إصلاح القطاع المالي في لبنان: الدين العام والمصارف* (1)

زياد حافظ

المنطلقات

الإصلاح الاقتصادي والمالي قرار سياسي بامتياز يخضع لخيارات كما يخضع لموازين قوّة. فلا إصلاح إن لم تكن موازين القوّة مؤاتية له. البنية السياسية القائمة في لبنان عصّية على الإصلاح والتجدّد وبالتالي محكومة بالزوال لأنها لا تتكيّف مع التحوّلات الاستراتيجية التي تحصل في العالم وفي الإقليم. لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة السياسية الحاكمة المستفيدة من بنية النظام الطائفي ستستسلم للتحوّلات فستخوض معارك شرسة على قاعدة اللعبة الصفرية، أيّ إما الانتصار أو الزوال، وإنْ أدّت إلى زوال الكيان والنظام. لكن هناك من يعتقد أنّ النخب الحاكمة التي تعبّر عن مصالح النظام القائم قد تقدم على التضحية ببعض الرموز لشراء الوقت ولتحسين صورتها ومواقعها. قد يكون ذلك مدخلاً لإصلاح وإنْ كان جزئياً. فمهما كانت موازين القوّة فإنّ ذلك لن يعفينا من مسؤولية تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتغيير والإصلاح. هذه هي مهمتنا والورقة المقدمة هي إحدى الخطوات في ذلك الاتجاه.

مقاربة الإصلاح المالي جزء من مقاربة أوسع للاقتصاد اللبناني. والأجزاء المتعدّدة متشابكة حيث يصعب التكلّم عن جزء دون التكلّم عن الأجزاء الأخرى. فالإصلاح المالي هو خطوة في الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي يتكامل مع الإصلاح السياسي بل أكثر من ذلك فنقول إن لا إصلاح اقتصادي دون اصلاح سياسي فالاقتصاد هو السياسة ولكن بلغة الأرقام. وبالتالي السياسة هي التي ستتحكّم بالقرار الإصلاحي والسياسة ستكون نتيجة موازين قوّة.

في هذا السياق، فإنّ موازين القوّة يحكمها الصراع مع الكيان الصهيوني ليس إلاّ. ففي رأينا، لا مجال للتكلّم عن أي سياسة والقرار السياسي الوطني في حال تبعية للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص الذي همّها الأول والأخير هو حماية الكيان العدو وضمان تفوّقه على لبنان وسائر العرب. هذا لا يعني أبداً أنّ الأمر قدر علينا بل العكس، فإنّ موازين القوّة في الصراع تتغيّر لصالح محور المقاومة. لكن إلى أن يتجلى ذلك الأمر في لبنان وخاصة عندما تقتنع القوى المؤيّدة لمحور المقاومة أنه آن الأوان لإجراء الإصلاح في البنية السياسية والاقتصادية فإنّ المشهد مستمرّ على حاله. فالمحاولات التي تطرح بين حين وآخر ليست إلاّ محاولات ترقيع وشراء الوقت وإنْ كانت مدمّرة في آن واحد كوصفات الخصخصة المطروحة لحلّ الأزمة المالية. فالأزمة الاقتصادية والمالية المتفاقمة هي نتيجة خيارات وسياسات وبالتالي لا بدّ من تحديد الخيارات والسياسات قبل المبادرة في الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

الخيار الأول هو أنّ بنية الاقتصاد اللبناني منذ نشأته مبنية على فرضية أنّ لبنان ليس جزءاً من المنطقة بل جزيرة في محيط لا يتماهى تاريخياً مع مصالح الاستعمار والامبريالية. وبالتالي في أحسن الأحوال لن يكون إلاّ جسراً بين المشرق العربي والجزيرة العربية من جهة والغرب ولكن من موقع التبعية وليس من واقع مستقل عن إرادة الغرب الاستعماري القديم والجديد. هذا الدور الوظيفي الذي اختاره الاستعمار والذي تبنّته النخب الحاكمة على مدى عدّة عقود وصل إلى طريق مسدود عشية الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 1975 واستمرّت حتى التسعينات. في حقبة 1920-1993 كان الاقتصاد مبنياً في الأساس على الخدمات المالية والتجارية مع حدّ أدنى وإنْ كان يتنامى بشكل تدريجي للقطاعين الإنتاجيّين الزراعي والصناعي. ما بعد 1993 كان الخيار أنّ لبنان جزء من عملية سلام وهمية طغت على عقول النخب الحاكمة واعتبرت نخبها الحاكمة أنّ دور لبنان هو دور خدماتي أولاً وأخيراً وحوّل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد خدماتي ريعي. لذلك الخيار الأساسي الذي ننطلق منه هو خيار الانتقال من اقتصاد خدماتي ريعي إلى اقتصاد انتاجي خدماتي منتج لقيمة مضافة مرتفعة كقطاع الاستشفاء والتربية على سبيل المثال بسبب نوعية اليد العاملة والمستوى التعليمي النسبي المرتفع.

الخيار الثاني هو أنّ لبنان جزء أساسي من المنطقة وبالتالي السياسات التي يجب اتباعها في تحويل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد إنتاجي تستدعي التشبيك مع دول الجوار، أيّ مع كلّ من سورية والأردن والعراق في المرحلة الأولى ومع فلسطين بعد التحرير. أما في المرحلة الثانية المتلازمة مع مراحل من المرحلة الأولى فهو التشبيك مع كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا والانخراط الكلّي بالكتلة الأوراسية، أيّ التشبيك مع الصين وروسيا ومنظومة شانغهاي. وفي المرحلة الثالثة يكون التشبيك مع دول الجزيرة العربية ودول وادي النيل والقرن الأفريقي وفي المرحلة الرابعة مع دول اتحاد المغرب الكبير. ليس من الضروري في المرحلة الحالية تحديد تاريخ المراحل الأربع إلاّ أنّ المرحلة الأولى يجب أن تتلازم ولو تدريجياً مع مرحلة الإصلاح المالي.

الخيار الثالث هو إعادة الاعتبار إلى التخطيط المركزي في مشروع التنمية الشاملة والمتوازنة. هذا يعني الابتعاد عن فلسفة ميشال شيحا القاصرة المبنية على اقتصاد السوق والقطاع الخاص ونسختها المشوّهة في ما بعد اتفاق الطائف. النموذج الصيني نموذج جدير الاهتمام به لأنه استفاد من التجارب السابقة لكلّ من اقتصاد السوق بلا قيود ومن اقتصاد التخطيط المركزي المفعم بالقيود. كما يمكن دراسة نماذج أخرى كالنموذج الماليزي والنموذج السنغافوري وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

الخيارات المطروحة أعلاه تتطلّب تمكين الدولة من القيام بدورها كقاطرة للإصلاح وللتنمية. هذا يعني أولاً إصلاح سياسي وإداري لسنا في إطار مقاربته في هذه الورقة وإنْ كانت شرط ضرورة، وثانياً، تحرير موارد الدولة المكبّلة بدين لا مبرّر له، أيّ إصلاح مالي يتناول البنية الضريبية وسياسة الإنفاق وبطبيعة الحال الدين العام المكبّل لقدرات الدولة. وإصلاح القطاع المالي يتطلّب معالجة قضيتين يصعب الفصل بينهما. القضية الأولى هي قضية الدين العام والقضية الثانية هي إعادة هيكلة النظام المصرفي. فالنظام المصرفي شريك أساسي في تفاقم الدين العام بسبب الاستفادة منه رغم معرفته بأنّ قاعدة ذلك الدين غير سليمة وأنّ قدرة الدولة على التسديد من مداخيلها محدودة للغاية، وأن خدمة الدين العام تؤدّي إلى إيقاف الاستثمار في البنى التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية ولو بالحد الأدنى. كما أنّ سياسة الاستدانة لأغراض غير تنموية أدّت إلى سحب السيولة من التداول الاقتصادي وأدّت إلى تمركز الثروة في يد القطاع المصرفي وما هو مرتبط بفلكه من قطاعات كالقطاع العقاري. وبما أنّ القطاع المصرفي وظّف معظم موارده المالية، أيّ الودائع التي كان يتلقّاها، في سندات الخزينة للاستفادة من الفوائد الربوية التي لا قاعدة ولا وظيفة اقتصادية لها في ارتفاع مستوياتها، فإنّ النظام المصرفي أساء الائتمان تجاه المودعين إذ لم يقدم على توزيع المخاطر وفقاً للقانون ووفقاً للعرف المهني. فإساءة الائتمان وقلّة الاحتراف تجعل من القطاع المصرفي القائم غير مؤهّل للبقاء وغير ذي جدوى.

أما القضية الثانية في الإصلاح المالي فهي إصلاح البنية الضريبية عبر إيجاد نظام ضريبي تصاعدي على الدخل وعلى الأرباح الريعية. لكن لن نعالج في هذه الورقة تلك المسألة التي ستكون موضوع مقاربة خاصة بها.

بناء على ذلك فإنّ الإصلاح المالي يتلازم مع إعادة هيكلة الدين العام وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. في هذا السياق نعرض فقط الخطوط العريضة لإعادة هيكلة الدين العام لعدم توفّر لدينا البيانات التفصيلية لتاريخ تراكم الدين شهراً بشهر، وجداول التسديد السابقة، وعدد وهوية من حمل سندات الخزينة وفترة حملها وقيمة السندات التي حملها الأفراد، والمؤسسات، والهيئات إلخ… فبغياب تلك البيانات لا يمكن عرض مشاريع هيكلة تفصيلية تبيّن الفوائد العائدة لخزينة الدولة من جهة وتوزيع الأعباء من جهة أخرى.

أولاً: إعادة هيكلة الدين العام
أ ـ فلسفة الهيكلة

إعادة هيكلة الدين العام تستند إلى مبدأ توزيع المسؤوليات بشكل عادل بين المتسبّبين والمستفيدين في عملية الدين، أيّ الدولة، القطاع المصرفي، والقوى السياسية التي وافقت وأيّدت ودعمت الاقتراض بالشكل والمضمون. الصعوبة تكمن في تحديد بدقة مسؤولية كلّ الأطراف وخاصة القوى السياسية التي أطلقت عبر الحكومات المتتالية منذ 1993 مسلسل الاستدانة. وبالتالي يمكن تصوّر عدّة سيناريوات تعكس المسؤولية.

السيناريوات المقترحة تعكس نسبة توزيع المسؤولية عمّا حصل.

أولاً: المسؤولية تقع كلياً على القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي، أيّ مصرف لبنان، والخاص، أيّ جمعية المصارف.

ثانياً: المسؤولية تقع بالمناصفة بين القوى السياسية التي كانت تتحكم بالدولة أي وزارة المالية والوزرات والمؤسسات العامة التي استلفت من الخزينة والقطاع المصرفي بشقيّه أيضاً الرسمي والخاص.

ثالثاً: المسؤولية تقع على كل من القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي والخاص، والدولة، والمستفيدين من الدين أي مجموع المودعين. وداخل مجموعة المودعين هناك من يتحمّل المسؤولية أكثر من غيره كونه مرتبطاً بالقوى السياسية المتحكّمة بإدارة الدولة، بينما الأكثرية من المودعين هم من الطبقة الوسطى والذين استثمروا في الدين العام كالمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود. في هذه المجموعة تقع المسؤولية بنسبة 70 بالمائة على القطاع المصرفي والقوى السياسية والباقي على المستفيدين وذلك على قاعدة أنّ الجميع كان مدركاً أنّ الاقتراض بالشكل الذي حصل لم يكن سليماً وخاصة في ما يتعلّق بالفوائد المرتفعة التي لم يكن لها في يوم من الأيّام أيّ مبرّر اقتصادي، والذي شرحناه مع عدد من الاقتصاديين في أوراق سابقة، وذلك منذ بداية اعتماد الاقتراض. فالكل كان يعلم أنّ الدولة لا قدرة لها على تسديد الدين ورغم ذلك استمرّت لعبة «البونزي» أيّ الاقتراض لتسديد الاقتراض السابق ودفع الفوائد الربوية. بالنسبة للمصارف فإنّ الفوائد هي أصل مداخيلها بينما رأسمال الدين هو من الأصول التي كان بإمكانها وضع المؤن لتخفيف من احتمالات عدم التسديد ولكن لم تفعلها لأنها كانت انتقاصا من أرباحها.

ب – هيكلة الدين العام وفقاً للسيناريو الأول

بما أنّ الفوائد المدفوعة منذ 1993 فاقت أضعافاً رأس المال الدين الأساسي فهذا يبرّر اتخاذ قرار بشطب الدين العام المتعلق بسندات الخزينة واعتبارها لاغية. هذا سيؤدّي إلى إفلاس المصارف التي استثمرت ودائع المودعين في سندات الخزينة ما يفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الورقة. هذا يعني أنّ القرار يحمّل القطاع المصرفي مسؤولية الدين لأنه كان الأداة الأساسية إنْ لم نقل الوحيدة لذلك الدين.

الاعتراضات على هذا السيناريو ستكون مبنية على أنّ ذلك يضرب مصداقية الدولة في إمكانية الاقتراض في ما بعد ويضرب القطاع المصرفي. ففي ما يتعلّق بمصداقية الدولة فاستعادة تلك المصداقية ستكون مبنية على سياسات جديدة وعلى أداء مختلف عما كانت عليه. وهنا نسأل، إذا كان الجميع يعلم أن لا قدرة للدولة على تسديد ذلك الدين فلماذا استمرّ القطاع المصرفي في إمدادها بالأموال؟ فعن أيّ مصداقية يتكلّمون؟ فعلى القطاع المصرفي أن يتحمّل نتائج قراراته وإذا كان يؤمن بقانون السوق، كما يدّعي كاذباً، فعليه أن يواجه الاستحقاق، أيّ إما التسديد من رأس ماله أو الإفلاس! أما في ما يتعلّق بالتصنيف الدولي فلا نحبّذ الاقتراض في الأسواق الخارجية والتي لا نعتقد أنّ هناك ضرورة لها رغم كلّ الادّعاءات المغايرة لذلك. فالنظام الذي استطاع أن «يشفط» أكثر من 400 مليار دولار على مدى أربعين سنة وفقاً لتقديرات الخزينة الأميركية يستطيع أن ينتج ما يلزمه من تمويل داخلي لإعادة البناء! ونعتقد أنّ «مصداقية» الدولة ستعود عندما يباشر لبنان في استثمار حقول النفط والغاز فالرأس المال الأجنبي سيتناسى إلغاء الدين العام مقابل الاستفادة من الاستثمارات التي سيجلبها قطاع النفط والغاز. لكن حسم هذا الموضوع لن يعود إلى اعتبارات اقتصادية أو مالية بل لاعتبارات سياسية لا داعي الدخول فيها في هذه المرحلة.

ج – إعادة الهيكلة وفقاً للسيناريو الثاني

المناصفة في إعادة هيكلة الدين العام بين القطاع المصرفي والقوى السياسية يعني المناصفة في تحمّل أعباء الهيكلة على كلّ من القطاع المصرفي والدولة. هذا يعني أنّ القطاع المصرفي مسؤول فقط عن نصف الدين العام وعليه أن يتحمّل شطب ما يوازي نصف «حقوقه» في سندات الخزينة سواء في الرأس المال للدين وأو في الفوائد. إذا ما اعتبرنا أنّ قيمة الدين العام توازي 100 مليار دولار (قد يكون أكثر من ذلك أو أقلّ من ذلك، فليس هناك من بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها) فإنّ القطاع المصرفي عليه أن يسدّد ما يوازي 50 مليار. أما في ما يتعلّق بحصة الدولة فالتسديد يكون عبر اعتبار الدين العام طويل الأجل في أيّ 25 أو 30 سنة، وبفائدة رمزية حيث خدمة الدين العام لا تتجاوز سنوياً أكثر من 5 بالمائة على سبيل المثال من موازنة الدولة. من جهة أخرى فعلى القطاع المصرفي إعادة تكوين رأسماله لسدّ العجز بين قيمة سندات الخزينة التي تشكل قسماً كبيراً من أصوله وإجمالي الودائع. سيعارض القطاع المصرفي بشدّة التنازل عن «حقوقه» ولكن تستطيع الدولة فرض إرادتها عبر التلويح بإجراءات جذرية في ملكية المصارف (أيّ السيناريو الأول في إعادة هيكلة القطاع المصرفي).

أما القوى السياسية فالمسألة أكثر تعقيداً لصعوبة الوصول إلى توافق على تحديد مسؤولية الأشخاص الذين ساهموا في تراكم الدين وبسبب موافقة مجلس النواب الذي أعطى «الشرعية» لتراكم الدين. لكن هذا السيف يجب أن يبقى مسلّطاً على القيادات السياسية التي تولّت المسؤولية في تراكم الدين العام، من رؤساء جمهورية ومجلس النوّاب، ورؤساء مجلس وزراء، ووزراء ورؤساء اللجان المالية وأعضائها في مجلس النوّاب الذين أعطوا صكّ البراءة للحكومات التي ساهمت في استمرار تراكم الدين العام. كما يجب إدراج الإعلاميين الذين روّجوا لتلك السياسات وهاجموا من كان يحذّر من مخاطرها.

د ـ إعادة الهيكلة وفقاً للسناريو الثالث

في هذا السيناريو يتشارك مع الدولة كلّ من القطاع المصرفي والمودعين في تحمّل عبء الهيكلة. ربما هنا يكمن مزاج النخب الحاكمة. لكن المشكلة تكون في تحديد النسب. القطاع المصرفي ومن يقف معه من النخب الحاكمة يريد تحميل الدولة القسط الأكبر لإعادة هيكلة الدين كما يريدون (وهنا قسم كبير من القوى السياسية) المباشرة بالخصخصة للتعويض عن العجز في الموازنة وتراكم الدين. توزيع المسؤولية سيكون في آخر المطاف رهن موازين القوّة السياسية التي تتحكّم بالنخب الحاكمة.

في سيناريو تحميل المسؤولية للمودعين هناك من يقترح أن يتحمّل المودعون ما يوازي 30 بالمائة من العبء. وهناك من يذهب إلى ابعد من ذلك ويقترح حتى 70 بالمائة. فالشيكات التي يتمّ صرفها الآن توازي 30 بالمائة فقط من قيمتها الاسمية. سطوة المصارف والصرّافين على تدفق السيولة يجعل من ذلك أمراً واقعاً. ومع مرور الزمن يصبح المعيار «الطبيعي» الملائم للواقع! وبالتالي يتمّ تكريس سرقة أموال المودعين بتشريع رسمي وموافقة النخب الحاكمة.

لسنا من أنصار تحميل المسؤولية للمودعين بشكل عام بل لفئة من المودعين الذين استفادوا من الفوائد المرتفعة وغير الطبيعية لسندات الخزينة بينما كانوا يعلمون استحالة الدولة تسديد تلك الديون. فهم شركاء فعليون في عملية السطو المنظّم. عددهم ليس كبيراً بل قيمة ودائعهم كبيرة. ليس هناك من إحصاءات دقيقة بسبب عدم الشفافية من قبل جمعية المصارف والمصرف المركزي في تقديم البيانات المفصلة لتوزيع المودعين. هنا أيضاً يُحسم الأمر وفقاً لموازين القوّة السياسية.

لكن بغضّ النظر عما ستسفر «المفاوضات» في شأن توزيع المسؤوليات/ العبء بين الأطراف الثلاثة فإنّ إعادة هيكلة الدين تخضع لنفس الاعتبارات المقترحة في السيناريو الثاني أيّ أنّ عبء خدمة الدين العام لا يجب أن يتجاوز نسبة مئوية محدودة من إجمالي الموازنة.

يبقى تفصيل مكوّنات الدين العام. فهو العجز المتراكم في الموازنة ولكن ضمن ذلك العجز هناك سلفات لمصلحة كهرباء لبنان وضرورات تمويل الديون المستحقة. الأولوية هي تخفيض قيمة رأس مال الدين يجب أن تكون على الجزء الذي ساهم في تمويل الديون السابقة. فلما أقدمت الدولة على إصدار سندات خزينة بفوائد مرتفعة جدّاً لا مبرّر لها كان الجزء الأكبر من سلسلة الاقتراض المتتالية تسديد تلك الفوائد ورساميل تلك السندات التي كان قصيرة الأجل جدّا. لذلك هذا الجزء من الدين يجب أن يُشطب بدون تردّد خاصة أنه تمّ «تسديد» تلك الديون في ميعادها! في ما يخص بالسلفات لقطاعات الدولة فهي تشكّل في رأينا جوهر الدين العام الذي يمكن القبول به وبالتالي يتمّ تسنيده على فترة طويلة من الزمن وبفوائد منخفضة.

إعادة هيكلة الدين العام ليست بالعملية السهلة والتي يمكن الخوض فيها كلّما تفاقم الأمر. لذلك يجب اتخاذ إجراءات احتياطية تمنع الوقوع في مطبّات الاستدانة غير المبرّرة اقتصادياً. الاستدانة لأغراض مالية فحسب كما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية لا يجب أن تتكرّر. كما أنّ الاستدانة لا يمكن إلاّ أن تكون داخلية وفي العملة الوطنية. الاستدانة من الخارج تحتاج إلى موافقة خاصة من مجلس النوّاب إضافة إلى الموافقة على المشروع الذي من أجله تتمّ الاستدانة.

*ورقة قدّمت للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في 2 آذار/ مارس 2021

**كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

Sayyed Nasrallah: Hezbollah Won’t Let Lebanese People Starve

Marwa Haidar

Hezbollah Secretary General Sayyed Hasan Nasrallah offered on Thursday a number of suggestions that can be considered a roadmap to the current political and economic crisis in Lebanon.

In a televised address on the occasion of Hezbollah’s Wounded Fighter Day, Sayyed Nasrallah vowed that the Resistance party won’t abandon its people and will defend them against starvation.

He stressed that the priority in this regard is for the state to solve the current crisis, but noted that if the state fails to deal with the crisis, Hezbollah won’t keep away and will stand by the Lebanese people.

Highlighting importance of defining the nature of the economic and financial crisis in Lebanon, Sayyed Nasrallah noted that the situation is a result of long years and can’t be solved in one or two years.

His eminence stressed that the first step to deal with the crisis is to form the new government. In this regard, he called on PM-Designate Saad Hariri to review his plan in forming a technocrat government, noting that the situation in Lebanon needs a techno-political government that is capable of taking national decisions.

Sayyed Nasrallah warned that foreign powers through their embassies in Lebanon have been plotting to drive Lebanon into a civil war, stressing that such scenario is a red line according to Hezbollah.

The Resistance leader also slammed those who have been blocking roads in the country, calling on the Lebanese Army to assume its responsibility in preventing such acts that destabilize Lebanon.

Hezbollah’s Wounded Fighter Day

Starting his speech by talking about the occasion, Sayyed Nasrallah said that Hezbollah chose the birth anniversary of Al-Abbas (a.s.) on the fourth of Shaaban holy month to mark the Wounded Fighter Day since this figure represents all of loyalty, devotion and courage.

“Al-Abbas (a.s.) insisted to stay and fight beside his brother Imam Hussein (a.s.) despite major injuries that he sustained during the battle of Karbala.”

His eminence praised Hezbollah wounded fighters, likening them to Al-Abbas (a.s.).

“Just like Al-Abbas (a.s), Hezbollah wounded fighters insisted to stay on path of Jihad despite their injuries and all forms of difficulties.”

Sayyed Nasrallah, meanwhile, pointed to the US ties with Takfiri groups like ISIL and Al-Qaeda.

“Day after another, the reality of Takfiri groups is revealed, as well as the identity of their operators and those who back them. I think it is important to be aware of a report on a request by former CIA chief (George Tenet) to ex-president Ali Abdallah Saleh to release Al-Qaeda member in Yemen.”

“We are not before an Islamic group, but rather we are before a Takfiri terrorist group that is formed, operated and backed by the US intelligence service in a bid to destroy our people and our armies.”

Chaos and Civil War

Shifting to the local issue in Lebanon, Sayyed Nasrallah said that the crisis has political and economic aspects, noting that it can also be described as a crisis of the establishment.

“In light of the rage over the dire economic situation we don’t have to forget that we must act responsibly and wisely,” his eminence said, stressing that the chaos taking place in Lebanon is aimed at driving the country in to a civil war.

Sayyed Nasrallah revealed that foreign powers have been plotting to create chaos aimed at diring the country into a civil war, stressing that such scenario is a red line for Hezbollah.

“We have reliable information that foreign powers, through their embassies in Lebanon have been working to sue sedition and create chaos in a bid to make Lebanese people go for internal fighting. A civil war is a red line for Hezbollah.”

Sayyed Nasrallah hit back at those who say that Hezbollah is the only Lebanese party that has weapons.

“Such rhetoric is baseless, for the civil war can be erupted by light arms. Those who fight can use Kalashnikovs in a civil war, they don’t need long-range rockets and precision missiles in such kind of fighting.”

In this regard, Sayyed Nasrallah said it clear: “Hezbollah has no intention to resort to his weapons in a bid to form a government or to deal with the economic and financial crisis.”

Lebanese Government Formation

Talking about the reasons behind the economic crisis in Lebanon, Sayyed Nasrallah stressed that it is deep rooted and a result of long years.

“The main reasons behind the current crisis are the corruption, loans which have been with high interest rate, money laundering, freezing of deposits, Beirut Port blast and many others causes.”

“The current crisis is result of long years of wrong policies and can’t be solved in one or two years.”

Sayyed Nasrallah said there have been fears in Lebanon to allow China, Russia or Iran to invest in Lebanon, noting that the US has been preventing the country from heading towards these countries.

“Even more, the US has been also blockading Lebanon in a bid to force our country to subdue to their conditions. The US wants Lebanon to starve and I said it clear before: we won’t starve!”

On the issue of government formation, Sayyed Nasrallah said Hezbollah had agreed on what Hariri called a technocrat government. Meanwhile, the Hezbollah S.G. advised Hariri to form a techno-political government warning that the government of specialists would be unable to take political and national decisions like clinching deals with Russia, China or Iran.

“We in Hezbollah announced that we don’t reject forming a government of specialists. However, my advice is to form a techno-political government that will be capable of taking national decisions.”

Sayyed Nasrallah meanwhile, called on the outgoing government, which resigned following Beirut Port blast last August to assume its responsibility in case the formation of the new government is delayed.

“We wait till Monday and see the meeting between Hariri and President (Mishel) Aoun. But if the government formation is delayed again, caretaker PM Hassan Diab and his government must assume responsibility and deal with the current crises facing the country.”

BDL Governor and Blocking Roads

Elsewhere in his speech, Sayyed Nasrallah stressed that the Riad Salameh, Governor of Banque Du Liban (BDL)- the country’s central bank- bears responsibility in failing to defend the national currency from falling in exchange for the US dollar.

“You can prevent the collapse of the Lebanese pound. Your presence in such post is to do this task. What’s going on is not acceptable, and you have to assume your responsibility,” Sayyed Nasrallah addressed Salameh.

His eminence, meanwhile, lashed out at bandits who have been in the latest weeks cutting off roads across the country, stressing that such acts don’t solve the crisis, but rather they complicate it and drive Lebanon into civil war.

“Blocking roads is unacceptable and immoral. I am one of the people who are fed up with such behavior.”

“You are suspicious and contributing to a scheme aimed at driving Lebanon into a civil war,” Sayyed Nasrallah said, addressing those who have been blocking roads.

“It’s the Lebanese Army’s duty to prevent such acts, and if the bandits don’t refrain from blocking roads then this discussion is to be continued,” Sayyed Nasrallah said in a clear message that Hezbollah won’t keep mum regarding this issue.

Hezbollah Plan of Social Solidarity

Hitting at those who slam Hezbollah environment for gaining salaries in US dollars, Sayyed Nasrallah clarified that 80% of Hezbollah’s incubation are volunteer people who are not paid.

He also noted that not all the organized members of Hezbollah are paid in US dollars.

In this context, Sayyed Nasrallah called on Hezbollah servicemen who are paid in US dollars to help all those who are in need, announcing a plan to organize such aids.

“A few years ago, those people who are slamming now our brothers and sisters, they were mocking at Hezbollah fighters who were monthly paid $400 or $500.”

Sayyed Nasrallah concluded his speech by assuring that Hezbollah won’t abandon its people and won’t let Lebanese people starve.

“The priority to solve the current crises is through Lebanese state, but if the state fails to do so we won’t stay away. I will not elaborate on this issue, but I say: we have several options in this regard.”

Source: Al-Manar English Website

عن «هول» مشهد اقتحام الكابيتول على أنصار الغرب

جريدة الحوار نيوز

 ابراهيم الأمين 

الإثنين 11 كانون الثاني 2021

الاحتجاج على اقتحام مؤيدي دونالد ترامب مبنى الكونغرس ليس ذاته لدى الجميع. لم يكن الأمر غريباً على بلاد أعاد نصف الناخبين فيها تجديد الثقة به رئيساً لولاية جديدة، فيما لم ينجح خصمه الفائز في خلق غالبية شعبية حقيقية تدين ترامب وأفكاره وسياساته.

لندع النقاش الأميركي الداخلي جانباً. ما يجب الالتفات إليه هي حال «الهلع» التي سادت «مناصري» الديموقراطية الأميركية في العالم. هلع من انهيار «الفكرة» التي سكنتهم، بأشكال مختلفة، على مرّ عشرات السنين. «الفكرة» التي ثبتت بكل أشكال الحياة: اقتصادياً من خلال آليات إنتاج وتحكّم بالسوق وربط الإبداع بمنظومة تحتكر تصريف المنتجات على أنواعها. سياسياً من خلال نظم تحكم بتبعية شاملة لا فكاك منها مع النظام الحاكم في أميركا. ثقافياً من خلال نمط تعليم وتفكير وتعبير في الصحافة والفنون والأكاديميا والدراسات، والسيطرة على مراكز الإنتاج الثقافي بكل أنواعه، حتى صار أسلوب الحياة الأميركية ــــ كما تعرضه المنتجات ــــ الأسلوب الأكثر إغراءً لشعوب العالم.

في بلادنا، ظهر هلع يعيد تذكيرنا بالتاريخ اللبناني الرطب. هذا التاريخ الذي تشكّل على وقع المنظومة الغربية نفسها (قبل أن تنتقل إدارة الاستعمار من أوروبا إلى أميركا). كما تشكّل وسط النجاحات الهائلة التي حققتها «الفكرة الغربية». لذلك، نجد اليوم في لبنان، فقراء وأغنياء، متديّنين وعلمانيين، متحزّبين ومستقلين، كلهم «يخشون» على هذه «الفكرة».

في لبنان، لا يقتصر الصراخ على مرجعيات ومنظومات تحذّر من خطر «أخذنا الى خيارات لم نعتدها». هنا، بالضبط، يمكن فهم القلق على الفكرة الغربية من غالبية كبيرة ترفض التعامل مع الوقائع الجديدة التي تحكم العالم. غالبية لا تزال تعتقد أن أحداً لن يكون قادراً على التقدم خارج قفص الغرب أو الارتقاء خارج القواعد الغربية. حتى بات الناس يتصرفون وفق «مسلّمة» أن الدواء والعلاج، كما التعليم والبرامج وأساليب التدريس، كلها لا يمكن أن تكون فعالة إلا إذا جاءت من الغرب. من يردّدون هذه الفكرة، لا يسألون أنفسهم كيف يعيش مئات الملايين من البشر خارج هذا القيد. أساساً، لم يسأل هؤلاء، مرة واحدة، عن المصدر الحقيقي للثروات التي يتنعّم بها الغرب المتقدم، وعن سرقة ثروات الشعوب ومواردها المادية والبشرية من قبل هذه الدول المستعمرة على مدى مئات السنوات. وهؤلاء يرفضون، مثلاً، تقبّل حقيقة أن كلفة تنظيف الشوارع في «سوليدير» تساوي كلفة تنمية كل عين الرمانة وفرن الشباك. وهم يرفضون الإقرار بأن سارقي حقوق الناس في وسط بيروت، أعادوا رسم قلب المدينة على شكل لوحة باردة وأن ذلك تمّ بثروات وقدرات غيرهم. وكأن أهالي حيّ السلم لا يحبّون لشوارعهم أن تكون نظيفة ومضاءة وفيها أرصفة ومجارٍ لصرف المياه.

في لبنان، يمكن فهم «الاستلاب» ليس على صعيد فكري أو ثقافي. الناس، هنا، غير مستعدين لتغيير حزب أو قائد أو مرجع أو إدارة أو مؤسسة. في لبنان، اليوم، من هو مقتنع بأن الكهرباء لا يمكن أن تأتي من الصين أو روسيا أو إيران، مفترضين أن مليارَي إنسان يعيشون في العتَمة، وأن المولّد إذا أتى من الصين فلن يعمل عندنا، وكأن إنتاج الكهرباء متعلق بحسابات جينية وجغرافية وطبائع بشرية. والأمر نفسه ينسحب على نواحٍ كثيرة في حياتنا اليومية.

باختصار، القلقون في لبنان على انهيار «الفكرة الغربية»، هم أنفسهم الذين تعايشوا مع دونالد ترامب عندما ثبت رئيساً، والتزموا قراراته وشعاراته وآليات عمله، واليوم صاروا يرفضونه، معتقدين ربما أن أميركا أصبحت بلداً آخر. يتجاهل هؤلاء أن ما فعله ترامب ليس سوى الكشف عن حجم الأوساخ الموجودة تحت السجادة في تلك البلاد العجيبة. وكل ما أظهره هو حجم التنازع الداخلي على طريقة إدارة الحياة داخل أميركا أولاً، وخارجها ثانياً.

اللبنانيون الذين يتعاملون مع الحدث الأميركي من موقع الخائف على النموذج الغربي، يعيشون وهم «الدور» الاستثنائي لهم في مستقبل الحياة. لكن ما هو أكثر وضوحاً في ردود الفعل اللبنانية، مثلاً، هو تصدّر الحملة من قبل من يلمسون تراجع دورهم العام في حاضر البلاد وشبه المستحيل في مستقبلها. هؤلاء نخب لم يعد لديها أوهام للبيع، ولا أفكار، وكل ما تفعله، عملياً، هو «النقّ» والاحتجاج على ما يقوم به الآخرون. وهم إذ يمارسون أسوأ أنواع الكسل، يفترضون أن رصيد «الفكرة الغربية» يكفي لكي يبقوا حيث هم.

خذوا، مثلاً، حالة وليد جنبلاط، باعتباره أكثر رموز نظام التبعية رسوخاً في لبنان، والوحيد الذي لم تشمله رياح التغيير التي عصفت بلبنان على مدى نصف قرن. قلقه من التغييرات العالمية لا يتعلق بقلقه على مصير أفكار أو مجتمعات، بل يكمن في إدراكه أن صلاحيته انتهت، لا كقائد سياسي أو مرجع طائفي، بل كمفعّل ومروّج للفكرة الغربية. لا يعرف جنبلاط، مثلاً، كيفية التواصل مع محمد بن سلمان. ويأخذ عليه أنه لا يعرف مكانة الزعامة الجنبلاطية ومكانة جبل لبنان. لا يريد جنبلاط الإقرار بأن وسائل التواصل بين البشر تتيح لأقران ابن سلمان من الحكام الجدد العثور على كل ما يبتغون في أمكنة أكثر نظافة ولطافة وخدمة من هذه الزاوية التي يسمّونها لبنان الصغير.

الخشية على «الفكرة الغربية» عندنا تشمل جيلاً جديداً رغب في الثورة والتغيير، لا لقلب المعادلات بل ليحجز لنفسه مقعداً حول الطاولة


لكن جنبلاط لا يستند في «مقاومته» إلى صراخه غير المجدي، بل يستند، أساساً، إلى المريدين والتابعين. أولئك الذين يخشون انهيار زعامة المختارة، تماماً كما يخشى زعيم المختارة انهيار الفكرة الغربية. ترى الناس هائمين على وجوههم وهم يسمعون عن إمكان إنتاج تسوية جديدة في البلاد من دون الوقوف على خاطر البيك. هؤلاء يعرفون حقائق هذه اللحظة التاريخية من عمر لبنان. ويدركون، جيداً، أنه ليس بإمكان جنبلاط أن يطلب منهم ما لا يقدرون على فعله، لا سلماً ولا حرباً ولا ما يحزنون. كما يعرفون، أكثر، أن جنوح زعامتهم نحو خيارات متطرفة سيقود إلى الانتحار الجماعي. وهي حالة موجودة لا عند جنبلاط فحسب، بل عند كل الزعامة التاريخية للمسيحيين، أو المستجدّة عند السنّة والشيعة أيضاً.

عندما برز نبيه بري ورفيق الحريري وسمير جعجع وميشال عون كحالات بديلة من القيادات السابقة، كانوا يحصدون الأنصار على خلفية إحداث تغييرات كبيرة، لا على مستوى تداول السلطة وطبيعة التمثيل فقط، بل على شكل إدارة شؤون الناس. لكن الحقيقة أن أربعة عقود أظهرتهم في موقع المنقلب على السلطة، لا على النظام، والساعي إلى احتلال موقع في النظام نفسه. وهم تورّطوا في كل آلياته حتى صاروا يظهرون الخشية على انهيار «الحلم اللبناني». وهي خشية يظهر لنا، مع التدقيق، أنها محصورة بمنظومة المكاسب والمصالح والامتيازات التي تشكّلت حولهم منذ أن تولّوا الحكم. في حالة هؤلاء، تحديداً، تجد زعامة وليد جنبلاط، مثلاً، لا تخشاهم على الإطلاق. كأن جنبلاط يعرف تماماً، مثل أركان النظام الاقتصادي والمالي والتجاري، أن هؤلاء سيحدثون ضجيجاً. صحيح أن البيك سيضطرّ إلى «التعامل» مع شخصيات لم «تتمرّن» في مدارس «العائلات الكبيرة»، لكنه لم يكن يوماً يخشى أن يقترب أحد من هؤلاء من أساس النظام الذي يستمدّ هو قوته منه. بل كان، ولا يزال، مصدر نصح لهم في كيفية التعامل مع المستجدات بغية الحفاظ على الامتيازات. جنبلاط يعرف جيداً أن أبناء الشوف وعاليه، مثلاً، يخشون فعلياً على الزعامة الجنبلاطية. الناس هناك لا يملكون حجة منطقية وعلمية للدفاع عن موقفهم. ولا يقدرون على شرح أسباب حاجتهم إلى هذه القيادة. تراهم يتراجعون في كل شيء: في التعليم والاقتصاد والسياحة والقوة والنفوذ والعدد أيضاً. ومن يرغب منهم في بناء تجربة جديدة أو اتّباع شرط الارتقاء الحقيقي اجتماعياً وثقافياً، فما عليه سوى الانفكاك عن هذه الزعامة.
في لبنان، الخشية على «الفكرة» لا تقتصر على أبناء المؤسسة التي رعاها الغرب وثبّتها، بل هي موجودة لدى جيل جديد، سبق أن رغب في الثورة والتغيير. لكن هذا الجيل لا يستهدف قلب المعادلات، بل يريد أن يحجز لنفسه مقعداً حول الطاولة. وإذا تعذّر ذلك بسبب حشود الجالسين من طوائف وملل، فإنه يريد أن يُفسَح له المجال ليجلس إلى جانبهم، كأصحاب بدعة الطائفة العلمانية، هو جيل يمارس اللعبة نفسها التي قادها «التغييريون» الممسكون بالسلطة اليوم، ويهوى الغرب ونمط تفكيره وعيشه وآليات الإنتاج فيه. وهنا تظهر الأرض الخصبة لمنظّمات الـ«إن جي أوز». هؤلاء، لا يبحثون عن تعزيز الموارد المالية والفكرية والعلمية لبناء نموذج مختلف يخصّ كل الناس، بل يريدون تعديلات تخصّهم كأفراد. لكنهم، كما هي حالهم اليوم، لا يريدون الخروج أبداً من دائرة التبعية للنموذج الغربي، ولذلك لا يرون مشكلة في التعامل أو التعاقد مع مؤسسات الغرب، فيتقاضون منها التمويل ويردّون الخدمات لها بالدفاع عن سياسات النظام الغربي ومحاربة كل منتفض عليه.

الفريق الملتصق بفكرة الهيمنة الغربية لا يرى، ولا يقبل، أي تطور في الجهة المقابلة من العالم. أميركا وأوروبا تخوضان أعنف حرب ضد الثورة التكنولوجية والإنتاجية التي تقودها الصين، فيما في بلادنا من لا يزال عالقاً عند مزحة: هل تدعوني لشراء سيارة صينية أو هاتف صيني أو مولّد صيني؟

لننظر إلى كيفية تفاعل هؤلاء مع معركة العالم في مواجهة «كورونا». عندما تستقرّ الأولوية بناءً على وهم تفوق «الفكرة»، لا يعود هناك مكان للعقل في البحث عن عناصر مواجهة الوباء والبقاء. لننظر الى الدونية الكاملة في مقاربة أزمة كورونا. دونية تمنع انتقاد النظام الغربي الفاشل في الشقّين: الإداري، أي ما يتصل بإجراءات الحكومات، والطبّي لناحية اللقاح والعناية الصحية. يصرّح عتاة هؤلاء، وهم جهلة في حقيقة أمرهم: هل تنتظرون لقاحاً من الصين أو كوريا أو روسيا أو إيران؟ وهم عندما يفعلون ذلك، إنما يرفضون أيّ نقاش حول فضيحة تعامل المنظومة الغربية مع الوباء، وحول دور الدولة المركزية، وحول حقيقة الإنفاق على الرعاية الصحية، وحجم العناية بمراكز الأبحاث العلمية خارج إطار الشركات التجارية، وحول قدرة الجسم الاجتماعي على تحمّل كلفة الإغلاق التام، وحول المعركة المتعلقة بالأضرار النفسية الناجمة عن اضطرار مجتمعات بأكملها إلى تجربة طريقة جديدة في التواصل بين البشر، وحول إلزامية التصاق العائلات بعضها ببعض، وفشل التكنولوجيا في معالجة السأم… الخ.

أنصار «الفكرة» خارج دول الغرب الأساسية. ومنهم في لبنان يعتمدون الإنكار وسيلة وحيدة في الدفاع عن كسلهم والتحاقهم بهذا المشروع الذي لا ينتج هذه الأيام سوى الأزمات. ولا يخرج منه سوى القهر والصعوبات والتهديد بالحروب والقتل.

المسألة، هنا، ليست أن تعجب أو توافق على فكرة بديلة يحملها الشرق بتاريخه الإمبراطوري، سواء من الصين أو روسيا، أو التجربة التفاعلية المستندة الى فكر ديني تاريخي كما تفعل إيران… المسألة هي أن تقرّ بأن هناك مشكلة في أصل الفكرة الغربية، وأنها دخلت مرحلة جديدة من التحدّيات الصعبة. المشكلة في أن هناك غالبية لدينا ترفض الإقرار بالوقائع الجديدة… كم من هؤلاء يعرفون ما يميّز مطار شنغهاي عن أهم مطارات أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا؟ كم من صحافي أو أكاديمي أو باحث جرّب، من موقع محايد، أن يبحث في الأسباب التي تقف خلف بقاء الحكم على ما هو عليه في كوبا وكوريا، رغم كل الضغط والحصار والقتل والتجويع؟

غالبية لبنانية وازنة لا تزال تتصرف كجزء من هذا العالم المسكون بفكرة غربية سيطرت على كل نواحي الحياة. الناس، هنا، يتصرفون وفق الرواية التي تقول إن اقتحام متظاهرين لمبنى حكومي أو وطني كبير متل الكابيتول أمر غريب. كيف يمكن تفسير غضب مثقفي الـ«ثاو ثاو» مما فعله أنصار ترامب، لكنهم يدعون بعض «الرعاع» إلى تدمير المؤسسات الوطنية. هؤلاء لا يفكرون لحظة واحدة في انتفاضة من أجل إنقاذ الجامعة اللبنانية، لكنهم يخوضون معارك قاسية، وليست كلها مدفوعة الأجر، دفاعاً عن الجامعتين الأميركية واليسوعية… لأنهم، في حقيقة الأمر، لا يريدون خسارة أي رمز يربطهم عميقاً بالفكرة الغربية. هؤلاء يسيرون في شوارع العاصمة التي أطلقت عليها أسماء محتلّين وقتلة من المستعمرين الغربيين، ويرحّبون برئيس فرنسا ويطالبونه بإعادة الاستعمار، لكنهم يرفضون فكرة أن يحيي مناضلون ذكرى قائد أممي وقف إلى جانبهم في معارك لا تزال حرارتها قائمة، كما هي الحال مع الشهيد قاسم سليماني.

الغرابة أننا، هنا، نواجه غالبيّة غير متراصّة، لكنها قوية، وتتصل بأناس يقفون اليوم أمام استحقاق لم يشعروا يوماً بقربه، عندما يكون صعباً للغاية أن تعلّم أبناءك القيم، ثم تقرّر الهروب من مواجهة التحديات خشية أن تخسرهم.

الكلام اللبنانيّ لنصرالله خيارات وباب الأمل

ناصر قنديل

– نظراً لدسامة المواد التي تضمّنها كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في الملفات الإقليميّة من جهة، ولمحدوديّة الوقت الذي تحدّث فيه بإيجاز عن الوضع اللبناني من جهة مقابلة، لم ينل هذا الجانب من حديث السيد نصرالله الاهتمام الذي يستحق، لكن المعنيين بالشأن اللبناني في الداخل والخارج بعدما هضموا خلال يومين المواقف اللافتة التي صدرت عن نصرالله في الشؤون الإقليميّة وتقييم المعلومات التي كشف عنها والسقوف التي عالج من خلالها قضايا المنطقة، عادوا لتفحص ما قاله نصرالله لبنانياً فتوقفوا عند حجمها المحدود من جهة، كتعبير عن المكانة والأولوية اللتين تحتلهما القضايا الإقليميّة بحكم طبيعة المنبر الذي تمثله قناة الميادين التي أطلّ من خلالها نصرالله لمخاطبة جمهور أوسع من الجمهور اللبناني، الذي يمكن مخاطبته عبر قناة المنار كما جرت العادة بعدما حرمت المنار من فرصة الانتشار العربي والعالمي بحظرها عن بث الأقمار الصناعيّة، وربما أيضاً لأن اللحظة السياسية تضع الملفات الإقليميّة في الواجهة، سواء بسبب الفترة الانتقالية الرئاسية الأميركية وما تفرضه من تحديات، أو بسبب حرص السيد على منح الوقت والتركيز على قضية اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في سياق إحياء ذكرى اغتياله.

– رغم محدوديّة الوقت الذي خصصه نصرالله للشأن اللبناني فهو كشف عن أمرين لافتين، الأول يتصل بالحلول المفترضة للأزمة الاقتصادية، والثاني يتصل بالشأن الحكوميّ، وفي الشأن الاقتصاديّ تولّى تقديم إيضاح هام لتفسير عدم السير بالخيار الذي سبق ودعا للسير به، تحت عنوان التوجه شرقاً، خصوصاً بعدما تمّ الترويج لتفسير تعثر هذا المسار بعقبات تتصل بعدم واقعيّته، حيث تصدّى خصوم هذا الخيار للأمر من باب الترويج لتقارير ومعلومات تتحدّث عن عدم جهوزية الصين للتجاوب مع دعوات التوجه شرقاً، ولعدم قدرة إيران على تلبية متطلبات ما يترتّب على السير اللبناني بهذا التوجّه، لكن نصرالله أعاد طرح التحدي بالتأكيد على جدية الاستجابة خصوصاً من الصين وإيران، مفسّراً سبب الإحجام عن السير بخيار الشرق الى عدم نضج الموقف اللبناني الداخلي متحدثاً عن أن المسألة مسألة خيارات في لبنان، موحياً بأن القضية لم تنضج لدى الأطراف اللبنانية خصوصاً بين حلفاء حزب الله لترجمة هذا الخيار، بحيث إنه سيبقى خياراً مطروحاً على الطاولة حتى يختبر الجميع الخيارات الأخرى، فإن أفلحت عندها لا مشكلة لدى حزب الله في السير بها، لكن في حال تعثرت أو ظهرت كلفتها المرتفعة سياسياً أو اقتصادياً فعندها سيكون الطرح بالدعوة مجدداً لاختبار فرضية التوجه شرقاً جاهزاً. وكلام السيد نصرالله عن مسألة الخيارات يؤكد أن التحالفات التي يقيمها لا تعني التطابق في الرؤى، خصوصاً في الشق الاقتصادي حيث الخيار الغربي لا يزال هو المفضل عند الحلفاء الوازنين في معادلة الحكم، وكان لافتاً كلام السيد نصرالله عن عدم التجاوب مع عرضين إيرانيين واحد لتأمين المشتقات النفطية التي تمثل ثلثي مطلوبات العملات الصعبة في لبنان، مقابل سداد قيمتها بالعملة اللبنانيّة، والثاني لتأمين مستلزمات إعادة إعمار ما دمّره تفجير المرفأ من إسمنت وزجاج وألمنيوم وسواها من مكوّنات العمران، وعدم التجاوب هنا لا يقصد به حكماً الخصوم الذين لم يكونوا مع تقديم هذه العروض وليسوا اليوم، في السلطة المقرّرة.

– في الشأن الحكومي كان لافتاً حصر السيد نصرالله للعقد التي تعترض طريق تشكيل الحكومة بالشق الداخلي، بعد شبه إجماع للمتابعين والمحللين في الداخل والخارج لربط الحكومة بانتقال السلطة الرئاسيّة الأميركيّة الى الرئيس المنتخب جو بايدن، سواء مَن يقول ذلك متهماً الرئيس المكلف سعد الحريري بعدم القدرة على تشكيل حكومة يتمثل فيها حزب الله ولو بطريقة غير مباشرة عبر اختصاصيين يسمّيهم، وتراجعه عن تعهده لحزب الله بقبول تسميته لوزيرين من وزراء الطائفة الشيعيّة، بسبب التزامه بفيتو أميركي وسعودي واضح وصارم على أي توزير لحزب الله، ورفض أميركي سعودي للتعامل مع أي حكومة فيها شبهة هذا التمثيل. واعتبار التجاذب القائم بين الحريري ورئيس الجمهورية ذريعة حريريّة للتهرّب من تشكيل الحكومة بانتظار زوال مرتجى لهذا الفيتو مع تسلم بايدن للرئاسة واتجاهه لإعادة العمل بالتفاهم النووي مع إيران، وبالمقابل مَن يقول إن حزب الله يقف وراء تشدد رئيس الجمهورية لتعطيل ولادة الحكومة خدمة لربط تشكيل الحكومة بتفاوض إيراني أميركي بعد تسلم بايدن للرئاسة، وفيما يقف حلفاء حزب الله وراء التفسير الأول وقف خصومه وعلى رأسهم النائب السابق وليد جنبلاط وراء التفسير الثاني، وجاء كلام المبعوث الأممي يان كوبيتش عن انتظار السياسيين اللبنانيين لتسلم بايدن لفتح طريق ولادة الحكومة ساخراً، ليمنح المصداقية لهذا الربط، فجاء كلام السيد نصرالله كالماء البارد على رؤوس الجميع، فهو لم يقدّم التغطية لمطالب رئيس الجمهورية الحليف العماد ميشال عون، كي يضحك جنبلاط في سرّه ويغمز مؤشراً الى الربط التفاوضي، ولا هو اتهم الحريريّ بالربط أو حمّله المسؤولية، كي يضحك الحلفاء ويصفقون، فقال السيد نصرالله إن الأسباب داخلية وتتصل بالثقة المفقودة بين الرئيسين عون والحريري كاشفاً عن تواصل إيجابي مريح مع الحريري، ما يعني ثقة بأن لا مشكلة بتمثيل حزب الله حكومياً لدى الحريري، وثقة حريرية بأن حزب الله يقف في الوسط في قضايا الخلاف الحكومي وربما يكون وسيطاً أكثر مما هو طرف.

– كلام السيد نصرالله في الشأنين المتصلين بالداخل اللبناني فيهما إيضاحات لا تملك مصداقيتها إلا بصدورها عن شخص بمكانة ومسؤولية وحجم اطلاع السيد نصرالله، وتمنحان الأمل سواء لجهة بقاء الخيار الشرقي بديلاً ممكناً على الصعيد الاقتصادي ينتظر قناعة المسؤولين في الداخل لا أكثر ولا أقل، أو لجهة إمكانية تجاوز الأزمة الحكومية ببدائل وحلول داخلية لا علاقة لها بما يجري على الساحتين الإقليمية والدولية، وربما تتيح ولادة الحكومة قبل تولي بايدن مقاليد الرئاسة الأميركية، وبمسعى من السيد نصرالله.

المجمع الانتخابيّ الأميركيّ يشكل حكومة لبنان الجديدة؟

د. وفيق إبراهيم

ليس في هذا الاستنتاج ما يضعه في خانة العناوين التي تتعمّد جذب القارئ بمفهوم الغرابة او الاستغراب.

فهناك نظام رئاسي أميركي حالي يقوده الرئيس الحالي ترامب الذي خسر الانتخابات مؤخراً، يطبّق حالياً سياسات انتقام وشلل وتحريض في معظم زوايا الأرض معمماً العقوبات المؤذية بشكل غير مسبوق من سورية ولبنان الى الصين وروسيا وأوروبا، ومؤسساً لآليات داخلية وعالمية لديها مهمة واحدة وهي عرقلة سياسات سلفه الذي فاز في هذه الانتخابات جو بايدن.

لبنان واحد من هذه البلدان المتضررة من سياسات ترامب، الذي يحاول التعويض عن خسارة مشاريعه في السنين الأربع الماضية هي مدة ولايته الرئاسية بأسبوعين فقط من مرحلة نهاية هذه الولاية.

هذا يعني أنه يريد إعادة تعويم الصراع الأميركي مع حزب الله في ميادين سورية وجنوب لبنان التي فشلت، وذلك بابتزاز لبنان في مرحلة تحاول أطرافه الداخلية إعادة تشكيل حكومة تمنع الانهيار الكامل، فتمنع سياسات ترامب هذا التشكيل بأساليب مختلفة او بالإصرار على سلسلة محظورات تؤدي بالطبع الى منع تشكيل حكومة.

لقد وصلت الرغبات الاميركية عبر سياسي من حزب المستقبل قال جهراً على محطات التلفزة إن الأميركيين لا يريدون مشاركة كل القوى الداخلية التي تعرّضت لعقوبات اميركية. هذا يعني انها تشمل الى حزب الله التيار الوطني الحر وتيار المردة الذي يترأسه الوزير فرنجية.

فحاول السعد المراوغة بتشكيل حكومة من اختصاصيين الى أن أتاه رد أميركي حاسم عبر قنوات دبلوماسية، بأنه قد يتعرّض بدوره لعقوبات ان تجاوز المطلوب أميركياً وما هو مفروض عليه يستطيع تنسيقه مع قوى كهنوتية تعلن صراحة أن لبنان ليس جزءاً من الصراع مع «إسرائيل» وانه محايد في الصراع حتى بين الكيان المحتل وسورية، بما يؤدي الى ضرورة انهاء دور سلاح حزب الله ووضعه في خدمة الدولة.

ماذا اذاً عن موضوع تقديم سعد الحريري لتشكيلة كاملة الى الرئيس ميشال عون؟

تحمل تعمّداً واضحاً بنزوع الحريري الى عدم التشكيل إنما من طريق اختيار 18 وزيراً معظمهم من الموالين له على حساب إلغاء قوى سياسية كثيرة، فبذلك يرمي الكرة في ملعب عون ويتهمه بالامتناع عن التشكيل.

فكيف يمكن لعون أن يقبل بتشكيلة ليس لديه فيها من حزبه التيار الوطني الحر إلا خمسة وزراء مع إبعاد حزب الله وتيار المرده وطلال أرسلان عن الحكومة.

إن الاستمرار في ألعاب التشكيل وموانعه متواصل لأنه يعكس عجز القوى السياسية اللبنانية عن تلبية أوامر أميركية بإلغاء حزب الله وتسهيل مفاوضات الحدود مع الكيان المحتل.

اما الجزء الآخر من المشهد فيتعلق بحزب الله الذي يواصل تقديم تسهيلات للإسراع في التشكيل، لكنه يعرف عمق المحظورات المتعلقة بحركة سلاحه، ما يعني صعوبة هذا التشكيل في الوقت الراهن.

هذا الوضع يؤسس لمعادلة ترى أن الاستمرار في الانسداد السياسي مع الإسراع في الانهيار الاقتصادي وسط امتناع عن تلبية حاجات لبنان من الصناديق والمصارف الدولية وبلدان الخليج.

فما هي البدائل؟ هي الصين وروسيا والعراق لأن الغرب يقفل صناديقه لأسباب سياسية، لكن هذا الخيار يفرض على لبنان الاتجاه شرقاً، لكن هذا الشرق لا يبدو متلهفاً كحال الإصرار الفرنسي الذي يريد العودة الى المنطقة، فيما تبدو إيران عاجزة عن تأمين حاجات لبنان للحصار الأميركي المنصوب عليها.

ما هو مهم هنا، أن صيغة 1943 المعدلة باتفاقي الدوحة والطائف أصبحتا جثثاً غير قابلة للإنعاش.

وهذا يتطلب إعادة إنتاج معادلة حكم جديدة، تعكس التطورات التي انبثقت في الداخل، وتؤسس لعلاقات مع الخارج السياسي تنقذه من مرحلة التبعية العمياء للغرب. فالمطلوب هنا مصلحة اللبنانيين الاقتصادية المتكئة على استقرار داخلي وتعاون مع الإقليم يرفع مرتبة لبنان الى مصاف الدول الكاملة السيادة.

هل هذا ممكن في هذا الوقت بالذات من الانهيار الاقتصادي؟

إن العودة الى مشروع لبنان الدائرة الانتخابية الواحدة على اساس المناصفة الطائفية وحصص المذاهب الى جانب مجلس شيوخ طوائفي هو الحل الوحيد القادر على إعادة إنتاج للبنان مهدد فعلياً بالتفجير واسبابه ليست فقط اقتصادية على الرغم من وقعها التدميرين، بل السياسة ايضاً التي تحكم على هذا البلد تقديم الولاءات الخارجية الغربية – الخليجية على حساب مصالح أبنائه.

إن ما يمنع تطبيق هذا الحل لا يتعلق بتوازنات داخلية. فالداخل اللبناني اليوم يجنح لتأييد هذه المعادلة، لكنه يصطدم بالقوى السياسية الداخلية نفسها التي تستعمل قوة الخارج الاميركي – الخليجي بإضافة الإسرائيلي اليهما، لحماية نموذج لبنان الكبير الغربي دائماً وصولاً الى الإسرائيلي حالياً بحركة تماهٍ مع التطبيع الخليجي.

يتضح أخيراً ان حكومة لبنان ليست هي الحل الفعلي لأزمة لبنان كما أن تشكيلها لن يؤسس لحل فعلي للانهيار الاقتصادي، بما يؤكد على ضرورة اجتماع القوى اللبنانية الأساسية لإنتاج معادلة حكم جديدة، يخاف البعض ان يطلقوا عليها لقب المؤتمر التأسيسي. لكن هذا المؤتمر هو السبيل الوحيد لإعادة إنتاج لبنان نموذج القرن الحادي والعشرين بإطار المساواة الفعلية بين مواطنيه مع استبعاد حكم الطوائف ومذاهبها وطبقاتها الفاسدة.

سرّ «الكلام المباح»… تعويم حكومة دياب والحكم بمشاركة من الجيش اللبناني؟

د. عصام نعمان

كان لافتاً الموقف الصادر عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أواخرَ الأسبوع الماضي. ففي أعقاب تعيينه يوم الخميس 15/10/2020 موعداً لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة المتعلّقة بتكليف شخصيةٍ تنال الأكثرية لتأليف حكومة جديدة، غرّد الرئيس عون على «تويتر» قائلاً: «من المعلوم أنّ الأمم التي تفقد حسّها النقدي وتمتنع عن إعادة النظر بسلوكها، محكومة بالتخلّف ولا تستطيع بناء ذاتها ومواكبة العصر. فإلى متى يبقى وطننا رهينة تحجّر المواقف وغياب مراجعة الذات؟»

نُسب إلى الرئيس عون أنه أجاب بنفسه عن السؤال بقوله إنه إذا لم يتخلّ أهل القرار عن مواقفهم المتحجّرة فسيكون له موقف مغاير يعبّر به عن «الكلام المباح».

ما الموقف المغاير الذي سيقول الرئيس عون عبره «كلاماً مباحاً»؟

من حق رئيس الجمهورية الذي هو، بموجب المادة 49 من الدستور، «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور، يرئس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء»… من حقه بل من واجبه عندما تعاني البلاد، كما اليوم، ظروفاً وتحديات استثنائية أن يكون له موقف استثنائي مغاير للسلوكية السياسية السائدة بغية الإسهام في انتشالها من ركود المستنقع الذي تكاد تغرق فيه. فماذا تراه يكون موقفه المغاير «والكلام المباح»؟

لا غلوّ في القول إنه يصعب، في هذه الآونة، إحصاء الأزمات والمعضلات والمشاكل والصعوبات والمعوّقات التي ترزح تحت وطأتها البلاد والعباد في شتى ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والتربوية والثقافية. كلّ ذلك والشبكة السياسية المتحكّمة بما تبقّى من مفاصل للنظام الطوائفي الكونفدرالي موغلة في تناحراتها الأمر الذي تبدو معه، خصوصاً منذ الانفجار الكارثي الذي ضرب مرفأ بيروت (4 آب/اغسطس) والأحياء المحيطة به، غير معنية وغير جادّة في إخراج البلاد من حال الشتات والضياع والفساد، وأقلّه تشكيل حكومة جديدة تحلّ محلّ حكومة حسان دياب المستقيلة.

ثم، لنفترض انّ الاستشارات النيابية المقرّرة لم تفضِ الى تكليف شخصيةٍ تأليف حكومة جديدة قبل انتهاء الأسابيع الستة في 5/11/2020 التي «منحها» الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لزعماء الكتل البرلمانية المؤيدين لمبادرته، فماذا تراه يفعل؟ هل يتخلّى عن مبادرته ويترك هؤلاء الزعماء لمناحراتهم ولمصيرهم؟ ام انّ وزير خارجيته جان إيف لودريان يعاود تحذير أهل القرار من زوال لبنان؟

لعلّ هذه التحديات المصيرية ستدفع الرئيس عون الى أن يفصح بـِ «كلام مباح» عن موقف استثنائي يوحي مقرّبون منه بأنّ محوره سيكون التصدي لعملية تجويف سلطته وتحميله وحده مسؤولية أخطاء المنظومة الحاكمة وخطاياها لدفعه، تحت الضغط، إلى الاستقالة قبل انتهاء ولايته في تشرين الاول/ أكتوبر سنة 2022.

كيف يمكن أن يردّ عون؟

يبدو أنّ أمامه ثلاثة خيارات كلها صعبة ومحفوفة بالمخاطر:

الخيار الأول، وهو الأسهل والأكثر هشاشة، ان يتقبّل الرئيس عون، ولو إلى حين، القصور العضوي لأركان الشبكة السياسية المتحكمة المتمثّل بإخفاقهم في تسهيل تأليف حكومة جديدة، وأن يردّ بدعم حكومة حسان دياب القائمة بتصريف الأعمال إلى أن يتوصّل أركان الشبكة المتحكمة، ربما بعد إعلان الفائز في انتخابات الرئاسة الأميركية (3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل) إلى توافقٍ حول صيغة حكومة ائتلافية لإدارة مرافق البلاد وتأمين حاجاتها الأساسية لغاية نهاية العهد.

الخيار الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً وفعالية، تعويمُ حكومة حسان دياب بمنحها الثقة مجدّداً من مجلس النواب. وإذا تعذّر ذلك، يمضي الرئيس عون في احتضانها ودعمها من موقعه كرئيس للمجلس الأعلى للدفاع مشفوعاً بقرار من مجلس الوزراء يقضي بإعلان التعبئة العامة وتوظيف قدرات الجيش اللبناني للنهوض بكثير من المهام والمسؤوليات التي تتولاها عادةً إدارات الدولة ومؤسّساتها المدنية. ولا شكّ في أنّ ميشال عون، كقائد عام سابق للجيش وكقائد أعلى للقوات المسلحة حالياً بحكم الدستور، له من الاحترام والنفوذ في صفوفها ما يجعله قادراً على ضمان اضطلاع الجيش بدورٍ مشارك وفاعل في تصريف الأعمال الموكَلَة الى الحكومة، وكذلك المساعدة في تنفيذ الأعمال التي تستوجبها الظروف الإستثنائية التي تعانيها البلاد.

الخيار الثالث، وهو الأكثر راديكالية وإثارة للجدل، تعزيزُ التحالف بين جماعة العونيين (التيار الوطني الحر) وثنائية حركة أمل وحزب الله وحلفائهما لتعبئة أكثرية برلمانية تربو على 70 نائباً بغية اعتماد خط سياسي وطني راديكالي عنوانه العريض التوجّه شرقاً، بمعنى تعميق التعاون والتنسيق مع أطراف محور المقاومة، لا سيما سورية والعراق وإيران، ناهيك عن روسيا والصين، في ميادين الاقتصاد والإعمار والتنمية والتسلّح. صحيح أنّ هذا الخيار يحفّ به الكثير من المخاطر الداخلية والخارجية، لكنه يبقى الملاذ الأخير إذا ما شعر الرئيس عون وحلفاؤه بأنهم محاصرون، إقليمياً ودولياً، ومطوّقون بعقوبات سياسية واقتصادية، وبأنه محكوم عليهم بالمواجهة، خصوصاً إذا ما تبيّن أنّ تكلفتها أقلّ بكثير من تكلفة البقاء أسرى مستنقع الركود والتحجّر والتناحر والفساد وتحكّم الولايات المتحدة وحلفائها بمسار البلاد والعباد.

التحديات خطيرة ومثلها المواجهة، ولكن لا سبيل إلى القعود.

نائب ووزير سابق

_

اعتذار أديب… بين خطة هجوم 14 آذار والردّ المطلوب من التحالف الوطني!

حسن حردان

أعلن الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة الدكتور مصطفى أديب اعتذاره عن عدم مواصلة العمل على تأليف حكومة جديدة.. وجاء في حيثيات اعتذاره، أنه «مع وصول المجهود الى مراحله الأخيرة تبيّن لي أنّ التوافق لم يعد قائماً»، مشيراً إلى أنه «سبق وأعلنتُ للكتل أنني لست في صدد الولوج في أيّ شأن سياسي وأبلغت الكتل أنني لست في صدد طرح أسماء تشكل استفزازاً لها».

وما أن انتهى أديب من تلاوة بيان اعتذاره، حتى شهدنا هجوماً منسّقاً ومحضّراً مسبقاً على فريق الأكثرية، وخصوصاً تحالف حزب الله أمل، شنّته قيادات فريق ١٤ آذار ومجموعات الانجيؤز، مصحوباً بالضغط على معيشة المواطنين، واتخذ الهجوم المنسّق عدة مستويات…

اولاً، اتهام التحالف الأكثري، لا سيما حزب الله وأمل، بالمسؤولية عن تعطيل تشكيل الحكومة وإفشال المبادرة الفرنسية وإضاعة ما وُصف بأنه الفرصة الأخيرة للإنقاذ وإخراج لبنان واللبنانيين من الأزمة الخانقة.

ثانياً، التلاعب بسعر العملة عبر القيام بدفع الأدوات المضاربة في السوق المالية إلى رفع سعر صرف الدولار والقول إنّ هذا الارتفاع الذي سيؤثر سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين ويلهب الأسعار، إنّما هو نتيجة تصلّب أمل حزب الله في رفض تسهيل مهمة الرئيس أديب في تشكيل الحكومة مستقلة، ودفعه إلى الإعتذار.

ثالثاً، مسارعة مجموعات الأنجيؤز للنزول إلى الشارع ورفع شعارات تحمّل مسؤولية ارتفاع سعر الدولار وتدهور الوضع المعيشي لفريق الأكثرية بهدف تحريض المواطنين على العودة إلى الساحات وإحياء المطالبة بتشكيل حكومة مستقلة تتولى تنفيذ الانقلاب الأميركي.

لكن أيّ مدقق في ما تقدّم من اعتذار أديب إلى الحملة المنسّقة ضدّ فريق الأكثرية، يلحظ مدى الزيف وعدم الصدقية في توجيه الاتهامات، وأنها تستهدف التعمية على حقائق ما حصل فعلياً، ومن يقف وراء تعطيل تشكيل الحكومة… وبالتالي التهرّب من المسؤولية عن الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون…

1

ـ إنّ الرئيس المكلف أديب، على عكس ما أوحى في بيان اعتذاره، لم يبذل أيّ جهد حقيقي لتشكيل حكومة توافقية، بل انه لم يتشاور مع الكتل النيابية وظلّ طوال الوقت على التشاور والانصات فقط لتوجيهات نادي رؤساء الحكومات السابقين، وإصراره على فرض تشكيلة حكومية «مستقلة» ينفرد هو في تسمية وزرائها، وعندما التقى أخيراً، بعد أن أحرج، بممثلي تحالف أمل وحزب الله، بقي على موقفه من دون أن يتزحزح قيد أنملة رافضاً الموافقة على أن يسمّي التحالف وزراءه من ذوي الاختصاص ومن غير الحزبيّين، وتمسك أديب بموقفه، وهو أمر لم يكن من ضمن أيّ اتفاق، كما زعم في بيان اعتذاره، حيث لم تتخلّ كتلتا أمل وحزب الله عن تسمية وزرائهما من الاختصاصيين غير الحزبيّين، في حين أنّ الرئيس أديب نفسه ليس مستقلاً منزلاً من السماء، وكان أول من سمّاه هو نادي رؤساء الحكومات السابقين، واتفق معهم فقط على تشكيلة حكومته، التي لم يعلنها ولم يسلم مسودة عنها لرئيس الجمهزرية العماد ميشال عون، لعدم حصول أديب على موافقة تحالف أمل حزب الله، واستطراداً لإدراكه أنّ رئيس الجمهورية سيكون له أيضاً رأي معاكس باعتباره شريكاً في عملية التأليف، والذي ظهر في انتقاده أديب والطلب منه التواصل والتشاور مع الكتل، وعندما لم يستجب أديب لذلك، تولى الرئيس عون مهمة الوقوف بنفسه على رأي الكتل بشأن طبيعة وشكل الحكومة…

2

ـ إنّ فريق 14 آذار ركز في حملته على دعم أديب في تشكيل حكومة مستقلين لا يسمّيها أحد غيره، وطبعاً من ورائه نادي الرؤساء، الذين كانوا يتولّون الإشراف على عملية تشكيل حكومة أديب بالاتفاق مع واشنطن والرياض… بحيث تكون حكومة مستقلين ويكون هواها أميركياً.

3

ـ إنّ اعتذار أديب يأتي من ضمن خطة منسقة مع نادي الرؤساء لشنّ حملة منظمة لخلق مناخ عام محلي لزيادة منسوب الضغط على حزب الله وحركة أمل ورئيس الجمهورية، معززاً بالمزيد من العقوبات الأميركية ومفاقمة الأزمة المعيشية للمواطنين في محاولة لإعادة تحرك الشارع… للضغط على التحالف الوطني لدفعه إلى الموافقة على تشكيل حكومة اختصاصيين «مستقلين» لا يشارك في تسمية وزرائها.. لأنّ ذلك هو الشرط الأميركي الذي وضع منذ البداية… إما الموافقة على حكومة من هذا النوع، تنفذ الشروط الأميركية، أو عليكم أن تواجهوا المزيد من الحصار والعقوبات والتجويع…

انطلاقاً من ذلك، فإنّ الفريق الأميركي السعودي لا يريد تسهيل تشكيل حكومة وفاق تؤدّي الى إحياء المساكنة التي كانت سابقاً مع الفريق الوطني، وإنما يريد تنفيذ انقلاب سياسي على المعادلة القائمة من خلال محاولة فرض حكومة موالية بالكامل للفريق الأميركي السعودي تحت اسم حكومة اختصاصيين «مستقلين»… وهو الأمر الذي صرفت من أجله واشنطن الأموال الطائلة، وتحديداً على منظمات الأنجيؤز ووسائل الإعلام، حيث اعترف مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل في شهادة له أمام الكونغرس قبل أيام، بأنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة صرفت في لبنان منذ عام 2005 وحتى الآن عشرة مليارات دولار على القوى المسلحة ومنظمات المجتمع المدني…

أمام هذه الخلاصة، التي تأكدت مجدّداً من خلال اعتذار أديب والحملة الممنهجة التي بدأها الفريق الأميركي السعودي، بعد الاعتذار مباشرة…

ما هو الردّ المطلوب من قبل التحالف الوطني؟

في هذا السياق يمكن القول…

1

ـ إنّ الخطوة الأولى الأساسية الواجبة إنّما هي اقتناع كلّ أطراف التحالف الوطني بأنّ الفريق الأميركي يريد إقصاءهم عن السلطة، وإضعافهم وتفرقة صفوفهم وصولاً إلى استمالة بعضهم، اذا تمكّن، لإبعادهم عن حزب الله المقاوم… وبالتالي عزل المقاومة والعمل على نزع سلاحها باعتبار ذلك هو السبيل لتحقيق أمن كيان العدو الصهيوني، وفرض الهيمنة الأميركية الكاملة على لبنان، وتحويله إلى محمية أميركية صهيونية وجعله قاعدة لإعادة التآمر ضدّ الدولة الوطنية السورية المقاومة…

2

ـ إنّ هذا الاقتناع يستدعي الاتفاق على بلورة رؤية موحدة لمواجهة خطة الانقلاب التي يعمل، الفريق الأميركي السعودي، على تنفيذها، رؤية تضع في الأولوية كيفية مواجهة التحديات الراهنة التي يتمّ الاتفاق عليها، وتحييد كلّ ما عداها من قضايا ومسائل خلافية ليست أولوية ولا هي أولويات راهنة.

3

ـ إنّ الرؤية الموحدة للمواجهة تتطلب أن يحسم التحالف الوطني أمره بأن لا مخرج من الأزمة وإحباط خطة الإنقلاب الأميركية من دون تشكيل حكومة منسجة ومتماسكة وفق رؤية انقاذية اقتصادية ومالية تقوم على إعادة نظر جذرية بالسياسات الريعية المسبّبة للأزمة، ومغادرة سياسة إبقاء لبنان بعلاقة اقتصادية أحادية مع دول الغرب، التي تستخدم هذه العلاقة لابتزاز لبنان وفرض شروطها على لبنان… وبالتالي حسم القرار بتنويع خيارات لبنان الاقتصادية عبر أخذ قرار قبول عروض المشاريع والمساعدات الصينية والإيرانية والعراقية والروسية لمساعدة لبنان من دون شروط، وبالتالي تكريس توازن جديد في علاقات لبنان الاقتصادية مع الخارج انطلاقاً من أن لبنان يحتلّ موقعاً جغرافياً مميزاً كصلة وصلة وصل بين الشرق والغرب وهو ما لا يمكن أن يقوم به إلاّ إذا ترجم ذلك بالانفتاح اقتصادياً على الشرق، كما هو منفتح على الغرب… وإذا كانت الفعاليات الاقتصادية حذرة أو خائفة من تضرّر مصالحها من الإقدام على مثل هذا الخيار، فيجب أن تدرك أنها ستكون أول المستفيدين من ذلك وأنّ الغرب سوف يعمد إلى المسارعة لوقف حصاره وتقديم المساعدات للبنان للحفاظ على نفوذ فيه، انطلاقاً من أهمية لبنان في المنطقة والصراع العربي الصهيوني…

إنّ مثل هذا الردّ هو السبيل لوضع حدّ لتفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، والعمل على إعادة انعاش الاقتصاد من خلال البدء عمليا بمشاريع إقامة معامل الكهرباء والنفايات وسكك الحديد والسدود وغيرها من المشاريع التي عرضت الصين القيام بها، وفق نظام BOT، في حين أنّ لبنان يستطيع أيضاً وقف النزف الحاصل في احتياطه، من الدولارات في مصرف لبنان، من خلال قبول العروض العراقية والإيرانية للحصول على احتياجاته من النفط ومشتقاته مقابل الدفع بالليرة والمقايضة بالمنتجات الزراعية والصناعية..وهذا سوف يؤدّي إلى إنعاش قطاعات الإنتاج وتوسّعها وتوّفير فرص العمل للعاطلين، وبالتالي الحدّ من البطالة، وكذلك تنشيط حركة البناء وعمل المهن الحرة على اختلافها، مما ينعكس بتنشيط مجمل الحركة الاقتصادية…

فهل يحسم التحالف الوطني، الذي يمتلك الأكثرية النيابية، خياراته في هذا الاتجاه، الذي كان أمين حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله قد دعا إليه، وأكد أنه حاضر لتوظيف كلّ جهوده لإنجاحه، من خلال توظيف علاقاته مع الصين وإيران والعراق وروسيا…

أما في حال عدم سلوك هذا الخيار، فالأرجح أن تستمرّ حكومة تصريف الأعمال إلى أن تنضج التسوية، وهو أمر غير منظور قبل انتهاء انتخابات الرئاسة الأميركية وإعلان نتائجها، والتي قد تأخذ وقتا غير معلوم، خصوصاً إذا لم يضمن الرئيس دونالد ترامب الفوز وامتناعه عن تسليم السلطة للرئيس الفائز، تحت عنوان، التشكيك بنزاهة الانتخابات… وهو ما مهّد له مسبقاً من خلال التشكيك بالتصويت عبر البريد…

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

عندما تسبق الاساطيل المساعدات وحرب المرافئ والطرق…!

محمد صادق الحسيني

لا معنى ولا مكان للصدفة في السنن الكونية وكلّ شيء بقدر وبيروت ليست استثناء…!

انفجار هائل في ميناء بيروت، يدمّر الميناء بشكل كامل ويدمّر عشرات آلاف المنازل في الأحياء المجاوره، بتاريخ ٤/٨/٢٠٢٠، تبعه بتاريخ ٩/٨/٢٠٢٠ اجتماع دولي عن طريق الفيدو كونفرنس، بين جهات دولية لبحث إمكانيات مساعدة لبنان بعد الكارثه، قيل إنّ المشاركين فيه أبدوا استعدادهم، للرئيس الفرنسي، بمساعدة لبنان بثلاثمائة مليون دولار. لكن القطع الحربية الفرنسية، التي كانت موجودة في شرق البحر المتوسط، قد وصلت المياه الإقليمية اللبنانية قبل وصول ايّ مساعدات، سواء من فرنسا او من غيرها من الدول.

كان هذا التحرك العسكري الفرنسي، المنسق مع الأسطول السادس الأميركي، عبارة عن أداة التمهيد لزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للبنان، بتاريخ ١٣/٨/٢٠٢٠، ما يعني انّ الحملة الديبلوماسية الفرنسية كانت ولا تزال تتمتع بغطاء حربي من أسطولين في شرق المتوسط، الأسطول السادس الأميركي والأسطول الفرنسي، الأمر الذي يوضح بجلاء انّ وراء الأكمة ما وراءها.

وهذا ما اتضح، من خلال مسار زيارة ماكرون الأولى للبنان، وما تبعها من تصريحات لبنانية داخلية، حول مقولة الحياد، ثم التصريح الذي أدلى به البابا فرنسيس، قبل أيام، وفي تناغم مع تصريحات لبنانية داخلية أطلقتها بعض الجهات المعروفة الارتباطات، والذي جاء فيه (تصريح البابا) انّ لبنان يمرّ بفترة صعبة ولا يجب التخلي عنه.

وبالعودة الى كارثة الانفجار نفسها، فإننا وبغضّ النظر عن تفاصيل أسباب الانفجار ومسبّباته، وهل كان عرضياً أو مدبّراً، وما إذا كان نتج عن ضربة خارجية او من خلال عمل تخريبي، عن طريق عملاء على الأرض، فإننا مقتنعون تماماً بأنّ هذا الانفجار كان عملاً مدبّراً، منذ لحظة شراء نيترات الأمونيوم، من فرع شركة أسترالية في ميناء جبل علي بدبي، وحتى وصولها الى ميناء بيروت وتخزينها هناك طوال هذه السنين، بانتظار لحظة الحاجة الى تفجيرها، كان عملاً مخططاً بدقة وتقف وراءه أجهزة استخبارات دولية، كانت تتابع كلّ ما يجري في لبنان، من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، ولديها ما يكفي من مواد التفجير اللازمة لقلب الأوضاع رأساً على عقب، سواء في لبنان أو في المنطقة أو حتى على صعيد أوسع وأبعد.

من هنا فإننا نعتقد بقوة انّ هدف من دبّر عملية التفجير، والذي يُفترض انه بات معروفاً للكثيرين، قد شمل في أهدافه أكثر من مجال أهمّها:

1

ـ الأهداف التكتيكية، المحدودة جغرافياً، والمتعلقة بتفجير الأوضاع اللبنانية الداخلية، في وجه حلف المقاومة ودرّة تاجه في لبنان، حزب الله، خلطاً للأوراق وتمهيداً لشنّ حملة عاتية ضدّه، تؤدّي الى شنّ أو طلب شنّ عدوان أميركي «إسرائيلي» على لبنان وحزب الله، تمهيداً لنزع سلاحه، تماماً كما حصل مع الجيش السوري سنة ٢٠٠٥، اثر اغتيال رفيق الحريري، الذي كان مخططاً بدقه، وربما من قبل نفس الجهة التي نفذت تفجير ميناء بيروت أوائل آب من هذا العام.

2

ـ قطع الطريق على ايّ تعاون اقتصادي، او من ايّ نوع آخر، بين إيران ولبنان، خاصة بعد المقترحات التي تقدّم بها سماحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والتي تضمّنت القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية، من قبل شركات إيرانية، ودون تكليف الخزينة اللبنانية أية أعباء مالية، حيث كان يُفترض أن تنفذ بواسطة معادلة: البناء ثم التشغيل، من قبل الشركة المنفذة، لاسترجاع استثماراتها، ومن ثم تسليم المشروع للدولة اللبنانية.

3

ـ توجيه ضربة استراتيجية لمشروع الصين العملاق، طريق واحد وحزام واحد، وذلك من خلال تدمير ميناء بيروت بالكامل، وإفشال كلّ المحاولات الصينية للدخول الى السوق اللبناني، سواء في القطاع البحري من بناء وتوسيع موانئ او من خلال نشاطات الشحن البحري وتطويره. وكذلك الأمر بالنسبة الى النقل البري، الشوارع الدولية وسكك الحديد، او النقل الجوي، عبر تطوير المطارات الموجودة وإنشاء أخرى جديدة. إضافة الى قطاع الكهرباء وقطاعات صناعية أخرى في لبنان، مما يأخذ لبنان باتجاه الاندماج او التكامل الاقتصادي مع محيطه العربي، الأمر الذي يفتح آفاقاً عابرة للقارات لهذا الاقتصاد الصغير والمثقل بالديون، ونقله من هذا الوضع المنهار الى وضع مزدهر مستديم النمو، وتمتدّ حدود نشاطه من سواحل المتوسط غرباً وحتى سواحل الصين وروسيا الشرقية على المحيط الهادئ شرقاً.

ولكن الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي، الذي يرتقي الى مستوى قصف المدن اليابانية بالقنابل الذرية، وقتل مئات الآلاف من سكانها المدنيين الأبرياء، ذلك القصف الأميركي الذي تمّ تنفيذه بتاريخ ٦ /٨ ١٩٤٥ و ٩ /٨ /١٩٤٥، ما يجعل تقارب تاريخ تفجير ميناء بيروت مع تاريخ القصف النووي الأميركي للمدن اليابانية يثير الكثير من التساؤلات لدى كلّ من لديه منطق سياسي يعتمد على تحليل المعادلات الرياضية وليس على كيل التهم السياسية للآخرين دون ايّ حجج او دليل.

نقول انّ الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي لأنهم كانوا ينامون على أوهام انّ جريمة تفجير ميناء بيروت ستحقق لهم أهدافهم كلها بضربةٍ واحدة، بضربةٍ قاضية تنهي الخطر الوجودي، على دويلة الاحتلال الإسرائيلي، وتفرغ انتصارات محور المقاومة، على مدى السنوات الأخيرة الماضية، من محتواها، وتكرّس «إسرائيل» قوةً إقليميةً، تواصل دورها التدميري، الذي يمنع ايّ تعاون او تكامل اقتصادي عربي، او عربي موحد مع تكتلات اقتصادية إقليمية أو دولية موحدة.

فها هي جمهورية الصين الشعبية، وكما نشر الكاتب الأميركي، إيتش آي ساتون، في مجلة «فوربس» الأميركيه، بتاريخ ٣/٩/٢٠٢٠، نقلاً عن تقرير لوزارة الحرب الأميركية جاء فيه انّ سلاح البحرية الصينية قد زوّد طرادات ومدمّرات بصواريخ باليستيه، تستخدم في ضرب أهداف جوية وأهداف بحرية بنفس الكفاءة والفعالية. وهي صواريخ صواريخ مضادة للسفن. ويحمل كلّ طراد او مدمّرة ١١٢ من هذه الصواريخ، بالإضافة الى انّ جميع هذه القطع البحرية قد تمّ تزويدها بقاذفات صواريخ عمودية، مما يجعل كلّ قطعه قادرة على إطلاق ٣٢ صاروخاً دفعة واحدة.

وهذا يعني انّ سلاح البحرية الصيني، حسب المجلة الأميركية، قد أصبح أول سلاح بحرية في العالم يتسلح بهذا الطراز الثقيل من الصواريخ، ونعني هنا صواريخ دونغ فينغ ٢٦ ومداه اربعة آلاف كيلومتر، وصاروخ دونغ فينغ ومداه الف وسبعمائة كيلومتر.

وبالتالي فانّ الصين الشعبية قد أصبحت دولة قادرة، ليس فقط على حماية مصالحها الاقتصادية في العالم، بل على وضع حدّ لعربدة الأساطيل الأميركية في بحار العالم، خاصة في المحيط الهادئ وبحار الصين واليابان والفلبين والبحر الأصفر.

4

ـ أما إذا أضفنا قوة سلاح البحرية الروسيه الى تلك الصينيه،. فاذا ما دقق المرء في قدرات القطع البحرية الروسية، وأخذ الطراد «موسكو» كمثال وألقى نظرة على تسليحه فانّ بإمكان المرء ان يصل بسرعة الى استنتاج انّ هذه الجوهرة الروسية لا يوجد لها مثيل في العالم، خاصة بعد خضوع هذا الطراد لعمليات تحديث وإعادة تجهيز واسعة النطاق، استمرّت من سنة ٢٠١٨ حتى قبل أيام معدودة، حيث انطلق لممارسة أعماله القتالية من جديد. علماً انّ هذا الطراد الأسطورة كان، قبل الخضوع لعمليات التحديث، قد زار كلاً من: البرتغال وكوبا ونيكاراغوا وفنزويلا.

ولا داعي بطبيعة الحال، للتوسع أكثر، في تعداد القطع البحرية، التابعه للأساطيل البحرية الروسية، في بحر الشمال والمحيط المتجمّد الشمالي، والبحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الهادئ، ويكفي ذكر الطراد الصاروخي النووي «بطرس الاكبر»، وهو أكبر سفينة غير نووية في العالم، لنرى التأثيرات الهائلة، لتكامل القدرات البحرية الروسية مع تلك الصينية، واضعين في عين الاعتبار احتمال نجاح الجهود الروسية، في إنهاء الخلاف الحدودي الصيني الهندي، خاصة بعد نجاح وزير الدفاع الروسي في عقد اجتماع بين وزير الدفاع الصيني ووزير الدفاع الهندي، على هامش مؤتمر شانغهاي في موسكو، وما قد ينتج عنه مع تطبيع العلاقات بين البلدين، وافتكاك الهند من بين أنياب الوحش الأميركي، وضمّ قدراتها الى قدرات الصين وروسيا وإيران، التي تسعى إلى اقامة نظام تعاون دولي شامل يحلّ محلّ نظام الهيمنة الأميركي الأحادي.

5 ـ أما إذا انتقلنا الى إيران وقدراتها الدفاعية والهجومية فلا بدّ من التذكير بالموضوع الذي نشره الكاتب الأميركي، ميخائيل پيلار ، في مجلة «ذي ناشيونال انتريست» بتاريخ ٧/١٢/٢٠١٩، حول قيام إيران بتحديث كافة مدمّراتها وطراداتها، وتزويدها بأجهزة رادار قادرة على كشف الأجسام المعادية، وعلى إخفاء القطع البحرية الإيرانية عن أعين الرادارات المعادية، وتزويدها جميعاً بصوامع إطلاق صواريخ عمودية لتصبح بذلك قادرة على إطلاق رشقات صاروخية، تتكوّن كلّ رشقة من ٣٢ صاروخاً، الأمر الذي يجعل القدرة النارية، لسلاح البحرية الايراني، عالية جداً.

وهذا يعني انّ الأساطيل الإيرانية قد أصبحت قادرة على الدفاع عن مصالح إيران الحيوية، ليس فقط في محيط إيران، ولكن في مناطق بعيدة أيضاً. وما قيام إيران بإرسال ناقلات النفط الإيرانية، محمّلة بالنفط، الى فنزويلا بحماية من بحريتها، إلا دليل ساطع على التعاظم الهائل الذي شهده هذا الصنف من صنوف الأسلحة الإيرانية.

من هنا، ومن منطلقات الأدلة المادية الملموسة، فإنّ هذا الهجوم الديبلوماسي العسكري الفرنسي، المترافق بغطاء عسكري وديبلوماسي أميركي، كانت ذروته تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، التي أعلن فيها عن تنسيق أميركي فرنسي وثيق، في ما يتعلق بالتحرك الخاص بلبنان، قبل أيام. إنما هي تحركات يقودها نفس المايسترو، الذي أوعز لهذه المجموعة من العازفين، بالهجوم على لبنان، بدءاً بتفجير الميناء مروراً بتحريك الأساطيل البحرية، وصولاً الى رحلات ماكرون المكوكية الى لبنان. وهي حزمة تحركات تهدف، حسب الذين خططوا لتفجير الوضع اللبناني، في وجه حلف المقاومة وكلاً من روسيا والصين، إلى حماية لبنان من السيطرة الكاملة لحزب الله عليه حسب زعمهم، خاصة أنّ عملاء واشنطن و«إسرائيل «في لبنان لم يتمكّنوا من تنفيذ مهام التخريب التي أوكلت لهم أميركياً. وهو ما دفع المبعوث الأميركي الى لبنان، ديفيد شينكر، الى توبيخهم بشكل علني تقريباً، خلال اجتماعه بهم في آخر زيارة له لبيروت.

اي انّ مخطط خلط الأوراق، الذي بدأ بتفجير الميناء، قد فشل أيضاً، وانّ ديبلوماسية المستعمر الفرنسي وسيده الأميركي في لبنان لن تغيّر في الواقع شيئاً. اذ انّ لبنان ليس بحاجة الى طائرات عسكرية فرنسية ينبعث منها دخان ملوّن وانما هو بحاجة الى استثمارات ملوّنة عملاقة، صينية روسية إيرانية. وبالنظر الى عجز ماكرون وسيده في واشنطن عن القيام بتنفيذ مثل هذه الاستثمارات المنتجة كما يؤكد محللون اقتصاديون مطلعون، فانّ ضجيج محركات طائرة الرئاسة الفرنسية، بعد إصلاحها إثر الحادث الذي تعرّضت له في مطار بيروت كما يزعمون، نقول انّ هذا الضجيج لوحده سوف لن يسفر عن أكثر من الدخان الأسود الذي تنفثه في أجواء لبنان، مسبّباً مزيداً من التلوّث وحجب الرؤية.

لبنان ليس بحاجة الى دروس لا في الأخلاق ولا في السياسة ولا في الاقتصاد النيوليبرالي ولا هو بحاجة لمصمّم أزياء اقتصادية، قادم من باريس، لإعادة تصميم النظام الرأسمالي اللبناني، بما يتماشى مع شروط المحافظين الجدد، وما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج للنظام اللبناني الذي أهلك البلاد والعباد، وبشكل يجعل نتائج هذا التحرك مخيّبة لآمال الطبقات المحدودة الدخل، على المدى القصير، وسحقها نهائياً على المدى المتوسط والطويل، وذلك من خلال بيع لأصول الدولة اللبنانية، ايّ الخصخصة، وتعميق الفقر والعوز لدى قطاعات واسعة من الشعب اللبناني وتكريس نظام الاقتصاد الريعي، الذي ساد لبنان على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ولكن بثوب جديد من تصميم مصمّم الأزياء الاقتصادية، خريج جامعة روتشيلد للتدمير المالي والاقتصادي، الرئيس الفرنسي ماكرون.

لبنان بحاجة الى رجال «تنكش» الأرض ولا تسرقها. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصادية مقاومة كتلك التي اقترحها سماحة السيد حسن نصر الله. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصاد مقاوم ومنتج، كالاقتصاد الإيراني والاقتصاد الكوبي، وليس لاقتصاد من هُلام وفقاعات تظهر وتندثر دون ان يشعر بها المواطن. ايّ الاقتصاد المرابي، اقتصاد أسواق البورصة وما ينتج عنها من أرباح خيالية لا يراها المواطن ولا تعود عليه إلا بالضرر والمصائب.

لن يصلح الإطار الباريسي ما هو حاصل من فساد وتدمير في لبنان، وعلى كلّ الصعد، وإنما الرجال الرجال القادرون على إنقاذ هذا البلد العظيم من كبوته، تماماً كما أنقذوه من الخطر التكفيري الإرهابي قبل سنوات وكما حرّروه من الاحتلال الصهيوني سنة ٢٠٠٠ وحموا هذا التحرير سنة ٢٠٠٦.

نحن بحاجة لهم ولأمثالهم وليس لمصمّم الأزياء ايف سان لوران…!

وهم الذين سيكملون المشوار وينقذون البلد بكلّ تأكيد.

هم يمنحون الآخرين الآن فترة سماح بانتظار ان يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

والصبر مفتاح الفرج.

بعدنا طيّبين قولوا الله…

دوافع التحرك الفرنسي في لبنان وحظوظ نجاحه

العميد د. أمين محمد حطيط

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-162.png

فجأة يجد لبنان نفسه أمام اهتمام فرنسي غير مسبوق بنوعه وحجمه وعمقه، تحرك يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، وينفذ وفقاً لخطة عمل واضحة مقترنة بجدول زمني لا يحتمل المماطلة والتسويف، ما يؤكد جدّيتها البعيدة المدى ويظهر انّ صاحبها قرّر ان ينجح ولا يتقبّل فكرة الفشل في التحرك، فرصيده الشخصي في الميزان كما قال. انه الاهتمام الفرنسي بلبنان الذي يثير أسئلة مركزية حول دوافعه، ثم عن حظوظ نجاحه في منطقة يُعتبر العمل فيها صعباً ومعقداً ومحفوفاً بالمخاطر.

ونبدأ بالدوافع والأهداف، ونذكر أنه في العلاقات الدولية ليس هناك ما يسمّى جمعيات خيرية وتقديمات مجانية فلكلّ شيء ثمن ولكلّ عطاء مقابل. وبالتالي عندما نسأل عن دوافع وأهداف فرنسا من التحرك يعني السؤال ضمناً عن المصالح الفرنسية خاصة والغربية عامة التي تريد فرنسا تحقيقها عبر تحركها الناشط هذا.

وفي البحث عن تلك المصالح والأهداف نجد أنها من طبيعة استراتيجية سياسية واقتصادية وامنية، تفرض نفسها على فرنسا في مرحلة حرجة يمرّ بها الشرق الأوسط والعالم. حيث اننا في مخاض ولادة نظام عالمي جديد يلد من رحم الشرق الأوسط، الذي يتعرّض الآن لأكبر مراجعة لحدود النفوذ والسيطرة فيه. وتعلم فرنسا انّ من يمسك بورقة او بموقع في هذه المنطقة يحجز لنفسه حيّزاً يناسبه في النظام العالم الجديد، الذي ستحدّد أحجام النفوذ فيه وترسم حدودها انطلاقاً من فعالية تلك الأوراق التي يملكها الطرف ومساحة النفوذ التي يشغلها وحجم التحالفات التي ينسجها في إطار تشكيل المجموعات الاستراتيجية التي يقوم عليها النظام العالم العتيد.

وفي هذا الإطار تعلم فرنسا انّ ما أخذته من معاهدة التقاسم في سايكس بيكو يلفظ أنفاسه اليوم، وانّ هناك توزيعاً جديداً بين أطراف منهم من جاء حديثاً ومنهم من يريد استعادة دور سقط قبل 100 عام ومنهم من يريد المحافظة على مواقعه التي استقرّ بها بعد الحرب العالمية الثانية. ولأجل ذلك ترى فرنسا انّ لبنان هو المنطقة الأسهل والموقع الأكثر أمناً لتحركها واحتمال النجاح فيه أفضل بعد ان تهدّدت مواقعها في معظم المنطقة. وتراهن فرنسا في ذلك على خصوصية بعض المناطق مشرقياً ولبنانياً ثقافياً وعقائدياً بما يعقد حركة أقرانها الغربيين ويسهّل حركتها بعد ان احتفظت بعلاقات مميّزة مع فئات محدّدة خلافاً للموقف الانكلوسكسوني منهم. (إيران وحزب الله)

كما تعتبر فرنسا انّ لها في لبنان صلات مباشرة او غير مباشرة، قديمة او مستحدثة مع جميع الطوائف والمكونات اللبنانية بشكل يمكّنها من حوار الجميع وليس أمراً عابراً أن تلبّي جميع القوى السياسية الأساسية ذات التمثيل الشعبي والنيابي الوازن في لبنان، أن تلبّي دعوة الرئيس الفرنسي إلى طاولة برئاسته ويضع معهم او يطرح او يملي عليهم خطة عمل لإنقاذ لبنان ويحصل على موافقتهم للعمل والتنفيذ ضمن مهلة زمنية محدّدة.

ومن جهة أخرى نرى انّ فرنسا تريد ان تقطع الطريق في لبنان أمام المشروع التركي لاجتياح المنطقة بدءاً من العراق وسورية ولبنان وصولاً الى لبيبا التي كانت فرنسا أساساً في إسقاط حكمها بقيادة القذافي ثم وجدت نفسها اليوم خارج المعادلات التي تتحكم بالميدان الليبي حيث تتقدّم تركيا هناك على أيّ أحد آخر.

بالإضافة إلى ذلك ترى فرنسا أنّ انهيار لبنان كلياً سيضع الغرب أمام مأزقين خطيرين الأول متصل بطبيعة من يملأ الفراغ ويقبض على البلاد بعد الانهيار، وفي هذا لا يناقش أحد بأنّ المقاومة ومحورها هم البديل، والثاني متصل بالنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين لن يكون لهم مصلحة في البقاء في بلد منهار لا يؤمّن لهم متطلبات العيش وستكون هجرتهم غرباً شبه أكيدة بما يهدّد الأمن والاقتصاد الأوروبيين.

أما على الاتجاه الاقتصادي المباشر، فانّ فرنسا تعلم عبر شركاتها التي تداولت بملف النفط والغاز المرتقب اكتشافه في لبنان، انّ ثروة لبنان تقدّر بمئات المليارات من الدولارات وانّ حضورها في لبنان يضمن لها حصة من هذه الثروة التي تعتبر اليوم عنواناً من أهمّ عناوين الصراع في شرقي المتوسط.

أضف الى كلّ ما تقدّم الخطر الاستراتيجي الكبير الذي يخشى الغرب من تحوّل أو إمكانية تحوّل لبنان الى الشرق والصين تحديداً ما يحرم الغرب وأوروبا وفرنسا باباً استراتيجياً واقتصادياً عاماً للعبور الى غربي آسيا.

نكتفي بهذا دون الخوض بأسباب تاريخية وثقافية وفكرية إلخ… تربط فرنسا بلبنان وتدفعها الى “شنّ هذا الهجوم” لإنقاذه من الانهيار، وانتشاله من القعر الذي قاده السياسيون اليه. فهل ستتمكن فرنسا من النجاح؟

في البدء يجب لأن نذكر بأنّ أكثر من لاعب إقليمي ودولي يتحرك او يحضر للتحرك او يطمح بالعمل على المسرح اللبناني ذي الخصوصية الاستراتيجية التي ينفرد بها، وبالتالي ان الفشل والنجاح لأيّ فريق يكون وفقاً لإمكاناته ثم لقدراته على الاستفادة من إمكانات البعض دعماً لحركته، وتخطيه لخطط البعض الآخر التي تعرقل تلك لحركة. ففرنسا تعلم انها ليست بمفردها هنا وانّ المكونات السياسية في لبنان ترتبط طوعاً او ضغطاً بمرجعيات خارجية لا تتخطاها. ولذلك نرى انّ حظوظ فرنسا بالنجاح مقترنة بما يلي:

1

ـ العامل الأميركي. حتى الآن تعتبر أميركا صاحبة اليد الأقوى في القدرة على التخريب والتعطيل في لبنان، وصحيح انّ أميركا فقدت سلطة القرار الحاسم في لبنان بسبب وجود المقاومة فيه، إلا أنها احتفظت الى حدّ بعيد بالفيتو وبالقدرة على التخريب والتعطيل إما مباشرة بفعل تمارسه أو عبر وكلائها المحليين. وعلى فرنسا ان تتقي خطر التخريب الأميركي ولا تركن الى ما تعلنه أميركا من تطابق الأهداف الفرنسية والأميركية في لبنان، والى قرار أميركا بإنجاح المسعى الفرنسي، فالموقف الأميركي المعلن متصل بالمرحلة القائمة في أميركا والإقليم وحتى الانتخابات الرئاسية فقد تكون أميركا استعانت بفرنسا للتحرك لملء فراغ عارض من أجل تأخير انهيار لبنان ومنع وقوعه في اليد التي تخشى أميركا رؤيته فيها. وقد تكون الحركة الفرنسية بالمنظور الأميركي نوعاً آخر أو صيغة عملية من القرار 1559 الذي صنعاه معاً، ونفذاه معاً ثم استحوذت أميركا على المتابعة فيه. نقول هذا رغم علمنا بتبدّل الظروف بين اليوم والعام 2004، ما يجعلنا نتمسّك بفكرة التمايز بين الموقفين الفرنسي والأميركي وهذا التمايز يضع المسعى الفرنسي في دائرة خطر النسف او التخريب الأميركي الذي احتاطت له أميركا فربطت النزاع فيه من خلال موقف وكلائها من المبادرة الفرنسية بدءاً برفض تسمية مصطفى أديب رئيساً للحكومة.

2

ـ عامل المقاومة ومحورها. يجب على فرنسا ان تعلم وتتصرف بموجب هذا العلم انّ المقاومة في لبنان هي الفريق الأقوى بذاتها والطرف الأوسع تمثيلاً في لبنان والجهة الأبعد عمقاً إقليمياً فيه استراتيجيا، وبالتالي لا يمكن لأيّ مسعى في لبنان ان يُكتب له نجاح انْ كان في مواجهة المقاومة او على حسابها. ونحن نرى حتى الآن انّ فرنسا تدرك جيداً هذا الأمر وقد برعت في التعامل معه بواقعية ومنطق، لكن لا تكفي رسائل الطمأنينة بل يجب ان يكون الأمر ملازماً لأيّ تدبير او تصرف لاحق، ونحن نسجل بإيجابية السلوك الفرنسي في هذا المضمار حتى الآن.

3

ـ العامل الإقليمي. وهنا ينبغي الحذر والاحتياط في مواجهة أحداث وسلوكيات إقليمية طارئة او عارضة. فعلى فرنسا ان تعلم انّ جزءاً من مبادرتها يتناقض مع السعي التركي والأداء السعودي في لبنان، فضلاً عن الإمارات “المزهوة اليوم بصلحها مع “إسرائيل” وتطمح بفضاء استراتيجي لها في لبنان. لذلك يجب النظر لدور هذه الأطراف التي لها أو باتت لها أياد تخريبية واضحة كما انّ للسعودية قدرة على الضغط لمنع فرنسا من النجاح. ويكفي التوقف عند التناقض الرئيسي مرحلياً بين فرنسا والمعسكر الذي تقوده أميركا ومعها السعودية والإمارات حول حزب الله وسلاحه والعلاقة به لمنع فرنسا من النجاح لأن نجاحها مع تأجيل ملفّ السلاح خلافاً للرغبة السعودية الإماراتية الأميركية لا يروق لهم. ومن جهة أخرى يمكن الاستفادة إيجاباً من الموقف المصري الذي قد يعطي زخماً للتحرك الفرنسي.

4

ـ عامل الوقت. ليس أمام فرنسا سنين للتنفيذ بل هي فترة لا تتعدّى الأشهر الثلاثة، فإنْ نجحت كان لها ما أرادت وإنْ فشلت فإنّ متغيّرات ستحصل أميركياً وإقليمياً تجعل من متابعة المبادرة أمراً صعباً وتجعل النجاح مستحيلاً، وعليه إما ان نطوي العام على نجاح في الإنقاذ بيد فرنسية اوان ننسى كل شيء متصل بها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation

by Nasser Kandil

The Lebanese Parliament Majority stands before the scenario of a new Lebanese government in a changing international and regional climate.  Expressive of the most nationalistic views among all the other Lebanese political power groups, it faces a crucial test equivalent in magnitude to its responsibilities. This Majority supports Al Mukawama, and defends Lebanese independence in the face of subjugation schemes titled on one occasion as “neutrality” and on many others as complete surrender to American demands which begin and end with the full preservation of Israeli interests.

The considerable responsibility carried by this Parliamentarian Majority includes an awareness of the changes resulting from the West’s fear of Lebanon moving towards choices defines by French President Emanuel Macron as “the West’s loss of this sensitive spot in the East Mediterranean,” and described as “strategic competition” by the U.S. Diplomat Jeffrey Feltman. Included in these changes is the West’s calculation of risks associated with the confrontation with Al Mukawama Axis, at its head Iran, and a dissension about ways of confrontation, in which settlement offers is one considered way of confrontation, where Lebanon becomes a major experimental field to test chances for their success.

Everything points to the world and the region swimming in muddy swaps filled with surprises, Lebanon and the region dancing on a hot tin roof, uncertainty of outcomes, and experimental balloons rather than final policies.  For those reasons, the Parliamentarian Majority’s bigger responsibility lies in not falling prey to fantasies about an end to confrontation, or any decisive settlement, or the positioning of the West outside of the language of pressure, or of favoring unilateral investments to improve economic conditions at the price of political concessions as long as immutable tenets of sovereignty remain untouched.

Considerations in the formation of a new government come within the context of this scenario of changes and uncertainty.  Among these considerations is the possibility of a representative government, or one acceptable to, if not representative of, all major political factions. In all cases, what is being considered is a government which ends the political fragmentation which followed the resignation of the unity government headed by Saa’d Al Hariri  before the October 17 uprising.

Prior to any discussion of hypotheses and possibilities, chief of which is about the naming of a Prime Minister to head the new government, a major question should be asked about the failure in governing by the Majority’s choices, before and after it became a Majority in Parliament, and before and after a team member became President, and when it shared the government with its opponents, and on the occasion it exclusively participated in the formation of the government.

Any fair review will reveal that the defect does not lie in the opponents or in circumstances but in these power groups’ considerations related to groupings, party, or religious sect and unrelated to government. Such considerations resulted in a fragile coalition, incapable of constructing a serious and effective governmental plan. A clear and simple proof is that the dissention in partnership governments which stood in the way of numerous accomplishments, was dissention between the power groups within the Coalition rather than with their opponents. Further proof is that nothing changed when the Majority formed its government. The same disagreements, suspicions, and accusations persisted, and the same failure was reaped. Without rectification of this defect, a replication of such failures is inevitable.

There are serious Lebanese and foreign deliberations about calling on the former Prime Minister Saa’d Al Hariri to form a new government. There are two approaches the Majority can adopt towards this hypothesis. One approach is a familiar one, characterized by giving precedence to categories, party, and sectarian considerations, which it had adopted in the past, and was rewarded with failure.  Such approach consists of holding on to a heterogeneous mix during deliberations which separates and goes back to its original groups and their insistence on quotas in projects and in the naming to official positions, and disintegrates anew within the formed government, regardless of who is named as Prime Minister.

Sufficient to consider is the distance separating the Free National Movement from the Marada Movement, and the way the late government was formed without the participation of the Syrian Nationalist and Social Party, and the features of marginalization of the Consultative Gathering in deliberations about governmental options. Such consideration highlights the loss in value of the improvement in the relationship between the Amal and the Free National Movements, which has allowed the success of the Coalition’s prominent Trio in interactions and discussions as one team seeking a unified approach, unless such improvement can guarantee success in changing the approaches adopted thus far to allow a change in outcomes.

Such change is predicated on two conditions.  The first is to widen the dialogue and unify the constituents of the Parliamentarian Majority into one political front united in views, positions, and approaches.  The second is to put forth a plan for the new government in which priorities take precedence over the naming for positions.  Principal among the priorities are (1) a new election law which brings Lebanon closer to a secular country in compliance with Article 22 of the Lebanese Constitution, (2) an economic rebirth based on reinforcing productivity, (3) openness to the oriental depth and to Syria as a priority, (4) openness to the variety in the numerous economic options in the world, at its head China and the plans made possible through cooperation with her, (5) refusal of any exchange of sovereignty for money be it in matters related to the designation of the border lines or in the matters related to the Syrian and Palestinian Refugees.

The most dangerous step the Majority could take would be to believe that it can rest once Prime Minister Hariri or someone similar to him undertakes the formation of a new government acceptable to all, because the responsibilities imposed by the current economic burdens and by  an  economic resurgence do not lie with the new government alone.  Outcomes after a new government is in place will come step by step. A price in sovereignty will be attached to every financial facilitation offered by the West.  The Parliamentarian Majority will be blamed each time it rejects such type of offer, or will be pushed into ornamenting such offers only to fall into the many traps set for it. Furthermore, the Majority will be divided as a result of each of its components bargaining of their share in the new government, or in case of the failure to form one and a return to square one, the Majority will be blamed for such failure.  It will lose the golden time separating it from new elections. The price it will pay will be the loss of its majority status in a new parliament.  Deprived of new election law, it will be driven by the force of the current election law to the loss in its majority on the eve of the Lebanese Presidential election.

غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

ناصر قنديل

في مناخ دولي وإقليمي متغيّر تقف قوى الغالبية النيابية أمام المشهد الحكومي الجديد. وهذا الامتحان حاسم بقياس مسؤولية هذه القوى، بصفتها التعبير الأشد وطنية بين القوى السياسية، بوقوف هذه الغالبية وما تمثل من حاضن للمقاومة ومدافع عن الموقف الاستقلالي بوجه مشاريع الاستتباع المسمّاة مرّة بالحياد ومرّات بالخضوع التام للإملاءات الأميركية التي تبدأ وتنتهي عند حدود المصالح “الإسرائيلية”، والمسؤولية تقتضي عدم تجاهل المتغيّرات الناتجة عن الخشية الغربية من ذهاب لبنان إلى خيارات أسماها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون بخسارة الغرب، لهذا الموقع الحسّاس في شرق المتوسط، ووصفها الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان بالتنافسية استراتيجياً، والمتغيرات في جزء آخر منها نتاج الحسابات التي يقيمها الغرب لمخاطر المواجهة مع محور المقاومة وعلى رأسه إيران، وانقسامه حول سبل المواجهة، ومن بينها عروض التسويات، التي يشكل لبنان أحد عناوين الاختبارات الرئيسية لفرصها، لكن المسؤولية تقتضي أكثر عدم الوقوع في أوهام انتهاء المواجهة، أو حسم خيارات التسويات، أو تموضع غربي خارج لغة الضغوط لصالح الإستثمار الأحادي على فرضيات تعويم الوضع الاقتصادي بأثمان سياسية تسووية لا تمسّ الثوابت السياديّة، فكل شيء يقول إن العالم والمنطقة يسبحان في وحول مستنقع مليء بالمفاجآت، وإن لبنان والمنطقة يرقصان على صفيح ساخن، وإن النهايات غير محسومة، وبالونات الاختبار ليست سياسات نهائية.

في قلب هذا المشهد تجري مقاربة الملف الحكومي، وإمكانية حكومة جامعة أو حكومة يرضى عنها الجميع إن لم تكن حكومة تمثيل الجميع، ولكنها في كل الأحوال حكومة تنهي الانقسام السياسي الذي أعقب استقالة الحكومة الجامعة التي ترأسها الرئيس السابق سعد الحريري قبل انتفاضة 17 تشرين، وقبل الدخول في مناقشة الفرضيات والاحتمالات، التي يتصدّرها الحديث عن تسمية رئيس يكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، يجب طرح السؤال الجوهريّ عن سبب فشل خيارات قوى الغالبية في العمل الحكوميّ، قبل أن تصير غالبية وبعد أن صارت، وقبل أن يصل من فريقها رئيس للجمهورية وبعد وصوله، وعندما كانت تشارك خصومها في حكومات، وعندما تفرّدت بتشكيل حكومة، وأي مراجعة منصفة ستكشف أن الخلل ليس في الظروف ولا في الخصوم، بل بكون هذه القوى تعاملت بحسابات منفصلة مع الملف الحكومي، وهي حسابات يغلب عليها الطابع الفئوي الحزبي والطائفي، فبقيت مجرد حلف هش عاجز عن تشكيل مشروع حكومي جدي وقادر، والدليل البسيط والأوضح على ذلك هو أن الخلافات التي حالت دون تحقيق الكثير في حكومات الشراكة كانت خلافات أطراف الغالبية فيما بينها وليست خلافاتها مع خصومها، وعندما شكلت الغالبية حكومتها لم يتغيّر شيء، وبقيت الخلافات وبقيت الشكوك والاتهامات، وبقي الحصاد الفاشل نفسه، ومن دون مراجعة هذا الخلل سيُعاد إنتاج النتائج ذاتها.

التداول بفرضية تسمية الرئيس السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة جدّي، داخلياً وخارجياً، لكن ثمة طريقتان في مقاربة هذه الفرضية من قبل الغالبية، طريقة تقليدية تعرفها قوى الغالبية وسبق وسلكتها وحصدت الفشل، وهي تغليب المقاربات الفئوية الحزبية والطائفية، والبقاء خليط غير متجانس يتفرق بعد التسمية إلى مكوناته الأصلية في حسابات الحصص، ويتفكك مجدداً داخل التركيبة الحكومية بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة، حول محاصصة المشاريع والتعيينات، ويكفي النظر للمسافات الفاصلة بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، والنظر للطريقة التي انتهت بعدم مشاركة الحزب السوري القومي الاجتماعي للحكومة الأخيرة، وبملامح تهميش اللقاء التشاوري عن التداول بالخيارات الحكوميّة، لمعرفة أن التحسن على خط العلاقة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر، الذي أتاح نجاح الثلاثي الأبرز في الغالبية في التلاقي والحوار كفريق يسعى لرسم مقاربة مشتركة، يفقد قيمته ما لم يرتبط بشرطين، يضمنان له النجاح بتغيير قواعد المقاربات كي تتغيّر النتائج، الشرط الأول توسيع الحوار ليطال مكوّنات الغالبية كجبهة سياسية يجب أن توحّدها النظرة والمواقف والمقاربات، والشرط الثاني وضع برنامج أولويات للحكومة الجديدة يتقدّم على التسميات، وفي أساسه قانون انتخابات جديد يقترب بلبنان من الدولة المدنية وفقاً لصيغة المجلسين المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور، وخطة نهوض اقتصادي تقوم على تعزيز الإنتاج والانفتاح على العمق المشرقي وفي الأولوية سورية، والانفتاح على التنوع في الخيارات المتعددة اقتصادياً في العالم وفي الطليعة الصين وما تتيحه مشاريع التعاون معها، ورفض أي مقايضات للسيادة بالمال سواء في ترسيم الحدود أو في قضايا النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين.

أخطر ما قد تُقدم عليه الغالبية هو الاعتقاد أنها سترتاح بمجرد تولي الرئيس الحريري أو من يشبهه مهمة تشكيل حكومة ترضي الجميع، لأن مسؤولية المتاعب الاقتصادية وكذلك مسؤولية النهوض بها لم تعد في حضنها وحدها، لأن الحصيلة ستكون خطوة خطوة، وضع ثمن سيادي لكل تسهيل غربي مالي يجري تحميل الغالبية مسؤولية إفشاله، أو دفعها لتزيين قبوله بالسقوط التدريجي في الفخاخ، والغالبية ستكون مفككة وقد ساوم كل من أطرافها على حصته، وفي حال الفشل والعودة إلى المربع الأول ستحمل الغالبية مجدداً المسؤولية، كما ستكون قد تسببت بخسارة ما تبقى لها من وقت ذهبي يفصلها عن الانتخابات، التي ستدفع فيها ثمناً يسحب عنها صفة الغالبية، وستحرم من إنتاج قانون جديد، وتؤخذ بقوة القانون الحالي إلى خسارة غالبيتها عشية الانتخابات الرئاسية.

ما العمل لإنقاذ لبنان

زاهر الخطيب

ما هو عِلميَّا وعَمليَّا مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

بين انتصار المقاومة 14 آب 2006 وانفجار الفاجعة 4 آب 2020 وفي أعقابِ التّطوراتِ والمستجِدّات الأخيرة…

سَواءٌ على صعيدِ الجائحةِ الكورونيّةِ وطنيّاً وإقليميّاً ودوليّاً…

أو على صعيدِ الانفجارِ الفاجعة في المرفأ التاريخيّ العريق لبيروت «اُمِّ الشرائع»، والتّداعيات المُزلْزِلة، التي أقلُّ ما خلّفت وراءها: رعباً… ودماً… وألماً… ودَماراً… وَرُكاماً… وتهجيراً…

بين الانفجار الزّلزلَة.. وتفرُّد الحكومة باستقالةٍ متسرِّعة!

فوَّتتِ الحكومةُ فرصةً ثمينةً بِرِهانِها الطويلِ المدى على صندوق النّقد الدولي، وبعدم التوجُّهِ شرقاً، لملاقاة عروضٍ سخيّةٍ قدّمتها دولٌ صديقةٌ لو استُجيبَ لها، لكانت فَتحت للحكومةِ منافذ واسعةً أمامَ حُلولٍ عمليّةٍ فوريَّة، وشقّت طُرُقاً لإنقاذِ لبنانَ من فظيعِ محنتِهِ والمآسي. أوَلم يكنِ الأجدى للبنانَ، بألّا تُقدِمَ الحكومةُ على تركِ المسؤوليةِ فجأةً بِلا استشارة؟ وفي تِلكُمُ الظروفِ العصيبة؟ وإذا كان في ما نقولُ الكثيرُ من الأسف وبعضُ العتب، فهو على قدرِ المودَّة. وتبقى الغلطةُ الكبيرةُ بالتردُّدِ والتفرُّد، وبعدمِ قراءةِ موازينِ القُوى موضوعِيّاً بعينِ العقل. ولو فعَلتِ الحكومة ذلك، لما خَذَلت أو خُذِلت، لأنّ موازينَ القُوى كانت لِتسمَحَ للحكومةِ بالفلاح، لو كانت لبَّت نداءَ التوجُّه شرقاً، ولكانت وضعت لبنانَ فوراً، على سكّةِ الخلاصِ الاستراتيجيّ. أمّا الأدلَّةُ الثبوتيةُ على صحّةِ ما نقولُ فعديدة، ويكفي أن نُشيرَ الى شاهدٍ من أهْلِهِ، هو نفسُهُ المبعوثُ الأميركيُّ السّيد هيل، الذي، في زيارته لبنان، جاءنا مُتكبِّراً مُتجبِّراً لِيفرِضَ شروطاً أميركيةً على لبنان، توحي بإقصاءِ حزبِ الله عن الحكومة اللبنانيّة تمهيداً لنزعِ سلاحِه، وإذ بالمبعوثِ نفسِهِ، بعد تصريحاته المزَلزِلة، وبعد صدورِ الحكمِ المهزلة عن المحكمةِ الدوليَّة، يُصرِّحُ بما معناه: إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكوماتٍ سابقةٍ شاركَ فيها حزبُ الله (وفي مثل هذا التّصريح الفصيح طبعاً) إشارةٌ واضحةٌ إلى أنَّ أميركا على استعدادٍ للتعاملِ مع الحكومة اللبنانيّة المُقبلة، التي لن تُشكَّلَ إنْ لم يكن حزبُ اللهِ، فيها، شريكاً.

أمّا بعدُ، وعلى ضوء ما سبق، وبحصيلة مشاوراتٍ دَؤوبةٍ مع الرِّفاق في القيادةِ المركزيَّةِ لرابطةِ الشَّغيلة… وكوادرَ ناشطةٍ في تيَّار العُروبةِ للمقاومةِ والعدالةِ الاجتماعيَّة.

ارتأيتُ ضَرورةَ التوجُّه لأبناءِ الوطنِ العربيّ ولا سِيّما فلسطين وسورية والعراق واليمن وسائر الأقطار، والى الأحرار والشرفاء في العالم بِنداءٍ وجدانيٍّ، أو فلنقُلْ بصريحِ بيانٍ عقلانيٍّ موضوعي، بعناوينَ ثلاثة، أُوجِزُ مضامينَها تمهيداً، كما يلي:

العنوانُ الأول: «المقاومة شرطُ وجودِ لبنان»

المقاومة شرطُ حماية انتصار شعبه في العام 2000.

المقاومة شرطُ صونِ سيادته بسمائهِ وأرضِهِ ومياهِهِ والثروات ما ظهرَ منها وما بَطَن.

أوَلم يؤكد ذلك أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى انتصار آب 2006؟

العنوان الثاني: أليسَ لِغاياتِها وأهدافِها السياسيّة تُشَنُّ الحروبُ العسكرية والعدوانية،

أوَليس الحِصارُ والعقوباتُ والاغتيالاتُ والفوضى الخلّاقةُ والثوراتُ الملوّنةُ والإرهابُ الوحشيُّ وقطعُ الطرقاتِ والأموالُ، هي البدائلُ الجاهزةُ للحروبِ الاقتصاديةِ عند فشلِ الحروبِ العسكريّةِ الظالمةِ من تحقيقِ غاياتِها وأهدافِها السياسية؟

العنوان الثالث: ما العملُ لإنقاذِ لبنان

وما هو عِلميّاً وعَمليّاً مُقتَرحُنا الخَلاصيّ؟

تمهيدٌ… في البُعد الفلسفيّ: المقاومةُ شرطٌ وجوديّ

إنّ المقاومةَ شرطٌ وجوديٌّ في حياةِ الإنسان، لأنه فطرةٌ طبيعية وسُنَّةٌ تواكِبُه مع نشأتِه وفي تكوينه، سواء بمناعته الجسدية، أم بمناعته النفسيّة، مناعةٌ جسدية لِدفع أذىً يطالُ الجسد، ونفسيّة لِردعِ ظلم ينالُ من النّفس… أولم تلِدْنا أمهاتُنا أحراراً؟

ألا تتجلّى هذه السِّمات في سِيَرِ الأنبياءِ والشهداءِ والعلماءِ والقادةِ العظماء؟ وعند الشعوب المناضِلة والأقوياءِ في نفوسهم مُذ كان التمرّد على الظلم والطغيان؟

أليس جدلُ الكونِ والإنسان قائمٌ على الدِّيالكتيّة، أي الثنائيّة في صراع الأضداد، كالصّراع الدائر بين الخير والشرّ على صعيد الإنسان والمجتمع، أو كالصّراع الدائرِ بين الحقِّ والباطل، أو بين النور والظُلمة، أما في الموضوعةِ التي نحن بصددها ففي الصّراع الدائرِ بين الحرية والعبودية.. بين حرية الإنسان في خِياراته بإعطاء المعنى الذي يريدُ لِوجودِه سيّداً حرّاً مستقلّا عن أيِّ ارتهان أو استلاب أو استغلال من أيِّ نوعٍ كان، وعبوديةٍ تكبِّلُهُ بالسلاسل الحديدية والأغلال الى الأذقان، أو عبودية أشدُّ وأدهى، تتبدّى خبيثًةً بالعبودية الفكريّة والعنصريّة والطائفيّة والمذهبيّة والفئويّة والمناطقيّة والعائليّة والعُصبويّة، وهي أخطرُ أنواعِ العبوديات. وفي حديثٍ شريفٍ عن التعصُّب والعصبيّة: «إنها لجاهليَّةٌ نتِنة».

1

ـ المقاومةُ شرطُ وجودِ لبنان

أربعةَ عشر عاماً مضت على انتصار شعبِنا على العدو الصّهيوني في حرب تموز 2006، استطاعت خلالها المقاومةُ مجابهةَ تحدِّيات الحرب الصُّهيو – أميركيّة العدوانيّة الهمجيّة، وإسقاطَ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي كانت قد بشّرت به السيدة رايس الحكومة اللبنانية بشخصِ رئيسِها فؤاد السنيورة، ولم يكن قد مضى أكثر من ثلاثةٍ وثلاثين يوماً حتى خاب فألُ أميركا بعد أن ساء ظنُّها بقوةِ أداة التنفيذ الصُّهيونية، التي لم توفّر حتى أطفال قانا في ارتكاب مجازرها، فجعلتهم أشلاءَ متناثرة في مركز القُوات الدولية. وقد تمكّنت المقاومة بعد ذلك من تثبيت معادلاتٍ للرّدع، غلّت يد الصّهاينة عن استسهالِ العدوان على لبنان، بفضل القوةِ المتعاظمة للمقاومة وموقفها الثَّوريِّ المبدئيّ، وتطوير قدراتها التي قلّصت، إنْ لم نقل، كفّت الى حدٍّ بعيد شرَّ الصّهاينة الغادرين بغزو لبنان أو استمراء تَكرار اعتداءاته. ويعود الفضلُ الأول في ذلك الى المقاومة في خِيارها بتأكيدِ قوتها ورفضِها رفضاً مطلقاً قبولَ الذُلِّ والهوان لأبناء شعبها والوطن، فكانت لِتردعَ بقوةٍ، أيَّ عدوانٍ على سيادتنا، لا سيما بعد أن طوّرت المقاومةُ قدراتِها الرّدعية، وبذلت من الجهود والجهاد ما يوافرُ المقدرةَ على كبحِ جموح الحِلف الاستعماري الصُّهيوني ومنعِه من شنِّ حروبٍ جديدةٍ، فالمقاومةُ الباسلةُ باتت تفرِضُ على العدو الصُّهيوني حسابَ الكِلفة في حال إقدامِهِ على أيّ مغامرةٍ غير محسوبة، وذلك بفعل امتلاكها قوة قاهرة تُخفي المفاجآت، وتسهر لياليها بضناء في مواصلة بناء قوّتها وتعزيزها تدريباً وعدّةً وعتاداً بفضل الشراكة المصيريّة مع سوريّة وإيران، اللتين تواصلان دعم المقاومة في أقسى الظروف، ولَمْ يَصرِفهُما عن ذلك الالتزامِ المصيريِّ الأخويِّ الأخلاقيِّ، أيُّ عدوانٍ أو حصارٍ أو تهديدٍ أو تآمرٍ مع شياطينِ الداخلِ أو الخارج، وإنّ شرفاءَ لبنان وأحرارَ العالم لَمَدينون لتلك الأرواحِ الغاليةِ والدماءِ الزكيّةِ والجهودِ المضنية، التي تبذلُها المقاومة بعناءٍ وسخاء، والتي لا يجوز أن يطمسها أو يغيِّـبَها أيُّ جحودٍ أو نكران.

2

ـ المقاومةُ شرطُ حماية انتصار لبنان العام 2000 وردع أيّ عدوان على شعبه وترسيخ قوَّته وإسقاط مقولة قوة لبنان بضعفه، والثلاثية التي أرساها الشعب اللبناني هي «قوة لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته» ضدّ العدو الصهيوني الاستيطاني الذي دسَّه الاستعمار في قلب الوطن العربي لدورٍ وظيفي، يقضي بتجزئة الوطن العربي وقمع حركات التحرُّر فيه طامعاً بعد احتلال فلسطين بجعل لبنان محمية صُهيونية بلا سيادة، مستبيحاً سماءنا وأرضنا ومياهنا ونفطنا والغاز والثروات، ما ظهر منها وما بطن.

أما وقد دخلنا بهذه المعادلة الثلاثية العصرَ الذي ولّى فيه زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات، وخاض فيه لبنان مع محور المقاومة معارك التحرير الظافرة.

«فقد أصبحت المقاومة تحمي لبنان وتردعُ العدو الصُّهيوني ورعاته في العالم، وشركاءَه في المنطقة، وهي بالشراكة مع الجيش اللبنانيّ، ومع غالبية الشعب الحاضنة والداعمة، تقيم منظومة الدِّفاع والحماية ضدّ التهديد الصُّهيوني… وضدّ الإرهاب التكفيري… وأخطارِه… وإجرامه الدموي. وقد بذل المقاومون بكلّ تواضع تضحيات جمّة في معركة وجودٍ مصيريّة، فدافعوا بالدماء عن حق شعبهم في الحياة والأمان، وحرسوا بأرواحهم مع أبطال الجيش اللبناني وحدة الشعب والوطن، كما منعوا الغزوة الإرهابية من تمزيق الشرق العربي، فكانوا خلال السنوات الأخيرة يبذلون الدماء والأرواح دفاعاً عن لبنان وعن سوريّة والعراق في ملحمة شرقيّة عربيّة تاريخية عظيمة، تؤكد وحدة مصير الشرق، رغم جميع خطط الهيمنة الاستعماريّة الهادفة لِتمزيقه وإخضاعه ونهبه. وقد كانت شراكة المقاومة المصيريّة، وبالذات مع الشقيقة سورية، مثالاً للأخوّة، ولوحدة المصير القومي. بينما كان لإيران الشقيقة الفضلُ العظيمُ، الذي لا يُنسى في تمكين سورية وفلسطين ولبنان والعراق واليمن من التّصدّي للغزوة الإرهابية، المدعومة من الحلف الاستعماري الصُّهيوني الرجعيّ العربيّ الأشدّ صهينًة أو قُل العِبري الأشدّ كُفراً».

العنوان الثاني: الحروبُ الاقتصاديةُ العدوانيةُ بديلاً عن الحروب العسكرية الظالمة عند فشلها في تحقيقِ غاياتها وأهدافها السياسيّة.

«لقد سارع حلف العدوان بعد تعثُّر مخططه الدمويّ الى إحكام أدوات الحصار والخنق الاقتصادي على سوريّة وإيران، وكذلك على لبنان، بينما كانت الحكوماتُ اللبنانية المتعاقبة قاصرةً بخططها وتوجهاتها عن ابتكار وتنفيذ البرامج الوطنية، التي ترعى فرصاً جِديّة لتوفير مستلزمات الصمود، ولتطوير القُدرة على كسر الحصار الغربي الاستعماري، والتصدّي لمسار الانهيار الاقتصادي والمالي، الذي كان أبرزُ وجوهِه النافرة اختناق القطاعات المنتجة، وتمادي الريعيّة والفساد. وما تزال الضرورة الوطنية تفرض على لبنان اعتمادَ خطةٍ للصمود الوطني، ترتكز الى تطوير قطاعات الإنتاج وإحياء الثروة الحقيقية، وتثبيت دعائم الاستقلال الوطني، والتحرُّر من الهيمنة الاستعمارية عبر التمسُّك بشراكة الحياة مع سوريّة والعراق وإيران وسائر دول الشرق. وإنّ عدم ملاقاة هذه الفرص بخطوات عملية يوقعُ لبنان رهينة في فخّ الهيمنة الغربية اللصوصية أيا كان غطاؤها الخادع، وهو ما يجب أن ينتبه إليه جميع اللبنانيين القادرين على توسيع الفرص ومضاعفة القدرات عبر تنويع الخيارات».

نداء إلى أبناء الأمّة جمعاء

بيننا وبين الاستعمار قضايا لن تُصفَّى بالمناشدة والخنوع أو التملّق العاطفي… بل هي تدعونا الى كفاح عمليٍّ شاقٍّ وطويل…

بيننا وبين الاستعمار قضية فلسطين التي شاؤوها لقمة سائغة للصُّهيونية المجرمة، ولكنها، لن تكون في معركة الوجود مهما أبطأ الزمن إلَّا لأبنائها بدمائنا وبجهادِ الأجيال ستكون. فلا صفقة قرنٍ ولا صفقاتِ قرونٍ تعيد فلسطين لأهلها عربيّةً أبيّةً. لقد ضاع عمرُنا الرّخيص بالمساومة، وفلسطين لن تعود إلّا بالمقاومة المسلّحة أساساً، وتجلياتها السياسيّة والدبلوماسيّة والجماهيريّة والثقافيّة، تكون في خدمة الكفاح المسلّح. قضية فلسطين هي قضيتُنا المركزيّة في الصراع العربيّ الصُّهيونيّ.

«لا صلح لا تفاوض لا اعتراف»، المقاومة وُجِدت لتبقى «ما أخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة»، الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

«لا شراكة مشرقيّة وعربيّة إلّا والمقاومةُ جوهرها»، الرئيس بشار الأسد.

نهضة الأمة وتوحيدُ الوطن العربي رهنٌ بوحدةٍ وطنيةٍ قوميةٍ أمميّة لمعسكر الشرفاء والكادحين من أحرارِ العالم، على مبدأ «نُصادِقُ مَن يُصادِقُنا ونُعادي مَن يُعادينا».

العنوان الثالث: ما العمل لإنقاذ لبنان ما هو علميّاً وعمليّاً مقترحنا الخلاصي؟

«إنّ ابتكار خطة وطنية لكسر الحصار وللخروج من حلقة الاستنزاف والدمار، يوجبُ أمرين اثنين علميّاً وعمليّاً».

علميّاً: رؤية برنامجيّة سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة إنتاجيّة وطنيّة.

عمليّاً: خطوات شجاعة عاجلة لإحياء قطاعات الإنتاج، والتحرُّر من الرَّيعيّة التّابعة، وبناءُ الشّراكات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، التي تدعمُ إعادةَ بناءِ الاقتصاد الوطني، وتطويرُ موارد جديدة تُنعش الحركةَ الاقتصادية، وهذا يوجب خروج لبنان من الارتهان لأحادية الارتباط بالغرب الساعي الى الهيمنةِ والنّهبِ والسّلبِ والحلب. «والعملُ على اعتماد توجُّهات جديدة تحقِّق التوازنَ في البناء الاقتصادي، والخلاص من الريعية لردّ الاعتبار الى الصناعة والزراعة والصناعة السياحيّة وجميع فروع الإنتاج المعرفيّ، مما يُسهمُ في توسيعِ المجالاتِ الاقتصاديّة المجدية، والاعتمادُ على الشراكات المفيدة، وملاقاةِ الفرصِ، التي تمنعُ الاختناق في قبضة الهيمنة الغربية الاستعمارية. وقد أثبتت الكارثةُ، التي تعرّضت لها البلاد أنّ لنا في هذا الشرق دولاً شقيقة وصديقة، يمكن أن نستندَ الى الشراكة الوثيقة معها في المصالح والتوجُهات الاستقلالية بعلاقات متكافئة بعيدةٍ عن الأطماع والهيمنة والنهب، وقد قدّمت مساعدتِها لنا دون سؤال أو أيّ شكل من أشكال الاستثمار السياسي التملّقي الرخيص.

إنّ وضع حدًّ للنزف الخطير، الذي يعيشه اللبنانيون، ومنعَ الاختناقات المعيشيّة المتزايدة يستدعي التزامَ فكرةِ التحرُّر من الارتهان للغرب، وأقلُّه، الانتقال الى علاقات وشراكات متوازنة على أساس تكافؤ المصالح مع الشرق والغرب، والارتكاز على تنمية القطاعات الإنتاجية، وملاقاةُ فرصِ الشّراكة مع الجِوار القومي والإقليمي والشرقي على أساس المصالح المشتركة والمتكافئة. والبديل عن هذا الخيار ليس سوى المزيدِ من التسوُّلِ والاستدانة، وفي الاستدانة تبعيةٌ وإذلالٌ، وفي مطلق الأحوال لم تعد متاحة كالسابق، وباتت قرينةَ شروطٍ وإملاءاتٍ تخنقُ البلادَ مالياً واقتصادياً، وترهن إرادتَها السياسيّة للهيمنة الأجنبيّة».

أيُّها اللبنانيون: لماذا لا نُجاوِزُ اليأسَ والكآبةَ والاستسلام، ونبعثُ في نفوسنا والأذهان، آمالَنا والأحلام؟ لماذا لا نُزيحُ الغشاوةَ عن أعيننا، لنُحرِق بحرارةِ الشّمس نتنَ الفسادِ والعفن؟ لماذا القُصورُ في البَصرِ والبصيرةِ، فنُعادي مَن يصادِقَنا، ونُصادق مَن يُعادينا؟

أيها اللبنانيون: ألم يئنِ الأوانُ لإنقاذ لبنانَ ببناءِ دولةِ المواطنة؟ والتمسُّك بشُرعةِ حقوقِ الإنسان، والخياراتِ والثوابت الوطنية المنصوص عنها في وثيقة الوِفاق الوطنيّ الفقرة ب «لبنان عربيّ الهوية والانتماء. وفي الدُّستور اللبناني، الفقرة عينُها «لبنان عربيُّ الهويّة والانتماء»، (أحكام رئيسة).

أوَلم يئنِ الأوانُ بعدُ لنرفع في ساحات النّضال الجماهيري السلميّ شعارَ تطبيق الميثاقِ الوطني اللبناني، ووضع موضع التنفيذ الفوري المادة 95 من الدستور اللبناني بإلغاء الطائفية السياسية السمُّ الزعاف، الذي دسَّه الانتداب الفرنسي في دستور 1926. وتطبيق المادة 22 المعدّلة في دستور 1990 (مجلس نواب وطني لا طائفي ومجلس شيوخ تتمثّل فيه العائلات الرّوحية وتنحصرُ صلاحياتُه في القضايا المصيريّة، لا سيما في الأحوال الشخصية المادة 65 – بند 5) والمادة 27 (عضو مجلس النواب يمثّل الأمة جمعاء). (ما يستوجب الدائرة الوطنية الواحدة) وسواها من الإصلاحات.

أيها اللبنانيون: فلندفع بوعينا لتقوية النّفوس وإلغاء النصوص، وتحرير العقول من أوهام سلطان الهيمنة والارتهان، فدربُ النّضال شاقٌّ وطويل لاستكمال التحرّر والتحرير من عَوزٍ واحتلال، ولْنَدفع بمسار الإصلاح والتغيير، ومحاربة الفساد، ومعاقبة المفسدين بتطبيق الدستور والقوانين، وليكن مسارُ النضال الجماهيري سلميّاً، لا سيّما أنّ الجيشَ وقوى الأمن هم أهلنا بالبزّة العسكرية، وحَذارِ من المندسّين والإعلام التضليلي المأجور، وجمعيات الأنجوز» المشبوهة المموّلة بشعاراتِ الحريّة المزيّفة والديمقراطية!

وحَتَّامَ الانتظار لاسترداد المنهوبِ من أموالِ الشعب، وتطبيق قانون من أين لك هذا، وقانون العقوبات بمحاربة الفساد والاقتصاص من المفسدين والقتَلة والخونة المتعاملين جَهاراً نهاراً مع العدو الصُّهيوني، وليلاً في العتمةِ مع الموساد. فهل يندرجُ ذلك في بابِ حرية الرأي أو حرية التعبير عن وجهة نظر؟. وهل ثمةَ حياديّةٌ في الصراع الدائر بين الحقّ والباطل؟

وهل الحدودُ الجغرافية فواصلُ عنصرية تُسقط عن الشرفاء والأحرار المسؤولية والقيمَ الإنسانية. «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى». «فلبــنان جمــهورية تعــدُّدِيّــة». قائمٌ نظامُها السياسي على الطائفيّة والمذهبيّة، فهل نقيم على بعضنا البعض الحواجز والمتاريس، ونحفرُ الخنادقَ، ونبني بيننا الجدران؟

أيها اللبنانيون

لا تجعلوا «نعمةَ التّعدُّدِيّة»، «نِقمةً فتنويّة»…

لماذا تعرفون الحقَّ فتتجنَّبونَه… وتُدرِكونَ الباطل فتجتلِبونَه؟ فلْنَعقِل ونرفع رايةَ الوَحدةِ الوطنيّة.. ولْنوئِدِ الفِتنة، فالفتنةُ أشدُّ من القتل… ولْتكن المعاملةُ بالِمثل، «فنعادي مَن يُعادينا… ونُصادِقُ مَن يصادِقُنا» أُمَمِيّاً، صوناً للسّلمِ الأهليّ وحبّاً بلبنانَ حُرّاً سيِّداً قويّاً على صورةِ أحلامِ أطفالِنا والشّهداء. ولْيكُن نضالُنا معاً من أجلِ الأجيال المقبِلة، لا من أجل الانتخابات المُقبِلة أو المُبكِرة، بل من أجل أن نحيا بعزَّةٍ في دولةِ القانون والمؤسسات، تساوي بالجَدارة والنّزاهة والأخلاق، ما يساوي القيِّمون عليها: دولة تُسمّى «دولةَ المواطنة والإنسان»، دولةَ العدلِ والمساواة، والحريةِ ونُصرةِ المظلومينَ والكادحينَ في نضالِهم والبؤساء، عسانا نتفكّرُ ونَعِي كمواطنينَ مسؤولين، حقوقَنا كلَّها وفرائضَ الواجبات…

أفــلا نــعــقِلُ ونتــوكّلُ… ونُلــبّي النِّــداء؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزير ونائب سابق، الأمين العام لرابطة الشغيلة

التسويات مقفلة وباب التصعيد مفتوح

ناصر قنديل

يعرف الذين يحملون بوجه المقاومة ثنائية العودة للاستسلام والدفع نحو الانهيار المالي، أن مشروع الحكومة التي يدعون إليها القائم على التحقيق الدولي والانتخابات المبكرة، يعني وضع المقاومة بين خياري الجوع أو القتل، وفقاً للمعادلة التي صاغها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وانتهى بها إلى معادلة، لن نجوع وسنقتلك ثلاثاً؛ بينما التطبيع الإماراتي “الإسرائيلي”، وصلته بتفجير مرفأ بيروت لشطبه من الخريطة لحساب مرفأ حيفا وسلوك الفريق المناهض للمقاومة بعد التفجير رفعاً من فرضيات التفجير المدبّر على حساب فرضية تقاطع الفساد والإهمال. ويأتي التصعيد والتهديد على الجبهة الجنوبية، والمقاومة بيدها رصيد الحق المؤجل للرد على الاعتداء الذي أدى لاستشهاد أحد مقاوميها قرب مطار دمشق الدولي، ليقول كل ذلك ترقبوا شهراً ساخناً في أيلول.

إيران لا ترى مبرراً لتسوية تقيمها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا تثق بنتيجتها، ولا بالتزامه بأي تفاهمات، وهي تستعدّ لمواجهة طويلة إذا أعيد انتخابه، ولا تقبل بديلاً عن العودة الأميركية مع هذا الرئيس أو سواه، إلى الاتفاق النووي ومناقشة كل شيء في إطار الاتفاق وليس من خارجه، ولن تتراجع عن هذا الموقف لو بلغت الأمور حد الحرب الشاملة. وهي ترى باغتيال القائدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس نموذجاً عن العروض الأميركية، والتلاعب مفهوم الانسحاب من العراق مثال آخر، والتطبيع الإماراتي الإسرائيلي لوضع الموساد على مياه الخليج قبالة إيران نموذج رابع، وتتكرّر النماذج.. لذلك لم تعد إيران مهتمة بتهدئة أنصار الله ودعوتهم لتحييد الإمارات، التي يمكن أن تلقى ردوداً يمنية على تورطها بالعدوان على اليمن.

في المنطقة روسيا تقف في صف المواجهة مع التلاعب الأميركي، الذي كان يراهن على الوقيعة بين موسكو وطهران وأُجهضت مساعيه، وما جرى في شرق سورية من مواجهة مباشرة عسكرياً بين الروس والأميركيين علامة على القراءة الروسية للمواقف الأميركية، وبالتوازي ما جرى في مجلس الأمن تجاه المشاريع الأميركية ضد إيران إشارة للنظرة الروسية للسياسات الأميركية، بقدر ما هو إشارة للقلق الأوروبي من الرعونة الأميركية، وفي الحصيلة هناك تصعيد على الجبهتين السورية والعراقية بوجه الأميركيين، ستترجمه عمليات مقاومة يعرف الأميركي أنه سيدفع ثمنها، ولا يستطيع لا هو ولا حماته في العراق وسورية تفاديها.

الرهانات الانتخابية الأميركية على جولات العلاقات العامة تحت عنوان السلام التي يجريها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، ومحاولته حشد الحلفاء العرب للتطبيع مع كيان الاحتلال، ستصبح خبراً عاشراً في الإعلام الأميركي عندما تندلع النيران على جبهات المقاومة بوجه الكيان، واليمن مع الإمارات، وفي سورية والعراق بوجه الأميركيين، وعندها سيذهب ترامب إلى انتخاباته مكشوفاً، بنتائج الخسارة المعلومة، وسيكون على خلفه البدء من حيث انتهى السلف فإما التصعيد أو التسليم بالحقائق بلا مواربة. أما السلاح الاقتصادي والمالي، الذي يهدد لبنان، فلن يدفع ثمنه في السياسة مهما اشتد الخناق، واللبنانيون يعرفون أن هناك بدائل عرضتها المقاومة، وهي جاهزة للسير بها في أي حكومة، بدءاً من شراء المشتقات النفطية بالليرة اللبنانية من إيران، وانتهاء بالتوجه نحو الصين لعقود استراتيجية تضم مرفأ بيروت وخطوط سكك الحديد ومحطات وشبكات الكهرباء.

المنطقة لا تبدو في مرحلة تسويات تتناسب مع المساعي الفرنسية، ويبدو أن خيار التصعيد يتقدم، إلا إذا قرأ الأميركيون والإسرائيليون، حقيقة أن أوهامهم حول ضعف محور المقاومة ستدفعهم بسبب الحسابات الخاطئة، نحو جحيم المواجهة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

السياسة الأميركيّة: أوراق تحترق لتفتح الطريق إلى التسويات

العميد د. أمين محمد حطيط

 في سباقه إلى ولاية رئاسية ثانية يلقي ترامب بكلّ ما يستطيع استعماله من أوراق بعد أن فشلت سياسة الضغوط القصوى ضد إيران وتعثّرت استراتيجية إطالة أمد الصراع في سورية وفشلت خطة بومبيو في إخضاع لبنان ومحاصرة مقاومته كما شاءت وخططت أميركا. وبات الآن السؤال في مواجهة هذه النتائج السلبيّة ما هي اتجاهات السياسة الأميركية المحتملة بعد الفشل وإحراق هذه الأوراق ومتى يبدأ التغيير؟

أسئلة تطرح بعد تقليب جملة من الملفات لم تحصل منها أميركا إلا على خيبات ترتدّ سلباً على صورتها وهيبتها وتؤثر على نزعتها الاستفرادية في السيطرة على العالم ونهب ثرواته. ونكتفي هنا بالتوقف عند بعض من أهمّ تلك الملفات كالتالي:

1

ـ العلاقات الأميركية ـ الإيرانية. رغم كلّ ما يُقال عن محادثات سرية مباشرة أو غير مباشرة بين إيران وأميركا، فإنّ المعلن من المواقف يظهر بأنّ أميركا تسعى الى تفاوض تحت الضغط وإيران ترفض الجلوس الى طاولة تفاوض مع أميركا لا تطمئن فيها إلى صدقية في الحديث وجدية بالوصول الى نتائج وتأكيد على الوفاء بالالتزامات، وهذه المسائل كلها اليوم مفقودة مع ترامب الذي لحس توقيع أميركا على الاتفاقية المتعلقة بالملف النووي وتنكّر لقرار مجلس الأمن الذي أكد على هذه الاتفاقية ثم ذهب بكلّ وقاحة الى مجلس الأمن ليطالبه بتمديد حظر الأسلحة التقليدية عن إيران استيراداً وتصديراً. لكن مجلس الأمن وبأكثرية عالية (13 من 15) صفع ترامب وأظهر عزلة أميركية غير مسبوقة ساهم في إنتاجها حلفاء أميركا الأطلسيون الأعضاء الدائمون وغير الدائمين في مجلس الأمن. أما عن المستقبل ورغم سعي أميركا الأحادي الجانب لإعادة فرض العقوبات على إيران فإننا نرى أنّ الورقة هذه أحرقت ولن يكون لها من الأثر والفعالية ما عوّلت عليه أميركا في ظلّ بحث عن نظام مالي واقتصادي وتجاري عالمي جديد يتجاوز النظام الأميركي وعملته الدولار، أما الحديث عن المواجهة العسكرية فيجد الجواب عليه في قاعدة “عين الأسد” وبواخر النفط الإيراني الى فنزويلا ما يسقط الفرضية… وبالتالي لن يكون هناك حلّ مع إيران إلا التفاوض الذي ذكرنا شروطه… بعد أن سقطت أوراق العقوبات واستمرت مقفلة طريق القوة.

2

ـ المحكمة الخاصة بقتل رفيق الحريري في لبنان. من اللحظة الأولى التي فُجّر فيها موكب الحريري ذهب فكرنا وتحليلنا الى القول بأنّ الذي فشل في تطبيق القرار 1559 بالوسائل السياسية لجأ الى العنف في سبيل ذلك، وكنا ولا نزال نقصد بشكل رئيسي أميركا و”إسرائيل”، وأنّ الغاية الرئيسية من عملية الاغتيال كما رأينا يوم حدوثه وتأكد لنا طيلة السنين الـ 15 الماضية هي سلاح المقاومة. وكانت المحكمة تشكل بيد المعسكر الأميركي الإسرائيلي الخليجي سيفاً مسلطاً على لبنان ومقاومته من باب فتنة تقود الى اقتتال داخلي لمحاصرة المقاومة وتعطيل سلاحها. وانطلاقاً من فهم حزب الله للموضوع وإدراكه العميق للخطة الأميركية ومعرفته بأنّ الجريمة ارتكبت من أجل إلصاقها به والنيل من سلاحه وثقته بأنّ ذاك المعسكر قتل الحريري لينقض بدمه على المقاومة، لكلّ ذلك فإنّ الحزب اتخذ قراره بعدم الاعتراف بالمحكمة وبكلّ ما يصدر عنها لأكثر من سبب واعتبار، أولها رفضه مشاركة القاتل في مسرحية إخفاء الحقيقة، إلا أنّ أصحاب المشروع ظلوا على أملهم بأن يشكل قرار المحكمة صاعقاً يفجر الوضع اللبناني ويحقق لهم أحلامهم. ولأجل ذلك ماطلوا وسوّفوا واستهلكوا الوقت الطويل حتى تلقى القنبلة في الوقت المناسب بما يمكنهم من الاستثمار الى الحدّ الأقصى.

بيد أنّ الظروف الدولية والإقليمية كما يبدو اضطرت الفريق المستثمر بالمحكمة لاستعمال الورقة الآن، لتستغلّ بشكل يحجب الخسائر ويعوّض بعضها، فتم اختيار شهر آب الحالي من أجل هذا الهدف، وإذ بالقرار يصدر بشكل محبط في أكثر من اتجاه حيث أخرج بما لا يشبه أيّ قرار صادر عن محكمة جزائية في العالم، وجاء مطالعة سياسية تصلح لتكون قصة تروي تاريخ العلاقات الدولية كتبها بانحياز فاضح أحد المعنيّين بها، كما تضمّن ابتداعاً لأدلة جنائية غير مسبوقة في العلم الجنائي (دليل الاتصالات والدليل الظرفي والاقتران المكاني) ما أفرغ القرار من أيّ قيمة قانونية جزائية، ولن أضيف أكثر إلا القول بأنّ القرار الذي صدر لم يحقق ما رمى إليه مؤسّسو المحكمة الدولية تلك، وصحيح أنه أتى بصيغة واهنة اكتفت بإقامة ربط نزاع بين أطراف معنيين ولتحفظ استمرارية المحكمة ودوام عملها سنوات طويلة أخرى ولتفتح الطريق أمام التفاوض والتسوية، إلا أنه وبالطريقة التي جاء فيها القرار نسف الغاية التي من أجلها أسّست المحكمة، نقول نسفها رغم المحاولات البائسة التي يبذلها البعض من السياسيين والمحللين الذي ينصّبون أنفسهم قضاة يدينون ويعاقبون على هواهم متناسين انّ إدانة واحد من أصل 5 متهمين وبشكل واهن وبحجة لا تقنع أحداً ويمكن نسفها في الاستئناف باستحضار من ورقة واحدة تطيح بالـ 2500 صفحة التي سكب فيها القرار ما يعني انّ وهناً رهيباً وسم التحقيق الذي عجز عن معرفة الجاني أو الوصول اليه، لأنّ الجاني الحقيقي بعيد عن متناول المحكمة التي ما شكلت إلا من أجل حجب مسؤوليته ومنع الاقتراب منه. وعلى أيّ حال استنفدت ورقة المحكمة ولم تحقق اغراضها… وحتى حفظ ماء الوجه فيها لم يتحقق لأصحابها… ولم يبق منها إلا الباب الذي فتحته للتسوية لكن الطرف الذي وجهت له الدعوة للتسوية غير معني بها.

3

ـ نبقى في لبنان لنشير إلى ورقة استعملتها أميركا في إطار تنفيذ خطة بومبيو وأصبحت اليوم منتفية الصلاحية او أقله محدودة الأثر، وتتضمّن الحصار الاقتصادي وإقصاء حزب الله عن السلطة، وتبيّنت أميركا اليوم أنّ الحصار أعطى نتائج عكسيّة ودفع لبنان الى التفكير ببدائل أخرى غير الوجهة الغربية ما جعل أميركا تتراجع عنها، وإنْ بشكل محدود، لكن يكفي أن نقول إنّ الحصار كسر وبحدّ معقول، أما إقصاء حزب الله عن السلطة فقد تبيّن لأميركا أنه أمر مستحيل لا بل سمع مبعوثها هيل نقلاً عن الحزب أنه لا يمكن أن تقوم سلطة في لبنان لا يشارك الحزب فيها، ما اضطر أميركا الى التراجع وعلى لسان هيل نفسه الذي قال بالأمس “إنّ أميركا تعايشت وتعاملت مع حكومات يشارك فيها حزب الله” في إشارة واضحة لاستعداد أميركا للتعامل مع الحكومة المقبلة التي لن تُشكَّل إنْ لم يكن الحزب شريكاً فيها…

4

ـ أما في ما خصّ الاحتلال الأميركي لشرقي الفرات في سورية. فإنّ مستجدّات خطيرة حصلت من شأنها ان تفهم أميركا انّ أهدافها هناك لن تتحقق. وما حصل في الأسبوع الأخير يؤشر الى انّ هذه الورقة باتت تنذر بمخاطر كبرى وتشكل عبئاً على أصحابها من دون ان يكون هناك أيّ استعداد سوري للمساومة عليها أو التنازل عن شيء يتصل بالحقوق السيادية الوطنية السورية. وفي هذا الإطار نسجل المواجهة العسكرية التي حصلت قرب القامشلي بين حاجز الجيش العربي السوري ودورية من جيش الاحتلال الأميركي وما حصل بين الأهالي وعصابات “قسد” وطردها من أكثر من قرية وبلدة.

فالاشتباك بين عناصر من الجيشين الأميركي المحتل والعربي السوري يتعدّى في دلالاته حجم القوى المشتبكة ونتائج الاشتباك التي أدّت الى منع الدورية الأميركية من اجتياز الحاجز السوري وإصابة بعض عناصرها، في رسالة واضحة لأميركا بأنّ الجيش العربي السوري مستعدّ عندما تفرض الظروف أن يكون في مواجهة الاحتلال ليلاقي في ذلك المقاومة الشعبية السورية التي انطلقت في المنطقة والتي يخشاها الأميركي الذي لا زال يحمل عقدة فيتنام ولهيب مقاومة العراق.

نكتفي بهذا القدر من المواضيع التي تسجل خيبة وتراجعاً أميركياً يفرض على أميركا في الأشهر المقبلة أياً كان الرئيس الذي سيتسلّم مقاليد الحكم فيها، أن يراجع السياسة الأميركية وأن يتحوّل الى التفاوض المجدي بدل العنتريات والأعمال العقيمة، وعليه نرى أن التحضير لتسويات في المنطقة سيبدأ حتى قبل الانتخابات الأميركية، وعندما أقول تسوية يكون بين أطرافها مكوّنات من محور المقاومة فإنني أعني بأنّ الحلول ستأتي لتحفظ حقوق هذا المحور مع حفظ ماء وجه الطرف الآخر وليس تنازلاً عن حقوق ومواقع بُذلت الدماء لحمايتها.

استاذ جامعي خبير استراتيجي

Battleground Beirut: Western colony or back to the East?

Battleground Beirut: Western colony or back to the East?

August 12, 2020

By Pepe Escobar – republished from Asia Times by permission of author

As much as Covid-19 has been instrumentalized by the 0.001% to social engineer a Great Reset, the Beirut tragedy is already being instrumentalized by the usual suspects to keep Lebanon enslaved.

Facing oh so timely color revolution-style “protests”, the current Lebanese government led by Prime Minister Diab has already resigned. Even before the port tragedy, Beirut had requested a $10 billion line of credit from the IMF – denied as long as trademark, neoliberal Washington consensus “reforms” were not implemented: radical slashing of public expenses, mass layoffs, across the board privatization.

Post-tragedy, President Emmanuel Macron – who’s not even capable of establishing a dialogue with the Gilets Jaunes/Yellow Vests in France – has opportunistically jumped in full neocolonial mode to pose as “savior” of Lebanon, as long as the same “reforms”, of course, are implemented.

On Sunday, France and the UN organized a videoconference to coordinate donor response – in conjunction with the European Commission (EC), the IMF and the World Bank. The result was not exactly brilliant: a paltry 252 million euros were pledged – once again conditioned by “institutional reforms”.

France came up with 30 million euros, Kuwait with 40 million, Qatar with 50 million and the EC with 68 million. Crucially, neither Russia nor Iran were among the donors. The US – which is harshly sanctioning Lebanon – and GCC allies Saudi Arabia and UAE pledged nothing. China had just a pro forma presence.

In parallel, Maronite Christians in Brazil – a very powerful community – are sending funds for the color revolution protests. Former President Michel Temer and industrialist tycoon Paulo Skaf even flew to Beirut. Former Lebanese President Amin Gemayel (1982-1988) maintained a lot of businesses in Brazil with funds he skimmed when in power.

All of the above points to neoliberalism taking no prisoners when it comes to keeping its deadly grip on Lebanon.

The Hariri model

Lebanon’s profound economic crisis, now aggravated by the Beirut port blast, has nothing to do with Covid-19 or the US proxy war on Syria – which brought a million refugees to the nation. It’s all about proverbial neoliberal shock and awe, conducted non-stop by the Hariri clan: former Prime Ministers Rafiq, assassinated in 2011, and Saad, chased out of power last January.

The Hariri model was focused on real estate speculation and financialization. The Solidere group, controlled by Arab investors and a few Lebanese, Hariri included, destroyed Beirut’s historical downtown and rebuilt it with luxury real estate. That’s the classical rentier neoliberalism model that always profits a tiny elite.

In parallel, the Bank of Lebanon was attracting funds from the tony Lebanese diaspora and assorted Arab investors by practicing very generous interest rates. Lebanon suddenly had an artificially strong currency.

A small middle class sort of flourished throughout the 2000s, comprising import-export traders, the tourism sector and financial market operators. Yet, overall, inequality was the name of the game. According to the World Inequality Database, half of Lebanon’s population now holds less wealth that the top 0.1%.

The bubble finally burst in September last year, when I happened to be in Beirut. With no US dollars in circulation, the Lebanese pound started to collapse in the black market. The Bank of Lebanon went berserk. When the Hariri racket imposed a “Whatsapp tax” over calls, that led to massive protests in October. Capital embarked on free flight and the currency collapsed for good.

There’s absolutely no evidence the IMF, the World Bank and assorted Western/Arab “donors” will extricate a now devastated Lebanon from the neoliberal logic that plunged it into a systemic crisis in the first place.

The way out would be to focus in productive investments, away from finance and geared towards the practical necessities of an austerity-battered and completely impoverished population.

Yet Macron, the IMF and their “partners” are only interested in keeping monetary “stability”; seduce speculative foreign capital; make sure that the rapacious, Western-connected Lebanese oligarchy will get away with murder; and on top of it buy scores of Lebanese assets for peanuts.

BRI or bust

In stark contrast with the exploitative perpetuation of the Western neoliberal model, China is offering Lebanon the chance to Go East, and be part of the New Silk Roads.

In 2017, Lebanon signed to join the Belt and Road Initiative (BRI).

In 2018, Lebanon became the 87th member of the Asia Infrastructure Investment Bank (AIIB).

Over the past few years, Lebanon was already taking part in the internationalization of the yuan, offering bank accounts in yuan and increasing bilateral trade in yuan.

Beijing was already engaged in discussions revolving around the upgrading of Lebanese infrastructure – including the expansion of Beirut harbor.

This means that now Beijing may be in the position of offering a renewed, joint rebuilding/security deal for Beirut port – just as it was about to clinch a smaller agreement with Diab’s government, focused only on expansion and renovation.

The bottom line is that China has an actual Plan A to extricate Lebanon from its current financial dead end.

And that’s exactly what was, and remains, total anathema to US, NATO and Israel’s interests.

The Trump administration recently went no holds barred to prevent Israel from having China develop the port of Haifa.

The same “offer you can’t refuse” tactics will be applied with full force on whoever leads the new Lebanese government.

Beirut is an absolutely key node in BRI’s geopolitical/geoeconomic connectivity of the Eastern Mediterranean. With Haifa temporarily out of the picture, Beirut grows in importance as a gateway to the EU, complementing the role of Pireus and Italian ports in the Adriatic.

It’s crucial to note that the port itself was not destroyed. The enormous crater on site replaces only a section quayside – and the rest is on water. The buildings destroyed can be rebuilt in record time. Reconstruction of the port is estimated at $15 billion – pocket money for an experienced company such as China Harbor.

Meanwhile, naval traffic is being redirected to Tripoli port, 80 km north of Beirut and only 30 km away from the Lebanon-Syria border. Its director, Ahmed Tamer, confirms “the port has witnessed during the past years the expansion work by Chinese companies, and it has received the largest ships from China, carrying a big number of containers”.

Add to it the fact that Tripoli port will also be essential in the process of Syria reconstruction – to which China is totally committed.

BRI’s Southwest Asia connectivity network is a maze including Iran, Iraq, Syria and Lebanon.

China is already planning to invest in highway and railroads, further to be developed into high-speed rail. That will connect BRI’s central China-Iran corridor – fresh from the $400 billion, 25-year strategic partnership deal soon to be signed – with the Eastern Mediterranean.

Add to it the role of the port of Tartus in Syria – bearing a strong Russian naval presence. Beijing will inevitably invest in the expansion of Tartus – which is crucially linked by highway to Lebanon. The Russia-China strategic partnership will be involved in the protection of Tartus with S-300 and S-400 missile systems.

Historically, in a larger axis that went from Samarkand to Cordoba, with strong nodes such as Baghdad and Damascus, what slowly evolved in this part of Eurasia was a syncretic civilization superimposed over an ancestral regional, rural and nomad background. The internal cohesion of the Muslim world was forged from the 7th century to the 11th century: that was the key factor that shaped the lineaments of a coherent Eurasia.

Apart from Islam, Arabic – the language of religion, administration, trade and culture – was an essential unifying factor. This evolving Muslim world was configured as a vast economic and cultural domain whose roots connected to Greek, Semitic, Persian, Indian and Arab thought. It was a marvelous synthesis that formed a unique civilization out of elements of different origin – Persian, Mesopotamian, Byzantine.

The Middle East and the Eastern Mediterranean were of course part of it, totally open towards the Indian Ocean, the Caspian routes, Central Asia and China.

Now, centuries later, Lebanon should have everything to gain by ditching the “Paris of the Orient” mythology and looking East – again, thus positioning itself on the right side of History.

أهداف توقيت العودة إلى التصعيد في الشارع…

حسن حردان

طرح توقيت العودة إلى التصعيد في الشارع السؤال عن أهدافه الحقيقية، لا سيما أنّ التحرك استبق نتائج التحقيق الجاري في أسباب الانفجار في المرفأ، ولم يتمّ تحت عنوان المطالبة بعدم التستر على المسؤولين والمتورّطين فيما حصل من فاجعة، بل شهدنا محاولة مكشوفة ممن استغلّ معاناة الناس لأجل التعمية على الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى تفجير مستودع الأمونيوم التي تتحمّل قوى ١٤ آذار جزءاً كبيراً من المسؤولية فيه، حيث كانت هذه القوى في سدة السلطة وتتحكم بمفاصلها بين أعوام 2٠١٣ و٢٠١٩.. وازدادت إلحاحية هذا السؤال، انّ هذا التحرك اتخذ طابعاً سياسياً واضحاً، ظهر من خلال تركيز من استغلوا معاناة المواطنين، هجومهم على العهد والحكومة وحزب الله، وتحميلهم مسؤولية الكارثة في ظلّ خطاب تحريضي تقوم به بعض المحطات التلفزيونية المعروفة بارتباطاتها بحزب القوات اللبنانية والسعودية لإثارة الفتنة.. وهو ما أفرح كيان العدو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة…

يمكن القول إنّ هناك جملة من الأهداف غير المعلنة يُراد تحقيقها من وراء هذا التصعيد المفاجئ في الشارع ومحاولة إعطائه زخماً عبر اقتحام بعض الوزارات والعبث بمحتوياتها وحرق صور الرئيس ميشال عون..

أولا، الضغط لإسقاط الحكومة واستقالة النواب في سياق السعي الى إجراء انتخابات نيابية مبكرة رهاناً على أن تقود الى إحداث تغيير في المعادلة السياسية واستعادة قوى 14 آذار الأغلبية النيابية والعودة الى السيطرة على مقاليد السلطة… وفي هذا السياق تندرج استقالات بعض النواب والوزراء بهدف هز الحكومة لدفعها الى الاستقالة وكذلك دفع أكبر عدد من النواب الى تقديم استقالاتهم…

ثانياً، قطع الطريق على النتائج الإيجابية الناتجة عن الانفتاح الدولي على لبنان، واستمرار المساعدات التي ترافقت مع حركة دبلوماسية كثيفة تجاه بيروت، وعقد مؤتمر دولي خصص لجمع المساعدات المالية لإعادة إعمار ما دمّره الانفجار في بيروت والمرفأ، وسط دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المشاركين للتعجيل بدعم لبنان قبل أن تعمّ الفوضى فيه، مما يشكل متنفساً للبنان، وتخفيفاً للحصار الأميركي المفروض عليه منذ أشهر، وبالتالي تعزيز موقف العهد والحكومة الحالية، وسقوط رهانات قوى ١٤ آذار ومجموعات الـ NGO على عرقلة جهود الحكومة لمعالجة الأزمة وصولاً إلى إسقاطها.. لقد كان واضحاً أنّ أكثر ما أقلق قوى ١٤ آذار إنما هو الانفتاح الفرنسي الأميركي على العهد والحكومة والذي ترجمه اتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس ميشال عون وإعلانه المشاركة في المؤتمر الدولي لدعم لبنان، وزيارات المسؤولين العرب والإقليميين والأجانب.. ونتائج زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ولقائه برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد على هامش الاجتماع الذي جمعه مع رؤساء الكتل النيابية اللبنانية، ومن ثم ردّه على أسئلة الصحافيين بقوله.. إنّ حزب الله يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين ولديه كتلة نيابية وازنة…

ثانياً، قطع الطريق على التحقيق الذي تجريه الدولة في انفجار مستودع نيترات الامونيوم والذي أظهر سرعة وجدية من خلال توقيف القضاء للمسؤولين عن الجمارك وإدارة المرفأ، والذي يأتي في ظلّ عزم وإصرار من قبل الرئيس عون ورئيس الحكومة بأن يصل التحقيق إلى تحديد المسؤولين والمتورطين الفعليين ومحاسبتهم، على الاهمال والتقصير او التعمّد في إبقاء شحنة الامونيوم كلغم خطر في مرفأ بيروت، والذي انفجر وأدّى إلى كارثة وفاجعة أصابت بيروت وكلّ لبنان.. ومعروف أنّ معظم المتورطين هم تحديداً من قوى ١٤ آذار لأنّ نيترات الامونيوم تمّت مصادرتها من الباخرة الآتية من جورجيا عام ٢٠١٣ وجرى وضعها في مخزن في المرفأ ولم يتمّ التخلص منها رغم خطورتها، لا بل تمّ تجاهل كل التحذيرات من خطورة بقائها، والتي أكدتها المراسلات بين الجهات المعنية في القضاء والسلطة التنفيذية وإدارتي الجمارك والمرفأ.

ثالثاً، محاولة التأثير على التوجّه الأمريكي الفرنسي، بعد مدّ العون والمساعدات للبنان، والتي تهدف الى قطع الطريق على تفرّد الصين وروسيا وإيران والعراق بتقديم الدعم والدخول على خط إعادة بناء ما دمّره الانفجار.. وبالتالي الحيلولة دون اتجاه لبنان صوب الشرق، والحفاظ على النفوذ الأميركي الغربي والعمل على تعزيزه، ولذلك بدأ فريق ١٤ يشعر بقلق من أنه لم يكن بالإمكان حصول هذا التدفق الكبير في المساعدات العربية والدولية إلى لبنان، وتوجّه المسؤولين العرب والأجانب إلى بيروت، واعلان الاستعداد لمدّ لبنان بالمساعدات، لولا وجود ضوء أخضر أميركي أوعز بذلك وترجمه اتصال ترامب بالرئيس عون… الأمر الذي يظهر أنّ فريق ١٤ اذار غير مدرك لأبعاد الموقف الأميركي الفرنسي وخلفيات الانفتاح على العهد والحكومة وهو قطع الطريق على اضطرار لبنان الى التوجّه شرقاً إذا امتنعت الدول الغربية عن تقديم المساعدة له…

إذا توقيت التحرك في الشارع والتصعيد واستغلال معاناة الناس، يأتي في سياق حملة إعلامية سياسية بدأت من اللحظات الأولى للانفجار، بهدف التصويب على الحكومة والعهد والطعن بشرعيتهما، والعمل على محاولة تدويل التحقيق في الانفجار، ووقف التحقيق الوطني، وصولاً الى محاولة فرض استقالة الحكومة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وإعادة خلط الأوراق والتأثير على المواقف الدولية لا سيما الموقف الاميركي الفرنسي.. والحيلولة دون تقديم المساعدات المالية إلى الحكومة اللبنانية.. وهو ما حصل بتأكيد مؤتمر المانحين على تقديم الدعم بإشراف الأمم المتحدة…

لقد طرح اتصال ترامب وزيارة ماكرون وتواتر زيارات مسؤولين عرب وأجانب إلى بيروت، السؤال بشأن ما اذا كان هناك تبدّل في الموقف الأميركي الغربي يقضي برفع الحصار عن لبنان، أم أنّ الأمر مجرد خطوة تكتيكية لإظهار التعاطف والتضامن مع لبنان لتعزيز النفوذ الأمريكي الفرنسي، وخلق مناخ يمنع دخول روسيا والصين على خط إعادة بناء وإعمار ما أسفر عنه الانفجار من كارثة في المرفأ وجزء كبير من مدينة بيروت.. هذا السؤال سيبقى مطروحاً إلى أن تتضح الأمور في الأيام المقبلة لمعرفة ما إذا كان هناك استدارة أميركية فرنسية وجدت في الكارثة فرصة لفك الحصار.. لقطع الطريق على إمكانية توجّه لبنان صوب الشرق لمساعدته على مواجهة الكارثة التي تجعله بأمسّ الحاجة إلى المساعدات العاجلة للخروج منها، لا سيما أن الكارثة جاءت لتفاقم من حدة الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان منذ أشهر.. لكن بيان المؤتمر الدولي لدعم لبنان أظهر ان الموقف الأميركي الفرنسي فصل بين الدعم لإعادة إعمار ما دمّره الانفجار، وبين الموقف الذي يشترط موافقة لبنان على شروط صندوق النقد الدولي لتقديم القروض له…

في كلا الأحوال فإنّ الأزمة في لبنان دخلت مرحلة جديدة، من جهة تتوافر لدى الحكومة والعهد فرصة لإخراج البلاد من الكارثة التي أصابتها، يوفرها لها الدعم الكبير، الدولي والعربي، الذي بدأ منذ اليوم الأول لحصول الانفجار الذي زلزل بيروت وضواحيها.. ومن جهة ثانية نحن أمام إمكانية تضييع هذه الفرصة إذا ما استقالة الحكومة، ودخلت البلاد في مرحلة مديدة من تصريف الأعمال، لأنه ليس من السهولة الاتفاق على قانون جديد لإجراء انتخابات مبكرة، ولا الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة لا تحظى بتأييد الأغلبية النيابية.. وحتى لو افترضنا أنه اتفق على إجراء انتخابات نيابية جديدة مبكرة، فإنّ كلّ التقديرات تشير إلى أن نتائجها لن تغيّر كثيراً في المشهد السياسي… وبالتالي نكون أضعنا وقتاً ثميناً يحتاج اليه لبنان لإيجاد الحلول لأزماته وتجنب المزيد من تفاقمها..

Who Profits from the Beirut Tragedy

by Pepe Escobar : Republished from Asia Times by permission of author

The narrative that the Beirut explosion was an exclusive consequence of negligence and corruption by the current Lebanese government is now set in stone, at least in the Atlanticist sphere.

And yet, digging deeper, we find that negligence and corruption may have been fully exploited, via sabotage, to engineer it.

Lebanon is prime John Le Carré territory. A multinational den of spies of all shades – House of Saud agents, Zionist operatives, “moderate rebel” weaponizers, Hezbollah intellectuals, debauched Arab “royalty,” self-glorified smugglers – in a context of full spectrum economic disaster afflicting a member of the Axis of Resistance, a perennial target of Israel alongside Syria and Iran.

As if this were not volcanic enough, into the tragedy stepped President Trump to muddy the – already contaminated – Eastern Mediterranean waters. Briefed by “our great generals,” Trump on Tuesday said: “According to them – they would know better than I would – but they seem to think it was an attack.”

Trump added, “it was a bomb of some kind.”

Was this incandescent remark letting the cat out of the bag by revealing classified information? Or was the President launching another non sequitur?

Trump eventually walked his comments back after the Pentagon declined to confirm his claim about what the “generals” had said and his defense secretary, Mark Esper, supported the accident explanation for the blast.

It’s yet another graphic illustration of the war engulfing the Beltway. Trump: attack. Pentagon: accident. “I don’t think anybody can say right now,” Trump said on Wednesday. “I’ve heard it both ways.”

Still, it’s worth noting a report by Iran’s Mehr News Agency that four US Navy reconnaissance planes were spotted near Beirut at the time of the blasts. Is US intel aware of what really happened all along the spectrum of possibilities?

That ammonium nitrate

Security at Beirut’s port – the nation’s prime economic hub – would have to be considered a top priority. But to adapt a line from Roman Polanski’s Chinatown: “Forget it, Jake. It’s Beirut.”

Those by now iconic 2,750 tons of ammonium nitrate arrived in Beirut in September 2013 on board the Rhosus, a ship under Moldovan flag sailing from Batumi in Georgia to Mozambique. Rhosus ended up being impounded by Beirut’s Port State Control.

Subsequently the ship was de facto abandoned by its owner, shady businessman Igor Grechushkin, born in Russia and a resident of Cyprus, who suspiciously “lost interest” in his relatively precious cargo, not even trying to sell it, dumping style, to pay off his debts.

Grechushkin never paid his crew, who barely survived for several months before being repatriated on humanitarian grounds. The Cypriot government confirmed there was no request to Interpol from Lebanon to arrest him. The whole op feels like a cover – with the real recipients of the ammonium nitrate possibly being “moderate rebels” in Syria who use it to make IEDs and equip suicide trucks, such as the one that demolished the Al Kindi hospital in Aleppo.

The 2,750 tons – packed in 1-ton bags labeled “Nitroprill HD” – were transferred to the Hangar 12 warehouse by the quayside. What followed was an astonishing case of serial negligence.

From 2014 to 2017 letters from customs officials – a series of them – as well as proposed options to get rid of the dangerous cargo, exporting it or otherwise selling it, were simply ignored. Every time they tried to get a legal decision to dispose of the cargo, they got no answer from the Lebanese judiciary.

When Lebanese Prime Minister Hassan Diab now proclaims, “Those responsible will pay the price,” context is absolutely essential.

Neither the prime minister nor the president nor any of the cabinet ministers knew that the ammonium nitrate was stored in Hangar 12, former Iranian diplomat Amir Mousavi, the director of the Center for Strategic Studies and International Relations in Tehran, confirms. We’re talking about a massive IED, placed mid-city.

The bureaucracy at Beirut’s port and the mafias who are actually in charge are closely linked to, among others, the al-Mostaqbal faction, which is led by former Prime Minister Saad al-Hariri, himself fully backed by the House of Saud.

The immensely corrupt Hariri was removed from power in October 2019 amid serious protests. His cronies “disappeared” at least $20 billion from Lebanon’s treasury – which seriously aggravated the nation’s currency crisis.

No wonder the current government – where we have Prime Minister Diab backed by Hezbollah – had not been informed about the ammonium nitrate.

Ammonium nitrate is quite stable, making it one of the safest explosives used in mining. Fire normally won’t set it off. It becomes highly explosive only if contaminated – for instance by oil – or heated to a point where it undergoes chemical changes that produce a sort of impermeable cocoon around it in which oxygen can build up to a dangerous level where an ignition can cause an explosion.

Why, after sleeping in Hangar 12 for seven years, did this pile suddenly feel an itch to explode?

So far, the prime straight to the point explanation, by Middle East expert Elijah Magnier, points to the tragedy being “sparked” – literally – by a clueless blacksmith with a blowtorch operating quite close to the unsecured ammonium nitrate. Unsecured due, once again, to negligence and corruption – or as part of an intentional “mistake” anticipating the possibility of a future blast.

This scenario, though, does not explain the initial “fireworks” explosion. And certainly does not explain what no one – at least in the West – is talking about: the deliberate fires set to an Iranian market in Ajam in the UAE, and also to a series of food/agricultural warehouses in Najaf, Iraq, immediately after the Beirut tragedy.

Follow the money

Lebanon – boasting assets and real estate worth trillions of dollars – is a juicy peach for global finance vultures. To grab these assets at rock bottom prices, in the middle of the New Great Depression, is simply irresistible. In parallel, the IMF vulture would embark on full shakedown mode and finally “forgive” some of Beirut’s debts as long as a harsh variation of “structural adjustment” is imposed.

Who profits, in this case, are the geopolitical and geoeconomic interests of US, Saudi Arabia and France. It’s no accident that President Macron, a dutiful Rothschildservant, arrived in Beirut Thursday to pledge Paris neocolonial “support” and all but impose, like a Viceroy, a comprehensive set of “reforms”.  A Monty Python-infused dialogue, complete with heavy French accent, might have followed along these lines: “We want to buy your port.” “It’s not for sale.” “Oh, what a pity, an accident just happened.”

Already a month ago the IMF was “warning” that “implosion” in Lebanon was “accelerating.” Prime Minister Diab had to accept the proverbial “offer you can’t refuse” and thus “unlock billions of dollars in donor funds.” Or else. The non-stop run on the Lebanese currency, for over a year now, was just a – relatively polite – warning.

This is happening amid a massive global asset grab characterized in the larger context by American GDP down by almost 40%, arrays of bankruptcies, a handful of billionaires amassing unbelievable profits and too-big-to-fail megabanks duly bailed out with a tsunami of free money.

Dag Detter, a Swedish financier, and Nasser Saidi, a former Lebanese minister and central bank vice governor, suggest that the nation’s assets be placed in a national wealth fund. Juicy assets include Electricité du Liban (EDL), water utilities, airports, the MEA airline, telecom company OGERO, the Casino du Liban.

EDL, for instance, is responsible for 30% of Beirut’s budget deficit.

That’s not nearly enough for the IMF and Western mega banks. They want to gobble up the whole thing, plus a lot of real estate.

“The economic value of public real estate can be worth at least as much as GDP and often several times the value of the operational part of any portfolio,” say Detter and Saidi.

Who’s feeling the shockwaves?

Once again, Israel is the proverbial elephant in a room now widely depicted by Western corporate media as “Lebanon’s Chernobyl.”

A scenario like the Beirut catastrophe has been linked to Israeli plans since February 2016.

Israel did admit that Hangar 12 was not a Hezbollah weapons storage unit. Yet, crucially, on the same day of the Beirut blast, and following a series of suspicious explosions in Iran and high tension in the Syria-Israeli border, Prime Minister Netanyahu tweeted , in the present tense: “We hit a cell and now we hit the dispatchers. We will do what is necessary in order to defend ourselves. I suggest to all of them, including Hezbollah, to consider this.”

That ties in with the intent, openly proclaimed late last week, to bomb Lebanese infrastructure if Hezbollah harms Israeli Defense Forces soldiers or Israeli civilians.

headline – “Beirut Blast Shockwaves Will Be Felt by Hezbollah for a Long Time” – confirms that the only thing that matters for Tel Aviv is to profit from the tragedy to demonize Hezbollah, and by association, Iran. That ties in with the US Congress “Countering Hezbollah in Lebanon’s Military Act of 2019” {S.1886}, which all but orders Beirut to expel Hezbollah from Lebanon.

And yet Israel has been strangely subdued.

Muddying the waters even more, Saudi intel – which has access to Mossad, and demonizes Hezbollah way more than Israel – steps in. All the intel ops I talked to refuse to go on the record, considering the extreme sensitivity of the subject.

Still, it must be stressed that a Saudi intel source whose stock in trade is frequent information exchanges with the Mossad, asserts that the original target was Hezbollah missiles stored in Beirut’s port. His story is that Prime Minister Netanyahu was about to take credit for the strike – following up on his tweet. But then the Mossad realized the op had turned horribly wrong and metastasized into a major catastrophe.

The problem starts with the fact this was not a Hezbollah weapons depot – as even Israel admitted. When weapons depots are blown up, there’s a primary explosion followed by several smaller explosions, something that could last for days. That’s not what happened in Beirut. The initial explosion was followed by a massive second blast – almost certainly a major chemical explosion – and then there was silence.

Thierry Meyssan, very close to Syrian intel, advances the possibility that the “attack” was carried out with an unknown weapon, a missile -– and not a nuclear bomb – tested in Syria in January 2020. (The test is shown in an attached video.) Neither Syria nor Iran ever made a reference to this unknown weapon, and I got no confirmation about its existence.

Assuming Beirut port was hit by an “unknown weapon,” President Trump may have told the truth: It was an “attack”. And that would explain why Netanyahu, contemplating the devastation in Beirut, decided that Israel would need to maintain a very low profile.

Watch that camel in motion

The Beirut explosion at first sight might be seen as a deadly blow against the Belt and Road Initiative, considering that China regards the connectivity between Iran, Iraq, Syria and Lebanon as the cornerstone of the Southwest Asia Belt and Road corridor.

Yet that may backfire – badly. China and Iran are already positioning themselves as the go-to investors post-blast, in sharp contrast with the IMF hit men, and as advised by Hezbollah Secretary-General Nasrallah only a few weeks ago.

Syria and Iran are in the forefront of providing aid to Lebanon. Tehran is sending an emergency hospital, food packages, medicine and medical equipment. Syria opened its borders with Lebanon, dispatched medical teams and is receiving patients from Beirut’s hospitals.

It’s always important to keep in mind that the “attack” (Trump) on Beirut’s port destroyed Lebanon’s main grain silo, apart from engineering the total destruction of the port – the nation’s key trade lifeline.

That would fit into a strategy of starving Lebanon. On the same day Lebanon became to a great extent dependent on Syria for food – as it now carries only a month’s supply of wheat – the US attacked silos in Syria.

Syria is a huge exporter of organic wheat. And that’s why the US routinely targets Syrian silos and burns its crops – attempting also to starve Syria and force Damascus, already under harsh sanctions, to spend badly needed funds to buy food

In stark contrast to the interests of the US/France/Saudi axis, Plan A for Lebanon would be to progressively drop out of the US-France stranglehold and head straight into Belt and Road as well as the Shanghai Cooperation Organization. Go East, the Eurasian way. The port and even a great deal of the devastated city, in the medium term, can be quickly and professionally rebuilt by Chinese investment. The Chinese are specialists in port construction and management.

This avowedly optimistic scenario would imply a purge of the hyper-wealthy, corrupt weapons/drugs/real estate scoundrels of Lebanon’s plutocracy – which in any case scurry away to their tony Paris apartments at the first sign of trouble.

Couple that with Hezbollah’s very successful social welfare system – which I saw for myself at work last year – having a shot at winning the confidence of the impoverished middle classes and thus becoming the core of the reconstruction.

It will be a Sisyphean struggle. But compare this situation with the Empire of Chaos – which needs chaos everywhere, especially across Eurasia, to cover for the coming, Mad Max chaos inside the US.

General Wesley Clark’s notorious 7 countries in 5 years once again come to mind – and Lebanon remains one of those 7 countries. The Lebanese lira may have collapsed; most Lebanese may be completely broke; and now Beirut is semi-devastated. That may be the straw breaking the camel’s back – releasing the camel to the freedom of finally retracing its steps back to Asia along the New Silk Roads.

ماذا يريد ماكرون فعلياً؟

د.وفيق إبراهيم

فرنسا الحالية السياسية والاقتصادية ليست في وضع يسمح لها بإطلاق مبادرة ضخمة لإنقاذ الدولة اللبنانية، ولم تعُد تمتلك النفوذ الدولي ما يؤهلها لإعادة صناعة “لبنان الدولة مرة ثانية”. فهذا يتطلّب مركزاً بين الدول العالمية الأساسية على غرار الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، اي بلدان تجمع بين النفوذ الدولي وقوة الاقتصاد والمناعة العالمية، وهذا ما تفتقده فرنسا حالياً.

بما يكشف على الفور ان زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون الى لبنان الغريق في فرنكوفونيته تذهب الى واحد من احتمالين: اما إنها تحاول الاحتفاظ بدور على قياسها في السياسة اللبنانية عن طريق بعض المساعدات المقدور عليها وتتيح لها المشاركة في مرحلة ما بعد الحرب في سورية وتمتين وضعها في الصراع على البحر الأبيض المتوسط. اما انها الآلية المقبولة من لبنان لتمرير مشروع غربي لا يريد للبنان أن يذهب بعيداً في بحثه عن بديل للغرب وخصوصاً في الصين وروسيا وإيران.

فأي الاحتمالين هو الأقوى؟

بالتدقيق في مقارباته لضرورة بناء آلية سياسية جديدة في لبنان وتطرقه الى حكومة وحدة وطنية وتأكيده على استمرار الدعم الاقتصادي المباشر من مؤتمر سيدر والصندوق والبنك الدوليين والدول الغربية.

هذا اذاً عرض يربط بين السياسة والاقتصاد انما بعض تقديم مساعدات فرنسية كبيرة تعيد تذكير اللبنانيين بفرنكوفونيتهم القديمة.

بذلك يتضح ان المشروع فرنسي ظاهرياً وأميركي – أوروبي في اهدافه ويرمي الى منع لبنان، خصوصاً بعد تفجير مرفئه الأساسي في بيروت من الإقدام على التعاون مع الصين وروسيا والعراق وايران.

فهناك اهميات للبنان تبدأ حالياً في انه يشكل جزءاً من مياه البحر المتوسط وسواحله، بما يحتويه من كميات معروفة من الغاز وأخرى غير معروفة يقول الخبراء انها تشكل أكبر تجمع غاز معروف في العالم.

هذا بالإضافة الى حساسية آبار الغاز اللبنانية عند حدوده مع فلسطين المحتلة بما يمكن أن تشكله من دفع لحروب في الاقليم قد تؤدي الى وقف انتاج الغاز ليس فقط في الكيان الاسرائيلي ولبنان وانما في قبرص واليونان امتداداً الى ليبيا ومصر، فيتحكم بذلك حلف الغاز الذي يدعمه الاميركيون بين مصر و”اسرائيل” وقبرص واليونان وبعض الدول الاوروبية. فهذا حلف يبني عليه الاميركيون لوقف التمدد الروسي المعني كثيراً بهذا الأمر لان بلاده هي الدولة الاولى في انتاج الغاز في العالم. وتعرف ان حلف الغاز الاميركي في المتوسط إنما هو مبني لوقف الهيمنة الروسية على اسواق استهلاك الغاز في اوروبا.

كيف يفكر الفرنسيون؟

يعتبر ماكرون أن حزب الله اصبح حقيقة سياسية في لبنان والإقليم لا يمكن تجاوزه. لذلك فإن بناء آلية سياسية لبنانية تضم كل مكوّنات لبنان السياسية والطائفية هي إنقاذ للدور الغربي في لبنان من خلال الإصرار على التمثيل للقوى اللبنانية الموالية لهم على شاكلة الحريرية وجعجع والكتائب والاشتراكي.

بذلك يتأمن توازن سياسي داخلي مدعوم غربياً يمنع اي سياسات لبنانية جديدة نحو الصين وروسيا، ويفرض هدنة بين لبنان والكيان الإسرائيلي ويعرقل فتح الحدود السورية بوظائفها الاقتصادية وإذا سمح باستعمالها فللعراق فقط وفي إطار بعض التبادلات النفطية.

يحاول ماكرون إذاً ومعه النفوذ الغربي العام الاستفادة من مميزات لبنان على مستوى الموقع المتوسطي والجوار مع فلسطين المحتلة وسورية استخدامه في الصراعات الحالية والمقبلة على مصادر الطاقة.

لكن هناك مَن يضيف بأن مشروع ماكرون الاقتصادي – السياسي يخفي توقاً فرنسياً لإعادة الاعتماد على لبنان السياسي لأداء دور اقتصادي فرنسي كبير في الشرق الاوسط.

هنا يعرف ماكرون أن لبنان بتنوعه السياسي هو الوحيد في منطقة الشرق الاوسط القادر على ايصال حلفائه الى إيران والسعودية وربما امكنة اخرى.

واذا كان ماكرون قادراً على الوصول الى الرياض بامكانات دولته، فإن رحلته نحو سورية والعراق وإيران واليمن تتطلب مرشداً خبيراً وحليفاً لهذا الخط الطويل.

هذا ينطبق تماماً على حزب الله الوحيد الذي يستطيع فتح أبواب هذه الدول لفرنسا. اما لماذا يريد ماكرون التسلل الى هذه الدول؟

فهذا عائد الى انها تحتاج الى عمليات اعادة اعمار ضخمة تستطيع فرنسا بواسطتها العودة الى قطبية عالمية فعلية، فإعمار هذا الخط يتطلب آلاف مليارات الدولارات ويرتبط بتقارب سياسي بين هذه الدول والبلدان الراغبة في المشاركة. بما يؤكد ان حزب الله هو أفضل مؤدٍ لهذا الدور لعلاقاته البنيوية بخط مقاومة عميق جداً.

لكن ماكرون لن يتجرأ على البوح برغبات بلاده، بما يدفعه الى بناء سياسات هادئة تبتدئ من لبنان الفرنكوفوني ولبنان المنتمي الى حزب الله من دون اي كشف للأهداف الاقتصادية العميقة. وعندما تصل المنطقة الى مرحلة إعادة إعمار تكون فرنسا الهادئة سياسياً من المحظوظين القادرين على ايجاد مساحات للاقتصاد الفرنسي وربما الألماني أيضاً الذي يقبع في خلفية المشهد.

هل تنجح هذه المحاولات؟ هناك مَن يراهن على مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية والإسرائيلية مع انتظار بضعة أشهر بعد تنفيذها لبدء عصر التسويات في الشرق الأوسط.

Lebanon SITREP: second letter from a Lebanese friend

Lebanon SITREP: second letter from a Lebanese friend

Source

August 07, 2020

My Lebanese friend just sent me this report about Hassan Nasrallah’s speech today:

– There is much to say, but Sayyed did not allow the enemies any chance to turn this disaster into a ‘campaign’ against the Resistance, whereby the Resistance ‘reacts’ and gets led into their traps, further leading the country into chaos and destruction

– it must be said, Sayyed calmly but categorically denied that Hezbolllah had any knowledge of what goes on at the Port of Beirut, including what goes into it and what goes out of it. To quote his exact words:

‘We neither adminster the port (of Beirut), nor do we control it, nor do we interfere in it, nor do we know what was going on in the port, nor do we know what was present in the port. Some people said: ‘is it possible that you know about the Port of Haifa (in Israel) more than you know about the Port of Beirut?’. Hezbollah’s main responsibility is resistance. Hezbollah might know more about the Port of Haifa more than it knows about the Port of Beirut. (Knowing about) the Port of Beirut is not (Hezbollah’s) responsibility, yet (knowing about) the Port of Haifa is in fact (Hezbollah’s) responsibility, because it is part of the deterence equation and the (Resistance’s) defense strategy for Lebanon. Yet Hezbollah is not administering, nor controlling, nor is it interferring in, nor does it know what is happening in the Port of Beirut, nor what is present there and not present there, and how things are being administered there, this is something we don’t interfere in at all’. (Video with Eng Subtitles added http://media2.almanar.com.lb/videofiles/2020/August/news/reports/7-s2.mp4

– Sayyed also calmly but categorically denied that there were any weapons or ammunition belonging to Hezbollah at the port, and that the investigation will soon reflect this reality too.

– Sayyed said that even if this explosion was caused by sabotage, the point now is for the Lebanese state to uproot and rid itself of internal enemies (whether out of negligence they are enemies, or out of intentional malice)

– If the state cannot do that, then the belief in Lebanon as an entity and an idea may be completely lost, even for Hezbollah

– in general, the speech was 1) one of compassion towards Lebanon and its people, and 2) turning the apparent threat (against Lebanon and the Resistance) into a major opportunity.

– Sayyed said this disaster could in a positive sense, allow Lebanon to get out of the (economic and political) siege and difficulty that it was in

– So it seems Hezbollah sees real possibilities in this track (and not as some thought, that the US will be able to continue besieging Lebanon as it was doing prior to the disaster)

– to illustrate, you know there are many oil tankers that are on their way from Iraq to Lebanon via Syria (this is a major development), not to mention the changing international (particularly Western) political attitude towards Lebanon and support for it (even if only officially and publicly, because no state wants to appear like it is harming and besieging Lebanon at this moment before public opinion)

– Perhaps the Resistance sees that even economically, what Sayyed was saying about looking politically and economically eastward (in addition to any westward options) will now be an undeniable option (one that opponents of the Resistance cannot possibly argue against)

– Sayyed said all those that think we are beseiged today and are launching all of these political and media campaigns following the disaster, must know that the Resistance is way too powerful today, and that the whole regional situation is different

– let’s not forget that the US Elections are almost upon us, so perhaps any chance for the Trump administration to really escalate its confrontation any further with Hezbollah and the Resistance Axis has been severely compromised by this national disaster in Lebanon

– Not to mention the Resistance Axis has the upper hand across the region today, if seen purely from a military perspective

– I heard one anti-Hezbollah commentator on Lebanese TV saying: let’s see what Nasrallah is going to say in his speech, there is so much pressure on him now, Hezbollah is cornered, if this explosion is by Israel, then Hezbollah will be pressured to militarily respond, and if the explosion was caused directly or indirectly by Hezbollah, or even that Hezbollah had knowledge of the ammonimum nitrate that was stored at the port all these years but didnt do enough to rectify this situation, then the blame of the Lebanese people will be on the group etc etc

– So Sayyed basically does the opposite to the ill-wishes of such people. He calmly refutes all the lies, and sends out a message of compassion, condolence, support, calmness and hope for the Lebanese as a whole, and a message of power and strength to the supporters of the Resistance

– Even if there was sabotage (by say Israel) that led to the explosion, there was definitely major ‘negligence’ by Lebanese officials, and so they need to be punished strongly and harshly and before all the eyes of the Lebanese. This will be the final opportunity and test for the viability of Lebanon as a state. If the Lebanese state does not pass this test, then lebanon is finished.

– So, what point or value is there, especially at this moment, for Hezbollah to entertain the idea, or go down the track of: this may have been a sabotage by Israel and we must respond? No value whatsoever, it just further corners the Resistance and in the wrong corner (i.e turns this disaster into a defensive one for Hezbollah, one in which the group apparently needs to respond to Israel due to a crime that cannot be proven, and at a time when the Lebanon is in no position for such a confrontation)

– And Sayyed mentioned it, he said regardless if it was a missile or sabotage that caused the explosion, a major reason that led to this disaster is the utter negligence of certain Lebanese officials

– So either Lebanon does indeed have hope as an entity (so show us oh officials by holding the negligent ones to account, regardless of their sect and party, just as we say regarding the enemy collaborators), otherwise, Lebanon has no hope any longer, and Hezbollah will then draw its equations accordingly

– All Lebanese are furious and now watching: who will be punished, will those responsible really be punished?

– Anyway, just by Sayyed highlighting all of this, it completely removes all pressure and focus away from Hezbollah, and places it where it belongs: the ones responsible for this disaster. Even the Harriri tribunal is now completely defused by Sayyed’s intelligent approach today. Lebanese popular opinion is now looking for the perpetrators of this crime, not the crime in 2005 (which has been for many years used by the pro-US camp in Lebanon politically)

And by the way, with one swipe Sayyed completely defuses talk of a new international tribunal and foreign intervention after the explosion, by telling all Lebanese: you all claim you trust the Lebanese army dont you?!! Well, let the army carry out the investigation. Complete check mate. The administration of this crisis remains Lebanese, no internationalisation nor politicisation of this disaster on the official Lebanese level can now be justified

الهجوم الغربيّ على معادلة «العهد القويّ» يزداد عنفاً

د. وفيق إبراهيم

السرعة في تعيين وزير جديد للخارجيّة بديلاً من المستقيل ناصيف حتي، يكشف أن المعادلة السياسية التي ترعى هذا العهد استوعبت أن هناك مشروعاً لنسفها وتدمير آخر خطوط الدفاع عن «العهد القوي».

هذا استنتاج عادي، لكن ربطه بالاستقالة الاساسية لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري والإنذار الأميركي – الأوروبي المطالب بالتصدّي للفساد ونصب إصلاحات بنيوية وإصرار البطريرك الماروني على إعلان حياد لبنان وصولاً الى الاستقالة المباغتة لحتي، تشي بوجود سياق متتابع، له واجهة لبنانية تتصل بالإقليم.

بداية فإن معادلة «العهد القوي» هي التي تأسست بتحالف عميق بين التيار الوطني الحر وحزب الله وشملت بالطبع حلفاء الطرفين على الرغم من التناقضات الكبيرة بينهما. فهذه معادلة استراتيجية يختلف المنتمون اليها بالأعمال التكتيكيّة المرتبطة بالمصالح والتعيينات، لكنهم يترابطون في السياسة العامة للبلاد ودور حزب الله في الإقليم.

إن ما جعل معادلة «العهد القوي» شراً مطلقاً في نظر الغرب الاميركي – الاوروبي هو التطور الكبير في إمكانات حزب الله التي اتاحت له تدمير الإرهاب في سورية ولبنان، فضخ في معادلة العهد «عيارات قوة داخلية» أدت الى تهميش كل الفئات الداخلية المرتبطة بالغرب، ولولا بعض الخلافات داخل الإدارات بين التيار الوطني الحر وحركة أمل لكانت إمكانات التمرد الداخلي على هذه المعادلة شبه معدومة.

لكن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يعمل على حماية علاقاته السياسية المتنوعة التي تؤدي الى الإجماع عليه رئيساً دائماً للتشريع اللبناني.

بالمقابل يفتح رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل علاقات خاصة بسياساته، هي متناقضة في معظم الأوقات مع حركة أمل واحياناً مع حزب الله، فالرجل يريد الاستئثار بكل الدور المسيحي في لبنان على المستوى الإداري والسياسي، والشعبي بانياً اسساً لانتخابه رئيساً للبلاد بعد والد زوجته الرئيس الحالي ميشال عون.

لكن الغرب الأميركي الأوروبي لم يعُد يقبل بتيار وطني حر غربي الاتجاه والولاء والثقافة يغطي الدور الإقليمي لحزب الله.

هذا ما أغضب السياسة الغربية في هذه المرحلة بالذات التي تتسم دولياً بتصاعد الصراع الصيني – الأميركي وإقليمياً بالقتال العنيف بين الأميركيين والإيرانيين. فلم يعد بالنسبة اليهم، الاختباء والادعاء بغربية الاتجاه وممارسة سياسات معادية لهذا الدور.

فالدولة اللبنانية بالنسبة للغرب، هي فرع منه في الساحل الشرقي للمتوسط يأتمر بأوامره صاغراً ملبياً بعض طلباتها في الحصول على مكرمات وديون. أما اللافت هنا فإن هذا الغرب الذي يتهم الطبقة السياسية بالفساد مؤكداً أنه نتاج تراكم أكثر من ثلاثين سنة من سياسات مشبوهة أفقرت لبنان، هذا الغرب هو الذي كان يرعى تلك المرحلة ويعرف دقائق الأمور والسرقات والفساد، فلماذا سكت عنها في حينها وفجّرها في هذه المرحلة؟

كيف بدأ الهجوم الغربي؟

عندما وصل الوضع الاقتصادي اللبناني الى مرحلة الانهيار أوعز الأميركيون والأوروبيون بإسناد خليجي لسعد الحريري بالاستقالة فاستجاب مولياً الأدبار ورافضاً تشكيل اي حكومة جديدة.

إلا أن معادلة العهد القوي، نجحت بتشكيل حكومة تعمدت اختيار وزرائها من الذين لا لون لهم، لتسهيل اختراقهم للتمنع الغربي، وهذا لم يحدث لأن «الغرب المحترف» ربط بين القروض والتسهيلات بمسألتين: الدعوة الى إصلاح مستحيل عملياً وهذا طلب مقصود للمراوحة، أما المسألة الثانية فهي تطبيق القرار 1701 حسب القراءة الاميركية – الاسرائيلية له. أي سيطرة قوات الطوارئ الدولية على المنطقة الممتدة من حدود لبنان مع فلسطين المحتلة وحتى ضفة نهر الليطاني، وانسحاب حزب الله على مستوى المقاتلين والسلاح الى ما بعدها بالإضافة الى ضرورة قبول الحكومة اللبنانية بخط هوف لحل النزاع حول آبار النفط والغاز مع الكيان الاسرائيلي.

لقد أدى رفض معادلة العهد القوي لهذه المطالب الى تملص صندوق النقد الدولي من وعوده بإنقاذ لبنان اقتصادياً، وذلك وبوضوح نتيجة السيطرة الأميركية عليه.

فكانت الحاجة الاميركية الى وسائل ضغط جديدة، سرعان ما استجاب لها الكاردينال الماروني بشارة الراعي الذي أطلق دعوة لإعلان حياد لبنان من الصراعات الإقليمية والدولية. مثيراً بذلك الرعب في أوصال حكومة لبنان التي تغاضت عن عروض صينية وعراقية وإيرانية وروسية لإعادة تعويم القسم الأكبر من الاقتصاد اللبناني المنهار.

في السياق نفسه وصل الى لبنان وزير الخارجية الفرنسي لودريان حاملاً انذاراً غربياً مفاده ان لبنان وصل الى قاع الانهيار وما عليه إلا الاستجابة للشروط الغربية للسماح بإنقاذه وهي الشروط نفسها المموّهة ظاهراً بإصلاح فساد هم رعاته، والمستبطنة ضرورة القضاء على الدور الإقليمي لحزب الله لكن معادلة «العهد القوي» صمدت ولم تقبض «ترهات» لودريان على محمل الجد لأنها ادركت انه رسول اميركي لتحشيد انصار الفرنكوفونية في لبنان في اطار المشروع المعادي لحزب الله وليس أكثر، علماً ان الأميركيين والأوروبيين عاجزون عن تبني ترشيح جبران باسيل رئيساً مقبلاً للجمهورية لانهم يثيرون بذلك غضب كل أصدقائهم في القوات اللبنانية والكتائب والبطريركية وجنبلاط المرعوب من خسارة جبله الشوفي أمام التيار الوطني الحر، حتى أن آل الحريري لا يوافقون عليه.

ازاء هذا الانسداد امام الاميركيين في تغيير التوازنات في الداخل اللبناني، ذهبوا ناحية تفجير حكومة حسان دياب الذين يحاصرونها اصلاً ويمنعون عنها امكانات الحركة الاقتصادية بالحصار الاقتصادي ومنع الصناديق الدولية ومؤتمرات سيدر من التعاون معها.

لذلك لجأوا الى دفع ناصيف حتي الى الاستقالة بضغط كنسي – فرنسي متقاطع مع إيحاءات أميركية بتأمين دور مستقبلي له.

فكيف يمكن لوزير عيّنه جبران باسيل ان يصل الى هذا المنحى من التمرّد حتى على العهد القوي؟

الواضح أن اختيار حتي من قبل باسيل في إطار حكومة دياب كان لإرضاء النفوذ الاميركي والفرنسي الذي يرتبط بهما الوزير المستقيل. مع أمل باستيعابه باسيلياً وكسبه في معارك السيطرة على القرار المسيحي الداخلي.

يتبين ان الأميركيين يبحثون عن عناوين جديدة لمواصلة ضغوطهم على لبنان، وما بقي هو ان يتحرك العهد القوي وحكومة حسان دياب نحو التعامل الاقتصادي مع الصين التي تبيع ربع صادراتها في الأسواق الأميركية وخمسها في الأسواق الأوروبية. فلماذا يرتدع لبنان عن مسألة تنقذه بقرار من دولة أميركية تبيحها لنفسها؟

فهل يذهب «العهد القوي» نحو البدائل التي تنقذ البلاد من الانهيار؟

هذا يحتاج الى مزيد من الانصهار بين قوى المعادلة التي انتجت حكومة حسان دياب على اساس ان لبنان لا يختار بين معادلة الشرق والغرب الوهمية، بل يذهب نحو آليات تساعده على عدم الانهيار وسقوط الدولة وتفكك الكيان.

ماكرون مكلّف بملف لبنان بشروط ومهلة!

ناصر قنديل

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إلى بيروت تمهيداً لزيارة ثانية في أول أيلول للاحتفال بذكرى إعلان دولة لبنان الكبير وبدء عهد الانتداب الفرنسي على لبنان، والزيارة لا تنفصل عن استثمار تفجير المرفأ الذي أصاب لبنان بخسائر فادحة لا يمكن معها تأمين تمويل إعادة الإعمار من دون مساعدة خارجية، بحيث حل التفجير وحاجات الترميم والبناء مكان استخدام ارتفاع سعر الصرف في الضغط على لبنان واللبنانيين، وفي ظل خشية من تورط “إسرائيلي” في التفجير وتحوّل العملية إلى مدخل تصعيد كبير يهدّد بحرب شاملة، يصير خلالها أمن الكيان في خطر، وتأتي الزيارة لمواكبة نشاط سياسي داخلي ليس بعيداً عن التوظيف المبرمج للتفجير، تحت عنوان الحياد الدولي، وتحت عنوان التحقيق الدولي، وصولاً لدعوات وضع لبنان تحت الوصاية والانتداب مجدداً.

يتحدث ماكرون عن نظام جديد، ويتخطى الحظر الذي فرضته حكومته على العلاقة مع حزب الله بعد انضمامه إلى قطيع تصنيف الحزب على لوائح الإرهاب، بينما يشير الأميركيون إلى تبدّل في التعامل “الإسرائيلي” مع قضية ترسيم الحدود بما يرضي لبنان، بما يوحي بوجود جزرة ما يُراد عرضها على المقاومة لقاء ثمن يتصل بما ركز عليه ماكرون في زيارته، وهما أمران، المرفأ والحدود مع سورية، بالتوازي مع ما يطرحه جماعة فرنسا وأميركا في لبنان من دعوات لتحقيق دولي وانتخابات مبكرة، وحركة ماكرون التي تشبه حركة الرئيس جاك شيراك نحو بيروت عام 2005 تختلف عنها لجهة أن ماكرون يتحرّك في ظل تكليف أميركي، لأن المهمة تستدعي التواصل مع حزب الله، مقابل إغراء لفرنسا بتولي الانتداب على لبنان إذا نجحت في المهمة، ولو كان انتداباً من دون إطار قانوني بل بصيغة مرجعية تحل مكان الدور السوري بعد اتفاق الطائف، لقاء صيغة سياسية جديدة يعرض فيها على المقاومة تحت عنوان دور الشيعة السياسي مكاسب على حساب أدوار سائر الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة.

الخشية من مجيء الصين إلى المرفأ وهي تبدو جاهزة لذلك، والخشية من رد المقاومة على عملية مطار دمشق، والخشية من انكشاف تورط “إسرائيلي” في عملية تفجير المرفأ، وما يعنيه من تصعيد خطير، أسباب تقف وراء الزيارة السريعة الناعمة لماكرون، تمهيداً لزيارة أول أيلول، وبينهما سيتابع سفيره في بيروت المهمة، ومقابل جزرة ماكرون المعروضة على المقاومة، بدور أكبر في النظام الجديد، وبتمويل كافٍ ينهض به لبنان، ورفع الحظر عن العلاقة معها، عصا تحقيق دولي ومعركة إسقاط الحكومة واستثمار الشارع المبرمج تحت عناوين ثورة مزوّرة، وانتخابات مبكرة، يعرفون أن المقاومة لا تخشاها، لكنهم يراهنون على أن تكون رياح الأزمة قد أضعفت رصيد التيار الوطني الحر والعهد، كحليف للمقاومة، وفقاً لنصائح الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، بتدفيع العهد والتيار ثمن علاقتهما بالمقاومة، تمهيداً لتغيير مكان الأغلبية النيابية والسياسية.

تبدو مهلة ماكرون حتى الأول من أيلول، لكن ربما تكون نهايتها في كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي سيرسم اليوم إطار ما جرى وما سيجري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: