الحريري لتعديل الطائف أو إسقاطه؟

ناصر قنديل

تقدّم رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري بتصوّره لقيام حكومة جديدة. يقوم هذا التصوّر على ثنائية قوامها، نقل حق تسمية رئيس الحكومة من الأغلبية النيابية إلى دار الفتوى باعتبار رئيس الحكومة يمثل منصباً سيادياً تتمثل من خلاله طائفته في الدولة، واشتراط إطلاق يده في تشكيل حكومة تكنوقراط ومنحها صلاحيات استثنائية، بمعنى تهميش المجلس النيابي سواء في تشكيل الحكومة التي جعلها اتفاق الطائف صاحبة السلطة العليا مجتمعة، بعدما كانت هذه السلطة بيد رئيس الجمهورية يعاونه وزراء يختارهم، لتصير بيد رئيس الحكومة يعاونه وزراء يختارهم. ولا يلغي هذا الاستنتاج قول الرئيس الحريري بأن الأغلبية النيابية باقية وقادرة على سحب الثقة بالحكومة متى شاءت، لأن القصد هو القول إن ما يدعو إليه الرئيس الحريري هو نظام دستوري جديد، وليس القول إذا كان هذا النظام قابلاً لحياة أم لا، فهو نظام يعمل في بريطانيا، حيث الملكة بلا صلاحيات فعلية ولا شراكة في تشكيل الحكومات، كما يريد الحريري لدور رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة يختار الوزراء ويملك السلطة التنفيذية، لكن مع فارقين هما أن رئيس الحكومة في بريطانيا ليس ممثلاً لطائفته تختاره كنيسة في بلد متعدّد الكنائس، ورئيس الحكومة في بريطانيا يُنتخب من الشعب مباشرة.

يستطيع الرئيس الحريري أن يُصارح الأطراف اللبنانية الشريكة في المجلس النيابي، خصوصاً الشركاء في تطبيق مضمون اتفاق الطائف من الطوائف الأخرى بأنه يعتقد أن اتفاق الطائف انتهى وبات لبنان يحتاج إلى صيغة جديدة للحكم. وفي هذه الحالة عليه أن يختار بين صيغتين بديلتين، واحدة مدنيّة تحرّر الرئاسات من التوزيع الطائفي وتعتمد انتخاب رئيسي الجمهورية والحكومة من الشعب مباشرة، ونيلهما صلاحيات تشبه صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في فرنسا، وله أن يختار الترشح على أي منهما، أو أن يدعو لنظام رئاسي يُنتخب رئيسه من الشعب وينال صلاحيات تشبه صلاحيات الرئيس الأميركي لكن بدون أي قيد طائفي على حق الترشح للرئاسة. أما أن يحتفظ الحريري من الطائف بتوزيع الرئاسات طائفياً، وينقل مركز تسمية رئيس الحكومة من الاستشارات النيابية التي يجريها رئيس الجمهورية، إلى المشاورات والاتصالات التي قال المرشح السابق لرئيس الحكومة سمير الخطيب إن سماحة مفتي الجمهورية قد أجراها، ويُضيف إلى ذلك حق رئيس الحكومة باختيار الوزراء من خارج الكتل النيابية ليكونوا معاونين لرئيس الحكومة، ويصير رئيس الحكومة ملكاً متوّجاً ويصير لبنان مملكة تسكنها طوائف ويُديرها ملك تختاره مرجعية دينية.

قد يكون الرئيس الحريري قارئاً لتوازنات المعادلة المالية الراهنة ويعتقد أن بمستطاعه تمرير هذاالتعديل الدستوريّ الخطير بجعله عرفاً وسابقة، لكنه مطالَب بأن يقرأ جيداً كيف يتمّ التأسيس للحروب الأهلية، ومطالَبٌ بأن يدرك بأن حصر السلطات بيد موقع دستوري بلون طائفي واحد سبق وجرى اختباره قبل اتفاق الطائف، وأدّى إلى حرب امتدت إلى عشرين سنة، وجاء اتفاق الطائف لينتقلب لبنان إلى مرحلة توزيع الصلاحيات بين المناصب الدستورية تمهيداً للخروج من الطائفية التي يعيده الرئيس الحريري إلى صيغتها المتطرّفة في استنفار الغرائز والعصبيات المجرّبة والمختبرة لعقود. وإذا كان الوضع الاقتصادي الصعب سيحجب عن عيون اللبنانيين هذه النقلة الخطيرة في المجال السياسي والوطني، فإن ذلك لن يمنع بعد مرور وقت مناسب انفجاراً يطيح بكل شيء. ومن حق اللبنانيين على الرئيس الحريري في مثل هذه اللحظة انتظار التضحيات لا تحقيق المكاسب والأرباح السياسية والطائفية، بل من حقهم عليه أن يقول بأن اتفاق الطائف كحارس للصيغة الطائفية،قد أدى وظيفته وبات الخروج من الصيغة الطائفية واجباً ملحاً، وعندها فلن ذهب لنظام مدني ودستور جديد ينظم مؤسسات الدولة وأداءها.

فيديوات مشابهة

مقالات مشابهة

هل تعود الروحُ إلى الحريريّة السياسيّة؟

Image result for ‫المفتي دريان مع جعجع‬‎

ديسمبر 12, 2019


د. وفيق إبراهيم

الضغوط الاميركية والاوروبية على لبنان لا تعمل إلا من اجل تمكين نفوذها العام في السياسة والاقتصاد الى الاستراتيجية، لكنها تحتاج في هذا العملية الى واجهات ترفع شعارات داخلية للتمويه، فيستفيد الخارج منها مفسحاً المجال لقوى لبنانية، تصعد في السلطة الى حدود الإمساك بها.

واحدة من هذه القوى هي الحريرية السياسية التي استطاعت بدعم خارجي سياسي تشكل في 1982 من تقاطعات أميركية سعودية وسورية، من الإمساك بالدولة على قاعدة ان صاحب المعادلة هو المرحوم رفيق الحريري الذي كان يشرف على تحاصص داخلي، وعملية إنماء أديا بعد 27 عاماً الى افلاس بانهيار اقتصادي لا مثيل له منذ تأسيس لبنان الحديث في 1943.

حتى أن البلاد تقبع حالياً في قلب ازمة اقتصادية بنيوية سببها طبيعة الدولة غير المنتجة، الفساد السياسي وإنفاق مصرف لبنان المركزي وكامل الإيداعات المصرفية لديه وذلك على حاجات الطبقة السياسية وفسادها وأرباح المصارف وصولاً الى أموال التقاعد والضمان، هذا يكشف مدى عمق الانهيار وتجذّر الفساد.

إن هذه الطبقة نفسها تنتظر حالياً معونات اوروبية وغربية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بمعنى أنها تمارس لعبة الانتظار لإعادة إنتاج دورها السياسي من خلال الأموال الخارجية.

لكن الراصد لحركة التاريخ يعرف أن لا أموال أجنبية يجري توزيعها كحسنات على بلدان منهارة، بقدر ما تمثل هذه الانهيارات كمائن وفخاخاً لاعتقال بلدانها وأسرها ضمن النفوذ الاقليمي والدولي والممارسات لإحسان مشبوه له خلفياته الاستراتيجية المختبئ خلف بلاغة اللغة.

هناك اذاً حراك شعبي يطالب بإسقاط الطبقة السياسية بكاملها وعلى رأسها الحريرية السياسية، وهناك ضغط اميركي اوروبي لتشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة سعد الحريري، ما يضع هذا الحراك في مواجهة النفوذ الغربي والحريرية في آن معاً، فهل هذا يكفي؟

الواضح أن اصحاب النفوذ الخارجيين لم يجدوا في حريرية سياسية متهمة بتدمير لبنان وحريرية إدارية رعت عملية إفلاس إداراته، لم يجدوا فيها الأداة الداخلية الملائمة لإحداث انقلاب كبير يستطيع تدمير معادلة تحالفية راسخة بين التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة امل.

ولهذا أسبابه التي تبدأ بتراجع هذه الحريرية وطنياً وضمن مداها المذهبي السني، فقام الاستاذ الخارجي بنسج تقاطعات بين الحريري وحزبي القوات لجعجع والاشتراكي لجنبلاط. محركاً احزاباً صغيرة وجمعيات تعمل داخله وخارجه.

كان المطلوب إعادة ضخ عيارات جديدة من القوة في جسد حريرية متداعية الى ان توصل مهندسو إعادة إنعاشها الى ضرورة عودتها الى الإمساك بطائفتها من خلال أهم مركز ممسك بالدين والغيب في بلد مزدحم بالطوائف والمذاهب والملل.

Image result for ‫المفتي دريان مع جعجع‬‎

فكان سماحة المفتي دريان جاهزاً لإصدار حظر ديني يمنع على كل مسلم سني ان يصبح رئيساً لمجلس الوزراء باستثناء «السعد». فجاءت الفتوى لصالح احتكاره الفردي لهذا الموقع، ومنع أي قوة أخرى منافسة من طرح اي اسم آخر، وإلا فإن غضباً ربانياً قد يرسل خصمه وبسرعة البرق الى جهنم وجوارها.

Image result for ‫المفتي دريان مع جعجع‬‎

بهذه الطريق أصيبت الحريرية بورم غير صحي في الحجم، لا يرقى الى مرتبة الإنعاش، لان قوتها الظاهرة حالياً تستمد من اللعب بالسلب وليس بالإيجاب، اي باستعمال التحريض المذهبي الطائفي وليس بالإقناع السياسي الوطني.

هناك إضافات أقوى خدمت عودة الروح الى الحريرية السياسية، وتتجسّد بإصرار حزب الله وحركة أمل على إعادة تكليف السعد لتشكيل الحكومة لأسباب داخلية وخارجية، وأولها أنها تخدم تنفيس الاحتقان المذهبي والطائفي وتلبي تأييداً أميركياً أوروبياً خليجياً له لثقة هذه القوى في الولاء الغربي للحريرية منذ تأسيسها على يد المرحوم رفيق الحريري وعلاقاته الحميمة بآل سعود.

بذلك يجمع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري بين التأييد الاميركي الاوروبي والطائفة السنية وولاء حلف جنبلاط جعجع والموافقة القسرية لأمل وحزب الله إنما بشروط. فهل تكفي هذه العناصر لعودة السعد الى رئاسة الحكومة وعودة الروح الى الحريرية السياسية؟

Image result for ‫المفتي دريان مع جعجع‬‎

لقد منحت هذه العناصر قوة لسعد الحريري كي يتمسّك بحكومة تكنوقراط، مستنداً إلى معادلة خطيرة جداً وهي «إما أن أكون أنا أو لا يكون البلد» فيبدو بالمواربة أنه ملتزم سراً بإصرار أميركي على ابعاد حزب الله ووزير الخارجية باسيل، عن الحكومة مُشرعاً الابواب لحكومة متأمركة قد لا تتأخر بعد تشكيلها عن المطالبة بتجريد حزب الله من سلاحه حين تتأمن ظروف إقليمية او داخلية ملائمة لها.

ألم يفعل المطران عودة الأمر نفسه في عظته في الكنيسة بمناسبة دينية؟ متجاهلاً الأهمية الوطنية لحزب الله في مجابهة «إسرائيل» والارهاب، فلو لم يقف حزب الله في وجه إرهاب كوني مدعوم من قوى غربية وخليجية وتركية، أكان يمكن لأي مطران أو مفتٍ أن يلقي خطباً عصماء أو يرعى صلوات جامعة؟

الحريري اذاً قاب قوسين أو أدنى من تكليفه بتشكيل حكومة جديدة لا بدّ أن يراعي فيها تمثيل حزب الله والتيار الوطني الحر ولو كره الكارهون، مستفيداً من دعم أوروبي له بحكومة تكنوقراط فيها سياسيون بأعداد لا تزيد عن الأربعة وزراء بمقاسات معتدلة.

وبذلك يستفيد من إسناد مجموعة الدعم الدولي للبنان، المنعقدة في باريس التي قررت إرسال دعم اقتصادي جديد لإنقاذ لبنان من الانهيار الاقتصادي.

فهل تعود الروح الى الحريرية السياسية؟هذا ما يأمله الحريري، لكن معادلات القوة التي يمسك بها ثلاثة أطراف هي التيار الوطني الحر وحزب الله والحراك الشعبي تؤكد أن مرحلة الانتفاخات الطائفية ذاهبة الى ضمور وسط صعود للقوى الوطنية التي تقاتل كل أنواع السرطانات الداخلية في النظام الطائفي اللبناني والخارجية في «إسرائيل» والنفوذ الغربي الذي يلوح بالإنقاذ المالي لتطبيق اهداف سياسية متهالكة.

ثلاث فرضيّات حكوميّة حريريّة لا تجتمع

ديسمبر 11, 2019


ناصر قنديل

مَن يدقق في التصور الذي يطرحه رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري كمرشح وحيد لتشكيل الحكومة المقبلة سيكتشف أنه محاولة انتقائيّة لتجميع ميزات في ثلاث فرضيات حكومية يصعب الجمع بينها، ويسهل البحث عن تسوية بينها إذا توافرت نيّات عدم إطالة عمر الفراغ أملاً بتحسين الشروط، لأن في ذلك تدفيعاً للناس وليس للخصوم ثمن تحقيق مكاسب سياسية على ظهر أوجاعهم. وكما دلت الأيام التي مضت على الفراغ تبدو الأطراف الرئيسية في الكباش السياسي على درجة متساوية من الجهوزية لتحمّل نتائج الوقت القاتل، وليس الوقت الضائع، الذي تزداد كلفته على الناس كلما مر منه المزيد بلا تحقيق تقدّم نحو ولادة الحكومة العتيدة.

الفرضية الأولى التي ينطلق منها الرئيس سعد الحريري، هي فرضيّة حكومة تكنوقراط، مستقوياً بطلب الساحات لحكومة لا تضم حزبيين وسياسيين وتتشكل من تكنوقراط اختصاصيين، تحظى بثقة الشعب. وهذه الفرضية متكاملة لا يمكن أن يأخذ الرئيس الحريري ما يعجبه منها ويرمي الباقي. فالفرضيّة منبثقة من شعار “كلن يعني كلن” الذي استقال الرئيس الحريري انطلاقاً مما قاله في بيانه التوضيحي للعزوف عن تولي رئاسة الحكومة، إنه يدرك أن الشعب يطالب بالمحاسبة وإنه في طليعة الذين تجب محاسبتهم. والرد على تظهير التناقض بين السعي لحكومة تكنوقراط، والسعي لترؤسها، بالقول إن الحريري لا يمانع بأن يقوم سواه بالمهمة، مردود عليه، لأن الحريري يعلم وكل الناس تعلم، أن تعامل الحريري مع معادلة، ليس أنا بل أحد آخر، ترجم واقعياً بقرار خفي أفضى لإسقاط كل مرشح آخر وصولاً لفتوى من دار الفتوى بتسميته رئيساً وحيداً للحكومة. ومعلوم أن الحريري إن لم يكن وراء هذه الفتوى، فهو يدركها كتعبير عن فرضية ثانية تحكم تشكيل الحكومات لها علاقة بتوازن الرئاسات، التي تمثل طوائفها بمقدار ما تشكل مناصب سياسية أو مسؤوليات دستورية. وعلى الحريري أن يصارح الناس إذا كان احترام معادلة توازن الرئاسات طائفياً عاملاً محدداً وحاكماً في تسمية شخص رئيس الحكومة، بأنه ملزم بترؤس الحكومة من هذه الزاوية ولا يمكنه التخلي عن هذه المسؤولية وقبول تسمية مرشح سواه لهذا الاعتبار.

الفرضية الثانية التي ينطلق منها الرئيس الحريري هي التي ينطلق منها لتثبيت تسميته مرشحاً وحيداً لرئاسة الحكومة، وهي معادلة توازن الرئاسات التي تقول بأن يتولاها الأشد تمثيلاً في طوائفهم، ورفض مقارنة توليه رئاسة الحكومة بتولي رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل حقيبة وزارية، كرئيسين لتيارين سياسيين يمثل كل منهما أغلبية في طائفته، ويملكان تمثيل كتل نيابية كبرى. فالمعادلة التي ينطلق منها الحريري هي مقارنة توليه رئاسة الحكومة، بالتوازي مع تولي الرئيس ميشال عون لرئاسة الجمهورية والرئيس نبيه بري لرئاسة المجلس النيابي، لكن الثبات على هذا التوازن وجمعه مع صيغة حكومة تكنوقراط يسقط عندما يطلب الحريري لحكومة التكنوقراط التي يقترحها، صلاحيات استثنائية تشريعية تؤخذ من طريق المجلس النيابي، ويطلب إطلاق يده في تشكيلها واعداً بمراعاة من ترشحهم الكتل النيابية من ذوي الاختصاص، بينما توازن الرئاسات يملي عليه التسليم بتولي رئيس الجمهورية شريكه في تشكيل الحكومة بالتوقيع الإلزامي، اختيار الوزراء المسيحيين في الحكومة، فهل يرضى الحريري بترؤس حكومة تكنوقراط يسمّي رئيس الجمهورية نصف أعضائها ومن التكنوقراط، وفقاً لمبدأ المناصفة، ويسمّي رئيس مجلس النواب ربعها، ويكتفي هو بتسمية الربع الأخير منها، ولا تتخطّى توازن الرئاسات بطلب الصلاحيات؟

يبقى للحريري فرضية ثالثة، وهي التي يقول من خلالها لشركائه الذين يريد إقصاءهم عن الحكومة تلميحاً وتصريحاً، دعوني أشكل الحكومة وأقُد البلاد نحو الخلاص من خلالها، وبيدكم الغالبية النيابية تسحبون الثقة من الحكومة متى شئتم. وهذه الفرضية تنطلق دستورياً وسياسياً، من اعتبار صحيح لدور الانتخابات النيابية ونتائجها في فرض التوازنات التي تتشكّل على أساسها الحكومات. ومشكلة الحريري أنه يريد تشكيلة حكومية ينقلب من خلالها على نتائج الانتخابات، بإبعاد الأغلبية عن المشاركة، ويحتكم لنتائج الانتخابات بالاعتراف بقدرة الأغلبية على المساءلة والمحاسبة في المجلس النيابي، لكن الحريري يعلم أن البلاد لا تحتمل لعبة تبديل حكومات، ولا تحتمل الدخول في متاهات كالتي نحن فيها بعد ستة شهور أو بعد سنة وأن المطلوب حكومة برئاسته تستقر بالبلاد وتسير بها نحو التقدّم خلال السنوات الباقية من عمر عهد الرئيس ميشال عون، بروح إيجابية، وليس بعقلية التحدّي، “امنحوني الحكومة وحاسبوني”. وثمة طريق واحدة للسير بهذه الفرضية وهو أن يسعى الحريري لتشكيل أغلبية جديدة، ببرنامج متفق عليه، وتركيبة تضمن تطبيقه، متفق عليها أيضاً، وعندها يمكن القول راقبوني وحاسبوني.

 يستطيع الحريري أن يجعل الأيام الفاصلة عن الاستشارات النيابيةفرصة لاستيلاد حل عملي ومقبول، بقبول الجمع بين الصيغ الثلاث لكن بغير طريقته،التي تنتقي ما يناسبها من كل صيغة، بل بطريقة تدمج المتناسب مع الواقع والدستور من كل منها، فيصارح اللبنانيين بتمسكه برئاسة الحكومة من ضمن معادلة توازن الرئاسات، ويصارح الرئاستين المعنيتين بتفضيله استيلاد الحكومة في كنف تعاون رئاسي بدلاً من تمثيل الكتل.

وهذا يستدعي القبول برعاية رئاسية مسيحية للحصة المسيحية ورعاية رئاسية إسلامية للحصة الإسلامية، ومن التكنوقراط، وتقبّل نتائج هذه الرعايات، بما فيها ما سينتج من خيارات الرئاسة الأولى من التكنوقراط، ومن تمسك الرئاسة الثانية بتمثيل حزب الله كاستثناء خاص بالمقاومة، ابتكره الرئيس رفيق الحريري يوم دعا لاحتفاظ قناةالمنار بحق البث كقناة للمقاومة خارج معايير ترخيص سائر القنوات التلفزيونية. وللحريري أن يعرض هذاالتصور للرعايات الرئاسية على الكتل النيابية التيقد تتشكّل من بينها غالبية جديدة تواكب الحكومة الجديدة.

فيديوات مشابهة

مقالات مشابهة

 

لماذا نعارض المؤسسات غير الحكومية

 

 ابراهيم الأمين

الإثنين 9 كانون الأول2019

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

قبل مئات السنين، بدأ فلاسفة وعلماء اجتماع في أوروبا يتداولون عبارة «المجتمع المدني». اعتبرها البعض مقابلاً للحالة السائدة مجتمعياً، أي ما كان يُعرف بنظام الحكم التقليدي الذي رسّخته عائلات ومنظومات اقتصادية بمساعدة الكنيسة. لكنّ في أوروبا نفسها، عاد الجميع إلى الانقلاب على هذا التوصيف. وبدل أن يكون المجتمع المدني عاكساً للمجتمع المنظّم سياسياً، ذهب كثيرون نحو اعتباره مجتمعاً خاصاً في مواجهة الدولة ككلّ، وخصوصاً عندما شعر المنتسبون إلى المجتمع المدني بأن قوانين الدولة صارت تمثّل سلطة إكراه وقمع. لكنّ هؤلاء لم يكترثوا بكون هذا المجتمع المدني إنما يسير من دون نظام عدالة ومساواة كاملة بين أفراد الدولة، بل يغرق في حماية متطلّبات العيش كفرد، ولو ترافق ذلك مع عجز مُستدام عن معالجة مشكلاته الداخلية.

في عالمنا اليوم، وبعد صراعات جميع مفكّري القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة الدولة، يحتلّ المجتمع المدني حيزاً أساسياً من اهتمامات بلداننا. لكنّه يطبّق المفهوم الغربي نفسه، القائم على نظرية تحقيق المصالح والحاجات الفردية ولو على حساب «المجتمع – الدولة».
المنتمون إلى هذا المجتمع يخلطون بين رفضهم قوانين ما قبل الدولة التي تتحكّم بكثير من الأمور في بلادنا، وبين رفضهم القوانين المتطوّرة المفترض أن تضعها مجموعات تسعى للخروج من هذه الأعراف – القوانين. وفي صحالتنا، يصبح المجتمع المدني رفضياً لكل ما هو عام.

(محمد نهاد علم الدين)

يتحول هؤلاء إلى مجموعة مستقلّة على شكل حلقات مستقلّة، ثم على شكل أفراد مستقلّين أيضاً، تجمعهم مُعضلة الانخراط في القانون العام، لأن القانون العام عندما يقوم ويتطور، إنما يراعي ـــ تلقائياً ـــ الوضعيات الاجتماعية القائمة في البلاد. وهو العدوّ الفعلي لهذه المجموعات. وينتهي بهم الأمر، ساعين إلى خلق إطارهم الخاص الذي يرفض المشترك الذي يقوم بين من يؤلّف المجتمع ـــ الدولة في المسائل الوطنية العامة، من موضوع الدفاع عن الوطن إلى بناء السياسات والعلاقات الخارجية إلى القوانين الناظمة لشؤون الناس اليومية. أبناء هذا المجتمع المدني يريدون قانوناً يحمي فرديّتهم ويحمي حريتهم حتى ولو تعارضت مع هذه القوانين. وبهذه الحالة، لا يمكن أن يشكلوا في أي لحظة حلاً يعالج مشكلات كل الناس. وهم يربطون موقفهم من الطروحات المقابلة، بحجم تأثيرها على الحاجات والمنافع والأهواء التي تشكّل روابطهم كأفراد. وجاءت فكرة المنظمات غير الحكومية لترسّخ الفكرة القائلة بأن المجتمع المدني إنما هو حالة صراعية مع الحكومة، التي يُفترض أنها تمثل الدولة، أي تمثل المشترك الفعلي بين جميع قاطني أراضي هذه الدولة.

عندما يتصرف أفراد المجتمع المدني على أساس أن السياسة هي خصمٌ رئيسي لهم، إنما هم يفعلون ما يعتقدون أنه الأنسب للتفلّت من نتائج الفعل السياسي، أي التفلّت من رقابة القانون العام الذي يفرضه المجتمع ـــ الدولة. وبهذا المعنى، يتحول أفراد المجتمع المدني إلى خصوم فعليّين للدولة، وخصوصاً عندما يُفرطون في الدفاع عن استقلالهم الفردي ومصالحهم الخاصة.

وبذلك يمكن فهم التأصيل النظري الذي قدّمه الفلاسفة عن أن المجتمع المدني إنما هو في حقيقة الأمر واقع يقيم بين مرحلتي العائلة والدولة. فهو يقوم على مبدأ رفض قوانين العائلة، لكنّه لم يندمج بعد في معادلة قوانين الدولة. وبذلك، يصير أفراد المجتمع المدني، من حيث منظومة الإنتاج والاستهلاك، أقرب إلى البرجوازيين الذي يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة، في نقيض تامّ لطبقة المواطنين الذي هم في موقع أدنى اقتصادياً، لكنّ هاجسهم هو المصلحة المشتركة، أو ما يُعرف بالمصلحة العامة.

في حالتنا اللبنانية، ووفق تجربة ربع قرن من النضالات الشعبية، خبرنا كيفية مشاركة أفراد المجتمع المدني. وغالبية هؤلاء يمكن إدراجهم ضمن فئات، تتراوح بين متسلّق يسعى إلى المنبر بهدف الارتقاء من خلال بناء وضعية اجتماعية قابلة للتسييل على شكل أعمال وعائدات أو مناصب؛ أو مجموعة من الكوادر يجدون أنفسهم أسرى علاقات جديدة تُبعدهم أكثر عن البيئة العامة، فلا يحفظون من التجربة إلا الصور والذكريات، ثم يندمجون سريعاً في قواعد اللعبة، حيث يكون في انتظارهم جيش المنظّمات غير الحكومية؛ أو أفراد يسكنهم الإحباط ولا يُجيدون تمييز هوية المسؤول عن ذلك، فتراهم يصبّون جام غضبهم على السلطة القائمة، متجاهلين من ساروا خلفهم. أما الكتلة الأعمّ، فتعود إلى قوانينها اليومية: تمارس لعبة انفكاك القول عن قائله، بمعنى رفع نبرة الاعتراض مقابل تراجع فعلية الاحتجاج.

وصف ماركس المجتمع المدني بأنه الدولة الخاصة، أي الدولة غير السياسية. وهنا لا يعود المجتمع المدني إلا ممثلاً لكل ما هو مناقض للدولة. بهذا المعنى، يلجأ هؤلاء إلى لعبة التعميم والتجهيل، أي إنهم لا يهتمون بمحاسبة فلان أو فلان، بل هم يريدون التخلّص من خصم كبير اسمه الدولة. وبهذا المعنى، يتجنّب هؤلاء نقد المؤسسة الدينية الفاعلة جداً في حياة الناس، والمتورّطة في علاقة تخادم مع السلطة السياسية، إلا حيث تشكل عائقاً أمام حريتهم. لكنّهم لا ينظرون إليها بوصفها جزءاً من منظومة السيطرة على الحقّ العام.

والحال نفسها بالنسبة إلى النظم الأخرى، من حيث العمل النقابي، الذي يُراد له أن يكون طوعياً بالكامل، أي غير خاضع لمنظومة القوانين العامة. وهنا يمكن فهم المشكلة الأكبر في علاقة المجتمع المدني بالحق العام، من خلال عدم الاكتراث للتعليم العام، أي للتعليم المدعوم من الدولة والذي يقلّص الفوارق بين المواطنين في تأسيسهم التعليمي، بل يتجهون إلى التعليم الخاص الذي يشكل عنصر تمايز اجتماعي لهم عن بقية الناس، ما يقود إلى فكرة القوانين الخاصة التي يعتقدون أنها ممكنة. ففي بيروت، مثلاً، يمكن لطلاب وأساتذة وأطباء ومدراء ومنتجي الجامعتين الأميركية واليسوعية تشكيل مجتمع مستقلّ، له كلّ نُظمه في ما خصّ شوؤن العمل والحياة وحتى الحاجات والأهواء. وهم في هذه الحالة يريدون من الحق العام (أي الدولة) توفير ما يحصّن الحق الخاص (أي المجتمع المدني خاصّتهم). وهذا سبب كافٍ لتدرك أنه لا يمكن لهذه المجموعة أن تمثل خياراً عاماً لبقية الناس وهم الأغلبية. لأن هواجس وطموحات أغلبية المشكلين لهذا المجتمع المدني، إنما هي في الحقيقة، تمثل نقيض ما يمكن أن يكون مشتركاً في بقية العوام. وبذلك يصبح الموقف من مسائل ذات طابع وطني، متصلاً بانعكاسه على مصالحهم وأهوائهم الخاصة. هنا تصبح منظومة الفساد، ليس في احتكار العلم الجيد والطبّ الجيد والطعام الجيد والترفيه الجيد، بل في كون ريفي أتى به جَهلة إلى منصب عام، وصار يريد فرض قانون للضريبة يختلف مع مصالح هذا المجتمع المدني.

يعني، في لحظة واحدة، يصبح المجتمع المدني حليفاً طبيعياً لمجتمع الطوائف. الاثنان في حالة تناقض كلي مع المجتمع – الدولة. وبهذا، لا يبدو مستغرباً أن يذهب أفراد المجتمع المدني نحو التماهي مع ما تقوم به القوى الأكثر نفوذاً في البلاد. لنأخذ الحريرية المنهارة درساً، أو لننظر إلى حالة حزب الله الذي أسّس لنفسه مجتمعاً مستقلاً، من حيث الحاجات المشتركة لأبنائه في العلم والعمل والطبابة والسكن والثقافة والفنون والترفيه، إضافة إلى عنصر تمايز أكثر فعّالية يتعلق بجيشه الذي يقيه شرّ الانقلاب متى أراد خصومه ذلك.
بهذا المعنى، يمكن القول، بأن المخبولين فقط يعتقدون أن أغلبية الناس في لبنان تقبل السير خلف ناشطين من «المجتمع المدني« يتجمّعون في أطر تحت اسم «المنظّمات غير الحكومية». والمسألة هنا لا تعود متعلقة بمواصفات المتصدّين لدور القيادة. المسألة تتعلّق بالأهداف الفعلية لهؤلاء. حيث التناقض أشد قساوةً في طبيعة التطلّع والتطلّب عند الكتلة المَدينية عن أبناء أحياء البؤس داخل المدينة نفسها، أو أبناء الأحزمة التي صارت مدناً بحالها. وهو تناقض يتصل بكل أشكال الحياة، بما يجعل التوافق على ورقة أو إطار أو اسم، توافقاً مفترضاً كحال الثائرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

أفراد المجتمع المدني هنا، هم الذين تجمّعوا خلال عقود ما بعد الحرب الأهلية. هم أولاد جيلين: واحد تعثّر مشروعه الكبير في التغيير الشامل، وثانٍ عانى من إحباط الأهل فوجد ضالّته في خيارات فردية، تجعل القائم شيئاً مرذولاً يمكن الاستغناء عنه. احتاج هؤلاء ليس إلى علوم متقدمة فقط، بل إلى تسويق لقدرات لا تجد تاجراً لها سوى العابثين بأحوال المجتمعات المرصودة كأهداف لاستعمار جديد. والتسوية بين الطرفين تنتهي على شكل حضاري منمّق لنفس فكرة جماعات «التكفير والهجرة» التي قامت في تسعينات القرن الماضي في شمال أفريقيا. هي حالة تنشد ابتعاداً إلى حدّ الانفصال عن المجتمع – الدولة. لا تفترض بالضرورة عنفاً مؤسِّساً لاحتراب أهلي، بل تكتفي بعنف لفظي قائم على فوقية افتراضية وتسخيف الآخر، والسعي إلى بناء بيئة مستقلّة، تتطلب توحّداً في الطقوس اليومية للحياة، ولكن راضية منصاعة لمرجعية واحدة تتحكّم بكل هؤلاء، هي مصدر المال.

والعنف البديل عند هؤلاء هو العنف اللفظي الذي ينتهي عادة على شتم وأنواع من التنمّر، حتى يكاد رفع الصوت أو القبضة أن يكون فعلاً انتحارياً، يتطلب حفلاً وداعياً تُتلى فيه وصايا الاستشهاديين. وفي بال هؤلاء صورة المضربين في «وول ستريت». هكذا تعلموا فعل النضال الجذري. هكذا شاهدوه بأمّ العين، لكن على شاشات. وهذا ما تدرّبوا عليه لسنوات في ورش العمل على النضال من أجل المواطنة، كما تُقدمها مدارس الـ«أن جي اوز».

بالنسبة إلى هذا الصنف، ينحصر الأمر في معاناة تخصّهم لوحدهم. تخصّ مكان سكنهم وجامعاتهم وعملهم وسهرهم. لا تبقى في ذهنهم صور مختلفة عمّا عاشوه في منازل الأهل. كل مظاهر الاحتجاج والملل من سنوات العشرية الأولى من حياتهم، هي حكايات للتندّر فقط. هم كحال الذين انتموا إلى أحزاب عقائدية عابرة. يجمعون كل ما عاشوه مع الأهل، ويضعونه في كيس داخل صندوق أمانات على باب المكتب الحزبي. هؤلاء، يحتاجون إلى قطع نهائي مع الماضي الاجتماعي، مستعدون لفعل أي شيء من أجل ذلك. حتى ارتكاب ما تراه عائلاتهم عيباً كبيراً، إذا كان يساعدهم على الانقطاع الكلي. الترقّي بالنسبة إليهم هو فعل مظهري، يتصل بنوع الثياب وقصة الشعر والحلي، وهو يتصل بنوع الأكل والشراب وطريقة الكلام ونوعية المفردات المستخدمة، وطقوس موحّدة حيال المسرح والسينما والموسيقى والقراءة والسفر. يتحولون فجأة إلى كشافة يشبهون بعضهم البعض حتى ولو كانوا يكيلون لبعضهم السباب والشتائم. القاعدة الجديدة التي أرستها ثقافة الفرد المستقلّ كما تقول نظرية المنظمات غير الحكومية، هي التي تجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات إزاء الرجل الأبيض. درجة من الإعجاب الأخّاذ، لكن من دون نقاش جدي أو اعتراض فعلي. وإلا تم حرمانهم من كل شيء: العمل والراتب والعلاقات، وهذا يعني تلقائياً تهديدهم بإعادتهم إلى بيوت الأهل. وإلى الأحياء الحقيقية التي لا يريدون البقاء فيها.

اللّاطائفية التي تتّسم بها مجموعات هؤلاء ليست مسألة عميقة الجذور ثقافياً. اللّاطائفية، هنا، شكل من المساواة فرضتها آليات المموّل الذي لا يهتم لغير الولاء. لكن البديل عن الطائفية كشكل من أشكال التمييز في بلادنا، هو الطبقية بشكلها الجديد. الطبقية التي تجعل الساعي إلى الانتماء إلى هذه الفئة متحفّزاً لإثبات أنه غادر موقعه السابق، ومستعد للقيام بكل ما يجعله يحظى بالعضوية الجديدة، ولفعل أي شيء أثناء صعوده درجات سلّم هذا العالم، ويتّسم بانتهازية دفينة تجعله مستعداً كل لحظة للانشقاق والتحول نحو منظمة أخرى متى جاءت الفرصة الأفضل مكانة ومرتباً ونفوذاً. والمموّل لا يهتم لكل هذا السباق وكل هذا الصراع. ما يهمه هو الحفاظ على مرجعيته الأساسية التي تتحكم عملياً بحياة عشرات الآلاف من الشباب في بلدان متعبة. والتحكم هنا، من أجل تحويلهم إلى جنود في معركة السيطرة على الأنظمة والثروات. وعلى طريقة الديمقراطية الأميركية، سيكون للمنضوين في جيش هذه المنظمات، الحق، كل الحق، في قول ما يريدون. لا يهم رفع السقف والصوت، لكن، دون تجاوز الخط الأحمر.

أفراد المجتمع المدني أقرب إلى البرجوازيين الذين يهتمون عملياً بمصالحهم الخاصة في نقيض لطبقة المواطنين الذين هم في موقع أدنى اقتصادياً وهاجسهم هو المصلحة المشتركة

قسم غير قليل من هؤلاء، عاشوا في ظل عائلات عانت الأمرّين لتوفير أفضل العلوم للأبناء. وباعت أرزاقاً توارثتها جيلاً بعد جيل من أجل تحسين نمط العيش، وتخلّت عن الكثير من أحلامها من أجل زرع الأمل بغد أفضل في قلوب وعقول الأبناء. وهي عائلات تحدّت أيضاً قوانين «العائلة» و«الطائفة» و«المجتمع – السلطة» من أجل تحقيق ذلك. وهي فعلت ذلك، بصورة فردية، في ظل غياب مجتمع متماسك، وفي ظل غياب دولة طبيعية. وفي ظل غياب قوانين ناظمة للحياة. أما الأبناء، الذين نراهم اليوم في الساحات متصدّين لقيادة الثورة المجيدة، فقد سمعوا وحفظوا الكثير عن حياة القهر. وحملوا الحقد على مرجعيات وإقطاع أذاق البلاد الأمرّين ولم يزل. وسكنتهم الضغينة إزاء غياب العدالة في توزيع الفرص والثروة على الناس. لكنّ هؤلاء، تربوا على أن البديل عن التغيير العام الذي لا يحصل من دون حركات سياسية متكاملة، هو التغيير الفردي. ولذلك، نشط هؤلاء من دون هوادة لتغيير جذري في حياتهم كأفراد. أسقطوا توالياً كل أشكال التضامن الاجتماعي والأهلي. ثم أعلنوا كفرهم بكل تشكيل سياسي أو اجتماعي عابر للقضايا والمناطق والطوائف. وقرروا الاغتراب فكرياً وسلوكياً وحياتياً. وهم في حالة غربة حقيقية.

والتنافس القائم بينهم لا يتصل فقط باسترضاء المموّلين. بل يقوم على فكرة النشاط المفرط في سبيل إثبات القدرة على التأثير أكثر في الشارع. وعلى قدرة تقديم المختلف، لا يهم كيف يتم الأمر. المهم الحفاظ على مصادر التمويل جارية من دون توقف. وفي هذه الحالة، تختفي الشفافية الحقيقية، وتحل مكانها عبارة تُذيّل بها أوراق ومواقع عمل هؤلاء، تحت اسم «الممولون». أما كيف تجري عملية الانتساب، فهذا شأن خاص. لك أن تتعرف إليه فقط، في حالة قررت الانتساب إلى هذا النادي. وهناك تتعلم ألاعيب تُذكرك بسماسرة الإدارات الرسمية في الدولة. كيف تختار النموذج الأفضل لكتابة الفكرة، ثم من تستشير للحصول على خبرة في شرح الفوائد. ومن ثم تستعين بصديق لكي يكون منتجك مطابقاً للمواصفات، ثم تبدأ رحلة الاستجداء والاستعطاء. فترسل مشروعك إلى مئات العناوين، وتتصرف بانتهازية غير مسبوقة في التواصل مع كل من يخدم غرضك. ومتى حصلت على الموافقة الأولى، تستعد لتعلم كل متطلبات النجاح في المقابلة المباشرة. ولا بأس هنا، من الاستفادة من خبرات السابقين في كيفية وضع الموازنات وفتح الحسابات وتوظيف الناس وإعداد قوائم الدفع للمشاركين في هذا المشروع أو ذاك. لكن، لا يحصل ابداً، أن يسأل هؤلاء عن المنفعة العامة لما يقومون به. ومع الوقت، يصبح الواحد منهم، أسير موقعه الجديد. يتعرّف شيئاً فشيئاً إلى ماهية الأمر. ويعرف أكثر طبيعة المقاصد. لكنه، يسير في قطيع أعمى، ويقف مثل عمال عصور العبودية، في طابور طويل، ينتظر من ينقطه بضعة دنانير مع نظرة فوقية تذكره بأنه لن يكون يوماً على شاكلة الرجل الأبيض.

هل تذكرون ماذا فعل رفيق الحريري بجيل كامل؟ جرّه من إحباطه إلى العمل في خدمة مشروع لا أسس ثابتة له. أيقظ طائفية ومذهبية مقيتتيْن في عقول وقلوب من خبر التفلّت من قيود القبيلة. وجعله يتلو فعل الندامة ليلَ نهارَ. جعل مثقفين يتفنّنون في تأصيل مشهد الكرم والسخاء على أنه فعل إنساني خالص. وجعل جيشاً من الأتباع فريسة نظام حياة إن تخلوا عنه ماتوا غيظاً، فصارت السيارة والبيت والثياب والمطاعم والسفر أساس أي موقف من أي قضية. وما إن فرط المشروع بشحطة قلم، حتى سكن الإحباط هؤلاء. والآن نراهم في الساحات، مثل العاطلين عن عمل، لكنهم يريدون قيادة الناس نحو تغيير شامل، من دون الإشارة إلى مصدر القهر. وكلهم يستغلّون خوف اللبنانيين من كتابة تاريخ كلّه دماء وقمع وكذب، لكنهم يتوافقون على حيلة أهل هذه البلاد، بأنهم شعب اصطفاه الخالق من دون الآخرين، منبعاً للحرية والتقدم!

هؤلاء، هم أنفسهم الذين يتصرفون بثقة مُفرطة، على أنهم قادة التغيير في البلاد. وأي بلاد؟ بلاد نهشتها قوانين وسياسات عامة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقبلية على مدى قرنين على الأقل، ويعتقدون أن تطبيقاً ذكياً جُرب في مكان ما في هذا العالم، سيكون كافياً لسحق منظومة تتجذّر في الأرض وتحتاج إلى جيوش لقلعها. ويعتقدون أن طقوساً بلهاء، تحت عنوان التعايش والحب والعلم الوطني، كافية لإعادة إنتاج شعب مختلف. ومع ذلك، تراهم يختارون بوعي أو من دونه، الساحات نفسها التي ترمز إلى الحرب الأهلية مكاناً للتجمعات، ويسيرون في شوارع سُميت بخطوط التماس بين المتقاتلين، كأنهم يشعرون في دواخلهم بأن الحرب لم تنته بعد.

هل سمع أحد بتظاهرة في الدكوانة أو فرن الشباك أو حارة حريك أو الطريق الجديدة؟ هل تجمّع الناس في وسط المتن أو في جرد كسروان؟ هل سار هؤلاء في شوارع فنيدق أو تكريت أو قصدوا أحياء شحيم الضيقة، أو جرّبوا التنقل بين أزقة باب التبانة أو أحياء جبل محسن؟ هل قصدوا البلدة القديمة في صيدا أو غابة اللحم البشري في الأوزاعي أو حي السلم، أو تعرفوا إلى أحياء عالية الداخلية أو ما الذي يجري خلف الجدران في بعقلين وكفرحيم أو كيف يحل الصمت عند كل غروب، كأن الحياة انتهت في عماطور وبقعاتا ونيحا الشوف بينما يسترق الفتية صوت السمر والسهر يأتي خفيفاً من قصر الزعيم؟

هل جرّب أحدهم الدخول في قلب بلدة مجدل عنجر، أو حي الطمليس وحارات عين الرمانة وقرى إهمج وجاج ولاسا في جرد جبيل؟ هل يعرف هؤلاء ماذا ترتدي النسوة في قرى بشري ودير الأحمر وأعالي القبيات، وهنّ يشجعن الفتيات على الدرس عسى يكبرن ويتاح لهن التشبه بثياب الزعيمة عارضة الأزياء؟

لم يفعلوا، ولن يفعلوا، هم يتصرفون كما يفترض بهم التصرف على طبيعتهم، يذهبون نحو الساحات التي ينظرون إليها باعتبارها مركز النظام. يعتقدون أنهم في حال احتلوا حيزاً فيها، صاروا جزءاً من النظام. أو صار بمقدورهم التصرف على أساس أنهم هم النظام. برغم أنهم يعرفون أن أصل النظام موجود في الأحياء البعيدة وفي المناطق والأرياف. هناك يجري حشد الناس والأصوات. ومن هناك يأتي الموظفون والجنود والمتعبون. فتية المجتمع المدني، يرون في ساحات وشوارع المدينة الرئيسية أمكنة الحياة. وهم لا يهتمون بغير المركز. ويفترضون على طريقة الانقلابيين، أن من يحتل المركز يسيطر على البلاد.

ينسون أين كانوا هم قبل جيل. وعلاقتهم بالمهمّشين، تتحول مع الوقت إلى علاقة قائمة على أساس التفوق في كل شيء، العلم والمعرفة والسلوك والذوق وحتى الإحساس. وعندما يبنون ريفهم في المناطق البعيدة، لا يجيدون بناء علاقة مع أهل الأرض. بالنسبة إليهم، الفقراء بحاجة إلى دعم. لكن على طريقة العمل الخيري، صاروا مثل الأثرياء الجدد، يتنافسون على طريقة الإحسان إلى الفقراء. لا يعرفون عملاً من دون استعراض. حتى القبلة على خدّ طفل تنتظر وصول الكاميرا. والكاميرا هنا، لم تعد وسيلة الإعلام – الإعلان التقليدية. بل صارت كل الفضاء المفتوح عبر مواقع التواصل الاجتماعي. والإصلاح عندهم، يقتصر على حملة لمنع التنمّر, أو تعلم وضع حزام الأمان والتوقف عند إشارة السير، أ التدرب على فرز النفايات في المنزل والحي، أو لنذهب في رحلة إلى ذاك الجبل، لكن بعد أن نشتري العدّة كما شاهدناها في فيلم المتسلّق المحبوب. أما البحر، فيصعب أن يكون مكاناً للاختلاط مع العاديين. نرفض كل شيء عام. نرفض حتى الفنادق الكبرى، لكن تعالوا نفرض نموذجاً عن الفنادق الخاصة، من تلك البيوت التي هجرها أهلها، بموت أو تشرّد أو حتى إبعاد من الأولاد، لتحويلها إلى بيوت سياحية تستقبل الزوار الآتين من المدينة مع ابتسامات ودهشة.

هكذا هي حياة هؤلاء. الأفراد أو المجموعات المشكّلة لمجتمع واحد ولو بوجهين، هما مجتمع المنظمات غير الحكومية، ومجتمع الطوائف. يتصرف هؤلاء على أنهم البديل الفعلي لإدارة الدولة. حفظوا مقرّرات من مناهج بعيدة. درسوا تطبيقات على أمكنة وشعوب لا تنطبق بالضرورة على ناسنا هنا، لكنهم قرروا أنها الأنسب لنا. ويعتقدون أن بمقدورهم التسلط على الناس المتعبين، وقيادتهم في حراك أو انتفاضة أو ثورة لتغيير يدّعون أنه شامل. هؤلاء ليسوا، مع الأسف، مؤهّلين لنضال عام يقود نحو دولة متكاملة متماسكة، لها قوانينها المدنية أي المضادّة لقوانين الطوائف، ولديها سياساتها غير المحايدة إزاء ما يجري من حولنا في السياسة والأمن والاقتصاد والاستراتيجيا. هؤلاء مجموعة من الانتهازيين، تلفّهم السذاجة عندما ينظرون إلى أنفسهم في المرآة، على طريقة أفلام الكرتون، التي تجعل الفأر فيلاً، وهم مجموعة من المتكسّبين، يعانون من مرض عُضال لا يقلّ خطراً عن مرض الحاكمين باسم الله والطائفة والمنطقة والعائلة!

الوقوع في الفِخّ

ديسمبر 7, 2019

د. عماد عكوش 

عندما بدأ الحراك في 17 تشرين الأول، تأمّلنا خيراً في تحقيق الإصلاح السياسي، والاقتصادي، وكان مفترضاً أن يلاقي الحراك السياسيين الذين يحملون لواء محاربة الفساد ليكونوا سنداً داعماً ضاغطاً لتحقيق هذه الإصلاحات، وكان يمكن ان يحدث هذا التعاون تغييراً جذرياً في السياسة والاقتصاد. ولا زلنا نأمل هذا التعاون علنا نستطيع ان نحدث تغييراً في الواقع الطائفي الحالي.

في بداية الحراك نزلت الناس وبشكل عفوي تطالب بمحاسبة الفاسدين وإعادة المال المنهوب، لكن هل يمكن تحقيق ذلك بالشعارات فقط أم نحن بحاجة الى من يقدّم قوانين في هذا المضمار، وبالتالي بحاجة الى نواب نظيفي الكفّ يقفون الى جانب هذا الحراك؟

لقد كانت هذه البداية مخيفة للولايات المتحدة الأميركية لكون معظم المتهمين بالفساد هم حلفاء لها، لذلك لجأت الى زرع مجموعات منظمة ضمن الحراك تنادي بشعار “كلن يعني كلن” حتى تضمن عدم قيادة هذا الحراك أو على الأقل دخول الحزب بكل ثقله في هذا الحراك.

نعم لقد استطاعت هذه المجموعة إخراج كل الأحزاب حتى مَن لا يوجد لديه أي ملف فساد، وبالتالي أخرجتها من إمكانية الاستفادة منها في عملية الإصلاح عبر رفع شعار “كلن يعني كلن”. وكانت هذه الشعارات مقصودة ومقصود من ورائها إخراج هذه الأحزاب، لأن دخول هذه الأحزاب ضمن المنظومة الحركية للثوار كان يمكن أن يضاعف من شعبية هذه الأحزاب؛ وبالتالي فإن المقصود من وراء خروج هذا الحراك عبر مجموعات منظمة بهذه الشعارات لن يحقق الهدف الأساسي منها وهو إضعاف قوى الإصلاح والسيادة.

كما وقعت أيضاً هذه الأحزاب الإصلاحية في الفخ الذي نصبه لها هذا الجزء من الحراك، بحيث أصبحت في الجانب الآخر من الضفة، وبدأت تدافع بها عن نفسها تجاه من يتهمها بالشراكة مع الفساد، وبالتالي أصبحت أسيرة هذا الدفاع، ولم تعد تتمكن من الوقوف الى جانب هذا الحراك أو الاستفادة منه لفرض محاربة الفساد ولفرض الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلد.

كما فرضت في المقابل الولايات المتحدة على الأحزاب الحليفة أن تخرج من الحكومة فكانت استقالة الرئيس سعد الحريري واستقالة وزراء القوات والضغط لاستقالة وزراء الاشتراكي. كما فرضوا على هذه الأحزاب ان تدخل بطريقة او بأخرى في هذا الحراك مع القيام ببعض الخطوات الاستفزازية والتي طالت الحزب وبيئته حتى تستدرجه هو وبيئته الى الشارع، وبالتالي حصول صدام على الأرض يبرر تدخلاً أممياً أو دولياً.

لقد استطاع مَن رسم هذا الفخّ أن يوقع بين الناس العفوية التي نزلت الى الشارع بكل عفوية وبين الأحزاب الإصلاحية والتي تبنت قوانين إصلاحية كثيرة ولازلنا نأمل أن يتم، لكن بالتأكيد هذا الأمر أصبح صعباً جداً، لكن هل يمكن إنجاز توافق أو تسوية معينة بين هذا الحراك وهذه الأحزاب مع تشكيل الحكومة الجديدة، أم أن هذا التوافق غير مقبول لا اليوم ولا في الغد؟

مواضيع متعلقة

Quo Vadis, Lebanon?

Global Research, December 03, 2019

Good bye, Lebanon, metaphorically and truly.

Good bye to a country which, many believe, actually has already ceased to exist.

For five long years I have been commuting between the Asia Pacific and the Middle East.And Beirut, for all that time, was one of my homes.

I arrived in Beirut when the situation in the region was beginning to be unbearable; when destabilized, tortured Syria commenced losing its children in large numbers. They were forced to leave their homeland, heading for Beirut and the Beqaa Valley, and in fact, to all parts of the world. I arrived when Syrian refugees were freezing to death, exploited and brutalized in ancient, godforsaken villages lost in the deep, lawless Lebanese valleys.

I was not supposed to write about it, but I did. I was not supposed to see what I saw. It was the UN’s shame, a well-hidden and well covered one, obscured by technical jargon. Refugees were not called refugees, and camps were not really officially registered as camps. What you had clearly seen with your own eyes, you were told, was actually totally something else. But it wasn’t. Eyes hardly lie.

Lebanon’s mirages, sandcastles and myths. If you live here, they surround you, suffocate you, choke you, all the time.

I arrived when the Palestinians began rebelling inside the horrific camps; hopeless, monstrous places where tens of thousands of human beings have been forced to live, for decades, without help, with hardly any rights.

And I left when the country collapsed. When the gap between the haves and have nots reached such enormous proportions, that it often began to appear that there were actually two different countries, even universes, on the same tiny geographical territory that is called Lebanon.

*

But before I left, there was an uprising.

Of course, periodically, there are rebellions here, which are misleadingly called “revolutions”. The“revolution” of 2005, of 2015, and now again, in 2019.

I worked in the center of Beirut, in the squares packed with the protesters. I tried to understand, to analyze, to find context.

And what did I witness? Huge clenched fists, those of the Serbian “Otpor”, a CIA-Serbian (extreme right-wing) ‘organization’, which forced the government of Slobodan Milosevic out of power, and which later infiltrated and destroyed genuine revolts all over the Middle East; revolts cynically called by the Western mass media – “Arab Spring”.

I actually saw many signs of Otpor, a sister group of Canvas, and when I asked protesters in Beirut whether they knew what these organizations represented, they replied that “no”, they didn’t but “they’d definitely ask their designers”.

There was a lot of waving of flags, plenty of singing, and even dancing. Rebellion Lebanese-style. One big party. Smiles, laughter, even when things get desperate.

Protesters have many grievances, and they are willing to discuss them, openly: corruption, hardship, almost non-existent social services, and hardly any future.

But do not look for any signs of ideology here, in 2019: this is not a communist, or even a socialist, rebellion, although historically, Lebanon has vibrant socialist and communist movements, both of them.

One thing is certain: protesters “do not like ‘elites’”, but you will search in vain for slogans denouncing capitalism; something that is so common in Chile and of course, in Bolivia (but not in Hong Kong, where the riots are clearly backed by the West and by some local ‘elites’).

Protesters do not like electricity blackouts, water shortages, filth accumulated everywhere because of the failed garbage collection and recycling. The protesters hate the high prices, and traffic jams.

But what do they want, really?

*

They want a “better Lebanon”. But what is that?

A Lebanon free of racism, for instance? No, I never saw any signs denouncing racism.

When I first began living here, I was horrified by the bigotry of the locals.

A driver working for one of the UN agencies, did not even try to hide his ‘beliefs’:

“The Turkish nation has improved. In the past, they only screwed Asian women, and as a result, they all looked like dogs. After they conquered the Balkans, and began screwing European women, their stock got better.” 

Arriving at Rafik Hariri International Airport, I often saw humiliated Philippine, Ethiopian, or Kenyan women, locked in crowded rooms, guarded by Lebanese security forces. They looked like slaves, treated like meat. Unhurriedly, their “owners” would come to fetch them, signing release papers, leading them away.

The abuse of domestic workers in Lebanon is horrific; torture, rape and death are common. Foreign workers are regularly committing suicide. While there is hardly any legal protection for them.

Is this going to change? Are protesters demanding a “better Lebanon” which would once and for all finish with this sort of discrimination?Again, I have never heard about such demands.

And what has been sustaining Lebanon, financially, for decades?

All over West Africa, unscrupulous, racist and brutal Lebanese businesspeople have been exploiting local folks, while plundering natural resources. The things that I heard in Ivory Coast, would shock even the most hardened readers. But are there any slogans in Beirut demanding theplunder of West Africa stop?

Another fabled source of income are the narcotics, grown and processed in the Beqaa Valley. If it were to be marijuana, who cares? But Lebanon is producing heroin and cocaine, but above all, so-called “combat drugs”, including Captagon, which is used on the battlefields of Syria and Yemen. Captagonis regularly smuggled out of the country by the Saudis, and used in jihadi operations, as I have reported.

Is this going to end? Are Lebanese protesters demanding a “better Lebanon” without drugs that are helping to kill and torture tens of thousands of innocent people, all over the region?

What are the other sources of income here? Banking, of course. Banks that operate all over the Middle East, and the Gulf.

And, of course, “foreign aid”. Aid which is supposed to “help the immigrants”, as well as the poor Lebanese who are “suffering from the waves of refugees”, arrivingfrom countries destabilized by the West. These funds regularly disappear, fully or partially”,into the deep pockets of the Lebanese elites, who make sure to generate profits no matter what: when the refugees keep arriving, and even when they leave.

Before I departed, I spent one week wandering all around Beirut, day and night, searching foranswers, looking for signs that the protesters were really determined to change the country. Not just for themselves, but for everyone in Lebanon, and for the entire Arab world.

I encountered too many abstract slogans, most of them of Western origin. Not even a trace of Syrian Pan-Arabism. Nothing that would even remotely resemble internationalism. This was clearly a “European-style” rebellion.

*

As always, the Lebanese security forces were intimidating me and many others.

Coming to Martyr’s Square, at night, I only pointed the lens of my camera in the direction of a group of lazy, cynical looking soldiers, and it propelled them immediately into action. They tried to force me to delete the images, to apologize. I did not budge. I had no problem photographing police in Hong Kong, or in Paris, Chile or other places. And I have had enough, after 5 years here, of these inept and arrogant brutes.

But here, the armed forces are “unique”; not much is expected from them. It is Hezbollah which comes to the rescue of Lebanon whenever it is attacked by Israel. Hezbollah fighters are well trained, and they are disciplined. While the Lebanese army (and its various “forces”) is manned by those who cannot find a decent job. If it protects somebody or something, it is the Lebanese regime, sustained by the West and Saudi Arabia.

I refused to hand over my phones and cameras to them.

Arrest me,” I offered, extending both my hands.

They did not. It would be too much effort, and paperwork.

Later, the protesters hugged me:

“It is great that you did not surrender your material to them. You see, if it was us, the Lebanese, they would beat us up, and smash our cameras.” 

A lady protester added:

“You never know what they are hiding, but they are hiding something, always. Perhaps they did not want the world to see how lazy they are. They stand here, in clusters, doing nothing, chatting. Then, when they get tired of doing nothing, they mobilize and attack us. They are unpredictable.”

A couple of months ago, during the short conflict between Israel and Lebanon (Israeli drone attack and Hezbollah retaliation), I managed to drive to the border, as I had on several previous occasions.

Almost the entire defense of Lebanon has been resting on the shoulders of Hezbollah, with UNIFIL (United Nations Interim Force in Lebanon) troops, consisting of Indonesian, South Korean, Italian, Ghanaian and others forces, patrolling the frontier in armored vehicles, and providing mostly psychological deterrence from the large fortified bases, including the one at Naqoura.

Lebanese armed forces have very little ability to defend their country. That includes the Lebanese Air Force, which mainly counts on things that could be described as toy airplanes, with converted Cessna models.

Now, theLebanese army and police are facing and confronting their own people, protecting the regime in Beirut, as well as foreign, mainly Western and Saudi, interests.

*

But back to the main question which is, surprisingly, very rarely asked by the Western mass media outlets: “What do Lebanese people really want? What is the goal of the uprising?”

Rebellion began on October 17, against proposed tax on WhatsApp calls. It soon turned into call for resignation of the entire government; call for total overhaul of the Lebanese system. Prime Minister, Saad Hariri, resigned. Others stayed, but country has been paralyzed for weeks.

Some Lebanese call what is happening on the streets of Beirut, Tripoli and other cities, an “October Revolution”, but in reality, this uprising has very little to do with the iconic Russian Bolshevik Revolution of 1917.

However, one positive thing is that many Lebanese people are now calling for direct democracy, and for a people’s parliament.

Alessandra Bajec recently wrote for The New Arab newspaper:

“Protests and strikes are not the only nationwide thing dominating Lebanon. Open discussions held by groups of citizens is the latest phenomenon happening on the streets of Lebanon. 

A series of open discussions led by a variety of groups of citizens are held daily around Lebanon helping to feed the hearts and minds of the revolutionary movement since the start of the country’s so-called “October Revolution”. 

I witnessed those gatherings in Beirut. It is an impressive idea, in a way far more advanced than what has been observed in Europe, during the recent protests in France and elsewhere.

It is clear that Lebanese rebels have had enough of the sectarian politics, of savage capitalism (although, this is not being pronounced as such), and of the endemic corruption.

For decades, after the devastating Lebanese Civil War (1975-1990), thecountry remained bitterly divided. Again, it is actually something that is not supposed to be discussed, even mentioned, but allegiances in this nation of (officially) 4.4 million, have been commonly pledged toreligious leaders and movements, and not to the state.

David Morrison wrote in Labor & Trade Union Review:

“Lebanon’s political system has a uniquely confessional character, which has its origin in the National Pact of 1943.  Under this unwritten Pact, the President of the Republic must be a Christian, the Prime Minister a Sunni Muslim and the President (Speaker) of the Parliament a Shiite Muslim. 

What is more, 50% of the 128 seats in the Parliament are allocated to Christians, and 50% to Muslims, and these allocations are further sub-divided for Christian and Muslim sects.  In total, seats are allocated to each of 18 sects.  Nationally, the 64 Christian seats are allocated as follows: Maronite 34, Greek Orthodox 14, Greek Catholic 8, Armenian Orthodox 5, Armenian Catholic 1, Protestant 1 and Others 1; and the 64 Muslim seats are allocated as follows: Sunni 27, Shiite 27, Druze 8 and Alawite 2. 

So, in total Christians have 50% of the seats, and the Sunni and Shiite communities just over 20% each. 

There was no provision in the National Pact for altering these allocations to reflect demographic changes.  And there is still none today.  These allocations may have corresponded to the proportion of each sect in the electorate at one time, but they certainly don’t today.  But it’s impossible to say with any precision what they should be, since there hasn’t been a national census since 1932.  This is a very sensitive issue within Lebanon, an issue that has the potential to trigger civil conflict.” 

Naturally, this sclerotic and stale system of secretive divides and coalitions, led to outrageous corruption. Religious and family clans managed to amass tremendous wealth, while enjoying almost absolute impunity.

Discussing sensitive political issues with various Lebanese protesters and activists in 2015 (“You Stink” movement), as well as during the recent uprising of 2019, I came to the clear understanding that most of the educated protesters (and Lebanon is without any doubt one of the most educated nations in the Arab world), have been totally rejecting the sectarian system. In fact, they were thoroughly disgusted with it.

As early as in 2015, one of the main demands was to “unite Lebanon”; to make sure that it gets governed by people elected based on their virtues and excellence, instead of religious beliefs.

Particularly young people have had enough of those escapes to Cyprus (in order to get married), if a couple belonged to two different religions, or if one or both individuals had no religion at all. They were revolted by the fact that their child could no be registered in their own country, if there was no official Lebanese marriage certificate.

And most of the people I spoke to, understood that the shocking lack of transparency on which the Lebanese regime has been thriving, only serves those very few extremely rich individuals and families. The economy of the country is shattered, debt is at 150% GDP, basically unserviceable, and the divide between the rich and poor, monstrous. For millions, leaving the country became the only option. But luxury marinas are full of lavish yachts, while Maserati sport cars and Range Rover SUVs are parked all over the capital, in front of luxury restaurants and bars.

The Lebanese revolutionaries are organizing open discussions, but that is not all – they want a totally new political system.

The problem is, they are not sure, which one.

But, they are certain that by holding open forums and public meetings,they will, eventually, find out what precisely it is they want.

Alessandra Bajec continues witha description of direct-democracy groups:

Rachad Samaha, a social activist and core member of the free discussions group adds, “We were talking among ourselves about how we could be more involved in the revolution… not just by joining protests, but through helping to bring people together to discuss issues that we are all fighting against. We can then reach some common ground.” 

Centering such group discussions over the need to change the current political system, and put an end to sectarianism, and possible ways to fix the country’s rapidly declining economy has been the leading drive for prompting exchanges of views between people from within the largest protest movement. 

The major matters of national concern voiced by citizens taking part in the talks include the accelerating economic crisis, the embezzlement of public funds, the decades-long ruling political elites who are being held responsible for the deepening crisis, and the confessional system, where power is divided among sects and has created patronage networks and clientelism at the detriment of the population.” 

All this is true. But this is Lebanon, the Middle East, where nothing is really simple.

Here, the West has a tremendous influence, and so do the best allies of Washington in the region, the Saudis. All this money ‘wasted’, all that eye-closing, simply ought to have guaranteed certain allegiances.

Under the surface, the West, Israel and Saudi Arabia are all after Iran, and Iran is allied with Hezbollah, and Hezbollah is the only true and powerful social force in Lebanon, where almost everything public has been already privatized, or stolen, or both.

Hezbollah is also the only true protection that Lebanon has, against Israel. While the West does not want anyone to be protected against Israel.

Predictably, Hezbollah is on the “terrorist list” of the United States, and on the lists of several of its allies.

Hezbollah had a strategic alliance with the previous government of Hariri, who resigned several weeks ago (and Hezbollah was warning against pushing for the collapse of the government, and even tried to clear the roadblocks erected by the protesters).

Now, what will really happen if the protesters win? Who will be benefiting? What if the old regime collapses; what if there is no more Hezbollah, and no more protection against the “Southern Neighbor”?

*

What kind of Lebanon can replace this present, terribly inefficient, even brutal and corrupt state?

If you are in Achrafieh neighborhood, the richest place in Lebanon, where the old Christian money resides, you would be told, by many, things that you would most likely not want to hear.

You’d be “explained” that Lebanon was supposed to be a Christian country, that the French created it as the only Christian state in the Middle East. You would hear Palestinians being insulted, horribly, and you would see posters of extreme-right-wing political leaders.

Once, there, I had a haircut, and an old barber parted with me, by raising his right hand into the air, and shouting: “Heil Hitler!” (After that, I quickly switched to a Syrian barber).

A neighbor once told me:

“French imperialism? Oh, but we would love to have the French back! That would be brilliant, to be colonized by them, again, no?” 

It was not a joke. He meant it. Each and every word, that he uttered.

These things are not supposed to be written about, at least not in the mainstream press. But this is not the mainstream press, and I believe that without understanding these nuances, it is impossible to understand Lebanon, and what could happen if the revolution wins.

Who is singing and dancing at the center of Beirut? Who is demanding for the resignation of the entire regime? Are these mainly Christians or Muslims? I am not sure. Judging by the number of headscarves, most likely, the majority are not Muslim. But again, I am not sure. This is not a question that one can present, to the protesters.

This is definitely not a revolution that would advance the interests of the Muslim-socialist Iran. And the same could be said about what is going on, simultaneously, in Iraq.

Can Western-backed “secularism” convert Lebanon into a Western outpost in the Middle East? Could it further hurt, even damage, Syria? Theoretically, yes. Could it hurt the interests of non-Western, anti-imperialist countries like Russia and China? Most definitely.

Is that what is happening? Could this be another shade of the “Color Revolutions”, or a continuation of the so-called Arab Spring?

No one can answer these questions, yet. But the situation has to be monitored, extremely carefully. Given the history of Lebanon, given its position in the world, its political and economic orientation, as well as education, the country can go either way. Given the choice, people could opt for a socialist state, or of returning to the Western colonial realm.

The West is doing all it can to bring Lebanon into its orbit. The clenched fists of Otpor are clear proof and warning of it. It is a well documented fact, that Canvashas been operating here at least since 2005.

 

*

Leaving Beirut, at the gate, I was once again stopped by anofficer of the security forces. He was rude. They always search for Israeli stamps or for exit stamps, or something, in the passports. And I had enough of him. Here, at Rafik Hariri, I saw them, for years, humiliating Ethiopian women, crushing Syrians, while treating like gods, white visitors from Europe and the United States.

“Why not fight Israelis, instead of women and children?” I suggested to him, grinning.

And all hell broke loose. And they dragged me away from the gate. And the giant Boeing 777-300 had to wait, as Air France refused to back down and download my luggage and leave me behind.

They called some generals back in Beirut. They were jumping around, shouting something, bluffing. I couldn’t care one single bit. My work here was finished. In Paris, I had nine days to kill, writing, before departing for South America. Waiting there, or in some filthy jail in Lebanon, made very little difference to me. I would have liked to be in Damascus, but my visa had already expired. So, I just waited.

In the end, they let me go. Prisoners who are not scared, are not fun to hold.

The airplane maneuvered towards the runway, then the engines roared, and we took off. Halas.

My memory cards are holding hours of footage from all corners of Lebanon. I was not sure what will I do with it.

Above all, I was not sure what the Lebanese will do with their own country.

A giant clenched fist was stickingout from the Martyr’s Square. Was this a foreign implant, a well-planned sabotage, or a genuine symbol of resistance?

On Independence Day, the fist was burned down, destroyed. Vandals!, screamed foreign media. I am not sure: this is extremely complex country.

The country was collapsing. Perhaps it has already collapsed. People were talking, shouting, singing. Some were living in dire misery. Others were driving Ferraris and torturing imported maids.

The country has been desperately trying to go forward. But forward could mean many, many different directions. In Lebanon, for each person, for each group: forward is towards somewhere else!

*

Note to readers: please click the share buttons above or below. Forward this article to your email lists. Crosspost on your blog site, internet forums. etc.

Andre Vltchek

Andre Vltchek is philosopher, novelist, filmmaker and investigative journalist. He’s a creator of Vltchek’s World in Word and Images, and a writer that penned a number of books, including China and Ecological Civilization. He writes especially for the online magazine “New Eastern Outlook” where this article was originally published.

All images in this article are from the author

سلامة شريك كارتيل النفط جنبلاط والبساتنة وشمّاس ويمّين وتوتال يبتزّون الناس

ابراهيم الأمين

السبت 30 تشرين الثاني 2019

لم يكتفِ رياض سلامة بكل ما فعله خلال ربع قرن من سياسات نقدية ومالية أفقرت الشعب اللبناني. ولم يقبل التواضع والخروج من الساحة، وقاتل لأجل ذلك مستخدماً أموال الدولة والمودعين، مانعاً تغييره منذ عام 2005. ولم يكتفِ بما جعل لبنان يدفع كلفة بقائه حاكماً قبل ثلاث سنوات. كذلك لم يكتفِ بالسماح بتهريب أموال كبار أثرياء الحرب الأهلية والحرب الاقتصادية وسارقي الدولة والناس في الأشهر الماضية، بل هو يواصل كذبه على الناس، ويتحدث عن صلابة وسلامة النقد والقطاع المصرفي. ولا يزال يصرّ على سياسات هدفها الأول والأخير المحافظة على أرباح كارتيلات البلاد المنتشرة في كل القطاعات، من المصارف الى النفط والمواد الاستهلاكية وتجّار العملة أيضاً.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن شركاء سلامة، في جولة اليوم، هم من أبناء الطبقة الحاكمة، من رجال أعمال يخدمون سياسيين كباراً بغية المحافظة على نفوذهم وقوّتهم. وبعض هؤلاء يحاولون ركوب موجة الحراك، وتراهم يتحدثون عن الثورة ونظافتها، مثل تاجر الدم والنهب وليد جنبلاط، الذي لم يكتفِ بإرسال زعرانه لقطع طريقَي الساحل والبقاع، وقتل متمرد عليه هو علاء أبو فخر برصاص الموالين له، بل هو اليوم يشارك في تصعيد مفتعل يقف خلفه كارتيل المحروقات، وهو أحدهم، من أجل جباية المزيد من الأرباح، والتي لا نعرف إن كان يضمن مسبقاً تهريبها الى خارج لبنان. وهو يفعل ذلك مطمئناً الى أن جماعة أميركا والـ«ان جي أوز» في الحراك، يمنعون أي كلمة ضده، وأي اعتصام في مواجهته، وأي تحرك تجاه منزله في بيروت أو المختارة، وأي اعتصام ضده في إمارة الشوف وعاليه، وأي بيان يجعله، فعلاً، واحداً من «كلن يعني كلن».

عنوانان احتلّا مشهد البلاد أمس، الى جانب البحث المملّ بشأن الوضع الحكومي، والذي لا يبشّر بخير، حتى ولو تحدد موعد الاستشارات، لأن الذين يريدون تأليف الحكومة هم أنفسهم الذين يرفض الشارع بقاءهم في مناصبهم. والعنوان الأول، هو استمرار التلاعب بسعر الليرة اللبنانية، وتواصل عملية ابتزاز المواطنين الساعين الى استعادة أموالهم المودعة في المصارف. والعنوان الثاني يتعلق بإضراب أصحاب محطات البنزين، وهم شبكة من كبار تجار النفط وموزعيه، والذين حصدوا أموالاً طائلة من الأرباح طوال الفترة الماضية، ويقف جنبلاط في مقدمهم، من أعمال «كوجيكو»، (بالإضافة الى نشاطه في قطاع الغاز والاسمنت)، الى الفرنسيين من خلال شركة «توتال»، الى أبناء البساتنة الذين صاروا يملكون عدداً هائلاً من محطات الوقود، ويتشاركون مع الأخوَين ريمون وتيدي رحمة في استيراد النفط والفيول من الخارج، الى أصحاب المحطات الأخرى من مارون شمّاس وأوسكار يمّين وآل رمضان، وغيرهم من الذين لا يريدون التنازل عن 5 بالمئة من أرباحهم في هذه الأزمة، ويتحدثون عن صعوبات تواجه عمليات الاستيراد.

لكن سلامة يعود ليقف على رأس فرقة إنقاذ هؤلاء. إذ عندما قررت وزارة الطاقة القيام بمبادرة كان يجب أن تكون سياسة عامة منذ وقت طويل، وقررت استيراد البنزين عبر «منشآت النفط»، لتضع ما ستستورده في خزانات تتسع لكميات تكفي البلاد لثلاثة أشهر على الأقل… عندما قررت الوزارة ذلك، قرر أصحاب المحطات الإضراب، بينما يعرقل سلامة إقرار الاعتمادات المالية للوزارة، مؤخِّراً عملية الاستيراد، ومتصرّفاً مع الدولة بطريقة لا تأخذ بالحسبان الأزمة القائمة. يريد منها اتخاذ إجراءات ستنعكس حكماً على المواطنين من خلال رفع أسعار الوقود الآن، من البنزين الى المازوت الذي سيرتفع الطلب عليه في فصل الشتاء والبرد.

اجتماع بعبدا يطالب مصرف لبنان بخفض الفوائد وبتسهيل متطلّبات المودعين

وإلى جانب هذا المسار، لا يزال سلامة يكذب على الناس في شأن الوضع المالي. هو أعلن بلسانه أن الودائع محميّة، وأنه يرفض إقرار قانون لتقييد السحوبات والتحويلات (capital control)، وأنه لن يمسّ بحرية التحويلات المالية الى الخارج. لكنه لم يلزم المصارف بهذا التوجه، بل تركها تتصرف كما لو أن القرار موجود. ثم لم يناقش المصارف في الإجراءات التي تقوم بها لمواجهة طلبات الزبائن. وبينما أعلنت جمعية المصارف برنامج عملها، عادت ولم تلتزم به، وفرضت على الناس البرنامج الذي يناسبها، وهي التي حددت سقف السحب اليومي أو الأسبوعي من العملات المحلية أو الأجنبية. وفوق ذلك، فإن سلامة يترك قطاع الصرّافين يعمل بلا رقيب أو حسيب، علماً بأنه من مسؤولياته، كما هي حال شركات شحن الأموال، التي يرفع أصحابها لواء «ثورة الفقراء»، لكنهم غير مستعدين لخسارة واحد في المئة من أرباحهم.

في القصر الجمهوري، انعقد اجتماع مالي هو الثاني منذ اندلاع الأزمة. وغاب عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، المهتم بتأليف حكومة يديرها من دون أن يترأّسها. وخلال الاجتماع، جرت مراجعة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف في الإجراءات المتخذة في سوق القطع وكيفية التعامل مع المودعين. وبحسب معلومات مشاركين في الاجتماع، من المفترض أن يبادر رياض سلامة ــــ ولا أحد يثق بأنه سيفعل شيئاً ــــ إلى إلزام المصارف بسياسات تسهّل للناس الحصول على حاجتهم من أموالهم المودعة، وكذلك تسهيل التحويلات الضرورية للناس وللأعمال إلى الخارج. لكن النقطة الجديدة التي أثيرت في اجتماع أمس، هي دفع القطاع المصرفي الى خفض الفوائد المعتمدة على العملات المحلية والأجنبية الى النصف، باعتبار أن سبب رفعها سابقاً لم يعد موجوداً، إذ كان سلامة يبرّر رفع الفوائد بالحاجة الى جذب أموال من الخارج، وهو ما لا يحصل الآن. ويفترض أن يصدر عن حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف مجموعة من القرارات والتعاميم في هذا السياق.

أما في جانب عمل الصرّافين، فالصورة تبدو قاتمة، حيث لا يضمن أحد من المسؤولين تغييرات حقيقية. وبينما ارتفع سعر الليرة مساء أول من أمس، عاد وانهار أمس ليبقى متداولاً بين 2100 و2250 ليرة لكل دولار.

Related Videos

Related News

%d bloggers like this: