هذا ما سمعتُه عن المطران كبوجي من الأمين بديع الشدراوي والرفيق عزيز إبراهيم الشرفاء دائماً حاضرون حتى وإن رحلوا عن الوجود

المصدر

يوسف المسمار

في 28 نيسان 2020 غيّب الموت في البرازيل، الأمين بديع الشدراوي الجزيل الاحترام والعاطر الذكر، وهو من المناضلين القوميين الذين أدّوا أدواراً كبيرة في مقاومة الاحتلال.

قبل رحيله، تلقيت منه اتصالاً يشكرني فيه على نشر قول أنطون سعاده «العالم كله بحاجة إلى فلسفتنا» بلغات عدّة، وقال لي: «أحسنت يا رفيق يوسف. يجب أن يعرف العالم كله مَن هو أنطون سعاده ومَن هم نحن تلامذة أنطون سعاده الأوفياء النظاميون المناقبيون في الحزب الذي أسسه لنهضة الأمة السورية وماذا أعطت الأمة السورية الحضارية للعالم». وقد شكرته وأكدت بأن «حزبنا مدرسة حياة مَن نجح فيها تخرّج وتألّق، ومن استهان بها فشل وأخفق».

وخلال الاتصال أتينا على ذكر المطران ايلاريون كبوجي فقال لي الأمين بديع: «المطران رفيقنا وأنا أعرفه وأعرف أشياء كثيرة عنه قام بها من أجل الحزب والأمة. وقد كان ملاحقاً أثناء الانتداب الفرنسي ولم تتمكن السلطات الفرنسية من معرفته والقبض عليه، لأنه كان يحمل اسماً آخر هو اسم الرفيق جورج ينشط به حزبياً غير اسمه بالإضافة الى جانب نشاطه الديني». وقال لي الأمين بديع بأنه سيرسل كل ما يعرفه عن المطران كبوجي لتضمينها في مقال أكتبه، لكن القدر خطفه قبل أن يزوّدني بالمعلومات.

هنا، لا بدّ من الإشارة إلى المقابلة التي أجرتها الإعلامية جودي يعقوب مع المطران كبوجي وفيها يقول: «إنّ حل الأزمة السورية يكمن بالفكر السوري، فكم نحن بحاجة إلى كل المنادين بفكرة وحدة الأمة السورية مثل أنطون سعاده، لأن الرهان اليوم هو على الذين يؤمنون بفكرة الوحدة، من أجل أن نرتقي بسورية نحو الخلود».

وما يؤكد انتماء المطران كبوجي أنه كان يحبّ العرب ولا يحبّ الأعراب، ويقول بالعروبة العربيّة التمدنيّة العلميّة الواقعيّة الصحيحة ولا يقول بالأعرابية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ما جاء في محاضرة سعاده التي تحت عنوان «الاتحاد العملي في حياة الأمم» في النادي الفلسطيني سنة 1933: «وهل يضيرنا ان يكون بعضنا عرباً والعرب برهنوا بفتوحاتهم وما أدّوه للمدنية من خدمات أنهم شعب لهم مزايا تمكنه من القيام بأعباء المدنية متى وجد في محيط صالح. فالعرب في الأندلس – والسوريون كانوا يشكلون قسماً هاماً في الأندلس ضمن التسمية العربية – كانوا من أهم عوامل ترقية المدنية في العلوم وإطلاق حرية الفكر حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم في الشرق والغرب».

عروبة المطران كبوجي هي العروبة الواقعية العلمية التمدنية الصحيحة وليست العروبة الطائفية اللغوية الوهمية المتخلفة الزائفة. وقيامة العالم العربي وجبهة المجتمعات العربية لا ولن تتحققان بالطائفية المكفّرة، واللغوية المتبجّحة، والأوهام الخرافية، والتقهقر الأخلاقي المدمّر، بل تتحقق بالمفهوم السوري القومي الاجتماعي ومبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته وبالعقلية المناقبية القومية الاجتماعية.

وفي هذا السياق يقول المطران كبوجي للإعلامية يعقوب إن مَن يقرأ كتاب المحاضرات العشر «بتأنٍّ وتمعّن وتدبّر يفهم معنى العروبة الواقعية الصحيحة ويهجر العروبة الطائفيّة اللغويّة الوهميّة. وهذا هو إيماني لأن العروبة الواقعية العلمية هي لخير سورية ولخير العرب. وسورية القومية الاجتماعية هي لصالح العالم العربي كما هي لصالح سورية».

لقد كان للمطران كبوجي نوعان من النشاط في حلب: نشاط ديني علني ونشاط سوري قومي اجتماعي سري باسم آخر، ولمعرفة سبب لقاء راهب الدير كبوجي بالعمرين: الشاعر عمر أبو ريشة والأمين عمر أبو زلام هي أن الثلاثة كانوا بمهممة إدخال أحد المقبلين على الدعوة القومية الاجتماعية وقد عيّنوا له موعداً لأداء القسم الحزبي. وقبل ان ينطلقوا الى مكان الاجتماع المعيّن طلب منهم الراهب كبوجي أن يرتدوا ثياب رهبان لإبعاد الشبهة عنهم وتوجّه الثلاثة الى المكان المخصص لاداء القسم ومروا في طريقهم في سوق الهال ومعهم القَسَم الحزبي مكتوباً باليد، فظهرت أمامهم وفاجأتهم في السوق دورية من الشرطة الفرنسية فأمرهما المسؤول الرفيق جورج الذي هو الراهب كبوجي أن يخفوا الورقة المكتوب عليها القسم وأن الأمر الذي وجّهه لهما بكل «سلطان ورهبة»، كما ورد في قصة الحزب للأمين الدكتور شوقي خيرالله هو لإخفاء الورقة التي كتب عليها القسم، لأن السلطات الفرنسية كانت تعتبر القوميين الاجتماعيين مخرّبين لرفضهم الاحتلال الفرنسي ومقاومته، وتلاحقهم في كل مكان تواجدوا فيه.

وبالفعل أخفوا الورقة التي كتب عليها قَسَم الانتماء الى الحزب في قلب المكسّرات أو البهارات. وهذه القصة سمعتها من الرفيق الراحل عزيز إبراهيم ناظر إذاعة منفذية البرازيل العامة وهو من منطقة انطاكية والإسكندرون التي تنازلت عنها فرنسا لتركيا.

والرفيق عزيز ابراهيم كان رجل أعمال، وكان يملك مصنعاً كبيراً للنسيج في سان باولو، وكان على علاقة قوية مع الشاعر عمر أبو ريشة والمسؤول الأول عن طباعة خمسين نسخة في كتاب مختارات «من شعر عمر أبو ريشة» الذي وصل الى 300 صفحة عندما قدم الشاعر الى سان باولو كمسؤول دبلوماسي للكيان الشامي السوري وقدّمها كهدية من المؤلف لمستوصف القديس يوحنا في سان باولو – البرازيل. وقد خصّني الرفيق عزيز إبراهيم بنسخة من الكتاب قائلاً لي: لقد طبعنا خمسين نسخة من هذه المختارات من شعر الرفيق الشاعر عمر أبو ريشة. كما أرسل لزوجتي هدية قطعة من القماش المصنوع في مصنعه مع ابنه المهندس بشارة عزيز إبراهيم بعد زواجنا. وفي إحدى المرات التقينا في سان باول بدعوة على الغذاء من الأمين ألبرتو شكور وكان معنا الأمين نواف حردان والرفيق أديب بندقي، قال لي أثناءها الرفيق الراحل عزيز إبراهيم: «لقد حدثني الأمين البرتو أنك تقوم بترجمة مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الى اللغة البرتغالية فسررتُ جداً بهذا الخبر. وأقول لك إن سعاده في قبره يشكرك على هذا العمل».

من أقوال المطران كبوجي

1 –

«على أصوات المساجد وهي تصدح الله أكبر، وعلى أصوات الأجراس في الكنيسة، نحن عائدون إلى قدسنا الحبيبة».

2 –

«عائدون مهما طال الزمن ومهما بهض الثمن، والحق يعلو ولا يُعلى عليه، وطالما هناك شعب وفيّ هو الشعب الفلسطيني، فحتماً عائدون».

3 –

«يسعد صباحكم والله يجمعنا بكم قريباً في الناصرة… فعندما اسمع صوتكم انتعش. أنتم بالنسبة لي أوكسجين الحياة لقد صلّيت في قاعة المؤتمر لسلامة سورية وفلسطين والناصرة وكل بلاد الشام».

هكذا بدأ سيادة مطران القدس في المنفى المطران هيلاريون كابوتشي حديثه خلال مغادرته مدينة مونتريو، حيث شارك في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف 2 حول سورية.

4 –

« لقد صليت ولكن… يد واحدة لا تصفق. فإن لم يبنِ الرب البيت عبثاً يتعب البناؤون… إن لم نرفق العمل بالصلاة فعملنا سيبقى بدون جدوى، لقد كنت داخل القاعة أصلي لربنا رب السلام والمحبة… وحتى يعمّ السلام العالم أجمع، والشرق الأوسط… يعمّ الناصرة وفلسطين وكل سورية وكل بلد عربي، فكفانا عذاباً. كل مدة وجودي في القاعة كنت أصلي من أجل السلام في العالم أجمع ونجاحه في فلسطين وفي الناصرة وفي كل سورية».

5 –

«أنا رجل دين الله رب العالمين، ورجل دين الله هو أيضاً مواطن، وحب الأوطان من الإيمان والذي لا يحبّ وطنه، لا يحبّ ربه. وايماني بربي هو من محبتي لوطني».

6 –

«وردًا على سؤال عن مشاركته في افتتاح المؤتمر وجلوسه على طاولة الوفد الرسمي السوري قال المطران كابوتشي: «نعم نعم.. كنتُ جالساً ضمن الوفد السوري الرسمي».

7 –

«وتابع المطران كبوجي: «لقد حضرت بتلقاء نفسي دون دعوة من أحد.. أنا لست بحاجة لدعوة من أحد لأذهب وأصلي وأعمل من اجل السلام لبلادي ولشعبي ولخلاصهما من القتل والدمار والإرهاب.. نعم رحت الى هناك الى سويسرا ومنها أنا مستعد للذهاب الى اي مكان في العالم من اجل السلام..».

8 –

« وعن مفاجأة الوفد السوري واستقباله له قال المطران كبوجي: «ما بتقدر تتصوّر. أنا عشت السماء على الأرض. مباشرة احتضنوني ضمن الوفد… كانت سورية أمامي بشعبها ورئيسها متألقة.. سورية كانت في السماء. سورية رغم كل الجراح تتأمل خيرًا. فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. وحبة الحنطة إن لم تمُت في الأرض لا تُنضج سنبلة. سر الحياة وخصبها أنها تموت. وإنما هي تموت لكي تعيش، هكذا هي سورية شكلاً وروحاً».

9 –

«سورية هي وطني وشعبها شعبي، فإذا لم أعترف بذلك، فأي بلاد أخرى غيرها يمكن أن اعتبرها بلادي؟».

10 –

«سورية هي السماء على الأرض وهي دائماً في السماء، ولسلامها دائماً أعمل وأصلّي. فالدنيا لا تؤخذ بالصلاة وحدها، بل بالعمل أيضاً. الدنيا لا تؤخذ بالتمني بل تؤخذ غلابا».

هذا هو المطران كبوجي السوري القومي الاجتماعي الذي قال: «اذا لم أعترف بأن سورية وطني وشعبها شعبي، فأي بلاد أخرى غيرها يمكن أن أعتبرها بلادي؟!».

كاتب وشاعر قومي مقيم في البرازيل

عــوايــنــيــــــــة

بثينة شعبان

المصدر

بثينة شعبان

مسلسل “أم هارون” اضطهاد للفلسطينيين

حين تتكرر كلمة “عواينية” في مسلسل “حارس القدس” نستجمع ونستعيد في الذاكرة كل المآسي التي تعرضت لها هذه الأمة من محيطها إلى خليجها.. اليوم على كلّ الأحزاب والفعاليات العربية أن تعلن أنها حرس للقدس، وأنها ضد مسيرة الذلّ والهوان والارتهان لأعداء الأمة والحق والمستقبل.

هل فوجئتم بمسلسل أمّ هارون وغيره من مسلسلات الخنوع التطبيعية في الموسم الرمضاني، وهل صعقتم أن تسمعوا من خائن يتكلم العربية يشتم فلسطين ويتهمها بأنها السبب بما حلّ بهم من ضعف وهوان؟ وكأنه لم يسمع تصريحات الأعداء يؤكدون أن الهدف ليس فلسطين فقط وإنما البلدان العربية كلها؟ أوَ لم يدرك هو وأمثاله أن فلسطين أعطتهم الفرصة لاستعادة مكانتهم، ولكنهم أداروا ظهورهم لفلسطين، فوصل العدوّ إلى عقر دارهم. وبتصريحاتهم وأعمالهم التطبيعية قد حكموا على أنفسهم بالارتهان لإرادة عدو يعرف ما يريد ويدرك السبل لتحقيقه، وقد تسلل إلى قرارهم السياسي وأصبح في قبضته، وما زعيقهم المعادي لحقوق أمتهم إلاّ حشرجات هزيمتهم.

هل عجزت المناهج التربوية في الوطن العربي بكل أقطاره أن تعالج نقطة الارتهان للخصوم  والأعداء وأن تربيّ جيلاً مخلصاً لوطنه لا يمكن  شراؤه بأي ثمن ضد مصلحة الأوطان ؟ أم أننا لم نتوصل إلى مرحلة الأوطان بعد ومازال البعض يعيش ويتصرف كقبائل وعشائر حتى وإن استوردوا نماذج من أساليب الحياة الغربية أم أن هذا التمظهر بمظهر من نعتقد أنهم أكثر حضارة منا كان على حساب تجذير وتثبيت الأسس والعادات والتقاليد العربية الأصيلة التي نفخر بها في بلداننا وحضارتنا؛ فلم نحدّث على أساس تطوير ما ثبتت إيجابيته في حياتنا بل تملكتنا عقدة المستعمر وعقدة تفوق الأجنبي وعقدة الشعور بالنقص تجاههم فتركنا ما هو إيجابي ومنطقي من حضارتنا ومناسب لطريقة عيشنا وبيئتنا وتركيبة عائلتنا ومجتمعنا وقيمنا وأخذنا بالقشور من مجتمعات وحضارة عدوانية قائمة على حروب النهب والاستعمار وتدعي الإنسانية والحضارة.

حين تتكرر كلمة “عواينية” في مسلسل “حارس القدس” نستجمع ونستعيد في الذاكرة كل المآسي التي تعرضت لها هذه الأمة من محيطها إلى خليجها، وفي البحث والتدقيق والتمحيص نكتشف أن عقدة النقص تجاه الآخر والارتهان له أو لأسلوب عيشه أو لماله أو لمغرياته كانت سبباً أساسياً في عدم تمكن هذه الأمة من أن تخلق على الأقل علاقات إيجابية بين بلدانها تخدم مصلحة الجميع؛ ففي كل مفصل انكسار أو هزيمة نكتشف أن الخيانة كانت سبباً أساسياً في وقوعه.

هل فشلنا حتى اليوم بتحديد من نحن وما هو جوهر هويتنا التي نعتز بها وما هي آليات العمل التي تخدمنا جميعا وتضعنا في الموقع الرابح؟

إحدى أهم المشكلات التي صادفتنا في كتابة تاريخنا هي عدم الصدق وعدم الشفافية والمبالغة في مراعاة المشاعر الشخصية على حساب القضايا الوطنية؛ إذ إن عدداً من الذين عرفتهم شخصياً رفضوا أن أسجّل مذكراتهم لأنهم قالوا إن رواية التاريخ الحقيقي الذي عاشوه سوف تُري أن التاريخ الذي ندرّسه لأجيالنا غير حقيقيّ، وكان سؤالي هل نستمر بدراسة وتدريس تاريخ مزيّف أم نواجهه من خلال كتابة التاريخ الحقيقي؟ وكان جواب كل واحد منهم : وهم أسماء كبيرة وقامات يُعتدَّ بها، “دعي غيري يواجه هذه المعضلة ولست مضطراً لأن أواجهها الآن”. وهنا تكمن مشكلة أكبر، من هم أصحاب القضية الذين يعتقدون أن مهمتهم ومسؤوليتهم هي أن يواجهوا الزيف وأن يضعوا الأسس السليمة لتاريخ حقيقي تقرأه الأجيال وتتعلم منه وتأخذ منه العبر وتتربع على أرضية صلبة لا تسمح لأحد أن يجنّد “عواينية” من بينهم.

في القرن الحادي والعشرين نراقب حال أمتنا فنجد أنها في العمق مازالت قبائل وعشائر وأن مفهوم الدولة ومفهوم الوطن لم يأخذ أبعاده المستحقة في وجدان وضمائر الجميع. اليوم حيث برهنت أحداث هذا القرن وخاصة أحداث العام 2020 أن أهم حق إنساني للشعوب هو الحق بوجود دولة قوية قادرة على مواجهة الأزمات والصعاب. العالم برمته اليوم يدرك أن أهم ما يحتاجه المجتمع البشري في كل مكان هو الدولة الحصينة القادرة على حماية أبنائها وأن كل طروحات العولمة والادعاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي روجوا لها على مدى عقود كغطاء من أجل استعمار الدول ونهب ثرواتها لم تصمد أمام فايروس لا يرى بالعين المجردة ، لذلك نحن نشهد اليوم انحسار عصر العولمة والليبرالية الجديدة  اللتين تبنّاهما مفكرون عربٌ كثرٌ بدلاً من أن يعودوا إلى ابن رشد وابن خلدون وإلى كنوزنا التاريخية ذات العراقة الأصيلة مع الوجود العربي والحياة العربية؛ ففي الوقت الذي يُدرّس فيه ابن رشد ومحي الدين بن عربي في جامعات العالم الغربية قلما نرى كتاباتهما وكتابات مفكرين آخرين في المناهج التربوية في البلدان العربية.

لقد اعترف أدونيس وزملاؤه الذين عملوا على الحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين أنهم أخذوا بالحداثة الغربية بدلاً من أن يعيدوا تسليط الأضواء على المحدّثين العرب ويبنوا على محاولاتهم.

هل تأخرنا كثيراً في إعادة الاعتبار لما تضمنه تاريخنا من فكر ومعارف منسجمة مع بيئتنا وتكويننا ومجتمعنا ؟ أي هل فات الأوان كي نقوم بهذا الأمر؟ لا بد أن أقول “أن تصل متأخراً خير من ألا تصل على الإطلاق”. وقد برهنت الأحداث بما لا يقبل الشك أن الولاء للأوطان هو ضرورة جوهرية لعزّة هذه الأوطان وأن التعاون والتنسيق بين الدول العربية على أسس التاريخ والجغرافيا والثقافة الواحدة هو المخرج الوحيد لجميع هذه الدول من حالة الضعف والانحسار الذي تشهده وأن أي دولة عربية لن تستطيع أن تبني مجداً أو تحتل مكانة إقليمية أو تحقق مشروعها الإصلاحي أو الازدهار دون التعاون مع الدول العربية الأخرى بصيغة أو بأخرى. أما هؤلاء الذين ما زالوا يراهنون على الأعداء فليتمعّنوا في تجارب الدول العربية التي عقدت سلاماً مع العدوّ، واتفاقيات على أمل أنّ هذه العلاقة سوف تحقق لها النموّ والمكانة الإقليمية والعالمية، فهل حقّقت ذلك بالفعل، أم أنها ازدادت وهناً وقيداً وعجزاً عن اتخاذ القرار داخل البلاد وعلى المستويات الإقليمية والدولية؟ لن تحقق لهم الأفكار المطروحة في أم هارون سوى المزيد من الذل والهوان. أما عين الحقيقة فقد قالها حارس القدس لأم عطا “حين تدافعين عن بيتك في القدس فأنت تدافعين عن بيتي في حلب”.

لا شك أن العروبة هي الحل وأن الذين شوّهوا مفهوم القومية العربية هم الذين وضعوا مشروعهم كبديل لهذه القومية يعملون اليوم على نشره وتأسيسه على أرض ليست أرضهم وفي بلاد ليست بلادهم وبدأوا في هذا العام بإنتاج المسلسلات الدرامية التي تحاول أن تظهر أحقيتهم في هذه الأرض على حساب أصحاب الأرض الأصليين وهم العرب.

إن الأحداث من اليمن إلى الخليج برمته إلى العراق إلى ليبيا إلى سورية إلى السودان تستدعي مراجعة صادقة جريئة وشاملة لأساليب العمل التي اتبعتها هذه البلدان في القرن الماضي، وتستدعي اجتراح أساليب جديدة وأدوات جديدة كي نتمكن من بناء ما فات، وكي نستدرك مكانتنا بين الأمم في عالم ما بعد كورونا، حيث نشهد اليوم صراع الإرادات، والأعين شاخصة إلى شكل المستقبل وهويته وقادته الأساسيين. من أجل إنجاح أيّ خطة أو رؤية أو خارطة طريق مستقبلية لا بدّ أولاً من تحديد أماكن الخلل، والتي قادت بلداننا من وهن إلى وهن في وجه عدوّ لا يقاربنا عدداً أو عديداً أو أحقية في أيّ مشروع إقليمي، بل انتعش على نقاط ضعفنا وثغراتنا، وكرّس جهوده لتفكيك صفوفنا دون أن نضع استراتيجية بديلة تجعل من المستحيل عليه بلوغ أهدافه. لقد عمل العدوّ على تعزيز نقاط قوته من خلال تفكيك صفوفنا وضمان عدم وحدتنا واختراق أجيالنا كي نصل إلى مكان العزة والكرامة يجب أن نكون جميعاً حراساً للقدس قولاً وفعلاً وفداء وتضحية.

أهي مصادفة فعلاً ان تُستهدف المدارس في العراق وفي سورية وليبيا واليمن وفي أي مكان وفي أي بلد يُستهدف من قوى غازية أو قوى الاحتلال؟ تستهدف المدارس والتعليم، ذلك لأن العلم والمعرفة هما الضمانة الحقيقية للسير على الطريق السليم وهما الضمانة الحقيقية لتحقيق الهدف وهما الضمانة الحقيقية لتقدّم البلدان وازدهارها ولا شك أن التعليم والمعرفة قد تراجعا بشكل غير مقبول في العالم العربي ولأسباب مختلفة من أهمها انتشار ثقافة البترودولار الكارثية على هذه الأمة، ولن نتمكن من أن نسد الثغرات التي أدت إلى وجود “العواينية” والمخترقين والعملاء والجهل والتقصير إلا من خلال إعادة النظر بالمناهج التربوية ووضعها بطريقة تخدم الأهداف المرجو تحقيقها في المستقبل.

ما نحتاجه اليوم هو مراجعة عميقة جريئة شاملة وأن نبني على أساس نتائج هذه المراجعة. نحن لا نمتلك الوقت وليس لدينا ترف الانتظار كان يجب أن نبدأ في القرن الماضي وليس فقط البارحة ولعلّ التهديد الوجودي لحضارتنا وأمّتنا يشكل حافزاً لنا كي نرى النور ونعمل بما يتوجب عمله كي نستعيد مكانتنا كعرب في الإقليم والعالم. ولا شك أن الخطوة الأولى تتمثّل في التعبير عن كل أشكال الرفض الحقيقي “لأم هارون” و”مخرج 7″ وكلّ الذلّ والارتهان الذي أدى لهما والذي حاول من قبل تغيير ثقافتنا الأصيلة من خلال إغراءات البترودولار واليوم يحاول تشويه هذه الثقافة مستعيناً بألدّ الأعداء والخصوم. اليوم على كلّ الأحزاب والفعاليات العربية أن تعلن أنها حرس للقدس وأنها ضد مسيرة الذلّ والهوان والارتهان لأعداء الأمة والحق والمستقبل.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بين أم عطا المقاومة.. وأم هارون اليهوديّة القدس عاصمتنا الأبديّة

سماهر الخطيب

تتفقّد منزلها بين الحينة والأخرى تستدين المال كي تدفع ما يطالبها به الاحتلال من ضرائب قد استوجبت على منزل «لا يساوي شيئاً» وتقف أمام الباب شامخةً رافضة لعرض السمسار الذي قدّمه لها لبيع هذا المنزل الصغير وتنعته بكلمات لا تحرّك به ضميره الغائب ليترنّح قائلاً «بيعيه اليوم أفضل من أن تخسريه غداً وتصبحين بلا منزل ولا مال»؛ تزداد إصرارً بالرفض.. وتهدي المفتاح لذاك الطالب الكهنوتي ليتذكّر بأن «له بيت في القدس» ولتردّ له شيئاً من معروفه لها..

حدث ذلك مع أم عطا في أربعينيات القرن الماضي هذا ما عرضه عنها مسلسل درامي يحمل اسم «حارس القدس».

وفي المقلب الثاني وفي الحقبة ذاتها تسرد «أم هارون»، قصتها كطبيبة يهودية واجهت تحديات كثيرة مع أسرتها والجالية اليهودية في دول الخليج، في دليل فاضح على تمهيد الإعلام «السعودي» للتطبيع مع «إسرائيل»..

وشتان ما بين أم عطا وأم هارون ليست حبكة درامية تتجلى وإنما قضية راسخة لا يمكن أن نغفل عنها.

فنحن من تربّى على أناشيد الشاعر السوري سليمان العيسى والذي رددنا كلماته إلى اليوم..

فلسطين داري ودرب انتصاري

تظل بلادي هوى في فؤادي

ولحناً أبياً على شفتيا

وجوه غريبة بأرضي السليبة

تبيع ثماري وتحتلّ داري

وأعرف دربي ويرجع شعبي

إلى بيت جدّي إلى دفء مهدي

فلسطين داري ودرب انتصاري

هذه الكلمات شكلت بدايات الوعي لدى كل طفل عن القضية الفلسطينية وحفرت في ذاكرة أجيال من الأطفال على امتداد المعمورة ليس من النهر إلى البحر فحسب، إنما من المحيط إلى الخليج فهذه الأرض لنا وفي تلافيف العقل قد حيكت بساتينها وقراها وحجارها وشطآنها.

هي بلادنا وأرضنا لا تطبيع إعلامي يمكن أن يمحو الحقيقة ولا تطبيل وتزمير «عربي» خانع كخنوع بعض حكام العرب الذين باتوا دمية بأيدي ذاك الصهيوني الغاشم بلا حياء يطبلون له ويزمرون..

وكما يُقال في المثل الشعبي «فوق الموتة عصّة قبر» فبينما تعاني أرضنا المحتلة ما تعانيه من تدنيس المحتل وتعذيب لشعبنا وحاصرته والبحث عن شتى السبل لإخضاعه والعالم أجمع أصم أبكم فهو لا يفقه ومنشغل بأزمة الفيروس المستجد القاتل لجنسنا البشري يعاني شعبنا في فلسطين من فيروس من نوع أخطر وأعتى وأشرس، فيروس صهيوني استشرى بأرضنا وشعبنا يجتمع القادة العرب في جامعتهم ليدينوا ضمّ الضفة الغربية لدولة الاحتلال «إدانة» فقط هذا ما استحصلنا عليه من «سموّهِم المعظم» يمنّون علينا بها.

وفي كل مرة يجتمعون فيها منذ تاسيس جماعتهم المفرقة، ومن قبلها منذ عهد «الشريف حسين» ومراسلاته مع مكماهون إلى اليوم وفي كل كلمة يتفوّهون بها نخسر المزيد من أرضنا المقدسة ودولة الاحتلال لا تترك فرصة إلا وتبخ في كل إناء سُمّها.

وها هي اليوم تستغل انشغال العالم أجمع بمواجهة الفيروس كوفيد– 19 لتسعى بخبث نحو نسج مكائدها..

فجاء إعلان ضمّ الضفة الغربية تزامناً مع ظهور هذا الفيروس المستجد دونما مغيث لشعبنا الفلسطيني سوى مَن كان ضميره حاضراً مقاوماً بالقول والفعل، بالكلمة والسلاح.

وإذا عدنا للوراء في الأشهر القليلة المنصرمة فإننا سنجد الكثير من الانحياز الغربي للكيان الصهيوني على أرضنا، بل نجد أن ستار وغطاء السياسة الغربية والأميركية تجاه دولة الاحتلال قد تكشّف وظهر ما كانت تكنّه من نيات في طياتها العنصرية والاستعمارية.

منذ نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس وإعلانها عاصمة لدولة الاحتلال مروراً بانسحاب أميركا من مجلس حقوق الإنسان لكونه بحسب زعمها يظلم حقوق الشعب الصهيوني، وصولاً إلى التصديق على قانون يهودية دولة «إسرائيل» وصولاً إلى الإعلان المزعوم بضم الجولان السوري المحتل كل ذلك يصب في مصلحة الكيان الصهيوني وراعيته أميركا، فما جاء به ذاك المدير الترامبي وصهره من نداءات لـ»صفقة القرن» قد بدأ يحيك فصولها بدقة متناهية منذ تسلمه دفة القيادة من دون أن يرفّ لهما جفن.

فالدول العربية منشغلة وكذلك الأوروبية والآسيوية لا مجال الآن للالتفات إلى ما يعنيه قرار الأمم المتحدة 181 بشأن القدس ولا حتى القرار 194 بشأن حق العودة ولا حتى هل سيكون قرار إنشاء الأونروا أو الانسحاب منها متاحاً للنقاش والتي أنشئت بقرار من الأمم المتحدة والتي من المفترض أن تكون أعلى سلطة عالميّة لولا تحكم الولايات المتحدة الأميركية بقراراتها وانتهاكها مبادئ الشرعة الدولية.

في القرارين الأميركيين اللذين أظهرا صهيونية ترامب أكثر من الصهاينة أنفسهم يفسران بعضهما البعض، فإذا ما أسقط حق العودة فليس للأونروا عمل بعد اليوم، ليصبح جميع اللاجئين الفلسطينيين مواطنين داخل الدول التي احتوتهم.

وهو ما علا الصوت بتوطين اللاجئين، ولم يكن الهدف منه اللاجئين السوريين إنما الفلسطينيون هم من كانوا مقصودين بالتوطين ليسقط حق العودة وتنسحب الولايات المتحدة من تمويل الأونروا لانتفاء الحاجة إليها ويتوافق ذلك مع يهودية «إسرائيل».

أما بالنسبة للضفة الغربية والقطاع بعد أن حلّ ترامب وصهره قضية القدس فإنّ لهما تتمة في السيناريو الأميركي المعنون بصفقة القرن.

فالكيان الصهيوني لن يكلّ أو يملّ من دون أن يضمهما أو يضم أحدهما لحكمه الاستعماري. وليتم ذلك أولاً الخضوع والاعتراف بيهودية هذا الكيان، ولمن رفض فله سيناء. تلك تتمة السيناريو الخبيث فلم يعد خافياً على أحد تلك القمة السرية في البحر الميت من دهاء بين الرئيس المصري والأردني ورئيس وزراء العدو لتتدافع بعدها اللقاءات وحبك المؤامرات ونقل ما صنعوه من ممثلين وبدعتهم الإرهابية إلى سيناء وإفراغها من سكانها الأصليين ريثما يحين الموعد «توطين الفلسطينيين».

ولا ننسى أزمة تيران وصنافير أحد فصول «صفقة القرن»، وليس الهدف من جعلها سعوديّة إلا إرضاء للكيان الصهيوني، لما تشكله هاتان الجزيرتان من رمزية النصر المصري والفشل الصهيوني إبان عدوان 1967 على مصر.

فكانت تنطلق منها القوات البحرية باتجاه الأراضي المحتلة هذا من جهة، ومن جهة أخرى ربما يريد العدو تحويل المياه في البحر الأحمر إلى مياه دولية فيستطيع العبور فيها والتجارة دونما تعليق يذكر.

وبعد سلسلة قرارات أميركية وصهيونية اتخذت وسط صمت دولي وتراخٍ عربي، لم يعد لدولة الاحتلال ذاك الحلم بالتوسّع وخوض الحروب طالما أنها توسعت في «مجالها الحيوي» فلِمَ تخسر عسكرياً وهي تكسب اقتصادياً وثقافياً وفنياً واجتماعياً..! بعد حملة التطبيع و»أم هارون» التي جالت معظم البلاد العربية من خليجها إلى مغربها، وهو ما أشار إليه بنيامين نتنياهو في مكان تحت الشمس بإنشاء حلف اقتصادي تقوده دولة الاحتلال..

إنما على الساحة السورية، ما سيسقط هذا المشروع الأميركي الصهيوني. فالحرب في الشام أصبحت شبه منتهية بنصر الدولة السورية وحلفائها على الإرهاب. وفي العراق كذلك كما في لبنان وفي الداخل الفلسطيني تبقى المقاومة عتية عن القبول بالانصياع لقرارات أميركية ووجود لكيان غاصب. وفي كل بلد لا تزال فيه أنفاس المقاومة فالشعوب تبقى صاحبة القرار لو بعد حين.

ولا نصرَ يمكن أن يتحقق إنْ لم يروَ بتكاتف الشعب والجيش والمقاومة لتنعكس قوة تنبثق من رحم عقيدة متأصّلة في وجدان أبنائها.

وحارس القدس في كل ضمير مقاوم موجود ليس بدعة وليس ذكرى بل ذاكرة تدق بأننا سنعود.. متجاوزين ما اصطنعوه من حدود سياسية، لتظهر الوحدة الجغرافية، فيجب أن نضطلع بمسؤولية قضايانا القومية لنصنع النصر وأن نقرّر مصيرنا بإرادتنا نحن.

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: