النفط الإيراني… شريان للحياة

السبت 21 آب 2021

حسن عليق

النفط الإيراني... شريان للحياة
(مروان بو حيدر)

«بكرا بيتعوّدوا»، العبارة المنسوبة إلى رياض سلامة تعليقاً على تعامل اللبنانيين مع انهيار قيمة الليرة، باتت دستور أكثرية قوى السلطة. منذ سنتين، عاش لبنان ثلاث صدمات اقتصادية كبرى، يجري التعامل معها كما لو أنها لم تكن: صدمة إفلاس القطاع المصرفي المكابر على إعلان إفلاسه وانهيار الليرة، وصدمة رفع الدعم، وصدمة انقطاع الطاقة الكهربائية والمحروقات معاً.

كل واحدة من هذه الصدمات كفيلة، وحدها، بهدم اقتصاد ولو كان قوياً، وبتدمير قدرات السكان المعيشية. الانهيار لا يُمكن أن يستمر، ولو في أفشل دول العالم، من دون خطة إنقاذ، لوقف الانهيار وعكس المسار نحو العودة إلى «الحياة الطبيعية». رفع الدعم لا يمكن أن يتم، ولو في أكثر الرأسماليات توحشاً، من دون شبكة أمان اجتماعي. حتى البنك وصندوق النقد الدوليّان، وسواهما من مؤسسات نظام سيادة رأس المال في العالم، يوصيان بأن يكون قرار إلغاء الدعم عن السلع الأساسية متزامناً مع برامج حماية اجتماعية، للطبقات الأكثر ضعفاً. وأكثر ما ينبغي الامتناع عنه، هو رفع الدعم فجأة عن الغذاء والدواء والاستشفاء والمحروقات والطاقة. صدمات متتالية أصابت سكان لبنان، مترافقة مع جائحة كورونا العالمية، وانفجار المرفأ، وأزمة سياسية مستمرة منذ ما قبل انسحاب الجيش السوري أنتجت عدم انتظام في المؤسسات الدستورية (فراغ حكومي، فراغ رئاسي وتمديد نيابي…) استهلك أكثر من نصف الأعوام الـ 16 الماضية.

صدمات متتالية، أتت بعد إجراءات حصارية نفّذتها الولايات المتحدة الأميركية، بدأت عام 2011 بقرار إعدام البنك اللبناني الكندي (وهو العام الذي بدأ فيه ميزان المدفوعات اللبناني يشهد عجزاً استمر حتى اليوم)، ثم إجراءات حصار سوريا تزامناً مع اندلاع الحرب فيها، وقرارات العقوبات بحق شركات وأفراد لبنانيين، وصولاً إلى إعدام بنك الجمال صيف عام 2019 (صاعق الانهيار) وإقفال المصارف بعد 17 تشرين الأول 2019 (قرار اتخذته جمعية المصارف أثناء وجودها مع سلامة في واشنطن). طوال تلك الفترة، كانت البنوك تكنز الودائع في مصرف لبنان الذي اتخذ حاكمه كل الإجراءات الممكنة من أجل خنق الاقتصاد، وتوّجها، بغطاء من أكثرية سياسية عابرة للانقسام التقليدي، بقرار رفع الدعم عن المحروقات. وسبق ذلك القرار قانونٌ أصدره مجلس النواب في نيسان 2021 منح فيه سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 300 مليار ليرة. هذا القانون يمكن تسميته بقانون العتمة. فالمؤسسة كانت تطلب 1500 مليار ليرة لتأمين ثمن الوقود الكافي لتوليد الطاقة الكهربائية وصيانة معامل الإنتاج حتى نهاية العام الجاري. لكنّ عدداً من الكتل النيابية (القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل وحركة أمل) ضغطت لخفض قيمة السلفة حتى 300 مليار ليرة، تحت طائلة عدم إصدار القانون. وشنّ ممثلون عن هذه الكتل عملية تضليل شنيعة للسكان، متعمّدين الكذب عبر القول إن خفض قيمة السلفة هدفه الحفاظ على أموال المودعين التي لم تحرّك هذه الكتل ساكناً لحمايتها، لا قبل الانهيار استباقاً، ولا بعده حفاظاً على ما تبقى منها. ببساطة، صدر قانون العتمة، عبر حجب الأموال عن مؤسسة كهرباء لبنان. ثم غطّت هذه الكتل، وغيرها، قرار سلامة رفع الدعم عن المحروقات. هذه الكتل تنقسم إلى قسمين. القوات والاشتراكي والمستقبل فعلوا ما فعلوه امتثالاً لأوامر أميركية بإيصال البلاد إلى الدرَك الأسفل من الانهيار. أما كتلة حركة أمل، ففعلته نكاية بالتيار الوطني الحر. وفي خلفية قانون العتمة وقرار رفع الدعم، انحياز كلي لأصحاب الثروات والمصارف.

ما جرى كان تأثيره كارثياً. لم يسبق أن اتخذت دولة، عن وعي كامل، قراراً بتدمير اقتصادها بالصورة التي فعلتها السلطة اللبنانية. ما يشهده لبنان حالياً من انقطاع للطاقة الكهربائية والمحروقات لا يمكن أن تشهده أي دولة من دون حرب مدمّرة. فالطاقة هي العمود الفقري للحياة في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. ونتائج وقف إنتاج الكهرباء وقطع المحروقات لا تعيد سكان لبنان إلى المستوى الذي كانوا يعيشون فيه بعد الحرب الأهلية مباشرة، بل تُرجعهم إلى زمن ما قبل إنشاء سكة الحديد وإقامة أول معامل إنتاج الكهرباء زمن السلطة العثمانية. والدولة التي فُرِض عليها هذا الواقع، بقرار خارجي وداخلي، هي دولة يقول حاكم مصرفها المركزي إن بين يديه 14 مليار دولار «نقداً»، و17 مليار دولار ذهباً.

مجلس النواب، بوصفه المؤسسة الدستورية الأمّ، كان ينبغي أن يكون الحصن الأخير دفاعاً عن حقوق أبناء «الأمة» ومصالحهم. كان يُنتظر منه إصدار قوانين تُجبر مصرف لبنان على استمرار الدعم إلى حين إقامة شبكة أمان اجتماعي، وعلى ضمان استمرار إنتاج الكهرباء بالطاقة القصوى، وعلى تمويل إقامة معامل إنتاج جديدة تكفي لتغطية كامل حاجة البلاد. كان يُنتظر منه أن يكون على قدر المسؤولية، لإخراج البلاد من صدمة الانهيار.

جلسة مجلس النواب، أمس، يمكن اعتبارها خاتمة الاستقالة من بذل أيّ جُهد إنقاذي. هذا الواقع الداخلي، متشابكاً مع الحصار الخارجي، لا يواجَه بقرارات تقليدية. البلاد تعيش حالة انهيار تام يُعبَّر عنها بانقطاع التيار الكهربائي، وفقدان المحروقات. موازين القوى في المؤسسات الدستورية موزعة بين شريك لدول الحصار (سياسياً ومالياً)، ومستقيل من مسؤوليته وعاجز عن التغيير من الداخل

ومشتغل بالنكاية. والواقع أشبه ما يكون بحالة حرب غير معلنة. وإزاءه، لا بد من حلول غير تقليدية، على رأسها تأمين مصادر الطاقة، في وجه الاحتكار والحصار، والتفافاً على العجز التام للمؤسسات. إجراءات طوارئ هدفها إنعاش المريض والحؤول دون وفاته. هنا تحديداً تكمن أهمية استيراد النفط من إيران. إنه ليس حلاً للأزمة في لبنان، لكنه بالتأكيد شريانٌ للحياة، في وجه قوى الموت الداخلية والخارجية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Lebanese Bank Governor’s Reckless Step: A Move towards the Total Collapse

August 14 2021

Lebanese Bank Governor’s Reckless Step: A Move towards the Total Collapse

By Mohammad Yousef

Central Bank Governor Riad Salameh’s decision to lift subsidies off fuel imports pushed the whole country further into a very dangerous position.

The decision represents an illegal, reckless and irresponsible step as the people suffers from host of shortages in basics with skyrocketing prices and devaluation of the Lebanese currency.

The fuel is probably the most important vital commodity. It affects people’s life greatly as it covers many vital areas of every day’s life like hospitals, bakeries, universities, schools, water and electricity supplies and many others.

This brought the whole country into a total paralysis and will bring it closer to the verge of collapse unless the concerned parties take the necessary measures to stop this or alleviate its impact on people’s life.

Lay people and officials know that subsidies will not continue forever especially under the deteriorating situation in all levels, but such a decision cannot be taken the way Salameh did. He removed the government support onetime and without considering that the necessary precautionary measures have been put into implementation. Many parties have suggested that every poor family receives a certain limited amount of supported fuel, for example, 80 liters per month. Moreover, the long awaited for financial support card has not been yet put into effect.

Such necessary measures would have eased the exacerbating crisis and rendered the step possible to swallow by people. However, the governor has chosen to lift the fuel subsidies abruptly and without any prior notice. This has all happened at a time when vice Prime Minister Zeina Akar announced that this was not going to take place.

The governor’s decision says a lot and gives very alarming indications about the way the country is run at this stage.

First, the step reflects the total detachment of the ruling class from the people and their sufferings.

Second, it gives an alarm that the ruling oligarchy decided that the correction of the current crisis is being put on the burden of the doomed and most impoverished people.

Third, it assures that the governor acts at his utmost liberty without waiting for any legal or political coverage.

What does all this tell?

It simply announces that we are hastily heading towards the great crash or the collapse of the state. Many scenes of the Venezuelan scenario are already here.

People are endlessly queuing for many vital daily needs like gasoline, cooking gas, medications, and recently children milk and bread. The whole country is in total chaos and the people are disoriented about what happened and about what to do, or where to go to find a solution or at least an alleviation of their suffering.

The international community and the powerful countries like the US , France, Britain and their allies in the Arab world are watching but not taking concrete tangible steps to help though they know it is within their reach, why?  Because they are investing in our misery, and this is not a conspiracy theory that aims at directing the blame on Washington and its allies. We know that country’s corruption is the number one culprit, but they knew it and accepted it and continued to deal normally with it and now they want to strip Lebanon from its last point of strength represented by its triumphant resistance to dictate their conditions in politics and economy and to gain with their mounting blockade and economic pressure what they failed to do with their military campaigns. They need to know they are pining hopes over illusion. This cannot and will not be.

Now, as the endeavors and efforts to form a government have reached a very advanced stage, probably in the near coming days, hopes are rising that this mandatory step would usher in a significant effort to start a robust and wise rescue planned effort and represents the first step in the one thousand mile trip to put things back on track.

الترابط بين الأزمة والتبعية لواشنطن وخطتها الانقلابية بعد فشلها في استغلال الاحتجاجات الشعبية..

14/07/2021

حسن حردان

أكدت التطورات الأخيرة جملة من الحقائق التي يجب ان يعيها اللبنانيون ويدركوا من خلالها مَن هو المسؤول عن أزماتهم المتفاقمة ومنع الحلول لها مما أدى الى لإذلالهم في البحث عن الدواء والوقوف في طوابير على محطات البنزين، وتدهور قدرتهم الشرائية على نحو غير مسبوق مما أدّى إلى سحق الفقراء وانضمام الطبقة الوسطى إلى صفوف الفقراء حتى يمكن القول إننا بتنا في مجتمع مكوّن من طبقتين، طبقة الأربعة في المئة من الأثرياء، وطبقة الفقراء الذين باتوا يشكلون الغالبية العظمى من الشعب…

فما هي هذه الحقائق:

الحقيقية الأولى، انّ الرئيس الحريري، ومنذ بداية انفجار الازمة، لم يقدم على أيّ خطوة من تلقاء نفسه وبإرادته، بل كانت قراراته استجابة للتوجيهات الأميركية وخضوعاً لها، وسعياً لنيل رضا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، رغم انّ الأخير اعتقله في الرياض وأهانه، ومع ذلك فإنّ الرئيس الحريري لا يزال يسعى إلى كسب ودّ ابن سلمان ودعمه، ويوسّط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والسفيرتين الأميركية والفرنسية، ولهذا بات الرئيس الحريري في وضع لا يُحسد عليه، يبحث عن مخرج بعد أن أبقى البلاد نحو عشرة أشهر رهينة مأزقه، من دون أن يشكل حكومة، أو يعتذر، رامياً بالمسؤولية على رئيس الجمهورية للتغطية على عجزه وارتهانه…!

الحقيقة الثانية، انّ هذا الخضوع والارتهان من قبل الرئيس الحريري لكلّ من واشنطن والرياض، إنما كان ولا يزال يندرج في سياق تنفيذ مخطط أميركي استهدف شلّ الحكم في لبنان، ومنع الخروج من أزمته، والعمل على خنق لبنان اقتصادياً ومفاقمة أزماته النقدية والاجتماعية والمعيشية من ضمن خطة تشترك فيها بعض القوى السياسية، والمؤسسات المالية وفي المقدمة حاكم مصرف لبنان، وكبار المصارف، والشركات الاحتكارية، للأدوية ومشتقات النفط، التابعة لواشنطن والمرتبطة مصلحياً بالرأسماليات الغربية الاستعمارية.. إنْ كان عبر الدعم المالي الذي تحظى به هذه القوى السياسية، أو عبر الوكالات الحصرية التي تتحكم بحياة اللبنانيين.. خطة جعلت اللبنانيين يغرقون في أزماتهم الحياتية ليتمّ تحريضهم ضدّ مقاومتهم وحلفائها وفي الطليعة عهد الرئيس ميشال عون، والتيار الوطني الحر… لإضعاف التأييد الشعبي والسياسي للمقاومة، التي باتت منذ انتصاراتها عام 2000، وعام 2006، تشكل مصدر القلق الأساسي للعواصم الغربية، لأنّ المقاومة أصبحت تهدّد أمن ووجود الكيان الصهيوني، المرتكز الاستعماري الغربي الذي زرعه في قلب الوطن العربي لمنعه من التوحّد والتحرّر واستغلال ثرواته، وبالتالي ضمان استمرار نهب الشركات الغربية للثروات العربية وفي مقدمها النفط.. فحماية أمن ووجود هذا الكيان الصهيوني أصبح هو الهاجس الذي يحرك الحكومات الغربية، التي تضع لبنان في رأس سلّم أولوياتها، لكون مقاومته نجحت في هزيمة “إسرائيل” وردع عدوانيتها ومنعها من تحقيق أطماعها في لبنان… لا سيما في مياه لبنان الإقليمية الخالصة التي اكتشفت فيها ثروة غازية هامة تمكن لبنان، في حال أحسن استغلالها من معالجة أزماته وتعزيز اقتصاده وقوّته المستندة إلى معادلة قوة لبنان المتمثلة بـ “الجيش والشعب والمقاومة”.

الحقيقة الثالثة، انّ لبنان لا يمكن له أن يخرج من أزماته الاقتصادية والمالية، ويحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم يتحرّر من التبعية السياسية والاقتصادية للدول الغربية الاستعمارية، ويبني سياساته انطلاقاً من مصالحه.. التي تمكّنه من بناء اقتصاد إنتاجي غير ريعي، اقتصاد يحقق نمواً فعلياً وينتج الثروة، ويستغلّ ويوظف ثروات لبنان في خدمته، كما يستفيد من كلّ المشاريع والمساعدات المعروضة عليه من دون شروط لحلّ أزماته الخدماتية المزمنة حلاً جذرياً، لا سيما المشاريع والمساعدات التي عرضت من إيران والصين وروسيا، إلى جانب الاتجاه نحو تحقيق التكتل المشرقي مع سورية والعراق وإيران الذي يحقق التكامل الاقتصادي، وربط شبكات النفط والغاز والكهرباء وسكك الحديد، ويجعل من لبنان محطة هامة في مشروع طريق الحرير…

الحقيقة الرابعة، انّ استكمال معركة تحرير الأرض، وحماية لبنان وثرواته من العدوانية والأطماع الصهيونية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتمسك بالمقاومة وسلاحها الرادع، والمعادلة الذهبية، الجيش والشعب والمقاومة، وبخوض معركة التحرّر الاجتماعي من السياسات الريعية النيوليبرالية التي أدّت إلى زيادة حدة التفاوت الاجتماعي، وزيادة أعداد الفقراء، وتمركز الثروة بيد قلة قليلة من الأثرياء والشركات الاحتكارية والمالية.. وهذه المعركة الاجتماعية غير منفصلة عن معركة التحرّر من الوصاية والهيمنة الأميركية الغربية التي تستند من النظام الطائفي الذي زرع بذرته الاستعمار لضمان عدم استقرار لبنان واستمرار تدخلاته في شؤونه الداخلية.. كما يفعل حالياً..

في خلاصة الكلام، إذا أجاب الرئيس عون اليوم بالموافقة على تشكيلة الحكومة التي قدّمها له الرئيس الحريري، فهذا يعني انّ الرئيس المكلف حصل على موافقة ودعم إقليمي ودولي لتشكيل حكومته الجديدة، دعم يمكنه من تحقيق انفراجات تخفف من الأزمات التي يعاني منها لبنان بهدف تعزيز الوضع الشعبي للرئيس الحريري وتحالفاته عشية الانتخابات النيابية، بحيث يتمكن تيار المستقبل وحلفاؤه من قوى 14 آذار من حصد الأغلبية النيابية وإعادة تشكيل السلطة بما يحقق الأهداف الأميركية…

أما إذا رفض الرئيس عون التشكيلة باعتبارها لا تنسجم مع التوافقات التي تمّ التوصل إليها، وتعكس إصرار الرئيس الحريري على فرض حكومة اختصاصيين من خارج أيّ تفاهم مع الرئيس عون والقوى السياسية الأساسية المكوّنة للبرلمان، فإنّ الرئيس الحريري يكون قد تعمّد ذلك لتبرير إقدامه على سلوك خيار الاعتذار… الأمر الذي يعني انّ الأزمات سوف تستمرّ بهدف زيادة حدة الضائقة المعيشية للمواطنين إلى أن نصبح على مقربة من موعد إجراء الانتخابات، ليجري تحميل المسؤولية عن الأزمة إلى الرئيس عون وتياره الوطني وحزب الله في محاولة للنيل من شعبيتهما والحصول على الأغلبية النيابية من قبل القوى التابعة للولايات المتحدة وبالتالي تنفيذ الأجندة الأميركية سياسياً واقتصادياً لمحاولة محاصرة المقاومة..

في الحالتين، فإنّ تحالف حزب الله والقوى الوطنية والتيار الوطني، مطالب بوضع خطة مواجهة لإحباط هذه الخطة الأميركية الانقلابية عبر الانتخابات بعد أن فشلت بواسطة ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية في الشارع…

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

نقاش لنيّات إصلاحيّة مكبوتة أحبطها الحليف: هل يمكن جمع التموضع الطائفيّ مع الإصلاح؟

 ناصر قنديل

يُصرّ بعض قادة ورموز عدد من التيارات السياسيّة على تأكيد تطلعاتهم الإصلاحية، ويدافع عنهم مريدون بحماسة واقتناع، ويستحضرون هذا الإصرار في محاكمة الأزمة الراهنة التي يمر بها لبنان، لتيبرأوا من الشراكة بالمسؤوليّة عن هذه الأزمة وامتلاك حق حصريّ بالتصرّف في توزيع نصاب المسؤوليّة على خصومهم وحلفائهم.

الأمر الذي يفوت هؤلاء أن السرقات الشخصية المصنفة تحت عنوان الفساد ودورها في الأزمة الراهنة ليست إلا نتيجة للأسباب الحقيقيّة للانهيار، ولا يمكن لكل الحديث عن أرقام وتقارير تتناول الثروات الشخصيّة لقادة او لتهريبهم أموالهم إلا ان تؤكد هذا الاستنتاج. فالجوهر هو نظام سياسي مالي قام على معادلة، استدانة بلا برامج وأولويات بهدف اجتذاب الدولارات لحماية سعر الصرف، وبالتوازي الإنفاق عبر مؤسسات الدولة على توظيف بلا قواعد وتلزيم المشاريع بلا رقابة، وكل القوى الكبرى التي تمثل طوائفها في الحكم بلا استثناء كانت شريكاً في هذه الثنائية، طالما انها كانت شريكاً بتمثيل طائفتها في مواقع السلطة، فلم تضع الفيتو على الاستدانة واستعمال عائداتها في حماية سعر الصرف، وترك اللبنانيين ينفقون أضعاف ما تمثله مداخيلهم الحقيقيّة، لرشوتهم سياسياً وانتخابياً، وطالما أنه لم يستعمل الفيتو لمنع إنفاق الديون على الدولة ومؤسساتها توظيفاً وتلزيمات، وارتضى ان يكون شريكاً يستخدم الفيتو لنيل حصص ومنع حصص على غيره في التوظيف وفي التلزيمات، ولو أقسم اليمين صادقاً أنه ليس بين قيادييه أي سارق او مرتشٍ.

هل بين القوى الكبرى من لم يستعمل الفيتو او يدّعي أنه لا يملكه، فكيف يفسر لنا إذن كيف استطاع فرض حصوله على مواقع سيادية في الدولة رئاسية ووزارية يعرف اللبنانيون أن الجميع فرض حضوره فيها بقوة الفيتو الطائفي، الذي لم يُستعمل ولا مرة، ولا مرة، لوقف السياسات المالية، ولا سياسات التوظيف والتلزيمات الانتخابية الهادفة لإعادة إنتاج النظام بالطريقة ذاتها التي يستخدمها الجميع مهما تحدث بعضهم عن تمايزه في الاختيارات الفردية لمرشحيه في التوظيف او لنظافة تعامله في التلزيمات، لأن هذا الجانب على أهميته لن يمنع وقوع الانهيار ولو تساوى فيه الجميع. فالانهيار نتاج انفجار بالون اللعبة الجهنمية، ديون بلا قدرة سداد تنفق على حماية سعر الصرف لرشوة الناس بمستوى معيشة وهميّ، ولإنفاق لا يخضع لحساب أولويّات صحيح في التوظيف والتلزيمات، وأين كان الفيتو الجاهز للاستعمال في فرض حصة رئاسية او وزارية وتعطيل البلد لشهور وسنوات طلباً له، والجاهز للاستعمال لرفض وفرض توظيفات بحساب طائفيّ أو حزبيّ في الطائفة، ولفرض حصص من التلزيمات تحت عنوان الإنماء المتوازن، وهو يعلم أن الإنماء خطة غير موجودة وليس موجوداً منها إلا حصصٌ انتخابية؟

إذا كان هناك فريق بين الكبار نأى بنفسه عن المحاصصة فهو حزب الله، ورغم ذلك فهو يتواضع في الأستذة الإصلاحيّة على الآخرين ويقول كلنا مسؤولون، لكن بنسب الشراكة في رسم السياسات، لكنه شريك بعدم استعمال الفيتو الذي أشهره لفرض وصول العماد ميشال عون للرئاسة، وقبلها لفرض حصّة التيار الوطني الحر الوزاريّة، أكثر مما استعمله لحصة طائفته، لكنه لم يستعمل هذا الفيتو بوجه السياسات الماليّة والإنفاقيّة والنقديّة. وهذه شراكة بالمسؤولية.

الأرقام في لبنان وجهة نظر، فعندما يُحكى عن رقم 40 مليار دولار كلفة الكهرباء دون أن تحل أزمتها، ولا يقال إن الدولة تدفع كل سنة ملياري دولار لشراء الفيول، اي 40 مليار بعشرين سنة، لان أحداً لا يريد ان يعترف ان السبب، هو أن لا أحد، لا أحد بالمطلق، يريد تحمّل مسؤولية رفع التعرفة وتحسين الجباية لتصبح الكهرباء ذات جدوى اقتصادية، والاعتبار انتخابي تشارك فيه الجميع. وفي هذا يُظلم التيار الوطني الحر بتحميله وحده المسؤولية، لكن بالمقابل فإن التيار عندما يتحدّث عن فشل تحالفه مع حزب الله لأن الحزب وضع حساب وحدة الطائفة فوق السير بالإصلاح، يفعل الشيء نفسه الذي يلقي به الآخرون عليه بعبء مسؤولية ظلماً، فهل يمكن للتيار عندما يتحدّث عن معركته للإصلاح التي عطلها حزب الله بسبب أولوية الحزب الطائفية، أن يخبرنا متى حدث ذلك، في ظل الحكومة المشتركة بين التيار والرئيس سعد الحريري، وشهر العسل الناتج عن التسوية الرئاسية، أم في مرحلة اتفاق معراب الذي لا صفة له إلا السعي لوحدة الطائفة، أم بعد سقوط حكومة التسوية الرئاسية وقد دخلنا في الانهيار، وكان عنوان الثورة الملوّنة إسقاط التيار ووقف الحزب مدافعاً وفق معادلة العهد خط أحمر، طالما أنه يتحدث عن عهد الرئيس ميشال عون حصراً، لأنه قبل ذلك كان الحزب يستعمل حق الفيتو ليفرض حصة التيار الوزارية وصولاً لفرض رئاسة الجمهورية؟

اذا نسينا كل هذا، وقبلنا أن الحديث يدور عن انتفاضة إصلاحيّة بعد دخولنا الانهيار، وقراءة نقدية للتسوية الرئاسية لم نسمع عنها، ومثلها لاتفاق معراب لم نسمع عنه أيضاً، وان التيار وفق عدد من ناشطيه يريد تغييراً جذرياً، وقد نصدق ذلك، لأن أحداً لا ينكر خلفيات العماد ميشال عون الإصلاحية واللاطائفية، فيصير السؤال لبعض رموزه الذين ينطلقون من اعتبار الرئيس سعد الحريري خصماً ويضعون الرئيس نبيه بري بين الخصوم، ويصفون النائب وليد جنبلاط بحليفهما الثالث، ويوجهون سهام التصعيد بوجه حزب الله ويعتبر بعضهم أن التحالف معه صار عبئاً على التيار، من حقنا السؤال، بمن يريد هؤلاء خوض معركة الإصلاح، فهم يقولون إن رئاسة الجمهورية لا تملك الصلاحيات اللازمة لذلك وبهذا يفسرون مرحلة التسوية الرئاسية، فهم اذن يرفعون راية الإصلاح لنيّة مشروع آخر، وهل بقي غير انهم يريدون أخذ التيار بعيدا عن الخط الذي رسمه العماد عون كتعبير عن الالتزام بوحدة لبنان، كتعبير عن تماهيهم الضمني مع حزب القوات اللبنانية ومحاولة استعمال عنوان التيار لترويج سياساتها الفدرالية؟

التواضع شرط أخلاقي في ممارسة السياسة، ومشكلة لبنان أن جميع قواه السياسية النافذة والفاعلة مبتلية بالداء الطائفي وتجد له أعذاراً فيما يخصّها، وتضع شروطاً تعجيزية على غيرها لتخطيه، وترغب بممارسة دور الواعظ الإصلاحيّ بإلقاء المسؤولية عن الانهيار الشامل على الغير خصماً او حليفاً، والرئيس فؤاد السنيورة يقول إنه لو اتبعت نصائحه لما وصل البلد الى ما وصل اليه! عجيب غريب لبنان!

مقالات متعلقة

هل يمارس لبنان المقاومة السياسيّة والاقتصاديّة؟

11/06/2021

 العميد د. أمين محمد حطيط _

لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث كمّاً من الأزمات يتوالد ويتفاقم بسرعة وعمق بالشكل الذي يشهده اليوم. وصحيح أنّ بنية النظام الاقتصادي اللبناني واهنة والإدارة اللبنانية فاسدة والتبعية قاتلة، لكن هذا ليس بجديد فنظام الاحتكار والوكالات الحصرية غير المبرّرة قديمة العهد ولم تقوَ حكومة أو مسؤول على الإطاحة بها، لا بل كان رأس المسؤول يتدحرج عندما كان يتجرّأ على طرحها (كما حصل مع وزير الصحة البيطار عندما فكر بمعالجة موضوع الدواء وضبطه بعيداً عن المحتكرين) أما الرشوة والنهب وكلّ وجوه الفساد المالي والإداري فهي متلازمة مع هذا النظام السياسي القائم على العشائرية والطائفية والمحاصصة الأنانية وسلطة الزعيم في الطائفة، ونختصر الأمر بالقول إنّ الواقع الرديء للبنان من حيث السياسة والإدارة والاقتصاد أمر غير مستجدّ، لا بل هو قديم قدم النظام اللبناني ولا ننسى أنّ أول رئيس جمهورية في لبنان أطيح به بتهمة الفساد. وهنا يطرح السؤال لماذا وصلنا اليوم إلى هذا الواقع المرير إذن رغم أنّ الأسباب الداخلية قديمة؟

قد نجد الردّ منطقياً بالقول إنها الشعرة التي قصمت ظهر البعير، أو إنها النقطة التي فاض بها الكأس، أو إنها اللحظة التي تفصل الموت عن الحياة، وإنّ الطريق الخاطئ الذي سلكه لبنان منذ تأسيسه عامة ومنذ العام 1992 خاصة كان لا بدّ من أن يؤدي به إلى ما هو عليه اليوم من بؤس وعوز وفقر بعد أن نهب المال وسخرت الدولة لمصلحة طبقة سياسية سارقة دخلت إلى الدولة ولا تملك ليرة واحدة ووصلت عبر السلطة إلى امتلاك مليارات الدولارات التي بلغت عند بعضهم 16 مليار دولار لم يجنها إلا نهباً وسرقة واغتصاباً من الدولة.

وعلى وجاهة هذا التبرير والتفسير، يبقى السؤال لماذا لم يتعرّض لبنان في ظلّ مراحل سبقت وكانت ظروفها أشدّ قسوة وتعقيداً، لماذا لم يتعرّض لربع ما هو عليه اليوم، إذ رغم حرب السنتين في العام 1975 لم تهدّد الودائع المصرفية بالتبخر ولم يتدهور سعر صرف الليرة، ورغم العدوان “الإسرائيلي” في العام 1982 وما تبعه من حروب خاصة كحرب الجبل وحرب إسقاط اتفاق 17 أيار لم تفقد المواد الغذائية والأدوية والمحروقات من السوق رغم ارتفاع أسعارها، وفي الحروب الداخلية ضمن الطوائف والمذاهب وتعاظم الخطر والمخاطر الأمنية في كلّ بيت في تلك الطائفة أو المذهب أو ذاك لم نشهد ما نراه اليوم من ذعر وخوف على حليب الأطفال ودواء المرضى و… و… إلخ…؟ فلماذا نحن الآن هنا إذن؟

أعود وأكرّر وأؤكد أنّ بنية الاقتصاد اللبناني الذي أقيم بشكل خاص بعد العام 1992 ليكون اقتصاداً ريعياً غير إنتاجي واقتصاد خدمات واهن تابع، معطوفة على فساد في الحكم والإدارة وكلّ شيء في الدولة التي يعمل فيها بقاعدة “الوظيفة العامة ملكية استثمار وليست خدمة ولا مسؤولية”، وان نجاح المسؤول في وظيفته يُقاس بمقدار ما يسرق وما ينهب من المال العام وأموال الناس لنفسه ولجماعته، وأنّ ذلك يشكل أسباباً كافية للوصول بنا إلى حيث نحن من كوارث جعلت الدولة وشعبها في سحيق الانهيار وخطر الزوال، لكن مقارنة ما نحن فيه مع ما سبق من مراحل وحالات سيئة بل أسوأ يثير السؤال هل الفساد الداخلي وطبيعة الاقتصاد اللبناني وحدهما هما سبب ما نحن فيه أم هناك عوامل أخرى.

في موقف جريء وبعد أن لمس الحقيقة لمس اليد، صرح رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بأنّ “لبنان يتعرّض لحصار خارجي مطبق”، وهي حقيقة كان على المسؤول أن يواجهها منذ أن اعتمدت وهنا نذكر بأننا كنا من أوائل من نبّه إلى هذا الأمر وفصلناه في العام 2019 عندما جاء وزير خارجية أميركا وأطلق من بيروت خطة انهيار لبنان لإسقاط المقاومة التي أطلقنا عليها تسمية “خطة بومبيو” والتي قلنا مؤخراً إنها لا تزال سارية المفعول حتى الآن، وهي الخطة التي أُرسيت على حلقات خمس، تبدأ بالفراغ السياسي، ثم الانهيار المالي، ثم الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الانفجار الأمني، تمهيداً لعدوان “إسرائيلي” ينفذ اذا تمّ النجاح في الحلقات الأربع السابقة.

ولكن بدل المواجهة رأينا كيف أعان المسؤولون في لبنان وفي مختلف المواقع أميركا على تنفيذ خطتها، التي تسبّبت بالفراغ السياسي الذي يتخبّط به لبنان منذ أن استقال سعد الحريري بشكل فاجأ شركاءه في تشرين الأول 2019، ولا يزال هذا الفراغ قائماً حتى اليوم بعد أن حُمل حسان دياب على الاستقالة وتعثرت كلّ مساعي تشكيل الحكومة من 10 أشهر وهي لن تتشكل حتى تمتلك جرأة إسقاط القرار بالفراغ السياسي. أما الانهيار الاقتصادي مقروناً بالنقدي فقد نجح سياسيون وإداريون وموظفون وطبقة مصرفية واقتصادية ومالية مرتبطة بأميركا وتسير على الإيقاع والتوجيه الأميركي نجحوا في إحداثه بشكل يفوق ما توقعت أميركا نفسها، حيث إنهم وبكلّ وقاحة وخلافاً للأنظمة والقوانين والدستور وضعوا اليد على ودائع الناس في المصارف وتحكموا بها وحرموا أصحابها منها وألقوهم في دوائر العوز والضيق دون أن يرفّ لهم جفن.

وفاقم الأوضاع سوءاً ما أسمي العقوبات الأميركية على سورية وما جاء في قانون قيصر الأميركي بصددها، فنال لبنان من الحصار والعقاب أكثر ما تأثرت به سورية نفسها والسبب عائد لاختلاف طبيعة الاقتصاد في البلدين والأداء الرسمي لدى الحكومتين.

والنتيجة أنّ أزمة لبنان الاقتصادية والضيق النقدي والمالي الحالي عائد لفئتين من الأسباب فئة داخلية تتعلق بطبيعة الاقتصاد والفساد الداخلي في الدولة وعلى شتى الصعد، وخارجية وتتعلق بالحصار الاقتصادي لا بل الحرب والعدوان الاقتصادي الذي تشنّه أميركا مع أتباعها ضدّ لبنان وهو ما قصده رئيس الحكومة بالحصار المطبق على لبنان.

وبالتالي تكون المواجهة للخروج من الكارثة النازلة بلبنان اليوم عبر العمل على خطين، عمل داخلي ويركز على الإصلاح الذي يجب أن يكون شاملاً ويتناول كلّ الأسباب الداخلية ويستوجب حكومة وطنية حقيقية وليس مجلس إدارة يمارس عملية النهب التحاصصي، ومواجهة مع العدوان الخارجي، مواجهة قد تتردّد الدولة أو يتعذر توفر الشجاعة والجرأة لدى المسؤولين فيها لاتخاذ قرار المواجهة كما حصل في مسائل كثيرة سبقت، وهنا يكون على الشعب أن يظهر مقاومته للعدوان وكما انبرت أقلية شعبية في الماضي لتنظيم مقاومة ضدّ العدوان والاحتلال “الإسرائيلي” للجنوب ونجحت في فرض التحرير فإنّ الشعب اللبناني مدعو اليوم إلى ممارسة المقاومة الاقتصادية وهي حق مشروع للدفاع عن النفس من باب لقمة العيش، ومن هنا يجب أن يفهم موقف سيد المقاومة في لبنان أو بالأحرى سلسلة مواقفه التي بدأت بشعار لن نجوع ولن نركع، ووصلت في محطته الأخيرة إلى الإعلان عن الاستعداد لاستيراد المحروقات من إيران إنْ استمرّت الدولة في عجزها عن ذلك.

وهنا وعلى سبيل التذكير نقول انه في العام 1982 عجزت الدولة عن منع العدوان ومنع الاحتلال وقبله عجزت عن تطبيق القرار 425 وتحرير الشريط المحتلّ في الجنوب فانبرت المقاومة وحرّرت ممارسة لحق تكفله كلّ الشرائع والمواثيق الدولية، واليوم إذا استمرت الدولة في عجزها عن تأمين احتياجات العيش للمواطنين بسبب حصار يريد تركيع جمهور المقاومة، فليس من حق أحد أن ينتقد مبادرة لمنع الجوع والمرض.

وبهذا… وبكلّ تأكيد يكون السيد في مواقفه في المحطات المتسلسلة منذ سنتين تاريخ العمل بخطة بومبيو لانهيار لبنان، يكون السيد قد مارس المقاومة السياسية في رفضه للفراغ السياسي بدءاً من رفضه لاستقالة الحكومة وصولاً إلى رفضه حلّ مجلس النواب الحالي، ويكون مارس المقاومة المالية رفضاً للانهيار المالي ونهب ودائع الناس عبر إدارة أموالهم من خلال مؤسسة القرض الحسن التي يقصفها أعداء المقاومة بشتى النعوت والتهم الباطلة، والآن يمارس المقاومة الاقتصادية لتأمين حاجات المعيشة. انها المقاومة التي شعارها لأهلها “سنخدمكم بأشفار العيون”.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

دور الولايات المتحدة في الانهيار المالي

 زياد حافظ

الانهيار المالي في لبنان يعود إلى الانهيار الاقتصادي الذي يشهده الوطن بشكل مبرمج وتدريجي وذلك منذ 1993. لقد أوضحنا في أوراق ومحاضرات عديدة الأسباب البنيوية التي أدّت إلى ذلك الانهيار وهي منشورة في صحيفتي «البناء» و»الأخبار» وعلى موقع منبر التواصل، وبالتالي لسنا مضطرّين لتكرارها. نكتفي بعرض الخطوط العريضة حيث الخيار آنذاك كان جعل اقتصاد لبنان اقتصاداً خدماتياً ريعياً يرتكز إلى القطاع المصرفي الذي يتحكّم بالقطاع العقاري والسياحي. فالاقتصاد المشوّه وسياسات الاستدانة المفرطة بفوائد ربوية لا مبرّر لها اقتصادياً وحتى مالياً وربط سعر صرف الليرة بالدولار بينما معظم التجارة الخارجية اللبنانية كانت مع دول خارج إطار الدولار، فكلّ ذلك أدّى إلى انكشاف تجاه الخارج وسياسة استهلاك مفرط عبر الاستيراد ما أدّى إلى عجز كبير في الميزان التجاري والطلب غير المشروع على العملة الأجنبية. والفوائد الربوية التي فُرضت قتلت أيّ مبادرة لتشجيع الصناعة والزراعة وتخفيف اللجوء إلى الاستيراد أو عجز الميزان التجاري. وإذا أضفنا عامل جائحة كورونا والضغط على البنية التحتية الصحية والإقفال القسري للعجلة الاقتصادية والتداعيات لتفجير مرفأ بيروت فنفهم حجم الأزمة القائمة. بمعنى آخر، فإنّ الأزمة المالية إنْ لم نقل الكارثة، كانت حتمية وذلك لأسباب موضوعية بغضّ النظر عن أيّ دور خارجي الذي لا يمكن إغفال دوره في تسريع وقوع الكارثة. هذه هي الخطوط العريضة التي تحكم المقاربة المقدّمة.

ما يهمّنا في هذه المداخلة هو إلقاء الضوء على المسؤولية التي يتحمّلها العامل الخارجي في تسبّب الأزمة المالية القائمة كما على دور العامل الداخلي. العامل الخارجي تقوده الإدارة الأميركية منذ بداية التسعينات عند إطلاق العولمة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكيك الاتحاد السوفياتي. الهدف كان تحويل الدول في العالم إلى قطاعات استهلاكية فقط دون أيّ سيادة سياسية واقتصادية على مقدرات الأوطان. العولمة تزامنت مع تصاعد التوجّهات النيوليبرالية التي ركّزت على أمولة (financialization) رأس المال والاقتصاد الافتراضي. ومن أدوات ذلك التحوّل ترويج سياسة الاقتراض بحجة أنّ الدين هو الرافعة الاقتصادية لجني أكبر حصة من المردود على الرأس المال. العامل الداخلي متعدّد الأطراف ولكن القوّامة هي للقطاع المصرفي الذي حصل على الغطاء السياسي العربي والدولي في المهمة المشبوهة.

مقاربة الدور الأميركي في الانهيار المالي في لبنان تتطلّب قراءة في الاستراتيجية الأميركية في المشرق بشكل عام والمشرق العربي بشكل خاص. قراءتنا لمجمل الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية منذ عقود تقودنا إلى أنها كانت وما زالت تستهدف سورية في المرتبة الأولى وذلك خدمة للكيان الصهيوني. فالسبب هو حماية الكيان والهدف هو سورية بشكل عام واستراتيجي والمقاومة في لبنان بشكل خاص. أيّ بمعنى آخر، فإنّ الإجراءات الأميركية عبر سلسلة العقوبات التي فرضتها على عدد من الشخصيات والقوى السياسية في لبنان، وعلى عدد من المؤسسات المالية، تأتي في ذلك السياق، أيّ استهداف المقاومة واستهداف سورية في آن واحد.

أضف إلى ذلك في ما يتعلّق في لبنان كان الرهان للنخب الحاكمة آنذاك أنّ السلام سيحّل في منطقة شرق الأوسط خاصة بعد مؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو، واتفاق وادي عربة. وهذا الرهان، بوحي أميركي وأدوات عربية ولبنانية، هو سبب الخيار على تحويل لبنان إلى مركز مالي عبر تضخيم دور المصارف. فتمّ ذلك عبر الاستدانة المفرطة والعشوائية وغير المرتبطة بمشاريع إنمائية بل فقط لتسديد الدين المتراكم بشكل مصطنع (فوائد باهظة على سندات خزينة قصيرة الأجل لتمويل مشاريع طويلة الأجل على حدّ زعم المسؤولين آنذاك!). كل ذلك كان بتشجيع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية التي تطالب الآن بـ «إصلاحات»! تغيّرت الأمور بعد 2001 فكان قرار الولايات المتحدة احتلال أفغانستان ومن ثم العراق. فالغطاء الدولي (الأميركي الفرنسي) والعربي (سورية وبلاد الحرمين) لم يعد قائماً، فدخلت البلاد مرحلة عدم استقرار هدفها إخراج سورية من لبنان (2005) وفي ما بعد نزع سلاح المقاومة بعد عملية عسكرية في 2006 إلاّ أنها فشلت فشلاً ذريعاً.

بدأ الضغط يتصاعد تجاه سورية في منتصف شهر آذار/ مارس 2011 خاصة بعد إطلاق ما سُمّي بالربيع العربي. استمرّ ذلك التصاعد في ولايتي الرئيس أوباما وخاصة في ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب وبشكل أدقّ منذ النصف الثاني من ولايته تحت رعاية وزير خارجيته ومكتب مراقبة الأصول الخارجية «أوفاك» (Office of Foreign Assets Control) التابع للخزينة الأميركية والتي يسيطر عليها بشكل شبه مطلق اللوبي الصهيوني. ويشارك الولايات المتحدة كل من الاتحاد الأوروبي كمجموعة وكدول إضافة إلى المؤسسات المالية الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

دور الولايات المتحدة وشركائها الدوليين والعرب في الانهيار المالي في لبنان يعود إلى الموافقة والإشراف على الخيارات البائسة والسياسات الخاطئة منذ 1993 بشكل محدّد وصولاً إلى 2010. وهذه الخيارات أدّت إلى الانهيار الذي نشهده اليوم وإنْ بدأ فعلياً وعلناً عبر عقد مؤتمر باريس 1، وثم باريس 2، وثم باريس 3، وثم مؤتمر «سيدر» بدلاً من مؤتمر باريس 4! لكن خلال تلك الحقبة استطاعت الولايات المتحدة التساكن مع سورية والمقاومة في لبنان خاصة بعد اتفاق 1996. لكن تغيّرت الأوضاع بعد 2010 مع قرار استهداف الولايات المتحدة لسورية مباشرة فبدأت الإجراءات عبر محاصرة سورية من لبنان في الشقّ المصرفي حيث كان النظام المصرفي اللبناني يؤمّن التمويل للاستيراد السوري. معدّلات «النمو» في لبنان كانت حتى ذلك الحين مقبولة نسبياً وفي إطار المساكنة مع حزب الله. لكن مع «سياسة النأي بالنفس» المتكاملة مع فريق من اللبنانيين في دعمه لزعزعة الاستقرار في سورية بدأ التراجع السريع في الاقتصاد اللبناني وماليته. فكان الوقف بالتعامل مع الحسابات السورية في المصارف اللبنانية. وهذه التطورات كانت الترجمة الفعلية لانصياع الدولة للقرار الأميركي مع استمرار المساكنة الأميركية مع وجود حزب الله في الحكومة. لكن مع وصول دونالد ترامب للسلطة وتولي محمد بن سلمان ولاية العهد في بلاد الحرمين تناثرت المساكنة للتحوّل إلى هجوم ممنهج على لبنان عبر استهداف القطاع المصرفي. والاستراتيجية المتبعة من قبل الولايات المتحدة كانت «تجفيف» مصادر السيولة للبنان للضغط على المسؤولين ولافتعال أزمات اقتصادية ومالية تجلّت في ما بعد في انتفاضة 17 تشرين الأول 2019.

إرهاصات ما حصل قد ظهرت مع «احتجاز» رئيس الحكومة سعد الحريري في الرياض بعد أن تولّى محمد بن سلمان ولاية العهد. منذ ذلك الحين كان الضغط الخليجي على لبنان يزداد عبر تجنّب المواطنين التابعين لمجلس التعاون بالحضور إلى لبنان. من جهة أخرى كانت ملاحقة متموّلين لبنانيين في العديد من الدول وخاصة في غرب أفريقيا على أساس أنهم من مموّلي المقاومة كما تمّ الضغط على عدد من المصارف المحسوبة على البيئية الحاضنة للمقاومة فتمّت تصفية مصرفين (اللبناني الكندي وجمّال تراست) بحجج واهية.

البنية الاقتصادية والخيارات وثم السياسات المتبعة بتشجيع أميركي لأهداف تخدم استراتيجيتها الكبرى ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة بأكملها هي التي تفسّر الانهيار. الدور الأميركي هو دور تفعيلي وتسريعي للانهيار ولكن ليس المسبّب لها. فإجراءات أكثر فظاظة للإدارات الأميركية المتتالية في كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران، وفنزويلا، وكوبا لم تفلح لأنّ البنى الاقتصادية كانت أمتن مما هي عليه في لبنان وبسبب حرص المسؤولين في تلك البلاد على الحفاظ على استقلالية القرار السياسي والاقتصادي والتفاف شعوب هذه الدول حول قياداتها. بينما الخيارات والسياسات التي اتبعت من قبل المسؤولين اللبنانيين أدّت إلى تبعية شبه مطلقة لا تقيم وزناً للحدّ الأدنى للكرامة الوطنية وتعطي للقرار الأميركي الأولوية. التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة يدين التدخّل السافر في الشأن الاقتصادي الفنزويلي حيث الدولة البوليفارية فقدت وفقا للتقرير ما يوازي 99 بالمائة من وارداتها من جرّاء الحصار الأميركي، ورغم ذلك لم تفلح الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها. لكن هذا لا يعني أنّ التدخل الأميركي في لبنان وإنْ كان أقلّ شراسة لا فعّالية له بل العكس هو المسرّع للانهيار المالي في لبنان.

الاستراتيجية الأميركية التي تستهدف سورية تطلّب الضغط على القطاع المصرفي لتجفيف مصادر التمويل الاستيرادي لسورية. فالبضائع المستوردة لصالح سورية كانت تموّل من القطاع المصرفي في لبنان ومن بعد ذلك يتمّ إيصالها إلى سورية. البعض اعتبر ذلك «تهريباً» لسورية بينما هو في الفعل بضائع لسورية دفعت بأموال سورية. «التهريب» دفع الجيش الأميركي لفرض أبراج مراقبة على الحدود اللبنانية بينما في الأساس هو لضبط التواصل بين سورية والمقاومة من جهة ومنع إيصال البضائع لسورية. شركة «بارسون» حازت على مناقصة عرضتها الوكالة الأميركية (DTRA) وهي وكالة حكومية أميركية موكلة بتخفيف مخاطر الدفاع كما أورده الصحافي حسن علّيق، وذلك لتعزيز مراقبة الحدود اللبنانية السورية. تمّ ذلك دون علم الحكومة اللبنانية إلاّ قائد الجيش!

الهدف من الضغط على القطاع المصرفي في لبنان وصولاً إلى تجفيف السيولة هو خلق حالة من الفوضى تؤدّي إلى تأليب الرأي العام داخل البيئة الحاضنة للمقاومة للانتفاض عليها ونزع سلاحها. هذا فشل وبالتالي بعض العقول الأميركية حذرت من تلك المخاطرة كجيفري فيلتمان الذي نصح بالضغط على حلفاء المقاومة وتحميلهم المسؤولية لتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خاصة على ذلك الحليف المسيحي وهذا ما حصل بالفعل وهو ما نشهده في هذه الأيام. هناك تناس متعمّد لمسببّي الفساد والانهيار لأنّ الهدف الأساسي هو محور المقاومة عبر استهداف الحلقة الأضعف في ذلك المحور، البيئة الحاضنة لحلفاء المقاومة.

استجابة القطاع المصرفي للضغط الأميركي تلازم مع «فرصة» اقتناص الأموال المودعة عبر التحويل إلى الخارج لمستويات كبيرة من الودائع ما أدّى إلى انخفاض الاحتياط بالدولار. الأزمة السياسية المزمنة أعطت الفرصة للقطاع المصرفي لتحقيق أرباح سريعة وعلى حساب المودع كما أنّ عجز الدولة في تسديد التزاماتها تجاه حاملي السندات تلازم مع رفض المصارف في تسديد مطالب المودعين بحجة الوضع المالي الحكومي. طبقة سياسية فاسدة، وحكومة عاجزة، وقطاع مصرفي متوحّش في مناخ من التشجيع الأميركي للمزيد من التراجع وصولا للانهيار هو سمة المشهد الحالي.

لكن ما ينهار في لبنان هو أيضاً البيئة والقوى المؤيّدة للسياسة الأميركية. فانهيار قطاع المصارف في لبنان لا يخدم الولايات المتحدة بل العكس لأنها تفقد بذلك الانهيار أداة فاعلة للسيطرة على المواطن اللبناني والسياسة اللبنانية. لكن في المقابل فإذا كانت كلفة المواجهة مع سورية هي انهيار القطاع المصرفي في لبنان فليس هناك في الإدارة الأميركية من سيترحّم عليه، وهذا ما لا تستطيع أدراكه النخب المصرفية التي تصرّفت بشكل انتحاري وموهومة بانها ستنجح في سرقتها الموصوفة لودائع اللبنانيين دون أيّ مساءلة ومحاسبة. وهنا يكمن الخطأ الفادح في التقدير عند تلك النخب.

هذه القراءة الخاطئة لموازين القوّة عند النخب المصرفية والحاكمة في لبنان تفسّر «نجاح الضغوط» عبر التدخّل السافر الأميركي في الشأن الداخلي اللبناني. والبيئة الحاضنة لذلك التدخل ليس فقط ضمن المنظومة الحاكمة ولكن ضمن الثقافة والوعي لشرائح واسعة من المجتمع اللبناني التي تريد تحميل مسؤولية تراجعها وتهميشها إلى المقاومة ومن يدور في فلكها. ولكن من جهة أخرى هذه الشرائح ونخبها لا تشعر بالحدّ الأدنى من الكرامة الوطنية. فعندما يتجرّأ قاض لبناني على تصرّفات السفيرة الأميركية في لبنان تتمّ إقالة القاضي الشجاع الذي لا ينتمي إلى أيّ حزب ألاّ أنّ لديه فائضاً من الكرامة غير الموجودة عند هذه النخب. ويمكن أن نسترسل في ثقافة التغريب وجدوى التبعية المفرطة للقرار الخارجي واعتبار أنّ كلّ شيء غربي ممتاز بما فيه التحكّم بمصير الشعوب ولكن هذا حديث آخر.

ما يهمّنا التأكيد عليه أنّ الإجراءات والضغوط الأميركية لم تكن لتنجح لولا استعداد تلك البيئة لتقبلها دون أيّ مقاومة كي لا نقول بكلّ ترحيب. فما وصلنا من أخبار للوفود اللبنانية لواشنطن للتفاوض مع الخزينة الأميركية حول الإجراءات التي كانت تنوي اتخاذها بشأن بعض المصارف تفيد بأن بعض المصرفيين في لبنان كانوا يزايدون على الخزينة الأميركية للضغط على المقاومة وبيئتها.

الأزمة المالية ارتبطت الآن بالأزمة السياسية وتشكيل الحكومة. وما شهدناه من تبادل في الاتهامات يوحى أنّ الأزمة مستمرّة ومتفاقمة. فالتمويل الخارجي لن يأتي إلاّ بشروط تعجيزية ومن يطالب بتلك الشروط من اللبنانيين ليس معنياً بالمصلحة الوطنية بل فقط بالعودة إلى حالة ما قبل الانفجار الاقتصادي والمالي، وفي ما يتعلّق بتفجير مرفأ بيروت فحتى الساعة لا نعرف من هو المسؤول.

في الختام نقول إنّ مسؤولية الانهيار في لبنان تعود إلى العامل الداخلي وإلى العامل الخارجي وإنْ كنّنا نرجّح قوّامة العامل الداخلي وخاصة القطاع المصرفي على العامل الخارجي. فالتدخل الخارجي لم يكن لينجح لولا «استعداد» شريحة كبيرة من النخب الحاكمة لتقبّل ذلك التدخل إنْ لم تطلبه بشكل صريح. والدعوات الأخيرة لتدويل البلاد تدعم ما نقوله. فالوطنية عند هؤلاء هي آخر في المطاف وجهة نظر فقط!

*مداخلة في ندوة «كرامة وطن» في بيروت عبر «الزوم» في 18/3/2021

كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

إصلاح القطاع المالي في لبنان: الدين العام والمصارف* (1)

زياد حافظ

المنطلقات

الإصلاح الاقتصادي والمالي قرار سياسي بامتياز يخضع لخيارات كما يخضع لموازين قوّة. فلا إصلاح إن لم تكن موازين القوّة مؤاتية له. البنية السياسية القائمة في لبنان عصّية على الإصلاح والتجدّد وبالتالي محكومة بالزوال لأنها لا تتكيّف مع التحوّلات الاستراتيجية التي تحصل في العالم وفي الإقليم. لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة السياسية الحاكمة المستفيدة من بنية النظام الطائفي ستستسلم للتحوّلات فستخوض معارك شرسة على قاعدة اللعبة الصفرية، أيّ إما الانتصار أو الزوال، وإنْ أدّت إلى زوال الكيان والنظام. لكن هناك من يعتقد أنّ النخب الحاكمة التي تعبّر عن مصالح النظام القائم قد تقدم على التضحية ببعض الرموز لشراء الوقت ولتحسين صورتها ومواقعها. قد يكون ذلك مدخلاً لإصلاح وإنْ كان جزئياً. فمهما كانت موازين القوّة فإنّ ذلك لن يعفينا من مسؤولية تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتغيير والإصلاح. هذه هي مهمتنا والورقة المقدمة هي إحدى الخطوات في ذلك الاتجاه.

مقاربة الإصلاح المالي جزء من مقاربة أوسع للاقتصاد اللبناني. والأجزاء المتعدّدة متشابكة حيث يصعب التكلّم عن جزء دون التكلّم عن الأجزاء الأخرى. فالإصلاح المالي هو خطوة في الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي يتكامل مع الإصلاح السياسي بل أكثر من ذلك فنقول إن لا إصلاح اقتصادي دون اصلاح سياسي فالاقتصاد هو السياسة ولكن بلغة الأرقام. وبالتالي السياسة هي التي ستتحكّم بالقرار الإصلاحي والسياسة ستكون نتيجة موازين قوّة.

في هذا السياق، فإنّ موازين القوّة يحكمها الصراع مع الكيان الصهيوني ليس إلاّ. ففي رأينا، لا مجال للتكلّم عن أي سياسة والقرار السياسي الوطني في حال تبعية للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص الذي همّها الأول والأخير هو حماية الكيان العدو وضمان تفوّقه على لبنان وسائر العرب. هذا لا يعني أبداً أنّ الأمر قدر علينا بل العكس، فإنّ موازين القوّة في الصراع تتغيّر لصالح محور المقاومة. لكن إلى أن يتجلى ذلك الأمر في لبنان وخاصة عندما تقتنع القوى المؤيّدة لمحور المقاومة أنه آن الأوان لإجراء الإصلاح في البنية السياسية والاقتصادية فإنّ المشهد مستمرّ على حاله. فالمحاولات التي تطرح بين حين وآخر ليست إلاّ محاولات ترقيع وشراء الوقت وإنْ كانت مدمّرة في آن واحد كوصفات الخصخصة المطروحة لحلّ الأزمة المالية. فالأزمة الاقتصادية والمالية المتفاقمة هي نتيجة خيارات وسياسات وبالتالي لا بدّ من تحديد الخيارات والسياسات قبل المبادرة في الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

الخيار الأول هو أنّ بنية الاقتصاد اللبناني منذ نشأته مبنية على فرضية أنّ لبنان ليس جزءاً من المنطقة بل جزيرة في محيط لا يتماهى تاريخياً مع مصالح الاستعمار والامبريالية. وبالتالي في أحسن الأحوال لن يكون إلاّ جسراً بين المشرق العربي والجزيرة العربية من جهة والغرب ولكن من موقع التبعية وليس من واقع مستقل عن إرادة الغرب الاستعماري القديم والجديد. هذا الدور الوظيفي الذي اختاره الاستعمار والذي تبنّته النخب الحاكمة على مدى عدّة عقود وصل إلى طريق مسدود عشية الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 1975 واستمرّت حتى التسعينات. في حقبة 1920-1993 كان الاقتصاد مبنياً في الأساس على الخدمات المالية والتجارية مع حدّ أدنى وإنْ كان يتنامى بشكل تدريجي للقطاعين الإنتاجيّين الزراعي والصناعي. ما بعد 1993 كان الخيار أنّ لبنان جزء من عملية سلام وهمية طغت على عقول النخب الحاكمة واعتبرت نخبها الحاكمة أنّ دور لبنان هو دور خدماتي أولاً وأخيراً وحوّل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد خدماتي ريعي. لذلك الخيار الأساسي الذي ننطلق منه هو خيار الانتقال من اقتصاد خدماتي ريعي إلى اقتصاد انتاجي خدماتي منتج لقيمة مضافة مرتفعة كقطاع الاستشفاء والتربية على سبيل المثال بسبب نوعية اليد العاملة والمستوى التعليمي النسبي المرتفع.

الخيار الثاني هو أنّ لبنان جزء أساسي من المنطقة وبالتالي السياسات التي يجب اتباعها في تحويل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد إنتاجي تستدعي التشبيك مع دول الجوار، أيّ مع كلّ من سورية والأردن والعراق في المرحلة الأولى ومع فلسطين بعد التحرير. أما في المرحلة الثانية المتلازمة مع مراحل من المرحلة الأولى فهو التشبيك مع كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا والانخراط الكلّي بالكتلة الأوراسية، أيّ التشبيك مع الصين وروسيا ومنظومة شانغهاي. وفي المرحلة الثالثة يكون التشبيك مع دول الجزيرة العربية ودول وادي النيل والقرن الأفريقي وفي المرحلة الرابعة مع دول اتحاد المغرب الكبير. ليس من الضروري في المرحلة الحالية تحديد تاريخ المراحل الأربع إلاّ أنّ المرحلة الأولى يجب أن تتلازم ولو تدريجياً مع مرحلة الإصلاح المالي.

الخيار الثالث هو إعادة الاعتبار إلى التخطيط المركزي في مشروع التنمية الشاملة والمتوازنة. هذا يعني الابتعاد عن فلسفة ميشال شيحا القاصرة المبنية على اقتصاد السوق والقطاع الخاص ونسختها المشوّهة في ما بعد اتفاق الطائف. النموذج الصيني نموذج جدير الاهتمام به لأنه استفاد من التجارب السابقة لكلّ من اقتصاد السوق بلا قيود ومن اقتصاد التخطيط المركزي المفعم بالقيود. كما يمكن دراسة نماذج أخرى كالنموذج الماليزي والنموذج السنغافوري وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

الخيارات المطروحة أعلاه تتطلّب تمكين الدولة من القيام بدورها كقاطرة للإصلاح وللتنمية. هذا يعني أولاً إصلاح سياسي وإداري لسنا في إطار مقاربته في هذه الورقة وإنْ كانت شرط ضرورة، وثانياً، تحرير موارد الدولة المكبّلة بدين لا مبرّر له، أيّ إصلاح مالي يتناول البنية الضريبية وسياسة الإنفاق وبطبيعة الحال الدين العام المكبّل لقدرات الدولة. وإصلاح القطاع المالي يتطلّب معالجة قضيتين يصعب الفصل بينهما. القضية الأولى هي قضية الدين العام والقضية الثانية هي إعادة هيكلة النظام المصرفي. فالنظام المصرفي شريك أساسي في تفاقم الدين العام بسبب الاستفادة منه رغم معرفته بأنّ قاعدة ذلك الدين غير سليمة وأنّ قدرة الدولة على التسديد من مداخيلها محدودة للغاية، وأن خدمة الدين العام تؤدّي إلى إيقاف الاستثمار في البنى التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية ولو بالحد الأدنى. كما أنّ سياسة الاستدانة لأغراض غير تنموية أدّت إلى سحب السيولة من التداول الاقتصادي وأدّت إلى تمركز الثروة في يد القطاع المصرفي وما هو مرتبط بفلكه من قطاعات كالقطاع العقاري. وبما أنّ القطاع المصرفي وظّف معظم موارده المالية، أيّ الودائع التي كان يتلقّاها، في سندات الخزينة للاستفادة من الفوائد الربوية التي لا قاعدة ولا وظيفة اقتصادية لها في ارتفاع مستوياتها، فإنّ النظام المصرفي أساء الائتمان تجاه المودعين إذ لم يقدم على توزيع المخاطر وفقاً للقانون ووفقاً للعرف المهني. فإساءة الائتمان وقلّة الاحتراف تجعل من القطاع المصرفي القائم غير مؤهّل للبقاء وغير ذي جدوى.

أما القضية الثانية في الإصلاح المالي فهي إصلاح البنية الضريبية عبر إيجاد نظام ضريبي تصاعدي على الدخل وعلى الأرباح الريعية. لكن لن نعالج في هذه الورقة تلك المسألة التي ستكون موضوع مقاربة خاصة بها.

بناء على ذلك فإنّ الإصلاح المالي يتلازم مع إعادة هيكلة الدين العام وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. في هذا السياق نعرض فقط الخطوط العريضة لإعادة هيكلة الدين العام لعدم توفّر لدينا البيانات التفصيلية لتاريخ تراكم الدين شهراً بشهر، وجداول التسديد السابقة، وعدد وهوية من حمل سندات الخزينة وفترة حملها وقيمة السندات التي حملها الأفراد، والمؤسسات، والهيئات إلخ… فبغياب تلك البيانات لا يمكن عرض مشاريع هيكلة تفصيلية تبيّن الفوائد العائدة لخزينة الدولة من جهة وتوزيع الأعباء من جهة أخرى.

أولاً: إعادة هيكلة الدين العام
أ ـ فلسفة الهيكلة

إعادة هيكلة الدين العام تستند إلى مبدأ توزيع المسؤوليات بشكل عادل بين المتسبّبين والمستفيدين في عملية الدين، أيّ الدولة، القطاع المصرفي، والقوى السياسية التي وافقت وأيّدت ودعمت الاقتراض بالشكل والمضمون. الصعوبة تكمن في تحديد بدقة مسؤولية كلّ الأطراف وخاصة القوى السياسية التي أطلقت عبر الحكومات المتتالية منذ 1993 مسلسل الاستدانة. وبالتالي يمكن تصوّر عدّة سيناريوات تعكس المسؤولية.

السيناريوات المقترحة تعكس نسبة توزيع المسؤولية عمّا حصل.

أولاً: المسؤولية تقع كلياً على القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي، أيّ مصرف لبنان، والخاص، أيّ جمعية المصارف.

ثانياً: المسؤولية تقع بالمناصفة بين القوى السياسية التي كانت تتحكم بالدولة أي وزارة المالية والوزرات والمؤسسات العامة التي استلفت من الخزينة والقطاع المصرفي بشقيّه أيضاً الرسمي والخاص.

ثالثاً: المسؤولية تقع على كل من القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي والخاص، والدولة، والمستفيدين من الدين أي مجموع المودعين. وداخل مجموعة المودعين هناك من يتحمّل المسؤولية أكثر من غيره كونه مرتبطاً بالقوى السياسية المتحكّمة بإدارة الدولة، بينما الأكثرية من المودعين هم من الطبقة الوسطى والذين استثمروا في الدين العام كالمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود. في هذه المجموعة تقع المسؤولية بنسبة 70 بالمائة على القطاع المصرفي والقوى السياسية والباقي على المستفيدين وذلك على قاعدة أنّ الجميع كان مدركاً أنّ الاقتراض بالشكل الذي حصل لم يكن سليماً وخاصة في ما يتعلّق بالفوائد المرتفعة التي لم يكن لها في يوم من الأيّام أيّ مبرّر اقتصادي، والذي شرحناه مع عدد من الاقتصاديين في أوراق سابقة، وذلك منذ بداية اعتماد الاقتراض. فالكل كان يعلم أنّ الدولة لا قدرة لها على تسديد الدين ورغم ذلك استمرّت لعبة «البونزي» أيّ الاقتراض لتسديد الاقتراض السابق ودفع الفوائد الربوية. بالنسبة للمصارف فإنّ الفوائد هي أصل مداخيلها بينما رأسمال الدين هو من الأصول التي كان بإمكانها وضع المؤن لتخفيف من احتمالات عدم التسديد ولكن لم تفعلها لأنها كانت انتقاصا من أرباحها.

ب – هيكلة الدين العام وفقاً للسيناريو الأول

بما أنّ الفوائد المدفوعة منذ 1993 فاقت أضعافاً رأس المال الدين الأساسي فهذا يبرّر اتخاذ قرار بشطب الدين العام المتعلق بسندات الخزينة واعتبارها لاغية. هذا سيؤدّي إلى إفلاس المصارف التي استثمرت ودائع المودعين في سندات الخزينة ما يفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الورقة. هذا يعني أنّ القرار يحمّل القطاع المصرفي مسؤولية الدين لأنه كان الأداة الأساسية إنْ لم نقل الوحيدة لذلك الدين.

الاعتراضات على هذا السيناريو ستكون مبنية على أنّ ذلك يضرب مصداقية الدولة في إمكانية الاقتراض في ما بعد ويضرب القطاع المصرفي. ففي ما يتعلّق بمصداقية الدولة فاستعادة تلك المصداقية ستكون مبنية على سياسات جديدة وعلى أداء مختلف عما كانت عليه. وهنا نسأل، إذا كان الجميع يعلم أن لا قدرة للدولة على تسديد ذلك الدين فلماذا استمرّ القطاع المصرفي في إمدادها بالأموال؟ فعن أيّ مصداقية يتكلّمون؟ فعلى القطاع المصرفي أن يتحمّل نتائج قراراته وإذا كان يؤمن بقانون السوق، كما يدّعي كاذباً، فعليه أن يواجه الاستحقاق، أيّ إما التسديد من رأس ماله أو الإفلاس! أما في ما يتعلّق بالتصنيف الدولي فلا نحبّذ الاقتراض في الأسواق الخارجية والتي لا نعتقد أنّ هناك ضرورة لها رغم كلّ الادّعاءات المغايرة لذلك. فالنظام الذي استطاع أن «يشفط» أكثر من 400 مليار دولار على مدى أربعين سنة وفقاً لتقديرات الخزينة الأميركية يستطيع أن ينتج ما يلزمه من تمويل داخلي لإعادة البناء! ونعتقد أنّ «مصداقية» الدولة ستعود عندما يباشر لبنان في استثمار حقول النفط والغاز فالرأس المال الأجنبي سيتناسى إلغاء الدين العام مقابل الاستفادة من الاستثمارات التي سيجلبها قطاع النفط والغاز. لكن حسم هذا الموضوع لن يعود إلى اعتبارات اقتصادية أو مالية بل لاعتبارات سياسية لا داعي الدخول فيها في هذه المرحلة.

ج – إعادة الهيكلة وفقاً للسيناريو الثاني

المناصفة في إعادة هيكلة الدين العام بين القطاع المصرفي والقوى السياسية يعني المناصفة في تحمّل أعباء الهيكلة على كلّ من القطاع المصرفي والدولة. هذا يعني أنّ القطاع المصرفي مسؤول فقط عن نصف الدين العام وعليه أن يتحمّل شطب ما يوازي نصف «حقوقه» في سندات الخزينة سواء في الرأس المال للدين وأو في الفوائد. إذا ما اعتبرنا أنّ قيمة الدين العام توازي 100 مليار دولار (قد يكون أكثر من ذلك أو أقلّ من ذلك، فليس هناك من بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها) فإنّ القطاع المصرفي عليه أن يسدّد ما يوازي 50 مليار. أما في ما يتعلّق بحصة الدولة فالتسديد يكون عبر اعتبار الدين العام طويل الأجل في أيّ 25 أو 30 سنة، وبفائدة رمزية حيث خدمة الدين العام لا تتجاوز سنوياً أكثر من 5 بالمائة على سبيل المثال من موازنة الدولة. من جهة أخرى فعلى القطاع المصرفي إعادة تكوين رأسماله لسدّ العجز بين قيمة سندات الخزينة التي تشكل قسماً كبيراً من أصوله وإجمالي الودائع. سيعارض القطاع المصرفي بشدّة التنازل عن «حقوقه» ولكن تستطيع الدولة فرض إرادتها عبر التلويح بإجراءات جذرية في ملكية المصارف (أيّ السيناريو الأول في إعادة هيكلة القطاع المصرفي).

أما القوى السياسية فالمسألة أكثر تعقيداً لصعوبة الوصول إلى توافق على تحديد مسؤولية الأشخاص الذين ساهموا في تراكم الدين وبسبب موافقة مجلس النواب الذي أعطى «الشرعية» لتراكم الدين. لكن هذا السيف يجب أن يبقى مسلّطاً على القيادات السياسية التي تولّت المسؤولية في تراكم الدين العام، من رؤساء جمهورية ومجلس النوّاب، ورؤساء مجلس وزراء، ووزراء ورؤساء اللجان المالية وأعضائها في مجلس النوّاب الذين أعطوا صكّ البراءة للحكومات التي ساهمت في استمرار تراكم الدين العام. كما يجب إدراج الإعلاميين الذين روّجوا لتلك السياسات وهاجموا من كان يحذّر من مخاطرها.

د ـ إعادة الهيكلة وفقاً للسناريو الثالث

في هذا السيناريو يتشارك مع الدولة كلّ من القطاع المصرفي والمودعين في تحمّل عبء الهيكلة. ربما هنا يكمن مزاج النخب الحاكمة. لكن المشكلة تكون في تحديد النسب. القطاع المصرفي ومن يقف معه من النخب الحاكمة يريد تحميل الدولة القسط الأكبر لإعادة هيكلة الدين كما يريدون (وهنا قسم كبير من القوى السياسية) المباشرة بالخصخصة للتعويض عن العجز في الموازنة وتراكم الدين. توزيع المسؤولية سيكون في آخر المطاف رهن موازين القوّة السياسية التي تتحكّم بالنخب الحاكمة.

في سيناريو تحميل المسؤولية للمودعين هناك من يقترح أن يتحمّل المودعون ما يوازي 30 بالمائة من العبء. وهناك من يذهب إلى ابعد من ذلك ويقترح حتى 70 بالمائة. فالشيكات التي يتمّ صرفها الآن توازي 30 بالمائة فقط من قيمتها الاسمية. سطوة المصارف والصرّافين على تدفق السيولة يجعل من ذلك أمراً واقعاً. ومع مرور الزمن يصبح المعيار «الطبيعي» الملائم للواقع! وبالتالي يتمّ تكريس سرقة أموال المودعين بتشريع رسمي وموافقة النخب الحاكمة.

لسنا من أنصار تحميل المسؤولية للمودعين بشكل عام بل لفئة من المودعين الذين استفادوا من الفوائد المرتفعة وغير الطبيعية لسندات الخزينة بينما كانوا يعلمون استحالة الدولة تسديد تلك الديون. فهم شركاء فعليون في عملية السطو المنظّم. عددهم ليس كبيراً بل قيمة ودائعهم كبيرة. ليس هناك من إحصاءات دقيقة بسبب عدم الشفافية من قبل جمعية المصارف والمصرف المركزي في تقديم البيانات المفصلة لتوزيع المودعين. هنا أيضاً يُحسم الأمر وفقاً لموازين القوّة السياسية.

لكن بغضّ النظر عما ستسفر «المفاوضات» في شأن توزيع المسؤوليات/ العبء بين الأطراف الثلاثة فإنّ إعادة هيكلة الدين تخضع لنفس الاعتبارات المقترحة في السيناريو الثاني أيّ أنّ عبء خدمة الدين العام لا يجب أن يتجاوز نسبة مئوية محدودة من إجمالي الموازنة.

يبقى تفصيل مكوّنات الدين العام. فهو العجز المتراكم في الموازنة ولكن ضمن ذلك العجز هناك سلفات لمصلحة كهرباء لبنان وضرورات تمويل الديون المستحقة. الأولوية هي تخفيض قيمة رأس مال الدين يجب أن تكون على الجزء الذي ساهم في تمويل الديون السابقة. فلما أقدمت الدولة على إصدار سندات خزينة بفوائد مرتفعة جدّاً لا مبرّر لها كان الجزء الأكبر من سلسلة الاقتراض المتتالية تسديد تلك الفوائد ورساميل تلك السندات التي كان قصيرة الأجل جدّا. لذلك هذا الجزء من الدين يجب أن يُشطب بدون تردّد خاصة أنه تمّ «تسديد» تلك الديون في ميعادها! في ما يخص بالسلفات لقطاعات الدولة فهي تشكّل في رأينا جوهر الدين العام الذي يمكن القبول به وبالتالي يتمّ تسنيده على فترة طويلة من الزمن وبفوائد منخفضة.

إعادة هيكلة الدين العام ليست بالعملية السهلة والتي يمكن الخوض فيها كلّما تفاقم الأمر. لذلك يجب اتخاذ إجراءات احتياطية تمنع الوقوع في مطبّات الاستدانة غير المبرّرة اقتصادياً. الاستدانة لأغراض مالية فحسب كما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية لا يجب أن تتكرّر. كما أنّ الاستدانة لا يمكن إلاّ أن تكون داخلية وفي العملة الوطنية. الاستدانة من الخارج تحتاج إلى موافقة خاصة من مجلس النوّاب إضافة إلى الموافقة على المشروع الذي من أجله تتمّ الاستدانة.

*ورقة قدّمت للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في 2 آذار/ مارس 2021

**كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

أوروبا تطالب لبنان بالتحقيق حول رياض سلامة

مراسلة رسمية في عهدة النيابة العامة للتدقيق في مبلغ 400 مليون دولار

الأخبار 

مراسلة رسمية في عهدة النيابة العامة للتدقيق في مبلغ 400 مليون دولار
(مروان طحطح)

الثلاثاء 19 كانون الثاني 2021

في تطور مفاجئ على الصعيد القضائي، تبلغ لبنان رسمياً طلباً من جهات عليا في الاتحاد الأوروبي وسويسرا لتقديم مساعدة قضائية في تحقيق جار حول ملف تحويلات مالية تخص حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

وعلمت «الأخبار» أن النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات وصلته مراسلة مباشرة (لم تُعرف بعد الطريقة الدبلوماسية، وإذا ما تمت عبر وزارة الخارجية أو عبر السفارة السويسرية في بيروت أو عبر القضاء السويسري) تطلب منه العمل مع الجهات القضائية المعنية، ولا سيما النائب العام المالي، من أجل الحصول على تفاصيل معلومات حول حوالات مصرفية تخص الحاكم وشقيقه رجا سلامة ومساعدته ماريان حويك، يصل مجموعها الى نحو 400 مليون دولار.


وبحسب المعلومات، فإن التحقيق الجاري له طابع جنائيّ ولا يخص سلامة وحده، بل سيكون له متعلقات بمصرف لبنان والمؤسسات التابعة له، ولا سيما بنك التمويل وشركة طيران الشرق الأوسط «ميدل إيست»، وبنك انترا وكازينو لبنان.

وقالت المعلومات إن الجهات الرسمية العليا في البلاد، ولا سيما الرئيسين ميشال عون وحسان دياب، وُضعت في أجواء الملف، ولكن لم يتضح بعد سبب عدم التفاعل والتجاوب مع الطلب، مع الإشارة الى أن مسؤولاً قضائياً بارزاً قال إن المسألة قد تكون مرتبطة بالإغلاق الناجم عن مواجهة جائحة كورونا. لكنّ مسؤولاً آخر قال إن السلطات اللبنانية تحاول التدقيق في إذا ما كان الطلب الأوروبي صحيحاً.

وأوضحت المصادر أن السلطات الاوروبية تدرس ملف سلامة من ضمن ملف يشمل عدداً كبيراً من الشخصيات اللبنانية وفق «لائحة شبهة» أعدت بالتعاون بين فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة التي طلبت من الاتحاد الأوروبي المشاركة في متابعة الملف وعدم حصر العقوبات بوزارة الخزانة الاميركية، وأن لا يبقى الأمر مرتبطاً فقط بما تسمّيه واشنطن «مكافحة تمويل الإرهاب».

مسؤول فرنسي لـ«الأخبار»: باريس لم تُخفِ رغبتها في تغييرات كبيرة تشمل مصرف لبنان بعد التدقيق في أعماله


وبحسب المصادر، فإن فرنسا وبريطانيا قررتا بشكل منفرد التحقيق في الأمر، وتم البحث خلال الاسبوع الأخير من شهر كانون الاول من العام الماضي، في ترتيب اجتماعات غير رسمية تشتمل على تحقيق مع سلامة، أو الاستماع اليه، وقد سافر الحاكم أكثر من مرة الى باريس من دون أن تتوضح الصورة، خصوصاً أن الجانب الفرنسي يمتلك ملفاً خاصاً يستند الى تحقيقات أجرتها مؤسسة فرنسية تعمل على تقصّي الملفات المالية للشخصيات العاملة في الحقل العام أو لمؤسسات رسمية كبيرة، منها المصارف.

وأفادت المصادر أن الاتصالات الجانبية التي جرت مع الجهات الفرنسية المعنية حول ملف مصرف لبنان، اشتملت في فترة معينة على فكرة التسوية التي تقضي باستقالة سلامة من منصبه ضمن صفقة تمنع ملاحقته قضائياً. وقال مسؤول فرنسي لـ«الأخبار» إن باريس لم تُخفِ رغبتها في تغييرات كبيرة تشمل مصرف لبنان بعد التدقيق في أعماله، لكنها لم تقدم أي ضمانات. وأضاف أن فرنسا «لا يمكنها تقديم ضمانات لأحد، لا في بلاده ولا في الخارج، وأن أوروبا شهدت عدة قضايا جرت خلالها ملاحقة رؤساء سابقين وقادة دول وأحزاب، ولم تنفع كل الضغوط لوقف الملاحقة».

من جهة أخرى، لفتت المصادر الى أن جهات لبنانية سألت عن سبب عدم صدور لائحة عقوبات كانت منتظرة من العاصمة الاميركية مطلع هذه السنة. وقالت إن أحداً لم يقدم توضيحات في هذا الشأن. لكن الأميركيين قالوا إن ملف العقوبات بذريعة الفساد يجب أن لا يقتصر على ما يصدر عن وزارة الخزانة فيها، وإن فرنسا وعدت بأن أوروبا ستقوم بدورها في هذا السياق. ولكن هناك تعقيدات في الآلية القضائية الأوروبية لا تشبه ما يجري في الولايات المتحدة.

يا قتلة لبنان: اخرجوا من الهيكل!

د. عدنان منصور

وطن يتحلّل، وشعب مفلس، واقتصاد في الحضيض، وعملة منهارة، وأموال منهوبة، وودائع مسروقة، ومرضى يُذَلون على أبواب المستشفيات، ومواطنون يائسون يستجدون التأشيرات من السفارات، ومسحوقون فاقدو الأمل بالحياة، يحرقون أنفسهم في وضح النهار، ومرفأ يتفجّر، يأخذ في طريقه مئات الشهداء والجرحى والمنازل المدمّرة، وسمعة سيئة في العالم لزمرة فاجرة، حاكمة للبلد تجاوزت كلّ الحدود، ومسؤولون يفتقرون الى الحدّ الأدنى من الضمير، والكرامة، والنخوة، والحسّ الوطني، والأخلاقي، والإنساني.

مسؤولون لا ترى مثيلاً لهم في العالم كله، بفشلهم الذريع، بعنادهم الأحمق، بنرجسيتهم المقرفة، بأنانيتهم القذرة، وسلوكهم البشع، وأدائهم المقيت، وتبجّحهم الفارغ.

المسؤولون في بلدنا، ليسوا كباقي المسؤولين في العالم الذين يحترمون أنفسهم، ويحترمهم الناس، ويتصرفون بمسؤولية وطنية عالية عند المحن، والأزمات، والكوارث والظروف الصعبة التي تشهدها بلدانهم.

في لبنان، صبّت كلّ المصائب على شعبه المسكين. مصائب جاءت نتيجة سياسات وسلوك المسؤولين الفاسدين، وعصابة القراصنة التي قبضت لسنوات على البلاد، وأمعنت بفسادها وسرقاتها، وجعلت الشعب كله فريسة لأطماعها، واستغلالها، وامتيازاتها، وصفقاتها، ومناقصاتها، ونهبها المال العام.

بعد كلّ ذلك، نرى حكومة مشلولة مستقيلة، لا حول ولا قوة لها، ورئيساً مكلفاً بتأليف حكومة جديدة يصول ويجول، يتواصل، يتباحث، يلفّ ويدور، وكلّ فريق في مكانه، غير مستعدّ أن يتنازل، أو يتراجع قيد أنملة عن مصالحه الشخصية وإنْ كان على استعداد للتنازل عن مصالح الوطن والشعب على السواء.

في زحمة الملفات الشائكة، والقضايا المصيرية، والأوضاع الخطيرة المتفجرة، لا زال تجار الهيكل يختلفون على تفسير الدستور والقانون، وعلى صلاحيات هذا القاضي أو ذاك، واختصاص هذه المحكمة أو تلك، وعلى الذي يجب البدء في محاكمته، حتى إذا ما بدأت خطوات المحاكمة، يتنحّى قاض لأسباب يعلمها الجميع، وإن برّرها لنفسه. إذ لا يمكن السماح للجهة القضائية المختصة محاكمة كبار اللصوص، الذين يحظون بالخطوط الحمر، وينعمون برعاية راسميها، طالما انّ للعدالة الانتقائية، والثغرات القانونية سلاحاً قوياً في يد من يعمل على التعطيل، والتمييع، وتطيير ملفات مرتكبي الجرائم بحق الوطن والشعب؟!

نقولها بصوت عال: الشعب سئم خلافاتكم، وتجاذباتكم،

واتهاماتكم، ونياتكم «الطيبة» المبيّتة تجاه بعضكم البعض، وموازين أرباحكم وخسائركم السياسية والمعنوية داخل السلطة.

انّ المنظومة الحاكمة الفاسدة لا تريد إصلاحاً، لا اليوم ولا غداً، ولا تريد رفع يدها عن القضاء النزيه، والقضاة الشرفاء… طغمة تريد الاستمرار في نهجها وغيّها، وقبضتها الحديدية على سير المؤسسات، لا تبالي ولا تكترث لمصير الوطن، ولا لحياة المواطن ومستقبله، من دون أن يرفّ لها جفن لمأساته، وأوضاعه المدمّرة.

ملفات وملفات، وسوس فساد لم يترك موقعاً إنتاجياً أو خدمياً إلا ونخره، «وجهابذة» السلطة البالية، و»مفكّريها» و»منظريها» يطالعوننا، ويتحفوننا كلّ يوم، بتصريحاتهم المقززة المقرفة، يعربون فيها عن «حرصهم الشديد» على مصالح الوطن والمواطن، ومكافحة الفساد، ومحاكمة الضالعين فيه، وكأنهم ملائكة أطهار، لا علاقة لهم بالفساد من قريب أو بعيد.

إلى متى، وشعب يئنّ ويجوع، ويترنّح على مرأى من الطبقة الظالمة المتوحشة، وهي داخل هيكلها العاجي، لا نية لها للقيام بأيّ إصلاح، أو التنازل عن جزء بسيط من امتيازاتها وثرواتها ومواقعها، أو الاستجابة لرغبات وإرادة الشعب، بل نرى العجب داخل هذه العصابة، حيث هناك من يبحث حتى الآن عن وزير محسوب على هذا أو ذاك، قبل ان يكون محسوباً على وطن وشعب. او يصرّ على التمسك بعدد من الوزراء الذين ينتمون الى صفه، حتى يكون غالباً ولا مغلوباً.

تشكيلات وحصص، ووزارات فضفاضة يختارها المتحكمون

بالقرار السياسي، تكون في خدمتهم، قبل أن تكون في خدمة الشعب والصالح العام. هنا وزارات خدمية تسيل لعاب المستفيدين والمنتفعين، توزع «بالعدل الحلال» بين أركان الطغمة وأقطابها، وهناك وزارات سيادية يتمّ تخصيصها لطوائف محظوظة محدّدة، بكلّ ما يرافق هذا التخصيص من تجاذبات، وإغراءات، وحساسيات، وحذر وتحفظ، وانعدام الثقة بين الأطراف.

مشاورات واجتماعات، لقاءات وطروحات، خلوات ووساطات، رسائل وإشارات، استياء واعتكافات، مساعي ومبادرات، شروط من هنا، وتحفظات من هناك، تقاذف تصريحات وتبادل

اتهامات، هذا يكذّب ذاك، وآخر يصرّح ويُنكر، والكلّ داخل مغارة الهيكل العتيد، يتعايشون في ما بينهم، يتخاصمون علناً في النهار، ويتسامرون سراً في الليل، يفعلون فعلهم، يتاجرون يقامرون، يعبثون بوطن، يعاقبون، يذلون، ينحرون شعباً مظلوماً، يترنح على باب الهيكل المحصّن، ينتظر الخلاص والفرج.

يا تجار الهيكل، وقتلة الشعب! ألم يحن الوقت بعد، كي يتحرك ضميركم _ هذا إن وجد _ وتترفعوا عن مصالحكم الشخصية، وأنانيتكم الفردية، وتتحمّلوا مسؤوليتكم، وتتحسّسوا مع أبناء جلدتكم، لتخرجوا الوطن والشعب من الكابوس، والوضع القاتل الذي هو فيه؟!

لبنان، يا أيها الحكام السياسيون، تجار الهيكل، هو أكبر منكم، وأكبر من زعاماتكم، وطوائفكم، ومناصبكم، وألقابكم، ومحاصصاتكم، فلماذا تقزّمونه أمام العالم وتقزّمون أنفسكم، وتشوّهون صورته وتلطّخون صورتكم وتدمّرون شعبه!! لماذا تنحرونه بأياديكم السوداء الملوّثة بجرائمكم وموبقاتكم!

يا تجار الهيكل!

بسلوككم المشين، وبطبقتكم السياسية القبيحة العفنة، أعطيتم درساً بليغاً للبنانيين، وعزّزتم في نفوسهم قناعة كاملة، بعد أن ألحقتم بهم الفقر، والجوع، والقهر، والإذلال، والتشرّد، بأنكم لا تستحقون وطناً، فأنتم فاشلون، سارقون، مارقون، غير مؤهّلين لتحكموا لبنان من قريب أو بعيد.

يا تجار الهيكل، وقتلة الشعب!

المواطن اللبناني يعي اليوم أكثر من أيّ وقت آخر، انّ حقوقه لا تُستجدى، ولا تُؤخذ بالتمنّيات، والمطالب، والصبر، والإحسان، والإنعام، وبوعودكم الكاذبة، إنما تؤخذ غصباً وغلاباً، بقراره الحرّ وإرادته القوية.

إنه الوقت لينتفض اللبنانيون على طغاتهم، ومستغليهم، وناهبيهم. فمتى يكسر كاميكاز الشعب باب الهيكل، ويقتحمه، ليطرد من داخله تجار ومرابي الوطن، لينزل بهم الحكم والقصاص العادل الذي يستحقونه، وينتظره الشعب بفارغ صبر، اليوم قبل الغد، ولسان حاله يردّد قول السيد المسيح: «يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرار… أولاد الأفاعي! كيف تهربون من دينونة جهنم»؟!

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

Economic war on Lebanon, into 2021: Dr Marwa Osman

Dr Marwa Osman’s Press TV program, 13 January 2021

Who is Destroying Lebanon and Why?

December 27, 2020

By Thierry Meyssan
Source: Voltaire Network

Within a few months, Lebanon, often misrepresented as “the only Arab democratic state” or even as the “Switzerland of the Middle East,” has collapsed. Successively, popular demonstrations against the political class (October 2019), a banking crisis (November 2019), a health crisis (July 2020), an explosion at the port of Beirut (August 2020) caused a sudden disappearance of the middle classes and a general decline in living standards of around 200%.

From the Lebanese point of view, this horror would be due to the catastrophic management of the country by the political class, whose leaders would be corrupted except for the leader of the religious community to which the person being questioned belongs. This absurd prejudice reveals an intolerant population and masks the reality.

Since the Ottoman occupation [1], especially since independence in 1942, and even more so since the civil war (1975-90), the Lebanese population has not formed a nation [2], but an aggregate of confessional communities. The Constitution and the Taif Accords allocate all political functions and henceforth all public jobs, not according to the capacities of citizens, but according to community quotas. Each community has chosen its leaders, usually former civil warlords, who have been recognized by the international community. They managed in their own name the subsidies that the former colonial powers offered for their community. They have taken a huge amount of royalties, which they have long since transferred abroad, but they have also distributed very large sums of money to maintain their “clientele” in the image of the ancient Roman senators. It is therefore perfectly stupid to accuse them today of corruption when they have been celebrated for decades for the same work.

This system was maintained by the United States and the European Union. Thus the President of the Bank of Lebanon, Riad Salame, was celebrated as the best money manager in the Western world before being accused of hiding a hundred million dollars in personal accounts in the United Kingdom. Or, the European Union’s High Representative, Federica Mogherini, claimed to be helping Lebanon solve its waste crisis while helping the two former prime ministers, Saad Hariri and Najib Mikati, to embezzle a hundred million dollars of this sum. [3]

Only the Lebanese, who have been kept in a state of political unconsciousness for eighty years and still have not understood what they experienced during the civil war, do not realize this.

How can we fail to notice that the collapse of Lebanon follows those of Yemen, Syria, Libya, Iraq and Afghanistan? How can we fail to notice that in 2001, US Defense Secretary Donald Rumsfeld and his advisor, Admiral Arthur Cebrowski, advocated adapting the mission of the US armed forces to emerging financial capitalism? According to them, it was necessary to destroy all the state structures of all the states of the “Broader Middle East” so that no one – enemy or friend – could prevent the exploitation of the region by US multinationals.

If we admit that this “Endless War” (sic), proclaimed by President George W. Bush, is indeed going on, we must note that the destruction of the state structures of Lebanon was achieved at a lower cost.

However, given the effectiveness of the Lebanese resistance, it was necessary to achieve this objective by non-military means that escaped the vigilance of Hezbollah. Everything had already been decided in April 2019, as attested by the US response to the Lebanese delegation visiting the US State Department [4].

Four coalition powers, the United States, the United Kingdom, Israel and France, played a decisive role in this plan.

  • The Pentagon set the objective: to destroy Lebanon and exploit the gas and oil fields (plan of Ambassador Frederic C. Hof).
  • Whitehall set out the method [5]: manipulate the post-Civil War generation in order to liberate the current system without replacing it. Its propaganda specialists thus organized the so-called “October Revolution” which, contrary to what was sometimes believed, was not at all spontaneous. [6]
  • Israel destroyed the economy thanks to its control of all telephone communications (except Hezbollah’s private network) and its presence in the world banking system. It provoked the banking rout by convincing South American drug cartels that had placed their assets in Lebanon to brutally withdraw them. It deprived the country of its economic lung, the port, by bombarding it with a new weapon. [7]
  • France, for its part, proposed to privatize everything that could be privatized and put Saad Hariri back on stage to carry it out. It has applied itself to pouring out fine words while marginalizing Hezbollah [8].

Ultimately, the next twenty years should be devoted to plundering the country, especially its hydrocarbons, while the Lebanese will continue to blame scapegoats and ignore their real enemies. Already, the Israeli port of Haifa has partially replaced that of Beirut. Eventually, the country itself should be divided and the part south of the Litani River attached to Israel. [9]

It should be kept in mind, however, that the USA-UK-Israel-France coalition is not composed of equal states, but is commanded exclusively by the United States. In Libya, the USA alone pocketed the oil pact. Despite the promises made to them, their allies got only crumbs. The same scenario can be repeated in Lebanon. None of their allies could profit from their common crime.

Notes:

[1] Les Libanais ne reconnaissent pas l’Empire ottoman comme une puissance coloniale, ce qu’elle était pourtant. NdA.

[2] Par définition, le Liban n’étant pas une nation ne peut être ni une démocratie, ni une république. NdA.

[3] “EU funds embezzled by Mogherini, Hariri and Mikati”, Voltaire Network, 24 January 2020.

[4] « L’administration Trump contre le Liban », Réseau Voltaire, 2 mai 2019.

[5] Une fuite de documents officiels britannique atteste de ce rôle. Lire Complete infiltrating Lebanon (65,11 Mo). Les résultats ambitionnés ont manifestement été tenus : les Libanais souffrent tellement qu’ils ne voient plus ni l’origine de leurs problèmes, ni les solutions à portée de main, cf. “Taking Lebanon’s Pulse after the Beirut Explosion”, Michael Robbins, Arab barometer, December 15, 2020.

[6] « Les Libanais, prisonniers de leur Constitution », par Thierry Meyssan, Réseau Voltaire, 21 octobre 2019.

[7] “Israel playing with Lebanese people’s nerves”, Voltaire Network, 30 September 2020.

[8] “President Macron’s bad play in Lebanon”, by Thierry Meyssan, Translation Roger Lagassé, Voltaire Network, 29 September 2020.

[9] “Towards a partition of Lebanon?”, Voltaire Network, 8 October 2020.


لحّود: لإعادة تكوين السلطة بقانون انتخاب يُفرز طبقة جديدة

رأى الرئيس العماد إميل لحّود، أن «متابعة مناقشات قانون الانتخاب في المجلس النيابي تُعيدنا بالذاكرة إلى فترة مناقشة القانون الحالي التي بدأت باقتراحات وطنية وانتهت بصيغة على قياس البعض، ولعلّ الخشية من حدث 17 تشرين، أدّت إلى محاولة جديدة لتطويع أكبر للقانون خدمةً للبعض، ما يفسّر الكلام التجييشي الطائفي الذي نسمعه في الفترة الأخيرة».

وإذ شدّد لحّود في بيان أمس، على أن «بناء الوطن لا يبدأ إلاّ بقانون انتخاب يعتمد لبنان دائرة واحدة مع نسبية»، توجّه بالتهنئة إلى نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف ومن ساهم معه بـ»المبادرة التي طرحها، وتحديداً ما يتعلّق منها بقانون الانتخاب، فهو يعرف، انطلاقاً من لا طائفيته ومن خبرته القانونية، أن ما اقترحه هو الأنسب للبنان».

وعلى صعيد آخر، رأى الرئيس لحّود أن «التدقيق المالي ضرورة، شرط أن يشمل إدارات الدولة كلّها، أي الطبقة السياسية برمّتها والتي يستحيل أن تحاسب نفسها، من هنا فإنّ توقيت طرح التدقيق اليوم غير مجدٍ، بل يجب التركيز على إعادة تكوين السلطة عبر إقرار قانون انتخاب وطني يُفرز طبقة سياسية جديدة ونزيهة قادرة على تطبيق التدقيق الجنائي وسائر قوانين مكافحة الفساد».

ولفت إلى أنه «بقدر الأهمية الكبرى للوضع اللبناني الداخلي، حيث تتراكم المشاكل وتغيب الحلول، يجب ألاّ نغفل عن أن ما يحصل له خلفيات إستراتيجية، وقد بدأ منذ عشرات السنوات عبر إفراز طبقة سياسية فاسدة أوصلت البلد إلى انهيار، ما يخدم العدو الإسرائيلي الذي يقوم بعملية تطبيع تشمل دولاً عرببة عدّة، وتبقى عينه على لبنان، الجار الأكثر إزعاجاً، ما يعني أن استمرار هذه الطبقة الفاسدة في الحكم سيجعل من مقاومة هذا العدو أمراً لا طائل منه، إذ أن ما نربحه عسكرياً نفقده بالفساد والطائفية المسيطرين على البلد».

وختم الرئيس لحّود «آن أوان اليقظة، وليكن حدث 4 آب عبرة، حيث سلب انفجار المرفأ دوره لصالح مرفأ حيفا، وما نخشاه، إنْ بقينا على المسار نفسه، أن يُصبح لبنان كلّه على صورة المرفأ، بناءً محطّماً ودوراً مفقوداً».

President Aoun on Independence Day: I Will Never Back Off in Battle against Endemic Corruption

Source

November 21, 2020

Capture

On the eve of Lebanon’s 77th Independence Day, President of the Republic, General Michel Aoun, addressed Saturday night the nation, tackling the latest political, economic and military developments in the country.

Mentioning the main crises that have storming Lebanon, including Beirut Port explosion and the economic collapse, President Aoun reiterated his promise to “dig in the rock, no matter how solid it gets, in order to open the road to salvation for the nation”.

“I will not back off in the issue of forensic financial audit, no matter what the obstacles may be, and I will take the necessary measures to re-launch its financial track.”

President Aoun pointed out that liberating the nation from the foreign occupation and mandate would not be enough to maintain independence, noting that the political, financial and administrative corruption has imprisoned the country.

“least, Statehood, in its most basic components, needs an active and efficient government. Hasn’t the time come yet, under all the current pressing circumstances, to liberate the process of the formation of the government-to-be from attractions and from hiding behind rescue initiatives to deviate from the unified rules and criteria that must be respected and implemented on everyone in order to straighten the formation and functioning of the executive branch?”

The Lebanese President called for speeding up the investigation into the Beirut Port explosion in order to reveal unveil the truth, criminalize the culprit  exonerate the wrongfully accused, and free the rights of the affected.

President Aoun added, “Lebanon holds on to its full sovereign borders, and hopes that negotiations on the demarcation of the Southern maritime borders will bear fruit, whereas Lebanon will recover all its rights, pursuant to international pacts, and the Blue Line will be corrected to fit the delineated, fixed and internationally-recognized land borders.”

“As for what is going on around us and in the world in terms of drastic international and regional changes and transformations, what is striking therein is the recognition of Israel by many Arab States which marched towards full normalization with it; and this implies, unfortunately, a tacit acceptance of the loss of Al-Quds (Jerusalem) and the Golan, along with an increased frequency of American pressure before the new administration takes office, and a renewed involvement of Russia in the file of the displaced.”

In this regard, President Aoun highlighting the importance of holding a national dialogue in order to tackle the repercussions of the regional developments on Lebanon and maintain the national unity in face of all the challenges.

President Aoun also addressed the Lebanese army soldiers, highlighting their pivotal role in protecting and defending the borders and the national unity “that many are seeking to undermine”.

Source: NNA

الأموال السوريّة في المصارف اللبنانيّة… القصّة الكاملة


باريس – نضال حمادة

الأموال السورية المفقودة في لبنان أو أموال السوريين التي فُقِدَت في مصارف بلاد الأرز لها قصّة واقعية تستحق البحث والتحرّي مثلها مثل قصّة الأموال اللبنانية أو أموال اللبنانيين التي فقِدت أيضاً في المصارف اللبنانية. في هذا التقرير نفتح موضوع أموال السوريين في لبنان مع رئيس منتدى الاقتصاديين العرب في فرنسا سمير العيطة، وهو خبير متابع لهذا الأمر منذ سنوات، سألناه عن الموضوع فأجاب مفصّلاً وشارحاً لماذا تتواجد هذه الأموال السورية ومؤكداً على وجودها.

يقول سمير العيطة في حديثه لـ «البناء»: في ستينيات القرن الماضي حصلت حملة تأميم في سورية فهرَّب أصحاب الأموال في سورية أموالهم إلى بيروت. وفي المرحلة التالية، بقي القطاع الخاصّ السوري، أفراداً وأصحاب أعمال، يستخدمون المصارف اللبنانيّة ويخفون فيها مدّخراتهم وتمويل أشغالهم عن الحكومة السوريّة. يعود ذلك لأسباب مختلفة، منها ارتفاع الضرائب السورية، تلك على الاستيراد والأخرى على الأرباح. هكذا كان التاجر السوري يقلّل قيمة البضاعة المستوردة، فيحوّل جزءاً من ثمن مستورداته من المصرف التجاري والجزء الآخر عبر بيروت. كان هناك أيضاً تعدّد أسعار الصرف في سورية ولم يتغيّر هذا كثيراً مع افتتاح المصارف الخاصّة في سورية بدايةً عام 2004.

يضيف سمير العيطة أنّ الحرب في سورية والعقوبات عليها أدّت إلى مزيدٍ من تحويل أموال السوريين إلى لبنان. فحتّى المصارف الخاصّة السوريّة والتي لم توضع على لائحة العقوبات لم تعد تستطيع تحويل الأموال من الخارج وإليه لتخوّف مفرِط من المصارف الأجنبيّة المراسلة. هكذا أضحى كثيرٌ من تمويل التجارة الخارجيّة السوريّة يمرّ عبر بيروت. من ناحية أخرى، الكثير من الناس عندما وجدوا الأوضاع في سورية تتجه نحو الكارثة باعوا أملاكهم وهرّبوا أموالهم إلى لبنان. وأبقوها هناك لصعوبة فتح حسابات في دول أخرى وبسبب الفوائد العالية التي كانت تدفعها المصارف اللبنانية للمودعين.

ويشير العيطة إلى أنّ الدولة السورية لا تضع أموالها في لبنان خشية من العقوبات الغربيّة.

يستمرّ سمير العيطة في سرد القصة قائلاً: في بداية السبعينيات عندما تمّ تأميم المصارف في سورية، انتقل أصحاب المصارف وأصحاب الخبرات السورية كلّهم إلى لبنان. وأضحت هناك مصارف لبنانيّة أصحابها سوريون وأصبحت حينها 70 بالمئة من الكوادر المصرفية في لبنان من السوريين. ومع الحرب اللبنانية، أصبحت هذه المصارف ذات الأصل السوريّ رائدة، مثل بنك لبنان والمهجر (الأزهري)، وبنك بيمو(عبجي) والسوسيتيه جنرال (الصحناوي)، إلخ…

ويوضّح رئيس منتدى الاقتصاديين العرب في فرنسا أنّه بعد العام 2011 ومع العقوبات الأميركية على سورية زاد وجود رأس المال السوري في المصارف اللبنانية، لأنّ العقوبات استهدفت الجسم الأساس الذي ينظّم عمليات الاستيراد والتصدير، وهو المصرف التجاري السوري، فأصبح التجار السوريون يفتحون الاعتمادات عبر المصارف اللبنانية بدل المصرف التجاري السوري أو المصارف الخاصّة السوريّة. في مرحلة ثانية، بدأت الشركات الأجنبية توقف تعاملها ليس فقط مع المصارف السورية بل أيضاً مع المصانع والشركات الخاصّة السوريّة، حيث لم يعد بالإمكان حتى وضع اسم سورية على بوليصة تأمين شحن. فكان الحلّ أن يذهب السوريون إلى لبنان ويقومون بفتح اعتمادات من المصارف اللبنانية ويذكرون أنّ البضاعة التي فتح لأجلها الاعتماد مستوردة إلى لبنان، ومن ثمّ يقومون بإدخالها إلى سورية. وكانوا يدفعون من أموالهم دولارات من سورية وليست من لبنان، حيث كانوا يدخلون البضاعة إلى سورية يبيعونها ومن ثم يأتون بالدولارات إلى لبنان لفتح الاعتمادات في المصارف اللبنانيّة.

وهناك تفصيل بسيط هنا أنّ المصارف الخليجية الخاصّة التي فتحت فروعاً لها في سورية بعد المصارف اللبنانيّة، بل في 2010 أغلبها، قد سمح لها الأميركيون بتحويل الأموال وفتح الاعتمادات بنسبة معيّنة، مثل بنك قطر الوطني في سورية.

يقول سمير العيطة: كانت دولارات القطاع الخاص السوري تأتي إلى لبنان لهذه الأسباب وتقدّر المبالغ الموجودة بين 20 و40 مليار دولار، كلّها يملكها تجّار وصناعيون سوريون أو أموال أفراد قطاع خاص، وليست أموال «النظام» أو الدولة، لأنّهما لا يثقان بلبنان ويعتبرانه مخترقاً أمنيّاً. وهناك أيضاً أموال خاصّة سورية في تركيا، وهي أموال تجار وصناعيّين وأفراد من الشمال. كما هناك أموال تجّار وأفراد من مناطق «قسد» متواجدة في أربيل في بنوك عراقية وكذلك في ألمانيا. ولكنّ الحجم الأكبر في لبنان. الأمم المتحدة كانت تحوّل أيضاً أموال مساعداتها إلى سورية عبر لبنان.

كثيرون كانوا يعرفون أنّ النظام النقدي والمصرفي في لبنان يتّجه نحو كارثة، وأنّ أموال الودائع بالدولار تتبخّر في المنظومة. ألم تحصل محاولات أيام تسلم الوزير جورج قرم لوزارة المالية لتدارك الأمر؟ ألم يحذّر منه الوزير السابق شربل نحاس منذ زمن؟ ألم يكن الفرنسيون يعلمون بالأمر عندما عقدوا مؤتمر باريس 1 ثمّ باريس 2 ثم باريس 3 وبعد ذلك مؤتمر سيدر؟ كانوا يعلمون أنّ الأموال تُسرَق وتذهب هدراً ولكنّهم دفعوا المزيد من الأموال في الثقب الأسود. وبات هذا واضحاً في أوائل 2019 عندما بدأت بعض البنوك اللبنانيّة بمنح فوائد غير منطقيّة على الدولار. جاء أحدهم حينها إلى أحد هذه البنوك لوضع مبلغ زهيد، فقالت له الموظّفة «إذا أتيت بـ 100 ألف دولار وجمّدتها، نعطيك 15%»، فسألها «ليش رح تفلسوا بكرا وعم تلمّوا الدولارات»!

حول الاتهامات «أنّ سورية سرقت الأموال اللبنانية إبان التواجد العسكري السوري في لبنان» يقول سمير العيطة إنّ هذه مهاترة. لنأخذ مثالاً فترة الحصار التي شهدتها سورية بين الأعوام 1980 و1990. كانت سورية تفتقِد لموادّ كثيرة. لم يكن هناك مثلاً موز أو محارم وكانت هناك أساسيات موجودة في لبنان ومفقودة في سورية. ولو كانت سورية تسرُق لبنان لكنّا وجدنا هذه المواد في سورية حينها. ثمّ يضيف أنّه في فترة لاحقة وبعد اكتشاف النفط في سورية ومجيء شركة شل، عاشت سورية مرحلة رخاء. هنا أصبحت السرقة في الاتجاه المعاكس يعني من سورية إلى لبنان. كانت سرقة المازوت والبنزين المدعوم من سورية باتجاه لبنان. هكذا خرج عبدالله الدردري حين كان نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديّة ليقول إنّ خسارة سورية من تهريب المازوت والبنزين المدعوم إلى لبنان مليار ونصف مليار دولار سنوياً. ورقم خسارة كهذا يعني كميّات ضخمة. ومربح التهريب كان يُقتَسَم بين سوريين ولبنانيين، أحياناً موقفهم ضدّ النظام في سورية. في تلك الحقبة، كان هناك ضبّاط سوريون في لبنان يأخذون عمولات، لكنّهم كانوا يتقاسمونها مع زعماء الحرب اللبنانيين الذين ما زالوا في السلطة في لبنان. هذه المهاترات تعني أنّ الحقّ فقط للبنانيين في سرقة لبنان وللسوريين في سرقة سورية! بينما كان الاثنان يسرقون من البلدين.

ثمّ يقول إنّ التهريب سيبقى طالما هناك فروقات أسعار كبيرة بين البلدين. هناك بالفعل تهريب من لبنان إلى سورية اليوم، ولكن هناك أيضاً تهريب من سورية إلى لبنان. مثلاً لا أحد يتحدّث عن تهريب الإسمنت المدعوم من سورية إلى لبنان. والكلّ يعرف من الذين يحتكرون تجارة الإسمنت في لبنان. وبالمناسبة سعر الإسمنت في لبنان يفوق ثلاثة أضعاف سعره في مصر فلماذا لم يستورد لبنان من مصر وهي عندها إنتاج يفوق حاجتها. ثمّ أنّه عند تهريب أيّ بضاعة من لبنان إلى سورية، يدفع سوريّون ثمنها بالدولار يعني «فريش دولار»، إذ لا يُمكن للبنان أن يفعل شيئاً بالليرات السوريّة. وبالتالي حجم الدولارات التي ذهبت وتذهب من سورية إلى لبنان تفوق كثيراً تلك التي أتت وتأتي من لبنان إلى سورية.

ويختم العيطة حديثه قائلاً إنّ السوريين غرقوا كما اللبنانيين في الأزمة المالية والمصرفيّة اللبنانيّة التي ربّما لم يُعرف قعرها بعد.

كلام الأسد عن الودائع جدّيّ… والردود تغميس خارج الصحن!

ناصر قنديل

لم ينجح الذين شعروا بوخز الإبرة تحت إباطهم، من كلام الرئيس السوري بشار الأسد عن تفسير العامل المستجدّ للتأزم المالي في سورية وربطه بضياع ودائع السوريين في المصارف المالية، وهي ودائع تقدر بما بين عشرين وأربعين مليار دولار، بتقديم إجابة مقنعة وتحمل الحدّ الأدنى من المسؤولية الوطنية في تعاملهم مع أمرين أثارهما كلام الرئيس الأسد، الأول صحة أو عدم صحة ما قاله الرئيس الأسد، وهم يعلمون أن هذا هو جوهر الموضوع وليست مواقفهم العدائيّة من سورية والرئيس الأسد، والثاني هو حق الدولة السورية بالتحرّك لحماية حقوق السوريين أصحاب الودائع الضائعة، وكيفية تعامل السياسيين اللبنانيين الذين يشكلون عناوين صناعة مناخ موقف لبناني حكوميّ لا يجيب عليه التهرّب ولا التنمّر ولا الإنكار، ولا تفيد فيه حالة القطيعة الحكوميّة مع سورية، لأن ذلك له نتيجة واحدة وهي فتح نزاع سيجد طرقاً غير ودّية للحل، يعرف القاصي والداني أن لبنان بغنى عنها، وهو الرازح تحت أعباء أزمته ومشاكله المالية مع أصحاب سندات لدائنين دوليين، الذين يلوّح بعضهم بالتقاضي طلباً للحجز على أموال لبنانيّة وربما الذهب اللبناني كضمان لسداد ديون.

في دول تحترم نفسها، وبمعزل عن تفاهات الساسة اللبنانيين وسخافة تفكيرهم بالقضايا الوطنية الكبرى، يشكل حديث رئيس دولة، أي دولة، عن شأن إشكالي بحجم ضياع ودائع لمواطنيه في النظام المصرفي لبلد آخر، سبباً كافياً لاستنفار وطني تقني وسياسي وقانوني، بهدف الوصول لبلورة موقف جامع مصرفيّ وحكوميّ يجيب على السؤال الأصلي، حول صحة ودقة الأرقام موضوع القضية ونفي أو إثبات وجودها، ويضع الأسس لتعامل سياسي ودّي لفتح باب البحث بالمعالجة بما يفتح الطريق لتفادي الخيارات السلبية، لما لها من تأثيرات سلبية على أي نظام مصرفي وأي وضع مالي لبلد مأزوم كما هو حال لبنان، لكن في بلد كلبنان لا يهمّ السياسيين الذين هرّبوا أموالهم إلى الخارج ويعتمدون في أساس مواقفهم تخديم حسابات صغيرة حاقدة، وحسابات خارجية متملقة، كيف يتصرفون كرجال دولة يحملون مسؤولية مساعدة بلدهم ودولتهم ونظامهم المالي والمصرفي على تجاوز المزيد من المحن والأزمات.

نعم في لبنان ودائع بمليارات الدولارات تعود لمواطنين سوريين وقد تبخّرت، وأصابها ما أصاب ودائع اللبنانيين. وهذه الودائع التي تخص سوريين أفراداً منهم مَن هرّب أمواله من سورية ومنهم مَن يستخدم لبنان منصة للأعمال وهو مقيم في سورية ويواصل أعماله التجارية والصناعية، ومنهم معارض للدولة السورية وربما تكون أموالهم من عائدات الفساد أو التبييض أو التمويل الخارجي، وفي الحصيلة فإن انسداد السبيل الفردي لهؤلاء لملاحقة ودائعهم ومصيرها سيفتح الطريق لتقديم العشرات منهم لشكاوى أمام حكومة بلدهم وتوكيلها ملاحقة حقوقهم الضائعة، ولو اختار البعض الآخر الصمت، فسيبقى عشرات ومئات من السوريين يمثلون كتلة من مليارات الدولارات من الودائع سيكون خيارهم الوحيد تولي حكومتهم ملاحقة حقوقهم، وكل تعامل مع هذه القضية بالاستهتار والاستنكار هو تجاهل لمشكلة ستكبر وتكبر وتوصل لبنان لمواجهة شديدة الأذى على وضعه المأزوم عشية التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ومحاولات إحياء مؤتمر سيدر، والحصول على نظام مساعدات مالي.

أمام لبنان طريقان لا ثالث لهما في التعامل مع هذا الأمر، الأول هو خروج مصرف لبنان وجمعية المصارف ببيان رسميّ يكشف حقيقة وجود كميّة ضخمة من أموال السوريين في سجلات ودائع المصارف اللبنانية، والاستعداد للبحث معهم كأفراد، أو كمجموع تمثله الحكومة السورية لمن يرغب منهم باعتماد هذا الخيار، للبحث في كيفية التعامل مع مصير هذه الودائع في ظل الأزمة التي أصابت المصارف اللبنانية والنظام المالي اللبناني، والسعي مع الحكومة اللبنانيّة لتتولى المساعدة بعلاقة مباشرة مع الحكومة السورية لبحث عن حلول وديّة وأخويّة لهذا المأزق، والثاني هو إغلاق طرق الحل الودّي، وإدارة الظهر للشكوى السورية التي بدأت سياسياً، وقد تضطر للتحول الى شكاوى قضائية في لبنان وسورية، وخارجهما، وستنتج عنها أزمة تنتج إقفال فروع المصارف اللبنانية في سورية ومصادرة أموالها وموجوداتها، كضمان للودائع المفقودة، وربما ينتج عنها في الخارج تجميد أموال للمصرف المركزي والمصارف اللبنانية، وربما تضع مصير الذهب اللبناني قيد النقاش، أمام محاكم عالميّة ماليّة.

بعض التطاول اللبنانيّ في الردود على الرئيس السوري عدا كونه تغميساً خارج الصحن، هو دفع للأزمة المالية الخاصة بودائع السوريين كفرع من الأزمة العامة للنظام المصرفي، الى التحوّل الى مصدر لتعريض لبنان لمأزق ماليّ وقانونيّ أشد خطورة بسبب العنجهيّة والتذاكي، اللذين لم يعد لدى لبنان ترف تحمّل تبعاتهما، وما يحتاجه لبنان هو عقلانيّة وواقعيّة وحرص وروح مسوؤليّة وطنيّة تستدرك الأسوأ قبل وقوعه، عسى أن يكون لرئيس الجمهورية موقف يصوّب المسار، وتكون الحكومة الجديدة المنتظرة بحجم مسؤولية التعامل مع هذا الملف، تحت سقف علاقات أخوية يحتاجها لبنان مع سورية في ملفات كثيرة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Lebanon Stole at Least US 21 Billion Dollars from Syrian Depositors – President Assad

November 5, 2020 Arabi Souri

President Bashar Assad and First Lady Asmaa Assad visited an exhibition in Damascus dedicated to Aleppan industrialists, during his visit President Assad exposed a grand theft of Syrian money by Lebanon.

Syria First Couple visit Aleppo industries exhibition in Damascus


“At the minimum, the estimates at the lowest were 20 billion dollars, and at the maximum, it was 42 billion dollars. We do not have a real figure,” President Assad told the crowd that surrounded the first couple, he added: “This number for an economy like Syria is a frightening number.”

President Assad did not belittle the US and EU blockade coupled with the blockade of their followers around the world against the Syrian people, he drew the timeline of the current crisis with the main factors of the war of terror and war of attrition waged on the country by NATO and stooges which the country is going through for nearly a decade; the Syrian President emphasized on the coinciding of the beginning of the current severe crisis, ‘that Syria never lived through since it independence – in 1945’, with the blocking of depositors accounts by the Lebanese Central Bank starting a year ago.

The following is the English translation transcript of the above video:

First of all thanks to you, were it not for your steadfastness in Aleppo, and if it were not for you decided from the beginning to be positive, effective and have a challenge, which any person needs to succeed, especially in these circumstances, had it not been for all of this, we would not have reached this successful beginning.

When we meet with producers in these special circumstances, difficult circumstances, and harsh conditions that Syria has not lived through since the days of independence, this carries a special message and full of meanings.

3 and 4 years ago, Aleppo was besieged from all sides and the bombing on it did not stop and its production did not stop, so the issue is not the subject of a siege, so if a siege on Aleppo could not affect, the siege on Syria, which is not more severe than the siege on Aleppo, would not be the cause of the problem that we are going through. With it, there are issues that we are affected by, such as the issue of (the United States’ theft of oil), the issue of wheat supplies, the burning of wheat in the northeastern regions, there is no doubt that all of this has an impact, but the economic problem has another reason that no one is talking about, and that is the money that the Syrians withdrew (from Syria) and deposited in Lebanon, and the banks in Lebanon were closed, so we paid the price, this is the essence of the problem that nobody is talking about.

It is easy to always blame the state and the government, mistakes exist with every one and this is another issue, but the current crisis is not related to the blockade, the blockade has been imposed on us for years, this does not mean that the siege is good and the Americans are innocent, no, the blockade directly harms all aspects of life, but the current crisis that started several months ago, caused by this issue (the closure of banks in Lebanon) because the crisis began before the Caesar Act and began years after the blockade, so what coincided with it? It is the money that’s gone.

At the minimum, the estimates at the lowest were 20 billion dollars, and at the maximum, it was 42 billion dollars. We do not have a real figure. This number for an economy like Syria is a frightening number.

End of the transcript.

President Bashar Assad and First Lady - Damascus Exhibition
President Assad accused Lebanon of stealing 20 billion from Syrians

This is not the first time Lebanon worked efficiently as a pawn in the US-led war of terror against Syria, it was a stage where the killing of its former PM Rafic Hariri led to a fruitless international tribunal that lasted for 15 years and cost the Lebanese people about a billion dollars to reach nothing, in the course of its trials it started by a false accusation against the Syrian state for killing the former Lebanese PM which led to the withdrawal of the Syrian troops from Lebanon in 2005, the accusations were dropped after they exhausted their political and economic purpose.

During the current episode of the US-led war of terror on Syria, Lebanon through a number of its pro-Saudi officials was instrumental in smuggling weaponsterrorists, and drugs to contribute to the war against the Syrian people.

This latest theft of the Syrian depositors in the Lebanese banking system upon the US instructions in the last quarter of last year was meant to break the will of the Syrian people to give up to the USA of their sovereignty and freedom what they refused to give to the US-sponsored terrorist groups including Al Qaeda and its offshoots Nusra Front and ISIS for almost a decade.

To help us continue please visit the Donate page to donate or learn how you can help us with no cost on you.
Follow us on Telegram: http://t.me/syupdates link will open Telegram app.

Related News

من يزيل العراقيل أمام التحقيق المالي الجنائي؟

بشارة مرهج

لماذا، حتى اللحظة، يمتنع حاكم البنك المركزي الأستاذ رياض سلامة عن تقديم كلّ الوثائق والبيانات التي تطلبها شركة الفاريز – مارسال للمضيّ قدُماً في عملها المتعلق بالتدقيق المالي الجنائي؟ فإذا كان الحاكم واثقاً من نفسه ومن أوراقه وحساباته فينبغي عليه تقديم كلّ ذلك بسرعة وقبل غيره لمعرفته بأنّ ذلك هو عين العقل ومن شأنه أن يعزز الثقة بالبنك المركزي ويساعد على وقف التدهور في مرحلة اهتزت فيها الثقة في مجمل مؤسسات الدولة اللبنانية.

أما إذا افترضنا أنّ الحاكم يمتنع ويماطل في تقديم الوثائق والبيانات العائدة للبنك المركزي للشركة المعنية بانتظار حلول موعد انتهاء العقد، أو أنه يفعل ذلك بانتظار تشكيل حكومة جديدة تسلك طريق التغطية والتعمية على كلّ الحسابات والمحاسبات، فذلك أمر مثير للشكوك والتساؤلات مما يستدعي الإصرار على معرفة الحقيقة الضائعة في ثنايا المخالفات الكبرى التي أدّت الى تبديد الثروة الوطنية وتجويف الليرة اللبنانية وإفقار ملايين المواطنين. وهنا بالتأكيد لا تقع المسؤولية على البنك المركزي وحده وإنما أيضاً على المنظومة الحاكمة التي خالفت وتجاوزت واستهترت وملأت جيوبها من المال الحرام.

وإذا كان الحاكم، في ما يخصّه، يغطي موقفه السلبي باعتبارات قانونية، نشأت بسبب الغموض الذي يكتنف كتاب التكليف الحكومي لشركة التدقيق المالي الجنائي، فإنه ملزم معنوياً ومهنياً بتقديم كلّ المعلومات اللازمة انطلاقاً من مبدأ الشفافية الذي حاضر فيه مراراً أمام الرأي العام، كما انطلاقاً من واجباته القانونية في الحفاظ على سلامة الليرة اللبنانية وقدرتها الشرائية.

إلى ذلك فإنّ قانون السرية المصرفية الذي يتلحف به الحاكم للإفلات من الإجابة على أسئلة شركة التدقيق المالي لا يغلق الباب تماماً أمام معرفة الحقيقة بدليل أنّ هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها الحاكم نفسه تعاونت في هذا الصدد مع مدّعي عام التمييز بحيث أصبح لديها جدول بالتحويلات المالية التي جرت قبيل 17 تشرين 2019 حتى 14 كانون الثاني 2020. ويمكن لها الانطلاق من ذلك لإجراء التحقيقات اللازمة والتأكد من قانونية هذه التحويلات وسدّ الثغرة القانونية التي تمنع شركة التدقيق المالي الجنائي من الاطلاع على الحسابات المصرفية.

أما في ما يتعلق بحسابات المصرف المركزي نفسه فالرأي العام ليس مقتنعاً على الإطلاق بالحجة التي يتمسك بها حاكم البنك المركزي للتمنع عن تقديم المعلومات المطلوبة. فإذا كان صحيحاً أنّ شركتين عالميتين (ديلويت وأرنست اند يونغ) تدققان في حسابات المصرف المركزي وتصدران تقريراً سنوياً عن ذلك فإنّ تدقيقهما لا يكفي لأنه يطال ظاهر الحسابات – بحسب المحامي بول مرقص – في حين أنّ التدقيق المالي الجنائي يدقق في الباطن للكشف عن جرائم الاختلاس وإساءة الأمانة، وهذا هو المطلوب بالضبط.

والحاكم الذي ذكر مراراً أنه ليس لديه ما يخفيه من أسرار، من حقه كما من واجبه تسهيل عمل شركة الفاريز – مارسال للاطلاع على كلّ حسابات البنك المركزي دون الإخلال بالسرية المصرفية. وذلك يمكن تأمينه بمجرد كتاب يوجهه الحاكم وأعضاء المجلس المركزي الحالي والسابق بالتخلي عن امتياز السرية المصرفية الذي يشملهم كأشخاص فيما يملأ مدّعي عام التمييز وهيئة التحقيق الخاصة الفراغ القائم بما يفتح الطريق أمام تطورات إيجابية تنتظرها الأسواق بفارغ الصبر.

ويبقى أن نسجل أنّ المجلس النيابي المهتمّ حالياً بقضايا التدقيق المالي لم يصدر القانون اللازم الذي يجعل من هذا التدقيق أمراً ممكناً ومجدياً من كلّ جوانبه وكأنه يلاقي الحكومة في توقيعها للعقد الملتبس مع شركة التدقيق المالي.

هذا اللقاء المفترض بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بدلاً من ان يعزز الطريق نحو الحقيقة والشفافية فإنه يعزز الشكوك والمخاوف من أن تكون نتيجة التحقيق الذي تقوم به شركة (الفاريز – مارسال) مخيّبة للآمال ومعاكسة لجوهر المبادرة الفرنسية التي على أساسها «يجري» تشكيل الحكومة العتيدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نائب ووزير سابق

قراءة سياسيّة وهادئة لكلام ماكرون

ناصر قنديل

راجت منذ لحظة انتهاء المؤتمر الصحافي للرئيس الفرنسي امانويل ماكرون قراءة بدت موضع إجماع من خصوم حزب الله وأصدقائه، وهذا بحد ذاته أمر غريب ولافت للنظر، محورها ان خطاب ماكرون يمثل تحولاً في النظرة للعلاقة مع حزب الله باتجاه التصعيد، وأن ماكرون حمّل حزب الله مسؤولية إفشال مبادرته في لبنان، واستخدمت في تبرير هذا الإستنتاج مفردات الخطاب التنديدي بدور الحزب في سورية، وبوصفه مستقوياً بالسلاح في الداخل، يرهب به خصومه ويسعى للتصرف كأنه أقوى من الآخرين، ودعوته للاقتناع بعدم أخذ الشيعة اللبنانيين نحو الخيار الأسوأ، وقبول القواعد الديمقراطية، هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية تركيز حجم رئيسيّ من كلام ماكرون في نص المؤتمر والإجابة عن الأسئلة حول حزب الله.

لا يخطئ الذين يقرأون ما قاله ماكرون بعين البحث عن عمق الموقف في التعامل مع حزب الله ورصد التحولات فيه، باعتباره القضية الرئيسية في الكلام، والقضية الرئيسية في جوهر المبادرة الفرنسية، والقضية الرئيسية في نظرة فرنسا لموقعها وموقفها من الصراعات الكبرى في المنطقة، والقضية الرئيسية التي تتمحور حولها الأزمة اللبنانية ببعدها الدولي والإقليمي، بمعزل عن نقاش آخر ضروري، لكنه بالمعنى السياسي والاستراتيجي أقل أهميّة من الأول، وهو مسار المبادرة الفرنسية وفرص نجاحها أو فرضيات تعطّلها، لجهة السعي لاستيلاد حكومة جديدة، تتولى الإصلاحات المتفق عليها بعيداً عن استثارة قضايا الخلاف، وفقاً لما تمّ تضمينه في كلام ماكرون في قصر الصنوبر كإطار لمبادرته، التي توجهت نحو حزب الله أسوة بسائر القوى والقيادات، لصياغة نقطة تقاطع افتراضية محلية في زمن الصراع المفتوح على مساحة المنطقة ولبنان في قلبها.

كي نقدّم قراءة صحيحة لما قاله ماكرون يجب أن نتحرّر من نبرة الكلمات ودرجة التكرار في بعض التوصيفات السلبية، لأنها تقنيات إقناع البيئة السياسية والنخبوية التي ينتمي إليها المتحدث، وتأكيد للموقع الذي ينتمي إليه المتحدث، والأهم لأننا ندرك بأن الأزمة اللبنانيّة الواقفة على شفا انفجار أو انهيار، هي رغم ما يتصل بأسبابها الداخلية الوجيهة من فساد وسياسات ماليّة مدمّرة، تعبير في تجلياتها الداخلية وبعديها الدولي والإقليمي، عن قرار أميركي شاركت فيه أوروبا وفرنسا ضمنها، وشاركت فيه حكومات الخليج بلا استثناء، محوره وقف التمويل الذي كان يضخّ في شرايين المصارف اللبنانية والنظام المالي اللبناني، ومن خلالهما في الأسواق الماليّة ومن خلالها جميعاً في القطاعات الإقتصادية وهو تمويل كان مستمراً لعقدين، رغم إدراك أميركي وغربي وعربي لتفاقم المديونية وصولاً للعجز عن السداد منذ العام 1998، وتصاعداً في 2002 و2012 وتكراراً بصورة أشد تفاقماً في الـ 2017، ورغم إدراك أنه تمويل لنظام سياسي اقتصادي قائم على لعبة الفوائد المرتفعة من جهة، لربحية غير مشروعة للنظام المصرفي، وبالتوازي الإنفاق القائم على المحاصصة والفساد والتوظيف العشوائي في سياق العملية التقليدية لإعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، فقد قرّر الأميركيون أنهم غير معنيين بما ستؤدي إليه عملية وقف التمويل من انهيار، وشعارهم فليسقط لبنان كله إذا كان هذا الطريق يمكن أن ينتهي بسقوط حزب الله، ووفقاً لهذا الشعار سار معهم الحلفاء، بحيث يجب أن يبقى حاضراً في ذهننا أن القضيّة المحوريّة في الصراع حول لبنان هي القرار الأميركي بالمواجهة مع حزب الله، وهذا لا يحتاج إلى جهد لاكتشافه فكل سياق المواقف الأميركية علنيّ جداً في التعبير عنه، قبل تفجير مرفأ بيروت وبعده، وواشنطن لا تنفكّ تسعى لحشد الحلفاء لخوض هذه المواجهة، وصولاً لكلام الملك السعودي من منصة الأمم المتحدة حول توصيف حزب الله كمصدر لأزمة لبنان وأزمات المنطقة والدعوة لأولويّة نزع سلاحه.

– كي نضع الكلام الفرنسي في السياق الصحيح، يجب أن ننطلق من معرفة الموقع الذي يتحدّث من خلاله ماكرون، ففرنسا كانت ولا تزال العضو في حلف الأطلسي والحليف القريب من أميركا، والشريك في الحرب على سورية، المتوضّع فيها على ضفة مقابلة لحزب الله، حيث لغة السلاح تتكلم، والضنين بأمن ومستقبل “إسرائيل”، حيث لغة العداء تحكم علاقته بحزب الله. فرنسا هذه هي التي تتحدّث عن محاولة لفعل شيء مشترك مع حزب الله، على قاعدة عدم مغادرة الفريقين لمواقعهما، وربط النزاع حولها، لصناعة تسوية تحول دون الانهيار في لبنان، انطلاقاً من استكشاف مصالح مشتركة بذلك، حيث فرنسا تعتبر خلافاً لحلفائها ومعسكرها التقليدي دولياً وإقليمياً، أن خيار الضغط الأميركي المدعوم سعودياً وإسرائيلياً، حتى ينهار لبنان أملاً بأن ينهار حزب الله معه، خيار أرعن، سيرتب نتائج مؤذية للحلف الذي تقف فيه فرنسا، فبدلاً من الفراغ يأتي المنافسون الإقليميون والدوليون، وقبل أن تسقط بيئة حزب الله يسقط الحلفاء، وفي الفراغ والفوضى يتموضع الإرهاب على سواحل مقابل أوروبا وترتفع بصورة جنونية حالة النزوح، وينتظر الفرنسي من حزب الله أن يقرأ من موقعه كخصم، ومن موقع تحالفاته ومعسكره، أن منع انهيار لبنان مصلحة، فهو إنقاذ لشعب يعنيه، وتحقيق لاستقرار سياسي وأمني يفيده، وقطع لطريق الفوضى والفتن التي لا يرغبها، وفتح للباب نحو فرص لتسويات أكثر اتساعاً ربما تقبل عليها المنطقة خلال سنة مقبلة. وهذه المنطلقات التي تحركت من خلالها المبادرة الفرنسية، هي ترجمة سياسية لمضمون الدعوة التي أطلقها وزير مالية فرنسا برونو لومير في مؤتمر وزراء مالية قمة العشرين مطلع العام، عندما قال بالنص “تدعو فرنسا لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد طهران وحزب الله”.

لنفهم أكثر وأكثر تنطلق فرنسا في مقاربة مبادرتها نحو لبنان، من حسابات مصلحية متمايزة عن حسابات حليفها الأميركي، بعضها يتصل بسعي فرنسي لاستعادة موقع تقليدي على المتوسط ورؤية فرصة لذلك من باب التمايز فيما فرنسا تخسر آخر مواقعها التقليدية في أفريقيا، وخسرت مع الذين خسروا الحرب على سورية، وبعضها يتصل بصراع وتنافس حقيقيين بين فرنسا وتركيا في المتوسط، وبعضها يتصل بالفرص الاقتصادية التي يوفرها لبنان للشركات الفرنسية في زمن الركود، لكن بعضها الأهم ينطلق من موجبات القلق من البدائل التي يفتح بابها طريق الانهيار الذي تتبناه واشنطن، ولكن الأهم أن منهج فرنسا في المقاربة المتمايزة يتم من داخل حلفها التقليدي وليس إعلان خروج من هذا الحلف لموقع منفصل يعرف ماكرون أنه فوق طاقة فرنسا، وربما يعتقد أنه في غير مصلحتها. والفهم هنا يصبح أسهل إذا اتخذنا المقاربة الفرنسية للملف النووي الإيراني والعلاقة مع إيران نموذجاً بحثياً، حيث لا تغيب الانتقادات واللغة العدائية عن الخطاب الفرنسي للسياسات الإيرانية، وباريس لا تتوانى عن تحميل إيران مسؤولية التوتر في المنطقة، من اليمن إلى سورية وصولاً إلى لبنان والعراق، وتحدّثت بلسان ماكرون عن تدخّلات إيرانيّة غير مشروعة في الأوضاع الداخلية لدول المنطقة، وحملت فرنسا دائماً إيران مسؤوليّة ما تسمّيه المبالغة بفرض نفوذ بقوة السلاح في المنطقة، بمثل ما كانت تسجل اعتراضاتها على بعض مفردات سلوك إيران في ملفها النووي، وتعلن مشاركتها للأميركي في الدعوة لوقف البرنامج الصاروخي لإيران، لكن فرنسا ومعها أوروبا لا ترى في الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات وتصعيد التوتر الطريق المناسب، لأنها تخشى تبعات مدمّرة لخيار المواجهة، وتؤمن بأنه لن يوصل إلى مكان. وهذا هو بالضبط ما شكل منهج المقاربة الفرنسية للوضع في لبنان، وبمثل ما عجزت فرنسا ومعها أوروبا عن ترجمة تمايزها في الملف الإيراني بخطوات مستقلة عن سياسات واشنطن كالتمرد على العقوبات وإقرار آلية مالية جدية للتعامل مع إيران من خارج منظومة العقوبات، يمكن طرح السؤال حول فرص نجاح فرنسا بترجمة تمايزها اللبناني، أي إنجاح مبادرتها، التي تحتاج من جهة إلى تجاوب حزب الله، ولكنها تحتاج أكثر إلى تسهيل حلفاء فرنسا لفرص النجاح.

تبدأ قراءة الكلام الفرنسي بعد فشل النسخة الأولى من المبادرة، من اختبار الرهان الفرنسي على ضوء أخضر من الحلفاء، أولاً، ومن كيفية تناول الرئيس الفرنسي لمواقف الحلفاء، قبل الحديث عن تقييمه لدرجة تعاون الخصم، أي حزب الله، وقبل الحديث عن النبرة التي تحدث من خلالها عن هذا الخصم، فالمبادرة تحوّلت منذ انطلاقتها إلى ساحة صراع، محورها من جانب حلفاء باريس الأميركيين والسعوديين واللبنانيين، السعي لكسب باريس إلى خيار المواجهة، وإقناعها بأن لا جدوى من الرهان على فرصة تسوية مع حزب الله، ودون دخول في التفاصيل، يكفي كلام ماكرون عن أن العقوبات الأميركية كانت أحد أسباب تعقيد المشهد، وأن الحلفاء الداخليين الممثلين بالرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين حاولوا توظيف المبادرة للعبث بالتوازنات الطائفية فتسببوا بتعثرها، بمثل ما حمل حزب الله مسؤولية التشدد في شروط التعامل مع مبادرة الحريري لتصحيح “خطأ اللعب بالتوازنات”. وهذا يعني أن الذين انتظروا أن يخرج ماكرون بإعلان الانضمام إلى جبهة المواجهة مع حزب الله، وأن يحصر به مسؤولية فشل المبادرة الفرنسية ليحمله تبعات أخذ لبنان نحو الانهيار، وربما حلموا بتصنيفه على لوائح الإرهاب وإنزال نظام العقوبات الأوروبية عليه، قد أصيبوا بالخيبة والإحباط، فهل كان من حق حزب الله ومناصريه انتظار أن يخرج ماكرون ليعلن أن حزب الله كان دون الآخرين عنصراً إيجابياً للتفاعل مع المبادرة، أم أن مجرد تركيز ماكرون على القول بأن الطبقة السياسية اللبنانية قد فشلت بالمجمل وأن القيادات اللبنانية بلا استثناء خانت تعهداتها، وأن الحفاظ على المصالح تقدم عند القوى اللبنانية على دعم المبادرة لإنجاحها، يجب أن يكون كافياً ليعتبر حزب الله أنه ربح الجولة، ولا يدع خصومه الخاسرين يصورونه خاسراً بدلاً منهم؟

خلال خمسة عشر يوماً كانت المعركة السياسية والإعلامية، تدور حول نقطتين، الأولى هي هل طرح المداورة في المواقع الوزارية هو مجرد ذريعة تم دسها على المبادرة الفرنسية من نادي رؤساء الحكومات السابقين، لاستفزاز الثنائي وخصوصاً حزب الله، أم أنها طرح إصلاحي تضمنته المبادرة وانقلب عليه حزب الله؟ والنقطة الثانية هي هل العقوبات الأميركية جزء من سياق الضغوط لإنجاح المبادرة الفرنسية ام هي باستهدافها حلفاء لحزب الله، تعقيد لفرص المبادرة واستهداف لها؟ وقد قال ماكرون ما يكفي لترجيح كفة الرواية التي تبناها حزب الله وحلفائه في القضيتين.

هل استجابت فرنسا لدعوات الانضمام إلى جبهة المواجهة مع حزب الله، أم أنها وجدت من الأعذار والتبريرات ما يكفي للقول إن الفرصة لم تسقط ولا تزال متاحة لإنعاش التسوية على قاعدة الفرضيات ذاتها التي قامت عليها، وفي قلبها، فرضية المصلحة المشتركة مع حزب الله بتفادي المواجهة وتفادي الانهيار؟

ماكرون ليس حليفاً لحزب الله، بل هو في قلب معسكر الخصوم، وهذا معنى أن حزب الله ربح جولة الحفاظ على التفكك في هذا المعسكر الدولي والإقليمي، وعزّز انقساماته، ونجح بإبقاء فرنسا خارج هذا الخيار، وماكرون لم يكن ينتظر من حزب الله منح الاطمئنان لمبادرته بلا شروط الحذر الواجب مع خصم، واتهام حزب الله بهذا الحذر ولو استخدم من موقعه كخصم في وصفه نبرة عالية، متوقع ولا يفاجئ، لكنه كان ينتظر ممن يفترضهم حلفاء ألا يقوموا بتفخيخ مبادرته، لكنهم فعلوا، وقال إنهم فعلوا، بالعقوبات الأميركية والتلاعب بالتوازنات الطائفية من خارج المبادرة، والربح بالنقاط بالنسبة لحزب الله يجب أن يكون كافياً، بمعزل عن فرص نجاح المبادرة، كما هو الحال في الملف النووي الإيراني، بقاء فرنسا وأوروبا على ضفة التمسك بالاتفاق ورفض العقوبات كافٍ بمعزل عن قدرتهما على بلورة خطوات عملية بحجم الموقف.

من حق حزب الله، لا بل من واجبه أن يتناول بالتفصيل كل المنزلقات التي تورط فيها خطاب ماكرون، وأن يفند أي اتهام، ويتصدى لأي لغة عدائية ولكل تشويه لمسيرته النضالية، ولكل توصيف غير لائق، وأن يقدّم روايته لما جرى ويكشف كل ما يثبت تعامله بشرف الوفاء بالتعهّد خلافاً لاتهامات ماكرون، لكن على حزب الله أن يفعل ذلك وهو يضحك في سره، لأنه ربح جولة هامة، وأن لا يتيح لخصومه أن يضحكوا بشماتة مَن أصيب بالخيبة وينتظر تعويض خسارته بأن يتصرّف الرابح كخاسر، فربما يحوّل الخاسر خسارته انتصاراً.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

في زمن الذلقراطيّة والرهابقراطيّة ماذا نفعل؟

د. لور أبي خليل

تمارس القوى الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية «الذلقراطية» كما عرّفها المهدي المنجرة في كتابه «الاهانة في عهد الميغا إمبريالية» على دول المشرق العربي. ويفسر هذا المفهوم أن النظام السياسي الأميركي يستغل التفاوت في علاقات القوة الداخلية والخارجية لبسط سيطرته المطلقة على منطقتنا من دون ان يراعي أي كرامة لحكامنا وشعبنا ومؤسساتنا. هنالك إهانة واضحة في الهيمنة الاميركية على ثرواتنا وعلى حقوقنا. فالولايات المتحدة تضرب بعين الحائط كرامتنا وإرادتنا الشعبية. وهنا نستطيع ان نلاحظ ان قواعد الذلقراطية تتمثل في خرق مبادئ الديمقراطية لتقديم دروس في السلوك الحسن والاخلاق الحميدة.

كيف ذلك ونحن منذ عام 2007 نعيش قواعد الذلقراطية. فبعد انتهاء عهد اميل لحود نعيش سلسلة لا متناهية من المهانات تجاه محور المقاومة ورموزه وبالرغم من ان جبهة محور المقاومة متحدة وأثبتت أنها جاهزة لأي اعتداء، إلا ان الهجوم من قبل القوى الامبريالية عليها تضاعف وتغيرت استراتيجيته تحديداً بعد انتصار حرب تموز لان الامبريالية الاميركية رأت بأن فعل القوة لم يأت بالنتيجة المرجوّة فحوّلت مسارها الى ضرب المستوى السياسي – الاجتماعي ومن ثم الى ضرب المستوى الاقتصادي فوصلنا الى ما وصلنا اليه حالياً.

وصلنا الى مصاف الدول الأكثر استدانة في العالم نسبة لعدد سكانها، وصلنا الى فساد مستشر في مؤسساتنا وإداراتنا كافة، وصلنا الى انتفاخ في فاتورة الإنفاق الحكومي، وصلنا الى قطاع مصرفي متضخم يمنح أسعار فائدة خيالية على الودائع، وصلنا الى انهيار كامل لنماذج التنمية التي فرضتها المحافل الدولية. ونحن نقرأ في آخر تقرير لبرنامج الامم المتحدة الإنمائي انّ لبنان في المرتبة 93 من ترتيب التنمية البشرية اي في مرتبة منخفضة جداً. كلّ هذه الأسباب مدروسة مسبقاً إذ انها تهدف نحو تحويل المسار من فعل القوة الى فعل الاستعمار الفكري والثقافي. سعت القوى الامبريالية ان يكون النظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي مأزوماً لكي تستطيع القوى التحكم في تنفيذ أجنداتها الخارجية وسياساتها الدولية.

كيف نستطيع ان نفسر الاستعمار الفكري _ الثقافي؟

ترافقت خطوات الانهيار في النظام السياسي والاقتصادي بالتعدي على أنظمة القيم أيّ بما يسمّى بـ «الاستلاب الثقافي» وهو التطاول على رموز المقاومة وعلى موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب وحتى الوجوه الجديدة التي وصلت الى السلطة التنفيذية والتي كانت أهدافها إصلاحية أخذت نصيبها من هذا التعدي. وكان هذا الأمر مصحوباً بتعليقات بعض من وسائل الإعلام اللبنانية التي استخدمت المذلة والعجرفة في حربها على الرموز والمواقع. وهذه الوسائل لا تعرف حدوداً وتتوجه مباشرة الى إذلال الآخر. فهنا تكون بداية تنفيذ خريطة الطريق الجديدة خريطة طريق أميركية تقود لا محالة الى فقدان الأمن والسلام في لبنان.

اننا نعيش الآن أزمة أخلاقية حقيقية في لبنان ناجمة عن غياب العدالة الاجتماعية وعن غياب المثقفين الذين يدافعون عن قضايا أمتنا (عن القضية الفلسطينية، عما يحصل في سورية وفي العراق) لم يعد أحد يقوم بردّ فعل إزاء أية إهانة لمعتقداتنا سواء من قبل أعداء الداخل الذين يعملون لمصلحة القوى الامبريالية او من قبل القوى الخارجية. وهذا الغياب للعدالة سيؤدي حتماً الى العصيان والانفجار الاجتماعي لأن البيئة الحاضنة للمقاومة سوف ترفض المذلة الوطنية والدولية لرموز المقاومة فلولا المقاومة لكنا اليوم في حضن داعش والنصرة والمنظمات المتطرفة على أنواعها ولولا المقاومة لكان جنود العدو الإسرائيلي في بيروت والشام وبغداد فهم الذين وقفوا ودافعوا واستشهدوا بوجه الاحتلال الصهيونيّ وبوجه المنظمات الإرهابية.

ما الذي تفعله القوى الامبريالية؟

إن القوى الامبريالية تحاول تطويع الأذهان. والهدف من التطويع هذا هو إضعاف محور المقاومة واذاعة ثقافة الرهابقراطية اي ان كل الذي يحصل في لبنان سببه وجود سلاح المقاومة. نحن أمام حرب استعمارية بأشكال جديدة وأدوات جديدة ووجوه جديدة. فالمناضلون الحقيقيون يجب ان يكون منطلقهم فلسطين وان يعود سلم القيم الى اساسه في محاربة القائمة الاستعمارية الجديدة لأن النضال الحقيقي هو في إعادة الحق الى أصحابه. ومن الخجل ان يتم ربط المقاومة بالإرهاب من اجل مصالح ضيقة. فأقول للشباب الذين يحملون شعارات المجتمع المدني ان التغيير لا يكون بإضعاف الاحزاب التاريخية التي لها مجد وماض ومناضلون لأن التغيير لا يأتي بالخيانة بل بالشفافية وتكاثف الجهود والعمل والجدية. فنحن ندخل نهاية الامبراطورية الاميركية الاحادية المبنية على «الذلقراطية والرهابقراطية». ويجب ان لا تنصب جهودكم على الشتائم وانما على معرفة حقيقة اهداف المعسكر اليهودي واستراتيجيته وخطة عمله لأن الضعف الذي نعيشه هو الذي سوف يدمرنا وزرع الفتنة هو الذي سيضعفنا. فالمستقبل يصنع بالتكاتف والتماسك بين ابناء المجتمع الواحد وتوحيد الهدف يكون بدعم المقاومة فهي الأداة الوحيدة التي نملكها للمواجهة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذة محاضرة في كلية الحقوق والعلوم السياسية ومعهد العلوم الاجتماعية، الجامعة اللبنانية، باحثة وخبيرة في شؤون مكافحة الفساد ورسم السياسات العامة.

سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم

 سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم
(هيثم الموسوي)

من هرّب 5 مليارات دولار في ثمانية أشهر؟

ابراهيم الأمين

الإثنين 7 أيلول 2020

بدو القطاع المصرفي في مرحلة الاستعداد لـ«ساعة الحساب». هذه المرة، لن تنفع كل محاولات التضليل الإعلامي التي قادتها ماكينة يُشرف عليها أصدقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. وهي ماكينة توزّع نفوذها في أكثر من دائرة مؤثرة، سواء داخل القطاع نفسه وداخل مصرف لبنان ووزارة المالية، أو داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي وحتى الإدارة العامة. إضافة إلى النفوذ المتوقّع بين السياسيين والإعلاميين.

المواجهة السابقة كان هدفها تعطيل خطة الحكومة للإصلاح المالي. صحيح أن مصرفيين أساسيين حاولوا في الأيام الأولى من عمر حكومة حسان دياب الدخول في نقاش مع الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق. إلّا أن الحكومة لم تُظهر استعداداً عملانياً للسير في اتفاق يحظى بتوافق أطرافها، بينما كان أرباب القطاع المصرفي ينتظرون إشارة الحاكم الذي لم يتأخّر في إبلاغهم: اصمدوا، هذه الحكومة غير قادرة علينا!

الذي حصل باختصار، أن مشروع إقالة رياض سلامة تعطّل بقوّة، لا سيما بعدما تراجع النائب جبران باسيل مُذعناً لرغبة الفريق الذي يضمّ الرئيسَين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط والذي عارض إقالة سلامة بحجّة أن الفراغ ممنوع الآن. باسيل كان ينتظر أن يقود حزب الله المعركة ضدّ سلامة. الحزب غير المعجب على الإطلاق بسياسات سلامة لن يبادر. لديه ثوابته التي تحول دون قيادة المعركة، لكنه مستعدّ دوماً لدعمها متى اندلعت. الذين رفضوا إقالة سلامة، لديهم أسبابهم الكثيرة. ظاهريّاً، المشكلة عندهم تبدأ من كون بديله سيُعيّن برضى وبركة الرئيس ميشال عون. لكنّ الأساس، هو الشراكة الفعلية بين هؤلاء وبين سلامة الذي – للأمانة – لم يَخَف يوماً من هذه المنظومة، فهو يعرفها أكثر من نفسها وله عليها الكثير.

ما فجّر الأزمة فعلياً، ليس الخلاف على الأرقام كما جرت محاولة اختزال القصة. لأن عملية احتساب الخسائر مهما جرى التلاعب بها، إنما تبقى في نهاية الأمر خسائر، وأي مقاربة جديدة لإدارة المالية العامة أو السياسة النقدية كانت ستكشف ما يُعمل دوماً على إخفائه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تركزت على سُبل منع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له. وهو تدقيق كان ليشمل أيضاً حركة التحويلات المالية الكبيرة في السنوات الأخيرة، وهو ما كان سيؤدّي عملياً إلى إسقاط السرّية المصرفية عن نسبة الـ2.5 بالمئة من المودعين والذين يحملون غالبية الودائع الموجودة لدى المصارف. عدا عن كون التدقيق كان سيكشف من تلقاء نفسه عن «حكاية الصفقات» التي تملأ كلّ دوائر الدولة اللبنانية وفي القطاعَين الخاص والعام على حدّ سواء. ولو أن التدقيق تم على طريقة شركة «كرول»، لكنّا أمام مادة لسلسلة تلفزيونية شيّقة تمتدّ حلقاتها لأعوام.

في أيام الاشتباك القوي، لم تكن المؤسسات الدولية تقف بعيداً عن النقاش. من البنك الدولي الذي صار محرجاً إزاء فضائح ستصيب فريقه الإداري أيضاً، نظراً إلى الأرقام الهائلة من المصاريف الإدارية التي كانت تُنفق، إلى صندوق النقد الدولي الذي كان أقرب إلى وجهة نظر الحكومة لاعتقاده الراسخ بأن حاكم مصرف لبنان كما المشرفين على المالية العامة إنما يتلاعبون بكل شيء ومنذ فترة طويلة. وصولاً إلى الجهات المانحة، ولا سيما فرنسا التي أُوكل إليها ملفّ الدعم الإنمائي من خلال برنامج «سيدر». كل هذه الجهات أوفدت مَن ناقش ودرس وسمع ودقّق. ومن المفارقات أنه في ظلّ الانقسام السياسي اللبناني حول تقييم موقع ودور حاكم مصرف لبنان، إلّا أن إجماعاً دولياً ظهر فجأة، على ضرورة تنحية الرجل، وتحميله مسؤولية رئيسية عن الأخطاء الكبيرة، سواء بسبب خضوعه لطلبات السلطات السياسية ثم شراكته معها، أو بسبب مشاركته أرباب القطاع المصرفي ألاعيبهم التي تمّت برعايته. علماً أنه للمرة الأولى، يوجّه موفدون دوليون نقداً لسلامة على خلفية استمرار عمله في الأسواق المالية العالمية بواسطة شركات مستقلة يديرها مقربون منه أو أقرباء، وهي الأعمال التي جعلت ثروته تكبر بصورة لافتة. علماً أنه يدافع عمّا قام به، وأنه كان يقوم باستثمار ما يملكه نتيجة عمله السابق، بصورة لا تتعارض مع موقعه ودوره، وأنه لم يستفِد بقرش واحد من العمليات الجارية ضمن نطاق عمله.

ما يجري اليوم هو تثبّت الجهات على اختلافها، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعمل شخصياً على إطاحة سلامة. وهو يتجنّبه بصورة كاملة، والفريق الاستشاري العامل إلى جانب الرئيس الفرنسي لا يكنّ أي احترام – مهنيّ وحتى شخصي – لسلامة. مع الإشارة إلى أن فريق ماركون جلّه من المصرفيين الكبار، وبينهم سمير عساف، المصرفي الذي رُشّح مراراً لخلافة سلامة في حاكمية المصرف المركزي. ولو أن روايات كثيرة من أوروبا، لا تميّز عساف كثيراً عن سلامة. ومع ذلك، فإن ماكرون يعرف أنّ ليس بمقدوره القيام بخطوة كهذه بالطريقة التقليدية. و يعرف أنّ من الصعب عقد تسوية مع النافذين في بيروت لأجل الإطاحة بسلامة، فوجد أن الحلّ يكون بتسوية مباشرة مع سلامة نفسه، والذي أبلغ للمرة الأولى، من يهمّه الأمر، بأنه مستعدّ لمغادرة منصبه. لكنّه صارح محدّثيه بأنه لا يثق بأي من المسؤولين اللبنانيين في السلطة وخارجها، وأنه يعرفهم واحداً واحداً على حقيقتهم. وهو يخشى تعرّضهم لملاحقة سيعملون على تحويلها صوبه، ليس بقصد محاسبته، بل لتحويله إلى «كبش فداء». الجديد أن سلامة أبدى استعداداً للمباشرة في عملية تدقيق بالتعاون مع مصرف فرنسا المركزي، تشمل عمليات المصرف المركزي ومشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالإضافة إلى أنه في حال ضمان الرئيس الفرنسي شخصياً عدم ملاحقته، فهو مستعدّ لترك منصبه ومغادرة لبنان فوراً. وسلامة الحريص على تكرار هذه اللازمة أخيراً، يعرف مسبقاً أن الجهات الدولية التي تدفع باتجاه التدقيق، إنما تستهدف الوصول إلى أرقام موحّدة حول الواقع المالي والنقدي في لبنان. يتصرف سلامة على قاعدة الثقة بأن هدف التدقيق محصور في هذه النقطة وليس هدفه تحميل المسؤوليات أو الإدانة والعقاب.

أكثر من ذلك، فإنّ الـ«السنفور غضبان» ديفيد شينكر لم يترك جهة إلّا التقاها، بما في ذلك مندوبون أو متصلون بالقوى السياسية التي قال إنه لن يجتمع مع قياداتها. وكان للمصرفيين نصيب بارز من اللقاءات، وهو حرص على إبلاغهم بأنه يجب عدم المراهنة على عمليات التدقيق ولا حتى على العقوبات. لافتاً إلى أنه يخشى إحباطاً إضافياً عند الناس جراء مبالغة قوى سياسية حيال ملف العقوبات، لأن ما هو مطروح حتى الآن لن يطال الصف الأول بالتأكيد، بل سيطال مجموعات يمكن ربطها بقوى وجهات. لكن شينكر صار ميّالاً الى الحديث عن «انتهاء أيام رياض سلامة» على ما يقول أحد الملتقين به، وأن واشنطن متوافقة مع باريس على هذا الأمر، لكنها لا تمنح فرنسا أيّ تفويض بتعيين أو اقتراح تعيين حاكم بديل. وأن الرأي الخارجي الحاسم سيكون بيد صندوق النقد الدولي قبل أي جهة أخرى.
لكن، ما لا يُقال أو لا يُشار إليه على أنه اتفاق ضمني، هو ما يبدو أن سلامة تعهد به، لجهة القيام بخطوات عملانية هدفها إنجاز بعض الأمور. يردّد أحدهم أن «سلامة سيقوم بخطوات تزعج حلفاءه في السوق، لكنها ضرورية لضمان الخروج المشرّف». بتعبير أوضح، يبدو أن سلامة وافق على تنفيذ عدد من طلبات الحكومة المستقيلة، لكن ضمن الإطار الذي يراه هو الأنسب. وخطة تعديل التموضع لديه، بدأت منذ صدور قرارات تعيين الأعضاء الجدد للمجلس المركزي لمصرف لبنان. دخول نواب الحاكم الجدد والآخرين من الأعضاء الحُكميين في المجلس المركزي، سمح بإشاعة أن المجلس المركزي الذي ظل معطّلاً لربع قرن، عاود العمل كفريق موسّع في الأسابيع الاخيرة. وأن سلامة نفسه بادر إلى إبلاغ أعضاء المجلس المركزي، أنه ينتظر منهم أفكارهم وتصوّراتهم لأجل الشروع في خطوات «إصلاحية».

في هذا السياق، يعرف سلامة أنه مضطر إلى عمليات قد تتسبب بأذية بعض أصدقائه المصرفيين. وربما تصيب مصالح بعض كبار المودعين الذين يعرفهم سلامة تمام المعرفة بالأسماء والأرقام الموجودة في حساباتهم. وهو أيضاً «خبير محلّف» بالقوانين المالية، وكيفية التطبيق الدقيق أو الجانبي لجميع بنود قانون النقد والتسليف، بالإضافة إلى خبرته الطويلة في لعبة التعاميم المصرفية التي يجب جمعها في كتاب لأجل تاريخ لبنان.

التعميم 154 ورسملة المصارف

جديد الوضع المصرفي، التعميم الذي أصدره الحاكم يوم 27 آب الماضي، ويحمل الرقم 154، والذي يفرض بموجبه على المودعين الذين حوّلوا أموالاً إلى الخارج بين تموز عام 2017 والشهر الماضي، إعادة تحويل جزء منها تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة إلى المصارف اللبنانية من الخارج. على أن يجري تجميد هذه المبالغ لخمس سنوات لدى القطاع المصرفي وترك أمر الفوائد للتفاوض بين المودع والمصرف. على أن تعمد المصارف إلى استعمال هذه الودائع الجديدة في تغذية السوق العطِش للأموال الطازجة، خصوصاً أن مصرف لبنان بدأ يرفع الصوت من عدم قدرته على توفير دولارات كافية لتغطية الدعم المطلوب لسلع رئيسية من قمح ومحروقات ودواء.
بالإضافة إلى ذلك، ذكّر سلامة المصارف بوجوب زيادة رساميلها من خلال توفير مبالغ إضافية تصل إلى عشرين بالمئة من قيمة الرساميل الحالية، على أن يكون هناك جدول زمني لتوفير هذه المطلوبات ينتهي مطلع العام المقبل. وأرفق هذا الطلب بتوضيح أن المصارف التي لا تقدر على تنفيذ هذه العملية ستحال إلى المجلس المركزي لاتخاذ القرار بشأن أن تبقى أو تخرج من السوق.

تضارب في التقديرات حول حجم الأموال الممكن إعادتها حسب التعميم 154 وخبراء يخشون انهياراً إضافياً لليرة


ردة الفعل على التعاميم لن تكون متطابقة، الأمر هنا لا يتعلق بالحسابات المباشرة فقط، بل في كيفية تعامل الجمهور مع الأجراء. في الشكل، سيبدو لقسم من الجمهور، أن التعميم الهادف الى إعادة استقطاب دولارات طازجة من الخارج، يمثل استجابة من الحاكم لمطالب قوى سياسية وتيارات شعبية التي تقع تحت بند «استعادة الأموال المنهوبة». والفكرة تصبح مغرية – أيضاً في الشكل – كون التعميم يشمل كل الذين حولوا أموالهم من صيف عام 2017. والمهم في هذه الفترة، هو حجم الأموال التي خرجت من لبنان إثر اعتقال السعودية الرئيس سعد الحريري في الرياض. ثم الأمر نفسه الذي تعاظم في عامي 2018 و 2019 ربطاً بالتدهور المتسارع للأحوال النقدية والمالية والاقتصادية في لبنان، وصولاً إلى ما جرى في الأشهر الأخيرة التي سبقت أزمة القطاع بعد 17 تشرين.
في هذا السياق، يتحدث مصرفيون عن مبالغ كبيرة جداً، وأن الآلية التي تفرض استعادة بين 15 و 30 بالمئة، يقدّر لها أن تعيد مبالغ كبيرة. وهنا يُظهر مصرفيون تفاؤلاً مبالغاً فيه حيال إمكانية استعادة نحو خمسة مليارات دولار، بينما يرى خبراء أن مثل هذه العملية لن تعيد إلا بضع مئات من ملايين الدولارات.

المصرفيون يعتقدون أن القرار قابل للتطبيق. وأن النقاش حول قانونيته لن يغيّر من قوته. صحيح أن المبدأ يقول بأنه لا يمكن لمصرف أن يُجبر مودعاً على إعادة أمواله إلى المصرف وتجميدها، لكن تعميم سلامة يخيّر المودعين بين أمرين: إما إعادة هذا الجزء، أو إحالة الملف إلى هيئة التحقيق الخاصة لأجل التدقيق في الأموال وأصولها وأسباب تحويلها إلى الخارج. وبحسب المصرفيين أنفسهم، فإن هذه العملية تعني عملياً رفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات، وهي خطوة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عدد كبير جداً من كبار المودعين. كما أن الاشتباه بالملف من قبل هيئة التحقيق الخاصة سيؤدي إلى مضاعفات يعتقد البعض أنها كافية للضغط على أصحاب الودائع الكبيرة من أجل إعادة بعض ما حولوه إلى الخارج.

التدقيق في حسابات مصرف لبنان هدفه توحيد أرقام الخسائر… ولا توقّعات بالمحاسبة


وبحسب أصحاب هذا الرأي فإن المصارف نفسها صارت أمام مسؤولية لم تكن تواجهها من قبل. فهي الآن مضطرة لإجراء جردة واسعة وشاملة ودقيقة ورسمية لكل عمليات التحويل التي تمت في الفترة الواردة في التعميم. والآلية تفرض على المصارف المسارعة إلى إبلاغ المودعين بالتعميم والطلب إليهم الالتزام بإعادة المبالغ وفق النسب المفروضة. وفي حال لم يجرِ الالتزام فإن المصارف ملزمة بإبلاغ مصرف لبنان بأسماء من رفض الالتزام، وهي لائحة ستذهب فوراً الى هيئة التحقيق الخاصة، والتي يتوقع أن تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات هؤلاء وعن كامل حركة حساباتهم خلال فترة زمنية تحددها الهيئة وقد لا تكون مقتصرة على الفترة الزمنية الواردة في التعميم. وعندها ستكون المصارف ملزمة بالتعاون، لأن الإحالة من هيئة التحقيق الخاصة تعني الاشتباه بوجود عمليات احتيال على القانون الضريبي أو حصول علميات تبييض للأموال. ويعتبر المدافعون عن التعميم، أنه يحقّق عملياً هدف الحكومة المستقيلة من بعض الوارد في خطتها، لكن الفارق أن قرار الحكومة كان يتطلّب إدخال تعديلات على 31 قانوناً مرتبطاً بالأمر النقدي والمالي. بينما يتيح هذا التعميم تنفيذ العملية، برغم كل النقاش حول قانونيته.


تهريب أموال جديدة؟

ما يرفض المصرفيون الإقرار به، أو حتى تقديم إجابات حاسمة حوله، هو المعلومات التي يجري تداولها على نطاق ضيق منذ أسابيع، حول حصول عمليات تحويل لمبالغ ضخمة تخص فئات محددة من رجال السياسة والأعمال والمال إلى الخارج. ويفيد مصدر واسع الاطلاع على هذه العمليات، أنّ نحو 5 مليارات دولار أميركي تم تحويلها إلى الخارج منذ مطلع عام 2020 حتى أواخر آب الماضي. وأن هذه المبالغ تعود إلى سياسيين ورجال أعمال وأصحاب أسهم في المصارف أو أعضاء في مجالس إدارتها. حتى إن بعض الجهات صار لديها لوائح بأسماء غالبية الذين أجروا تحويلات بسبب نفوذ سياسي أو وظيفي أو خلافه. وإن مصرف لبنان يحاول إخفاء الفضيحة من خلال التعميم 154 الهادف الى توفير ما يغطي هذه الفجوة. ويقول المصدر إن هناك معلومات موثوقة عن أن مصرف لبنان خسر أقل من 2.8 مليار دولار من الاحتياطي الموجود لديه في عملية الاستيراد للمواد المدعومة منذ مطلع العام، بينما أرقامه المعلنة تفيد عن خسارة خمسة مليارات إضافية من هذا الاحتياطي من دون شرح. صحيح أن المصرف المركزي حاول سابقاً فرض شروط قاسية على المصارف لأجل توفير سيولة لها بالدولار الأميركي، لكنه عملياً وفّر لها كميات كبيرة من الأموال الموجودة في الخارج، وهي الأموال التي استخدمتها المصارف لإجراء عمليات التحويل لعدد من المحظيين. بالإضافة الى سؤال قائم اليوم حول قدر الأرباح التي حققها تجار كبار في البلاد، استفادوا من برنامج الدعم، لكنهم لم يخفّضوا الأسعار على الإطلاق.

سعر الدولار

على أن الأهمّ اليوم، هو الحديث عن قبول سلامة ومسؤولين في الدولة التزام وصفة صندوق النقد لجهة سياسة الدعم. وهذا يعني ليس وقف دعم السلع الأساسية من قِبل مصرف لبنان كما هو حاصل اليوم، بل رفع القيود أيضاً عن السعر الرسمي للدولار الأميركي، خصوصاً في حال لجأ مصرف لبنان والمصارف مرة جديدة الى محاولة إرضاء المودعين بصرف حقوقهم المودعة بالدولار الأميركي، لكن بالليرة اللبنانية. وهذا سيؤدي حكماً إلى البحث من جديد عن كميات أكبر من الدولارات في الأسواق وفي البيوت أيضاً، ما يعني أن سعر الدولار الفعلي سيترفع بنسبة 35 بالمئة على الأقل عن سعره المتداول اليوم في السوق السوداء. مع العلم، أن أحد أبرز الخبراء في السياسات النقدية يرفض فكرة «استشارة أحد» حول مستقبل سعر العملة الوطنية. ويقول: المشكلة أنّ لبنان يحتاج الى عشرات مليارات الدولارات حتى يستعيد توازنه، لكن ذلك لن يعالج أزمة الثقة الهائلة بالدولة والقطاع المصرفي، ما يعني أن إعادة الدماء إلى القطاع المالي في لبنان أمر غير متوقع في القريب، حتى ولو انطلقت الإصلاحات.

%d bloggers like this: