ميثاقيّة حتى التكليف فانقلاب عليها… فليؤلفها جنبلاط!

ناصر قنديل

يشبه موقف رؤساء الحكومات السابقين من كل حديث عن ميثاقية الحكومة، موقف جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر عندما فازت بالانتخابات النيابية وقررت بعد الفوز تعليق الدستور القائم على الانتخابات وراجت عنها معادلة اسمها “ديمقراطية لمرة واحدة”، بحيث يبدو موقف الرؤساء السابقين وفقاً لمعادلة “ميثاقية لمرة واحدة”، بحيث أصرّ نادي رؤساء الحكومات السابقين على قيامه بحزب جديد بتسمية الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة الجديدة، وتولى إعلان الاسم المقترح ولا مبرر لحدوث ذلك سوى معادلة ميثاقية تقوم على تولي الجهة الأوسع تمثيلاً في طائفتها بتغطية الموقع السيادي الذي ينيطه بها العرف، وليس الدستور، وبمجرد ما وضع الحزب الجديد اسم الرئيس المكلف في جيبه، بدأ بإطلاق المواعظ عن ضرورة تخطي المطالبات بالتمثيل والتشاور، واتهام كل دعوة لتكون الحكومة حاصل تشاور يضم الجميع ومراعاتها للأعراف والتوازنات، وتمادى لحد تسخيف كل حديث عن تقيّد الحكومة بالميثاقية بداعي خصوصية واستثنائية الحكومة الجديدة وربطها بمهمة محددة هي الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، تستدعي الترفع عن المطالبة بـ”حصص” مستحضراً تجربة الرئيس حسان دياب، وإعادة ما يسمّيه بفشلها الناتج عن عدم قيامها على قاعدة “حكومة مستقلين اختصاصيين” وانكشاف كونها حكومة تمثيل الكتل الداعمة لها باختصاصيين يدينون لها بالولاء، والدعوة لأخذ العبرة لتكون الحكومة مستقلة بلا تدخلات وأدوار ومطالب للكتل السياسية والنيابية، وتحت هذا العنوان تولي رئيس الحكومة تشكيل حكومته بعيداً عن التدخلات، كما جاء الدعم الناري الإعلامي للحزب الجديد من حزب القوات اللبنانية بلسان رئيس الحزب القديم.

هذا التلاعب بالعقول والوقائع يستدعي التذكير بأن العطل الرئيسي في حكومة الرئيس حسان دياب كان غياب ميثاقيتها، أي حجب تغطية المرجعيات التي تمثل المكوّن الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة داخلياً، والمقاطعة والحصار اللذان استهدفاها خارجياً. وليس سراً أن رحيلها لم يكن نتيجة ما يسمّونه بفشلها، بل نتيجة ظهور ما يشير لمن اضطروا للذهاب لتشكيلها منعاً للفراغ، بأن هناك فرصة لتحقيق ميثاقية رئاسة الحكومة طائفياً، وانفتاح الخارج عليها، ما يتيح تفادي البلد للتعقيدات التي منعت حكومة الرئيس دياب من النجاح، وهكذا لم يدر أي نقاش حول الحق الديمقراطي للغالبية النيابية بتسمية رئيس حكومة من مواصفات الرئيسين حسان دياب ومصطفى أديب، يقوم بمهمة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين، وتم طرح اسم الرئيس سعد الحريري للمهمة وعندما تعذّر توفير “ميثاقية” تسميته ما دعاه للاعتذار، قامت الغالبية النيابية بتجيير حقها الدستوري بالتسمية بداعي “الميثاقية” إلى الرئيس الحريري ليقوم بالتسمية. وقام بتجيير هذا الحق المجير إليه الى حزبه الجديد بداعي المزيد من “الميثاقية”، وتمّ كل ذلك علناً وببيان تلاه الرئيس السابق فؤاد السنيورة، وبمجرد قيام الغالبية بمنح تفويضها للرئيس المكلف “الميثاقي”، قرّر الحريري والحزب الجديد، أن الميثاقية صارت عيباً، وأنه من السخافة والطعن بالمبادرة الفرنسية التحدث عنها.

في آلية التأليف لا بد من التذكير أيضاً أن كل كلام عن مستقلين، غبار سياسي وإعلامي، فالرئيس الحريري عندما زار رئيس مجلس النواب نبيه بري مفاوضاً على شروط تشكيل الحكومة، لم يفعل ذلك بصفته مستشاراً للرئيس المكلّف بل بصفته راعياً لتأليف الحكومة، نافياً عنها أي شبهة استقلالية، وعندما طلب من الرئيس بري تسهيل نقل وزارة المال إلى من يسمّيه الحريري شخصياً، لم يفعل ذلك من منطلق أن الحكومة هي حكومة مستقلين، وعندما يقول الرئيس المكلف أنه سيراجع رؤساء الحكومات السابقين ليقرّر، لا يفعل ذلك كرئيس حكومة مستقل، وعندما يعترف نواب الحزب الجديد بأن هناك مَن يدرس السير الذاتية للمرشحين للحكومة، وأن الحزب الجديد لا يتدخل الا بتقديم ترشيحاته للرئيس المكلف، الذي لم يطلب من سواهم تزويده بترشيحات مماثلة، هذا علماً أن الجهة التي تدرس الترشيحات مقيمة في بيت الوسط وتشكلت في كنفه وبرعاية صاحبه، فهل حدث ذلك لاعتبارات الحرص على حكومة “مستقلة”؟

الحاجة للعودة للتعقل والحديث الصريح، تستدعي التسليم بأن ما يجري نوع من التلاعب بالحساسيات الطائفية بداعي اللاطائفية، وهذا ليس جديداً على لبنان واللبنانيين، وقمة استغلال معاناة اللبنانيين وحاجتهم لأبسط مقوّمات العيش. هو هذا التلاعب المكشوف والمفضوح لوضع اليد على الحكومة ومن خلاله على البلد، بثوب التعفّف المزيف عن طلب السلطة، بخداع “ميثاقية” لمرة واحدة، وبدء الانقلاب بعدها، والطريق بسيط وسهل، أبسطه وأسهله هو مواصلة تطبيق معايير تسمية رئيس الحكومة على معايير موازية، أقلها في احترام الميثاقية في العلاقة مع كل من رئيس الجمهورية ودوره المحوري كشريك في التشكيل، ومع ثنائي حركة أمل وحزب الله، لاستثمار سريع للفرصة المتاحة واستثمار سريع للوقت الداهم، وأقصاها الذهاب لحكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري، تتولى دور التهيئة للعقد السياسي الجديد نحو الدولة المدنيّة، بالتوازي مع إنجاز الإصلاحات، التي ليست لغزاً تقنياً يحتاج للاختصاصيين الذين يسهل استحضارهم كمستشارين ومدراء عامين، حيث تدعو الحاجة، وإلا كما يقول البعض طالما نحن في ظرف استثنائي لا تهمّ الأعراف والميثاقية في ملاقاته، والمطلوب حكومة يدعمها الجميع لمهمة. وهذا يستدعي الثقة بعدم الاستهداف من قبل كل القوى الفاعلة، في ظل ما رأيناه من عزل لرئيس حكومة لا ينتمي لمظلة زعامات طائفته، فلتكن حكومة انتقالية تخرج عن أعراف الطوائف يشكلها النائب السابق وليد جنبلاط كفريق وسطي له حيثيّته وليس مجرد موظف او مستشار يقدر على تقديم الضمانات بعدم الاستهداف للفرقين المتقابلين المتوجسين، بمعزل عن كل حديث مخادع عن رئيس من خارج “الطبقة السياسية”، يكون موظفاً عندها، وجنبلاط متمسّك بالمبادرة الفرنسية، وقد غرّد محذراً من ضياع الفرصة وسقوط لبنان، ومن ضياع دوره في ظل التطبيع والتطلعات الإسرائيلية نحو عزل لبنان وإنهائه اقتصادياً، ولتطلق يده لحكومة مستقلين اختصاصيين لمهمة محددة وفترة محددة، وفي تاريخ لبنان التأسيسي رؤساء جمهورية وحكومة من غير الطوائف الثلاث الكبرى، فتكون بداية جريئة نحو دولة تخرج من الأعراف الطائفية وتذهب نحو المواطنة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لا مخرج من حال الاستعصاء إلا بمؤتمر تأسيسي

د. عصام نعمان

بقلم / د. عصام نعمان | سما برس

أزمة لبنان المزمنة باتت في حال استعصاء. فهي تعيد إنتاج نفسها على مرّ الزمن بأشكال وألوان مختلفة. ما ان يفرغ الشركاء في المنظومة الحاكمة من مواجهة تحدٍّ حتى ينبري لهم آخر. غير انّ أصعب التحديات ذلك الذي يصنعه أحد الشركاء لإضعاف زملائه. هو الأصعب لأنّ أهل الدار أدرى بخفاياها.

أهل الدار هم الشركاء الأقوى في المنظومة الحاكمة. ما ان هنأوا أنفسهم بإخفاق معارضيهم من أصدقاء الغرب في استغلال الانفجار الهيروشيماوي في مرفأ بيروت لتحميلهم وحدهم مسؤولية الكارثة وصولاً الى إجلائهم عن سدة السلطة حتى وجدوا أنفسهم على خلاف مع شركائهم بشأن ما يقتضي عمله بعد الكارثة.

الخلاف بين الشركاء ليس على مسألة بقائهم في السلطة بل على كيفية تسويق ذلك بين اللبنانيين الذين يضعون جميع أهل السلطة في سلّة واحدة باستثناء حزب الله بما هو حزب المقاومة. حتى حزب الله لا يسلم من النقد لسكوته على تجاوزات بعض حلفائه.

اللبنانيون الساخطون، وهم الغالبية، اندفعوا إلى الشوارع والساحات منادين بضرورة إقصاء أهل النظام الفاسد. ظاهر الحال انّ موازين القوى لا تسمح، بعدُ، بذلك. من هنا ينهض سؤال: ما العمل الآن؟

إذا كان إسقاط النظام الطوائفي الفاسد وأهله مطلوب ومشروع فإنّ تحقيقه متعذر في الحاضر والمستقبل المنظور. لذا فإنّ المسار الفاعل والأمن يتمثّل بتأجيج الانتفاضة الشعبية ضدّ أهل النظام الفاسدين لإكراههم على التسليم بأنّ نظامهم تآكل وانهار وأنهم عاجزون عن تعويمه وإصلاحه، وأنه يجدر بهم عدم المكابرة والإقرار تالياً بالواقع والقبول بتقصير زمن المحنة.

أما أهل الإنتفاضة فإنهم مطالَبون بالتعقّل إذ لا جدوى من طرح شعاراتٍ غير واقعية وغير قادرين على تحقيقها. لذا يقتضي ان يُقرنوا حملتهم ضدّ النظام الطوائفي الفاسد بطرح طريق لتغييره سلماً وتدريجاً لأنّ استخدام العنف بدعوى تسريع الإصلاح في مجتمع تعدّدي، كحال لبنان، يؤدي الى إندلاع حرب أهلية. أليس هذا ما حدث سنة 1975 وتحوّل الى حرب أهلية استمرّت حتى سنة 1990؟

يطرح بعض أهل القرار المستنيرين فكرة المؤتمر التأسيسي كمخرج من حال الاستعصاء وطريق لتحقيق التغيير والإصلاح سلمياً. هذه الفكرة سيف ذو حدّين. فهي جيدة من حيث اعتماد الحوار طريقاً للتوافق الوطني والإصلاح الديمقراطي، لكنها ملغومة من حيث هي وسيلة بأيدي أهل النظام الطوائفي الفاسد للتحكّم بتسمية أعضاءٍ للمؤتمر التأسيسي من بطانتهم وحواشيهم بقصد أن تأتي توصياته خادمةً لمصالحهم. أليس هذا ما انتهت اليه تجارب طاولات الحوار في القصور والسرايات؟

نعم، المؤتمر التأسيسي هو المخرج الأمثل من حال الإستعصاء التي تراوح فيها أزمة لبنان المزمنة. غير انّ نجاحه مشروط بكيفية تأليفه. وعلى هذا الصعيد، فإنّ الديمقراطية هي بالتأكيد البوابة والطريق. كيف؟

يتحدث بعض أهل القرار في هذه الآونة عن ضرورة تأليف حكومة وطنية جامعة من سياسيين واختصاصيين مستقلين تكون بمثابة قاطرة للإنقاذ وطليعة كاشفة لطريق التغيير والإصلاح. حسناً، في مقدور مثل هذه الحكومة، في مرحلة انتقالية، القيام بالمبادرات والإجراءات الآتية:

(أ) مبادرة رئيس حكومة الإنقاذ بالتعاون مع مجموعة من أهل الاختصاص في صفوف القوى الوطنية والتقدمية وتنظيمات المجتمع المدني المستقلة والوازنة الى الاجتماع للتوافق، في مهلة شهر واحد، على مشروع قانون للانتخابات يراعي أحكام الدستور، لا سيما المادة 22 (مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي ومجلس شيوخ لتمثيل الطوائف) والمادة 27 («عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء» ما يستوجب الدائرة الوطنية الواحدة) والمادة 95 («إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية») وخفض سن الإقتراع الى الثامنة عشرة تجاوباً مع الإصلاحات المنصوص عليها في وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) وغيرها من المبادرات الإصلاحية.

(ب) إعلان مشروع قانون الانتخابات الديمقراطي المتوافَق عليه وإحالته على كلٍّ من مجلس الوزراء، ومجلس النواب، وقوى الانتفاضة الشعبية ليُصار إلى إقراره في مجلس النواب في مهلةٍ أقصاها شهر واحد، وإذا امتنع المجلس او أخفق في ذلك لأيّ سبب كان، يُصار الى تبنّيه من قِبَل قوى الانتفاضة الشعبية المعبّأة والمستعدة لإطلاق وتفعيل ضغوط شعبية عارمة على الحكومة بغية طرحه بمرسوم جمهوري على استفتاء شعبي عام لإقراره وبالتالي لاعتماده وتنفيذ أحكامه عملاً بنظرية الظروف الإستثنائية التي تستوجب تدبيراً استثنائياً في حال نشوء ظرف استثنائي، وهو حال البلاد قبل كارثة 4 آب وبعدها.

(جـ) إجراء انتخابات عامة وفق مشروع قانون الانتخابات آنف الذكر بغية توليد أول مجلس نواب يؤمّن صحة التمثيل الشعبي وعدالته، فيشكّل بحدّ ذاته مؤتمراً تأسيسياً لإعادة بناء لبنان دولةً ووطناً.

هل كثير على القوى الوطنية والتقدمية، كما على المستنيرين من أهل القرار، اعتماد هذا النهج الديمقراطي خلال مرحلةٍ انتقالية للوصول الى المؤتمر التأسيسي كمخرج آمن من حال الاستعصاء التي تأسر البلاد والعباد؟

وزير سابق

%d bloggers like this: