لماذا يقبل الحريري ما بلم يقبله من قبل؟

ناصر قنديل

ما سمعه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري خلال الأيام التي أعقبت كلمته المتلفزة التي أعلن فيها ترشحه لرئاسة الحكومة، كان شديد القسوة، سواء من حلفاء كالنائب السابق وليد جنبلاط أو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أو من شركاء في التسوية الرئاسية، سواء كلام رئيس التيار الوطني الحر قبل أسبوع، وكلام رئيس الجمهورية أمس، معطوفاً على مواقف الجماعات الفاعلة في الحراك التي خرجت بصوت مرتفع بوجه ترشيحه، يفوق بكثير ما كان قد سمعه من جهة واحدة هي بعض الحراك الذي خصّصه بالانتقاد، بينما كان الحراك عموماً قد شمله بالتساوي مع كلّ المسؤولين في الدولة، ورغم الفارق بالحجم والنوع استقال الحريري يومها، بينما يتمسك بترشيح نفسه اليوم، وبين فرصة للعودة لرئاسة الحكومة كانت متاحة بعد الاستقالة بأكثر من 90 صوتاً رفضها الحريري رغم وجود فرص عالية لتشكبيل الحكومة، وفي المقابل تسمية بالكاد تحقق الـ 60 صوتاً لعودة من غير المضمون أن تصل إلى الخواتيم السعيدة بالتأليف، يسعى اليها الحريري، فما الذي تغيّر؟

هناك من يخشى أن يكون الحريري الذي رفض التسمية والمسؤولية الحكومية من قبل كان يفعل ذلك بقرار خارجي لترك البلد ينهار ويسقط ضمن حملة ممنهجة لاستهداف المقاومة وحلفائها، وأنه اليوم يسعى لتسمية لا تنتهي بتأليف حكومة تواصل الضغط والاستهداف، بتحميل المقاومة وحلفائها مسؤولية التعطيل، ويحذر هؤلاء من منح الحريري التسمية دون تفاهم تفصيلي يسبق التسمية، خصوصاً مع الآثار التي ظهرت على قوى الغالبية تفككاً في صفوفها بفعل التسمية والخلاف حولها، ويعتقد مثلهم آخرون أنّ الحريري يريد أن يضع يده على موقع رئاسة الحكومة والضغط لفرض شروطه في التأليف ولو طال الانتظار، رهاناً على تأثير عناصر الضغط الداخلي والخارجي لتذليل العقبات، وهو يعرف انّ زعامته التي تعيش ظروفاً صعبة يجب ان يلاقي الانتخابات النيابية وقد عزز حضورها من موقعه في السلطة، كرئيس للحكومة وليس كمجرد زعيم معارض خارج الحكم.

التدقيق في عناصر الخشية والتحذير، يطرح سؤالين على أصحابها، الأوّل لماذا لم يكن ذات المنهج سبباً بقبول الحريري من قبل ولذات الأسباب، والثاني هو هل أنّ العامل الخارجي الذي منع الحريري من تحمّل المسؤولية كان عنوانه قرار أميركي لا حلّ في ظلّ سلاح حزب الله، وترجمته لا أموال لحكومة لا تعزل حزب الله وتقيّد سلاحه، لا يزال قائماً أم أنه تغيّر كما تقول عملية التفاوض لترسيم الحدود البحرية خصوصاً، وتولي الأميركي دور الوسيط في ظلّ التسليم بإستحالة نزع السلاح أو تقييده أو تحييده، وهل الحكومة في لبنان شأن منفصل عن مصير المعركة الكبرى التي يخوضها الأميركي مع السلاح، وهل يمكن الذهاب لوساطة أميركية حول الترسيم في ظلّ السلاح وهو تحوّل سياسي كبير وترك التفاوض يفشل، ام أنّ تولي الجيش اللبناني لإدارة التفاوض يفرض التوصل لنتيجة إيجابية في الترسيم وهو مدخل لما وصفه الأميركيون بتنعّم لبنان بثروات واعدة، فهل ينسجم الذهاب بهذا الإتجاه مع الرهان الرئيسي لدفع لبنان نحو الانهيار؟

ثمة قراءة معاكسة تقول انّ الأميركي هو الذي تغيّر، مع التسليم بالفشل في تقييد وتحييد السلاح في أهمّ معارك المنطقة وهي معركة الغاز، وأنّ قرار دفع لبنان نحو الانهيار كان ضمن معركة تحييد وتقييد السلاح التي تشارف على نهايتها وتفقد جدواها، وتفقد ببعدها الداخلي وظيفتها، فتمّ تحرير الحريري من قيد الترشح الذي كان يرغبه، وتمّ تحرير الاقتصاد اللبناني من الضغوط القصوى وتحرير المبادرة الفرنسية من الأثقال التي حمّلت لها وكادت تفجّرها، وفتح الطريق لتعويم ما كان الحريري يتفادى تحمّل المسؤولية دون التحقق من وجود فرص تحقيقه، وهو يريد أن يكون عنواناً الانتقال من الانهيار إلى الإزدهار، لكن هذا يستدعي ان يحسن الحريري إدارة معركة التأليف بحيث يدرك أنه في زمن يدين التغيير الدولي بمواقفه للمقاومة بفرض المعادلة الجديدة لا يستطيع الحريري أن يخرج كرابح منفرد ويجعل كلّ الآخرين خاسرين!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

إخبار بالقتل الجماعي

شوقي عواضة

لم تكنِ المرّة الأولى التي يهدّد فيها رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع بإعلان الحرب في لبنان، وما نقله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النّائب السابق وليد جنبلاط عن جعجع في مقابلته على قناة «الجديد» أول أمس كشف عن مخطّطٍ كبيرٍ وخطيرٍ يُعدُّ للبنان، وفضح مدى ارتباط جعجع بالأجندة الأميركيّة السعوديّة الإماراتيّة، إنْ لم نضف إليها الاسرائيليّة، في ظلّ سياسة المحاور التي نشهدها.

أول تهديدات جعجع السابقة كان في التاسع من أيار سنة 2008 حيث كشف موقع «ويكيليكس» عن برقية تحمل الرقم 08BEIRUT642 موجّهة من السّفارة الأميركية في بيروت إلى واشنطن على أثر زيارة جعجع المفاجئة حينها للسّفارة الأميركية في بيروت واجتماعه بميشيل سيسون القائمة بالأعمال في السفارة. ورد في مضمون البرقية «طرح جعجع لفكرة نشر قوات عربيّةٍ لحفظ السلام في لبنان، وهي فكرة، كما فهمنا، كان السعوديون أول من طرحها. وأبلغنا جعجع أنّ لديه بين 7000 إلى 10000 مقاتل مستعدين للتحرّك». وفي العام نفسه كشف موقع «ويكيليكس» عن برقيةٍ أخرى صادرة عن السفارة الأميركيّة في بيروت بعد لقائه أيضاً بميشيل سيسون، أعلن جعجع عن «وجود حاجة لتغييرٍ جذري في طبيعة النّظام الأمني في لبنان»، (هذا هو مستوى التخطيط الاستراتيجي الذي يرى أنّه ضروريٌّ جداً للحفاظ على لبنان)، مشيراً إلى «فشل الجيش في حماية الشعب»، وطالب جعجع بـ «أسلحةٍ لخمسة آلاف مقاتل تابعين له. قال لنا أنّه بإمكانه زيادة 5000 مقاتل إضافي سريعاً. (هذه عمليّة كبيرة، ولها اعتباراتٌ لوجستية عديدة. يجب أن ترسلوا شخصاً ما لإجراء تقويم معي من أجل تحريك هذه الخطة قدماً).

ذلك هو (السّيادي) الذي ينظّر على الجميع ويملي دروساً في الوطنية، يتهم حزب الله بالانقلاب على الدولة وهو أوّل المنقلبين عليها تاريخيّاً، يصوّب سهامه على المقاومة وسلاحها ويتهمها بارتباطها بأجندةٍ ايرانيّةٍ وهو ينفذ أجندات أميركا والكيان الصّهيوني ونظام آل سعود والإمارات. وكأنّه لم يرتوِ من الدم الذي سفكه ولم تمتلئ صفحاته السّوداء بأسماء ضحاياه حتى من المقرّبين. لا سيما أنّ تاريخ الرجل حافلٌ بالاتهامات والتهديد بالقتل وتقديم العروض الارتزاقيّة للأميركيين وغيرهم واستباحة لبنان وسفك دم أبنائه. وجِّهت له تهمٌ كثيرةٌ حوكم بها منها تفجير كنيسة سيدة النّجاة عام 1994 التي أدين بها أقرب المقرّبين إليه وحُفظ ملفها لعدم كفاية الأدلة التي تدينه، وحوكم بتهمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وارتكابه مجزرة إهدن التي أدّت إلى قتل النائب طوني فرنجيّة ابن الرئيس الأسبق سليمان فرنجيّة وعائلته. ولم تردعه سنوات سجنه الـ 11 التي قضاها في زنزانته في وزارة الدّفاع عن الاستمرار في سياسته العدوانيّة وتمسّكه بمشروعه التقسيمي وولائه للخارج. وبالرغم من ذلك يصرّ على جرّ لبنان نحو حربٍ أهليّةٍ مدمّرة لم يخرج منها أيُّ فريقٍ منتصراً بل كانت هزيمة للبنان بكلّ أحزابه وأطيافه الدّينية والسياسية وكانت انتصاراً للكيان الصهيوني وأعداء لبنان. فجعجع القوي أكثر من بشير هو أكثر خبرةً في استثمار أنقاض لبنان وأرواح البشر وهو أكثر إجراماً منه وأكثر إصراراً على مشروعه التقسيمي، ينبئنا أمير الحرب بضعف حزب الله الذي لا يزال يرعب أسياده الذين يستجديهم طلباً للمساعدة من أميركيين وسعوديين وإماراتيين وهزم أدواتهم من داعش وغيرها في لبنان وسورية والعراق واليمن.

لم يخبرنا جعجع أين كانت قوّاته حين كانت القرى المسيحيّة رهينة إرهاب داعش في البقاع الشرقي وأين كانت قوّته حين كان يهاجم الجيش اللبناني الذي يتهمه بالفشل في الدّفاع عن الشعب كما ورد في إحدى البرقيات، ويعلن عن استعداده لمواجهة حزب الله بخمسة عشر ألف عنصر (مقاتل) وكأنّ غشاوة الغباء على عينيه منعته أن يرى أو يقرأ هزائم داعش وأخواتها الذين فاق تعدادهم الثلاثين ألف مقاتل، وحرمته من مشهد العزة في تحرير القلمون والجرود على يد الجيش والمقاومة.

لم يدرك جعجع أنّ حزب الله عندما يقدّم تنازلات على المستوى الدّاخلي إنّما يقدّمها من أجل الحفاظ على لبنان وقوّته، ولأنّ ثقافته هي ثقافة إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق والوطن، وهذا ليس ضعفاً من الحزب كما يتوهّم، بل هو أرقى مستوى لقوّة الحزب وديمقراطيته وإصراره على التمسّك بلبنان وطناً واحداً لجميع أبنائه، أمّا التآمر على حزب الله وسياسة الاستجداء والعودة إلى تاريخك الأسود فهو مؤامرة على لبنان وشعبه قبل أن يكون مؤامرة على حزب الله والمقاومة التي كان لها دور أساسي ومحوري في حماية المسيحيين في لبنان وسورية والعراق بسلاحها الذي حمى الكنائس ولم يفجّرها وبإنسانيتها التي اجتازتِ الحدود وهزمت داعش وحالت دون أن يصبح لبنان إماراتٍ داعشيةٍ.

تلك المقاومة التي لم تتبنَ سوى قضيّة حماية لبنان ليس لديها أجندة خارجية لا سورية ولا إيرانية ولا لديها التزامات كالتزاماتك الأميركيّة أو تعهّدات كتعهّداتك الدّموية للسعوديّة والإمارات والكيان الصهيوني.

وبالعودة إلى ما نقله جنبلاط عن جعجع فإنّ الإعلان عن استعداده لمواجهة حزب الله هو قرار إعلان حربٍ وفتنة بين اللبنانيين، وعليه فإنّ ذلك يستدعي من القضاء استدعاء جعجع ومحاكمته بتهمة التحريض الطائفي والمذهبي والتحريض على تدمير الوطن ومؤسّسات الدولة وارتكاب القتل الجماعي بحقّ أبناء الوطن.

ختاماً ليدرك جعجع تماماً أنّ من قهر الجيش الذي قيل بأنّه لا يقهر، ومن سحق داعش بكافّة فصائله ليس بحاجة لأن يثبت قوّته بالعودة إلى الوراء وتدمير الوطن الذي سيّجته ثلاثية الانتصار بدماء أبنائه من الجيش والشّعب والمقاومة

Related

القوات بين خطأ الحسابات وخطر المغامرة

ناصر قنديل

لم يعُد الكلام المنسوب لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عن قراءته لموازين القوى المختلة لصالح حزبه مجرد قال وقيل يمكن إنكاره، فكلام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي نقل كلام جعجع عن عشاء جمعهما معاً، قطع باب الجدل حول الإثبات رغم نفيه لجانبين من الكلام المنسوب لجعجع، الجانب المتصل بفرضية عمل عسكري، والجانب المتصل بتقييم قوة حزب الله مقارنة بمنظمة التحرير الفلسطينية، فيكفي إثبات جنبلاط لصحة ما نسب لجعجع قوله في العشاء حول تغير الموازين مسيحياً لصالح القوات بصورة كاسحة تجعل جعجع في وضع أقوى من الذي بلغه مؤسس القوات بشير الجميل عشية ترشحه لرئاسة الجمهورية، ما يمنح جعجع فرصة أن يكون المرشح الأقوى للرئاسة في الاستحقاق المقبل، وما يجعله ساعياً بقوة للانتخابات النيابية المبكرة أملاً بنيل أغلبية النواب المسيحيين، اي ما يزيد عن ثلاثين نائباً، ويمنحه موقع الكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب، وما يمليه ذلك من نتائج وتداعيات في الملفات الحكوميّة والرئاسيّة.

إثبات جنبلاط لشق من كلام منسوب لجعجع يمنح مصداقية للكلام الذي لم يثبته جنبلاط من أقوال جعجع، فالمقارنة بين قوة جعجع وقوة بشير لا تستقيم، من دون مقارنة موازية كانت العامل الحاسم في منح الفرصة لبشير لامتلاك مصداقية التفكير بالترشح للرئاسة، وهي المقارنة العسكرية بما كان قائماً، حيث كان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 هو العامل الحاسم في ترجيح كفة ترشيح بشير، كانت مقابله منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث يصير الحساب الطبيعي لاكتمال صورة التوازن الذي يبني عليه جعجع تصوره الرئاسي مشروطاً بالإجابة عن سؤال، حول المكافئ الذي سيحل مكان الاجتياح الإسرائيلي، وهو مكافئ عسكري حكماً، ومعه إجراء تقييم لقوة حزب الله كعقبة في طريق رئاسة جعجع ومقارنتها بقوة منظمة التحرير الفلسطينية، فمن يبدأ بمقارنة قوته بقوة بشير كمدخل لقياس الفرص الرئاسيّة، لا بد أن ينتهي بمقارنة قوة حزب الله بقوة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة، وبالتفكير ببديل عسكري للاجتياح الإسرائيلي.

هذا التفكير المغامر وما قد يستتبعه من تحضير تنظيمي، ومن استعداد لمواجهة قد تكون مناطق جبل لبنان مسرحها، قد يلقى تشجيعاً من عقول أميركية مغامرة، وربما غير أميركية، وقد يتقاطع مع بعض التعبئة المدنية والدينية ضد سلاح المقاومة، لإحاطة مهمة لاحقة للقوات بقدسية دينيّة وهالة مهمة ثوريّة في آن واحد، ما سيعني شيئاً واحداً، هو أخذ لبنان نحو الحرب الأهلية، التي كان لافتاً تحذير الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري منها، وإشارته اللافتة لمشاهد الاستعراضات القواتيّة في منطقة الأشرفية كمثال.

خلال المرحلة المقبلة التي سيكون عنوانها مزيداً من الفقر، ومزيداً من ضعف الدولة وتراجع هيبتها وحضور مؤسساتها، تزداد خطورة التورط بالمغامرات، لأن الاحتماء بالعصبيات الطائفية سيرتفع منسوبه، والمناطق ستعيش حال اللامركزية بصورة متزايدة، ونظريات الإدارة الذاتية ستجد المزيد من الحضور والإصغاء، والمنطقة في ظروف شديدة التوتر، والدول العاجزة عن خوض الحروب تلجأ إلى حروب الوكالة، وتبحث عن ساحات تصفية حسابات بديلة، فتصير المغامرات المنطلقة من قصور الرؤية وخطأ الحسابات مصدراً للقلق والخطر، فكيف وفي العالم أسئلة كبرى تبدأ من مصير الانتخابات الأميركية واحتمالات الفوضى، وتحولها نظاماً عالمياً.

ميثاقيّة حتى التكليف فانقلاب عليها… فليؤلفها جنبلاط!

ناصر قنديل

يشبه موقف رؤساء الحكومات السابقين من كل حديث عن ميثاقية الحكومة، موقف جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر عندما فازت بالانتخابات النيابية وقررت بعد الفوز تعليق الدستور القائم على الانتخابات وراجت عنها معادلة اسمها “ديمقراطية لمرة واحدة”، بحيث يبدو موقف الرؤساء السابقين وفقاً لمعادلة “ميثاقية لمرة واحدة”، بحيث أصرّ نادي رؤساء الحكومات السابقين على قيامه بحزب جديد بتسمية الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة الجديدة، وتولى إعلان الاسم المقترح ولا مبرر لحدوث ذلك سوى معادلة ميثاقية تقوم على تولي الجهة الأوسع تمثيلاً في طائفتها بتغطية الموقع السيادي الذي ينيطه بها العرف، وليس الدستور، وبمجرد ما وضع الحزب الجديد اسم الرئيس المكلف في جيبه، بدأ بإطلاق المواعظ عن ضرورة تخطي المطالبات بالتمثيل والتشاور، واتهام كل دعوة لتكون الحكومة حاصل تشاور يضم الجميع ومراعاتها للأعراف والتوازنات، وتمادى لحد تسخيف كل حديث عن تقيّد الحكومة بالميثاقية بداعي خصوصية واستثنائية الحكومة الجديدة وربطها بمهمة محددة هي الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، تستدعي الترفع عن المطالبة بـ”حصص” مستحضراً تجربة الرئيس حسان دياب، وإعادة ما يسمّيه بفشلها الناتج عن عدم قيامها على قاعدة “حكومة مستقلين اختصاصيين” وانكشاف كونها حكومة تمثيل الكتل الداعمة لها باختصاصيين يدينون لها بالولاء، والدعوة لأخذ العبرة لتكون الحكومة مستقلة بلا تدخلات وأدوار ومطالب للكتل السياسية والنيابية، وتحت هذا العنوان تولي رئيس الحكومة تشكيل حكومته بعيداً عن التدخلات، كما جاء الدعم الناري الإعلامي للحزب الجديد من حزب القوات اللبنانية بلسان رئيس الحزب القديم.

هذا التلاعب بالعقول والوقائع يستدعي التذكير بأن العطل الرئيسي في حكومة الرئيس حسان دياب كان غياب ميثاقيتها، أي حجب تغطية المرجعيات التي تمثل المكوّن الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة داخلياً، والمقاطعة والحصار اللذان استهدفاها خارجياً. وليس سراً أن رحيلها لم يكن نتيجة ما يسمّونه بفشلها، بل نتيجة ظهور ما يشير لمن اضطروا للذهاب لتشكيلها منعاً للفراغ، بأن هناك فرصة لتحقيق ميثاقية رئاسة الحكومة طائفياً، وانفتاح الخارج عليها، ما يتيح تفادي البلد للتعقيدات التي منعت حكومة الرئيس دياب من النجاح، وهكذا لم يدر أي نقاش حول الحق الديمقراطي للغالبية النيابية بتسمية رئيس حكومة من مواصفات الرئيسين حسان دياب ومصطفى أديب، يقوم بمهمة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، وتم طرح اسم الرئيس سعد الحريري للمهمة وعندما تعذّر توفير “ميثاقية” تسميته ما دعاه للاعتذار، قامت الغالبية النيابية بتجيير حقها الدستوري بالتسمية بداعي “الميثاقية” إلى الرئيس الحريري ليقوم بالتسمية. وقام بتجيير هذا الحق المجير إليه الى حزبه الجديد بداعي المزيد من “الميثاقية”، وتمّ كل ذلك علناً وببيان تلاه الرئيس السابق فؤاد السنيورة، وبمجرد قيام الغالبية بمنح تفويضها للرئيس المكلف “الميثاقي”، قرّر الحريري والحزب الجديد، أن الميثاقية صارت عيباً، وأنه من السخافة والطعن بالمبادرة الفرنسية التحدث عنها.

في آلية التأليف لا بد من التذكير أيضاً أن كل كلام عن مستقلين، غبار سياسي وإعلامي، فالرئيس الحريري عندما زار رئيس مجلس النواب نبيه بري مفاوضاً على شروط تشكيل الحكومة، لم يفعل ذلك بصفته مستشاراً للرئيس المكلّف بل بصفته راعياً لتأليف الحكومة، نافياً عنها أي شبهة استقلالية، وعندما طلب من الرئيس بري تسهيل نقل وزارة المال إلى من يسمّيه الحريري شخصياً، لم يفعل ذلك من منطلق أن الحكومة هي حكومة مستقلين، وعندما يقول الرئيس المكلف أنه سيراجع رؤساء الحكومات السابقين ليقرّر، لا يفعل ذلك كرئيس حكومة مستقل، وعندما يعترف نواب الحزب الجديد بأن هناك مَن يدرس السير الذاتية للمرشحين للحكومة، وأن الحزب الجديد لا يتدخل الا بتقديم ترشيحاته للرئيس المكلف، الذي لم يطلب من سواهم تزويده بترشيحات مماثلة، هذا علماً أن الجهة التي تدرس الترشيحات مقيمة في بيت الوسط وتشكلت في كنفه وبرعاية صاحبه، فهل حدث ذلك لاعتبارات الحرص على حكومة “مستقلة”؟

الحاجة للعودة للتعقل والحديث الصريح، تستدعي التسليم بأن ما يجري نوع من التلاعب بالحساسيات الطائفية بداعي اللاطائفية، وهذا ليس جديداً على لبنان واللبنانيين، وقمة استغلال معاناة اللبنانيين وحاجتهم لأبسط مقوّمات العيش. هو هذا التلاعب المكشوف والمفضوح لوضع اليد على الحكومة ومن خلاله على البلد، بثوب التعفّف المزيف عن طلب السلطة، بخداع “ميثاقية” لمرة واحدة، وبدء الانقلاب بعدها، والطريق بسيط وسهل، أبسطه وأسهله هو مواصلة تطبيق معايير تسمية رئيس الحكومة على معايير موازية، أقلها في احترام الميثاقية في العلاقة مع كل من رئيس الجمهورية ودوره المحوري كشريك في التشكيل، ومع ثنائي حركة أمل وحزب الله، لاستثمار سريع للفرصة المتاحة واستثمار سريع للوقت الداهم، وأقصاها الذهاب لحكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري، تتولى دور التهيئة للعقد السياسي الجديد نحو الدولة المدنيّة، بالتوازي مع إنجاز الإصلاحات، التي ليست لغزاً تقنياً يحتاج للاختصاصيين الذين يسهل استحضارهم كمستشارين ومدراء عامين، حيث تدعو الحاجة، وإلا كما يقول البعض طالما نحن في ظرف استثنائي لا تهمّ الأعراف والميثاقية في ملاقاته، والمطلوب حكومة يدعمها الجميع لمهمة. وهذا يستدعي الثقة بعدم الاستهداف من قبل كل القوى الفاعلة، في ظل ما رأيناه من عزل لرئيس حكومة لا ينتمي لمظلة زعامات طائفته، فلتكن حكومة انتقالية تخرج عن أعراف الطوائف يشكلها النائب السابق وليد جنبلاط كفريق وسطي له حيثيّته وليس مجرد موظف او مستشار يقدر على تقديم الضمانات بعدم الاستهداف للفرقين المتقابلين المتوجسين، بمعزل عن كل حديث مخادع عن رئيس من خارج “الطبقة السياسية”، يكون موظفاً عندها، وجنبلاط متمسّك بالمبادرة الفرنسية، وقد غرّد محذراً من ضياع الفرصة وسقوط لبنان، ومن ضياع دوره في ظل التطبيع والتطلعات الإسرائيلية نحو عزل لبنان وإنهائه اقتصادياً، ولتطلق يده لحكومة مستقلين اختصاصيين لمهمة محددة وفترة محددة، وفي تاريخ لبنان التأسيسي رؤساء جمهورية وحكومة من غير الطوائف الثلاث الكبرى، فتكون بداية جريئة نحو دولة تخرج من الأعراف الطائفية وتذهب نحو المواطنة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم

 سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم
(هيثم الموسوي)

من هرّب 5 مليارات دولار في ثمانية أشهر؟

ابراهيم الأمين

الإثنين 7 أيلول 2020

بدو القطاع المصرفي في مرحلة الاستعداد لـ«ساعة الحساب». هذه المرة، لن تنفع كل محاولات التضليل الإعلامي التي قادتها ماكينة يُشرف عليها أصدقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. وهي ماكينة توزّع نفوذها في أكثر من دائرة مؤثرة، سواء داخل القطاع نفسه وداخل مصرف لبنان ووزارة المالية، أو داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي وحتى الإدارة العامة. إضافة إلى النفوذ المتوقّع بين السياسيين والإعلاميين.

المواجهة السابقة كان هدفها تعطيل خطة الحكومة للإصلاح المالي. صحيح أن مصرفيين أساسيين حاولوا في الأيام الأولى من عمر حكومة حسان دياب الدخول في نقاش مع الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق. إلّا أن الحكومة لم تُظهر استعداداً عملانياً للسير في اتفاق يحظى بتوافق أطرافها، بينما كان أرباب القطاع المصرفي ينتظرون إشارة الحاكم الذي لم يتأخّر في إبلاغهم: اصمدوا، هذه الحكومة غير قادرة علينا!

الذي حصل باختصار، أن مشروع إقالة رياض سلامة تعطّل بقوّة، لا سيما بعدما تراجع النائب جبران باسيل مُذعناً لرغبة الفريق الذي يضمّ الرئيسَين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط والذي عارض إقالة سلامة بحجّة أن الفراغ ممنوع الآن. باسيل كان ينتظر أن يقود حزب الله المعركة ضدّ سلامة. الحزب غير المعجب على الإطلاق بسياسات سلامة لن يبادر. لديه ثوابته التي تحول دون قيادة المعركة، لكنه مستعدّ دوماً لدعمها متى اندلعت. الذين رفضوا إقالة سلامة، لديهم أسبابهم الكثيرة. ظاهريّاً، المشكلة عندهم تبدأ من كون بديله سيُعيّن برضى وبركة الرئيس ميشال عون. لكنّ الأساس، هو الشراكة الفعلية بين هؤلاء وبين سلامة الذي – للأمانة – لم يَخَف يوماً من هذه المنظومة، فهو يعرفها أكثر من نفسها وله عليها الكثير.

ما فجّر الأزمة فعلياً، ليس الخلاف على الأرقام كما جرت محاولة اختزال القصة. لأن عملية احتساب الخسائر مهما جرى التلاعب بها، إنما تبقى في نهاية الأمر خسائر، وأي مقاربة جديدة لإدارة المالية العامة أو السياسة النقدية كانت ستكشف ما يُعمل دوماً على إخفائه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تركزت على سُبل منع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له. وهو تدقيق كان ليشمل أيضاً حركة التحويلات المالية الكبيرة في السنوات الأخيرة، وهو ما كان سيؤدّي عملياً إلى إسقاط السرّية المصرفية عن نسبة الـ2.5 بالمئة من المودعين والذين يحملون غالبية الودائع الموجودة لدى المصارف. عدا عن كون التدقيق كان سيكشف من تلقاء نفسه عن «حكاية الصفقات» التي تملأ كلّ دوائر الدولة اللبنانية وفي القطاعَين الخاص والعام على حدّ سواء. ولو أن التدقيق تم على طريقة شركة «كرول»، لكنّا أمام مادة لسلسلة تلفزيونية شيّقة تمتدّ حلقاتها لأعوام.

في أيام الاشتباك القوي، لم تكن المؤسسات الدولية تقف بعيداً عن النقاش. من البنك الدولي الذي صار محرجاً إزاء فضائح ستصيب فريقه الإداري أيضاً، نظراً إلى الأرقام الهائلة من المصاريف الإدارية التي كانت تُنفق، إلى صندوق النقد الدولي الذي كان أقرب إلى وجهة نظر الحكومة لاعتقاده الراسخ بأن حاكم مصرف لبنان كما المشرفين على المالية العامة إنما يتلاعبون بكل شيء ومنذ فترة طويلة. وصولاً إلى الجهات المانحة، ولا سيما فرنسا التي أُوكل إليها ملفّ الدعم الإنمائي من خلال برنامج «سيدر». كل هذه الجهات أوفدت مَن ناقش ودرس وسمع ودقّق. ومن المفارقات أنه في ظلّ الانقسام السياسي اللبناني حول تقييم موقع ودور حاكم مصرف لبنان، إلّا أن إجماعاً دولياً ظهر فجأة، على ضرورة تنحية الرجل، وتحميله مسؤولية رئيسية عن الأخطاء الكبيرة، سواء بسبب خضوعه لطلبات السلطات السياسية ثم شراكته معها، أو بسبب مشاركته أرباب القطاع المصرفي ألاعيبهم التي تمّت برعايته. علماً أنه للمرة الأولى، يوجّه موفدون دوليون نقداً لسلامة على خلفية استمرار عمله في الأسواق المالية العالمية بواسطة شركات مستقلة يديرها مقربون منه أو أقرباء، وهي الأعمال التي جعلت ثروته تكبر بصورة لافتة. علماً أنه يدافع عمّا قام به، وأنه كان يقوم باستثمار ما يملكه نتيجة عمله السابق، بصورة لا تتعارض مع موقعه ودوره، وأنه لم يستفِد بقرش واحد من العمليات الجارية ضمن نطاق عمله.

ما يجري اليوم هو تثبّت الجهات على اختلافها، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعمل شخصياً على إطاحة سلامة. وهو يتجنّبه بصورة كاملة، والفريق الاستشاري العامل إلى جانب الرئيس الفرنسي لا يكنّ أي احترام – مهنيّ وحتى شخصي – لسلامة. مع الإشارة إلى أن فريق ماركون جلّه من المصرفيين الكبار، وبينهم سمير عساف، المصرفي الذي رُشّح مراراً لخلافة سلامة في حاكمية المصرف المركزي. ولو أن روايات كثيرة من أوروبا، لا تميّز عساف كثيراً عن سلامة. ومع ذلك، فإن ماكرون يعرف أنّ ليس بمقدوره القيام بخطوة كهذه بالطريقة التقليدية. و يعرف أنّ من الصعب عقد تسوية مع النافذين في بيروت لأجل الإطاحة بسلامة، فوجد أن الحلّ يكون بتسوية مباشرة مع سلامة نفسه، والذي أبلغ للمرة الأولى، من يهمّه الأمر، بأنه مستعدّ لمغادرة منصبه. لكنّه صارح محدّثيه بأنه لا يثق بأي من المسؤولين اللبنانيين في السلطة وخارجها، وأنه يعرفهم واحداً واحداً على حقيقتهم. وهو يخشى تعرّضهم لملاحقة سيعملون على تحويلها صوبه، ليس بقصد محاسبته، بل لتحويله إلى «كبش فداء». الجديد أن سلامة أبدى استعداداً للمباشرة في عملية تدقيق بالتعاون مع مصرف فرنسا المركزي، تشمل عمليات المصرف المركزي ومشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالإضافة إلى أنه في حال ضمان الرئيس الفرنسي شخصياً عدم ملاحقته، فهو مستعدّ لترك منصبه ومغادرة لبنان فوراً. وسلامة الحريص على تكرار هذه اللازمة أخيراً، يعرف مسبقاً أن الجهات الدولية التي تدفع باتجاه التدقيق، إنما تستهدف الوصول إلى أرقام موحّدة حول الواقع المالي والنقدي في لبنان. يتصرف سلامة على قاعدة الثقة بأن هدف التدقيق محصور في هذه النقطة وليس هدفه تحميل المسؤوليات أو الإدانة والعقاب.

أكثر من ذلك، فإنّ الـ«السنفور غضبان» ديفيد شينكر لم يترك جهة إلّا التقاها، بما في ذلك مندوبون أو متصلون بالقوى السياسية التي قال إنه لن يجتمع مع قياداتها. وكان للمصرفيين نصيب بارز من اللقاءات، وهو حرص على إبلاغهم بأنه يجب عدم المراهنة على عمليات التدقيق ولا حتى على العقوبات. لافتاً إلى أنه يخشى إحباطاً إضافياً عند الناس جراء مبالغة قوى سياسية حيال ملف العقوبات، لأن ما هو مطروح حتى الآن لن يطال الصف الأول بالتأكيد، بل سيطال مجموعات يمكن ربطها بقوى وجهات. لكن شينكر صار ميّالاً الى الحديث عن «انتهاء أيام رياض سلامة» على ما يقول أحد الملتقين به، وأن واشنطن متوافقة مع باريس على هذا الأمر، لكنها لا تمنح فرنسا أيّ تفويض بتعيين أو اقتراح تعيين حاكم بديل. وأن الرأي الخارجي الحاسم سيكون بيد صندوق النقد الدولي قبل أي جهة أخرى.
لكن، ما لا يُقال أو لا يُشار إليه على أنه اتفاق ضمني، هو ما يبدو أن سلامة تعهد به، لجهة القيام بخطوات عملانية هدفها إنجاز بعض الأمور. يردّد أحدهم أن «سلامة سيقوم بخطوات تزعج حلفاءه في السوق، لكنها ضرورية لضمان الخروج المشرّف». بتعبير أوضح، يبدو أن سلامة وافق على تنفيذ عدد من طلبات الحكومة المستقيلة، لكن ضمن الإطار الذي يراه هو الأنسب. وخطة تعديل التموضع لديه، بدأت منذ صدور قرارات تعيين الأعضاء الجدد للمجلس المركزي لمصرف لبنان. دخول نواب الحاكم الجدد والآخرين من الأعضاء الحُكميين في المجلس المركزي، سمح بإشاعة أن المجلس المركزي الذي ظل معطّلاً لربع قرن، عاود العمل كفريق موسّع في الأسابيع الاخيرة. وأن سلامة نفسه بادر إلى إبلاغ أعضاء المجلس المركزي، أنه ينتظر منهم أفكارهم وتصوّراتهم لأجل الشروع في خطوات «إصلاحية».

في هذا السياق، يعرف سلامة أنه مضطر إلى عمليات قد تتسبب بأذية بعض أصدقائه المصرفيين. وربما تصيب مصالح بعض كبار المودعين الذين يعرفهم سلامة تمام المعرفة بالأسماء والأرقام الموجودة في حساباتهم. وهو أيضاً «خبير محلّف» بالقوانين المالية، وكيفية التطبيق الدقيق أو الجانبي لجميع بنود قانون النقد والتسليف، بالإضافة إلى خبرته الطويلة في لعبة التعاميم المصرفية التي يجب جمعها في كتاب لأجل تاريخ لبنان.

التعميم 154 ورسملة المصارف

جديد الوضع المصرفي، التعميم الذي أصدره الحاكم يوم 27 آب الماضي، ويحمل الرقم 154، والذي يفرض بموجبه على المودعين الذين حوّلوا أموالاً إلى الخارج بين تموز عام 2017 والشهر الماضي، إعادة تحويل جزء منها تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة إلى المصارف اللبنانية من الخارج. على أن يجري تجميد هذه المبالغ لخمس سنوات لدى القطاع المصرفي وترك أمر الفوائد للتفاوض بين المودع والمصرف. على أن تعمد المصارف إلى استعمال هذه الودائع الجديدة في تغذية السوق العطِش للأموال الطازجة، خصوصاً أن مصرف لبنان بدأ يرفع الصوت من عدم قدرته على توفير دولارات كافية لتغطية الدعم المطلوب لسلع رئيسية من قمح ومحروقات ودواء.
بالإضافة إلى ذلك، ذكّر سلامة المصارف بوجوب زيادة رساميلها من خلال توفير مبالغ إضافية تصل إلى عشرين بالمئة من قيمة الرساميل الحالية، على أن يكون هناك جدول زمني لتوفير هذه المطلوبات ينتهي مطلع العام المقبل. وأرفق هذا الطلب بتوضيح أن المصارف التي لا تقدر على تنفيذ هذه العملية ستحال إلى المجلس المركزي لاتخاذ القرار بشأن أن تبقى أو تخرج من السوق.

تضارب في التقديرات حول حجم الأموال الممكن إعادتها حسب التعميم 154 وخبراء يخشون انهياراً إضافياً لليرة


ردة الفعل على التعاميم لن تكون متطابقة، الأمر هنا لا يتعلق بالحسابات المباشرة فقط، بل في كيفية تعامل الجمهور مع الأجراء. في الشكل، سيبدو لقسم من الجمهور، أن التعميم الهادف الى إعادة استقطاب دولارات طازجة من الخارج، يمثل استجابة من الحاكم لمطالب قوى سياسية وتيارات شعبية التي تقع تحت بند «استعادة الأموال المنهوبة». والفكرة تصبح مغرية – أيضاً في الشكل – كون التعميم يشمل كل الذين حولوا أموالهم من صيف عام 2017. والمهم في هذه الفترة، هو حجم الأموال التي خرجت من لبنان إثر اعتقال السعودية الرئيس سعد الحريري في الرياض. ثم الأمر نفسه الذي تعاظم في عامي 2018 و 2019 ربطاً بالتدهور المتسارع للأحوال النقدية والمالية والاقتصادية في لبنان، وصولاً إلى ما جرى في الأشهر الأخيرة التي سبقت أزمة القطاع بعد 17 تشرين.
في هذا السياق، يتحدث مصرفيون عن مبالغ كبيرة جداً، وأن الآلية التي تفرض استعادة بين 15 و 30 بالمئة، يقدّر لها أن تعيد مبالغ كبيرة. وهنا يُظهر مصرفيون تفاؤلاً مبالغاً فيه حيال إمكانية استعادة نحو خمسة مليارات دولار، بينما يرى خبراء أن مثل هذه العملية لن تعيد إلا بضع مئات من ملايين الدولارات.

المصرفيون يعتقدون أن القرار قابل للتطبيق. وأن النقاش حول قانونيته لن يغيّر من قوته. صحيح أن المبدأ يقول بأنه لا يمكن لمصرف أن يُجبر مودعاً على إعادة أمواله إلى المصرف وتجميدها، لكن تعميم سلامة يخيّر المودعين بين أمرين: إما إعادة هذا الجزء، أو إحالة الملف إلى هيئة التحقيق الخاصة لأجل التدقيق في الأموال وأصولها وأسباب تحويلها إلى الخارج. وبحسب المصرفيين أنفسهم، فإن هذه العملية تعني عملياً رفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات، وهي خطوة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عدد كبير جداً من كبار المودعين. كما أن الاشتباه بالملف من قبل هيئة التحقيق الخاصة سيؤدي إلى مضاعفات يعتقد البعض أنها كافية للضغط على أصحاب الودائع الكبيرة من أجل إعادة بعض ما حولوه إلى الخارج.

التدقيق في حسابات مصرف لبنان هدفه توحيد أرقام الخسائر… ولا توقّعات بالمحاسبة


وبحسب أصحاب هذا الرأي فإن المصارف نفسها صارت أمام مسؤولية لم تكن تواجهها من قبل. فهي الآن مضطرة لإجراء جردة واسعة وشاملة ودقيقة ورسمية لكل عمليات التحويل التي تمت في الفترة الواردة في التعميم. والآلية تفرض على المصارف المسارعة إلى إبلاغ المودعين بالتعميم والطلب إليهم الالتزام بإعادة المبالغ وفق النسب المفروضة. وفي حال لم يجرِ الالتزام فإن المصارف ملزمة بإبلاغ مصرف لبنان بأسماء من رفض الالتزام، وهي لائحة ستذهب فوراً الى هيئة التحقيق الخاصة، والتي يتوقع أن تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات هؤلاء وعن كامل حركة حساباتهم خلال فترة زمنية تحددها الهيئة وقد لا تكون مقتصرة على الفترة الزمنية الواردة في التعميم. وعندها ستكون المصارف ملزمة بالتعاون، لأن الإحالة من هيئة التحقيق الخاصة تعني الاشتباه بوجود عمليات احتيال على القانون الضريبي أو حصول علميات تبييض للأموال. ويعتبر المدافعون عن التعميم، أنه يحقّق عملياً هدف الحكومة المستقيلة من بعض الوارد في خطتها، لكن الفارق أن قرار الحكومة كان يتطلّب إدخال تعديلات على 31 قانوناً مرتبطاً بالأمر النقدي والمالي. بينما يتيح هذا التعميم تنفيذ العملية، برغم كل النقاش حول قانونيته.


تهريب أموال جديدة؟

ما يرفض المصرفيون الإقرار به، أو حتى تقديم إجابات حاسمة حوله، هو المعلومات التي يجري تداولها على نطاق ضيق منذ أسابيع، حول حصول عمليات تحويل لمبالغ ضخمة تخص فئات محددة من رجال السياسة والأعمال والمال إلى الخارج. ويفيد مصدر واسع الاطلاع على هذه العمليات، أنّ نحو 5 مليارات دولار أميركي تم تحويلها إلى الخارج منذ مطلع عام 2020 حتى أواخر آب الماضي. وأن هذه المبالغ تعود إلى سياسيين ورجال أعمال وأصحاب أسهم في المصارف أو أعضاء في مجالس إدارتها. حتى إن بعض الجهات صار لديها لوائح بأسماء غالبية الذين أجروا تحويلات بسبب نفوذ سياسي أو وظيفي أو خلافه. وإن مصرف لبنان يحاول إخفاء الفضيحة من خلال التعميم 154 الهادف الى توفير ما يغطي هذه الفجوة. ويقول المصدر إن هناك معلومات موثوقة عن أن مصرف لبنان خسر أقل من 2.8 مليار دولار من الاحتياطي الموجود لديه في عملية الاستيراد للمواد المدعومة منذ مطلع العام، بينما أرقامه المعلنة تفيد عن خسارة خمسة مليارات إضافية من هذا الاحتياطي من دون شرح. صحيح أن المصرف المركزي حاول سابقاً فرض شروط قاسية على المصارف لأجل توفير سيولة لها بالدولار الأميركي، لكنه عملياً وفّر لها كميات كبيرة من الأموال الموجودة في الخارج، وهي الأموال التي استخدمتها المصارف لإجراء عمليات التحويل لعدد من المحظيين. بالإضافة الى سؤال قائم اليوم حول قدر الأرباح التي حققها تجار كبار في البلاد، استفادوا من برنامج الدعم، لكنهم لم يخفّضوا الأسعار على الإطلاق.

سعر الدولار

على أن الأهمّ اليوم، هو الحديث عن قبول سلامة ومسؤولين في الدولة التزام وصفة صندوق النقد لجهة سياسة الدعم. وهذا يعني ليس وقف دعم السلع الأساسية من قِبل مصرف لبنان كما هو حاصل اليوم، بل رفع القيود أيضاً عن السعر الرسمي للدولار الأميركي، خصوصاً في حال لجأ مصرف لبنان والمصارف مرة جديدة الى محاولة إرضاء المودعين بصرف حقوقهم المودعة بالدولار الأميركي، لكن بالليرة اللبنانية. وهذا سيؤدي حكماً إلى البحث من جديد عن كميات أكبر من الدولارات في الأسواق وفي البيوت أيضاً، ما يعني أن سعر الدولار الفعلي سيترفع بنسبة 35 بالمئة على الأقل عن سعره المتداول اليوم في السوق السوداء. مع العلم، أن أحد أبرز الخبراء في السياسات النقدية يرفض فكرة «استشارة أحد» حول مستقبل سعر العملة الوطنية. ويقول: المشكلة أنّ لبنان يحتاج الى عشرات مليارات الدولارات حتى يستعيد توازنه، لكن ذلك لن يعالج أزمة الثقة الهائلة بالدولة والقطاع المصرفي، ما يعني أن إعادة الدماء إلى القطاع المالي في لبنان أمر غير متوقع في القريب، حتى ولو انطلقت الإصلاحات.

The process for naming Mostafa Adib as PM carries great weight: Lebanese analyst

By Mohamamd mazhari

September 1, 2020 – 23:58

TEHRAN – Faysal Abdelsater, a Lebanese analyst, is of the opinion that the steps for naming Mostafa Adib as a man who will head the Lebanese government carries an important message as “it has the endorsement of considerable majority in the Lebanese parliament.”

On August 31, the Future Movement, Hezbollah, Amal Movement, and the Free Patriotic Movement, as well as Progressive Socialist Party in Lebanon, all agreed to name Mustafa Adib as the next prime minister of Lebanon, succeeding Hassan Diab. 

Adib, the former Lebanese ambassador to Germany, holds a doctorate in political science, and he worked as director of the office of former Lebanese Prime Minister Najib Mikati.

Adib, who was tasked on Monday to form a new government, is an unknown figure among the Lebanese, facing an almost impossible task of bringing about political change and making urgent reforms to save the country from an unprecedented crisis.

Abdelsater tells the Tehran Times that even though the prime-minister designate enjoys a strong support by the political factions in the parliament, “we are not going through a structural or fundamental change in Lebanese politics.” 

This is the text of the interview:

Q: What are the latest developments regarding the naming of a new prime minister in Lebanon?

A: Of course, the Lebanese were able to conduct binding parliamentary consultations that were held in Baabda Palace ( the official residence of the president of Lebanon), and the legislators from rival blocs proposed the name of the person they wanted to head the upcoming Lebanese government in order to send it to President Michel Aoun. 

Therefore, the prime minister-designate, Ambassador Dr. Mustafa Adib, won ninety votes out of 128 votes in the Parliament, while just a few voices went to the former Lebanese ambassador to the United Nations, Nawaf Salam, who was named by the Lebanese Forces bloc headed by Samir Geagea. 

In any case, this result carry important implications as it has the endorsement of a considerable majority in the Lebanese Parliament. According to the prime minister-designate, what is important now is that things should be translated into action and not remain just as promises.

The Lebanese are eager to get out of the problems that they are facing at all levels, especially in the economic and financial ones.

Q: Do you see a strong consensus between Lebanon’s main political currents on naming the next head of government?

A: Of course, this consensus would not have been possible, and the result would not have emerged today if there were not proactive consultations and initiatives undertaken by French President Emmanuel Macron. 

According to some reports, Macron established a series of contacts, perhaps with certain countries in the European Union and even Iran. So, this designation did not come out of anywhere but rather was the result of France’s open consultations and collaborations with the Lebanese parties.

Q: Don’t you think that the next government will be like the Hassan Diab government, who resigned after the Beirut blast on August 4?

A: No. The situation seems different because the former Prime Minister Hassan Diab did not enjoy Sunni support for his government, as Lebanese Sunni leaders such as Saad Hariri and the rest of the other figures who have the popular weight in the Sunni community did not support Hassan Diab. 

Therefore, the matter is different here because the size of the consensus that Ambassador Dr. Mustafa Adib could gain must be translated into the cooperation and support of all parties. They should not be satisfied with naming the prime minister without addressing his chances of forming the government as soon as possible. The government must be consistent and able to provide the required solutions to contain the harsh conditions the Lebanese people are experiencing.

Q: Could you talk more about the French role in naming Mustafa Adib?

A: According to my information, France had a pivotal role in naming Adib, and it was the one who chose this name and recommended it to the Lebanese parties to be studied in Parliament. This is the joint cooperation that took place as a result of the French initiative after President Macron’s visit to Lebanon following the August 4 explosion in Beirut port.

Q: Is it acceptable for another country to get involved in naming the prime minister of Lebanon?

A: Unfortunately, our experiences have shown that small countries like Lebanon are forming their governments, and choosing their prime ministers are subject to well-known foreign interference. Throughout the Syrian presence in Lebanon, Syria had the final say. Before that, Egypt had a role in this regard, then Saudi Arabia began to intervene in Lebanon, and also Iran is a key player in the Lebanese political scene. 

Altogether, the issue is not about who moves and takes the initiative, and perhaps this matter is not acceptable to some countries, but people have become accustomed to it in Lebanon. I do not think that it makes a problem as long as the issue remains in a Lebanese framework.

Q: What are the repercussions and implications of the Beirut blast for Lebanon’s political future?

A:The Beirut port explosion on August 4 may have been a disaster that no one expected in Lebanon, and until now, investigations have not produced anything about this issue.

The constant propaganda by some Lebanese and Arab media outlets still wants to convey this idea that this explosion would not have happened if there were no missiles and weapons of Hezbollah inside the port, and this is what the Secretary-General of Hezbollah, Sayyed Hassan Nasrallah, has repeatedly denied. But, some mercenaries in the media insist on such lies.

Of course, the great disaster that occurred in Beirut port requires concerted efforts at all levels to restore the confidence and vitality of the country, and this also needs international and regional support from all countries that want to stand by Lebanon.

 So far, we have only seen food aid and some medical aid, but this is not enough to change the catastrophic reality in Lebanon. What is required is transparent international support at financial level and reconstruction in the affected areas. 

The most important demands are to stop the U.S. sanctions that have been harmful to many sectors inside Lebanon. This process affects the nature of economic trends at the political level in Lebanon; therefore, this is completely unacceptable.

Q: Do you expect fundamental changes in Lebanon’s political structure?

A: I do not think that this is the time when we talk about such a matter, especially since the people have been greatly affected by the Coronavirus pandemic, and there are great disputes that prevented forming a consensus of visions in Lebanon, but there are still attempts to have some reforms if they are suggested through the framework of the constitution. Disseminating slogans and making speeches may not be helpful at this time.

 Therefore, we are not going through a structural or fundamental change in Lebanese politics. Rather, we are facing a different scene and perhaps certain changes, but there will be no essential change in the foreseeable future.

RELATED NEWS

فتنة خلدة: … حتّى عمر غصن لم يرَ صورة عياش

يا صور:: تفاصيل «فتنة خلدة»: حتى عمر غصن يؤكد انه لم يرَ صورة عياش ولا  يافطة عاشورائية.. «الشباب خبروني، انا اشتراكي ع راس السطح وعلاقتي بالمستقبل  ممتازة ولا اقبل إزالة راية تخص
تفاصيل «فتنة خلدة»: حتى عمر غصن يؤكد انه لم يرَ صورة عياش ولا يافطة عاشورائية.. «الشباب خبروني، انا اشتراكي ع راس السطح وعلاقتي بالمستقبل ممتازة ولا اقبل إزالة راية تخص الإمام الحسين (ع) والطائفة الشيعية »… فلماذا وقع الاشكال؟

الأخبار

رضوان مرتضى

السبت 29 آب 2020

لم يُسحب فتيل التفجير في خلدة. مشهد عشرات المسلحين أمس يُطلقون النار في الهواء وعلى مبانٍ، خلال تشييع أحد ضحايا اشتباك أول من أمس، يشي بجولة جديدة. لكن الاتصالات السياسية والامنية توحي بالتوجه نحو التهدئة. رواية أن الفتنة انطلقت من تعليق صورة لسليم عياش، دحضها بيان الجيش، وفيديو يُظهر قيام مجموعة بتمزيق لافتة عاشورائية. فماذا يقول الشيخ عمر غصن، أحد جرحى الاشتباك وأحد المتهمين بالتسبب بما جرى؟لم تهدأ خلدة بعد. الجمر كامنٌ تحت الرماد، بانتظار اشتعاله مجدداً. دُفِن أمس الفتى الذي سقط جرّاء الاشتباك المسلّح الذي شهدته شوارع خلدة في الليلة السابقة، إلا أنّ النية بإعادة إشعال ما انطفأ لا تزال تعبّر عن نفسها. نحو 100 مسلّح «سيطروا» على عدد من الشوارع ليل أول من أمس، وخلال التشييع امس، ما ينذر بتجدد الاشتباكات. لكن الاتصالات السياسية والامنية، سعت إلى التهدئة. ورغم ارتفاع الأصوات المتأثرة بالسفارتين السعودية والإماراتية، وبشخصيات معارضة لتيار المستقبل، محاولة توجيه اصابع الاتهام إلى حزب الله، كان تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، إضافة إلى الامن العام والجيش، يعملون على نزع فتائل التفجير. بيان الجيش حسم بأن أصل الخلاف هو نزع راية تحمل شعارات عاشورائية، ما يعني نفي «كذبة» رفع صورة لسليم عياش، القيادي في حزب الله الذي أدانته المحكمة الدولية باغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما «المستقبل» و«الاشتراكي» والمتأثرون بهما، فقد حصروا اتهاماتهم بأفراد.

عمر غُصن الذي يرقد في المستشفى إثر إصابته برصاصتين، يشير بإصبع الاتهام إلى علي شبلي الذي استُهدف منزله يقذيفة «أر بي جي» وأُحرِق المبنى الذي يملكه على يد مسلحين من سكان المنطقة، سواء من أبناء العشائر ومن «حلفائهم» السوريين، إثر تجدد الخلاف على تعليق لافتة. الشيخ غُصن الذي يفاخر بانتمائه للحزب الاشتراكي «على راس السطح»، يستعيد ما حصل، من وجهة نظره.

يقول غصن إنه كان في فصيلة قوى الأمن في عرمون حيث خضع للاستجواب على خلفية الشكوى التي تقدم بها شبلي ضده وضد ابن عمه علي موسى موسى بجرم التهجم عليه وإزالة لافتة دينية ما اعتبره تهديداً للسلم الأهلي. يقول غصن إنّ النقيب بلال حمدان عرض المصالحة على شبلي، لكنه رفض مشيراً إلى أنّ عدم توقيفه استفزّ شبلي الذي كمن له. يقول غصن إنه غادر الفصيلة إلى منزله حيث قصد الصيدلية قبل التوجه إلى منزل جده القريب من «تعاونية الرمال». ويروي أنّه شاهد موكباً لسيارات سوداء مزوّدة بزجاج حاجب للرؤية أمام مبنى شبلي، كاشفاً أنه اتصل بالعقيد (في الجيش) بلال حوحو لإبلاغه بوجود توتر. يقول غصن: «اتصلت بالعقيد بتمام الساعة ٥:٢١ لتحضر دورياته خلال دقائق». ويضيف: «عند وصول الجيش توجهت السيارات إلى دوحة عرمون باتجاه الحسينية، وبينما كنت اتحدث مع مسؤول الحزب الاشتراكي مروان ابو فرج، انطلقت ثلاث رصاصات، فأُصبت برصاصتين وأصابت الثالثة كمال عبد الصمد الذي يملك مقهى في الحي، فاشتعلت المنطقة وفلت الملقّ».

يقول غصن: «قُتل ابن اختي حسن زاهر غصن وتوفي شاب سوري يدعى محمود». ورداً على سؤال إن كان قد رأى شبلي مسلّحاً او يطلق النار، قال: «أنا رأيت علي شبلي مع مجموعة شبان على السطح، لكني شخصياً لم أشاهده يحمل سلاحاً». ورداً على سؤال عن اتهامه بتقاضي أموال من المحامي نبيل الحلبي، أحد العاملين مع بهاء الحريري، قال: «لا علاقة لي ببهاء الحريري. انا زلمي اشتراكي وعلاقتي بتيار المستقبل علاقة ممتازة».

وكشف غصن عن تلقيه اتصالاً من الشيخ سعد الحريري، قائلاً: «هاتفني وحادثني لربع ساعة واطمأن عليّ وقال إن ما يمسّك يمسّني».

يُسأل غصن عن سبب الخلاف فيقول إنّ شبلي علّق صورة للمتهم باغتيال الرئيس رفيق الحريري سليم عياش ولافتة كُتب عليها: «لن تُسبى زينب مرتين». ولدى سؤاله إن كان رأى صورة عياش و«اليافطة»، أجاب بالنفي مشيراً إلى أن «الشبان» أخبروه بذلك، ومؤكداً بأنه لا يقبل بإزالة راية تخص الإمام الحسين والطائفة الشيعية.

عمر غصن: أنا اشتراكي، وسعد الحريري اتصل بي وقال لي «ما يمسّك يمسّني»

غير أن تسجيل فيديو جرى تداوله رداً على ما وُصف بـ«كذبة تعليق صورة سليم عياش»، يكشف ان اللافتة موضع النزاع كانت تحمل شعارات عاشورائية، ولا صلة لها بعياش. وأكد «تجمع شباب خلدة» في بيان أن «أصحاب سنتر شبلي علقوا لافتة عاشورائية على مؤسستهم وفي ملكهم وقام عمر غصن بإزالتها وتكسير احدى واجهات السنتر». وأضاف البيان: «على إثرها قام أصحاب سنتر شبلي برفع دعوى لدى المخفر، وما اشيع عن تعليق صورة لسليم عياش هو كذب محض وهذا موثق بالصور، ونتحدى أيا كان إثبات كذبة تعليق صورة عياش، وأن تبني هذا الكذب من قبل كبار العشيرة من دون تحقق هو أمر مستغرب ولا يدل على نوايا حسنة لأنّ هدفه التجييش والشحن الذي لن يوصل إلى نتيجة».

حاولت «الأخبار» التواصل مع علي شبلي، لكن هاتفه كان مقفلاً وسط حديث عن مغادرته المنزل وتواريه خشية استهدافه.

وفي هذا السياق تحضر رواية مقابلة لرواية غصن، نافية كل ما يتردد عن تعليق صورة لعياش. وتتحدث هذه الرواية التي تقدّمها مصادر امنية رسمية، عن اتخاذ قرار بطرد شبلي من المنطقة، وعن نية مبيتة لافتعال الخلاف معه، لان عمر غصن يتصرّف كما لو ان شبلي هو راس حربة حزب الله في المنطقة، علماً بأن الأخير لا ينتمي إلى الحزب.

وتنفي المصادر أن يكون حزب الله قد شارك في أي اشتباك، لافتة إلى أن ما جرى هو أن مسلحين أطلقوا الناس عصر أول من أمس (بعد عودة عمر غصن من المخفر) على سنتر شبلي، فرد عليهم مسلحون من داخله بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل الفتى غصن، وجرح عمر غصن.

بعد ذلك، سيطر نحو 100 مسلح (لبنانيون وسوريون)، على الشوارع. وجرى اشتباك بينهم وبين الجيش سقط نتيجته مسلّح سوري الجنسية يدعى محمود هدوم. وتشير المصادر إلى أنّ شبلي لم يكن موجوداً في المبنى لحظة إطلاق النار، متحدثة عن تأخر وصول تعزيزات الجيش، ما أعطى فرصة لعشرات المسلحين اللبنانيين والسوريين في خلدة لاستباحة الشوارع، إلا أن المصادر الأمنية تشير إلى أنّ تأخر الجيش في الحسم سببه تدخله بادئ الأمر بقوة قليلة العدد لم تتمكن من ضبط المسلحين إلا بعد وصول التعزيزات وسرايا من فوج المغاوير.

فيديوات متعلقة

مقالات متنوعة

أحداث أمنية متنقّلة في لبنان…من يدفع نحو التوتير؟

 بزي للميادين: العنصر الارهابي هو الخيط الذي يربط الاحداث المتفرقة في لبنان

الكاتب: الميادين نت

المصدر: الميادين

28 اب 23:21

أحداث أمنية متنقّلة في لبنان، هي حتماً مشبوهة وليست معزولة، والسؤال اليوم من يدفع نحو التوتير ويحرّك حملَة سلاح من بيئات متشابهة؟

في المقلب الآخر، حددت الرئاسة اللبنانية يوم الإثنين المقبل، موعداً لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة، من أجل تكليف شخصية جديدة لرئاسة الحكومة، خلفاً لرئيس الحكومة السابق حسان دياب.

ومن المنتظر أن تتوافد الكتل النيابية الإثنين إلى القصر الجمهوري في بعبدا، من أجل تسمية مرشحها لرئاسة الحكومة، حيث أن نتائج هذه الاستشارات تعتبر إلزامية لرئيس الجمهورية ميشال عون.

وانطلاقاً من ما حصل، قال نائب رئيس تحرير جريدة الاخبار اللبنانية بيار ابي صعب للميادين إن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري يتمنى العودة إلى رئاسة الحكومة لكنه ما زال “معتقلاً”، مشيراً في حديثه إلى أن هناك من يسعى إلى إدخال حزب الله في الصراع الداخلي والمستنقع اللبناني.

كما لفت أبي صعب إلى إن تعميم مصرف لبنان هو محاولة لتبرئة من هرّب أمواله خارج البلاد.

وكان حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، قال أمس الخميس إن “البنوك اللبنانية غير القادرة على زيادة رأس المال بنسبة 20% 

أما الكاتب السياسي غسان جواد فقال إن الطبقة السياسية مأزومة لكن المشكلة أن الشارع لم ينتج البديل، مشيراً إلى أن الحريري يرغب في العودة لرئاسة الحكومة لكن هناك خطوط حمراء خارجية.

 وشدد جواد في حديثه  على أن المقاومة هي “أنبل ظاهرة أنتجتها هذه الأمة”، موضحاً أن هناك أبواق تعمل على استدراج حزب الله إلى الفتنة.

كما رأى جواد أنه بات واضحاً أن بهاء الحريري هو من يحرّك الشارع بين الحين والآخر.

وفي الشقّ الأمني وما حصل في منطقة خلدة قال الباحث في الشؤون السياسية وسيم بزي ضمن النشرة المسائية عبر الميادين إن العنصر الارهابي هو الخيط الذي يربط الاحداث المتفرقة في لبنان، مضيفاً أن الأمر الخطر هو استخدام العامل الامني كوسيلة للابتزاز السياسي.

كما لفت بزي إلى أن هناك فيتو صارم وضعته السعودية على تسمية الحريري رئيساً للحكومة، مشيراً إلى أن رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط قال لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف خلال اتصال هاتفي انه غير قادر على السير في خيار تسميته.

بدوره قال الكاتب الصحافي طالب الأحمد للميادين إن سبب عدم الاستقرار في لبنان هو قيام الاستعمار الفرنسي بتقسيم البلد إلى كانتونات.

وأضاف أن القوى الكبرى تعمل على تغذية النزاعات الطائفية في دول محور المقاومة.

من جهته قال الخبير في الشؤون الاسرائيلية أليف صباغ للميادين إن غياب الدولة القادرة يسمح للجماعات المسلحة بالتفلّت.

ورأى أن أي استهداف لحزب الله في لبنان هو استهداف لكل محور المقاومة.

يذكر أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكّد اليوم الجمعة رغبته في إيجاد حل للأزمة في لبنان، مشدداً على أنه “لن يستسلم”، وفقاً لما جاء على لسان مسؤول بالرئاسة الفرنسية.

International Tribune: A non-closed chapter

By Abir Bassam

August 20, 2020 – 0:16

Fifteen years, the Lebanese people have been waiting for fifteen years for the alleged justice that should be brought by the International Tribune. The tribune was commissioned to investigate the assassination of the Lebanese Prime Minister Rafic Hariri.

But, after the long waiting for the indefinite results, the indictment list on the 18th of August was clearly a “U” turn back to the starting point. The declaration was internationally needed as a damned sword on the necks of Syria and Hezbollah.

However, it is difficult to trust the results of the international investigations because it was doubted from the start by judges and investigators who were directly involved in it.  

According to an article published by the Lebanese newspaper al-Akhbar, the president of the International Tribune, Sir David Baragwanath, forced the vice president of the tribune Robert Roth to resign because his wife was working with an editor to unspecified Israeli newsletter. And Mrs. Roth was accused of tampering with the evidence.

Former UN investigator Bo Astrom announced another accusation of deliberately dropping crucial evidence. In a recorded interview, he said many facts involved the inquiry was totally ignored by the investigators, especially the facts related to the Wissam al-Hassan assassination in 2012. Al-Hassan was the only person who had information about the road or roads Hariri parade was supposed to take.

In addition, the tribune announcement was politically manipulated. Judge David Ray revealed on the 18th of August, as he was reciting the verdict that most of the evidence depended on telephone communication data.  Telephones were used to orchestrate the assassinator(s). However, the investigations could not link the numbers to its users.

Furthermore, the persons who were charged with the assassination were all Shiites.  As if Hezbollah was foolishly pointing the fingers towards him. In fact, the accusations were pointed to freedom fighters, who were preparing exploding charges that allegedly targeted the Israelis in South Lebanon.
The final investigation revealed that three of the accused persons were discharged. Hezbollah and Syria are the main parties that benefited from the assassination of Hariri; however, there are no proofs to support the accusations. Hence, the carefully planned assassination was declared as an act of political vendetta. And it took the stupid tribune fifteen years to announce these results.

It is important to dissect the political gain, especially the one that was achieved by Syria and Hezbollah from the assassination! Before the assassination, Hezbollah was leading fruitful talks with Hariri, relations with the late prime minister were about to become at its best since 1991. Total coordination in the next elections was about to be reached.

Secondly, Hezbollah, before the 14th of February 2005, did not aim to be part of the Lebanese political maze.

Meanwhile, the Syrians, with their presence in Lebanon, protected his back. The Hezbollah was indeed presented in the Lebanese Parliament, but it was not among its plans to be part of Lebanon’s corrupt governments since the Taif Agreement in 1989. Hezbollah’s main focus was on protecting the South, liberating the Shebaa and Kafer-Shoba farms, and liberating the Lebanese war prisoners in the Israeli dungeons. Three aims were not to be granted to Lebanon on a silver plate, and the Israeli knew that if it were accomplished, they would distort his image as the ultimate power in the region.

On the other hand, the Syrians were perfectly aware of the winds of international political changes accompanied by electing George Bush junior.

The Syrians were alerted by U.S. Secretary of State Colin Powell about the consequences of their continuous support for the resistance against Israel in Lebanon.
They urged the Syrians to disarm Hezbollah military wing. Nonetheless, the Syrians refused American demands. Resolution 1559 appeared on the horizon, and the Syrians refused to leave Lebanon unless the Lebanese government asked them. It seemed that the situation was still water running deep. When Hariri was assassinated, it was the huge eruption that made it possible for the Americans to fulfill at least one part of their demands: the Syrian Army withdrew from Lebanon.

The Syrian departure resulted in non-humanitarian results. Syrian workers were attacked in the streets, more than 100 were killed, and no official investigations were seriously held. Until today no indictments were directed to anyone. This, for sure, created sentiments of fear and hatred among the Syrians towards the Lebanese. Even Syrian businesspeople were kidnapped in several areas of Lebanon. The same was about to happen in Syria; however, the Syrian police arrested several attackers, and restrictive rules were issued in 2005 to control such irregularities. It was the Israeli war in 2006 that could bring back the Syrians and the Lebanese sentiments of pride.

The Americans thought they had created a deep ditch of hate among the brothers; nonetheless, it was in vain.

It is important to study the atmosphere that prevailed after 2005, on the political and social level, to understand who benefited from the assassination. The ridiculous legal pleading of Judge David Ray was totally dependent on the testimonies given by the same people and parties that have benefited from Hariri’s assassination, which paved the way for a golden era for all the parties who became fully in control.

Walid Jumblatt became the defender of Hariri. He took the family and the country under his “wings.” Fouad Siniora was nominated to be the next prime minister after the resignation of Omar Karami. The main beneficiary was Samir Geagea, the murderer of Lebanese politicians, and the executor of massacres in Lebanon was given a full pardon.

The previous group worked closely with the Americans to disarm Hezbollah during the 2006 war and later in 2007 during the attempt to control Hezbollah’s communication sector, which provided protection for the secret telephone lines among the freedom fighters and with their commandants.

There was a far greater conspiracy to displace the Shiites in South Lebanon if Israel had won the war in 2006. This was the end means of the assassination of an important man as much as Hariri was. The International Tribune has failed to read in politics these facts, as much as it was able to read the other version.

When Marwan Hamadeh’s attempt of assassination took place in 2005, Syria, without a certified investigation, was directly accused. In a paradox, the same technique of detonation was used in the attempt to kill Hamadeh was used to kill Harir; and before that was executed in Damascus in 1981. The French blamed the Syrians for the killing of their ambassador in Beirut and revenged it by blasting 500 kg of TNT in al-Azbakia neighborhood using almost the same technique. However, in Syria, it was a time bomb, while in other two it was remotely activated.

Bernard Emie, the French ambassador, was the first to go around giving consultation and provoking the different parties after the attempt to end Hamadeh’s life. Judge Ray called it a Syrian warning.

However, it can be easily called as the first attempt to threaten the Syrians. In case they failed to comply with the American demands in disarming Hezbollah.
It seems that we need to wait another month before the date of the sentence on the 21st of September. Nothing is special about the date. Salim Ayyash is going to be sentenced after declaring the innocence of the three other suspects. The next month, Ayyash, a simple man, will be accused of plotting, preparing, and killing a state’s man for personal vengeance. And that is why the Lebanese taxpayers paid 800 million American dollars so that an American cliche verdict is achieved.

RELATED NEWS

فرنسا ولبنان: وهمُ الدور ووهمُ الحليف

الأخبار 

ابراهيم الأمين 

خونة وعملاء… وإرهابيون أيضاً! – ابراهيم الأمين – الأخبار – Beirut ...

الإثنين 24 آب 2020

مع القرار 1559، انتقلت فرنسا كلّياً إلى الضفة الإميركية. أطلقت الرصاص على قدميها في سوريا ولبنان، بعدما انتهى دورها في فلسطين على صراخ فقط. ومنذ ذاك دخل النفوذ الفرنسي في لبنان والمنطقة مرحلة التراجع الهائل.

التحاق باريس بالسياسة الأميركية لم يقتصر على السلطات، بل شمل أساساً القوى الاقتصادية وكبريات الشركات التي تسعى لنيل حصص في الأسواق العالمية برضى أميركي. كما انتقلت المحاباة إلى قطاع الدبلوماسية والعلاقات العامّة والإعلام. وصار نادراً أن تسمع في فرنسا الأصوات النقدية للسياسات العدوانية التي تقودها أميركا وتشارك فيها أوروبا.

في لبنان، آخر المسارح التي يمكن لباريس الحضور فيها في المنطقة، صار الفرنسيون بلا حول ولا قوة. لا يوجد اليوم، في هذا البلد، من يمكنهم الاتّكال عليه كقوة حاسمة ووازنة. وحتى القوى التقليدية في 14 آذار تهتمّ، فعلياً، بالرضى الأميركي. وحده سعد الحريري بات مضطراً للخيار الفرنسي، بعدما تفاقمت مشكلته مع راعيه الأساسي، السعودية، وانزياح واشنطن إلى رؤية الرياض في لبنان. ما وفّرته فرنسا للحريري لا يتعدّى كونه نوعاً من الحصانة، لكنها غير كافية لضمان وجوده في السلطة. إذ أنها لا تملك قدرة على منافسة التأثير الأميركي – السعودي على سمير جعجع ووليد جنبلاط والكنيسة المارونية لتؤمّن تحالفاً يُبقي الحريري في السلطة. أما اقتصادياً، فلم تقدّم ما يشير إلى استعدادها لشراء النفوذ من لبنان. فحتى مدارس الليسيه الفرنسية باتت مشكلة حقيقية لروّادها بسبب التراجع في كلّ مستوياتها الإدارية وأفضليتها المالية، والشركات الفرنسية في لبنان ليست في رأس اهتمام أحد فعلياً. الدعم الفرنسي للبنان صار من الماضي. ولا يمكن لأي حكومة الاتّكال على دعم كهذا يتجاوز إطار مؤتمرات جلب مزيد من الديون.
مع اندلاع أحداث 17 تشرين الماضي، حاول الفرنسيون الدخول مجدّداً على الساحة. لكنهم عادوا مجدّداً للاستماع إلى نخب لبنانية قدّمت من الأفكار ما أثار حتى حفيظة الأجهزة الفرنسية الفاعلة. كل الدعم الذي حاولوا تقديمه لبقاء سعد الحريري في الحكم، لم يتجاوز الدعم الذي وفّره له حزب الله. والصلات الجانبية التي تربطهم بناشطين في الحراك الشعبي ليست كافية للبناء عليها. وعندما تشكلت حكومة حسان دياب. تصرفت باريس، شأنها شأن واشنطن وبقية عواصم العالم: بلامبالاة وانتظار. لكنها عادت وأقرّت بأن وضعية دياب ليست بالهشاشة التي تحدّث عنها خصومه. وحضر إلى بيروت مسؤولون فرنسيون أمكن لهم الاطلاع، مباشرة أو من خلال شركة «لازار» الاستشارية، على «فظائع الوضع المالي والنقدي»، حتى بات المسؤولون الفرنسيون عن الملف الاقتصادي يشهرون انتقاداتهم لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولأركان القطاع المصرفي إلى جانب نقدهم المتواصل للطبقة السياسية.

صحيح أن الفرنسيين أبدوا، في مرحلة معيّنة، تفهّماً لرؤية أميركية يقودها فريق جديد في وزارة الخارجية، تدعو إلى تغيير الطبقة السياسية في لبنان. لكن للفرنسيين تصورهم عن البديل. وقد عُقدت اجتماعات في باريس، أبرزها مع جماعات تُشرف عليها الاستخبارات الخارجية الفرنسية، انتهت إلى أنه يمكن العمل مع شخصيات جديدة، بينها من صاروا نواباً في البرلمان. وعلى خطّ موازٍ، سعت باريس إلى بناء علاقة خاصة مع حزب الله. خطّ بارد تقوده السفارة، وخطّ ساخن تقوده الاستخبارات. لكنّ البحث المركزي في هذا الجانب لا يتصل فقط بالوضع الداخلي، لأن فرنسا تعرف أن بطاقة الدخول إلى نادي المؤثّرين تحتاج إلى موافقة أميركية، وهي موافقة رهن بتلبية مطالب إسرائيل. لذلك تولّت باريس مهمّة نقل الرسائل التحذيريّة حول القوة الصاروخية للمقاومة. وصار الموفدون الفرنسيون خبراء في نوعية الصواريخ وطبيعة الأجهزة التي تحوّل الصواريخ الغبية إلى دقيقة. وفيما يقوم رجال فرنسا في القوات الدولية العاملة في الجنوب بدور الشرطي الحارس لمصالح إسرائيل، يسعى رجالها في بيروت للدخول إلى قلب المؤسسة العسكرية، وسط ممانعة كبيرة من قيادة الجيش التي تفضّل التعامل مع الأميركيين. وعندما يُسأل قائد الجيش العماد جوزيف عون عن سبب برودة العلاقة مع باريس يقول: «صراحة، لا نملك مالاً لشراء أسلحة وعتاد. وأميركا الوحيدة التي تقدّم لنا الدعم مجاناً». لكن المحيطين بقائد الجيش يضيفون: وما عسى أن تقدمه فرنسا في مجال التسليح الفعلي للجيش؟

المراوحة التي جعلت الموقف الفرنسي باهتاً، لم يكن ممكناً خرقها إلا عبر بوابات جديدة. فجاء التفجير الكبير في المرفأ. يوم 4 آب، صُدم العالم بالصور الآتية من بيروت، ولا شكّ في أن العالم أظهر تعاطفاً إنسانياً حقيقياً مع اللبنانيين. لكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تصرّف بطريقة مختلفة. قفز من كرسيه صارخاً: لنتحرّك!

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين وخصوصاً حزب الله


تصرف ماكرون على أن الكارثة مناسبة للقيام بأمور كثيرة. أولها، استغلال حاجة لبنان للدعم السريع لمخاطبة كل شركائه الغربيين بأن لا بد من التحرك فوراً. لكنّه سارع إلى إبلاغ الأميركيين بأنها فرصة لإعادة صياغة الموقف. نُقل الكثير من الكلام عن أن فرنسا استغلّت ما حصل لتقول للأميركيين: ها نحن نقف على الرصيف متفرجين، وأنتم تديرون حرب العقوبات، لكن الصراخ الآتي من بيروت ليس من عند حزب الله وأنصاره أو بيئته، بل من حلفائنا والبيئة الأقرب إلينا. يومها قيل أيضاً إن الأميركيين بدوا محرَجين إزاء المشهد المهول الوارد من بيروت. وافقوا على قيام ماكرون بمبادرة، لكنهم لم يعطوه التفويض المطلق، ولم يمارسوا أي ضغط حقيقي على بقية اللاعبين للسير في التصوّر الفرنسي الجديد.

تعتقد فرنسا أنها الجهة العالمية الوحيدة القادرة على الدخول إلى مكاتب جميع اللبنانيين، وخصوصاً حزب الله. تصرف ماكرون على خلفية أن بمقدوره انتزاع تفويض أميركي يتيح له التفاوض مع الحزب على الملفات اللبنانية الداخلية، لكن في إطار يتيح له الانتقال لاحقاً إلى الملفات التي تهمّ أميركا وإسرائيل والسعودية. حتى التظاهرة المذلّة التي نُظّمت لاستقباله في بيروت تحوّلت إلى مشكلة. إذ جرّه منظّمو الاستقبال إلى فخ الموقف الغبي برفض التعاون مع الدولة عندما أعلن أن المساعدات ستصل مباشرة إلى الناس وليس عبر المؤسسات الرسمية. لكن بالنسبة إلى جوهر الأزمة، اضطر إلى قول ما يجب قوله. لأن هاجسه السياسي منحصر في كيفية التوصّل إلى تسوية مع الطرف الأكثر فعالية في البلاد، أي مع حزب الله. وعندما وصل إلى بيروت، كانت بين يديه تقارير عن التواصل المعلن أو غير المعلن، الدبلوماسي والسياسي والأمني، الذي تجريه حكومته مع حزب الله، بما في ذلك ما جرى يوم حضر وزير الخارجية إلى بيروت. وكان ترتيب جدول أعمال ماكرون يتضمّن فرصة لبحث خاص مع حزب الله قام على فكرة وحيدة: نعرف من أنتم ونعرف حجمكم، ونعرف دوركم هنا وخارج لبنان، ونريد صراحة تعاوناً وتنسيقاً معكم للتوصّل إلى علاج لمشكلات كبيرة ليس أبرزها تشكيل الحكومة الجديدة.

طبعاً، لم يقفل حزب الله الباب، وهو أصلاً لم يقفله يوماً في وجه فرنسا، لكن الحزب ليس من النوع الذي يسيل لعابه لمجرّد أن باريس قرّرت التحاور معه. صحيح أنه لا يتجاهل موقعها ودورها، لكنه يعرف أنها ليست صاحبة القرار. لذلك سيترك الحزب للجانب الفرنسي القيام بكلّ جولاته وصولاته في لبنان وخارجه ثم العودة إليه لبحث أكثر تفصيلاً.
لكنّ مشكلة أخرى تنتظر فرنسا، خصوصاً أن قوى بارزة من وليد جنبلاط وسمير جعجع إلى آل الجميل وكتلة كبيرة من «أبناء لبنان الكبير»، لم يبدوا ارتياحاً إلى طريقة الإدارة الفرنسية للاتصالات. بعضهم خاب أمله عندما قال له ماكرون إن الحل يكون بإعادة تشكيل حكومة يدعمها الجميع، وبعضهم اعتقد أن فرنسا أتت لتدير انقلاباً. لكن ما قد يصدم هذه المجموعات أكثر، هو أن ماكرون كان وقحاً مع قادتهم، لأنه يتصرف معهم على أساس أنهم «الأبناء الأصليون للاستعمار الفرنسي». عملياً، يذهب ماكرون ليفاوض حزب الله معتبراً أن هذه القوى «مضمونة» في جيبه. لكن ما حصل بعد مغادرة الرئيس الفرنسي أن انتفاضة قامت بها هذه الجماعات، بدعم مباشر من السعودية ومن خلفها الولايات المتحدة، وصولاً إلى موقفهم الرافض اليوم لفكرة الحكومة الجامعة، لأنهم يعتبرون أن خيار ماكرون سيعيد الحياة إلى التسوية التي رافقت وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا.

مشكلة فرنسا ستتفاقم أكثر إذا لم تغيّر سلوكها، وأداء طاقمها الذي يخدم في لبنان دبلوماسياً وأمنياً وثقافياً واقتصادياً وإعلامياً. لا يزال كل من يتناوب من الفرنسيين على هذه المناصب، يلتقي بالمجموعات اللبنانية نفسها، ويسمع المقاربات نفسها، ويعيش على أوهام هذه المجموعات التي تعتقد أننا ما زلنا في عقد الستينات. أضف إلى ذلك، ما تظهره الاتصالات الجانبية عن أن فرنسا لا تفكر بأيّ دعم خاص للبنان. إذ ترفض الإفراج عن قرش واحد من خزائنها لدعم غير مشروط أو مشروط للبنان، بل لا تزال على الطريق نفسه الذي شقه رفيق الحريري وجاك شيراك، والذي يقود إلى ديون إضافية. وجلّ ما تهتم به، اليوم، هو السيطرة على مرافق رئيسية في لبنان تحت ذريعة إعادة إعمارها أو تشغيلها، من المطار وكهرباء لبنان وإدارة المياه والنفايات وصولاً إلى المرفأ الذي يُظهر الفرنسيون خشية حقيقية من تسلل الصين أو تركيا أو قطر لإدارة عملية إعادة إعماره وتطويره وتشغيله..

ليس معلوماً إن كان بمقدور ماكرون ومساعديه استغلال الوقت القصير لمغادرة المربع الذي يعيشون فيه، وإدراك حقائق لبنان الجديدة، وعسى أن يكون واعياً إلى أن الإشارة الأساسية للتغير، تنطلق من قيامه، فوراً، بإخلاء سبيل الرهينة اللبناني جورج ابراهيم عبدالله قبل الأول من أيلول، وأن يعمد إلى إعداد خطاب لمناسبة مئوية لبنانه الكبير، يعتذر فيه عن احتلال بلاده للبنان سنوات طويلة، ويعتذر من الأجيال الجديدة على ما قام ويقوم به ورثة استعماره من هذا النظام الطائفي البغيض. غير ذلك، لن يجد بعد انفجار المرفأ سوى العودة للتجول في شارع وحيد، يمتد من المتحف حتى مفترق السوديكو، حيث بقايا الإمبراطورية الفرنسية في لبنان، بينما تواصل استخباراته لملمة أوراقها المبعثرة في شارع الجميزة!

الكاردينال يسعى لاسترجاع لبنان الكبير مُعدَّلاً

 د. وفيق إبراهيم

تحاول الكنيسة المارونيّة مرة جديدة إعادة إنتاج لبنان الكبير بأقل قدر ممكن من تغييرات طفيفة ليتلاءم مع الزمن المعاصر.

فتذهب للوسائل نفسها التي اعتمدتها عندما ضغط البطريرك الحويك في 1919 على الانتداب الفرنسي لفصل لبنان وسورية وإعلانه دولة مستقلة.

هذا ما يسعى اليه حالياً البطريرك مار بشارة الراعي الذي يحاول الاستفادة من حركتين دوليتين: الاولى إصرار الأميركيين على وقف تراجعهم في الشرق الأوسط والثانية محاولة الفرنسيين العودة الى الشرق من خلال نفوذهم التاريخي في لبنان، لذلك يتلقف رأس الكنيسة المارونية هاتين الحركتين محاولاً استعمالهما لإعادة إنتاج لبنان الكبير مع بعض التعديلات التي تسمح بتحالفات مع أجزاء من طوائف أخرى.

هناك نقاط أخرى يحاول الكاردينال الاستفادة منها، واولها انعكاسات الصراع الإيراني السعودي على لبنان وتشكيله لتناقض سني – شيعي، ووقوف الحزب التقدمي الاشتراكي الجنبلاطي الى جانب السياسات الأميركية بما يؤدي تلقائياً الى انسجامه مع طروحات الكاردينال، علماً ان جنبلاط يحوز على الغالبية الكبرى من الدروز اللبنانيين.

قد لا تعني هذه الاصطفافات تأييداً مطلقاً من الطرفين السني والدرزي الى جانب استعادة لبنان الكبير، لكنها تندرج حكماً في إطار التصدي للدور الكبير لحزب الله في لبنان وعموم الإقليم.

هناك اذاً تصميم من الكاردينال على استعمال «الأميركي والفرنسي» للمحافظة على «لبنان الغربي» الآخذ في الذوبان نتيجة لانتصارات حزب الله في معارك تحرير الجنوب وضرب الإرهاب في سورية وشرقي لبنان.

فهذه الانتصارات تفرض على لبنان التموضع في إطاره العربي والشرق أوسطي، وهذا ما يثير رعب الكنيسة المارونية التي تعتبر نفسها وصيّة تاريخية على لبنان الكيان والدولة والتاريخ. حتى أن الغلاة فيها يتوهّمون أن لبنان متجه لإنتاج دولة يسيطر عليها الشيعة بشكل أساسي ومعهم بعض حلفائهم من الموارنة والسنة والدروز، بما يناقض الفكرة التأسيسية للبنان التي قامت منذ 1920 على اساس الهيمنة الكاملة للموارنة مع حضور فولكلوري للطوائف الأخرى.

لكن دخول لبنان في صراعات منذ سبعينيات القرن الماضي نتيجة التداعيات التي أصابته من المشاريع الخارجية والفلسطينية أدت الى تراجع الدور الماروني مقابل صعود سني تلاه منذ التسعينيات وحتى الآن دور كبير للشيعة من خلال انخراط حزب الله في معارك فلسطينية وسورية مع تأثير ثقافي في العراق واليمن.

كانت الكنيسة المارونيّة تراقب بقلق انهيار الدور المسيحي في لبنان ولم تجد سانحة تدفع بها الى التدخل كما لم تعتقد ان تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله أدى الى تحسن الوضع السياسي للمسيحيين في الدولة على الرغم من أنها تركت له مدة طويلة لتتبين أكثر نتائجه.

وأخيراً تحرّكت الكنيسة على إيقاع الحركة الأميركية الكبيرة التي تحاول تجديد دورها في الإقليم وارتبطت بإصرار الأميركيين على العودة لإمساك لبنان من خلال الانهيار الاقتصادي الذي يهدده كدولة وكيان سياسي، حتى أدركت مرحلة ربط المساعدات والديون من مؤسسات النقد الدولية والخليج واوروبا التي يطلبها لبنان مع إقفال المعابر عند الحدود مع سورية وتوسيع مهام قوات الطوارئ الى ما يزيد من سبعين كيلومتراً داخل لبنان وتقاسم آبار الجنوب من الغاز مع الكيان المحتل وتشكيل حكومة تضم القوى الأساسية المرتبطة بالأميركيين والخليج الى جانب حزب الله وتحالفاته.

هذا ما أعطى الكنيسة فرصة التحرك السياسي المكشوف لتقليص نفوذ حزب الله والعودة الى لبنان الكبير عبر إلغاء الوجود العسكري للحزب في المدن والقرى والحدود مع سورية والضغوط على التيار الوطني الحر لإلغاء تحالفه معه.

بذلك حدّد الكاردينال حزب الله عدواً للكنيسة بأساليب واضحة، فبدا هنا وكأنه يخدم السياسات الأميركية اكثر من إصراره على استعادة لبنان الكبير.

وهذه سياسة لا يريد الكاردينال بالطبع ان تستفيد منها «إسرائيل»، لكنها ومن دون أدنى شك على رأس المستفيدين من استهداف حزب الله الذي يجابهها في اي مشروع احتلالي للبنان.

إلا أن مشروع الكاردينال لم يعثر على معادلة لبنانية داخلية بوزن حزب الله ليتبنّاها مع الأميركيين والفرنسيين، فحزب القوات متواضع الحجم، وكذلك تيار المستقبل والحزب الجنبلاطي، فهؤلاء بإمكانهم افتعال اشكالات يجذبون بواسطتها حزب الله الى الشارع، وليس بوسعهم صناعة حرب طويلة، كما ان حزب الله نجح بمنع جمهوره من استعمال الشارع وضبط أنفاس محازبيه، بصبر لا يعرفه إلا أهل التاريخ وأصحاب المشاريع الوطنية.

هذا ما جعل الكاردينال يعمل على مواقف شديدة التصعيد وصل في إحداها للقول علانية إن «اسرائيل» هاجمت لبنان بعد استفزازات فلسطينيّة من أراضي لبنان في 1982، داعياً وفي تشابه غريب مع مواقف «اسرائيل» الى مصادرة مخابئ الاسلحة والذخائر من مدن لبنان وقراه وعاصمته.

ما الذي يريده نيافة البطريرك؟

يسعى بوضوح لضرب علاقة التيار الوطني الحر بحزب الله وتشكيل حلف مسيحيّ مع السنة والدروز باشتراك مباشر من الأميركيين والفرنسيين لإعادة انتاج لبنان الكبير مع تعديلات طفيفة لمصلحة إيلاء بعض مواقع السلطة لطوائف أخرى، فالمهم بالنسبة اليه، ضرب المشروع الشيعيّ المزعوم لاعتقاده بأنه الاخطر على النفوذ الغربي، وبالتالي على لبنان ذي الوجه الغربي.

فيرتاح لبنان الكبير بذلك من الصراع مع «اسرائيل» على قاعدة أن الأميركيين والفرنسيين قادرون على اتمام مصالحة بين الطرفين تنهي بشكل كامل كل أنواع المخالفات الحدودية في البحر والبر وآبار النفط.

فهل ينجح هذا المشروع؟ يلعب الأميركيون بكل أنواع الأقليات في المنطقة فيستعملونها وسرعان ما يرمونها عند استنفاد الحاجة اليها، وهذا ما يفعلونه في لبنان الذي يؤدي فيه حزب الله دوراً داخلياً وخارجياً لم تتمكن «اسرائيل» والأميركيون من إلغائه منذ 1992 وحتى اليوم ما يعني انهم يعرفون أن حزب الله حقيقة سياسية لبنانية وإقليمية من الصعب إلحاق الهزيمة بها ما يعني ان الهدنة معه هو أقصى ما يطمح اليه الاميركيون والفرنسيون. وهذا لا يكون الا على أنقاض مشاريع السعودية ونيافة الكاردينال في آن معاً.

IS THE PARTITION OF LEBANON NOW ON THE TABLE?

Posted on  by Elijah J Magnier

By Elijah J. Magnier: @ejmalrai

Following the end of the 1975 civil war in Lebanon, the Taef agreement (one of the worse agreements on record) was signed between the belligerents. It delivered the country into the hands of the civil warlords who today rule Lebanon along with their children. Since then they have been frenetically diligent in stealing public wealth, mismanaging the country and offering precious little infrastructure to the inhabitants. They shelter behind the religious leaders, who are keen to offer protection to these lords… as long as they guard the governmental position allocated to each of the 18 Lebanese religions, according to a confessional system far removed from democracy or even nationalism. And indeed, the French President, Emmanuel Macron, was careful to say, during his last week’s visit to Lebanon, at his meeting with these same warlords: “It is not up to a French President to write your history on your behalf. It is you who have to do it.”

Macron rejected the idea of an early parliamentary election and requested that these war Lords unite in “one united government”- which means international community support for the same politicians responsible for the Lebanese crisis and large-scale theft for decades! But the population took to the streets the day following Macron’s departure, making the point that a sectarian confrontation could no longer be excluded. Is it possible to divide Lebanon, following on from another sectarian war? What would be the reaction of the powerful players? It’s high time for this Lebanese government to leave. What next?

The time has come for the departure of the Lebanese government led by Doctor Hassan Diab. Diab, a Sunni, is not a political leader and belongs to no party. He is an intellectual and a university professor who was prevented from implementing real changes and put an end to the long-established corruption pattern. Lebanese war lords gathered against him domestically and took the trouble to travel abroad asking world leaders to refrain from supporting the current government. Even the Speaker Nabih Berri tried to shake Diab and his government, although Berri has two ministers in the same Diab cabinet, and has contributed to its failure. Berri’s ministers finally rejected the idea of removing the Central Bank governor and taking him to trial for his mismanagement of public savings and for his spectacularly unsuccessful financial engineering.

Prime Minister Diab said he is “giving it two months” – he won’t last that long – to allow the war lords to meet and decide what to do next since they are the ones preventing the government from moving forward. He also said he is willing to seek an early parliamentary election, a proposal that will certainly be rejected by the powerful politicians and will maybe lead to Diab’s own resignation.

In fact, the Sunni and the Christian powerful parliamentary groups would be the most damaged from an early election. Both Sunni (Saad Hariri) and the Christians (GebranBassil) have suffered serious damage to their popular base and would definitely lose many of the seats they are holding today. The Druse (Walid Jumblat) and the Shia (Nabih Berry and Hezbollah) have stable seats and well-established popular support.

The international community is reasonably asking for a united front of all politicians – who boycotted the current government – in the forthcoming cabinet to avoid internal bickering and for all warlords to assume their responsibility to move the country forward. Lebanon is … More

Macron believes the US economic pressure on Hezbollah is harming the Lebanese population, among these the friends of France and the US. Moreover, the more the US increases its pressure on Lebanon, the more the country will be heading towards Iran, China and Russia. That’s without counting the number of refugees that would be flocking to Europe. The US “maximum pressure” on the “Axis of the Resistance”, mainly Iran, Syria and Hezbollah, has not achieved the desired result. The US has failed in its attempt to subdue Lebanon and has managed to push its allies, mainly European, to find more ways to distance themselves from US dominance.

“The problem of Lebanon is the fact that there are too many countries around”, wanting to dominate it. This is what the French President said. He described a reality the Lebanese are dangerously unaware of, and where Partition remains a dangerous ghost.

Proofread by:  Maurice Brasher

هدنة غربيّة وبعض الداخل اللبنانيّ مذعور

د.وفيق إبراهيم

ميزة النفوذ الغربي ـ الأميركي أنه يستعمل كل إمكاناته الضخمة والمتنوعة لترسيخ سيطرته على العالم. فلا يوفر الحروب والقتل والاغتيالات والانقلابات والحصار الاقتصادي وتعميم الجوع والقنابل الضخمة والنووية والتفجير والطوائف والقبائل والجهات.

لكنه عندما يستهلك آلياته الشديدة التنوّع والفتك يبحث عن تسويات ومهادنات تحفظ له شيئاً من سيطرته، حتى يتمكّن من إعادة بناء توازنات جديدة قد تعيد له ما فقده.

من جهة القوى السياسية في لبنان فإنها وباستثناء نموذج حزب الله المختلف عنها الى حدود التناقض، تعمل منذ تأسيس لبنان الكبير على قاعدة تنفيذ المشاريع الخارجية مقابل حشرها في مواقع السلطة الداخلية.

لم يتغيّر هذا المشهد التاريخيّ منذ زمن القناصل وحتى مرحلة السيطرة الأميركية الاحادية على العالم، تكفي هنا العودة الى سجلات القناصل الفرنسيين والانجليز والبروسيين والروس وذكريات المستعمرين العثمانيين حتى ينكشف التماثل الكامل مع الوضع الحالي.

وكما كانت تلك القوى الداخلية لا تملك قدرات تغيير في المشهد السياسي في تلك المرحلة، لا شعبياً ولا عسكرياً، فكانت تؤدي أدوار بيادق في خدمة الصراعات الدولية والإقليمية التي كانت مندلعة آنذاك، فإن القوى الحالية نسخة عنها بلباس القرن الحادي والعشرين.

أليس هذا ما يحدث اليوم مع استثناء بنيوي وحيد هو حزب الله الذي يشذ عن قاعدة «البيدق الأجير» بانياً مقاومة تنتصر في معادلة موازين قوى صعبة للغاية وضع في وجهها جهاديّته التاريخية.

فما الفارق بين جعجع وجنبلاط والحريري والجميل والكهنوت الدينيّ وشمعون وبين قوى الطوائف منذ قرنين.. هي نفسها تحمل مفهوم الاستزلام للغرب المتنوّع لتنفيذ مشاريعه ونيل مكافآت كما الأطفال، بعض الحلوى المسروقة من الدولة.

هذا ما يجري في لبنان حالياً مع اختلاف التوازنات الداخلية والإقليمية، فهناك قوى عربية منصاعة للنفوذ الأميركي ترشوه بمليارات الدولارات ليواصل حمايتها، الى جانب التقليد اللبناني المتنوع والطائفي الذي يناشد الغرب الفرنسي والأميركي لاحتلال لبنان وإنقاذه مما يدعوه «هيمنة حزب الله».

هذا الشعار يفضح بسرعة أصحابه، لأن حزب الله «لبناني ولديه قاعدة شعبية تشمل لبنان»، وهذا يعني ان لبنانيين يطلبون من قوى أجنبية تحطيم لبنانيين آخرين.

أما على مستوى المشروع، فيكفي أن حزب الله أخرج القوات المتعدّدة الجنسية من لبنان في 1983 محارباً الاحتلال الاسرائيلي حتى طرده من الجنوب في العام 2000 وردعه في 2006.. مقاتلاً الإرهاب في سورية منذ 2013 بشراسة المدافع عن بلاده ووطنه، ودحره في جرود عرسال اللبنانية في الشرق.

كانت الاشارة الى هذا التاريخ الجهادي ضرورية للمقارنة مع قوى لبنانية تطالب الغرب بتجريده من سلاحه.. فمن يستفيد من هذه الخدمة بالمباشر هما «إسرائيل» والإرهاب؟ وعالمياً هو النفوذ الأميركي الغربي الذي أحدث حزب الله ثقوباً واسعة في سيطرته الإقليمية، من اليمن الى لبنان فالعراق وسورية ناشراً فكرة ان النفوذ الأميركي قابل للهزيمة وأن «إسرائيل» قابلة للكسر، على الرغم من أنها هزمت الدول العربية منذ 1984 وحتى اليوم.

يتّضح بالاستنتاج أن هذه القوى تتبنى المشروع الغربي الذي يؤكد أن حزب الله هو المعوّق الأساس لنفوذ في الشرق ويشكل تهديداً كبيراً لهيمنته على العالم الإسلامي، وذلك عبر نظرية التقليد، فالكثير من القوى في الشرق الأوسط تميل الى تقليد حزب الله في مجابهة الأميركيين والإسرائيليين، خصوصاً بعد انتصاره في أكثر من نزال لبناني وخارجي.

لذلك فإن هذه القوى الداخلية فقدت لبنانيّتها لأنها تهاجم حزباً يواصل الدفاع عن لبنان منذ 38 سنة على الاقل، مقابل أن هذه القوى تتعامل مع الكيان الاسرائيلي منذ 45 عاماً على الأقل، وقادة بعض فئاتها استقبلت قائد جيش الاحتلال ووزير دفاعه شارون في قصورها، فيما نسق البعض الآخر في لبنان مع الاحتلال الاسرائيلي منذ 1982.

ليس غريباً على هذه القوى أن تكون أداة داخلية للمشروع الغربي ـ الاسرائيلي الدائم بالإمساك بلبنان وخنقه.

هناك تغيير ما أحدث تغييراً في المشهد اللبناني الرتيب، يتعلق بانتصار حزب الله مع تحالفاته ووصول المشروع الأميركي الى حائط مسدود، وهذا يتطلب في لغة الدول البراغماتية التنقيب عن هدنة ضرورية للمحافظة على ما تبقى.

ضمن هذه المعادلة، يستعمل الأميركيون قواهم اللبنانية لتحسين موقعهم في الهدنة، وهذا ما لا يفهمه لبنانيوها الذي يعتقدون أن الهجوم الأميركي مستمر. وهذا يكشف ان الأميركيين يوهمون آلياتهم اللبنانية، انهم يريدون تكسير حزب الله.. والضحايا هم بالطبع جعجع والكتائب وبعض الكهنوت الديني والحريري، ويبتهل جنبلاط لكنه اصبح خبيراً بالتلاعب الأميركي فيضع كعادته رجل ولده تيمور في الفلاحة ورأس رجله مروان حمادة في البور، مطلقاً هجمات على الفاسدين علماً أنه لا يزال ينال حصة على كل استهلاك للبنزين والغاز والمازوت، فيما يتقاضى الحريري من شركائه نصف المبالغ الرسمية المخصصة للباخرتين التركيتين اللتين تنيران لبنان بالكهرباء.

هناك إذاً خدعة أميركية يصدقها جعجع – جنبلاط – الحريري في حين أن تحركاتهم الفوضوية في شوارع بيروت يستعملها الأميركيون والاوروبيون للإبقاء على نفوذهم في لبنان ومنعه من الرحيل نحو الصين وروسيا والعراق وإيران وبلدان اخرى على رأسها سورية التي لا يمكن للبنان الاستغناء عنها.

بذلك يتضح أن هذه القوى اللبنانية تدفع بالبلاد نحو حرب اهلية وبحماقة تاريخية تسألهم اذا كان الأميركيون والإرهاب فشلا في إلحاق هزيمة بحزب الله، فهل تستطيعون انتم بامكاناتكم التلفزيونية والطائفية؟ واذا كانت «اسرائيل» مذعورة من حزب الله فهل انتم اقوى منها؟

وهذا يوضح ان هذه القوى لا تهتم بمصلحة بلدها بل بالسيطرة على الدولة للاستمرار في مفاسدها وسقوطها التاريخي مقابل تقديم البلاد هدية للنفوذ الأميركي الخليجي الاسرائيلي.

للتوضيح، فإن هذه القوى تعتقد أن بإمكانها الفرار للاحتماء بطوائفها عند الهزيمة، وهناك مَن يجيبها بأن لبنان بأسره لن يسمح لها مجدداً بالاحتماء بأسوار الدين المسيّس، وقد تصبح عبرة لكل المتعاملين مع الغرب في الشرق الأوسط.

مقالات متعلقة

موت المتصرفية وموت الطائف

سياسة 

ابراهيم الأمين الثلاثاء 11 آب 2020

إبراهيم الأمين مرة أخرى: العنف ولو أدى إلى الفوضى هو الحل | مناطق

لن يتوقف الفجور أبداً، والكذب ملح الفاجرين. لا يهمهم شيء غير الصورة التي يعتقدون أن القوة تبقي عليها حية. هكذا هي حال سياسيين واعلاميين ورجال مال وأعمال عندنا. أما الناس العاديون، فعليهم تحمل تبعات أفعالهم. وكما يدفعون، منذ عقود، ثمن مبايعة هذه القيادات، عليهم تحمل تبعة مبايعة هذا الجنس من المعارضين. لا مبرر لغاضب أو متعب أو جائع عندما لا يجيد التمييز بين النصّابين، وعندما لا يريد لعقله أن يعمل للحظة واحدة. وكل كلام آخر، هو مساهمة في حفلة الدجل القائمة التي لا مؤشرات على أنها ستقف عند حدّ.

سامي الجميّل يستقيل، وكذلك ابن عمه نديم، وقبلهما مروان حمادة، وبعدهما ميشال معوض، وآخرون من بقايا الفولكلور الديموقراطي. هل لنا أن نسأل عمّا فعله هؤلاء وعائلاتهم منذ ولدنا جميعاً؟ هل من استقالوا من المجلس النيابي قرروا أنهم غير مناسبين للعمل العام أم ماذا؟ هل سيترشحون في أي انتخابات مقبلة؟ هل تعني استقالاتهم أنهم فشلوا في مهمتهم وعليهم المغادرة، أم أنهم يقولون لنا إن السلطة لم تناسبهم فقرروا استخدام تفويض الشعب، ولكن في الشارع.

هل فكّر أبناء عائلة الجميّل مرة في حجم الاموال العامة التي ينفقها اللبنانيون عليهم: رواتب رؤساء ووزراء ونواب حاليين ومتقاعدين؟ مصاريف خاصة معلنة وسرية؟ مشاريع ومزاريب وتوظيفات وإقطاع بشع؟ وبين كل هذه الأجيال، تجارب ومدارس في الدونية أمام أي خارج يحمي مصالحهم، من ياسر عرفات الى حافظ الاسد وصدام حسين وأمراء الخليج… الى كل جوقة الغرب القريب أو البعيد. وبعدها، يخرج من بينهم من يحدّثنا عن ثورة وتغيير!
ميشال معوض: هل تعتقد أن تجربتك في غينيا منحتك الخبرة لتجرب الانقلاب في لبنان أيضاً؟ أم ان تجربة جمع التبرعات عام 2006 منحتك الإلهام لجمع مزيد من التبرعات، لكن بأرقام أكبر، لأن انفجار المرفأ «حصل في مناطقنا»… كيف تشرح لنا سبب انضمامك الى تحالف جبران باسيل يوم التصويت وسبب تخليك عن هذا التحالف اليوم؟ وهل يمكن لك أن تتجاوز زوايا زغرتا قليلاً أم أصابك أيضاً وباء الرئاسة الذي يصيب كثيرين اليوم، من بينهم ناصيف حتي ودميانوس قطار وغيرهما؟ هل همس لكم أحد بأن أوان الانتخابات الرئاسية قد حان، وأن فرصتكم تكبر إن انتقلتم الى مواقع أخرى؟ وهل تعتقدون، فعلاً، أنكم صرتم في موقع الناس المقهورين، أم أن بعض التصفيق يعمي أبصاركم؟

ميشال المر الصغير قرر قيادة ثورة المقهورين والجياع. تخيّلوا أن من يرفع هذا الشعار هو الرجل الذي لم يتخلّ يوماً عن عنصريته وكراهيته لكل آخر. الرجل الذي يعتقد أن بمقدوره بناء كوكب مستقل قرب صنين، ويحق له سرقة المال العام من إنترنت، ومن قروض مصرف تملكه الدولة (بنك التمويل) ولا يسدده، قبل أن يخرج رياض سلامة، الملاك الرحيم، لإعادة تنظيم الأمور، فتنتهي المحطة مملوكة فعلياً لسلامة وجوقة المصارف، فيما أنت موظف صغير فيها، تكتفي ببعض المزايا مثل مراقبة الصبايا العاملات في المحطة… أما قرار منع السياسيين من الظهور على شاشتك، فهو حازم وصارم الى حدّ أن أحداً لن يجبرك على أي استثناء، لكن ما الذي تفعله، يا مسكين، إن قرر جهاز الإرسال، لوحده، أن يخالف قرارك عندما التقطت عدسة الكاميرا صورة الحكيم المنقذ في ساحة ساسين!
الحفل لا يكتمل من دون بقايا مرتزقة السعودية، التي لم تتحمل مجلة «نيوزويك» قدرتها على التضليل، فاضطرت الى كشف أن الذباب الإلكتروني للدب الداشر يقود معركة توجيه غضب الناس ضد حزب الله. وهو ما يفعله رائد التقدم في المنطقة العربية، محمد بن زايد، الذي لم يكتف بسرقة أموال شقيقه الأكبر، رئيس الدولة، كما يسرق نفط جنوب اليمن وغازه، بل سارع الى إنفاقها حيث يعتقد أن بمقدوره قيادة العرب الى العصر الحديث، عصر السجون السرية والقتل العشوائي والصمت الكامل. لكن الناس عندنا يحبونه، هكذا تقول 14 آذار وناشطو المجتمع المدني الذين ينبهرون، يوماً بعد يوم، برواد الحرية والازدهار في الإمارات العربية المسلوبة من عائلة قراصنة وقطاع طرق.
وماذا نفعل، أيضاً، مع ديناصور من وزن وليد جنبلاط. يطالب عبر قناة «الحرة» الأميركية بـ«تعليق المشانق لوزراء الحكومة الحالية». يا الله، كيف لهذا الرجل أن يتحدث بعد؟ وأي وزارة صحة يمكن أن تعلن خطره على السلامة العامة؟ كيف لنا أن نحل لغز هذا الرجل الذي يريد أن يضمن حكم أحفاد نجله الى ما بعد مئة عام؟ كيف لنا ذلك، ونحن لا نعرف كيف يصحو وكيف ينام ومن يعاشر وماذا يقرأ وأي علاج ينفع في إقناعه بأن المكابرة داء يمكن التخلص منه، وأن فرك العينين قليلاً، سيتيح له رؤية المشهد على حقيقته: حيث لا متصرفية جبل لبنان بقيت، وحيث اتفاق الطائف يترنح بقوة. والأهم، أن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي كان يموّل هذه السلطات المتعاقبة ضمن نظام طائفي بنسختي الميثاق والوثيقة قد سقط أيضاً. من يمكنه إقناع جنبلاط بأن أفضل ما يمكن أن يقوم به، اليوم، هو إعفاء الدروز من معمودية نار جديدة مع أولاده، وأن يوزع على فقراء الجبل أملاكه، ويترك لهم تدبر أمورهم ضمن انخراط في إطار مدني عام… وكفى الله المؤمنين شر القتال!

الوهم والحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية عادا ليسيطرا على قيادات فعّالة في الوسط المسيحي


وفي زاوية أخرى من المشهد، أشد قساوة، تكمن الخطورة الكبرى. حيث الوهم عاد ليسيطر على قيادات فعالة في الوسط المسيحي. وحيث الحديث عن التقسيم والفدرالية والكونفدرالية كبير، وحيث هناك محاولة جدية لتعميمه على الناس البسطاء على قاعدة «ما لنا لنا وما لهم لهم… لسنا مثلهم لنعيش معهم». هذا كلام حقيقي يقال اليوم، وكل محاولة لنفيه أو الإلقاء به على هامش النقاش كلام غير حقيقي. وزير مثّل «القوات اللبنانية» في الحكومة السابقة قال أمام سفير أوروبي: ينقصنا المطار والسهل الزراعي، وإلا لكنا استقلّينا وانتهى الأمر. هذا كلام يتردّد بين مطارنة وفي أديرة ومجالس بلدية وأهلية، ويتسرب على شكل تعليقات ونكات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو يُردّد أمام غربيين يسألون عن الحل الأفضل. لكنه لا يعبّر عن وهم فقط، بل عن جنوح نحو عزلة غير مسبوقة، تقود الى انتحار جماعي لا أقل ولا أكثر. وهي نزعة ليست من اختراع الخارج، ولا نتيجة تحريض هذه الدولة أو تلك. هي نزعة موجودة في عقول قيادات لم تتعلم من التاريخ شيئاً، ولم تستفد من كل التجارب، وتفكر بطريقة لا ينفع معها كل تنبيه. كاد مانويل ماكرون يبح صوته وهو يقول لبعض هؤلاء: «أنا رئيس فرنسا، ولا تتحدثوا معي كأنني مالك السحر.. افهموا أنه يجب أن تتحاوروا مع الآخرين وتجدوا الصيغة للعيش معاً». لكن ماكرون الذي تملك بلاده معرفة واسعة بهؤلاء، يتصرف اليوم على أنه الوصي عليهم، وهو سيتصرف هكذا في ظل قراءة بلاده لتطورات تحدث انهياراً سياسياً واسعاً في الشارع المسيحي، وخشية من «تولّي مسيحيين أصوليين ومتطرفين الأمر»، على حدّ تعبير نافذين في إدارته.

المتظاهرون الغاضبون في الشارع يعبّرون عن سياق يخص كتلة سياسية فئوية في لبنان. ومع الأسف، وإن كان البعض سيفسر هذا الكلام بخلفيات مقيتة، إلا أن أمانة التوصيف تشير الى أن أفكار الجبهة اللبنانية البائدة هي المسيطرة على عقل غالبية من يدير الشارع. والمتوهمون من «المجتمع المدني» ليسوا سوى أدوات وبيادق لا قدرة لها على إدارة صنع القرار. وها نحن نقترب من لحظة الفراغ القاتلة، وأكثر ما يمكن للعالم أن يفعله، هو تكليف فرنسا بإدارة حوار لبناني – لبناني، في بيروت أو في باريس. حوار لا يستهدف تغيير السلطة، بل تغيير النظام… وما دونه فوضى ستجبّ كل ما قبلها!

مقالات متعلقة

الهجوم الغربيّ على معادلة «العهد القويّ» يزداد عنفاً

د. وفيق إبراهيم

السرعة في تعيين وزير جديد للخارجيّة بديلاً من المستقيل ناصيف حتي، يكشف أن المعادلة السياسية التي ترعى هذا العهد استوعبت أن هناك مشروعاً لنسفها وتدمير آخر خطوط الدفاع عن «العهد القوي».

هذا استنتاج عادي، لكن ربطه بالاستقالة الاساسية لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري والإنذار الأميركي – الأوروبي المطالب بالتصدّي للفساد ونصب إصلاحات بنيوية وإصرار البطريرك الماروني على إعلان حياد لبنان وصولاً الى الاستقالة المباغتة لحتي، تشي بوجود سياق متتابع، له واجهة لبنانية تتصل بالإقليم.

بداية فإن معادلة «العهد القوي» هي التي تأسست بتحالف عميق بين التيار الوطني الحر وحزب الله وشملت بالطبع حلفاء الطرفين على الرغم من التناقضات الكبيرة بينهما. فهذه معادلة استراتيجية يختلف المنتمون اليها بالأعمال التكتيكيّة المرتبطة بالمصالح والتعيينات، لكنهم يترابطون في السياسة العامة للبلاد ودور حزب الله في الإقليم.

إن ما جعل معادلة «العهد القوي» شراً مطلقاً في نظر الغرب الاميركي – الاوروبي هو التطور الكبير في إمكانات حزب الله التي اتاحت له تدمير الإرهاب في سورية ولبنان، فضخ في معادلة العهد «عيارات قوة داخلية» أدت الى تهميش كل الفئات الداخلية المرتبطة بالغرب، ولولا بعض الخلافات داخل الإدارات بين التيار الوطني الحر وحركة أمل لكانت إمكانات التمرد الداخلي على هذه المعادلة شبه معدومة.

لكن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يعمل على حماية علاقاته السياسية المتنوعة التي تؤدي الى الإجماع عليه رئيساً دائماً للتشريع اللبناني.

بالمقابل يفتح رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل علاقات خاصة بسياساته، هي متناقضة في معظم الأوقات مع حركة أمل واحياناً مع حزب الله، فالرجل يريد الاستئثار بكل الدور المسيحي في لبنان على المستوى الإداري والسياسي، والشعبي بانياً اسساً لانتخابه رئيساً للبلاد بعد والد زوجته الرئيس الحالي ميشال عون.

لكن الغرب الأميركي الأوروبي لم يعُد يقبل بتيار وطني حر غربي الاتجاه والولاء والثقافة يغطي الدور الإقليمي لحزب الله.

هذا ما أغضب السياسة الغربية في هذه المرحلة بالذات التي تتسم دولياً بتصاعد الصراع الصيني – الأميركي وإقليمياً بالقتال العنيف بين الأميركيين والإيرانيين. فلم يعد بالنسبة اليهم، الاختباء والادعاء بغربية الاتجاه وممارسة سياسات معادية لهذا الدور.

فالدولة اللبنانية بالنسبة للغرب، هي فرع منه في الساحل الشرقي للمتوسط يأتمر بأوامره صاغراً ملبياً بعض طلباتها في الحصول على مكرمات وديون. أما اللافت هنا فإن هذا الغرب الذي يتهم الطبقة السياسية بالفساد مؤكداً أنه نتاج تراكم أكثر من ثلاثين سنة من سياسات مشبوهة أفقرت لبنان، هذا الغرب هو الذي كان يرعى تلك المرحلة ويعرف دقائق الأمور والسرقات والفساد، فلماذا سكت عنها في حينها وفجّرها في هذه المرحلة؟

كيف بدأ الهجوم الغربي؟

عندما وصل الوضع الاقتصادي اللبناني الى مرحلة الانهيار أوعز الأميركيون والأوروبيون بإسناد خليجي لسعد الحريري بالاستقالة فاستجاب مولياً الأدبار ورافضاً تشكيل اي حكومة جديدة.

إلا أن معادلة العهد القوي، نجحت بتشكيل حكومة تعمدت اختيار وزرائها من الذين لا لون لهم، لتسهيل اختراقهم للتمنع الغربي، وهذا لم يحدث لأن «الغرب المحترف» ربط بين القروض والتسهيلات بمسألتين: الدعوة الى إصلاح مستحيل عملياً وهذا طلب مقصود للمراوحة، أما المسألة الثانية فهي تطبيق القرار 1701 حسب القراءة الاميركية – الاسرائيلية له. أي سيطرة قوات الطوارئ الدولية على المنطقة الممتدة من حدود لبنان مع فلسطين المحتلة وحتى ضفة نهر الليطاني، وانسحاب حزب الله على مستوى المقاتلين والسلاح الى ما بعدها بالإضافة الى ضرورة قبول الحكومة اللبنانية بخط هوف لحل النزاع حول آبار النفط والغاز مع الكيان الاسرائيلي.

لقد أدى رفض معادلة العهد القوي لهذه المطالب الى تملص صندوق النقد الدولي من وعوده بإنقاذ لبنان اقتصادياً، وذلك وبوضوح نتيجة السيطرة الأميركية عليه.

فكانت الحاجة الاميركية الى وسائل ضغط جديدة، سرعان ما استجاب لها الكاردينال الماروني بشارة الراعي الذي أطلق دعوة لإعلان حياد لبنان من الصراعات الإقليمية والدولية. مثيراً بذلك الرعب في أوصال حكومة لبنان التي تغاضت عن عروض صينية وعراقية وإيرانية وروسية لإعادة تعويم القسم الأكبر من الاقتصاد اللبناني المنهار.

في السياق نفسه وصل الى لبنان وزير الخارجية الفرنسي لودريان حاملاً انذاراً غربياً مفاده ان لبنان وصل الى قاع الانهيار وما عليه إلا الاستجابة للشروط الغربية للسماح بإنقاذه وهي الشروط نفسها المموّهة ظاهراً بإصلاح فساد هم رعاته، والمستبطنة ضرورة القضاء على الدور الإقليمي لحزب الله لكن معادلة «العهد القوي» صمدت ولم تقبض «ترهات» لودريان على محمل الجد لأنها ادركت انه رسول اميركي لتحشيد انصار الفرنكوفونية في لبنان في اطار المشروع المعادي لحزب الله وليس أكثر، علماً ان الأميركيين والأوروبيين عاجزون عن تبني ترشيح جبران باسيل رئيساً مقبلاً للجمهورية لانهم يثيرون بذلك غضب كل أصدقائهم في القوات اللبنانية والكتائب والبطريركية وجنبلاط المرعوب من خسارة جبله الشوفي أمام التيار الوطني الحر، حتى أن آل الحريري لا يوافقون عليه.

ازاء هذا الانسداد امام الاميركيين في تغيير التوازنات في الداخل اللبناني، ذهبوا ناحية تفجير حكومة حسان دياب الذين يحاصرونها اصلاً ويمنعون عنها امكانات الحركة الاقتصادية بالحصار الاقتصادي ومنع الصناديق الدولية ومؤتمرات سيدر من التعاون معها.

لذلك لجأوا الى دفع ناصيف حتي الى الاستقالة بضغط كنسي – فرنسي متقاطع مع إيحاءات أميركية بتأمين دور مستقبلي له.

فكيف يمكن لوزير عيّنه جبران باسيل ان يصل الى هذا المنحى من التمرّد حتى على العهد القوي؟

الواضح أن اختيار حتي من قبل باسيل في إطار حكومة دياب كان لإرضاء النفوذ الاميركي والفرنسي الذي يرتبط بهما الوزير المستقيل. مع أمل باستيعابه باسيلياً وكسبه في معارك السيطرة على القرار المسيحي الداخلي.

يتبين ان الأميركيين يبحثون عن عناوين جديدة لمواصلة ضغوطهم على لبنان، وما بقي هو ان يتحرك العهد القوي وحكومة حسان دياب نحو التعامل الاقتصادي مع الصين التي تبيع ربع صادراتها في الأسواق الأميركية وخمسها في الأسواق الأوروبية. فلماذا يرتدع لبنان عن مسألة تنقذه بقرار من دولة أميركية تبيحها لنفسها؟

فهل يذهب «العهد القوي» نحو البدائل التي تنقذ البلاد من الانهيار؟

هذا يحتاج الى مزيد من الانصهار بين قوى المعادلة التي انتجت حكومة حسان دياب على اساس ان لبنان لا يختار بين معادلة الشرق والغرب الوهمية، بل يذهب نحو آليات تساعده على عدم الانهيار وسقوط الدولة وتفكك الكيان.

حسان دياب لن يكون «كاظميّاً جديداً»؟

د. وفيق إبراهيم

يضعُ الأميركيون كامل إمكاناتهم اللبنانية والإقليمية لإسقاط حكومة حسان دياب وإعادة تشكيل أخرى جديدة تحاكي حكومة «الكاظمي العراقية».

يشمل هذا الولاء مثلاً، حرصاً من حكومة الكاظمي على حصر السلاح بيد الدولة، وهذا يعني تجريد الحشد الشعبي منه، ويتوجّه لنصب حكومة لبنانية جديدة لديها شعار سياسي وهو حصر السلاح اللبناني في يد الدولة، وباللغة الأوضح تجريد حزب الله من سلاحه، أي تماماً كما تطالب الأحزاب اللبنانية الموالية للأميركيين و»إسرائيل».

يبدو بشكل منطقي أن الأميركيين هنا يرون في حكومة حسان دياب سداً يحول دون تطبيق هذه المشاريع، ما دفع بومبيو وفريقه الدبلوماسي والعسكري لطلب إقالة حكومة دياب واستبدالها بحكومة جديدة لا تضمّ وزراء من حزب الله.

هناك أيضاً حظر أميركي على استيراد الكهرباء من سورية ومشتقات نفطية من إيران، فالأميركيون يعرفون أن رئيس الحكومة حسان دياب لا ينتمي للمنظومة السياسية التاريخية التي تعمل على تطبيق ما يريده الأميركيون والأوروبيون، وتلتبس في الموقف مع «إسرائيل».

بما يتبين في معظم الأحيان أن حكومة دياب ليست من نتاج الطبقة التقليديّة التي اعتاد الأميركيون على انصياعها، ولا تشكل جزءاً من منظومة تاريخية فاسدة أفلست لبنان بنهبه وسرقته منذ ثلاثين عاماً بغطاء أميركي وأوروبي وخليجي، وتحاول تحميل وزر هذه المأساة لحكومة دياب.

فلا أحد يصدّق مشاهد الحريري وجنبلاط والجميل وجعجع وهم يتهمون الحكومة الحالية بأنها لم تفعل شيئاً لوقف هذا الانهيار، وهم على علم عميق بأنه نتائج انهيار متراكم منذ ثلاثين عاماً لا يحصل ببضعة أشهر ولا يمكن معالجته في ظل حصار أميركي مباشر على لبنان التجاري والمصرفي، أصاب أيضاً المغتربين اللبنانيين في العالم.

ومن الصعب مجابهة هذا الانهيار وسط ضغط أميركي على صناديق النقد الدولية ومؤتمرات سيدر كي تمتنع عن إمداد لبنان بأي شيء.

يمكن أيضاً اتهام الأميركيين وبضمير مرتاح أنهم يمنعون دول الخليج وخصوصاً السعودية والإمارات عن مدّ يد العون إلى لبنان.

فكيف يمكن لحكومة دياب إيجاد حلول في مثل هذه المناخات الغربية العدائية والعربية الصامتة إلى حدود التآمر؟

وهل بوسعها العمل فيما تقطع القوى اللبنانية «المتأمركة» الطرق الأساسية في البلاد، حتى وصل الأمر بـ «الشيخ سعد الحريري» إلى حد اتهام الحكومة بالنفاق، لأنها «تزعم أنها تريد العمل وليس لديها كهرباء»، متناسياً أن الحكومات التي تولاها أبوه الراحل رفيق الحريري وحكوماته وحكومات السنيورة هي التي منعت إصلاح الكهرباء، وعملت مع آخرين على استئجار باخرتين تركيتين لتزويد لبنان بكهرباء هي الأغلى من نوعها في العالم لأن أسعارها تحتوي على عمولات إضافية ضخمة للرعاة «الأذكياء» و»الخواجات» منهم.

لماذا يريد الأميركيون إذاً نسف الحكومة؟

هذه حكومة لا تأتمر بالخارج السياسي وترفض الانصياع لمطالبه، ولا تقترب إلا ما ترى أنه لمصلحة عموم اللبنانيين، أما لماذا لم تنجز المطلوب؟

فالإجابة واضحة وجلية وتتمركز في الحصار الأميركي الأوروبي المفروض عليها والمستورد خليجياً، فكيف يمكن لهذه الحكومة أن تعتبر أن الخطورة في سلاح حزب الله فيما الطيران الإسرائيلي يختال في أجواء لبنان، وأجهزة مخابراتها تسرح في محافظاتنا ودوائرنا، وتخترق دورياً الشريط الشائك عند الحدود وتحتل قرية الغجر اللبنانية ومزارع شبعا وكفرشوبا والقرى السبع وآبار نفط وغاز عند الحدود مع فلسطين المحتلة؟ وكيف تقبل أيضاً بإبعاد حزب الله عن الحكومة وهو الذي يحوز على أعلى نسبة مؤيدين في لبنان؟ولا علاقة له وباعتراف أخصامه السياسيين بكل أنواع الفساد الذي أوقع لبنان في انهيار اقتصادي عميق جداً.

هذا ما يوضح أن استهداف حكومة دياب يرتبط بنيوياً بمشروع يحاول ترميم تراجع النفوذ الأميركي في الإقليم، فيسدّد على الحكومة اللبنانية من خلال استهداف حزب الله والسعي إلى حكومة جديدة يترأسها سياسيّ بإمكانات الحريري أو البعاصيري ونواف سلام أو ربما الريفي، أي بمستويات لا تطمح إلى دور وطني بل تعتمد على نفوذ «قيصر» للاستيلاء على السلطة.بما يوضح أن «قيصر» يمرّ بدباباته الثقيلة على لبنان وسورية مجتاحاً العراق ومحاولات خنق إيران وإبادة اليمن بقصف جوي بريطاني سعودي لا يرمي إلا على المدنيين.

بالمقابل لا تدخل حكومة حسان دياب في الصراع الوهمي بين شرق وغرب، لأنها تعرف أن العلاقات الدولية لم تعُد مبنية على هذا النحو منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في 1989.

بمعنى أن هناك بلداناً تتعاقد حسب مصالحها وفي كل الاتجاهات.. والعلاقات الاقتصاديّة بين الصين والأميركيين تزيد عن 250 مليار دولار فضلاً عن ديون تصل إلى 3 تريليونات دولار.فأي شرق يجري الحديث عنه وأي غرب نريد الخروج منه؟

لذلك فإن على اللبنانيين الضغط على مؤسساتهم الحزبية لتنضبط في إطار دعم الحكومة لأن طبيعة الصراع اللبناني أصبحت بين البحث عن المصالح الشعبية أو الانصياع للمصالح الأميركية، والدليل أن الأميركيين يعملون على تحالفات بين قوى سياسية ودينية لإعادة تعميق لبنان الطائفي المنزوي في قاع التخلف.

لذلك يكفي تسجيل مدى الضغط الأميركي على حسان دياب عبر تسريب معلومة للشهم العريق وليد جنبلاط بأن رئيس الحكومة يطالب بتعويضات من الجامعة الأميركية عن مرحلة تدريسه لمدة طويلة فيها.

والغريب أن هذا أمر طبيعي يفعله الأساتذة الجامعيّون الذين يقبضون تعويضات أو رواتب تقاعديّة عند خروجهم من التدريس.

فلماذا تعتبر السفارة الأميركية أنها حادثة «يمكن ابتزاز دياب بها»؟

وهل يعتقد أبو تيمور أن تعويضات دياب الجامعية هي جزء الريوع والمغانم الإدارية التي يجب تقاسمها على الطريقة الحريرية المعتادة؟

لا بد أخيراً من تأكيد أن موازنة القوى الحالية داخلياً وخارجياً، لا تسمح بأي تغيير حكومة ينقلها من الحيادية والإنتاج إلى واحدة من حكومات الحريري والسنيورة التي تبيع مصالح الوطن لسياسات الخارج مقابل ترسيخها في سلطة جعلتها من أصحاب المليارات والمزارع في بلد يتجه للغرق وهم ثابتون على سياستهم الموالية للأميركيين وحلفائهم.

الحالمون بلبنان «نموذج 1920» مهلوسون

د. وفيق إبراهيم

تتشابه أحداث التاريخ لناحية الشكل فقط، لكنها تختلف بالنتائج لتنوّع المشاريع والأدوات والعناصر والتوازنات.

هذه من الأحكام التي يتعلمها الإنسان، إلا أن نفراً من اللبنانيين يتجاهلها مكرراً الأخطاء نفسها التي سبق للخط السياسي الذي ينتمي إليه، أن اقترفها منذ قرن من الزمن.هذا يقودُ إلى حزب القوات اللبنانية وريث حزب الكتائب والحامل لفكر انعزالي معادِ تاريخياً للمنطقة العربية بدءاً من سورية حتى أعالي اليمن والقائم على تقليد الغرب، كيفما اتجه واستدار.لا بأس في البداية من الإشارة إلى أن لبنان الحالي هو من تأسيس الانتداب الفرنسي الذي تضامن مع مساعٍ للكنيسة المارونية وفئات الإقطاع في عملية تصنيع كيان لبناني جرى تشكيله بمعادلة طوائفية إنما بهيمنة مارونية كاملة. فنشأ سياسياً خطان لبنانيان، أحدهما يميل إلى الغرب الذي كان فرنسياً وأصبح أميركياً وآخر يجنح نحو المنطقة العربية من بوابة سورية.

أتباع الخط الغربي كانوا الأكثر قوة على مستوى التنظيم الطائفي والاقتصادي والتحشيدي لأنهم يربطون بين استمرارية الكيان السياسي اللبناني والغرب الداعم له، معتقدين أن مناصرين الخط الآخر يعملون على استتباع لبنان للمنطقة.لذلك أمسك لبنانيّو الغرب بالإدارة والمصارف والتجارة والعسكر على مستويي الجيش والأمن الداخلي، وكانوا يميلون إلى كل اعتداء غربي على المنطقة مع علاقات سريّة للمتطرفين منهم مع «إسرائيل».

والدليل أنهم في أحداث 1958 أيّدوا الاعتداءات الأميركية على المنطقة والإنزال الأميركي على سواحل لبنان وساندوا احتلالاً أميركياً أوروبياً للبنان في 1982، مواكبين آنذاك اجتياحاً إسرائيلياً وصل إلى بيروت وداعمين «استحداث كانتون» لسعد حداد ووريثه لحد في جنوب لبنان بتغطية إسرائيلية ومنظّمين حرباً أهلية في 1975 لتنفيس صعود القوى الوطنية اللبنانية في الدولة وارتباطاتها بالفلسطينية.هناك تغييرات عميقة تشكلت بعد ذلك الوقت في العلاقات السياسية الداخلية، استناداً لسلسلة انتصارات سجلها حزب الله والقوى الوطنية اللبنانية في وجه «إسرائيل» من جهة والقيود التي كانت مفروضة عليهم من قبل النظام اللبناني.هذه التحالفات بين الحزب والقوى الوطنية لها ميزات متعددة، أولها أن مشروعه وطني غير طائفي وبالإمكان اعتباره عابراً للمحدودية اللبنانية لأنه جابه في آن معاً الكيان الإسرائيلي المحتل وطائفية النظام اللبناني، والدليل أنه لم يربط إنجازاته الكبيرة بأي مطالب داخلية.أما الإنجاز الثاني فيتعلق بتقليص أحجام القوى الطائفية المتنوعة في النظام اللبناني حتى أصبح هناك نظام طوائفي في السلطة، ومشروع نظام وطني في المجتمع، لكن المشروع الوطني لا يزال يصعد مقابل التراجع المستمر للنظام الطائفي.هذا ما استوعبته أحزاب القوات والمستقبل والاشتراكي ونفر غير قليل من القوى الشيعيّة، هؤلاء يحاولون استغلال جنون أميركي يحارب تراجع نفوذ بلاده بسلسلة آليات اقتصادية وعسكرية تضرب اليمن بقصف جوي غير مسبوق وتخنق إيران بكل ما يملك الأميركيون من إمكانات اقتصادية داخلية وخارجية، مثيراً مزيداً من الاضطرابات الدافعة نحو تفتيت العراق، معاوداً دفع الأمور إلى صدامات كبرى في شرق الفرات السوري وإدلب.كما اختزن للبنان خنقاً اقتصادياً بحصاره بحركتي الاستيراد والتصدير، ما أدى إلى جفاف مصارفه وفرار رساميلها وسرقة الودائع، واحتجبت الكهرباء وأقفلت التفاعلات الاقتصادية وغابت السياحة ما أدى إلى انتشار فقر صاعد غير مسبوق يهدّد بانفجار اقتصادي وسياسي.. وكياني أيضاً.

هذه الموجة هي التي يحاول الفريق الأميركي في لبنان ركوبها لضرب خطوة التوازنات في الداخل، فيعتقد جعجع ببساطة أن هذا الضغط الأميركي هو السبيل الوحيد لضرب الأدوار الداخلية والإقليمية لحزب الله، وخنق التيار الوطني الحر، وإبعاد نبيه بري عن رئاسة المجلس النيابي وتدمير الأحزاب الوطنية اللبنانية وإقفال الحدود مع سورية تمهيداً لفتح معبر آخر يربط لبنان بالخليج من خلال الكيان المحتل فالأردن والسعودية مباشرةً من دون الحاجة لاستعمال الحدود السورية والخدمات الاقتصادية للعراق.

بذلك يتماهى حلف جعجع – الحريري – جنبلاط مع المشروع الخليجي بالتحالف مع «إسرائيل» فينتمون إليه بما يجمع بين سياساتهم الموالية للأميركي السعودي الإسرائيلي وحاجتهم إلى المعونات الاقتصادية.

لكن المهم بالنسبة لهذا الفريق أن تنعكس ولاءاتهم الخارجية على مستوى تسليمهم السلطة في لبنان، وهذا يتطلب نصراً على حزب الله والقوى الوطنية وحركة أمل والتيار الوطني الحر وقوات المردة وبعض الأرمن والسنة المستقلين والدروز عند أرسلان ووهاب.

إن التدقيق بهذه الكتل، يكشف أنها تشكل أكثرية سياسية واجتماعية لبنانية بمعدلات كبيرة، وقد يحتاج إلحاق هزيمة بنيوية بها لحروب المئة عام.بما يعني أن الفريق الجعجعي ذاهب نحو طلب قوات أميركية وإسرائيلية مباشرة لغزو لبنان وضرب القوى المعادية للنفوذ الغربي الاستعماري وتسليم السلطة لـ»الحكيم».أليس هذا من باب فقدان الرزانة السياسية ولا يندرج إلا في إطار الثقة ووضع لبنان في مصير سوداوي؟

ما يجب تأكيده أن لبنان نموذج 2020 هو غير لبنان القديم الفرنسي، فالحالي منتصر على إسرائيل والإرهاب والقوات المتعددة، وقواه في حزب الله والقوى الوطنية وحركة أمل جاهزة للتعامل مع كل أنواع المخاطر، بما فيها الاحتلال الإسرائيلي الذي فرَّ مذعوراً في 2000 و2006، والأميركيون المتراجعون في معظم الشرق الأوسط، وفي القريب العاجل.. من لبنان.

وليد جنبلاط والصمود بوجه «الشموليّة الشرقيّة» ‏

Image result for ‫وليد جنبلاط كرتون‬‎

ناصر قنديل

أشار رئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ النائب السابق ​وليد جنبلاط​ في تصريح له عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​، إلى أننا «سنصمد بهدوء لكن بحزم، سنصمد في مواجهة ​التصحّر​ والتدمير وتغيير الهوية، سنصمد في مواجهة الشموليّة الشرقيّة دفاعاً عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، سنصمد أمام تسخير ​القضاء​ وتطويعه، سنصمد في مواجهة الاستيلاء على القرار الوطني اللبناني المستقل، سنصمد أياً كانت الصعاب ولن نستسلم». ومناقشة جنبلاط هنا هي مناقشة لمن يحاول منح البعد الفكري والثقافي لمعارك يشترك معه بخوضها آخرون، لا يجيدون فعل ذلك، فيأتي كلامهم دون مستوى السياسة، فيكون سوقياً مرات وطفولياً مرات، ومراهقاً أو غرائزياً أو فاضحاً للنيات أغلب المرات، ويبقى جنبلاط أثقفهم وأحذقهم فيستحقّ النقاش.

كلام جنبلاط يربط بلغة اللعب على العقل اللاواعي بين الشرق كوجهة جغرافيّة، وبين أنظمة الحكم الاستبداديّة في الذاكرة الإنسانية التي حكمته، فيستنبط معادلة الشمولية الشرقية، ويربط من جهة موازية الدعوة للتوجه شرقاً بمحاولة تغيير الهوية، ويعلن حرباً هادئة لكن حازمة، لحماية حرية الفكر والمعتقد من جهة والقرار الوطني المستقل من جهة مقابلة، فهل يستقيم الربط الأول والربط الثاني كي يستقيم الإعلان الوارد ثالثاً، واللعبة بين الظلال والضوء والمفردات والذاكرة، فالمنادى به عملياً هو التوجّه الاقتصادي نحو الصين، وبالتوازي التوجه للتعاون التجاري مع سورية والعراق، وليس مطروحاً على الإطلاق أن يكون ذلك على طريقة الانقلاب على العلاقات مع سائر الأسواق العربية والدولية، فما هي صلته بالشمولية وبتغيير الهوية وحرية المعتقد والفكر والقرار الوطني المستقل؟

الهوية التي يتحدّث عنها جنبلاط هي ضمناً العادات الاستهلاكيّة للفرد اللبناني التي تطبّعت على الأحادية الغربية، وربما تبقى كذلك. فالعالم كله مستغرق في هذه العادات، بغض النظر عن صحتها أم لا، الصين مستغرقة فيها، ولم تتغير هويتها كي تغيِّرنا، وفي أميركا بالتأكيد فإن كل الأميركيين يعيشون صرعاتها وصرخاتها، لكنها لم تشكل لهم هم هوية لتشكل لنا هوية نخشى عليها، وإلا علام ينفجر المجتمع الأميركي وتنتصب الحواجز بين مكوّناته وتسقط مشاريع الاندماج على جدار العنصرية، إن لم يكن على صراع هويات لم يحسم أمرها، ماكدونالد ولا هوليوود ولا البوب والجاز والجينز، فأي هوية ستغير فينا المتاجرة مع الصين أو التوجّه لاستقطاب شركاتها نحو إقامة مشاريع سكك حديديّة وتطوير مرافئ وإقامة مدينة لصناعة المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وهل غيّر اعتماد مرفأ بوسطن ومثله مرفأ أمستردام على الشركات الصينية هوية الدول الغربية؟ وهل غيّرت تفاهمات الجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصالات بين شركة هواوي الصينية والدول والشركات الغربيّة هوية أحد؟

السؤال عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، إيحاء بنظام اقتصادي سياسي ثمة من يسعى لاستيراده إلى لبنان، ومعه الإيحاء بمخاطر على الاستقلال الوطني والقرار الوطني المستقل، والاشتغال هنا يتم على ربط رموز إيحائية ببعضها، فصاحب الدعوة هو حزب الله، الملتزم بولاية الفقيه، التي تشكل قاعدة الحكم في إيران، والقضاء الذي يجري التأشير نحوه، هو القاضي محمد مازح بعد قراره الخاص بتصريحات السفيرة الأميركيّة، ولكن لعبة الترميز هذه تسقط بمجرد نقلها من العتمة إلى الضوء، ومفتاحها تفكيك قضية القاضي مازح و”مشروع حزب الله” لمصادرة حرية المعتقد، وحكاية القرار الوطني المستقلّ المهدّد من تجارة مع الصين، وليس من تحكم استبدادي لا يسري على دول حلف الأطلسي، تفرضه واشنطن ويطيعها سياسيون لبنانيون ويرفعون التبعية الذليلة للفيتو الأميركي إلى مرتبة نظرية الشرف الوطني.

السؤال البسيط في قضية القاضي مازح هو، إذا كان حزب الله وراء موقف القاضي مازح في مسعى تهديد الحرية وتسخير القضاء، فقد أسقط بيد القاضي مازح من قلب مؤسسة الدولة، فهذا يعني أن حزب الله أضعف من أن يمثل قوة قائدة للدولة، وهذا يتكرّر معه بمثل ما جرى في قضية تهريب العميل عامر فاخوري، وإذا كان حزب الله قوياً وقادراً لكنه لم يفعل شيئاً لترجمة توجهات مخالفة لما انتهت عليه الصورة، فهذا يسقط مبرر الخوف المزعوم من وجود مشروع لتسخير القضاء ومصادرة حرية الرأي والفكر والمعتقد، حتى عندما يكون الرأي والفكر هما العمالة والإجرام بعينهما، كما هو الحال في قضية الفاخوري. أما حكاية القرار الوطني المستقل، فهي بالضبط ما تنشده الدعوة للتوجّه شرقاً، لأن الخضوع للحملة التي تنظمها الدبلوماسية الأميركية ضد تطوير العلاقات مع الصين، والعقوبات التي تفرضها على العلاقات مع سورية، هي بعينها مصادرة القرار الوطني المستقل، أليس لافتاً أن دولاً في حلف الأطلسي كتركيا تتجرأ على تنويع مصادر سلاحها، خلافاً لمقاصد التهديدات الأميركية، وتشتري من روسيا منظومة دفاع جويّ، قالت لها الدراسات العسكرية انها الأفضل، وهو وضع يشبه حال لبنان المنتهك عسكرياً كل يوم بجولات طيران جيش الاحتلال، لكن الفارق أن في تركيا يتفوق القرار الوطني المستقل، وفي لبنان يتفوّق الخضوع، وقد سمعنا سياسيين كباراً يحذرون من تنويع سلاح الجيش اللبناني، ومنهم جنبلاط نفسه، دفاعاً عن القرار الوطني المستقل!

يبقى موضع التوجّه نحو سورية، وهو أمر يدرك جنبلاط القارئ الجيد لتاريخ لبنان، أنه جزء مكوّن ملازم وتأسيسيّ في كل نقاش سياسي بعيد عن النرجسية والعقد والحسابات الضيقة والأحقاد، فالجغرافيا مستبدّة كما يقول بسمارك وصانعة للتاريخ كما يقول نابليون بونابرت، ولبنان في الجغرافيا غارق في حضن سورية، وتاريخ لبنان يقول في السياسة سلماً وحرباً بحثاً عن حليف يحمي أو عن وسيط يصالح ويرعى، وفي الاقتصاد هرباً من الجوع أو طلباً للازدهار، وفي الاجتماع الإنساني بحثاً عن الملجأ أو تشبيكاً في العائلات، كانت سورية دائماً هي الوجهة الحتمية للبنانيين، ففي السبعينيات قصدتها القيادات المسيحية عندما شعرت بخطر داهم، وفي الثمانينيات قصدها جنبلاط عندما استشعر الخطر، وفي المرتين قصدها الجميع اقتصادياً واجتماعياً كملجأ من الحرب والحصار الناجم عن تداعياتها. وهذه الحقيقة الجغرافية تاريخية، كانت وهي قائمة وستبقى.

الأمر ببساطة أن هناك من حيث يدري أو لا يدري، يواكب نغمة يريد لها الأميركيون أن تسود بين اللبنانيين، نموت في الظل الأميركي ولا نمد يدنا طلباً لشربة ماء، والأميركي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل علينا، ويخاطبنا بلغة “رماه في اليم مكتوفاً وقال له إياك ثم إياك أن تبتل بالماء”، أو “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل وكول وشباع”، بينما المطلوب ببساطة الانفتاح بلغة مشتركة بين اللبنانيين على صمود من نوع مختلف عن الذي تحدّث عنه جنبلاط، صمود بوجه الجائحة الاقتصادية، بمبادرات ومشاريع ورؤى، لا تنتمي لمشاريع تهدد القرار الوطني المستقل وتمسّ السيادة فعلاً، وكل إقفال لمنافذ التنفس على اللبنانيين يهدف لخنقهم على طريقة جورج فلويد، الذي صرخ لا أستطيع التنفس، والتوجه شرقاً مشروع تنفس لأجل الصمود. هو بالمناسبة بعض بسيط من دعوات تاريخيّة للمفكر الكبير الراحل كمال جنبلاط، الذي وجد في سحر ثقافة الشرق شيئاً آخر غير الشمولية.

فيديوات متعلقة

مواضيع متعلقة

الحريري وموازين الربح والخسارة في لقاء بعبدا

ناصر قنديل

فيما يجنح النائب السابق وليد جنبلاط نحو ترميم البيت السياسي الداخلي لطائفته، ويضمن إغلاق النوافذ أمام الاختراقات، أو أمام الاستثمار على الخلافات لجعلها مدخلاً لتصفية حسابات في ظل سعي موازٍ بتنظيم العلاقة برئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر، على قاعدة عنوانها الفصل بين الوطني والسياسي، فيسلّم الراية لرئيس مجلس النواب نبيه بري لهندسة الخطوتين، فإن جنبلاط يضع أمامه خطورة المرحلة وما يرد من معلومات عن وجود مخططات للعبث الأمني، بالتزامن مع قراءة لاتجاه الوضع الاقتصادي والاجتماعي نحو المزيد من التأزم، مستنيراً بصورة ثنائي حزب الله وحركة أمل، أملاً بتحقيق بعض التعاون والتبريد والتهدئة للعصبيات الحزبية في الجبل، رغم صعوبة وجود أرضية سياسية تجمعه بالنائب طلال أرسلان كالتي تجمع الثنائي، تتيح بلوغ مراتب التنسيق لضبط الشارع والجغرافيا في أداء الثنائي.

المسعى الذي ترجمه الرئيس بري في جمعه لجنبلاط وارسلان، يشكل مشروعاً كاملاً لديه، لمحاولة وضع الخلافات السياسيّة في إطار يحمي الساحة من الاختراقات، ولا يرمي لإنهائها أو لجعل أحد الفريقين رابحاً والثاني خاسراً. فالوضع خطير ويزداد خطورة، وما سيجعل الانهيار كارثياً هو أن يتلاقى الضغط الاقتصادي مع توترات سياسية تتحول طائفية ومذهبية وحزبية، ثم يفاجأ الجميع بلاعب أو بلاعبين جدد يدخلون الساحة من بوابة الخلافات والفوضى وفقدان السيطرة، ولذلك سعى بري لإقناع من يستطيع إيصال صوته إليهم بأهمية المشاركة في لقاء بعبدا، الذي لا يجوز النظر إليه كسياق لإلغاء المعارضة، بل لمشاركتها في خطة تحصين تتيح للصراع السياسي أخذ مساحة التأثير اللازمة، في مناخ صحي غير قابل للتفلت، ويبقى تحت السيطرة.

الرئيس سعد الحريري يشكل الحلقة الأهم في مسعى بري، لكن الحريري يعتقد، كما بعض أوساطه، أن مشاركته خسارة كاملة له وربح كامل لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اللذين يعتبرهما الحريري الخصمين الراهنين، فيختلط في الحساب مصطلح الخصومة بمصطلح القطيعة، ويمكن النظر لهذه الرؤية كتعبير عن استجابة لاواعية لمناخ شعبوي عنوانه إسقاط العهد والحكومة، وكأن الأمر وارد وراهن وممكن وفي الطريق، ويأتي اللقاء في بعبدا فيجهض كل شيء؛ بينما يعلم الحريري ومستشاروه، أن الأمر الوارد حدوثه قبل بلوغ لحظة فاصلة نحو إسقاط الحكومة وبعدها العهد، هو إسقاط زعامة الحريري نفسه، لأن المشروع الذي يملك مقدرات وأجهزة مخابرات وأموالاً، تحت عنوان إسقاط الحكومة والعهد يدرك استحالة تحقيق المهمة، فيكتفي منها ببلوغ مرتبة متقدّمة من الفوضى، ويكتفي من الفوضى بالسيطرة على شمال لبنان، ومن السيطرة على شمال لبنان تكفيه نهاية الزعامة الحريريّة، والحريري يدرك بالتفاصيل مضمون هذا الكلام.

التهدئة السياسية، وسحب المناخات المتوترة تجهض المشروع الواقف وراء الباب، وتمنح اللاعبين المدعوين إلى بعبدا فرصة الربح المتبادل، بقطع الطريق على مشاريع مموّلة من الخارج لإنتاج زعامات بديلة، او تعويم زعامات سابقة أصابها الضعف، أو التهميش، ولهذا يفكر الجميع بإقفال الأبواب أمام هذه الفرص، ومعها يسعى بري لإقفال الأبواب أمام الفتن. والفتن ليست فقط مذهبية، بل داخل المذهب الواحد، وليست محصورة بمنطقة وطائفة، بل هي تستهدف كل المناطق والطوائف، لكن ما بات منها قيد التشغيل هو ما يعدّ للعائلة الحريرية، وما يقطع الطريق عليه شيء واحد، اسمه الحصانة الوطنية، التي لا يوفرها لقاء رؤساء الحكومات السابقين، حيث واحد منهم لا حول ولا قوة، وآخر ينتظر ساعة سقوط الحريريّة ويفتح القنوات مع بدائلها الشمالية ورعاتهم لاستثنائه من الاستهداف، وثالث يمهّد للحريري طريق السقوط أملاً بالوراثة.

«قيصر» فرصة ذهبيّة للإنقاذ؟ سفير دولة عظمى: واشنطن تريد خنق لبنان!‏

محمد حميّة

يُغلِف الأميركيّون توجهاتهم التدميرية للدول المناوئة لسياساتهم في المنطقة والعالم بمصطلحات تخدع الرأي العام للدولة المستهدفة والرأي العام العالمي.

فإطلاق مصطلح «قانون» على خطة عقوبات جائرة على الشعب السوري الخارج من حرب كونية منذ حوالي العقد، هو ذروة التضليل وتجميل لصورة الأميركيين لدى الشعوب لتحريضها على حكوماتها ودولها. وعندها يحلُ الانقسام وتقعُ الفتن الداخلية وتضعفُ الدولة لصالح الأحزاب والمذاهب والطوائف والقوميات، ما يتيحُ للأميركيين الانقضاض على الدولة والتحكم بقرارها السيادي والسيطرة على ثرواتها الحيوية المتنوّعة. فالقوانين عادة تهدف الى تنظيم المجتمعات وتطويرها وليس تدميرها وخنق شعوبها!

وهذا ما يحصل في سورية بفرض «قانون» العقوبات الأميركي «قيصر» بإيهام الشعب السوري بأن الهدف معاقبة النظام السوري ودفعه الى وقف جرائمه بحق السوريين، علماً أن الحرب العسكرية في سورية انتهت منذ عامين تقريباً مع بقاء بعض المعارك المجزأة في الشمال والشرق السوريين، فعن أي جرائم يتحدث الأميركيون؟

وهذه السياسة تسري أيضاً على لبنان، حيث يخضع الموقف الرسمي فيه منذ عقود للوصايات المتنوعة وللخضوع، فتوهِم الادارة الأميركية الشعب اللبناني بأنها تعاقب حزب الله، لكونه المسؤول، بحسب زعمها عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهها البلد وبسبب تمسكه بسلاحه ودوره في الإقليم. لذلك تريد واشنطن إقناع اللبنانيين بأن إلحاق حزب الله في دائرة «قيصر» سيدفع الحزب الى رفع قبضته عن الدولة ما يؤدي الى ازدهار وانتعاش اقتصادي في لبنان.

أما الأهداف الخفيّة لهذه السياسة، فتكمن في الاستمرار بسياسة حصار لبنان وتجويع شعبه تمهيداً لإخضاعه للشروط الأميركيّة الاسرائيليّة لا سيما في ملف الحدود البحرية. والملاحظ تسخين الساحة اللبنانية منذ 17 تشرين الماضي توازياً مع تقدم المشروع الأميركي الاسرائيلي الخليجي الجديد للمنطقة المتمثل بـ»صفقة القرن»، وذلك لنفاد الوقت أمام تمرير هذا المشروع قبيل نهاية ولاية الرئيس الأميركي الحالي.

وتُترجم هذه السياسة اليوم في الساحة اللبنانيّة عبر جملة وسائل وتكتيكات:

تصويب المسؤولين الأميركيين على فساد السلطة السياسية الحاكمة عقوداً وذلك لتسييلها بإثارة الشعب ودفعه للنزول الى الشارع والتحكم بشعاراته وحركته واتجاهاته عبر مجموعات تدُسّها واشنطن بين المتظاهرين لتوجيههم نحو الأهداف التي تريدها ووضع الشعب في وجه حزب الله… وألم تكن تعلم أميركا بأن السلطة فاسدة؟ فكيف تعاملت معها كل هذا الوقت؟

إثارة جملة أحداث وتوترات أمنية في الشارع لخلق فتن اجتماعية واستحضار الفتن الطائفية والمذهبية وابتزاز الطبقة السياسية بحركة الشارع لإبقائها تحت إمرتها.

استخدام سلاح الدولار لتقويض الاقتصاد وإفقار كل الشعب بهدف تجويع بيئة المقاومة لدفع قيادة الثنائي أمل وحزب الله للتنازل في الملفات السيادية. وهذا ما كشفه السيد حسن نصرالله أمس الأول بأن أميركا تمنع وصول الدولار الى لبنان وتسعّر الفتنة… سياسة أميركية وصفها الدبلوماسي الأميركي البارز جيفيري فيلتمان خلال أحداث 17 تشرين بالفاشلة وأيّده بذلك النائب السابق وليد جنبلاط. وهنا تكشف أوساط مطلعة على مراهنة بعض الأحزاب السياسية على أن تسقط الحكومة بضربة «قيصر» وسيف الدولار!

تحريك أدواتها الداخلية لفرملة وعرقلة عمل الحكومة والاتفاقات والحلول، كان آخرها اتفاق تخفيض سعر الصرف مع المصرف المركزي فاستنفرت واشنطن أدواتها السياسية و»مافياتها» في قطاعي المصارف والصيرفة لنسف الاتفاق.

فالخطة الأميركية إلهاء لبنان بعملية المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، كي ينام لبنان على حرير مساعدات «الصندوق» وتعطيل أي توجّه لحلول أخرى ويجري التذرّع ببعض الأسباب المموّهة لتمديد المفاوضات كالخلاف بين المصرف المركزي والحكومة والمصارف على أرقام الخسائر. وبعد مرور ستة أشهر أو أكثر تحدث الصدمة بإحجام الصندوق (ليس سوى أداة مالية أميركية لفرض الوصاية السياسية) عن تقديم المساعدات بحجج واهية، وحينها يوضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مرُ: الخضوع لشروط الصندوق المالية والسياسية والأمنية والعسكرية أو الانهيار الكامل والشامل وما ينتجه من مفاعيل الجوع والفوضى الاجتماعية والاقتتال في الشوارع وذلك بعد تدمير آخر قلاع الصمود النقدي أي البنك المركزي باستنزاف احتياطاته.

فماذا يفعل لبنان حينها؟ ليس أمامه أي خيارات بديلة سوى الخضوع ويكون الأميركيون انتزعوا من لبنان بالاقتصاد ما عجزوا عنه بالحروب العسكرية، وبالتالي لن ينتظر محور المقاومة لحظة السقوط النهائي مكتوف الأيدي ما يعني أن الحرب هي أهون الشرور، بحسب ما تؤكد مصادر عليمة. فالشعب السوريّ وصل الى درجة الجوع لكنه بقي على كرامته وكذلك الشعب اللبناني منذ 17 تشرين حتى الآن، لكن المعروض اليوم أميركياً هو الجوع مع الذُل؛ وهذا لن يمر، تجزم المصادر.

وفي خضم هذه الحرب المفتوحة هل يمكن المواجهة من خلال تحويل «قيصر» الأميركي الى فرصة لإنقاذ لبنان؟ لا سيما أن تداعيات القانون السلبية على لبنان أشد بأضعاف من تداعياته السورية، كما قال السيد نصرالله لكون سورية تشكل رئة لبنان الوحيدة وبالتالي حرمانه من التجارة المباشرة والترانزيت واستجرار الكهرباء والمشتقات النفطية والمشاركة بإعادة الإعمار وحل أزمة النزوح… فهل تبقى بلاد الأرز على قيد الحياة بلا رئتها؟ وهل يمكن الركون الى معادلة أميركيّة قوامها لن نعطيكم المال وننقذكم إلا بشروط قاسية مذلة، ولن نسمح لكم البحث عن موارد وحلول أخرى في دول أخرى!

قرار المواجهة بالوسائل كافة اتخذه محور المقاومة وعبر عنه السيد نصرالله في خطابه الأخير، فحزب الله بحسب مطلعين على موقفه كان يتريّث بقرار الانفتاح على سورية والتوجه شرقاً اقتصادياً، بسبب الضغوط الأميركية الخليجية على الحكومة السابقة وعدم إحراج الحكومة الحالية طالما لم تتخط أميركا الخطوط الحمر الاقتصادية، لكن بعد «قيصر» والتمادي الأميركي بحربها الاقتصادية غير ما قبله. فالتوجه هو لاستخدام العقوبات الجديدة حجة وتحويلها الى فرصة لاتخاذ القرار بالتوجّه الى الشرق ومواجهة ردود الفعل مهما كانت أثمانها. فالمعركة الاقتصادية بالنسبة لحزب الله تساوي الآن الحرب العسكرية مع «اسرائيل» والارهاب باختلاف أدوات المواجهة. والملاحظ توقيت خطاب السيد عشية دخول قيصر حيّز التنفيذ!

أما المواقف السورية والإيرانية والروسية فتتلاقى مع فحوى رسائل السيد نصرالله للأميركيين، وحديث الأمين العام للحزب كان محل متابعة واهتمام شديدين وثناء وتأييد سفير دولة عظمى في لبنان تحوز على دور أساسي في المنطقة، حيث أكد السفير لـ»البناء» أن «الأميركيين يريدون خنق لبنان عبر السياسات التي يتبعونها على الصعيد السياسي والمالي والاقتصادي ويستخدمون الدولار كسلاح لفرض أهدافهم في المنطقة والتحكم بسياسات الدول، معرباً عن خشيته حيال الوضع اللبناني وإزاء النيات الأميركية تجاهه، مشيراً إلى أن «الحرب على لبنان جزء من الحرب الأميركية على دول المنطقة والعالم»، مشدداً على «ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان والاستقرار والتماسك مع سورية وبقاء الحكومة وتفعيل عملها لمواجهة العاصفة».

أما الإشارة البالغة الأهمية فهي أن حديث السيد نصرالله جاء بعد ساعات على زيارة وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى موسكو وتركيا والبيان الصادر عن موسكو بدعم الاقتصاد السوريّ، ما يعزز الربط بين اللقاء الروسي – الإيراني وكلام السيد نصرالله الذي ظهر وكأنه يتحدّث باسم المحور من موسكو الى بيروت مروراً بطهران وبغداد ودمشق وصنعاء. فمواجهة «قيصر» تكون بمزيد من الاتحاد بين دول المنطقة ومحور المقاومة وتشابك الجبهات الاقتصادية والعسكرية.

أما السؤال: هل علينا أن ننتظر اقتحام جيل من «القياصرة» دولنا وشعوبنا حتى ننتفض، ويكون الأوان قد فات!

%d bloggers like this: