إيعاز أميركي بإسقاط حكومة الرئيس دياب

شوقي عواضة

أعلن وزير الخارجيّة اللبنانيّة ناصيف حتي تقديم استقالته لأسبابٍ عديدةٍ أهمّها وفقاً لما جاء في بيانه بعد الاستقالة أنّ (لبنان اليوم ليس لبنان الذي احببناه واردناه منارة ونموذجاً، لبنان اليوم ينزلق للتحوّل الى دولةٍ فاشلةٍ لا سمح الله، وانني اسائل نفسي كما الكثيرين كم تلكّانا في حماية هذا الوطن العزيز وفي حماية وصيانة امنه المجتمعي، انّني وبعد التفكير ومصارحة الذات، ولتعذّر اداء مهامي في هذه الظّروف التاريخيّة المصيريّة ونظراً لغياب روية للبنان الذي أومن به وطناً حرّاً مستقلاً فاعلاً في بيئته العربية وفي العالم، وفي غياب ارادةٍ فاعلة في تحقيق الإصلاح الهيكلي الشّامل المطلوب الذي يطالب به مجتمعنا الوطني ويدعونا المجتمع الدّولي للقيام به) مضيفاً (انّ المطلوب في عملية بناء الدولة عقولاً خلاقة وروية واضحة ونوايا صادقة وثقافة موسّسات وسيادة دولة القانون والمساءلة والشّفافية) وعلى ضوء تلك الاستقالة وما جاء في أسبابها من حقّنا أن نسأل معالي الوزير حتي ماذا قدّمتَ للبنان منذ توليك وزارة الخارجية من مطلع العام الحالي وحتى تاريخ اليوم؟ وما هي المواقف والإنجازات التي تمّت عرقلتها واستدعتك إلى تقديم استقالتك؟

منذ توليك وزارة الخارجية في الحكومة اللبنانية مطلع العام الحالي وحتى اليوم لم يصدر عن معاليكم موقف وطنيّ يعبّر عن جدّية عملك من أجل لبنان، بل إنّ المواقف التي صدرت عنك لم تكن بالمستوى المطلوب لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، لا سيّما على المستوى الدّيبلوماسي حيث كانت أغلب مواقفك تدلّ على استرضاء بعض الدول وبالأخص الولايات المتحدة الأميركيّة وفرنسا ونظام آل سعود. أولى تلك المواقف يا معالي الوزير برزت في 26 حزيران الماضي حين (استدعيت) السّفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا على خلفية تصريحاتها ضدّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله التي اعتبرت «أنّ الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله يهدّد استقرار لبنان، وأنّ الحزب يمنع الحلّ الاقتصادي فيه». تصريحاتٌ تحريضيّةٌ نتيجة التدخلات الوقحة التي مارستها السّفيرة شيا استدعت أن تحلّ ضيفاً عليك في الخارجية حيث لم يصدر أيّ موقف عن الاستدعاء الذي لم تذكّر خلاله السفيرة بالمادّة 41 من اتفاقية فيينا التي تدعو جميع سفراء الدول إلى احترام قوانين الدولة المعتمدين لديها ومراعاة أنظمتها وعدم التدخّل بشؤونها الدّاخلية بل تحوّلت جلسة الاستدعاء إلى جلسة مباحثات بينكما استمرّت نصف ساعة ناقشتما فيها قرار القاضي محمد مازح بمنع وسائل الإعلام اللبنانية من نقل تصريحات السفيرة شيا التحريضية لتؤكد معاليك للسفيرة على حرية الإعلام وحقّها في التعبير اللذين هما حقّان مقدّسان ولتخرج بعدها السفيرة وتعلن من منبر الخارجيّة اللبنانية أنّ لقاءها معك كان إيجابيّاً وأكدتما فيه على العلاقات الثنائية بين البلدين وناقشتما قرار القاضي الذي طويتما صفحته. هكذا كان موقفك الوطني والسيادي من التدخّل السّافر والوقح لسفيرة الولايات المتحدة في بيروت.

تلا ذلك يا معالي الوزير حادثة اعتراض الطّائرات الأميركية لطائرة إيرانيّة في الأجواء السورية في 23/7/2020 وعلى متنها ركاب مواطنون لبنانيون يحملون الجنسيّة اللبنانيّة قادمين من طهران كادوا أن يكونوا ضحايا عدوانٍ أميركي جديدٍ كاد أن يؤدّي إلى كارثةٍ لولا اللّطف الإلهي، ورباطة جأش قائد الطائرة، وبالرّغم من سقوط عددٍ كبيرٍ من الجرحى لم تبادر معاليك إلى إدانة الاعتداء أو استنكاره أو التفوّه بأيّ حرفٍ يدين الاعتداء الأميركي. فعن أيّ لبنان سيادي تتحدّث؟ عن لبنان الذي لم تستطع فيه منع تدخّل السفيرة الأميركية أم عن لبنان الذي تمنّيته أن يكون دولة مؤسّسات ومساءلة؟

تمنّينا مثلك يا معالي الوزير أن يكون لبنان دولة مؤسّسات تستطيع من خلاله أن تضع حدّاً لتدخلات السفيرة الأميركية في بيروت في شؤوننا الدّاخلية، وتساءلنا مَن منعك من القيام بذلك ولم نجد جواباً… فتشنا يا معالي الوزير عن السبب الذي دعاك لإصدار بيانٍ يدين استهداف اليمن المحاصَر للسعودية التي تشنّ عليه عدوانها منذ أكثر من خمس سنوات. وما الذي أثار غضبك (العروبي) للتّضامن مع آل سعود ولم نرَ نفس نخوتك العروبيّة ترتجل المواقف اتجاه سورية!

فتشنا في معاجم السّياسة عن معنى الحياد الذي تبنّيته في أقدس القضايا وهي المقاومة التي لم تجرؤ على الدّفاع عنها في الوقت الذي رأيناك مقاتلاً شرساً تدافع عن العدوان الأميركي السّعودي على اليمن وتبرّر استمراره تلك المقاومة التي حمت الوطن بدماء أبنائها وصمود شعبها من العدوان الاسرائيلي والإرهاب التكفيري. في الوقت الذي كنت تبحث فيه كما قلت عن ارادةٍ فاعلةٍ في تحقيق الإصلاح الهيكلي الشّامل المطلوب الذي يطالب به مجتمعنا الوطني ويدعونا المجتمع الدّولي للقيام به) أصبح من الواضح أنّك فعلاً واجهت عوائقَ كبيرةً ومُنعت من تنفيذ مطالب المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تضع على رأس مطالبها نزع سلاح المقاومة مقابل تحسين الوضع الاقتصادي في لبنان، وهذا ما أشارت إليه السّفيرة الأميركية في بيروت في تصريحها الذي استضفتها على أثره في الخارجيّة.

تمنينا منك يا معالي الوزير أن تصنع نصراً واحداً يشبه بعض انتصارات المقاومين، تمنينا أن تدين تهريب العميل عامر فاخوري في أكبر عملية هتكٍ للسيادة نفذتها إدارة ترامب، لكن ذلك لم يحصل، وما حصل من خلال تقديم استقالتكم هو إعلان الساعة الصفر بإيعاز أميركي لإسقاط حكومة الرئيس حسان دياب بالتزامن مع صدور قرار المحكمة الدولية وإعادة ضعضعة الاستقرار الأمني مع المزيد من الضغوط الاقتصادية على لبنان وإشعال المزيد من الفتن. والدخول في معركة إسقاط سلاح المقاومة التي ستنتصر فيها إرادة اللبنانيين المقاومين رغم كلّ المؤامرات.

مقالات متعلقة

وليد جنبلاط والصمود بوجه «الشموليّة الشرقيّة» ‏

Image result for ‫وليد جنبلاط كرتون‬‎

ناصر قنديل

أشار رئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ النائب السابق ​وليد جنبلاط​ في تصريح له عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​، إلى أننا «سنصمد بهدوء لكن بحزم، سنصمد في مواجهة ​التصحّر​ والتدمير وتغيير الهوية، سنصمد في مواجهة الشموليّة الشرقيّة دفاعاً عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، سنصمد أمام تسخير ​القضاء​ وتطويعه، سنصمد في مواجهة الاستيلاء على القرار الوطني اللبناني المستقل، سنصمد أياً كانت الصعاب ولن نستسلم». ومناقشة جنبلاط هنا هي مناقشة لمن يحاول منح البعد الفكري والثقافي لمعارك يشترك معه بخوضها آخرون، لا يجيدون فعل ذلك، فيأتي كلامهم دون مستوى السياسة، فيكون سوقياً مرات وطفولياً مرات، ومراهقاً أو غرائزياً أو فاضحاً للنيات أغلب المرات، ويبقى جنبلاط أثقفهم وأحذقهم فيستحقّ النقاش.

كلام جنبلاط يربط بلغة اللعب على العقل اللاواعي بين الشرق كوجهة جغرافيّة، وبين أنظمة الحكم الاستبداديّة في الذاكرة الإنسانية التي حكمته، فيستنبط معادلة الشمولية الشرقية، ويربط من جهة موازية الدعوة للتوجه شرقاً بمحاولة تغيير الهوية، ويعلن حرباً هادئة لكن حازمة، لحماية حرية الفكر والمعتقد من جهة والقرار الوطني المستقل من جهة مقابلة، فهل يستقيم الربط الأول والربط الثاني كي يستقيم الإعلان الوارد ثالثاً، واللعبة بين الظلال والضوء والمفردات والذاكرة، فالمنادى به عملياً هو التوجّه الاقتصادي نحو الصين، وبالتوازي التوجه للتعاون التجاري مع سورية والعراق، وليس مطروحاً على الإطلاق أن يكون ذلك على طريقة الانقلاب على العلاقات مع سائر الأسواق العربية والدولية، فما هي صلته بالشمولية وبتغيير الهوية وحرية المعتقد والفكر والقرار الوطني المستقل؟

الهوية التي يتحدّث عنها جنبلاط هي ضمناً العادات الاستهلاكيّة للفرد اللبناني التي تطبّعت على الأحادية الغربية، وربما تبقى كذلك. فالعالم كله مستغرق في هذه العادات، بغض النظر عن صحتها أم لا، الصين مستغرقة فيها، ولم تتغير هويتها كي تغيِّرنا، وفي أميركا بالتأكيد فإن كل الأميركيين يعيشون صرعاتها وصرخاتها، لكنها لم تشكل لهم هم هوية لتشكل لنا هوية نخشى عليها، وإلا علام ينفجر المجتمع الأميركي وتنتصب الحواجز بين مكوّناته وتسقط مشاريع الاندماج على جدار العنصرية، إن لم يكن على صراع هويات لم يحسم أمرها، ماكدونالد ولا هوليوود ولا البوب والجاز والجينز، فأي هوية ستغير فينا المتاجرة مع الصين أو التوجّه لاستقطاب شركاتها نحو إقامة مشاريع سكك حديديّة وتطوير مرافئ وإقامة مدينة لصناعة المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وهل غيّر اعتماد مرفأ بوسطن ومثله مرفأ أمستردام على الشركات الصينية هوية الدول الغربية؟ وهل غيّرت تفاهمات الجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصالات بين شركة هواوي الصينية والدول والشركات الغربيّة هوية أحد؟

السؤال عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، إيحاء بنظام اقتصادي سياسي ثمة من يسعى لاستيراده إلى لبنان، ومعه الإيحاء بمخاطر على الاستقلال الوطني والقرار الوطني المستقل، والاشتغال هنا يتم على ربط رموز إيحائية ببعضها، فصاحب الدعوة هو حزب الله، الملتزم بولاية الفقيه، التي تشكل قاعدة الحكم في إيران، والقضاء الذي يجري التأشير نحوه، هو القاضي محمد مازح بعد قراره الخاص بتصريحات السفيرة الأميركيّة، ولكن لعبة الترميز هذه تسقط بمجرد نقلها من العتمة إلى الضوء، ومفتاحها تفكيك قضية القاضي مازح و”مشروع حزب الله” لمصادرة حرية المعتقد، وحكاية القرار الوطني المستقلّ المهدّد من تجارة مع الصين، وليس من تحكم استبدادي لا يسري على دول حلف الأطلسي، تفرضه واشنطن ويطيعها سياسيون لبنانيون ويرفعون التبعية الذليلة للفيتو الأميركي إلى مرتبة نظرية الشرف الوطني.

السؤال البسيط في قضية القاضي مازح هو، إذا كان حزب الله وراء موقف القاضي مازح في مسعى تهديد الحرية وتسخير القضاء، فقد أسقط بيد القاضي مازح من قلب مؤسسة الدولة، فهذا يعني أن حزب الله أضعف من أن يمثل قوة قائدة للدولة، وهذا يتكرّر معه بمثل ما جرى في قضية تهريب العميل عامر فاخوري، وإذا كان حزب الله قوياً وقادراً لكنه لم يفعل شيئاً لترجمة توجهات مخالفة لما انتهت عليه الصورة، فهذا يسقط مبرر الخوف المزعوم من وجود مشروع لتسخير القضاء ومصادرة حرية الرأي والفكر والمعتقد، حتى عندما يكون الرأي والفكر هما العمالة والإجرام بعينهما، كما هو الحال في قضية الفاخوري. أما حكاية القرار الوطني المستقل، فهي بالضبط ما تنشده الدعوة للتوجّه شرقاً، لأن الخضوع للحملة التي تنظمها الدبلوماسية الأميركية ضد تطوير العلاقات مع الصين، والعقوبات التي تفرضها على العلاقات مع سورية، هي بعينها مصادرة القرار الوطني المستقل، أليس لافتاً أن دولاً في حلف الأطلسي كتركيا تتجرأ على تنويع مصادر سلاحها، خلافاً لمقاصد التهديدات الأميركية، وتشتري من روسيا منظومة دفاع جويّ، قالت لها الدراسات العسكرية انها الأفضل، وهو وضع يشبه حال لبنان المنتهك عسكرياً كل يوم بجولات طيران جيش الاحتلال، لكن الفارق أن في تركيا يتفوق القرار الوطني المستقل، وفي لبنان يتفوّق الخضوع، وقد سمعنا سياسيين كباراً يحذرون من تنويع سلاح الجيش اللبناني، ومنهم جنبلاط نفسه، دفاعاً عن القرار الوطني المستقل!

يبقى موضع التوجّه نحو سورية، وهو أمر يدرك جنبلاط القارئ الجيد لتاريخ لبنان، أنه جزء مكوّن ملازم وتأسيسيّ في كل نقاش سياسي بعيد عن النرجسية والعقد والحسابات الضيقة والأحقاد، فالجغرافيا مستبدّة كما يقول بسمارك وصانعة للتاريخ كما يقول نابليون بونابرت، ولبنان في الجغرافيا غارق في حضن سورية، وتاريخ لبنان يقول في السياسة سلماً وحرباً بحثاً عن حليف يحمي أو عن وسيط يصالح ويرعى، وفي الاقتصاد هرباً من الجوع أو طلباً للازدهار، وفي الاجتماع الإنساني بحثاً عن الملجأ أو تشبيكاً في العائلات، كانت سورية دائماً هي الوجهة الحتمية للبنانيين، ففي السبعينيات قصدتها القيادات المسيحية عندما شعرت بخطر داهم، وفي الثمانينيات قصدها جنبلاط عندما استشعر الخطر، وفي المرتين قصدها الجميع اقتصادياً واجتماعياً كملجأ من الحرب والحصار الناجم عن تداعياتها. وهذه الحقيقة الجغرافية تاريخية، كانت وهي قائمة وستبقى.

الأمر ببساطة أن هناك من حيث يدري أو لا يدري، يواكب نغمة يريد لها الأميركيون أن تسود بين اللبنانيين، نموت في الظل الأميركي ولا نمد يدنا طلباً لشربة ماء، والأميركي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل علينا، ويخاطبنا بلغة “رماه في اليم مكتوفاً وقال له إياك ثم إياك أن تبتل بالماء”، أو “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل وكول وشباع”، بينما المطلوب ببساطة الانفتاح بلغة مشتركة بين اللبنانيين على صمود من نوع مختلف عن الذي تحدّث عنه جنبلاط، صمود بوجه الجائحة الاقتصادية، بمبادرات ومشاريع ورؤى، لا تنتمي لمشاريع تهدد القرار الوطني المستقل وتمسّ السيادة فعلاً، وكل إقفال لمنافذ التنفس على اللبنانيين يهدف لخنقهم على طريقة جورج فلويد، الذي صرخ لا أستطيع التنفس، والتوجه شرقاً مشروع تنفس لأجل الصمود. هو بالمناسبة بعض بسيط من دعوات تاريخيّة للمفكر الكبير الراحل كمال جنبلاط، الذي وجد في سحر ثقافة الشرق شيئاً آخر غير الشمولية.

فيديوات متعلقة

مواضيع متعلقة

أيها القاضي المحترم… ربحتَ نفسَك

د. عدنان منصور

أن يستقيل قاضٍ صاحب ضمير وطني حيّ، أو يُكرَه على الاستقالة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ويبقى الفاسد والمفسِد في مكانه… أن تُقبل استقالة قاض شريف بفارغ صبر، وبسرعة دون التريّث والطلب إليه البقاء في منصبه، وتبقى ملفات الفاسدين مخبّأة، نائمة نوم أهل الكهف في الأدراج، مُصانة، مُحصّنة، لا يُفرج عنها، رغم كلّ ما تحمله من مصائب وكوارث مالية، ونقدية، ومعيشية، ألحقت الأذى باللبنانيين، وقضت على مستقبل شعب بأكمله…

أن يبتعد قاضٍ نزيه، أصدر حكماً باسم الشعب، يحرص في حيثياته القانونية على سيادة وطن وكرامة شعب، ويبقى على الساحة، طابور من العملاء، والمنتفعين، والمأجورين، الواقفين على أبواب المندوب السامي، إما خوفاً، أو جُبناً، أو رهبة، أو طمعاً بدور أو بمنصب، يطمحون إليه، ينعمه عليهم سيدهم… أن نتصرّف حيال الشرفاء تصرّف الذئاب، وأمام الطغاة تصرّف النعاج، ونخفي رؤوسنا في الرمال، فهذا يدلّ على مدى الانهيار الأخلاقي والسياسي، والمهني الذي وصلنا إليه، ومدى تحلّل السلوك، والأداء والمفاهيم الوطنية، الذي نشاهده بأمّ العين.

محمد مازح، أيها القاضي المحترم… لقد ربحت نفسك، وتخلّيت عن وظيفتك… ربحت وطنك وشعبك، ولفظت منصباً حتى لا يكبّل قناعاتك، وقناعات كلّ الوطنيين الأحرار. فالحكم الذي أصدرته سيظلّ في ذاكرة الوطن، يردّده اللبنانيون، والأوساط السياسية والقانونية، والقضائية، في كلّ مرة، يحاول فيها مسؤول أجنبي على أرضنا، مهما كان موقعه، وعلا شأنه، التطاول على سيادة بلدنا وكرامة شعبه.

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

سفيرة الكيان الصّهيوني في لبنان

شوقي عواضة

كشفت الأيّام القليلة الماضية عن مدى حجم التآمر على لبنان القوي بمقاومته، وأظهرت عمق الأزمة، وأسقطت آخر الأقنعة والشعارات التي كانت تتلطّى خلفها الإدارة الأميركية وأدواتها. وسيناريو التآمر ليس جديداً بل هو قديم يتطوّر مع تطوّر المؤامرة وإدراك الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني لخطورة المقاومة وسلاحها وقوّتها في مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني ليس في لبنان وحسب بل على مستوى محور المقاومة بأسره. ومع إدراك الإدارة الأميركية لقوّة المقاومة وما أنجزته من انتصاراتٍ في مواجهة الكيان الصهيوني وهزيمة مشروعها الداعشي في سورية والعراق وصمود اليمن الأبي للسنة السادسة من العدوان وتحوّله من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم… اعتقدت إدارة ترامب وحلفاؤها في الكيانين الصهيوني والسعودي أنه لا يمكن إسقاط قوّة المقاومة وسلاحها إلّا من خلال الحصار الاقتصادي وفرض المزيد من العقوبات من خلال سيناريو أميركي صهيوني سعودي في كافة دول الممانعة والمواجهة للمشروع الأميركي، ومن بينها لبنان، إذ لجأت الإدارة الأميركية لتحريك أدواتها في الداخل من خلال غرفة عمليات أميركية «إسرائيلية» سعودية تقودها السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا بعد سليفتها السفيرة السابقة اليزابيت ريتشارد التي أنجزت مهمة هتك السيادة اللبنانية من خلال تهريب العميل الإسرائيلي عامر فاخوري (جزّار الخيام)، تلك القضية التي تابعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً أسّست للعديد من العمليات وجرّأت الأميركي على استباحة لبنان. هرّب العميل فاخوري بعد تبرئته من القضاء العسكري والمدني بالرّغم من صدور قرار لاحقٍ بتوقيفه ضربت الإدارة الأميركية القرار بعرض الحائط وقامت بتهريبه بطوافة عسكرية من سفارتها في بيروت، لتأتي بعد تلك القضية على المستوى القضائي قضية مشاركة المعمّم علي الأمين بمؤتمر حوار الأديان في البحرين بمشاركة كبير الحاخامات (الاسرائيليين) والمقرّب من حركة شاس المتشدّدة موشيه عمار الذي ظهر الأمين الى جانبه في صوَر بثّتها وسائل الإعلام الصهيوني وتناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تحريض المعمّم علي الأمين على المقاومة وبث الفتن وإثارة النعرات. ومجرد ما تمّ استدعاء الأمين ظهر جموع المدافعين عن الأمين من المطبّعين مستنكرين استدعاءه وفقاً للقانون اللبناني، ليرتفع منسوب الوقاحة عند الأميركيين بعد تصريحات بومبيو وكوشنر علناً بأنّ الحصار مقابل سلاح حزب الله لتخرج السفيرة شيا وتعطي تعليماتها لمرتزقتها من السياسيين ممّا أثار غضب أصحاب الشرف والكرامة والسيادة فكانت الدعوة ضدّها أمام القاضي الحرّ والأبي محمد مازح الذي أصدر حكماً لوسائل الإعلام اللبنانية يقضي بعدم استصراح السفيرة كونها تثير الفتنة وتحرّض الشعب على بعضه من خلال تصريحاتها. حكم استدعى استنفاراً من وزارة الخارجية الأميركية التي أدانت القرار، واستدعى استنفاراً في المجلس القضائي الذي قرّر تحويل القاضي الحرّ محمد مازح الى التفتيش القضائي. استنفار لم نشهده حين هرّب العميل عامر فاخوري ثأراً لسيادة الوطن قبل الشهداء الذين أعدموا على يده في معتقل الخيام. قرار قدّم على اثره القاضي مازح استقالته بكلّ كرامة واباء بعد قرار تحويله الى التفتيش القضائي الذي لم يكن قراراً لمحاكمته وحسب، بل كان قراراً رسمياً صدر مع سبق الإصرار والترصّد لمحاكمة كلّ شرفاء الوطن ولمحاكمة المقاومين في خطوة لا يمكن وضعها إلّا في إطار التمهيد لإعادة لبنان إلى العصر «الإسرائيلي» وعصر بشير الجميّل واتفاق 17 أيار.

أمام ذلك التدخل السافر والوقح للسفيرة الاميركية في لبنان التي تخوض معركة الهجوم على المقاومة تنفيذاً لسياسات الكيان الصهيوني التي تطوّع فيها البعض وجنّد نفسه للمطالبة بإسقاط سلاح المقاومة نعيد ما أرساه سيّد المقاومة وأمينها السيد حسن نصر الله بأننا لن نجوع ولن تستطيعوا تجريدنا من سلاحنا الذي سنقتلكم به، تلك المقولة التي تكرّست قاعدة في المواجهة.

أمّا لبنان فلن يكون أميركياً ولا إسرائيليّاً بل سيبقى لبنان الذي انتصر بقوّة مقاومته وقهَر الجيش الذي قيل إنه لا يُقهر، ونقول لسفيرة الإرهاب الأممي ومَن خلفها من المطالبين بتسليم السلاح أنّ المقاومة لن تسلّم سلاحها إلّا للإمام المهدي والسّلام.

قضيّة محمد مازح ليست قضائيّة

البناء

تتجمّع في قضية القاضي محمد مازح مجموعة من العناصر تجعل كل نقاش في الاختصاص والصلاحية وحق التصريح الإعلامي نقاشاً تافهاً دون مستوى القضية ومجرد وسيلة للهروب من المسؤولية.

يعرف القضاة والوزراء والمسؤولون في الدولة أن هناك ما يسمو على كل هذه التفاصيل ويرتفع فوقها وهو ما يعرف بالمصلحة العليا للدولة. وهي هنا في مضمون الرسالة التي يحملها أي موقف او تصريح او تدبير في شأن يتصل بسيادة الدولة.

لا يملك أي مسؤول قاضياً كان أم وزيراً ام إعلامياً، مؤيداً للسياسة الأميركية أو معارضاً لها، ما يتيح له القول بأن ما صدر ويصدر عن السفراء الأميركيين في لبنان منذ زمن لم يبق مجالاً للحديث عن حدود للحصانة الدبلوماسية وحدود للسيادة اللبنانية. وقد اعتاد السفراء الأميركيون خلال عقدين على الأقل أن يتصرفوا مع لبنان بما لا يجرؤ سفراؤهم على فعل مثله في أي دولة ثانية حتى تلك الدول التي يتهكم على ملوكها ورؤسائها الرئيس الأميركي ويخاطبهم بلغة الإذلال.

التعامل مع قضية القاضي محمد مازح بالطريقة التي انتهت إلى استقالته رفضاً لقبول مثوله أمام التفتيش القضائي حمل رسالة واحدة مفادها أن الدولة تأنس لانتهاك سيادتها وتفتح المزيد من الأبواب والنوافذ ليمد الأميركي قدميه في غرف نومنا ويمدّ أنفه ويديه في مطابخ بيوتنا وأن من يجرؤ من موقع تمثيله للدولة قاضياً أو مسؤولاً سيلاقي التأنيب والتوبيخ تحت ألف عذر وعذر وأن همّ المسؤولين في الدولة استرضاء الأميركي وإثبات التسابق والتنافس على تبييض الوجه أمامه.

المضمون ببساطة بين دولة يتيمة يمثلها محمد مازح ودولة تستمتع بتسليم سيادتها. ونحن نختار بفخر أن ننتمي لدولة محمد مازح ونعلن أننا لم ولن نحمل جنسية أخرى غير الجنسية اللبنانية لنحمل ولاءين تضيع بينهما هويتنا السيادية.

%d bloggers like this: