فرنسا «الحنون» تدعم تشكُّل قوى سياسيّة لبنانيّة جديدة!

 د. وفيق إبراهيم

أحبطت القوى السياسية اللبنانية، آمال فرنسا بتأمين استقرار داخلي نسبي في بلاد الأرز يسمح لها بالتموضع عند بوابة الشرق الأوسط مجدداً.

لقد بدت نتائج رعايتها للبنان منذ أكثر من عام تقريباً فاشلة تماماً وتدعو الى اليأس من قوى سياسية داخلية تنتمي الى المنظومة الحاكمة نفسها، لكنها تواصل الصراع على الحصص والمغانم وكأن لبنان لم يتعرّض لأعمق كارثة اقتصادية وسياسية يشهدها بلد بحجمه.

فالخلافات لا تزال تندلع حتى على المكاسب التافهة، والرئيس المكلف سعد الحريري يجول منذ أربعين يوماً لتشكيل حكومة جديدة معتقداً أن الدعم الفرنسي له بخلفية أميركية هو أكثر من كافٍ للاستفراد بتعيين وزراء يقول إنهم مستقلون وينتقيهم هو شخصياً وهذه تندرج في باب المعجزات.

وفيما تباشر «إسرائيل» توسيع مرفأ حيفا في فلسطين المحتلة ليلبي النتائج الاقتصادية لتطبيعها السياسي مع دول الخليج، يسكتُ سياسيو لبنان عن مرفأ بيروت، وكأن لا أمل يُرتجى من إعادة إعماره، واستئناف وظائفه السابقة بربط بيروت بالشام والأردن والعراق والخليج.

اللافت للانتباه هنا، أن فرنسا التي ترعى للمرة الثانية مؤتمر مجموعة الدعم للبنان، تركز وللمرة الثانية أيضاً ان محصلة التبرعات التي تؤمنها الدول والجمعيات المشاركة تذهب الى جمعيات خاصة تعمل في المجالات الإنسانية وذلك باستبعاد كامل لأي دور رسمي لبناني.

يبدو أن الذريعة الفرنسية حاضرة وبقوة، وتقول إن لبنان السياسي لم ينجح بتشكيل حكومة جديدة، بالإضافة الى عجز المؤسسات الدستورية اللبنانية عن تنفيذ تدقيق مالي او جنائي وتهرّبها من هذا الموضوع الى درجة انسحاب شركة «مارسال وألفاريز» التي كانت مكلفة بالتدقيق نتيجة رفض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تسليمها الملفات المالية الموازية.

ولم يقبض الفرنسيون بجدية ذلك الإخراج الهزلي الذي اعتمده مؤخراً المجلس النيابي اللبناني بموافقته على مشروع للتدقيق الجنائي في مصرف لبنان والمديريات العامة والصناديق ومؤسسات الدولة في آن معاً، وذلك لأن تنفيذ هذا القرار قد يحتاج الى عقد كامل من قراءة ملفات تملأ مئات الغرف والمكاتب فيما المطلوب تحديد رأس الأفعى في مصرف لبنان المركزي والانطلاق منه. لكن الجهاز السياسي المدافع عن حاكمية مصرف لبنان يدافع عنه لأن أي تدقيق فعلي في طريقة إنفاقه للأموال يكشف أدوارهم في وضع اليد على احتياطات لبنان وودائع الناس وحتى الديون بإدارة رياض سلامة الذي أمن عبر هذه الطريقة، أقوى وسيلة حماية يمكن لحاكم مصرف لبنان ان يحظى بها وهي داخلية في قسم وخارجية في الأجزاء الاساسية، وإلا كيف يمكن للسفيرة الاميركية في لبنان شيا أن تعلن من مقر البطريركية المارونية رفض بلادها أي مساس بحاكم مصرف لبنان.

لمزيد من التوضيح، فالاهتمام الفرنسي لا يزال قوياً ويكفي أن الرئيس الفرنسي ماكرون زار لبنان مرتين بين آب وأيلول الماضيين ويستعد لزيارة ثالثة في نهاية العام.

لذلك سعى في مؤتمر مجموعة لبنان الى تأمين شرعية دولية له بدعوة 30 رئيس دولة وأمين عام الامم المتحدة انطونيو غوتيريس وعدد أكبر من رؤساء الحكومات والوزراء والمؤسسات الاقتصادية والمالية ذات الطابع الدولي، مضيفاً الى هؤلاء صندوق النقد الدولي الذي يرفض حتى الآن مفاوضة لبنان حول قروض ممكنة، متبنياً مطالب فرنسا بالتدقيق المالي والجنائي والحكومة الجديدة بشكل مسبق.

وإذا كان مؤتمر الدعم الاول أنتج هبات قدرها مئتان وخمسون مليون دولار فيتوقع الفرنسيون ان تزيد الهبات هذه المرّة عن مليارات عدة ومع مبلغ كهذا يستطيع الفرنسيون تسجيل المزيد من الضغط لتشكيل حكومة جديدة في أواخر الشهر الحالي.

لكنهم يعملون هذه المرة على تسهيل نمو تيارات من المجتمع المدني موالية لهم، وتتكتل على شكل جمعيات إنسانية تستطيع بواسطة أموال مؤتمر الدعم التحول الى الوظيفة الأساسية.

هذه الجمعيات التي تزيد عن خمسين حركة تعلن انتسابها لمدنيّة المجتمع هي التي يسارع الفرنسيون الى الإمساك بها وذلك بديلاً من الاميركيين الذين موّلوها في مراحل سابقة انما من دون جدوى فاعلة.

والكلام هنا هو عن مساعدات أميركية لهذه الجمعيات بلغت مليارات عدة من الدولارات.

وكان الأميركيون يريدون منها ان تكون الوسيلة الجديدة لاختراق الانماط التقليدية للسياسة في لبنان مع اعتمادها كلاعب أساسي يفجر فوضى عميقة على منوال ما يحدث في العراق مثلاً.

إلا أن الفرنسيين ذاهبون الى اعتماد جمعيات فيها تعددية طائفية، اعلنوا بصراحة انها الآليات التي يقبل بها المؤتمر الدولي لتوزيع دعم المتضررين والمحتاجين في لبنان.

هذا يستولد ملاحظات متتابعة أولها أن انتقاء الفرنسيين لجمعيات محددة يؤكد انها تحتوي على قدر كبير من القيادات الموالية لهم. كما ان تجاهل الفرنسيين في عمليات التوزيع حكومة حسان دياب تحديداً وحصراً هو عمل مريب يكشف أن السياسة الفرنسية لا تريد توزيعاً عادلاً للهبات الإنسانية الدولية بل توزيعاً سياسياً يريد تأسيس تيار جديد يواليهم في اطار فرنكوفونية تشابهُ من أبعادها المخفية عثمانية رجب اردوغان.

إن هذا الدعم الجديد لن يكون إنسانياً فعلياً إلا اذا ارتبط بآليات توزيع منزهة عن الأبعاد التسييسية، أما مسألة علاقة فرنسا مع الطبقة السياسية اللبنانية فهذه مسألة تاريخية ترتبط بتغطية الغرب للنظام السياسي اللبناني منذ تأسيسه وحتى مرحلة الحريرية السياسية التي كانت مدعومة من السياسات الأميركية والسعودية والفرنسية، مع غطاء سعودي مرحلي.

فهل تنجح فرنسا في إعادة استحضار فرنكوفونيتها من إطار الذكرى التاريخية الى مستوى الوجود السياسي القوي في لبنان؟

إن حيادية فرنسا في الصراعات الداخلية اللبنانية وتجسيدها لدور الصديق الفعلي للبنان دولياً، هما الأسلوب الوحيد لحضور سياسي فرنسي وازن.

لكن مشكلة الفرنسيين هي أولاً مع الاميركيين الذين يريدون احتكار الشرق الاوسط بكامله، ما يعني ان على الفرنسيين ان يجابهوا الاميركيين اولاً قبل توزيعهم لبعض الإعانات في أحياء الجميزة وساحة ساسين.

لحّود: لإعادة تكوين السلطة بقانون انتخاب يُفرز طبقة جديدة

رأى الرئيس العماد إميل لحّود، أن «متابعة مناقشات قانون الانتخاب في المجلس النيابي تُعيدنا بالذاكرة إلى فترة مناقشة القانون الحالي التي بدأت باقتراحات وطنية وانتهت بصيغة على قياس البعض، ولعلّ الخشية من حدث 17 تشرين، أدّت إلى محاولة جديدة لتطويع أكبر للقانون خدمةً للبعض، ما يفسّر الكلام التجييشي الطائفي الذي نسمعه في الفترة الأخيرة».

وإذ شدّد لحّود في بيان أمس، على أن «بناء الوطن لا يبدأ إلاّ بقانون انتخاب يعتمد لبنان دائرة واحدة مع نسبية»، توجّه بالتهنئة إلى نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف ومن ساهم معه بـ»المبادرة التي طرحها، وتحديداً ما يتعلّق منها بقانون الانتخاب، فهو يعرف، انطلاقاً من لا طائفيته ومن خبرته القانونية، أن ما اقترحه هو الأنسب للبنان».

وعلى صعيد آخر، رأى الرئيس لحّود أن «التدقيق المالي ضرورة، شرط أن يشمل إدارات الدولة كلّها، أي الطبقة السياسية برمّتها والتي يستحيل أن تحاسب نفسها، من هنا فإنّ توقيت طرح التدقيق اليوم غير مجدٍ، بل يجب التركيز على إعادة تكوين السلطة عبر إقرار قانون انتخاب وطني يُفرز طبقة سياسية جديدة ونزيهة قادرة على تطبيق التدقيق الجنائي وسائر قوانين مكافحة الفساد».

ولفت إلى أنه «بقدر الأهمية الكبرى للوضع اللبناني الداخلي، حيث تتراكم المشاكل وتغيب الحلول، يجب ألاّ نغفل عن أن ما يحصل له خلفيات إستراتيجية، وقد بدأ منذ عشرات السنوات عبر إفراز طبقة سياسية فاسدة أوصلت البلد إلى انهيار، ما يخدم العدو الإسرائيلي الذي يقوم بعملية تطبيع تشمل دولاً عرببة عدّة، وتبقى عينه على لبنان، الجار الأكثر إزعاجاً، ما يعني أن استمرار هذه الطبقة الفاسدة في الحكم سيجعل من مقاومة هذا العدو أمراً لا طائل منه، إذ أن ما نربحه عسكرياً نفقده بالفساد والطائفية المسيطرين على البلد».

وختم الرئيس لحّود «آن أوان اليقظة، وليكن حدث 4 آب عبرة، حيث سلب انفجار المرفأ دوره لصالح مرفأ حيفا، وما نخشاه، إنْ بقينا على المسار نفسه، أن يُصبح لبنان كلّه على صورة المرفأ، بناءً محطّماً ودوراً مفقوداً».

خطاب رئيس الجمهوريّة في يوم الاستقلال… والدولة العميقة!

د. عدنان منصور

خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في يوم استقلال لبنان، تضمّن وصفاً صريحاً وإنْ كان مؤلماً، لأوضاع بلد يترنّح ويتلاشى… وصف الرئيس لحالة لبنان، لا يحمل في طياته شيئاً جديداً، طالما أنّ اللبنانيين يعيشون مأساة حياتهم وحاضرهم، ويعانون منها، ويندّدون بها كلّ يوم صبحاً وعشياً.

أن يشتكي المواطن من واقعه المظلم، فهذا أمر طبيعيّ، لأنه يطمح ويتطلع الى دولة الكرامة والعدالة، والمواطنة، والقانون، وتكافؤ الفرص. لكن أن يشتكي رئيس البلاد من وضع فاسد شاذ، دمّر شعباً في ماله ورزقه واقتصاده ومعيشته، فهذا أمر لا يتقبّله منطق ولا عقل، خاصة أنّ خطابه يأتي في مناسبة وطنيّة، ذكرى الاستقلال، وبعد أربع سنوات من حكمه، وقبل أقلّ من سنتين من انتهاء ولايته.

رئيس الجمهورية أعرب عن إصراره وتصميمه على السير في التحقيق الجنائيّ، ونحن في هذا المجال ننحني له ونحيّيه، ونقف بكلّ قوّة إلى جانبه. لكن واقع الحال يقول: النظرية شيء، والتطبيق شيء آخر. فهل هناك في لبنان، في الوقت الحاضر، مهما علا شأنه، وأياً كان موقعه، مَن هو أكبر وأقوى من الدولة العميقة، وطبقتها الفاسدة المستغلة، التي تجذّرت وتشعّبت جذورها في كلّ أجهزة الدولة وهياكلها ومرافقها، ومؤسّساتها الماليّة والإداريّة والقضائيّة والسياسيّة، على مدى عقود، ومنذ «استقلال» لبنان وحتى اليوم، وعلى مختلف المستويات، التي استطاعت أن تثبت للعالم كله أنها أكبر من الدولة الظاهرة في الواجهة، وأكبر من أيّ حاكم أو مسؤول، وأنها فوق الدستور والقانون، والقضاء، تأمر ولا تؤمر، تحكم ولا تُحكَم، تملي في الخفاء قراراتها، ولا أحد يعترض عليها. تمسك بمفاصل السلطة الحقيقية، توجهها، تديرها، تفرض شروطها، تطيح بمن تريد الإطاحة به، تقبل بالذي يتوافق مع مصالحها، ولا تتردّد لحظة في تعطيل أيّ إجراء أو قرار يحدّ من نفوذها، ودورها، وهيمنتها، ومكانتها ومكاسبها. الكلمة لها، والقرار في يدها، وإنْ اعترض كلّ الشعب، وإنْ ثار المواطنون عليها، وارتفعت أصوات المعارضين الشرفاء من سياسيين وفعاليات، فهذا آخر همّها، وهي بالنسبة لها ليست أكثر من فقاقيع صابون…

طبقة متجذرة، متضامنة في ما بينها، موحّدة الصف والهدف، يجمعها المال والفساد، وهي على استعداد في كلّ وقت، وعندما تدعو الحاجة، للتضحية بمصالح وأمن واستقرار وطن بأكمله، وبحقوق شعب، إذا ما تعارضت مصالحها مع مصالحه، وإذا ما اقترب أحد من مغارتها للكشف عما تحويه في داخلها من خفايا وأسرار! الفاسد مرحّب به في كلّ وقت، للدخول اليها، إذ يشكل لها قيمة إضافية يعزز من نفوذها ودورها. أما الشريف والنزيه، فعليه أن يبقى بعيداً عنها وخارجها، وإنْ صرخ وندّد، وندب واقعه، ووجّه سيلاً من الانتقادات والشتائم للدولة والمسؤولين، حيث إنّ هذا السيل، يطال في الشكل دولة الصدارة، ولا يطال طبقة الفساد والمفسدين الخفية، والمحتكرين، والناهبين، والمستغلّين، والقابضين على ثروات البلاد والعباد، الذين يعيشون داخل دولة الظلّ المسماة الدولة العميقة ويتلطّون بها.

ما كنا نتمنّاه في عيد الاستقلال، وما كنا نريد أن نسمعه من الرئيس ميشال عون هو: كيف سنواجه الفساد بكلّ أشكاله، وكيف يمكن القضاء على مغارة الدولة العميقة، وما هي الإجراءات التي ستتخذ، والتي ينتظرها اللبنانيّون بفارغ صبر، بعد أن شعروا باليأس والإحباط من الدولة الصورية، التي لم تستطع أن تنتزع من أحد رموز الدولة العميقة قراراً يتيح لشركة التحقيق الجنائي «ألفاريز ومارسال»، السير في التحقيقات حتى النهاية، وتزويدها بالمستندات الضرورية من قبل حاكم مصرف لبنان، الغيور على السرية المصرفية، وعلى مصلحة لبنان العليا! فكان قراره فوق الدولة، و ـ للأسف ـ أكبر من الحكومة وكلّ المسؤولين، متجاهلاً عمداً رغبة الشعب، ورئيس الجمهورية، ومصلحة البلاد العليا، مؤدياً خدمة كبيرة لكلّ من لا يريد لشركة التدقيق الدولية الفاريز ان تنجز عملها كما يجب، وصولاً الى الحقيقة الكاملة، فكان التعطيل وكان انسحابها! علماً انّ الحاكم النزيه يعلم جيداً ما سيترتب عن رفضه تزويد «ألفاريز ومارسال» بالمستندات التي طلبتها من مصرف الحاكم، من تداعيات سلبيّة كبيرة، وهو غير عابئ ومكترث بالاجتهادات القضائيّة في هذا الشأن..

بعد سبعة وسبعين عاماً مرّت على إعلان «استقلال» لبنان عام 1943، وانتقال اللبنانيين من دولة الاستقلال الظاهرة، الى دولة الاستغلال العميقة، يقول كلّ مواطن حرّ وبصوت عالٍ، نحن معكم يا فخامة الرئيس من أجل الإصلاح. لكن حقيقة الواقع تقول: لا يمكن تحقيق هذا الإصلاح، في ظلّ الدولة العميقة وطبقة الفاسدين والمفسدين، الذين يديرونها في كلّ صغيرة وكبيرة.

إنّ خلخلة هذه الطبقة ثم اجتثاثها، هو ضرورة ومقدّمة رئيسة لكلّ إصلاح ومحاربة الفساد! فهل يتحقق ذلك خلال الفترة التي تتبقى من عهدكم؟!

ما يحتاجه لبنان، يا فخامة الرئيس، عملية جراحيّة دقيقة، تستأصل أورام الفساد من جذوره التي ترعاه دولة الظلّ العميقة، وأرباب طبقة الاحتكار ورأس المال، ولا إلى مهدّئات ومسكنات تخفف الآلام وتلقي على المرض العضال.

فريق الجراحين لعلل لبنان جاهز للقيام بهذه المهمة، لكن مَن الذي سينتقيهم ويأخذ المبادرة ويطلقها بكلّ جرأة وشفافية وعزم؟!

نأمل أن يتمّ ذلك في عهدكم، وفي ما تبقى من ولايتكم يا فخامة الرئيس، ليخرج لبنان بحق من دولة الاستغلال العميقة، الى دولة الاستقلال الحقيقي!

أمل كبير بالله أن لا يكون هذا اليوم بعيداً!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

<span>%d</span> bloggers like this: