبقى بلاد الأرز على قيد الحياة بلا رئتها؟ وهل يمكن الركون الى معادلة أميركيّة قوامها لن نعطيكم المال وننقذكم إلا بشروط قاسية مذلة، ولن نسمح لكم البحث عن موارد وحلول أخرى في دول أخرى!

قرار المواجهة بالوسائل كافة اتخذه محور المقاومة وعبر عنه السيد نصرالله في خطابه الأخير، فحزب الله بحسب مطلعين على موقفه كان يتريّث بقرار الانفتاح على سورية والتوجه شرقاً اقتصادياً، بسبب الضغوط الأميركية الخليجية على الحكومة السابقة وعدم إحراج الحكومة الحالية طالما لم تتخط أميركا الخطوط الحمر الاقتصادية، لكن بعد «قيصر» والتمادي الأميركي بحربها الاقتصادية غير ما قبله. فالتوجه هو لاستخدام العقوبات الجديدة حجة وتحويلها الى فرصة لاتخاذ القرار بالتوجّه الى الشرق ومواجهة ردود الفعل مهما كانت أثمانها. فالمعركة الاقتصادية بالنسبة لحزب الله تساوي الآن الحرب العسكرية مع «اسرائيل» والارهاب باختلاف أدوات المواجهة. والملاحظ توقيت خطاب السيد عشية دخول قيصر حيّز التنفيذ!

أما المواقف السورية والإيرانية والروسية فتتلاقى مع فحوى رسائل السيد نصرالله للأميركيين، وحديث الأمين العام للحزب كان محل متابعة واهتمام شديدين وثناء وتأييد سفير دولة عظمى في لبنان تحوز على دور أساسي في المنطقة، حيث أكد السفير لـ»البناء» أن «الأميركيين يريدون خنق لبنان عبر السياسات التي يتبعونها على الصعيد السياسي والمالي والاقتصادي ويستخدمون الدولار كسلاح لفرض أهدافهم في المنطقة والتحكم بسياسات الدول، معرباً عن خشيته حيال الوضع اللبناني وإزاء النيات الأميركية تجاهه، مشيراً إلى أن «الحرب على لبنان جزء من الحرب الأميركية على دول المنطقة والعالم»، مشدداً على «ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان والاستقرار والتماسك مع سورية وبقاء الحكومة وتفعيل عملها لمواجهة العاصفة».

أما الإشارة البالغة الأهمية فهي أن حديث السيد نصرالله جاء بعد ساعات على زيارة وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى موسكو وتركيا والبيان الصادر عن موسكو بدعم الاقتصاد السوريّ، ما يعزز الربط بين اللقاء الروسي – الإيراني وكلام السيد نصرالله الذي ظهر وكأنه يتحدّث باسم المحور من موسكو الى بيروت مروراً بطهران وبغداد ودمشق وصنعاء. فمواجهة «قيصر» تكون بمزيد من الاتحاد بين دول المنطقة ومحور المقاومة وتشابك الجبهات الاقتصادية والعسكرية.

أما السؤال: هل علينا أن ننتظر اقتحام جيل من «القياصرة» دولنا وشعوبنا حتى ننتفض، ويكون الأوان قد فات!

وقف الاستيراد دون إجازة حكوميّة لسنة

ناصر قنديل

لن تتوقف محاولات الاستثمار السياسي الخبيثة للأزمة الاقتصادية والمالية بالتحريض، على الحكومة، والعهد، وليس فقط على المقاومة وسلاحها مرة، وعلى العلاقة بسورية مرات، وكلما استمرت المفاعيل المتفجّرة للأزمة بوقعها على الناس من دون معالجة، سيكون لهذه المحاولات فرص التلاعب بتفكير ومشاعر شرائح من الناس الذين تفقدهم الأزمة توازنهم، وتجعلهم تحت تأثير أيّ نوع من التفسيرات التي تنتهي بالدعوة للانضباط في السياسات والمشاريع الأميركية، كطريق وحيد لوهم الخلاص الذي تحدّث عنه جيفري فيلتمان بوصفه الازدهار الموعود.

بالمقابل لا يمكن لمواجهة الأزمة غير العادية أن تعتمد الطرق التقليديّة، وطالما أن الحكومة تنتظر نتائج مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي لتعتمد السياسات النهائية، في مواجهة الأزمة، وطالما أن المدة المتوقعة لهذه المفاوضات وتبلورها بسياسات، هي سنة تقريباً، وطالما أن الوجه الأبرز للأزمة هو سعر الصرف، وهو منصة صالحة للعبث والضغوط الهادفة لفرض السياسات، فإن تثبيت سعر الصرف يشكل العنوان الأبرز لكل مواجهة جدّية ومجدية، فهل هذا ممكن؟

يتولّى مصرف لبنان تأمين العملات الصعبة اللازمة لشراء المشتقات النفطية والقمح بسعر صرف مدعوم، ولديه مخزون يكفي للقيام بذلك بأسعار التجار لسنتين وأكثر، فلماذا لا يتم تأمينها عبر اتفاقيات صادقة من دولة لدولة، توفر في كلفتها وتضمن مواصفاتها وربما تتضمّن تيسيراً في سبل السداد، وتصير المدة المضمونة خمس سنوات بدلاً من سنتين، كما يتولى مصرف لبنان تأمين اعتمادات لشراء الأدوية والمعدات الطبية ولوازم الصناعة وموادها الأولية، ووفقاً لصيغة المنصة المستحدثة بين مصرف لبنان والمصارف والصرافين سيتم تأمين الدولارات اللازمة لاستيراد المواد الاستهلاكيّة الأساسية، بسعر 3200 ليرة، ووفقاً لحساب بسيط من المعلوم أن مبالغ كبيرة يتم ضخها في سوق الصرف بين تحويلات من الخارج، وما تقوم المقاومة بضخه شهرياً، تقدّر بمئة وخمسين مليون دولار، وهي وفقاً لتقديرات الخبراء كافية لتغطية حاجات السوق الاستهلاكية بالمواد الضرورية، والغذائية منها خصوصاً.

يبقى الاستيراد الإضافيّ سواء لمواد استهلاكية أو رفاهية، مصدراً وحيداً للطلب على الدولار، تتغطى به عمليات المضاربة، وهو لمواد ينتج مثلها في السوق المحلية، أو لا تشكل أساسيّات ليتمّ تمويلها بسعر صرف مدعوم، ومنها الألبسة والأحذية والألبان والأجبان والعصائر والمياه المعدنيّة، وكلها يوجد ما يوازيها من الإنتاج المحلي، بالإضافة للكماليّات الكثيرة، والجواب الطبيعي للذين يتحدّثون عن حالة طوارئ ماليّة واقتصاديّة ولا يقومون بتوصيفها، هو هنا باتخاذ إجراءات مؤقتة وصارمة تساهم في تعزيز الصمود، أي الحفاظ على مخزون العملات الصعبة من جهة، والحفاظ على سعر الصرف وبالتالي أسعار المواد الاستهلاكية التي تحدد القدرة الشرائية للمواطنين من جهة موازية، والطريق واضح وهو منع الاستيراد من دون إجازة حكومية لمدة سنة، والمدة هنا تأكيد على أن الإجراء استثنائي ومؤقت، ولو تم تمديدها لاحقاً، إذا ظهر أنه في ظل هذا الإجراء نمت صناعات وطنية تحتاج لمزيد من الوقت للحماية كي يقوى عودها.

باستيراد المشتقات النفطية والقمح باتفاقات دولة لدولة، وحصر الاستيراد بإجازة، وتحديده بالضروريات، يمكن للبنان أن يؤمن حاجات استهلاكه الأساسية لخمس سنوات وليس لسنتين فقط، وهي مدة أكثر من كافية للنهوض الاقتصادي، وبالتوازي سيصير لمكافحة المضاربة بصفتها جريمة تعادل الخيانة، فرصة حقيقية، حيث من يقدم على شراء الدولار من السوق بكميات تفوق حاجات شخصية معلومة، سيكون مكشوفاً بصفته مضارباً، طالما أن تمويل عمليات الاستيراد مشروط بإجازة حكومية مسبقة، سيوفر منحها فرصة مراقبة أسعار البيع، وضمان استقرار الأسواق.

هنا يصير سعر الصرف الذي تضمنه عملية ضخ للدولار يتوازن فيها العرض مع حجم الطلب، قابلا للحماية إذا تعرض لضغوط إضافية ستكون محدودة وعابرة، وقابلة للحصر والملاحقة، ويصير لمصرف لبنان القدرة ببضعة ملايين من الدولارات حماية سعر الصرف، ومعه يصير مطلوباً من وزارة الاقتصاد، تحمّل مسؤولياتها لمراقبة حقيقية خارج المكاتب لأسعار المواد الاستهلاكية ونشر لائحة يومية لهذه الأسعار، وإنزال عقوبات مشدّدة بالمخالفين.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أيتام فيلتمان تائهون حيث التطمينات لا تفيد

ناصر قنديل

يحاول السفير الأميركي السابق في بيروت وجيفري فيلتمان، كما العادة، صياغة خطاب جماعته الذين صاروا أيتامه منذ تكسّرت رماح الحملات الأميركيّة لتغيير توازنات المنطقة منذ حرب تموز 2006 وما تلاها من وقائع الحرب على سورية. فهو تدخل في الخريف ليخفض سقف توقعاتهم من القدرة على توظيف الانتفاضة ورسم لهم سقفاً عنوانه، لا نستطيع تحويل الانتفاضة إلى معركة ضد سلاح حزب الله فلنجعلها بوجه العهد والتيار الوطني الحر، كحليف لحزب الله، ونستهدف شعبيتهما لإضعافها تمهيداً للانتخابات المقبلة.

مجدداً يتدخل فيلتمان بعد توجّه حكومة الرئيس حسان دياب لصندوق النقد الدولي، ويتحدّث بنصف سقف كلامه معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر وبربع السقف تتحدّث السفيرة الأميركية في بيروت دوروتي شيا، وسقف فيلتمان هو محاولة جعل حاصل التفاوض مع الصندوق مبنياً على مساءلة الحكومة عن نفوذ حزب الله وخطتها لإضعافه، بينما يتحدث شنكر عن درجة صدقية الخطة المالية في تغيير هيكلية الاقتصاد وتستطرد شيا بالحديث عن أولوية مكافحة الفساد ولا تنسى التحذير من العنف يوم أطل برأسه شمالاً بوجه الجيش اللبناني.

الإنكار هو التفسير الوحيد لمقولة فيلتمان، فهو لا يريد إبلاغ أيتامه بالحقيقة الموجودة ضمن سطور إفادته الأولى أمام الكونغرس في خطاب الخريف، ومضمونها أن ربط المساعدات للبنان بتحجيم نفوذ حزب الله سيأخذ لبنان شرقاً، وهو مَن تحدّث عن تحفّز صيني روسي وميول لبنانية لمثل هذا الخيار محذراً من جديته، وضرورة قطع الطريق عليه عبر مدّ اليد لأي حكومة لبنانيّة ضمن شروط إصلاحيّة مالية مهنية. وهذا ما أدّته حكومة الرئيس دياب على أتمّ وجه.

يتجاهل فيلتمان وأيتامه، أن جدية توجه الحكومة نحو صندوق النقد، ضمن الشروط السيادية اللبنانية، لجهة رفض أي إجراءات للإفقار دأب الصندوق على فرضها، ورفض أي نزع لملكية الدولة لموجوداتها وأصولها، قد جاء بحصيلة مشاورات دولية لم تكن السفيرة الأميركية بعيدة عنها، عنوانها مضمون ما قاله وزير المالية الفرنسية في اجتماع وزراء مالية دول العشرين الذي عقد في الرياض، والذي دعا فيه بلسان حكومته للفصل بين المعركة التي تخوضها واشنطن بوجه إيران وحلفائها، وبين مقتضيات دعم مساعي لبنان للتعافي الاقتصادي. وقد جاءت اتصالات وزيري الخارجية والمالية الفرنسيين برئيس الحكومة ووزير المالية اللبنانيين لتأكيد هذا المضمون.

الفرنسيون قلقون ونقلوا القلق للأميركيين ولشركائهم من الدول الفاعلة في إدارة صندوق النقد، لجهة مستقبل لبنان ما لم يتلق دعما مشروطا بالاعتبارات الفنية لا السياسية، لأن الانهيار اللبناني سيكون حتمياً ما لم يتحقق هذا الدعم، وستكون الفوضى هي البديل للدولة التي ستتهاوى مؤسساتها وأجهزتها وتماسكها مع انهيار سعر الصرف وتضاؤل القيمة الفعلية للرواتب، بينما سينفجر غضب الشارع بصورة تتيح للكثيرين الدخول على الخط. وبتراتبية تأثر الجغرافيا اللبنانية يتوقع الفرنسيون أن تكون بيئة ومناطق حضور حزب الله آخر مَن سيطالهما لهيب النار، بينما سيقف شمال لبنان في الطليعة، وعندها ستكون الحصيلة، منطقتان صافيتان في لبنان، واحدة يسيطر عليها حزب الله وثانية يسيطر عليها تنظيم القاعدة، ومجموعة جزر بينهما بدولة ضعيفة عاجزة، وكي لا نصل إلى لحظة يصير فيها التحرك للاستنجاد بدخول سوري على الخط سيصير ضرورة إذا نشأت إمارة القاعدة بدعم تركيّ ينتقل إليها المسلحون من إدلب، طرح الفرنسيون آليّة بديلة تبدأ بصندوق النقد الدولي، وتنتهي بتقديم المال، ومتابعة خطة الإصلاح الحكومية.

المشكلة التي يعيشها أيتام فيلتمان، ويعبرون عنها بطريقتهم، تحت شعار القلق من الاستهداف، هي أن الإصلاح الهيكلي للاقتصاد هدف رئيسيّ للخطة، بينما كل مضامين الخطة الحكوميّة الأخرى عنوانها مكافحة الفساد واسترداد المال المنهوب، وتحميل القطاع المصرفي النسبة التي تقابل حجم ما حققه من أرباح في صناعة الأزمة، وكلها عناوين ستصيب بنسبة كبيرة حلفاء واشنطن قياساً ببعض قليل سيصيب حلفاء حزب الله، فيصير سقف الشعار الذي يجب أن يسعى إليه فيلتمان جواباً على الشعار الفرنسي بالفصل بين استهداف واشنطن لحزب الله وخطة تعافي لبنان، المطالبة بفصل موازٍ بين استهداف حلفاء واشنطن ومكافحة الفساد.

الحريري: الرقم الصعب أو الخاصرة الرخوة؟

ناصر قنديل

خلال خمس عشرة سنة منذ اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، والرئيس سعد الحريري كوريث سياسي ومالي لمملكة والده يصارع معادلة التنقل بين السعي للتحوّل إلى الرقم الصعب في المعادلات ومخاطر التحوّل إلى الخاصرة الرخوة فيها، وهو يتعلم من «كيسه» كما يُقال، يخاطر ويغامر ويعقد التسويات ويخرج منها، ويخوض المواجهات وينسحب في نصفها، ولا يكاد يراكم الأرباح حتى يخسرها بضربة واحدة ومعها بعض رأس المال. وهو يدرك اليوم أنّه ليس حصان تسوية كالتي ظنّ أنها ستعيد إنتاج زعامته من بوابة السلطة، ولا هو زعيم المواجهة التي اعتقد أنها ستعيد بناء شعبيته المتآكلة بفعل وجوده في السلطة، فقفز من قارب التسوية من دون إنذار مسبق للشركاء الذين خسر ثقتهم، من دون أن يربح مكانة في انتفاضة 17 تشرين ظن أن الاستقالة ستكون بوابتها، ولم ينفعه في رسم خريطة طريق للعودة إلى المعادلة السياسية على حصان أبيض، كما توقع ومعه الكثيرون، تقيّده بوصفة جيفري فيلتمان حول الانتفاضة وإدارة العلاقة معها، بتجنب تحويلها إلى معركة بوجه حزب الله، والدعوة لحصرها بوجه الحليف المشترك للحريري والحزب، أي التيار الوطني الحر ورئيسه الوزير جبران باسيل. وهو اليوم يعيد الوقوف في النقطة الأصليّة ذاتها، السعي للتحول إلى رقم صعب والقلق من التحوّل إلى خاصرة رخوة، لكن برأسمال أقلّ وظروف أصعب ومخاطر أعلى.

البعد الدولي والإقليمي الذي يشكل دائماً الإطار الأوسع لحسابات الحريري، ليس مساعداً، فهو لم يعد يملك مفاتيح قراءة المواقف الأميركية مع لاعب متهوّر وبراغماتي في آن واحد، وواقعي ومغامر في آن مقابل، اسمه دونالد ترامب، كما لم يعُد يجد في الرياض الحضانة الدافئة والرعاية المفتوحة على بياض الشيكات والسرائر، والجاهزة للحماية على قاعدة الشراكة التي لا تهتزّ في السراء والضراء، مع وجود القرار السعودي بيد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتجربة الاحتجاز في الريتز ليست مجرد حادث سيئ، بل هي تلخيص لحجم الشكوك والظنون التي يصعب تخطيها والبدء من الصفر. كيف وأن واشنطن والرياض لديهما ما يكفيهما من الهموم والاهتمامات والأولويات قبل كورونا وبعد كورونا، كي لا يكون لبنان كله أولوية، فكيف يكون بعضه، وبعض من هذا البعض، واليوم المنطقة كلها تفقد مكانة الأولوية الأميركية، ولبنان يفقد زاوية الاهتمام السعودي، بينما يحضر لاعبون دوليون وإقليميون، كفرنسا التي لا يحكم قصر الإليزية فيها جاك شيراك، بل براغماتي خاسر يسعى لعدم خسارة لبنان كآخر مقعد لفرنسا في المنطقة اسمه امانويل ماكرون، وروسيا الآتية من بوابة التحالف مع سورية وإيران وحزب الله، ومقابلهما إقليمياً إيران اللاعب الذي يحسب له الحساب من جهة، ومن جهة مقابلة تركيا التي قطعت المتوسط بحثاً عن دور في ليبيا ولن تمنتع عن مخاطرة مشابهة في لبنان، وهي الآتية على قاعدة السعي لوراثة الدور السعودي في شمال لبنان بصورة خاصة، ولا تجد أمامها إلا الحضور الإماراتيّ الذي أفسد الودّ في علاقة الحريري بولي عهدها الكثير والكثير جداً.

في البعد الداخليّ يتلاقى وضع اقتصادي ضاغط ومتفجّر على اللبنانيين، ولا يملك الحريري وصفة سحرية لمواجهته وقد زال زمان السحر التمويلي لباريس مكرّر وسيدر لم يعد على الطاولة غب الطلب وإن وجد فليس ضمن حصر إرث يعود للحريري وحده الإفادة منه، والأزمة التي أحرقت أيادي الجميع لا مكان للحريري في قطار الإنقاذ منها بنظر اللبنانيين، بقدر ما يحمل أعباء الوصول إليها، بنظر أغلبية لبنانية ترى أنه المسؤول عن سياسات ماليّة قلد خلالها سياسات والده في زمن غير مناسب، وواصل اتباع وصفات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عندما كان الوقت قد حان لاستبدالها بعكسها، أي منذ العام 2010 عندما بدأ ميزان المدفوعات يميل للخسارة وتراجعت تحويلات اللبنانيين في ظل نظام العقوبات، وكان ينبغي عندها وقف سياسات الاستدانة والفوائد المرتفعة، والسعي لخطط اقتصادية ومالية جديدة تبني الإنتاج وتتكامل مع المحيط الطبيعي، أي سورية والعراق، فيما كان هو منشغلاً بالتحضير للمعركة مع سورية، ويقدّم أوراق اعتماده في حرب الرهان على سقوطها، وفي قلب طائفته لم تعد زعامة الحريري كما كانت، فعلى يمينه وشماله فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي ونهاد المشنوق وأشرف ريفي، وجماعات التطرّف، وجاءه من حيث لا يحتسب منافس لا يُستهان بمقدراته وفرص تقدّمه، هو الرئيس حسان دياب. وقد استهان الحريري بالأمرين معاً.

لا يبدو أمام الحريري من خيار سوى حذف الاحتمالين بالتوازي كي ينجو، أي التخلي عن وهم الرقم الصعب كي يتفادى كابوس الخاصرة الرخوة، فيحذف احتمالاً ليسقط الثاني تلقائياً، في طريق بحثه عن جواب جائزة المليون، ولن يفيده الاستقواء بالجمهور، الذي لا يحتمل اللعب بالمخاطرات. فلا مكان ليركب موجة التطرف لأنها ستلغيه وتسرّع بتحويله خاصرة رخوة، ولا موجة المواجهة مع العهد لأنها ستقصيه ومشهد وليد جنبلاط في بعبدا يجب أن يضيء عنده الضوء الأحمر، بأنه قد يخسر كل الرصيد المتراكم بسبب إجابة خاطئة، بينما يمكنه الامتناع عن الإجابة والاكتفاء بالربح المحقق، ليصل إلى خيار حتمي هو الاستعانة بصديق، هو حكماً رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي خذله الحريري باستقالته المفخّخة، ليستفيد مما فعله جنبلاط، ويتعلم من أخطاء الماضي، عله يستطيع الوصول إلى صيغة تنظيم العلاقة مع رئيس الحكومة الصعب حسان دياب، على قاعدة الفصل بين الرئاسة والزعامة، وهي المعادلة التي أوصلت الرئيس السابق ميشال سليمان للرئاسة مقابل تعهّده احترام زعامة العماد ميشال عون، وتنكّر لها سليمان بعد وصوله إلى قصر بعبدا، بينما يستطيع دياب احترامها إذا ارتضى الحريري سداد كلفتها، بالتساؤل عن مبرر تمسكه بأغلب الذين يرسم حولهم خطوطاً حمراء، ويرفض تعرّضهم للمساءلة، من رؤساء حكومات سابقين ووزراء سابقين وصولاً لحاكم المصرف، وأغلبهم إما يعتاش على رصيده، أو يحفر له حفرة السقوط المدوّي وأحسنهم باعه في التوقيت السيئ بثلاثين من الفضة، وهو بين كل هؤلاء أقلهم مسؤولية في حساب الفساد، كما في حساب رسم السياسات.

فيديوات متعلقة

تحديات محور المقاومة… وتقدّم على مختلف المحاور

رأي سمير الحسن 

الخميس 27 شباط 2020

متواصلة بعناد، وبلا هوادة، عدوانية الغرب على الشرق. طاقة عدوانية غريبة باستمراريتها، وثباتها، وجبروتها، لا تلبث أن تتعدّى وتدمّر وتقتل وتخرّب، وإن خسرت فببعض ردّ فعل مقاوم من شعوب الشرق، الذي لم يغب عن لسانه طعم هذه العدوانية الشرسة على مراحل تاريخية مختلفة.

والاستعمار ليس أماً حنوناً، كما صوّره كاتبو التاريخ الحديث، ولا الإمبريالية أباً للشعوب. الأم وابنتها دمرتا الكرة الأضية، وحياة الشعوب عليها. جاء الاستعمار الفرنسي، ودخل دمشق، وأوّل ما قام به قائد القوات الفرنسية، الجنرال غورو، خلال الحرب العالمية الأولى، أنه قصد قبر صلاح الدين الأيوبي، أحد أبرز رموز هزيمة الصليبيين من الشرق، ورفسه بقدمه قائلاً: «يا صلاح الدين أنت قلت لنا إبان الحروب الصليبية: إنكم خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه. وها نحن عدنا فانهض لترانا في سوريا».

كرّس غورو النزعة الاستعمارية لبلاده، وللغرب برمّته؛ فالصليبية كانت أوروبية الطابع، ولم تنتمِ إلى دولة محدّدة، وقومية معيّنة. لم تكن جرمانية، تحديداً، ولا إفرنجية تحديداً، ولا أنكلو ساكسونية تحديداً. كانت كل ذلك، مع غيرها من مختلف القوميات الأوروبية. زرعت لمام شعوب من مختلف دول العالم مكان شعبٍ آخر في فلسطين، فكان الكيان الصهيوني. ثمّ تنبعث اتحاداً أوروبياً، بعد قرون طويلة على حدود الألفيتين الثانية والثالثة.

وتتجدّد العدوانية بصلافة وإصرار مع الوريث الأشرس، الإمبريالية الأميركية، فتستبيح العالم وتقتل وتدمر، ولا تكلّ عدوانيتها، كما لا يضعف إصرارها على العدوان. تغزو أفغانستان، ثم العراق، تستبيح أميركا اللاتينية بمؤامراتها، ولا تكلّ أمام هزيمة من هنا، أو ضربة من هناك، فتستعيد قوّتها، وتعيد هجومها العدواني، مستفيدة ممّا يشبه وحدانية سيطرتها وبطشها في العالم. تكرّس حضورها المباشر، وغير المباشر في سوريا والعراق ولبنان، مستهدفة تكريس سيطرتها، وكذلك محاولة مجابهة أي نهوض آسيوي، فتضع إيران في أول استهدافاتها، وتخطّط للصين منعاً لنهوض يقضّ مضاجعها.

جملة تحوّلات وانتصارات تكتيكية تُعزّز من حضور محور المقاومة في كل الساحات وتضع المنطقة في مرحلة التحرير المباشرة


لكنّ حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء، بل تتقدم مهما كان ببطء، وفي ظل نهوض آسيوي غير منضبط، تعجز الإمبريالية الأميركية عن مجابهته، يتقدّم المحور الشرقي بتؤدة، خطوة خطوة، لا يريد للمجابهة أن تصل إلى ذروة عنفوانها، لأنه لا يريد أن ينجرّ وراء نزعة الإمبريالية الأميركية إلى تدمير الحياة البشرية على الأرض بمجابهة شاملة. وبقدر ما هي غريبة النزعة العدوانية بصلفها واستمراريتها، مستوى الرد الشرقي منضبط في الحدود المرسومة له: تقدم من دون تراجع، ولا تسرّع. يتضمن الرد في طياته قراراً نهائياً بالمجابهة حتى نهايتها، التي قد تطول تحت مؤثرات الضبط المرسومة لعملياتها على المستويات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. لذلك، تطول المجابهات العسكرية المباشرة الشرسة في سوريا، واليمن، وتتخذ في العراق ولبنان منحى الحراك الشعبي.

في هذه الأجواء، نلاحظ تطورات ميدانية في سياق التحولات الاستراتيجية الواقعة في سياق مواجهة المشروع الأميركي في المنطقة. ولا بدّ من التوقف عند التطوّر العسكري على جبهتي اليمن وسوريا؛ هجومان يعبّران ضمناً عن الهجوم الشامل الذي تقوده جبهة المقاومة لدفع أميركا وحلفائها إلى مزيد من التراجع؛ فالجيش السوري دخل مرحلة متقدمة لحسم معركة إدلب. وفي اليمن، سجّل الجيش اليمني و«أنصار الله» تقدماً استراتيجياً على جبهة مأرب، والجوف، بعد النجاحات الكبيرة على جبهات نهم، وكتاف، ما يعني دخول الجيش السعودي مرحلة حرجة في اليمن.
في لبنان، قال فلتمان إذا لم تضعوا حداً لحزب الله، فسيعود لبنان إلى العصر الحجري. هي لغة الأم المزعومة بالحنون. «إما لبنان لنا، أو… لا لبنان». هكذا يريد الغرب لبنان الذي رسمه على قياس مصالحه، ومن أجل مخططاته، وواهم من لا يزال يعتمده وطناً قائماً بحدّ ذاته، موئلاً دائماً لأبنائه المقيمين فيه. وعندما حاول الحكم اللبناني التوجّه نحو الشرق، انطلقت الحركة التي يعتمدها فلتمان في استراتيجيته، إما لإعادة لبنان إلى أحضانه بالتمام والكمال، خالياً من المقاومة، أو لإعادته إلى العصر الحجري كما هدّد فلتمان، ابتداءً منذ السابع عشر من تشرين الأول / أوكتوبر المنصرم. وفي العراق، تتخذ الحركة منحًى أكثر تجذّراً، حيث تجمعت كل القوى الوطنية في المجابهة، يعزّزها الحضور الإيراني المقاوم الذي حسم قراره بإخراج الأميركي من المنطقة.

جملة تحوّلات، وانتصارات تكتيكية، تعزّز من حضور محور المقاومة في كل الساحات، عسكرياً وسياسياً، وتضع المنطقة في مرحلة التحرير المباشرة، كما تقرّبنا من الهزيمة النهائية لغورو الاستعماري، وفلتمان الإمبريالي، بانتظار تحقيق النصر الاستراتيجي، إن على المستوى العسكري أو الاقتصادي ــ وهو من أهم عناصر المجابهة ــ أو السياسي، مهما امتدت المجابهة، وطال أمدها.

*كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية

Related Articles

%d bloggers like this: