ميثاقيّة حتى التكليف فانقلاب عليها… فليؤلفها جنبلاط!

ناصر قنديل

يشبه موقف رؤساء الحكومات السابقين من كل حديث عن ميثاقية الحكومة، موقف جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر عندما فازت بالانتخابات النيابية وقررت بعد الفوز تعليق الدستور القائم على الانتخابات وراجت عنها معادلة اسمها “ديمقراطية لمرة واحدة”، بحيث يبدو موقف الرؤساء السابقين وفقاً لمعادلة “ميثاقية لمرة واحدة”، بحيث أصرّ نادي رؤساء الحكومات السابقين على قيامه بحزب جديد بتسمية الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة الجديدة، وتولى إعلان الاسم المقترح ولا مبرر لحدوث ذلك سوى معادلة ميثاقية تقوم على تولي الجهة الأوسع تمثيلاً في طائفتها بتغطية الموقع السيادي الذي ينيطه بها العرف، وليس الدستور، وبمجرد ما وضع الحزب الجديد اسم الرئيس المكلف في جيبه، بدأ بإطلاق المواعظ عن ضرورة تخطي المطالبات بالتمثيل والتشاور، واتهام كل دعوة لتكون الحكومة حاصل تشاور يضم الجميع ومراعاتها للأعراف والتوازنات، وتمادى لحد تسخيف كل حديث عن تقيّد الحكومة بالميثاقية بداعي خصوصية واستثنائية الحكومة الجديدة وربطها بمهمة محددة هي الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، تستدعي الترفع عن المطالبة بـ”حصص” مستحضراً تجربة الرئيس حسان دياب، وإعادة ما يسمّيه بفشلها الناتج عن عدم قيامها على قاعدة “حكومة مستقلين اختصاصيين” وانكشاف كونها حكومة تمثيل الكتل الداعمة لها باختصاصيين يدينون لها بالولاء، والدعوة لأخذ العبرة لتكون الحكومة مستقلة بلا تدخلات وأدوار ومطالب للكتل السياسية والنيابية، وتحت هذا العنوان تولي رئيس الحكومة تشكيل حكومته بعيداً عن التدخلات، كما جاء الدعم الناري الإعلامي للحزب الجديد من حزب القوات اللبنانية بلسان رئيس الحزب القديم.

هذا التلاعب بالعقول والوقائع يستدعي التذكير بأن العطل الرئيسي في حكومة الرئيس حسان دياب كان غياب ميثاقيتها، أي حجب تغطية المرجعيات التي تمثل المكوّن الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة داخلياً، والمقاطعة والحصار اللذان استهدفاها خارجياً. وليس سراً أن رحيلها لم يكن نتيجة ما يسمّونه بفشلها، بل نتيجة ظهور ما يشير لمن اضطروا للذهاب لتشكيلها منعاً للفراغ، بأن هناك فرصة لتحقيق ميثاقية رئاسة الحكومة طائفياً، وانفتاح الخارج عليها، ما يتيح تفادي البلد للتعقيدات التي منعت حكومة الرئيس دياب من النجاح، وهكذا لم يدر أي نقاش حول الحق الديمقراطي للغالبية النيابية بتسمية رئيس حكومة من مواصفات الرئيسين حسان دياب ومصطفى أديب، يقوم بمهمة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، وتم طرح اسم الرئيس سعد الحريري للمهمة وعندما تعذّر توفير “ميثاقية” تسميته ما دعاه للاعتذار، قامت الغالبية النيابية بتجيير حقها الدستوري بالتسمية بداعي “الميثاقية” إلى الرئيس الحريري ليقوم بالتسمية. وقام بتجيير هذا الحق المجير إليه الى حزبه الجديد بداعي المزيد من “الميثاقية”، وتمّ كل ذلك علناً وببيان تلاه الرئيس السابق فؤاد السنيورة، وبمجرد قيام الغالبية بمنح تفويضها للرئيس المكلف “الميثاقي”، قرّر الحريري والحزب الجديد، أن الميثاقية صارت عيباً، وأنه من السخافة والطعن بالمبادرة الفرنسية التحدث عنها.

في آلية التأليف لا بد من التذكير أيضاً أن كل كلام عن مستقلين، غبار سياسي وإعلامي، فالرئيس الحريري عندما زار رئيس مجلس النواب نبيه بري مفاوضاً على شروط تشكيل الحكومة، لم يفعل ذلك بصفته مستشاراً للرئيس المكلّف بل بصفته راعياً لتأليف الحكومة، نافياً عنها أي شبهة استقلالية، وعندما طلب من الرئيس بري تسهيل نقل وزارة المال إلى من يسمّيه الحريري شخصياً، لم يفعل ذلك من منطلق أن الحكومة هي حكومة مستقلين، وعندما يقول الرئيس المكلف أنه سيراجع رؤساء الحكومات السابقين ليقرّر، لا يفعل ذلك كرئيس حكومة مستقل، وعندما يعترف نواب الحزب الجديد بأن هناك مَن يدرس السير الذاتية للمرشحين للحكومة، وأن الحزب الجديد لا يتدخل الا بتقديم ترشيحاته للرئيس المكلف، الذي لم يطلب من سواهم تزويده بترشيحات مماثلة، هذا علماً أن الجهة التي تدرس الترشيحات مقيمة في بيت الوسط وتشكلت في كنفه وبرعاية صاحبه، فهل حدث ذلك لاعتبارات الحرص على حكومة “مستقلة”؟

الحاجة للعودة للتعقل والحديث الصريح، تستدعي التسليم بأن ما يجري نوع من التلاعب بالحساسيات الطائفية بداعي اللاطائفية، وهذا ليس جديداً على لبنان واللبنانيين، وقمة استغلال معاناة اللبنانيين وحاجتهم لأبسط مقوّمات العيش. هو هذا التلاعب المكشوف والمفضوح لوضع اليد على الحكومة ومن خلاله على البلد، بثوب التعفّف المزيف عن طلب السلطة، بخداع “ميثاقية” لمرة واحدة، وبدء الانقلاب بعدها، والطريق بسيط وسهل، أبسطه وأسهله هو مواصلة تطبيق معايير تسمية رئيس الحكومة على معايير موازية، أقلها في احترام الميثاقية في العلاقة مع كل من رئيس الجمهورية ودوره المحوري كشريك في التشكيل، ومع ثنائي حركة أمل وحزب الله، لاستثمار سريع للفرصة المتاحة واستثمار سريع للوقت الداهم، وأقصاها الذهاب لحكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري، تتولى دور التهيئة للعقد السياسي الجديد نحو الدولة المدنيّة، بالتوازي مع إنجاز الإصلاحات، التي ليست لغزاً تقنياً يحتاج للاختصاصيين الذين يسهل استحضارهم كمستشارين ومدراء عامين، حيث تدعو الحاجة، وإلا كما يقول البعض طالما نحن في ظرف استثنائي لا تهمّ الأعراف والميثاقية في ملاقاته، والمطلوب حكومة يدعمها الجميع لمهمة. وهذا يستدعي الثقة بعدم الاستهداف من قبل كل القوى الفاعلة، في ظل ما رأيناه من عزل لرئيس حكومة لا ينتمي لمظلة زعامات طائفته، فلتكن حكومة انتقالية تخرج عن أعراف الطوائف يشكلها النائب السابق وليد جنبلاط كفريق وسطي له حيثيّته وليس مجرد موظف او مستشار يقدر على تقديم الضمانات بعدم الاستهداف للفرقين المتقابلين المتوجسين، بمعزل عن كل حديث مخادع عن رئيس من خارج “الطبقة السياسية”، يكون موظفاً عندها، وجنبلاط متمسّك بالمبادرة الفرنسية، وقد غرّد محذراً من ضياع الفرصة وسقوط لبنان، ومن ضياع دوره في ظل التطبيع والتطلعات الإسرائيلية نحو عزل لبنان وإنهائه اقتصادياً، ولتطلق يده لحكومة مستقلين اختصاصيين لمهمة محددة وفترة محددة، وفي تاريخ لبنان التأسيسي رؤساء جمهورية وحكومة من غير الطوائف الثلاث الكبرى، فتكون بداية جريئة نحو دولة تخرج من الأعراف الطائفية وتذهب نحو المواطنة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

اليوم تبدأ مهلة المبادرة الفرنسية

ناصر قنديل

مضت مهلة الأسبوعين المتفق عليها من ضمن المبادرة الفرنسية لتشكيل حكومة إصلاحية، من دون أن يضرب مسمار واحد في ورشة هذه الحكومة، فقد كان الرئيس المكلف يعدّ الأيام وفقاً للوصفة التي وضعها نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي تحوّل الى حزب شمولي حاكم، يسمي منفرداً الرئيس المكلف ويمارس عليه الوصاية في تأليف الحكومة، ويقول لكل الآخرين من رئاسة الجمهورية الى الكتل النيابية كشركاء حكميين في تشكيل الحكومات، إما أن ترضخوا لهذه المشيئة الملكية الناشئة أو تتحملوا مسؤولية الفراغ، لأن لا رئيس حكومة سيسمّى ولا حكومة ستولد إلا وفقاً لهذه الشروط، وإلا تعرضت للطعن بميثاقيتها بحرمانها من تغطية الأغلبية السياسية في صفوف طائفتها، وكان الهدف هو أن يمضي الأسبوعان اللذان وضعهما الرئيس الفرنسي لولادة الحكومة الجديدة، من دون فعل أي شيء سوى إسقاط الأسماء المنتمية للحزب الحكام الشمولي الجديد، برئيسه سعد الحريري وأمينه العام فؤاد السنيورة ومشاركة نائب الرئيس نجيب ميقاتي وحفظ ماء وجه أمين السر تمام سلام.

لم تجر رياح التأليف كما تشتهي سفن الحزب الجديد، فرئيسه لم يطرح معادلته حول المداورة كشرط تأسيسي لكل حكومة جديدة في لقاءات قصر الصنوبر بحضور الرئيس الفرنسي، والمبادرة الفرنسية لم تتضمن اي إشارة لهذه المداورة، ومعلوم أنها كانت تتضمن الانتخابات النيابية المبكرة ولم يقم أحد من رافضي الانتخابات المبكرة بالتغاضي عن الأمر لأنه لا يريد مواجهة مع الراعي الفرنسي، والذي حصل يعرفه الجميع وهو أن المقترح تمّ رفضه وتمّت الاستجابة لهذا الرفض من الرئيس الفرنسي واتفق على تأجيل كل البنود السياسية لما بعد تشكيل الحكومة، وكانت الاستجابة تأكيداً لمصداقية الرئيس الفرنسي ومبادرته، وكان سيحدث اعلان موقف واضح لو عرضت المداورة وشمولها لوزارة المال فقط لو كلف الرئيس الحريري نفسه عناء قول ما كتبه في تغريدته أمس، بالصورة التي جعل منها ألفباء بناء الدولة. وكان الحريري وامانويل ماكرون سيسمعان دعوة صريحة لتطبيق المادة 95 التي لا تنص على عدم تخصيص وزارة لطائفة كما فعلت في دعوتها الصريحة لعدم تخصيص وظيفة لطائفة، وبقيت الوزارات والرئاسات مستثناة من نص صريح بعدم التخصيص كإجازة لعرف التخصيص، ضمن مفهوم النص الذي يتحدث صراحة عن حكومة التمثيل العادل للطوائف، وهو جوهر ما يقوم عليه مطلب التوقيع الثالث، حيث العدالة بين الطوائف الثلاث الكبرى تستدعي توقيعاً موازياً على القرارات لتوقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة الممثلين لمكونين طائفيين رئيسيين يوازي كل منهما موقع المكون الطائفي الذي يطالب بحق التوقيع الثالث الذي تضمنه وزارة المال. وكانت حصيلة النقاش ستضمن إما تفاهماً على المبادرة أو عدم الوقوع في فخاخ كالتي نشأت عن السياسات السرية للحريري.

ظهر كل شيء من السر إلى العلن وظهرت طموحات الحزب الجديد بالتحوّل الى حزب شمولي حاكم وتوهم مكتبه السياسي الرباعي بأن موازين القوى التي صنعتها مخاوف الانهيار من جهة والخشية من العقوبات من جهة مقابلة، ستتيحان انتزاع الحكم الشمولي للبلد بلون طائفي سياسي أحادي يتزين بديكورات من سائر الطوائف يشارك الفرنسيون في اختيار صنفهم المسيحي، ويحتكر الحزب الحاكم الشمولي الصنف المسلم. وظهر عجز وقصور حسابات هذا المكتب السياسي الذي يعوزه الاحتراف وتنقصه الصدقية، وتعرض البلد لمأزق. فالفرنسي أوضح للجميع أن مبادرته محايدة تجاه طرح المداورة، التي يتبناها الحزب الجديد. وبدأ مبادرة لتقريب وجهات النظر حول المشهد الحكومي وفقاً لمبادرته، وقطع في الليلة الأولى خطوة عنوانها الموافقة على طلب ثنائي حركة أمل وحزب الله بحق المكوّن الذي يمثلانه بالتوقيع الثالث. وشغل محركاته لتعويض ما مضى وإنجاز المهمة التي منحت خمسة عشر يوماً تم إهدارها عمداً واستهتاراً بالآخرين، في غضون ثلاثة أيام لحسم آلية تسمية وزير المالية، بين الثنائي والحزب الجديد، وحسم سائر البنود الحكومية، إذا ذللت عقدة تسمية وزير المال، بحيث صار واضحاً أن المبادرة بدأت العدّ من اليوم لمهلتها الفعلية للنجاح.

حزب رؤساء الحكومات

من الثابت أن الموقع السابق للرئيس فؤاد السنيورة كرئيس لكتلة المستقبل النيابية قد تم تعويضه باختراع وتفعيل نادي رؤساء الحكومات السابقين كمنصة سياسية مستجدة يجري تحويلها تدريجاً الى حزب سياسي طائفي يتولى فرض عرف جديد ينيط به حقاً حصرياً بتسمية الرؤساء الذي يكلفون بتشكيل الحكومات والوصاية عليهم في عملية تأليف الحكومة بصورة تناقض استقلال موقع رئاسة الحكومة وتسقط عن الاستشارات النيابية صفتها الحرة وصولاً لمنح هذا الحزب دوراً في تشكيل الحزب الحاكم عبر بدعة جديدة عنوانها أن الرئيس المكلف الذي يسمّيه الحزب الجديد يقدم تشكيلة يعدها هذا الحزب بصورة سرية ومنفردة ودون شراكة اي من المكونات والكتل وتفرض على الجميع تحت شعار اقبلوها أو ارفضوها وتحملوا تعبات غياب حكومة تحظى بدعم مكوّن طائفي ينتمي إليه رئيس الحكومة.

المعركة التي فتحها الحزب الجديد الذي يتطلع ليصير الحزب الحاكم في بلد متعدد الطوائف لا يمكن ان يتولى حكمه حزب لون طائفي واحد، خارج أعراف الشراكة وخارج الصلاحيات الرئاسية التي تمنح النواب والكتل النيابية صلاحية تسمية حرة لرئيس الحكومة وتمنحهم حق مشاركته في ترتيب شكل الحكومة وتركيبتها وتمنح رئيس الجمهورية دور الشريك الكامل في عملية التأليف.

الواضح أن الحزب الجديد الذي يسلمه الرئيس السابق سعد الحريري دور المرجعية التي منحت له لمرة واحدة في اقتراح اسم رئيس الحكومة، ليحاول جعل التسمية عرفاً دائماً لحزبه الجديد ومعها عرف حق تشكيل الحكومة ومن خلالها حكم البلد، هو حزب أميركي سعودي شكل ابتداعه ضمانة طلبت من الحريري كشرط لإعادة تعويمه وقبول أوراق اعتماده من الحلف الأميركي السعودي الذي يثق بالسنيورة أكثر من الحريري منذ أيام الريتز واحتجاز الحريري.

مسار المواجهة حول وزارة المال سيقرر مصير المحاولة المبتكرة لاستيلاد أول محاولة لحكم الحزب الواحد للبنان وعلى اساس الأحادية الطائفية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الحريري يُسقط ماكرون وأديب

ناصر قنديل

ثمّة إشارتان لافتتان في المشهد الحكومي لم تكونا جزءاً من المبادرة الفرنسية، وصارتا عنواناً للمسار الحكومي، ولا يفسّرهما سوى موقف الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، الأولى استحضار نادي رؤساء حكومات سابقين، لم يطلب أحد منه تسمية مرشح لرئاسة الحكومة لتتبناه الكتل النيابية، ومن خلفها المبادرة الفرنسية. فالكل تحدّث عن مطالبة الرئيس الحريري بتسمية من يمثله او يتبنى ترشيحه، مع ترك هوامش تفضيلية للكتل عبر لائحة مختصرة من ثلاثة مرشحين، بعدما تعذّر حصوله على تسمية مسيحية وازنة تحقق ميثاقية تسميته شخصياً كرئيس مكلف، رغم الجهود المضنية التي بذلها رئيس مجلس النوب نبيه بري مدعوماً من حزب الله لإقناع التيار الوطني الحر بالموافقة على تسمية الحريري، ولكن الحريري هو الذي قام بتجيير هذا الطلب الى حساب جديد فتحه هو باسم رؤساء حكومات سابقين وحولهم الى مؤسسة مرجعية، فلماذا فعل ذلك؟

الثانية إسقاط مشروع المداورة من خارج المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون ولخصها بالنقاط التسع التي تلاها ووزعها على حضور لقاء قصر الصنوبر، بعد تسمية الرئيس المكلف مصطفى أديب لتهبط المداورة من المجهول، وتتحوّل الى مصدر للأزمة الحكومية الراهنة، ولم يعد خافياً أن الحريري هو الأب الشرعي لنظرية طرحها الرئيس فؤاد السنيورة لوضع اليد على وزارتي المال والطاقة تحت عنوان المداورة، انطلاقاً من إدراك أن العقوبات على وزير المال السابق المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، جاءت تتمة لنظرية المداورة أي تجريد ثنائي أمل وحزب الله من وزارة المال للضغط السياسي لإضعاف الثنائي، لكن الحريري له حسابات لا بد من معرفتها لفهم استحضاره لنادي رؤساء الحكومات، ولتبني نظرية السنيورة بالمداورة، والتغريد لها كهدف وطني كبير وجليل، رغم حصرها في وزارة المال، وتجاهل نص المادة 95 الذي لم يتناول لا تخصيص ولا عدم تخصيص وزارة بطائفة خلافاً لكلام الحريري، واكتفت بطلب تمثيل عادل للطوائف في الحكومة، والتمثيل العادل هو منطلق الثنائي للتمسك بما سُمّي بالتوقيع الثالث، بينما نصت المادة 95 صراحة على ما يدعو للتمسك بالمداورة في وظائف الفئة الأولى برفضها تخصيص طائفة بوظيفة، بينما القائم منذ الطائف هو العكس، خصوصاً في المراكز العليا في الدولة من قائد الجيش وحاكم المصرف الى مدراء الأمن الداخلي والأمن العام ومجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة وسواها من مراكز لا يكرّسها نص ولا عرف، ولم يتحدّث أحد عن مداورة فيها.

الحريري يعرف هشاشة تمثيل رؤساء الحكومات الذين منحهم الشراكة في إدارة الملف الحكومي، كما يعرف هشاشة المستند الدستوري والميثاقي والسياسي لإثارة المداورة لسحب وزارة المال من يد الثنائي كشرط لولادة الحكومة من جهة، كما يعرف ما يمكن أن ينتج عن شراكة رؤساء الحكومات في المسار الحكومي من تسمية الرئيس المكلف الى شروط التأليف، وعن إثارة ملف سحب وزارة المال من يد الثنائي، خلافاً لتقديرات شريكه في نادي الرؤساء السابقين للحكومة، الرئيس فؤاد السنيورة، فالنادي سينتج اسماً لمرشح لرئاسة الحكومة يحمله الحريري لأحد الشريكين، وهذا هو الحال مع تسمية الرئيس مصطفى أديب الذي عمل كمدير مكتب للرئيس نجيب ميقاتي، وسينتج عن الشراكة مع السنيورة وميقاتي خصوصاً مزيد من التصعيد على الثنائي والعهد وتعقيد لمسار الرئيس المكلف، لكنه سيظهر الحريري بمظهر رافض التفرّد ويفتح له خطوط التواصل التي يملكها شركاؤه مع كل من واشنطن والرياض، والمداورة بيقين الحريري في هذا الظرف ومن خارج المبادرة الفرنسية التي قرر الثنائي التعامل الإيجابي معها، بما تعنيه من استهداف لموقع الثنائي من بوابة وزارة المال التي لم يعاند الحريري تسلّمها من ممثل للثنائي مراراً، هي المدخل الذي يتيح له تفخيخ مسار نجاح الرئيس المكلف ودفعه نحو الفشل والاعتذار، من دون أن يحمل مسؤولية إفشاله، ومن دون أن يحمل مسؤولية إراقة دماء المبادرة الفرنسية، لكن النتيجة التي يأمل الحريري بلوغها هي فتح الطريق مجدداً لعودته لرئاسة الحكومة، بتسمية يتوقع قبول التيار الوطني الحر بها تحت ظلال إنقاذ المبادرة الفرنسية، وعدم تحمل مسؤولية إفشالها، وفتح حوار مع الثنائي عنوانه أنه في حكومة يرأسها كرئيس قوة سياسية لا تعارض مع تسمية سياسيين، ولا مع تسمية وزير مال من قبل الثنائي، لأن حجم ووزن رئيس الحكومة هو المسألة. وهذا الحوار الذي يفترض أن يسبق التسمية يتيح العودة للتفاهم الذي يمنحه تسمية الثنائي لاسمه، وفقاً لتقديرات الحريري.

الحريري الذي لم يبق اسماً من كنفه إلا وأجهض فرص وصولة للتسمية النهائية بعد استقالته منذ عام، ولم يهضم بعد دخول الرئيس حسان دياب نادي رؤساء الحكومات، لم يستسغ منح الفرصة لسواه للنجاح بقيادة حكومة إنقاذ قد تبدأ بصفتها انتقالية، ولا تلبث ان تتحول دائمة ويتحول رئيسها لمرشح دائم، والرئيس المكلف مصطفى أديب الحريص على مراجعة الحريري في كل شاردة وواردة، ينظر إليه بالريبة والشك من قبل الحريري إذا تمكن من عبور مخاض التأليف، مع دعم خارجي للإنقاذ، ويعتبره مشروعاً منافساً سواء لحساب طموحات شخصية أو لحساب مرجعية فرنسية أو لحساب الرئيس ميقاتي، رغم كل التطمينات التي يقدّمها أديب للحريري بالولاء، والحريري الذي لا تربطه علاقات يعتد بها مع الفرنسيين في عهد ماكرون، يفضل رئاسة الحكومة في ظلال تفاهم يضم مع باريس كلاً من واشنطن والرياض، وهو ما يعتقد ان فرنسا ستتجه نحوه عندما تتعثر تجربة أديب نحو البحث بمظلة سياسية داخلية وخارجية تسبق النسخة الثانية من المبادرة التي يتوق الحريري ليكون عنوانها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الثنائي الشيعي لن يوافق على حكومة أمر واقع

باريس أمام الاختبار: التوافق أو الانفجار السياسي

الثنائي الشيعي لن يوافق على حكومة أمر  واقع
(هيثم الموسوي)
ابراهيم الأمين

الإثنين 14 أيلول 2020

ابراهيم الأمين

التعقيدات التي تحيط بعملية تأليف الحكومة ليست مستغربة. وعدم الاستغراب مردّه الى طريقة عمل الرئيس المكلف مصطفى أديب ورعاته المباشرين، المحليين منهم والخارجيين. يكفي أن تستمع الى صغيرهم يقول «لا أحد يقدر على منع تشكيل الحكومة ومواجهة العالم»، حتى تفهم خلفية البحث في حجم الحكومة وتوزيع الحقائب وحتى اختيار الأسماء.

المشكلة لا تتصل حصراً بالحسابات الخاصة بالقوى المحلية، بل أيضاً بالعقلية التي تسيطر على عقل المستعمر الفرنسي الذي يبدو أنه «داخ» بالهمروجة التي رافقت زيارتي إيمانويل ماكرون للبنان. الكارثة تكتمل إذا ظن الفرنسيون أن مواقع التواصل الاجتماعي والضخ الإعلامي يعبّران عن حقيقة الوقائع الجديدة في لبنان. ولكن، من المهم هنا لفت الانتباه الى ان الفرنسيين ليسوا كلهم على هذا المنوال. كما في كل بلد وفي كل إدارة، هناك العاقل الذي يعرف المعطيات، ويعرف الفرق بين «الخبرية» و»المعلومة».
اليوم يقف الجميع عند سؤال وحيد: هل يحمل مصطفى أديب تشكيلته الى الرئيس ميشال عون على قاعدة «وَقِّعها بلا نقاش»؟
بعيداً عن كل كلام منمّق، فإن نادي رؤساء الحكومة السابقين اعتبر أن التفاهم على خروج لائحة المرشحين لرئاسة الحكومة من عنده، يعني أنه المرجعية الحاكمة لكل رئيس حكومة من الآن فصاعداً. لكنّ الاجتهاد هنا لا يتعلق بعرض أسماء المرشحين وحسب، بل بآلية العمل. ولذلك، يتصرف الرؤساء فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وسعد الحريري على أساس أنهم أمام فرصة نادرة لفرض حكومة على تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل. وفي دفاتر السنيورة وميقاتي حسابات طويلة وعميقة ومعقدة مع عون ومع حزب الله. وهما، والى جانبهما الحريري، طوّقوا الرئيس المكلف منذ اليوم الاول، وأفهموه أنه أمام فرصة لم تتح لغيره، وهي أن يقوم بفرض شروطه (شروطهم)، وأن سيف الضغط الدولي على لبنان سيمنع الآخرين من الاعتراض. وصار هؤلاء يتحدثون عن العقوبات الأميركية أو الأوروبية على شخصيات لبنانية، باعتبارها السلاح الذي يوازن سلاح حزب الله، وأن الوصاية الفرنسية تعطّل الدور الإضافي الذي لعبه عون، بخلاف بقية رؤساء الجمهورية الذين وصلوا الى بعبدا بعد اتفاق الطائف. ولذلك فإن ميقاتي والسنيورة قالا مساء أمس إن اديب سيحمل تشكيلته الى عون ويضعها أمامه، وإن الأخير سيوقّعها، وإن كل ما يقدر عليه بري وباسيل وحزب الله هو الاعتراض ببيانات… و«انتهى الأمر».
المشكلة هنا لم تعد تخصّ الرئيس المكلف (ليس معروفاً من هو فريقه، من يساعده ومن يستشيره… إلخ)، بل تخص الفريق السياسي المحلي والخارجي الذي يفترض أن حكومته تمثل فرصة لتحقيق انقلاب سياسي كبير في البلاد، وأن لبنان ليس أمامه أي فرصة للنقاش. وإذا أراد الحصول على مساعدات مالية من العالم، فليس له الحق في التعامل مع تركيبة الحكومة كما كان يجري سابقاً.
أصحاب وجهة النظر هذه، قالوا إنه يمكن اللجوء الى تشكيلة حكومية من نوع جديد. يعني أن تكون حكومة مصغرة من 14 وزيراً، بحيث يفرض على بعض الوزراء تولّي أكثر من حقيبة. ويمكن عندها أن يحتفظ رئيس الحكومة نفسه بحقائب حساسة، ويوكل أمر إدارتها إلى مساعدين تقنيين. وتعمل هذه العقلية على أساس اختيار شخصيات قد لا تكون معروفة للناس. ويجري الحديث عن سبعة من الوزراء من الذين يعيشون في الخارج ويزورون لبنان في العطل والمناسبات الاجتماعية. والحجة أن هؤلاء لديهم سيرة ذاتية اختصاصية، وأنه سيكون من الصعب إخضاعهم لتأثيرات القوى المحلية، وأن يتم تحييد الحقائب الخدماتية الأبرز، مثل المالية والاتصالات والطاقة والأشغال العامة، بينما يجري اختيار «هامشيين» لوزارتَي الدفاع والخارجية بما يشير الى أنه ليس لديهما عمل جدي. كل ذلك على قاعدة أن الذين يتم اختيارهم، لن يمثّلوا استفزازاً للقوى الرئيسية في البلاد. وسيكون أمامهم جدول أعمال محصور بمهام الحكومة لا غير، وليس لهم أي طموحات سياسية أو صلات تدفعهم إلى أن يكونوا في حضن القوى السياسية.
الفرنسيون ليسوا بعيدين عن هذه المناخات. لكن الاشكالية بدأت مباشرة بعد تكليف أديب، إذ بينما تطلّب أمر تكليفه إجراء الاتصالات والمشاورات والحصول على موافقة القوى البارزة في المجلس النيابي، فإن العكس هو قاعدة العمل الآن. بمعنى أن من يقف خلف أديب يعتبر أنه لا داعي لمشاورة أحد في أمر التأليف، وأن من الأفضل أن تبتعد القوى السياسية عن الحكومة أصلاً. ولذلك، نصح الفريق ذاته الرئيس المكلف بعدم التشاور مع الآخرين. فقرر هو الاستجابة، وعقد اجتماعات كانت على شكل علاقات عامة، لكنه ليس مضطراً إلى محاورتهم في أمر الحكومة.
بعد مرور نحو عشرة أيام على تكليف أديب، توصل الرئيس عون ومعه الرئيس بري كما حزب الله وباسيل الى نتيجة مفادها أن هناك من يريد فرض حكومة أمر واقع، وينتزع موافقتهم من دون نقاش. وخشية الوصول الى صدام مباشر، بعث هؤلاء برسائل متنوعة الى الرئيس المكلف، لكن الأخير لم يكن على الخط. وفجأة خرجت العقوبات الاميركية على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، مع تهديد صريح بوضع آخرين مقرّبين من الرئيس عون على لائحة العقوبات. وتبين أن نقاشاً حال دون وضع اسم الوزير السابق سليم جريصاتي على اللائحة، وجرى التعامل مع هذه الخطوة على أنها رسالة الى هذه القوى، وأن عليها التعجيل في تأليف الحكومة وإلا فالعقوبات المباشرة.
الرئيس عون، كما الرئيس بري وحزب الله، وجدوا أن من المناسب لفت انتباه الجهة التي تلعب دور الوصاية الى أن هناك مشكلة قد تتفاقم وقد تعرقل كل المبادرة الفرنسية. وبناءً عليه، كانت زيارة اللواء عباس ابراهيم الى باريس، وهو يمكن أن يزورها مجدداً خلال الايام القليلة المقبلة، بعدما انتقل إليها أمس النائب السابق وليد جنبلاط، وحيث يقيم هناك كثيرون من المتعاطين بالشأن اللبناني من لبنانيين وغير لبنانيين أيضاً.
زيارة إبراهيم لباريس كان هدفها إبلاغ الجانب الفرنسي، من خلال قناة رئيس المخابرات الخارجية برناردر إيميه، أن هناك مشكلة قائمة، وأنها قد تتحول الى مشكلة أكبر إذا لم يبادر الفرنسيون الى تدارك الأمر. وبحسب ما هو متداول، فإن نتيجة الزيارة الاولى كانت في تولي الفرنسيين التواصل مباشرة مع القوى المحتجة، ومحاولة الوقوف على رأيها لمناقشته مع أديب نفسه، وسرت معلومة مفادها أن باريس «طلبت من أديب التريث».
عملياً، الفرنسيون كانوا يهتمون بمعرفة تفاصيل كثيرة. ويبدو أنهم سمعوا كلاماً مباشراً يتعلق بأصل المبادرة ودورهم في هذه المرحلة، ويمكن تلخيص الرسالة الواضحة لهم بالآتي:
أولاً: لقد قررتم المبادرة في لبنان بعدم ممانعة أميركية، وحيادية سلبية لعواصم عربية أساسية. لكنكم دخلتم بيروت هذه المرة بتسهيلات من قوى لبنانية أساسية وبدعم عواصم إقليمية. وإذا كنتم تشعرون بأنه يمكنكم القيام بأمر ما وحدكم، من دون الاخذ بالاعتبار الحسابات الجديدة في لبنان والمنطقة، فهذا يهدّد ليس مبادرتكم فحسب، بل مجمل دوركم، ومن المفيد الانتباه الى أن ما تقومون به في لبنان اليوم، قد يمثل آخر فرصة لكم في المنطقة.
ثانياً: إن التسهيلات التي حصلتم عليها بشأن البرنامج الزمني وبشأن اختياركم لرئيس الحكومة المكلف، كان من باب الايجابية، لكن ذلك لا يعني أن لديكم التفويض للقيام بكل ما ترونه مناسباً لكم أو لمصلحة حلفاء لكم في لبنان على حساب الآخرين. وبالتالي، فإن الإجماع الذي حصل حول المبادرة وحول التكليف سيسقط نهائياً، وسيكون مكانه الانقسام الذي يعكس حقيقة الوضع على الارض، لا الذي يتخيله بعض القائمين على «حركات صبيانية» في بيروت.

نادي رؤساء الحكومة يمنح نفسه شرعية دستورية وبرلمانية وسياسية ويتصرف كما لو أن الحكم بيده وحده


ثالثاً: إن التهديد بالعقوبات الاميركية أو الفرنسية أو الاوروبية، لا يمكن أن يكون عاملاً حاسماً بتولي الدور السياسي. وإذا كانت العقوبات بسبب دعم الارهاب، فهذا أمر لن يكون له أي تأثير على مواقف القوى الاساسية التي تسعى فرنسا للتفاهم معها. أما إذا كان على أساس الفساد ويطال من تورط فعلياً في الفساد، فهذا أمر سيكون محل ثناء وشكر، لأنه يساعد اللبنانيين حيث فشل قضاؤهم في تحقيق العدالة.
رابعاً: إن الوضع لا يحتمل المداراة أو تدوير الزوايا، وإن الوصول الى تفاهمات واضحة بشأن المرحلة المقبلة لا يتم من خلال الطريقة المعتمدة في تأليف الحكومة. فهذا الأداء سيؤثر بقوة على المصالح الفرنسية، وليس حصراً على المبادرة الفرنسية. وبالتالي، فإن الاعتقاد بأنه يمكن فرض حكومة على رئيس الجمهورية أو على المجلس النيابي ومن ثم السعي الى تجاوز رئاسة الجمهورية وفق الطريقة التي اعتمدت مع الرئيس السابق إميل لحود، أو السعي الى انتزاع صلاحيات استثنائية من المجلس النيابي رغماً عنه، كل ذلك يحتاج الى أكثر من انقلاب سياسي في البلاد، وعلى فرنسا الاستعداد لتحمل مسؤولية مثل هذه الامور.

المفاجأة والمبادرة

الجانب الفرنسي يعلم جيداً الكثير من هذه المعطيات. وهو يدرك أن الأمر لا يتعلق بشكليات مثل التي اقترحها أحدهم، بأن يعقد أديب اجتماعات سريعة مع ممثلي القوى كافة، وخصوصاً باسيل وحركة أمل وحزب الله، ثم يعود ويطرح تشكيلته، بل إن الأمر يتعلق بالدور الحقيقي للحكومة المقبلة. وإن فكرة تمرير تشكيلة من الاسماء التي يراد إقناع اللبنانيين بأنها مستقلة عن القوى السياسية لكنها مختارة من قبل عواصم الاستعمار، سيحوّل هؤلاء الى عملاء في نظر قسم كبير من الناس، وسيجري التعامل معهم على هذا الاساس. وبالتالي، فإن المجلس النيابي لن يكون حيادياً كما جرت عليه العادة يوم كان لغالبية قواه تمثيلهم المباشر داخل الحكومة.
حتى الآن، لا يظهر أن هناك عنجر ودمشق والزبداني، لكن قد نصل الى هذه المرحلة. عندما ينقل زوار باريس معلومات فيها شيء من التناقض بين ما يقوله مسؤولو المخابرات الخارجية وما يقوله مَن يُعرف بمسؤول ملف لبنان في الرئاسة الفرنسية وما يقوله السفير في بيروت، والذي يريد إنجازاً ما قبل مغادرته الى مكان عمل آخر، فإن هذه التناقضات قد لا تكون واقعية بقدر ما تمثل الدور الفرنسي غير المكتمل إزاء الازمة اللبنانية. الأكيد أن اللبنانيين صاروا ينقلون كل ساعة روايات متعارضة حول موقف باريس من هذه القضية أو تلك. طبعاً لن يمر وقت طويل قبل أن يصبح عندنا مَن هم مِن «جماعة السفارة» أو «جماعة إيميه» أو «جماعة إيمانويل بون»، هذا عدا عن لبنانيين يعيشون في باريس أو سبق لهم أن عاشوا طويلاً في باريس، ويعرضون خدماتهم على السياسيين اللبنانيين لأجل ترتيب لقاءات أو اتصالات لهم في العاصمة الفرنسية… إنها سوق رائجة بقوة عند اللبنانيين، ومن المفيد التعرف على النسخة الاوروبية منها الآن.
المهم أن الساعات المقبلة ستفرض على الفرنسيين تحمل المسؤولية عن سياق المبادرة التي يقودونها. إما حكومة تحظى بإجماع كبير كما هي حال تكليف رئيسها، وبالتالي ستكون هناك مشاركة كاملة في عملية التأليف، أو حكومة أمر واقع لا تتمثل فيها قوى أساسية لها تمثيلها الطائفي ولها موقعها السياسي الكبير ايضاً.

تواصل الفرنسيون مع القوى المحتجّة على مسار التأليف ثم طلبوا من أديب التريث


من بين الامور التي جرت مناقشتها في اليومين الماضيين، بما في ذلك مع الفرنسيين، أن المطلب الذي يرفعه حزب الله وحركة أمل بشأن تسمية وزير المالية، أخذ بُعداً جديداً بَعد العقوبات الاميركية، ويبدو أن الموقف سيكون أكثر تشدداً حيال فكرة أن تتم تسمية وزير بالنيابة عنهما. وبمعزل عن خلفية الموقف لدى الطرفين، وعن كل النقاش الدائر في البلاد، فمن المفيد معرفة واقع أن الثنائي الشيعي يتصرف على أساس أنه «مستهدف هذه المرة بأكثر من السابق، وأن الهدف كان ولا يزال هو رأس المقاومة»، وهو ما دفع بمطلعين الى الكشف عن احتمال من اثنين:
إما أن يرفض الرئيس عون تشكيلة أديب المفروضة وبالتالي لا يكون التأليف، وساعتها يبرر عون والتيار الوطني موقفهما بعدم الرغبة بالمشاركة في حكومة يرفضها الثنائي الشيعي، وإما أن يقبل عون بالتشكيلة رامياً بالمشكلة الى حضن المجلس النيابي، وفي هذه الحالة، يفكر الثنائي في مقاطعة الجلسة النيابية، فلا يترأس الرئيس بري جلسة مناقشة البيان الوزاري، ولا يحضر نواب حركة أمل وحزب الله الجلسة.
وفي كل حالة من الحالتين، سيكون الفرنسيون أمام اختبار لبنان الجديد، لا لبنان الكبير الذي أنتجوه على شاكلة الذين يشكون منهم اليوم، وحيث لا أمل بالقيام من جديد!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أكثر من تسمية… خطوة نحو التسوية

ناصر قنديل

التوافق الذي أظهرته تسمية الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة الدكتور مصطفى أديب، وانطلاق التسمية من منصة رؤساء حكومات سابقين يصعب تلاقيهما على المشاركة بتسمية توافقية تحظى بقبول الغالبية النيابية وفي قلبها حزب الله، وتالياً العهد الرئاسيّ للعماد ميشال عون، من دون وجود موافقة خارجية تتخطى حدود باريس لتحطّ رحالها في الرياض وواشنطن، خصوصاً مع تولي الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة تلاوة التسمية تأكيداً للمشاركة فيها، وتزامن التوافق مع زيارة الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون الثانية إلى بيروت، بعد تحديد واضح لمضمون المبادرة الفرنسية، بقيامها على دعوة المكوّنات السياسية والطائفية إلى التعاون من ضمن حكومة جديدة تعمل على خطة إنقاذ مالي واقتصادي، والدعوة لوضع القضايا الخلافيّة جانباً، في توقيت كانت القوى الحليفة لباريس وواشنطن والرياض قد أعلنت رفضها الشراكة في حكومة في ظل عهد الرئيس ميشال عون، ولا تعتبر مهمتها المحورية مواجهة سلاح المقاومة، باعتباره المشكلة الرئيسية في البلد، ضمن خطة للتصعيد شقت صفوف مكونات الحراك الشعبي حول الموقف من سلاح المقاومة، ووضعت في إطار الخطة استقالات متتالية للنواب تمهيداً لانتخابات نيابية مبكرة كانت تأمل بنقل الأغلبية النيابية خلالها إلى صفوف معاكسة للغالبية الراهنة، وتعتبر أنها بذلك تلاقي التوجهات التي تلتقي عليها العواصم الثلاث باريس وواشنطن والرياض.

تلقت القوى التي لا تزال تعزف اللحن القديم صفعة عجزها عن التقاط حجم التغيير الحاصل في مراكز القرار، وذهب بعضها للإيحاء بأن هناك تفرّداً فرنسياً من خارج التفاهم مع واشنطن والرياض متجاهلين أن فرنسا لا تملك مقومات التفرد بهذا الحجم وتنجح، وأن حجم التوافق يتخطى التفرد الفرنسي، خصوصاً الإشارة التي يقدمها منتدى رؤساء الحكومات السابقين، وبات واضحاً أن هناك اتفاقاً خارجياً داخلياً على تجديد الشراكة التي كانت قائمة منذ اتفاق الطائف، وبدأت تهتزّ منذ العام 2000 بعد تحرير الجنوب وفشل المفاوضات السوريّة الإسرائيليّة، بالتزامن مع بدء حروب المحافظين الجدد، وترنّحت هذه الشراكة إقليمياً خلال خمس سنوات وانتهت بالقرار 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري، لتتحوّل حرباً في 2006، وحرباً أكبر شهدتها سورية منذ العام 2011، وبلغت الذروة في دفع لبنان نحو الانهيار، مع تجفيف كل موارده وفرصه في الاستقراض، أملاً بجعل سلاح المقاومة موضوعاً أوّلَ على طاولة التفاوض، وجاءت مخاطر هذا التوجه لتثبت تباعاً تهوره من وجهة نظر المصالح الغربية بما يتيحه من سلوك بدائل تملأ الفراغ الناجم عن التخلي الغربي عن لبنان، كما قال ماكرون علناً، في تفسير ما قاله للأميركيين، مكرراً دعوة وزير ماليته لفصل مسار تعافي لبنان عن المواجهة الأميركية عن إيران، كما ظهرت المخاطر الأمنيّة على ضفاف المتوسط، وبرز الحضور التركي المنافس وبنسبة أكبر الحضور الصيني.

خطوة تسمية الرئيس مصطفى أديب، تتخطّى مجرد الاتفاق على اسم رئيس مكلف بتشكيل الحكومة، وتفتح الباب للانتقال من التسمية إلى التسوية، حيث للتسوية أبعاد داخلية وخارجية، فمن الثابت استحالة تعويم النظام السابق سياسياً واقتصادياً، ونضوج لبنان للانتقال إلى نظام سياسي قاعدته قانون انتخاب خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس للشيوخ، كما نضوجه لنظام اقتصادي يعتمد على الإنتاج، وخارجياً سيصعب تخيّل نجاح المبادرة الفرنسية ومعها الحكومة الجديدة دون الالتفات إلى حجم الترابط بين الوضعين اللبناني والسوري، واستحالة تحقيق التقدم دون الانفتاح الفرنسي على سورية، وتعبيد طريق العلاقة بين الحكومتين اللبنانية والسورية كحاجة ملحّة في كل صعيد.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

شنكر «بق البحصة»: «وافقوا على التصوّر»!‏

ناصر قنديل

يبدأ منطق أيتام جيفري فيلتمان وأتباع ديفيد شنكر من اللبنانيين، بتقديم الأزمة المالية كنتيجة لوجود سلاح المقاومة، ويرفقونه بتوجيه اتهامات لها لا يمكن لعاقل تصديقها، أو تصديق تسبّبها بالأزمة إذا صدق صحتها، فيصير منطق العقوبات مقبولاً ومسلماً به، ويصير التراجع المطلوب هو من المقاومة، وليس من صاحب العقوبات. وهذا النقاش لا جدوى من دخوله، لأنه نفق بلا نهاية، لذلك أراد السيد شنكر أن يهوّن الأمر علينا، فبلغ النتيجة التي كنا نقول إنها هي الهدف الحقيقي للعقوبات، وفي الطريق هي الهدف للحملة على المقاومة، و»بق البحصة» وقال بالفم الملآن، «أنتم في أزمة مالية وتحتاجون الغاز الموجود بوفرة في البلوك 9 والبلوك 10، وقدّمنا لكم تصوراً لترسيم الحدود يمكنكم بالموافقة عليه بلوغ هذا الغاز، والكرة في ملعبكم الآن فوافقوا على التصور». والتصور هو ما عُرف بخط هوف الذي يخسر لبنان بموجبه نصف حقوقه من الغاز، المقدرة بمئة مليار دولار لحساب كيان الاحتلال.

الذين يدعون للسير بما يريده الأميركي ومراضاته ومراعاته، حتى يمنّ علينا عبر صندوق النقد الدولي، او عبر منح الضوء الأخضر لمؤتمر سيدر والبنك الدولي من خلاله، لتقديم بضعة مليارات من الدولارات بصيغة قروض، ويدعون لتقديم فروض الطاعة للأميركي لهذه الغاية وتجنّب كل ما يمكن ان يتسبب بإغضابه، مدعوون لإشهار قبولهم سلفاً وعلناً، بالتراجع عن رفض لبنان لخط هوف. وفي هذا السياق على الذين يتمسكون بالدفاع عن حقوق لبنان في البحر، والمتمسكين بسيادته، أن يتمسكوا بما يقطع الطريق على عبث التحريض الذي يمارسه الأميركي، عبر مقترحات توزعها السفيرة الأميركية ذات اليمين واليسار بالدعوة لتبديل مرجعية التفاوض من رئاسة المجلس النيابي، مرة نحو رئاسة الحكومة، ومرة نحو وزارة الخارجية، وثالثة نحو رئاسة الجمهورية، لأنه بإغلاق هذه النوافذ يقطع الأمل أمام الأوهام الأميركية بفرص فرض التنازل عن الثوابت اللبنانية، وبالتالي بتخفيف للضغوط المرافقة لهذه الأوهام.

الواضح من اللهجة الحانقة لشنكر على خيار «التوجه شرقاً» أنه يخشاه بالفعل، لأنه يقطع الطريق على أوهام تحقيق الأحلام التي ينتظرها قادة كيان الاحتلال بوضع اليد على الغاز اللبناني في البحر، كثمرة للضغوط المالية، فلو كان شنكر غير متأكد من جدية الصين تحديداً بالاهتمام بلبنان كوجهة اقتصادية، ومن فشل محاولات الضغط عليها للتراجع عن الاهتمام بلبنان، لاستهزأ بالدعوة، وسخر منها، بينما نراه يتحدث والغضب ينفجر بين كلماته، متحدثاً عن فضل أميركي على لبنان بمساعدته بـ 25 مليون دولار في مواجهة كورونا، ليسأل ماذا قدمت لكم الصين بالمقابل، ويحذر من خطورة الوقوع في «الفخاخ الصينية»، كحريص يذوب حرصاً على لبنان وحقوقه وسيادته، مقدماً مثال جيبوتي ليقول للبنانيين، احذروا الصين لأنها ستستحوذ على الدولة ومرافقها كما استحوذت على مرافئ جيبوتي لـ 99 سنة لقاء ديونها. وقيمة كلام شنكر القلق فعلاً من الخيار الصيني الاستثماري أنه اعتراف بجدية هذا الخيار من الزاوية الصينية، وفقاً للمعلومات الأميركية، ما يستدعي ولو من باب تحسين القدرات التفاوضية للحكومة اللبنانية، التعامل بجدية مع هذا الخيار، للوصول في النهاية إلى عروض متوازية يختار لبنان منها الأفضل له.

لا ينسى شنكر أن يقدم لجماعاته من اللبنانيين ضيافة أخلاقية، ذات بعد سيادي، فانتهاك الأجواء اللبنانية من طيران جيش الاحتلال ليس خرقاً للسيادة، لأنه لو أتيح لليونيفيل الدخول إلى الأملاك الخاصة في الجنوب، لما احتاج جيش الاحتلال لدخول الأجواء، ونعم المفهوم السيادي، ونعيماً!!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

آن الأوان للتوجّه شرقاً والتحرّر من التبعيّة الاقتصاديّة العمياء للغرب ‏

د. عصام نعمان

يغزو الغرب بلدان المشرق العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر. يفعل ذلك بالسياسة والتجارة والثقافة والعسكر. آل إليه ميراث بني عثمان في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1914-1918 فتقاسمته أقوى دُوَله آنذاك، فرنسا وبريطانيا، على نحوٍ باتت معه بلاد الشام أربعة كيانات: لبنان وسورية والأردن وفلسطين.

بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945 آلت قيادة الغرب إلى الولايات المتحدة الأميركية فشاركت دُوَله الاستعمارية التليدة المصالحَ والموارد والنفوذ وزرعت في قلب المشرق، فلسطين، كياناً لليهود الصهاينة آخذاً بالتوسع والتمدّد حتى كاد يسيطر على كامل فلسطين التاريخية ناهيك عن أراضٍ وحواضر في سورية ولبنان ووادي الأردن وسيناء.

سورية تحرّرت، منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، من سيطرة الغرب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واستحصلت من روسيا (السوفياتية آنذاك) قرضاً وازناً لبناء سدّ الفرات.

لبنان ظلّ خاضعاً للغرب على جميع المستويات. مردُّ ذلك تجذّرُ ثقافة الغرب لدى نخباته السياسية وأوساطه المستنيرة بفضل شيوع مدارس وجامعات أجنبية كثيرة تعهّدت على مدى قرنين أجيالاً متعاقبة من الطلاب، وبفعل علاقات راسخة من التبادل التجاري بين لبنان ودول أوروبا محورها تجارةُ الحرير (نفط ذلك الزمان) ونجاح اللبنانيين المتمرّسين باللغات الفرنسية والإنكليزية والالمانية والإيطالية في تقديم خدمات الوساطة بين مؤسسات الغرب الأوروبي والكيانات السياسية والإقتصادية في شتى بلدان المشرق العربي.

غير أنّ الظاهرة اللافتة في تاريخ لبنان المعاصر اقترانُ نظامه السياسي الذي ابتناه الفرنسيون منذ مطالع عشرينيات القرن الماضي بنظام الاقتصاد الحر المتفلّت من ايّ رقابة او ضوابط حكومية او أهلية رادعة. والمفارقة أنّ محاولات الإصلاح تركّزت في غالب الأحيان على النظام السياسي ولم تقارب النظام الاقتصادي الذي تمتع دائماً بشبه قدسيّة حمته من ضراوة معارضيه.

نظام اقتصادي هذه مواصفاته وممارساته المتفلّتة من اي رقابة او محاسبة كان لا بدّ من أن يتصدّع تحت وطأة الديون والخسائر والمخالفات والفضائح التي تكشّفت أخيراً. اليوم يجد اللبنانيون، مسؤولين ومواطنين، أنفسهم أمام مشهد انهيار اقتصادي ومالي مريع.

ازدادت الأزمة الراهنة تفاقماً بعجز المنظومة الحاكمة عن التوافق على أسسٍ ونهجٍ لمقاربة المؤسسات الدولية، لا سيما صندوق النقد الدولي، بغية الحصول على قروض وتسهيلات مالية تساعد الحكومة على معالجة الازمة في مختلف وجوهها وانعكاساتها. وكان الأمر على فداحته ليهون لولا انّ إدارة ترامب بادرت، في توقيت مريب، الى مباشرة تطبيق أحكام «قانون قيصر» الرامي الى محاصرة سورية وفرض عقوبات قاسية عليها وعلى المتعاملين والمتعاونين معها في شتّى الميادين.

لعلّ لبنان أشدّ المتضرّرين من تنفيذ هذا القانون الجائر لكون سورية تحيط به من جميع الجهات تقريباً، ولأنّ البلدين يتبادلان، بوتيرة يومية، مختلف أنواع السلع والخدمات والمقايضات، ليس أقلها أنّ سورية تزوّد لبنان بنحو 200 ميغاوات من التيار الكهربائي التي لولاها لعمّت العتمة الكثير من مناطقه.

إزاء تفاقم الأزمة وعجز الحكومة، ومن ورائها المنظومة الحاكمة، عن إيجاد حلول ناجعة لبعض جوانبها الأكثر تأثيراً في معيشة المواطنين، دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى لقاءٍ في قصر الرئاسة يوم الخميس المقبل للتشاور مع وبين رؤساء الجمهورية السابقين، ورؤساء الحكومة السابقين، ورؤساء الكتل النيابية في الوضع الراهن وفي ما يقتضي اتخاذه من تدابير لوقف التدهور الاقتصادي والمالي وتطويق الاحتقان الطائفي والاجتماعي.

ليس أكيداً انّ جميع المدعوّين سيلبّون دعوة رئيس الجمهورية. حتى لو فعلوا وشاركوا في اللقاء، فإنّ ما قد يتوصّلون اليه من مقترحات وتوصيات لن يقدّم ولن يؤخّر، إذ لا يمكن، بل لا يجوز، التعويل عليه لسبب بسيط هو انّ المسؤولين، مباشرةً او مداورةً، عن انحدار الدولة الى ما هي عليه من فساد ونهب للمال العام وفضائح وإهدار وتفكك وفوضى لا يُعقل أن يُطلب الى المرتكبين إصلاح أخطائهم وخطاياهم وأن يكون في مقدورهم أصلاً القيام بالمطلوب.

ذلك كله يجب ان يحفّز القوى الوطنية الحيّة، بكل ألوانها وأشكالها، على التلاقي لعقد مؤتمر وطني، بالسرعة الممكنة، يضمّ ممثلي الهيئات والنقابات والفاعليات الشعبية المتضرّرة من أفاعيل المنظومة الحاكمة وأفرعها داخل السلطة وخارجها من أجل الاتفاق على برنامج عمل لتحرير البلاد والعباد من التبعية العمياء، السياسية والاقتصادية، للغرب كما للاتفاق على النهج الواجب اعتماده للخروج من الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة وذلك باتخاذ المبادرات الآتية:

أولاً، تفعيل الانتفاضة الشعبية وتركيزها على المتطلبات المعيشية الحياتية، وضرورة إنشاء محكمة خاصة متفرّغة لمحاكمة الفاسدين وناهبي الأموال العامة، ووقف الهدر والإنفاق غير المجدي بإلغاء المصالح والصناديق الحكومية التي انتهت مهامها وباتت مأوى وملاذاً لتعيين المحاسيب والأزلام.

ثانياً، التوجّه شرقاً الى الصين التي تعرض تمويل وتنفيذ رزمة مشاريع إنمائية تتعلق بتطوير مرفأي بيروت وطرابلس وربطهما بخط سكة حديد يصل الى بغداد، وإنشاء خطوط سكك حديد سريعة من العريضة شمال طرابلس الى الناقورة جنوب صور، وتنفيذ وتشغيل معامل كهرباء وشبكات نقل لتوفير الكهرباء بصورة مستدامة، وإنشاء وتشغيل نفق ضهر البيدر إلخ… كما من الضروري أيضاً الانفتاح على سائر الدول والمؤسسات الأممية التي يمكنها تمويل وتنفيذ مشاريع إنمائية مماثلة.

ثالثاً، الضغط على الحكومة لإنشاء هيئة وطنية من شخصيات واختصاصيين من ذوي الخبرة والرؤية مهمتها تقديم خطة وبرنامج لإلغاء الطائفية السياسية، ومشروع قانون للانتخابات يكفل صحة التمثيل الشعبي وعدالته وإحالته على مجلس النواب لإقراره، وإذا امتنع يُصار إلى عرضه على استفتاء شعبي لإجازته الأمر الذي يشكل خطوة ثورية دستورية تنقل لبنان من الجمهورية الأولى المترهّلة الى جمهورية ثانية شابة مدنية وديمقراطية.

آن أوان الانتقال من حلاوة الأقوال الى صلابة الأفعال.

الحريري وموازين الربح والخسارة في لقاء بعبدا

ناصر قنديل

فيما يجنح النائب السابق وليد جنبلاط نحو ترميم البيت السياسي الداخلي لطائفته، ويضمن إغلاق النوافذ أمام الاختراقات، أو أمام الاستثمار على الخلافات لجعلها مدخلاً لتصفية حسابات في ظل سعي موازٍ بتنظيم العلاقة برئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر، على قاعدة عنوانها الفصل بين الوطني والسياسي، فيسلّم الراية لرئيس مجلس النواب نبيه بري لهندسة الخطوتين، فإن جنبلاط يضع أمامه خطورة المرحلة وما يرد من معلومات عن وجود مخططات للعبث الأمني، بالتزامن مع قراءة لاتجاه الوضع الاقتصادي والاجتماعي نحو المزيد من التأزم، مستنيراً بصورة ثنائي حزب الله وحركة أمل، أملاً بتحقيق بعض التعاون والتبريد والتهدئة للعصبيات الحزبية في الجبل، رغم صعوبة وجود أرضية سياسية تجمعه بالنائب طلال أرسلان كالتي تجمع الثنائي، تتيح بلوغ مراتب التنسيق لضبط الشارع والجغرافيا في أداء الثنائي.

المسعى الذي ترجمه الرئيس بري في جمعه لجنبلاط وارسلان، يشكل مشروعاً كاملاً لديه، لمحاولة وضع الخلافات السياسيّة في إطار يحمي الساحة من الاختراقات، ولا يرمي لإنهائها أو لجعل أحد الفريقين رابحاً والثاني خاسراً. فالوضع خطير ويزداد خطورة، وما سيجعل الانهيار كارثياً هو أن يتلاقى الضغط الاقتصادي مع توترات سياسية تتحول طائفية ومذهبية وحزبية، ثم يفاجأ الجميع بلاعب أو بلاعبين جدد يدخلون الساحة من بوابة الخلافات والفوضى وفقدان السيطرة، ولذلك سعى بري لإقناع من يستطيع إيصال صوته إليهم بأهمية المشاركة في لقاء بعبدا، الذي لا يجوز النظر إليه كسياق لإلغاء المعارضة، بل لمشاركتها في خطة تحصين تتيح للصراع السياسي أخذ مساحة التأثير اللازمة، في مناخ صحي غير قابل للتفلت، ويبقى تحت السيطرة.

الرئيس سعد الحريري يشكل الحلقة الأهم في مسعى بري، لكن الحريري يعتقد، كما بعض أوساطه، أن مشاركته خسارة كاملة له وربح كامل لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اللذين يعتبرهما الحريري الخصمين الراهنين، فيختلط في الحساب مصطلح الخصومة بمصطلح القطيعة، ويمكن النظر لهذه الرؤية كتعبير عن استجابة لاواعية لمناخ شعبوي عنوانه إسقاط العهد والحكومة، وكأن الأمر وارد وراهن وممكن وفي الطريق، ويأتي اللقاء في بعبدا فيجهض كل شيء؛ بينما يعلم الحريري ومستشاروه، أن الأمر الوارد حدوثه قبل بلوغ لحظة فاصلة نحو إسقاط الحكومة وبعدها العهد، هو إسقاط زعامة الحريري نفسه، لأن المشروع الذي يملك مقدرات وأجهزة مخابرات وأموالاً، تحت عنوان إسقاط الحكومة والعهد يدرك استحالة تحقيق المهمة، فيكتفي منها ببلوغ مرتبة متقدّمة من الفوضى، ويكتفي من الفوضى بالسيطرة على شمال لبنان، ومن السيطرة على شمال لبنان تكفيه نهاية الزعامة الحريريّة، والحريري يدرك بالتفاصيل مضمون هذا الكلام.

التهدئة السياسية، وسحب المناخات المتوترة تجهض المشروع الواقف وراء الباب، وتمنح اللاعبين المدعوين إلى بعبدا فرصة الربح المتبادل، بقطع الطريق على مشاريع مموّلة من الخارج لإنتاج زعامات بديلة، او تعويم زعامات سابقة أصابها الضعف، أو التهميش، ولهذا يفكر الجميع بإقفال الأبواب أمام هذه الفرص، ومعها يسعى بري لإقفال الأبواب أمام الفتن. والفتن ليست فقط مذهبية، بل داخل المذهب الواحد، وليست محصورة بمنطقة وطائفة، بل هي تستهدف كل المناطق والطوائف، لكن ما بات منها قيد التشغيل هو ما يعدّ للعائلة الحريرية، وما يقطع الطريق عليه شيء واحد، اسمه الحصانة الوطنية، التي لا يوفرها لقاء رؤساء الحكومات السابقين، حيث واحد منهم لا حول ولا قوة، وآخر ينتظر ساعة سقوط الحريريّة ويفتح القنوات مع بدائلها الشمالية ورعاتهم لاستثنائه من الاستهداف، وثالث يمهّد للحريري طريق السقوط أملاً بالوراثة.

الحريري يجمع رؤساء الحكومات: دياب غريمنا

إيلي الفرزلي

 الجمعة 1 أيار 2020

الحريري يجمع رؤساء الحكومات: دياب  غريمنا
(أ ف ب )

من المبكر القول «مبروك للبنان». ذلك مسار طويل مليء بالمطبّات ستسير عليه الخطة المالية التي أقرّتها الحكومة أمس. لكن مع ذلك، فإن حسّان دياب ردّدها أكثر من مرة، مبدياً التفاؤل بخطة حكومته التي «تنتهي بها وعبرها مرحلة التخبّط في سياسات مالية أوصلت البلد إلى حالة الانهيار الحالية».

تلك عبارة يتحسس منها كثيرون، من مردّدي نغمة «الحكومة تسعى إلى الانتقام من الحريرية». يتجاهل هؤلاء حقيقة أن المشكلة الأولى للحكومة أنها لا تزال ترفض محاسبة من أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه، وفي مقدمتهم الحريرية وشركاؤها. والمقصود هنا سياسات الأب والابن ومن مثّلهما في رئاسة الحكومة، ومن عاونهما ومكّنهما من تنفيذ السياسات التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. مع ذلك، لا يتردّد رؤساء الحكومة السابقون، بالوقوف سداً منيعاً أمام محاولات نبش المغارة. صار البحث عن الأموال المسلوبة انتقاماً. وصارت الإشارة إلى فشل رياض سلامة في القيام بوظيفته انتقاماً. وصار المس بمصالح المصارف التي تسرق الناس انتقاماً. لكن أن يسارع أربعة رؤساء حكومة قادوا البلد إلى الغرق، على الأقل منذ عام ٢٠٠٥ إلى عام ٢٠٢٠، لتحميل مسؤولية الانهيار إلى خلفهم الذي لم يمض على تولّيه مسؤوليته المئة اليوم، فذلك مسموح. فات الحريري هنا أن حرده بعد تقديم استقالته في تشرين الأول الماضي، ورفضه القيام بأي إجراء من شأنه الحد من الانهيار، الذي كان يتسلل إلى جسد الدولة، يكفي لمساءلته.
خطة دياب وحكومته ليست مثالية. يسهل نقدها وانتقادها في كثير من البنود، لكن هذا لا يمكن أن يكون حقاً لمن قاد البلاد إلى الانهيار.

نجيب ميقاتي يكره الحريري والحريري يكرهه. ذلك لا يحتاج إلى دليل، لكن يجمعهما كره دياب أيضاً، الآتي من خارج النادي، الذي يضمهما إلى فؤاد السنيورة وتمام سلام. لا دور لهذا النادي سوى التحريض الطائفي والمزايدات. ميقاتي يجيد هذه اللعبة، وكذلك السنيورة. لكن الحريري، آكل حقوق مئات العائلات من موظفي مؤسسات المستقبل، فيسمح لنفسه بتقييم خلفه، وبتحديد متى يجب أن تسقط حكومته. صدّق الحريري أنه ابن انتفاضة ١٧ تشرين. لكنه أفتى أمس بأن «المتظاهرين ليسوا من جمهوري، فجمهور رفيق الحريري ما بيعتدوا وما بيكسروا وما بيدمروا». ليس هذا فحسب: «جمهورنا يعرف ما تمر به المنطقة وينتظر حتى يستطيع التغيير».

لرؤساء الحكومة السابقين أن يتّهموا من يشاؤون، لكن عليهم تسليم السنيورة إلى القضاء


ثقة الحريري بنفسه تسمح له بالافتراض أن الناس سيصدقونه، عندما يعاهدهم، مع ناديه، بأن «نبقى أمناء لقضاياهم ومشكلاتهم التي هي مشكلات وطنية لا يمكن تجاهلها ولا غض النظر عن الإساءات التي تسبب بها هذا العهد وحكومته لجمهور المواطنين ولنظام لبنان ودستوره». ماذا عن الإساءات التي سببتها حكومتا العهد الأولى والثانية برئاسة الحريري، أحد طرفي التسوية الرئاسية؟

يتذاكى الحريري عندما يدعو إلى «العودة إلى إقرار الإصلاحات الواجب اعتمادها من دون أي تأخير، بدلاً من التلهّي بحرف الانتباه عن جذور المشكلات وأسبابها الحقيقية. وبالتالي، افتعال معارك سياسية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والتوتر في البلاد، وإلى تبديد الموارد وفرص الخروج من المآزق المنهالة على لبنان». لا داعي للتوقف عند التهديد الذي تتضمنه هذه العبارة، لكن لا بد من التنبه فعلاً إلى «جذور المشكلات». يحلو لرؤساء الحكومة السابقين أن يختصروا «المشكلات الحقيقية» بقطاع الكهرباء وما سبّبه من مفاقمة للدين العام. هذا جزء من الحقيقة. الكهرباء واحد من مزاريب الإنفاق التي لم يوقفها أحد. لكن تبقى الإشارة إلى جذور المأزق ناقصة، إذا لم توجه أصابع الاتهام إلى السنيورة. أول أشكال الفساد كان التلاعب وعدم التدقيق بالحسابات المالية للدولة منذ عام ١٩٩٣ حتى عام ٢٠٠٩.

يمكن لرؤساء الحكومة السابقين أن يتهموا من يشاؤون، لكن عليهم، على الأقل، تسليم السنيورة إلى القضاء، الذي يُمنع من فتح الملف من جهة، ثم تتم المطالبة باستقلاليته من جهة أخرى. ليس هذا فحسب. لمزيد من الدعم للقضاء، لا ضير في أن ترفع المرجعية الدينية الخطوط الحمر!

حكمة أمس، كانت في البند الثالث من بيان رؤساء الحكومة: التوقف عن محاولات تحويل النظام اللبناني من نظام ديموقراطي برلماني الى نظام رئاسي، كما التوقف عن ضرب صلاحيات رئاسة الحكومة وجعلها مطيّة طائعة صاغرة لأحقاد أو أطماع صغيرة لهذا أو ذاك…

يحار المرء هنا من يصدق. ميقاتي الذي لطالما اتهم الحريري بالتفريط بصلاحيات رئاسة الحكومة، أم الحريري الذي سار في تحالف ظنّه مربحاً، ليس لرئاسة الحكومة طبعاً، بل لشخصه. ثم خرج عندما لم يحقق مبتغاه، متذكراً صلاحيات المنصب وحقوق الطائفة.

في المحصلة، أعطى الحريري الفرصة لدياب، بعدما اطمأن إلى أن صندوق النقد حاضر في الخطة الحكومية. قال الحريري: «سنقرأ الخطة، وإذا كانت جيدة فسنتعاون بالعمل على إنجاحها، وإذا فشلت الحكومة فأنا طبعاً مع إسقاطها في شكل شنيع».

المهمة ثقيلة أمام الحكومة، ليس لأن الحريري يراقب عملها، بل لأن «الدولة في حالة انهيار شبه كامل، والواقع المالي يستند إلى أرقام غير واقعية، واستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية هو وهم نعيشه ونصدّقه»، كما قال دياب عقب انتهاء جلسة مجلس الوزراء الذي أقرّ بالإجماع الخطة المالية الاقتصادية.


الحكومة تقرّ الخطة الاقتصادية
تنطلق الخطة الاقتصادية للحكومة من ضرورة البدء فوراً بتنفيذ الإصلاحات على مستوى إدارة الدولة، والسياسة المالية، والقطاع المالي، والمصرف المركزي، والحساب الجاري، وميزان المدفوعات، وهي حدّدت أهدافاً على مدى خمس سنوات، منها:

ــــ انحسار العجز في الحساب الجاري إلى 5.6 بالمئة.
ــــ الحصول على دعم مالي خارجي يفوق 10 مليارات دولار، بالإضافة إلى أموال مؤتمر سيدر.
ــــ العودة إلى النمو الإيجابي اعتباراً من عام 2022.
ــــ اعتماد الدعم المباشر وغير المباشر للفئات غير الميسورة وتنفيذ برامج اجتماعية في هذا المجال.
ــــ العودة إلى الفائض الأولي في المالية العامة في عام 2024، وهيكلة محفظة الدين السيادي وتقليص نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى ما دون 100 بالمئة.
ــــ إعادة هيكلة القطاعين المصرفي والمالي للسماح للاقتصاد بإعادة الانطلاق وتوفير فرص عمل جيدة ومستدامة.

وأشار دياب إلى أن الخطة بنيت على أسس تسمح للبنان بالحصول على الدعم الدولي المطلوب لجهة إعادة إطلاق العجلة الاقتصادية، وإعادة رسملة المصارف والمؤسسات، وتأمين شبكات الأمان الضرورية والبنى التحتية التي طال انتظارها، وذلك لإعادة إخراج معظم اللبنانيين من حالة الفقر والعوز.

وأوضح دياب أن الحكومة ستقوم بالإصلاحات الأساسية، مثل قطاع الكهرباء ونظام نهاية الخدمة وتعويض الصرف والضرائب العادلة والتصاعدية التي لا تصيب العمل والإنتاج. وسوف تحظى مسألة استعادة الأموال المنهوبة بحيّز أساسيّ من عمل الحكومة للتعويض على اللبنانيين عن الجرائم التي اقترفت بحقهم.

أما على صعيد القطاع المصرفي، فتهدف الخطة إلى حماية أموال المودعين وتقوية المصارف وإعادة هيكلتها، لكي تستطيع تأمين أموال الناس والخدمات الأساسية للاقتصاد، على أن يعيد البنك المركزي التركيز على عمله الأساسي، أي حماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي.

باختصار، قال دياب: توجد خسائر كبيرة في النظام، ويجب أن نتعاون في تحمّلها، دولة ومصرفاً مركزياً ومصارف، لكي نعاود الانطلاق باقتصادنا في أسرع وقت. وسوف نسعى إلى امتصاص الخسائر بشكل عادل، أي من دون تحميل من لم يستفد من سياسة الماضي أية أعباء. نريد مساهمة من الفوائد الخيالية التي دفعت، ومن الذين جنوا أرباحاً من الهندسات، وأيضاً من الذين خالفوا القوانين وسرقوا المال العام.

إضافة إلى الخطة الاقتصادية، وافق مجلس الوزراء على عرض وزارة الطاقة والمياه لاستراتيجية التحوط لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان من مخاطر تقلبات أسعار المشتقات النفطية وتكليف وزارة المالية بتسديد كلفة الـ call options لتغطية تقلبات سعر النفط.

كما أقر مشروع قانون يرمي الى تعديل صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة المنشأة بموجب القانون الرقم 44/2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، وفق ملاحظات هيئة التشريع والاستشارات ووزارة المال.
ووافق على مرسوم يرمي إلى نقل موظفين إلى ملاك التفتيش المركزي وتعيينهم بوظيفة مفتّش معاون (فئة ثالثة) في المفتشية العامة التربوية في الملاك المذكور.

Related

حسان دياب يحجز مقعده

التعليق السياسي

بعيداً عن المبالغات التي لا تشبهنا والمجاملات التي لا نتقنها تقدّم تجربة رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب، وقائع غير مألوفة بالنسبة لما عرفه اللبنانيون مع نادي رؤساء الحكومات، وهو لا يملك قوة سياسية أو شعبية أو إقليمية تسانده أو تحميه، ولا يدّعي ولا ندّعي بالنيابة عنه قدرته على تقديم حلول لكل المشاكل أو امتلاك وصفات جاهزة لها أو قدرة على تحدي موازين القوى وتغيير وجهة الأحداث.

ما يقدّمه الرئيس دياب في تجربته هو أولاً التحرّر من مصلحة تأسره والتحرّر من وصفة مسبقة تقيّده فينفتح بسبب ذلك على كل فكرة ورأي ويستمع ويناقش، ويستمزج آراء الخبراء، ويُدلي بدلوه بين القوى الفاعلة ويراقب ردات الفعل وحدود التفاعل، ويختار أفضل الممكن، ورغم خبرة مَن يناكفونه وقوتهم يخرج بعد المطبات التي يواجهها أقوى، كما حدث بعد قراره سحب التعيينات من جدول أعمال الحكومة.

ما يقدّمه الرئيس دياب هو حسن النية الصادقة بفعل أفضل المتاح في ظروف الدولة الراهنة لخدمة البلد والناس، مضافاً إليها بذل أعلى جهد بشري ممكن لتلافي النواقص والأخطاء والمطبات، ورغم محاولة تشويه من هنا، وتشويش من هناك، يخرج أيضاً أقوى من كل محطة وحدث. وهذا ما فعله في قضية عودة المغتربين بطرح التحفظات والتفاعل مع المواقف الضاغطة للتسريع، وصولاً لبلورة قرار في منتصف الطريق بدأ تنفيذه بصورة دقيقة ومشرّفة، ورغم بعض نقاط الضعف القابلة للتصحيح كأسعار تذاكر السفر وبدلات الإقامة الفندقية، شكل التفاعل الإيجابي للبنانيين عنواناً جامعاً لردود الأفعال.

في قضية مساعدة العائلات الأشد فقراً والقطاعات الأشد تأثراً بالتعبئة العامة، كما في تحرير الودائع الصغيرة من قبضة المصارف بأسعار وطريقة احتساب جيدة، يتقدّم الرئيس دياب كقوة صلبة بوجه تكتلات مالية مدعومة من قوى سياسية وذات امتداد خارجي، وأثبت أنه قادر على تحقيق نجاح مهما كان نسبياً فهو غير مألوف، وبهذه السرعة في عمر حكومة لم يمض عليها شهران بعد.

اللبنانيون يقولون بكل عفوية رغم محاولات النكد والكيد، نشعر اليوم أن لنا رئيس حكومة، وهذه التجربة تقول بأن ما كان يطلبه اللبنانيون لم يكن معجزة، بل صدق وإرادة وجدية وتحرّر من العصبيّات والمصالح.

الذين يؤدون التحية اليوم لرئيس الحكومة في أغلبهم ليسوا من المطبّلين، وسيكونون بنقدهم القاسي بالمثل عند كل خطأ او تقصير أو تراجع أو مساومة، وحتى الآن يمكن القول بضمير مرتاح إن الرئيس حسان دياب حجز مقعده بين نماذج رجال الدولة.

هل سيتمنّى الحريري لو بقي رئيساً للحكومة؟

ناصر قنديل

يُجمع الخبراء والمحللون والمفكرون عبر العالم أن ما قبل الكورونا غير ما بعده، ويبدو حجم التغيير الذي سيتركه هذا الفيروس المجهريّ على حركة القوى والدول العملاقة، تاريخياً وأكبر من أن تحتويه توقعات مسبقة، كما يبدو لثبات الحكومات في مواجهته ونجاحها في الحدّ من تأثيره الكثير من التأثير على تقييمها الدولي والداخلي، بصورة لا تعبر عنها حسابات التقييم لما قبل الكورونا، والمحكومة بالسياسة ومفاهيمها واصطفافاتها التقليدية قبل الكورونا، داخل كل بلد، وعبر العالم، وفي معادلات العلاقات الدولية، ومَن يراهن على أن الحكومة اللبنانية التي كانت تنوء تحت عبء قضايا بحجم الأزمة المالية وتداعيات الأحتجاجات الشعبية، سيتكفل فيروس كورونا بدفعها إلى الهاوية، ربما يكتشف أنه قد ارتكب خطأ جسيماً، لأن ما بعد هذا الفيروس غير ما قبله في كل شيء.

من التداعيات المتوقعة لهذه الحرب العالمية مع فيروس كورونا، ما بدأنا نشهد مؤشراته التي يقول الخبراء إنها ليست إلا رأس جبل الجليد، سواء على مستوى الركود الاقتصادي، أو فقدان السيولة النقدية، او الامتناع عن سداد الديون، أو انهيار البورصات، وإفلاس الشركات، وزيادة نسب البطالة والتضخم، وصولاً إلى ما يقول عنه كثير من الخبراء أنه الحاجة لتصفير الاقتصاد العالمي، ويقصدون بذلك ما يتحدّث عنه كثير من أساتذة الاقتصاد السياسي، اعتبار العام 2022 العام صفر، فتشطب الديون التي كانت قبله، ويتمّ تثبيت تفاهمات على تسعير جديد ربما يكون الدولار نفسه عملته الرئيسية لكن بشروط جديدة، وربما تكون سلّة عملات يدخل معها الذهب وبعض السلع الاستراتيجية كالنفط والأرز والقمح والشعير والسكر والبن والشاي، كوحدة تسعير ربما تحمل اسم كورونا، وبالتالي لن يكون لبنان بالتأكيد المتعسّر الوحيد أو الأبرز، بل سيكون واحداً من العشرات وربما المئات من الدول، التي سيحتاج الاقتصاد العالمي من أجل الانتقال إلى الإنتاج من الركود، إلى إيجاد حل شامل لمشكلاتها سيكون حكماً حسم الجزء الأكبر من الديون إن لم يكن تصفيرها، وها هي إيطاليا أول المعنيين.

من التداعيات المتوقعة لهذه الحرب العالمية، تراجع الاصطفافات السياسية التصادمية والعدائية لحساب التهيؤ لزمن تسويات يفرضها مناخ دولي، وشعبي ونفسي، كما تفرضها عملية الحاجة لتركيز الإمكانات والجهود على مواجهة تحدّي كورونا، ما يحول دون مناخات تصعيد وتهديد بحروب، وستكون النزاعات العسكرية إلى تراجع، ومثلها التموضعات العدائية، ويفتح الباب لدبلوماسية الكورونا لتسويات في منتصف الطريق، وسيكون نموذج أميركا والصين، ونموذج الإمارات وسورية، قابلين للتكرار والتوسّع والتعمّق، ولن يكون بعيداً الموعد الذي نرى فيه علاقات سورية سعودية، ولاحقاً سعودية إيرانية، وتهدئة وربما تسوية أميركية إيرانية.

في زمن مواجهة كورونا إذا طالت إقامته، سيكون للمواد الغذائية والاستهلاكية وتوافرها، دور حاسم في صناعة الصمود، وستصبح دول مثل سورية تحقق اكتفاءها الذاتي وتنتج زراعياً وصناعياً ما يفيض عن حاجاتها، عملة نادرة، تبحث عن جيرتها الدول التي ستعاني بلا استثناء نقص الموارد ونقص المواد. فكيف سيكون الحال مع لبنان الذي سينظر شعبه بكل تلاوينه إلى جيرة سورية كنعمة، رغم ما روّج له الكثيرون بتوصيف العلاقة معها كنقمة، وسيجد اللبنانيون قرشهم السوري الأبيض في يوم الكورونا الأسود، ويكتشفون ضيق أفق وحجم حقد، من ينادونهم بمعاداتها، وهي الدولة الأوفر قدرة بالموارد العينيّة، والأكثر تشدداً بالمعايير الصحية، وربما الأهم تجهيزاً بكادرها ومنشآتها الطبية على مواجهة الأزمات، وكل ذلك بأكلاف تكاد لا تُذكَر بالقياس لسلم الأسعار اللبناني.

من التداعيات المتوقعة لمرحلة ما بعد كورونا، تغيير هيكلي في طريقة تفكير النخب والشعوب. فالحكومات لن تستطيع الصمود إن استخفت بالشعوب وحقها بالأمان الذي سيتقدم كثيراً على معايير الديمقراطية والحرية وسواها من عناوين الحكومة في القرن العشرين، كما لن يكون من السهل إسقاط الحكومات أو تهديدها بالفوضى إن نجحت بتوفير الشعور بالأمان. فالتجربة القاسية مع كورونا كشفت أهمية الحكومات والانتظام العام كمبدأ، بما هو أبعد وأعمق من تقييم الجودة في الأداء، وكشفت خطر الوقوع في الفوضى أو العبثية أو التفلت من الانتظام، فكيف إذا اجتمع قدر من الجودة مع قدرة على تحقيق الانتظام، والأهم معهما الترفع عن المصالح الخاصة، والابتعاد عن إثارة الشبهات حول وجودها.

كثيرة هي الأشياء التي ستحدث، والتي ستجعل الرئيس الحريري يتمنى لو بقي رئيساً للحكومة لتحدث في زمان رئاسته لا رئاسة سواه، سواه الذي ربما تدخله التجربة نادي رؤساء الحكومات من بابها الواسع.

رؤساء الحكومات السابقون صوتُ المصارف

ناصر قنديل

لو خرج رؤساء الحكومات السابقون ببيان يحذّرون فيه رئيس الحكومة حسان دياب من القبول بإعلان حالة الطوارئ، طالما أن التحديات التي يواجهها لبنان مع فيروس كورونا مدنيّة، وتغطيها حالة التعبئة العامة بما في ذلك تقييد حرية النقل، من خلال حظر التجوّل، لأنهم يعتبرون في حالة الطوارئ تهميشاً لموقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، فيما تحتفظ رئاسة الجمهورية بصلاحية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لصدّقناهم، لأنهم دأبوا على قياس الكثير من مواقفهم بقياس طائفي ومذهبي، يضع الأولوية لمعيار توازن الصلاحيات الرئاسية، سواء عندما كان الرؤساء السابقون فعليين أو عندما أصبحوا سابقين. ولو أعلنوا تأييدهم الرئيس دياب لتمسكه بحال التعبئة العامة ورفضه لحال الطوارئ لاستهجنا، لأنهم ما عوّدونا على موقف منصف لخصم سياسي في قلب الطائفة التي يحاولون احتكار تمثيلها، ودأبوا على رفض كل جديد قادم إلى نادي رؤساء الحكومة من كفاءات هذه الطائفة، بل إن بعضهم ومن باب الكيد نسي مسألة توازن الصلاحيات وراح يسرّب استغرابه لعدم إعلان حالة الطوارئ.

اللافت في بيان رؤساء الحكومات السابقين أمس، هو تناوله قضية التعيينات، وتقصّد الحديث عنها بلغة العمومية، وهم ونحن والكل يعلم أن القضية هي التعيينات في مصرف لبنان. وهذا الملف يتخطى بطبيعته وموضوعه، ما حاول الرؤساء السابقون التركيز عليه، بتظهير مخاوفهم من مشروع السيطرة على الدولة. والمقصود هو تعيين بدائل لمن قاموا هم بتعيينهم، وهذا له توصيف واحد، الحفاظ على مفهوم المحاصصة الذي جرى في ظلال وجودهم في السلطة. وفي أحسن الأحوال الدفاع عن جماعات المحظيين بدعمهم، خشية خسارة صورة الزعامة التي تتغذّى من القدرة على توفير الحماية، علماً أن المطروح ليس استبدالاً قسرياً، كي يجري الحديث عن افتعال قضية، حتى لو كانت المناصب الإدارية المعنية خارج مصرف لبنان، فما يطلبونه ليس بقاء موظفين في مناصبهم، بل إعادة تعيين موظفين انتهت ولايتهم وفقاً للقانون، مرة ثانية، بدلاً من تعيين موظفين جدد.

أما أن القضية في مصرف لبنان، فلها وجه آخر بالنسبة لموقفهم، وبالنسبة للحكم على موقف رئيس الحكومة. فاللبنانيون يُجمعون على تحميل السلطة النقدية التي يمثلها مصرف لبنان جزءاً كبيراً من مسؤولية الأزمة التي يعيشها لبنان، وسواء كان هذا الاعتقاد في مكانه أم لا، فهو يُلقي على الحكومة التي جاءت بخلفية مواجهة الأزمة، أن تأخذه بالاعتبار. والطبيعي طالما أن حاكم مصرف لبنان لا يزال ضمن ولايته القانونية، وأن نوابه وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف ورئيسها ومفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان، قد انتهت ولايتهم، أن تتجه أي حكومة لتشكيل هيئة قيادية في المصرف تقول للبنانيين إن التعيينات قد بُنيت على حساب المجيء بكفاءات تستطيع إقامة التوازن بوجه حجم نفوذ المصارف التي يشكو منها اللبنانيون في إدارتها لودائعهم وحجم استفادتها من سندات الخزينة والهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان. وهنا يكون المتوقع من الرؤساء السابقين للحكومات أن يطالبوا رئيس الحكومة، بتعيين كفاءات تعبر عن صرخة الشعب بوجه المصارف، إذا كانوا يريدون التعبير عن موقف شارع يغلي غضباً ويريدون احتواء غضبه.

يبقى ثمّة تفسير وحيد لموقف رؤساء الحكومات السابقين، وهو مرتبط بمضمون التعيينات وخشية أصحاب المصارف من أن ينتج عنها توازن جديد في دور مصرف لبنان، وتفعيل المجلس المركزي الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات، ما يجعل سياسة المصرف المركزي أقرب للتعبير عما يطالب به الناس من تقييد تحكم المصارف بودائعهم وأموالهم، ويصير مفهوماً موقف رؤساء الحكومات السابقين، الذين يشكل ثلاثة من أربعة بينهم رموزاً في القطاع المصرفي، ومن كبار أصحاب الأموال والثروات، والمستفيدين من سياسات مصرف لبنان، حتى أمكن القول ببساطة، إنهم صوت أصحاب المصارف، بثوب مذهبي للضغط على رئيس الحكومة.

القلق من المحاصصة لا يشغلُ بال رؤساء الحكومات السابقين، بل يشغل بال الناس وبالنا، ولذلك سيراقب الجميع التعيينات، ويأملون أن يحكمها اختيار كفاءات تحقق التوازن المنشود في السياسات المالية والنقدية بصورة تقيّد هذا التوحش المصرفي، بحق لبنان واللبنانيين.

%d bloggers like this: