صدمت «إسرائيل»! فهل تنسف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية؟

العميد د. أمين محمد حطيط

من أجل قطع الطريق على المفاوض اللبناني الذي يجري في الناقورة مفاوضات غير مباشرة من أجل ترسيم الحدود البحرية للبنان مع فلسطين المحتلة التي تغتصبها «إسرائيل»، ورغم ما قيل عنه إنه متفق عليه من إحاطة المفاوضات بسرية تامة وكتمان شديد، واستباقاً لجولة المفاوضات اللاحقة المقرّرة في 11/11/2020، اتخذت وزارة الطاقة الإسرائيلية في كيان العدو موقفاً لافتاً يمسّ بجوهر المفاوضات وموضوعها عندما أعلنت أنّ «إسرائيل لن تجري مفاوضات مع لبنان على حقلي الغاز «كاريش» و«تنين» أو «التمساح»)، وانّ وفدها في الناقورة غير مخوّل بالبحث بأكثر من موضوع ملكية المساحة المتنازع عليها مع لبنان والبالغة 860 كلم2 نشأت نتيجة خطأ في مقاربة لبنان للموضوع مع قبرص في العام 2007، وبالتالي فإنّ الموقف الإسرائيلي العلني يعني بكلّ بساطة بأنّ المفاوضات هي لحلّ نزاع وليس لترسيم حدود ما يعني أنه نسف أو تحوير للمفاوضات من ترسيم حدود بحرية غير موجودة إلى فضّ خلاف على ملكية مساحة يتنازع الطرفان ملكيتها. فكيف سيردّ لبنان وما هو مصير المفاوضات في هذا الوضع؟

بداية يجب الإقرار بأنّ لبنان راكم الأخطاء في تداول ملف ترسيم حدوده البحرية منذ أن تداولت الملف أيدي غير مختصة وغير متخصّصة فكان الخطأ الأول في مشروع الاتفاق الذي أعدّه مع قبرص وتمثل في وضع النقطة (1) لتكون النقطة الأساس التي تمثل الزاوية الجنوبية الغربية من المنطقة الاقتصادية اللبنانية، ثم كان الخطأ الثاني في التعامل مع العدوان الإسرائيلي على نقاط رأس الناقورة والـ B1 والجزر الفلسطينية وتأثيرها على خط الحدود خلافاً لقواعد حاكمة ينصّ عليها قانون البحار للعام 1982، ثم كان الخطأ الثالث في ما أسمي «اتفاق الإطار للتفاوض غير المباشر» (وهو حقيقة تفاهم وليس اتفاقاً)، هذا التفاهم الذي أرسى التفاوض على مرجعيات واهنة لا علاقة لها بترسيم الحدود (تفاهم نيسان والخط الأزرق والقرار 1701) وأهمل المرجعيات الأساسية الثلاث التي لا يمكن ان ترسم حدود بحرية بدونها ولا يمكن ان تحفظ حقوق لبنان في أرضه وبحره وثرواته من غيرها وهي اتفاقية «بوليه –نيوكمب» التي رسمت بموجبها الحدود البرية بين لبنان وفلسطين و«اتفاقية الهدنة» بين لبنان والعدو الاسرائيلي التي أكدت على تلك الحدود البرية، واتفاقية قانون البحار التي ترسم الحدود البحرية بين الدول بمقتضاها فضلاً عن القرار 425.

بيد انّ لبنان وقبل ان يدخل الى المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، او يرتضي أصلاً بها عمد الى معالجة تلك الأخطاء والتفلت من مفاعيلها بالشكل القانوني ثم جهّز ملفّه بأحكام تامّ يمكنه من إثبات حقوقه في البحر وفيما يختزن من ثروات. ولهذا جنّدت أجهزة الدولة المختصة بالشأن ووضعت إمكاناتها بتصرف قيادة الجيش ورئيس الجمهورية المعني الأول والوحيد دستورياً بالتفاوض والموجه لقيادة الجيش بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، جندت لتصحيح الأخطاء التي تسبّب بها تداول الملف من قبل أيدي غير مختصة ولا تملك المؤهّلات الكافية للتعامل مع ملف بهذا الخطورة في مواجهة عدو من طبيعة العدو الصهيوني الذي يمتهن اقتناص الفرص واغتصاب الحقوق وتجاوز القانون.

وعليه فإنّ رئيس الجمهورية ومعه قائد الجيش وعبر مجموعات متخصصة من رجال القانون والخبرة بترسيم الحدود تمكنوا من كشف الأخطاء تلك وسدّوا الثغرات في «تفاهم الإطار» ما عطل مفاعيلها التي كانت ضيّعت على لبنان في نظرة أولى 860 كلم2 نشأت نتيجة الخطأ الأول، ثم 1430 كلم2 نتيجة الخطأ الثاني والعدوان الإسرائيلي معه، ثم منعت من تجريد لبنان من السلاح القانوني المرجعي الذي يحمي الحقوق اللبنانية.

وفي 14 /10/2020 انطلقت المفاوضات غير المباشرة في الناقورة وأطرافها الرئيسيون ينطلقون كما يبدو من قواعد مختلفة تحدوهم أهداف متنافرة، حيث انّ الوفد اللبناني يتجاوز ما ارتكب من أخطاء ويصحّح مفاعيلها عبر المرجعيات القانونية الثابتة والتي لا يمكن لأحد ان يتجاوزها (اتفاقية الحدود والهدنة وقانون البحار) وهدفه ترسيم الحدود البحرية، أما الوفد الإسرائيلي فقد بنى موقفه على الأخطاء اللبنانية وما يسمّيه «السوابق الدولية» هدفه المحافظة على ما اغتصب من حقول.

وكان واضحاً انّ اختلاف قواعد الانطلاق والأهداف سيقود الى تباين في اتجاه المفاوضات ونتائجها، واشتدّت المسألة خطورة عندما كشف أمر آخر في نظرة الطرفين المتفاوضين الى وظيفة المفاوضات، ففي حين يريد لبنان من المفاوضات ان تحدّد أولاً خط حدود المنطقة الاقتصادية التابعة له وبعدها تحدّد ملكية حقول النفط والغاز على أساس هذا الخط، تبيّن انّ «إسرائيل» تريد ان ترسم الخط بما يُراعي تمسكها بحقول الغاز الثلاثة كاريش والتنين وليفتان، وتنطلق من مقولة انّ «السوابق الدولية» و«اتفاق الإطار» أخرجا هذه الحقول من دائرة النقاش وأنها غير مستعدة لفتح الملف مجدّداً وانّ جلّ مهمة وفدها في الناقورة اليوم هو البحث في كيفية تقاسم مساحة الـ 860 كلم2 المتنازع عليها والتي قدّم هوف للرئيس نبيه بري مشروع قسمتها بمعدل 500 كلم للبنان و360 كلم لـ «إسرائيل».

أما لبنان وبعد أن وضع رئيس الجمهورية يده على الموضوع فقد أظهر نفسه في وضع آخر خارج التصوّر الإسرائيلي وانّ الوفد اللبناني جهّز نفسه خلافاً للموقف الإسرائيلي والتزم بالعمل وفقاً للقانون حرصاً على الحقوق التي تكرّسها قواعده للبنان، وقام وبجدارة عالية بطرح ملفه وفقاً لهذه القواعد دون ان يتوقف عند أخطاء ارتكبت من قبل من لا يملكون صلاحية التفاوض بشأن دولي حسب الدستور، وأكد لبنان انه يفاوض الآن وللمرة الأولى ممثلاً بالسلطة الدستورية المخوّلة بالتفاوض الدولي وينتدب لتمثيله في المفاوضات عسكريين وخبراء متخصصين بالشأن وبالتالي لا يمكن أن يسأل عن أيّ خطأ من الأخطاء الثلاثة التي من شأنها ان تفقد لبنان مساحة 2290 كلم2 من منطقته الاقتصادية وهذا ما صدم «إسرائيل» وحملها على المناورة او الخروج عن الموضوع التفاوضي.

فـ «إسرائيل» ألحّت على هذه المفاوضات وبهذا التوقيت بالذات لأنها ظنّت بأنّ لبنان المتناحر سياسياً والمنهار اقتصادياً والمفكّك اجتماعياً والذي يمرّ بأسوأ أيامه منذ تأسيسه في العام 1920 انّ لبنان هذا سيكون واهناً ضعيفاً أمامها، وسيكون خاضعاً منصاعاً لإملاءات الوسيط الأميركي «النزيه» العامل أولاً وأخيراً لمصلحتها، لكنها فوجئت بأنّ الوفد العسكري – التقني اللبناني في الناقورة أقوى بكثير مما توقعت وحجته أقوى بكثير مما تصوّرت، وانه يتمسك بالقانون ولا تقيّده أخطاء سواه من غير ذوي الصلاحية والاختصاص، ولهذا كانت صدمتها التي دفعتها إلى التهديد بوقف التفاوض فهل تفعل؟

بيد انّ «إسرائيل» وقبل ان تتخذ قرارها بمتابعة التفاوض او وقفه عليها ان تتذكر او تدرك او أن يبلغها لبنان عبر الوسيط «النزيه» و«الراعي الأممي» بالحقائق – المسلمات التالية:

1

ـ انّ موضوع التفاوض غير المباشر هو ترسيم حدود غير موجودة قبلاً، وليس فضّ نزاع على حدود قائمة عبث بها، فمنطق التعامل مع الحدود البحرية مختلف كلياً عن منطق التعامل مع الحدود البرية. حيث انّ الأخيرة موجودة وثابتة وقائمة منذ العام 1923 وعبثت بها «إسرائيل»، أما الأولى فهي غير موجودة أصلاً وغير مرسّمة وبحاجة الى ترسيم.

2

ـ انّ الأخطاء التي ارتكبت من قبل لبنانيين غير ذوي صلاحية لا تفقد لبنان حقوقه وليس من شأنها أن تنشئ لـ «إسرائيل» حقوقاً مكتسبة خاصة أنّ أيّاً من هذه التصرفات الخطأ لم تكن «إسرائيل» أصلاً طرفاً مباشراً فيها، كما انها لم تصل الى النهائية نتيجة توقيع او إبرام.

3

ـ انّ لبنان يفاوض انطلاقاً من قواعد دولية معتمدة لترسيم الحدود البحرية (اتفاقيات الحدود والهدنة وقانون البحار) وهو لا يرى ولا يعترف بأيّ مرجعية غير ذلك، وانّ هدف المفاوضات هو رسم الخط الحدودي البحري، وبعد رسم الخط ينظر بملكية حقول النفط والغاز أيضاً وفقاً لقانون البحار ولا يمكن للبنان ان يضع العربة أمام الحصان ويفاوض عل الحقل قبل ان يرسم خط الحدود.

4

ـ إذا توقفت المفاوضات بقرار «إسرائيلي» وتعطل الترسيم فعلى «إسرائيل» ان تتمنّع عن التنقيب في كامل مساحة الـ 2290 التي يعتبرها لبنان حقاً له وانْ دخلت اليها فإنّ فعلها يشكل عدواناً وانتهاكاً لسيادة لبنان وحقوقه ما يستوجب الردّ المناسب وبكلّ الوسائل المتاحة.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مقالات متعلقة

ما الذي تريده «إسرائيل» فعلاً من لبنان؟! الترسيم والتثبيت أم الأمن؟!

د. عدنان منصور

من المقرّر أن تبدأ اليوم المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والكيان الاسرائيلي، برعاية الأمم المتحدة، من خلال الفريق المنسق الخاص للأمم المتحدة لشؤون لبنان، وبمشاركة الولايات المتحدة، تلبية لطلب من الطرفين اللبناني و»الإسرائيلي»، كوسيط ومسهّل لترسيم وتثبيت الحدود البحرية والبرية.

ومنذ أن أعلن عن تاريخ بدء المفاوضات، كثرت التحليلات، والاجتهادات، والشكوك، والتخمينات عند العديد من المتابعين لملف الترسيم للحدود البحرية العائدة للبنان. فمنهم من ذهب بعيداً في تحليلاته، معتبراً أنّ المفاوضات، ستكون مقدّمة للاعتراف والتطبيع مع العدو، ومنهم من حصر المفاوضات غير المباشرة بمسألة محدّدة واضحة، ترتبط فقط بترسيم الحدود البحرية، وتثبيت الحدود البرية للبنان مع فلسطين المحتلة.

وهناك من لجأ بسوء نية وخبث، الى التشكيك عمداً بالموقف الوطني الثابت للرئيس نبيه بري، ولحزب الله، والعمل على إثارة القاعدة الشعبية العريضة للثنائي المقاوم، وحلفائه ضدّهما، وللقول إنهما تخليا عن الثوابت الوطنية والقومية التي حملاها. وانّ هذه المفاوضات التي ستجري مع العدو، إنما تشكل تمهيداً للاعتراف بالكيان الصهيوني.

هؤلاء المشككون يريدون تشويه الحقيقة والدور الوطني للرئيس نبيه بري الذي قام به على مدى عشر سنوات، رافضاً الضغوط، والإبتزاز، والتنازل عن حقوق لبنان في ثرواته، أو إجراء مفاوضات مباشرة مع العدو أياً كان مستوى المفاوضين، وهذا ما أبلغه مراراً وتكراراً لكلّ المبعوثين والوسطاء في هذا الشأن، من فريدريك هوف، وبعده هولكشتاين، مروراً بساترفيلد، وصولاً الى ديفيد شينكر.

إنّ لبنان الذاهب الى المفاوضات غير المباشرة بوفده الرسمي، يعرف جيداً ما له، وما يريده من حقوق في منطقته البحرية الإقتصادية الحصرية. (إنّ عبارة المنطقة الاقتصادية الحصرية، أكثر دقة للدلالة على حقّ لبنان في هذه المنطقة من استعمال عبارة الخالصة). حقوق تعتمد وتستند الى الترسيم البحري الذي أودعه الأمم المتحدة، وإلى قانون البحار، والقانون الدولي، والحدود الدولية المعترف بها للبنان، بموجب اتفاقية الترسيم الموقعة بين فرنسا وبريطانيا في 3 شباط 1922 اللتين كانتا تتوليان الانتداب على لبنان وفلسطين، والتي أبرمت يوم السابع من آب عام 1923، وثبتت في ما بعد يوم 4 شباط 1924، وبعد ذلك، أودع محضر الترسيم لدى عصبة الأمم التي أقرّته، والذي بموجبه، أصبحت حدود لبنان دولية مع فلسطين التي كانت تحت سلطة الانتداب البريطاني.

كما يستند لبنان أيضاً، الى اتفاق الهدنة الموقع عليه في 23 آذار 1949، مع الكيان الصهيوني المحتلّ، حيث حدّدت المادة الخامسة منه، على انّ خط الهدنة يجب ان يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين. كما يستند إلى القرار الدولي رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن عام 1978، القاضي بانسحاب «إسرائيل» الى الحدود الدولية، رغم انّ العدو قام بعد حرب حزيران 1967 باحتلال مزارع شبعا على مراحل، وأراد التنصّل والتهرّب في ما بعد، من اتفاقية الهدنة التي تمسّكت بها الدولة اللبنانية والأمم المتحدة.

فما الذي تغيّر في الموقف «الإسرائيلي»، الذي كان يطمح ولا يزال، باقتطاع جزء من مساحة المنطقة الاقتصادية الحصرية العائدة للبنان، ويصرّ على الاحتفاظ بمزارع شبعا، حيث كانت الولايات المتحدة تقف دوماً إلى جانب المطالب «الإسرائيلية»، وتتناغم معها، من خلال ما كان يطرحه ويعرضه مبعوثها ووسيطها فريدريك هوف من اقتراحات وإحداثيات لترسيم الحدود البحرية كحلّ وسط، والتي كانت تقضي بإعطاء «إسرائيل» جزءاً من المنطقة الاقتصادية الحصرية، تبلغ مساحته 300 كلم٢ من أصل المساحة الكلية العائدة للبنان والبالغة 860 كلم٢؟!

لبنان منذ اللحظة الـأولى، كان حاسماً، حازماً، ومتمسكاً بحقوقه الكاملة، لا سيما بعد أن بدأت مشكلة الترسيم البحري وتثبيت الحدود البرية مع «إسرائيل» تطرح نفسها، حيث كان موقف لبنان في هذا المجال ثابتاً ولم يتزحزح. فالموقف اللبناني الواضح، الذي لا لبس فيه، عبّر عنه مراراً رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كان يتابع ويشرف على ملف الترسيم بكلّ تفاصيله، ويطلع على كلّ صغيرة وكبيرة فيه، متمسكاً بمطالب وحقوق لبنان المشروعة بالكامل، مؤكداً لكلّ من اجتمع بهم من مبعوثين وخبراء لبنانيين ودوليين في هذا الشأن، حرصه الشديد على عدم التنازل مطلقاً ولو على كلم٢ واحد من منطقته الاقتصادية البحرية الحصرية.

لكن ماذا بعد تحريك عجلة المفاوضات في هذه الظروف الحساسة؟! وما الذي تبغيه وترمي اليه «إسرائيل» من المفاوضات؟! وهل هي فعلاً جادّة للوصول الى حلّ يضمن حقوق لبنان كاملة؟! وهل يريد العدو ويقبل أن يرى فعلاً على حدوده الشمالية دولة نفطية، تعزّز من قدراتها الاقتصادية والمالية والعسكرية، وتحصّنها من أيّ مغامرة «إسرائيلية» في المستقبل؟! لبنان يذهب الى المفاوضات بإرادة قوية، تصرّ وتؤكد على حقوقه المشروعة في منطقته الإقتصادية الحصرية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل «إسرائيل» على استعداد للتخلي عما كانت تطالب به، وعلى أيّ أساس؟! وهل الجانب اللبناني محصّن بما فيه الكفاية، بعيداً عن التسبيس، وعلى استعداد لمواجهة الابتزاز، والضغوط، والتهويل، والتخويف والتلويح بالعقوبات، والنيل من شخصيات، والتلويح بكشف ملفاتها، وذلك لحملها على المساومة والرضوخ، والقبول بما يريده «الإسرائيلي» ومن ورائه الولايات المتحدة؟!

«الإسرائيلي» ثعلب مراوغ ومخادع، يراهن على الوقت والتطوّرات، وعلى الكثير من جولات التفاوض. فتجارب المفاوضات التي أجرتها أطراف عربية معه خير دليل على ذلك.

فما الذي جرى لمفاوضات أوسلو ونتائجها مع الجانب الفلسطيني عام 1993، وما الذي حصدته، وحققته القيادة الفلسطينية وسلطتها، وأنجزته بعد 27 عاماً من الإتفاق؟! وأين أصبحت الدولة الفلسطينية، والمستوطنات، وسياسة القضم والضمّ، والتهويد، وتغيير الديموغرافيا الفلسطينية، ووضع القدس، والمستوطنات، والقرارات الدولية، واستمرار الحصار، وآلاف المعتقلين المقاومين للاحتلال؟!! وما الذي أسفرت عنه الاتفاقيات والاجتماعات الدولية من نتائج إيجابية للفلسطينيين، التي انعقدت وجرت في أكثر من مكان وزمان؟! وما منتجع طابا المصري أيضاً، إلا النموذج الحي، من المراوغة والمماطلة للعدو الإسرائيلي. فعلى الرغم من توقيع إتفاقية كامب دايفيد عام 1978 بين مصر والكيان الصهيوني، التي أعطت العدو الكثير، عمدت «إسرائيل» إلى المراوغة والمماطلة، والأخذ والردّ بين الطرفين حتى عام 1989، حيث حسم التحكيم الدولي في نهاية المطاف، الخلاف بين الطرفين لمصلحة مصر. مع العلم، انّ مساحة طابا لا تصل الى كيلومتر مربع واحد.

«إسرائيل»، وعبر نفوذ اللوبيات اليهودية في العالم، وتأثيرها على مواقع القرار في الدول الفاعلة، وعلى شركات الحفر الدولية، لن تسمح بالتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الحصرية العائدة للبنان، قبل توقيعه على اتفاق الترسيم البحري وتثبيت الحدود البرية معها. المنع والرفض «الإسرائيلي» لن تطبقه دولة الاحتلال، عن طريق استخدام القوة، لأنها تعلم مسبقاً انّ اللجوء الى القوة سيقابله حتماً، ردّ عنيف مدمّر على منشآتها النفطية والغازية وغيرها، وهذا ما لا تريده وتحسب له حسابات كبيرة. لذلك قبلت بالذهاب الى مفاوضات لا أحد يستطيع ان يحدّد مسبقاً كم من الوقت ستستغرقه، أياماً أو أشهراً او أعواماً! فأثناء المفاوضات سيبقى التنقيب في المياه اللبنانية معلقاً، إذ انّ «إسرائيل» ومعها الولايات المتحدة، ستعيق ايّ محاولة لأيّ شركة دولية تعتزم التنقيب في المنطقة الاقتصادية اللبنانية الحصرية، تحت الضغط والتهويل والتهديد المبطن، قبل الانتهاء من المفاوضات ومعرفة نتائجها أكانت سلبية ام ايجابية.

ما يهمّ «إسرائيل» وما تطمح اليه، هو أمنها وأمن منشآتها لا سيما النفطية والغازية، خاصة أنها في وضع لا مصلحة لها في الوقت الحاضر، للقيام بأيّ عدوان ضدّ لبنان، تجنباً لردّ صارم من قبل المقاومة، خاصة أنّ «إسرائيل» ترى أنّ المقاومة لن تأخذ المبادرة وتكون هي البادئة بشنّ الحرب، لاعتبارات محلية وإقليمية ودولية، الا اذا اعتُدي عليها وهذا أمر آخر…

إنّ إطالة أمد المفاوضات مكسب للعدو، فمن ناحية يضمن له الأمن في البحر، ويحيّد دور المقاومة، بحيث تبقى المنطقة المتنازع عليها بانتظار الترسيم، وبالتالي إحجام وتعليق وابتعاد مشاركة الشركات الدولية في التنقيب فيها، قبل الانتهاء من المفاوضات، ومعرفة نتائجها النهائية، ما يجعل هذه الشركات تتحفظ حتى إشعار آخر، على القيام بأيّ عمل أو استثمار أو تنقيب في منطقة يسود فيها التوتر، وقابلة للاشتعال، والإنفجار في ايّ وقت.

إذا ما تعمّدت «إسرائيل» إطالة أمد المفاوضات، وتضييع الوقت، فإنّ المعادلة تصبح على الشكل التالي:

استمرار العدو في التنقيب عن الغاز والنفط، قبالة الشواطئ الفلسطينية المحتلة، في حين ينتظر لبنان بدوره نتائج المفاوضات! وبين الإثنين، يضمن العدو امن منشآته، ويضمن أيضاً عدم محاولة أيّ شركة للتنقيب في البلوك 8 و9، لتبقى ثروة لبنان وحتى وقت غير معلوم، معلقة بين الترسيم والتثبيت والتنقيب، وبالتالي يصبح أمن العدو محفوظاً من خلال حرصه على تضييع الوقت، وعدم حصر المفاوضات بمدة زمنية محدّدة، وبالتالي منع الشركات الأجنبية من التنقيب بشكل «سلمي وناعم» في المياه اللبنانية. هذا ما يهدف اليه العدو ويستهدفه في العمق. لبنان يعرف جيداً ما الذي يتوجب على الوفد المفاوض أن يطالب به ويطرحه على طاولة المفاوضات، ويتمسك به، أياً كانت الاعتبارات والضعوط. لكن ما لا نعرفه حتى الآن، هو الذي يدور في خلد العدو الخبيث، ويطالب به، وما الذي ستقوم به واشنطن وتفعله أثناء سير المفاوضات؟! وهل ستكون الوسيط الفاعل، الحيادي، النزيه الذي يأخذ بالقوانين الدولية، لا سيما قانون البحار، أم انها ستمارس الضغوط على لبنان لصالح «إسرائيل»، مستغلة أوضاعه المعيشية والمالية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنقدية الصعبة، وحاجته الماسة الى استثمار ثرواته البحرية!

ستبدي لنا الأيام المقبلة، وستكشف المعلوم والمستور، وتبيّن ما إذا كانت فعلاً واشنطن عازمة على حلّ المشكلة من خلال احترامها والتزامها بروح القوانين الدولية ذات الصلة، ام انها ستستمرّ كعادتها في دعم الكيان الصهيوني، وإنْ كان ذلك على حساب الشرعية الدولية وحقوق لبنان المشروعة!

«إسرائيل» تريد الأمن لها قبل أيّ شيء آخر، ولقد قالها بالفم الملآن نتنياهو في بداية التسعينات في كتابه «مكان تحت الشمس»، من «أنه في الشرق الأوسط، يتقدّم الأمن على السلام ومعاهدات السلام، وكلّ من لا يدرك هذا، سيظلّ دون أمن ودون سلام».

وحدها المفاوضات المقبلة التي تحمل في طياتها أكثر من مفاجأة، كفيلة بالإجابة على ذلك…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

Aoun Underlines Protecting Lebanese Rights amid Demarcation Talks

Aoun Underlines Protecting Lebanese Rights amid Demarcation Talks

By Staff, Agencies

Lebanese President Michel Aoun stressed on Tuesday that the indirect border talks between Lebanon and the Zionist entity would be on technical issues only, ahead of the US-mediated negotiations on the disputed maritime borders with the occupied Palestine.

Aoun further underscored that a solution should be reached “that protects the sovereign rights of the Lebanese people.”

“The negotiations are technical and talks should be limited to this particular issue [maritime borders] only,” the Lebanese president was quoted as saying by the office of the presidency.

As Lebanon and the Zionist entity have no official ties and are technically at war, Aoun aimed at reaffirming the Middle Eastern country’s stance that these talks did not mean normalization of ties.

The Lebanese president met with UN special coordinator for Lebanon Jan Kubis at Baabda Palace on the eve of the indirect talks, followed by a meeting with the Lebanese delegation, Army Commander Joseph Aoun and caretaker Defense Minister Zeina Akar.

Lebanon Monday announced the final names of the delegation that will take part in the US-mediated indirect talks with the Zionist enemy for the demarcation of the disputed maritime borders.

The four members of the delegation are: Air force Brig. Gen. Bassam Yassin, who will be heading the delegation; Navy Col. Mazen Basbous; Lebanese Petroleum Administration board member Wissam Chbat; and maritime affairs expert Najib Massihi.

The first round of the talks is set to be held Wednesday at the UNIFIL headquarters in Naqoura, south of Lebanon, in the presence of both US and UN officials.

قضايا على درجة عالية من الأهميّة وقد دخلنا التفاوض!

ناصر قنديل

يقبل الوضع اللبناني على التساكن لمدى زمني لا نعرفه، مع ما يمكن أن يشكل أكبر حدث سياسيّ وطنيّ في حياة الدولة اللبنانية، بما هي دولة، وليست مجموعة طوائف وأطراف سياسية. فنهاية مساعي وضع إطار تفاوضي برعاية أممية ووساطة أميركية مع كيان الاحتلال لترسيم الحدود يشكل نقطة فاصلة تبدأ معها مرحلة جديدة شديدة الحساسية والأهمية، سواء لجهة تولي الدولة بما هي دولة مسؤولة مباشرة ومرجعية تتصل بكل ما يحيط بالصراع مع كيان الاحتلال من مخاطر وتحديات، وتنفتح على كل ما يحيط بمفهوم العلاقات الدولية بترابط السياسة والاقتصاد فيها من بوابة أهم ثروات المنطقة والعالم التي يمثلها الغاز وترتسم حولها وعندها خطوط تماس وتفاهمات، ينتقل لبنان كدولة مع ولوج بابها من ساحة من ساحات الصراعات الكبرى، إلى مشروع لاعب إقليمي وازن.

الإدارة الرشيدة لهذا الملف بتشعباته، وقد أنيط بإجماع وطني بالمؤسسة الوطنية التي يمثلها الجيش اللبناني، تحت رعاية مثالية يوفرها وجود رئيس جمهورية هو العماد ميشال عون، الذي لا يجادل خصومه في وطنيّته واستقلاليته وشجاعته وعناده وصبره، وكلها ميزات يحتاجها صاحب الملف في هذه المفاوضات، ويثق بالمقابل أصدقاؤه بأنه أهل لحمل مسؤولية ملف بهذه الحساسية لاتصاله بالمقاومة والجيش والدولة، وموقع لبنان من صراعات المنطقة في زمن صفقة القرن وتضييع الحقوق والتطبيع الزاحف بلا أثمان، وزمن صراعات محاور شبكات الطاقة شرقاً وغرباً.

ينطلق لبنان إذن من نقطتين هامتين كمصادر قوة هما الجيش والرئيس، حيث يُضاف لموقعهما المؤهل والموثوق لإدارة الملف، كونهما بصورة طبيعية ودستورية يشكلان الجهات المرجعية التي لا جدال حول موقعها من إدارة هذا الملف، ومن هنا وصاعداً لا جدال في مرجعية الجيش ولا في إشراف الرئيس، فهل تكون المصلحة العليا للدولة بأن نلزم الصمت ونقول اتركوا للرئيس والجيش ما يريانه مناسباً كل في نطاق اختصاصه وحدود مسؤولياته وما تنص عليه صلاحياته، أم تعالوا لنقاش وطني يسهم فيه الجميع حول الأمثل والأفضل، وليترك اختيار الأفضل وطنياً بين أيدي الرئيس والجيش؟

أخطر ما قد يواجهنا هو تصرّف البعض على قاعدة اعتبار أن كل رأي وتداول بمقتضيات المصلحة الوطنية في هذا الملف هو نوع من التشكيك بأهلية القيادات العسكرية المتخصصة في الجيش أو الفريق الرئاسي اللذين يتوليان تحضير أوراق المهمة، بدلاً من السعي لتشجيع كل نقاش والتقاط كل نصيحة أو فكرة، على قاعدة أن لبنان كله يقف خلف رئيسه وجيشه، خصوصاً أن المشكلة لن تكون في الجوهر، لأن الرئيس والجيش كفيلان بهما، والمشكلة تقع في الرموز والتفاصيل والشكل لأن قيادة الكيان تضع ثقلها فيهما، وقد لا ينالان من الفريق الذي يتولى التحضير ما يكفي من الحذر بداعي الثقة المفرطة بالذات، أو بداعي الموروث من اللعبة الداخلية وتجاذباتها.

قبل أن تبدأ المفاوضات بدأ قادة الكيان بمحاولات التلاعب بالتفاصيل والشكل والرموز مثل مستوى الوفد وتشكيله من مدنيين، وضمّ دبلوماسيين إلى صفوفه، ما يستدعي حرفيّة وذكاء في إدارة هذه التفاصيل والرموز وكل ما يتصل بالشكل وتحديد تكتيكات لشروط تصعيدية وحدود التراجع عنها، ومراحل التراجع مثل رفض الجلوس في غرفة واحدة، ورفض وجود مدنيين والتمسك بالطابع العسكري للتفاوض، وتحديد المستوى الأعلى لرتبة رئيس الوفد من الطرفين، لما يسمى تفاوض ما قبل التفاوض بواسطة الراعي الأممي والوسيط الأميركي، حتى لو أدّى ذلك إلى تأجيل الجلسة الأولى التي بدأ الأميركي يضغط لتضمينها صورة تذكارية، ويجب أن يكون الوفد المفاوض ومرجعيّاته العليا محميين من أي انتقاد علني داخلياً، عندما تكون المفاوضات قد انطلقت، وأن يكون هامش المناورة المتاح للمفاوض برفع السقوف وتخفيضها ضمن أشدّ مقتضيات الحذر من أي تجاوز لخطوط حمراء يرسمونها، هامشاً واسعاً محمياً بثقة عالية، بحيث قد يرفض الوفد الجلوس في غرفة واحدة ثم يقبل بعد عناد ساعات بشروط مشدّدة تحقق غاية التفاوض غير المباشر، أو أن يشترط عدم تسمية الوفد الإسرائيلي إلا بضمير الغائب، هو يقول وهم يقولون، وأن لا تكتب المداخلات التفصيلية في المحاضر الأممية المعتمدة، ويكتب كل فريق محضره الخاص، ويتضمن المحضر الأممي حصراً، اختلف الفريقان واتفق الفريقان، وسواها من التفاصيل التي تشكل ما يُعرف برموز التفاوض ذات المعنى والأبعاد.

يجب أن لا يغب عن بالنا في كل لحظة أن لبنان يدخل التفاوض على ترسيم الحدود وفقاً لضوابط تهدف لمنع أي إيحاء بالتطبيع والاعتراف بالكيان وتضمّن مساعي حصول لبنان على حقوقه كاملة من دون التورط بما يمنح العدو مكاسب سياسية ومعنوية بالإيحاء بأن ما يجري مع لبنان هو جزء مما يجري في المنطقة من مناخات التطبيع، والقضية الرئيسية التي لا تحتمل تأجيلاً لصفتها المرجعية في التفاوض، ولكونها من موروثات ما قبل التفاوض، تنطلق من السؤال الذي يجب طرحه هو إلى ماذا سينتهي التفاوض في حال التوصل لتثبيت نقاط ترسيم الحدود، وما هو التوصيف القانوني لهذا التثبيت، وربما يكون ذلك موضوع الجلسات الأولى، والجواب يجب ان ينطلق من الجواب الداخلي على السؤال ، هل يكون بصيغة اتفاقية أو معاهدة يبرمها مجلس الوزراء وتذهب الى المجلس النيابي طالما انها تتضمن ما يتصل ببعد مالي تمثله ثروات النفط والغاز، حتى لو سميت معاهدة ترسيم حدود، أم أنها ستنتهي بتوقيع محاضر تعدها الأمم المتحدة ويوقعها وفدا التفاوض، اي من جهة لبنان الوفد العسكري اللبناني أسوة بما جرى في تفاهم نيسان ومن بعده ترسيم نقاط خط الانسحاب عام 2000 بمحاضر وخرائط موقعة من الجانبين وتصديق الأمم المتحدة مضافٌ إليها الأميركي كوسيط هذه المرة مثلما كان الأميركي والفرنسي في لجان تفاهم نيسان؟

الجواب البديهي المتوقع هو أن يتمسك لبنان بأن غرض هذا التفاوض هو التوصل إلى محاضر وخرائط موقعة تودع لدى الأمم المتحدة، وبأن يصرّ الجانب الإسرائيلي على أن تنتهي المفاوضات بمعاهدة يعتبرها تقاسماً لحقوق اقتصادية ليطلق عليها صفة المعاهدة، والمعاهدات تعني ضمناً وتشترط ضمناً اعترافاً متبادلاً بين الفريقين، وتجعل التفاوض مباشراً بينهما حتى لو لم يتخاطبا مباشرة بكلمة في جلسات التفاوض.

السؤال هو هل سيكون بمستطاع الوفد اللبناني الدفاع عن نظريّة المحاضر والخرائط لا المعاهدة، إذا بدأ تشكيل الوفد التفاوضيّ تحت عنوان ممارسة رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية التي تنص عليها المادة 52 من الدستور بصفته من يتولى المفاوضة على المعاهدات الدولية؟

القضية هنا لا تتصل بالاحتماء بعدم أحقية وفد كيان الاحتلال بالدخول على خط موادنا الدستورية، بل بالتمسك المطلوب في منطق الوفد اللبناني مع مرجعيّاته أمام الراعي الأممي والوسيط الأميركي، وتماسك هذا المنطق أولاً في عقول وروحية الضباط اللبنانيين المولجين بالتفاوض، خصوصاً أن مصدر السؤال لا ينبع من دعوة لعدم تولي رئيس الجمهورية الإشراف على التفاوض، ورعاية الوفد المفاوض، بل من السعي لتحصين موقع الرئاسة ومنع أي توريط لها بما يقيد مهمتها لاحقاً ويضعها ويضع لبنان في مكان لا ينفع معه الندم.

تمنح المادة 49 من الدستور رئيس الجمهورية صلاحيات أهم وأوسع وتتناسب تماماً مع المطلوب لرعايته التفاوض والإشراف عليه وعلى الوفد المفاوض، وتجنيب الرئاسة ولبنان مطبات الحديث عن معاهدة وتتيح ضبط التفاوض بصفته تفاوضاً تقنياً عسكرياً سينتهي بمحاضر وخرائط، فالمادة 49 تنص على أن رئيس الجمهورية يسهر على وحدة لبنان وسلامة اراضيه وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس يشرف على المفاوضات من موقع سهره على وحدة وسلامة أراضي لبنان، ويرعاها عبر وفد عسكري بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا هو الأكثر انسجاماً أصلاً مع أية مهمة لترسيم حدود، فلو تخطينا كونها تجري مع عدو لا تفاوض مباشر معه ولا اعتراف لبناني به، سيقوم الرئيس بالإشراف على مهام الترسيم مع دولة شقيقة مثل سورية بصفته المعني بسلامة أراضي لبنان وكقائد أعلى للقوات المسلحة، وليس بصفته من يتولى التفاوض على المعاهدات الدولية، علماً أن لا محظور مع سورية في الذهاب لمعاهدة.

اذا كان مفهوماً في مرحلة ما قبل اتفاق الإطار الترويج للمادة 52 لمطالبة رئيس مجلس النواب بترك المساعي السياسية مع الأميركيين لرئيس الجمهورية بصفته مَن يتولى التفاوض، فان مواصلة وضع المادة 52 في الواجهة كعنوان لمرجعية دور الرئيس سيفرض منطقاً ولغة وسياقاً بما يعقد الموقف، فالرئيس سيعلن حينئذ عن الوفد بموجب قرار ويصير عملياً هو المفاوض، بينما بالاستناد للمادة 49 سيصدر توجيهاته لقائد الجيش لتشكيل الوفد العسكري، وتحت عنوان المادة 52 سيكون توجيه الوفد المفاوض التوصل لمعاهدة دولية حكماً وفقاً لنص المادة، والسؤال مع من المعاهدة، أليست بين حكومتي «دولتي» لبنان و»إسرائيل»؟، بينما في اتفاقية الهدنة التي تمثل علمياً محضر تفاهم وليست معاهدة بين طرفين، بقي الأمر بنص المحضر ولم يكتب فيه أن هناك فريقاً أول هو حكومة لبنان وفريقاً ثانياً هو حكومة دولة «إسرائيل»، وقد اتفقتا على ما يلي، بل كتب النص من قبل ممثل الأمم المتحدة، ووقع المحضر الفريقان، وورد في النص الأمميّ عقد اجتماع بتاريخ كذا وحضر فلان وفلان ممثلين للجهة الفلانيّة وفلان وفلان للجهة العلانيّة، وبحصيلة المحادثات بعد التحقق من تفويضهما القانوني سيلتزم الفريقان، ويؤكد الفريقان، وفي المقدمة ورد ان الاتفاقية إنفاذ لقرار مجلس الأمن، ولم تبرم اتفاقية الهدنة كمعاهدة لا في مجلس النواب ولا في مجلس الوزراء، وبقيت محضراً وخرائط موقعة وقعتهما وفود عسكرية لم تخض مفاوضات مباشرة، والأقرب زمنياً والأقرب مثالاً في الموضوع أكثر هو كيف تم تثبيت النقاط المتفق عليها في الحدود البرية عام 2000 وكيف سجلت التحفظات على النقاط الحدوديّة الأخرى، أليس بمحاضر وخرائط؟

ببساطة إن إعلان رئيس الجمهورية أنه من موقع مسؤوليته عن سلامة الأراضي اللبنانية وكقائد أعلى للقوات المسلحة وفقاً لنص المادة 49 التقى وفد لبنان المفاوض على ترسيم الحدود بحضور قائد الجيش وأعطاه التوجيهات، سيكون له معنى سياسي وقانوني مختلف داخل لبنان وخارجه وعند العدو عن إعلان الرئاسة بأن الرئيس أصدر بموجب صلاحياته في المادة 52 من الدستور التي يتولى بموجبها المفاوضة على المعاهدات الدولية قراراً بتشكيل الوفد المفاوض حول ترسيم الحدود.

اللهم اشهد أني قد بلغت.

فيدبوات متعلقة

مقالات متعلقة

آمال إسرائيلية مفرطة: احتمالات «اتفاق السلام» مع لبنان تتعزّز

يحيى دبوق

السبت 10 تشرين الأول 2020

بدأت «إسرائيل»، منذ الآن، وقبل بدء المفاوضات البحرية مع لبنان، الترويج لـ«مؤامرة» حزب الله على التفاوض، إن لم يؤدّ هذا الأخير إلى النتائج التي تترقّبها وتعمل عليها. والمعادلة التي بدأ العدو يروّج لها هي أن «نجاح المفاوضات خطوة نحو التطبيع و«السلام» بين الجانبين، أما الفشل، فسببه حزب الله، حصراً.

الواضح أن شهية تل أبيب مفرطة تجاه المفاوضات، أقله لجهة النيات والمساعي، سواء منها ما يتعلق بالمفاوضات نفسها ومجرياتها ونتائجها، المرتبطة بالفائدة الاقتصادية عبر تسوية تؤمّن لها الاستحواذ على جزء من حقوق لبنان في غازه ونفطه، أم ما يتعلق بإمكانيات نظرية يمكن البناء عليها لتحقيق مروحة واسعة من المصالح، التي لا تقتصر على التفاوض الحدودي. تبدو «إسرائيل» أنها تتعامل مع المفاوضات بوصفها أيضاً وسيلة قتالية تستخدمها في الحرب التي تخوضها ضد المقاومة للإضرار بها.

واحدٌ من التعبيرات العبرية الصادرة أمس وذات دلالة، ما ورد في صحيفة «يديعوت أحرونوت؛ في سياق مقابلة رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، درور شالوم، الذي أكد أن احتمالات التوصل إلى «اتفاق سلام» مع لبنان، زادت عمّا كانت عليه بعد الاتفاق على المفاوضات بين الجانبين حول المياه الاقتصادية، «لكن يمكن حزب الله أن يحبط هذا الاحتمال إذا اتخذ قرارات خاطئة من شأنها نسفُه».

هذا «التحذير» الصادر عن شخصية استخبارية تُعد «المُقَدِّر القومي» في «إسرائيل»، يُعبّر عن إرادة تحصيل فائدة في اتجاهين اثنين: الأول، التطلع إلى المفاوضات نفسها على أنها مقدمة لمستوى متقدم من التطبيع اللبناني مع «إسرائيل»، بل وأيضاً التطلع إلى معاهدة واتفاق سلام بين الجانبين. والثاني، استغلال المفاوضات وتسخير أصل وجودها وما تقول تل أبيب إنه حاجة اللبنانيين اقتصادياً إليها، بهدف تقليص حدّة «وجع الرأس» الإسرائيلي الحالي على الحدود، وترقُّب تل أبيب ردّ حزب الله الموعود على استهداف المقاوم علي محسن في سوريا قبل أسابيع، ما يبقيها مشغولة استخبارياً وإجرائياً في «تموضع» دفاعي – انكفائي لم تعتَدْ عليه.

في المنحى الأول، برزت في اليومين الماضيين جملة تعليقات إسرائيلية أكدت نية تسخير التفاوض، سواء أكانت نتيجته الفشل أم النجاح، في المعركة الإسرائيلية المستمرة وبكل الأساليب ضد حزب الله، ومن بينها ما تسميه «المعركة على الوعي»، والمقصود هنا الجمهور اللبناني العريض.

تكرار عبارة «المفاوضات المباشرة»، ورفع مستوى الوفد الإسرائيلي المفاوض، بما يشمل مشاركة رئيس القسم الاستراتيجي في شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى رئيس التخطيط السياسي الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي (مستشار رئيس حكومة العدو لشؤون السياسة الخارجية)، وكذلك شخصية اقتصادية تدير الشأن التقني في المفاوضات، بل وأيضاً الحديث عن إمكان مشاركة وزير الطاقة يوفال شتاينتس لاحقاً في جولات مقبلة من المفاوضات، كل ذلك إشارة واضحة إلى إرادة تظهير التفاوض، وربما إرادة توجيهه، إلى ما يتجاوز الخلاف التقني على الحدود البحرية، الذي يُعد بطبيعته امتداداً لتحديد خط الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 برعاية من الأمم المتحدة، والمعروف بالخط الأزرق.

برز في التعليقات أمس، تقرير صحيفة «زمان إسرائيل»، التي شدّدت على أن «التوصل إلى حل ما للخلاف عبر المفاوضات المنوي مباشرتها الأسبوع المقبل، يؤدي إلى إتاحة الفرصة أمام الجانب اللبناني لبدء التنقيب في منطقة يُرجح أن تحوي كميات كبيرة من الغاز الطبيعي». وهذا هو المقصود والهدف في السياق الإسرائيلي: «حقول الغاز في لبنان فيها بُعدٌ كابِح. إيجاد الغاز سيُنتج تعلّقاً اقتصادياً لبنانياً بهذا المورد، ما سيجعله ثروة استراتيجية يمكن لإسرائيل ضربها. من هنا سينشأ ميزان ردعي (متعادل)، وعندها لن تكون منصات التنقيب ومنشآت التسييل الإسرائيلية وحدها هدفاً استراتيجياً، بل أيضاً المنشآت في لبنان».

تل أبيب: حزب الله هو السبب… إنْ فشلت المفاوضات مع لبنان


التقرير وإن كان يُظهر أن «إسرائيل» ستجني فائدة أمنية عبر تلقّف منشآت الغاز اللبنانية المقبلة في عرض المتوسط بوصفها عامل ردع لحزب الله، فإنه يقرّ في الموازاة أن ردع حزب الله نفسه ضد «إسرائيل» موجود ومحقَّق وتَلزمها موازنته، ما يعني أن تل ابيب تسعى إلى تعزيز تبادلية الردع، وهو ما لا يتعارض بالمطلق مع الموقف الدفاعي لحزب الله.

في التقرير نفسه، يظهر أن «إسرائيل» تبدأ مفاوضاتها مع لبنان متسلّحة بمطبّعيها الجدد في الخليج: المفاوضات بين «إسرائيل» ولبنان، المفترض أن تبدأ قريباً برعاية أميركية، لها أهمية إقليمية كبيرة تتجاوز «التفاوض المباشر» بين الطرفين. العدو يأتي إلى المفاوضات ليس بوصفه «دولة معزولة»، بل كحليف لمصر والإمارات والبحرين والسعودية. ويَرد أيضاً في التقرير، بهدف التحريض المبكر على حزب الله، أن «اللبنانيين يفهمون جيداً خريطة المصالح الجديدة في الشرق الأوسط، وسيكون عليهم قطع شوط طويل، من المشكوك فيه أن يمرّ بهدوء من دون تدخل مانع من جانب حزب الله».

مع ذلك، برزت أمس دعوة صحيفة «جيروزاليم بوست» إلى الامتناع عن تصدير التفاؤل المفرط للجمهور الإسرائيلي، إذ شدّدت على أن «المحادثات هي خطوة في الاتجاه الصحيح وذات تداعيات مهمة، لكنها بعيدة كلّ البعد عن تطبيع العلاقات».

في المحصلة، تدير إسرائيل، كما يبدو من عينات المقاربة العبرية المعلنة لموضوع مفاوضات الترسيم، حرباً في أكثر من اتجاه لتحصيل فوائد متعددة. الجامع المشترك بين معارك هذه الحرب هو حزب الله، الذي دفع إسرائيل في الأساس للامتناع عن استخدام القوة العسكرية لفرض إراداتها والسيطرة على ما تدّعيه حقاً مائياً لها. وكذلك هو الذي دفعها لقبول منطق التفاوض المُفضي ربما إلى تسويات، فيما تأمل من الحل، إن جرى التوصل إليه وبات للبنان منشآت غازية، إلى تقليص ردع حزب الله عبر تهديده منشآتها الغازية. أما فشل المفاوضات، إن حصل، فستلقي اللوم فيه على الحزب نفسه، حيث جزء من الداخل اللبناني ينتظر إلى جانب تل أبيب، للتصويب على المقاومة كونها مسبّبة فشل المفاوضات، تماماً كما صوّب عليها، لأنها «سمحت» للمفاوضات نفسها أن تبدأ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلفة

لبعض المتفذلكين على المقاومة في مفهوم الصراع مع العدو

ناصر قنديل

من حيث المبدأ لا يستقيم نقد إلا مع سلوك وموقع صاحبه، فمن يريد توجيه الانتقاد لفريق في الصراع عليه أن يكون متجاوزاً له نحو الأعلى في سياق الموقف والموقع والفعل، إذا كان حزباً أو قوة سياسية، أو على الأقل منتمياً على المستوى الفكري والسياسي الثابت والمستدام لمدرسة ومنهج أشد جذرية من الفريق المنتقد في النظر لقضايا الصراع إذا كان فرداً وصاحب رأي. وبالتوقف أمام ما قيل وكتب من انتقادات تناولت الإعلان عن اتفاق الإطار لترسيم الحدود البحرية من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لم يعد موضع نقاش لكونه حاصل تنسيق بالتفاصيل مع قيادة المقاومة منذ يوم التفاوض الأول مع الأميركيين حتى الخاتمة المتمثلة بالبيان المصوغ بلغة تفاهم نيسان، الذي لم يكن أحد يومها مستعداً لرؤية كلمة «حكومة إسرائيل» فيه مصدراً لتساؤل، لأن الصادقين رأوا فيه الجوهر الصراعي التراكمي، في سياق واقعية مقتضيات هذا التراكم، أما الآخرون فتجاهلوا الانتقاد يومها لأنهم كانوا يعتقدون أن المقاومة كلها قائمة أصلاً على المبالغة في تقدير قوتها وما تسميه إنجازاتها، وسوف لن يطول عمر «أوهامها وأحلامها» بالتفوق على الاحتلال. من هنا يجب الوضوح بالقول إن كل نقد يوجه للإعلان تحت شعار التشكيك بما يعبر عنه في سياق الصراع مع العدو، ولو حصر سهامه برئيس مجلس النواب من باب الكيد السياسي، فهو يعلم أنه يستهدف حزب الله والمقاومة تشكيكاً بصدقية الموقع من الصراع مع العدو، فهل يملك هذا التشكيك قدراً من الصدقية؟

ماذا يعني مفهوم الصراع المفتوح مع كيان الاحتلال، هو السؤال المنهجيّ الأول الذي يطرحه النقاش، فهل هو يعني أن حركة المقاومة والدولة المقاومة في أي بلد عربي مجاور لفلسطين، ستسعى لجعل بلدها مجرد منطقة محرّرة من الاحتلال في حرب تحرير مفتوحة نحو فلسطين، على قاعدة أن الأمة واحدة، سورية أو عربية، وهل هذا ممكن واقعياً، أم أن على حركات المقاومة أن تضع منهجاً يقوم على ثنائية، ربط نضالها وموقفها بسقوف وطنية. فالدولة السورية المقاومة تضع سقفها الوطني بتحرير الجولان حتى خط الرابع من حزيران، كما قال القرار الأممي 242 والقرار 338، والمقاومة في لبنان تضع سقفها الوطني بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود الدولية المعترف بها، وفقاً لنص القرار 425، وبالتوازي التمسك بالالتزام بالقضية الفلسطينية والحقوق التاريخية في كل فلسطين، ولو فرضت منعرجات الصراع استعمال مفردات ولغة تتناسب مع موازين القوى الدولية، كإعلان سورية وقبلها مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر، السعي للسلام العادل والشامل، لرمي كرة التعطيل في ملعب العدو، والرهان على الزمن لبناء توازنات جديدة تتيح ملف التحرير للأراضي الفلسطينية، وكما تفعل المقاومة في لبنان عندما تربط وجود سلاحها بعناوين مثل حماية لبنان من العدوان، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهل يعني ذلك تفريطاً بالقضاياً المصيرية والاستراتيجية في الصراع؟

عندما ننطلق من فهم ضبط الأداء الهجومي للمقاومة بالسقوف الوطنية، وضبط منهجها السياسي برفض التخلي عن أسباب القوة لأنها جزء من مقتضيات الصراع الذي لم ينته ولن ينتهي بالنسبة لها، إلا بتحرير كامل فلسطين وزوال الكيان، ندرك معنى المسار المتعرج للصراع، الذي يعرف مراحل سكون وتصعيد، ويعرف مراحل هدنة وحروب، لكن ضمن معادلة الحفاظ على أسباب القوة، وخوض الصراع على الوعي في كل تفاصيل الصراع، ولا يمكن رؤية كل الحملة التي تستهدف إعلان اتفاق الإطار، إلا في سياق تعطيل مهمة مراكمة الوعي لصالح ثقافة المقاومة وخيار المقاومة وجعل المقاومة في حال دفاع، تحت وابل التشكيك كي لا تتمكن من ترسيخ خلاصة جوهرية محورها، ان كيان الاحتلال فقد القدرة على التسيّد في المنطقة. وهو رضخ مجبراً لشروط لبنان، القوي بمقاومته، لأن الكيان لن يستطيع توفير الأمن لاستثمار الغاز في فلسطين المحتلة، من دون أن يسلّم بحقوق لبنان التي كان يرغب بالسطو عليها. وهذا يعني بمفهوم معركة الوعي تظهير المقاومة كمصدر قوة للدولة الوطنية، بعد حروب فكرية وسياسية وإعلامية ممتدة خلال أعوام بشراكة دولية وعربية ولبنانية تريد تظهير المقاومة كعبء على بلدها وسبباً لاستجلاب العقوبات والحصار وفقدان الموارد. وإذ هي تظهر حامية للثروات ومصدراً للحفاظ على الموارد وتحصيل حقوق كانت ستضيع لولا وجود هذه المقاومة وقوتها، من دون أن تبيع للعدو شيئاً في السياسة، أو تفتح بازراً للبيع والشراء، فالتفاوض غير مباشر وعسكري وتقني وسينتهي بمحاضر وخرائط اسوة بما جرى في نقاط البر على مراحل متعددة.

السؤال الذي تجب الإجابة عليه بشجاعة، بعيداً عن التفذلك، هل يعيب المقاومة أن يكون معادل فرض شروطها في التفاهمات المؤقتة ضمن حركة الصراع، هو التوقيت، فالذي أجبر العدو على قبول تفاهم نيسان الذي قيل فيه إنه شرعن المقاومة وصولاً لتمكينها من إنجاز التحرير، هو نفاد الوقت منه ضمن مدى قدرته على الاحتمال، ومثل ذلك حدث في حرب تموز 2006 وفرض شروط المقاومة ضمن القرار 1701، فسقطت مشاريع القوات المتعددة الجنسيات ونزع سلاح المقاومة كشروط لوقف النار. وها هي المقاومة في ظل القرار 1701 باعتراف أعدائها أشدّ قوة ومصدر خطر وجودي على الكيان، ومثل ذلك حصل في عام 2000، مع نفاد الوقت المتاح لإعلان إتمام الانسحاب من لبنان، فنال لبنان ملايين الأمتار المربعة، ومثل ذلك يحدث اليوم، مع فرض شروط التفاوض غير المباشر والرعاية الأممية لعملية الترسيم، وما فرض على العدو ومن خلفه الأميركي القبول هو حاجته للتوقيت، سواء لجهة الاستثمار الذي يحتاجه في ما يمكن تحصيله من حقول الغاز، أو الاستثمار السياسي الذي يحتاجه الأميركي في سياق انتخاباته الرئاسية، وفي كل هذه المحطات هل كانت المقايضة على نصف الشروط بدلاً من مقايضة كل الشروط بالتوقيت هي الأصحّ والأسلم وفقاً لقوانين الصراع حيث التوقيت عابر، والشروط دائمة، أم أن الأفضل هو التخلّي عن فرصة تحقيق الشروط لحرمان العدو من كسب التوقيت، وهل تبني هذه العدمية العبثية مقاومة وتحقق تراكم وعي وإنجازات في الميدان؟

السؤال الذي لا يقلّ أهمية، هو أنه في كل هدنة ووقف نار، من تفاهم نيسان، وقبله فك الاشتباك في الجولان، وبعدهما بعد العام 2000، وبعد القرار 1701، تبادل مع العدو في الحصول على مقدار من الأمن التكتيكي، من دون منحه ضمانات للأمن الاستراتيجي الذي يبقى تعزيز مقدرات المقاومة والتذكير بمعادلاتها الرادعة مصدر تهديد دائم له ضمن التأكيد على الطابع المصيري والوجودي للصراع. فهل في هذا المفهوم لنيل الأمن من جانب العدو تكتيكياً ما يعيب المقاومة في صدقيتها؟ وهل في نيل العدو أمناً تكتيكياً لاستثماراته في حقول الغاز، مقابل التسليم بحقوق لبنان، التي كان يرغب العدو بالسطو عليها وأجبرته مخاوفه على أمن الاستثمار، على التسليم بالحقوق اللبنانية، وهل ينتقص هذا الأمن التكتيكي الذي يصاحب كل مراحل التفاهمات من جدية مشروع المقاومة وصدقيته في نهائية مواجهته مع الكيان وسعيه لإزالته عن الخريطة؟

المقاومة الصادقة في توجهاتها الاستراتيجية تحتاج لرسم خريطة طريق نجاحها، إلى عدم الوقوع تحت ابتزاز تطرفين، تطرف يقيس صدقيتها القومية بأن تتجاهل أنها حامل موضوعي لأسباب القوة لهوية وطنية، وأن تتجاهل قوانين الصراع وقواعد تراكم موازين القوة، ومن ضمنها مراكمة الوعي، وبنظر هؤلاء على المقاومة أن تمتنع عن كل هدنة، والهدنة أمن للعدو بمثل ما هي أمن للمقاومة، فتبقي جبهاتها مشتعلة حتى لو خسرت شعبها من ورائها، وتورطت بمواجهات تفقدها مصادر قوتها كي تثبت أنها مخلصة لفلسطين، وتطرّف آخر يقيس صدقيتها الوطنية بأن تتجاهل مسؤوليتها القومية، وتنسى فلسطين، وتبني على قواعد المعادلات الوطنية اللبنانية وحدها مصير حركتها، فتنتهي مهمتها في الصراع بمجرد تحقيق المصالح الوطنية، ولو كان الثمن التخلي عن مسؤوليتها القومية، فلا مشكلة لدى أصحاب هذا التطرف بالتطبيع والاعتراف بشرعية كيان الاحتلال إذا كان الثمن مكاسب لبنانية، والمقاومة لا تنتمي لهذا التطرّف ولا لذاك لسبب بسيط، لأنها تعي وطنيتها وقوميتها بصفتهما مصدري تكامل لا تنافر.

آبار الغاز اللبنانيّة في رعاية الله والصواريخ

د. وفيق إبراهيم

تمارسُ فئات لبنانية تقليدية من أهل السياسة والإعلام تشكيكاً بالاتفاق الذي أعلن عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري مع الأميركيين للبدء بمفاوضات لترسيم حدود لبنان البحريّة مع الكيان الاسرائيلي.

هذه الفئات تفسّر هذا التطوّر بأنه استسلام لضغوط اميركية اقتصادية شديدة القسوة على لبنان، الذي يشهد بدوره انهياراً اقتصادياً لا يقلّ قسوة ومأساويّة.

فتعتبر أن هذا الاستسلام هو اذاً محصلة “سيناريو” متفقٍ عليه بين ثلاثة اطراف داخليين: رئيس المجلس نبيه بري الذي له الحق بالإعلان عن الاتفاق، والرئيس ميشال عون الذي يمثل الدولة اللبنانية والفريق المسيحي الأكثر قوة في البلاد وهو صاحب الحق الحصري بتشكيل وفد للمفاوضات بالاتفاق مع حكومة حسان دياب التي لا تزال تؤدي دوراً في ادارة الاعمال الحكومية.

يتبقى حزب الله، فتقول تلك الفئات المشككة إنه انكفأ بتعمد عن الصورة الإعلامية حتى لا يبدو منهزماً، فهناك انهيار اقتصادي لبناني أدرك حالة جوع تستشري في اوساط الطبقتين الوسطى والفقيرة، واذا اعترض الحزب على عملية الترسيم فإن تذمراً شعبياً كبيراً قابلاً للتراكم على شكل احتجاجات واسعة على منع عمليات ترسيم الحدود قد تنال من شعبية الحزب حتى بين الفئات الأقرب اليه. الأمر الذي لجم أي ردود علنية منه على اتفاق إطار الترسيم، ذاهباً عن الغياب المتعمّد وصولاً الى حدود التجاهل.

بالمقابل بدأ الإعلام المضاد بتصوير الاتفاق على انه إذعان من الحزب الى حدود المطالبة بإلغاء دوره في مجابهة “اسرائيل”.

يكفي أن واحدة من كبريات الصحف اللبنانية نشرت في المانشيت الأساسي لصفحتها الأولى، عنواناً ساخراً يقول انه “اتفاق تاريخي على مفاوضات في زمن الانهيار”.

بالإضافة الى عشرات الصحف اليومية الأخرى، هناك ثلاث محطات تلفزة شديدة الصلة بالمشاهدين (الجديد- أم تي في – أل بي سي) لا تنفك منذ ثلاثة أيام في الربط بين الانهيار الاقتصادي والاستسلام للضغوط الأميركية – الإسرائيلية مع التعريج بخفة على انكفاء ما لحزب الله.

لا بدّ أولاً من تأكيد أن هذه الفئات اللبنانية السياسية والإعلامية تؤدي هذا الدور التشكيكي منذ إعلان تشكيل الدولة 1943، فلا تؤمن إلا بأهمية السياسات الغربية وتوالي محاورها بالانتقال من نفوذ فرنسي – بريطاني، أميركي حسب التوازنات وكادت لولا الضغوط الوطنية الداخلية تمارس تطبيعاً كاملاً مع “اسرائيل” وما منعها تاريخياً هي المقاومات الوطنية حتى الثمانينيات وجهادية حزب الله المفتوحة منذ 1982 حتى اليوم.

هي اذاً موازنات القوى التي ضبطت الانحرافات الداخلية، التي تختبئ خلف الانتماء اللبناني في معظم الأوقات ولا تتفلت عواطفها الجياشة نحو العدو الاسرائيلي إلا في مرحلة صعود النفوذ الأميركي – الإسرائيلي إقليمياً او عودته للعب في لبنان داخلياً.

يجب اذاً الربط بين الضغط الأميركي على لبنان والمبادرة الفرنسية وتهديدات “اسرائيل” وعودة الفئات المحسوبة عليها الى تصعيد سياسي وإعلامي وتحشيد طائفي ومذهبي وصل الى حدود تحريض رجال دين مسيحيين ومسلمين وتشكيل كتل سياسية تابعة لهم من نواب مستقلين وإعلاميين وسياسيين.

هذا يعني أنه لا يجوز ربط هذا التحريض الأميركي باستسلام ما لحلف المقاومة. بل بإعادة نصب قوى لبنانية موالية للغرب وتشهد حالياً انهياراً كبيراً.

لذلك فإن ما يمكن استنتاجه بشكل إضافي يتعلق بحاجة أميركية الى ترسيم بحري بين لبنان والكيان المحتل، لتحرير خط غاز بحري يجب أن يمر بموازاة آبار غاز لبنانية في البلوكين الثامن والتاسع.

وسبب هذه الحاجة وجود إصرار أميركي على نقل غاز تحالفها الإقليمي المتشكل من مصر و”اسرائيل” واليونان وقبرص والأردن وايطاليا والسلطة الفلسطينية التي لم توقع حتى الآن على الاتفاق النهائي، وفرنسا المرشحة للانضمام.

هناك اذاً حاجة اميركية لتنظيم توريد هذا الغاز الشرق أوسطي لمنافسة الغاز الروسي. وهذا لا يمكن ان يحدث مع وجود خلاف لبناني – إسرائيلي على نحو 860 كيلومتراً من اعماق الحدود البحرية.

والأميركيون متأكدون أن تمرير الانابيب الاسرائيلية مسألة مستحيلة من دون تراجع “اسرائيل” عن مطامعها في آبار لبنان، وذلك لان صواريخ حزب الله تقف لها بالمرصاد ولن تسمح للكيان الإسرائيلي وتحالفاته العربية بتمرير الغاز الخاص بها على مقربة من بحر لبنان من دون الاعتراف بلبنانية 860 كيلومتراً مربعاً وبدء لبنان التنقيب عن الغاز الخاص به.

هذا هو دور صواريخ حزب الله الحامية للأرض والبحر والإنسان والثروات من الطاقة وخلافها.

يكفي هنا أن تنظر هذه الفئات كيف سطت “اسرائيل” على الغاز في سيناء المصرية وبعض انحاء فلسطين والجولان السوري حتى تتبين أهمية صواريخ الحزب في تأمين الاستقرار الوطني اللبناني بأبعاده الشعبية والسياسية والاقتصادية، وما على الجميع إلا انتظار بدء المفاوضات لكي يتأكدوا أن لبنان بعناية الله وصواريخ حزبه.

انطلاق مفاوضات الترسيم: من تنازل لمن؟

ناصر قنديل

مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري، التوصل الى التفاهم على إعلان إطار للتفاوض حول ترسيم الحدود، يحضر هذا الملف بقوة على طاولة النقاش والتقييم، بعيداً عن الخطابات الوظيفية، أي المكرّسة لمناقشة هادفة سلفاً لأداء وظيفة لا علاقة بمضمون البحث عن حقيقة، والتي تهدف مرة للإيحاء بأن المفاوضات ستكون تخلياً عن خيار المقاومة أو اعترافاً بكيان الاحتلال أو انخراطاً في التطبيع، ومرة بالتنمر على تهديدات المقاومة في حال إقدام كيان الاحتلال على شن حرب على لبنان بالرد الموجع وصولاً لتعريض الكيان لخطر الزوال، بالتساؤل عن مبرر الترسيم طالما المقاومة قادرة على تدمير الكيان، فغالب هؤلاء ليسوا من دعاة تدمير الكيان، ولا من رافضي الاعتراف به ولا من معارضي التطبيع، وخلفية كلامهم الغاضبة من إعلان الاتفاق تعكس تعارض معانيه مع مراميهم الآتية مرة تحت عنوان “الحياد” ومرة تحت عنوان نزع سلاح المقاومة، ومرات تحت عنوان تحميل القوى التي تؤمن بالمقاومة مسؤولية الانهيار المالي، لأنها تقف بوجه السياسات الأميركية والخليجية المتقاطعة عند النقطة الإسرائيلية تطبيعاً.

يعلم المتنمرون على الاتفاق أن لغته ليست لغة الطرف اللبناني فيه، بل هي لغة الاتفاقات التي سبقته من اتفاق الهدنة إلى تفاهم نيسان والقرارات الدولية طالما أنه موثق في الأمم المتحدة وتل أبيب وواشنطن مثلما سيوثق في بيروت، ولو كان الاتفاق يصبّ الماء في طاحونة المتنمّرين ودعواتهم ويعبّر عن انتصارها، وهي ليست بعيدة عن دعوات واشنطن لضرب المقاومة وثقافتها، لصفقوا له وساهموا بتمريره بدلاً من الهجوم عليه، ولعل ما يجعل غضبهم مفهوماً هو أنهم وجدوا أن الأميركي الذي ينظرون إليه كإله جبار، يخون ثقتهم فيرتضي التسليم بأن نزع سلاح المقاومة فوق طاقته، وأن المقاومة وحلفاءها من القوة بما لا يمكن كسرهم أو تطويعهم رغم الأزمات الضخمة التي تقع فوق أكتافهم والعقوبات التي تقع عليهم، وأنه لا بد من مقاربة بلغة المصالح للبحث عن تفادي خيار المواجهة معهم، لأنها تعبر عن خيار خاسر خاسر، وهذا سبب سعي الطرفين لتفاديها، وسبب بقائها بالنسبة للمقاومة رداً دفاعياً يضمن تدمير الكيان لكنه يدمّر الكثير مما يهمّها سواه، ولذلك لن يكون خياراً ابتدائياً عندها. ومع السعي الأميركي القائم على التسليم بمغادرة خيار المواجهة يظهر العقل الأميركي القابلية لاستبدال المواجهة بالبحث عن خيار رابح رابح، بشروط أقرب لمصالحه، وإلا ففي منطقة وسط طالما لم تنفع محاولات تليين موقف المقاومة وحلفائها من شروط البحث عنه، ويعرف المتنمّرون على الاتفاق أنه ضمناً جواب على لا جدوى دعواتهم الحياد ونزع السلاح والالتحاق الأعمى بدفتر الشروط الأميركي الخليجي الذي يترجمه التطبيع، طالما تثبت التجربة الحسية أن بمستطاع المقاومة وحلفائها خلق موازين قوة تفرض على الأميركي قبول التفاوض، وتفرض شروط هذا التفاوض، بما فيها عدم الاعتراف بالكيان وعدم التطبيع معه، وتفرض نيل الحقوق الاقتصادية وانتزاعها من بين براثنه في زمن يقدم بعض العرب نفطهم وغازهم وبلادهم وأسواقهم وأمنهم على طبق من ذهب للإسرائيلي بعدما صار الأميركي سيد قرارهم منذ زمان، ويراهم هؤلاء المتنمرون مثالاً يُحتذى.

صبر الأميركيون عشرة أعوام منذ بدء فتح ملف الحدود البحرية، رسمياً عام 2010 عندما بدأ الكشف عن الثروات الهائلة في البحر في المياه اللبنانية وبصورة مكثفة في المياه الواقعة جنوباً على حدود فلسطين المحتلة حيث العين الإسرائيلية حاضرة، لكنهم صبروا منذ ما قبل ذلك عشرة أخرى تمتد منذ العام 2000 بعد تحرير المقاومة لجنوب لبنان، وانطلاق الحملة العسكرية الأميركية على المنطقة في عهد المحافظين الجدد خلال ولايتي الرئيس جورج بوش، وعينهم على ثروات النفط والغاز التي لا يعرف عنها الكثير سواهم ولا عن مواطنها، ومنها البحر المتوسط، وفقاً لتقرير الطاقة الذي أقره الكونغرس عام 2000، وجاءت بعدها الحروب على المنطقة ترجمة له، وقد جسدت هذه التوجهات مباشرة في لبنان بصورة حربية عام 2006 بعدما سبقها الإعلان عن أنبوب للنفط من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان في فلسطين المحتلة، وما يستدعيه تنفيذه وتفرضه الحاجة لحمايته من حرب تُنهي المقاومة، وأعقب الحرب التي فشلت عسكرياً مشروع عسكرة البحر المتوسط بموجب القرار 1701 استعداداً لخطط استثمار النفط والغاز بعيداً عن تأثير قوة المقاومة وشروطها السيادية، وقبل حرب تموز 2006 تم بصورة أمنية وسياسية التمهيد لفرض السيطرة على هذه الثروات عبر القرار 1559 عام 2004، وصولاً لربط اغتيال الرئيس رفيق الحريري لإشاعة الفوضى ونشر الفتن وإرباك سورية والمقاومة وإضعافهما خدمة لهذا الهدف، لكن صبر الأميركيين لم يحمل جديداً يتيح الرهان على المزيد من الصبر، فقوّة المقاومة تتزايد، ومعادلتها السياسية في لبنان تبدو غير قابلة للكسر أو للعصر.

بعد فشل رهانات 2004 و2005 و2006، جاء رهان 2010 على الحرب على سورية وتداعياتها لبنانياً بإضعاف المقاومة إذا قيض للحرب تحقيق أهدافها، ولكن خاب الرهان وجاءت النتائج عكسية، وبدت واضحة مسارات الحرب على سورية منذ نهاية العام 2016 ومعركة حلب، كما بدت المقاومة في ذروة صعودها السياسي مع وصول الرئيس ميشال عون كحليف للمقاومة إلى رئاسة الجمهورية في الفترة ذاتها، فحضر الرهان الأشد قسوة الذي ترجم حضوره عام 2016 ببدء العد التنازلي لموجودات المصرف المركزي من العملات الصعبة، وكانت الهندسات المالية التي نفذها تعبيراً عن هذا التراجع، الذي زاد تفاقماً عاماً بعد عام تحت ضغط أميركي مدروس هدفه خنق لبنان مالياً وتفجيره اجتماعياً، وصولاً لتسييل هذا التفجير بوجه المقاومة وخياراتها، وفي الطليعة فرض خط لترسيم النفط والغاز قدّمه الأميركيون تحت اسم سفيرهم فريديريك هوف منذ العام 2012 ورفضه لبنان رغم الضغوط التي تجدّدت مع خلفه في المفاوضات السفير الأميركي ديفيد ساترفيلد، ليعلن لبنان عام 2016 اشتراطه حصر الدور الأميركي بالوسيط وربط الترسيم والتفاوض غير المباشر برعاية الأمم المتحدة، وتتجمّد المفاوضات من حينها.

حاول الأميركيون خلال هذه السنوات، تصعيد الضغط الاقتصادي حتى الانفجار الشامل، حيث لم يخف الأميركيون رهانهم على توظيف انتفاضة 17 تشرين وتوجيهها بوجه المقاومة وحزب الله، والتركيز على موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الممسك بحنكة وحزم بملف التفاوض، وكلام سفيرهم السابق جيفري فيلتمان وإشاراته للتفاوض على ثروات النفط والغاز أمام الكونغرس تلاقيها الكلمات الواضحة لمعاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، “لديكم معاناة كبيرة وتملكون ثروات واعدة في البحر المتوسط تتنازعون عليها مع “إسرائيل”، وقد قدمنا لكم تصوراً لحل النزاع فاقبلوه”، كانت كافية لتكشف جوهر الأهداف الأميركية من الضغوط، وصولاً لدفع لبنان نحو الانهيار، واللعب بتوازناته السياسية والطائفية، وبشوارعه المتعددة اجتماعياً وثقافياً حتى الاشتعال، أملاً بالحصول على موافقة لبنانية على خط هوف من بوابة تفاوض مباشر بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ولم يخف الأميركيون خلال هذه الحملة المركزة المتعددة الجوانب سعيهم لإخراج ملف التفاوض من يد الرئيس بري، أملاً بجعل الأماكن البديلة خواصر رخوة يمكن الضغط عليها بشوارعها أو بالعقوبات، فلم يحصدوا إلا الفشل.

كان الجميع من اللاعبين الكبار يدرك أن الزمن الأميركي محكوم بسقف الانتخابات الرئاسية، وأن كل الأوراق المطلوب لعبها يحب أن تستثمر قبل ذلك التاريخ، وعندما سلم الأميركيون مطلع تموز الماضي بالإطار اللبناني لمفاوضات الترسيم، لا مفاوضات مباشرة، بل إحياء للجنة التفاوض في تفاهم نيسان مع أو بدون فرنسا، ورعاية الأمم المتحدة، وحصر الدور الأميركي بالوسيط والمسهل بدلاً من الراعي، وربط حدود البحر بنقطة برية محورية في الناقورة، وهذا معنى التلازم البري والبحري، بقوا ينتظرون فرصة جديدة لاختبار إمكانيات التعديل مرة أخيرة على حافة النهاية، والاتفاق في جيبهم جاهز للإعلان، لتطل برأسها ثلاثية تفجير المرفأ وحملة التطبيع الخليجية والمبادرة الفرنسية نحو لبنان، والثلاثية مترابطة لدرجة تطرح أسئلة كبرى حول تلازمها ومرجعيّتها الأميركية. وتحرك الفرنسيون بالتنسيق مع الأميركيين وتحت نظرهم. كان الناظر الأميركي ديفيد شينكر وزميله ديفيد هيل يزوران بيروت، ويجسّان نبض الرئيس بري ومن خلاله المقاومة، حول شروط الترسيم، وفقاً لمعادلة، أن يحصل الأميركيون على ما يريدون في ملف الترسيم فيحصل بري ومن خلفه حزب الله على ما يريدون في الملف الحكومي، وعند التمسك بالشروط جاءت العقوبات، وعندما سقطت الفرصة ولم ينفع شيء في تغيير المواقف قرر الأميركيون الإفراج عن التفاهم، ليتمّ الإعلان عنه، متقبّلين معادلة رابح رابح، بعدما فشلت كل محاولات الفرض وقوبلت بالرفض، فيربح الأميركيون ومن خلفهم الإسرائيليون ما يستثمرون من خلاله النفط والغاز والسياسة والتسويق الرئاسي والترويج لإنجازات تحاكي إنجازاتهم في الخليج، ويربح لبنان ومقاومته سيادة غير منقوصة، وثروات كاملة، وإحباطاً لضغوط تحت عناوين الحياد ونزع السلاح.

الجولات المقبلة لن تكون سهلة، لكنها تحت سقف توازنات صنعتها مفاوضات الإطار، وستكشف الأيام يوماً أن إدارة الرئيس بري لملف التفاوض كانت تتمة مديدة لمفاوضات حرب تموز، وأنها خلافاً لكل ما يقوله المزايدون والمتنمّرون، والذين غالباً ما كانت مواقفهم تعبيراً عن صدى للضغوط الأميركية، وسيظهر كيف أن إدارة بري عبرت عن وطنية لبنانية صافية وصلبة وعن استعداد للتضحية ترجمه تحمل العقوبات والاستعداد لتحمل التهديد بأكثر منها، لتكتب صفحة إنجاز وطني لبناني، مؤسف أن لا يتلقفه اللبنانيون موحّدين، ومؤسف أكثر أن يضعوه على خطوط تماس مراهقات عصبيّاتهم المريضة، في لحظة وطنية تستحق الترفع عن لغة التفاهة والحقد والعبث.

مبارك للبنان وشكراً لنبيه بري وتحية للمقاومة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Speaker Berri: Demarcation of Maritime Borders Will Allow Lebanon to Repay Debts

 October 1, 2020

Lebanon's House Speaker Nabih Berri

Lebanon’s House Speaker Nabih Berri announced Thursday in a press conference the framework agreement representing the basis for the launch of indirect negotiations between Lebanon and the Zionist entity on demarcating the land and maritime borders.

Speaker Berri stressed that the negotiations will take place at the UNIFIL headquarters in Naqoura in southern Lebanon, adding that the United Nations will sponsor the “indirect talks” in accordance with April 1996 Understanding and the UN Security Council Resolution 1701.

The House Speaker pointed out that the United States will play the role of the mediator in the negotiations, adding that the approved version of the agreement would be handed to the United Nations in accordance with the international laws and the related treaties.

The demarcation of the maritime borders will allow Lebanon to repay all the debts in light of benefiting from the gas resources in blocks 8 and 9, Speaker Berri said.

“The demarcation will help Lebanon economically, and the French oil giant, Total, has promised to begin exploration operations before the end of the year.”

Meanwhile, Speaker Berri clarified that the framework agreement was concluded on September 7, 2020, before the US treasury imposed sanctions on the two Lebanese ministers Ali Hasan Khalil and Youssef Finianos, stressing that the two issues are not related.

Source: Al-Manar English Website

WHAT DOES FRANCE WANT FROM LEBANON AND HEZBOLLAH, AND WILL IT ACHIEVE ITS GOALS? 3/3

Posted on  by Elijah J Magnier

Written by Elijah J. Magnier: @ejmalrai

From Lebanon, French President Emmanuel Macron has transmitted messages in multiple directions. It is clear that America did not object to his attempt to intervene directly. Lebanon is a very complex country and that France does not have the necessary base to bring about the changes it desires. But France wants to regain a strong foothold in the Land of the Cedars, starting from the Port and ending with oil, gas, electricity and infrastructure agreements to build a robust popular base, if it succeeds in its endeavour.

However, there is another reason for the presence of France in the Middle East, from which it has been absent for a long time, and that is the Turkish presence that is building for itself fixed positions in Libya, Iraq, Syria, Lebanon and Palestine. After the Port blew up on the 4th of August, Turkish Vice President Fuat Oktay arrived in Lebanon at the head of a delegation that also included Foreign Minister Mevlut Cavusoglu, expressing to President Michel Aoun “Turkey’s readiness to build the port and the adjacent buildings.” 

Turkey did not stop at this point, but announced its willingness to grant “Turkish citizenship to anyone who declares that they are Turkish or Turkmen and who wishes to become a citizen.” This has huge implications, because the presence of Turkish citizens in a nearby Middle Eastern country offers the leadership in Ankara an excuse to intervene directly to “protect its citizens” whenever it thinks fit. The Turkish expansion in Libya, Iraq, Cyprus and Syria clearly doesn’t stop President Recep Tayyip Erdogan – who visited the Turkmen Lebanese community in the northern Lebanese town of Kawasha, Akkar, in 2020 – from putting his arms out towards Lebanon.

The foothold of Turkey appeared in North Lebanon through assistance provided by the Turkish Cooperation and Coordination Agency (TIKA) in the northern regions of Denniyeh, Tripoli and Akkar. Remarkable activity by Turkish associations has been recorded in other Lebanese locations, particularly in Ketermaya, Burj Al-Barajneh camp, Debbieh, and other Palestinian camps.

It has been the practice for the states behind the relief agencies and non-governmental agencies (NGO) to pave the way for building an incubator environment for those who fund these agencies. Lebanon has been open to foreign “interference” and, for decades, had embraced multiple foreign countries’ intervention in its domestic affairs, especially after the retreat of Syria (in 2005), which had had a major influential role in Lebanon. Following the harbour explosion this August 2020, several hundred NGOs officially registered to be able to receive the $290 million world donation to (apparently) distribute the moneys to the most damaged areas of Beirut.

Turkey has an interest in investing its companies in Lebanon to explore for gas and oil, and sees Lebanon as fertile ground with opportunities for establishing itself more robustly in the country. The existing and potential allies of Turkey in Lebanon are more than ready to adopt the Turkish line after the decline of Saudi Arabia’s influence in this country in particular and in the Middle East in general. Moreover, the decline of the popularity of former Prime Minister Saad Hariri who used to enjoy the support of the majority of the Sunni, and the sharp differences in the Lebanese Sunni arena that is divided into multiple sections under a multiplicity of leaders from different backgrounds is offering a perfect environment for Turkey. There are strong signs and visual indications that the former Minister of Justice Ashraf Rifi has switched loyalty…

The French President’s visit caused a storm in a teacup. The Lebanese political class are still strong notwithstanding the dismal failure to rebuild the country for many decades, and, when accused of corruption, they seek shelter behind their sects. However, a vacuum has been created between these politicians and the people, who have begun to slowly wake up slowly. What President Macron is proposing to do represents only temporary steps to compensate for the current US void. But France is far from succeeding to cover even a small part of the $81 billion deficit. All that President Macron was able to collect was an amount of less than $300 million dollars, insufficient to repair even part of what was destroyed by the Beirut Port explosion. Hence, if we include this financial shortfall and the US role after November 3d election, it is very unlikely that Paris will achieve its desired goals in Lebanon.

Proofread by:   Maurice Brasher and C.G.B.

 

Military Escalation in the Middle East: Is Israel Planning a Multi-Front War against Its Arab Neighbors?

Source

 July 31, 2020

If you watch the US mainstream media’s 24 hour news coverage on recent events around the world no matter what time of the day it is, Covid-19 and China dominate the headlines while ignoring recent escalations in the Middle East involving Israel and its Arab neighbors as they come closer to another war in an already devastated region.

The Times of Israel reported that the Israeli government

“sent a message to Hezbollah warning the Lebanese terror group against any retaliatory action in response to the killing of one of the organization’s fighters in an airstrike in Syria on Monday night, which was attributed to Israel.”

According to various reports, Israel has killed one of Hezbollah’s fighters Ali Kamel Mohsen Jawad in another cross-border attack in Syria last week and now fears that Hezbollah will retaliate, but Israel’s military and intelligence community has issued a statement aimed at Hezbollah, Lebanon and Syria warning them not to retaliate considering that Israel would most likely launch a multi-front attack on all entities involved. The report said that “the airstrike attributed to Israel on Monday night hit weapons depots and military positions belonging to Syrian regime forces and Iran-backed militia fighters, according to the Syrian Observatory for Human Rights.”

For the record, The Syrian Observatory for Human Rights (SOHR) is a UK government funded pro-opposition group to the Assad Government. In a statement by the Israeli army, “The IDF holds the Syrian regime responsible for the fire against Israel earlier today” and that “the IDF will continue operating with determination and will respond to any violation of Israeli sovereignty.” What was revealing was an unannounced meeting between the US Chairman of the Joint Chiefs of Staff General Mark Milley and Israel’s top military leaders including Defense Minister Benny Gantz:

US Chairman of the Joint Chiefs of Staff Gen. Mark Milley, made an unannounced visit to Israel, meeting with Defense Minister Benny Gantz, IDF chief Lt. Gen. Aviv Kohavi and Mossad director Yossi Cohen, along with other top brass. 

Israeli television commentators speculated on the possible significance of the visit, particularly regarding the threat posed by Iran and its Lebanese ally Hezbollah. “In light of a situational assessment in the IDF and in accordance with the Northern Command’s defense plan, the IDF’s deployment will change in both the military and civilian arena. with the goal of strengthening defenses along the northern border,” the IDF said in the statement. In a tacit threat, the IDF preemptively warned Beirut that it sees the state of Lebanon as “responsible for all actions emanating from Lebanon”

Something big is about to take place as the IDF “cleared some troops out of positions directly along the border, moving them deeper into Israel, so that they would not represent a clear target for Hezbollah, while still allowing them to defend the frontier” according to the report.

However, Milley’s visit at the Nevatim Air Base in southern Israel is significant according to another report by the Times of Israel ‘US military chief visits Israel to talk regional threats, amid tensions in north’ stating that “the visit came at a time of heightened tensions with Iran and its allies across the Middle East.” General Milley was briefed by Israel’s Intelligence agencies including Mossad and Israel’s military intelligence unit, Aman on the threat they face from Iran and its allies. After the briefing, Gantz declared that “the need to continue the pressure on Iran and its proxies that threaten regional and global stability” signaling to it’s neighboring enemies “not” to test Israel.

Lebanon has two major problems to deal with besides another catastrophic war, for starters it has a severe economic crisis with a collapsing currency.

The other problem is their newly discovered offshore oil and gas reserves which the US and Israel would love to get their hands on. Lebanon’s offshore oil reserves is estimated to be at 865 million barrels and has gas reserves that range from 25 trillion cubic feet (an estimate published in 2018 by the Chatham House which is part of the Royal Institute of International Affairs, a think tank based in London) to 96 trillion cubic feet in 2013, an estimate claimed by the Lebanese Energy Minister at the time, Gebran Bassil. Either way, Lebanon hosts Hezbollah on its territory and has discovered an abundance of natural resources in its offshore territories, its a prime target for Israel and the US.

War Will Begin in the Middle East, Not Asia?

The recent incident involving Iran’s Mahan air passenger plane traveling from Tehran to Beirut over Syria and a US F-14 fighter jet who apparently came dangerously close to the plane according to Iranian media is a sign of aggression that sends a message to Iran and its allies including Hezbollah that the US and Israel is prepared for war. Israel does not want Washington to focus on China since the upcoming US elections are months away and Israel is not sure what is going to happen come this November with Trump and his pro-Israel administration. Israel cannot afford to have Washington start a new war with China so for the time being tensions between the US and China will lead to a new Cold War 2.0.

The Middle East is an important region that remains a strategic part of the world’s economy with its valuable natural resources, a fact too important to ignore for western Big Oil interests and Israel. The meeting between US and Israeli military officials is significant and should be taken seriously, but the world is consumed with news on Covid-19 and China. Another Middle East war can happen either before or after the November elections and that depends on how desperate Israel becomes. Israel can pull Washington’s strings and ignite a war between the US and Iran before the situation intensifies in the South China Sea.

While the world is occupied by a virus and the tensions in the South China Sea continue between the US and China and an upcoming Presidential election, a new conflict between Israel and its Arab neighbors is a real possibility, making it one of the most dangerous periods in human history.


By Timothy Alexander Guzman
Source: Silent Crow News

«إسرائيل” اعتدت…والمقاومة ستردّ حتماً…فماذا بعده؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تصرّ “إسرائيل” على الزعم بوجود قوات عسكرية إيرانية في سورية تتمركز بين دمشق والجولان وأنها تشكل خطراً على “الأمن الإسرائيلي”، لذا قرّرت التدخل العسكري للضغط على هذه القوات لإجبارها على الرحيل، وقد ادّعى نتنياهو انّ هذه الضغوط النارية أدّت بالفعل الى ضمور في الوجود الإيراني في سورية بشكل يشجع على مزيد من العمليات لاستكمال الانسحاب، ولأجل هذا تدّعي “إسرائيل” أنها كثفت عملياتها وطوّرتها الى العمق السوري في إطار ممارسة الضغوط الميدانية القصوى ضدّ الوجود الإيراني في سورية.

بيد أنّ الزعم الإسرائيلي يجافي الحقيقة في أكثر من موضع، أولاً لجهة طبيعة الوجود الإيراني إذ ليس لإيران قوات عسكرية ومراكز عسكرية قائمة استقلالاً عن القوات السورية، بل لديها كما أكدت مراراً خبراء عسكريون جاؤوا الى سورية بطلب من الحكومة الشرعية فيها ومهمّتهم تتركز على توفير ما يمكن من دعم للقوات السورية في حربها الدفاعية في مواجهة من شنّ الحرب الكونيّة التي تستهدفها. ثانياً لم يتراجع الوجود العسكري الإيراني حجماً ولم يتغيّر بطبيعته بتأثير من الاعتداءات “الإسرائيلية” وإذا كان قد تغيّر حجمه، فإنه تغيّر صعوداً وليس تراجعاً ما يؤكد فشل “إسرائيل” في تحقيق شيء من هدفها المعلن ولذلك نتجه للقول بأنّ للعدوان “الإسرائيلي” على سورية أهدافاً غير التي تعلنها.

أما عن وجود حلفاء إيران بخاصة حزب الله فإنّ وجوده في سورية وجود قتالي، وهو يجاهر به، وقد نفذه بناء على طلب من الشرعية السورية وعملاً بقاعدة تلتزمها المقاومة وأعلنتها جهاراً تقول “نكون حيث يجب أن نكون” وحزب الله في سورية لأنه رأى انّ عليه ان يكون فيها للدفاع عن المقاومة وعن محور المقاومة عبر مساعدة الجيش العربي السوري في إطار حربه الدفاعية في وجه عدوان شاركت فيها دول إقليمية ودولية حشدت أكثر من 300 ألف مسلح وإرهابي سوري وغير سوري لإسقاط قلعة المقاومة الوسطى.

إنّ اعتراض “إسرائيل” على قتال حزب الله الى جانب الجيش السوري أو السعي لمواجهته يشكل عدواناً مكتمل العناصر على سورية وحزب الله معاً، ولذلك كان واضحاً وقاطعاً الأمين العام لحزب الله بتوجيه إنذار الى “إسرائيل” مفاده انّ “أيّ مسّ بمقاوم او عنصر من عناصر الحزب يعمل في سورية سيردّ عليه من أيّ مكان في لبنان داخل او خارج مزارع شبعا”، وأرسى قائد المقاومة بمقولته تلك قاعدة اشتباك إضافية ومعادلة واضحة للمواجهة مع العدو من شأنها ان تحمي المقاومة وعناصرها على كلّ المستويات في سورية واختبرت “إسرائيل” جدية هذه المعادلة بعد أن نفذت المقاومة عملية “افيفيم” منذ أشهر حيث استهدفت بصواريخها المضادة للدروع قافلة “إسرائيليّة” داخل فلسطين المحتلة ثأراً لمقاومين استهدفتهم الطائرات الإسرائيلية.

ولكن يبدو أنّ “إسرائيل” تريد اليوم أن تختبر المقاومة مجدّداً بعد كثير من التطورات الإقليمية والداخلية اللبنانية، فأقدمت على عدوان جوي استهدف أحد مواقع حزب الله في ضواحي دمشق، ما أدّى الى استشهاد مقاوم من الحزب، وكعادته فإن الحزب لا يخفي شهداءه بل يفاخر بهم وإنْ كان يمتنع أحياناً لضرورات أمنية او عملانية عن تحديد مكان الاستشهاد وسببه، إلا أنه هذه المرة أعلن كلّ شيء عن الشهيد محسن الذي كان يرابط في سورية قادماً من بلدته عيتيت في جنوب لبنان. فنعى الحزب شهيده مؤكداً أنه قضى بنار عدوانية إسرائيلية استهدفت موقعه في سورية، نعي – إعلان يؤكد انّ شروط الردّ على العدوان متوفرة جميعها وفقاً للمعادلة الناظمة للمواجهة وبالتالي ليس الأمر بحاجة الى قرار بالردّ. فالقرار حتميّ طالما انّ شروطه اكتملت أما التنفيذ، فإنه يبقى خاضعاً لظروف عملانية لا تقيّدها سياسة.

بيد أنّ أسئلة تطرح هنا منها: لماذا استهدفت “إسرائيل” حزب الله الآن؟ وهل تريد أن تخرج من معادلة الردع الاستراتيجي المتبادل مع حزب الله؟ وهل يشكل عدوانها نقطة إضافية في مسار التهيئة للحرب ضدّ الحزب؟ أو لاستدراجه إليها؟ في ظلّ ما يروّج له من مؤثرات سلبية تحاصر حزب الله في الداخل اللبناني، حيث أضاف البطريرك الراعي الى مشاكل لبنان المؤلمة ملفاً خلافياً متفجراً بطرحه حياد لبنان في هذا التوقيت!

لقد سبق لـ “إسرائيل” أن اتخذت قراراً بالتنقيب عن الغاز في جوار البلوك 9 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية، قرار يؤثر سلباً على حقوق لبنان في المنطقة البحرية المتنازع عنها، ما يجعل تنفيذه بمثابة تحدّ واستدراج لمواجهة عسكرية مع لبنان تردّ فيها المقاومة على العدوان الإسرائيلي من أجل حماية الغاز اللبناني، لكن “إسرائيل” وعبر القنوات الدبلوماسية وجهت رسائل غير مباشرة أوحت بأنّ القرار الإسرائيلي بالتنقيب هو قرار مستأخر التنفيذ وقد تكون وظيفته الفعلية والحقيقية الضغط على لبنان لجره الى طاولة التفاوض والقبول بحلّ أميركي يراعي مصلحة “إسرائيل”. وهكذا عطل المفعول التفجيري للقرار وبقي شبح المواجهة والحرب بعيداً.

اما الآن ومع المتغيّرات المتسارعة في لبنان والإقليم فإنّ طرح الأسئلة حول العدوان الجوي الإسرائيلي واستهداف المقاومة في سورية، مبرّر ويجب البحث عن هدف “إسرائيل” الحقيقي منه خاصة أنه منذ نعي حزب الله شهيده يُسجل سلوك عسكري إسرائيلي مريب في منطقة الحدود، ففضلاً عن الاستنفار الشامل استقدمت “إسرائيل” تعزيزات عسكرية كبيرة من المشاة والمدرّعات توحي بأنها تستعدّ لعمل عسكري ما، فهل ستكون الحرب وسيكون العدوان الجوي بطاقة الدعوة اليها؟ لكن وقبل مناقشة مسألة الحرب من عدمها نرى أنّ هناك ثلاثة أهداف رمت “إسرائيل” اليها مستغلة الواقع اللبناني الداخلي والضغط الأميركي هي:

1

ـ اختبار حزب الله وقدرته أو قراره في الردّ في ظلّ انشغاله بالوضع الداخلي في لبنان بعد المتغيّرات الأخيرة إثر التدابير الخانقة التي فرضتها أميركا على لبنان وسورية، وبعدما أحدثه طرح البطريرك الراعي من خلافات وسجالات حادة.

2

ـ محاولة “إسرائيل” الخروج من معادلة حماية المقاومين في سورية المعادلة التي أرساها السيد نصر الله كما وتريد فصل الميدان السوري عن الميدان اللبناني وهو ما يسعى محور المقاومة لجعلهما جبهة واحدة.

3

ـ مواصلة “إسرائيل” تنفيذ ما يقول عنه نتنياهو من استراتيجية الضغوط القصوى لإخراج إيران وحلفائها من سورية والتأكيد على نجاح هذه السياسة.

أما عن السؤال الآخر أيّ هل سيكون ردّ المقاومة مدخلاً للحرب؟

بداية نقول إنّ المقاومة ملزمة بالردّ والردّ حتمي لأكثر من اعتبار، وهو ردّ سيشكل في طبيعته ومكانه، تأكيداً على قوة وقدرة حزب الله المتصاعدة حجماً وفعالية، ردّ يوجه رسائل ضرورية الآن لكلّ معنيّ بالشأن، كما انه سيشكل عقاباً لـ “إسرائيل” على جريمتها، وثأراً لدم الشهيد، كما يشكل تثبيتاً صارماً لمعادلة الردع وقواعد الاشتباك الأساسية والإضافية.

أما عن الذهاب إلى الحرب فإننا نذكّر بأنّ المقاومة لا تزال تعمل بالاستراتيجية الدفاعية، وهي وإنّ كانت تنفذ بعض العمليات الهجومية فإنها تنفذها في معرض الدفاع، وهو أمر مألوف ومشروع، فإذا أرادت “إسرائيل” أن تثبت بأنّ قراراتها بالتنقيب عن النفط ثم استهداف المقاومة في سورية هي أعمال استدراج للحرب وتنتظر ردّ المقاومة لتشنّها أو أن تضع المقاومة بين خيارين إما الحرب او السكوت، فإنها لن تجد من المقاومة سكوتاً تشتهيه بل ستجد ناراً بمستوى ما يفرضه التحدّي.

وبالتالي الردّ واقع حتماً وعلى “إسرائيل” ان تختار بين ابتلاع الردّ الآتي لا محالة مهما كان حجمه وتأثيره أو الذهاب الى الحرب التي لا تسعى اليها المقاومة الآن، لكنها على أتمّ الجهوزية لها، جهوزية لم تؤثر فيها كلّ أعمال الصخب والضجيج والتحدّيات المتنوّعة في الداخل اللبناني أو الإرهاب الأميركي… ومع ذلك لا نزال نرى أنّ الحرب مستبعدة الآن و”إسرائيل” قبل غيرها تعرف أنّ الحرب ليست في مصلحتها… لكنها تحاول أن تبتزّ وتناور لتكسب شيئاً تظنّ انّ تحققه ممكن. ثم تحصد الخيبة.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

مقالات متعلقة

أي انحياز تستهدفه دعوات الحياد؟

التعليق السياسي

عملياً تقوم دعوات الحياد بوجه انحياز يسبب الأذى للبلد ترتكبه مؤسسات الدولة، فهل يمكن لأحد أن يشرح للناس طبيعة الانحياز الذي تريد دعوات الحياد استهدافه؟

رئيس الجمهورية الذي يعتبر حليفاً لحزب الله يزور الرياض ولا يزور دمشق وطهران ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، رغم أنهما جزء من حلف المقاومة يقفان على مراعاة مواقف الرياض وواشنطن ولا يريدان إزعاجهما بموقف، فأين هو الانحياز؟

الواقع أن لبنان في حياد إيجابيّ نحو واشنطن والرياض في مضمون العلاقة بين محوري دمشق طهران وواشنطن الرياض، ودعوات الحياد تقول إن هذا لا يكفي. فالمطلوب الانحياز أكثر لمحور واشنطن الرياض والانحياز الأكثر هو الضغط على المقاومة لجلبها إلى هذا الانحياز، لأن واشنطن لا تقيم اعتباراً لأحد في لبنان غير المقاومة، طالما أن بيدها قدرة الضغط على زر إطلاق الصواريخ على كيان الاحتلال.

ما الذي لا يرضي واشنطن باعتبارها صاحبة القرار وليست الرياض، وتريد الحصول عليه لتعتبر مراضاتها

من الرؤساء والوزراء قد بلغت المدى المطلوب؟

على المدى البعيد تريد واشنطن أن يتأهل لبنان لمفهوم الحياد ببدء تقبل فكرة توطين اللاجئين والنازحين باعتبارها جزءاً من منظومة الحياد، ودول الحياد عموماً تسمى دول ملجأ. وقبول لبنان بالتوطين يوفر الفرصة المطلوبة لتقدم مشروع صفقة القرن، وعلى المدى المتوسط تريد واشنطن تجميد حضور المقاومة المزعج لكيان الاحتلال والمهدّد وجوده خصوصاً في ملفي الصواريخ الدقيقة والتمركز في سورية، وقد قال ذلك جيمس جيفري ومايك بومبيو بوضوح. وعلى المستوى القريب تريد واشنطن قبولاً لبنانياً بخط ترسيم الحدود البحرية المقترح من قبلها لتغليب مصالح كيان الاحتلال على مصالح لبنان في ملف النفط والغاز. وقد قال ذلك معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر علناً.

لماذا يتهرب دعاة الحياد من الأجوبة المباشرة على هذه النقاط؟

السؤال الأهم هو لماذا لا تمنحهم واشنطن دعمها العلني والدبلوماسي لإعلان حياد لبنان طالما أنها الصديق الذي يريدون كسب ودّه ليتحنن على لبنان بعد إعلان حياده، أليس لأنها تريد منهم ما سلف ولا هي تجرؤ على الطلب فتسقطهم وتفضح دعوتهم علناً بعيون اللبنانيين وهي تريدها خداعاً بصرياً يتحول إلى حرب نفسية، ولا هم يجرؤن على القبول لأنهم سيسقطون بقبول التوطين والترسيم بالشروط “الإسرائيلية”، فيكتفون بإثارة الضجيج وتكراره بكلمات غامضة تتحرك على القشرة ولا تجيب على الجوهر لتخدم هذه الحرب النفسية.

مقالات متعلقة

هل عاد بومبيو إلى نصائح فيلتمان ودعوة لومير؟

ناصر قنديل

قبل تسعة شهور وغداة انتفاضة 17 تشرين الأول، استمعت لجنة الخارجية في الكونغرس الأميركي إلى السفير السابق جيفري فيلتمان في مداخلة مطوّلة، وكان أبرز ما ورد فيها دعوة فيلتمان للاستثمار على الانتفاضة وتزخيمها كفرصة يمكن لها أن تخدم السياسات الأميركية في لبنان والمنطقة، على قاعدة أن الأزمة المالية والاقتصادية مستمرة ومتصاعدة وهي في جزء منها ثمرة العقوبات الأميركية، بهدف محاصرة حزب الله كعنوان للمقاومة بوجه كيان الاحتلال، لكن فيلتمان وضع ضوابط لهذا الاستثمار على الأزمة والانتفاضة معاً، أولها عدم المبالغة بتحميلهما أوزار مهام فوق طاقتهما، كطرح مستقبل سلاح المقاومة في التداول، وبالتالي الدعوة للتواضع في رسم السقف الذي يمكن للأزمة والانتفاضة أن تخدمه على هذا الطريق، وحصره بمحاصرة وإضعاف التيار الوطني الحر كحليف للحزب والمقاومة، ساهم بتوفير مظلة وطنية لهما، ومنحهما من موقع وجوده في رئاسة الجمهورية مقداراً أعلى من الشرعية، رابطاً صرف رصيد هذا الاستهداف بالانتخابات النيابية المقبلة وليس المبكرة. الضابط الثاني الذي وضعه فيلتمان كان عدم المبالغة بالضغط المالي بالتوازي مع عدم المبالغة بالتوقعات، لأن المزيد من الضغط المالي قد يؤدي لانهيار غير محمود العواقب، والمزيد من الضغط قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً كاستحضار روسيا والصين، وتكامل دول المشرق وصولاً إلى إيران. والضابط الثالث كان الدعوة لوضع الاستعداد لتمويل لبنان على الطاولة، مستذكراً أن حجم كل ديون لبنان الخارجية أقل من كلفة سنة واحدة تنفقها السعودية على حربها في اليمن. والضابط الرابع هو عدم وضوع شروط سياسية تتصل بحضور حزب الله مقابل هذا التمويل، بل حصر الشروط بطلب الإصلاحات التي وردت في مؤتمر سيدر.

قبل ستة شهور عقد في الرياض اجتماع افتراضي لوزراء مالية الدول المشاركة في قمة العشرين، التي تترأس السعودية دورتها هذه المرة، وتكلم في الاجتماع وزير مالية فرنسا برونو لومير، وقال إن “فرنسا مستعدّة لدعم لبنان مالياً، في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف»، ونقلت وكالة “رويترز” عن لومير تحذيره في نهاية الاجتماع من “خلط التعافي الاقتصادي في لبنان مع الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران في المنطقة”، وتابع: “نعرف أن ثمة روابط بين المسألتين، لكننا لا نريد خلط قضية التعافي الاقتصادي في لبنان، وهو اليوم في حالة طوارئ واضحة، مع مسألة إيران”.

رفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ممثلة خصوصاً بوزير الخارجية مايك بومبيو، الإصغاء لصوتي فيلتمان ولومير، وحددت إطاراً لتعاملها مع الوضع في لبنان بما أسماه بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر بالضغط الأقصى، ووضع المقابل على الطاولة وهو تحجيم حزب الله وصولاً لانتزاع تنازل من الدولة اللبنانية في ملف ترسيم الحدود البحرية بقبول خط الترسيم الذي اقترحه المبعوث الأميركي فريدريك هوف، وكان شينكر صريحاً بقوله، أنتم في معاناة كبيرة ولديكم ثروات واعدة في الغاز في البحر حولها نزاع مع “إسرائيل” وقد قدمنا لكم تصوراً للحل ومن مصلحتكم أن تقبلوا هذا التصور. وجاء تفعيل قانون قيصر للعقوبات على سورية، ليضيف للضغط الأقصى مزيداً من الضغط على لبنان، وحدد جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص بسورية سقف المطلوب للتراجع، أسوة بما فعله شينكر، قائلاً إن حكومته تريد العودة إلى العام 2011، فتسلم بانتصار الرئيس السوري، مقابل أن تخرج قواتها من سورية ويخرج بالمثل حزب الله وإيران منها.

المطلبان يعنيان أمن ومصالح كيان الاحتلال، ولا علاقة لهما بالملفات الإصلاحية التي تحدث عنها سيدر، كما دعا فيلتمان، ويمثلان الحد الأقصى من الربط بين الأزمة اللبنانية والمواجهة الأميركية مع طهران، كما حذر لومير، والعنوان طلب أمن “إسرائيل” ومصالحها من حزب الله، فخرج الأمين العام لحزب الله بمعادلته الشهيرة، أنت تخيّرني بين الجوع والقتل، فلن نجوع وسنقتلك سنقتلك سنقتلك، ومنذ ذلك الإعلان، بدا أن المقاومة وضعت للجهوزيّة ترتيباتها وبنوك أهدافها، وأعقبتها بوضع أطروحة التوجه شرقاً على الطاولة، من المشتقات النفطية الإيرانية مقابل الليرة اللبنانية، إلى البوابة العراقية كبلد نفطي وسوق استهلاك، والتكامل السلعي الغذائي والاستهلاكي مع سورية، وصولاً لطرح حزمة مشاريع للتعاون مع الصين، وانتهاء بالإعلان عن الجهاد الزراعي والصناعي.

تراجع بومبيو وتراجعت سفيرته، ولم يعُد تغيير الحكومة مطلباً، وبات الحديث عن مساعدات للبنان مقابل الإصلاحات. وبدأ الحديث عن دول خليجية ستضع ودائع بالدولار لدى مصرف لبنان، بعد حصولها على إشارات أميركية، وزارت السفيرة الأميركية السراي الحكومي لتناول طعام الغداء مع رئيس الحكومة الذي دعت لاستبداله بالموظف الذي رفض رئيس الحكومة إعادة تعيينه نائباً لحاكم المصرف المركزي، وبعدما كانت السفيرة تقول إن التفاوض على الحدود البحرية مجمّد بانتظار تلقي موافقة لبنانية على خط هوف، بادرت لزيارة رئيس مجلس النواب لتستمع إلى شروط لبنان لاستئناف التفاوض وتعد بنقلها ودراستها للعودة مجدداً..

معادلة الردع في المواجهة المالية بدأت تتشكل أسوة بما جرى في معادلات الميدان، التي يبدو أن ما فيها من بنك أهداف قد تسبب بالقلق لبومبيو وإدارته في واشنطن، بمثل ما تسبب الذعر في تل أبيب.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

شارع المقاومة يُسقِط «قيصر» في عوكر… رسائل تهديد تُدجِّن السفيرة الأميركيّة!

تظاهرة منددة بالحصار الأميركي الجائر أمام السفارة الأميركية في عوكر

 محمد حميّة

انقلب المشهد السياسي الداخلي رأساً على عقب… فبعد الاستباحة الأميركية للساحة اللبنانية على مدى أسابيع، تغيرت الصورة خلال الأيام القليلة الماضية وتوّجت أمس، بحدثين: سياسي دبلوماسي تمثل بزيارة السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا الى السرايا الحكوميّة ولقائها رئيس الحكومة حسان دياب، الثاني شعبي أمني تمثّل بالتحرك الذي شهده محيط السفارة الأميركيّة في عوكر احتجاجاً على السياسة الأميركية العدوانية ضد لبنان ومحاولة اقتحام حرم السفارة والدخول اليها.

اجتماع بين دياب وشيا في السراي الحكومي... واستبقاء السفيرة الى ...

فما هي الوقائع والمعطيات التي أدت الى استبدال أجواء التصعيد الأميركي الى حدود التلويح بإسقاط الحكومة والتهديد بالحرب العسكرية، بأجواء حوارية وهادئة؟

فبحسب معلومات «البناء» فإن دوائر القرار المعنية في الولايات المتحدة تلقفت رسائل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه ما قبل الأخير بجدية واهتمام كبيرين، لكنها لم توقف حربها على لبنان وكانت تراهن على خطوة سياسية أمنية تقلب توازن القوى السياسي والحكومي الداخلي وذلك عبر إسقاط حكومة الرئيس دياب في الشارع بمساعدة حلفائها من القوى السياسية المحلية وترك البلد في فراغ وفوضى اجتماعية مشرعاً أمام احتمالات الفتنة الطائفية والمذهبية، وبالتالي إجبار القوى السياسية على تأليف حكومة جديدة بشروط أميركية يرأسها أحد الموظفين المصرفيين النافذين المحسوبين عليها، وإما اجراء انتخابات نيابية جديدة تظن أميركا أنها تعبث بالخريطة السياسية للمجلس النيابي الحالي، وعلها بذلك تدفع حزب الله الى التنازل والتسليم بالشروط الأميركية في ملفات عدة أبرزها ملف النفط والغاز في البلوك المتنازع عليه في المياه الإقليمية.

أما هدف إسقاط الحكومة فيصب في هذا الاتجاه. فالمخطط الأميركي بحسب معلومات «البناء» تركز على إطاحة حكومة دياب وتحويلها الى تصريف أعمال كي لا تتمكن من اتخاذ اي قرار في الملفات السيادية لا سيما في موضوع النفط والغاز، وبالتالي يمنع لبنان من تلزيم أي من بلوكاته النفطية ولا عقد اي اتفاقات اقتصادية مع دول عدة مستعدة لمساعدته لكسر قانون العقوبات قيصر وإنقاذ البلد من الانهيار ليبقى أمامه خيار وحيد هو صندوق النقد الدولي.

وبحسب المصادر، بعد فشل مخطط إسقاط الحكومة والهجمة الحكومية المرتدة على صعد عدة لا سيما زيارة الوفدين الصيني والعراقي الى السرايا الحكومية واتفاق السلة الغذائية الجديدة، وتزامن ذلك مع خطاب حاسم للسيد نصرالله حمل رسائل تهديد للأميركيين وبعد تلمّس واشنطن جدية حكومية بالتوجه الاقتصادي الى دول كالعراق والصين وايران وسورية مع الإعلان عن أن بواخر المساعدات الايرانية المحملة بالمحروقات والمواد الغذائية ترسو في المياه الإيرانية تنتظر اشارة الانطلاق الى لبنان، أوعزت وزارة الخارجية الأميركية الى سفيرتها في لبنان بالتهدئة ولجم الاندفاعة التصعيدية والانفتاح على الحكومة ورئيسها للحفاظ على العلاقة مع لبنان وقطع الطريق على دخول دول أخرى الى الساحة اللبنانية. وتعزّزت القناعة الأميركية بضرورة التغيّر بعد سماع السفيرة الأميركيّة الموقف اللبناني الحاسم في عين التينة على لسان الرئيس نبيه بري برفض لبنان المطلق التنازل عن حقوقه في ملف النفط والغاز.

تظاهرة منددة بالحصار الأميركي الجائر أمام السفارة الأميركية في عوكر

أما انقلاب المشهد فتجلى أيضاً بعودة قوى وأحزاب المقاومة للسيطرة على الشارع عبر التحرّكات الشعبية باتجاه السفارة الأميركية في عوكر رفضاً للسياسة الأميركية العدوانيّة تجاه لبنان، بعدما تفردت واشنطن في التحكّم بالشارع منذ 17 تشرين الماضي عبر تحريك أحزاب 14 آذار ضد الحكومة وسلاح حزب الله وتنظيم تظاهرة داعمة للسياسة الأميركية في لبنان وتطبيق القرارات الدولية، فكانت تظاهرة الأمس ضربة مفاجئة للمخطط الأميركي تلقفتها السفارة الأميركية على أنها رسالة أمنية سياسية من حزب الله وحلفائه تحمل في طياتها غضباً وحنقاً من الشعب اللبناني بمختلف تلاوينه من العربدة الأميركية وسياسة حصار لبنان وتجويع شعبه، وبالتالي تشكل جرس إنذار لبداية التحرر اللبناني من الاجتياح الأميركي للبنان بوسائل اقتصادية والسطو على القرار السيادي. الأمر الذي يهدد المصالح الأميركية في لبنان والنفوذ التاريخي في هذه المنطقة. فأدت هذه الرسالة غرضها بأن دفعت الدبلوماسية الأميركية في لبنان للعودة الى «حضن» الشرعية اللبنانية، ولذلك تنقلت شيا بين مقرّي الرئاستين الثانية والثالثة للاحتماء من غضب الشارع.

هكاذ أجهض الشارع قانون «قيصر» قبل أن يولد وأمام «أمه وأبيه» أي في سفارة عوكر المكان الذي عقدت فيه الاجتماعات ونُسجت المخططات للإطاحة بالحكومة وضرب الاستقرار، بحسب ما أكدت معلومات رسمية لـ«البناء».

فالولايات المتحدة بحسب مصادر نيابية في فريق المقاومة تعمل على خنق لبنان لكن ليس قتله، فلا مصلحة لديها بدفع لبنان الى الفوضى الكاملة والحرب الأهلية لأن ذلك يدفع حزب الله وحلفاءه من أحزاب وقوى المقاومة لتنفيذ «الخطة ب» أي اعلان الولايات المتحدة عدوة للبنان وسفارتها موقع عدواني تجب إزالته وفتح لبنان لدخول دول أخرى لإنقاذه اقتصادياً، لذلك تلقفت أميركا رسائل التهديد المتنوعة ما دفعها الى تدجين سفيرتها في لبنان وتأنيبها على تصرفاتها الأخيرة.

علماً أن مصدراً دبلوماسياً لبنانياً سابقاً في واشنطن ومطلعاً على السياسة الأميركية يؤكد لـ«البناء» أن «واشنطن لا تريد إغراق لبنان بالانهيار الكامل بل تريد الضغط على لبنان لتحميل حزب الله المسؤولية وتقليب البيئة الشعبية عليه ودفعه للرضوخ للإملاءات الأميركية الإسرائيلية». وتوقع المصدر استمرار الضغط الأميركي على لبنان مع بعض الليونة في الموقف الأميركي وبعض الإجراءات للتخفيف من حدة الأزمة اللبنانية وذلك حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية على أن تبدأ ملامح مرحلة جديدة في لبنان والمنطقة والعالم مطلع العام المقبل مع تلمس توجهات وسياسات الإدارة الأميركية المقبلة».

وبدا الربط واضحاً بين الليونة الأميركية تجاه لبنان والمؤشرات الإيجابية الخارجية التي لاحت مؤخراً، كزيارة الوفد الصيني تلاه الوفد العراقي الى بيروت ثم ورود إشارات إيجابية من دول خليجية لا سيما قطر والكويت وإحياء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والحديث عن زيارة وزير خارجية فرنسا الى بيروت. ما يشير الى ضوء أصفر أميركي لحلفائها في المنطقة للتأهب لمساعدة لبنان لقطع الطريق على الاندفاعة الإيرانية لكن متى يتحول الى ضوء أخضر؟

يجب الحذر من المناورات الأميركية ما يستوجب على الحكومة الاستمرار بخيار الانفتاح على الشرق ولا تراهن على الإيجابية الأميركية فقد تخسر الاثنين معاً، فالشرق بات حاجة ملحّة للبنان من دون إقفال الأبواب مع الغرب، لكنه وسيلة تعزز الموقف التفاوضي اللبناني.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

U.S. interfering in Arab countries to guarantee Israel’s security: Lebanese journalist

By Mohammad Mazhari

July 4, 2020 – 10:56

Source

TEHRAN – A Lebanese journalist believes that U.S. interference in the Arab countries is first and foremost intended to provide security for Israel.
After U.S. Ambassador to Lebanon Dorothy Shea’s comments against Hezbollah in an interview with Saudi state-owned broadcaster al-Hadath, her words were rebuffed as open interference in the domestic affairs of Lebanon and a violation of diplomatic norms.
Shea had accused Hezbollah of obstructing economic reforms in Lebanon.
“Frankly, this resembles an act of war against a certain group of Lebanese society,” Abir Bassam tells the Tehran Times 
Bassam says, “It is not the ambassadors’ job in general to discuss the country’s internal affairs.” 
Following is the text of the interview:
Q: What is your comment on the statements of the U.S. ambassador to Lebanon?
A: In the best-case scenario, we can say that the ambassador was critical of Hezbollah in Lebanon. However, it did not stop at this stage. The ambassador accused Hezbollah of taking the Lebanese government hostage and holding back its economic growth.
Firstly, this kind of speech addresses the Lebanese people and their officials and is considered interference in domestic affairs.
“This kind of remarks (by the U.S. ambassador) is provocative to those who have always been aligned with the resistance movement, and even causes frustration to those who are against Hezbollah.”Secondly, this kind of remarks are provocative to those who have always been aligned with the resistance movement, and even causes frustration to those who are against Hezbollah.
Thirdly, it is not the ambassadors’ job in general to discuss the countries’ internal affairs. Besides, this shows Americans’ intentions towards Hezbollah and Lebanon’s stability, which is becoming more and more fragile since the 17th of November 2019.
The ambassador’s accusations present an aggressive political attitude towards a certain group of people who are part of the Lebanese population and are officially represented with Hezbollah parliamentarians in the Lebanese parliament. Frankly, this resembles an act of war against a certain group of Lebanese society.
Q: Do you think these statements signal new developments in Lebanon? 
A: It might be. Or perhaps the Americans are preparing for such a thing. In the end, the Americans’ interferences in the Arab countries have been aimed at one end goal, which is the security of Israel.
However, the Resistance in Palestine, Lebanon, Syria, is their biggest challenge to protect Israel. And it is still true. Hence, one element of protection for Israel can be provided by recalling for civil war in Lebanon again.
Q: Why Lebanon’s economy is in crisis? Is Hezbollah really jeopardizing the economy in Lebanon?
A: The Lebanese fundamental economic crisis has started with the economic procedures adopted by the governments of Lebanon since 1991. The economic policy was based on services, turning Lebanon into a service provider state in the region. These services depend mainly on monetary services and different kinds of tourism: from sightseeing to medical tourism. To a large extent, this marginalized agriculture and industry and made Lebanon dependent solely on imports and very little export. However, Lebanon had to compete with other main countries that have been remotely providing these services and doing an excellent job, such as India, Australia, and Belgium. Lebanon, especially after the 15-year civil war (1975-1990), cannot be such a competitor to these states.
This policy was deeply related to the atmosphere that prevailed in 1990, with many Arab countries signing peace treaties with Israel. Syria was leading such peace talks as well, after the first war in the (Persian) Gulf in 1990. However, the foundation of such economic policy proved to be based on cartoon boards. Syria withdrew from the peace talks, Rabin was killed, and Lebanon backed by Syria continued its resistance against the Israeli occupation in South Lebanon. In this period of history, Hezbollah demonstrated formidable Resistance and Islamic Resistance that led to significant accomplishments against Israel until the liberation of the South in May 2000.
Regarding the second part of the question, it can be simply stated in the following manure: the U.S. will not give any financial aid to Lebanon as long as Hezbollah is in the government. The U.S. doesn’t have any problem with Hezbollah as a political party; it has a problem with its Axis of Resistance; in other words, it has a problem with Hezbollah’s advanced missiles arsenal, which brings us back to the basics that are the Israeli’s security! 
Therefore, the World Bank will not be giving any more loans based on its conditions. Hezbollah insists that the conditions should not contradict Lebanon’s sovereignty and its autonomous decisions. It argues that the World Bank is not allowed to interfere in the Lebanese internal and external decisions.
Q: Do you expect the Lebanese government to contain the economic crisis?
A: Diab’s government has been doing fine with all the crises accumulated during the past 20 years. However, this government is not getting the support it needs even from the parties that have brought it into existence. Too many conflicting interests are governing these parties and, in particular, the coming (U.S.) presidential elections.
A sharp fall in the value of the Lebanese currency is the worst thing that was tasked with this government to deal with. Working with a central bank governor who has allowed the smuggling of the dollars outside the country and guarding the U.S. interests are among the major obstacles, as politicians and fiscal specialists have repeatedly accused him of. The dollar price defines the prices in Lebanon, including gasoline, bread, rice, vegetable, meat, medicine, etc. 
The government’s main problem is that it has not been able to present an emergency policy for passing the current stage or a long-term plan to face the following phases. 
The government’s measures are trying to take into account the development of the agricultural and industrial sectors. Still, Lebanon’s borders to the East are closed, even with its sister country, Syria. It is under American restrictions; it seems that Lebanon is unable to face these challenges.
In the end, all should take responsibility for this condition, including the current government and the majority in the parliament. They need to take bold steps towards Syria, Iran, China, and Russia…etc. It should get close to the whole countries mentioned above, or at least Syria. This is a must.
Q: Concurrent with increasing pressure on Hezbollah, the world is witnessing the Israeli move to excavate gas on Lebanon’s marine border. What’s your evaluation of this?
A: In my opinion, it is irrelevant. Israel must have received the U.S.’s approval to take such a step, which meets Trump’s need to establish something he can please his AIPAC voters with.
It will have an added value for both the Israeli and the Americans if the Lebanese government and Hezbollah do not take bold steps in the face of the Israeli move. It will be a retreat for Lebanon and the Resistance.
Still, if they (Lebanon) make a move, the consequences must be measured carefully. At the end of the day, Israel does not want to open war on its “northern borders”. However, if the Americans decided to do so, the Israelis could not refuse, as it happened in 2006. The war was an American decision.
I believe that both the Israelis and the Americans want Iran’s head on a spike first. Thus, Hezbollah will be out of Syria; this is their aim. I came across that in many of my readings. They pushed for war against Iran; it turned out to be very costly for the Americans, especially after what the U.S. had experienced in Ein al-Assad in Iraq. Indeed, this is the scale by which I would measure the Israeli step. Nevertheless, until today, Israel has not come even a meter close to the Lebanese territorial waters. So, let us wait and see!

NO ISRAELI WAR ON LEBANON BEFORE THE NEXT US ELECTIONS

Source

Posted on  by Elijah J Magnier

By Elijah J. Magnier: @ejmalrai

There is no doubt that, since Ben Gurion, the Zionist ideology adheres to the principle of superior strength, harassing and seizing opportunities to surprise the enemy, exploiting the opponent’s weaknesses and assessing the enemy’s position before striking. But there are many indications that Israel cannot conduct a war on Lebanon, at least not this summer, and likely not until after the white smoke reveals the identity of the resident at the White House for the next four years.

A tempest in a teapot ensued in Lebanon when Israel announced its third offshore bidding round for oil and natural gas exploration of “Block 72”, previously known as “Alon D”, located along the border with Lebanon in “Block 9” disputed water. President Michel Aoun said the Israeli decision is “a very dangerous matter” and that Lebanon “will not allow the violation of internationally-recognised territorial waters”. Lebanese MP Qassem Hashem said the decision resembles “a declaration of war”.

However, the Israeli announcement does not constitute a breach of the regional water borders that Lebanon claims. The Lebanese condemnation is a reminder to Israel that Lebanon is on alert and shall not allow any encroachment of its maritime borders. Throughout the last decade, the US sent several official envoys to Beirut to push Lebanon towards an indirect dialogue with Israel to draw mutually recognised borders, to no avail.

The geopolitical animosity between Lebanon and Israel had frozen the exploration of “Block 72” for 6 years. The two offshore companies, “Noble Energy” of the US and Israel’s Delek Energy, who had won concessions for oil and gas exploration signed in 2009, found their licence ended in 2016 without having been able to conduct any exploration. The news of the Israeli Energy Minister Yuval Steinitz reopening the tender caused a superficial media sensation for several reasons:

لا تبالغوا في أوهام إنهاء الحشد الشعبيّ وتكراره!‏

ناصر قنديل

شهدت بغداد خلال الأسبوع الماضي سلسلة عمليات حملت رسائل من فصائل المقاومة لواشنطن، مضمونها التذكير بالدعوة لرحيل قواتها من العراق، وتأكيد أن التراضي على حكومة مصطفى الكاظمي كان بغرض تسهيل تنفيذ قرار الخروج الأميركي من العراق، وليس فتحاً لباب تشريع هذا الاحتلال. وفي ليل 22 حزيران قامت وحدات في جهاز مكافحة الإرهاب التي تتبع بقرارها للكاظمي، كقائد أعلى للقوات المسلحة، بحملة اعتقالات لعدد من مقاتلي الحشد الشعبي، خصوصاً المنتمين لكتائب حزب الله، والحملة التي تم تسويقها من مناصري الكاظمي لدى الأميركيين بصفتها إثباتاً على استقلاله عن الحشد وشجاعته وقدرته على وضع حد لـ «الميليشيات»، تمّ تسويقها لدى قيادات الحشد بصفتها عملاً شكلياً لحفظ ماء وجه الحكومة ورئيسها بوجه الضغوط الأميركية والخليجية، فيما تمّ تسويقها إعلامياً وخصوصاً في وسائل الإعلام الخليجية بصفتها بدء العد التنازلي لمرحلة الحشد الشعبي، ونموذجاً قابلاً للتكرار في لبنان. وبدأت تخرج تحليلات في بعض المواقع اللبنانية تثير الضحك عن مشروع شبيه للكاظمي عنوانه النائب السابق لحاكم مصرف لبنان محمد البعاصيري.

في ليل 23 حزيران أقفل الحشد الشعبي كل مداخل المنطقة الخضراء، بوحدات مقاتلة ووجه إنذاراً للكاظمي عنوانه، أن محاولة الاستفراد بكتائب حزب الله لن تمرّ، وأن التمييز بين فصائل المقاومة لعبة مكشوفة، وأن ما جرى كان انتهاكاً صريحاً للاتفاق السياسي الذي تمت تسمية الكاظمي على أساسه، وبعد مفاوضات امتدت لساعات، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بالإفراج عن عناصر الحشد الذين تمّت مداهمة منازلهم، خلال يومين، مقابل انسحاب وحدات الحشد الشعبي، وحفاظها على حال الاستنفار والجهوزية، وليل أمس خرج المعتقلون من السجن وقاموا بإحراق الأعلام الأميركية والإسرائيلية في الساحات العامة وتحت الكاميرات، وهتفوا ضد الكاظمي، وتم إسدال الستار على سيناريو بهلواني، يفترض أن بالمستطاع تغيير وقائع تمّت صياغتها بالدماء، بقرارات صنعت من الحبر، واستعادت التوازنات التي أنتجت حكومة الكاظمي، كإطار رسمي لانسحاب أميركي من دون معركة عسكرية، مكانها في السياسة العراقية، وصمتت طبعاً الأبواق الإعلامية التي كانت تتحدث قبل ساعات عن نظرية حجارة الدومينو، متوقعة تهاوي فصائل الحشد تحت مقصلة الكاظمي، واحداً تلو الآخر.

في لبنان لا تختلف الأوهام عن العراق، ولا يختلف أصحابها، لكن الوقائع اللبنانية أشد صعوبة عبر تاريخ عقود من المقاومة، والتجارب والاختبارات الصعبة لمناوئيها، والذين رفعوا الدعوات لنزع سلاح المقاومة كانوا من أصحاب الأوهام المستمدّة من قراءة المبالغات الخليجية حول المشهد العراقي، ويُفترض بهم إعادة حساباتهم في ضوء التطورات العراقية، وفي ضوء المستجدات على جبهة النفط والغاز، وما تؤكده من مكانة المقاومة اقتصادياً، في حماية المورد الرئيسي الذي يعول عليه لبنان لأجيال قادمة، وكذلك في ضوء المستجدات المعيشية، حيث بعيداً عن نقاش عقيم حول النمط الغربي للعيش أو نمط شرقي، كأن المطروح هو استبدال اللبنانيين لمطبخهم وأزيائهم وكتابة نشيدهم الوطني باللغة الصينية، تقول المعلومات إن المقاومة تقود مشروعاً لتعزيز صمود اللبنانيين بتأمين سلع استهلاكية أساسية من مصادر لا تستبدل نمط العيش الغربي، لكنها تترجم معنى التوجه شرقاً لجهة الأسعار الأرخص، ومستوردة بالليرة اللبنانية بحيث لا ترتب ضغطاً على سوق الصرف وسعر الدولار.

لو يخفف المتذاكون من أوهام رهاناتهم، ويبقون أقدامهم على الأرض، فيرتاحون ويريحون.

‎ الأميركيّون أكثر تواضعاً من عملائهم

ناصر قنديل

لا يجرؤ العملاء على المجاهرة بمواقف واضحة كأسيادهم، فيختبئون وراء شعارات ملفّقة، ويرفعون سقوفاً عالية، وهم يسمعون أسيادهم يفاوضون على سقوف مختلفة ويتحدثون علناً عن أهداف مختلفة، فهل هي عبقريتهم الخاصة أم هي التعليمات. الجواب جاء في كلام السفيرة الأميركية في بيروت التي كشفت سر اللعبة بتصريحاتها التي تطابقت مع أمر العمليات الذي ينفذه عملاء الخمس نجوم الذين تشغلهم السفارة وتشكل السفيرة رئيسهم المباشر. فما قالته السفيرة هو ما نسمعه من هؤلاء العملاء منذ أسابيع، والمضمون هو أن حزب الله بنى دويلة داخل الدولة ويستولي على مليارات الدولارات لحسابه، وهو بذلك سبب الأزمة الاقتصادية والمالية، ولا حلّ للأزمة إلا بسحب سلاح المقاومة، فهل هذا هو المشروع الأميركي؟

الواضح أن مَن هم أعلى رتبة من السفيرة مسموح لهم بما لا يسمح لها ولمن تشغلهم بقوله، فاللعبة هي أن تتولى السفيرة وجوقتها التحريض على حزب الله، ليتقدّم المسؤولون المعنيون، والذين يحق لهم بالكلام الجدّي بالسقوف التفاوضية التي تعبر عن جوهر الموقف الأميركي، فيقولون الكلام الرسميّ المعتمد. وهكذا جاء كلام المبعوث الأميركي الخاص حول سورية، ليحدّد المطلوب لقاء وقف العمل بقانون قيصر، قائلاً إن ما تسعى إليه واشنطن هو العودة إلى ما قبل العام 2011، عندما لم يكن هناك وجود لحزب الله جنوب سورية. والمعلوم طبعاً أن المقصود بهذا الوجود هو أمن كيان الاحتلال وجيشه، وليس أي شيء آخر، والأميركي لا يشعر بالحرج من الإجابة بنعم على هذا السؤال. كما لا يخفي أنه مستعد للانسحاب من سورية إذا تحقق ذلك، ضمن مفهوم العودة إلى ما قبل 2011، والقضية الوحيدة التي لا يجرؤ على التسليم بفعلها تحت عنوان العودة إلى ما قبل 2011، ليست مصير المتعاملين معه شرق سورية، بل مصير قراره بتبني ضمّ الجولان من جانب كيان الاحتلال.

على ضفة موازية يتحدث معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، فينتهي بعد تكرار استعمال سيمفونية جوقة السفارة عن مسؤولية حزب الله عن الأزمة المالية، ليبقّ البحصة ويقول ماذا يريد وماذا تستهدف إدارته، فيقول للبنانيين بصراحة تصل حد الوقاحة، لديكم أزمة خانقة وعندم غاز وفير وواعد تجارياً في بلوكات متنازع عليها مع كيان الاحتلال ولديكم تصور أميركي لحل النزاع فوافقوا على التصور. والمقصد معلوم وهو ترسيم الحدود البحرية لثروات الغاز اللبناني وفق خط فريدريك هوف الذي يمنح كيان الاحتلال الجزء الرئيسي من حقوق لبنان، ومعلوم أيضاً أن كيان الاحتلال المستعجل على بدء الاستثمار في حقول الغاز الشمالية لا يستطيع فعل ذلك من دون إنهاء الترسيم مع لبنان، خشية تهديدات المقاومة لكل شركة تدخل النطاق المائي الاقتصادي اللبناني أو المتنازع عليه، وفق المفهوم الدبلوماسي الرائج، ستعتبر أهدافاً مشروعة للمقاومة.

لا حاجة للشرح، للاستنتاج أن أي مسؤول أميركي مكلف بملف جدي، أي فوق مرتبة السفيرة قائدة جوقة الطبّالين، لم يتحدث عن نزع سلاح المقاومة كهدف واقعي، بل رسمت معادلات جيفري وشينكر إطاراً تفاوضياً مضمونه، نفرج عن المال للبنان مقابل قبول منح كيان الاحتلال ميزات من حقوق لبنان في الغاز والنفط، ونفرج عن المال لسورية، مقابل مقايضة وجود المقاومة جنوب سورية بالوجود الأميركي شمالها، شرط عدم إلغاء التبني الأميركي لقرار ضمّ الجولان من جانب كيان الاحتلال. وعلى جوقة عملاء أميركا “السياديين” في لبنان أن يخرجوا دون لف ودوران للمجاهرة بالحديث مباشرة عن دعوتهم لقبول ترسيم الحدود البحرية وفق شروط الكيان، وعلى زملائهم “الديمقراطيين” في سورية أن يعلنوا موافقتهم على قرار ضم الجولان، من دون ادعاء أنهم أعلم بمواقف أميركا من الأميركيين.

مهزلة إطلاق الفاخوري لن تنسحب على ترسيم الحدود

سياسة 

 ميسم رزق

 الأربعاء 25 آذار 2020

كانت البلاد على أعصابها مع بلوغ وباء «كورونا» شفا الانتشار، حين دهمت المشهد أخبار العميل عامِر الفاخوي، بعدما تقرر «التفاهُم» على إسقاط جرائمه بمرور الزمن بين الولايات المتحدة الأميركية وجهاتٍ في بيروت. المُشكلة في إطلاق الفاخوري وتهريبه في ما بعد لا يتلخّص «بحجمه» كعميل فحسب، بل يشمل أيضاً السماح للأميركيين بممارسة الضغط وتحقيق ما يُريدونه. قالها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، طارِحاً أمثلة عن احتمال المُطالبة بترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المُحتلة، وفقاً للمشيئة الأميركية، تحت طائلة العقوبات.

د يجد البعض الكلام عن الاهتمام الأميركي بملف ترسيم الحدود في ذروة انتشار الوباء في العالم وانعزال الدول على قاعدة «نفسي أولاً» ضرباً من ضروب المبالغة. لكن ماذا لو انتهى كل ذلك فجأة، وعاد الأميركيون بسوطٍ أشدّ؟ هل سنكون أمام مؤامرة أخرى لأن هناك من سيعود ويقتنِع تحت الضغط بأن قوة لبنان في ضعفِه؟
منذُ أيلول الماضي، جرى تجميد ملف الحدود البحرية، وتحديداً بعد زيارة قام بها المبعوث الأميركي مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر إلى بيروت، لاستكمال ما بدأه سلفه ديفيد ساترفيلد الذي تولى التفاوض غير المباشر بين لبنان والعدو الإسرائيلي بشأن الترسيم. وساطة باشرتها واشنطن عام 2012، وتولّاها الدبلوماسي فريدريك هوف، الذي اقترح تقاسُم المنطقة المتنازع عليها عبر حصول لبنان على 500 كيلومتر مربع، والعدو على 360 كيلومتراً مربعاً، وفقاً لخط رسمه صار يُعرف لاحقاً بـ«خط هوف» الذي رفضه لبنان. استكمل المفاوضات الموفد الأميركي آموس هوكشتين مُتقدماً بمسودة اقتراح تعطي لبنان 600 كيلومتر مربع من المنطقة «المتنازع عليها»، من دون أن يُكتب لاقتراحه النجاح. نام الملف ٤ سنوات، بدأ الكيان الصهيوني خلالها عملية الحفر في حقل «كاريش» على الحدود اللبنانية، إلى أن ظهرت فجأة بداية العام ٢٠١٩، وساطة أميركية جديدة عبر ساترفيلد، بدفع من «إسرائيل» «المزنوقة» على استقرار يحفّز الشركات الكبرى على الاستثمار، من دون عواقب أمنية.

لمست المقاومة في لبنان الاستعجال الأميركي ــــ الإسرائيلي لحلّ الملف، وهو ما عُدّ فرصة للبنان كي يفرض الشروط التي يُريدها لاسترجاع كل المساحة البحرية التي سعى العدو إلى وضع يده عليها. تولى رئيس مجلس النواب نبيه بري عملية التفاوض، انطلاقاً من ورقة اتفق عليها لبنان الرسمي تضمّنت ٦ نقاط، أهمها تلازُم ترسيم الحدود البرية والحدود البحرية وعدم الفصل بينهما، وخصوصاً أن نقطة انطلاق الحدود البرية في حد ذاتها هي نقطةُ انطلاقٍ للحدود البحرية.

لكن هذه النقطة تحديداً لم تكُن محط إجماع بين القوى الداخلية. ففي أكثر من مرة، عبّر رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل عن ميلهما الى القبول بالفصل، وكانا يُبديان مرونة تجاه هذا الأمر انطلاقاً من أن «مصلحة لبنان تقتضي البدء بالتنقيب عن الغاز في البحر فوراً». أما رئيس الحكومة السابق سعد الحريري فلم يكُن ميالاً وحسب، بل كان سبّاقاً للموقف الأميركي. ففي الوقت الذي كان فيه الموفدون الأميركيون يلجأون للتفاوض على الفصل بين البرّ والبحر، كانَ الحريري يضغط لسحب الملف من عهدة الرئيس برّي ويعد «أصحابه» في واشنطن بالحل. لم يتوقف الحريري عن «النق»، مُطالباً بتسلّم الملف، لأنه وعد بتقديمه هدية الى صهر الرئيس الأميركي ومستشاره جاريد كوشنر. وكان ملف التفاوض والترسيم من بين الملفات التي ناقشها في لقاء سرّي مع كوشنر ومستشار الأمن القومي جون بولتون («الأخبار»، الأربعاء 21 آب 2019)، وبعدها بدأ الترويج لفكرة طرح الملف على التصويت في مجلس الوزراء، كما قال أحد مستشاري الحريري، مهدّداً بـ«يجب أن تختاروا ما بين المُساعدات التي ستأتي إلى البلد أو الانكماش الاقتصادي».

التشاطُر الذي مارسته جهات سياسية في قضية الفاخوري لن ينفع في ملف الترسيم


استقالة الحريري ومجيء حكومة الرئيس حسان دياب وضعا ملف الترسيم الحدودي جانباً، حتى وقعت واقعة الفاخوري، الأمر الذي أعاد التنبيه إلى خطورة ما يُمكِن أن يفعله الأميركيون من أجل الحصول على مرادهم بالشكل الذي يحلو لهم. وبعدما خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عز أزمة كورونا في بلاده ليشكر الحكومة اللبنانية على تعاونها لتحرير الفاخوري، من دون أي تعليق من جهتها على كلامه، يصحّ السؤال عما إذا كانت المُهمّة الموكلة إليها في مرحلة لاحقة هي عقد صفقة بحرية بين لبنان والعدو، وفق ما تراه واشنطن مُناسباً.

مصادر لبنانية مطّلعة تؤكد لـ«الأخبار» أن الملف «مُجمّد منذ أشهر، والرسائل المتبادلة بين الوسيط الأميركي والجانب اللبناني مقطوعة، ولا مؤشرات على أي زيارة سيقوم بها مسؤولون أميركيون يتولون متابعة الملف». لكن المصادر نفسها تشير إلى أنه «ليس بعيداً بعد فترة أن نسمع بقرار أميركي لاستئناف التفاوض بشرط أن يجري هذا التفاوض مع الحكومة الحالية، وتستخدم جهات لبنانية الأسلوب نفسه للسير بالتسوية، أي التأكيد على عدم قدرة لبنان على الوقوف في وجه الضغوط والتهديدات الأميركية»، كما «ليس بعيداً أن يوضع خيار التصويت في الحكومة على الطاولة، وحينها سنكون أمام أزمة كبيرة».

مصادر بارزة في فريق ٨ آذار أكدت أن «ملف الترسيم الحدودي أكبر بكثير من قضية الفاخوري، ولا يُمكن تهريبه في جنح الظلام بجلسة سرية». وقالت المصادر إن «الملف كان في عهدة بري وسيظلّ كذلك، وإن جرى استئناف التفاوض فسيكون وفق الشروط التي وضعها لبنان ولا مساومة في ذلك». واعتبرت المصادر نفسها أن «التشاطر الذي مارسته جهات سياسية في ملف الفاخوري لن ينفع ولن يمُر مهما كانت دوافعها الحقيقية أو الافتراضية»، مشددة على أن «طرح الملف على التصويت سيؤدي إلى انقسام سياسي كبير يُعيد خلط كل الأوراق في البلد».

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: