لبنان: من الانهيار إلى الصعود (1)

زياد حافظ

في لقاء افتراضي عقده منتدى «الحوار» في واشنطن والذي يديره الأستاذ صبحي غندور، كان معنا عدد من النخب العربية المقيمة في الولايات المتحدة وكندا ولبنان والأردن والمملكة المتحدة وفرنسا على ما نذكر، وعرضنا فيه مقاربة للمشهد الاقتصادي والمالي اللبناني وعلاقته بالمشهد السياسي المحلّي والإقليمي والدولي. ليس هدفنا تلخيص المقاربة بل التوسع في ما وصلنا إليه في الختام لأننا تطرّقنا إلى بُعد لم نقاربه من قبل وإنْ كان في ذهننا منذ فترة طويلة. خلاصة المقاربة كانت أن رغم المشهد القاتم السائد حاليا والذي ينذر بالوقوع في هاوية خالية من القاع فإنّ لبنان يقف على أبواب نهضة اقتصادية لم يشهدها بعد في التاريخ المعاصر وحتى القديم نسبيا. وكل ما يحتاجه هو إرادة فقط لا غير لأنّ الظروف الموضوعية لتلك النهضة متوفرة وما ينقصها إلاّ القرار الذاتي.

لكن هذا القرار ليس متوفّراً عند الجميع بل فقط عند بعض الفئات ولبنان لا يستطيع أن ينهض إن لم يكن هناك توافق بين مكوّناته السياسية والاجتماعية. صحيح أنّ هناك أكثرية تستطيع أن تفرض التغيير ولكن فد يكون ذلك على حساب السلم الأهلي. وهذا ما لا تريده أكثرية اللبنانيين الذين ما زالوا يذكرون ويلات الحرب الأهلية. وهذا الوعي بمخاطر الحرب الأهلية هو ما حمى لبنان من الوقوع في فخ الفتنة التي حاول أعداء لبنان من جرّه إليه.

بطبيعة الحال نتوّقع الاستهزاء من هذا التفاؤل الذي نعتقد (أي التفاؤل) أنه في مكانه والمرتكز إلى قواعد موضوعية قد تغفل عن بال العديد من المحلّلين والتي سنسردها لاحقا.

فـ «الموضوعية» و»الواقعية» التي يتغنّى بها العديد من النخب التي تملأ الفضاء السياسي والإعلامي في لبنان ليست إلاّ التبرير لإعفاء النفس عن الجهد والتفكير، كما أن «التشاؤم» أصبح تجارة مربحة وقليلة الكلفة طالما تخدم أهدافاً خارجية بشكل موضوعي أو ذاتي. فالاستهزاء مثلا من العودة إلى الاقتصاد الإنتاجي انصبّ على التهكم على الزراعة وكأنها عودة إلى الوراء! فالمجتمعات المتقدّمة كما يزعم البعض انتقلت من الزراعة إلى الصناعة ثم إلى الخدمات فلماذا العودة إلى الوراء؟ هذا المنطق المغلوط يخفي أن التوجّه نحو اقتصاد منتج هو التوجّه إلى المحاسبة والمساءلة، بينما الاقتصاد الريعي يلغي تلك المساءلة والمحاسبة. ويمكن التوسّع في تفسير ذلك إلاّ أنه يخرجنا عن صلب الموضوع الذي نريد التركيز عليه.

الحجة الرئيسية التي يقدّمها المشكّكون هي المشهد الاقتصادي الحالي القاتم والأزمة المالية التي تتفاقم يوماً بعد يوم وكأنها قدر وقائمة حتى يوم الدين هي أنّ خلاص لبنان هو عبر المساعدات الخارجية فقط لا غير. والتشخيص المتشائم للواقع هو كلام حق، إلى حدّ ما، ولكن يُراد به باطل على الأقلّ للحفاظ على البنية القائمة كما هي، وفي الحد الأقصى تنفيذاً لأجندات خارجية لا تخدم إلاّ الكيان العدو. والخطورة في ذلك التشخيص هو «ثباته» وأنه غير قابل للتغيير وكأنه منزل أو محفور بالصخر. فهو ليس مُنزلا ولا محفورا بالصخر بل عناصره افتراضية أكثر مما هي عينية. فهي تغيّب الإرادة أو تعتبرها مشلولة ولا حول ولا قوّة لها وهذا غير صحيح موضوعيا. فالتغيير ممكن والإرادة موجودة على الأقل عند بعض القيادات التي تسعى بشكّل جدّي إلى التغيير. لكنها بحاجة إلى حشد توافق مع سائر القوى التي كانت تستفيد من الوضع الحالي الذي وصل إلى طريق مسدود.

ما نريد أن نقوله هو أن الأزمة الاقتصادية والمالية ظاهرها تقني ولكن جوهرها سياسي. فالحلول التقنية موجودة ولكن ينقصها القرار السياسي الذي يصبّ في جوهر الأزمة. وإذا أردنا أن نكون أكثر وضوحا نقول إن أزمة شحّ الدولار والارتفاع غير المسبوق لسعر الصرف والشلل الاقتصادي العام والبطالة الناتجة عن كل ذلك هي ظواهر لأزمة مصطنعة وإْن ارتكزت على بعض المعطيات الموضوعية الاقتصادية والمتظافرة مع جائحة كورونا، لكنها لا تبرّر ذلك الارتفاع لسعر الدولار وما ينجم عن ذلك. فالتحكّم بعرض الدولارات لأسباب لا علاقة لها بالواقع الاقتصادي كضرورة الحفاظ على احتياط كاف لسدّ الحاجات الاستيرادية من المواد الأساسية كالمشتقات النفطية والدواء وبعض المواد الغذائية الأساسية لا تصمد أمام الحلول التي يمكن تطبيقها وتخفّف الضغط على طلب الدولار والتي عرضناها سابقا كما عرضها العديد من الخبراء في هذا الموضوع. من ضمن تلك الحلول التعامل بالليرة اللبنانية مع المورّدين الذي يقبلون ذلك وخاصة في المشتقات النفطية التي تشكّل الجزء الأكبر من الاستيراد اللبناني وذلك على سبيل المثال وليس الحصر. لكن التحكّم بالعرض للدولار والتلاعب بسعره فرصة للمتحكّمين للثراء غير المشروع وأيضا لفرض المزيد من الضغط السياسي على المقاومة عبر الضغط على المواطنين بشكل عام. فالساحة اللبنانية أصبحت ساحة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والمقاومة خدمة للكيان الصهيوني. كلام وزير الخارجية بومبيو وكلام مساعده دافيد شينكر وكلام قائد المنطقة الوسطى كينيت ماكنزي واضح مفاده أن القرارات الأميركية تجاه لبنان هي لمصلحة الكيان فقط لا غير. فالحصار الاقتصادي ومنع وصول الدولار إلى لبنان هو قرار سياسي يغذّي الأزمة الاقتصادية والمالية بل يساهم عمدا في تفاقمها للضغط السياسي على لبنان.

إذاً، الأزمة المالية هي أزمة سياسية وحلّها في السياسة عبر ممارسة الضغط المضاد الذي تقوم به المقاومة في لبنان والذي يجب أن تساندها القوى الشعبية والهيئات النقابية. فإطلالات أمين عام حزب الله الأخيرة مكّنت الحكومة من استعمال ورقة الانفتاح «إلى الشرق»، فظهر العراق، لينذر بانفتاح على كل من سورية والجمهورية الإسلامية في إيران والصين وروسيا، ليساهم في تعديل اللهجة الأميركية تجاه لبنان. وهذا الانفتاح إلى تلك الدول المغضوب عليها أميركيا أدّى إلى جنوح نحو الانفتاح الخليجي تجاه لبنان بعدما كان أداة للحصار على لبنان. فخسارة لبنان خسارة استراتيجية لا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تحمّلها.

إذاً، قوانين الاشتباك السياسي والاقتصادي أصبحت واضحة يضاف إليها التهديد الواضح بقلب الطاولة على الجميع من قبل المقاومة عبر الكلمة المكتوبة والتي ردّدها ثلاث مرّات الأمين العام، أي إذا أردتم قتلنا عبر التجويع فلن نجوع وسنقتلك، سنقتلك، سنقتلك! ترجمة هذا التهديد تمّ التبليغ عنها عبر «الوسطاء» الذين أرادوا معرفة ما المقصود. النتيجة كانت واضحة تجلّت في تخفيف حدّة اللهجة الأميركية في مخاطبة الحكومة. كما أنّ الوفد المفاوض من قبل صندوق النقد الدولي اعتمد بدوره أسلوباً ولغة أكثر دبلوماسية مما كان عليه قبل توقف الحوار مع الحكومة اللبنانية. فالأخيرة استطاعت الاستفادة من ضغط المقاومة لتحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة والصندوق عبر المباشرة بخيارات بديلة وهذا ما يُسجّل لها رغم البطء والتردّد الذي سبق هذه الخطوة.

خطوة أولى للخروج من الأزمة

ضغط المقاومة يفتح باب المقاومة الاقتصادية كخطوة أولى للخروج من الأزمة وتمهّد لمسار اقتصادي يصون الاستقلال والسيادة الوطنية في الاقتصاد ويفتح مجالات البحبوحة الاقتصادية التي ستعمّ المنطقة تحت شعار إعادة اعمار الدول المنكوبة من الحروب الكونية التي شُنت عليها أي كل من سورية والعراق، وعبر التشبيك الاقتصادي الذي سنعرض فوائده لاحقا.

أما الخيارات الاستراتيجية الاقتصادية الموجودة التي تحمل في طيّاتها الحلول فهي أولا إعادة هيكلة الاقتصاد عبر الانتقال من اقتصاد ريعي بامتياز إلى اقتصاد إنتاجي وهذا ما تبنّته تصريحات رئيس الوزراء الدكتور حسّان دياب. ثانيا، إن إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني تطلّب أيضا المباشرة بإعادة هيكلة الدين العام كخطوة استراتيجية في تصحيح الوضع المالي. ثالثا، من ضمن شروط إعادة هيكلة الدين العام إعادة هيكلة القطاع المصرفي لاسترجاع الثقة التي بدّدها القطاع بسوء إدارته ولا مبالاته لحاجات اللبنانيين بشكل عام والمودعين بشكل خاص. رابعا، ما يرافق هذه الخطوات هو الانفتاح على الدول المستعّدة للتعاون مع الدولة اللبنانية بالعملة الوطنية أي الليرة اللبنانية. ومن ضمن هذه الدول دول الشرق بشكل عام بما فيها دول الكتلة الأوراسية وبطبيعة الحال الدول العربية المجاورة وفي مقدمتها سورية ثم العراق والأردن. أما دول الخليج فهي أيضا مرّحب بها إن كانت على استعداد للتعامل مع الدولة اللبنانية كما أعربت عن ذلك دولة الكويت.

هذه الحلول تطلّب قرارا سياسيا واضحا من قبل الحكومة التي ما زالت تتأرجح بين المضي في تنفيذ خطّتها الإصلاحية والتعامل مع التجاذبات الداخلية وإن كانت في معظمها من رحم القوى التي دعمتها. ولكن عاجلا أم آجلا، والأرجح عاجلا، ستستأنف الحكومة تنفيذ خطّتها رغم العراقيل التي تُوضع بوجهها والتي أشار إليها رئيس الحكومة، ورغم الضغوط الخارجية التي تمارس عليها. فلا خيار إلا عبر الحلول المعروضة أعلاه التي العديد من عناصرها متوفّرة في الخطّة الإصلاحية والمعطوفة على التوجّه الأخير نحو العراق كبداية. في المقابل، فإنّ العروض التي يروّجها ما يُسمّى بالمجتمع الدولي غير قابلة للتنفيذ لأنها لن تفي بالغرض لإنقاذ الاقتصاد اللبناني كما أنّ شروطها غير مقبولة. فهذه الشروط لا تفي بالغرض أولا، لأنّ قيمة المساعدات المرتقبة منها لا تشكّل إلاّ الجزء الصغير من حجم الأزمة وثانيا، لأن ما تضمّنته تلك الشروط هي خصخصة ما تبقّى من مرافق للدولة. من جهة أخرى إن القطاع العام رغم الثغرات المعهودة فيه اقلّ ضررا من تجاوزات القطاع الخاص في ما يتعلّق بسلامة ومصلحة المواطنين. هذا لا يعني أننا ندعو إلى سيطرة القطاع العام على حساب القطاع الخاص بل القول إنّ الخصخصة ليست الحل بل هي باب لمشاكل قد تصبح مستعصية على الحل بسبب الجشع الذي يسود في القطاع الخاص وخاصة عند ارباب الطبقة السياسية التي هي جزء من «الفعّاليات الاقتصادية».

فإذا كانت حلول «المجتمع الدولي» غير قابلة للتنفيذ ألاّ بكلفة عالية سياسيا وماليا لن يقبلها اللبنانيون وإذا في المقابل الحلول التي نقترحها هي قابلة للتنفيذ وبكلفة مالية واقتصادية أقلّ بكثير من حلول «المجتمع الدولي» فيبدو أن لا مفر من إقرار خطة الحكومة وإن كانت فيها ثغرات لا ترضينا. على الأقل لدى الحكومة خطّة بينما الحكومات السابقة لم يكن لديها إلاّ الخطّة غير المعلنة الا وهي النهب المنظّم عبر الانتقال إلى اقتصاد ريعي والسيطرة على الريع ومصادره. أما القوى التي تعرقل الخطة فستكتشف أن مصلحتها المستقبلية ستكون في تنفيذ الخطة وإنْ كانت كلفتها التضحية ببعض الرموز حفاظا على سيطرتها على مجريات الأمور. فرفضها للتنازل عن بعض الامتيازات والرموز سياسة قصيرة المدى وسلبياتها أكثر من الإيجابية التي تعتقد أنها ستحصل عليها عبر التمسّك بالوضع القائم. فلا عودة إلى ما قبل 17 تشرين والطريق الأفضل لهذه القوى أن تكون شريكة في التغيير بدلا من أن تكون مصدر العرقلة.

تحويل المخاطر إلى فرص

بالنسبة لما يعتقده البعض بـ «التفاؤل» غير المبرّر فنحن من مدرسة تعوّدت على مقاربة المشاهد عبر تحديد المخاطر والتحدّيات وتحويلها إلى فرص، وعبر تقوية عناصر القوّة الموجودة وتحييد مواطن الضعف إن لم نستطع تحويلها إلى مواطن قوّة. التشاؤم ليس «واقعية» ولا «موضوعية» بل موقف مسبق لتبرير عدم الجهد.

فما هي العناصر الموضوعية التي تجعل لبنان على أبواب نهضة لم يشهدها في تاريخه المعاصر؟

العنصر الأول هو أن لبنان بلد غني بحد ذاته وذلك دون التطرّق إلى الثروات الغازية والنفطية القادمة. والدليل على أن لبنان غني بالرغم من استغلال المواد الأولية والمعادن في جوفه هو أن الطبقة الحاكمة استطاعت أن تسرق أكثر من 130 مليار دولار على الأقل وفقا لأرقام الدين العام والتقديرات العائدة للهدر والاسراف المبرمج! وما زالت تلك الطبقة تفكّر في وسائل جديدة للنهب (ربما عبر «الخصخصة») مما يدلّ على أن الثروة غير المنهوبة ما زالت موجودة وإلاّ لرحلت تلقائيا تلك الطبقة!

ثانيا، إن التاريخ هو مؤشّر على قوّة لبنان في قدرته على تحويل التحدّيات إلى فرص. ففي التاريخ القديم استطاع الكنعانيون أن يبحروا ويكتشفوا قارات ويبنوا شبكات تجارية واسعة رغم التنافس التآمري المدمّر بين ما يمكن تسميته كونفدرالية المدن كجبيل وصيدا وصور. أما في التاريخ المعاصر استطاع لبنان بسبب موقعه الاستراتيجي أن يكون فعلا جسرا بين الشرق والغرب وبالتالي الاستفادة من عولمة لم تكن تعرف آنذاك وسائل التواصل والنقل والاحتساب التي أصبحت اليوم سمتها. إن الجغرافيا لها دور لا يلغيها التاريخ ولا التطوّرات بل تؤكّدها.

ثالثا، وهنا دور الديمغرافيا التي تتلاحم مع الجغرافيا، فإن الثروة الأساسية في لبنان هي في الطاقة البشرية الموجودة التي استطاعت أن تتكيّف مع أصعب الظروف التي مرّ بها البلد. فالحرب الأهلية التي شهدت انهيار مؤسسات الدولة لم تؤدّ إلى انهيار المجتمع. فالأخير برهن آنذاك وحتى الساعة أنه أقوى من الدولة في مواجهة التحدّيات. صحيح أن التكيّف كان وما زال مكلفا ولكن غريزة البقاء كانت الأقوى والقدرة على التكيّف أمّنت الحد الأدنى رغم الفساد الذي تمّت مأسسته في حقبة الطائف ورغم تقاعس الدولة عن تقديم الخدمات التي كان يجب أن تقدّمها. هذه الطاقة البشرية لم تنجح في التكيّف فحسب بل أيضا ابدعت في العديد من القطاعات. وخير دليل على ذلك هو نجاح اللبنانيين في التنافس مع العقول الدولية سواء في العلوم أو في الاقتصاد والمال أو حتى في السياسة (إلاّ في لبنان؟!؟!) اللبنانيون لم ينجحوا حتى الساعة في إدارة شؤونهم الوطنية لأسباب عديدة لكن ما حصل في 17 تشرين 2019 غيّر الكثير.

صحيح أنّ انتفاضة تشرين لم تؤدّ إلى نتائج ملموسة في مجال التغيير لكنّها وضعت على الطاولة قضايا كثيرة لم تكن تريد معالجتها الطبقة السياسية. استطاعت الأخيرة استيعاب حدّة الحراك موقّتاً ساعدها في ذلك جائحة كورونا لكن لم تستطع القضاء على جوهر الحراك. المارد خرج فعلا من عنق الزجاجة وبالتالي مهما طال الأمر فإنّ التغيير آت. لسنا متأكدّين متى سيحصل ذلك كما لسنا متأكدّين أن اللبنانيين سيعودون إلى مبايعة الطقم السياسي بعد كلّ ما حصل. يمكن للطبقة السياسية تأجيل الاستحقاق ولكنها لا يمكنها إلغاء الخطر عليها إن لم تبادر هي بالإصلاح لضبط إيقاع الإصلاح دون المساس بقضايا تعتبرها جوهرية. وهنا الفرصة، فبعض الإصلاح أحسن من لا إصلاح وبعض الإصلاح سيليه اصلاحا آخرا.

رابعا، هناك من سيهزأ من حصول التغيير. نقول في هذا الشأن ان التغيير آت لأن موازين القوّة في الإقليم تغيّرت لصالح قوى التغيير. فمهما كانت قوّة الدولة العميقة أو المجتمع الطائفي العميق فإنها لن تستطيع أن تصمد أمام التغيير في وجه موازين القوّة الجديدة. ولدينا دليل من تاريخ لبنان المعاصر. فالاحتقان الذي تراكم بعد حصول لبنان على الاستقلال وصل إلى ذروة الانفجار سنة 1958 تزامنا مع تغيير في موازين القوّة الإقليمية. فالمد القومي آنذاك بقيادة جمال عبد الناصر استطاع أن يفرز في لبنان قيادة من داخل النظام أقدمت على إجراء إصلاحات لا لتغيير النظام بل لتثبيته على قواعد أكثر صلابة مما كانت عليه بعد الاستقلال. فبعثة ارفد أشارت إلى الخلل في البنية الاقتصادية واللاتوازن في التنمية بين المناطق ما جعل القيادة السياسية تقدم على إنجازات كبيرة في إنشاء مؤسسات للدولة ما زالت قائمة.

التغيير في موازين القوّة بعد 1967 على الصعيد الإقليمي لصالح ما يمكن تسميته بالثورة المضادة في الوطن العربي وخاصة في مشرقه بعد رحيل جمال عبد الناصر مكّنت البيوت السياسية اللبنانية من الانتفاضة ضدّ النهج الذي نتج عن إصلاحات رسخها فؤاد شهاب. فكان الصراع بين «النهج» الذي ضمّ آنذاك القيادات السياسية المؤيّدة لتلك الإصلاحات بقيادة الرئيس الشهيد رشيد كرامي وبين تحالف «الحلف الثلاثي» و»تجمع الوسط» الذي ضمّ معظم البيوت والقوى السياسية المناهضة للإصلاح. وبما أن اختلال ميزان القوّة في المنطقة ازداد لصالح الثورة المضادة والكيان الصهيوني كانت كارثة الحرب الأهلية التي استمرّت 15 سنة. حقبة الطائف التي أمّنت حدّا أدنى من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي عكس موازين القوّة الجديدة التي أفرزتها التحوّلات في المنطقة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران والتحالف الاستراتيجي معها الذي أقامه الرئيس الراحل حافظ الأسد مقابل القوى التي ظنّت أن عالما جديدا ولد من رحم خرب الخليج وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي ووهم مشاريع السلام في المنطقة. فالوكالة العربية الإقليمية والدولية لسورية أمنّت ذلك الاستقرار حتى 2005 على قاعدة ذلك الوهم في السلام. أما الحقبة التي بدأت مع تحرير لبنان سنة 2000 وبعد اجتياز امتحان العدوان الصهيوني على لبنان بقرار أميركي سنة 2006، وبعد إخفاق المشروع الأميركي في العراق بدأت موازين قوة جديدة ترتسم. أما الحرب الكونية على سورية والعدوان المتكرّر على قطاع غزّة فكانت محاولات لكسر تلك الموازين. فشل هذه المحاولات ثبّت فعّالية الموازين الجديدة التي ستنعكس بشكل مباشر على لبنان.

ما نريد أن نقوله إن تاريخ لبنان المعاصر يُقرأ من خلال قراءة ومعرفة موازين القوّة العربية والإقليمية والدولية. وما كان صحيحا في الماضي البعيد والقريب ما زال قائما حتى الساعة. وبالتالي الموازين الجديدة سينتج عنها قوى في لبنان تقود التغيير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

خياران لا ثالث لهما… إما المواجهة بالفعل أو الاستقالة ‏والصمت

علي بدر الدين

لم يعد جائزاً ولا مقبولاً التمادي في الصمت على ارتكابات الفساد والتحاصص، وعلى إفقار الشعب وتجويعه وإذلاله وتركه وحيداً تتقاذفه ألسنة الطبقة السياسية وألاعيبها وفبركاتها ومكائدها التي لا تنتهي، والتي أفرغت الدولة من مؤسّساتها، والشعب من حقوقه، والخزينة من أموالها، ونتفت ريش البلد برمّته وعرّته من كلّ مقوماته الوجودية كوطن ودولة وشعب ومؤسسات، وحوّلته إلى متسكّع على أبواب السفارات والدول ومنظمات المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤتمرات الدعم والمساعدة والاستدانة من دون طائل لأن لا ثقة لكلّ هؤلاء بحكامه وطبقته السياسية، وهم الذين أفسدوا ونهبوا وطنهم ودولتهم وشعبهم وكدّسوا في خزائنهم وفي المصارف الخارجية أموالاً وثروات لم يحلموا فيها وبأرقامها العصية حتى على العدّ، ومن دون رحمة أو شفقة أو مسؤولية وطنية وأخلاقية حوّلوا الوطن إلى هيكل عظمي والشعب إما إلى فقير أو جائع أو مريض أو تائه أو مهاجر أو باحث عن بقايا طعام في أكوام النفايات أو متشرّد في الشوارع أو يطرق الأبواب مادّاً يده ومطأطئاً رأسه خجلاً وذلاً عله يحظى برغيف خبز او بعض القروش التي قد تسدّ بعضاً من رمق عائلته المتضورة جوعاً.

هذه الطبقة التي لم تعتبر أو تتعظ مما ارتكبته بحق الشعب الجائع والموجوع تواصل نهجها الإغراقي له وكأنها تنتقم منه على خطأ ارتكبها وشكل وصمة عار له لأنه ساهم بإعادة إنتاجها وجدّد ثقته فيها وهي التي امتهنت إضعافه وسرقته وإذلاله وأدمنت على قهره وتعذيبه من دون ان يرفّ لها جفن أو تندم على ما فعلته فيه من شرّ ومارست بحقه من ظلم واستبداد، بل على العكس تماماً فإنها تتفنّن في ابتداع إلهائه والإيقاع به كلما حاول الوقوف على رجليه باحثاً عن حقوقه المهدورة والمصادَرة، وآخر إبداعاتها إشغال اللبنانيين بالحكومة… هل تستقيل تحت ضغط الشارع الموجّه أو تحت الضغط السياسي والقصف المركّز من أكثر من جهة، أو من خلال توجيه النصيحة لرئيسها لينفذ بريشه قبل أن يُحمّل وحده المسؤولية عن كلّ النكبات التي حلت بالبلاد والعباد ومن أقرب المقربين ممن يعتقد أنهم حلفاء له، ومن دون ان يقدّم أحد بديلاً أو حلاً أو مخرجاً ربما يفتح كوة أمل أو بصيص ضوء بأنّ الآتي من الزمن قد يكون أفضل.

إنّ رئيس الحكومة حسان دياب يتحمّل جزءاً من المسؤولية لأنه اعتمد الصمت على ارتكابات الفساد والتحاصص ولم يجرؤ على إقرار القوانين التي سيكون لها مفعول السحر في تقويض أسس الفساد والفاسدين وقد تفرّغ لتشكيل اللجان وإطلاق الوعود وتكرار مواجهة التحدّيات والإصرار على عدم الاستقالة واستجاب من دون أن يدري الى ألاعيب من يستهدفه ويصوّب عليه بدخوله حلبة إطلاق المواقف والسجالات الإعلامية والسياسية التي لا طائل ولا جدوى منها ولا تنتج سوى الكلام وتعطل الفعل الذي ينتظره الناس. انّ استمرار سياسة الصمت والبلد ينهار والشعب يجوع والفوضى تعمّ من دون ضوابط عوامل سلبية جداً تنبئ بالخطر المستطير في ظلّ الترويج المقصود لأحداث أمنية قد تعيد الحرب الأهلية، ولم يعد الشعب يصدّق مقولة «ما خلوني اشتغل» التي استخدمها قبلاً الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل. ومن حقنا أن نسأل من هم الذين يعرقلون عملكم ويعطلون مشاريعكم ويمنعونكم من العمل؟ هل هم من الأنس أو الجنّ أم هم من الأشباح؟ ولماذا لا يعلن عن المعرقلين والفاسدين وعن المشاريع التي عرقلوا تنفيذها…؟

لم تعد هذه المقولة تخدم مطلقها في أيّ موقع كان وأصبحت مزحة سمجة غير مقبولة وغير مهضومة ولا تبرير لها سوى الهروب إلى الأمام ومن المسؤولية.

إنّ الفرصة متاحة أمام رئيس الحكومة ليسمّي الأشياء بأسمائها بصراحة ووضوح في وقت تشتدّ الحملة عليه لإسقاطه، والجميع بيوتهم من زجاج وعليه أن يتغداهم قبل أن يتعشوه، وليس لديه ما يخسره لأنه سيخسر كثيراً إذا ما نجحوا في إسقاطه بأيّ وسيلة، وإذا كان غير قادر على قول الكلمة الفصل وكشف ما في حوزته من حقائق ومعلومات، فليصارح الشعب اللبناني الذي وصل إلى الحضيض بحقيقة ما يعانيه ويتعرّض له ويقدم على اتخاذ القرار الشجاع بالاستقالة وترك جنّة الحكومة لمن يريدها ولمن كان شريكاً في إغراق البلد وإفلاسه وانهياره واذا ما كان يملك الإرادة والإصرار على المواجهة فليعلنها معركة استباقية مدعومة بسلاح الجرأة والشجاعة والقرارات الإنقاذية ومن دونها فالمعركة خاسرة ولو بعد حين.

ويحضرني كلام للأديب والكاتب الروسي فيودور دستويفسكي: لا حياة لمن يظلّ واقفاً على الضفاف، خائفاً من الأمواج والأعاصير. الحياة لمن يتحرك، يقدم، يقبل، يخوض، يتعثر، ينهض، يصبر، يكافح حتى يظفر أخيراً. أو نبقى حيث نحن. وقد سأل يوماً «أين نحن؟ في القاع! جيد… على الأقلّ لن نسقط مرة ثانية». والكرة في مرمى العهد والحكومة والفريق الموالي. المطلوب تحديد الخيار والمسار قبل سقوط الهيكل على الجميع.

مقالات متعلقة

وليد جنبلاط والصمود بوجه «الشموليّة الشرقيّة» ‏

Image result for ‫وليد جنبلاط كرتون‬‎

ناصر قنديل

أشار رئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ النائب السابق ​وليد جنبلاط​ في تصريح له عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​، إلى أننا «سنصمد بهدوء لكن بحزم، سنصمد في مواجهة ​التصحّر​ والتدمير وتغيير الهوية، سنصمد في مواجهة الشموليّة الشرقيّة دفاعاً عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، سنصمد أمام تسخير ​القضاء​ وتطويعه، سنصمد في مواجهة الاستيلاء على القرار الوطني اللبناني المستقل، سنصمد أياً كانت الصعاب ولن نستسلم». ومناقشة جنبلاط هنا هي مناقشة لمن يحاول منح البعد الفكري والثقافي لمعارك يشترك معه بخوضها آخرون، لا يجيدون فعل ذلك، فيأتي كلامهم دون مستوى السياسة، فيكون سوقياً مرات وطفولياً مرات، ومراهقاً أو غرائزياً أو فاضحاً للنيات أغلب المرات، ويبقى جنبلاط أثقفهم وأحذقهم فيستحقّ النقاش.

كلام جنبلاط يربط بلغة اللعب على العقل اللاواعي بين الشرق كوجهة جغرافيّة، وبين أنظمة الحكم الاستبداديّة في الذاكرة الإنسانية التي حكمته، فيستنبط معادلة الشمولية الشرقية، ويربط من جهة موازية الدعوة للتوجه شرقاً بمحاولة تغيير الهوية، ويعلن حرباً هادئة لكن حازمة، لحماية حرية الفكر والمعتقد من جهة والقرار الوطني المستقل من جهة مقابلة، فهل يستقيم الربط الأول والربط الثاني كي يستقيم الإعلان الوارد ثالثاً، واللعبة بين الظلال والضوء والمفردات والذاكرة، فالمنادى به عملياً هو التوجّه الاقتصادي نحو الصين، وبالتوازي التوجه للتعاون التجاري مع سورية والعراق، وليس مطروحاً على الإطلاق أن يكون ذلك على طريقة الانقلاب على العلاقات مع سائر الأسواق العربية والدولية، فما هي صلته بالشمولية وبتغيير الهوية وحرية المعتقد والفكر والقرار الوطني المستقل؟

الهوية التي يتحدّث عنها جنبلاط هي ضمناً العادات الاستهلاكيّة للفرد اللبناني التي تطبّعت على الأحادية الغربية، وربما تبقى كذلك. فالعالم كله مستغرق في هذه العادات، بغض النظر عن صحتها أم لا، الصين مستغرقة فيها، ولم تتغير هويتها كي تغيِّرنا، وفي أميركا بالتأكيد فإن كل الأميركيين يعيشون صرعاتها وصرخاتها، لكنها لم تشكل لهم هم هوية لتشكل لنا هوية نخشى عليها، وإلا علام ينفجر المجتمع الأميركي وتنتصب الحواجز بين مكوّناته وتسقط مشاريع الاندماج على جدار العنصرية، إن لم يكن على صراع هويات لم يحسم أمرها، ماكدونالد ولا هوليوود ولا البوب والجاز والجينز، فأي هوية ستغير فينا المتاجرة مع الصين أو التوجّه لاستقطاب شركاتها نحو إقامة مشاريع سكك حديديّة وتطوير مرافئ وإقامة مدينة لصناعة المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وهل غيّر اعتماد مرفأ بوسطن ومثله مرفأ أمستردام على الشركات الصينية هوية الدول الغربية؟ وهل غيّرت تفاهمات الجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصالات بين شركة هواوي الصينية والدول والشركات الغربيّة هوية أحد؟

السؤال عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، إيحاء بنظام اقتصادي سياسي ثمة من يسعى لاستيراده إلى لبنان، ومعه الإيحاء بمخاطر على الاستقلال الوطني والقرار الوطني المستقل، والاشتغال هنا يتم على ربط رموز إيحائية ببعضها، فصاحب الدعوة هو حزب الله، الملتزم بولاية الفقيه، التي تشكل قاعدة الحكم في إيران، والقضاء الذي يجري التأشير نحوه، هو القاضي محمد مازح بعد قراره الخاص بتصريحات السفيرة الأميركيّة، ولكن لعبة الترميز هذه تسقط بمجرد نقلها من العتمة إلى الضوء، ومفتاحها تفكيك قضية القاضي مازح و”مشروع حزب الله” لمصادرة حرية المعتقد، وحكاية القرار الوطني المستقلّ المهدّد من تجارة مع الصين، وليس من تحكم استبدادي لا يسري على دول حلف الأطلسي، تفرضه واشنطن ويطيعها سياسيون لبنانيون ويرفعون التبعية الذليلة للفيتو الأميركي إلى مرتبة نظرية الشرف الوطني.

السؤال البسيط في قضية القاضي مازح هو، إذا كان حزب الله وراء موقف القاضي مازح في مسعى تهديد الحرية وتسخير القضاء، فقد أسقط بيد القاضي مازح من قلب مؤسسة الدولة، فهذا يعني أن حزب الله أضعف من أن يمثل قوة قائدة للدولة، وهذا يتكرّر معه بمثل ما جرى في قضية تهريب العميل عامر فاخوري، وإذا كان حزب الله قوياً وقادراً لكنه لم يفعل شيئاً لترجمة توجهات مخالفة لما انتهت عليه الصورة، فهذا يسقط مبرر الخوف المزعوم من وجود مشروع لتسخير القضاء ومصادرة حرية الرأي والفكر والمعتقد، حتى عندما يكون الرأي والفكر هما العمالة والإجرام بعينهما، كما هو الحال في قضية الفاخوري. أما حكاية القرار الوطني المستقل، فهي بالضبط ما تنشده الدعوة للتوجّه شرقاً، لأن الخضوع للحملة التي تنظمها الدبلوماسية الأميركية ضد تطوير العلاقات مع الصين، والعقوبات التي تفرضها على العلاقات مع سورية، هي بعينها مصادرة القرار الوطني المستقل، أليس لافتاً أن دولاً في حلف الأطلسي كتركيا تتجرأ على تنويع مصادر سلاحها، خلافاً لمقاصد التهديدات الأميركية، وتشتري من روسيا منظومة دفاع جويّ، قالت لها الدراسات العسكرية انها الأفضل، وهو وضع يشبه حال لبنان المنتهك عسكرياً كل يوم بجولات طيران جيش الاحتلال، لكن الفارق أن في تركيا يتفوق القرار الوطني المستقل، وفي لبنان يتفوّق الخضوع، وقد سمعنا سياسيين كباراً يحذرون من تنويع سلاح الجيش اللبناني، ومنهم جنبلاط نفسه، دفاعاً عن القرار الوطني المستقل!

يبقى موضع التوجّه نحو سورية، وهو أمر يدرك جنبلاط القارئ الجيد لتاريخ لبنان، أنه جزء مكوّن ملازم وتأسيسيّ في كل نقاش سياسي بعيد عن النرجسية والعقد والحسابات الضيقة والأحقاد، فالجغرافيا مستبدّة كما يقول بسمارك وصانعة للتاريخ كما يقول نابليون بونابرت، ولبنان في الجغرافيا غارق في حضن سورية، وتاريخ لبنان يقول في السياسة سلماً وحرباً بحثاً عن حليف يحمي أو عن وسيط يصالح ويرعى، وفي الاقتصاد هرباً من الجوع أو طلباً للازدهار، وفي الاجتماع الإنساني بحثاً عن الملجأ أو تشبيكاً في العائلات، كانت سورية دائماً هي الوجهة الحتمية للبنانيين، ففي السبعينيات قصدتها القيادات المسيحية عندما شعرت بخطر داهم، وفي الثمانينيات قصدها جنبلاط عندما استشعر الخطر، وفي المرتين قصدها الجميع اقتصادياً واجتماعياً كملجأ من الحرب والحصار الناجم عن تداعياتها. وهذه الحقيقة الجغرافية تاريخية، كانت وهي قائمة وستبقى.

الأمر ببساطة أن هناك من حيث يدري أو لا يدري، يواكب نغمة يريد لها الأميركيون أن تسود بين اللبنانيين، نموت في الظل الأميركي ولا نمد يدنا طلباً لشربة ماء، والأميركي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل علينا، ويخاطبنا بلغة “رماه في اليم مكتوفاً وقال له إياك ثم إياك أن تبتل بالماء”، أو “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل وكول وشباع”، بينما المطلوب ببساطة الانفتاح بلغة مشتركة بين اللبنانيين على صمود من نوع مختلف عن الذي تحدّث عنه جنبلاط، صمود بوجه الجائحة الاقتصادية، بمبادرات ومشاريع ورؤى، لا تنتمي لمشاريع تهدد القرار الوطني المستقل وتمسّ السيادة فعلاً، وكل إقفال لمنافذ التنفس على اللبنانيين يهدف لخنقهم على طريقة جورج فلويد، الذي صرخ لا أستطيع التنفس، والتوجه شرقاً مشروع تنفس لأجل الصمود. هو بالمناسبة بعض بسيط من دعوات تاريخيّة للمفكر الكبير الراحل كمال جنبلاط، الذي وجد في سحر ثقافة الشرق شيئاً آخر غير الشمولية.

فيديوات متعلقة

مواضيع متعلقة

المرجعيّات الروحيّة في خدمة مَن؟!

القمة الروحية» تتوجَّه إلى رئيس الجمهورية لاحترام الدستور و«إتفاق ...

د. عدنان منصور

أن ينبري زعيم أو سياسي ما، للدفاع عن سياساته، ونهجه، وسلوكه، وممارساته، وأدائه، وان يُبعد عنه التهم التي توجَّه اليه، من آن الى آخر، فهذا أمر بديهي. وإذا تصدّى لمن يريد النيل من محازبيه، أو أعوانه أو مؤيديه، فهذا أمر طبيعي ايضاً. فالحياة السياسية تتحمل الكثير من المد والجزر، والأخذ والعطاء، الفعل ورد الفعل، الهجوم والدفاع، التبرئة والاتهام… لكن رغم كل شيء، هناك ضوابط وأصول وحقائق، لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، أو يتجاوزها، أياً كان موقعه وموقفه، ومكانته، بحيث يبقى القانون فوق الجميع، يحدّد الحقوق والواجبات، على أن لا تُعفى منه فئة من دون أخرى، أو زعيم سياسي أو مسؤول من دون آخر. إذ لا يمكن التفريط بالعدالة والقانون، تحت أي ذريعة كانت، لأن العدالة إذا اهتزّت في بلد ما، تهتزّ معها كل مقومات الدولة الدستورية ومؤسساتها، لأنه في ظل غياب وتقهقر سلطة القانون، لن يبقى هناك رادع، أو مساءلة، أو حسيب، أو ملاحقة أو قضاء.

لقد عبث الحكام والزعماء والسياسيون في لبنان، على مدى عقود، ومنذ استقلاله، بجوهر الدستور وروح القوانين، وحجّموا القضاء وسيّسوا القضاة، بحيث إنهم شكّلوا في ما بينهم منظومة فساد متحدة لا مثيل لها، توافقوا عليها، وعلى العبث بالقوانين، وخرقها في كل صغيرة وكبيرة، ليصبح القانون وجهة نظر لكل زعيم وسياسي ومسؤول، يطبقه أو يرفضه أو يتجاوزه متى شاء، من دون ملاحقة أو رقيب، لأن له الجرأة الكاملة، على ان يتخذ قراراً عكسياً، حتى وإن كان ذلك ضد مصلحة البلد، وحقوق العامة من الشعب. المهم بالنسبة له، ه‍و أن يتناسب قراره مع غاياته الشخصية، ومنفعته ومصالحه الخاصة دون سواها، وإن لقي في ما بعد معارضة، وانتقادات، تطاله بالشخصي، أو تنديداً شعبياً، أو هجوماً عليه من وسائل الإعلام. فهذا آخر همّه، ولا يعنيه، إذ لا يهزّ سلوكه الوقح كرامته، ولا يحرّك ضميره الميت، طالما يشعر بقناعة تامة أنه سيّد نفسه، وصاحب القرار الذي يتّخذه، وهو بالتالي المحصّن من طائفته أو زعيمه، أو من كتلته السياسية. هذا السلوك المعيب والقبيح، المفتقر للإحساس الوطني، هو الذي أوصل البلد الى ما وصل اليه اليوم من الفساد والإفساد، والانهيار السياسي، والمالي، والاقتصادي، والأخلاقي، والاجتماعي، والمعيشي.

لم يقتصر هذا السلوك والتصرّف على زعماء وسياسيين ومسؤولين فقط، إنما وصل الأمر وللأسف الشديد الى مرجعيات روحيّة، التي كان عليها أن لا تنزلق الى متاهات السياسة والسياسيين، والتموضع داخل البيوتات السياسية والحزبية، وإنما تلتزم بروح القوانين الإلهيّة، القائمة على الحق والعدل، وأن تقف في وجه كلّ طاغ أو باغ، أو مُفسِد أو فاسد، وأن لا تزجّ نفسها في أمور لها طابع شخصي، ترتبط بسياسي من هنا أو بزعيم من هناك، أو بمسؤول متّهم تلاحقه العدالة لمساءلته والتحقيق معه، أو ملاحقته ومن ثم محاكمته.

كيف يمكن لمرجعيّة روحيّة ما، أن تقنع أتباعها بصدقيتها، وترفّعها، وحيادها، والتزامها الكامل بالقيم الدينية والأخلاقية، وبمفاهيم العدالة الحقة، عندما تنبري فجأة للدفاع عن سياسي نافذ أو موظف مسؤول، تطرح حوله علامات استفهام مريبة، ومثيرة حول أدائه، ومدى نظافة كفه، ونزاهته، لتنتفض المرجعية فجأة، وتضع نفسها مكان القضاء، لتصدر حكمها العاجل المسبق، المستند الى حيثيات طائفية لا أكثر، لتُبطل أيّ تحرّك من قبل السلطة القضائية، وهذا أمر يتنافى مع كلّ الأعراف والقوانين والأصول والحقوق المتبعة في العالم.

كيف يمكن لمرجعيّة ما، أن تأخذ قرارها المبرم، قبل أن تطلع بعمق، على ملفات مشبوهة تتعلق بمسؤول مشتبه به، وهي ملفات ليست من اختصاصها، ولا من صلاحياتها أصلاً للنظر فيها. ألا يشكل هذا التصرف المعيب إساءة للدولة، والإدارة المعنية، والقضاء والعدالة، وانحيازاً سافراً غير مقبول بأيّ صورة من الصور، لجهة فريق أو شخص؟! لماذا هذا التصرف النابع من نزعة طائفية مقيتة، دون الأخذ بالاعتبار الضمير، والعدل، ومصلحة البلد والناس؟! أهذا هو القانون الإلهي الذي تريد مرجعيات روحية تطبيقه، ولمصلحة مَن؟! لماذا في كلّ مرة يريد فيها القضاء وضع يده على ملف فاسد، تتحرّك مرجعية ما، مدفوعة بالحساسيات والخلفيات الطائفية، لتنتفض فجأة في وجه القضاء، ترفع صوتها النشاز، وتلوّح بالخطوط الحمر، وما أكثر الخطوط الحمر في هذه الأيام؟!!

الا تشكل الخطوط الحمر لمرجعيّة تزجّ نفسها، تحدياً مشيناً للعدالة والقضاء معاً، تثبت فيه، أنها منحازة بشكل سافر لفريق أو شخص، وإنْ كان هذا الانحياز يضرب بالصميم مسيرة القانون والأخلاق والمجتمع ككل، ويشجّع على الفساد، طالما أنّ الفاسد يجد له، سنداً ودفاعاً ودعماً، وتعظيماً ومباركة من طائفته؟!

هل المرجعيّة في خدمة المظلومين ام في خدمة المحظوظين؟! أهي في خدمة المسحوقين، ام في خدمة الخارجين عن القانون؟! هل القانون الإلهي الذي تحتمي وراءه مرجعية روحية ما، ينصّ على حماية الفساد والفاسدين، وتوفير الغطاء الشرعي لسياسيين، ومسؤولين أفقروا وجوّعوا رعاياهم، والدفاع عنهم في كلّ صغيرة وكبيرة؟! إنّ أيّ مرجعية روحية يحتم عليها الوقوف بجانب الحق والعدل، وبجانب الفقراء والمنهوبين ظلماً، ورفع التعدّي والغبن عن أبناء الشعب المقهور، ومحاربة الفاسدين، وهي لكلّ الناس من دون استثناء. لكن ان تنصّب نفسها، لحماية مسؤول فاسد من هنا، وموظف مرتشٍ من هناك، أو الدفاع عنه لغاية في نفس يعقوب، ثم ترفع راية الخط الأحمر، لتعطيل العدالة، فهذا يعني أنها تساهم مباشرة في استفحال الفساد، وشلّ العدالة، واستمرار تمادي المفسدين.

فعندما تكون المرجعيّة الروحيّة، في خدمة السياسة والسياسيين، ينتفي حيادها، ولن تكون لكلّ أبنائها، وانما تتصرّف باستنسابية، تخرج عن جوهر الدين، فترضي ظلماً طرفاً، على حساب الٱخرين.

إنّ أيّ مرجعية روحية، هي للجميع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق الانسان والمواطن، ومستقبله وحياته، بمعزل عن ديانته وطائفته ومذهبه وانتماءاته العقائدية والسياسيّة. عليها أن تتحسّس بأوضاع الناس والدفاع، عن المظلومين، وأن لا تنجرف في التعاطي سلباً مع الإجراءات والملاحقات القضائيّة لمسؤول ما، من خلال المفهوم الطائفي الضيق. عليها التصدّي لكلّ انحراف أو فساد بكلّ أشكاله، من ايّ جهة أتى، أو شخص ما، فالأمر لا يستقيم الا بالحق، اياً كان دين المسؤول أو طائفته.

أهي النزعة الطائفية ام المذهبية التي تحرّك المرجعية الروحية، عندما تصرّ على الوقوف بجانب مَن يلاحقه القضاء، أو يطاله تدبير إداري، أو يخضع لمناقلة وظيفية عملاً بالقانون؟! أم انها نزعة تدخل في إطار المصلحة الشخصية، والخصوصية المذهبية، والمحسوبية، تلجأ اليها مرجعيات روحية، في كلّ مرة، تجري فيها تعيينات مختلفة في مؤسسات الدولة، تتعلق بسياسيين، وإداريين، ودبلوماسيين، وقضاة، وضباط، وأكاديميين، وخبراء وتقنيين وغيرهم، في المناصب والأماكن الحساسة! عندما تقف مرجعية روحية ما، وراء تعيين محظوظين غير أكفاء، في مراكز فضفاضة عليهم، وغير مناسبة على قياسهم، ألا يشكل هذا في ما بعد، عبئاً ثقيلاً على طائفتهم المرجعية، ولا يخدم الهدف الوظيفي والوطني، بل يسيء مباشرة وبالصميم الى سمعة وأداء القيّمين عليها امام الشعب كله؟! وهل يعقل أن تحتضن مرجعية روحية، جماعة أو فريقاً سياسياً معيناً، من لون واحد، لتطلق من مقرّها مواقف سياسية طائفية، تدغدغ مشاعر البعض غريزياً، ويرفضها البعض الآخر منطقياً ووطنياً! هل الانحياز لطرف يخدم الطائفة ككلّ، ويحافظ على وحدتها وتماسكها، أم أنه يزيد الشرخ في صفوفها؟! أليس من الأفضل والأنسب أن تكون المرجعية الروحية، على مسافة واحدة من الجميع، وأن تقول كلمة الحق، حيث يجب أن تكون، دون خلفيات مشبوهة، تطرح تساؤلات وعلامات استفهام كبيرة، وأن لا تزجّ نفسها في الوقوف، إلى جانب جهة أو فريق أو أشخاص، راكموا كمّاً كبيراً من الممارسات خلافاً للقانون، ومن التجاوزات

السياسية والمالية، وإجراء الصفقات غير المشروعة؟! ألا يتوجّب على أيّ مرجعية روحية ألا تعيق مهمة القضاء وسلطته، والتوقف عن التدخل في شؤونه، في كلّ مرّة يريد النظر والتحقيق في ملفات حساسة ترتبط بمتهمين، كانوا السبب الرئيس وراء الانهيار الاقتصادي والمالي، وإفلاس المواطنين وقهرهم وإفقارهم، وسرقة جنى عمرهم.

أليست الطائفية نقمة وعلة مستعصية من علل لبنان؟! فعندما تتدخل الطائفية في كلّ صغيرة وكبيرة، ويكون هناك من يحرّضها، ويدفع بها ليأخذها بعيداً…. فأيّ دولة وأيّ مجتمع وأيّ شعب نريد؟!

الطائفية تفتّت ولا شك، وحدة الشعب ونسيجه الوطني، وتقضي على هويته الحقيقية، وعلى قوميته التي وجدت لتحتضن الشعب الواحد، بكلّ أديانه وطوائفه وعقائده. فعندما يتقدّم المفهوم القومي الجامع، تتراجع أمراض الطائفية، وتتظلل الطوائف تحت عباءة المبادئ القومية، والوحدة الوطنية الحقيقية، التي لا تفرّق بين إنسان وإنسان. فهي تبعد النزعة الطائفية التي تجعل مرجعية روحية ما، تدافع عن مسؤول أو موظف أو سياسي، يتبع لها ويخصّها، أو مهاجمة آخر يتعارض معها، ولا ينتمي اليها.

إنّ مواقف بعض المرجعيات، بتصرفاتها ومواقفها وأدائها المنحاز لفريق ضدّ آخر، أوْجدت شرخاً داخل الطائفة الواحدة، فبين داعم للنهج الطائفي ورافض له، وبين مقرّب محسوب على المرجعية ومبعَد عنها، بين مؤيد لسياساتها ومعارض لها، بين انتهازي منتفع محظوظ، وإنسان شريف مغبون، أصبحت بعض المرجعيات وللأسف الشديد، في وضع لا تُحسَد عليه، نظراً للغمز واللمز، والتهكّم عليها، والانتقادات والاتهامات التي تطالها، وتطال القيّمين عليها، داخل المجالس، والاجتماعات، والمنتديات، والصالونات، وغيرها…

إنّ دور المرجعيات الروحية، هو لحماية القيم الدينية والأخلاقية الحقة، والوقوف بحزم بجانب الفقراء والمهمّشين، والمظلومين، والمنهوبين من قبل حفنة من اللصوص، لا أن ترفع الخطوط الحمر في وجه الدولة، والقضاء، والمؤسّسات، وتغطي بمظلتها المفسدين، وتمنع العدالة من ملاحقة المختلسين، والمسبّبين في قهر الشعب، والناهبين أموال الناس. فالسارقون الناهبون مكانهم داخل السجن، ولا داخل الخطوط الحمر للمرجعيات الروحية، التي توفر لهم الملاذ والأمان، وتتيح لهم التهرّب من وجه العدالة ببركتها ورضاها، وحمايتها لهم.

نقول للمرجعيات الروحية، انحازوا الى الفقراء، والمعذبين، الى الكادحين، والجائعين، الى الباحثين عن عمل ولقمة العيش، ولا تنحازوا لأباطرة المال والنفوذ، والاحتكاريين، وطلاب المناصب، والساعين وراء الوجاهة والزعامة والمصلحة الشخصية. فالأنبياء والرسل لم يأتوا من أجل هؤلاء، ليدخلوهم ملكوت السماوات، وانما أتوا من أجل المؤمنين الصالحين الحقيقيين، ملح الأرض، يروونها ويسقون حياتهم، بعرقهم ودموعهم ودمهم، يعرفون الحق من الباطل، ويعرفون مخافة الله، التي لا تعرفها قلوب الباحثين عن الثروة والمال الحرام… لا تطلبوا من رعاياكم، العودة إليكم، والانصياع لكم، والالتفاف حولكم، بل عودوا أنتم الى احضان الشعب، ومطالبه ونداءاته، وصرخاته وجوعه، وآلامه… الشعب لم يعُد يكترث لخطاباتكم ومواعظكم وتصريحاتكم ومواقفكم، بعد أن عرف جيداً أنكم في خدمة طبقة عاجية فاجرة، تقبض على البلاد والعباد، تحوز على رضاكم وحمايتكم، بينما هو في عالم آخر منبوذ، مهمّش، لا يضمّ سوى البؤساء والمقهورين، والمعذبين في الأرض.

*وزير سابق

مكافحة الفساد ومحاكمة الفاسدين لن تحلّ المشكلة..فهل نصدّق؟

ناصر قنديل

يفرح اللبنانيون بمن يقول لهم إن أزمتهم الاقتصادية تختصر بأن مجموعة لصوص سرقوا الأموال وإن وضعهم في السجون وتجريدهم من هذه الأموال هو الحل. فالتفسير المبسط بربط الأزمة بالفساد جاذب، ويُعفي من التفكير بالتعقيدات الاقتصادية. والأهم أنه لا يدعو اللبنانيين لتقبل حقيقة أن الخروج من الانهيار الذي يعيشون في ظله، والمرشح للتفاقم، يحتاج صبراً وتعايشاً مع ظروف مختلفة عن تلك التي اعتادوها خلال سنوات مضت، أنفقوا خلالها عن سنوات مقبلة، عبر الإفادة من سعر صرف منخفض للدولار جرى تمويله بديون سيكون عليهم تسديدها لثلاثين سنة مقبلة، وقد تكفلت حتى الآن باستهلاك كل ودائعهم، وها هم يصحون على الخديعة الكبرى التي لا يستطيعون ولا يريدون تصديقها، فيما تصطدم كل محاولة عقلانية لتشريح المشكلة الاقتصادية والمالية، بعناد شعبويّ، يغذّيه مستفيدون سياسياً من التبسيط القائم على نظرية ومؤامرة الفاسدين، لتسليط كرة النار الغاضبة وتوجيهها لخدمة أغراض وأجندات سياسية.

الفساد موجود بالتأكيد، وهو أكبر معضلة يواجهها الاقتصاد، ولكنه ليس الفساد الذي ينتهي بالسجون والمحاكم، الذي لا يمثل أكثر من 10% من حجم الفساد القاتل للاقتصاد والمبذر للمال العام. فالفساد الحقيقي والتدميري كامن، في نظام الرشوة السياسية والاجتماعية، الذي يشكل قلب الحياة السياسية في لبنان، فعندما ننظر لملف كالكهرباء، الذي كلف الخزينة نزفاً يزيد عن 40 مليار دولار، نسأل ماذا لو نجح الوزراء المتعاقبون من كل الأحزاب والتيارات بحل أزمة الكهرباء كما يراها اللبنانيون، أي تأمين الكهرباء 24/24، هل كان هذا النزف ليتوقف، والجواب المرعب هو لا بالتأكيد، لأن في الكهرباء ثلاث مشكلات منفصلة، واحدة خدمية تتصل بتأمين الكهرباء للبنانيين 24/24، وهذه دونها عقلية المحاصصة التعطيلية للمشاريع بتناوب المعنيين في السلطة على التعطيل إما باقتراح مشاريع تضمن لهم حصصاً يرفضها الآخرون، أو بهذا الرفض من الآخرين طلباً لمحاصصة مغايرة، ودونها من جهة ثانية مصالح أصحاب المولدات وتوزعهم على القوى السياسية الكبرى، وأغلبهم مفاتيح انتخابية، ووجاهات محلية، وإقفال هذه الصناعة والتجارة القائمة على حساب المال العام، يصيب قرابة عشرة آلاف صاحب مولد، وقرابة خمسين ألف مستفيد يعملون في هذا القطاع المستجدّ، لكن حجم تأثير إلغاء هذا القطاع على كتلة الـ 40 مليار دولار لا يزيد وفره عن 10%، أما أزمة الكهرباء الثانية فهي “فسادوية” تتعلق بالسرقات والسمسرات والعمولات، مثل صفقات الفيول بأصلها وتجارتها، والغش بنوعيته، وعمولات التلزيمات الكبيرة والصغيرة، وحجمها لا يصل إلى 10% من الـ40 مليار دولار، أما الـ 80% من الكتلة المالية التي يمثلها رقم الـ 40 مليار دولار فتعود ببساطة، إلى أن لبنان زاد استهلاكه غير المدفوع من الكهرباء مع النزوح السوري أكثر من 100%، بينما زادت قيمته بالعملة الصعبة 200% مع زيادة سعر النفط، فيما تسعير الكهرباء على من يسدّدون فواتيرهم في لبنان، وحجم الجباية، يوفران من عائد الكلفة الإنتاجية إذا توفرت الكهرباء 24/24، ما لا يزيد عن 20% من قيمتها ما لم تتم زيادة التعرفة أربعة أضعاف على الأقل. والفساد السياسي الكبير هو هنا، أن السلطة، فضلت ترك اللبنانيين بالإضافة للسوريين والفلسطينيين يستهلكون الكهرباء الرخيصة، وتسدد من المال العام فرق الكلفة، وتركت بعضهم ينشئ مولدات وشركات توليد محلية، وما تقوم به السلطة هو بتخفيض الإنتاج لتخفيض التكلفة عندما يرتفع سعر النفط وتكبر الفاتورة، لأنها لا تجرؤ على مكاشفة اللبنانيين بالحقيقة، ولا على مطالبة الهيئات الدولية الراعية للاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، بدفع بدلات استهلاكهم للكهرباء على الأقل، والسلطة لا تجرؤ أيضاً على فعل ما يجب عليها فعله لحماية مصالح اللبنانيين الحقيقية والبعيدة، لأن السياسة في لبنان تقوم أصلاً على هذا النوع من الرشى الداخلية والخارجية، وأي حلّ اليوم للكهرباء سيعني تضاعف الفاتورة الكهربائية أربع مرات على اللبنانيين، بتقنين وبدون تقنين، وبمولدات ودون مولدات.

بالنظر لقضية مماثلة، هي سلسلة الرتب والرواتب، التي ضخت منذ عام 2017 زيادة تعادل ثلث الدخل العائلي والفردي، وزادت الاستهلاك بنسبة الثلث أيضا، مع سعر ثابت للصرف في سوق العملات الصعبة، توزعت اتجاهاتها على ثلاث وجهات ضاغطة على سوق العملات الصعبة، هي زيادة 100% في سوق العاملات المنزليات، ومثلها في سوق شراء السيارات، ومثلها في السفر السياحي إلى الخارج، وهل ثمّة سياسي كان ليجرؤ على رفض سلسلة الرتب والرواتب، خصوصاً أن الرفض سيكون فساداً ما لم يرفض قبله أولاً التنامي الجنوني في خدمة الدين، ويرتبط بوضع سياسة إنقاذ ونهوض شاملتين، والفساد الكبير القائم في النظام اللبناني، هو هذا التبادل في المصالح، نظام مصرفي يقول للسياسيين، من حاكم المصرف إلى أصحاب المصارف، لا تمسوا عوائد الفائدة المرتفعة وسياسة الاستدانة والهندسات المالية، وسنموّل لكم سلسلة الرتب والرواتب الشعبويّة التي تؤمن رضا قواعد مناصريكم، وتضمن لكم الفوز في انتخاباتكم، وليذهب لبنان إلى الخراب، فنحن نشتري الوقت ليس إلا، كما فسّر حاكم مصرف لبنان الهندسات المالية علناً.

العودة إلى الأرقام سترينا ما هو مدهش، فالفارق بين الصادرات والمستوردات حافظ في لبنان خلال أكثر من عشر سنوات ما بين 1997 و2007، على معدل 7 مليارات دولار عجز سنوي، بينما ميزان المدفوعات كان يشهد فائضاً تحققه عائدات السياحة وتحويلات اللبنانيين من الخارج، وعندما بدأ يقع العجز بتراجع هذين العاملين أو أحدهما، كانت تتكفل بتغطيته قيمة التمويل الآتي من الاستدانة الآخذة في التعاظم تحت مسميات جاذبة، باريس 1 وباريس 2 وأخواتهما، ومنذ 2007 حتى 2017، سنشهد انحداراً جهنمياً نحو هاوية سحيقة، لم يكلف أحد نفسه عناء مصارحة اللبنانيين بحجم خطورتها ونتائجها المدمرة، فكيف يكلف أحد نفسه بالسعي لخطة إنقاذ من كارثة لا يعترف بوجودها أصلاً؟ فالسياسة والمال في لبنان مسألة شراء وقت، والأرقام تقول إن فوارق الاستيراد والصادرات زادت من 7 إلى 17 مليار دولار، وفي الوقت ذاته تجمدت تقريباً عائدات السياحة والتحويلات، ومعها بلغ الدين حجماً يستحيل معه الحصول على المزيد، فتراكم عجز ميزان المدفوعات أي فارق دخل لبنان بالعملات الصعبة عن إنفاقه لها، ووصل العجز التراكمي حتى عام 2017 إلى 18 مليار دولار، وماذا يفعل نظام الفساد القائم على إخفاء الحقائق طلباً لرضى الناخبين، سوى شراء الوقت، فما كان سيدر ولا كانت الهندسات المالية إلا للمزيد من شراء الوقت، بدلاً من طرح السؤال، لماذا زاد العجز في الميزان التجاري بهذا الحجم، وكيف يمكن تصحيح بعض الخلل فيه؟

الواضح أن زيادة سعر النفط كانت العامل الأهم في البداية، ثم جاءت الحرب على سورية وفيها، فقطعت خطوط التصدير وتراجعت الصادرات بملياري دولار، وتدفق النازحون السوريون بتشجيع سياسي لبناني مطلوب خارجياً، فزاد الاستهلاك اللبناني بأكثر من ملياري دولار بمزيد من الاستيراد، وجاءت سلسلة الرتب والرواتب وزاد الاستيراد بمليارين آخرين أغلبها في سوق السيارات المستوردة والكماليات، وزاد بمليارين آخرين حجم تحويلات للبنان إلى الخارج في بندي السياحة اللبنانية في مصر وتركيا واليونان وفاتورة العاملات المنزليات، فكيف تصرف نظام الفساد السياسي اللبناني؟ والجواب بمزيد من شراء الوقت، بوهم سقوط سورية، ووهم سيدر، ووهم تراجع أسعار النفط. وبماذا يملأ نظام الفساد السياسي الوقت الذي يشتريه؟ الجواب بتبادل العائدات، تمديد عمر ثقب الكهرباء تفادياً لكلفة الحقيقة، وتمديد عمر نظام الفوائد العالية وتمويلها بهندسات مالية هي عملياً شراء آخر 10 مليارات لدى اللبنانيين بصيغة ودائع، لحساب مصرف لبنان لتمويل عجز الطلب على العملات الصعبة، بدفع سعرها مضاعفاً للمصارف باسم جذاب هو الهندسات، شرع تسعير الدولار عملياً بضعف سعره منذ عام 2016.

الجواب الاقتصادي كان ولا يزال بسيطاً، كهرباء 24/24 وتسعير بالكلفة وعائد نسبي منصف للاستثمار، وتوفير نفط رخيص للكهرباء يخفف الكلفة على المستهلك وعلى سعر المشتقات وعلى فاتورة الاستيراد، بوابته تفاهم لبناني عراقي سوري على تشغيل أنبوب كركوك طرابلس، وليغضب من يغضب، أليس الشعار هو لبنان أولاً؟ وفتح الباب للتصدير وتجارة الترانزيت، وبوابته تفاهم مع سورية، وتأمين عودة النازحين لتخفيض فاتورة الاستيراد، لنعود إلى ارقام 2007، وقد تكفل للأسف سعر الصرف بتصحيح عكسي لقدرات اللبنانيين الاستهلاكية فامتص ثلاثة أضعاف عائد سلسلة الرتب والرواتب، التي طبقت للأسف أيضاً على موظفين تم توظيفهم ونحن ننهار عام 2018، لخدمة نظام الفساد السياسي ذاته، ومن يجرؤ على القول لهؤلاء اليوم، آسفون لا مكان لكم في الدولة؟

مغادرة شراء الوقت مطلوبة سياسياً، واقتصادياً، وشعبياً، فليس لدينا ترف الوقت، لا لننتظر سيدر، ولا لننتظر صندوق النقد الدولي، ولا لننتظر محاكم الفساد والحل السحري الجذاب المسمّى، عودة المال المنهوب، الشعار الذي نجيد في قلب نظامنا القائم على شراء الوقت، والرشوة المادية والمعنوية للشعب، أن نحوّله إلى جزء من لعبة عض على الأصابع بين أطراف النظام المالي والسياسي لإعادة ترتيب معادلة شراء وقت جديد، والوقت ينفد.

يا دولة الشيخ سعد: حسان دياب متّهم؟!

د. عدنان منصور

معكم كل الحق، يا دولة الشيخ سعد… حسان دياب متهم، ارتكب جريمة بحق الوطن، لأنه على حدّ قولكم، قال “كلاماً خطيراً يتلاعب على عواطف الناس ليتبرّأ من التقصير الفادح الذي تغرق فيه الحكومة من رأسها إلى أخمص قدميها”. نعم، لقد صدقت، فهو المسؤول عن التقصير الفادح، لأنه حكم لبنان في زمن الرئيس رفيق الحريري، وفي زمن الرئيس النزيه فؤاد السنيورة، وفي زمن الرئيس أبي الفقراء نجيب ميقاتي، وأيضاً في عهدكم الزاهر الميمون، حيث كنتم كما تروّجون للناس أنكم كنتم مكبّلي الصلاحيات، رغم ما للحكومة من صلاحيات واسعة!

نعم يا شيخ سعد! حذرتم وقلتم “احذروا أيها اللبنانيون، المتاجرة السياسية والحزبية بأوجاعكم ولقمة عيشكم، وضمور مداخيلكم، ولا تقدّموا لتجار الهيكل فرصة الانقضاض على النظام الاقتصادي الحر”… لكم كان حذركم يا دولة الشيخ سعد صادقاً وفي مكانه، لأنّ حسان دياب منذ مطلع التسعينيات أسّس للفساد، وفتح حقائب المال يوزّعها على هذا وذاك، وأنشأ مع زمرة من المنتفعين، شركة صادرت الأملاك الخاصة من دون وجه حق، وبأبخس الأثمان، مما تسبّب بعد ذلك، بتشريد أهالي بيروت ـ الذين كانوا ينعمون بالرزق في ما مضى في الوسط التجاري ـ إلى عرمون وخلدة، والناعمة والسعديات، والدبية وصولاً الى الرميلة وصيدا واللائحة تطول.

نعم يا شيخ سعد! حسان دياب متهم لأنه ارتأى بنظركم، “الانتساب إلى مواقف تعوّدتم عليها منذ التسعينيات، بعد ان أنزلت عليه رئاسة الحكومة في ليلة لم تكن في الحسبان”، لأنّ الإقطاعي السياسي في لبنان تعوّد وللأسف الشديد، أن يرى المنصب، يتحدّر ويورّث داخل الأسرة الواحدة، حيث تجيّر عباءة الحكم، وتلبّس من الأب الى الابن، الى الحفيد والشقيقة وابن الشقيق، بمعزل عن قدراته العقلية، وكفاءته ونزاهته، وهذا التوريث لحسن حظ الدكتور حسان دياب، لا ينطبق على الأكاديمي والوزير السابق للتربية والتعليم.

نعم يا دولة الشيخ سعد! حسان دياب متهم، لأنّ حكومته على حدّ زعمكم، “تستجدي التحركات الشعبية بإغراءات شعبويّة” على اعتبار أنّ هذه التحركات والمطالب الشعبية، والبطالة، وجوع الناس، والفساد المستشري منذ ثلاثين سنة، والذي فاق كلّ حدود، وفقدان هيبة القانون والدولة، لم تعرفه حكوماتكم، ولا الحكومات التي كانت تدور في فلككم، بل كان المنّ والسلوى يتساقط في أفواه الجياع لا سيما العاملين في مؤسّساتكم الباهرة!

نعم يا دولة الشيخ!

حسان دياب، أذنب بحق الشعب اللبناني وبحقكم، لأنه جمع الثروات الخيالية وبنى القصور، وامتلك البنوك، واشترى العقارات والفنادق والطائرات واليخوت، واستولى على جنى عمر الكادحين، فكنتم الضحية من بين ضحايا الشعب، حيث جوّعكم حسان دياب، وشرّدكم وهجّركم، وسرق عمركم وأحلامكم، وأمات الأمل والبسمة في قلوبكم، وأنتم تبحثون عن مأوى، وعمل وأمان.

نعم يا دولة الشيخ!

لقد ثبتت التهمة على حسان دياب، لأنه خرق الدستور والقانون مرات ومرات، وجمع الثروات غير الشرعية، وأُعفي من ضريبة الميراث من دون وجه حق، وأجرى الصفقات، واستولى على الأملاك البحرية والنهرية والبرية، وسخّر نفوذه للظفر بالصفقات المشبوهة، وتحصيل المال الحرام، وتزويد الجماعات الأصولية المتطرفة التي عبثت بأمن لبنان، بالمال وما أدراك ما المال، ولم يكترث للفقراء الذين يبحثون عن عمل ومستشفى ورغيف الخبز ولقمة العيش.

نعم يا دولة الشيخ سعد! حسان دياب خلال شهرين فقط، ارتكب المعاصي، لأنه جمع حوله الأزلام والانتهازيين، والمحسوبين، والمنافقين، والمنتفعين، والمحظوظين، والمرتشين، والمختلسين، وأنعم عليهم بالمكرمات، والامتيازات والاحتكارات، والصفقات المشبوهة، والمشاريع الحصرية المدرّة للمال الحرام، واقتسمه معهم.

نعم يا دولة الشيخ!

حسان دياب متهم، لأنه وضع يده على القضاء منذ التسعينيات، ولم يسمح له أن يفتح ملفاته الشخصية، وملفات حاشيته، ومعرفة ثرواته وثرواتهم، وأمواله وأموالهم غير المشروعة، ومصير عشرات المليارات التي حوّلت وهرّبت إلى الخارج، حيث كان في كلّ مرة، يريد القضاء مساءلته وفتح ملفاته، كان يحرّك المنافقين، من وعّاظ السلاطين، والعازفين على الوتر المذهبي في وجه القضاء، ليرفعوا صوتهم الباطل ليقولوا له: هذا خط أحمر!

نعم يا دولة الشيخ سعد! تريدون لبنان كدولة سكسونيا! بكلّ تأكيد سمعتم بقانون سكسونيا، الذي كان سائداً في إحدى المقاطعات الألمانية في العصور الوسطى، وللتذكير فقط – وقد تنفع الذكرى – فإنه بموجب هذا القانون، كان المجرم، يحكم عليه بقطع رقبته إذا كان من طبقة الرعاع، أيّ من عموم أبناء الشعب، الذين لا ينتمون الى طبقة النبلاء (الحكام). أما إذا كان من النبلاء وارتكب جريمة فظيعة، فإنّ هذا النبيل يُحضر بُعيد شروق الشمس، أو قبيل غروبها، حيث يكون ظله طويلاً على الأرض، فيقف النبيل بفخر واعتزاز مبتسماً، بكلّ وقاحة وعنجهية وغرور أمام الجلاد، الذي يهوي بفأسه على رقبة ظله، والجمهور المغفل المسكين، يصفّق فرحاً بتنفيذ حكم العدالة السكسونيّة!

في دولة سكسونيا، يُسجَن السارق المحتاج إلى رغيف الخبز، وتطبّق عليه العقوبة الصارمة، ويُترَك اللصوص من النبلاء، لا يدفعون الضرائب، بل ينهبون، حيث القانون يطبّق باستنسابية بين فئة وأخرى.

في دولة سكسونيا، يقبض على الدولة النبلاء وأولادهم ونساؤهم، وأمراء الحرب وأباطرة المال، مصاصو دماء الشعب وعرقه، ويُزَجّ بالأحرار الأبرياء في السجون، ويوضع المطالبون بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان وراء القضبان.

هذا في سكسونيا! فماذا في لبنان يا دولة الشيخ سعد؟!

مشكلة حسان دياب أنه إبن الشعب، يتحسّس بضمير حي مشاكل الوطن، وهموم الجائعين المنهوبين المعذبين على يد “نبلاء” طبقة الفاجرين، ويعرف مدى فساد وطغيان الطبقة المكروهة وفجورها التي حكمت اللبنانيين…

حسان دياب أتى مع فجر جديد واعد يريده نظيفاً نقياً، ولم يأتِ قبيل أو بُعيد شروق الشمس وغروبها.

في لبنان حيث يريد البعض ان يسود فيه قانون سكسونيا، ينبري حسان دياب، بسياسة الأخلاق، ومعه كلّ الأحرار الشرفاء، في وجه ممارسي أخلاق السياسة من الفاسدين والمفسدين في الأرض، والعابثين بحقوق الشعب، الذين ينسّقون اليوم في ما بينهم، يهرولون، مذعورين، يتنادون يجمعون صفوفهم المنهارة، يعربون عن قلقهم ومخاوفهم من يوم آتٍ لا محال، والأرض تهتزّ من تحت أقدامهم، وصوت عالٍ يأتي من بعيد، موجهاً النداء لهم ولحاشيتهم وأتباعهم، يناديهم، يدعوهم للتأهّب، يقول لهم: يا رفاق مواخير السياسة والفساد اتحدوا…!

*وزير سابق.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هل يكون حسان دياب هو المنقذ؟

علي بدر الدين

أعلن رئيس الحكومة حسان دياب الحرب من دون مجاملة أو مهادنة أو تردّد على الفساد والفاسدين بصراحته المعهودة وبثقة رجل الدولة المسؤول والمؤتمن على الوطن والناس والمؤسسات، الواثق من قدرته على مواجهة طبقة سياسية ومالية متمرّسة في وضع اليد والسيطرة على مقدّرات الدولة وأموالها العامة وحقوق الشعب وعلى تجيير المؤسسات الرسمية لخدمة مصالحها وأزلامها، وقد رفع دياب سقف كلامه حتى الحدّ الأقصى في اتهام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وتحميله مسؤولية الانهيارات المتتالية المالية والنقدية وخاصة ارتفاع سعر صرف الدولار غير المسبوق، وأدّى إلى هبوط حادّ في قيمة العملة الوطنية ونجح في كشف المستور المخبّأ في مغارة المصرف المركزي.

انّ ما تضمّنه كلام رئيس الحكومة من قصر بعبدا يؤشر إلى انّ المعركة فتحت على المنظومة السياسية والمالية من دون هوادة، وانها بمثابة قرار ملزم لا يمكن التراجع عنه أو الانسحاب منه تحت أية ذرائع او مبرّرات وربطها بدقة وحساسية الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وأعتقد انّ قرار المواجهة مع هذه الطبقة قد اتخذ عن سابق إصرار وتصميم، خاصة انّ اللعب على المكشوف وفلتان السوق المالي والنقدي والتلاعب بالليرة ومصير الوطن والشعب لم يعد مطلوباً أن تقف الحكومة والجهات السياسية الرسمية والحرصاء على هذا البلد وهو ينهار ويغرق ويحتضر، ولا بدّ من يد نظيفة لانتشاله وإنقاذه ولو بقشة أو موقف أو حتى بكلمة صادقة صادرة عن رجل جاء من أقصى المدينة لخوض غمار معركة الإنقاذ… ورغم الصعوبات قد يكون حسان دياب، ولكن دون ذلك مصاعب وعقبات وتضحيات.

انّ أولى خطوات المواجهة وانْ كانت بالكلمة الموقف والنجاح أوله كلام وآخره حصاد وفير، وهذا يفرض البدء بتقويض أسس وقواعد امبرطوربات الطبقة السياسية والاقتصادية والمالية وقصّ أجنحتها وقطع رأس الأفعى والباقي يتساقط الواحد تلو الآخر كأوراق الخريف…

انّ شجاعة وجرأة وصراحة رئيس الحكومة لطالما انتظرها اللبنانيون المنتفضون على طبقة أكلت الأخضر واليابس، وقد صفقوا لها وله رغم الخوف من العودة الى التهدئة والتسوية وتأثير التدخلات الخارجية التي تهدّد كلّ من يعمل لمصلحة وطنه وضدّ ودائعها في لبنان وبعض مؤسساته.

انّ الصعود الى القمة إنجاز ولكن الإنجاز الأهمّ هو الحفاظ عليها والبقاء فيها وعدم السقوط الذي سيكون مدمّراً.

انّ كلمة دياب التي هي ليست كالكلمات تكمن أهميتها في مضمونها وتوقيتها، وهي بمثابة وعد وعهد من غير المقبول التراجع عنه مهما كانت الضغوط والمبرّرات لأنه الأمل الوحيد المتبقي للبنانيين وهو الرصاصة الأخيرة التي يجب أن تصيب الفساد وتجتثه وتخيف الفاسدين بل هي الرهان الأخير الذي يعوّل عليه…

المقاومة بين رسائل الخارج وهجوم الداخل

العميد د. أمين محمد حطيط

رغم ما أحدثه كورونا من انشغال عالمي، وما فرضه من حجر على أكثر من 4 مليارات نسمة، ورغم افتضاح عجز أميركا و»إسرائيل» عن التصدّي لهذا الوباء الذي كشف حالة الوهن في بنيتهما الصحية وأظهر المخاطر التي تحيق باقتصادهما، رغم كلّ ذلك وجد الأميركي والإسرائيلي الوقت للتهديد او العدوان على محور المقاومة متوخياً تحقيق أهداف ظنّ أنه قادر على الوصول اليها أو فرضها او مفترضاً أنّ العدو أو الخصم سيخضع له ويدعه يحققها. فما هي تلك الأهداف وكيف كان ردّ محور المقاومة وما النتائج والمرتقب بعدها؟

نبدأ بالموضوع الأول الذي تمثل بالتحرّش الأميركي بالبحرية الإيرانية في الخليج، وهو تحرّش ظنّ الأميركي انّ بإمكانه عبره ان يعطل مفاعيل القصف الإيراني لقاعدة «عين الأسد» الأميركية في العراق، وأن يستغلّ انشغال إيران بمواجهة كورونا، ويظهرها عاجزة عن الردّ، وأخيراً أن يصنع عبر التحرّش والمواجهة خبراً يتداوله الإعلام في ترتيب أوّل ما يحجب إخفاقه الداخلي في مواجهة كورونا، كما يضخم الأخطار الخارجية على الأمن القومي الأميركي، ما يُسكت المناكفات والصراعات الداخلية بين ترامب وحكام الولايات، تلك الصراعات التي فضحت كورونا وجودها وفتحت المجال لتصوّر وقوع الأسوأ على صعيدها..

لكن إيران لم تسكت على التحرّش وتصرّفت بحزم وعلى وجهين، الأول عملاني في الميدان حيث وجّهت زوارقها للتحرّك في محيط قطع الأسطول الأميركي الخامس واقتربت إلى الحدّ الحرج عسكرياً من القطعة البحرية الأميركية، اقتراب له من الدلالات ما يفهمه العسكريون وهي ليست في صالح الهيبة الأميركية. أما الوجه الثاني للردّ الإيراني فقد كان في البيان التحذيري الناري الشديد اللهجة الذي وجّهه الحرس الثوري الإيراني إلى أميركا محذراً قيادتها من «الحسابات الخاطئة». وفي الوجهين دلالة واضحة انّ إيران على جهوزية عسكرية تامة للردّ على أيّ استفزاز او عدوان وأن ليس من شأن كورونا أن يؤثر على هذه الجهوزية اذا اضطرت إيران للجوء اليها ولن تكون عملية قصف «عين الأسد» إلا نموذجاً مصغراً للردّ الإيراني المقبل الذي سيأخذ بعين الاختبار متغيّرات الواقع العسكري الأميركي خلال الشهرين الأخيرين، بما في ذلك نشر الباتريوت في العراق. وبالتالي يعتبر جسّ النبض الأميركي لإيران قد فشل في تحقيق أهدافه وعزّزت إيران معادلة الردع بوجه أميركا مخدومة بقواعد اشتباك أصبحت أميركا تعرف كيف أنّ عليها احترامها.

أما الموضوع الثاني فقد تمثل بالعدوان الإسرائيلي على سورية حيث استهدف سيارة جيب للمقاومة كان على متنها مقاومون عائدون من سورية إلى لبنان، وتمّ العدوان في شكل يثير سؤال مهمّ: هل الإسرائيلي قصد النتيجة بالشكل الذي انتهى إليه الأمر أيّ عدم المسّ بالمقاومين مع تدمير السيارة أو انّ خللاً ما ضيّع على «إسرائيل» فرصة إصابة المقاومين داخل السيارة ما مكّنهم من تركها قبل أن يطلق الصاروخ الثاني؟ فإذا كان الفرض الأول هو الصحيح فانّ ذلك يعني انّ «إسرائيل» تصرّفت مع قيد رادع وخشيت من ردّ المقاومة التي أنذر قائدها «إسرائيل» بأنّ أيّ مسّ بمقاوم سيلقى الردّ المناسب من لبنان أو من سورية داخل أو خارج مزارع شبعا. أما إذا كان الفرض الثاني هو الصحيح فإنه يعني أنّ المقاومين عرفوا كيف ينتقلون وكيف يضيّعون على العدو فرصة النيل منهم.

ولكن ومهما كان من أمر قصد العدو الإسرائيلي، فإنه يستفاد من مجريات الميدان أنّ العدوان جاء ليوجه رسالة إلى المقاومة بأنّ الظروف الصحية الإسرائيلية بسبب كورونا لم تشغل «إسرائيل» عن ملاحقة المقاومة وتتبّع خطواتها في لبنان وسورية وهي رسالة يحتاجها نتنياهو اليوم من أجل القفز فوق المأزق السياسي الشخصي والحكومي الداخلي المتمثل بالعجز عن تشكيل حكومة منذ أكثر من سنة وبعد أكثر من دورة انتخابات نيابية.

بيد أنّ المقاومة لم تدع لنتنياهو فرصة تحقيق أهدافه من العدوان حيث وجّهت له صفعة سريعة أنست الجميع ما حملته المسيرة الصهيونيّة من رسائل وأنتجت إرباكاً في «إسرائيل» فاق كل ما هو متوقع. حيث إنه وفي أقلّ من 48 ساعة من اقتراف «إسرائيل» جريمتها فتحت 3 ثغرات في السياج الإسرائيلي الحدودي وتركت فيها من الآثار ما أفهم «إسرائيل» بأنّ تدمير الأنفاق التي فاخرت بالنجاح في إنجازه، لم يغيّر شيئاً في أهمية وجدية تهديد السيد حسن نصرالله من احتمال توجيه الأمر للمقاومين للعمل القتالي الهجوميّ في الجليل، وهو أمر يرعب الصهاينة على كلّ مستوياتهم.

How Did The Enemy Interpret The Lebanese-Palestinian Border Fence Incident?

كما انّ الرسالة تؤكد بأنّ المقاومة التي نجحت نجاحاً باهراً في عرضها للجيش الصحي في الداخل اللبناني والتي تنخرط بكلّ جدية وفعالية في مواجهة كورونا، انّ هذه المقاومة على جهوزية تامة للعمل العسكري المناسب في مواجهة أيّ عدوان او تهديد او خطر إسرائيلي.

وعليه نرى أنّ الرسائل العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى محور المقاومة استدعت من الردود ما عطل مفاعليها وما أجهض أهداف العدو الذي أرسلها، وبذلك يكون محور المقاومة أكد على ما كان صاغه من معادلات الردع وقواعد الاشتباك التي لا تمكّن الطرف الآخر من ممارسة سياسة اليد العليا ما يعني انّ المقاومة ومحورها أفشلا الاستفزاز وردّا على الرسائل بما يؤلم الطرف الآخر.

بيد أنه إلى هذا النجاح يبدو في الأفق أمر مقلق في لبنان يتمثل بما يبدو أنه يحضّر على الصعيد الداخلي فيه، اذ يبدو انّ أميركا تخطط لشيء خطر تضع هي خطوطه وتقود تنفيذه الذي يوكل إلى أطراف محليّين اشتهروا بحقدهم وبعدائهم للمقاومة وانصياعهم لقرارات أجنبية تمسّ بأمنها وأمن لبنان واستقراره وتعرّض مصالحه للخطر. وهنا نتوقف عند ما تقوم به السفيرة الأميركية في بيروت من تحشيد لهذه القوى ما يعيد إلى الأذهان الانقلاب الذي نفّذته تلك القوى في العام 2005.

وللتذكير بالدور الأميركي في لبنان في تلك الفترة نستعيد ما حصل بعد احتلال العراق ورفض سورية الانصياع للمطالب الأميركية حيث كان القرار 1559 «الناظم للشأن اللبناني أميركياً» والذي أعقبه قتل رفيق الحريري وتشكيل جماعة 14 آذار المسيّرة أميركياً والمعادية لسورية وللمقاومة. وهي الجماعات التي نفذت بتوجيه أميركي انقلاباً سياسياً على مرحلتين الأولى تمثلت بإسقاط حكومة عمر كرامي التي يملك قرارها حلفاء سورية والثاني الحصول على أغلبية نيابية وتشكيل حكومة تعادي سورية، حكومة أرست قواعد تعامل عدائية مع سورية لا زالت نافذة حتى اليوم رغم كلّ التبدّلات.

نذكّر بهذا الماضي حتى نسقطه على الحاضر، حيث إنّ وزير خارجية أميركا جورج بومبيو أطلق في آذار 2019 خطة تغيير الحكومة لإخراج المقاومة منها والتنكّر للأغلبية النيابية واستعادة قرار لبنان كلياً إلى اليد الأميركية بعيداً عن أيّ أثر لمحور المقاومة فيه، وقد حققت خطة بومبيو بعض أهدافها وفشلت في تحقيق الجزء الأهمّ منها وهو عزل المقاومة ومحاصرتها بما يعطل فعاليتها، لذلك جاءت السفيرة الأميركية شيا اليوم في خطة استلحاق لتحقيق ما فاتهم تحقيقه، من أجل ذلك تسعى شيا إلى تشكيل حلف معارض، هدفه إسقاط حكومة دياب التي يصفونها بأنها حكومة اللون الواحد المسيطر عليها من حزب الله. وهي الحكومة التي نجحت بشكل واضح حتى الآن في مقاربتها لأخطر الملفات (الدَّيْن – كورونا – المغتربين).

تقوم أميركا بـ «هجومها» من دون أن يعنيها ما سيتسبّب به إسقاط الحكومة من فراغ سياسي او إشاعة اضطراب مالي واجتماعي وحتى أمني، فالمهمّ لديها كيف تسقط حزب الله حتى ولو سقط لبنان معه. وهنا التحدي الذي يواجه الآن المقاومة وحلفاءها، الذين ينبغي ان يعلموا انّ الوقت الآن ليس للغنج والدلال او تحصيل المكاسب الشخصية، فأميركا تلعب الآن لعبتها الأخيرة التي ليس لديها الوقت الطويل لتنفيذها فهي مهلة لا تتعدّى الأشهر الستة، فإما أن تنجح ويغرق لبنان، او تفشل وينجو لبنان وهي جادّة في خطتها خاصة بعد سلسلة الإخفاقات التي حصدها ترامب في أكثر من اتجاه، وهو يؤمن انّ في نجاحه في لبنان مصلحة له ولـ «إسرائيل» على حدّ سواء. وهنا أهمية المواجهة من قبل المقاومة وحلفائها حتى لا تتكرّر استقالة عمر كرامي عام 2005، ولا محاصرة العماد لحود بعدها ولا الانقلاب السياسي مجدّداً، ولا الفتن وعمليات القتل الممنهج…

*أستاذ جامعي وخبير استراتيجي.

العيش (والموت) في زمن «كورونا» – أسعد أبو خليل

المصدر

العيش (والموت) في زمن «كورونا»  – أسعد أبو خليل

كنتُ دائماً أتصوّر كيف تعاملَ الناس في القديم مع الطاعون (والعربُ تُميّز بين الطاعون والوباء) وكيف كانت تتراكم الجثث في الشوارع، من دون أن يجرؤ أحد على لمسها. خسرت أوروبا نحو نصف سكّانها، في القرن الرابع عشر، في طاعون «الموت الأسود». وكانت نسبة الإصابة الأعلى بين القساوسة، لأنّهم كانوا يتجاهلون المصاعب ويزورون المرضى المحتضرين على فراش الموت ليسمعوا اعترافاتهم. التقدير أنّ نسبة الموت بين القساوسة كانت أعلى من ٤٠٪ (كان هؤلاء مثل الأطباء والممرضين والممرضات في عصر «كورونا»، مع فارق أنّ الطب يقدّم العلاج والرعاية، فيما يقدّم الدين شيئاً آخر تماماً)، وهذا اضطرّ الكنيسة لأن تفتي بأنه يمكن لأيّ كان («حتى النساء») سماع اعترافات المحتضرين. وكانت الطواعين تولّد حفلات من الجنون الجماعي: طاعون «الموت الأسود» أنتج فرقة سوطيّة كان أفرادها ينتقلون من بلدة إلى أخرى، حيث يعمدون إلى ضرب أجسادهم بالأسواط والمعادن، إلى أن يتقرّح جلدهم وتتفجّر دماؤهم وكل ذلك طلباً للتوبة. كان المؤمنون لا يتوقّفون عن طلب تفسير للنكبات من الكنيسة، وكانت الأخيرة عاجزة عن تقديم أجوبة مقنعة. عانت الكنيسة بعد ذلك، خصوصاً أنّ القساوسة الجدد بعد الطاعون، كانوا أقلّ تمرّساً ودراسة من أسلافهم.

وفي عصور فقر العلوم الطبيّة (كان كتاب «القانون في الطب» لابن سينا هو الكتاب المُعتمَد في كليّات الطب في أوروبا، حتى القرن الثامن عشر، وكان أوّل استعمال له في جامعة أوروبيّة، هي جامعة بولونيا، أقدم جامعة في القارة)، كان النزوع نحو تفسيرات الغيب والسحر. تحدّثت كتب التراث العربي عن عدد الطواعين، التي ضربت المنطقة منذ نشوء الإسلام. العرب منذ، طاعون عمواس، أدركوا خطر التفشّي عبر النزوح عن موقع البلدة المصابة. الغربيّون لم يمارسوا الحجر الصحّي قبل القرن الرابع عشر، لكنّ عباس محمود العقّاد يصرّ على أنّ العرب عرفوا الحجر منذ أيام الرسول (والكتابات الإسلاميّة الاعتذاريّة عن الطواعين تبالغ في نَسب إجراءات طبيّة حديثة إلى العصر الإسلامي المبكر، فيما يريد المستشرقون الغربيّون التقليل من إسهامات العرب في الطبّ، ونسبها كلّها إلى الإغريق، تماماً كما يفعلون بالنسبة إلى الفلسفة الإسلاميّة). تعامُل العرب مع طاعون عمواس، يدلّ على وعي بخطر التفشّي وعلى تطبيق ما يصفه الصديق أحمد دلّال (مؤرّخ العلوم عند العرب) بـ«الحجر الصحّي المعاكس»، أي أنهم كانوا يتركون البلدة المصابة ويتّجهون نحو البادية. وزمن الطواعين يخيف، بما يصحبه وما يتبعه من شعوذات أساطير دينيّة وغير دينيّة. يزدهر تجّار العقاقير السحريّة وواعدو المؤمنين بجنة الخلد ــ لكن مقابل أثمان، ماديّة أو غير ماديّة.

في لبنان، يصعب الحديث عن ضرورة الالتزام بالمعايير العلميّة والطبيّة. هذا بلد تكثُر فيه أحاديث العجائبيّات والمعجزات الدينيّة. زين الأتات راكم ثروة من الشعوذة، وأنا نشأتُ في لبنان أقرأ دوريّاً في جريدة «النهار» عن «اكتشاف» للبنانيّين أفذاذ أدوية للسرطان. ومارسيل غانم (أدرك الشباب اللبناني، ولو متأخراً، مدى فساد برنامجه وخطورته على العقول) كان يستضيف هو الآخر عباقرة لبنانيّين من مكتشفي أدوية للسرطان، يثني عليهم بالحماس نفسه الذي يثني فيه على الفاسدين من أصدقائه السياسيّين. والدولة تبارك المعجزات الدينيّة، لا بل إن جبران باسيل أدخل إليكم مصطلح «السياحة الدينيّة» لتشجيع المقيمين و«المنتشرين» للتبرّك من القدّيسين. والمباركة الرسميّة الفظيعة للترويج التجاري لمعجزات القديس شربل، يجب أن تُمنع قانوناً لأنها مضرّة بالصحّة وتؤدّي إلى ترك العناية الطبيّة والاتجاه نحو العناية الإلهيّة. ومثل ما حلَّ بأوروبا بعد «الموت الأسود»، ستتعاظم في بلادنا دعوات التوبة والعودة إلى الدين القويم، كما أنّ الوصفات السحريّة ستزدهر: قد يعود زين الأتات إلى الشاشة، وقد تجد مريم نور وصفات سحريّة. مقتدى الصدر دعا الدول التي سنّت حقوق زواج المثليّين، إلى التراجع عن تلك القوانين التي لامها على الغضب الربّاني (المفترض) على البشر (لكن ما تفسير الصدر لانتشار الفيروس في دول لم تسنّ قوانين زواج المثليّين؟). والطب في العصر الإسلامي شابته أيضاً علائم غير عمليّة، مثل الربط بحركة الكواكب أو نسب الطاعون إلى غضب إلهي.

وقد مرّ علينا الطاعون أوّل ما مرّ، ونحن صغار في قصيدة لأحمد شوقي يقول فيها «حلَّ بنا الطاعونُ، المرض الملعونُ» إلى أن يأتي إلى البيت الذي يقول: «إن الوباءَ يقربُ من كل قوم أذنبوا، لكنهم إن أعرضوا عنه يزولُ المرضُ». مَن يدرّس هذه القيم المخيفة للأطفال والأولاد؟ ما غرض تخويف الناشئة؟ لكن في بلادنا لا يزالون يخصّصون في حصص دراسة الدين فصولاً عن تصوير أهوال جهنّم وعذابات النار. والنفور من الفكر الغيبي لتفسير المرض لا يجب أن يذهب بنا إلى تقديس العلم والتنوير. كانت «مدرسة فرانكفورت» سبّاقة في التحذير من عصر التنوير الذي تجلّى في تطويع العلم و«العقلانيّة» لصالح المشروع النازي المروّع. وباسم العلم والطب الحديث، بدأت حكومات الغرب في الأسابيع الماضية، بتطبيق إجراءات زجر وقمع وحظر ومراقبة. بريطانيا سارعت، من دون نقاش، إلى تمرير قانون قمعي يتيح للحكومة اعتقال وعزل مواطنين لمدة غير محدّدة وفضّ احتجاجات وإغلاق مطارات ومرافئ. بنيامين نتنياهو عطّل بسرعة المحاكم في إسرائيل (تلك المحاكم التي لم تكن إلا ذراعاً للاحتلال والعنصريّة والعدوان، في ما يتعلّق بحقوق غير اليهود) وخوّل سلطات الأمن مراقبة الجميع، من خلال الهواتف، مستعيراً من قوانين الدولة لمكافحة الإرهاب (وهذه القوانين الفاشيّة لإسرائيل أصبحت منذ السبعينيّات المثال المُحتذى لدول الغرب). وزارة العدل الأميركيّة طلبت صلاحيّات استثنائيّة من الكونغرس، وتريد تعطيل القوانين ضد مهاجرين. والقيادة العسكريّة الأميركيّة قرّرت منع نشر أرقام الإصابات في صفوفها بحجّة «الأمن القومي». وولايتان استغلّتا الذعر لتقييد حقوق الإجهاض. وفي الأردن، أعلن وزير الدولة للشؤون القانونية ـــ أليس مضحكاً أنّ هناك وزارة بهذا الاسم في دولة لم تعرف حكم القانون منذ إنشائها؟ ـــ أنّ الحكومة ستلاحق الأخبار الكاذبة باسم نشر الخبر الصحيح عن «كورونا» (هذا في دولة اشتهر حاكمها الحسين بن طلال بنفي أخبار لقاءاته مع قادة العدوّ على مرّ العقود، قبل أن يعترف فيها في سيرة للإسرائيلي آفي شلايم). الذي يعيش معاناة «كورونا» مُغترباً في أميركا يعيشها مرتيْن: مرةً في الوطن الأم، والمرّة الأخرى في الوطن الثاني. وأميركا أطنبت في مديح نفسها على مرّ العقود، خصوصاً في سنوات الحرب الباردة، وزادت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لأنّ دعايتها لم تعد تتعرّض للدحض إلّا من قِبل جهاز الإعلام الضعيف التابع للممانعة العربيّة ــ الإيرانيّة. أميركا مثّلت التفوّق في كلّ شيء: هي مُنقذة العالم في الأفلام، وهي التي تتولّى بالنيابة عن نفسها حماية الكوكب وتشرف على استكشاف الكواكب الأخرى ــ أو كانت حتى وقت لم يعد قريباً. أميركا هذه بدت في أزمة «كورونا» دولة عالم ثالثية. تبرّم دعاة إمبراطوريّة الحرب، من تنامي الإعجاب الأميركي والعالمي بطريقة تعاطي الصين مع الكارثة. أميركا وكل دول الغرب، بدت عاجزة وضعيفة، ليس لأنها عجزت عن مكافحة فيروس، بل لأنها استثمرت على مدى عقود في الترويج للنموذج الرأسمالي الغربي على أنه الأصلح، لها وللإنسانيّة جمعاء. ليس العجز الأميركي مردّه شخص ترامب: المشكلة تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي نفسه. حتى توماس بيكيتي بين كتابه «رأس المال» وكتابه الأخير «رأسمال وأيديولوجيا» يتطوّر من العقيدة الليبراليّة المؤمنة بإمكانيّة إصلاح الرأسماليّة إلى العقيدة الاشتراكيّة.

العلاقة بين رأس المال ومكافحة «كورونا» تظهر في لبنان جليّة. مستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت، والذي هو أشهر مستشفى في المنطقة العربيّة برمّتها، والذي يجذب ملايين الدولارات من التبرّعات سنويّاً، أظهر عجزه واختفى عن الصورة، فيما مستشفى بيروت الحكومي يتولّى شأن المكافحة البطوليّة للمرض والاعتناء الحريص بالمرضى. هذا المستشفى الذي يعاني من نقص حاد في التمويل، هو عنوان مكافحة «كورونا»، لا مستشفى الجامعة الأميركيّة، مقرّ سياحة الأثرياء الاستشفائيّة. لقد تبرّع أثرياء ساسة لبنان (من وليد جنبلاط إلى نجيب ميقاتي إلى رفيق الحريري وعائلته إلى محمد الصفدي) لصالح الجامعة الأميركيّة في بيروت ومستشفاها، لكن أيّاً من هؤلاء لم ينفق قرشاً من كنوز الفساد لدعم مستشفى بيروت الحكومي. المستشفى الأميركي الخاص، مخصّص للسياحة الطبيّة للأثرياء في لبنان والدول العربيّة، فيما مستشفى بيروت الحكومة مخصّص للبشر. يقول باحث طبّي معروف هنا، إن ما حلّ بلبنان وغياب دور مستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت، يجب أن يؤدّي إلى تعزيز كليّة الطب في الجامعة اللبنانيّة، وجعل تمويل مستشفى بيروت الحكومي (من مال الدولة ومن مال التبرّعات) أولويّة. كليّة الطب في الجامعة اللبنانيّة، هي التي ستكون رأس الحربة في مكافحات طواعين المستقبل. في لبنان، تزامن ظهور «كورونا» مع نشر صحيفة إسرائيليّة واحدة، خبراً بعنوان عرضي عن إمكانية توصل مختبر في إسرائيل إلى اكتشاف لقاح ضد الفيروس. لكنّ الخبر نفسه تضمّن نفياً من وزارة الدفاع الإسرائيليّة لحقيقة ذلك، تلاه تكذيب من حكومة العدوّ. إلا أنّ عُبّاد إسرائيل في لبنان سارعوا إلى نشر الخبر الكاذب، مع طرح موضوع صوابيّة مقاطعة إسرائيل كأنه لا يمنعنا عن الموت إلا اللقاح الإسرائيلي. وكان طرح عُبّاد إسرائيل (قبل أكثر من شهر) يعدنا بلقاح بعد أسبوعيْن. ومرَّ الأسبوعان ولا يزال هؤلاء ينتظرون بشوق اللقاح الإسرائيلي. (حتى الصحافة الصهيونيّة أهملت هذا الخبر هنا). واستغل الصناعي نعمة أفرام هلع الناس ليبشّر بـ«إطلاقه» (أو اختراعه حسب وسائل الإعلام اللبنانيّة) لجهاز تنفّس جديد (والجهاز ليس إلا جهاز تنفّس يصلح لشخصيْن عبر تركيب أنبوبيْن، وهذا تدبير تقوم به كل الدول التي تعرّضت لإصابات، والتي زاد الضغط فيها على أجهزة التنفّس الاصطناعي). الاستغلال السياسي والمالي لذعر الناس يدخل في طبيعة النظام الرأسمالي أيضاً. كذلك، تحاول أجهزة الإعلام اللبنانيّة أن توازي بين تصنّعها احترام العلوم الطبيّة عبر استضافة أطبّاء متخصصين، وبين نزعتها إلى تشجيع النزعات الغيبيّة عند الجمهور، عبر استضافة منجّمين ومشعوذين ومريم نور (كيف نصنّف الأخيرة؟). وتنافست محطتا «إم.تي.في» و«الجديد»، في عقد «تليثونات» إثارة واستغلال، لجمع التبرّعات (لكن بالليرة اللبنانيّة كي يبدو المبلغ أكبر). ترضي هذه الحلول الخيريّة ضمائر، أو بالأحرى مصالح، أثرياء المحطات، لأنها توهم الناس أنّ عمل الخير من قِبل الميسورين، من شأنه إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصاديّة. «تليثونات» لبنان سيّئة، لأنها تزهو بأرقام لا يتم التحقّق من صحّتها: هي مثل مؤتمرات جمع التبرّعات من قبل دول «أصدقاء سوريا»، أو دول «أصدقاء أفغانستان»، حيث تكون المبالغ الموعودة أقلّ بكثير من المبالغ التي تصل إلى الموعودين بها. يمكن الاستغناء عن «تليثونات» أثرياء المحطات، والاستعاضة عنها بسياسات اقتصاديّة جديدة تفرض ضرائب كبيرة على ثروات هؤلاء، وهذه الضرائب تحصد أكثر بكثير من وعود المشاهير على الشاشات (أطرف تبرّع كان لوليد جنبلاط، الذي قال عنه صديقه، مارسيل غانم، إنه كان تبرّعاً سريّاً ـــ ومن على شاشة تلفزيونيّة، وعلى الهواء مباشرة). العمل الخيري على شاشات محطات الأثرياء، هو محاولة من قبلهم لتخفيف العبء الضريبي عليهم، ولمعالجة نقمة الناس على الجوْر الطبقي.

لن تتغيّر سياسات لبنان جذريّاً. ما أن تسلّمت حكومة حسان دياب المسؤوليّة، حتى تنادت كتلة الحريري والقوات والحزب الذي لا يتورّع عن وصف نفسه بالاشتراكي، للتباكي على الاقتصاد الحرّ، والحثّ على ضرورة الخضوع لمؤسّسات الغرب، من صندوق النقد، إلى البنك الدولي، مع استقبال كل نصائح وإرشادات سفارات الغرب والخليج. لكنّ الناس، على الأقل، لاحظوا اختلال الدولة الوظيفي للقطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص. أليس من المهين لذاكرة الناس ولتاريخ لبنان المعاصر، أن يحمل مستشفى بيروت الحكومي اسم الرجل الذي كرّس حياته السياسيّة لمحاربة القطاع العام، ولتخصيص قطاعات الدولة وأملاكها وبيعها كي تصبح ملكاً خاصاً للأثرياء الفاسدين من أمثاله؟ ما علاقة رفيق الحريري بمستشفى بيروت الحكومي، وهو الذي حارب إعلام ومدارس وجامعة الدولة، مقابل مساهمته (من جيبه ومن جيب الدولة) في القطاع الخاص في لبنان وفي الدول الأجنبية. لو أنّ الحريري تبرّع بما تبرّع به لجامعة جورجتاون (كي تقبل ابنه غير النجيب سعد في كلية إدارة الأعمال)، لمستشفى بيروت الحكومي، لكان زاد عدد الأسرّة بنحو مئة سرير. لو أنّه بدلاً من التبرّع للجامعة الأميركيّة، تبرّع للجامعة اللبنانيّة، لكانت كليّة الطب فيها تضاهي كليّات الطبّ في الجامعات الخاصّة. إن نزع اسم رفيق الحريري عن مستشفى بيروت الحكومي، يجب أن يكون أولويّة وطنيّة بعد كارثة «كورونا» (يبدو اسم مستشفى سليم الحص الحكومي أفضل بكثير).

إنّ الأزمة هذه، في أميركا أو في لبنان، هي تذكير بأنّ القطاع العام هو الذي يُنقذ، وأن القطاع الخاص يهرب عند أوّل ظهور لأزمة أو كارثة أو طارئ. الشعب الأميركي يكره بالمطلق الحكومة الفيدرالية والإنفاق الحكومي، إلا عندما تحدث كارثة في الولاية: إعصار أو زلزال. علّمهم الآباء المؤسّسون كراهيّة دور الدولة في السوق باسم الحريّة (وهي لا تعني إلا حريّة رأس المال فقط). الآن، يرصد الشعب الأميركي ما يصدر عن مؤسّساته الحكوميّة، مثل «المؤسّسة العامّة للصحّة» أو «مركز مراقبة الأمراض» (والمركزان عانيا من تناقص في التمويل في هذه الإدارة. القطاع الخاص هنا عاجز عن توفير أسرّة مستشفيات، أو آلات تنفّس اصطناعي، لأنّ كل ما يتعلّق بالتصنيع والإنتاج يخضع لحسابات الربح المادّي فقط. هذه دولة متخلّفة عن كل الدول الصناعيّة المتقدّمة في الرعاية الاجتماعيّة، ونسب وفاة الولادة للأطفال في العاصمة الأميركيّة (وغالبيّة سكّانها من السود) أعلى من تلك النسبة في كوبا. أميركا تصدّر الحروب حول العالم، فيما كانت الحكومة الكوبيّة الشيوعيّة تصدّر الأطبّاء، بالإضافة إلى دعمها نضالات الشعوب الأفريقيّة للتحرّر.

سيصبح الكلام عن أنّ العالم قبل وبعد «كورونا» كليشيه ثابتة، لكنّها صحيحة. لكنّ الكلام عن أن أميركا، مثلاً، ستتجه نحو الإنسانية، وتتخلّى عن سياستها الخارجيّة عن «الواقعيّة الهجوميّة» هو أضغاث أحلام. لن تتعامل أميركا مع العالم على أنه واحد، أو أن شعوبه متساوية. في الوقت نفسه الذي كان يتراكم فيه عدد موتى الـ«كورونا»، كانت الحكومة الأميركيّة (وبرضى الحزبيْن) تتشدّد في فرض العقوبات على إيران، وتمنع الدعوات العالميّة لفتح المجال أمام مدّ العون الطبي والإنساني للشعب الإيراني. هناك من وجد فرصة لزيادة عدد الموتى في إيران. أميركا اختارت، أيضاً، أن تضع ثمناً على رأس مادورو في فنزويلا، كما كانوا يضعوا أثماناً على رؤوس المطلوبين في الغرب الأميركي. عسكرة السياسة في أميركا لم تختفِ: وسائل الإعلام احتفلت بوصول سفن مستشفيات عسكريّة من الجيش الأميركي إلى كاليفورنيا ونيويورك، وبأنّ قطاع الهندسة في الجيش الأميركي أنشأ مستشفى ميدانياً في مدينة نيويورك. لكن لو أنّ القطاع الصحّي هنا لا يسعى إلى الربح، لكان عدد الأسرّة كافياً ولما كانت هناك حاجة لسفن الحرب الأميركيّة. لكن ما حاجة الأسرّة إذا كانت تفيض عن حاجة المرضى لها، حسب المعيار الرأسمالي؟ ليس الاقتصاد الرأسمالي معنياً بالأزمات وحالات الطوارئ، أو التخطيط المركزي للصالح العام. هذا يتناقض مع مفهوم حريّة السوق في العرض والطلب. ولهذا، فإن تعاطي حكومة الصين المركزي لاقى استحساناً هنا. تزداد الحلول الاشتراكيّة التأميميّة شعبيّة، عندما يتعلّق الأمر بإنقاذ الوظائف أو إنقاذ صناعات من الإفلاس. عندها فقط، لا يعترض الشعب الأميركي على الاشتراكية، وعلى دور الدولة في السوق أو على حجم النفقات، لأنّ المواطن يشعر أنها ستفيده هو، لا جاره أو فقيراً أسود في وسط مدينة ما.

يُخطئ من يظن أن كارثة «كورونا» ستضفي لمسة إنسانية على دول الغرب، خصوصاً إمبراطورية الحرب الأميركية. على العكس، فإنّ عذر مكافحة الفيروس سيُضاف إلى عذر مكافحة الإرهاب، من أجل تعزيز تسلّط الدولة على المجتمع. والفروقات الطبقيّة ستزداد وضوحاً ورسوخاً، بعدما كان أمر سترها أسهل في الماضي السحيق قبل عقود: أصبحت الحدود الجغرافيّة بين أماكن سكن الأثرياء وباقي الناس أصلب وأقسى: هناك ما يُسمّى هنا «سكن ما وراء الأسوار»، وهم يعنون بذلك أسواراً حديديّة مكهربة، لمنع تنقّل الناس أو وفود الفقراء وعائلات الطبقة المتوسّطة إلى أماكن سكن الأثرياء. يستعيضون عن ذلك في لبنان، بأسوار القصور وبحراس شخصيّين لمنع المتطفّلين. حرّاس وليد جنبلاط وحرّاس نبيه برّي وحرّاس سعد الحريري، اعتدوا على المتظاهرين بمجرّد أن اقتربوا من أسوار قصورهم.

الرأسماليّة في حرج، وحرجها ازداد بعد «كورونا». تقرأ بعض السذّج على مواقع التواصل يقولون بلسان الأثرياء ـــ وهم ليسوا منهم ـــ إنّ الخطر جمع بين الجميع، ووحّد بين الفقير والغني. قررتُ أن أجري مقارنة ديموغرافيّة لأماكن إصابة «كورونا» في القضاء الذي أعيش فيه هنا في كاليفورنيا. وجدتُ أنّ معظم الإصابات (نحو تسعين في المئة) تقع في المنطقة الأفقر، وكذلك الأمر في أقضية أخرى في الولاية. وكما للأثرياء مستشفيات وأسرّة خاصّة بهم، كذلك الأمر في أميركا. الأثرياء سيلقون من العناية أكثر من الفقراء، وقرارات الاستنسابيّة في تقديم العناية الطبيّة للمرضى ستفيد الأثرياء أكثر بكثير من الفقراء. الأثرياء أكثر قدرة على تلقّي الفحص من الفقراء. الفروقات الطبقيّة في الرأسماليّة ظاهرة في كل جوانب الحياة ولن يوفّرها المرض. قد تكون هناك مساواة في طواعين القرون الوسطى، لكن اليوم الأمر يختلف. ووجود العوارض الأخرى الصحيّة عند الفرد، والتي تزيد من إمكانيّة وفاة المصابين بـ«كورونا»، هي أيضاً تصيب الفقراء أكثر من الأثرياء الذين يتمتّعون بنظام عيش أكثر صحيّة من الفقراء.

نحن في حجر صحّي هنا، لكن لا يمرّ يوم لا أغادر فيه المنزل. إلّا أنّ الانطوائيّين مثلي ــ كما كتب عامر محسن قبل أيّام ــ لا يلاحظون، كما غيرهم، تأثير الحجر. تخرج وحيداً وتعود وحيداً وتتسوّق بعيداً عن البشر. الناس هنا في حالة استرخاء: كان عليّ، وأنا العربيّ المشبوه، أن أصيح بالواقفين في الطابور أمام مخزن التسوّق: يا قوم. يا قوم. أين مسافة ستة أقدام بيننا؟ لعلّ الخطر الداهم يصيب الناس بنوع من الاستسلام. وقد لاحظ استطلاع «بيو» أنّ الذين يصلّون، يقومون بذلك أكثر هذه الأيّام، ولاحظ أنّ ١٥ ٪ من الذين لا يصلّون عادة، يصلّون هذه الأيام، وأنّ ٢٤٪ من الذين لا ينتمون إلى دين يصلّون هم أيضاً. هل يزداد عدد المؤمنين بعد دفن ضحايا «كورونا» أم أن الناس سيكفرون أكثر تشكيكاً بالعدالة والحكمة الإلهيّة؟ لكن ليس هذا وقت المراجعة. لم ينتهِ إحصاء الضحايا، ولم تنتهِ مراسم دفن الأموات، وبعض البلدان تخلّت عن مراسم الدفن بسبب العدد الهائل من الموتى. لكن لو نجينا من هذا الفيروس، نحتاج إلى أن نتباحث يوماً ما في مغزاه، ولو كان بعضنا غائباً فليتباحث من بقيَ منا حياً، أو من بقيَ منا حيّاً لكن من دون أن يكون قد فقد قواه العقليّة.

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)

كورونا وحرب الإشاعات…بين الحقيقة والتضليل

أمجد إسماعيل الآغا

لطالما كانت الحقائق الموضوعية المُتعلقة بأيّ حدث عالمي، تبدو أقلّ تأثيراً في بلورة الرأي العام، في مقابل الشحن العاطفي والمعتقدات الشخصية، حتى أصبحت ثنائيات الصدق والكذب، والحقيقة والوهم، والتحليل المنطقي والشخصي، والرأي الواحد والآراء المتعدّدة، بوابة لتساؤلات كثيرة تؤطر أيّ حدث، لتغدو ضمن ذلك معركة الوعي والإدراك معضلة كبيرة، تدور في رحاها أراء وسيناريوات وتساؤلات متعددة؛ من هذا المنطلق تبرز معادلة يصعب في مكان ما تفنيد جُزئياتها، ويبقى الهمّ الأكبر التمييز بين الوعي والوهم…

ففي زمن فيروس كورونا فإنّ المعطيات المرافقة لهذا الوباء، تبدو جلية وواضحة في إطار مواجهته والحدّ من انتشاره، لكن في مقابل هذا الزمن الذي طغى عليه فيروس كورونا، هناك حرب أخطر باتت تُشكل تهديداً حقيقياً ومانعاً لمواجهة هذا الفيروس، فـ حرب الإشاعات التي تمحورت حول فيروس كورونا، طغت بمجملها على الكثير من آليات مواجهة الوباء، خاصة أنّ ما يتمّ تداوله من تحليلات غير منطقية، وربطها بنتائج لا أساس لها من الصحة، فضلاً عن حالة التفسيرات الإيمانية الخارقة لـ فيروس كورونا، حتى أصبح واضحاً أن لا شيء يُعادل سرعة انتشار الوباء، سوى سرعة انتشار الإشاعات والأخبار المزيفة، التي تحيد بمتابعي يوميات كورونا، عن بلوغ الوعي المطلوب بمخاطر تلك الأوبئة وطريقة التعامل معها، فأصحبت بذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد على القصّ واللصق والاستعانة بفيديوات وتصريحات قديمة، وربطها في سياق تطورات فيروس كورونا وانتشاره، صورة مُحكمة لخلق نظريات يسهل تصديقها لدى لكثيرين.

في شأن كورونا اليوم من الضروري أن تقوم وسائل الإعلام الدولية بمواكبة فيروس كورونا على نحو موضوعي، أيّ إنّ هذ الفيروس هو من يُحدّد أجندة الإعلام في الوقت الراهن وليس العكس. فالحقائق التي فرضها كورونا ترتبط بمدى قوّته وسرعة انتشاره، لكن العديد من وسائل الإعلام أظهرت الأمر ضمن إطار الخطر المُرعب والمُحبط في آن معاً، فهي بشكل أو بآخر ترتبط بالقرارات السياسية التي تُفرض عليها من النظام السياسي، في وقت من المفترض أن تقوم هذه الوسائل بإنقاذ الأرواح عبر عدم تضخيم هذا الفيروس، ووقف العبث السياسي وأصحاب المصالح، فهما يقفان حجر عثرة في قيام الإعلام بدوره الإيجابي، إذ من الضروري أن يكون الوعي العام بمخاطر الأوبئة هو العنوان الرئيسي، مع الابتعاد عن التهويل والاستفادة من تجارب سابقة في التعامل مع الأوبئة، عطفاً على التركيز حيال تبسيط وإيصال المفاهيم العلمية والحقائق الموضوعية المرافقة لـ فيروس كورونا، إلى عموم المُتابعين، وبذلك يتشكل لديهم الوعي العام في مواجهة المعلومات المُضللة في زمن كورونا، ليكون خط الدفاع الأول ضدّ أيّ شائعات تواكب انتشار الفيروس، هو وعي المتلقي وقدرته على تلقي المعلومات الصحيحة والتمييز بين الإشاعة والحقيقة، في وقت بات فيه خطر الإشاعات لا يقلّ خطورة عن الفيروسات.

لا يُمكننا إنكار أنّ وباء كورونا أصبح قضية أساسية لدى الكثيرين، حتى أنه طغى وبشكل كامل على مُجمل العناوين السياسية والاقتصادية، وبات القضية الأساسية لوسائل الإعلام الدولية، بيد أنه من الممكن طرح ملاحظات وإبداء تفسيرات لما يجري ويدور بشأن تفاعل وسائل الإعلام مع هذا الوباء، فضخامة الحدث وانتشار الوباء شكّلا تحدياً لمجمل النظريات الإعلامية، فالإعلام باعتباره أهمّ أدوات الصراعات الدولية، بات يسير في نسق التضليل وبث الشائعات تنفيذاً لسياسة بعض الدول، فوفقاً لنظرية دوامة الصمت Spiral of Silence Theory، فإنّ هناك توظيفاً سياسياً منفلتاً لوسائل الإعلام في إطار هذه النظرية، التي تنطلق من فكرة أنّ وسائل الإعلام تمثل المصدر الأول للمعلومات في المجتمع، وتعكس الرأي الشائع أو المُجمع عليه، أيّ ما يتصوره الناس على أنه “الرأي السائد” في زمن معين تجاه قضية معينة.

وتشير مُعطيات هذه النظرية إلى أنه كلما تبنّت وسائل الإعلام اتجاهاً ثابتاً ومتسقاً من إحدى القضايا لبعض الوقت، فإنّ الرأي العام يتحرك في اتجاه وسائل الإعلام نفسها. أيّ إنّ الأهمية الفعلية للحدث لا تضع أجندة وسائل الإعلام بل يتمّ توجيه الرأي العام ربما قسراً نحو وجهة بعينها تقف من ورائها مصالح سياسية واقتصادية.

في جانب آخر، ليس من السهولة التمييز بين ما هو حقيقي ومُضلل، وتحديداً في عالمنا العربي حيث الكثيرين لا يجيدون التعامل مع اللغات الأجنبية، نتيجة لذلك يُصبح الاعتماد على الترجمة مصدراً لتسلل المروجين للإشاعات. ويُدرك المروّجون أنّ معظم الناس لا يملكون القدرة أو الحافز للتحقق من مصدرها، لذلك فهم يتعمّدون الاستعانة بكثافة بالمصادر الأجنبية، للإيهام بأهمية ما يُطرح ويتمّ تسويقه، ولا يوجد شيء يمنعهم من فبركة الترجمات وقول ما لم يرد على لسان المتحدثين.

في هذا الإطار، بإمكان أيّ شخص تصله إشاعة تتعلق بفيروس كورونا، اللجوء إلى الشكّ والتريّث قبل أن يقوم بإرسالها إلى غيره أو الترويج لها بأية طريقة كانت. بمعنى آخر يستطيع أيّ شخص أن يأخذ ما يشاء من الاحتياطات قبل أن يجعل من نفسه فريسة سهلة لمروجي الإشاعات.

انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في رفع درجة الوعي الصحي إلى حدّ كبير بالأمراض المنتشرة عالمياً، وكيفية الوقاية منها، والتعامل معها، إلا أنها في الجانب الآخر أثارت البلبلة، وحرب الإشاعات التي لا تتوقف سواء في ما يتعلق بالوفيات، أو سرعة انتشار المرض ومدى خطورته، حتى أصبح الإنسان لا يأمن حتى في بيته ومع أسرته.

ومع زيادة هلع الناس من هذا المرض، يتمّ تجاهل نسبة الشفاء منه والتي وصلت عالمياً إلى أكثر من 80%، وأنّ معظم الذين تتدهور حالتهم الصحية هم من كبار السن الذين يعانون في الأصل أمراضاً مزمنة، وأنّ 85% من الحالات المصابة في العالم لا تحتاج إلى مستشفى كما أعلنت ذلك منظمة الصحة العالمية، وإحصائياً هناك أمراض أكثر فتكاً بالإنسان من هذا المرض الغامض، مثل أمراض السرطان والقلب.

ولعلّ ما جعل الكثيرين يدخلون في دوامة الخوف والهلع جراء هذا الفيروس، طريقة التركيز الإعلامي وهوس وسائل التواصل الاجتماعي، بنقل أرقام المصابين به، دون التأكد من حقيقة الأرقام، حتى أنّ البعض قام بترويج أخبار وفيديوات عن كورونا، تنقلها شبكات إعلامية مرتبطة بسياسات دولية خاصة، وقد دأبت مثل هذه الشبكات على الترويج لفيديوات ونشرها بكثافة، بُغية إيصال ما يريدون ايصاله، لزيادة الخوف والهلع ضمن صفوف المُتلقين.

قد يعتبر البعض أنّ هذا النوع من الإشاعات، ليس أمراً خطيراً، وأنّ هذه الشائعات سُرعان ما تتحوّل إلى دعابة، أو أن يتمّ نسيانها في غمرة الحدث. لكن الحقائق توثق خلاف ذلك. ففي تقرير نشرته “بلومبيرغ”، أوضحت فيه أنّ هناك مخاوف جدية من أنّ ما ينشر حول فيروس كورونا قد يؤدّي إلى حدوث انقسام بين المجتمعات.

وتطرّق التقرير إلى الأنباء التي تفيد بتزايد جرائم الكراهية في الولايات المتحدة ضدّ الأميركيين من أصل آسيوي والآسيويين بصورة عامة، بسبب ربط فيروس كورونا بالصين أو تسميته بالفيروس الصيني.

وينقل التقرير عن أحد المسؤولين في مؤسسة تُعنى برصد جرائم الكراهية ضدّ الآسيويين “إيشيان أميركان أدفانسينغ جاستيس” قوله إنه قبل انتشار كورونا كانت تصل المؤسسة شكوى واحدة تقريباً كلّ أسبوع، بينما وصل الرقم حالياً إلى ثلاث أو أربع شكاوى في الأسبوع.

كما يؤكد التقرير أنّ الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة فقط. ففي بريطانيا هناك ارتفاع حاد لجرائم الكراهية ضدّ الآسيويين. وكذلك الأمر في أثيوبيا، حيث طالبت الحكومة مواطنيها بالكفّ عن مهاجمة الأجانب البيض والآسيويين.

في ذات الإطار، هناك جانب بريء لنشر الإشاعات، وهو يتمّ بدافع الدعابة والمزاح، لخلق أجواء تخفف عن الناس وطأة الوباء والآثار المترتبة عليه. لكن هناك جانباً آخر لا يتعلق بالدعابة، وإنما هو امتداد لتصفية الحسابات السياسية بين الدول والحكومات. فهو يتمّ بتنظيم وتمويل من أجهزة الدعاية والمخابرات في هذه الدول بهدف الابتزاز أو تشويه السمعة أو تحقيق أغراض سياسية معينة. ولعلّ من يتابع ما ينشر على بعض وسائل الإعلام الصينية والروسية والإيرانية والأميركية والعربية هذه الأيام، يدرك بوضوح أنّ حرب الإشاعات ما هي إلا استمرار للحرب التقليدية، ولكن بوسائل أخرى، وأنّ فيروس كورونا يستخدم هنا كوسيلة، لركوب موجة مخاوف الناس، من أجل حشد المواقف وتوجيه الرأي العام وممارسة الضغوط وأحياناً التضليل والحط من شأن الخصوم.

في المحصلة، دائماً ما كانت الإشاعات تتراوح في أطر الحقيقة والتضليل، وبالتالي فإنّ هذا الأمر لن ولم يتوقف عن فيروس كورونا، فحرب الإشاعات كانت وستظلّ موجودة، لأنها أساساً جزء مهم من وسائل التأثير على وعي الناس. من هنا؛ من الضروري العناية بنشر الوعي العام وتحديداً في زمن الأوبئة، لتشكيل جبهة قوامها الوعي والإدراك، في مواجهة الشائعات المُضللة والبعيدة كلّ البعد عن الحقيقة، بهذا فقط يُمكن تجاوز مرحلة كورونا، مع الاستفادة الحتمية في المستقبل من ظهور أيّ أوبئة أخرى.

العالم تخطّى المليون إصابة: 80% من الإصابات و85% من الوفيات في أميركا وأوروبا. دياب: أنقذت ضميري وسحبت التعيينات لأنها لا تشبهني… وهناك كورونا سياسيّ أيضاً. عودة المغتربين تبدأ الأحد… والفحوصات في بيروت… والجيش ينتشر في طرابلس

https://www.al-binaa.com/archives/243015

كتب المحرّر السياسيّ

مع تجاوز العالم عتبة المليون إصابة بفيروس كورونا، رفعت منظمة الصحة العالمية من مستوى التحذير من خطورة المزيد من انتشار الفيروس، خصوصاً أن أرقام الوفيات لا تزال مقلقة مع تجاوزها عتبة الـ50 ألف حالة، وما يربك منظمة الصحة العالمية هو أنها اعتادت التعامل مع تفشي أوبئة أشد فتكاً، لكن في البلدان الأشد فقراً والأقل قدرة على مستوى الإمكانات الصحية والمالية، ولذلك كانت المعالجة التقليدية تتم عبر مناشدة الدول المقتدرة على تخصيص موازنات لمساعدة الدول المصابة، وتقديم الأجهزة والأدوية واللقاحات، واستنفار الجسم الطبي للتطوّع في حملات الإنقاذ، لكن الجديد والمفاجئ للمنظمة كما يقول القيّمون عليها هو أن النسبة الكبرى من الإصابات هي في البلدان الأكثر تقدماً والأشد اقتداراً، فـ 80% من الإصابات الفعلية التي تمثل 780 ألف إصابة من اصل إجمالي المليون الذي شفي منهم أكثر من 200 ألف وتوفي منهم 50 ألفاً، هي في أميركا وأوروبا، حيث سجلت 600 ألف إصابة فعلية، كما سجلت فيها 43 ألف حالة وفاة أي 85% من حالات الوفاة، بينما لا تشكل حالات الشفاء فيها أكثر من 30% من إجمالي حالات الشفاء، وذلك على عكس الصين التي سجلت 8% من العدد الإجمالي للمصابين المليون، منهم 2% من الإصابات الفعلية، و30% من حالات الشفاء، و6% من حالات الوفيات، بحيث توزعت إصابات الصين المسجلة الـ80 ألفاً بين 75 ألف حالة شفاء و2000 إصابة فعلية و3000 حالة وفاة، بينما عدد سكان الصين يعادل ضعف مجموع سكان أوروبا وأميركا.

لبنان الذي لا يزال في مستوى مقبول من التعامل مع الفيروس بمكانة جيدة بين دول العالم، وفق معدل 72 إصابة بكل مليون نسمة، مقابل معدل وسطي عالمي بـ 125 إصابة للمليون، وبرقم تسلسلي بين الدول هو الـ 74 من حيث عدد الإصابات، والـ 88 من حيث عدد الإصابات بكل مليون نسمة، لكن هذا لم يمنع من تسجيل مصدرين للقلق على خسارة هذه المكانة، الأول هو درجة التفلت التي تمّ رصدها في تطبيق حالة التعبئة العامة، بسبب عدم انضباط فئات عديدة بإجراءات العزل، والثاني هو تعثر تطبيق آلية عودة المغتربين عبر إجراء الفحوص المخبرية قبل السفر، بسبب رفض عدد من الدول لهذا الترتيب، ما استدعى من الحكومة التي عقدت جلستها أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تكليف الجيش والقوى الأمنية المزيد من التشدد في تطبيق الإجراءات، وتلويح الحكومة على لسان رئيسها الدكتور حسان دياب بالمزيد من التشدد، وقد سجل أمس انتشار للجيش في مدينة طرابلس، بينما أعلن وزير الصحة الدكتور محمد حسن عن بدء تطبيق آلية العودة للمغتربين من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولتين أفريقيتين، ومراقبة النتائج بعد إجراء الفحوصات في لبنان وتطبيق إجراءات العزل بعدها.

القضية الأبرز على المسار الحكومي كانت أزمة تعيينات مصرف لبنان وهيئة الأسواق المالية، التي كادت تعرض الحكومة لأزمة سياسية مع تلويح تيار المردة بالانسحاب من الحكومة، ما لم ينل التيار حصة تناسب حجمه من التعيينات، وفشل محاولات الوساطة التي قام بها حزب الله بين التيار الوطني الحر وتيار المردة لتسوية النزاع حول التعيينات، وكان في بداية الجلسة الحكومية موقف لرئيس الحكومة، أعلن خلاله سحب البند الخاص بالتعيينات عن جدول الأعمال، قائلاً “أنقذت ضميري وسحبت التعيينات لأنها لا تشبهني”. ونقلت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد عن الرئيس دياب قوله، “من الواضح أن المصاعب التي تواجه البلد تتزايد وتكبر، وتهدّد اللبنانيين بمستقبلهم وصحتهم ومعيشتهم. قدر هذه الحكومة أن تحمل أعباء هذه التحدّيات دفعة واحدة، وأن تخوض هذه الأمواج العاتية من المشكلات، وأن تتحمّل المسؤولية من أجل تخفيف الأضرار عن لبنان واللبنانيين. هذه التحديات الوطنية، تفترض من المسؤولين، وخصوصاً من القوى السياسية، حدّاً أقصى من الحجر الصحي على المصالح والحسابات والمزايدات، لأن الوضع في البلد، وعلى كل المستويات، لا يحتمل مزيداً من التناحر السياسي وتناتش الحصص، خصوصاً أنه لم يعد هناك شيء في البلد يمكن تناتشه”.

وأضافت عبد الصمد نقلا عن دياب قوله “بكل أسف، لم نشعر أن هناك وعياً وطنياً أو تخلٍّ عن السلوك السابق الذي يتحمّل مسؤولية رئيسية وأساسية في الانهيار الذي نعيشه، أو ارتقاءً إلى مستوى المخاطر الوطنية. هناك من يعتقد أن شيئًا لم يحصل، وأن انتفاضة اللبنانيين في 17 تشرين الأول انتهت، ويحاولون طمس حقيقة أن البلد يعيش تداعيات كل السياسات الماضية. نحن لطالما قلنا وردّدنا أننا لا نريد منافسة أحد في السياسة، وأنه ليست لدينا طموحات سياسية، وأننا نريد العمل بصمت كي ننقذ البلد من الانهيار الشامل. لكن، وبكل أسف، هناك من يصرّ على عرقلة الحكومة ورميها بالحجارة، لأنه يعتقد أن نجاحها يؤدي إلى كشف عورات السياسات السابقة، وأن البلد لا يمكنه أن يعيش من دون الدوران في فلكهم. في كل الأحوال، يبدو أن فيروس كورونا كان مرضاً منتشراً في مختلف مفاصل الحياة في لبنان قبل أن يتحوّل إلى وباء مرضي في الصحة. حظّ هؤلاء المتحاملين أننا في هذه الحكومة مصرّون على مواجهة الأوبئة المالية والصحية والاجتماعية والمعيشية. وهي أوبئة تكاد مكافحتها تكون مستعصية، بسبب عمقها وتجذّرها. ومسؤوليتنا تحتّم علينا أن نستمر في مهمتنا وأن نتحمّل وأن نصبر… فنحن حكومة مواجهة التحديات… نعم حكومة مواجهة التحديات.”

لم ينجح مجلس الوزراء بتمرير سلة التعيينات المالية والمصرفية بسبب الخلاف السياسي على الحصص والأسماء لا سيما بين التيار الوطني الحر وتيار المردة بغياب وزرائه عن الجلسة التي عقدت أمس في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون. فيما يرفض الرئيس سعد الحريري ايضاً تغيير نائب الحاكم السني او تجاهله في تعيين مرشح آخر.

وقد استمرّت الاتصالات الى ما قبل الجلسة في محاولة للتوصل الى صيغة توافقية بين التيارين الحر والمردة، لكن وصلت الجهود الى طريق مسدود ما دفع بوزراء المرده لمقاطعة الجلسة تعبيراً عن رفضهم للتعيينات ما دفع برئيس الحكومة حسان دياب الى انقاذ الموقف وحماية الحكومة من اي انقسام وتضعضع، بادر الى سحب ملف بند التعيينات من جدول الأعمال، وتحدث مطولاً في مستهل الجلسة ورد على الحملة التي استهدفت الحكومة والتعيينات مؤكدًا رفضه لمنطق المحاصصة السياسية في التعيينات. وشدد دياب على أنّ حكومة التكنوقراط لا يمكنها أن تقبل بتعيينات لا تعتمد معايير الكفاءة. وأعلن سحب بند التعيينات من الجلسة.

وطلب مجلس الوزراء تخفيض رواتب نواب حاكم مصرف لبنان وهيئة الرقابة على المصارف وهيئة الأسواق المالية. وافادت المعلومات ان “الاتصالات لم تتمكّن من تذليل العقبات امام التعيينات في ظل اصرار تيار المردة على الحصول على مقعدين بينما رفض التيار الحر الامر، اما العقدة الثانية فهي سنية مع عدم رغبة بالتصادم الكامل مع الحريري”، فيما افادت مصادر “البناء” أن دياب لم يقتنع بالاسماء المطروحة بعد اطلاع على سيرهم الذاتية تبين انهم لا يتمتمعون بالكفاءة المطلوبة لهذه المواقع. ولم يقرر مجلس الوزراء بحسب المعلومات إدراج بند التعيينات على جدول اعمال الجلسة المقبلة.

وقرر مجلس الوزراء “السماح للرّاغبين بالعودة بالصعود الى الطائرات مع ضوابط صحية على أن تحصل الاختبارات في لبنان وتكرّر بعد أسبوع من عودتهم”. وذلك بسبب رفض دول عديدة استقبال الطواقم الطبية اللبنانية ورجال الأمن وإجراء الاختبار في مطاراتها. وأفيد ان اميركا وفرنسا والسعودية ودبي ابلغت وزارة الخارجية اللبنانية انها ستتولى اجراء الاختبارات بواسطة طواقمها الخاصة وليس اللبنانية. ومن المتوقع أن تصل الاحد المقبل الى بيروت 4 طائرات 2 منها من افريقيا وواحدة من الرياض تقل المغتربين.

واعلن وزير الصحة حمد حسن امس، بعد اجتماع مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء البدء بتسيير الرحلات الأحد المقبل في مرحلة أولى، وستشمل دول الخليج والقارة الأفريقية التي تشهد انتشارًا أقل للوباء، شرط إجراء الفحوص المخبرية الخاصة PCR antigen + antibody قبل 72 ساعة من الصعود إلى الطائرة. وإذا تعذر ذلك، ينبغي على الراغبين بالعودة الإقامة في الفندق وانتظار 24 ساعة لحين إجراء فحص الـ PCR في بيروت”، وأضاف: “بعد 24 ساعة، يتم التقييم الوبائي للمرحلة الأولى وبعدها تنطلق خطة العودة المعدَلة ابتداءً من 7 نيسان من كافة الدول ومن ضمنها الأوروبية وغيرها من الدول وفق الخطة المعدلة للعودة وقد اتخذت الحكومة كل هذه الإجراءات لحماية اللبنانيين الوافدين على متن الطائرات وأهلهم ومجتمعهم في لبنان”.

وأعلن الرئيس عون خلال الجلسة ان “عودة اللبنانيين من الخارج تتطلب تنظيماً دقيقاً لأن التزايد المضطرد للأعداد يفرض إجراءات استثنائية تؤمن سلامة العائدين كما سلامة محيطهم”. ونقلت وزيرة الاعلام منال عبد الصمد عن رئيس الحكومة حسان دياب قوله خلال الجلسة “هناك خرق كبير وخطير لإعلان التعبئة العامة ومناطق لا تلتزم بالتدابير ما يسبب ثغرة فاضحة لانتشار الوباء واذا لم تطبّق الإجراءات بصرامة قد نضطر الى اتخاذ قرارات اكثر تشدداً وتدابير قاسية”.

وسبق الجلسة لقاء بين الرئيسين عون ودياب.

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الصحة العامة بلوغ عدد الحالات المثبتة مخبرياً في المستشفى الحكومي ومختبرات المستشفيات الجامعية المعتمدة بالإضافة إلى المختبرات الخاصة 494 حالة بزيادة 15 حالة عن يوم الاربعاء علماً ان عدد الفحوصات التي أجريت في الساعات الأربع والعشرين الماضية بلغ 539 فحصاً. وتم تسجيل 4 وفيات جديدة بالفيروس، ليصبح عدد الوفيات حتى تاريخه ست عشرة وفية.

في المقابل استمر خرق قرار التعبئة العامة على حاله منذ بداية الاسبوع، وسجلت زحمة سير لافتة على الطرقات وازدحام للمواطنين امام المصارف.

وبعد الإشكالات التي جرت في طرابلس، ظهر عضو كتلة المستقبل النيابية وليد البعريني متجولاً في عكار وعمد الى مصافحة مناصريه في غياب أي إجراءات صحية في خرق فاضح لقرار التعبئة العامة ما يؤشر الى تزايد الخروقات في مناطق شمالية معظمها تقع في مناطق وجود تيار المستقبل. ونشرت قيادة الجيش على “تويتر”، إرشادات للمواطنين استكمالاً لفترة التعبئة العامة ‏جاء فيها: “تقيّد بالتعليمات، التزم منزلك، امتنع عن التجوّل إلّا في حالات الضرورة القصوى”.‏

وأعلنت غرفة العمليات الوطنية لادارة الكوارث في تقريرها اليومي حول أن “الإصابات بفيروس “كورونا” في المتن ارتفعت إلى 104. أما في بيروت فقد بلغت الحالات 93 وفي كسروان 64 وفي بعبدا 48 وفي جبيل 41 حالة وهناك 7 حالات ما زالت قيد التدقيق من قبل وزارة الصحة”. وبحسب التقرير، “تتراوح نسبة الالتزام بالحجر المنزلي بين 70 و80 بالمئة في المحافظات، وسط تسجيل حركة سير ناشطة وتجمعات أمام الـATM والمصارف وتظاهرات مطلبية وفتح محال تجارية ومراسم الدفن”.

%d bloggers like this: