توازن العالم في عين العاصفة أميركا بين الوجود واللا وجود

محمد صادق الحسيني

ماذا يجري في دهاليز السياسة الأميركية، على خلفية مقتل المواطن الأميركي ذي البشرة السوداء جورج فلويد خنقاً..!؟

ماذا يحضّر لمستقبل أميركا خلف الستار على عتبة استحقاق الانتخابات الرئاسية..!؟

هل يحضّر أمرٌ ما لن تظهره الشاشات الآن بسبب غبار معارك الشوارع بين الـ «انتيفا» والقوى الخفية ذات اليد العسكرية الطولى التي تخرج من بين عسكر أميركا..!؟

هل يخرج ترامب بطلاً قومياً من هذه المعارك ليعود العسكر فارضين شروطهم عليه ليتخلى عن شعاراته الانتخابية في العام 2016 أم يُطاح به ليتسلّم العسكر الحكم مباشرة وتتحوّل أميركا الى جمهورية موز، ومن ثم تبدأ رحلة تفكّك الفيدرالية والانقسام والحرب الأهلية وزوال القوة العظمى الأميركية على وقع تغريدات وخطوات «أبو ترامب البغدادي» العنصرية والمتوحشة، فيكون ترامب غورباتشوف أميركا في قرن أفولها وانقراضها..!؟

هذه الأسباب وغيرها في القراءة التالية:

اياً تكن أسباب تفجر المظاهرات الاحتجاجية، منذ ما يقارب الأسبوع، في الولايات المتحدة، وبغضّ النظر عن السبب المأساوي المباشر لذلك، أيّ مقتل الشاب الأسود جورج فلويد، وبنظرة موضوعية لا بدّ من التأكيد على ما يلي:

أولا ـ هناك قوى عميقة (ليست الدولة العميقة بالضرورة)، تحكم الولايات المتحدة، لها مصلحة في تصعيد المظاهرات وتسعير الصدامات والعمل على تحويل المواجهات الى مواجهات مسلحة.

ثانيا ـ لا يعني هذا الكلام تعارضاً مع الحقوق المشروعة، والمكفولة في الدستور الأميركي، لهؤلاء الأميركيين بالتظاهر والتعبير السلمي عن مطالبهم العادلة، لا بل الدستورية. ونعني بالدستورية هنا حق المواطن الأميركي من اصول افريقية في المساواة الكاملة والشاملة مع المواطنين البيض في البلاد.

ثالثا ـ وعليه فإن مطالب المتظاهرين الحاليّة، اي المطالبة بالعدالة، لا ترتقي الى مستوى حقوقهم الدستورية. تلك الحقوق (المساواة العملية بين الابيض والاسود) التي تجب المطالبة بتغيير أسس النظام الحاكم من أجل تحقيقها على ارض الواقع. وهذا يعني ضرورة إنهاء التقاسم الحزبي، بين الجمهوريين والديمقراطيين، للحكم في أميركا من دون إجراء اي تغييرات تذكر في مجال حقوق الانسان. اذ لا مساواة في ظل الطائفية السياسية السائدة في الولايات المتحدة والتي تشكل الضمانة الموضوعية لسيطرة العرق الأبيض على كل مفاصل الدولة وتفاصيلها.

رابعا ـ لكن مأزق القوى أو الطبقات المسحوقة في الولايات المتحدة، المواطنون من أصول افريقية وجنوب أميركية، يتمثل في عدم وجود تنظيم سياسي او حزب سياسي، يمثلهم ويقود نضالهم. وهذا يعود لما ذكرناه آنفاً، من الدكتاتورية السياسية، التي يفرضها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، والتي هي أقرب ما تكون الى ديكتاتورية الطوائف التي نعرفها في بعض دول العالم الثالث وفي المملكة المتحدة (حكم البروتستانت ضد كاثوليك أيرلندا).

خامسا ـ خاصة انّ ما يتصدّر الاخبار والمعلومات المتداولة، حول القوى التي تحرك هذه الاحتجاجات، هو الحديث عن منظمة انتيفاAntifa ، والتي أعلنها الرئيس ترامب منظمة إرهابية، ما يثير الانطباع بأنها منظمة ثورية تحمل برنامجاً سياسياً يهدف الى إحداث تغيير جذري في الولايات المتحدة. بينما الحقيقة هي غير ذلك تماماً.

سادساـ لذا فإنّ توضيح ماهية هذا المسمّى ضروري جداً، من اجل فهم خلفياته وآفاقه وقدراته، وحتى إرادته في التغيير. فهذا المسمّى ليس حزباً سياسياً ولا منظمة سياسية عسكرية، كالجيش الجمهوري الأيرلندي مثلاً، بل انها مجموعة من التنظيمات الشبابية والطلابية الصغيرة المبعثرة على كل اتجاه سياسي، من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، والتي لا تملك لا عقيدة موحدةً ولا برنامجاً سياسياً موحداً ولا خطط عمليات موحدة.

سايعا ـ وهي تنظيمات منتشرة في اوروبا وأميركا بشكل خاص، ومنذ بداية عشرينيات القرن العشرين، إثر استيلاء بيتينو موسوليني وحزبه الفاشي على الحكم في إيطاليا سنة 1922، وما تلا ذلك من محاولات لصعود القوى اليمينية المتطرفة في اوروبا الى الحكم، كمثل أدولف هتلر الذي حاول تدبير انقلاب عسكري للاستيلاء على الحكم في المانيا، وكذلك تحرك الجنرال فرانكو لقيادة القوى الفاشية في اسبانيا والجنرال سالازار في البرتغال…

كل ذلك دفع الى نشأة هذه الحركة، التي رفعت شعارات معاداة الفاشية والتطرف والنازية، وكانت لها فروع ونشاطات في فلسطين، الواقعة تحت الانتداب البريطاني آنذاك. ولكن ما كان يجمعها بالتنظيمات الموجودة في اوروبا هو شعار «التضامن مع إسرائيل» والتي لم تكن موجودة في تلك الحقبة.

ثامنا ـ إذن فما يطلق عليه اسم «أنتيفا» حالياً ما هو الا مظلة لمجموعات، تسمّي نفسها يسارية، تموّلها وتحركها، في حقيقة الأمر حالياً، القوى الخفية التي تحكم الولايات المتحدة الأميركية. وهي لا تزال ترفع شعار التضامن مع «إسرائيل» وتعتبرها «البقرة المقدّسة»، التي تجب رعايتها وتسمينها.

تاسعا ـ أما عن علاقة ذلك بما يدور حالياً من احتجاجات في الولايات المتحدة فتتمثل في أن القوى الخفية، التي تحكم هناك، وبرغم عدم ظهور أي دور واضح لها، الا انها تعمل على استغلال هذه التحركات الجماهيرية العادلة لمصلحة ممثله (القوى الخفية) الجالس في البيت الابيض، وذلك من خلال حملة التصعيد التي ينفذها ترامب والهادفة الى عسكرة المواجهات بهدف:

أ) إظهار نفسه كرئيس قوي، قادر على ضبط النظام والوقوف في وجه «المنظمات اليسارية» التي تعمل ضدّ مصالح الولايات المتحدة، حسب رأيه، وذلك في محاولة لإعادة تحشيد انصاره، من العنصريين البيض، بعد الأضرار التي لحقت بصورته بسبب فشله في ادارة ازمة كورونا داخلياً وفشله في ادارة التوتر مع الصين خارجياً، مما جعل جمهوره من المزارعين يتعرضون لأضرار وخسائر كبيرة، اثر قيام الصين بإلغاء العديد من صفقات المنتجات الزراعية التي كانت ستستوردها من الولايات المتحدة.

ب) تأجيج الصدام الداخلي، بشكل يوصله الى الصدام المسلح، وذلك بهدف تأجيل الانتخابات الرئاسية القادمة، اذا ما اتضح لترامب والقوى الخفية التي تدعمه انه لن يفوز في هذه الانتخابات.

وهذا يعني أن خطابه العنصري وتصرفاته الرعناء مدروسةً بعناية ومخطط لها بدقة وتهدف الى خلق الظروف المناسبة لإعادة انتخاب ترامب، وتحويله الى اداةٍ في ايدي تلك القوى الخفية، من أجل استغلاله لتنفيذ مشاريعهم العدوانية العسكرية، سواءً ضد الصين وروسيا او ضد إيران ومحور المقاومة. خاصة أنّ هذه القوى هي من المتطرفين الإنجيليين، المحافظين الجدد، الذين تربطهم مصالح عقائدية ومالية كبيرة مع الدوائر اليهودية التي تدعم نتن ياهو في الولايات المتحدة، والتي لا تتوانى عن إشعال الحروب، خدمة لمصالح تجمع الصناعات العسكرية الأميركية.

عاشرا ـ وفِي اطار التصعيد الكلامي والعملي، من قبل ترامب، والمُشار إليه أعلاه، فإنّ مرافقة رئيس هيئة الاركان العامة للجيوش الأميركية، الجنرال مارك اليكساندر ميللي للرئيس الأميركي، في زيارته البائسة لكنيسة يوحنا بولص الثاني، في واشنطن، وإن لم يظهر الجنرال ميللي في الصور إلا انّ آلاف الأميركيين قد شاهدوه هناك بالعين المجردة. وبالتالي فإنّ وجود الجنرال ميللي مع ترامب قد أجّجَ موجة الغضب العارمة، التي اجتاحت الاوساط الأميركية، رفضاً واستنكاراً لاستغلال ترامب للدين والمشاعر الدينية الإنسانية للمواطنين الأميركيين، لما لذلك من معانٍ، لا يمكن التستر عليها.

ومن بين أهمّ معاني حضور هذا الجنرال، الرفيع المنصب، ما يلي:

ـ تهديد رئاسي مباشر للمواطنين، الذين تمّ اجلاؤهم بالقوة من محيط الكنيسة، باستخدام القوة العسكرية للجيش الأميركي لقمعهم بإحباط تحركاتهم ومنعهم من ممارسة حقهم الدستوري في التعبير عن الرأي، ما يعتبر تعدياً على الدستور وحقوق الانسان يستوجب محاسبة مرتكب هذه الجريمة ومن تواطأ معه في ارتكابها (الجنرال ميللي) وتقديمهم للمحاكمة، حسب ما تنص عليه القوانين الأميركية.

ـ تحريض الرئيس ترامب، من قبل القوى الخفية الحاكمة في واشنطن، على اتخاذ المزيد من خطوات التصعيد ضد المتظاهرين، وذلك عبر الإيحاء له وللرأي العام الأميركي، بان الجيش يساند ترامب، في ما يتخذه من اجراءات قادت البلاد الى حالة غير مسبوقة من الانقسام والحقت أضراراً كبيرة بمصالح الولايات المتحدة وسمعتها الدولية وأظهرتها كدولة دكتاتورية تمارس أقسى درجات العنف ضد مواطنيها من دون أي مبرر لذلك.

وهو الأمر الذي يظهر نفاق الإدارة الأميركية الصارخ، اذ انها تتهم كل دول العالم تقريباً، بعدم احترام حقوق التعبير عن الرأي وتطالبها باحترام تلك الحقوق. ولكن شرطة ترامب «التي تحترم حقوق الإنسان»، قد داست رقبة المواطن الأميركي حتى قتلته خنقاً، مع ما يرافق ذلك من ألم وتعذيب لا يمكن تخيّل شدته. وهذه جريمة إضافية يجب ان يحاكم الرئيس الأميركي على ارتكابها، ليس فقط بصفته رأس الدولة، وانما بصفته مقصّراً في اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة، التي كان يجب ان تحول دون وقوع جريمةً مروعة كهذه.

من الآن حتى عشية الانتخابات الأميركية المرتقبة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ستظلّ عيون العالم شاخصة الى واشنطن عاصمة الدولة الأعظم في العالم سابقاً والقوى الخفية التي تحاول الانتقام لهزيمة أميركا على أبواب بلاد الشام وبلاد الرافدين وأسوار صنعاء وتخوم إيران الثورة والاسلام ورجال الله في فلسطين ولبنان من معالوت الى إيلات ومن الجولان الى الجليل الى غزة وكل شبر من الضفة الغربية التي ساهم أهلها الصابرون والمحتسبون إلى جانب بحر أهلهم العرب والمسلمين في تهشيم وتقزيم جسم الإمبريالية الأميركية وتحويلها الى نمر من ورق..!

حتى ذلك اليوم نقول:

‏من كان يعبد أميركا وجبروتها فإنّ أميركا في حالة احتضار

‏ومن كان مخزّناً دولارات عليه أن يستبدلها بالتومان ‏أو الروبل أو اليوان…

‏هو الله الحيّ الذي لا يموت.

‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

‏بعدنا طيّبين قولوا الله…

الغياب التدريجي للعصر الأميركي أصبح قريباً

د. وفيق إبراهيم

غياب الدول يبتدئ بمؤشرات وهنٍ تظهر بشكل تدريجي ككل كائن، فتفتك بصاحبها حتى يتولاه التاريخ ويسجنه في صفحاته الصفراء.

هكذا حال الولايات المتحدة الأميركية التي تسطع منذ 1945 وتضع يدها منذ ثلاثة عقود على العالم بأسره بما يحتويه من سياسة واقتصاد وثقافة.

هذه الإمبراطورية تتعرّض اليوم لانتفاضة ضخمة من أقلياتها السوداء التي تشعر بغبن جراء ثقافة عنصريّة تشكل اساس النظام التاريخي الأميركي مع حرمان اقتصادي يجمّدها في أسفل السلم الاجتماعي وتدهور إضافي بسبب جائحة كورونا أوصل العاطلين عن العمل الى 50 مليوناً تقريباً.

لكن هذه الانتفاضة السوداء تتوسّع بأعمال عنف تضرب عشرات الولايات وتتسبب بأضرار مادية مع سقوط قتلى اغتالهم مجهولون لإثارة الهلع في صفوف المتظاهرين، هؤلاء يتّجهون الى تصعيد “انتفاضتهم” وتزويدها بشحنات سياسية قوية عنوانها ما فعلوه بحصار البيت الابيض الأميركي مقر الرؤساء، ومنهم بالطبع الحالي دونالد ترامب الذي يبدو مذعوراً يهدّد المتظاهرين بالكلاب والجيش.

هناك عنصر ثانٍ يدعم انتفاضة الأقليات السوداء وهم ذوو الأصول اللاتينية الذين بدأوا ينخرطون في الحركات الاحتجاجيّة الى جانب كتل وازنة من الأميركيين البيض يسجلون بدورهم استياءهم من سياسات ترامب التي يصفونها بالحمقاء المدمّرة للدولة.

إن انهيار الإمبراطوريات يحتاج عادة لتضافر عوامل داخلية وخارجية. وهذا ما يجري تماماً على الصعيد الأميركي.

خارجياً تتعرّض القطبية الأحادية الأميركية لمنافسة بنيوية عميقة مع نظام اقتصادي صيني نجح في مدة بسيطة من التهام قسم هام من اسواق العالم بوسائل جاذبة قامت على رخص سعر السلعة وجودتها مع الاستفادة من نظام العولمة الذي فتح الحدود السياسية للدول امام التبادلات التجارية.

كان المعتقد أن العولمة سلاح أميركي للمزيد من هيمنة الاقتصاد الأميركي على العالم، وبالفعل هذا ما حدث إنما بمشاركة صينية يابانية وألمانية أدّت الى تراجع الاقتصاد الأميركي نسبياً.

الملاحظ هنا أن هناك تزامناً بين الخارج والداخل في دفع الهيمنة على الأسواق، هذا ما يصيب ترامب بالجنون، فيبدأ بتحميل الصين وزر الكورونا والسطو على الاختراعات الأميركية والاعتداء على هونغ كونغ ودعم كوريا الشمالية ومحاولات التحرش ببوارج أميركية في بحر الصين الجنوبي، لكن ما يطالب به برامب يفضح ما يريده وهو وقف تدفق السلع الصينية الى أسواق بلاده أولاً وتحالفاتها ثانياً. وهذا يعني تسديد ضربة قاتلة للاقتصاد الصيني.

قد يعتقد البعض ان القوة النووية الأميركية كافية لإرهاب الصين، لكن الكرة الأرضية لا تحتاج الى آلاف الاسلحة النووية الأميركية لتدميرها، لربما فإن ما تملكه الصين من أعداد قليلة منها أكثر من كافية لإثارة الذعر الأميركي والابتعاد عن اللجوء إليه.

كذلك فإن الروس عادوا الى التمدد الاستراتيجي في دول تشكل بالنسبة إليهم رؤوس جسور لعودتهم الى فضاءاتهم السوفياتية السابقة.

أما الضربة الثالثة فهي كورونا التي شلت الاقتصاد الأميركي بحركتيه الداخلية والخارجية، وأنتجت حتى الآن خمسين مليون عاطل عن العمل من أبناء الطبقات الفقيرة والوسطى، ولولا المساعدات الاجتماعيّة الحكوميّة لانفجر الوضع منذ أكثر من شهر.

هناك اذاً ظروف خارجية وأخرى تتعلّق بجائحة كورونا تضع الدولة الأميركيّة في وضع صعب.

لقد استلزم الأمر “قشة” صغيرة تقصم ظهر البعير الأميركي. وهذا ما حدث باغتيال مواطن أميركي من ذوي البشرة السمراء خنقه بركبته ضابط شرطة أميركي في ولاية مينيابوليس فهبّت الأقلية السمراء في عشرات الولايات في أكبر انتفاضة شعبية تنفذها الأقلية السمراء بشكل غاضب أحرق مقارّ رسمية وممتلكات خاصة في تظاهرات لم تتوقف حتى الآن وتذهب نحو مزيد من التصعيد؛ يكفي ان الشرطة الأميركية اعتقلت حتى الآن 1400 أميركي أسمر البشرة في سبع عشرة ولاية ولم تتمكن من تفريق متظاهرين يطوقون البيت الأبيض الرئاسي محاولين اقتحامه.

المشكلة هنا، تتمحور في أن ترامب يريد من حكام الولايات إنزال الحرس الوطني لقمع التظاهرات. وهذا من صلاحيات مناطقهم الفدراليّة، وذلك كي يهرب من اللجوء الى صلاحياته الرئاسية باستخدام الجيش، لأن ما يفكر فيه هو الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل.

وقد يذهب لتأجيج الصراع بين أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة البيضاء ومع الاقلية السمراء وذلك لكسب أصوات فقراء أميركا المحسوبين تاريخياً مع الحزب الديمقراطي المنافس.

بذلك ينجح ترامب بأصوات بيضاء صافية من أغنياء أميركا في حزبهم الجمهوري والفقراء من البيض الذين يوهمهم ترامب ان الأقليّة السمراء تحاول التهام ما يتمتعون به من امتيازات.

إن هذا النمط من التعامل هو أسلوب اتسم به الرئيس ترامب من طريق تحريض البيض من كل التنوّعات الاقتصادية على السود والمسلمين واللاتينيين ذوي الأصول الصينية والمكسيكية، حتى أنه هو أكثر من حرّض على الدين الإسلامي لكسب أصوات اليهود الأميركيين مُهدياً ما تبقى من فلسطين المحتلة للإسرائيليين المحتلين.

هذه العوامل مجتمعة، تجب إضافتها الى اهتزاز الهيمنة الأميركية في مشروعها الفاشل في الشرق الأوسط.

فبعد فشله في سورية والعراق وغزة واليمن، وإيران وعودة منظمة طالبان الى الحرب على حلفاء الأميركيين في موقفه من الاتفاق النووي مع إيران وانسحابهم من منظمة الصحة الدولية، وبيعهم الضفة الغربية لكيان المحتل، وخروجهم من اتفاق الأجواء المفتوحة، هذا الخروج الذي يضع العالم على كف عفريت اسمه ترامب.

كل هذه العناصر المجتمعة في آن واحد تكشف ان انتفاضة الأقليات الأميركية السمراء او اللاتينية مع تأييد قسم وافر من البيض الأميركيين، هي مقدمة تراجع بنيوي تدخل فيها الامبراطورية الأميركية إنما بشكل تدريجي، لأن قوتها الاقتصادية لا تزال قوية وأولى بين اقتصادات الدول وتتمتع بقدرات عسكرية هائلة توازي إمكانات روسيا.

لذلك فإن تعميق التحالف الصيني – الروسي واستمرار انتفاضة الأقليات الأميركية، هي عناصر دفع الهيمنة الأميركية الى تدهور سريع على أساس سيادة قطبية جديدة وإعادة العمل بالقانون الدولي كمرجع للخلافات الدولية، وتسديد ضربة للنظام العنصري الأميركي خصوصاً والغربي عموماً، قد لا تكفيه، لكنها تمنعه من ممارساته الوحشية وتؤسس لتدريس وبناء نظام ثقافي عالمي جديد لا يميز بين البشر على أساس ألوانهم ومستوى ثرواتهم.

النظام الأميركيّ وريث العنصريّة الطبقيّة البيضاء

د. وفيق إبراهيم

مقتل مدني أعزل من الأقليّة السوداء على يد شرطيّ أبيض خنقه من دون سبب ملازم، ليس عملاً استثنائياً في التاريخ الأميركي.

فالأميركيّون البيض الذين غزوا القارة الأميركيّة بقسميها الشمالي والجنوبي، سفكوا دماء أكثر من سبعين مليوناً من الهنود الأحمر منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن العشرين ولم يحرروهم من وضعية «العبد المملوك قانونياً لصاحبه الأبيض»، إلا في القرن العشرين، لكن الممارسات العنصرية تجاه الأقليات السوداء ظلت قائمة من خلال النظام الاميركي السياسي والاقتصادي الذي يعتمد على أكثرية كبيرة من البيض ونظام اجتماعي مغلق وأمن متشدّد واقتصاد لا يقلّ ضراوة عن الامن والسياسة.

أما ميزة هذا النظام فهو تسامحه «لغوياً» مع السود في مراحل ازدهاره الاقتصادي واتجاهه الى العنف والتشدد مع الأفريقيين الأميركيين في مراحل التراجع الاقتصادي.

لمزيد من الإنارة فإن النظام الاميركي هو الوريث الفعلي لنظام اوروبي غربي اجتاح آسيا وأفريقيا واوستراليا واميركا في القرنين الأخيرين واستعبد اهاليها من كل الاجناس والالوان ناهباً ثرواتها ومؤسساً لتعاملات ثقافية على اساس تفوق الرجل الابيض على ثلاثة أعراق أخرى هم السمر ومعظمهم من العرب والمسلمين وأبناء اميركا الجنوبية والأفارقة في قارتهم السوداء وأماكن إقاماتهم الجديدة وابناء العرق الأصفر في الصين واليابان وجنوب شرق آسيا.

هذه العنصرية بررت للغرب الأميركي والأوروبي الانتقال من التباينات الثقافية التاريخية الى اختلاف اقتصادي عميق له هرمية يقف على رأسها بشراسة أميركية أبيض ينتقل حذاء كاوبوي قاسٍ يرفس بمكوناته الحديدية الأقليات من الألوان الأخرى القابعة في أسفل الهرم ألا يمثل هذا الامر ذلك الشرطي الذي اوقع الاميركي الأسود المدني أرضاً وخنقه بركبته وحذائه وهو في وضعيّة الاستسلام الكامل.

كان يمكن لهذا الاغتيال أن يمر من دون اضطرابات كبيرة، لكنه اصطدم بمستويين كبيرين من التهديدات وأولها الشخصية العنصرية للرئيس الاميركي ترامب التي تواصل التحريض العنصري ضد الأعراق الثلاثة منذ بداية ولايتها الرئاسية وتحاول كسب الطبقات الفقيرة والوسطى من البيض بتحشيدها في وجه السود والمكسيكيين واللاتينيين والمسلمين، بأسلوب وقح يضخ مزيداً من العنصرية في نظام هو عنصري أصلاً. وترافق هذا الشحن مع التراجع الاقتصادي الذي تسببت به كورونا، وأصاب السود بشكل بنيوي يهددهم في حاضرهم ومستقبلهم والأغنياء البيض في هيمنتهم التاريخية الدائمة.

لذلك كان الصراع العنصري التاريخي الكامن في أوج استنفاره حيث خنق الشرطي المدني ذلك الاميركي الاسود من دون اي اسباب موجبة الا اللجوء الى قمع غير آمن يرتكز على الف عام غربي من قتل ابناء الالوان الثلاثة من السود والسمر والصفر بدم بارد وعنجهية التفوق الحضاري.

فتحرّكت الأقلية السوداء لتدافع عن نفسها تجاه نظام أمني قاتل واقتصادي يُصرّ على تثبيتها في اسفل السلم الاجتماعي، في محاولة للحدّ من مزيد من تدهورها في مرحلة ما بعد كورونا. اما من جهة ترامب، فتمكن من ضخ عيارات جديدة من العنصرية من خلال الاستعانة بالإنجيليين المسيحيين الذين يؤمنون بإعادة بناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى في القدس المحتلة.

ما جلب الى دائرة مؤيديه اليهود الأميركيين وهم لمزيد من التفسير، شبكات الاعلام الاميركي القوي والمصارف التي تشكل رأس النظام الأميركي بقوته المالية وعنصريته.

وهذا استنفر ايضاً الأقليات السوداء واللاتينية والصفراء والمسلمين، فأصبح هناك مشهد اميركي مذعور من الكورونا يفصل بين اميركيين بيض من اعلى السلم الاجتماعي الى فئاته الفقيرة البيضاء مقابل فئة من البيض غير المتأثرة بالجموح العنصري الأبيض ومعها اللاتينيون من أصول أميركية جنوبية والسود والمسلمون والأقليات الصفراء وصولاً الى ابناء اوروبا الشرقية المحظور عليهم الارتقاء الى مواقع قيادية في كامل القطاعين العام والخاص الأميركي.

هل يدفع هذا الانقسام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الى تصعيد الانتفاضة السوداء لتشمل الاقليات الاخرى في ثورة عارمة لمكافحة التمييز العنصري؟

لقد تنبّهت إدارة ترامب لهذا الاحتمال، فبدأت بدفع تعويضات شهرية تعادل قسماً من الأجر والراتب للاميركيين وطلبت 3000 مليار دولار من الكونغرس للاستمرار في توزيعها لثلاثة أشهر على الاقل.

بذلك تمتص انفجار الطبقات الفقيرة من السود، وايضاً من الفئات الفقيرة البيضاء الموالية لها، فهذه قد تتجه الى معارضة ترامب إذا انقطعت مواردها.

بما يعني ان ترامب مصمم على التجديد له في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بتحشيد عنصري أبيض من جهة وتوزيع اموال مساعدات على الجميع من جهة ثانية، وتحريض البيض على السود من جهة ثالثة وافتعال صراعات مع الصين وإيران وروسيا وسورية وفنزويلا واي منطقة أخرى للزوم تحشيد الأميركيين البيض من حوله، مركزاً بالتصويب على اول رئيس اميركي اسود اللون في تاريخ اميركا لمزيد من تحشيد البيض ومهاجمة منافسه الحزب الديموقراطي فيصفه بالحزب الراديكالي اليساري الاشتراكي والشيوعيين، ولولا الحياء لا يهمه الانتماء الى الحزب الشيوعي الصيني الأصفر.

يبدو ايضاً ان ترامب يعمل على تأجيج الصراع الأهلي الداخلي محتمياً بحقه الفدرالي باستخدام الجيش لقمع المتظاهرين عند الضرورة.

فيتوصل بذلك الى اختلاق اسباب عظمى تسمح بإرجاء الانتخابات كما حدث حين جرى إرجاء الانتخابات الاميركية في عهد روزفلت في الحرب العالمية الثانية.

هذا يعني ان مشكلة اميركا ليست في رئيس غير مثقف يؤمن بالمال فقط، بل في نظامها العنصري الذي يحتاج الى قوانين لإزالته من العرف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، باعتبار أن العنصرية ليست مكرّسة في القانون والدستور، إلا أن اتساع الانتفاضة الحالية لتجتاح معظم الولايات الاميركية تشير الى مرحلة أميركية دموية لن تسمح لترامب وامثاله بالعودة الى البيت الأبيض من جديد.

%d bloggers like this: