سوقٌ مشرقيّة وإلّا فالنّهاية كارثيّة

ابراهيم مصطفى

هذا البحرُ من ورائكم،

والشقيق من أمامكم وإنٍ اختلفتم معه،

فماذا أنتم فاعلون؟

الشعبُ يئنُّ جوعاً وفقراً بسبب سياساتكم الرعناء والتي لا تُسمن ولا تغني من جوع…

الوطنُ يغرق في وحلِكم الطائفي ونكدِكم المذهبي وحقدِكم المناطقي وباتَ لا يقوى حتى على التنفّس…

وفجأة ويا لغيرة الدين والوطنية انبرت جوقةٌ من المُطبّلين لقطع العلاقات مع الدولة السورية والتي تُعتبر الآن الطريق الوحيد بل الأوحد لنتفس الصعداء وطالبت بإقفال المعابر بحجة التهريب الى سورية ولأنها ـ أيّ هذه الجوقة لا تملك حلاً ـ طالبت وبكلّ وقاحة بنشر قوات الأمم المتحدة بين على الحدود بين الدولتين.

مهلاً يا هؤلاء فالوطن يُريد من يُنقذه لا من يزيد الطين بلة، فنحن لسنا مع التهريب ولن نكون يوماً معه، ولكن أيها السياسيُّ الذي يدّعي تفوّقه في علم السياسة والإقتصاد… لماذا لم تقم الدنيا وتُقعدها عندما كان يُهرّب المازوت السوري والفستق الحلبي الى لبنان أم أنّ هذا حلال _ مع أنّ التهريب من الجهتين مرفوض…

اخجلوا قليلاً… اخجلوا… لأن السّيادة الوطنيّة تقوم على حماية الحدود، وهذا ليس بالكلام والخطابات بل بخطة واقعية وعملية وبتفعيل المعاهدات بين الدولتين الشقيقتين، فلن نقول لكم… اذهبوا وقبِّلوا أيدي المسؤولين السوريين، ولا اذهبوا وناموا في قصر الرئيس، فمصلحة المواطن الذي لا يجد قوت يومه هي التي تعنينا أولاً وأخيراً…

نقولُ للسّاسة الذين يرفضون التنازل عن عنجهيّتهم والذين لا يشعرون بالمأزق الاقتصاديّ والاجتماعيّ الكبير، نقول لهم اتّقوا الله في وطنكم، ودعوا الشعبويّة وفكّروا بهذا الوطن الذي يموت أمام أعيُننا…

أخبرونا ماذا فعلتم للصناعة؟

وماذا قدمتم للزراعة؟

لقد حوّلتم لبنان الى ملهىً ليلي ومركز للخدمات وتُفاخرون بذلك… نسيتم بل تناسيتم عمداً مصلحة المواطن والوطن..

ادّعيتم الانتماء وسعيتم للتفتيت والفناء…

أخبرونا… كيف وصلنا الى هذا الواقع المر؟ وكيف نُنتج فكراً سياسياً راقياً؟

اخبرونا… ماذا فعلتم لننتج وطناً قائماً بمقوّمات ذاتية قادرة على حماية الكيان من الانهيار؟ فالسّياسيُّ الكبير والقادر تُنتجه الافكار الكبيرة… فأين الأفكار الكبيرة التي قام على أساسها لبنان؟

أين النُخب؟

وهل يجوز أن تكون بغالبيتها مُسوّقة لهذا او ذاك… دون النظر الى مصلحة الوطن والمواطن؟

الى أين سيذهب لبنان؟ وهل يستطيع أن ينجو لوحده؟

كلا… لأنّ العالم يتجه الى عنصريات جديدة… فهل لبنان بعيد عن ذلك؟

أيها السياسي اللبناني في السلطة او خارجها.. داعماً لها او معارضاً لها… ماذا قدّمت وماذا ستقدّم لإنقاذ دور لبنان في العالم العربي من ناحية والعالم الغربي من ناحية ثانية…؟

لن يقوم لبنان إنْ لم تُحدّد هويته اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وأخلاقياً…

أخبرونا ماذا فعلتم لتحقيق ذلك…

وكيف لا يصل الوطن الى هذه الدرجة من السقوط والإرتهان…

بالله عليكم يا ساسة أخبرونا؟

ما هي القيم الأخلاقية التي أنشأتم عليها الأجيال المتعاقبة؟ ما العقيدة الوطنية التي كرّستموها في عقول وقلوب المواطنين؟ ما هي القيم الإجتماعية والنفسية التي ينضوي تحتها المواطن اللبناني؟

بلدٌ قائم على العصبيات الطائفية والمذهبية والمناطقية منذ تأسيسه كيف له أن يواجه أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وما هي مقوّمات المواجهة؟ ومن هي الفئة السياسية التي تأخذ المبادرة وكيف ستتعامل مع التجمعات السكانية المنتمية لفئة أخرى؟

إنّ الأوطان لا تُبنى على الكيديّة ولا على التعصّب ولا على الإرتهان لدولة هنا ودولة هناك كما أنها لا تُبنى على المناطقية القاتلة…

فالأوطان الحقيقية تُبنى على أُسس المواطنة والعدل والقانون واحترام المعاهدات بين الدول…

الأوطان تُبنى على ركائز لا مفرّ منها فالصديق صديقٌ للجميع والعدو عدوٌ للجميع، وعندما لا نرى مُشكلةً في جعل العدو صديقاً والصديق عدواً هنا يصبح الوطن أوطاناً وتموت بين زواياه حرية التعبير، وتقتل في زواريبه بهجة الانتصار، ويُعبث بحياة المواطنين وتوضع في معتقل الطائفية والمذهبية والمناطقية، وينتهي ما يُسمّى وطناً، ويسود حكم الفساد والاستبداد ويذهب المواطن الفعلي «فرق عملة» بين البقاء او الرحيل…

وقبل أن يُصبح الشعب اللبناني متسوّلاً بكُله وكلْكله أنصتوا الى صوت العقل فيكم واتجهوا شرقاً لإنقاذ الوطن وشعبه وتناسوا كلّ الخلافات والأحقاد، ولتُعلن سوق مشرقية، وإلّا فالنهاية كارثيّة.

لبنان وسورية والعراق: اختناق الافتراق

ناصر قنديل

ربما يشكل لبنان الحلقة الأضعف والخاصرة الرخوة في الثلاثي المشرقي، المكوّن من لبنان وسورية والعراق، في قلب أزمة اقتصادية ومالية تتساوى في القلق من تداعياتها البلدان الثلاثة، رغم امتلاك العراق قدرة نفطية ضخمة تشكل رصيده الأبرز، واستناد سورية إلى بنية زراعية وصناعية تتيح رغم سنوات الحرب وأضرارها توفير نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي الغذائي والاستهلاكي، والأجيال الحالية لا تملك ذاكرة كافية للعلاقات الاقتصادية الطبيعية التي تتفوق على السياسة، والتي كانت خلالها اقتصادات الدول الثلاثة بخير، قبل أن تتقطع أوصالها منذ أربعة عقود، مع بدء الحرب التي شنّها العراق على إيران، وتسببت بإقفال الحدود السورية العراقية ومعها وقف حركة السلع السورية واللبنانية نحو العراق، سوقهما الأهم، ووقف تدفق النفط العراقي إلى بانياس وطرابلس، ودخول سورية ولبنان سوق النفط العالمي لشراء المشتقات النفطية، التي شكلت منذ ذلك التاريخ مصدر النزف الأهم في مواردهما ولا تزال.

يعتقد الكثيرون أن كل دولة تشكل بذاتها متحداً اقتصادياً كافياً، وأن العلاقات الاقتصادية لهذا المتحد مع الخارج يمكن أن تكون متكافئة ومتعادلة، وفقاً لنمط السلع التبادلية، بمعزل عن هوية الخارج، الذي يتشكل أصلاً من كيان سياسي أي دولة، ويصير في التعامل كياناً اقتصادياً أي سوق. والدولة هنا هي جمارك وعملة موحدة، فهل يكفيان لتشكيل السوق؟ والجواب هو بالنفي قطعاً، ذلك أن عناصر تشكيل السوق أعمق في الزمن والمحتوى، من شروط تشكل الدولة، ووحدة العملة ورسوم الجمارك، أولاً، وثانياً لأن السوق تتكفل عند حاجات نموها بإسقاط الحدود الجمركية والعملة أيضاً، كما تقول تجربة الاتحاد الأوروبي، أو تحمي بقاء الحدود والعملة كما تقول حال بريطانيا التي دخلت الاتحاد ولم تترك عملتها المستقلة لحساب منطقة اليورو، وفي تاريخ لبنان وسورية تحت الانتداب الفرنسي بقيت الدولتان منفصلتين برئيسين ومجلسي نواب وحكومتين وجيشين، لكن بعملة واحدة وجمارك واحدة. وعندما انفصلتا في مجال العملة والجمارك، بدأت الأزمات تشتدّ في كلتيهما.

يغيب عن بال الكثيرين أن الاقتصاد ليس فعلاً إرادياً سياسياً تنشئه الدول، بل هو فعل طبيعي حيوي ينمو عبر تاريخ طويل تفرضه الطبيعة، ويتكيف معه الإنسان، وتتأقلم معه المهارات عبر الأجيال، وتتكامل ضمنه حركة السلع وإنتاجها، وعندما تلاقيه السياسة يتحقق الانفراج والازدهار، وعندما تجافيه يقع الضمور والانفجار، والمتحد الاقتصادي الذي يتشكل عبر التاريخ وتأتي الحدود السياسية بين أطرافه لتقطع أوصاله، يشبه الجسد الذي تصيبه الحمى ويصيب أطرافه الشلل إذا شدّت الأحزمة بين الجسد والأطراف، والنظرة التاريخيّة تكفي لمعرفة كيف كان هذا المتحد الاقتصاديّ قائماً على تكامل مكوناته، حيث العراق يدفع اليوم كلفة مضاعفة لمستورداته من أوروبا، كما لصادراته النفطية إليها، بسبب خسارته لما كان يوفره كل من مرفأ بيروت ومصفاة طرابلس، بينما خسر لبنان الموارد العالية لهذه الوظيفة، كما خسر سوقاً ضخمة لمنتجاته الزراعية والصناعية التي كان العراق سوقها الأهم، وبقي السؤال عن سوق المصارف والجامعات والمستشفيات في لبنان إن لم تكن لتخديم اقتصادات وحاجات سورية والعراق، وسورية التي تشكل مقصد الطبقات الوسطى والفقيرة في لبنان والعراق تحتاجهما لكل تطوير لاقتصادها، ويحتاجانها لكل أمن غذائي واجتماعي، إضافة لكونها الرابط الجغرافي الحكمي بينهما، ولم يحتج الفرنسيون والبريطانيون وقتاً وجهداً لإدراك أهميّة هذا الترابط، فهما من أنشآ سكك الحديد، وخط النفط العراقي على المتوسط، والعملة الموحّدة للبنان وسورية، ومعها ما عرف بالمصالح المشتركة.

يكثر النقاش في لبنان وسورية والعراق عن المخارج من الأزمات الاقتصادية الراهنة، وبالتأكيد هناك إجراءات يحتاجها كل بلد على حدة، لكن ما يجب قوله بوضوح قاطع هو أن أي محاولة للنهوض لا تتأسس في البلدان الثلاثة على رد الاعتبار لمفهوم المتحد الاقتصاديّ، الذي يمكن له أن يتّسع للأردن والكويت، محكوم عليها بالفشل، ونقطة البداية خطوة شجاعة من العراق ولبنان لن تتأخّر عنها سورية، هي الدعوة لقمة على مستوى رؤساء الحكومات بين الدول الثلاث تنعقد في بغداد، وتتخذ فوراً قرارات بحجم تشغيل أنبوب النفط العراقي، وتنشيط التبادل التجاري باعتماد العملات الوطنية للدول الثلاث، وتخفيض رسوم التجارة والترانزيت وتحسين شروط العبور الآمن للسلع والأفراد عبر الحدود، وتحقيق الربط الكهربائي وربط شبكات الهاتف الخلوي برموز محلية، والكثير مما يمكن فعله بقرار، وما ينعكس بقوة على صناعة الاستقرار.

سورية وروسيا.. وصل أم فصل؟!

زهر يوسف

منذ قرابة الشهر، وسيل من التقارير والتحليلات والتسريبات أتخمت بها وسائل الإعلام على اختلاف تلاوينها، والمادة الدسمة فيها تتركز على خلاف سوري – روسي، لا بل إن تقارير سعت إلى تضخيم الأمر حدّ وضع الخلاف في خانة «الشخصي» للرئيسين بشار الأسد وفلاديمير بوتين، غير أنّ الواقع بعيد تماماً عن تضخيم الحالة ككلّ من دون إغفال أن هناك تبايناً ربما بين دمشق وموسكو، لا يصل سقف الخلاف العميق.

اذ لا نذيع سراً في القول، إنّ ما يجمع سورية وروسيا ليست الأحرف فقط وان اختلف الترتيب، فهنا إنعاش الذاكرة ضرورة للوقوف عند معطيات تبدو مهمة في سياق الحديث عن حليفين كسورية وروسيا، فعلاقات الدولتين تتميّز بأنها استراتيجية منذ أربعة عقود وأزيد، لذلك من غير المنطق الترويج لفكرة سهولة فصل العروة الوثقى بينهما لأمر أو لنقيضه، لكون بينة العلاقات بين دمشق وموسكو أساسها استراتيجي فيما هدفها تحقيق مصالح وغايات ثنائية لكليهما.

فتاريخياً، تعود إلى عام 1944 عمر العلاقات العلاقات السورية – الروسية، وقتها كان الاتحاد السوفياتي السبّاق إلى الاعتراف باستقلال سورية عن المحتل الفرنسي، وإلى تأسيس علاقات أخذت من ربطة العنق دبلوماسية لكلتا الدولتين، ومن الأهمية بمكان التذكير أن جسارة العلاقة بين الدولتين لم يقو عودها بشكل كبير إلا بعد تسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد مقاليد السلطة في سورية عام 1970، وبعد ثلاث سنوات أثمرت العلاقة موقفاً إيجابياً وتحديداً في حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 1973، وقتها لعب الاتحاد السوفياتي دوراً فاعلاً لا بل مؤثراً من خلال دعم سورية عسكرياً. الأمر الذي أوتي ثماره في السياسة عبر تأسيس مكانة لسورية كدولة فاعلة ضمن معادلة الشرق الأوسط برمته.

ما ذكر أنفاً لا يدلل فقط على أن «ربطة العنق ورائحة البارود» هما من أثرا في منسوب العلاقة بين الدولتين، فعامل الأرقام أي «العامل الاقتصادي» كان له وزنه «غير الخفيف» إطلاقاً والمتابع للعلاقة بين سورية والاتحاد السوفياتي قبل أن يأفل نجمه، خاصة في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات يدرك تماماً أنها تجربة غنية، بدأت منذ عام 1975، مستندة إلى اتفاقات وبروتوكولات عدة.. وتطورت في ما بعد عبر اتفاقيات التعاون التجاري والاقتصادي والتقني الموقعة في نيسان 1993، حيث تم وبمساعدة روسيا تنفيذ أكثر من ستين مشروعاً، منها محطة سد الفرات لتوليد الطاقة الكهربائية، ومحطة البعث ومحطة تشرين الحرارية والعديد من المحطات النفطية والغازية ومشروعات الري واستصلاح الأراضي، وقد سمحت المساعدة التقنيّة التي قدمتها الشركات والمؤسسات السوفياتية الروسية لشركة النفط السورية باكتشاف وحفر قرابة الخمسين بئراً نفطياً وغازياً واستثمار أكثر من أربعين حقلاً نفطياً رابضاً على تخوم الشمال الشرقي لسورية، حيث لامس التبادل السلعي بين الدولتين أواخر العقد الماضي ما قيمته ملياري دولار تقريباً، وهنا يفرض السؤال ذاته.. أي أهمية لسورية في المنظار الروسي، ببساطة ودون عناء، تشكل القاعدة الروسية في طرطوس الساحلية، أبرز تجليات الوجود الروسي في سورية، لكونها القاعدة الروسية الوحيدة «الفاعلة» على البحر المتوسط هذا أولاً وخارج أراضي روسيا ثانياً فضلاً عما تملكه من بعد استراتيجي يوصف بالكبير في المصطلح العسكري، وما يعطيها قيمة مضافة أكثر، أنها تعطي القوات الروسية فرصة الوصول بسرعة وعن قرب إلى البحر الأحمر والمحيط الأطلسي… إذاً القاعدة الروسية في طرطوس غرب سورية لا تقاس أبداً بالقاعدة الروسية في الجزائر التي يدلل على ضعفها بالإصبع وبشكل مباشر.

كذلك روسيا بصبغتها السوفياتية «العملاق صاحب رجلين من طين» عندما هوى زمن «السكير» يلتسين، سارعت إلى البحث عن سبل وطرائق للوصول إلى المياه الدافئة وإيجاد نقاط ارتكاز وتمركز لها، إنْ بالدبلوماسية وانْ بفوهة الكلاشين».. ما تمنّته روسيا وجدته في سورية كمعبر آمن، فروسيا تريد أن يكون لها كلمة فصل في القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط ككلّ، وكان ما أرادت من بوابة سورية.

هذه معطيات لا يمكن القول فيها إنّ روسيا ليست بحاجة إلى سورية، تماماً كما لا يمكن الهمس أنّ سورية تقبض على يدها تجاه روسيا، فدمشق ترى في موسكو حليفاً رئيسياً في أكثر من قضية شائكة ولا يبدو مطلقاً أنّ دمشق تسير على خطى «الجفاء» مع موسكو. والأخيرة ليست دولة عابرة على المسرح الدولي، بل في يدها ورقة فيتو في مجلس الأمن الدولي، لكونها عضواً دائماً، وهو ما استفادت منه سورية أكثر من عدد أصابع اليدين، كذلك، روسيا حليف قوي من ناحية العسكر، لديها أهمّ إنْ لم يكن أقوى أنواع الذخيرة على مستوى العالم دون ترميد للعيون انه مورد مهم ورئيسي للسلاح، الأمر الذي تستفيد منه سورية، فضلاً عن أن روسيا تعتبر داعماً اقتصادياً أساسياً لسورية كما ذكرنا سابقاً ما من شأنها مدّ الاقتصاد السوري بجرعات إنعاش وتنفس. فهل من المنطق بعد ما يظهره لنا هذا التاريخ الطويل من العلاقات المتجذرة من التحالف بين الدولتين، أن تدير سورية ظهرها لروسيا وان تتخلى روسيا عن سورية؟

بعيداً وقريباً عن دمشق وموسكو، سرت وشوشات تقول إن «الفتور» اليوم، يعود إلى عام تقريباً، وتحديداً الرابع والعشرين من حزيران الماضي، حيث عُقِدَ في القدس المحتلة اجتماع روسي أميركي «إسرائيلي» لم يرق لسورية ولا لمحور المقاومة لا سيما أنّ الاجتماع حضره نيكولاي باتروشيف رئيس مجلس الأمن الرّوسيّ وجون بولتون مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ ومائير بن شبات «رئيس مجلس الأمن القوميّ الإسرائيلي، وكان مؤسساً للقاء جمع بعد يومين أي الثامن والعشرين من حزيران يونيو الماضي الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بالرّوسيّ فلاديمير بوتين في أوساكا اليابانيّة أثناء قمّة العشرين آنذاك… اجتماع الترويكا في القدس أسّس لاتفاق تمثّل بضرورة انسحاب القوّات الأجنبيّة التي دخلت سورية بعد عام 2011، وهذا ما ردّده في غير محفل الرّئيس ترامب، وفي مطلع أيار/ مايو الحالي جدّد جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص لسورية الدعوة إلى ضرورة انسحاب القوّات الأجنبيّة من سورية،» الأميركيّة – الإيرانيّة والتّركيّة» واستثناء القوّات الرّوسيّة، ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل، قرأت إيران الرسالة جيداً.. إخراجها وحزب الله من سورية، ليطرح السؤال هل اجتماع القدس قبل عام بدأ بتنفيذ بنوده اليوم بشكل واضح؟ وهل فعلاً موسكو قدّمت تنازلاً لـ «إسرائيل» بخصوص التمركز الإيراني، ثم كيف تفهم اللهجة العالية لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بأنّ إيران لن تخرج من سورية قبل النصر على الإرهاب؟ في أيّ صندوق بريد أريدَ لرسالة السيد نصر الله أن توضع؟ هل موسكو في الحقيقة غير راضية عن التمركز الإيراني وبالتالي قدّمت تنازلاً، أهو شكلي أم فعلي وما الفرق بينهما؟ هل علينا القول إنّ تصدّعاً حصل في محور مكافحة الإرهاب، فيما محور المقاومة يشتدّ متانة؟ كلّ ذلك يعود بنا إلى زمن خروج الجيش السوري من لبنان، وقتها فرك كثيرون أيديهم فرحاً لمشاهد الخروج التي تسمّرت شاشات الرادار الإعلامي لرصده بتفاصيله الدقيقة والقول إنّ المارد السوري خرّ صريعاً، وانهزم، ليتضح في ما بعد أنّ سورية أصبحت أقوى في لبنان وهي خارجه..

ليبقى الثابت.. انه على وقع تقارير تبث من اتجاهات متنوعة، تفضي للقول إنّ خلافاً قوياً تشتمّ رائحته بين سورية وروسيا ويتمّ البناء عليها، تدار الدفة إلى أنّ كلّ من سورية وروسيا وجدت ضالتها في الأخرى، علاقة تبادلية للمصالح وتكاملية في الأهداف وما حاصل اليوم قد يكون تبايناً في وجهات النظر لا أكثر.. ثم من قال إنّ الحلفاء يجب أن تكون مواقفهم حد التطابقّ!

اختلاف الرؤى ضرورة لاستيراد أفكار وسياسات قد تعود بالفائدة للجميع.

*صحافية سورية

إلى حكومات العراق وسورية ولبنان

ناصر قنديل

خلال أيام ستكون في العراق حكومة جديدة، ولدت تحت ظلال قرار برلماني بإنهاء الوجود الأميركي العسكري في العراق، وفي سورية حكومة تقع تحت عقوبات أميركية وأوروبية وحصار غربي شديد القسوة، وفي لبنان حكومة جديدة ولدت بمقاطعة من القوى الحليفة لحكومات الغرب والخليج، وتصلها كل يوم رسائل عنوانها عدم الاستعداد لإمدادها بالمال الذي تحتاجه لمواجهة خطر الانهيار المالي. والوضع الاقتصادي في كل من هذه الدول يعيش أسوأ أيامه، فهل فكرت الحكومات المعنية أو ستفكر في جذر الاختناق وعلاقته بتكريس واقع الفصل التعسفي بين جغرافياتها، لاعتبارات سياسية غير سيادية؟

ربما تكون الحكومة السورية الأشد استقلالاً، والأعلى إيماناً فكرياً وثقافياً بالتكامل بين الدول التي شكلت تاريخياً متحداً اقتصادياً واجتماعياً طبيعياً، لكنها ليست الأكثر مبادرة، وإن كان للانشغال بالعمل العسكري والأمني، أو لتقدير الحسابات الرماديّة للحكومات المتعاقبة على العراق ولبنان وتوقع عدم استعدادها لتلبية الدعوة لبحث المشتركات الاقتصادية، تفادياً لإغضاب بعض العرب والغرب، دورٌ في تفسير عدم المبادرة، فإن هذين العاملين إلى زوال، والأمر يحتاج إلى مبادرة، من سورية أو لبنان أو العراق، لكن النظرة لما يمكن تحقيقه بالعودة لحياة خلقها الله وكرّستها الطبيعة بين هذه الدول يشكل جواباً على أسئلة يبحث عنها المعنيون في غير مكان.

إذا بدأنا بحال العراق فسنكتشف ببساطة أن العراق يحتاج إلى أمرين عاجلين لا يحتملان التأجيل، يرتكزان على الحاجة لمنافذ بحرية على البحر المتوسط، حيث أغلب مبيعات النفط العراقي أي أغلب الصادرات العراقية، وحيث مصدر أغلب المستوردات العراقية، وحيث الدورة التجارية تمرّ من البصرة نحو مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس لتصل إلى المتوسط، فتستهلك وقتاً ومالاً يؤثران سلباً على الوضع الاقتصادي العراقي، بينما تستطيع موانئ بانياس وطرطوس وطرابلس وبيروت، إذا ربطت بخطوط سكك حديدية حديثة مع بغداد، وفعلت وطوّرت أنابيب النفط التي تربطها بمنابع النفط العراقية، أن تحقق للعراق وفراً مالياً يقدره الخبراء بخمسة مليارات دولار سنوياً، وعائدات إضافية، وتحسيناً لقطاعات الخدمات، وتوفيراً لسلع أرخص في الأسواق، إذا أضفنا ما سينتج على جانب هذه الدورة من إنتاج لمشتقات نفطية يستوردها العراق، ومن ربط حاجات العراقيين بخدمات مصرفية وصحية وتعليمية وسياحية ومنتجات صناعية وزراعية متاحة بدرجة عالية من الجودة بين دمشق وبيروت، ويعيق الإفادة منها غياب طرق النقل السريعة والآمنة والميسّرة.

إذا انتقلنا إلى سورية فسنجد حاجاتها للمشتقات النفطية مصدراً رئيسياً لأزمتها الاقتصادية وهي متاحة بإمداد مصافيها وتطويرها بالنفط العراقي الخام، لتأمين حاجات أسواقها، وحاجتها لإنتاج الكهرباء، وستعيد للعراق حاجته من المشتقات، ومالاً ناتجاً عن بيع نفطه الخام والمشتقات الفائضة من المصافي، وسنجد أن الساحل السوري سينتعش بفضل خط الترانزيت لحساب السوق العراقية بتشغيل وتفعيل مرفأي بانياس وطرطوس، وأن قطاعات الزراعة والصناعة من حلب إلى درعا والساحل والوسط ستجد ضالتها في السوق العراقية الضخمة، وأن المناطق السياحية في سورية ومدنها ومزاراتها الدينية وجامعاتها ومستشفياتها ستغصّ بالعراقيين؛ والمطلوب تفعيل شبكات نقل متعددة وميسّرة للركاب والبضائع والنفط والمشتقات، بما يشبه ما يفعله الصينيون في مشروع الحزام والطريق، الذي يشمل بلدان المتوسط، العراق وسورية ولبنان، والصين مهتمة بسورية وتربطها بها علاقة مميّزة، والصين وقعت مع العراق اتفاقيات بمئات مليارات الدولارات لمشاريع عملاقة يجب أن تتصدّرها مشاريع التشبيك العراقية مع سورية ولبنان، ومن بينها شبكات الربط الكهربائي أيضاً، خصوصاً أن إيران المتصلة عبر العراق بجغرافيا هذه الدول المتوسطية جزء من المشروع الصيني العملاق وعلاقاتها بالصين أكثر من مميّزة، ولديها فوائض في المشتقات النفطية، وفي إنتاج الكهرباء.

نصل إلى لبنان الواقف على رصيف الانتظار والتسوّل، بانتظار أن يرأف بحاله الغرب وبعض العرب، وهو كالبيد في الصحراء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهرها محمولُ، فهل يدرك المعنيون في لبنان حجم التحوّل التاريخي الذي يترتب على هذا التشبيك الاقتصادي، ليس بتوفير العملات الصعبة التي تستنزف نصف موارد لبنان لتأمين المشتقات النفطية والكهرباء، فقط، بل بالحركة التي سيجلبها التشبيك بوسائل نقل سريعة لقطاع المصارف لحساب العراق، وللصناعة والاستشفاء والتعليم، والاستهلاك، والطبقة الوسطى وما دونها في العراق ستجعل من سورية وجهتها، والطبقة الوسطى وما فوق ستجعل من لبنان وجهة لها، هذا من دون أن نتحدث عن المنتوجات الزراعية. وقد قال لي صديق عراقي أن قطارا يربط بغداد ببيروت بثلاث ساعات، سيعني أن رجل الأعمال العراقي ينطلق في السابعة صباحاً من بغداد ليصل إلى مصرفه في بيروت في العاشرة ويعود في الرابعة من بيروت ليصل بغداد السابعة مساءً، وقد تناول الغداء الذي يحبّ في مطاعم بيروت، أو أمضى ليلته في فنادفها وقرّر التسوق والعودة في اليوم التالي، وختم الصديق ضاحكاً بالقول لا تنسوا إرسال خبزكم في القطارات يومها، لأنه مهما أرسلتم من كميات ستنفد عند محطة القطار، ليقول افتحوا أفراناً وسيتكفّل العراقيون باستهلاك الخبز.

لا جواب منطقي يقول إن هذه المعطيات غير واقعية، فقط الكلام في السياسة عن الانتظار، وانتظار ماذا لا نعلم، خصوصاً أنه المعيب أن نسمع بأن دورة الأوكسجين الذي ينتشلنا من الاختناق المحتم، لأننا ارتضينا أن نعيش في علب مغلقة ننتظر للخروج منها إذناً خارجياً، فهل تنتظر الاطمئنان بأن الغرب وبعض العرب لن يغضبوا، فلنتعظ مما فعله الفرنسيون يوم كانوا يحكموننا في لبنان وسورية، وقد قسمونا وأقاموا لنا جيشين ومجلسي نواب وحكومتين ورئيسين وأعدّوا لنا دستورين، لكنهم حافظوا لنا على مصرف مركزي واحد وليرة واحدة، وسواها من المصالح المشتركة التي أنشأوا لها مجلساً يحمل هذا الاسم “مجلس المصالح المشتركة”. تخيّلوا مثلا أن يتفق حكام المصارف المركزية في دولنا على تسعير أسبوعي للعملات الوطنية فيما بينها يتبعه قرار حكومي باعتماد هذه العملات في التداول بين أسواقنا وناسنا وبضائعنا وخدماتنا، ولنشكّل مجلساً للمصالح المشتركة بين لبنان وسورية والعراق يترأسه رؤساء الحكومات ويضمّ وزراء الطاقة والاقتصاد والمال وحكام المصارف المركزية ومعهم رؤساء غرف التجارة والصناعة والزراعة.

لمَ لا إذا كانت لنا إرادة وعندنا رؤية، ولم نتحدّث بعد عن عملية الإعمار في سورية ولا في العراق؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: