أربعون عاماً والقدس ضيا عينيك يا مهندس العلاقات العربية الإيرانية

أربعون عاما على غياب محمد صالح الحسيني:ذكريات من زمن الشهداء الأمميين

محمد صادق الحسيني

بين النجف وبيروت ، وطهران والقدس سرُّك مسكون بآية التمكين يا ابن السجّاد علي بن الحسين عليه السلام.

اسمح لي يا ابا احمد ان ابوح ببعض اسرارك قبل ان يخطفني الزمان من بين بقية السيف من احبابك ، أو يحرّف البعض ما تبقى من صورة ناصعة لحركة “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدىً…”

أعرف انك الان اسعد من ذي قبل لكثرة من قدموا اليك على امتداد العقود الاربعة الماضية ، من كوادر حركة الشباب المسلم  والعقائديين ، وتنظيم الدعوة التقاة ، والفتحاويين ولجان العمل الاسلامي ، والمحرومين ، ورجال الله من المقاومة الاسلامية والحرس الثوري كادراً وقيادةً وآخرين كثر منهم من نعرف ومنهم من لم نعرف واخيراً وليس آخراً أنيسك الذي لطالما راهنت عليه وعلى جيل الوحدة  المتجدد لاحداث جبهة سرايا كما راهنت من قبل على العماد وابو حسن سلامة على اطلاق مقاومة اممية ، وحسنت مراهنتك فهاهي جبهتهم .. جبهتنا اليوم ممتدة من جزائر جبال الاطلس الى باكستان التبت وسور الصين العظيم، ليكون وطننا الاسلام وتسقط كل الحدود جميعاً الا حدود الله.

يا حفيد السجاد ومحمد فانت يوم بدأت نضالك الحركي مع الشيخ عز الدين الجزائري حفيد قائد ثورة العشرين، محوِّلاً تنظيمه من حركة اصلاحية الى حركة ثورية عاتبكَ الكثيرون ولم يكونوا يعلمون ان الخميني الكبير قادم ليعلنها ثورة عالمية تنفض الغبار عن مدرسة الاسلام و اهل البيت السياسية في الحكم لا من اجل ايران فحسب بل ومن اجل المستضعفين كل المستضعفين في العالم..!

يا ابن السجاد  يوم بدأت العمل الثوري فتىً يافعاً كنت تحلم وتعمل ليل نهار ان توحد حركة الشباب والعقائديين والدعوة الى تيار واحد والسيد موسى الخوئي ابن المرجعية شاهد وكذلك بيوتات النجف والفقيد الكبير آية الله الاصفي الذي أسّر في اذني في طهران يوماً بالقول : هل تعرف ان اخاك الحسيني كان قد نظّمني في الحركة عنده ولطالما سعى لتوحيد الجهود ولكن تسارع الاحداث وقمع الطاغية العنيف والتهجير حال دون ذلك…!

 اتذكر يا ابن السجاد يوم احتفلت بمولد النبي الاعظم في شارع الرسول جنب مرقد امير المؤمنين وقد تحدثت بالسياسة والحكم العادل حينما جاءك البعض مستنكراً فعلتك هذه متهماً إياك بانك اخطر من الشيوعيين والكفار على الحراك ، لانك تخلط الدين بالسياسة ، وحاول محاصرتك و عزلك .. لولا ان جاء الخميني الكبير وقطع نزاع القوم بدروس الحكومة الاسلامية… ومقولة “ان ديننا عين سياستنا وسياستنا عين ديننا”..!

هل تذكر يا ابن السجاد يوم انتقلت بدعوتك سريعاً من مناصرة ثورة الجزائر الى  ثورة مصر ومن ثم الى كل الوطن العربي والاسلامي الكبير ، وصارت فلسطين وفتح التي كانت فلسطين ، بوصلتك ، كيف جاءك البعض محاولاً خلط الابحاث بطرح منع تقديم المفضول على الفاضل ، فلم تأبه بحرف البوصلة، وظلت منشورات فتح والديمقراطية والشعبية تصلك الى النجف الاشرف لتوزعها على كادر الحركة والانصار بهدف كي الوعي الرجعي واستبداله بوعي ثوري متجدد حتى نصرك الخميني الكبير من جديد يوم افتى بدعم الفدائيين الفلسطينيين وفتح وياسرعرفات ابو عمار بالاسم…

وصرت تخزّن السلاح بالآبار تمهيداً لايام الله ، وتوزع حراكك نحو الشمال الذي كنت تسمي بعض خونته بالاصبع الامريكي ونحو الجنوب الذي كنت تسميه بخزان الحركة والثورة ، الثورة التي انكسرت مؤقتاً بسبب غلبة عراق بقايا رجعية العثمانيين وخبث البريطانيين ، الذين سرعان ما اصدروا حكم الاعدام فيك وحاولوا تنفيذه ، لولا ان فلسطين احتضنتك و استدعتك لاكمال الواجب والتكليف وهي التي انقذتك من اعواد مشانق الطاغية..

 هل تذكر يا ابن السجاد كيف انتقلت عبر عمّان المسبية الى بيروت كليمة البحر والتقيت بامام المحرومين والفقراء فكنت خير عون وسند له في السياسة كما في التثقيف الديني كما في العلاقات العامة وبقيت تتنقل بين المجلس الاعلى في الحازمية و صور المهنية ولم تغب عنك الفتح والبندقية يوم كان الدين الثوري مهجوراً …

هل تذكر يا ابن السجاد كيف اصبحت لولب اللقاءات بين اقطاب الامة ورموزها في بيروت الحوار والتقريب فتحمست لجمع  المفكر  الجزائري مالك بن نبي والامام الصدر ، و التلاقي والتعاون  بينه و  بين علماء اليمن الزيدين ابراهيم الوزير وشقيقه، ومن ثم كيف اصبحت الجسر الجامع والواصل بين الامام وابوعمار وكيفية انصهارهما في نشاط بديع  ورائع يوم كرمّوا  المعارض الايراني الكبير المفكر الراحل الدكتور علي شريعتي -الذي اغتيل مسموماً في لندن- ، في اطار مؤتمر موسع في بيروت …

 هل تذكر يا ابن السجاد كيف اصبح موقعك الجديد عوناً وسنداً  لكل رجال الله من ايران الذين صاروا يأتون اليك زرافات ووحداناً في بيتك في برج البراجنة ، من  مناضلي الكفاح المسلح والثورة  ضد الشاه، المكافح الاممي محمد منتظري و رجل البازار النبيل والشريف الحاج رفيق دوست  ، بيتك الذي اصبح خلية نحل للعمل على الاطاحة بنظام الشاه من جهة كما لاجل انضاج الحراك الاسلامي الجماهيري في لبنان حتى جاءك رجل التقوى والزهد والعرفان موفداً من رجال المعارضة الايرانيين المقيمين في الغرب ، اعني الدكتور مصطفى چمران الامل والتحرير الذي سرعان ما نشط  تحت عينيك وبمساعدتك في جبل عامل  ومن ثم صار علماً في الدولة الايرانية المعاصرة  ثم ارتقى شهيداً قائداً متميزاً…

 هل تذكر يا ابن السجاد كيف كنت اول من خاض معارك التوحيد والجمع  بين النبعة و تل الزعتر والمخيمات وابو الوليد نمر حماد وجواد ابو الشعر وصخر الاقليم وراجي النجمي وجنوب اللجان  وبقاع النبي شيت الموسوية وخضت المعارك التوعوية حتى صار البعض يأخذ عليك وعلى رفاقك بانكم تريدون “اسلام سكر غليظ فيما لبنان اسلامه سكر خفيف…!”… الى حين واجهتكم الحرب الاهلية الشيطانية المجرمة ما دفعكم لتشكيل سرايا الدفاع عن الشياح والضاحية  بوجه الانعزاليين والمرجفين  حتى اتتك الرصاصات الرجعية الصهيونية التي كادت ان تودي بك لولا رحمة ربك و هي التي بقيت في جسدك حتى يوم استشهادك لتشهد على تلك المرحلة الشديدة الحساسية من حياة لبنان ..!

 هل تذكر يا ابن السجاد يوم كنت اول من رفع راية الامام الخميني العظيم في بيروت ووزعت كتابه ” الحكومة الاسلامية” انت ومن معك من النفر المؤمن القليل يوم لم يكن الخميني بعد سوى رمزاً غريباً و مغيباً عن حراك الامة ، و مع ذلك كان اصرارك وثباتك حول ولايته ولاجل نجاح ثورته في ايران هو علة النجاح فكنت سفيراً و ثائراً كما مسلم بن عقيل حتى تمكنت من جمع اكبر حشد متنوع الانتماء والرؤى في تاريخ الدعم والاسناد من طلال سلمان والسيد هاني فحص وآل فرحات والعماد مغنية ورفيقه ابو حسن سلامة وقادة فصائل فلسطين ابوعمار وابوجهاد وجورج حبش  وجمع غفير من فضلاء اهل السنة ومنهم فقيد الوحدة قاضي صيدا الزين ، الى عبد الرحيم مراد وجورج حاوي ويشهد عليك في ذلك كله اخيك ورفيق دربك الشهيد الحي آية الله السيد عيسى الطباطبائي …

هل تذكر يا ابن السجاد يوم صار بيتك في طهران موئلاً وملاذاً لحركات التحرر العربية والعالمية من حركة “الهنود الحمر” الى ثوار الاندلس الى محمد البصري المغرب العربي الى كل اشكال المعارضة العراقية الى معارضة البحرين وارتيريا والفليپين تحرير مورو وكل احرار العالم الذين صرت تجمعهم بامامهم الذي كان يستقبلهم بحميمية اخوة الايمان ويدعو لهم بالتوفيق والنصر…

 هل تذكر يا ابن السجاد يوم كنت اول الملبين لنداء الامام في نوفل لو شاتو اولاً ، ومن ثم في طهران : “اليوم ايران وغداً فلسطين” ، فابيت الا ان تعود من طهران سريعاً رغم حلاوة النصر، الى حيث احببت ان تكون بين فقراء جبل عامل وعلى تخوم فلسطين ، رغم انك كنت من المؤسسين لحرس الثورة الذين كرموك بتولي مسؤولية علاقاتهم الخارجية وكنت السفير لمجلس قيادة الثورة الفتية الذي ارسلك لتجول البلدان شارحاً ومدافعاً عن الثورة والحكم الرشيد الجديد…

 هل تذكر يا ابن السجاد  يوم كنت اول الملبين من جديد لنداء امامك وامام المسلمين ان : “ألا من ناصر ينصرنا” ، يوم اشعل الباغي حربه الملعونة على شعبي ايران والعراق ، فصرت طائراً متنقلاً لتحشيد الدعم للحرس الفتي فاشتريت لهم بكفالة وضمانة الراحل ابي عمار رشاشات البريتا ومسدساتها من السوق العالمية ومن ثم تامين الكلاشينكوف والارپي جي من الراحل الوفي حافظ الاسد مع كم كبير من الاسلحة المتوسطة التي نقلت على عجل من الشام لطهران بطائرتي نقل عملاقتين دعماً للحرس الثوري وكرمى عيون الامام  …

 هل تذكر يا ابن السجاد كيف ايضا ًكنت الفدائي الذي تحمل مهمة تأمين ثم نقل صواريخ السكود من طرابلس الغرب الى طهران من فوق سماء موسكو وانت تعرف انك مطارد ومراقب ومحسود ومظلوم من قبل المرجفين ، وهم هم انفسهم الذين اخذوا عليك الربط بين الدين والسياسة في حارات وازقة امير المؤمنين ، ثم عاودوا  الظهور بحلة جديدة ليفتروا عليك بلسان ألكن غريب مريب… لا لشئ الا لعجزهم أمام إصرارك على الثبات والتخندق مع امامك عاملاً بالتكليف مهما كان الثمن عالياً وصمدت مع جماعة المنتظرين إمامهم القادم القائم بالحق ،  لتنضم الى ثلة الزاهدين بالدنيا ومحاصصاتها ومناصبها وكل زخرفها ، ولانك رفضت السفارة والوزارة والحراسة وقلت ان حارس العمر الاجل، وقلت ان من يمتنع من شد الرحال الى القدس ليحررها تأتيه تل ابيب بجيش احتلال او مرتزقة صهاينة، فقد عاجلتك مجموعة مجندة من الموساد بلباس يشبه داعش والنصرة اليوم لتغتالك غيلة وغدراً يوم الخامس من مارس/ آذار العام ١٩٨١ وانت خارج من اجتماع تنسيقي على طريق فلسطين في سفارة الجمهورية الاسلامية، فتصبح شهيد القدس وايران والعراق وسورية ولبنان وتتبناك حركة امل المجاهدة والثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وكان ان وصفوك يومها بمهندس العلاقات العربية الايرانية ، ونعاك الحرس الثوري رسمياً والقيادة القومية السورية وكل المعارضة العراقية الاسلامية وقادة ايران من امامها الذي توجك بخط يده شهيداً سعيداً ورئيس جمهوريتها وقائد حرسها ورئيس وزرائها الشهيد رجائي الذين استقبلوك بحرس الشرف رسمياً في مطار مهرباد ثم ابّنوك عشر سنين متتالية…

أنت ارتحلت بدمك يا أبا احمد، مفتتحاً عصر الاستشهاديين الاممين القادة فكنت لابد اسعدهم ولا تزال …

 ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ المهاجرون والانصار من مدرسة الامام ، يتقاطرون الى حيث ارتقيت، الواحد بعد الاخر بعد ان اكملوا دربك ، مرتحلين في دمهم وهم على طريق القدس من الحرس الثوري او الحشد الشعبي  الى رجال الله في لبنان وهاهم انصار الله يزينون قوافل الشهداء،  والباقي على الطريق فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر…

حان لك الان ان تنام  قرير العين يا ابا احمد بعد ان اثمر جهدك وجهادك مضاعفاً  فها هي الامة اليوم كلها تتوحد على العهد … بعد ان توحد الدم العراقي بالدم الايراني بالدم السوري بالدم اللبناني بالدم اليمني و اكتمل جيش المليون لتحرير القدس …وصارت فلسطين  قاب قوسين أو ادنى من النصر الكبير وما ذلك على الله بعزيز…

  اخيراً وليس آخراً يا ابا احمد وانت في عرس الاربعين، فقد صار بامكانك ان تنظّم احتفالاً من نوع متفاوت تماماً،  بميلاد الرسول الاعظم الذي لطالما احببت ، وهو بالمناسبة يوم ميلادك ايضاً ، وانت بين اغلى الرفاق والاخوة والاحباب ،  وانتم متحلقون حول الحوض وبرعاية امير المؤمنين واهل الكساء، ولا تنسى ان تدعو لنا بالقدوم اليك فقد طال الفراق … فلا تُمعن كثيراً في ايلامنا بالانتظار فأما القدس أو حضور احتفالك في الفردوس الاعلى يا ابن السجاد…

عمرو علان: رواية الصلاة في القدس وأنيس فلسطين

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
كاتب سياسي فلسطيني

عمرو علان

كان آخر ما كتب أنيس فلسطين، الراحل أنيس النقاش، رفيق أبو جهاد وخليل العِماد: “أنا انتهيت” نفهم من هذه العبارة الصادمة أن أجَله قد حان ولن يشهد الفصل الأخير من رواية الصلاة في القدس، لكن روحه المناضلة لن تفوّت المشهد، تلك الرواية التي نذر أنيس النقاش حياته لها بكل جِدٍ وإخلاص. وكان مشروع “التشبيك” من أجل “المشرقية” الذي أمضى النَّقاش سنواته الأخيرة فيه، أحد الركائز على طريق القدس، وهذا المشروع منسجم مع وعي الراحل السياسي المبكر وخطه النضالي، فيقول النَّقاش: “في سياق التحالف مع القوى الثورية – ومنذ البداية – قمتُ بمطالعات ودراسات معمقة عن حلف شمال الأطلسي وحلف “السنتو” وفهمت مخاطر الدور التركي والدور الإيراني، وكتبت يومها تقريراً للأخ أبو جهاد أقول فيه: الإمبريالية تخطط بشمول وعلى الثورة أن ترد بشمول، وكنت أعتقد أن للولايات المتحدة الأمريكية حليفين كبيرين في المنطقة هما تركيا وإيران، ونحن إذا أردنا أن نغير الموازين في المنطقة علينا أن نعمل على التغيير في هاتين الدولتين”، وقد وافق أبو جهاد على السير قدما في هذه الرؤية.

يُعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية فيها، وتبدل موقع إيران الجيوسياسي من حليف للاستكبار العالمي إلى نصير لحقوق الأمة الإسلامية والمستضعفين المدماك الأول على هذا الطريق، ولقد كان النَّقاش ممن ساهموا في إنجاز هذا الانتصار.

يتقاطع مشروع “التشبيك عوضاً عن الاشتباك” في العديد من جوانبه مع مشاريع مشابهة تبنتها شخصيات أخرى فاعلة ومخلصة في المنطقة {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}، ولكن المهم أن فلسفة هذا المشروع تنبع من نظرة وحدوية شاملة لبلاد المشرق العربي والإسلامي، وتميّز النَّقاش بعمله الدؤوب على أرض الواقع وفي الميادين من أجل إتمام هذا المشروع، لا سيما في العشرية الأخيرة من عمر الحرب – الإمبريالية بأيادي محلية – المفروضة على الدولة السورية.

لكن الراحل كان يدرك أن هكذا مشوار هو أطول من عمر الجسد، وأن بذور المشروع الوحدوي كامنة في الظروف الموضوعية الراسخة أصلاً في أرضنا ضمن حقائق التاريخ والجغرافيا، ويمكن هنا الاستئناس بما قاله عن نشْأت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، حيث كان دوره في العمل ضمن مشروع تأسيسها قد انقطع نتيجة اعتقاله في فرنسا مما ساهم في تأخير بزوغ فجرها، حيث قال: ” لكن الأمور تجري بنا ومن دوننا، وهذا درس سياسي مضمونه أن الظروف الموضوعية هي الأقوى دائماً من الظروف الذاتية، أي أن الإنسان جزء من آلة كبيرة، ربما تستفيق على فكرة اليوم وتكون السبّاق إليها والرائد فيها، لكن عدم تنفيذك الفكرة لا يعني أن هذه الفكرة لن تنبت في مكان آخر أو لدى شخص آخر”.

لهذا بعد رحيل أحد فرسان المشاريع الوحدوية البارزين ينتقل عبء إتمام المسيرة إلينا، فهم روَّوا بالدم والحِبْر والعرق بذور الوحدة المزروعة في أرضنا، وعلينا إكمال المشوار كي تُزهِر هذه البذور تعاوناً إقليمياً في الأمن والاقتصاد والثقافة، مما سَيُعَبِّد الطريق واسعاً نحو الصلاة في المسجد الأقصى وكنائس القدس بلا أدنى شك.

ولعل المشيئة الإلهية قدّرت أن يكون أجَل أنيس النقاش المكتوب بسبب “الكورونا” اللعينة، مما يضيف إليه بعداً إنسانياً وعاطفياً يحاكي أثَر رحيل الشهداء، ونحسبه بإذن الله كذلك على ما قدم، ويُجزئ في هذا ما كتبه المفكر العربي منير شفيق – أحد أقطاب الفكر الوحدوي ومن المنظّرين لفكرة تحديد التناقض الرئيسي – في نعي الفقيد المنشور على جريدة الأخبار، ولعله بهذا يتحقق في رحيل أنيس النقاش مقولة الشيخ راغب حرب: “دمُ الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله فإنه ينمو”.

رحمة الله عليك يا أنيس فلسطين وأنيس المقاومين، فالقدس اليوم فقدت أحد فرسانها المخلصين.

كاتب سياسي فلسطيني

أنطون سعاده حلم مشرقيّ وشهيد حي

ناصر قنديل

لم يُنجِب المشرق شخصيّة عبقريّة ونضاليّة بمكانة أنطون سعاده، فقد عرف الشرق أبطالاً خاضوا معارك أسطوريّة وحققوا انتصارات تاريخيّة، أو سقطوا في ملاحم استشهادية، كما عرف الشرق قادة سياسيين نقلوا واقع كياناته ودوله من مراحل إلى مراحل، وكتبوا سيَرَهم بأحرف من نور، وعرف الشرق قادة حركات مقاومة أنجزوا ما عجزت الجيوش عن إنجازه، وعرف الشرق مفكّرين وكتّاب وفلاسفة ألمعيّين تركوا بصماتهم في الفكر الإنساني، لكن هذا الشرق لم يعرف شخصاً جمع كل ذلك في سيرة حياته القصيرة بمثل ما جسّدها أنطون سعاده.

قُدّمت عقائد ومشاريع فكرية سياسية لشعوب المنطقة، عالج بعضُها قضية التحرر من الاستعمار كأولويّة وتفوّق في رسم معاملها، وعالج بعضُها قضية الوحدة وأبدع، وعالج بعضُها قضية العدالة الاجتماعية وتفوّق، وعالج بعضُها قضية الأمراض الاجتماعية وشكل الدولة القادرة على توحيد النسيج الوطني، فوقع بعضُها في العداء مع الدّين، ووقع بعضُها الآخر في محاولة توفيق هشّة بين مفهوم الدين ومفهوم الدولة، لكن التجربة الحية لكل هذه العقائد قالت باستحالة بلوغ مرتبة متقدّمة من الإنجاز في أيّ من هذه العناوين، رغم الإنجاز الأولي المحقق، ما لم يلاقيه تناسب في الإنجاز في العناوين الأخرى، فكانت عقيدة سعاده وحدَها التي نجحت بتقديم الأجوبة المتكاملة على الأولويّات المتزامنة والمتلازمة، وبصورة تفادت خلالها الوقوع في ثنائيّات قاتلة، فتجاوزت الفِخاخ التي وقع فيها الآخرون، فهي متصالحة مع الدين وليست دينيّة، وهي مدنيّة وليست إلحاديّة، وهي نوع من اشتراكيّة لا تلغي المبادرة الفردية، ونوع من رأسمالية لا تلغي دور الدولة، ووحدويّة بحدود المدى الجغرافيّ الأضيق، وتحررية الى المدى الأبعد الذي يمثله اليقين بأمة عظيمة لا تعاني عقدة النقص تجاه الغير شرقاً وغرباً، لكنها تنطلق في التحرّر من فلسطين والصدام الوجوديّ مع كيان الاستيطان الغاصب.

خلال عقود الاحتلال التي عاشها لبنان، تعرّف اللبنانيون على فكر سعاده حزباً مقاوماً، وخلال عقد المواجهة التي خاضها السوريّون مع الإرهاب عرفوا عقيدة سعاده منظومة وحدة اجتماعيّة وسلم اجتماعي، ومقاومين يستشهدون الى جانب الجيش السوري دفاعاً عن وحدة وسيادة سورية، وفي ذروة الأزمات المحيطة بدول المنطقة اقتصادياً وأمنياً، قدّمت عقيدة سعاده مشروع وحدة الحياة بين كيانات المشرق، وما عُرف بالتشبيك الذي دعا إليه مفكّرون كثيرون ليس إلا بعضاً مما قدّمه سعاده.

عرف سعاده أهميّة الجماعة المنظّمة، وعرف أهمّية دم الشهادة، فتلازما مع مسيرته قائداً حزبياً وشهيداً لقضيته وحزبه، وعرف الأخطبوط الداخليّ والخارجيّ الممسك بالسيطرة على بلاد المشرق مبكراً أن سعاده وفكره وحزبه خطر داهم، فتضامنوا وتفاهموا على التخلّص منه بصورة دراميّة لا تزال بصماتها توقظ ضمائر الأحرار، ورغم مضي عقود على ما كتبه سعاده في كل ميدان سيكتشف مَنْ يقرأه ومَن يُعيد قراءته، أنه كتب لهذه الأيام، وأن أضعف الإيمان هو العرفان، وللعرفان موجبات، أولها دعوة الجيل الشاب للتعرّف على مفكّر من لحمه ودمه يشكل عبقريّة استثنائيّة وشخصيّة أسطوريّة، يباهي بها شعوب الأرض، ومن العرفان أن ينهض محبّو سعاده وتلامذته بما يليق بالصورة التي يستحقّها لإعادة تقديمه مخلّصاً يحمل مشروعاً يستطيع أن ينهض بلبنان وسورية وكيانات المشرق نحو التقدّم، وفكر سعاده نسخة علمانيّة غير مستوردة لا تتعارض مع الإسلام والمسيحيّة، ونسخة اقتصادية اجتماعية صُنعت في بلادنا تقدّم حلولاً جذرية لمشكلاتنا، ومشروع مقاومة تتّسع لكل مقاوم بوصلته فلسطين، ومشروع وحدة تتّسع مع أتباع عقيدته، للقوميين العرب والإسلاميين والأمميين، فوحدة بلاد الشام توفر لكل هؤلاء قلعة حرّة تتسع لمشاريعهم التحرّرية والوحدويّة والإنسانيّة.

The role of Musa al-Sadr in shaping national identity of Lebanese Shias الصدر ودوره في تأصيل الهوية الوطنية للشيعة في لبنان

The role of Musa al-Sadr in shaping national identity of Lebanese Shias

February 01, 2021

The role of Musa al-Sadr in shaping national identity of Lebanese Shias

Description: 

Lebanese university lecturer in history, Talih Kamal Hamdan, explores the role of the late Imam Musa al-Sadr in shaping a sense of national belonging and identity within the Shia sect in Lebanon, specifically during the 1960s and 1970s.

Understanding the historical formation of the national and political identity of the Shia of Lebanon is particularly relevant today, as contemporary Lebanese Shia Muslims are highly influential actors not only within Lebanon, but on the regional level as well. This is especially the case when viewed from the lens of Hezbollah, a group which considers itself an extension of the general political paradigm shaped by al-Sadr.

Source:  Al Akhbar Newspaper

Date:  September 8, 2015

(Important Note: Please help us keep producing independent translations for you by contributing as little as $1/month here )


Transcript:

Imam al-Sadr and his role in instilling a sense of national identity in Lebanese Shia

Talih Kamal Hamdan

This year marks the 37th anniversary of the disappearance of Imam Musa al-Sadr and his two companions, (an anniversary that) comes at the height of internal, regional and international conflicts; takfirism; and discrimination against sectarian and ethnic minorities in the Arab world, where Shias are the main target of Takfiri groups. The role of Shias in the Lebanese political reality is also being increasingly targeted by way of distorting their nationalist struggles, for which Imam al-Sadr laid solid foundations, and for which thousands of martyrs (of Shia origin) sacrificed their lives. (Many Shias) gave their lives (within these nationalist struggles) in order to free (their) land (from Israeli occupation), fighting (the occupation) as members of national and Islamic resistance groups successively (established) between 1975 and 2006.

The government’s neglect of the villages in the South (of Lebanon), the Beqaa, and Beirut suburbs; together with the deplorable conditions that farmers and their families lived under; and the overwhelming dominance of feudal families who had great political, economic and social influence in these areas, all these were starting points for (the establishment of) left-wing and progressive parties beginning in the mid-50s. These parties sought to fight deprivation, unilateralism of southern political representation, and the blatant denial of the rights of workers and farmers. However, these parties failed to establish social justice. Due to their fragmentation, differing frameworks and (political/ideological) poles, and their ordering of priorities that favored politics over other issues, these parties were not able transform their social standing into influence in the government, thus preventing them from turning the family structure into a national institutional structure. They chose cosmetic changes over (real) change, and social struggles with political and power-based objectives over a comprehensive social revolution. Then came the civil war in 1975 and toppled the social and national, non-sectarian movements, thus giving the upper hand to the 1943 (sectarian) formula only with new faces.

Since the mid-1960s, there had been growing social demand (for the rights of) marginalized groups, especially the Shia community who was suffering from the lack of institutions, jobs and services, and the scattering of its skilled individuals between left-wing parties and Palestinian organizations on the one hand, and opportunistic feudal leaderships on the other. As a result, unlike other Lebanese social groups, (the Shia community) lacked a specific identity.  Therefore, the objective conditions made room for another kind of leadership, (a leadership) that seeks change, and mobilizes its resources to lift (people) from fragmentation to unity, and from a feeling of deprivation to a feeling of power; (a leadership that grants) the right to participate in the government and its administrative and functional departments, (the right to) social development, and (the right to) participate in local, regional and international political decision-making of the Lebanese state. All this on the basis of both a religious identity and a unified national vision. Thereafter, Imam Musa al-Sadr’s movement emerged to call for social and political reform as a priority, on the basis of the “Lebanization” of Shia decision-making, and (the Shia sect’s) integration into the Lebanese state, whom Shias had always felt abandoned by.

Initially, the influential feudal and religious families did not have a negative reaction to the emergence of Imam al-Sadr. However, (with time) his reform movement against traditional feudalism gained strength as he gained large public support. His work was culminated in the adherence of young secular individuals to his project thanks to his undermining of the religious legitimacy granted to the feudal leaderships. (He) took advantage of the political and social situation in the South, the Beqaa and the Beirut suburbs, to begin the process of comprehensive change of the role of Shias in Lebanon.

Imam al-Sadr took the social dimension as a priority, and fought for “ending the deprivation (of basic rights) in the Beqaa and the South”. He started by confronting his opponents from the traditional feudal leaderships, notably Kamel al-Assaad, and left-wing parties, especially the Communist Party, in order to prevent them from “manipulating the Shia youth ideologically and on the basis of party-loyalties.” (1)

Even though (Imam al-Sadr) held firm to his religious foundations, yet he used religion to sharpen the sense of belonging to a national identity, and worked on establishing a social identity that – similar to other sects – combined both patriotism and the exaltation of the (Shia) sect. He replaced family loyalty with religious sectarian loyalty, thus attracting various segments (of society) who had previously adhered to the (powerful) feudal families, or adhered to the left-wing parties with their (various) slogans.  (Imam al-Sadr) also brought back the idea of ​​institutionalizing religious identity by reviving the “Al Ber wal Ehsan” Charity (جمعية البر والإحسان) founded in 1948 by Sayyed Abd al-Hussein Charafeddine in (the city of) Tyre, making it a starting point for his social service activities, and a project similar to the Amel Association (الجمعية الخيرية العاملية) in Beirut. He then established the Supreme Islamic Shia Council in Lebanon in 1969, which was a major turning point (that struck at) the core of the traditional authoritarian leadership (of Lebanese Shias). He was also able to establish educational, professional and social institutions, after they were absent for many decades because of the (Lebanese) state’s failure (to provide) services and (build) institutions in the South and the Beqaa. By raising the awareness of Shias regarding their sectarian and national identity, (Imam Musa) wanted to stress that they are citizens who have the right to consistent development, to be relieved from deprivation, and protected against Israeli attacks (2).

He built multiple relations with many national and southern actors, and showed an outstanding leadership and a strong ability to influence Lebanese elites and the Lebanese people. Therefore, Sayyed (Musa) was granted Lebanese nationality in 1963 by President Fouad Shehab, and became a permanent guest at the Lebanese symposium, which was composed of Lebanese political and intellectual elites. Therefore, Sayyed Musa was described by Michel Asmar as a “man of the coming time”. He also established relations with famous media figures, especially Ghassan Tueni. However, despite his wide network of internal and external political relations (that he established) on the basis of supporting his reform project, he tried to make sure that his political line stays as independent as possible.

(Imam al-Sadr) was known for his boldness in objecting to the excesses of the (Lebanese) state against southern citizens who were suffering daily from Israeli attacks. As such, he declared a general strike to support the people of the South, and consequently, he established the Southern Council, then the Commission for Southern Support in cooperation with Cardinal Anthony Khreish and a large group of Muslim and Christian scholars and clerics. He also confronted the Palestinian resistance, despite his alliance with it, after its multiple excesses against the southerners. He addressed Abu Ammar (i.e. Yasser Arafat, Former Chairman of the Palestine Liberation Organization) saying: “Abu Ammar, I (am ready to) protect the Palestinian resistance (even) with my turban, but I will not be silent about its transgressions against people in the South” (3).

Accordingly, Imam al-Sadr is indeed the true father of “Lebanese political Shiism”, which considers the national dimension a priority in its internal movement, and which believes that Lebanon is the permanent home for all its sons and various other social groups, and (a country) that must be defended by all means and at all costs, not on the basis of hegemony and partisanship, but rather partnership and national belonging. This explains the (contemporary) Shia urgency and seriousness to protect Lebanon from both Israeli aggression and the Takfiri threat.

References

1- Abd Al-Raouf Sunno: “The Lebanese War 1975-1990: The Dismemberment of the State and the Rift within the Society”, Volume One, ibid, pg. 145.

2- Talal Atrissi: “The conditions of the Shiites of Lebanon have changed,” in: “The Shiites in Lebanon from marginalization to active participation,” ibid., pg. 245

3- “The Supreme Islamic Shiite Council and the Rights of the Sect,” a special booklet issued by the Supreme Islamic Shiite Council, January 1974, pg. 10.

——

Subscribe to our mailing list!

Related Posts:

الصدر ودوره في تأصيل الهوية الوطنية للشيعة في لبنان

The role of Musa al-Sadr in shaping national identity of Lebanese Shias

الأخبار

طليع كمال حمدان الثلاثاء 8 أيلول 2015

تأتي الذكرى السابعة والثلاثون لتغييب الإمام موسى الصدر، ورفيقيه، هذا العام، في ذروة التناقضات الداخلية والإقليمية والدولية، وفي ظلّ تصاعد موجات التكفير، والعنصرية الدينية، تجاه الأقليات المذهبية والعرقية في المنطقة العربية، حيث يقع الشيعة العرب على رأس الاستهداف التكفيريّ، وتعاظم استهداف دور الشيعة في الواقع السياسي اللبنانيّ، من خلال تشويه نضالهم الوطني، الذي أرسى أسسه المتينة الإمام الصدر، وعمّدته دماء الشهداء، الذين سقطوا بالآلاف على طريق تحرير الأرض، بعد تعاقب مجموعات المقاومة الوطنية والإسلامية بين 1975- 2006.


شكّل الإهمال الرسمي لقرى الجنوب، والبقاع، والضواحي البيروتية، والأوضاع المزرية للمزارعين وعوائلهم، واستحكام قبضة العائلات التقليدية النافذة سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً على تلك المناطق، منطلقاً للأحزاب اليسارية والتقدمية، منذ منتصف الخمسينيات، لمحاربة الحرمان، وأحادية التمثيل السياسيّ الجنوبيّ، والإجحاف اللاحق بحقوق العمّال والمزارعين، لكنّها أخفقت في إرساء العدالة المجتمعية، بحيث لم تستطع تجيير مكاسبها على الصعيد الاجتماعي نفوذاً في السلطة الرسمية، نتيجة تشرذمها، وتعدّد أطرها وأقطابها، وتقدّم الجانب السياسيّ على ما عداه من قضايا، ما منعها من قطف التحوّلات الاجتماعية في البنية العائلية، وتحويلها إلى بنية مؤسساتية وطنية، فآثرت التجميل على التغيير، والنضالات الاجتماعية ذات المغزى السياسي، والسلطوي، على الثورة الاجتماعية الشاملة، فجاءت الحرب الأهلية، عام 1975، لتطيح الحراك الاجتماعي والحركة الوطنية اللاطائفية، لصالح تركيبة 1943 بوجوهها الجديدة.

فمنذ منتصف الستينيات، أخذت المطالب الاجتماعية تتصدّر واقع الفئات المهمّشة، وعلى رأسها الطائفة الشيعية، التي كانت تعاني من الحرمان على مستوى المؤسسات، والوظائف والخدمات، ومن توزّع طاقاتها بين أحزاب اليسار، والمنظمات الفلسطينية من جهة، وبين الزعامة التقليدية الانتهازية من جهة أخرى، ما جعلها تفتقر إلى هوية محددة، على غرار بقية المكوّنات الاجتماعية في لبنان، فأضحت الظروف الموضوعية أكثر اتساعاً لقيادة من نوع آخر، تحمل سمات التغيير، وتسخّر الإمكانات للارتقاء من التشرذم إلى الوحدة، ومن الشعور بالحرمان إلى الشعور بالقوّة، والحق بالمشاركة في السلطة، وتقسيماتها الإدارية والوظيفية، والتنمية الاجتماعية، والمشاركة في الخيارات السياسية للدولة اللبنانية المحلية والإقليمية والدولية، على أساس مركّب بين هوية دينية، وبعد وطني واحد. فجاءت حركة الإمام موسى الصدر لتحمل عناوين التغيير الاجتماعي، والسياسيّ، كأولوية على أساس «لبننة» الخيار الشيعي، وإدماجه في الدولة اللبنانية، التي لطالما شعروا بأنها تخلّت عنهم لعبث التهميش والإهمال.

أظهر مقدرة كبيرة
على القيادة والتأثير بالنخب اللبنانية والجماهير

لم يشكل ظهور الإمام الصدر، في البداية، صدمة سلبية بين العائلات التقليدية والدينية النافذة، لكنه مع تصاعد حركته التغييرية في وجه الإقطاع التقليدي، واتساع تأييده الجماهيري، ما سهّل إطلاق حركته التغييرية، فتوّج نشاطه بصهر العناصر العلمانية الشابة في مشروعه، من خلال تقويض الشرعية الدينية الممنوحة للزعامة التقليدية، مستفيداً من الواقع السياسي والاجتماعي، في الجنوب والبقاع والضواحي البيروتية، لتبدأ مسيرة التغيير الشامل لدور الشيعة في لبنان.

اتخذ الإمام الصدر من القضية الاجتماعية أولوية، وحمل شعار «رفع الحرمان عن الجنوب والبقاع» مرتكزاً لمواجهة خصومه من الزعامات الإقطاعية التقليدية، وعلى رأسهم كامل الأسعد، ثمّ الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي، لمنعها من «التهام الشباب الشيعيّ أيديولوجياً وحزبياً (1).»

فهو على الرغم من تمسّكه بالثابت الديني، فقد سخّره لخدمة الانتماء إلى الهوية الوطنية، وعمل على تأسيس هوية اجتماعية تجمع ما بين إعلاء شأن الطائفة والتمسك بالوطن، على غرار بقية الطوائف. وبذلك استبدل العصب العائلي بالعصب المذهبي الديني، واستطاع من خلاله أن يستقطب شرائح متعددة، كانت مشرذمة الولاءات بين العائلة التقليدية وخياراتها المتعددة، والأحزاب اليسارية وشعاراتها، فضلاً عن إعادة إحيائه فكرة مأسسة الانتماء والهوية الدينية، فأعاد إحياء «جمعية البرّ والإحسان» التي أسسها السيد عبد الحسين شرف الدين عام 1948 في صور، لتكون منطلقاً لنشاطه الاجتماعيّ والخدماتي، وفي ذلك إعادة لتجربة الجمعية الخيرية العاملية في بيروت، ثمّ جاء تأسيسه للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، عام 1969، ليشكّل نقطة تحول رئيسة، في جوهر الزعامة التقليدية المطلقة. كما استطاع بناء مؤسسات تعليمية ومهنية واجتماعية، بعدما غابت لعقود طويلة، في ظل تقصير الدولة مؤسساتياً، وخدماتياً في الجنوب والبقاع، فأراد من تثبيت وعي الشيعة بهويتهم الطائفية والوطنية التأكيد على كونهم مواطنين لهم الحق في التنمية المتوازنة، ورفع الحرمان، والدفاع عنهم أمام الاعتداءات الإسرائيلية (2).

وقام بنسج علاقات متعددة مع جميع الأطراف الفاعلة وطنياً وجنوبياً، وأظهر مقدرة كبيرة على القيادة والتأثير بالنخب اللبنانية والجماهير، فقد منحه الرئيس فؤاد شهاب الجنسية اللبنانية عام 1963، وأضحى ضيفاً دائماً على الندوة اللبنانية، التي ضمّت في صفوفها النخب السياسية والفكرية اللبنانية، فوصفه ميشال أسمر بـ»رجل الزمن الآتي»، وربطته علاقات مع رجالات الصحافة الكبار، وعلى رأسهم غسّان تويني، وحاول قدر الإمكان الاستقلالية في خطّه السياسيّ، رغم تشبيكه مروحة من العلاقات السياسية الداخلية والخارجية على قاعدة دعم مشروعه التغييريّ.

اتّصف بالجرأة على الاعتراض على تجاوزات السلطة بحقّ مواطنيها الجنوبيين، الذين كانوا يتعرّضون يومياً للاعتداءات الإسرائيلية، فأعلن الإضراب العام لدعم أهل الجنوب، ونشأ نتيجة ذلك «مجلس الجنوب، وشكّل هيئة نصرة الجنوب مع الكاردينال أنطونيوس خريش، ومجموعة كبيرة من علماء ورجال دين مسلمين ومسيحيين، كما أنه اعترض على المقاومة الفلسطينية، رغم تحالفه معها، بعدما زادت تجاوزاتها ضدّ الجنوبيين، فخاطب أبا عمّار قائلاً: «يا أبا عمّار، بعمامتي أحمي المقاومة الفلسطينية، لكن لن أسكت عن تجاوزاتها ضدّ الناس في الجنوب (3).»

وعليه، فالإمام الصدر هو الباعث الحقيقي «للشيعية السياسية اللبنانية»، التي تجعل من البعد الوطني أولوية في حركتها الداخلية، وتجعل من لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه ومكوناته المختلفة، يجب الدفاع عنه بكل الوسائل حتى لو غلت التضحيات، على قاعدة الشراكة لا الهيمنة، والمشروعية الوطنية لا الفئوية، وهذا ما يفسر الاندفاعة الشيعية في حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، والخطر التكفيري.

هوامش

1ـ عبد الرؤوف سنّو: «حرب لبنان 1975-1990، تفكّك الدولة وتصدّع المجتمع»، المجلد الأول، مرجع سابق، ص: 145.
2 ـ طلال عتريسي: «تغيّر أحوال شيعة لبنان»، في: «الشيعة في لبنان من التهميش إلى المشاركة الفاعلة»، مرجع سابق، ص: 245
3 ـ انظر: «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحقوق الطائفة»، كتيّب خاص صادر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كانون الثاني 1974، ص: 10.
* أستاذ جامعي

Lebanon is a country of missed opportunities لبنان بلد الفرص الضائعة

**Please scroll down for the machine English translation**

نقاط على الحروف ناصر قنديل

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-527.png

أضاع لبنان الكثير من الفرص بإدخالها في زواريب موحلة للسياسات الطائفية والحسابات الصغيرة ، حتى بات بلد الفرص الضائعة ، ومن يستعيد اللحظات التاريخية التي حملت في بداياتها وعودا وردية بفرض تاريخية لتغيير مسار الحياة اللبنانية سيجد الكثير منها ، فمنذ اتفاق الطائف تضيع الفرصة تلو الأخرى ، وربما تكون أهم الفرص الضائعة هي ما مثلته انتصارات المقاومة بتحرير الجنوب عام 2000 والمعادلات التي أنتجتها ، والتي منحت لبنان فرصة التحول الى رقم عربي ودولي صعب ، وفرصة التوحد حول مصادر قوة سيادية تتيح له حماية ثرواته وإستقلاله ، وإحاطة هذه القوة بعناصر اضافية للقوة الوطنية التي تتوحد حولها ، والانصراف من نقطة انطلاق لبنانية موحدة نحو بناء دولة قادرة على نيل ثقة الداخل والخارج بأهليتها ، لكن بدلا من ذلك انقسم اللبنانيون بين من وجد في انتصار المقاومة سببا للخوف الطائفي ، بعدما نظر للمقاومة بعيون طائفية ، فدخل مرحلة الإستنفار الطائفي بوجهها وأخذ لبنان بذلك نحو زواريب المخاطر والتشتت والضياع ، وهناك من وجد من موقع التزامه بتموضع اللبنانيين على ضفاف المعسكرات الخارجية الفرصة في تخديم حليفه الخارجي بالنظر الى انتصار المقاومة كفرصة لمطالبتها بتسليم سلاحها ، فاتحا معها ذات المعركة التي كان يخشى أعداؤها في الخارج فتح بابها مقدما الأرضية الداخلية للمعركة الخارجية التي تستهدف هذه المقاومة ، وهكذا ضاعت الفرصة .

مع وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية تولدت فرصة مهمة للنهوض بدولة ومؤسسات وخوض غمار اصلاح سياسي واقتصادي واطلاق مسار جدي لمكافحة الفساد ، في مناخ من الإستقرار السياسي الذي تولد مع إنضمام كتل سياسية متعددة الهوية والولاء داخليا وخارجيا الى موقع الشراكة في التسويات والتفاهمات التي واكبت هذه الفرصة ، بعدما التقى حول العهد الجديد تحالفه مع حزب الله من جهة والتسوية الرئاسية مع الرئيس سعد الحريري وتفاهمه مع القوات اللبنانية من جهة مقابلة ، لكن الفرصة تحولت في النصف الأول من العهد الى استنساخ لنمط الحكم التقليدي القائم على المحاصصة والبعيد عن الإصلاح ، وطغت الهوية الطائفية على مطالب التيار الوطني الحر وسلوك العهد ، سواء في مقاربة قانون الإنتخابات النيابية ، ووضع معيار لصحة وسلامة التمثيل ينطلق من درجة قيام المسيحيين بانتخاب نوابهم ، أو في مقاربة ملفات الوظائف العامة في الفئة الأولى وما دونها ، بإخضاعها للسعي لتقديم التيار والعهد كمدافع أول عن ما يسميه ب”حقوق المسيحيين” ، وما رافق ذلك في تعيينات الفئة الأولى من محاصصات وما عقد تعيينات الفائزين بمباريات مجلس الخدمة المدنية تحت شعار السعي للتوازن الطائفي ، وكان من الصعب حد الى الاستحالة الجمع بين التمسك بموقع مسيحي أول وموقع وطني أول في مقاربة قضايا الإصلاح في بلد محكوم بنظام طائفي يتكفل بتوليد الإنقسامات لا التفاهمات ، وجاء النصف الثاني مليئا بالأزمات من الإنهيار المالي الى كورونا وصولا الى انفجار مرفأ بيروت ، وما بينها من تفجير للتفاهمات التي ولدت مع بداية العهد ، وطغى التناحر والتنابذ وانضمت قوى جديدة الى التشتت السياسي ، وبدا بوضوح ان الفرصة تتلاشى تدريجيا وان سقف الطموح صار وضع حد للخسائر ومنع وقوع الأسوأ ، وليس تحقيق المزيد من الطموحات .

جاءت انتفاضة 17 تشرين الول 2019 فرصة جديدة لإنعاش الأمل بنهوض مسار تغييري في لبنان مع مشهد عشرات الآلاف يهتفون بلبنان جديد في شوارع العاصمة ، حيث تلاقى اللبنانيون من كل الطوائف والمناطق احتجاجا على نظام المحاصصة و الفساد ، وطلبا لتغيير جذري يضمن للبنانيين فرص عيش أفضل في دولة تقوم على الحقوق والتساوي امام القانون ، لكن سرعان ما بدأ الحراك الشعبي يتآكل لصالح شعارات سياسية ينقسم اللبنانيون حولها كمصير سلاح المقاومة الذي نجح الخارج بجعله عنوان مقايضة تمويله للكثير من الجماعات الفاعلة في الحراك بجعله شعارا لها كسقف لهذا الحراك ، وبالمثل توزع المشاركون مجددا على مرجعيات الطوائف وتوزعت ريحهم ، وصارت دعوات الإصلاح ومكافحة الفساد مشروطة ، ويوما بعد يوم تلاشى الأمل وتراجعت الفرصة وتحولت الإنتفاضة الى واحدة من عناوين الضياع اللبناني ، ومصادر الإستغلال السياسي والتوظيف الخارجي ، وصار الأمل الذي بدا قريبا في الأيام الأولى للإنتفاضة يبدو أبعد فأبعد .

مع تسمية الدكتور حسان دياب كرئيس للحكومة التي ولدت في مناخ الإنتفاضة ، ولدت فرصة جديدة ، فللمرة الأولى هناك رئيس حكومة من خارج النادي التقليدي ، ومن خارج الولاءات الطائفية والإقليمية ، ومن حظ لبنان أن يكون هذا الرئيس مؤمنا بلبنان مدني وبنظام للمساءلة والمحاسبة وبإصلاح جذري للنظامين السياسي والإقتصادي ، معتبرا انه جاء لتنفيذ وصايا الإنتفاضة ، لكن الرئيس الذي جاء بتسمية وثقة الأغلبية النيابية ، كجزء مما سمي بالطبقة السياسية ، لم يحصل على دعم الإنتفاضة وقواها ولا حصل على دعم شركائه في الحكومة ، ومرت الأيام الحكومية على إيقاع هذا التناوب بين مساع إصلاحية منقوصة ، ومشاريع حكم مبتورة ، فترهلت صورة الحكومة ، وذبلت الآمال بتغيير منشود ، وضاعات الفرصة .

بالرغم من الطابع المأسوي لجريمة تفجير مرفأ بيروت شكل التحقيق القضائي فرصة لإنتزاع القضاء المبادرة لقيادة المسعى الإصلاحي ، وبنى اللبنانيون الآمال على أن يدق التحقيق أبواب المحرمات السياسية ويقدم نموذجا عن الشجاعة والإقدام والحسم والوضوح والترفع ، فيحرج الجميع ويلزمهم بالخضوع ، وينجح بجمع الشجاعة والحكمة بخلق واقع جديد ، وبدلا من أن يحدث ذلك حث العكس ، فطريقة التصرف القضائي بنتائجها بغض النظر عن النوايا ، حولت حسان دياب من الدخيل غير المرغوب به في نادي رؤساء الحكومات السابقين ، الى عضو أصيل يحظى بالتكريم من مؤسسي النادي ، وبدلا من ان يكون مغردا خارج سرب الطائفة هجمت الطائفة عليه تحميه بعدما كانت قد نبذته وهجمت عليه كدخيل على نادي الأصلاء ، وبغض النظر عن النقاش القضائي والدستوري والسياسي دخل التحقيق قي مسار انحداري يصعب انقاذه منه ، فاقدا امكانية تمثيل عنوان نهوض لمشروع الدولة ، وبدلا من ان يكون التحقيق مدخلا انقاذيا للدولة صار المطلوب انقاذ التحقيق .

مرة جديدة لبنان بلد الفرص الضائعة .

Lebanon is a country of missed opportunities

Points on the letters Nasser Kandil

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-527.png

-Lebanon has lost many opportunities due to muddy paths of sectarian policies; despite historical moments that carried in their beginnings rosy promises of a historic chances to change the course of the Lebanese Life. Since the Taif Agreement, Lebanon has lost one opportunity after another until it became a country of missed opportunities. Perhaps the most important missed opportunity is what was represented by the victories of the resistance in liberating the south in 2000 and the equations it produced, which gave Lebanon the opportunity to unite its factions towards building a sovereign state that is capable of, and able to, protect its wealth and independence, and to become an important player regionally and internationally gaining the confidence home and abroad. Instead, Lebanese entered a stage of sectarian alienation and remained divided between those who found in the victory of resistance a cause of sectarian fear, looking at the resistance with sectarian eyes, and those who found the victory of the resistance an opportunity to serve their external allies, and demand RESISTANCE to give up its weapons, and thus the opportunity was lost.

– With the arrival of President Michel Aoun to presidency of the Republic, an important opportunity was born to promote a state and institutions, engage in political and economic reform, and to launch a serious path to fight corruption, in a climate of political stability that was born with the joining of different political blocs with different  political identities and loyalties internally and externally on the basis of partnership in the settlements and understandings that accompanied this opportunity. With the arrival of President Michel Aoun to presidency, A new map of alliances took shape, with Hezbollah on one hand and the presidential settlement with Prime Minister Saad Hariri and his understanding with the Lebanese forces on the other hand. However, in the first half of President Michel Aoun’s presidency, the opportunity turned into a reproduction of the traditional pattern of past Lebanese governments based on sectarian quotas. As the sectarian quota mentality dominated the demands of the Free Patriotic Movement in the Parliamentary Elections Law. Also, their approach to choosing personnel to public jobs was marred by the slogan of seeking sectarian balance, and what so-called “the rights of Christians”, ignoring the winners of the matches of the Civil Service Council. It was difficult to an extent to the impossibility of combining adherence to a Christian first position and a first national position in approaching reform issues in a country governed by a sectarian system that is responsible for generating divisions rather than understandings. The second half of President Michel Aoun’s presidency was full of crises, from the financial collapse and Covid-19 to the explosion of Beirut Port, as well as the shifts in the alliances that were born with the beginning of President Michel Aoun’s presidency. As a result, rivalry and discord prevailed, and new forces joined the political dispersion, and it was clear that the opportunity was gradually fading. So, the ambition instead became to put an end to losses and prevent the occurrence of the worst, rather than promoting political and economic reforms.

– The October 17, 2019 uprising came as a new opportunity to revive hope for the advancement of a change course in Lebanon, with tens of thousands chanting for a new Lebanon in the streets of the capital, as Lebanese from all sects and regions met in protested against the quota system and corruption, requesting a radical change that would guarantee the Lebanese a better life in a country that is based on rights and equality before the law. However, soon the popular movement began to erode because of political slogans about which the Lebanese are divided, such as the fate of the weapons of Resistance, which the foreign powers succeeded in making it the uprising title, and likewise the participants were distributed again among the sects’ references and became ineffective. The calls for reform and fighting Corruption became conditional, and day after day the hope faded and the intifada became one of the titles of Lebanese losses, and became a source for political exploitation and external employment. And the goal that seemed in reach in the early days of the uprising began to seem farther and farther.  

– With the naming of Dr Hassan Diab as head of the government which was born in the climate of uprising, a new opportunity was born, for the first time there was a head of government from outside the traditional club of politicians, and devoid of sectarian and regional loyalties, and Lebanon was fortunate to have a Prime Minister who believes in a civil Lebanon, a system of accountability, and a radical reform of the political and economic systems, and he considered his mandate to implement the demands of the intifada. However, this Prime Minister, who gained the parliamentary majority trust also, did not obtain the support and forces of the uprising, nor did he obtain the support of his partners in the government. And government days passed between incomplete reform efforts and incomplete governmental projects. The image of the government withered, the hopes of a change vanished, and the opportunity was again lost.

– Despite the tragic nature of the crime of bombing the Port of Beirut, the judicial investigation constituted an opportunity to extract the initiative to lead the reform effort, and the Lebanese built hopes that the investigation would knock on the doors of political taboos and provide a model of courage, boldness, clarity and elevation, embarrass everyone and obliged them to submit, and succeeds in gathering courage and wisdom by creating a new reality. Instead, the contrary happened. The way the judicial system’s behaviour with its findings, regardless of its intentions, has transformed Hassan Diab from being an outsider in the “previous prime ministers club” to an accepted member. And his sect that rejected him previously as a member of the originals’ club, turned to protect him and accepted him in the club. Regardless of the judicial, constitutional, and political debate, the investigation entered a downward trajectory, and lost the possibility of being a vehicle for state advancement, and instead of being a rescue entrance for the state, the investigation became the case to be saved.

– Once again Lebanon is a country of missed opportunities.

كيف يرضى الأميركيّ دور الوسيط في ظل السلاح؟

ناصر قنديل

قد يكون حجب الأعين عن طرح هذا السؤال، سبباً كافياً لتفسير وفهم الحملة المبرمجة على الإعلان عن اتفاق الإطار للتفاوض غير المباشر حول ترسيم الحدود، وما تضمنته الحملة من كثافة أسئلة تشكيكية بوطنية الأهداف، كالاتهام بالتطبيع والاعتراف بكيان الاحتلال، والتفريط بالمقاومة، وفتح الباب لطرح مصير سلاح المقاومة على الطاولة، وهي أسئلة لا يمكن فهم أهدافها وتفسيرها بالنظر إلى انتماء أغلب أصحابها إلى معسكر الداعين علناً لنزع سلاح المقاومة وتحميله مسؤولية كل أزمات لبنان، وتبني أغلبهم دعوات الحياد، والساعين لخطب ودّ المناخ الخليجي الزاحف نحو الاعتراف والتطبيع، ولكون الجهة المستهدفة بالتشكيك هي المقاومة التي تتهم إما بالخيانة أو بالغباء، وتاريخها ناصع في الشجاعة والحكمة والتضحية والثبات في آن واحد.

من الممكن تفهُّم أسباب هؤلاء في حملتهم، من موقع غضب وغيظ وخيبة، بفعل ما ذهبوا إليه من إحراق للسفن في حملاتهم لشيطنة المقاومة وتحميلها وزر كل الأزمات، ودعوتهم لتقييدها وحصارها، وإبعادها من المشهد وطرح مصير سلاحها على الطاولة، وتسويق دعوات الحياد، وكل ذلك تحت عنوان واحد، أن المقاومة تسبّبت بغضب مَن يُمكنهم مساعدة لبنان على الخروج من أزمته، ولهؤلاء المتعدّدي الهوية عنوان واحد يبدأ من واشنطن، وفيما هم يفعلون كل ما بوسعهم لتقديم أوراق اعتمادهم للأميركي كسعاة لترجمة شعاره، لا حلول مالية في ظل سلاح المقاومة، يفاجئهم الأميركي بالقبول بما وصف به اتفاق الإطار وما يهدف إليه، كعنوان حل أزمة لبنان المالية، وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر، وفي ظل السلاح وبعيدا عن أي نقاش حول نزعه أو اشتراط إدخال مستقبله بنداً في التفاوض.

الأسباب الخاصة لهؤلاء في الشعور بالغضب والغيظ والخيبة، واضحة ومفهومة، لكنها تفسر انخراطهم في الحملة، وليس أهدافها، فهم عبر الحملة يفجّرون غضبهم وغيظهم ويعبرون عن خيبتهم، لكنهم يعاودون تقديم أوراق اعتمادهم للأميركي مجدداً، على أبواب مفاوضات شاقة ومعقدة يحتاج التفاوض فيها إلى حرب إعلامية ونفسية تواكبها، وأعلى مستويات الحرب النفسيّة هو نقل الخصم المنتصر إلى مهزوم يدافع عن نفسه، تماماً كما فعل الرئيس فؤاد السنيورة بعد حرب تموز، برفض الاعتراف بأن لبنان انتصر، رغم أن كيان الاحتلال بقادته السياسيين والعسكريين، ومفكّريه ونخبه ووسائل إعلامه وقضاته، كان يعترف بالإجماع بأنه هُزم وبأن المقاومة انتصرت، وكان الهدف من الإنكار، أبعد من مجرد نقل المقاومة إلى موقع الدفاع، بل الإسهام في معركة الوعي، لصالح منع تجذر فكرة النصر في الوعي الجمعي للبنانيين والعرب، وتقديم أوراق الاعتماد للجولة المقبلة من المواجهة.

لنتخيل المشهد لولا حملات التشكيك وكثافتها، وتدفق الأسئلة المبرمجة ضمنها، كما لنتخيل المشهد من دون حملات التشكيك بالنصر في تموز، بعيداً عن وظيفة التشكيك بنقل المقاومة إلى الدفاع عن نفسها وصدق وإخلاص موقعها من أجل وطنها، والدفاع بالتالي عن صدقيّة نصرها. فهدف الحملات الأعمق والأبعد مدى، كان حرمان المقاومة من خوض معركتها وإطلاق حملتها، لطرح أسئلتها، وفي حرب تموز كان سؤال المقاومة هل بقي هذا الجيش جيشاً لا يُقهر، وهل ثبت أن «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، والسؤال الذي كان يجب أن يطرح اليوم، ليس كيف قبلت المقاومة بالأميركي وسيطاً، لأن السؤال الطبيعي كيف قبل الأميركي دور الوسيط في ظل السلاح؟

لقد خاض الأميركيون والإسرائيليون، حرب تموز لإقصاء السلاح عن قدرة التأثير في أمن الكيان وثروات الغاز، وفشلوا، وشنّوا حربهم على سورية وفي أحد أهدافها تحقيق ما لم يتحقق في حرب تموز، وفشلوا، وحاولوا السطو على الغاز من دون تعريض أمن الكيان، ومرة أخرى كان اسم السنيورة حاضراً، ففشلوا مرتين، مرة بإسقاط التسلل عبر السنيورة، لترسيم مشوّه لحساب الكيان، والمرة الأهم لفشلهم كانت عندما رفعت المقاومة شعارها، سندمّر كل منصات الغاز التي تنصب في المنطقة الاقتصادية التي يعتبرها لبنان حقاً سيادياً له، وركزوا خلال عامين على الذهاب نحو دفع لبنان إلى الانهيار والانفجار، أملاً بتوجيه كرة النار نحو المقاومة تحت شعار، لا حل في ظل السلاح، ولا حوار في ظل السلاح، ولا إنقاذ في ظل السلاح، وذهب بعضهم للقول لا حكومة في ظل لسلاح، ولا انتخابات في ظل السلاح، وفشلوا ولم ينجح السيناريو بإضعاف المقاومة وفرض التنازلات عليها، وعلى بيئتها وحلفائها، فاضطر الأميركي والإسرائيلي للرضوخ لمعادلة حرب تموز الاقتصادية، والتسليم بالتفاوض في ظل السلاح.

مَن يستطيع اليوم أن يقول لا تفاوض ولا حوار في ظل السلاح؟

استحضار بندر بن سلطان: السعوديّة إلى التطبيع در

في ظروف سعودية تغلق فيها كل المنافذ أمام ما يُسمّى بالحرس القديم، وظروف أميركية تضع ملف التطبيع الخليجي الإسرائيلي في الواجهة، لا يمكن أن يحضر الأمير المتقاعد بندر بن سلطان على فضائيّة سعودية ليفتتح حملة تشهير بالشعب والقيادات الفلسطينيّة إلا كثمرة لخطة سعودية أميركية تم إسناد تنفيذها لبندر الذي كان تاريخياً نقطة تقاطع المهمات الخاصة الأميركية السعودية منذ تشكيل مجموعات «جهادية» للقتال في أفغانستان تحوّلت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة، كما يروي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغينيو بيريجنسكي.

العلاقة بكيان الاحتلال كانت دائماً حاضرة في مهمات بندر الأميركية السعودية، وهو مهندس الشراكة الثلاثية الأميركية السعودية الإسرائيلية في الحرب على سورية، وهو مَن وصف مراراً من قادة الكيان بالصديق الموثوق، وهو صاحب الدعوة العلنية لصندوق خاص لتمويل توطين الفلسطينيين في أماكن اللجوء، ضمن إطار تصفية حق العودة للاجئين.

إطلالة بندر بن سلطان لخوض معركة تحميل الفلسطينيين مسؤولية ضياع فرص نيل الحقوق والاستحضار المشوه للوقائع لتثبيت هذه الفكرة، من رجل تولى مسؤوليات وقاد اتصالات تمنحه صفة التحدث بما كان شريكاً في صناعته، تهدف للتمهيد أمام الرأي العام الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً من أي التزام بالقضية الفلسطينية، وصولاً للدعوة التي يتبنّاها حكام الإمارات أصدقاء بندر، تحت عنوان هدرنا جهوداً ووقتاً أكثر مما ينبغي من أجل فلسطين من دون جدوى، على حساب مصالحنا، وآن لنا أن نهتمّ بأنفسنا، وهنا طبعاً لا يسأل هؤلاء أنفسهم عن مصلحة بلادهم بفتح أمنها ومجتمعاتها أمام مخابرات كيان الاحتلال؟

الذريعة التي سينتقل بندر لتسويقها في إطلالة ثانية ستكون أولوية إيران كخطر يستدعي التعاون مع كيان الاحتلال. وهذا يعني أن خطة الانضمام السعوديّ إلى ركب التطبيع، كما بشر دونالد ترامب، قد وضعَت قيد التنفيذ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

استراتيجيّة التفاوض مع الأميركيّ والإسرائيليّ: الشروط مقابل التوقيت والحقوق مقابل الأمن

لبنان والمقاومة بين ملفي الترسيم والحكومة 

ناصر قنديل

تتيح أربع جولات من التفاوض غير المباشر خاضها لبنان مع كيان الاحتلال في زمن المقاومة، استخلاص قواعد يمكن أن تشكل الأساس في استراتيجية التفاوض، وهي قابلة للتحوّل إلى أسس لمدرسة جديدة في التفاوض، المتعدّد الأطراف، واللامتوازن على صعيد أوراق الضغط والقوة، ومن خلال مراقبة هذه الجولات التي تمتدّ منذ تفاهم نيسان عام 96 والتحقق من الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 وصولاً للقرار 1701 كتتويج لنتائج حرب تموز 2006 وانتهاء باتفاق الإطار للتفاوض حول ترسيم المناطق الاقتصادية، يمكن تتبع خط ناظم مكرر في هذه الجولات، يصلح للتحوّل إلى منهج تفاوض لقوى المقاومة، خصوصاً عندما يتزاوج وجودها المقاوم مع وجودها في ممارسة السلطة في الكيان السياسيّ الوطنيّ.

تشترك هذه الجولات التفاوضية في كونها غير مباشرة، وفي أنه يحضر خلالها الأميركي مباشرة ومن خلال الأمم المتحدة الخاضعة لسيطرته، منهجية واحدة تحدد خلالها المقاومة وفريقها السياسي المفاوض، الذي مثله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والرئيس الراحل رفيق الحريري في تفاهم نيسان ومثله الرئيس السابق اميل لحود في العام 2000، وقد لعب رئيس مجلس النواب في المرتين دوراً محورياً، ليصير المفاوض المفوّض والمعتمد من المقاومة في جولتي 2006 و2010 -2020، كما تتشارك في حقيقة كون التدرّج في المواقف تنازلاً وتراجعاً في المضمون كان يجري على جبهة واحدة، هي الجبهة الإسرائيليّة كما ينقلها المفاوض الأميركي والشريك الأممي، بينما الثبات يكون على جبهة واحدة في مضمون المطالب والمواقف، هي جبهة المقاومة ومفاوضها المعتمد، ففي عام 96 رسمت المقاومة سقف التفاوض بتحييد المدنيين وحصر المواجهة بالأهداف العسكرية، بينما رفض الإسرائيلي بقوة هذا المطلب في البداية، وراهن على ما وصلت المواجهة حتى فرض التراجع عن هذا الشرط أو تخفيض سقفه، وصولاً للقبول. ومثلها عام 2000، حددت المقاومة ومفاوضها المعتمد هدفها برفض التسليم بإنجاز الإنسحاب من دون تثبيت الحقوق اللبنانية في الخط الحدودي، وواجه الضغوط والتهديدات وصولاً للتسليم بمطلبه، وعام 2006 كان السقف التفاوضي، رفض القوات المتعدّدة الجنسيات، ورفض المساس بحق المقاومة في الدفاع، وفي التفاوض حول الترسيم، رسم السقف بالتمسك بالتفاوض غير المباشر، وبربط الترسيم البحريّ بنقطة انطلاق من الخط البريّ، من جهة، ومن جهة مقابلة بالإصرار على الحصول على المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان من دون نقصان، وقد ثبّت اتفاق الأطر ولو بعد عشر سنوات النصف الأول، ويتجه الى التفاوض حول النصف الثاني.

السؤال هو كيف تنجح المقاومة وما هي استراتيجيتها؟ والجواب هو أن رسم السقف التفاوضي المؤسس على الحقوق، والاستعداد للصمود حتى ينضج المفاوض المقابل، للقبول، مهما كان الثمن في الحرب أو في الضغط الدبلوماسي والسياسي أو في الحصار المالي والعقوبات والدفع نحو الانهيار وحافة الهاوية، فيكون الصمود الذي يمكن أن يتحقق بلا ثلاثة شروط، قدرة على مواصلة المواجهة، ومفاوض صلب، وبيئة شعبية حاضنة متماسكة، بما يضمن التفوّق على قدرة العدو على تحمل توازن الكلفة مع العائدات، فيضغط عليه التوقيت، وتحدث المقايضة بين الشروط والتوقيت، وفي تفاهم نيسان نال الإسرائيلي ومَن معه التوقيت بعدما ضاقت قدرته على تحمّل الاستنزاف ومثلها في حرب تموز، بينما في العام 2000 ضاقت قدرته على تحمّل الطعن بصدقية الانسحاب. وهذه المرة كانت حاجته للتوقيت اقتصادية، كما كانت بالنسبة للأميركي سياسية وانتخابية، وهكذا تمت في كل منها مقايضة الشروط بمضمون ما رسمته المقاومة، مقابل نيل ربح التوقيت.

بالتوازي يتحقق للمقاومة خلال مسار غير صاخب لما يتلو التفاهمات الناتجة عن التفاوض تثيبت الحقوق، مقابل لهاث اسرائيلي وراء الأمن، فالأمن كان في الظاهر مطلب المقاومة عام 96، لكنه صار هدفاً إسرائيلياً بينما نالت المقاومة حقها كدفاع مشروع عن شعبها، ما اسس بسلاسة على مدى سنوات قليلة للتحرير، وفي العام 2000، كان أمن الانسحاب السياسي والميداني هو ما سعى إليه الاحتلال، بينما تحول تثبيت الشروط إلى مسار سلس لنيل الحقوق. وعام 2006 ظن كثيرون أن القرار 1701 باعتباره عهدة أممية تحت المظلة الأميركية سيكون أداة لخنق المقاومة، فإذ بالمقاومة تفوز بتثبيت الحقوق، مقابل السعي الإسرائيلي لنيل الأمن بعد حرب فاشلة تحوّلت عبئاً وجودياً واستراتيجياً، وتدريجاً وبشكل سلس يتحول ذلك إلى فوز المقاومة بما يضمن لها مراكمة المزيد من اسباب القوة، فيقول الأميركي والإسرائيلي أن المقاومة بعد الـ 1701 صارت أقوى مما كانت قبله، واليوم وبسبب قوة المقاومة يضطر الكيان لتقديم العروض ثم قبول التفاوض، ثم قبول شروط التفاوض، لأنه يحتاج لأمن وهو استثمار تملك المقاومة قدرة تهديده، ويصير بائناً أن مسار التفاوض سيكرر ما سبق وأظهرته النماذج السابقة، لجهة مقايضة الشروط بالتوقيت ومقايضة الحقوق بالأمن.

خط هوف وسلاح المقاومة

يتحدّث البعض في سياق تقييم اتفاق إطار التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية للبنان عن تنازل قدمه لبنان من خلال رئيس مجلس النواب نبيه بري تحت تأثير الضغط الأميركي، خصوصاً عبر العقوبات التي طالت معاونه السياسي. وهذا ما يفسر الإعلان عن اتفاق الإطار بعد العقوبات بفترة وجيزة، ويتحدّث بعض آخر عن أن التفاوض يجري في وقت سيئ لبنانياً يجعل قدرة كيان الاحتلال المدعوم أميركياً على انتزاع التنازلات أكبر بغياب أي مصادر قوة لدى لبنان المأزوم مالياً والمفكك داخلياً ويصلون للقول إن توقيت التفاوض لصالح كيان الاحتلال.

الأمر الأول الذي يطرحه الاتفاق على هؤلاء هو أن معيار التنازل يُقاس بالمضمون السياسي والاقتصادي للمفاوضات الذي كان قبل وصار بعد لمعرفة مَن الذي تنازل. وقد كان المطلب الأميركي الإسرائيلي سياسياً هو التفاوض المباشر واقتصادياً هو خط فريديريك هوف الذي رسمه الأميركيون لصالح كيان الاحتلال ورفضه لبنان سابقاً وبقي يرفضه. ولو وافق لما كانت هناك حاجة للتفاوض وكما في رفض خط هوف بقي لبنان عند موقفه الرافض للتفاوض المباشر لصالح تفاوض غير مباشر كما هو واضح في النص المعلن بالتزامن من قبل كل الأطراف.

الأمر الثاني هو أن الاتفاق كان مبرماً في تموز الماضي واحتجزه الأميركي أملاً بتعديله وجاءت العقوبات لتكشف موضوع رهانه لفرض التعديل والاتفاق الذي أعلن هو نص تموز نفسه قبل العقوبات بما يعني أن الأميركي عاد للاتفاق لاكتشافه أن العقوبات لم تنفع ولو كان لها مفعول لتغير الاتفاق، ومعنى التوقيت بعد العقوبات هو اليأس الأميركي من التعديل.

الأمر الثالث هو أن أصل القبول الأميركي الإسرائيلي للتفاوض نابع من الإقرار بقوة لبنان وهو ما لا ينتبه له خصوم المقاومة بسبب عمى ألوان الحقد، فالنيّة الإسرائيليّة كانت الدخول في استثمار المناطق التي وضعها كيان الاحتلال ضمن منطقته الاقتصادية وهي حقوق لبنانيّة خالصة ولولا المقاومة وتهديداتها وقوتها لما إضطر الكيان ومن ورائه واشنطن لعرض خط هوف ولا للبحث بالتفاوض، ولولا الخوف من قدرات المقاومة واستهداف أي استثمار تقوم به الشركات العالمية لحساب الاحتلال لبدأ استثمار المناطق الإقتصادية اللبنانية من قبل الكيان منذ سنوات ومن دون محاولة التوصل لاتفاق، وهذه هي القوة التي أجبرت الأميركي والإسرائيلي على تقبل الذهاب لاتفاق إطار يرضاه لبنان كي يتمّ التفاوض سعياً وراء الحاجة للاستثمار الآمن، والتيقن من أن لا استثمار آمناً من دون التوصل لترسيم المناطق الاقتصادية مع لبنان، وهذه القوة التي فرضت اتفاق الإطار باقية وفاعلة خلال مسار التفاوض.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

شهر أيلول شهر التناقضات السياسية والميدانية الكبرى في الصراع العربي الصهيوني

د. ميادة إبراهيم رزوق

تتزاحم أحداث أيلول في الذاكرة العربية والفلسطينية الجمعية، من محطات سوداء قاتمة في مجزرة صبرا وشاتيلا، واتفاقيات أوسلو، وصولاً إلى أيلول 2020 وتوقيع اتفاقيات تطبيع الأسرلة، إلى محطات مضيئة مشرقة بتأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية إلى انتفاضة الأقصى وانسحاب الكيان الصهيوني من قطاع غزة حتى أيلول 2020 الذي أسدل ستاره وكيان الاحتلال الصهيوني على اجر ونص، ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو مع أجهزته الإعلامية والاستخبارية يتلقى صفعة جديدة من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وعلى الهواء مباشرة ليثبت كذبه ويبطل مفاعيل هدفه في المسرحية الهزلية التي استعرضها من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إنه شهر الانكسارات والمفاوضات والانتصارات وفي ما يلي أهمّ محطاته بتفصيل موجز:

أولاً– شهد العامان 1970 و1971 صراعاً وتوتراً في العلاقة بين السلطة الأردنية والفصائل الفلسطينية التي اضطرتها نكسة حزيران عام 1967 للتراجع إلى شرق نهر الأردن بانتظار فرصة استجماع الأنفاس العربية باستعادة فلسطين، فانتهت بنهر من الدماء العربية بلغت ذروتها في شهر أيلول عام 1970 «أيلول الأسود» حيث تحوّل الخلاف بين إخوة الدم إلى مواجهة مسلحة لخصها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات بقوله «هذه مؤامرة، من كان وراءها وخطط لها ودفع إليها هو وكالة المخابرات المركزية الأميركية»، أو بصورة أدقّ، إنّ الرجل الذي لعب دوراً مركزياً في وضع الخطة الأميركية لتفجير الوضع في الأردن، هو مستشار الأمن القومي آنذاك الداهية هنري كيسنجر، بوصفة سحرية لضرب المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني بحجر واحد، فتحوّل المشهد إلى نهر من الدماء العربية، وانتهت المواجهة بإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن وانتقالها إلى لبنان حيث تجدّدت الحروب ووقعت مجازر أخرى شهيرة في التاريخ الإنساني حملت توقيع جيش كيان العدو الصهيوني.

ثانياً– بعد اجتياح جيش الكيان الصهيوني بيروت عام 1982 بهدف حماية الحدود الشمالية لكيانه المحتلّ من هجمات الفدائيين الفلسطينيين واقتطاع شريط من الأراضي اللبنانية على طول الحدود مع فلسطين المحتلة بعمق يتراوح بين 10 و 30 كلم، والسيطرة على نهر الليطاني ومياهه، وإنهاء المقاومة الفلسطينية في لبنان، والقضاء على أكبر عدد من الشعب الفلسطيني، بدأت أحداث المجزرة الأليمة في مخيمي «صبرا وشاتيلا» قبل غروب يوم السادس عشر من أيلول عام 1982، عندما فرض جيش الاحتلال الصهيوني حصاراً مشدّداً على المخيمين، ليسهل عملية اقتحامهما من قبل ميليشيات لبنانية مسلحة موالية له، أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف معظمهم فلسطينيون على مدار 48 ساعة بمشاهد مروعة – من الذبح وبقر البطون الحوامل واغتصاب النساء– لا تزال ماثلة كذكريات قاسية وقاحلة في الوجدان الجمعي العربي والفلسطيني، وبوصمة عار على جبين الإنسانية.

ثالثاً– تلا تلك المجزرة بعدة أيام عملية الويمبي في 24 أيلول عام 1982 قام بها البطل القومي خالد علوان والذي بلغ من العمر 19 عاماً، حيث وصل إلى مقهى الويمبي في شارع الحمراء أحد الأحياء الغربية لمدينة بيروت، وفتح النار على الضباط والجنود الصهاينة في الويمبي فقتل ضابطاً صهيونياً بمسدسه وأصاب جنديين صهيونيين يرافقان الضابط، فأصيب أحدهما في صدره والآخر في الرقبة، وأعلنت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مسؤوليتها عن العملية، التي تميّزت بأهمية رمزية قوية حيث مثلت بداية الأعمال المقاومة ضدّ قوات الاحتلال الصهيوني في بيروت، ودفعت بسكان المدينة الآخرين للمشاركة في المواجهات مع قوات الاحتلال الصهيوني، واستمرت هذه الأعمال حتى انسحاب القوات الصهيونية من العاصمة بيروت في 27 و28 أيلول عام 1982 تحت تأثير الضغوط السياسية الخارجية، وضربات المقاومة الوطنية اللبنانية، التي أنزلت بها هي وقوات مشاة الأسطول الأميركي «المارينز» والقوات الفرنسية خسائر فادحة بعمليات استشهادية، فانقلبت الانتصارات الصهيونية مأزقاً، كان أول ضحاياه هم قادة الحرب في كيان العدو الصهيوني، إذ في أوائل عام 1984 اعتزل مناحيم بيغن بعد عدة أشهر من الاعتكاف، وذكر أنه أصيب بالإحباط بسبب فشل سياسته، وأجبر وزير الدفاع أرييل شارون على الاستقالة بعد أن أدانته لجنة قضائية «لجنة كاهان»، وعزل رئيس أركان العدو الصهيوني رفائيل ايتان، لينسحب جيش كيان العدو الصهيوني في نهاية عام 1985 من معظم الأراضي التي احتلها، وبقي الشريط الحدودي الذي تحرّر في عام 2000.

رابعاً– تمّ توقيع اتفاقية أوسلو1 في 13 أيلول عام 1993، وهي أول اتفاقية مباشرة بين الكيان الصهيوني ممثلاً بوزير خارجيته آنذاك شمعون بيريز ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية محمود عباس، وقد التزمت منظمة التحرير الفلسطينية وعلى لسان رئيسها ياسر عرفات بـ «حق» الكيان الصهيوني بدولة (إسرائيل) على 78٪ من الأراضي الفلسطينية «أي كلّ فلسطين ما عدا الضفة الغربية وقطاع غزة» للعيش بـ» أمن وسلام والوصول إلى حلّ لكلّ القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وطبقاً لهذه الاتفاقية أدانت منظمة التحرير الفلسطينية استخدام الإرهاب وأعمال العنف وأخذت على عاتقها إلزام كلّ عناصر أفراد منظمة التحرير بها، ومنع انتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين، فأدانت حالة المقاومة المسلحة، وحذفت البنود التي تتعلق بها في ميثاقها الوطني كالعمل المسلح وتدمير (إسرائيل)، كما اعترف الكيان الصهيوني بمنظمة التحرير الفلسطينية بأنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وبحق الفلسطينيين بإقامة حكم ذاتي «وليس دولة مستقلة ذات سيادة» على الأراضي التي ينسحب منها من الضفة الغربية وقطاع غزة على مراحل خلال خمس سنوات، مع التأكيد أنّ الكيان الصهيوني هو المسؤول عن أمن منطقة الحكم الذاتي من أيّ عدوان خارجي «لا يوجد جيش فلسطيني للسلطة الفلسطينية»، وبعد ثلاث سنوات تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بشأن القدس «من يتحكم بالقدس الشرقية والغربية والأماكن المقدسة وساكنيها إلخ…»، واللاجئون «حق العودة وحق التعويض إلخ…» والمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة «هل تفكك أم تبقى أو تزيد زيادة طبيعية، ومن يحميها السلطة أم الجيش الصهيوني»، الترتيبات الأمنية «كمية القوات والأسلحة المسموح بها داخل أراضي الحكم الذاتي، والتعاون والتنسيق بين شرطة السلطة الفلسطينية والجيش الصهيوني، مما أدّى إلى انقسام وانشقاق بين الفصائل الفلسطينية، ففي الوقت الذي مثلت حركة فتح الفلسطينيين في المفاوضات وقبلت إعلان المبادئ، اعترضت عليها كلّ من حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وجبهة التحرير الفلسطينية فاعتبروه اتفاقاً باطلاً ووصفوه بـ «المشؤوم» كونه أعطى الاحتلال الحق باغتصاب 78٪ من أرض فلسطين التاريخية.

خامساً– أما اتفاقية أوسلو2 بشأن الاتفاق الانتقالي للضفة الغربية وقطاع غزة أو اتفاقية طابا فقد تمّ التوقيع عليها في مدينة طابا المصرية في شبه جزيرة سيناء من قبل الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية في 24 أيلول عام 1995وبعد أربعة أيام في 28 أيلول تمّ التوقيع الرسمي على الاتفاقية في واشنطن من قبل رئيس وزراء حكومة العدو الصهيوني إسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ووضعت الاتفاقية تصوّراّ لتأسيس حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الأراضي الفلسطينية، لكنها لم تتضمّن وعود بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل أسست أوسلو2 المناطق «أ، ب، ج» في الضفة الغربية، ومنحت السلطة الفلسطينية بعض السلطات والمسؤوليات المحدودة في المنطقة «أ» و»ب» مع إمكانية عقد مفاوضات حول التسوية النهائية حسب قراري مجلس الأمن رقم «242 و 338»، ولم تتضمّن الاتفاقية ما يحدّ من استمرار عملية بناء المستوطنات في الضفة الغربية عامة وفي القدس بصفة خاصة، علماً أنه سبقت هذه الاتفاقية مجموعة أحداث دامية تركت أثرها عليها، منها مجزرة الحرم الإبراهيمي، وعدة عمليات فدائية هزت عمق المجتمع الصهيوني، وأعقبها اغتيال رئيس الوزراء الصهيوني إسحق رابين.

سادساً– بدءاً من نهاية عام 1999 ساد شعور بالإحباط لدى الفلسطينيين لانتهاء الفترة المقررة لتطبيق الحلّ النهائي بحسب اتفاقيات أوسلو، والمماطلة وجمود المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني، واستمرار الصهاينة بسياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات لمناطق السلطة الفلسطينية ورفض الأفراج عن الأسرى الفلسطينيين، بالإضافة إلى استمرار بناء المستوطنات واستبعاد عودة اللاجئين، واستبعاد الانسحاب لحدود حزيران 1967، مما جعل الفلسطينيين متيقنين بعدم جدوى عملية السلام للوصول إلى تحقيق الاستقلال الوطني، وفي ظلّ هذا الشعور العام بالإحباط والاحتقان السياسي، قام رئيس وزراء كيان الاحتلال السابق أرييل شارون باقتحام المسجد الأقصى وتجوّل في ساحاته مصرّحاً أنّ الحرم القدسي سيبقى منطقة (إسرائيلية)، مما أثار استفزاز المصلين الفلسطينيين، فاندلعت المواجهات بين المصلين وجنود الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى، فارتقى سبعة شهداء وجرح المئات وأصيب 13 جندي صهيوني وكانت بداية أعمال الانتفاضة التي أدّت إلى تطوّر قدرات وإمكانيات الفصائل الفلسطينية وخاصة بصنع الصواريخ (صاروخ قسام، قدس4، صمود، أقصى 103، ناصر)، وبناء جدار الفصل العنصري الصهيوني، وتحطيم مقولة الجيش الذي لا يُقهر في معركة مخيم جنين الذي قتل فيه 58 جندي صهيوني وجرح 142، بالإضافة إلى ضرب السياحة واقتصاد المستوطنات الصهيونية، واغتيال وزير السياحة الصهيوني (زئيفي) على يد أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

سابعاً– تحت ضغط الواقع الأمني المتردّي والعجز في اخماد أعمال المقاومة المتصاعدة في قطاع غزة والضفة الغربية خاصة ما عرف بحرب الأنفاق ضدّ مواقع حصينة للجيش الصهيوني وارتفاع الكلفة الأمنية على حكومة الاحتلال، وخاصة بعد بناء جدار الفصل العنصري، قرر رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك أرييل شارون في 11 أيلول عام 2005 الانسحاب من 25 مستوطنة في قطاع غزة والضفة الغربية ضمن عملية أطلق عليها فكّ الارتباط مع الفلسطينيين بعد احتلال للقطاع استمرّ لمدة 38 عاماً.

وأخيراً تتضارب أحداث أيلول 2020 بين اتفاقيات تطبيع الأسرلة أو تحالف الحرب العسكري الأمني الاستخباري بين الأنظمة العربية الرجعية المطبعة في الإمارات والبحرين، وكيان الاحتلال الصهيوني ضدّ إيران وبالتالي محور حلف المقاومة، وتنصل جامعة الدول العربية من مسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية، في وقت تتحد فيها كلمة الفصائل الفلسطينية على طريق تنامي مقاومة أو انتفاضة جديدة في الأراضي الفلسطينية، وليسدل أيلول 2020 الستار على مزيداً من فضائح رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو المأزوم داخلياً وخارجياً هو وكيانه الغاصب الذي لا زال يقف على اجر ونص بعد فشله باستدراج حزب الله إلى عملية ردّ محدودة، أو تفجير الحاضنة الشعبية له في لبنان، وبالتالي تغيير قواعد الردع والاشتباك التي كرّسها وأرسى دعائمها محور حلف المقاومة.

خالد علوان وملحمة بيروت

معن بشور

في الحرب العربية – الإسرائيلية التي شهدها لبنان عام 1982 والتي استمرت أكثر من 88 يوماً، والتي كانت درّة تاجها ملحمة بيروت الخالدة، حصاراً وقتالاً ومقاومة بطولية أجبرت العدو، ولأول مرة في تاريخ الصراع معه، أن ينسحب بعد أيام دون قيد او شرط بل مذعوراً ينادي بمكبرات الصوت «يا أهل بيروت لا تطلقوا النار علينا… اننا منسحبون».

Afifa Karake on Twitter: "6 حزيران 1982 ، 38 عاما على حصار #بيروت واجتياحها  : بيروت تحترق ولا ترفع الاعلام البيضاء (#السفير). كتب #مهدي_عامل في 26  أيلول 1982(منقول) : قالوا: وتكون الحرب

يردّد اللبنانيون عموماً هذه الاستغاثة الإسرائيلية، كما يردّدون مانشيت جريدة “السفير” في تلك الحرب “ بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء”، تماماً كما يردّد أبطال المقاومة في بيروت مع أول شهيدين في ملحمة بيروت شهيدي الطريق الجديدة (محمد الصيداني وعصام اليسير): “ليس من العار ان تدخل دبابات العدو مدينتنا، لكن العار كلّ العار أن لا تجد من يطلق الرصاص عليها” فكانت الرصاصات الأولى التي لحقتها رصاصات في كلّ أحياء بيروت وأزقتها وشوارعها حتى أكتشف العدو انّ خروج قوات المقاومة الفلسطينية من العاصمة، كما القوات العربية السورية ومئات المتطوّعين العرب والأمميّين، لم يُخرج روح المقاومة من عاصمة كانت تهبّ انتصاراً لكلّ مقاومة في وطننا العربي، بل على مستوى العالم…

بين مقاومي بيروت في تلك اللحظات كان العروبي والناصري والقومي والشيوعي والاشتراكي والإسلامي، الذين وحّدتهم العمليات البطولية في شوارع العاصمة، والذين توّجوا عملياتهم بما عرف بـ “عملية الويمبي” حيث أقدم الشهيد السوري القومي الاجتماعي ابن بيروت خالد علوان ورفيقاه الراحلين عارف البدوي وشربل عبّود على إطلاق النار على جنود صهاينة ظنّوا انّ “الأمر قد أستتبّ لهم” فجلسوا في مقهى “الويمبي” في الحمرا لتفاجئهم رصاصات المقاومين التي أردت أحد ضباطهم البارزين قتيلاً…

لم يكن خالد علوان ورفيقاه وحدهم يجسّدون في عملياتهم البطولية روح العاصمة المتجدّدة عطاء وصفاء وتضحية وإبداعاً، بل كان هناك أيضاً المرابط إبراهيم منيمنة، والشيوعيون جورج قصابلي، ومحمد مغنية وقاسم الحجيري ومهدي مكاوي، والناصريون محمود وهبة، ومحمد أحمد إسماعيل ومنير سعدو وجهاد عادل الخطيب، وأبو علي محمد عرابي، ومناضلو حزب البعث، وحزب الاتحاد، والاتحاد الاشتراكي العربي – التنظيم الناصري، واتحاد قوى الشعب العامل، وحركة أنصار الثورة، بالإضافة إلى مقاتلي جيش لبنان العريي وحركة أمل والهيئات الإسلامية، بل كانوا جميعاً امتداداً لإرث بيروت المقاوم منذ عام 1948 على يد أمثال الدكتور بشارة الدهان، ووفيق الطيبي وعماد الصلح و”جمعية كلّ مواطن غفير”، ومع الشهيد خليل عز الدين الجمل أول شهيد لبناني في صفوف الثورة الفلسطينية في أغوار الأردن عام 1968، ومع الشهيد أياد نور الدين المدوّر أول شهيد جبهة المقاومة الشعبية لمقاومة الاحتلال بعد غزو 1978، ومع الشهيد الناصري صالح سعود أول شهداء الحرب 1982، ومع المفقود بلال الصمدي الذي حمل السلاح متوجهاً الى الجنوب مع رفاقه الخمسة في تجمع اللجان والروابط الشعبية ليواجه العدو الزاحف من الجنوب باتجاه العاصمة بل مع وقفة المفتي الشهيد حسن خالد في صلاة العيد في الملعب البلدي، وخطب الشيخ الراحل عبد الحفيظ قاسم التي كانت تدوّي بها إذاعة “صوت لبنان العربي”.

وحين نتحدث عن الشهيد خالد علوان نتحدث عن كلّ شهداء المقاومة بكلّ تياراتها واتجاهاتها، وصولاً الى المقاومة الإسلامية التي تحوّلت اليوم الى رقم صعب في معادلة الصراع في المنطقة، والتي بات وجودها ونموها مصدر قلق رئيسي لعدو نجح في تصوير نفسه بأنه “الجيش الذي لا يُقهر” وإذ به في لبنان، ثم في غزة، يصبح الجيش الذي لا ينتصر.

إنّ الإضاءة كلّ عام على هذه الأسماء الساطعة في سماء الوطن والأمة، هي إضاءة على دور بيروت التاريخي في حمل راية النضال الوطني والقومي والإيماني على مدى العقود، بيروت التي علمتنا جغرافيا الوطن العربي يوم انتصرت لجبال الأوراس في الجزائر، ولجبال الأطلس في المغرب، ولجبال ردفان في اليمن، ولجبال ظفار في عُمان. وللجبل الأخضر في ليبيا، ولمعركة بنزرت في تونس ولثورات العراق منذ ثورة العشرين وحتى مقاومته المتواصلة بعد الاحتلال الأميركي، ولثورات سورية ضدّ الاستعمار والانتداب والتي كانت بيروت وكلّ لبنان شركاء فيها، وبالتأكيد لثورة جمال عبد الناصر في مصر، ولثورة فلسطين المستمرة رغم كلّ مشاريع التطبيع والتصفية…

في تلك الملحمة الخالدة، تلاحمت الرايات في الدفاع عن بيروت واجتمعت قوى الأمة كلها لا سيّما اللبنانية والفلسطينية والسورية، وفيها كان الانتصار الأول على العدو الذي تلته كلّ الانتصارات، بل بسببها كان كلّ هذا الحقد الصهيوني على بيروت خصوصاً، ولبنان عموماً، وهو حقد ما زلنا نعاني أثاره حتى اليوم في حروب وفتن وانفجارات وتجويع ومحاولات تركيع وتطويع.

إنّ استحضار هذه الذكريات “الخالدة”، وهذه الأسماء العطرة اليوم، هو استحضار لدور مدينة يحاولون تغييبها وتشويه صورتها وطمس دورها، وذلك في إطار الانتقام من مدينة كان شارعها الرئة التي تتنفس من خلاله كل قضايا الأمة العادلة، وثانياً في إطار مؤامرة شطب عاصمة كانت قاعدة لوحدة الوطن الذي تتعاظم هذه الأيام مشاريع تصفية مقاومته ومخططات تقسيمه إلى كانتونات وفيدراليات طوائف ومذاهب.

مقالات متعلقة

خالد علوان حقيقة ماضٍ وحاضر ومستقبل

Khaled Alwan Tumblr posts - Tumbral.com

ناصر قنديل

في مثل هذا اليوم قبل قرابة أربعة عقود، كانت بيروت عاصمة الكلمة الحرة والفكرة الجديدة، عاصمة الشعر والموسيقى والمعارض والمسارح، عاصمة الخير والجمال بين عواصم العرب، تسقط مضرَّجة بدمائها تحت جنازير دبابات الاحتلال، وسط تصفيق وترحيب الكثير من العرب واللبنانيين، الذين ركب بعضهم متن الدبابات، وركب بعضهم موج البيانات، وبدا أن عاصمة عربية ثانية بعد القدس تدخل العصر الإسرائيلي، لحقبة ستفتح الباب لسقوط آخر وعاصمة أخرى. ولم يكن في بيروت إجماع على المقاومة، ولا حتى أغلبية، ولا كان سلاح شرعته الدولة، وسلاح الدولة الشرعي يومها كان يتم ترويضه وإخضاعه من بوابة اغتصاب الشرعية الدستورية في قصر بعبدا لصالح مشروع الاحتلال الرئاسي، ولم يكن الأمر بحاجة لسن قانون أو صدور مرسوم، ولا لأشهر وأسابيع وأيام، فخلال ساعات امتشق خالد علوان ابن بيروت، جسده ومشى نحو شارع الحمراء حيث يعرف خطواته كنبض قلبه، واطلق دمه رصاصات تكفلت بحسم الموقف، بيروت لن ترفع الراية البيضاء، وعلى جيش الاحتلال أن يغادر. وبدأ جيش الاحتلال يلملم شظايا وأشلاء مشروعه الذي بدأ العد التنازلي لمصيره منذ تلك الرصاصات.

تحية من النبطية لبطل عملية الويمبي الشهيرة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي الشهيد  خالد علوان :: شبكة أخبار النبطية
الويمبي traola Twitterren

في ذكرى اغتيال المفكّر والفيلسوف وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون  سعاده . موقع إضاءات الإخباري

خالد علوان الذي ترجم روح ونص عقيدة حزبه، الحزب السوري القومي الاجتماعي، ونبض زعيمه الذي اختصر الحياة بوقفة العز، ليس شيئاً من الماضي ولا مجرد ذكرى، بل هو حقيقة حاضرة ومستقبلية، بمقدار ما هو الحقيقة التي كتبت تاريخنا، وجوهر هذه الحقيقة، أن المقاومة خيار وقرار، لا يحتاج الكثرة ولا الإجماع ولا الأغلبية، ولا ينتظر الإذن ولا الإقرار بالشرعية والمشروعية، وأن المقاومة لا ترتبط بحساب ربح وخسارة وضمان فوز بالمعركة، وتحقق من توازن القوى، وأن المقاومة ليست إضراباً نقابياً يرتبط إشهاره بمنسوب وعي عام، وتدرّج في المطالب ورفع السقوف، فالمقاومة خلافاً لكل ذلك فعل إرادة فردية تنطلق من اليقين بأنها صرخة التاريخ بوجه العدوان لتسجل باسم رمزية الأمة، رفض الرضوخ والاستسلام، والمقاومة بناء للكثرة واتجاه نحو الإجماع بقوة خلق الوقائع المؤدية الى النصر، والمقاومة تشكل للوعي من فوهة حقائق كتبت بالدم تصعب مجادلتها ولا التنكر لإشعاع نورها، والمقاومة صناعة لموازين القوى لا مجرد انتظار بارد لتغيرها، فالتوازن بين قدرة النار وروح الاستشهاد معادلة المقاومة الحاسمة، حتى تتسع بقعة النور بحجم أعداد الشهداء، وتتغيّر الموازين تحت إيقاع حقائق المقاومة الجديدة، تضرب يدها على الطاولة، وتعلن سيادة عصرها.

مَن يستطع الإنكار أن الاحتلال الذي دخل بيروت رحل عنها خلال أيام، خلافاً لما كان يرغب؟ ومن يستطع الإنكار أن سقوط راية الإحتلال حصل بفعل هذه الإرادة العظيمة التي بشرت بها رصاصات خالد علوان وشكلت إيذاناً بولادتها، وأنه مع هذا التحول التاريخي الذي تأسس في بيروت، ولدت شرعية جديدة، وأغلبية جديدة، وإجماع جديد، وميزان قوى جديد، ووعي جديد؟ وأن هذا التشكل الذي جرى في اللحظات الفاصلة بين ضغط أصابع خالد علوان على زناد مسدسه واستقرار رصاصاته في صدور المحتلين، هو اللوحة التشكيلية الجديدة التي قدمتها بيروت في معرض التاريخ، وهو الفكرة الجديدة التي أضافتها بيروت للفلسفة والسياسة ومفهوم الشرعية والمشروعية، وهو القصيدة الجديدة التي كتبتها بيروت، بفائض الحرية الذي فاض به دم السوري القومي الاجتماعي خالد علوان.

من يستطيع الإنكار أنه بقوة هذا التحول التاريخي، انطلق موج هادر في جسد الوطن وجسد الأمة، ونهضت مقاومة تحمل ألوان الطيف الفكري والثقافي والعقائدي لأحرار الوطن والأمة، وخلال شهور وسنوات تراكمت الحقائق، حتى تحقق الإنجاز تلو الإنجاز، تحريراً يلي تحريراً، وصولاً للإنجاز الكبير في أيار عام 2000. وهذا معنى أن الشهداء لا يموتون، لأنهم يجسّدون بشهاداتهم حقائق خالدة غير قابلة للتغيير ولا التعديل، ففي كل لحظة يطلب أحد للمقاومة أغلبية أو إجماعاً يبررانها، أو قانوناً أو مرسوماً يشرّعانها، أو نضوج وعي جامع وتكامل موازين قوة، تؤكد نصرها كشرط لانطلاقها، سنقول لهم ردّنا عليكم هو دم خالد علوان، الذي حرّرنا وحرّركم، ولو التزم بما تطلبون، لما كانت لنا ولا كانت لكم هذه الحرية، وما كان صحيحاً في ذلك الأمس بدم خالد، هو صحيح لليوم، وسيبقى صحيحاً كل يوم، بدماء تحمل بذرة التحول الى الف خالد وخالد، من دون اذن أحد، ومن دون شرعية من أحد، الا شرعية الحق واذن الدم بملاقاة الشهادة.

مقالات متعلقة

لماذا كفتون في عين الإرهاب؟

 د. وفيق ابراهيم

سلام ى فكر كبير يتصدّى بعمق للعلل التاريخية في بلاد الشام، مجابهاً العدو الخارجي والطائفية وأنظمة سياسية تتشبّث بمعادلات المستعمرين.

أمس كانت كفتون الشمالية نموذجاً لهذا الفكر بتقديم ثلاثة شهداء من أحرارها سقطوا بنيران إرهابيّين أرادوا الاقتصاص منها لغايتين، موقعها القومي والوطني المجابه بشكل مباشر للإرهاب الداعشي والقاعدي، ومسيحيتها التي تستثير «الإرهاب الإسلاموي» وشركاه.

هي إذاً محاولة خبيثة لسحب كفتون المؤيدة للحزب السوري القومي الاجتماعي إلى معارك فرعية في وجه إرهابيّين لم يعودوا متمركزين في مكان واحد بعد هزيمتهم الأخيرة بل منتشرين بتغطيات كهنوتية وسياسية داخلية وخارجبة في أكثر من مدى الشمال على شكل بؤر متناثرة.

كذلك فإنّ «مسيحية» كفتون عامل إضافي يدفع الأصوليّين إلى مهاجمتها كما فعلوا مع المسيحيين في سورية والعراق ومصر وشرقي لبنان.

هناك طرفان في هذه القضية لا يجب عليهما إلغاء قضية كفتون بتحقيقات أمنية وقضائية مخيّبة مسبقاً للآمال فالدولة مطالبة بتحقيقات جدية عن هويات الفاعلين ودوافعهم والجهات الراعية لهم وملاحقتهم، بالإضافة الى التحقيق في الطريقة التي مرّر فيها «كتاب العدول» انتقال سياره الجناة من فلسطيني في صيدا الى سعودي في الشمال… وهي لا تحمل نمرة قانونية…!

أما الطرف الآخر فهو القوى الوطنية بما فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي – فهؤلاء يحوزون على انتشار جغرافي له عيون شديدة الرؤية وتأييد شعبي بمدى واسع جداً.

المطلوب إذاً وأد الفتنة بشقيها من خلال متابعة جريمة كفتون وذلك بملاحقة المجرمين أمنياً وقانونياً والاقتصاص للشهداء القوميين وقطع الشكل الجديد للفتنة الأميركية الخليجية – الإرهابية التي ترتدي لبوس الاغتيالات في لبنان يرحل نحو انهيار في بئر لا قرار لها.

وإذا كانت الرحمة على الشهداء والتعازي للحزب السوري القومي الاحتماعي من الضرورة العاكسة لمدى الاحترام والتأييد فإنّ الدعوة لملاحقة المجرمين شخصياً وسياسياً هي من لوازم الضرورية للدفاع عن سورية بما فيها لبنان والتأكيد على انّ «حزب سعاده» يولي القضية القومية اهتمامه البنيوي من دون أن ينسى أبطال القضية.

مقالات متعلقة

الكورة ودم القوميّين خط دفاع أول

ناصر قنديل

الدكتور ناصر قنديل - Home | Facebook

ليست المرة الأولى التي تنزف خلالها منطقة الكورة دماً نقياً خالصاً دفاعاً عن الوطن، وقد بات ثابتاً أن الجماعات التي استهدفتها هي جماعات إرهابية كما تقول التحقيقات، ما يعني أن الكورة التي قدّمت دماء بنيها وهي تسهر على أمن الوطن كشفت كما هي مهمة كل حراس الكرامة، وجود مخطط إرهابي وحده يفسر هذا التجوال الليلي المسلح لجماعات إرهابية، لن يصدق أحد محاولة ربطه بعمليات سرقة لا تفسّر المسافة التي قطعها الإرهابيون وصولاً إلى الكورة ولا يمكن أن تجيب عن سؤال هويتهم وتاريخهم وفقاً للسجلات الأمنية لكل منهم، فالسجلات الشخصية لعصابات السرقة سجلات إجرامية، وسجلات الجماعات الإرهابية المنظمة سجلات أعمال إرهابية، وكفانا من تفجير المرفأ عبرة أن يعلمنا نتائج الاستخفاف بالأسباب والعواقب والميل للتفسيرات التي تسهل المهام.

خلال الحرب الأهلية عندما بلغت المواجهات مراحلها المتقدمة، صار مشروع التقسيم علنياً وعنوان الحلقة الأخيرة من الحرب، وقفت الكورة، ووقف القوميون لمواجهة هذا المشروع، وشكلت الكورة الشوكة التي صعب على أصحاب مشروع التقسيم بلعها او كسرها، وشكلت الكورة قاعدة صلبة للتمسك بالوحدة الوطنية ورفض كل أشكال الأمن الذاتي ومشاريع التفتيت، ودفعت الكورة الثمن من أبنائها ضريبة تمسكها بوحدة لبنان، لتكون على عهدها بأن تكون حارس الوطن، وجرس الإنذار بوجه المشاريع التي تستهدف أمنه ووحدته وسلمه الاجتماعي.

خلال الاجتياح الإسرائيلي وسيطرة قوات الاحتلال على أجزاء أساسية من لبنان تحولت الكورة إلى قاعدة ارتكاز ونقطة خلفية للقوميين الذين أخذوا مسؤوليتهم القومية بشجاعة، ولم يتردّدوا في تقديم كل التضحيات لمواجهة الاحتلال وحمل راية المقاومة بطليعية كتبتها دماء الشهداء من العاصمة بيروت ودم الشهيد خالد علوان، وكانت الكورة تحمي القوميّين المقاومين الذين تطاردهم أجهزة النظام التابع والحامي لمشروع الاحتلال، وكان أهلها يفتحون بيوتهم لهؤلاء المقاومين، وكان شبابها ينضمون لصفوف المقاومة، ويخوضون مهامهم بصمت، ودماؤهم كما قال زعيمهم انطون سعادة ليست لهم، بل ملك للأمة أمانة يؤدّونها عندما تناديهم.

عندما عصفت موجة الإرهاب مستهدفة سورية وعبرها كل المنطقة، أدّى القوميون مسؤوليتهم في الصفوف الأولى، وكانت قناعتهم أنهم يدافعون عن لبنان ولا يقومون بتوريطه كما يزعم الذين وصفوا الإرهابيين بالثوار، ودعوا لدعمهم ومنحهم الامتيازات، وما هي إلا شهور قليلة حتى ظهرت المخطّطات التي تستهدف لبنان لتنصف القوميين، في صحة موقفهم ووطنيته ووقوفهم في خط الدفاع الأول عن لبنان، لتأتي معارك الجرود، ويكون القوميّون قوة استنهاض للمجتمع مع قوى المقاومة شرق لبنان لمواجهة الخطر، كما هم دائماً حراس الكرامة الوطنيّة والمدافعون عن وحدة الوطن وأمنه وسلامته.

يستهدف القوميون وتستهدف بيئتهم الحاضنة والكورة في قلبها، لأنهم ولأنها حجر العثرة بوجه مشاريع التفتيت، الذي يريد من مسيحيي لبنان إعلان سقوط العيش المشترك والتبرؤ من المقاومة وسلاحها، فتستهدف الكورة بخيرة شبابها، وهي تحرس أمن الوطن، لتستفز وتستغضب وتضمّ صوتها للداعين للأمن الذاتي، وترى الخطر على المسيحيين من المسلمين، وتشترك في شيطنة السلاح الذي يرمز عبره كمفردة إلى سلاح واحد مستهدف هو سلاح المقاومة. وهذا معنى رد الكورة على الجريمة بإعلان رفض الأمن الذاتي ودعوة الدولة للقيام بمسؤولياتها، وأداء واجبها بإقناع اللبنانيين أنهم مواطنون في دولة تتولى مؤسساتها حماية أمنهم، وملاحقة المعتدين على هذا الأمن، والمسؤولية تتعدى مجرد نشر النقاط الأمنية والعسكرية، ومواصلة التحقيق لكشف المجرمين، على أهميتهما، إلى حد المطالبة باعتبار ما شهدته الكورة جرس إنذار بوجود مخطط يستهدف الأمن الوطني، تعميماً للفوضى وتمهيداً للأمن الذاتي، فهل يستحق الأمر اجتماعاً لمجلس الدفاع الأعلى، بعدما كشفت لنا الكورة بدماء شبابها أن تنظيم داعش لا يزال موجوداً بخلاياه النائمة، ويضرب في عتمة الليل والغياب، وصولاً للفراغ والفوضى؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

وثائقي الميادين | لقبه الجزار

ما الذي تغيّر؟

2020 من 6 جزيران 1982 الى 6 حزيران

ناصر قنديل

في مثل هذه الأيام من العام 1982، كان الزلزال في بداياته مع بدء اجتياح جيش الاحتلال للبنان. وبعد شهور من المواجهة كان لبنان خاضعاً للاحتلال حتى عاصمته وقصره الرئاسي في بعبدا. وبالمقابل كانت أقليّة لبنانيّة عابرة للطوائف تؤمن بالمقاومة، وكانت أقلية ضئيلة جداً لكنها مؤمنة جداً وواثقة جداً بحتمية نصرها المقبل، وكان سائر اللبنانيين بين المنتظر لمعجزة، والمراهن على الأمم المتحدة والضغوط الدولية، والمتقبل لفكرة «تنازلات لا بد منها» عن السيادة في اتفاق تفاوضي يخرج الاحتلال، وصولاً لفريق يرحب بالاحتلال ويتماهى معه ويراه وسيلة مناسبة وتاريخية لتحقيق ما استعصى عليه تحقيقه بالاستناد على حجمه اللبناني الصرف. وخلافاً لأكذوبة الإجماع الوطني حول المقاومة التي يروج لها منذ التحرير قبل عشرين عاماً، شقت المقاومة طريقها عكس الإجماع الوطني، بقوة الإنجازات المحققة بتضحيات مقاومين أشداء، مقابل سقوط كل الرهانات المقابلة وعجزها عن تحقيق استرداد أي شبر من الأرض والإرادة المحتلتين، وخلال تراكم استمر قرابة عشرين عاماً، من الإنجازات التي كانت تحققها المقاومة والخيبات التي تصيب الرهانات المعاكسة، أنجزت المقاومة في ظل انقسام عميق وكبير حول صواب خياراتها، وحول صدقية ووطنية خياراتها، الإنجاز التاريخي الأكبر في تاريخ لبنان، بتحرير الأرض دون تفاوض ودون شرط.

لم ينتقص من وطنية المقاومة والمقاومين، اعتقال وتعذيب تعرض له المقاومون في أقبية مؤسسات الدولة التي يدافعون عن سيادتها، بمثل ما كانوا يتعرّضون له على أيدي جنود ومخابرات الاحتلال، وميليشيات عابرة للطوائف تعترض طريقهم وهم ذاهبون للاستشهاد دفاعاً عن لبنان، وطن اللبنانيين جميعاً، ولا فتّ في عضد المقاومين ما كانوا يسمعونه يومياً من اتهامات يوميّة توجه لهم حول خدمتهم، هم، لا مَن يفاوض الاحتلال أو يقيم معه المساومات والصفقات، لأجندات غير وطنية. وعندما انتصر خيارهم، لم يطلبوا اعتذاراً ممن أساؤوا، ولا أقاموا المحاكم العرفية في الساحات لمن تعاملوا، بل غابوا عن المشهد بتواضع الأبطال، وهم يرون بأم العين مشاهد المزايدات ومحاولات احتلال خندقهم ممن كانوا حتى الأمس يتربّصون بهم، يتحدثون عن بطولات إسقاط اتفاق 17 أيار، أو عن الوحدة الوطنية “الرائعة” التي يعود لها الفضل في التحرير، والتي لولاها لبقي لبنان تحت الاحتلال، وهم يعلمون أن ألف خطاب ما كان ليسقط اتفاق 17 أيار لولا نزيف الدم الذي فرضته المقاومة على المحتلّ، وأنهم لو صدقوا نظرية أن الوحدة الوطنية شرط لإخراج المحتل، لبقي الاحتلال ألف عام.

بعد أربعة عقود تقريباً، صارت المقاومة أقوى، وصار تيارها الشعبي أكبر، وصار التسليم من العدو والصديق بأنها الرقم الأصعب في معادلات المنطقة، لكن الانقسام لا يزال هو الانقسام، رغم تغير معادلاته، ونسب التموضع على ضفافه، ودرجة فعالية أطرافه، فخرجت شرائح شعبية وسياسية كبيرة من أوهام الرهان على الاحتلال، أو الاستهوان بقدرات الشعب ومقاومته، أو الحديث عن نظرية قوة لبنان في ضعفه. وانضمت شرائح سياسية وشعبية واسعة لدعم خيار المقاومة، وبقي بعض المراهنين يحملون خيباتهم المتراكمة ويحاولون صناعة خيار منها، يقدّمون عبره كما في كل مرحلة، أوراق اعتماد للأجنبي، أملاً بأن يركبوا يوماً على دبابته لدخول المقر الرئاسي، وهذا هو الحال منذ زمن الانتداب حتى الاجتياح، وصولاً لليوم. ورغم الطابع الانتحاري للرهان على الأميركي المنشغل بأزماته، وكيان الاحتلال المعترف بمأزق وجوده، وحكومات الخليج التي تتفقد شح خزائنها، يُصرّ هذا البعض على سرقة جوع الناس ووجعهم ليلبس ثوب الثوار زوراً، فقط لتذكيرنا بمشاهد كان اللبنانيون يحاولون نسيانها لما كانوا عليه في مثل هذا اليوم، يوم اجتاح العدو أرض لبنان، وكانوا يرتبون الدار لاستقبال الغزاة، أملاً برئاسة، وبدلاً من تلاوة فعل الندامة، والتقدم بطلب الصفح من اللبنانيين، يحولون باستبدال الأقنعة، ذات اليوم المشؤوم إلى مناسبة للدعوة لنزع سلاح المقاومة، دعوة لن تقدم ولن تؤخر في موازين السلاح ولا حجم الالتفاف الشعبي حوله، خارج أكذوبة الإجماع الوطني حول المقاومة، فيستحقون الشفقة لأنهم دائماً يأتون كطلقة متأخرة، من مسدس خرب بأيد راجفة، يصيبون بها أقدامهم، تحدث دوياً لكنها لا تترك أي أثر إلا حيث وقع نزيفهم هم، يجرجرون قدمهم المصابة، ليستحقوا كلمة يسوع المسيح، “دع الموتى يدفنون موتاهم”.

لبنان أقوى من الفتنة

معن بشور

شاء البعض أن يكون السادس من حزيران، يوم بدء الحرب العربية – الإسرائيلية على لبنان وفيه، قبل 38 عاماً يوماً لبدء «حرب» جديدة على هذا البلد مستغلاً جوع الناس ورفضهم للفساد والفاسدين والمفسدين، فيضع اللبنانيين مرة أخرى بوجه بعضهم البعض ويحقق بالفتنة ما عجزت عن تحقيقه الحرب القديمة التي تكسّرت، أول ما تكسّرت على أسوار العاصمة وفي شوارعها المضاءة بدماء الشهداء…

ولكن هذا «البعض» أخطأ التقدير مرة أخرى، بل لم يحسن قراءة الأوضاع الداخلية في لبنان، على تردّيها، ولا حتى الأوضاع الإقليمية والدولية التي تشهد متغيّرات لغير صالح القوى التي تقف وراء هذا «البعض» وتشجّعه على ركوب موجات عنف انتحارية تستهدف البلد كله، بكلّ مكوناته ومقوماته في آن…

فرغم إدراكنا هشاشة أوضاعنا الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم أجواء الغليان الشعبي الناجم عن تجاوز حال الفساد كلّ قدرة على الاحتمال، وتمادي القيّمين على أمور البلاد في تجاهلهم مطالب الناس وعدم تحسّسهم بأوجاعها، إلا أنّ اللبنانيين بشكل عام، وأهل بيروت بشكل خاص، قد تعلّموا من دروس الماضي، أنّ الوقوع في الفتنة هو أخطر من أيّ خطر آخر، ووجع الحرب في الشوارع والأزقة وعلى خطوط التماس أكثر إيلاماً من أي وجع آخر… بل بات اللبنانيون يدركون أنّ مستقبلهم على كلّ المستويات، مرتبط بوحدتهم وبسلمهم الأهلي، وانّ انتفاضتهم الرائعة في 17 تشرين الأول كانت متوهّجة يوم وحّدت اللبنانيين حول مطالب اجتماعية واقتصادية محدّدة، وأنها فقدت بريقها يوم حاول البعض إحياءها على قاعدة شعارات تؤجّج الانقسام بين اللبنانيين…

ومَن «يحلم» في الداخل أو الخارج، في هذا الفريق او ذاك، أنه قادر على إعادة لبنان الى أجواء السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت، «واهم» جداً، وغير مدرك حساسية أغلبية اللبنانيين ورفضهم أيّ محاولة لإعادتهم لأجواء «الحرب الأهلية» التي تزيد وجعهم وجعاً، وجوعهم جوعاً، وخسائرهم خسائر، وفساد القيمين على أمورهم فساداً، وطائفية نظامهم ومذهبيته طائفية ومذهبية…

فهذا «الحالم» بفتنة جديدة، مستغلاً هتافاً مسيئاً الى رموز محترمة عند كلّ لبناني، وليس فقط عند أهل طائفة أو مذهب، لا يدرك أنّ هناك حقائق باتت راسخة في واقع لبنان وحياة اللبنانيين:

أولى هذه الحقائق انّ الحرب كرقصة التانغو تحتاج الى راقصين إثنين، «فراقص» واحد لا يكفي، فكيف إذا كان هذا الراغب «بالرقص» عاجزاً عن إشعال حرب، فيما القادر على إشعالها غير راغب «بالرقص» الدموي أصلاً… وهذه معادلة أكدنا عليها منذ ظنّ البعض أنه قادر على استجرار البلاد الى «فتنة» جديدة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل 15 عاماً.

وثانية هذه الحقائق: أنّ في البلاد جيشاً وقوى أمنية، موحدة القيادة والقرار، ومصمّمة على التصدّي لأيّ عبث أمني، وأن ثقة المواطن الى أي فئة انتمى، بهذا الجيش والقوى الأمنية تزداد يوماً بعد يوم على عكس ما كان عليه الأمر عام 1975، حيث أدّت بعض الانزلاقات الى انقسام في الجيش وحوله… فيما هناك ما يشبه الإجماع على جيشنا الوطني وقوانا الأمنية.

وثالثة هذه الحقائق: انّ القوى الخارجية، إقليمية كانت أم دولية، الراغبة في الضغط على لبنان لصالح العدو الإسرائيلي الساعي بكلّ السبل الى تجريده من قوته المتمثلة بمعادلة «الشعب والجيش والمقاومة»، تشهد تراجعاً داخل بلادها، كما باتت بدورها عاجزة عن تمويل حرب طاحنة في لبنان، كما هو الأمر في سورية واليمن وليبيا، بل كما كان الأمر في لبنان نفسه خلال سنوات الحرب اللعينة، فكل هذه القوى تدرك حجم التكاليف المالية والبشرية، التي أنفقتها في هذه الحروب، وهي عاجزة في ظلّ الشحّ المالي الذي تعانيه عن تكرار إنفاقها في لبنان.

طبعاً هذا لا يعني انّ هذه القوى، الإقليمية والدولية، قد نفضت يدها من لبنان تماماً، لكنها تسعى إلى إبقاء سيف الضغوط الإقليمية والمالية مسلطاً على الدولة والمجتمع في لبنان مع بعض التوترات الأمنية «هنا وهناك» لكي توحي أنّ لبنان ليس مستقرّاً..

ولقد جاءت أحداث «السبت» الفتنوي مستغلة هتافات مسيئة لرموز دينية، وهي هتافات مرفوضة من كلّ لبناني، بهدف إشعال نار الفتنة في أكثر من شارع في العاصمة وفي المناطق الأخرى، لكن الموقف المدين والمستنكر لهذه الهتافات للمرجعيات الدينية والسياسية المعنية، ووعي المجتمع الذي ذاق الأمرّين من مرارة الصراع الطائفي والمذهبي، والحضور القوي للجيش والقوى الأمنية، عطل الألغام التي كانت مزروعة وتعطلت «أحلام» مَن كان ينتظر تفجيرها…

المهمّ أن تقوم القيادة الحكيمة الحاضرة، في أكثر من فريق، بمراجعة جريئة وصادقة للأداء وللخطاب السائد وللثقافة المعتمدة، كما تقوم بمحاسبة كلّ من يتثبت تورّطه في فعل فتنوي وإنزال أقصى العقوبات به، سواء بإطلاق هتاف او فبركة فيديو، او تحريض شارع.

يكفي لبنان ما فيه من أوجاع ، فلا تضيفوا الى أوجاعه وجعاً جديداً.

ولكن، رغم كلّ شيء، يبقى لبنان أقوى من الفتنة ومن وأصحاب الفتنة إلى أيّ فريق انتموا…

المنسّق العام لتجمّع اللجان والروابط الشعبية

في ذكراها «38»… الحرب «المظلومة»

معن بشور

منذ أن عشنا أيام تلك الحرب المجيدة في حياة لبنان والأمّة قبل 38 عاماً، والتي استمرت حوالي 90 يوماً، وأنا أتساءل كلّ عام عن سبب “تهميش” تلك الحرب والنقص في الاهتمام بها شعبياً وثقافياً وإعلامياً وتوثيقياً، حتى بتنا نسمّيها “اجتياحاً” فيما هي في الحقيقة الحرب العربية – الإسرائيلية الأطول في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، والتي خسر فيها جيش الصهاينة المئات من جنوده وكبار ضباطه، فيما قدّم اللبنانيّون والفلسطينيون والجيش العربي السوري والمتطوّعون العرب، آلاف الشهداء من مدنيين ومقاتلين، وكنت أتساءل عن سبب عدم إقامة المهرجانات والندوات والتحقيقات الإعلامية والمؤتمرات البحثية إلاّ نادراً عن حرب غنية بكلّ المعاني.. بل كنت أشعر أنّ وراء محاولات تجاهل هذا الحدث التاريخي في الماضي رغبة بمحاولات لرسم حاضرنا وإعادة ترتيب مستقبلنا بأشكال معينة…

فهل ظُلمت هذه الحرب، لأنها كانت حرباً عربية بالمعنى الكامل للكلمة، شارك فيها وطنيون لبنانيون، ومقاومون فلسطينيون، وعسكريون سوريون ومتطوّعون عرب، فجسّدوا وحدة النضال القومي وعروبة المعركة التي لا يخشى أعداؤنا شيئاً كما يخشونها، بل يسعون بكلّ وسائلهم إلى تفتيت مجتمعنا العربي وتشجيع كلّ قطر أو مكون من مكوناته على الانسلاخ عن الجسد الأكبر الذي هو الأمّة.

بل هل ظُلمت هذه الحرب، لأنها حرب شعبية بكلّ ما في كلمة شعبية من معنى، حيث ارتسمت في أتونها معادلة ما زالت ترتعد منها فرائص الأعداء وهي معادلة مقاومة لبنانية وفلسطينية تواجه جحافل العدو من أقصى الجنوب إلى قلب العاصمة، وجيش سوري يوقف تقدّم العدو على أكثر من محور في الجبل (بحمدون، عين دارة)، والبقاع (السلطان يعقوب، وبيادر العدس) في محاولة مستميتة منه قطع الطريق بين بيروت ودمشق، وهو هدف استراتيجي لهذا العدو ما زال يسعى إليه حتى اليوم، وما قانون “قيصر” هذه الأيام إلاّ أحد عناوين هذا الاستهداف.

وهل ظُلمت هذه الحرب لأنه في رحمها ولدت مقاومة لبنانية وطنية وقومية وإسلامية، نجحت بدعم حلفائها العرب والمسلمين في دحر الاحتلال عن عاصمتها وأرضها وصولاً إلى ردع عدوانه عام 2006، فقبل هذه الحرب كان الدخول إلى أيّ منطقة لبنانية نزهة، وكانت كلّ حرب إسرائيلية في لبنان اجتياحاً (عام 1972، 1978)، ولكن بعدها بات الأمر مختلفاً..

ثم هل ظُلمت هذه الحرب لأنها كانت بداية تحوّل حقيقي في موازين القوى في المنطقة، وربما في العالم، فباتت للحق قوة، بعد أن كانت القوة هي “صاحبة” الحق أينما كانت..

هل ظُلمت هذه الحرب، لأنها كشفت عجز وفشل أصحابها في تحقيق أهدافهم الرئيسية منها، وهي إخراج المقاومة من لبنان، وفرض اتفاقية صلح عليه ليكون البلد الثاني بعد مصر يوقع مثل هذه المعاهدة..

صحيح أنّ تلك الحرب أخرجت قوات المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان وعاصمته، ولكنها في المقابل لم تنجح في إخراج روح المقاومة من لبنان، بل إنها زادتها توهّجاً واشتعالاً وقدرات وحوّلت حركتها إلى رقم صعب في معادلة المنطقة..

وصحيح أنّ ذلك الاحتلال، وبرعاية أميركية نجح في أن يفرض اتفاقية إذعان في 17 أيار 1983، لكنه بعد أقلّ من عام شهد ذلك الاتفاق المشؤوم سقوطه المدوي بعد حرب الجبل (آب 1983)، وانتفاضة (6 شباط 1983).

وقد يقول البعض إنّ من أسباب “الظلم” و “التهميش” الذي لحق بتلك الحرب المجيدة، هو أنّ إنجازاتها كانت صنع شعب رافض للغزو بكل مكوناته، وأمّة رافضة للعدوان بكلّ أقطارها، وبالتالي لا يمكن استخدامها للإيقاع بين لبناني ولبناني، وبين عربي وعربي، بين مسلم ومسلم..

ففي تلك الحرب، كما قاتل متطوّعون من سورية واليمن والعراق ومصر وأقطار المغرب العربي، قاتل أيضاً فلسطينيون من كل الفصائل، ولبنانيون من كلّ المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية، حتى يمكن القول إنّ ما شهدته العقود الأربعة التي تلت تلك الحرب لم تكن إلاّ محاولات لخلق شروخ وتعميق الانقسامات في ما بين أقطار الأمّة، وداخل كلّ قطر..

لقد جاءت معاهدة سايكس – بيكو في أوائل القرن الفائت لتجزئة المنطقة جغرافياً وأفقياً، ثم جاء المشروع الصهيوني – الأميركي، الحرب المظلومة في لبنان أحد تجلياته، من أجل تفتيت بلدان المنطقة ومجتمعاتها اجتماعياً وعمودياً.

وحين ندعو إلى إخراج تلك الحرب إلى الأضواء وتكريم شهدائها من خلال تخليد أسمائهم في شوارع وساحات مدنهم وقراهم كحدّ أدنى، والبحث الجاد في دروسها وعبرها ونتائجها، وتعميق معانيها ودلالاتها، فلأننا نعتقد أن انتصارات الأمم لا تتمّ إلاّ بتراكم إنجازاتها، وتكامل طاقاتها والبناء على ما جرى تحقيقه، وأن أبرز أسباب انتكاسات حركة تحرّرنا القومي في العقود السابقة هي أنّ كلّ جيل كان يريد إلغاء من سبقه من أجيال..

_ الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

ماذا قال زاهر الخطيب يوم رفض اتفاق 17 أيار عام 1983؟

رمزي عبد الخالق

كلما مرّت الذكرى المشؤومة لاتفاق 17 أيار يتبادر إلى الأذهان فوراً اسما زاهر الخطيب ونجاح واكيم كونهما النائبين الوحيدين من بين أعضاء مجلس النواب المنتخب عام 1972، اللذين حضرا الجلسة ورفضا الاتفاق، رغم ما قد يستتبع ذلك الرفض يومها من تهديد لحياتهما الشخصية وما قد يطال عائلتيهما من مخاطر وأذى.

لقد آثر الرجلان أن يسجلا موقفهما للتاريخ في وقفة عزّ لم يكن لها نظير بين السياسيّين في تلك الفترة، حيث وافق 65 نائباً على الاتفاق وامتنع 4 عن التصويت وغاب 19 نائباً، فيما تعملق زاهر ونجاح من تحت قبّة البرلمان وتماهيا مع عمالقة المقاومة الذين كانوا يسجلون البطولات في الميدان تباعاً، بدءاً من سوق الخان في حاصبيا حيث انطلقت صواريخ القوميين الاجتماعيين على مستعمرات الجليل في 21 تموز 1982، وأسقطت شعار «سلامة الجليل»، ثم العمليات البطولية في الجبل، (عاليه والرملية وغيرها…) لتأتي العمليات النوعية في بيروت لا سيما عملية «الويمبي» وبطلها القومي الشهيد خالد علوان، وهي العملية المفصلية التي جعلت ضباط العدو وجنوده يولولون راجين أبناء بيروت ألا يطلقوا النار عليهم لأنهم منسحبون، ليبدأ من «الويمبي» زمن اندحار العدو عن عاصمتنا الجميلة بيروت ثمّ عن أرضنا الطيبة في الجبل والجنوب والبقاع الغربي، وصولاً إلى الانتصار الكبير في 25 أيار 2000، والذي نحيي اليوم عيده العشرين.

سمير (@samir_304) | Twitter

كان المقاومَان زاهر الخطيب ونجاح واكيم، كمَن يستشرف الزمن الآتي، كانا على يقين بأنّ هذا الاتفاق لن يعيش، لأنه ولد مشوّهاً وغير قابل للحياة، خاصة أنه يفترض موافقة دول وأطراف لم تشارك في المفاوضات، وتحديداً الدولة السورية التي لم تكتف برفض الاتفاق بل وفّر قائدها الرئيس الراحل حافظ الأسد كلّ سبل الدّعم للمقاومة، ما أدّى إلى إسقاط الاتفاق في أقلّ من عام واحد، حيث، وبعد شهر واحد على انتفاضة 6 شباط 1984، قرّرت الحكومة اللبنانية في 5 آذار 1984 اعتبار الاتفاق «باطلاً» وإلغاء «كلّ ما يمكن أن يكون قد ترتّب عليه من آثار».

هناك بالطبع الكثير من التفاصيل التي يمكن سردها في هذا السياق، لا سيما في ما يخصّ بطولات المقاومين جميعاً، وفي الطليعة الشهداء والاستشهاديون، وحكايات المجد والبذل والعطاء والتضحية بكلّ شيء حتى بالأرواح والدماء التي تجري في العروق، وهي ملك الأمة متى طلبتها وجدتها، وقد حصل هذا بالفعل، وها نحن نحتفل اليوم بعيد التحرير، تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني، وعسى أن نحتفل في يوم لم يعد بعيداً أبداً بتحرير كلّ أرضنا المحتلة في شبعا وكفرشوبا والجولان وفلسطين، كلّ فلسطين…

في هذا الحيّز سنعود إلى ما قاله النائب والوزير السابق زاهر الخطيب في جلسة مجلس النواب التي تمّ فيها إقرار اتفاق 17 أيار السيّئ الذكر… علماً أنّ أصحاب هذا الاتفاق في لبنان لا يزالون إلى اليوم، هم وورثتهم، عند النقطة نفسها التي توهّموا فيها أنهم أخذوا لبنان إلى حيث يريدون هم ومَن خلفهم، ولم يفطنوا بعد إلى أنّ مشروعهم بل المشروع «الإسرائيلي» كله سقط وهُزم وولّى مع رموزه إلى غير رجعة…

في قضايا الشعوب والأوطان، قد لا يحتاج المرء، كثيراً، لكثير من الأدلة والتحليلات ليستخرج الحقّ من الباطل، وليميّز الصحيح من الخطأ، وقد تبدو الأمور في مثل هذه القضايا المصيرية، محدودة في إطار خيارين اثنين لا ثالث لهما:

الخيار الأول: نعم، هو الالتزام بخيار المساومة على الحرية، وطرح الأمور على قاعدة التمييز والمفاضلة، بين السيّئ والأسوأ، أو بين مثالية وواقعية، أو إمكانية واستحالة، هذا خيار تُطرح فيه الأمور بهذا الشكل.

والخيار الآخر: هو خيار التمسك بالحقّ، خيار الالتزام بالقضية العادلة، بالحرية الكاملة غير منقوصة وغير مُجزّأة، لأنّ الذي يمنحك جزءاً من حريتك، هو في ذات الوقت يسلبك الجزء الآخر من هذه الحرية. والحقائق والوقائع التي أثبتها التاريخ، تؤكد أنّ الشعوب التي تدخل مع حكّامها، أو غزاتها، أو مستعمريها، بمساومة على جزء، ولو ضئيل من حريتها، فهي في ذات الوقت وعلى المدى الطويل، توقّع على وثيقة عبوديّتها.

في إطار هذين الخيارين، قد يبدو ما أقول كلاماً جميلاً، ويدخل في باب الخطب الحماسية، والتنظيرات الجميلة والمبادئ الفاضلة، كلّ ذلك قد يعطي هذا الانطباع، ولكنني من منطق علمي وحسب، أجد لهذين الخيارين في النهاية، جذراً موضوعياً علمياً على أساسه أطرح الأمور، وفي ضوئه أحدّد الموقف.

بين المساومة على الحرية، يجد كلّ من هذين المفهومين، معياره العلمي، أساساً في الالتزام بالمنهج الفكري العلمي السياسي الوطني المبدئي، بالمعيار الذي هو معيار الالتزام بالحقيقة الاجتماعية، معيار الالتزام بالحقيقة الإنسانية، في ضوء هذا المعيار، معيار الالتزام والولاء للفكر المنهجي العلمي، وقد لا أكون بحاجة إلى الدخول في التبحُّر، بمضمون الاتفاقية والنصوص، أقول مُسبقاً، قد لا أحتاج إلى قراءة النص لأرفض الاتفاق، وهذا، ليس لأنني من هواة الرفض المُطلق! وليس لأنني، عبثاً، من أصحاب الآراء الجاهزة والأفكار المسبقة والمواقف الجاهزة. لا!

قد لا أحتاج إلى قراءة النص لأرفض الاتفاق، لأنني، علمياً، أرى أنّ أيّ اتفاق في النهاية يأتي دائماً وأبداً حصيلة نسبة القوى القائمة بين الطرفين اللذين يتفقان.

إذن، ليس من موقع الرفض المطلق، أو من قاعدة عدمية، أقول أرفض الاتفاق، إنما أقول إنه جاء حصيلة موازين قوى، هي فعلاً، التي تحدّد في كلّ نص، سواء كان لدستور، أو اتفاق، أن يكرّس النصّ بأحكامه ومضامينه، هي نسبة القوى الفاعلة في هذا المجتمع، بقواه المتصارعة، ليكون دستوراً لصالح هذه الفئة الاجتماعية أو الطبقة أو تلك، وحين يكون نصاً لاتفاق فهو مُسبقاً، سيحدّد حتماً، نسبة موازين القوى لهذه الدولة أو تلك، وبالتالي مضمون النص، سيأتي حتماً ليس حصيلة وفاق، بقدر ما هي علمياً، حصيلة موازين للقوى.

هذا، في ما يختصّ بالجذر الموضوعي لرفض الاتفاق علمياً من حيث المبدأ. أما، ودون التبحُّر بالأسباب القانونية، لا شك أنّ رفض الاتفاق أيضاً، ليس فقط من حيث المبدأ، أو من زاوية علمية، بل من زاوية قانونية ومبدئية ووطنية، يجد مثل هذا الموقف جذره العلمي.

الفكر القانوني له أسسه العلمية، وإلا ماذا يعني في الفقه الحديث وفي القوانين الدولية، أن تُعتَبَر الاتفاقات التي تُبرم في ظلّ الاحتلالات باطلة بُطلاناً مطلقاً، أو قابلة للإبطال من قبل الدولة المقهورة؟ لماذا الفكر القانوني، والذي جاء نتيجة منطق تطوُّر الشعوب، لماذا يُقرّ مثل هذا المبدأ، لو كان هذا القانون لا يجد جذره في ثمار كفاح تطوُّر البشرية والفكر العلمي الذي أنتج الفكر القانوني في مساره؟ لماذا يعتبر الاتفاق قابلاً للإبطال، عندما يُبرَم في ظلّ الاحتلال؟ لأنّ من الطبيعي، أن تكون الدولة مسلوبة الحرية، مُنتقص من إرادتها، مكرهة، ومُفسدٌ، هذا الإكراه المادي أو المعنوي أو العسكري، مكرهٌ لهذه الإرادة، وبالتالي مفسد للرضى الذي هو أحد أهمّ أسباب شروط التعاقد، سواء الشخصي أو الدولي.

بهذا المقياس القانوني، دون أن أعرض وإياكم كلّ وجهات نظر الفقهاء الدوليين الباحثين في القانون الذين أقرّوا بديهيات تأتي لتردّ على تفاسير قانونية راجت في الوسط الشعبي، أجد أنه لا بدّ أن أعرض ولو موجزاً لبعضها، خاصة تلك التي جاءت، مثلاً لتقول إنّ هذا الاتفاق كان تطويراً لقرارات الهدنة وليس إلغاء لها، أو أنّه لا يقيم صلحاً أو سلاماً مع «إسرائيل»، أو أنّه لا يحدّ من الحرية أو ينتقص من السيادة، أو أنّه لا يقرّ مبدأ تطبيع العلاقات… وإلى ما هنالك.

ليس صحيحاً ما رُوِّج، وما أقوله، ليس من عندياتي، جهابذة القانون في هذا المجلس، عندما ناقشوا، داخل اللجان، وكبار المفكرين القانونيّين الذين تقدّموا بدراسات حول هذه الاتفاقية، أكدوا أنها تشكل صلحاً مع «إسرائيل»، لأنه وفق القانون الدولي، مجرّد إنهاء حالة الحرب، لا بدّ وأن تنتهي هذه الاتفاقية بصلح. كبار المفكرين في القانون الدولي أكدوا ذلك، وهنا يمكن العودة إلى الدكتور أبو غيث، الجلبي، الدكتور المجذوب، في دراسات قانونية تتناول هذا الجانب، لا أرى أنّ مهمّتي في هذه الجلسة أن أعرض، تفصيلياً، بدراسة قانونية ما يبرّر رفض هذا الاتفاق، إنما ليس صحيحاً أنّ يُقال إنه ليس معاهدة صلح، وهو معاهدة صلح، وليس صحيحاً أن يُقال إنّ هذا الاتفاق لا يشكل اعترافاً، هذا الاتفاق يشكل اعترافاً بـ «إسرائيل»، لأنّ الاعتراف بدولة ما هو التسليم بوجودها من جانب الدولة المُعترِفة وقبولها كعضو في الجمعية الدولية. وأيضاً لا يمكن القول للحظة من نهار، أنّ هذا الاتفاق لا يُنهي حالة العداء مع «إسرائيل»، أو أنه لا يحدّ من حرية نقد السياسة الصهيونية التوسعية الاستيطانية، وكشف مخاطرها وأطماعها، في لبنان قبل سائر البلدان، والمخاطر التي تطال لبنان، فيما لو قامت تسوية شاملة، هي أكبر بكثير من أن تطال سائر البلدان العربية، لأنّ لبنان شكّل، أولاً وأخيراً، بحكم موقعه وتركيبته، التحدّي الأول للصهيونية، وهو أكثر المتضرّرين (في) حالة عقد صلح مع «إسرائيل» في هذا المجال.

الاتفاق من الزاوية القانونية

عرضاً، أشرتُ إلى بعض البديهيات القانونية، أما من الزاويتين الوطنية والمبدئية، فهو كما يأتي: حتى في ذهن وقناعات أهل الواقعية، حتى في قناعات القابلين بالاتفاق، إنّ هذا الاتفاق لم يعد بوسع أحد من القابلين به، أن يدافع عنه من موقع مبدئي، أو من موقع وطني، بل إنّ الدفاع عنه انتقل من موقع اعتباره انتصاراً سياسياً، أو مكسباً وطنياً، أو موقفاً مبدئياً، انتقل الدفاع عن الاتفاق من هذا الموقع، بعد أن بان حجم التنازلات التي تمسّ وتنتقص من سيادته، وبعد أن باتت القناعة مُطلقة، أنّ هذا الاتفاق كان خيار أهون الشرور، وكانت رغبة، لو لم يكن هناك إكراه لكي نضطر إلى التوقيع عليه، أصبح الدفاع عن هذا الاتفاق، من موقع أنه… عملياً، براغماتياً، يحقق حلاً لا يمكن بالواقع أن نلجأ إلى حلول أخرى!

السؤال الذي تكثّف هنا، هو ذاك الذي يقول إلى أيّ مدى إذن، بصرف النظر عن المقياس العلمي والمقياس القانوني، أو المبدئي أو الوطني، يصبح من حقنا المشروع، عند إجابتنا، عند محاولة محاورتنا لأهل الواقعية، للعمليين، ونريد أن نكون عمليين، عندما نناقشهم، من حقنا المشروع أن نسأل، هل فعلاً وواقعياً، مثل هذا الاتفاق يحقق الانسحاب «الإسرائيلي»؟ إلى أيّ مدى، عملياً، مثل هذا الاتفاق يحقق الانسحاب؟ وإذا كان لا يحقق الانسحاب، ففي أيّ سياق أتى؟ ومن أجل أيّ غاية وُقِّع، أو يطالب بالإبرام عليه؟ وأكثر من ذلك، من سيكون المسؤول؟ من الذي سيتحمَّل في النهاية، المسؤولية السياسية، في حال، أنّ هذا الاتفاق لم يحقق الانسحابات؟ هل صحيح أنّ نهج التفاوض لم يكن لُيثمر أكثر مما أثمر؟

ما هو دور الموقف العربي في إنتاج مثل هذا الاتفاق؟ هل سقطت فعلاً كلّ البدائل؟ هل سقطت المقاومة الشعبية المسلحة أو سقط النهج الذي كان يقودها؟ هل، فعلاً لا يُمكن الإفادة من قرارات المجتمع الدولي ومجلس الأمن؟ هل، فعلاً، لا يشكل مثل هذا الإطار، إطاراً دبلوماسياً ملائماً للذين يريدون التحرير في ظلّ قرارات مجلس الأمن؟

أرى أنّ بحث الاتفاق، لا يمكن إلا أن يتناول هذه المسائل، إذا شئنا فعلاً أن نتحاور، إذا شئنا فعلاً أن نكون مثاليين، إذا شئنا فعلاً أن نكون واقعيين عمليين منطقيين، فنرى سويّة إلى أيّ مدى هذا الاتفاق يحقّق الغاية المرجوّة عملياً وواقعياً بتحقيق الانسحابات.

على السؤال الأول: إنني أدخل مباشرة في الإجابة على هذا السؤال، لأهميته، فهو يكثّف محور هذا الاتفاق ومبرّره.

هل فعلاً يحقّق الانسحاب؟ إنّ السببين الهامّين اللذين يقرّران ضرورة الإجابة على هذا السؤال هما التاليين:

أولاً: اتساع حجم التيار الذي يتوق إلى الخلاص بعد سنوات تسع من الإنهاك والتآكل، بعد الاجتياح الصهيوني الذي دمّر وارتكب المجازر والجرائم، هناك تيّار أصبح توّاقاً في ظلّ الذلّ والتخاذل العربي، أصبح توّاقاً للخلاص بأيّ ثمن، فكان أحد الأسباب.

السبب الثاني: والذي يجب أن لا يُغيَّب عند درس إمكانية تحقّق الانسحابات، في ضوء هذا الاتفاق، هو ضرورة فهم، وإعادة فهم الظروف التاريخية التي هُيّئت من أجل خدمة هذا الاتفاق. بمعنى آخر، منذ اللحظة الأولى التي وُقِّع فيها الاتفاق، بات الانطباع الشامل لدى الناس، وقد أقول لدى معظم الناس: نأمل أن تنسحب سورية كي نخلص من هذه الأزمة.

ومع الأسف، قدّم الإعلام، القابلين بالاتفاق أو المقتنعين بأنه يحقّق انسحاباً، قدّم صيغة الخلاص، مشروطة بالانسحاب السوري. فبات الانطباع الطبيعي المشروع عند المواطن، لم يعد البحث بالاحتلال «الإسرائيلي» والاجتياح، بل باتت المعزوفة التي تتكرّر لدى كلّ الناس: نأمل بأن ينسحب السوريون لأنه ربط مثل هذا الاتفاق كله، بهذا الشرط.

السؤال المطروح: لو سلّمنا جدلاً، علماً، إنني من حيث المبدأ أرفض الاتفاق، لو سلمنا جدلاً بالاعتبارات التي أشرت إليها، لو سلّمنا جدلاً بالمقياس العملي، أنّ سورية، إذا انسحبت يتحقّق الخلاص، فتنسحب «إسرائيل»؟

التساؤل الذي يطرح نفسه، عفواً، وبشكل بديهي، في حال لم تنسحب سورية: من الذي يتحمّل المسؤولية السياسية؟ أكثر من ذلك! دولة رئيس مجلس النواب صرّح بحذر، ومتخوِّفاً من أجل المصلحة الوطنية العليا، (صرّح) أكثر من مرة أنه إذا تمّ انسحاب «إسرائيلي» جزئي حتى الأوّلي، حتى يقول «إنّ هذا ما حذّرنا منه مراراً، فإنّ الاتفاق، يكون قد أضفى صفة الشرعية على الاحتلال «الإسرائيلي» وكان دائماً من المُنذرين الرافضين لمبدأ الانسحاب الجزئي.

في هذه الحالة نعطي الاحتلال صفة شرعية.

السؤال المطروح: من يتحمّل في حال لم تنسحب «إسرائيل» مسؤولية توفير الغطاء لشرعية الاحتلال؟ السؤال الأكبر، أو الأسئلة الكبرى، وهنا شأننا كنواب، أن نتوجّه للسلطة السياسية التي خاضت المفاوضات، نقول: ألم تكن الحكومة على علم مسبق بحدود الموقف السوري؟ رفضه…؟ مدى قبوله إلخ… ألم تكن أميركا تعلم بذلك؟ أكثر من ذلك! إذا كانت أميركا ترى أنّ الاتفاق ليس فقط لا يحقّق الانسحاب، إذا لم تنسحب سورية، فلماذا عجّل لبنان بالتوقيع على هذا الاتفاق؟ وهل (هناك) ثمة غاية أخرى، تبطنها أميركا أو «إسرائيل»، من خلال الحصول على مثل هذا الاتفاق؟ مثل هذا التساؤل يؤدّي بنا إلى التأكيد على ما يلي:

أولاً: نستخلص أنّ الاتفاق الذي عقد بين لبنان و»إسرائيل» بوصاية أميركية، مُعلقاً الانسحاب على توافر إرادة ثالثة ليست طرفاً في الاتفاق، وهي رافضة للانسحاب كما يبدو.

إنّ أميركا كانت على علم مُسبق بالموقف السوري، تبيّنته، طبعاً، من خلال مشاوراتها وتحليلاتها، ومع ذلك دفعت بلبنان، واستجاب لبنان ليوقع على مثل هذا الاتفاق.

لبنان، في النهاية، لا يستطيع فرض إرادته على سورية، «إسرائيل» لا تستطيع حمل سورية على الانسحاب طوعاً، إلا إذا كانت هناك احتمالات أخرى، أميركا تعلن أنها لا تستطيع أن تُكره سورية على الانسحاب، طالما أنّ مجرد التوقيع على الاتفاق لا يحقّق إذن، مجرد التوقيع لا يحقق الانسحابات المرجوة، وتنفيذها يبقى مُعلقاً على إرادة ثالثة ترفض الانسحاب. فلماذا، بالمنطق البراغماتي وقّع الاتفاق وما هي الغاية، في الاستعجال، من التوقيع؟

الجواب: لماذا وقع الاتفاق، في أيّ سياق، ومن أجل أية غاية؟ عندما يكون الطرف في المعادلة «إسرائيل»، حين نتكلم عن أسباب توقيع الاتفاق بالذات، والأهداف التي من أجلها وقع، الإجابة هنا، تصبح مرتبطة وغير منفصلة عن المعطيات التالية:

أولاً: ما هو الدور الذي تطمح إليه «إسرائيل» أصلاً منذ تأسيسها، والذي كان علّة وجودها؟ وما هي الأهداف المباشرة التي خاضت «إسرائيل» حربها في لبنان من أجل تحقيقها؟

صلة الاتفاق مع الشروط التاريخية لولادة «إسرائيل»

وبالتالي، هل كان لتوقيع الاتفاق، في هذه المرحلة بالذات، صلة عضوية مباشرة مع الشروط التاريخية لولادة «إسرائيل» وأطماعها التاريخية في المنطقة التي أشار إليها الزميل الأستاذ لويس أبو شرف؟ في هذا الإطار، تدعيماً للمطامح التاريخية التي أشار إليها زميلي، أقف بكلّ احترام عند ما سبق واستكشفه المرحوم الشيخ موريس الجميّل حول أطماع «إسرائيل» ومدى ارتباط توقيع هذا الاتفاق، في هذه اللحظة، مع الشروط التاريخية لأطماع «إسرائيل».

في دراسة له، عرضتُ مضامينها في جلسة اللجان المشتركة، وفي الجلسة السرية، أرى من واجبي أمام المجلس، منعقداً في هيئته العامة، أن أذكِّر بالأصالة عن نفسي، وبالرؤية العلمية، ومن خلالها، استخرج القانون الذي يؤكّد أنّ «إسرائيل» دفعت، مع أميركا، بلبنان أن يوقع هذا الاتفاق، لا ليُنفَّذ، بل ليشكل ورقة أساسية، تكون محطة في مسار مخطّطها التآمري، وأطماعها التاريخية في المنطقة. في كرّاس له تحت عنوان «مشاريع إسرائيل وسياسة النعامة» في هذه المحاضرة منذ 23 سنة، حول المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في القدس سنة 1947، صفحة 15 من الكراس يقول المرحوم الشيخ موريس الجميّل:

«ارتأى المؤتمر الصهيوني الرأسمالي العالمي المنعقد في القدس، أن يقرّ ضرورة تحمُّل عجز ميزانية دولة إسرائيل، إلى أن تصبح هذه البلاد مُجهَّزة، بحيث تستطيع القيام بدورها كمحطة عالمية لمفترق الطرق، ومستودع لتلقّي البضائع وتوزيعها، كما سيفرضه، حتماً، تقدّم فن النقل ووسائله في العالم.

وطلب المؤتمر الصهيوني من المتموِّلين الكبار، أن يتحمَّلوا عجز دولة إسرائيل إلى ما بعد تجهيز البلد لتأمين الدور المذكور. وعندئذٍ سيستعيضون، أيّ «المتموِّلون»، أضعاف أضعاف ما كانوا قد دفعوه لهذه الدولة، بفضل ما سيجنونه من مرور الصفقات التجارية، والتبادل التجاري والمالي على أرض إسرائيل»، ومن شاء أن يتعمّق في هذه النقطة، يقول الشيخ موريس، بإمكانه أن يراجع «هنري كوستو» في مؤلفه «رجال المال يقودون العالم». ثم ينتقل، دون أن أطيل عليكم إلى مطامع «إسرائيل» في مياه لبنان وأرضه، ويؤكد ما يجري اليوم على ساحة الجنوب من تجهيزات تقنية، طبعاً، هادفة إلى سرقة مياه الليطاني، وهذا ما تردّد على لسان أكثر من مسؤول لبناني، حذّر من مخاطر مثل هذه التجهيزات التي تقوم بها «إسرائيل» هناك.

من هذا المنطلق، يهمّني أن أؤكد أنّ هذا الكرّاس الذي وجدتُه في مكتبة المرحوم أنور الخطيب، أرى أن لو كان الشيخ موريس الجميّل لا يزال حيّاً، وكُتبت له الحياة حتى هذه اللحظة، لكان رفض هذا الاتفاق ورفضه معه أنور الخطيب، لأنهما، أدركا مسبقاً، أنّ لـ «إسرائيل» مطامع، وأنّ هذه المحطة، في هذه المرحلة بالذات، التي نعقد فيها اتفاقاً مع «إسرائيل» يأتي في سياق تحقيق أطماع آنية، في سياق تحقيق مطامع تاريخية، كانت دائماً سبب علّة «إسرائيل» في هذه المنطقة.

هذه حقائق نجد جذورها في رؤية سياسية علمية واضحة، ومن حقنا المشروع، في ضوئها، أن نؤكد أنّ هذه الوثيقة التي وُقّعت في النهاية، لا تحقق الانسحاب، بل تشكل مخرجاً سياسياً للمتفاوضين، يكفي «إسرائيل» أن تحصل على هذا الاتفاق موقّعاً «حبراً على ورق»، لأنها، بهذا الاتفاق، يمكن أن تحقق الأهداف التالية:

أولاً: هذا الاتفاق طالما لم تتحقّق الانسحابات الأخرى، أيّ بعد إبرام الاتفاق، يضفي على وجودها، أو على بقائها، وجوداً شرعياً، هذا الاتفاق يضفي على الاحتلال صفة الشرعية. أكثر من ذلك! يعطي «إسرائيل» صكّ براءة ذمة عن كلّ الجرائم والمجازر التي ارتكبتها. أكثر من ذلك، فهو يكرِّس الاعتراف بدولة «إسرائيل»، بشرعية وجودها، وبالتالي، إذا كانت هذه هي الأهداف التي دفعت أميركا و»إسرائيل» أن تستعجل لبنان بالتوقيع على هذا الاتفاق، عندها (تصبح) مقولة، اجتياح لبنان من أجل تخليصه، أو لتحريره، أو من أجل ضمان سلامة الجليل، أكذوبة، وإلا، لماذا رافق الغزو العسكري، لماذا واكبه تطبيع اقتصادي على الأرض؟ كان محور اهتمامنا في كلّ المرحلة التي سبقت، هذا التطبيع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي! حتى (الإعلام) الأميركي الصهيوني الذي كان يُروِّج لمنطق: إما احتلال دائم، أو ثمن ضروري لا بدّ من دفعه، وفي هذا السياق، كان أمام «إسرائيل» خياران أيضاً: إما، فعلاً، الهيمنة الكاملة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية بصلح مع لبنان و»صهينته»، وإما إعادة ترتيب المخطّط الزمني، واعتبار أنّ هذا الاتفاق، ولو كان حبراً على ورق، بحدّ ذاته، يحقق لها أهدافاً آنية، يُضفي معها على الاحتلال شرعية، وهذا ما (تبغيه) «إسرائيل» على الأرض، تستمرّ بالتطبيع، وبحكم هذا الاتفاق، باقية طالما أنّ الانسحابات لم تتحقّق.

أيها الزملاء الكرام، تكريس الاحتلال وتعزيزه في الجنوب، ممارسات الاحتلال، تجلّياته بسعد حداد، الحرس الوطني، اللجان المحليّة، التجهيزات التقنيّة، إلى ذلك وسواها…

الترويج أو التمهيد للانسحاب من الجبل، تفادياً لضغط العمليات التي تشنُّها مجموعات المقاومة الوطنية، تنظيم هجوم سياسي وإعلامي ودبلوماسي يعيد لـ «إسرائيل» الاعتبار الذي فقدته عالمياً إثر غزوها للبنان.

وُقِّع ليشكل مخرجاً سياسياً لـ «إسرائيل»

يعني مثل هذا الاتفاق ليس فقط يردّ الاعتبار لـ «إسرائيل»، بل يعيد التماسك الداخلي، داخل بنية الكيان «الإسرائيلي». عملياً: «نحن خلص اتفقنا مع لبنان»، وبالتالي، كلّ التناقضات التي كانت تهزّ هذا الكيان المصطنع، هذا الاتفاق، يأتي ليحلّ لها، (لإسرائيل)، المشكلة. نعم، هذا الاتفاق لا يحقق الانسحاب، بل وُقِّع ليشكل مخرجاً سياسياً لـ «إسرائيل» وهي مستفيدة منه، حتى لو لم يُنفَّذ، وهي أصلاً وقّعته ولا تريد تنفيذه..

إنّ «إسرائيل» تبغي من هذا الاتفاق، وفق قناعاتي، أن يبقى ورقة سياسية بيدها، طالما أنها على قناعة. وأنا أرى أنّ الحكومة مسؤولة، لأنها خاضت معركة التفاوض والاتفاق، وهي التي تتحمّل المسؤولية السياسية في حال لم تتحقّق الانسحابات.

أنا من شأني، من الموقع اللبناني أقول، كنائب، يا حكومة لبنانية، كان من المفروض أن تعي وتدركي مسبقاً مدى حدود القبول، (أو) الرفض السوري وعلى هذا الأساس تخوضين معركتك. أنا مهمتي كنائب لبناني، أن أجابه السلطة السياسية التي خاضت وتحمّلت مسؤولية التفاوض. شأن سورية وسواها شأن عربي.

إذن هذا الاتفاق لا يحقق الانسحاب ووقع ليشكل منفَذاً، في النهاية، حتى على هذا المستوى، لـ «إسرائيل» ويعطيها «صك براة ذمة» وتبريراً وشرعية لوجودها أو بقائها في سياق تحقيق أهداف آنية وتاريخية استراتيجية.

هل كان يمكن لهذا النهج من التفاوض، أو للتفاوض، أن يثمر أفضل مما أثمر؟ هل كان يمكن أن يكون بالإمكان أفضل مما كان؟ مثل هذه المقولة التي تتردّد: ما هو دور الموقف العربي في نتاج مثل هذا الاتفاق؟ أنا، برأيي، لا يمكن، فعلاً، الإجابة على هذين السؤالين: مدى ما يمكن أن يثمره نهج التفاوض، أو مسؤولية الموقف العربي، الذي ساهم في إنتاج مثل هذا الاتفاق، يقتضي تثبيت حقيقتين (نذكر بهما):

1

ـ موازين القوى هي في النهاية التي تحدّد حصيلة التفاوض.

2

ـ إنّ تكريس مبدأ المفاوضات، على هذه القاعدة، يشكل أحد أهداف «إسرائيل». يعني:

اسمحوا لي، بكلّ صدق، أن أعيد بعض ما سبق وأكدناه في حوارنا داخل اللجان، أو ما سبق وأعلنّاه، حول مبدأ رفضنا للتفاوض كنهج. وكان مبرّر رفض مبدأ التفاوض، أساسه، أيضاً، موقف علمي مسبق، وليس (موقفاً عدمياً أو سلبياً) بالمطلق. يعني للذين يقولون بمبدأ التفاوض، أنا أقول إنّ الشعوب في تاريخها تعرّفت على المفاوضات عندما احتُلّت، أو غُزيت في عقر دارها. هذا ليس بدعة في تاريخ الشعوب. التفاوض كحقيقة، أثبتتها وظهرت في التاريخ، يعني على سبيل المثل، الشعب الفيتنامي تفاوض مع الأميركيين، التقى في باريس 1968، على طاولة المفاوضات مع أعدائه.

هنا (إزاء) مبدأ التفاوض، قد يقول (ثمة) قائل: لماذا أنت، أيها اللبناني، ترفض مبدأ التفاوض مع عدوك «الإسرائيلي»، وتقرّ مبدأ التفاوض الذي خاضه الفيتنام، مثلاً؟

مشروع مثل هذا السؤال، أو مثل هذا التفاوض جرى أيضاً في سياق الثورات الأخرى. ولكن السؤال المطروح بأيّ أفق كان يُخاض التفاوض؟

عندما التقت، مثلاً، في التاريخ، وزيرة الخارجية الفيتنامية مع فيليب حبيب، آتي بهذا المثل لأنّ المفاوض يومها عن الأمريكيين كان فيليب حبيب! قالت له: في كلّ مفاوضات يجب أن يملك أحد الطرفين ورقة، أنت تملك حقّ الانسحاب، وتمكيني من استعادة سيادتي على بلادي. وأنا أملك حقّ أن أترك لجنودك الانسحاب بسلام، وعندما أستردّ سيادة بلادي وسيادتي على وطني. يعني، عندما كانت هذه المفاوضات تتمّ على الأرض، كان هناك شعار أساسي: قاوموا الاحتلال، وبالتالي لا بأس عندها عندما تأتون إلى طاولة المفاوضات، شرط أن يكون التفاوض يُخاض تحت شعار التحرير الشامل، ودون تقديم أيّ تنازلات مبدئية على السيادة والاستقلال.

من حيث مبدأ التفاوض، لم أعطِ مثلاً حركة المقاومة الفلسطينية، ولا الأنظمة العربية التي خاضت «حروب»، لا…

سبق وقال الزميل الأستاذ لويس أبو شرف ماذا أنتجت الحروب؟ لكي يخلص طبعاً بنتيجة أنّ الحروب لا تأتي (نتيجة) يعني في التاريخ هناك حروب عادلة خيضت بأفق التحرير الشامل، وهناك حروب أنتجت هزائم. من الحروب التي أنتجت هزائم طوال 35 سنة هي الحروب التي خاضتها إما الأنظمة، أو قيادة حركة المقاومة الفلسطينية، لماذا؟ لأنّ الحروب كانت تُخاض في إطار تحسين الموقع التفاوضي، مع التسليم سلفاً، والقبول مسبقاً، بالحلّ السلمي، والانخراط بمؤامرة التسوية السلمية، كحلّ للنزاع العربي ـ الصهيوني. يعني لم تخض المفاوضات ولم تخض الحروب العربية، بأفق التحرير الشامل كما خيضت لدى المقاومة الفرنسية عندما جابهت المحتلّ النازي، أو (الفيتناميين) أو (الكوبيين)، وهذا مقاس استخرجه من التاريخ، ولا يعني مطلقاً، أنني أصبحت كوبياً أو فيتنامياً أو فرنسياً عندما أقول لا، لم تسقط المقاومة الشعبية المسلحة، إنما الذي سقط هو النهج السياسي الذي قاد هذه المقاومة على أرضية القبول مسبقاً بـ «جنيف»، وعلى أرضية القبول مُسبقاً بأنّ الحرب التي نخوضها ليست حرب تحرير، بل حرب تحريك لتحسين الموقع التفاوضي، من أجل حلّ المشكلة، لا على أساس تحرير شامل، ولكن على أساس تحسين موقع تفاوضي… هذه حقائق يجب قولها، لأنه لا يجوز الانتقاص من شهادات ودماء لأبطال يستشهدون وهم يقاتلون المحتلّ. إنّ الطعن بالمقاومين الفرنسيين الذين تحدّوا «المحتلّ النازي» والمقاومين اللبنانيين الذين تصدّوا للمحتلّ الصهيوني، هؤلاء، لا يجوز أن يطعن بدمائهم أو شهادتهم، هؤلاء كان يمكن أن يحتضنوا، فيما لو تمّ التنسيق بين العمل الثوري، بين العمل المسلح، بين عمل الكفاح الشعبي المسلح، وبين الأطر الديبلوماسية تنسق كلّ واحدة في ما بينها تماماً، كما تمّ التنسيق لدى الشعوب المكافحة، ما بين العمل الدبلوماسي وما بين العمل الشعبي المسلح.

إنني من موقع الوفاء، للشهداء الذين سقطوا في الحروب التي خيضت بأفق وشعارات ليست غايتها التحرير الشامل.

إنني من موقع الوفاء لجماهير شعبنا في لبنان وفي ساحة الوطن العربي. من موقع هذا الوفاء أقول، إنّ المجابهة الشعبية المسلحة لم تسقط، ولكن الذي سقط هو النهج الذي ساد، من جهة حركة التحرُّر العربي، أو من جهة ثانية الأنظمة العربية.

من هذا الموقع أختم قائلاً: أنه، لمن يريدون التحرير في ظلّ قرارات المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن، تبقى مثل هذه القرارات ومثل هذا الإطار صالحاً. أما أن تأتي «إسرائيل» لتموّل المقاومة، فهذه مقولة خاطئة باعتقادي كثيراً! لم تكن النازية لتموِّل المقاومة الفرنسية، ولم يكن الأميركيون ليموِّلوا المقاومة الفيتنامية! ولم تكن للحظة من نهار، «إسرائيل» لتموِّل الأبطال المقاومين الذين يتصدّون للاحتلال الصهيوني، وهي لن تسعى إلى تمويلهم، لأنّ الذين يقاتلون اليوم، هم الذين دفنوا في صبرا وشاتيلا كلّ التنظيرات وكلّ المساومات، وكلّ الأفكار البالية، وكلّ الايديولوجيات التي أدّت إلى توليد هذا الاتفاق، هذا النهج الذي أدّى إلى توليد هذا الاتفاق، كما سبق وولّد اتفاق «كامب دايفيد».

لا ذاك الاتفاق كان صاعقة في سماء صافية، ولا هذا الاتفاق جاء صاعقة في سماء صافية. إنه نهج سياسي ساد في الساحة مدة 30 – 35 سنة، وهو الذي ولّد هذه الاتفاقيات ولم تتمّ، والتي تنتقل بنا من انهيار إلى انهيار، ومن انتكاسة إلى انتكاسة.

إنّ الالتزام بالمقاييس الصحيحة، التي التزمت بها شعوب الأرض منذ بدء التاريخ، في مجابهتها للمحتلين، حقيقة تاريخية لا يمكن نقضها، لا يمكن رفضها، لا يمكن إدارة الظهر لتجارب الشعوب التي جابهت المحتلين. هذه حقيقة، ولكن لها شروطها: شروط عدم المهادنة والمساومة، عدم تحويل العمل السياسي إلى عمل ارتزاقي، عدم الطعن بالجماهير والإساءة إليها. وإنما كما سبق وأكدت، منذ اللحظة الأولى التي خيضت فيها المفاوضات: إننا معنيون كلنا، ولا يظننّ أحد أنّ مهمة التحرير في لبنان، هي وقف على المجلس النيابي. قلت ذلك وأكرّر، إنها مهمة تاريخية يقع عبئها على كلّ الشعب اللبناني، بجميع فئاته أن تتنظم طاقاته في إطار برنامج يوفّر مستلزمات الصمود، ويخوض معركة التحرير بأفق التحرير الشامل. من هذا المنطلق، جاءت لتؤكد صحة هذه المقولة، الإحصائيات التي نسمعها بلسان «إسرائيل»: خمسمئة قتيل «إسرائيلي» وثلاثة آلاف جريح.

ما يهزُّ الكيان الصهيوني، اليوم، أمرٌ لم تتمكن المقاومة الفلسطينية أن تحققه منذ 1965 حتى 1982. وهنا، لا طعناً بمبدأ المقاومة، ولا طعناً بالفداء فهو أشرف ما يمكن أن يكون في حياة الإنسان، وإنما طعن، نعم بالنهج الارتزاقي المرتبط الذي قاد هؤلاء المناضلين، والذي أجهض الثورة وأجهض إمكانية التحرير…

اسمحوا لي إذن، باسم شعبنا وباسم المقاومين الرافضين للاحتلال، باسم الصامدين والمتصدّين، وباسم المعتقلين في «أنصار» وفي سجون وأقبية «إسرائيل».. باسم عذابات جماهير شعبنا والأمهات الثكالى، والأطفال اليتامى..

باسمهم جميعاً، أرفض هذا الاتفاق، وأطلب من المجلس الكريم أن يرفض هذا الاتفاق من أجل لبنان، من أجل شعب لبنان، ومن أجل كرامة الوطن والمصلحة الوطنية العليا…

From The Memory of The People: Flowers, Dancing and a Defeated “Israeli” Occupation Army

From The Memory of The People: Flowers, Dancing and a Defeated “Israeli” Occupation Army

By Nour Rida

Lebanon – Many are the photos and videos that rerun the joy and emotions of people returning to their homes and villages in Lebanon, after long years of “Israeli” occupation to their land.

25 May, celebrated as a national holiday and considered as one of the most important days in Lebanon’s modern history is dubbed Resistance and Liberation Day. After two decades, people recall the day when they tasted the sweetness of returning back to their homes, lands and villages and reunited with their loved ones, and the day when the detainees saw the sun again after long years of torture and imprisonment in “Israeli” prisons set up inside the Lebanese territory; like the infamous Khiam prison.

Fatima, 65 years old, told al-Ahed news that she was on a vacation in Lebanon. She had been living abroad all her life, driven out of Lebanon due to the civil war and then the “Israeli” occupation of Lebanon.

“I remember that day so well. As soon as we heard the news, that the ‘Israeli’ army was withdrawing, we poured down to the streets in Beirut to celebrate, and to find out more about what was happening. I had not been to the South of Lebanon for many years because of the occupation. So we instantly rode our car and moved towards the South with the other thousands of cars to go back home. People were throwing rice and flowers, giving out sweets and candy, it was sort of a wedding or parade and you just could see the smiles and tears of joy everywhere.”

Mariam, 73 year old housewife who comes originally from Jizzine, a village in South Lebanon with a Christian majority, told al-Ahed news that on that day, rumors were spreading like fire at the beginning that the Hezbollah, or Lebanese resistance movement was killing people all across the South of Lebanon and that no one should even think of going to the South at the moment.

“My husband said this was definitely rubbish, he had been friends with many of the resistance fighters and he said he knew well that was not the case. We are Christians, but we lived a long life of friendship and love with our Muslim neighbors, who cared for us more than our own family members sometimes. Soon we joined the cars moving towards the South on that day, only to find out what my husband was saying: these are rumors of hatred and bigotry by ‘Israel’ and their allies inside Lebanon.”

On that day, many marched back to their homes and villages on foot. It was like waves of human beings were flocking back to their land of which they were deprived by the “Israeli” occupation.

“My aunt shows in one of the videos on that day,” Amal said.

Amal was a kid at the time, but she knows the stories by heart. She has been listening to these stories for 20 years now, and today she turns 30. She was born on this same day only 10 years before the “Israeli” so-called invincible army withdrew from Lebanon.

“Many took to the streets, dancing, chanting, embracing each other and tossing rice and flowers in the air in celebration. I was a kid but I still vaguely remember how we were standing at the doorsteps of our house and people were celebrating; my aunt shows in one of the videos dancing and throwing flowers right in front of our house.”

Sara, for her part, was the daughter of an agent who worked for the “Israeli” occupation in its Lahed Army, or what was known as the SLA [South Lebanon Army]. It was an army in which Lebanese people were hired to help the “Israeli” occupation, and hence it was an army of national traitors. Sara wanted to speak anonymously; it still bothers her that her father was a traitor and an agent who worked for the “Israeli” occupation.

“I cannot hide from the past, and I cannot forget that he is my father. We were so scared when the ‘Israelis’ fled and people said we will be killed and humiliated by Hezbollah, but until this day none of the Hezbollah people did us wrong. The only one humiliated was my father, when he fled to the Galilee camp and later told us how badly they were treated until he managed to leave to Canada after a few weeks of ill treatment and lack of any basic needs or respect,” Sara described.

She went on to say “He later came to Lebanon and was jailed for three years because of cooperating with the ‘Israeli’ occupation army.”

The 2000 liberation of Lebanon was a turning point in the history of Lebanon and the region, from which people and societies can draw lessons and inspiration. Western media attempts across the years are crystal clear, trying to misrepresent history or hide the told and untold stories. But facts cannot be concealed. The stories of the people, the marching of the people on foot all the way to the South, the videos and the photos and audio-visual history, the tears of joy and longing, the blood of the martyrs and the some 150 Khiam Lebanese detainees whose scars still speak of “Israeli” torture cannot be buried.

It was the resistance fighters and the people who hand in hand liberated their land. As Timor Goksel, former spokesman and senior advisor to UNIFIL had said once on the popular move: “Back in 2000, it was the march of the people before the Liberation which amazed me the most…The starting point was in the village of Kantara towards the village of Taybe. Hundreds of children, women, and men marched towards freedom.”

In 1979, Goksel was assigned as Press Information Officer/Spokesman to UNIFIL at South Lebanon’s Nakoura and later became a Senior Adviser of UNIFIL in 1995.

Goksel said that historically, “Israel” never left a country without something in return, but this only time was a withdrawal for nothing in return; that’s why this time it was a success.

Hence, what speaks stronger than all these memories is the fact that the once unbeatable “Israeli” army faces a deterrence power in the region imposed by the Lebanese resistance. And so, 2000 was not only a memory in the minds and hearts of the people with stories told and some others untold. May 25 2000 is a day when the political, military and strategic equations in the Lebanon, the region and the entire world changed.

Sayyed Safiyeddine: “Israeli”, American Aggressors Only Understand the Language of Force

Sayyed Safiyeddine: “Israeli”, American Aggressors Only Understand the Language of Force

By Fatima Deeb Hamzah

Lebanon – On the twentieth anniversary of the glory of May otherwise known as the liberation of southern Lebanon from “Israeli” occupation, Al-Ahed interviewed the head of Hezbollah’s Executive Council, His Eminence Sayyed Hashem Safiyeddine. He spoke about the future, the prospects of conflict with the enemy, and the next stage.

“Twenty years after the victory in 2000, we must always remember that had it not been for the sacrifices of the martyrs, the mujahideen, the detainees, the resistance as well as the supporters of the resistance, we would not have obtained this pride and dignity,” said Sayyed Safiyeddine. “Today we are in dire need of more faith and trust in God, adherence to our religious and cultural identity and resistance, and remaining on this path because what awaits us is even greater.”

Promising a new victory, Sayyed Safiyeddine tells Al-Ahed that “the victory of May 2000 is a great historic achievement.”

“From my faith in God Almighty and trust in Him, I believe that greater victories than the May 2000 await our resistance if we remain on this path. And the message of May 2000 is persistence on this resisting approach. Everything that the enemy does, even if it appears to be large and influential, will all disappear. All rights will be restored, God willing.”

Sayyed Safiyeddine summarizes the experiences amassed by the resistance since the 2006 aggression.

“Since the 2006 war, the resistance grew in strength, experience, understanding, and awareness of the nature of the battle and confrontation with the ‘Israeli’ enemy. We benefited from many of the strengths we attained. In 2006, we established that ‘Israel’ was indeed weaker than a spider’s web. The capabilities that are being prepared to confront the enemy in any future war that we are definitely not seeking, must be more focused and hit the targets that hurt the enemy. We have become more aware of the enemy’s vulnerabilities.”

Sayyed Safiyeddine believes that “during the past years, it has been proven that ‘Israel’s’ home front is ill-prepared.”

“Our readiness is based on faith, spirituality, and the individual’s strength in Hezbollah. Today, we are giving special attention to the fighter in various dimensions. Hence, the emergence of the Radwan force, which haunts the ‘Israeli’ army with sinister nightmares. What ‘Israel’ said is accurate: ‘Radwan forces will enter northern occupied Palestine.’”

Touching on the human asset, he said that “people are dependable, and we now depend on the ability of the Palestinian people, our popular resistance as well as the people in our Arab and Islamic world whose word will one day unite and eliminate this usurping Zionist entity.”

His Eminence speaks confidently about achieving the desired objective – liberating al-Quds.

“We live with a real hope of achieving a realistic goal, according to our view, which is the liberation of al-Quds. And we believe that the successive blows that the ‘Israeli’ enemy is being dealt will one day exhaust it and make it unable to face this tidal resistance. Sayyed Safiyeddine said. “This framework consists of two directions: one is resisting the enemy and the other is the enemy recognizing its weakness, day after day. We will reach a point where the ‘Israelis’ will feel powerless. On the other hand, the people will advance their resistance work, and today they are in tens, or even hundreds of thousands regionally. These hundreds of thousands ready to resist coupled with the accumulation of achievements as well as the deteriorating structure of the Zionist entity in addition to other elements will one day lead us to the inevitable liberation al-Quds. This is something we never doubt.”

Great victories are made by great leaders, and so were the liberation of 2000 and the victory 2006.

“Major General Hajj Qassem Soleimani and the commander Hajj Imad Mughniyeh were the architects of the victories in 2000 and 2006. The support the resistance received from the Quds Forces, led by Hajj Qassem Soleimani, contributed extensively to the liberation. In 2000, Hajj Imad was on the battlefield and a de facto leader as well as the leader of the Islamic Resistance’s operations. Through his follow-up with all the Mujahideen brothers, leaders, martyrs, and everyone who worked under Hajj Imad at the operational level, the 2000 victory was achieved.”

“We cannot look at the historic victory in 2000 with all its blessings without remembering these two great martyred leaders,” Sayyed Safiyeddine stresses.

Speaking of the possibilities of both military and economic war against the axis of resistance, His Eminence tells us, “The ‘Israeli’ enemy always uses the military tool as well as the political, economic, and media tools through American support. ‘Israel’ alone is not able to encircl the resistance and the axis of resistance financially and economically. This is an American act that serves ‘Israel’ and the American and imperial interests in this region. Today, we cannot say that the ‘Israelis’ are no longer a military threat. The threat still exists. But the ‘Israelis’ have slim hopes of launching a military aggression against the resistance in Lebanon. This is because they feel that they are unable to resolve the battle.”

As for the economic embargo imposed by the United States on the axis of resistance, Sayyed Safiyeddine says it is the result of “Israel’s” “sense of helplessness in the face of this axis that is growing and becoming stronger than ever before and recording great achievements in terms of capabilities and readiness.”

He stresses that the “sanctions imposed by the Americans on the resistance and the axis of resistance may be the last weapon they use to confront it as they have exhausted all options.”

“Since its inception, the resistance’s options, logic, path, methods, and objectives have been fixed. These are constants. It is contrary to what some believe – that time can make us retreat, tire, or reconsider our position. The more we advance in the resistance work and confronting the ‘Israeli’ enemy, the more convinced we are that our positions must be firmer,” the head of Hezbollah’s Executive Council adds.

“The ‘Israelis’ and the Americans only understand the language of strength and force, and when you are strong and capable you can confront this enemy, achieve your goals, and regain your rights. Today, we are more confident about our readiness in the area of armed resistance,” Sayyed Hashem concludes.

الخامس والعشرين من أيار يوم لم ينته – يوم بطول عشرين عام – نقاط على الحروف- ناصر قنديل

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

<span>%d</span> bloggers like this: