الحكومة والمحور الأميركيّ وجماعة أميركا

 الثلاثاء 28 حزيران 2022

ناصر قنديل

إذا استثنينا التيار الوطني الحر الذي سيكون مشاركاً في الحكومة الجديدة من خلال رئيس الجمهورية، على الأقل، إذا قرّر عدم المشاركة، وإذا ولدت الحكومة، تلفت الانتباه مواقف الكتل النيابية التي قرّرت رفض المشاركة في الحكومة ومقاطعتها.

إذا نظرنا للغة التي يتحدث بها هؤلاء سنسمع كلاماً كثيراً عن نظرية وجود لبنان في محور إقليمي يرفضونه، والمقصود طبعاً هو محور المقاومة، واتهامات هؤلاء مكررة بالحديث عن سيطرة حزب الله على الدولة، ومؤسساتها، وهم دعاة أن يكون لبنان ضمن محور آخر، تحت شعار الحياد، طلباً لموقع لبناني أقرب الى واشنطن والرياض باعتبارهما مرجعية القرار بدعم لبنان مالياً، كما يقولون.

نتحدث هنا عن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المقبلة قياساً بحكومته الحالية التي تصرف الأعمال، والمتهمة بأنها حكومة حزب الله والواقعة تحت سيطرته، والتي نجح حزب الله عبرها بضم لبنان الى ما يسمّونه بالمحور الإيراني، وبعضهم يقول بالوقوع تحت الاحتلال الإيراني.

اذا استعملنا الوقائع كأداة للقياس سنكتشف أن الحكومة دفعت بوزير إعلامها للاستقالة بلا سبب وجيه سوى طلب الرضا السعودي، فهل يحدث هذا في بلد آخر أو في حكومة أخرى؟

بالوقائع أيضاً وقف رئيس الحكومة بقوة ضد أي طلب الإعفاء ولو مؤقت لحاكم المصرف المركزي، حتى تنتهي الملفات القضائية المرفوعة عليه، والحاكم هو نفسه الذي أعلنته السفيرة الأميركية خطاً أحمر خلال فترة حكومة الرئيس حسان دياب، ويصفه الرئيس ميقاتي بالضابط الذي لا يمكن الاستغناء عنه خلال الحرب.

  بالوقائع أيضاً جمّد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أعمال حكومته لشهور، حتى تراجع ثنائي المحور، حزب الله وحركة أمل، عن اشتراط المشاركة في الاجتماعات الحكوميّة حتى تتم تنحية القاضي طارق بيطار، الذي أصدرت لجان في الكونغرس الأميركي بيانات واضحة لمساندته، ولم يعترض عليه إلا وزراء ونواب «المحور»، وتمسك الرئيس ميقاتي بالقاضي حتى تراجع وزراء «المحور»، وموقف الحكومة ورئيسها ليس مجرد دعم لفكرة استقلال القضاء، بينما تشترك الحكومة بتغطية ملاحقة القاضية غادة عون لأنها تجرأت ولاحقت حاكم المصرف.

بالوقائع أيضاً تدير الحكومة التي يقاطع مثيلتها اصدقاء أميركا والرياض ملف الحدود البحرية للبنان بالتنسيق والتشاور مع وسيط عيّنته الإدارة الأميركية اسمه عاموس خوكشتاين يحمل الجنسية الإسرائيلية وخدم في جيش الاحتلال.

بالوقائع أيضاً في حروب المنطقة والعالم، حربان، حرب في اليمن، وحرب في أوكرانيا، وفي الحربين تقف الحكومة دون الكثير من حلفاء أميركا، حيث تقف السعودية وأميركا.

بالوقائع أيضاً وأيضاً لا تبحث الحكومة ومثلها التي ستليها أي عروض تقدّمها أية شركات لا تحظى بقبول أميركي، وهذا هو مصير كل العروض الروسية والصينية والإيرانية، الإهمال وإدارة الظهر بذرائع مختلفة.

يرفضون المشاركة بالحكومة ويتهمونها بالمحور، لأن مهمتهم المقررة هي استثمار المنصات السياسية والنيابية والإعلامية للتحريض على المقاومة، ولو بالأكاذيب، لأن المطلوب نيل المزيد من الالتحاق المهين والمذل بالإملاءات الأميركية، ولبنان بالمناسبة في أسفل قائمة الذل في العلاقة بالأميركيين، فتطبق القرارات الأميركية المالية في لبنان قبل أميركا، بينما يجرؤ حلفاء أميركا في المنطقة بقول لا، كما تفعل تركيا ودولة الإمارات بخصوص العقوبات على إيران وروسيا، وكما تفعل السعودية بخصوص العقوبات على روسيا، وكما تفعل الإمارات بالعلاقات مع سورية، ولبنان الذي يحتاج التواصل مع الحكومة السورية لحل سريع لقضية النازحين السوريّين ينتظر الإذن الأميركي بزيارة وفود حكوميّة رفيعة الى سورية، كما انتظر ليتجرأ وفد حكوميّ على زيارة سورية لبحث التعاون في ملف الكهرباء.

المذلّة لا تكفي، وجب أن يزيّنها النفاق، فنصدق أن لبنان الرسمي في محور المقاومة، ونجهد لنثبت البراءة بمزيد من الذل، مبارك للسيادة والاستقلال.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هل يتحمّل لبنان منسوب الكرامة في موقف المقاومة؟

الإثنين 13 حزيران 2022

 ناصر قنديل

في كل محطات مسيرتها، كانت المقاومة تحمل منسوباً من الكرامة الوطنية أعلى من قدرة المستوى السياسي اللبناني على التحمل. فعند انطلاقة المقاومة كانت أغلب المؤسسات السياسية والدستورية تتوزع بين ترويج الانضواء في حلف غربي عربي يضم «إسرائيل»، وترى المقاومة تخريباً على هذا المسعى، وبين منطق الضعف والعجز والعين التي لا تقاوم المخرز، وترى في المقاومة مشروع انتحار. وتلاقى المنهجان عند اتفاق 17 أيار، وترجم التلاقي في حجم التصويت النيابي لإبرامه. وعندما فاض ميزان القوى الذي أنتجته المقاومة عن قدرة أميركا و»إسرائيل» على الصمود وانهزمتا أمام المقاومة سقط الاتفاق بقوة الأمر الواقع على أيدي الذين أبرموه، لكنه لم يبدلوا تبديلاً، فبقوا حتى التحرير عام 2000 يشككون بجدوى المقاومة وقدرتها على إلحاق الهزيمة بالاحتلال. وعندما هزم تقدموا صفوف المهنئين، وهم يتساءلون ما هو مبرر بقاء السلاح بعد التحرير؟

في حرب تموز 2006 اعترف الاحتلال بالهزيمة ولم يتقبل النصر أغلب المستوى السياسي اللبناني. وبعد الحرب تحوّل جزء كبير من هذا المستوى إلى مجرد صدى لدعوات اميركية اسرائيلية صار لها امتداد عربي، لنزع سلاح المقاومة، كما تحوّلوا بعد التحرير الى دعاة إنكار للبنانية مزارع شبعا المحتلة، واليوم أغلب الذين يبدون في الظاهر دعاة تمسك بالحقوق الوطنية في ثروات النفط والغاز يريحهم النقاش الذي يتيح تبادل كرات التنمّر الداخلي، كالحديث عن الخطين 23 و29، او توقيع مرسوم تعديل الخط المسجل لدى الأمم المتحدة، كأن الاحتلال سيقيم اعتباراً لهذا، وهو الذي لم يردعه عن البقاء لعقدين كاملين في الأراضي اللبناني المحتلة، والتي تعترف الأمم المتحدة بلبنانيتها وتطلب الانسحاب منها، وهو ما لن يحدث مثله على الإطلاق في ما يخص الحدود البحرية، حتى لو وافق الاحتلال على الخط 39 وليس 29 فقط، لأن لا شيء اسمه بعد الحدود البحرية المعترف بها دولياً، فسقف ما قد يحدث في حلم ليلة صيف هو تثبيت بالتراضي لاعتماد خط يسجل لدى الأمم المتحدة، ويبقى قابلاً لطلب التعديل من أي من الطرفين، الا اذا وقع اعتراف دبلوماسي بـ»إسرائيل» من جانب لبنان وتوافقا على الذهاب للتحكيم الدولي، الذي يطالب به بعض اللبنانيين من مدّعي الوطنية.

عندما خرج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يشرح أولوية وقف الاستخراج من جانب الاحتلال على أي أمر آخر، ارتبكت الجبهة اللبنانية الداخلية أكثر من جبهة كيان الاحتلال الداخلية، فهرب نواب التغيير من التظاهرة التي دعوا إليها في الناقورة، وخرج أحد النواب العروبيين يتحدّث بلغة بيار الجميل في السبعينيات، عن مدى قدرة لبنان على تحمّل تبعات مواجهة، والحاجة لمستلزمات صمود، وبدلاً من أن تكون حالة لبنان الاقتصادية حافزاً للتمسك بهذه الثروة صارت حجة للتساؤل عن مدى القدرة على فعل ذلك، وعلى الجبهات الرئاسية فرك كفوف وارتباك وتعلق بأمل زيارة الوسيط الأميركي، الذي بدلاً من أن يواجه موقفاً حازماً برفض تلبية أية دعوة للتفاوض قبل إعلان واضح بوقف الاستخراج من كاريش ورفع الحظر عن حق لبنان ببدء الاستخراج من حقوله السيادية في المناطق غير المتنازع عليها، سيلقى وجوه البعض تنتظر منه مخرجاً يجنبها مخاطر مواجهة باتت شبه حتميّة ما لم يستوعب الأميركي والإسرائيلي رسالة المقاومة.

بعض المستوى السياسي والرئاسي على قدر المسؤولية، لكنه لا يعبر عن نصاب لبناني كافٍ للقول إن لبنان بخير وطنياً، وتبقى الحقيقة المرّة تتكرّر، أن المقاومة تمثل منسوب كرامة أكبر من قدرة لبنان على التحمل.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Sayyed Nasrallah: Were Hezbollah Ruling Lebanon, US Embassy in Beirut Would Never Intervene in Domestic Issues

March 8, 2022

Hezbollah Secretary General Sayyed Hasan Nasrallah stressed on Tuesday that trusting the promises of the US administration is matter of foolishness, urging the Lebanese officials to emancipate themselves from the US hegemony.

Addressing Hezbollah Wounded Fighter Day ceremony, Sayyed Nasrallah indicated that the US pressures on the Lebanese officials are preventing them from approving an agreement with a Russian oil firm.

Sayyed Nasrallah narrated that a Russian oil firm offered to build a refinery and provide the crude oil without costing the Lebanese government to pay fresh dollars, adding that the firm accepts the Lebanese national pound to be paid in return.

“The firm offered to refine 160,000 barrels of oil, or 200,000 barrels, through the large refinery. This would cover the Lebanese it needs. Lebanon would export oil derivatives, and the company sells the state in Lebanese pounds.”

His eminence clarified that such an agreement would enable Lebanon to cope with its power crisis and gasoline shortage, adding that the US embassy in Beirut has prevented the Lebanese officials from concluding the deal in order to avoid witnessing quarrels and brawls at gas stations.

Were Hezbollah ruling Lebanon, this agreement would have been concluded one year and a half ago, Sayyed Nasrallah confirmed.

In this regard, Sayyed Nasrallah urged Lebanese president and council of ministers to approve the agreement with the Russian firm, saying, “If you want to please USA, you must know that their demands are limitless.”

If you start submitting to the US dictates, you will not be able to stop, Sayyed Naasrallah addressed the Lebanese officials.

Sayyed Nasrallah called on the Lebanese officials to keep committed to freedom, independence, national interest and patriotism, adding that Lebanon has never benefited from the US false promises.

Sayyed Nasrallah noted that the US State Department has not yet provided Egypt and Jordan with any official waiver in order to allow the gas and power transaction to Lebanon to occur, adding that US ambassador to Lebanon power pledge was a mere false promise.

Sayyed Nasrallah called on the Lebanese officials to show the Americans that Lebanon can have several economic choices, in order to push them to make concessions or give alternatives, adding that Hezbollah accepts that oil firms invest in Lebanon oil sector if they manage to end  the crisis.

Tell the Americans that the Lebanese are not their slaves in order to preserve the national sovereignty, Sayyed Nasrallah addressed the Lebanese officials.

Providing another evidence that Hezbollah does not control the state in Lebanon, Sayyed Nasrallah highlighted the Lebanese official condemnation of Russian operation in Ukraine.

Sayyed Nasrallah pointed out that Lebanon should have refrained from voting for the UN denunciation of the Russian operation in Ukraine, adding that the Lebanese Foreign Ministry statement which denounced the Russian operation was drafted by the US embassy in Beirut.

Sayyed Nasrallah wondered how the neutrality proponents in Lebanon refrained from rejecting the Lebanese Foreign Ministry statement which involves Lebanon in a dispute with a great country, Russia.

Sayyed Nasrallah noted that all the neutrality calls on Lebanon were aimed at averting assuming the responsibilities towards the Palestinian cause, Syria, and Yemen in order to please the US administration.

“Hezbollah rejects neutrality, but why have neutrality proponents abandoned their principle in the case of the Ukrainian war?” Sayyed Nasrallah asked.

Hezbollah Secretary General underscored the US administration’s betrayal of the Ukrainian President, adding that Volodymyr Zelensky’s disappointment  about the West’s unkept promises of support in face of Russia is reflected in his readiness to compromise.

Sayyed Nasrallah indicated that trusting United States of America is matter of foolishness, stupidity, and ignorance, highlighting the moral fall of the West as reflected by the racial discrimination among the refugees in Ukraine.

Sayyed Nasrallah noted that US officials accuse Russia of committing war crimes in Ukraine and disregard the American massacres in numerous countries, highlighting also the European crimes in Africa, the Israeli occupation of Palestine and the Saudi aggression on Yemen.

Sayyed Nasrallah added that the International community laments days-long siege on Ukrainian cities and disregards the Israeli blockade on Gaza as well as the Saudi blockade on Yemen.

Sayyed Nasrallah also noted that the international community resorted to silence about the US-fabricated suicide bombers’ crime of attacking a mosque in Pakistan last week.

His eminence also recalled how the US warplanes raided weddings in Afghanistan and claimed that the targets are military camps, highlighting the double-standards policy admitted by Washington.

In this regard, Sayyed Nasrallah highlighted the moral fall of the West reflected by the racial discrimination among the refugees in Ukraine.

Hezbollah Secretary General had first congratulated the faithful Muslims on the inception of Rajab Month, during which believers are supposed to prepare themselves spiritually to welcome the Holy Month of Ramadan, and the birthday of Imam Hussein (P), Al-Abbas bin Ali (P), Imam Ali bin Hussein (P).

Sayyed Nasrallah started his speech with a focus on the occasion of the Wounded Fighter Day,which falls on the birthday of Al-Abbas, the brother of third Shia Imam Hussein Bin Ali (P), highly appreciating their sacrifices for the sake of the nation.

We congregate here to express our pride of your sacrifices, struggle, steadfastness and patience, Sayyed Nasrallah said, highlighting the contribution of the wounded Resistance fighters to the victories and their repercussion on the whole national security and stability.

Sayyed Nasrallah underscored gratitude to the wounded Resistance fighters in the epoch of ungratefulness, hinting at those who forget the sacrifices of the wounded for the sake of the whole nation.

Sayyed Nasrallah also said that Imam Abbas, the role-model of the wounded Resistance fighters, was the patron who did not avert his responsibilities despite his injuries, adding that Imam Jaafar Al-Sadek (P) underscored Al-Abbas concentration on insight and firm faith.

In this regard, Sayyed Nasrallah highlighted the importance of insight which enables the person to know more about the conditions of his country and the whole region.

The ceremony was started with a recital of a number of Holy Coranic verses before one of the wounded Resistance fighters reiterated allegiance to Hezbollah Secretary General Sayyed Hasan Nasrallah.

Source: Al-Manar English Website

أزمة أوكرانيا تثبت: حياد لبنان أمر غير قابل للتطبيق

الجمعة 4 آذار 2022

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ فترة من الزمن يروّج في لبنان مع اندلاع العدوان على سورية بحرب كونية قادتها الولايات المتحدة، ابتدع لبنان شعار النأي بالنفس حتى يتنصّل من موجباته التي يفرضها العديد من المعاهدات المعقودة بينه وبين الدولة السورية ويؤمّن لأميركا ما تبتغيه من حصار.

 شعار رفعته آنذاك الحكومة التي كان يرأسها نجيب ميقاتي رئيس الحكومة الحالي الذي يجاهر اليوم بانّ «السعودية هي قبلته السياسية كما هي قبلته الدينية»، رغم انه يُصرّ أو يتظاهر بأنه ملتزم بسياسة النأي بالنفس وهو كلام تنفيه الوقائع.

بيد أنّ الشعار المرفوع الذي يوحي بأنّ لبنان لن يكون مع طرف دون آخر في الحرب على سورية، هذا الشعار لم يطبّق في الميدان من قبل أحد فلا الحكومة عملت به ولا مكونات السياسة اللبنانية احترمته، حيث انّ الحكومة انصاعت لأوامر الغرب بالقيادة الأميركية في أكثر من ملف يعني سورية، بخاصة في مسألة النازحين السوريين كما وفي مسائل مالية وسياسية أخرى ولم يسجل من النأي بالنفس سوى بعض المواقف اليتيمة التي اتخذها مندوب لبنان في الجامعة العربية وما عدا ذلك فقد كان انحياز لبنان الرسمي الى خصوم الحكومة السورية واضحاً من غير التباس.

أما اللبنانيون فقد كان انقسامهم واضحاً أيضاً حيال المسألة، ففي حين ذهب فريق منهم للقتال الى جانب الدولة السورية قتالاً رأى فيه انه من طبيعة العمل الاستباقي للدفاع المشروع عن النفس، فقد التزم أطراف آخرون يعملون بأوامر وإملاءات أميركية موقع العداء للحكومة السورية ونصرة من يقاتلها من مجموعات داخلية مسلحة او إرهابية استقدمت من الخارج او حتى تشكيلات عسكرية احتلت أرضاً سورية، كما هو حال القوات الأميركية والتركية. مواقف متناقضة أظهرت انّ الانقسام عمودي حادّ بين اللبنانيين دون أن يكون هناك بين الطرفين مساحة مشتركة للتفاهم.

في ظلّ هذا الوضع الخلافي أطلق البطريرك الماروني الدعوة الى حياد لبنان وأيّده في دعوته معظم الأطراف الذين جاهروا بالعداء للدولة السورية والعداء للمقاومة التي وقفت الى جانب سورية في حربها الدفاعية ضدّ الإرهاب والاحتلال الأجنبي لأراضيها، وكان بديهياً أن تنظر المقاومة الى الدعوة هذه بعين الريبة والحذر خاصة أنها ترى في سلوك من أطلقها ومن أيّده كامل الانحياز الى الغرب بقيادة أميركية وكامل الانصياع للإملاءات الأميركية وكامل الانبطاح أمام دول الخليج المنصاعة أصلاً لأميركا والتي تنفذ عدواناً تدميرياً على اليمن.

في ظلّ هذا المشهد انفجر الوضع في أوكرانيا وبدأت روسيا بتنفيذ عملية عسكرية خاصة عبر حدودها، عملية حددت أهدافها بأنها ذات طبيعة دفاعيّة من أجل ضمان حياد أوكرانيا وعدم تحوّلها الى منصة للحلف الأطلسي الذي يجاهر بالعداء لروسيا وبأنها لا تنوي احتلالاً للدولة تلك بل جلّ ما تريده ضمان أمنها القومي الذي ينتهك بالخطط الأطلسية بقيادة أميركية. أما الغرب فقد نظر الى العملية العسكرية الروسية بأنها عدوان موصوف، وأنه سيواجهه بشتى الوسائل السياسية والإعلامية والاقتصادية وتقديم المساعدات العسكرية لحكومة كييف من غير التورّط بإرسال تشكيلات من جيوش الغرب خشية الانزلاق الى حرب عالمية أطرافها دول نووية.

لقد ظهر الصراع في أوكرانيا وحولها انه صراع بين روسيا التي تبرّر أعمالها العسكرية بحق الدفاع عن النفس بأسلوب استباقي وبين الغرب بقيادة أميركا التي جهدت لاستدراج روسيا الى هذا الموقع من أجل الإجهاز عليها وتفكيكها بتكرار ما قامت به ضدّ الاتحاد السوفياتي بعد احتلال أفغانستان. ورغم هذا الوضوح في طبيعة الصراع فإنّ لبنان سارع وفي الساعات الأولى لبدء العملية العسكرية الروسية، لإدانة روسيا والمطالبة بوقف عمليتها ثم صوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح مشروع قرار أميركي أوروبي اعتمد ضدّ روسيا، مؤكداً في مواقفه بأنه ليس على الحياد ولا يتقيّد بما ورد في البيان الوزاري للحكومة من شعار النأي بالنفس، فهل أصاب لبنان أم أخطأ في مواقفه؟ وهل الحياد ممكن والنأي بالنفس مستطاع؟

من البديهي أن يكون لبنان وهو من الدول المؤسسة للأمم المتحدة صاحب سياسة تدعو الى الأمن والسلام وحلّ النزاعات بالطرق السلميّة بعيداً عن الاحتكام الى القوة والسلاح مع ما يستتبعه من قتل وتدمير وتشريد وهو الدولة التي عانت ولا تزال تعاني من العدوان والاحتلال «الإسرائيلي» وعلى أرضها وحقوقها وسيادتها. ولكن على لبنان قبل ان يتخذ موقفاً من صراع دولي أن يتحقق ويمحّص انعكاسات موقفه وتداعياته عليه وعلى سياسة الحياد التي يدّعيها. ولكن هل يستطيع لبنان أن يصمد أمام الضغوط الأجنبية عامة والأميركية ـ الأوروبية ـ الخليجية خاصة؟

لقد أثبتت التجربة في لبنان أنّ القول شيء والفعل والممارسة شيء آخر، والأمر رهن بمن يتولى زمام الأمور في البلاد، فإذا تذكرنا أيام تلت طرد «إسرائيل» من جنوب لبنان في العام ٢٠٠٠ وكم صمد لبنان أمام الضغط الأميركي الرامي لحمله على التنازل امام «إسرائيل» عن حقوقه في أرضه، لوصلنا الي نتيجة مفادها انّ لبنان المتمسك بحقه وبجيشه وبمقاومته قادر على مواجهة الضغوط الأميركية، فقد حاولت مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأميركية وعبر مكالمات هاتفية لمدة أربع ساعات ان تثني لبنان عن مواقفه ولم تستطع وانتزع لبنان حقه في أرضه كما رآه.

بيد انّ نتائج الضغط الأميركي على لبنان في المسألة الأوكرانية جاءت بنتيجة معاكسة، حيث إنّ هاتف او زيارة من سفيرة أميركا الى المسؤولين أنتجت بيان إدانة لروسيا بسرعة قياسية سبق لبنان فيها كلّ الدول العربية ومعظم الدول الأوروبية، ثم كانت زيارة أخرى حملت لبنان على دعم الموقف الأميركيّ في مجلس الأمن ضدّ روسيا.

وهنا قد يروق للبنانيين الذين اتخذوا هذه المواقف من غير العودة الى مجلس الوزراء الذي هو حسب الدستور السلطة التنفيذية التي ترسم وتنفذ سياسات الدولة، قد يروق لهم القول بأنّ موقف لبنان منسجم مع مبادئه الرافضة للعدوان والاحتكام للقوة في حلّ النزاعات. ولكن أيضاً من مبادئ لبنان دعم الحق المشروع بالدفاع عن النفس، وهنا يجب ان نأخذ بالاعتبار الهواجس المشروعة لكلّ من الطرفين، الامر الذي لم يعمل به لبنان بنتيجة الضغط الأميركي.

هذه الوقائع تفضي بنا الى نتيجة واحدة وهي انّ الحياد المطلوب هو أمر غير مضمون في بلد كلبنان في ظلّ ضعف الدولة ووهنها ووجود ساسة لديهم مصالح يخشون عليها، فالحياد موقف لا يمكن ان يتخذه إلا قوي لا يخشى تهديداً ولا يستجيب لإملاء، أما الضعيف الخائف على مصلحة مالية او سواها، فإنه ينظر الي مصلحته ويتخذ الموقف الذي يحفظها دون التوقف عند تأثير ذلك على الدولة والوطن الذي يتولى مسؤولية فيه، وأخيراً نذكر بشروط الحياد التي هي الى جانب القوة الذاتية، هناك القبول الخارجيّ فهل يقبل الخارج بحياد لبنان ويدعه وشأنه أم يريد لبنان منصة ومسرحاً وقاعدة لعملياته وسياسته؟ الواقع يثبت انّ من يطلب حياد لبنان هو كمن يبحث عن النجوم في رابعة النهار. فتحوّلوا الى امتلاك القوة والبحث عمن يتولى الشأن العام ويقدّمه على أموره الخاصة.

*أستاذ جامعيّ ـ باحث استراتيجيّ

ترسيم الحدود البحريّة: لبنان قويّ.. لا تضعفوا


الجمعة 4 آذار 2022

 ناصر قنديل

في حروب ترسيم الخرائط الممتدة على مساحة العالم، لبنان ليس بعيداً، ولا حاجة للبحث عن البوصلة، فهي كانت وستبقى في ترسيم الحدود البحرية، حيث الأميركي والإسرائيلي حاضران بقوة، وحيث المقاومة حاضرة بقوة، وحيث سورية وروسيا وفرنسا وإيران وتركيا، إضافة لأميركا، أطراف غير مباشرة في كل ما يتصل بمعارك الغاز والطاقة وشبكات الأنابيب والأسواق، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل الارتباط الوثيق بين التحريك المتسارع لملف التفاوض من قبل الأميركيين وبين تزاحم الاستحقاقات الدولية والإقليمية، خصوصاً التي تتصل بحرب الغاز التي تتخذ عنواناً آخر اسمه أوكرانيا، ومفاوضات الغاز التي تتخذ عنواناً آخر اسمه الملف النووي الإيراني.

كل دول العالم تبحث في هذه الحروب الكبيرة والصغيرة عن مصالحها، وترسم سياساتها على أساسها، ولبنان للأسف إما مذعور بلا سبب للذعر، أو مجامل لحد النفاق بوهم التزلف والاسترضاء بلا سبب. فمصلحة لبنان قبل الحديث عن موازين القوى وفرص الفوز بتحقيق المصلحة، هي مصلحة واضحة، بنيل أوسع مساحة ممكنة من المدى البحري الممتد حتى الخط 29 والذي يشكل حقل قانا أحد أبرز حقوله الواعدة. وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره. ومصلحة لبنان هي الوصول سريعاً لبدء استخراج الثروات للاستفادة المبكرة التي تفرضها حاجاته الحيوية والمصيرية في مواجهة حال الانهيار، والاستفادة المبكرة من الحاجات الاستثنائية التي تعيشها الأسواق والدول، ومصلحة لبنان أن يكون ضمن حلف لتصدير الغاز يضمه مع سورية وروسيا، ولا مانع بأن يضم فرنسا ومصر شرط ألا يضمّ “إسرائيل”، كما هو حال الأنبوب الذي يرعاه وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو.

السؤال حول فرص تحقيق هذه المصلحة ما تتيحه موازين القوى، تجيب عليه وقائع تتصل بركيزتين واضحتين، الأولى هي قوة المقاومة وحضورها. وهذه الركيزة التي جلبت الأميركي للوساطة وفرضت على الإسرائيلي التفاوض. والثانية هي أزمة الغاز المتفاقمة في العالم والتي تجعل الأميركي مستعجلاً والإسرائيلي مستعجلاً أكثر، وبدلا من أن يتساءل بعض المسؤولين اللبنانيين عن كيفية استرضاء الأميركي، عليهم أن يفهموا أن المرحلة تتيح للبنان رفع سقف طلباته والتصرف بلغة القوي، وأنه إن فعل ذلك فسيجد أن الأميركي مضطر لأخذ طلباته بالإعتبار طلباً للوصول إلى اتفاق في أقرب وقت.

يأتي المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين بعدما سبقته ورقة مقترحاته، فيما الحكومة تهدر ماء وجهها في الحرب الأوكرانية لاسترضاء الأميركي، وتتموضع بطريقة غريبة عجيبة لا تشبه لبنان الذي كان قبل أيام يتغنى قادته بحياده، ويدعون لتكريسه نهجا مقوننا على الصعيد العالمي، فتنقلب الآية عندما يصير الأميركي هو المتضرر من حياد لبنان. والسؤال هل يمكن للبنان تسويق الغاز بعد التنقيب في أنبوب مشترك مع “إسرائيل”، وهل يمكن للبنان أن ينال بالتذلل للأميركي حقوقاً، بما في ذلك ما يتصل بصندوق النقد الدولي، أم ان القضية تتصل بحسابات ترسمها العقوبات فقط؟

لبنان قويّ وقادر على فرض مصالحه، والعالم في حال تسابق، وموقع لبنان يتيح حجز مقعد فاعل في مفاوضات الغاز، ومن خلفها أسواق الغاز، وحسابات القوة تبدأ بالمقاومة وتنتهي بالإجابة عن سؤال حلفاء الغاز!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بلا لفّ ودوران: هاتوا هاتين وتجرّأوا على السلاح؟

السبت 8 يناير 2022

 ناصر قنديل

يتلاقى عدد من القوى السياسية والقيادات داخل لبنان وخارجه على مقاربة سلاح المقاومة بعناوين مباشرة أو مواربة، وقحة وخجولة، حيث يتلاقى من يتحدث عن احتلال إيراني، مع من يتحدث عن الحياد، مع من يتحدث عن السلاح كسبب مشكلة ويقول بربط النزاع حوله، ومن يقول انه يرفض الدعوة لنزع السلاح منعاً لحرب أهلية، أو من يقول انّ حزب الله قوة شعبية وسياسية وإنّ السلاح قضية إقليمية تفوق طاقة الدولة، فكلّ هؤلاء يقولون إما بأنّ مشكلة لبنان هي بسلاح المقاومة، ويضعون في هذا السياق الغضب الغربي والعربي من هذا السلاح، ويفلسفونه بتسميات ربط لبنان بمحور تقوده إيران ومصادرة قرار السلم الحرب وما الى هنالك من مسمّيات، أو يقولون إن لهم ملاحظات على بقاء سلاح المقاومة ويشاركون المعترضين عليه في الكثير مما يقولون، لكنهم لا يرون مصلحة بتحويله الى قضية مواجهة تهدّد السلم الأهلي، أو يعتقدون بأنّ حسم أمره فوق طاقة الدولة اللبنانية والقوى السياسية اللبنانية، وكلّ ضغط عليها لتحمّل هذا العبء يعني مغامرة ومخاطرة وخيمة العواقب.

لأننا دعونا الآخرين الى التحدث بلا لف ولا دوران، سنقول بلا لف ولا دوران إنّ سلاح المقاومة لن يؤثر في مصيره كلّ هذا التلاعب والعبث السياسي، فهو يملك تغطية شعبية كافية لحمايته، ويملك قدرة عملياتية كافية لمنع استهدافه عسكرياً خارجياً وداخلياً، ولذلك لا يهدف هذا النقاش لإقناع الآخرين بتغيير مواقفهم، خشية ان يؤدي تعنتهم بها الى التاثير سلباً على سلاح المقاومة وتعريضه للخطر، بل يهدف الى كشف النتائج الفعلية لدعواتهم، وتحدّيهم في ميدان الحجة بالحجة أن يثبتوا منطلقاً وطنياً لمزاعمهم، ممن يظهرون عداءهم للسلاح أو الذين يختبئون وراء عدم واقعية طرح مصير السلاح حرصاً على السلم الأهلي، بما يعني تسليماً بالتموضع على ضفة اعتبار السلاح عبئاً على لبنان واللبنانيين.

ليس مطروحاً العودة للوراء رغم أحقيتها، لجهة مطالبة الجميع بالعرفان بالجميل للمقاومة وسلاحها في ما أنجزت في معركتي تحرير أراض لبنانية من الاحتلال “الإسرائيلي” وأراض أخرى من الإرهاب، وصدّ مخاطر كليهما، والعرفان بالجميل ليس واجباً أخلاقياً فقط، بل هو التزام بضبط الخطاب وفق مقتضياته، وشعور بالخجل لتفوّق مواطنية أهل المقاومة على سواهم، وبعقدة النقص والذنب تجاه الذين سبقوا سواهم في التضحية لأجل الوطن، وتفوّقاً بوطنيتهم ومواطنتهم، وإذا تسامحنا بهذا الطلب المحق، وتسامحنا معه بطلب محق آخر، وهو أنّ أراضي محتلة لا تزال تحت الاحتلال في مزارع شبعا، ولا يجب أن يستهين أحد بفرضية استردادها دون امتلاك القوة، وأنّ الإرهاب الذي تلقى ضربات بنيوية لا يبدو غائباً عن المشهد مع استعادة حيويته في الكثير من الساحات، لكن منعاً للسجال حول قضايا إشكالية وطلباً لوضوح المواقف سنكتفي بطلبين إثنين من كلّ الذين يلتقون بالحديث عن السلاح كعبء على لبنان واللبنانيين، سواء دعوا لحسم أمره سريعاً او ربطوا النزاع تحت عنوان الحرص على السلم الأهلي، وقالوا بجعله موضوعاً للحوار تحت شعار استراتيجية وطنية للدفاع، لا يبدو أنها تهدف لما يقوله اسمها بل باتت اسماً مموّهاً لطرح مصير سلاح المقاومة.

الطلب الأول هو أن يجيب طرفا الاعتراض، الوقحون والخجولون، على سؤال يتصل بمصلحة اقتصادية ومالية لبنانية حيوية، طالما انّ الكلّ صار عقله في جيبه ويحدثنا عن المصالح، واسترضاء الدول التي تملك مالاً ولو على حساب الكرامة الوطنية، والسؤال هو هل أنتم تؤمنون بأنّ لدى لبنان ثروات من النفط والغاز تشكل اليوم ركيزة رئيسية في أيّ خطة نهوض وإنقاذ، بصفتها مصدراً لعائدات بمليارات الدولارات، التي لن تبلغها كلّ المساهمات والقروض الموعودة من التسوّل والاستجداء والخضوع، واذا كان الجواب نعم وهو كذلك، فتتمة السؤال هي هل تعتقدون أنّ “إسرائيل تتربّص يهذه الثروة، وأنّ الدول الغربية الفاعلة، سواء التي تتقدّم كوسيط في المفاوضات كأميركا أو التي تملك شركات تدير التنقيب كفرنسا، منحازة بالأصل الى جانب “إسرائيل” وتدير موقفها على جدول الأعمال “الإسرائيلي”، واذا كان الجواب نعم وهو كذلك، تصير نهاية السؤال هل لدى لبنان ما يجبر “إسرائيل” على التفاوض بدل سرقة الثروات اللبنانية بقوة الأمر الواقع، وما يجبر أميركا وفرنسا على التوسط والبحث عن حلول ترضي لبنان، غير قوة المقاومة وقدرتها على تهديد أمن “اسرائيل” ومنصاتها للتنقيب عن النفط والغاز وخطوط نقله، واذا كان الجواب نعم وهو كذلك، هل من مصلحة وطنية تبرّر التشارك بإضعاف هذه القوة ولو بكلمة، وهل يصبّ كلّ سوء يُقال بحق هذا السلاح من لبناني مسؤول او غير مسؤول في مصلحة تعزيز موقف “إسرائيل” التفاوضي، وإضعاف موقف لبنان، وإذا كان الجواب هو نعم وهو كذلك، ننتظر تفسيركم وبدائلكم يا عباقرة؟

الطلب الثاني هو ان يجيب طرفا الاعتراض العلني والمستتر، على سؤال يتصل بمستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، طالما انّ الكلّ يؤكد صبح ومساء على خطر التوطين والتمسك برفضه ولو من منطلقات عنصرية في عقول البعض، وأول السؤال هو هل لدى أحد من شك بأنّ الرؤية “الإسرائيلية” ومن ورائها كلّ الغرب وكثير من الحكومات العربية لإنهاء القضية الفلسطينية أو حلها، يقوم على توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم ومنها لبنان، وأنّ زمن التطبيع العربي “الإسرائيلي” أسقط التضامن العربي حول ما عُرف بالمباردة العربية للسلام التي نصّت على عودة اللاجئين بناء على طلب لبنان ممثلاً بالرئيس إميل لحود، ما جعل التوطين مشروعاً داهماً، وإذا كان الجواب نعم وهو كذلك، يصير الجزء الثاني من السؤال هل تشكل المقاومة في لبنان وسلاحها عقبة رئيسية أمام تقدم الرؤية “الإسرائيلية” لحلّ القضية الفلسطينية أو إنهائها، ومن ضمنها التوطين، واذا كان الجواب نعم وهو كذلك، تصير تتمة السؤال، هل يملك لبنان مصدر قوة يفرض على العالم أن يأخذ رفضه للتوطين بعين الإعتبار غير قوة المقاومة وسلاحها، واذا كان الجواب نعم وهو كذلك تصير نهاية السؤال، ألا يقع كلّ إضعاف للمقاومة وسلاحها ولو بكلمة، تعزيزاً للأمل “الإسرائيلي” ومن مع “إسرائيلمقالا” من الغرب والعرب، بوجود فرصة بديلة للأخذ بمطلب لبنان بعودة اللاجئين بدلاً من توطينهم، وهو الاستثمار على الداخل اللبناني لإضعاف المقاومة والطعن بسلاحها، ولأنّ الجواب هو نعم، تصير الخلاصة ألا تخجلون من وطنيتكم وأنتم تلعبون لعبة رخيصة بحسابات رخيصة وتصيبون وطنكم في الصميم، فما هو شعوركم بأنّ “الإسرائيلي” يصفق لكم ويبتسم عندما يسمعكم، وقحين وخجولين، أو هاتوا بدائلكم يا عباقرة؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أصحاب الحياد والفيدرالية يريدون الفوضى فقط

 ناصر قنديل

منذ سنتين وفي أعقاب أحداث 17 تشرين 2019 ، خرجت بقوة ووضعت في التداول نظريات سياسية وتبنتها مراجع كبيرة، ما أوحى بجدية هذه الطروحات من جهة، وأنشأ جدلاً واسعاً حولها بين مؤيد ورافض، ولدى تفحص هذه الطروحات ستظهر من بينها دعوة الحياد والدعوة للفدرالية في المقدمة، ويظهر فوراً أنهما كغير طروحات مشابهة تنطلقان من سياق تفكيري واحد، هو السياق الذي بنيت عليه الحملة الأميركية ضد المقاومة، وقوامها تحميل المقاومة مسؤولية الأزمات القائمة في البلد، بينما تبدو وظيفة الدعوات المرافقة تثبيت معادلتين في اللاوعي الجمعي لجماعات لبنانية، الأولى ربط مشكلات لبنان بالمقاومة، والثانية تأكيد استحالة العيش مع المقاومة وطروحاتها، أكثر مما هو السعي لتحقيق هذه الطروحات، التي يبدو لدى تفكيك منطقها، أن الحوار الوطني بين المقاومة ومخالفيها طريق أقصر للتفاهم من الدعوة المسبقة للطلاق المستحيل.

النظر في الدعوة للحياد بمعزل عن صحتها، من زاوية واقعيتها، أي قابلية تحقيقها، يبدأ من طرح سؤالين، الأول يتصل بشرط التقدم بها نحو الخارج المطلوب موافقته ودعمه وحماسته، والشرط هو وجود توافق وإجماع وحماسة في الداخل لحساب الدعوة للحياد، والتدقيق في هذا الشرط في البحث عن الحد الأدنى للحد الأدنى لأدنى إمكانيات التوافق  من دون طلب الحماسة، سيوصلنا إلى أن التلاعب بمفهوم الحياد لوضع استثناء رئيسي فيه هو العداء مع «إسرائيل»، يمكن أن يزيل بعض التحفظات الداخلية على الدعوة، ويمنع تحول الدعوة للحياد من دون مراعاة هذا الشرط التوافقي سيذهب بلبنان إلى حرب أهلية وحرب مع سورية، التي لا يمكن لطلب الحياد أن يحظى بالجدية من دون موافقتها وفقاً للقواعد القانونية لطلبات الحياد، وعندما ننطلق من إجماع داخلي مشروط بالعداء لإسرائيل نحو الخارج ونسأل ما هو الشرط الخارجي الذي يضمن الحد الأدنى من الحد الأدنى لأدنى مقومات القبول الغربي، خصوصاً الأميركي بحياد لبنان، سنجد أنه بوضوح لا لبس فيه أن يكون هدف الحياد هو الحياد عن الصراع مع «إسرائيل»، ويسهل علينا هنا معرفة أن دعوة الحياد مفخخة يتكفل شرطها الداخلي وشرطها الخارجي بتفجير فرصها من الطلقة الأولى.

الدعوة للفيدرالية تنطلق بلسان الدعاة إليها من شروحات نظرية وقانونية، كما هو الحياد، لمنح النظرية شرط الفخامة، فيشرحها متخصصون قانونيون درسوا النموذج السويسري، ويسرفون في شرح الكيفية التي تدار بها المقاطعات والكانتونات، ومقابلهم آخرون درسوا النموذج البلجيكي ويقفون يباهون بقدرته على إدارة التنوع، فيجيبون على سؤال غير السؤال المطروح، ويبقى السبب في مكان والنتيجة في مكان، فمنطلق البحث في الفيدرالية سياسياً هو القول إن سياسات المقاومة لا تلقى إجماع اللبنانيين، وأن جماعات لبنانية طائفية غير مستعدة لتحمل تبعات هذه السياسات، سواء لجهة ما ينتج من أزمات مع  الدول العربية والغربية أو ما يترتب على الاقتصاد واستطراداً وضع الليرة، ومن هنا تطرح الفدرالية كجواب خاطئ على سؤال خاطئ، أو بأحسن الأحوال جواب خاطئ على سؤال صحيح، أو جواب صحيح على سؤال خاطئ، لكنها قطعاً ليست الجواب الصحيح على السؤال الصحيح، فبعيداً من صحة وعدم صحة ربط الأزمات بخيارات المقاومة، لا تشكل الفيدرالية  ببساطة جواباً صالحاً، لأنها تقوم على وحدة السياسات الدفاعية والخارجية ووحدة العملة الوطنية، بينما تتيح الفيدرالية تطبيق مقاربات مختلفة لشؤون داخلية مثل قوانين الأحوال الشخصية، والضرائب، واللغات والديانات سواها من مظاهر التنوع، لحساب احتفاظ الدولة الفيدرالية الجامعة بسياسة دفاعية وسياسة خارجية وعملة موحدة، فمن يريد التخلص من عائد السياسات الخارجية والدفاعية والتحرر من تبعات ذلك على العملة لن تفيده الفيدرالية بشيء.

الطريق المسدود لهذه الدعوات لا يبدو خافياً عن أصحابها، لكنهم على رغم ذلك يقومون بتكرارها والتشبث بها، بحيث يبدو العائد الوحيد لطروحاتهم، هو تكريس الانقسام، وزرع فكرة اليأس من تحقيق التفاهم بين اللبنانيين، وزرع نظرية تحميل المقاومة مسؤولية الأزمات، وهذه كلها وصفات للفوضى وليس للاستقرار.

فيديوات متعلقة

اخبار متعلقة

أمين عام حزب المقاومة وأمين عام حزب الحياد

 ناصر قنديل

لا تعني الصفة الدينية التي يحملها كلّ من البطريرك بشارة الراعي والسيد حسن نصرالله، أن ما يقوله كل منهما يملك قدسية المكانة الدينية التي يمثلانها، أو ان ما يقولانه يمثل الطائفة التي ينتميان إليها ويجعل كل تباين بينهما أساسا لتصادم قدسيتين دينيتين أو طائفتين لبنانيتين، أو حربا دينية، ولا يعني أن الكلام الصادر عن كل منهما يملك قدسية الموقع او النص الديني، ما يجعل رأي كل منهما محميا بالحرم الديني ويحوّل كل نقاش لهذا الراي الى تجديف، فطالما أنهما يتناولان قضايا سياسية ووطنية، فهما مرجعيتان وازنتان محترمتان تطرحان آراء ومواقف في التداول أمام الرأي العام للتأثير على قناعاته واصطفافاته، وله بكل طوائفه وتياراته أن يتبنى وأن يرفض، أن يتفق وأن يختلف، وأن يناقش ويقارن ويبني الاستنتاجات.

عندما نجرد كل من الشخصيتين من الصفة الدينية والزي الديني، يبدوان كوريثين لتيارين تناوبا على قيادة الرأي العام في لبنان خلال مئة عام، تيار المقاومة وتيار الحياد، فيبدو السيد نصرالله كأمين عام لحزب المقاومة، كحزب فكري عابر للطوائف والمناطق بين اللبنانيين، خلال قرن مضى، يضمر وينمو، يتراجع ويتقدم، ويبدو البطريرك الراعي كأمين عام لحزب الحياد كحزب فكري عابر للطوائف والمناطق يقدم للبنانيين مشروعاً سياسياً لقضايا السيادة وبناء الدولة، هو الآخر يضمر وينمو، يربح ويخسر، يتقدم ويتراجع.

خلافاً للظاهر الذي يحمل خداعاً بصرياً، بحيث يظن البعض أن تيار الحياد يطرح اليوم حلاً لمشكلة اسمها نتائج وجود سلاح المقاومة، فإنّ الحقيقة هي أن تيار الحياد كان يقود لبنان ويحكمه طوال القرن الماضي، وأن فشله في حماية لبنان من العدوان “الإسرائيلي” ولاحقاً من الاحتلال، وفشله في فرض الإنسحاب الإسرائيلي كما كان يعد بنظرياته عن دور العلاقات الدولية التي يوفرها ضعف لبنان، ينأى بلبنان عن امتلاك أسباب القوة العسكرية سيكون بوليصة تأمين لسيادة لبنان، هو الذي شكل أساس مشروعية وشرعية نشوء المقاومة التي تشاركت فيها أحزاب وتيارات لبنانية عديدة، وورث تجربتها وطوّرها حزب الله وجعلها قوة عظمى، حتى نجحت بفرض الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان، ووفرت أمناً واستقراراً على الحدود خلال خمسة عشر عاماً مضت بعد تظهير قدرة الردع لدى المقاومة في حرب تموز 2006، من دون أن يملك حزب الحياد أي تجربة عملية تمسح خيبات تجربته السابقة، وتثبت وجود شيء جديد يتيح لها أن تضاهي تجربة المقاومة في التحرير والدفاع والردع، وتثبت أهليته لضمان ذات النتائج دون سلاح المقاومة.

في خطاب أمين عام حزب المقاومة أول أمس وفي خطاب أمين عام حزب الحياد أمس، مناظرة ضمنية بين منطقين كاملين، جديرة بالتوقف من اللبنانيين، بعقل بارد، حيث الانحياز إلى أي من الخطابين هو انحياز لوقائع لا لعقائد، ولمعيار مصلحة وطنية لا لهوية طائفية أو قدسية دينية، والإختلاف مع الخطاب الآخر ورفضه هو رفض لمنطق خاطئ او لإشتباه في التشخيص المناسب للوقائع، وليس اصطفافا في خندق طائفي بوجه خندق آخر، ولا انتقاص من قيمة مرجعية دينية وتعظيم لمكانة مرجعية دينية أخرى، إنه خيار وفقا لتقابل الوقائع بين مشروعين يريد كل منهما أن يقول للبنانيين انه الأصلح لمواجهة شيء يخصهم هم، ويخصهم بذات القدر وبذات المستوى ومن ذات الوجهة بكل طوائفهم وعقائدهم، بصفتهم لبنانيين فقط، بحيث ان مواقفهم تجاه كل من المشروعين يجب أن تنبع من صفتهم المشتركة كلبنانيين يختارون الأصلح لهم، وفقا لصحة ودقة الوقائع التي تضمنتها سردية كل من الخطابين لهذه الوقائع حصرا.

يقول أمين عام حزب المقاومة، أنّ استقراراً استثنائياً غير مسبوق ساد الحدود الجنوبية توقفت معه الاعتداءات “الإسرائيلية”، التي لم تهدأ طوال عقود طويلة، وأن ذلك تمّ بفضل امتلاك المقاومة لسلاح يحقق توازن الردع، وهذه واقعة صحيحة، ويقول أمين عام حزب الحياد إن سلاح المقاومة الذي أطلق بعض صواريخه تحت شعار تثبيت معادلة الردع، لا يحمي لبنان بل يستدرجه الى الخطر والحرب وقد سئم اللبنانيون وتعبوا من الحروب، وتقول الوقائع التي تلت فعل المقاومة أن ما حذرنا من وقوعه أمين عام حزب الحياد لم يقع، وأن جيش الإحتلال ارتدع، وبالنظر للوقائع وليس لغيرها، تثبت صحة مقاربة أمين عام حزب المقاومة ويخسر أمين عام حزب الجياد الجولة.

يقول أمين عام حزب المقاومة إن صواريخ تثبيت معادلة الردع جاءت لأنّ الاحتلال حاول كسر هذه المعادلة باستقدام طائراته لتنفيذ غارات جوية للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، والإحتلال كان قد رد على الصواريخ المجهولة قبل ساعات بقذائف مدفعية كما جرت العادة ضمن قواعد الاشتباك المعمول بها، وجاء استهداف مناطق مفتوحة بالغارات كما ورد في بيان جيش الاحتلال ليؤكد أن المقصود هو الغارات بذاتها وليس أهدافا لا يمكن استهدافها إلا بالطيران، وان هذا التغيير الخطير استدعى تذكير جيش الاحتلال بأن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك ستعني استحضار معادلة الردع، وهذا معنى الصواريخ التي أطلقتها المقاومة من مناطق مفتوحة وتقصّدت القول إنها استهدفت مناطق مفتوحة، بينما صوّر لنا أمين عام حزب الحياد، ان صواريخ المقاومة كانت تحرّشاً من دون مقدمات، متجاهلا واقعة دخول سلاح الطيران على الخط، والوقائع أمامنا تجعلنا نميل لمنطق أمين عام حزب المقاومة حكما.

يقول أمين عام حزب الحياد أنه لم يعد مقبولا أن يستولي طرف على قرار السلم والحرب، الذي يجب أن يكون حصرا بيد الدولة، لكن أمين عام حزب الحياد لم يقل لنا إن كان القرار بيد الشرعية قبل ظهور المقاومة وفي زمن كانت الدولة تحت امرة حزب الحياد، أم أنه كان بيد جيش الإحتلال وحده، وطالما أن لا مشروع على الطاولة للسلم، كما يؤكد أمين عام حزب الحياد ويؤكد أمين عام حزب المقاومة، فالقضية المطروحة هي قرار الحرب، وهو قرار لم يكن بيد الدولة يوماً، والذي كان أن جيش الإحتلال كان يملك وحده حصرا هذا القرار فيعلن الحرب ساعة يشاء ويقوم بالأعمال الحربية ساعة يشاء، والذي تغير في زمن المقاومة الذي ورث زمن فشل الحياد، هو شل قدرة جيش الإحتلال على شن حرب أو القيام بأعمال حربية، وليس امتلاك قرار الحرب، وأمين عام حزب المقاومة يقول أول أمس نحن لا نريد حرباً لكننا نثبت معادلة ردع العدو عن شن الحرب، فهل نلام إذا قلنا إن الوقائع تميل لصالح كفة منطقة، خصوصاً ان حرص أمين عام حزب الحياد على امتلاك الدولة عبر جيشها لقرار الحرب لم يترجم بدعوة الجيش للرد على الغارات الجوية بل بتجاهل حدوث الغارات، ودعوة الجيش لمنع اطلاق صواريخ المقاومة ردا على الغارات؟

يقول أمين عام حزب الجياد أن على الجيش اللبناني أن يمنع إطلاق الصواريخ، ومنعاً للالتباس يضيف من بين السكان، كي لا نفهم أن المقصود الصواريخ المجهولة التي أطلقت قبل يومين من مناطق مفتوحة، ولنفهم أن المقصود هو صواريخ المقاومة التي أرادت الرواية المتداولة من حزب الحياد تعميمها بعد حادثة شويا للقول أن المقاومة أطلقت صواريخها من بين السكان، وهذا القول خطير جدا، لأنّ أمين عام حزب الحياد لم يكتف بمناقشة طروحات ومواقف حزب المقاومة، ولم يختم أطروحته بالدعوة لحوار وطني للتفاهم على القضايا المختلف عليها، بل توّج سرديته بالدعوة لعمل حربي يؤدي الى حرب أهلية مدمّرة يتواجه خلالها أعظم ما لدى لبنان، جيشه ومقاومته، وفيما هو يبدي حرصه على تظهير تعب اللبنانيين من الحروب ليرفض رد المقاومة على الغارات العدوانية، متهماً هذا الردّ باستجلاب حرب لم تقع ولم تصدق نبوءته بوقوعها، بقدر ما صدق وعد أمين عام حزب المقاومة بقدرتها على تثبيت الردع، لا يرفّ جفن أمين عام حزب الحياد وهو يدعو لحرب ستقع حكماً إذا أخذ بدعوته بتصدي الجيش للمقاومة، متجاهلاً تعب اللبنانيين من الحروب، فهل تعب اللبنانيين محصور بالحرب مع الإحتلال، وهم سيقبلون بفرح على الحروب الداخلية، بينما في المقابل كان أمين عام حزب المقاومة يقدّم لنا صورة مسؤولة عالية النبض بالترفع والتحمّل والصبر وهو يتحدث عن أحداث خطيرة كانت بوابات أكيدة للحروب الداخلية، لولا حكمته النادرة وصبره العظيم، ويقول ان اخطر ما يمكن ان نشهده هو التورط في حرب داخلية، فهل سنتردد في القول اننا ننحاز الى أمين عام حزب المقاومة، ونرفض دعوة أمين عام جزب الحياد؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لبنان: الكارثة المتفاقمة والحلول الغائبة!؟

العميد د. امين محمد حطيط

في العام 1967 أحجم لبنان عن دخول الحرب التي شنّتها «إسرائيل» على دول الطوق يومها بذريعة الضعف وعدم القدرة الدفاعية التي تحمي أرضه، ولما انتهت الحرب بعد أيامها الستة المعدودة ارتدّت «إسرائيل» على لبنان فألغت اتفاقية الهدنة معه من جانب واحد وشرعت في قضم أرض لبنانيّة في مزارع شبعا، القضم الذي استمرّ حتى العام 1973، حيث سيطرت «إسرائيل» على كامل المزارع ولم يحرك لبنان ساكناً خشية أن يُضمّ إلى القرار 242 ويضطر للتفاوض على الأرض ويسقط الحدود الثابتة باتفاقية «بوليه نيوكمب» 1923 والمؤكد عليها باتفاقية الهدنة 1949. ومن جهة أخرى نذكر أيضاً بأنّ لبنان الذي لم يشارك في حرب 1967 والتزم سياسة الحياد فيها من أجل حماية اقتصاده على أبواب فصل الصيف يومها وجد اقتصاده بعد الحرب ينهار ويظهر بأنه ضحية لتلك الحرب التي وضعت حداً للطفرة والنمو الاقتصادي اللبناني وتسبّبت بزعزعة أركانه أو لنقل هزة كبرى غيّرت مسارات النمو ووضعت حداً للبحبوحة. 

بدأت بذكر هذه الواقعة اليوم ليس من أجل السرد التاريخيّ طبعاً، ولكن من أجل الإشارة إلى حقيقة ثابتة في تاريخ لبنان مفادها القول إنّ تجنّب المواجهة أو الاتجاه إلى الحياد أو كما يُقال ابتداعاً وخرافة لبنانية «النأي بالنفس»، أنّ كلّ ذلك لا يضمن دائماً الحقوق ولا يؤدّي إلى حمايتها ولا يمكن من استرجاعها إنْ اغتصبت، خاصة إذا كان العدو الذي يهدّد تلك الحقوق من نسخة وطبيعة العدو «الإسرائيلي» وكان المُعتدى عليه دولة كلبنان واهنة هشة في نظامها وسلطتها وماليتها. اليوم تكاد الصورة ذاتها تستعاد، إذ إنّ لبنان الرسمي وفي مواجهة الحرب الكونية التي شنّت على سورية وعلى محور المقاومة زعم انه التزم سياسة «النأي بالنفس»! وهي أغرب بدعة يمكن أن يتسامع بها في العلاقات الدولية، خاصة اذا كانت الدولة متشابكة مع محيطها اللصيق في الجغرافية والتاريخ والديمغرافية والاقتصاد، ولو لم تبادر المقاومة لامتشاق السلاح والدفاع عن لبنان على الأرض السورية ابتداء ثم على الأرض اللبنانية هي والجيش اللبناني بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، لكان الإرهابيون فعلوا في لبنان ما سبق لهم وارتكبوه من جرائم القتل والتشريد والتخريب والتدمير التي ارتكبوها في سورية والعراق. 

لقد استطاعت المقاومة بقرارها الأوّلي الذي لم يتوقف عند «سياسة النأي بالنفس» الغبية، أن تحمي لبنان من الإرهاب، لكن الحرب الكونيّة التي قادتها أميركا ومعها «إسرائيل» ضدّ سورية لم تكن عسكرية فقط، بل تعدّدت صنوفها وسقوفها وأشكالها وشملت في ما شملت الحرب الاقتصادية والإرهاب الاقتصادي، وهنا بدل أن يساهم لبنان في تخفيف آثار العدوان على سورية ويدافع عن نفسه عبرها خاصة بعد أن وضع قانون قيصر الأميركي موضع التنفيذ وهو القانون الذي ادّعت أميركا كذباً انه لا يمسّ لبنان، فقد كان العكس تماماً حيث ساهم الممسكون بالقرار الاقتصادي والمالي في لبنان في الحرب على سورية بشكل إجرامي وحرموا السوريين من أموالهم المودعة في لبنان كما حرموا المودعين اللبنانيين أيضاً من مالهم وطبّقوا «قانون قيصر» بشكل أسوأ مما كان يطلب واضعوه الأميركيون، وظنّ هؤلاء جهلاً او ارتهاناً بأنّ في ذلك كسباً للرضا الأميركي وصيانة للاقتصاد اللبناني، وأغفل هؤلاء أيضاً ما حاكته أميركا للبنان من خطة عدوان هي خطة بومبيو التي تتضمّن الانهيار الاقتصادي والمالي. 

وهكذا تأكد على أرض الواقع بأنّ الحرب الاقتصادية على سورية شملت لبنان وكشفت عوراته الاقتصادية والمالية دفعة واحدة وأظهرت على الطبيعة الكارثة الاقتصادية الحقيقية التي يعيشها لبنان بسبب نهب الأموال العامة من قبل المسؤولين وبسبب الفساد المستشري في الإدارة العامة وعلى كلّ الصعد، وبسبب سياسة الامتيازات والاحتكارات والوكالات الحصرية، وبسب السرقات المبرمجة بما أُسمي الهندسات المالية التي وضعها حاكم مصرف لبنان ما أدّى إلى إثراء المصارف وإغنائها من مال المودعين من لبنانيين وغير لبنانيين ومنهم سوريين قيل إن رصيد ودائعهم في لبنان تخطى الـ 25 مليار دولار. هكذا وبلمح البصر انكشف الاقتصاد اللبناني وظهر وهنه وخواؤه وظهرت الطبقة السياسية والاقتصادية والمالية على حقيقتها بأنها زمر من اللصوص منهم الكثير من العملاء للخارج، والفاسدون المفسدون الذين قادوا لبنان إلى الانهيار والجوع والبطالة والويلات. 

لم تكن الحرب الاقتصادية على سورية وخطة بومبيو الإجراميّة هي السبب الوحيد للانهيار الاقتصادي اللبناني، بل كانت تلك الحرب أحد الأسباب التي فاقمت الأزمة والسبب الرئيسي الذي كشف عن الحقيقة. وشكلت رداً مباشراً وعملياً على أولئك الذين فاخروا بسياسة النأي بالنفس وقاطعوا سورية وامتنعوا حتى عن الحديث معها لا بل إنّ مسؤولين كباراً يعلم القاصي والداني أنّ الرعاية السورية هي التي بنت لهم مواقعهم وأنتجت لهم أمجاداً يتغنون بها الآن، قاطعوا سورية وعملوا مع أميركا ضدها بشكل بشع. 

إنّ مأساة لبنان باتت حقيقية كارثية قائمة، والكارثة الأفظع هي عدم الاعتراف بالمسؤولية عنها والإصرار على التمسك بالأشخاص والأساليب ذاتها التي أدت إلى الكارثة، متناسين الحكمة القائلة بانّ «المقدمات ذاتها تؤدي إلى النتائج ذاتها» أو أن تطابق المقدّمات يحكم بتطابق النتائج، وبالتالي فإنّ تماثل الأشخاص والأدوات والأساليب يؤدّي إلى نتائج متماثلة. وفي حالنا يعني أنّ لبنان سيكون أمام مأساة تتفاقم وليس أمام إشكالية يتبعها حلّ. 

والغريب في الأمر أنّ من يتفحّص مسارات وآلية البحث عن حلّ لمأساة لبنان يصاب بالذهول، حيث إنه يجد أولاً أن المتسبّبين بالكارثة هم أنفسهم يستأثرون بالبحث عن حل بعد أن أوكل إليهم أمر الإخراج منها، وأنّ أدوات إنتاج الكارثة هي نفسها الأدوات التي يتمّ التمسك بها والأفظع من ذلك هي الدعوة أو الإصرار على سياسة العزلة والنأي بالنفس أو ما ابتدع بتسميته «الحياد الناشط» الذي ليس له مكان في القانون إلا في أوهام وخيال مَن يطلقه. 

أما الحلّ الذي نراه فإنه يجب أن يُرسى على قوائم ثلاث تتمثل بإصلاح سياسي واقتصادي ومالي. ففي السياسة لا بدّ من تغيّر أو إصلاح جذري يضع حداً للطبقة السياسية الفاسدة التي ترفع شعار حقوق الطائفة وتنهب أموال الطائفة والوطن والمجيء بمن يعمل للوطن والدولة والشعب ولا يكون مطواعاً للخارج. وفي الاقتصاد يجب أن يقوم الإصلاح على شقين أو فرعين فرع في الماهية وعبره نتحوّل إلى الاقتصاد الإنتاجي الذي قضت عليه سياسات ما بعد 1992، وفرع استراتيجي يقوم على الاندماج الاقتصادي التكاملي مع المحيط وبشكل خاص الدول العربية الثلاث التي توجّه اليها الرئيس ميشال عون بمبادرته طارحاً السوق الاقتصادية المشرقية، (بدأت مصر مع الأردن والعراق بهذا التعاون الفاعل وندعو إلى انضمام لبنان وسورية لهما) كما والانفتاح على الشرق بشكل عام وعلى الصين وإيران وروسيا بشكل خاص مع وضع حدّ لسياسة الاحتكارات والتبعية للغرب. وأخيراً الإصلاح النقديّ الذي يجب أن تقوم به لجنة من الخبراء يضع حداً للدولرة ويعيد إلى القطاع المصرفي الثقة ويحرر أموال المودعين أو على الأقل يضع جدولاً زمنياً لإعادتها حتى ولو طال الوقت بضع سنين، فالمهمّ ألا تضيع. 

هذه برأينا الخطوط الكبرى للحلّ، لكن للأسف لا نرى مَن يسعى اليه بشكل يدعو إلى طمأنينة ما بل نرى استشراء في النهب والسيطرة واستباحة الدولة الأمر الذي يطرح السؤال: متى يتحرّر اللبناني من زعيمه الجلاد، ومن مرجعيته الخارجية الظالمة المستبدة ويعمل باستقلالية القرار وليس بالحياد التافه، يعمل بإرادة وقرار مستقلّ من أجل نفسه ووطنه؟ وهل ستبقى الحلول غائبة حتى تلك اللحظة؟ 

دعوة للحياد بين محوري الحق والباطل أم دعوة للانحياز إلى قوى الباطل… ومحاولة الاستقواء بها لتغيير وجه لبنان المقاوم

حسن حردان

انّ الدعوة التي أطلقت لعقد مؤتمر دولي تحت عنوان حياد لبنان، ليست في جوهرها، سوى دعوة للحياد بين محور الحق الذي تجسّده قوى المقاومة والتحرر في المنطقة، ومحور قوى الباطل الممثلة بالاستعمار والرجعية العربية، بل يمكن القول هي دعوة يائسة لن يُكتب لها النجاح لأنها تبغي الاستقواء بالدول الكبرى، وعلى وجه الخصوص الدول الغربية الاستعمارية منها، لإعادة فرض الوصاية على لبنان لتحقيق الانقلاب السياسي على المعادلة الداخلية بما يؤدي إلى تغيير وجه لبنان العربي المقاوم، والتخلص من المقاومة المسلحة والشعبية، التي حرّرت الأرض وهزمت جيش العدو الصهيوني، وجعلت من لبنان قوة رادعة تحميه من العدوانية الصهيونية وأطماعها في ثروات لبنان من نفط وغاز ومياه، هذه المقاومة التي بات كيان الاحتلال يحسب لها ألف حساب، ويخاف من تنامي قوّتها وامتلاكها الصواريخ الدقيقة الكاسرة للتوازن في الصراع معه، فأصبحت هاجسه، يسعى ليل نهار إلى التخلص منها عبر تحريك الدول الغربية للضغط على لبنان لدفع القوى المحلية التابعة له لإثارة الفتنة ضدّ المقاومة وسلاحها، بدعوة انّ «حزبها يهيمن على الدولة بواسطة السلاح»، وانّ رئيس الدولة العماد ميشال عون متحالف معه ويساعده في ذلك.. والهدف الذي يسعون إليه من وراء ذلك إنما هو محاولة لإعادة لبنان إلى الزمن الذي كان يتغنّى فيه البعض بمقولة «قوّة لبنان في ضعفه»، ليكون مجدّداً تحت الوصاية الاستعمارية الغربية الكاملة… ومسرحاً للاستباحة الصهيونية…

وإلا بماذا يفسّر الحديث عن وجود جيشين في لبنان، والدعوة إلى تحرير الدولة، وممن؟ سوى محاولة واضحة للتناغم مع الدعوات الأميركية الغربية الهادفة إلى نزع سلاح المقاومة عبر فرض تطبيق القرار 1559 الذي يصف المقاومة، بأنها ميليشيا مسلحة تمنع الدولة من بسط سيطرتها وسلطانها على كامل أراضيها، ويدعو الى نزع سلاح المقاومة باعتباره، حسب وصف القرار، عقبة أمام ممارسة الدولة لسلطتها الشرعية.. وأكثر من ذلك فإنّ الشعارات التي رفعت في ساحة بكركي، وصلت حدّ الدعوة إلى إخراج المقاومين ومؤيدهم من لبنان، من خلال ترديد شعار، «إيران برا برا»، أيّ أنه يُراد تضليل الرأي العام بالقول له، انّ المقاومين ومن يقف معهم هم جالية إيرانية وليسوا لبنانيين أقحاح يدافعون عن أرضهم ووطنهم وكرامتهم في وجه العدو الصهيوني والاستباحة الأميركية الغربية للسيادة اللبنانية، التي ينتهكها يومياً سفراء الدول الغربية في لبنان، ويهلل لهم «السياديون الاستقلاليون» الذين يرون انّ السيادة تتحقق عبر تلزيم لبنان للغرب، وأن يحكم من خلال مندوبين ساميين، أميركي وفرنسي.. في اشتياق من قبلهم للعودة إلى حكم القناصل، عندما كان لبنان خاضعاً لسيطرة سفراء الدول الاستعمارية الكبرى، في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. وقد سمعنا ذلك الحنين إلى الماضي الاستعماري، عندما جاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت

إنّ لبنان الذي انتصر بقوة معادلته الذهبية «جيش وشعب ومقاومة»، لا يمكن أن يتخلى عن سلاح قوّته ويكون محايداً في الصراع مع أعدائه الحقيقيين، الكيان الصهيوني وقوى الإرهاب التكفيري، المصنعين أميركياً ومن الأنظمة العربية الرجعية، الذين هزموا في حربهم التي شنوها تحت غطاء الربيع العربي، للقضاء على دول وقوى المقاومة، وفشلوا في إثارة الفتن ضدّهم، والسيطرة على أجزاء من لبنان لتحويلها إلى قاعدة لنشر فكرهم المتوحّش، وتهجير المسيحيين خدمة للمخطط الصهيوني العنصري الاستيطاني، الذي يريد إنشاء كيانات طائفية على شاكلته لتبرير القيام بتهجير جديد لأبناء فلسطين المحتلة وإعلان الدولة اليهودية العنصرية

اليوم بعد أن أخفقت محاولات استغلال الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين 2019، لإحداث انقلاب مماثل في أهدافه لانقلاب 2005، جرى استحضار الدعوة للتدخل الدولي للاستقواء به لفرض هذا الانقلاب تحت شعار حياد لبنان

انّ الأكثر وطنية وانتماء للوطن، هم من يقدّمون التضحيات ويستشهدون في سبيل تحرير أرضهم والدفاع عنها، في حين أنّ الأكثر خيانة وعمالة هم الذين يقبلون بأن يكونوا أدوات في خدمة أعدائهم يتآمرون على وطنهم والمدافعين عنه.. فهؤلاء خونة لوطنهم وشعبهم لا انتماء وطني لهم

ثم انّ الأكثر حرصاً على الدولة هو من يدافع عنها ويحميها ويقوّيها ويمكّنها من استعادة سيادتها وبسط سلطانها على أراضيها المحررة، بعد تحريرها، كما فعلت المقاومة بعد إنجاز تحرير معظم المناطق اللبنانية في الجنوب والبقاع الغربي، التي كانت تحت الاحتلال الصهيوني عام 2000، وكذلك فعلت بعد تحرير السلسلة الشرقية من احتلال الإرهابيين عام 2017.. وليس حريصاً على الدولة من سعى إلى إقامة الفدرالية وسيطر على مرافئ الدولة وقام بجباية الضرائب خلال الحرب الأهلية، ويعمل اليوم على منع تحرر الدولة من الارتهان والتبعية للدول الغربية الاستعمارية، ويسعى إلى تكريسهما، والتخلص ممن يكافح لتعزيز قوة الدولة وتحقيق الاستقلال الوطني، السياسي والاقتصادي، بعد أن جعل من لبنان، الصغير بمساحته، قوة تصنع الكرامة والعزة وترفع رأسه عالياً بين الأمم وترفع من منسوب اهتمام العالم به..

إنّ المقاومة هي التي أثبتت أنها الأحرس على تحرير الدولة من التبعية والارتهان المحتلين والمستعمرين، وتحرير الإرادة الوطنية من الوصاية الخارجية وجعلها حرة في اتخاذ القرارات التي تحقق المصالح الوطنية للبنان وجميع اللبنانيين

انّ مشهد الحشد في ساحة بكركي، الذي طغى عليه الحضور القواتي، طبع بالشعارات المسمومة ضدّ المقاومة والدول التي مدّت يد المساعدة للبنان ودعمته لإعادة إعمار ما دمّره الاحتلال الصهيوني خلال احتلاله واعتداءاته، كشف انّ الهدف الحقيقي من عراضته في ساحة بكركي انما محاولة استغلال بكركي وتحويلها إلى منصة لإطلاق سهامه ضدّ المقاومة وحليفها الوفي فخامة رئيس الجمهورية، في تنفيذ أمين لتوجهات واشنطن وخطتها الخبيثة لشيطنة المقاومة، ومحاولة النيل من سلاحها الذي يرعب العدو الصهيوني، وتنفيذ انقلاب سياسي ضدّها وضدّ حلفائها، وهي الخطة التي صاغها السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان، وعرضها في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي اثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الثاني من عام 2019..

لكن هؤلاء نسوا انّ أصواتهم باتت نشازاً من الماضي، بعد التحوّلات التي أحدثتها انتصارات المقاومة، وأنّ موازين القوى لم تعد تسمح لهم بتكرار انقلاب 2005، ولا بإعادة لبنان إلى عصور الاستعمار الغابرة، ووصاية الدول الغربية، عبر سفاراتها في بيروت، للتحكم بسياساته وتحويله إلى محمية صهيونية أميركية غربية..

استفيقوا من أحلامكم الخائبة وهلوساتكم… لن تنجح خططكم في إعادة لبنان إلى زمن حكم القناصل.

Escape from reform towards hostile foreign alliances فرار من الإصلاح نحو الأحلاف الخارجيّة المعادية

**English Machine translation Please scroll down for the Arabic original version **

Escape from reform towards hostile foreign alliances

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-67.png

Dr. Wafiq Ibrahim

For more than five decades, religious bodies of all sects have been silently held to support the forces of the Lebanese regime, which bankrupted and robbed the state.

These forces drained the state and people’s funds and throw the homeland on the edge of the abyss, as if they are required to maintain the western direction of Lebanon. It did, and allowed poverty to devour the country, and sectarian powers to swallow everyone.

This scene contrasts with the scene of the popular gathering that the Maronite Patriarch led yesterday in Bkerke, canceling the historical role of Bkerke, turning it into a site that wants to divide the homeland and obstruct the role of the main forces trying to defend it.

It seems that the Patriarch Al-Rahi was terrified by the great national role that Hezbollah and its allies are playing in defending the country against “Israel” and the Western project. The Patriarch believed that the era of internal change had begun to take shape, so he invested the humble crowd to reject any real internal change, intersecting with Western attempts to break Hezbollah’s internal efforts to confront Israel.

What is clear here is that Hezbollah and its allies did not deliberately focus on the issue of internal reform, in order to avoid internal clashes until reaching a historical understandings that provoke communities in depth.

However, His Eminence the Cardinal with his Western sponsors was not convinced of these justifications. To block any internal change he jumped to Bkerke’s festival to serve the Western project against Hezbollah and its allies by supporting the America, Israeli and Gulf supporters.

This is Bkerke’s festival organized by his Majesty yesterday at the Maronite Monastic Headquarters in o block any internal change.

The festival attracted a limited number, such future movement, Lebanese Force and Rifi supporters

In terms of content, the aim is attaching Hezbollah and its allies, without any project to defend Lebanon in the face of Israel’s plans, insisting on preventing any internal change, and full accession to the American project and the intimate relationship with the France, as built since the 19th century, which the Cardinal wants to renew combining a French-Lebanese Alliance – unfortunately gulf-Israeli because it is the only force capable of fighting in the Syrian Lebanese theater.

The Bkerke project is not just an internal offer of an alliance between Bkerke, the Americans and the Gulf, but rather a joining of the American project that seeks to strike at the Iranian-Syrian alliance. In addition, the Al-Rai project is aimed at rebuilding a Lebanese system that excludes the alliance between Hezbollah and the national parties from any approach to the Lebanese regime, even in the slightest rapprochement endeavors. This system was born by the West and, in the view of its Maronite coverage, must remain the same, is this possible?

The Cardinal should realize that the balance of power no longer allows excluding the role of the national parties, which have become an essential part of the Lebanese political interactions with Hezbollah, whether directly or by circumvention.

The comparison here between the nationalist, communist and Nasserist parties shows that their weights have become more prevalent over those sponsored by churches and mosques that receive Gulf billions of dollars.

The Cardinal’s project is therefore very dangerous, because it may lure forces from other sects that may not like his project and see in it a new infiltration of Maronites to seize power in the manner of the twenties of the last century. This is what Walid Jumblatt realizes well in his Progressive Socialist Party and Saad Hariri in his Future Party and his group, Likewise, Geagea, who only thinks about using Bkerke to eliminate the Free Patriotic Movement, without forgetting Sami Gemayel, who is eager to restore the glories of the Phalanges in an impossible time.

Does the Free Patriotic Movement find itself in a difficult position in the project of conflict between Bkerke and Hizbullah?

This does not seem to be the case for several reasons: Because Hezbollah is strong in its sectarian incubator environment first, and with allied parties secondly, and it has non-vibrating regional allies, namely Syria and Iran, to the Russians who coordinate with it in various stages. It also has Yemeni-Iraqi alliances that make it an unbreakable regional force.

Contrary to the Cardinal’s statement that Lebanon is a neutral country, but against whom? Lebanon does not attack “Israel” or America and the West as much as it reflects absolute neutrality. What Hezbollah and its allied parties have done is that they repelled the Israeli invasion, supported by the West and the Gulf. Does the cardinal reject the liberation of the south, or does he believe that this occupation facilitates the Maronite Gulf Control of the state?

Therefore, the Cardinal’s steps appear to be narrow because Hezbollah will not fight it by popular or military methods and may wait a certain period to re-establish an alliance with capable Christian parties such as the Free Patriotic Movement and other national parties to rebuild a Lebanese political current that does not work only in order to control the authority and its regime, but tries to work to establish an actual homeland for all its children.

Is there a possibility for external support that the Cardinal will receive from the Americans, Europeans, and Gulf with an “Israel” cover? Yes, this is possible, but it is not viable because the Syrian-Lebanese-Iranian-Palestinian alliance is very well established and this makes the situation greater than the Cardinal capabilities and the weights of his allies in other sects.

So things are not heading towards popular explosions that Geagea, Hariri and Sheikh Sami Gemayel are working on. This is because the Hezbollah and its allies are blocked for any uncalculated impulses that lead to unfortunate consequences.

Finally, it becomes clear that the Cardinal’s project is nothing more than a heresy in a broken cup of coffee, and things are returning to what they were with attempts to improve it towards deepening deepening the Lebanese-Israeli conflict on the basis of the good defense of Lebanon, On the domestic level, His Excellency may, in this wretched time, bargain to adherence to the Maronite supremacy in power, and this is something Hezbollah does not object to as much as Hariri and his group of dreamers lookin for Gulf-American to support their project to advance in the Lebanese power.

فرار من الإصلاح نحو الأحلاف الخارجيّة المعادي

د. وفيق إبراهيم

أكثر من خمسة عقود تتمسّك الهيئات الدينية من كل الطوائف بصمت وضعها في خانة كبار متعهّدي تأييد قوى النظام اللبناني التي أفلست الدولة وسرقتها.

لم يرفّ لهذه القوى جفنٌ او ارتجف هدب، تستنزف أموال الدولة والناس وترمي بالوطن في حافة الهاوية، كأن المطلوب منها ان تحافظ على الاتجاه الغربيّ للبنان. ففعلت وأتاحت للفقر التهام البلاد ولقوى الطوائف ابتلاع الجميع.

يتناقض هذا المنظر مع مشهد التجمّع الشعبي الذي أحياه البطريرك الماروني يوم امس في صرحه في بكركي، لاغياً الدور التاريخي لهذا الموقع الوطني الهام. وذلك بتحوّله من موقع أساسي يجسّد صورة قسم أساسي في لبنان الى مشهد يريد تقسيم الوطن وعرقلة دور القوى الأساسية التي تحاول الدفاع عنه.

يبدو ان البطريرك الراعي أصيب بذعر من الدور الوطني الكبير الذي يؤدّيه حزب الله وحلفاؤه في الدفاع عن البلاد في وجه «إسرائيل» والمشروع الغربي واعتقد أن عصر التغيير الداخلي بدأت ملامحه بالتشكل، فاحتاط لها بالدعوة الى حشد بكركي المتواضع ليضع البلاد أمام مشروع رفض أي تغيير داخلي فعلي، متقاطعاً مع محاولات غربية لكسر المساعي الداخلية لحزب الله بمجابهة «إسرائيل».

ما هو واضح هنا، أن حزب الله وحلفاءه في الأحزاب الوطنية لم يركزوا من عمد على مسألة الإصلاح الداخلي وذلك إرجاء للصدامات الداخلية او محاولة للزحف بها لاحقاً نحو التفاهمات التاريخيّة التي تستثير الطوائف في العمق.

لكن نيافة الكاردينال لم يقتنع بهذه المبرّرات بتفاهمات مع رعاته الغربيين قافزاً نحو مهرجان في بكركي أراد فيه ومنه خدمة المشروع الغربي المناهض لحزب الله وأحلافه عبر تأييد الحركة الأميركية المناهضة وأعوانها الإسرائيليين والخليجيين. والهدف بالطبع إعاقة أي تغيير داخلي عبر الهرولة وراء المشروع الخارجي – الخليجي وتستفيد منه «إسرائيل» بالطبع.

هذا هو الحشد الذي نظّمه غبطته أمس في مقر الرهبنة المارونية في بكركي.

أما مميزاته، فهي أنه اقتصر على عدد محدود من الحشود جاذباً أحزاب القوات والمستقبل وريفي وتجمّعات شعبية لها أثر محدود جداً.

لجهة المضمون، كان جلياً أنه استهدف الرمي على حزب الله وحلفائه مصرّاً على منع أي تغيير داخلي، ومتشبثاً بلبنان نموذج الطائف او ما يعادله ومتوارياً عن اي مشروع للدفاع عن لبنان في وجه مخططات «اسرائيل»، أما ما هو واضح فإن حشد بكركي مصرٌ على عدم التغيير الداخلي والالتحاق الكامل بالمشروع الأميركي والعلاقة الحميمة مع الفرنسيين المبنية منذ القرن 19 والذي يريد الراعي إعادة تجديدها بلبوس جديد يجمع بين حلف أميركي – فرنسي – خليجي وبكل أسف إسرائيلي لأنها القوة الشرق أوسطية الوحيدة القادرة على النزال في المسرح السوري اللبناني.

مشروع بكركي اذاً ليس مجرد عرض داخلي لحلف بين بكركي والأميركيين والخليج بقدر ما يعبر عن التحاق بالمشروع الأميركي الذي يريد ضرب الحلف الإيراني – السوري. كما أن مشروع الراعي يتوغّل نحو إعادة بناء نظام لبنانيّ يُقصي التحالف بين حزب الله والأحزاب الوطنية عن أي اقتراب من النظام اللبناني حتى في أدنى مساعي التقارب.

فهذا النظام استولده الغرب غربياً ويجب برأي تغطياته المارونية أن يبقى على النحو نفسه، فهل هذا ممكن؟

موازنات القوى الداخلية لم تعُد تسمح بذلك، وهذا ما يجب أن يدركه الراعي وصرحه، كما ان هذه الموازنات ما عاد بوسعها حجب دور الأحزاب الوطنية التي أصبحت تشكل جزءاً اساسياً من التفاعلات السياسية اللبنانية مع حزب الله بالمباشر او بالالتفاف.

المقارنة هنا بين أحزاب القومي والشيوعي والناصري يتضح أن أوزانها أصبح راجحاً على أوزان تتلقى مليارات الدولارات من الخليج وترعاها الكنائس والمساجد وبركات الغيب والحاضر.

مشروع الراعي إذاً خطير جداً، لأنه قد يستدرج تأليباً لقوى من طوائف أخرى قد لا يروق لها مشروعه وترى فيه تسللاً مارونياً جديداً للإمساك المنفرد بالسلطة على طريقة عشرينيات القرن الماضي، هذا ما يدركه جيداً وليد جنبلاط في حزبه التقدمي الاشتراكي وسعد الحريري في حزبه المستقبل ولفيفه، وكذلك جعجع الذي لا يفكر إلا باستغلال بكركي للقضاء على التيار الوطني الحر من دون نسيان سامي الجميل اللاهث وراء استعادة أمجاد الكتائب في زمن مستحيل.

فهل يجد التيار الوطني الحر نفسه في وضع صعب في مشروع الصراع بين الراعي وحزب الله؟

لا يبدو الأمر على هذا النحو لأسباب عدة: لأن حزب الله قويّ بعصبيته الحزبية – المذهبية اولاً وتحالفاته مع الأحزاب الحليفة ثانياً، وله امتدادات من الحلفاء الإقليميين غير قابلة للاهتزاز وهي سورية وإيران وصولاً الى الروس الذين ينسقون معه في مختلف المراحل.

كما أن له تحالفات يمنيّة – عراقيّة تجعل منه قوة إقليمية وازنة غير قابلة للكسر.

يكفي أنه مناقض لما اورده الكاردينال من ان لبنان بلد محايد، إنما ضد مَن؟ فلبنان لا يعتدي على «اسرائيل» او اميركا والغرب بقدر ما يعكس حيادية مطلقة، مما قام به حزب الله والأحزاب الحليفة أنهم صدوا الغزو الاسرائيلي المدعوم غربياً وخليجياً. فهل يرفض الكاردينال تحرير الجنوب أم أنه يرى أن هذا الاحتلال يسهّل السيطرة المارونية الخليجية على الدولة؟

لذلك تبدو خطوات الكاردينال ضيقة تندرج في أدنى المستوى، لأن الطرف المناهض لها لن يكافحها بأساليب شعبية او عسكرية وقد ينتظر مدة معينة لإعادة تأسيس حلف مع أحزاب مسيحية قادرة كالتيار الوطني الحر والأحزاب الوطنية لإعادة بناء تيار سياسي لبناني لا يعمل فقط من أجل السيطرة على السلطة ونظامها بل يحاول العمل على تأسيس وطن فعليّ لمجمل أبنائه.

فهل هناك إمكانية لدعم خارجي يتلقاه الراعي من الأميركيين والأوروبيين والخليجيين بتغطية «إسرائيل»، نعم هذه ممكنة، لكنها غير قابلة للنجاح لأن الحلف السوري اللبناني الإيراني الفلسطيني شديد المراس ويتمكن من مناطقه وشعبيته وهذا يجعل الأوضاع أكبر من إمكانات الراعي وأوزان أحلافه في الطوائف الأخرى.

الأمور إذاً لا تتجه الى انفجارات شعبية يعمل عليها جعجع والحريري والشيخ المقدام سامي وهذا سببه لجم الحزب وحلفائه لأية اندفاعات غير محسوبة تؤدي الى ما لا تحمد عقباه.

يتضح أخيراً أن مشروع الراعي ليس أكثر من هرطقة في فنجان قهوة مثقوب والأمور عائدة الى ما كانت عليه مع محاولات لتحسينها نحو تعميق الصراع اللبناني – الإسرائيلي على اساس الدفاع الحميد عن لبنان، أما التعبير الداخلي فمرجأ بدوره وقد يكون النقطة الوحيدة التي بإمكان غبطته المساومة عليها في هذا الزمن الرديء على أساس التمسك بالتفوق الماروني في السلطة، وهذا أمر لا يعترض عليه حزب الله بقدر ما يضايق الحريري وزبانيته الحالمين بدعم خليجي – أميركي لمشروع تقدمهم في السلطة اللبنانية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

رسالة مفتوحة إلى البطريرك الراعي

رسالة مفتوحة إلى البطريرك الراعي
(هيثم الموسوي)صاحب الغبطة

صاحب الغبطة،

See the source image

بعد التحية،
معرفتنا بك ليست جديدة، كنا نتابعك عندما كنت مطران جبيل، ثم كان التعارف المباشر في خريف عام 1992، حيث كنت أمين سر السينودوس من أجل لبنان، حيث عُقد أحد اجتماعاته في دير سيّدة الجبل ــــ فتقا ــــ المطلّ على خليج المعاملتين، حيث أجمل المناطق اللبنانية أو من أجملها، وكنت لولب المؤتمر، وكانت لي كلمة، واستمع إليّ الأباتي بولس نعمان الذي قال ما معناه: أنا أنتظر الاستماع إليك بشغف… وكان لي تعليق على فقرة كان يفترض أن يتضمّنها خطاب قداسة البابا عن لبنان، والفقرة تقترح أن يُعتبر الأمير فخر الدين المعني الثاني رمزاً للبنان باعتبار أنه أسّس نواة لبنان المستقل الحديث، وكان كلامي واضحاً، وقد شاركني بعض الحضور:

لا يمكن اعتبار فخر الدين المؤسس للبنان المعاصر لأنه تعامل مع جهة أجنبية، هي إمارة توسكانا، لإقامة إمارته اللبنانية، فضلاً عن أننا لا نعلم حقيقة دوافعه لإقامة هذه الإمارة، وهل هي لإقامة كيان عادل منصف مثلاً، أو هو طموح الرئاسة والزعامة فقط، ومن المعلوم أن مفهوم الدولة الحديثة المستقلة لم يكن قد تبلور بعد، والدول كانت قائمة على القوة والتوسع، الخ، وآثار ارتباطه بالأجنبي واضحة عندنا في صيدا، مثلاً قد أعطى كثيراً من أوقاف آل حمود للأجانب، فتحوّل خان البحر إلى خان الإفرنج، وقصر آل حمود أصبح في ما بعد قصر آل دبانة، وما إلى ذلك، ولا يمكن أن نرى في حرصه على حصار صيدا وإعطاء أوقافها للأجانب جانباً إيجابياً، طبعاً نحن هنا لا ننكر إيجابيات كثيرة تنسب إليه، كزرع الصنوبر جنوب وشرق بيروت ليحميها من العواصف الرملية، وكثير من الإنجازات العمرانية، الخ…

وعلى ما أذكر أن ملاحظتنا هذه أُخذت بعين الاعتبار، ولم يتم إقرار اعتبار فخر الدين كرمز للبنان تجتمع عليه المكونات اللبنانية، وبالتالي لم يُذكر في خطاب البابا يوحنا بولس الثاني، الذي يحفظ الجميع منه تلك الجملة الشهيرة: (لبنان رسالة وليس مجرد وطن)… ولا شك لقد كان لك دور مميز في صياغة هذا الخطاب التاريخي رغم أن تبديلاً حصل، على ما نعلم، في شخص أمين سر السينودوس التاريخي، قبل أن ينهي أعماله.

ثم جمعتنا مناسبة أخرى في صيدا، في مركز الشهيد معروف سعد في أوائل عام 1994 حيث كان الموضوع: لماذا أقامت دولة الفاتيكان علاقة مع الكيان الصهيوني؟ وكان المبرر لهذه الخطوة بأن أصحاب القضية قد أقاموا علاقات مع إسرائيل، فلماذا لا يقيم الفاتيكان علاقة دبلوماسية معها، وقد امتنع عنها زهاء خمس وأربعين سنة رافضاً الاعتراف بدولة الاحتلال؟ وكان جوابنا بأننا نطالب بأن تتعامل دولة الفاتيكان بما تمثل، مع الشعوب وليس مع الأنظمة، وقد رفضتُ وقتها مقولة ستالين عندما طلب الفاتيكان أن يكون له ممثل في مؤتمر يالطا، قائلاً: كم دبابة يملك البابا حتى يجلس معنا؟… وقلت إن القوة المعنوية للفاتيكان لا تقاس بالسلاح ولا بالجيوش. لقد كان الشعب الفلسطيني رافضاً لاتفاق أوسلو، ولم يكن الاتفاق إلا خضوعاً للتآمر الدولي والعربي على القضية الفلسطينية، فضلاً عن أخطاء مورست باسم المقاومة الفلسطينية… وقد تبيّن للجميع اليوم بعد قرابة ثلاثين عاماً أننا على حق…

المقصود بهاتين المحطتين الرئيسيتين في العلاقة مع غبطتك قبل أن تُتَوّج مسيرتك الكهنوتية باعتلاء منصب البطريركية… ثم الكاردينالية، أمر رئيسي: هاتان المحطتان ترتكزان على العلاقة مع الأجنبي في لبنان كما في فلسطين والموقف المفترض للكنيسة من هذا الأمر.

وصدمتُ بعد ذلك إذ توليتُ الدفاع عن زيارتك للأرض المحتلة عام 2014، قائلاً لمن سألني رأيي وقد نُشر في الإعلام طبعاً: ليست هذه الزيارة تطبيعاً، إنها زيارة رعوية تتجاوز الحدود السياسية…

هل تحرك زيارة الراعي قضية المبعدين اللبنانيين إلى اسرائيل؟

ولكنك فاجأتنا بلقائك مع العملاء ودفاعك المستميت عنهم دون أي مبرر قانوني أو أخلاقي… وقيل لنا وقتها إنه عند عودتك آثرتَ الانفراد بنفسك ورفضتَ تلقّي الاتصالات واستقبال الزوار، فيما فُهم أنه تعبير عن شعور غبطتك بالندم على تلك الخطوة أو على ذلك الكلام الذي لم يكن مناسباً لمقامك المميز ولما تمثّل.

ولا أنسى أن أقول قبل أن ندخل إلى صلب الموضوع: قيل في الإعلام إن مجيئك إلى سدّة البطريركية كان بقرار من الفاتيكان قبل أن يكون انتخاباً، لأنك تمثّل الاعتدال والبعد عن الانحياز السياسي الذي لا يتبنّاه الفاتيكان.

أعتبر كل ذلك مقدمة لندخل في صلب الموضوع:

أولاً: ماذا يعني الحياد؟

عندما تحدثتَ عن الحياد قبل أن تتفاقم الأزمة الحكومية الراهنة، ماذا كان يعني ذلك؟ في لبنان، لا يمكن أن تحمل كلمة الحياد إلا الحياد عن الصراع مع المحتل الإسرائيلي… دون أن نناقش جواز ذلك ديناً أو قانوناً أو من أي منطلق آخر: إنساني كان أو بداعي المصلحة أو غير ذلك…
هل هذا ممكن؟ لو أننا رضينا لأنفسنا الحياد، هل سترضى به «إسرائيل»، هل ستتوقف عن طمعها بمياهنا وأرضنا وغازنا ونفطنا؟… هل سترضى أن تتعايش مع من أذاقها الهزيمة وأوقع بها الخسائر الفادحة، هل ستتوقف الاغتيالات الانتقامية؟

بالمناسبة، أنا أجزم هنا بأن إسرائيل هي التي اغتالت (جورج حاوي) انتقاماً على سبيل المثال وليس الحصر، لأنه شارك في المقاومة وأعلن تأسيس جبهة المقاومة اللبنانية (جمول)، انتقمت منه إسرائيل رغم أنه أصبح في صفوف 14 آذار، الجهة الأقرب إليها. لكنها لن تنسى من قاتلها…

دافعتُ عن زيارتك للأرض المحتلة عام 2014، ولكنك فاجأتنا بلقائك مع العملاء ودفاعك المستميت عنهم

وعلى فرض أننا قبلنا بالحياد المزعوم، هل ستتوقف إسرائيل بعملائها المعلنين أو السريين عن التآمر على الكيان اللبناني (لبنان الرسالة) الذي يفضح عنصريتها المغرقة؟… وقد ثبت وسيثبت أن كل النزاعات ذات الطابع الطائفي ثم المذهبي كان خلفها فتيل إسرائيلي خفيّ.

لا يوجد على حدود سويسرا «إسرائيل» وليس على حدود الدول الاسكندينافية عدو… ومع ذلك كان حياد هذه الدول مستنداً إلى اقتصاد قوى وموارد غنية وطبيعة هادئة وعدد من السكان هو أقل بكثير من أن يشغل تلك المساحات المترامية الأطراف، الخ… كل ذلك ليس عندنا.

إذاً، المطلوب أولاً شرح المعنى المقصود من الحياد، وإلا فإن المعنى الوحيد لهذه الكلمة هو الاستسلام للعدو الصهيوني، يعني تسليم المسيح عليه السلام لجنود القيصر، كما يعني باختصار أن نتحوّل جميعاً إلى يهوذا الاسخريوطي… حتى من دون ثلاثين من الفضة.

هل هذا هو المطلوب؟…

كما يمكن أن يضاف إلى هذا المعنى، الحياد تجاه المدّ التكفيري الذي كاد أن يحقق «إنجازات» واسعة في لبنان كما في سوريا… ولقد سربتَ مرة يتيمة تقديرك لمن حارب التكفير والتطرف وإلّا كاد أن يصل إلى جونية، هل سيشمل الحياد حياداً إزاء مثل هذا الخطر الداهم؟ وبالتجربة نقول: دعوت غبطتك إلى الحياد وإلى تطبيق الطائف، فيما أنك بشكل واضح دعوت إلى توقيع مرسوم الكتّاب العدل لأن الميزان الطائفي لمصلحة المسيحيين، ولم تطالب بتوقيع المراسيم بما فيها مرسوم الناجحين في مجلس الخدمة المدنية وغيرهم، لأن الميزان الطائفي ليس لمصلحتكم، وهذا يخالف الحياد، كما يخالف اتفاق الطائف، كما يخالف أبسط مفاهيم العدالة، فضلاً عن أنه يقوّض فكرة بناء الدولة، وماذا عن الدفاع عن رياض سلامة؟ إنه يصبّ بالسياق نفسه.

ثانياً: التحرير:

ورد في كلمتك في الصرح البطريركي أمام الحشود في 27 شباط أن علينا أن نحرر الدولة بعدما حررنا الأرض…
ماذا تعني بالتحرير، لعلك قصدت خروج القوات السورية في نيسان 2005، لماذا لم تقل بالفم الملآن وبكل فخر واعتزاز أن المقاومة اللبنانية حررت لبنان بعدما قدمت الشهداء والكثير من التضحيات، ليس مطلوباً أن تسميها باسمها: المقاومة الإسلامية أو مقاومة حزب الله، يكفي أن تقول مقاومة اللبنانيين أو أهل الجنوب، أو أي كلمة أخرى إن كان الأمر يحرجك! المهم حدد يا صاحب الغبطة، واصرخ علانية: تحرير لبنان من العدو الإسرائيلي كان نصراً لكل اللبنانيين، فإن لم ترغب فعلى الأقل كان التحرير انتصاراً لرميش وعلما الشعب ودبل وعين إبل، والقليعة، ولا بأس بذكر إبل السقي ومرجعيون وحاصبيا وان كانوا من مذهب آخر، الخ… ألا تعنيك تلك القرى المارونية وغيرها؟

وهنا لا بد من وقفة: إنه لمن الطبيعي أن توجّه الانتقادات إلى المقاومة وإلى حزب الله، وصولاً إلى المطالبة بتسليم سلاح المقاومة للجيش اللبناني… هذا طبيعي بغضّ النظر عن التفاصيل، وعن الوقائع وعما ستصل إليه نتيجة هذا المطلب، ولا ينسحب بالضرورة نجاح حزب الله بالمقاومة على ممارستها السياسة في الساحة الداخلية، ولكن قبل كل ذلك لماذا يتلعثم المنتقدون؟ لماذا يجتزئون الحقائق؟ لماذا لا يعترفون بأهمية ما قدمت للوطن ثم يطرحون انتقاداتهم؟ لماذا لا يقولون مثلاً: هذه المقاومة البطلة التي حررت لبنان وأعطته بعداً سياسياً ومعنوياً كبيراً بحيث أصبح كأنه دولة عظمى تهزم واحداً من أقوى الجيوش في العالم، وفي الوقت نفسه لم تطالب بشيء مقابل ذلك، فقط ألا يُتآمر عليها، ألا تطعن في الظهر، ألا يُسلّم رأسها لهيرودوس ليسلّمه بدوره إلى (آستير)، أن تكون جزءاً من السياسة المحلية، لها رأي ضمن آراء ولها موقع ضمن مواقع، الخ…

قبل أن ننقد المقاومة، ونحن أيضاً لا نوفرها من الانتقاد، وخاصة في المجال السياسي التفصيلي, فلتكن هنالك كلمة واحدة تجمع اللبنانيين، هذه مقاومتنا. هذا التحرير لنا جميعاً…

قبل هذا الاعتراف الواجب، يصبح كل انتقاد كأنه نكران للجميل، بل كأنه تأييد للصهيوني وتفضيل للاحتلال على التحرير.

غبطة البطريرك،

حيثما حررت المقاومة تولّت الحكم، في الجزائر، في تونس، في فرنسا، في كل مكان…حزب الله لم يطلب الحكم، ولم يطلب حتى المناصب الرئيسية للطائفة الشيعية، وأؤكد لغبطتكم أنه لا يسعى إلى ذلك في المستقبل كما ورد على لسان غبطة الراحل نصر الله صفير. فقط يطالب بشيء من العرفان، هل هذا كثير؟

ثالثاً: المؤتمر الدولي:

إن أيه جهة دولية سترعى مؤتمراً مفترضاً لأجل لبنان، لن تراعي إلا مصلحة العدو الصهيوني… إن لبنان لا يعني للأميركي ولا الفرنسي ولا لغيرهما شيئاً مميزاً… بل أصبح لا يعني حتى لبعض الأعراب إلا الأمن الإسرائيلي…. لبنان النبع وصنين وكتف الوادي والعنزات ووادي لامارتين ووادي قنّوبين لا يعني لهم شيئاً اليوم، لقد تجاوزت الأيام تلك الأجواء الروائية، اليوم بالنسبة إليهم ومن موقع آخر لقد أصبح وادي الحجير ووادي السلوقي أهم بكثير من بقية معالم لبنان، لقد تغيرت المعادلات وسقطت مقولة الجيش الذي لا يقهر… وبالنسبة إلينا نقول هنا مرّغ أنف المعتدي بالتراب، هنا سقط الاستكبار الصهيوني وانتصر طالوت على جالوت، هنا باب للعزة والكرامة وللمستقبل الواعد، أما هنالك فقد استغنى العرب عن ربوع لبنان بالمباني الزجاجية والربوع المصطنعة في دبي ويعمل محمد بن سلمان على مثلها في (نيوم) وغيرها… كذلك شرم الشيخ أخذ الكثير من وهج لبنان، الخ…

هل داعش والنصرة يمثّلان الإسلام، أم مشاركة حزب الله في الدفاع عن رأس بعلبك والقاع وصيدنايا ومعلولا وغيرها هو ما يمثل الموقف الإسلامي الصحيح؟

لبنان اليوم بالنسبة إليهم هو المقاومة، هل ترغب في تسليم رأسها للأميركي أو للفرنسي أو حتى لعرب الخيانة؟…

رابعاً: المسيحيون في الشرق…

يجب أن نعترف ويعترف الجميع بأن المسيحي في الشرق يعاني من عقدة الاضطهاد… ولا مجال للنقاش في حقيقة الظلم الذي وقع على المسيحيين خلال القرون الماضية ولكن… أليس من الضرورة الاعتراف بأن الظلم كان استثناء من القاعدة…

وأسئلة تطرح:

أ‌- هل موقف الإمام الأوزاعي هو الأصل، أم قرار الوالي العباسي الذي امتثل لفتوى الإمام الأوزاعي؟
ب‌- هل موقف عبد القادر الجزائري من مجازر 1860 يمثل الإسلام، أم الغوغاء التي عمت الجميع؟
ج‌- هل الظلم وقع على المسيحيين لأنهم مسيحيون، أم أن هنالك أسباباً سياسية متعددة؟
د‌- هل الظلم وقع خلال حكم المماليك والعثمانيين فقط على المسيحيين، أم وقع مثله على المسلمين؟
هـ- هل داعش والنصرة يمثّلان الإسلام، أم مشاركة حزب الله في الدفاع عن رأس بعلبك والقاع وصيدنايا ومعلولا وغيرها هو ما يمثل الموقف الإسلامي الصحيح؟

أسئلة كثيرة قد لا يكون من المناسب زجّها في الخضمّ الذي نعيشه، ولكن لا بد أن نقول… مخاوف المسيحيين يجب أن تُفهم وتقرأ وتقدّر، لا أن تضخّم على حساب الحقائق، والحقائق تقول إن العائلات المسيحية والكنائس وكل ما يؤكد إقامة المشاعر المسيحية، كل ذلك جزء لا يتجزأ من المدن الرئيسية والمجتمعات الإسلامية في صيدا وبيروت وطرابلس وغيرها… كما أن أي إنصاف للمسيحيين في لبنان لا ينبغي أن يكون بظلم الآخرين، وإلا عدنا إلى ما كان سابقاً من أسباب الحرب اللبنانية.
وفي هذا الصدد، لا بد من أن نشير إلى أن ما هو معلن عن موقف الفاتيكان أنه يعتبر حسن العلاقة مع المسلمين من الأولويات، ويغلب على ظنّنا أن البابا بنيديكتوس السادس عشر قد استقال إثر تسرب كلام له أساء فيه إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم…

وفي هذا الطلب، نطالب «ولاية الفقيه» الكاثوليكية بإلزام أتباعها بسياستها العامة… سيكون هذا أفضل بكثير والله أعلم.

خامساً: لماذا لا تعلن القوى التي تمثل جزءاً من المسيحيين في لبنان بوضوح أن العلاقة مع إسرائيل التي توطدت خلال الحرب الأهلية مع بعضهم وكان أخطرها الاجتياح، كانت نتيجتها وبالاً على المسيحيين فضلاً عن سائر اللبنانيين؟

هل تحتاج حرب الجبل، بحمدون ثم الشحار الغربي 1983 ثم شرقيّ صيدا عام 1985 ثم الانسحاب عام 2000، هل يحتاج من تعامل مع إسرائيل وقتها إلى دليل أقوى يؤكد أن إسرائيل ليست صديقاً لأحد، ليست عوناً لأحد؟ وهل يجوز أن يتحدث البعض عن أن الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 كان انتصاراً للمسيحيين؟ كيف ولماذا وأين؟؟

وإن كانت هذه القوى مربكة بشكل أو بآخر، لماذا لا تتحدث بذلك نيافتك بشكل واضح؟ وموقع البطريركية القوي المستقل إدارياً الغني بالموارد لا يمنعه شيء عن اتخاذ موقف مماثل.

وبشكل أو بآخر، هل عملت أميركا لمصلحة المسيحيين في لبنان منذ نصيحة كيسنجر للرئيس سليمان فرنجية بالهجرة إلى أميركا إلى أيار 2008؟

سادساً: ماذا عن العروبة؟

لا نسأل عن العرب إلا عندما يقدمون لنا المساعدات، وعندما يوفّرون فرص عمل لشبابنا… العرب والعروبة بنظر الكثيرين هم النفط والثروة… اما إن كانت العروبة تعني الوحدة أو العدالة الاجتماعية أم مواجهة المخططات الصهيونية المدعومة غربياً، فإن العروبة لا تعنينا؟… نعم هذه ليست مسؤوليتك، وليست مسؤولية اللبنانيين مسيحيين كانوا أو مسلمين. ولكن المقام البطريركي ينبغي أن يكون أعلى من المنافع والمصالح التي تأتي وتذهب… الإنسان كقيمة مستقلة عن المال… وما أظن أن سيّدنا المسيح عليه السلام إلا مع العدالة والاستقامة ولن يكون مع المال وأهله، وخاصة عندما يكون المال طاغياً… متجبّراً… وإلا كيف نفهم: أعطنا خبزنا كفاف يومنا ونجّنا من الشرير؟ من هو الشرير في هذه الحالة؟ الغنيّ الذي يحاول إذلالنا بماله، أم المقاوم الذي حرّر الأرض؟ المعتدي السعودي مثلاً أم اليمني الفقير؟ وهل وصلت الأم تيريزا إلى ما وصلت إليه إلا لأنها خالطت الفقراء ووقفت معهم وناصرتهم ولم تميّز بينهم على أساس الدين أو العرق… أليس المطلوب منا جميعاً أن نسير على درب القداسة، سواء وصلنا أم لا؟…

وكما جاء في الإنجيل: لا تعتدّ بأموال الظلم فإنها لا تنفعك شيئاً في يوم الانتقام [سفر يشوع بن سيراخ 5-10].

غبطة البطريرك، ختاماً إن كلامكم الأخير عن خمسة عشر ألفاً حضروا لقاء يوم السبت الماضي لا يصبّ في المصلحة العامة، إذ إنه يدخلنا من جديد في لعبة الأرقام والعدد، وهو أمر مرفوض من الجميع، فضلاً عن أن المحتشدين من فريق واحد… هل المطلوب حشد المناصرين في جهات أخرى للمقارنة بين الأعداد؟
هل الدخول في هذه اللعبة من جديد يدعم فكرة الحياد، أم يقضي عليها في مهدها؟

غبطة البطريرك، الحديث طويل والطريق طويل، عسى أن نصل بالحوار إلى ما هو أفضل مما نحن فيه الآن…
دمت والسلام

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

After neutrality: internationalization … another controversial file in Lebanon! What is the solution? بعد الحياد: التدويل ملف خلافيّ آخر في لبنان فما الحلّ؟

**English Machine translation Please scroll down for the Arabic original version **

After neutrality: internationalization … another controversial file in Lebanon! What is the solution?

Brigadier General Dr. Amin Mohammed Hatit

As if Lebanon was short of additional controversial files, so the internationalization of the Lebanese crisis came to fill in the presentation of this deficiency, and to create additional divergence between the Lebanese parties and to increase the vertical division around dangerous paths that may raise the entire Lebanese fate, and bring us back to the first point of disagreement over identity and the entity itself as well as the political tracks. Addressing Lebanon’s fate with its general and superficial proposals, which may sometimes amount to lightness, is totally incompatible with the eagerness of Lebanese groups that have fought to defend Lebanon’s territory when they were occupied or when faced with the enemy’s attempt to reoccupy them. If anyone who wants to put forward internationalization has specific ideas to get Lebanon out of the crisis in which it is mired, let him put his detailed draft and guarantee the topics for which he wants to get an answer, and then indicate whether these topics need an external will, an external decision or an international will to impose them.

On the issue of neutrality, for example, we previously explained how closely the issue is related to the external will, and that neutrality in the first place cannot be established in a country unless it is accepted by the close surroundings first and the international system in general, otherwise it will not be of any use, and we showed that Lebanon in its and location and current reality is between a friendly sister state, and an enemy entity that usurps the land of Palestine that covets Lebanon and produces anxiety and worries for him, in light of this situation, it is impossible to be neutral if the two countries do not accept, an acceptance that cannot be requested or obtained before addressing all Lebanese dangers, concerns and concerns related to the sister state and the enemy entity, which is out of reach, circumstance and possibility, even impossible.

If we transcend the issue of neutrality, which is sterile in itself and illogical in its circumstance, because it is uprooting the Lebanon’s emotional connection with the interests of its brothers and brothers and making Lebanon move in an orbit outside of itself, even outside the regional and international belonging, races, religions and geographies. If we go beyond that, we will be surprised by the presentation of something far worse, which is internationalization, and placing Lebanon under Chapter VII of the United Nations Charter, which means bypassing the Lebanese decision and conducting it with the stick and the international force. Here we ask, is this what they wants from the introduction of Chapter VII or internationalization? What is the meaning of internationalization in the first place and as a goal?

Is it intended to call abroad to review resolution 318 /1920, under which the French High Commissioner established Greater Lebanon a century ago? In other words, will the intended internationalization be a request for France and Britain its partner in Sykes-Picot, and the perpetrator of the crime of giving Palestine to the Jews to establish a state for them under the name “Israel”? Will the required internationalization be summoning these colonial countries to review the Lebanese entity and allocating Palestinian refugees and displaced Syrians with with some of its land to solve the problem of “Israel”?

Or will internationalization be an International Trusteeship of the United States this time leading to America’s extradition of the decision to review Lebanon’s border with occupied Palestine by land and sea? That is, to draw a new land border other than the one drawn by the “Pollet NewKamp” agreement, which Trump dropped from his map attached to his vision of peace, as denied by Frederick Hoff himself (delegate – American mediator) falsely claiming that Lebanon has no land border with Palestine and therefore dropped the map attached to Decree 6433 / 2011? Or is it intended to impose a maritime border between Lebanon and occupied Palestine that contradicts Lebanon’s rights in its economic zone, as proposed by Frederic Hoff himself and gave Israel an area more than 1790 km 2 (360+1430) of Lebanon’s maritime area?

Or is it that the demands of internationalization want to strip Lebanon of its power by which it liberated the land and established the equation of effective strategic deterrence, that paralyzed “Israeli” aggression and imposed the equation of “tooth for a tooth and an eye for an eye” and military objective with the equivalent military objective whatever its location and nature? Does the owner of the idea of ​​internationalization want to summon foreign armies to implement what Israel has been unable to confront the resistance weapon?

In 2007, 14 years from now, and in the face of the impasse of governance in Lebanon, Mr. Hassan Nasrallah called for a Lebanese national conference, which he called a “cold-blooded constituent conference” to develop national solutions to what stands in the way of the Lebanese path in governance, politics, administration, security and defense. Then, today, some of those who rejected the idea of the Constituent Conference and the National Conference on Lebanon’s internal issues applaud those who put forward the idea of internationalization despite its implications or what may include an implicit abdication of sovereignty, an independent national decision or the independence of Lebanon, a recognition of the shortcomings or lack of political majority, and the need for external guardianship that is exercised in the form of mandate or colonization and imposes its decision on Lebanon and the Lebanese and market the country and its people with the stick of foreign interests.

These disadvantages and risks are not removed by some of the explanations that have been attached, because to say that Taif agreement was international, or that the international resolutions issued by the Security Council is internationalization, is an inaccurate approach so as not to say more, in Taif it was a Saudi hosting and external assistance to the Lebanese deputies who agreed on an improved version of the government they included in a document they called the “Document of National Accord”, Taif agreement was not an external decision imposed on Lebanon by any chapter of the UN Charter. International resolutions are resolutions that mean Lebanon’s relationship with an external party, which is incompatible with what is raised here.

The Lebanese situation has become dangerous, which imposes caution and accuracy in dealing with it, and it is not permissible at all to entertain or waste effort or time with proposals whose owners do not realize its dangers, and they provoke suspicion, confusion and misbelief, and therefore we say who had a draft solution should presents it for discussion in a sincere national dialogue, and to avoid excitement that generate doubts, and separation. And if the hidden goals of all these platform proposals are to reach what America and “Israel” want in stripping Lebanon of its real and effective sources of power and confiscating its rights, then, from now we say that those who have shed blood for these things will not be spared it in the future in order to protect Lebanon’s national gains, its sovereign rights and its real historical affiliation, and then to remember something inevitable, which is that the world today is busy with its worries about us.

بعد الحياد: التدويل ملف خلافيّ آخر في لبنان فما الحلّ؟

العميد د. أمين محمد حطيط

كأنّ لبنان كانت تنقصه ملفات خلافيّة إضافيّة فجاء مَن طرح التدويل للأزمة اللبنانية ليسدّ بطرحه هذا النقص، ويحدث تباعداً إضافياً بين الأطراف اللبنانيّة ويزيد في الانقسام العموديّ حول مسارات خطرة قد تطرح المصير اللبناني برمّته، ويعيدنا إلى نقطة الخلاف الأولى على الهوية والكيان بذاته فضلاً عن المسارات السياسيّة والمصيرية الأخرى. فتناول مصير لبنان بطروحات فيها من العمومية والسطحية ما قد يصل إلى الخفة أحياناً هو أمر لا يتناسب مطلقاً مع حرص فئات لبنانية امتشقت السلاح للدفاع عن أرض لبنان عندما احتُلت أو عندما واجهت محاولة العدو لاحتلالها مجدّداً. وإذا كان لدى من يريد طرح التدويل أفكاراً محدّدة لإخراج لبنان من الأزمة التي يتخبّط فيها فليقم بوضع مشروعه التفصيلي ويضمّنه المواضيع التي يريد أن يحصل على إجابة لها، ثم يبيّن إن كانت هذه المواضيع بحاجة لإرادة أو قرار خارجي أو إرادة دولية لفرضها.

ففي موضوع الحياد مثلاً، بيّنا سابقاً كم أنّ الموضوع وثيق الصلة بالإرادة الخارجية، وأنّ الحياد أصلاً لا يمكن أن يرسى في دولة ما لم يكن قبول به من المحيط اللصيق أولاً والمنظومة الدولية عامة وإلا لا تكون له أيّة جدوى، وبيّنا أنّ لبنان في واقعه الحالي وموقعه الجغرافي بين دولة شقيقة صديقة شريكة له في الهموم، وكيان عدو مغتصب لأرض فلسطين يطمع بلبنان وينتج له القلق والهموم، في ظلّ هذا الوضع يستحيل أن يكون محايداً إنْ لم تقبل الدولتان وهو قبول لا يمكن أن يطلب أو يحصل عليه قبل معالجة كلّ الأخطار والقلق والهموم اللبنانية ذات الصلة بالدولة الشقيقة والكيان العدو وهو أمر بعيد المنال ظرفاً وإمكانية حاضراً حتى الاستحالة.

فإذا تجاوزنا أو طوينا موضوع الحياد، الطرح العقيم في ذاته وغير المنطقي في ظرفه، لأنه يجتثّ قنوات ارتباط لبنان الشعوري بمصالح أشقائه وإخوانه ويجعل لبنان يتحرّك في مدار خارج ذاته لا بل خارج الانتماء الإقليمي والدولي أعراقاً وأدياناً وجغرافيّة، إذا تجاوزنا ذلك فإننا نفاجأ بطرح أمرّ وأدهى هو التدويل ووضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أيّ تجاوز القرار اللبناني وتسييره بالعصا والقوة الدولية. وهنا نسأل هل هذا ما يريده من طرح الفصل السابع أو التدويل؟ وماذا يُراد من التدويل أصلاً وهدفاً؟

هل يُراد استدعاء الخارج لمراجعة القرار 318 / 1920 الذي بموجبه أنشأ المفوض السامي الفرنسي لبنان الكبير منذ نيّف وقرن من الزمن؟ أيّ هل التدويل المقصود سيكون بمثابة طلب لفرنسا وخلفها بريطانيا شريكتها في سايكس بيكو، ومرتكبة جريمة إعطاء فلسطين لليهود لإقامة دولة لهم تحت اسم «إسرائيل»، فهل التدويل المطلوب سيكون استدعاء هذه الدول الاستعمارية لمراجعة الكيان اللبناني وتخصيص اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين بشيء من أرضه لحلّ مشكلة «إسرائيل»؟

أم هل التدويل سيكون وصاية دولية أميركية هذه المرة تفضي إلى تسليم أميركا قرار مراجعة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة براً وبحراً؟ أيّ لرسم حدود برية جديدة غير تلك التي رسمتها اتفاقية «بوليه نيوكمب» والتي أسقطها ترامب من خريطته المرفقة برؤيته للسلام، كما أنكرها فريدريك هوف ذاته (المندوب – الوسيط الأميركي) مدّعياً كذباً وتزويراً بأن ليس للبنان حدود برية مع فلسطين ولذا أسقطتها الخريطة المرفقة بالمرسوم 6433 / 2011؟ أو يُراد فرض حدود بحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة تناقض حقوق لبنان في منطقته الاقتصادية كما اقترح الأميركي فريدريك هوف ذاته وأهدى بموجبه «إسرائيل» مساحة تتجاوز 1790 كلم 2 (360+1430) من مساحة لبنان البحرية؟

أم أنّ المطالِب بالتدويل يريد تجريد لبنان من أحد فروع قوته التي بها حرّر الأرض وبها أقام معادلة الردع الاستراتيجي الفاعل فحمى لبنان وشلّ اليد «الإسرائيلية» عن الاعتداء عليه وفرض على «إسرائيل» معادلة «السنّ بالسنّ والعين بالعين…» والهدف العسكري بالهدف العسكري المكافئ له أيّاً يكن مكانه وطبيعته؟ هل صاحب فكرة التدويل يريد استدعاء الجيوش الأجنبية لتنفيذ ما عجزت عنه «إسرائيل» في مواجهة سلاح المقاومة؟

كثيرة هي الشكوك والظنون التي تُثار أو تثور في الذهن عندما تطرح فكرة التدويل، فهل من يطرحها يدرك ذلك؟ أم أنّ «عاطفته الجامحة المدّعاة بأنها عمل من أجل لبنان» حجبت عنه الرؤية السليمة وجعلته من غير قصد يعمل لتقريب أجَل لبنان وإنهائه من غير أن يدري؟

في العام 2007 أيّ قبل 14 عاماً من الآن ووقوفاً عند مأزق الحكم في لبنان دعا السيد حسن نصرالله إلى مؤتمر وطني لبناني أسماه «مؤتمراً تأسيسياً يُنظم على البارد» لبلورة حلول وطنية لما يعترض المسار اللبناني في الحكم والسياسة والإدارة والأمن والدفاع، وبدل أن تلاقيه العقول بالحجة والقلوب بالثقة، كان العكس تماماً وكان الرفض الحادّ الذي لا مبرّر له سوى الخبث والعدائية الغرائزية، ثم تجد اليوم بعضاً ممن رفض فكرة المؤتمر التأسيسي والمؤتمر الوطني حول مسائل لبنان الداخلية يصفقون لمن يطرح فكرة التدويل رغم ما تنطوي عليه أو بما قد تتضمّن من تنازل ضمني عن السيادة والقرار الوطني المستقلّ أو استقلال لبنان وإقرار بالقصور أو عدم بلوغ سنّ الرشد السياسي وإظهار الحاجة إلى وصاية خارجية تمارس بشكل انتداب أو استعمار وتفرض قرارها على لبنان واللبنانيين وتسوق البلد وشعبه بعصا المصالح الأجنبية.

انّ هذه المساوئ والمخاطر لا يزيلها بعض ما استلحق من شروحات، فالقول بأنّ الطائف كان تدويلاً، أو أنّ القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن هي تدويل، هو مقاربة غير دقيقة حتى لا نقول أكثر، ففي الطائف كانت استضافة سعودية ومساعدة خارجية للنواب اللبنانيين الذي توافقوا على صيغة مطوّرة للحكم أدرجوها في وثيقة أسموها «وثيقة الوفاق الوطني» ولم يكن الطائف قراراً خارجياً فرض على لبنان بأيّ فصل من فصول ميثاق الأمم المتحدة (إلا إذا كان النواب باعوا القرار أو أكرهوا عليه، وهذا ما ينكره جميع من كان في الطائف). أما القرارات الدولية فهي قرارات تعني علاقة لبنان بطرف خارجي الأمر غير المتوافق مع ما يُطرح في المسألة هنا.

إنّ الوضع اللبناني بات من الخطورة ما يفرض الحذر والدقة في التعاطي معه، ولا يجوز مطلقاً التسلي أو هدر الجهد أو الوقت بطروحات لا يدرك أصحابها مخاطرها كما أنهم يستثيرون فيها الشبهة والالتباس وسوء الظنون لأنها طروحات حمّالة أوجه، وعليه نقول من كان لديه مشروع حلّ للأزمة اللبنانية التي نقرّ جميعاً بوجودها لا بل بملامستها درجة شبه الاستعصاء، نقول من كان لديه مشروع حلّ فليدرج مشروعه ووسائل اعتماده في مخطوطة يعرضها للنقاش والحوار الوطني الصادق الهادف، وليتجنّب الإثارة وتوليد الشكوك التي لا تزيد الوضع إلا تباعداً أو تفسّخاً. وإذا كانت الأهداف الخفية من كلّ هذه الطروحات المنبرية الوصول إلى ما تريده أميركا و»إسرائيل» من تجريد لبنان من مصادر قوّته الحقيقية والفعّالة ومصادرة حقوقه، فإننا من الآن نقول إنّ من قدّم الدماء في سبيل تلك الأمور لن يبخل مستقبلاً من أجل حماية مكتسبات لبنان الوطنية وحقوقه السيادية وانتمائه الحقيقي التاريخي، ثم ليتذكر أمراً لا بدّ منه وهو أنّ العالم اليوم مشغول بهمومه عنا فلننشغل نحن بهمومنا ولا نطرحها على الآخرين.

هل يقترح الكاردينال الراعي فكرة المؤتمر التأسيسي؟

د.وفيق إبراهيم

الحائط المسدود في مراحل تشكيل حكومة جديدة للبنان يعكس انهيار أسلوبين تاريخيين وتقليديين تعتمدهما القوى السياسية اللبنانية منذ 1948، الأول هو الاعتماد على القوى الخارجية للسيطرة على السياسة في الداخل اللبناني.

أما الثاني فهو أسلوب التحشيد الوطني الذي يذهب في معظم الأحيان نحو تمجيد الأرز والتاريخ لكسب تنازلات من الفريق الآخر.

الآن بات لبنان من دون أسلوبيه المعتمدين منذ سبعة عقود على الأقل، بما يعني أنه مكشوف تماماً، وذلك بتراجع الضغوط الخارجية التي لا تزال حتى الآن غريبة بشكل كامل وفقط.

الكاردينال الراعي يعتمد حتى الآن أسلوب إثارة النخوة الوطنية على المثال التالي: هل يمكن لوزير أن يكون أغلى من لبنان؟

ألا يأتي الوزراء من الشعب وقوتهم تأتي منه مباشرة، سواء اكانوا ستة وزراء أم سبعة أم أقل أو أكثر؟ لا يهم بالنسبة للكاردينال، ما هو هام يتعلق مباشرة بضرورة وضع سياسة جديدة موضع التنفيذ تقوم على الحياد بين «إسرائيل» (العدو) وسورية، وهذا ورد حرفياً على لسان الكاردينال.

أما لجهة الارتماء في أحضان الخارج لتحقيق تغيير في الداخل، فأمره واضح بتموضع الكاردينال بين السياستين الفرنسية والأميركية بتعميد مقدّس من الفاتيكان.

والدليل أيضاً في أن الكاردينال كشف في إحدى خطبه أن الطرف الآخر لا يشبهنا، وكان يقصد «الخلاف الثقافي» الذي حدّد علم الاجتماع إطاره في الملبس والمأكل والمأوى والجنس.. هذه العناصر أدّت الى هيمنة فرنسية غربية على الاجتماع اللبناني بشكل بات الكاردينال يعتقد أن كل من يمارسها بطرق مختلفة لا «يشبهنا».

لكن علم الاجتماع يكشف أيضاً أن التشابه وصولاً الى التقليد يؤدي الى الانصياع الكامل كما يروِّج له نيافة الكاردينال.

ما بات واضحاً بقول للكاردينال بصراحة أن الأسلوبين سقطا في الوقت الحاضر فلا المبادرة الفرنسية تمكنت من التسلل والنجاح ولا السياسات الواردة من السفارة الأميركية تمكنت من إعادة بناء 14 آذار جديدة.

كما ان نمط إثارة النخوة هوى الى الحضيض حتى أن كثيراً من القوى السياسية اللبنانية قال للكاردينال بأسلوب النفخ الوطني أن لبنان الحالي يحتاج الى فتح مؤسساته السياسية أمام كل تنوّعات اللبنانيين تماماً كما فعلت سلسلة الثورات الأميركية والانجليزية والفرنسية، حتى أن أحداً لم يعد يعرف من هو الكاثوليكي او البروتستاني او الانجيلي وصولاً الى اليهودي؟

لم يلق طارحو هذا السؤال من الكاردينال إجابة لأنه اكتفى بهزة رأس عميق، لم يفهمها أحد اذا كانت موافقة او قشعريرة من هذا السؤال!

حتى الآن لم تسمح انهماكات الكاردينال الراعي بالإجابة عن هذا السؤال، عند هذا السؤال توقف حوار الراعي الذي آثر العودة الى تأمين هدنة بين الفريقين الماروني أي رئاسة الجمهورية والتيار الحر وبين الفريق السني أي الرئيس المكلف سعد الحريري وحزب المستقبل.

فهل توهّم الكاردينال بإمكانية عقد هدنة بين هذين الفريقين تستطيع بمفردها جذب رئيس المجلس النيابي نبيه بري والتأسيس لمعادلة رئاسية فرنسية أميركية ومارونية سنية، أي شبيهة بمعادلة الطائف..

هناك سؤال آخر يتعلّق بمدى إمكانية الراعي تحقيق معادلة تقوم على عزل الآخرين مع إعادة بناء نفوذ فرنسي أميركي، لا تبدو قواعده راسخة في السياسة اللبنانية الحالية، فهناك حزب الله أي القوة اللبنانية المحورية، تضعه اقتراحات الراعي خارج المعادلات وكأنها ترفع عنه غطاء مفترضاً هو بالأصل ليس موجوداً، فأين الحل إذا؟

هناك تيار كنسيّ يطالب الراعي بالاعتراف بالموازين في الداخلية والتأسيس لتيار داخلي لبناني يتعامل مع تطورات الداخل من دون استعمال الخارج لإجهاضه، فمثل هذه المحاولات فشلت بنماذج التاريخ لذلك يرى هذا التيار أن بناء معادلة داخليّة جديدة على اساس المثالثة او الدولة المدنية هو خيار يؤسس لدور سياسيّ جديد للمسيحيين يُضيف إليهم مئة سنة سياسيّة جديدة من الدور السياسي، فمسيحيّو لبنان هم المسيحيّون الوحيدون الذين يؤدون دوراً سياسياً في العالم الإسلامي باسره، وهذه ميزة اتسم بها لبنان ويفاخر بها، لكن المطلوب وجود قوة مارونيّة تستطيع تبني معادلة تفتح أبواب السياسة على كامل قوى الطوائف اللبنانية، فيتحقق التعادل مع إمكانية حماية لبنان من الإرهاب السياسي المحيط به والذي لا يحتمل وجود مسيحيين او أي مسلم من الأقليات.

فهل يصل الكاردينال الى هذه المعادلة؟

هناك رفض أميركي لمثل هذا الطرح يدفع بشكل طبيعي إلى رفض فرنسي مع محاولات لتأجيج قوى الداخل في وجهه، ما يعني أن لبنان مقبل على مرحلة من التأجيج الخارجي لأوضاعه الداخلية. وهذا يحتاج الى تضافر جهود الكاردينال مع نظرائه في دور الإفتاء والقوة السياسية المدنيّة لإنقاذ لبنان.

كيف يرضى الأميركيّ دور الوسيط في ظل السلاح؟

ناصر قنديل

قد يكون حجب الأعين عن طرح هذا السؤال، سبباً كافياً لتفسير وفهم الحملة المبرمجة على الإعلان عن اتفاق الإطار للتفاوض غير المباشر حول ترسيم الحدود، وما تضمنته الحملة من كثافة أسئلة تشكيكية بوطنية الأهداف، كالاتهام بالتطبيع والاعتراف بكيان الاحتلال، والتفريط بالمقاومة، وفتح الباب لطرح مصير سلاح المقاومة على الطاولة، وهي أسئلة لا يمكن فهم أهدافها وتفسيرها بالنظر إلى انتماء أغلب أصحابها إلى معسكر الداعين علناً لنزع سلاح المقاومة وتحميله مسؤولية كل أزمات لبنان، وتبني أغلبهم دعوات الحياد، والساعين لخطب ودّ المناخ الخليجي الزاحف نحو الاعتراف والتطبيع، ولكون الجهة المستهدفة بالتشكيك هي المقاومة التي تتهم إما بالخيانة أو بالغباء، وتاريخها ناصع في الشجاعة والحكمة والتضحية والثبات في آن واحد.

من الممكن تفهُّم أسباب هؤلاء في حملتهم، من موقع غضب وغيظ وخيبة، بفعل ما ذهبوا إليه من إحراق للسفن في حملاتهم لشيطنة المقاومة وتحميلها وزر كل الأزمات، ودعوتهم لتقييدها وحصارها، وإبعادها من المشهد وطرح مصير سلاحها على الطاولة، وتسويق دعوات الحياد، وكل ذلك تحت عنوان واحد، أن المقاومة تسبّبت بغضب مَن يُمكنهم مساعدة لبنان على الخروج من أزمته، ولهؤلاء المتعدّدي الهوية عنوان واحد يبدأ من واشنطن، وفيما هم يفعلون كل ما بوسعهم لتقديم أوراق اعتمادهم للأميركي كسعاة لترجمة شعاره، لا حلول مالية في ظل سلاح المقاومة، يفاجئهم الأميركي بالقبول بما وصف به اتفاق الإطار وما يهدف إليه، كعنوان حل أزمة لبنان المالية، وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر، وفي ظل السلاح وبعيدا عن أي نقاش حول نزعه أو اشتراط إدخال مستقبله بنداً في التفاوض.

الأسباب الخاصة لهؤلاء في الشعور بالغضب والغيظ والخيبة، واضحة ومفهومة، لكنها تفسر انخراطهم في الحملة، وليس أهدافها، فهم عبر الحملة يفجّرون غضبهم وغيظهم ويعبرون عن خيبتهم، لكنهم يعاودون تقديم أوراق اعتمادهم للأميركي مجدداً، على أبواب مفاوضات شاقة ومعقدة يحتاج التفاوض فيها إلى حرب إعلامية ونفسية تواكبها، وأعلى مستويات الحرب النفسيّة هو نقل الخصم المنتصر إلى مهزوم يدافع عن نفسه، تماماً كما فعل الرئيس فؤاد السنيورة بعد حرب تموز، برفض الاعتراف بأن لبنان انتصر، رغم أن كيان الاحتلال بقادته السياسيين والعسكريين، ومفكّريه ونخبه ووسائل إعلامه وقضاته، كان يعترف بالإجماع بأنه هُزم وبأن المقاومة انتصرت، وكان الهدف من الإنكار، أبعد من مجرد نقل المقاومة إلى موقع الدفاع، بل الإسهام في معركة الوعي، لصالح منع تجذر فكرة النصر في الوعي الجمعي للبنانيين والعرب، وتقديم أوراق الاعتماد للجولة المقبلة من المواجهة.

لنتخيل المشهد لولا حملات التشكيك وكثافتها، وتدفق الأسئلة المبرمجة ضمنها، كما لنتخيل المشهد من دون حملات التشكيك بالنصر في تموز، بعيداً عن وظيفة التشكيك بنقل المقاومة إلى الدفاع عن نفسها وصدق وإخلاص موقعها من أجل وطنها، والدفاع بالتالي عن صدقيّة نصرها. فهدف الحملات الأعمق والأبعد مدى، كان حرمان المقاومة من خوض معركتها وإطلاق حملتها، لطرح أسئلتها، وفي حرب تموز كان سؤال المقاومة هل بقي هذا الجيش جيشاً لا يُقهر، وهل ثبت أن «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، والسؤال الذي كان يجب أن يطرح اليوم، ليس كيف قبلت المقاومة بالأميركي وسيطاً، لأن السؤال الطبيعي كيف قبل الأميركي دور الوسيط في ظل السلاح؟

لقد خاض الأميركيون والإسرائيليون، حرب تموز لإقصاء السلاح عن قدرة التأثير في أمن الكيان وثروات الغاز، وفشلوا، وشنّوا حربهم على سورية وفي أحد أهدافها تحقيق ما لم يتحقق في حرب تموز، وفشلوا، وحاولوا السطو على الغاز من دون تعريض أمن الكيان، ومرة أخرى كان اسم السنيورة حاضراً، ففشلوا مرتين، مرة بإسقاط التسلل عبر السنيورة، لترسيم مشوّه لحساب الكيان، والمرة الأهم لفشلهم كانت عندما رفعت المقاومة شعارها، سندمّر كل منصات الغاز التي تنصب في المنطقة الاقتصادية التي يعتبرها لبنان حقاً سيادياً له، وركزوا خلال عامين على الذهاب نحو دفع لبنان إلى الانهيار والانفجار، أملاً بتوجيه كرة النار نحو المقاومة تحت شعار، لا حل في ظل السلاح، ولا حوار في ظل السلاح، ولا إنقاذ في ظل السلاح، وذهب بعضهم للقول لا حكومة في ظل لسلاح، ولا انتخابات في ظل السلاح، وفشلوا ولم ينجح السيناريو بإضعاف المقاومة وفرض التنازلات عليها، وعلى بيئتها وحلفائها، فاضطر الأميركي والإسرائيلي للرضوخ لمعادلة حرب تموز الاقتصادية، والتسليم بالتفاوض في ظل السلاح.

مَن يستطيع اليوم أن يقول لا تفاوض ولا حوار في ظل السلاح؟

استحضار بندر بن سلطان: السعوديّة إلى التطبيع در

في ظروف سعودية تغلق فيها كل المنافذ أمام ما يُسمّى بالحرس القديم، وظروف أميركية تضع ملف التطبيع الخليجي الإسرائيلي في الواجهة، لا يمكن أن يحضر الأمير المتقاعد بندر بن سلطان على فضائيّة سعودية ليفتتح حملة تشهير بالشعب والقيادات الفلسطينيّة إلا كثمرة لخطة سعودية أميركية تم إسناد تنفيذها لبندر الذي كان تاريخياً نقطة تقاطع المهمات الخاصة الأميركية السعودية منذ تشكيل مجموعات «جهادية» للقتال في أفغانستان تحوّلت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة، كما يروي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغينيو بيريجنسكي.

العلاقة بكيان الاحتلال كانت دائماً حاضرة في مهمات بندر الأميركية السعودية، وهو مهندس الشراكة الثلاثية الأميركية السعودية الإسرائيلية في الحرب على سورية، وهو مَن وصف مراراً من قادة الكيان بالصديق الموثوق، وهو صاحب الدعوة العلنية لصندوق خاص لتمويل توطين الفلسطينيين في أماكن اللجوء، ضمن إطار تصفية حق العودة للاجئين.

إطلالة بندر بن سلطان لخوض معركة تحميل الفلسطينيين مسؤولية ضياع فرص نيل الحقوق والاستحضار المشوه للوقائع لتثبيت هذه الفكرة، من رجل تولى مسؤوليات وقاد اتصالات تمنحه صفة التحدث بما كان شريكاً في صناعته، تهدف للتمهيد أمام الرأي العام الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً من أي التزام بالقضية الفلسطينية، وصولاً للدعوة التي يتبنّاها حكام الإمارات أصدقاء بندر، تحت عنوان هدرنا جهوداً ووقتاً أكثر مما ينبغي من أجل فلسطين من دون جدوى، على حساب مصالحنا، وآن لنا أن نهتمّ بأنفسنا، وهنا طبعاً لا يسأل هؤلاء أنفسهم عن مصلحة بلادهم بفتح أمنها ومجتمعاتها أمام مخابرات كيان الاحتلال؟

الذريعة التي سينتقل بندر لتسويقها في إطلالة ثانية ستكون أولوية إيران كخطر يستدعي التعاون مع كيان الاحتلال. وهذا يعني أن خطة الانضمام السعوديّ إلى ركب التطبيع، كما بشر دونالد ترامب، قد وضعَت قيد التنفيذ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا لا يسأل البطريرك قيادة الجيش؟

المصدر

عندما تصدر عن رأس الكنيسة الأهم في لبنان الذي يمثله البطريرك بشارة الراعي دعوة لترسيم الحدود في مزارع شبعا، يقع كلامه عند حسني النيات في دائرة تصوير وجود عقدة سورية في طريق استعادة لبنان أرضه المحتلة، وبالتالي تبرئة كيان الاحتلال من مسؤوليته كمحتل، بذريعة أن سورية لم تساعد لبنان ومنحت كيان الاحتلال الفرصة للاختباء وراء ذلك، ويذهب سوء النيات بالبعض إلى القول إن البطريرك يقصد أن سورية كحليف للمقاومة تفعل ذلك للإبقاء على ذريعة المقاومة للحفاظ على سلاحها، بالاستناد إلى كلام البطريرك المعلوم حول هذا السلاح، رغم صلة سلاح المقاومة بقضيتي رد العدوان ومصير اللاجئين الفلسطينيين، كقضيتين يعرف البطريرك أن مشروعه للحياد لا يقدّم لهما حلاً.

المشكلة أن كثيراً من اللبنانيين يقعون تحت تأثير عملية غسل دماغ منتظمة ومبرمجة منذ العام 2000 تجد الأعذار لكيان الاحتلال للبقاء في مزارع شبعا، جوهرها ربط تثبيت الحق اللبناني بالمزارع بموقف سوري، ولذلك يمكن فهم أن يظنّ الكثير من اللبنانيين أن ذلك صحيح، أما أن يصدر الكلام عن البطريرك الذي لا يتكلم دون مراجعة وثائق والعودة لمعطيات مدققة. فالأمر مختلف.

لن نتحدّث هنا عن مواقف سوريّة تؤيد لبنانية مزارع شبعا ومطالبة الدولة اللبنانية بها وفقاً لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في 22 أيار عام 2000 عن تلقيه تأكيداً سورياً في 16 أيار عام 2000 يؤكد حق لبنان بمزارع شبعا، فقد يُقال هذا الكلام سياسي، ونريد ما هو موثق قانونياً وتقنياً والجواب هنا منعاً لكل تأويل وإلتباس عند الجيش اللبناني الذي يفترض أنه المرجع الأول عن حماية الحدود، وبالتالي معرفتها، ومعرفة المرسّم منها من غير المرسّم، ولا كلام بعد كلام الجيش الذي يفترض أيضا انه فوق الشبهات عند بكركي، بل المطلب الذي تحمله نداءات بكركي بوجه سلاح المقاومة، فماذا يقول الجيش، خصوصاً ماذا تقول مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش المعني الأول والأخير بملف الترسيم والخرائط؟

في العدد 250 من مجلة الجيش الصادرة بتاريخ نيسان 2006، مقالة أقرب للوثيقة المرجعية بتوقيع مدير الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني العميد الركن مارون خريش، ينصح بأن يقرأها كل مسؤول لبناني قبل التحدث عن ترسيم الحدود في مزارع شبعا، وفي وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش التي وقعها العميد خريش إشارات موثقة ومؤرخة لما يوجد في أرشيف المديرية من وثائق وخرائط تتصل بترسيم مزارع شبعا بين لبنان وسورية، لا تحتاج إلى تثبيت ولا إلى تأكيد ولا تحتمل التأويل والالتباس، وتقول إن هناك مشاكل عالقة حدودياً في عدد من المناطق بين لبنان وسورية لكن منطقة المزارع ليست منها إطلاقاً.

في وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش اتفاقات وقرارات ومذكرات وخرائط أعوام 1934 و1938 و1939 في عهد الانتداب، وما هو أهم وأشد وضوحاً بعده خصوصاً أعوام 1946 و1954 و1956 و1961 و1963 و1966، وقد ورد في الوثيقة المرجعية لمديرية الشؤون الجغرافية بتوقيع مديرها العميد الركن مارون خريش، ما نصّه «جرت عدة اتفاقات ومحاولات ترسيم بعد الاستقلال بين لبنان وسورية، وتشكلت لجان عامة وضعت المبادئ، ولجان فرعية وفنية وعقارية للبت بالإشكالات ووضع التخوم ورسمها على الخرائط تمهيداً لنقلها على الأرض، بعد تصديق الخريطة السياسية العامة من قبل السلطات المختصة في البلدين. ومن هذه المحاولات والاتفاقات:1- – اتفاق الحدود العام 1946 بين شبعا ومغر شبعا (سورية) الذي وضعته لجنة عقارية لبنانية سورية برئاسة القاضيين العقاريين اللبناني رفيق الغزاوي والسوري عدنان الخطيب. وقد رُسمت الحدود على خريطة 5000/1، ونقلت العلامات على الأرض. وهذه الحدود تمتد من شمال جسر وادي العسل إلى شمال بلدة النخيلة اللبنانية…».

تختم الوثيقة بالقول «إن عمليتي رسم الحدود العام 1934 والعام 1946 بين شبعا من جهة وجباتا الزيت ومغر شبعا من جهة ثانية، واللتين رسمتا حدود لبنان وسورية بين القرى الثلاث، هما دليلان قاطعان وكافيان لرسم الخريطة الفعلية للحدود اللبنانية السورية. وأصبح هذان القراران نافذين استناداً الى نص القرار RL 27 العام 1935».

نأمل أن يقرأ غبطة البطريرك هذه الوثيقة كاملة لأهميتها وأن يلفت انتباهه مستشاروه إلى خطورة ما يصدر عنه بخصوص مسألة حساسة مثل قضية هوية أرض لبنانية تقع تحت الاحتلال، قبل الاطلاع على موقف الجيش اللبناني، الذي ربما يكون اليوم آخر مؤسسة تحظى بإجماع اللبنانيين، خصوصاً أن الجيش هو المعني الأول بهذا الملف الحساس، ولا كلام بعد كلامه.

انطلاق مفاوضات الترسيم: من تنازل لمن؟

ناصر قنديل

مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري، التوصل الى التفاهم على إعلان إطار للتفاوض حول ترسيم الحدود، يحضر هذا الملف بقوة على طاولة النقاش والتقييم، بعيداً عن الخطابات الوظيفية، أي المكرّسة لمناقشة هادفة سلفاً لأداء وظيفة لا علاقة بمضمون البحث عن حقيقة، والتي تهدف مرة للإيحاء بأن المفاوضات ستكون تخلياً عن خيار المقاومة أو اعترافاً بكيان الاحتلال أو انخراطاً في التطبيع، ومرة بالتنمر على تهديدات المقاومة في حال إقدام كيان الاحتلال على شن حرب على لبنان بالرد الموجع وصولاً لتعريض الكيان لخطر الزوال، بالتساؤل عن مبرر الترسيم طالما المقاومة قادرة على تدمير الكيان، فغالب هؤلاء ليسوا من دعاة تدمير الكيان، ولا من رافضي الاعتراف به ولا من معارضي التطبيع، وخلفية كلامهم الغاضبة من إعلان الاتفاق تعكس تعارض معانيه مع مراميهم الآتية مرة تحت عنوان “الحياد” ومرة تحت عنوان نزع سلاح المقاومة، ومرات تحت عنوان تحميل القوى التي تؤمن بالمقاومة مسؤولية الانهيار المالي، لأنها تقف بوجه السياسات الأميركية والخليجية المتقاطعة عند النقطة الإسرائيلية تطبيعاً.

يعلم المتنمرون على الاتفاق أن لغته ليست لغة الطرف اللبناني فيه، بل هي لغة الاتفاقات التي سبقته من اتفاق الهدنة إلى تفاهم نيسان والقرارات الدولية طالما أنه موثق في الأمم المتحدة وتل أبيب وواشنطن مثلما سيوثق في بيروت، ولو كان الاتفاق يصبّ الماء في طاحونة المتنمّرين ودعواتهم ويعبّر عن انتصارها، وهي ليست بعيدة عن دعوات واشنطن لضرب المقاومة وثقافتها، لصفقوا له وساهموا بتمريره بدلاً من الهجوم عليه، ولعل ما يجعل غضبهم مفهوماً هو أنهم وجدوا أن الأميركي الذي ينظرون إليه كإله جبار، يخون ثقتهم فيرتضي التسليم بأن نزع سلاح المقاومة فوق طاقته، وأن المقاومة وحلفاءها من القوة بما لا يمكن كسرهم أو تطويعهم رغم الأزمات الضخمة التي تقع فوق أكتافهم والعقوبات التي تقع عليهم، وأنه لا بد من مقاربة بلغة المصالح للبحث عن تفادي خيار المواجهة معهم، لأنها تعبر عن خيار خاسر خاسر، وهذا سبب سعي الطرفين لتفاديها، وسبب بقائها بالنسبة للمقاومة رداً دفاعياً يضمن تدمير الكيان لكنه يدمّر الكثير مما يهمّها سواه، ولذلك لن يكون خياراً ابتدائياً عندها. ومع السعي الأميركي القائم على التسليم بمغادرة خيار المواجهة يظهر العقل الأميركي القابلية لاستبدال المواجهة بالبحث عن خيار رابح رابح، بشروط أقرب لمصالحه، وإلا ففي منطقة وسط طالما لم تنفع محاولات تليين موقف المقاومة وحلفائها من شروط البحث عنه، ويعرف المتنمّرون على الاتفاق أنه ضمناً جواب على لا جدوى دعواتهم الحياد ونزع السلاح والالتحاق الأعمى بدفتر الشروط الأميركي الخليجي الذي يترجمه التطبيع، طالما تثبت التجربة الحسية أن بمستطاع المقاومة وحلفائها خلق موازين قوة تفرض على الأميركي قبول التفاوض، وتفرض شروط هذا التفاوض، بما فيها عدم الاعتراف بالكيان وعدم التطبيع معه، وتفرض نيل الحقوق الاقتصادية وانتزاعها من بين براثنه في زمن يقدم بعض العرب نفطهم وغازهم وبلادهم وأسواقهم وأمنهم على طبق من ذهب للإسرائيلي بعدما صار الأميركي سيد قرارهم منذ زمان، ويراهم هؤلاء المتنمرون مثالاً يُحتذى.

صبر الأميركيون عشرة أعوام منذ بدء فتح ملف الحدود البحرية، رسمياً عام 2010 عندما بدأ الكشف عن الثروات الهائلة في البحر في المياه اللبنانية وبصورة مكثفة في المياه الواقعة جنوباً على حدود فلسطين المحتلة حيث العين الإسرائيلية حاضرة، لكنهم صبروا منذ ما قبل ذلك عشرة أخرى تمتد منذ العام 2000 بعد تحرير المقاومة لجنوب لبنان، وانطلاق الحملة العسكرية الأميركية على المنطقة في عهد المحافظين الجدد خلال ولايتي الرئيس جورج بوش، وعينهم على ثروات النفط والغاز التي لا يعرف عنها الكثير سواهم ولا عن مواطنها، ومنها البحر المتوسط، وفقاً لتقرير الطاقة الذي أقره الكونغرس عام 2000، وجاءت بعدها الحروب على المنطقة ترجمة له، وقد جسدت هذه التوجهات مباشرة في لبنان بصورة حربية عام 2006 بعدما سبقها الإعلان عن أنبوب للنفط من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان في فلسطين المحتلة، وما يستدعيه تنفيذه وتفرضه الحاجة لحمايته من حرب تُنهي المقاومة، وأعقب الحرب التي فشلت عسكرياً مشروع عسكرة البحر المتوسط بموجب القرار 1701 استعداداً لخطط استثمار النفط والغاز بعيداً عن تأثير قوة المقاومة وشروطها السيادية، وقبل حرب تموز 2006 تم بصورة أمنية وسياسية التمهيد لفرض السيطرة على هذه الثروات عبر القرار 1559 عام 2004، وصولاً لربط اغتيال الرئيس رفيق الحريري لإشاعة الفوضى ونشر الفتن وإرباك سورية والمقاومة وإضعافهما خدمة لهذا الهدف، لكن صبر الأميركيين لم يحمل جديداً يتيح الرهان على المزيد من الصبر، فقوّة المقاومة تتزايد، ومعادلتها السياسية في لبنان تبدو غير قابلة للكسر أو للعصر.

بعد فشل رهانات 2004 و2005 و2006، جاء رهان 2010 على الحرب على سورية وتداعياتها لبنانياً بإضعاف المقاومة إذا قيض للحرب تحقيق أهدافها، ولكن خاب الرهان وجاءت النتائج عكسية، وبدت واضحة مسارات الحرب على سورية منذ نهاية العام 2016 ومعركة حلب، كما بدت المقاومة في ذروة صعودها السياسي مع وصول الرئيس ميشال عون كحليف للمقاومة إلى رئاسة الجمهورية في الفترة ذاتها، فحضر الرهان الأشد قسوة الذي ترجم حضوره عام 2016 ببدء العد التنازلي لموجودات المصرف المركزي من العملات الصعبة، وكانت الهندسات المالية التي نفذها تعبيراً عن هذا التراجع، الذي زاد تفاقماً عاماً بعد عام تحت ضغط أميركي مدروس هدفه خنق لبنان مالياً وتفجيره اجتماعياً، وصولاً لتسييل هذا التفجير بوجه المقاومة وخياراتها، وفي الطليعة فرض خط لترسيم النفط والغاز قدّمه الأميركيون تحت اسم سفيرهم فريديريك هوف منذ العام 2012 ورفضه لبنان رغم الضغوط التي تجدّدت مع خلفه في المفاوضات السفير الأميركي ديفيد ساترفيلد، ليعلن لبنان عام 2016 اشتراطه حصر الدور الأميركي بالوسيط وربط الترسيم والتفاوض غير المباشر برعاية الأمم المتحدة، وتتجمّد المفاوضات من حينها.

حاول الأميركيون خلال هذه السنوات، تصعيد الضغط الاقتصادي حتى الانفجار الشامل، حيث لم يخف الأميركيون رهانهم على توظيف انتفاضة 17 تشرين وتوجيهها بوجه المقاومة وحزب الله، والتركيز على موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الممسك بحنكة وحزم بملف التفاوض، وكلام سفيرهم السابق جيفري فيلتمان وإشاراته للتفاوض على ثروات النفط والغاز أمام الكونغرس تلاقيها الكلمات الواضحة لمعاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، “لديكم معاناة كبيرة وتملكون ثروات واعدة في البحر المتوسط تتنازعون عليها مع “إسرائيل”، وقد قدمنا لكم تصوراً لحل النزاع فاقبلوه”، كانت كافية لتكشف جوهر الأهداف الأميركية من الضغوط، وصولاً لدفع لبنان نحو الانهيار، واللعب بتوازناته السياسية والطائفية، وبشوارعه المتعددة اجتماعياً وثقافياً حتى الاشتعال، أملاً بالحصول على موافقة لبنانية على خط هوف من بوابة تفاوض مباشر بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ولم يخف الأميركيون خلال هذه الحملة المركزة المتعددة الجوانب سعيهم لإخراج ملف التفاوض من يد الرئيس بري، أملاً بجعل الأماكن البديلة خواصر رخوة يمكن الضغط عليها بشوارعها أو بالعقوبات، فلم يحصدوا إلا الفشل.

كان الجميع من اللاعبين الكبار يدرك أن الزمن الأميركي محكوم بسقف الانتخابات الرئاسية، وأن كل الأوراق المطلوب لعبها يحب أن تستثمر قبل ذلك التاريخ، وعندما سلم الأميركيون مطلع تموز الماضي بالإطار اللبناني لمفاوضات الترسيم، لا مفاوضات مباشرة، بل إحياء للجنة التفاوض في تفاهم نيسان مع أو بدون فرنسا، ورعاية الأمم المتحدة، وحصر الدور الأميركي بالوسيط والمسهل بدلاً من الراعي، وربط حدود البحر بنقطة برية محورية في الناقورة، وهذا معنى التلازم البري والبحري، بقوا ينتظرون فرصة جديدة لاختبار إمكانيات التعديل مرة أخيرة على حافة النهاية، والاتفاق في جيبهم جاهز للإعلان، لتطل برأسها ثلاثية تفجير المرفأ وحملة التطبيع الخليجية والمبادرة الفرنسية نحو لبنان، والثلاثية مترابطة لدرجة تطرح أسئلة كبرى حول تلازمها ومرجعيّتها الأميركية. وتحرك الفرنسيون بالتنسيق مع الأميركيين وتحت نظرهم. كان الناظر الأميركي ديفيد شينكر وزميله ديفيد هيل يزوران بيروت، ويجسّان نبض الرئيس بري ومن خلاله المقاومة، حول شروط الترسيم، وفقاً لمعادلة، أن يحصل الأميركيون على ما يريدون في ملف الترسيم فيحصل بري ومن خلفه حزب الله على ما يريدون في الملف الحكومي، وعند التمسك بالشروط جاءت العقوبات، وعندما سقطت الفرصة ولم ينفع شيء في تغيير المواقف قرر الأميركيون الإفراج عن التفاهم، ليتمّ الإعلان عنه، متقبّلين معادلة رابح رابح، بعدما فشلت كل محاولات الفرض وقوبلت بالرفض، فيربح الأميركيون ومن خلفهم الإسرائيليون ما يستثمرون من خلاله النفط والغاز والسياسة والتسويق الرئاسي والترويج لإنجازات تحاكي إنجازاتهم في الخليج، ويربح لبنان ومقاومته سيادة غير منقوصة، وثروات كاملة، وإحباطاً لضغوط تحت عناوين الحياد ونزع السلاح.

الجولات المقبلة لن تكون سهلة، لكنها تحت سقف توازنات صنعتها مفاوضات الإطار، وستكشف الأيام يوماً أن إدارة الرئيس بري لملف التفاوض كانت تتمة مديدة لمفاوضات حرب تموز، وأنها خلافاً لكل ما يقوله المزايدون والمتنمّرون، والذين غالباً ما كانت مواقفهم تعبيراً عن صدى للضغوط الأميركية، وسيظهر كيف أن إدارة بري عبرت عن وطنية لبنانية صافية وصلبة وعن استعداد للتضحية ترجمه تحمل العقوبات والاستعداد لتحمل التهديد بأكثر منها، لتكتب صفحة إنجاز وطني لبناني، مؤسف أن لا يتلقفه اللبنانيون موحّدين، ومؤسف أكثر أن يضعوه على خطوط تماس مراهقات عصبيّاتهم المريضة، في لحظة وطنية تستحق الترفع عن لغة التفاهة والحقد والعبث.

مبارك للبنان وشكراً لنبيه بري وتحية للمقاومة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حتى لا يكون العماد ميشال عون آخر رؤساء لبنان…!

د. عدنان منصور

د. عدنان منصور لـ " تلال نيوز" : وجود الجامعة العربية اصبح معنوي والتشردم  الفلسطيني ساهم في تطبيع العرب مع اسرائيل - دلمون بوست

أمام الحالة المأساوية التي يعيشها لبنان على الصعد كافة، وفي مختلف المجالات، والتي وضعت شعباً بأكمله في مستنقع الفقر، والإفلاس، والجوع، واليأس، والإحباط، وهو يواجه إهمالاً، وشراسة، ولا مبالاة أقذر طبقة سياسية، استولت على مقدّرات وثروات البلد والشعب، نجد انّ هذه المنظومة السياسية ليست على استعداد اليوم أو غداً، رغم فشلها الذريع، في إدارة البلد، أن تتخلّى عن جزء بسيط جداً من امتيازاتها، وثرواتها، ومكتسباتها، ومواقعها، و«حقوقها»، والتي لا تنفكّ عن إقناع طوائفها بأنها تدافع عن مصالحها ورعاياها، وتحمي وجودهم، وتعزز من مكانتهم، وتحافظ على مستقبلهم.

اليوم وفي خضمّ الأزمة السياسية والمالية والنقدية والمعيشية القاتلة، والصراع على السلطة والنفوذ، والحكومة والتأليف، والتمسك بالوزارات السيادية، وتوزيع الحصص، والمداورة الشاملة، أو المداورة الحصرية، والثلث المعطل، والفيتو على وزارات، وحجبها عن طوائف، والتمسك بالميثاقية، وتصعيد في السجالات الطائفية بين زعماء روحيين، ومدنيين، وإطلاق مبادرات، وطرح مطالب من هنا وهناك، تتوزّع بين إلغاء الطائفية السياسية، والدعوة الى مؤتمر وطني تأسيسي جديد، وبين إعلان حياد لبنان، والإصرار عليه، والمطالبة

باللامركزية الواسعة، والفدرالية، والكونفدرالية، وكلها تضع البلد أمام الفعل ورد الفعل، في ظلّ ظروفنا الراهنة، وأوضاعنا السيئة التي تهدّد أمن واستقرار ووحدة البلد ومصيره، في ظلّ سخونة المناخ العام الضاغط، الذي يشهد اللبنانيون في كلّ لحظة، دقته وخطورته، وما يحمله من نذر مخيفة تطيح بكيان الوطن بالكامل.

فأيّ لبنان نريد؟!

وهل فعلاً ما تقوم به طغمة السياسيين الفاشلين، علة هذا الوطن ومصائبه، تجعلهم يدركون فعلاً مدى الذي تخبّئه وتفرزه سياساتهم الرعناء، وهم يواجهون التحديات والضغوط الخارجية، وتدخلات الدول الكبرى، وإملاءاتها، وتوجيهاتها، ومطالبها التي لا تخرج عن دائرة التهديد، والتهويل والترغيب والتخويف، في ما لو لم يذعن لبنان لرغباتها وتوجهاتها.

أهو لبنان السيد المستقل الذي نريده، بقرار وإرادة شعبه، أم لبنان الذي يريد البعض أن يرهنه للخارج، وإنْ كان هذا الرهن يأتي، على حساب سيادة لبنان، ووحدة أرضه، وشعبه واستقراره وأمنه ومستقبله.

إنّ لبنان يمرّ في الوقت الحاضر، بأحلك الظروف وأخطرها، لم يشهد مثيلاً لها من قبل، وإنْ كان في الماضي القريب، قد شهد الاحتلال الصهيوني لأرضه، والحرب الأهلية، واعتداءات «إسرائيل» الواسعة النطاق، أعوام 1978، و1982، و 1996، و 2006، حيث خرج منها بإرادة صلبة، وعزيمة أقوى. لكنه اليوم، وللأسف، يشهد تباعداً بين أبناء الوطن الواحد، وتفككاً اجتماعياً، واختلافاً عقائدياً حاداً، واشتباكاً فكرياً شرساً، خرج عن إطار الموضوعية، والالتزام بالمصلحة الوطنية والقومية العليا للبلد ككلّ.

إنّ مَن يتحمّل المسؤولية كاملة، هم من أوصلوا لبنان وشعبه الى الكارثة التي يعيشها. من كان في موقعه، ومنصبه هو المسؤول، من دون لفّ أو دوران، ولا مجال لهم للدفاع عن أفعالهم، وتبرير فسادهم، وتظريف فشلهم. الشعب يعرفهم واحداً واحداً، نشأتهم، وسلوكهم، واداءهم و«شطارتهم»، وصفقاتهم واختلاساتهم.

يعرف كيف كانوا، وكيف أصبحوا، يعرف فقرهم أمس ـ وهذا ليس بعيب ـ لكن العيب أن يجوّعوا شعباً بأكمله، ويسرقوا جنى عمرهم، وينهبوا بلداً بأكمله.

لا نعوّل الإصلاح على هؤلاء مطلقاً، وإن تستروا زوراً بلباس الإصلاح، والوطنية، والغيرة على أبناء جلدتهم، وحرصوا على مصالح الوطن.

إنّ استمرار زمرة الطبقة في نهجها، وتعنّتها، وفسادها، ووقوفها في وجه ايّ إصلاح حقيقي، وأيّ محاسبة لها، ومحاكمتها، وكشف حقيقتها القبيحة، أو أيّ انتزاع أو تقليص لاحتكاراتها واستغلالها، وصفقاتها، انما تدفع بأبناء الشعب الى المزيد من التفرقة والانقسام، وجرّه الى الفوضى الداخلية، مستفيدة من مناخ طائفي بغيض مدمّر للجميع، تستغله بخبث شديد، في أيّ وقت، وأياً كانت النتائج، طالما يوجد هناك، من تحركه الكراهية، والغرائز المذهبية، والطائفية، والمناطقية الضيقة.

فلبنان وهو ينتظر حكومته المقبلة، على مفترق طرق. المسألة لا تقتصر على التأليف، ولا على الوزارات، ولا على الحقائب. المسألة الجوهرية تكمن في ما إذا كان لبنان سيخرج من المستنقع، ويتصدّى لكلّ محاولات التدويل، والتحييد، والتجويع، والتطويق، والاحتواء من قبل دول الهيمنة التي تستهدف دول المنطقة، وترسم خريطتها السياسية المستقبلية، حيث ترمي الى جذب لبنان الى فلكها، ومن ثم جعله في دائرة نفوذها.

إذا لم يستطع لبنان مواجهة هذه التحديات، فإنّ انعكاسات سياسات الخارج على الداخل اللبناني، ستفعل فعلها على الأرض، لتطيح بكلّ المعادلات، ولتؤسس لمرحلة جديدة، ونظام جديد مدعوم من الخارج، وإنْ أدّى هذا النظام الجديد الى تفكيك الوطن اللبناني برمته.

حذار حذار من مقبل الأيام، التي تحمل في طياتها المفاجآت، التي يعوّل عليها بعض الخارج والداخل، لتطيح بالجمهورية من أساسها، وتقيم على أنقاضها، دويلات وإمارات طائفية هزيلة.

فهل يستطيع عهد الرئيس ميشال عون، تجاوز ما يُخبَّأ للبنان، ام انه سيكون آخر الرؤساء لـ «لبنان الكبير» الذي بدأ بالانتداب وينتهي به؟!

إنها مسؤولية الزمرة الحاكمة التي تدير لبنان، حتى لا يأتي يوم، نرى أنفسنا ذاهبين باتجاه جهنّم، كما بشرنا العماد ميشال عون، وحتى لا يكون بعد ذلك آخر رئيس للجمهورية اللبنانية.

فهذا ما لا نتمنّاه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المعركة الأميركية في لبنان: التطبيع أو ما يؤدي إليه؟

د.وفيق إبراهيم

الصراع المندلع في لبنان حول الجهة التي يجب أن تؤول اليها وزارة المالية في الحكومة المرتقبة التي يعكف على تشكيلها الرئيس المكلف مصطفى أديب، ليست أكثر من عنوان قد يكون مهماً، إنما في إطار الحرص الأميركي للإمساك بالسياسة الأميركية.

هذا ما يكشفه الإصرار الحاد من قبل مجموعات لبنانية سياسية مرتبطة بالأميركيين والسعوديين ترفض تسلّم أي شيعي لوزارة المالية، ولو اقتضى الأمر اعتذار أديب ودفع البلاد نحو الفراغ.

فينكشف وجود مشروعين متناقضين الأول يزعم ان مصطفى أديب يشكل حكومة مستقلة بمفرده بشكل لا يأخذ فيه بأي اقتراح للقوى النيابية السياسية، فيما يؤكد المشروع الثاني، أن هناك محاولة تشكيل لحكومة، أعطى الأميركيون لفريق لبناني مكون من الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ومعه ثلاثة رؤساء سابقون للحكومة هم فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، الحق باختيار اسماء الوزراء وطبيعة الحقائب، على أن يلبوا في الدرجة الاولى مهمة إبعاد حزب الله والرئيس نبيه بري وحلفائهم عن الحقائب الاساسية، خصوصاً وزارة المال التي تمتلك التوقيع الثالث في الدولة على معظم المراسيم والقوانين الى جانب توقيعي رئيس الجمهورية والحكومة.

هنا، بدا الفرنسيون تائهين في مبادرتهم لسببين: انتقادات أميركية حادة تستهدفهم بزعم أنهم لطيفون مع حزب الله ويلتقون بقياداته، أما السبب فيتعلق برفض حزب الله والرئيس بري، التخلي عن وزارة المالية التي يجزمون اتفاقية الدوحة إناطتها بهم عرفياً كحال الإناطة العرفية التاريخية لرئاستي الجمهورية للموارنة والحكومة للسنة وقيادة الجيش ومديرية المخابرات والإنماء والإعمار ومطار بيروت وطيران الشرق الاوسط والأمن العام والقضاء الاعلى، كلها مواقع موزعة مذهبياً بما يكشف ان الصراع على المالية يضمر خفايا اشتباك كبير أميركي مع حزب الله للسيطرة على السياسة اللبنانية من خلال الإمساك بحكومة أديب المرتقبة وقراراتها.

فمن يتصوّر أن وزارة المالية التي يمسك بها رئيس المجلس نبيه بري منذ أكثر من عقد تنتزع هذه الأهميات المحلية اللبنانية والخليجية السعودية والفرنسية والأميركية..

مع أن هذا لا ينفي مطلقاً أهميتها الداخلية في تحقيق هيمنة على السياسة اللبنانية من خلال الثنائية المارونية ـ السنية الى ثلاثية تخترقها الشيعية الثلاثية..

لكن الواضح أن هذه الشيعية السياسية هي جزء من إنتاج القرار السياسي اللبناني منذ انتصار حزب الله على إسرائيل في معارك 2006، ونجاحه في طردها من الأراضي اللبنانية، فأين الجديد إذا؟

لا بد أنه موجود من خلال وضوح التقاطع الأميركي ـ الفرنسي الذي انتج المبادرة الفرنسية الاخيرة في لبنان، وتبين أن مكابحها أميركية الصنع تعتمد خطة السيطرة على لبنان عبر حنين بعض اللبنانيين الى الفرنكوفونية ويجب بالمفهوم الأميركي، ان تحاصر حزب الله بإبعاده عن الحكومة.

الأمر الذي يوضح أن الأميركيين عبر الوساطة الفرنسية، يريدون نصب كمين دستوري حكومي، يلوّح ببعض حسنات الصندوق الدولي ومؤتمر سيدر والبنك الدولي لوقف الانهيار الاقتصادي اللبناني.

إلا أن لهذه الحسنات ما يقابلها أميركياً، وهي مخفية بألاعيب بعض رؤساء الحكومات السابقين الذين نجحوا بإيهام الرأي العام بأن الصراع داخلي على حقائب وأوزان طوائف فيتبين بالعمق أن الأميركيين يريدون حكومة تستطيع ان تربط بين وقف الانهيار الاقتصادي الداخلي وبين امتناع القوى اللبنانية عن التدخل في حروب الاقليم.. وهذا يعني إلغاء مشاركة حزب الله في ضرب الإرهاب في سورية وحدود لبنان الشرقية، وانتهاء دوره في الجنوب عبر تسليم قوات الطوارئ الدولية حق انتهاك القرى والبلدات اللبنانية الى عمق يصل الى سبعين كيلومتراً.

علماً ان الصورة الحالية للجنوب، هي احتلال اسرائيلي لبلدة الغجر ومزارع شبعا وكفرشوبا واحتلال مساحة من الحدود البرية والبحرية.

فلماذا يريد الأميركيون استصدار هذه القرارات من حكومة أديب؟

لديهم هدفان: إغراق لبنان بفوضى مسلحة تطالب بنزع سلاح حزب الله ونقل هذا الخلاف الى منظمة الأمم المتحدة، مع محاولات إعلان هذه الحكومة لحيادية لبنان في الصراع مع «اسرائيل» كما يطالب البطريرك الماروني الراعي وحزب القوات والخليج الذي احتضن أخيراً «اسرائيل».

بذلك يتضح ان ما يجري في لبنان من صراعات طوائف ليست إلا حجاباً رقيقاً يستر محاولة أميركية لنقل لبنان الى حلف التطبيع مع «اسرائيل» ـ أو الحياد معها على الأقل ـ وهذا يتطلب مشاركة شيعية في حكومة أديب ليست على قدر وازن من الفاعلية الوطنية.

فهل هذا ممكن؟ إن إصرار الثنائي الشيعي على وزارة المال وتسمية وزرائهم ليس عملاً طائفياً، بقدر ما يؤسس قدرة دستورية على مجابهة المشروع الأميركي الذي يريد دفع لبنان الى احضان «إسرائيل».

عندما تسبق الاساطيل المساعدات وحرب المرافئ والطرق…!

محمد صادق الحسيني

لا معنى ولا مكان للصدفة في السنن الكونية وكلّ شيء بقدر وبيروت ليست استثناء…!

انفجار هائل في ميناء بيروت، يدمّر الميناء بشكل كامل ويدمّر عشرات آلاف المنازل في الأحياء المجاوره، بتاريخ ٤/٨/٢٠٢٠، تبعه بتاريخ ٩/٨/٢٠٢٠ اجتماع دولي عن طريق الفيدو كونفرنس، بين جهات دولية لبحث إمكانيات مساعدة لبنان بعد الكارثه، قيل إنّ المشاركين فيه أبدوا استعدادهم، للرئيس الفرنسي، بمساعدة لبنان بثلاثمائة مليون دولار. لكن القطع الحربية الفرنسية، التي كانت موجودة في شرق البحر المتوسط، قد وصلت المياه الإقليمية اللبنانية قبل وصول ايّ مساعدات، سواء من فرنسا او من غيرها من الدول.

كان هذا التحرك العسكري الفرنسي، المنسق مع الأسطول السادس الأميركي، عبارة عن أداة التمهيد لزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للبنان، بتاريخ ١٣/٨/٢٠٢٠، ما يعني انّ الحملة الديبلوماسية الفرنسية كانت ولا تزال تتمتع بغطاء حربي من أسطولين في شرق المتوسط، الأسطول السادس الأميركي والأسطول الفرنسي، الأمر الذي يوضح بجلاء انّ وراء الأكمة ما وراءها.

وهذا ما اتضح، من خلال مسار زيارة ماكرون الأولى للبنان، وما تبعها من تصريحات لبنانية داخلية، حول مقولة الحياد، ثم التصريح الذي أدلى به البابا فرنسيس، قبل أيام، وفي تناغم مع تصريحات لبنانية داخلية أطلقتها بعض الجهات المعروفة الارتباطات، والذي جاء فيه (تصريح البابا) انّ لبنان يمرّ بفترة صعبة ولا يجب التخلي عنه.

وبالعودة الى كارثة الانفجار نفسها، فإننا وبغضّ النظر عن تفاصيل أسباب الانفجار ومسبّباته، وهل كان عرضياً أو مدبّراً، وما إذا كان نتج عن ضربة خارجية او من خلال عمل تخريبي، عن طريق عملاء على الأرض، فإننا مقتنعون تماماً بأنّ هذا الانفجار كان عملاً مدبّراً، منذ لحظة شراء نيترات الأمونيوم، من فرع شركة أسترالية في ميناء جبل علي بدبي، وحتى وصولها الى ميناء بيروت وتخزينها هناك طوال هذه السنين، بانتظار لحظة الحاجة الى تفجيرها، كان عملاً مخططاً بدقة وتقف وراءه أجهزة استخبارات دولية، كانت تتابع كلّ ما يجري في لبنان، من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، ولديها ما يكفي من مواد التفجير اللازمة لقلب الأوضاع رأساً على عقب، سواء في لبنان أو في المنطقة أو حتى على صعيد أوسع وأبعد.

من هنا فإننا نعتقد بقوة انّ هدف من دبّر عملية التفجير، والذي يُفترض انه بات معروفاً للكثيرين، قد شمل في أهدافه أكثر من مجال أهمّها:

1

ـ الأهداف التكتيكية، المحدودة جغرافياً، والمتعلقة بتفجير الأوضاع اللبنانية الداخلية، في وجه حلف المقاومة ودرّة تاجه في لبنان، حزب الله، خلطاً للأوراق وتمهيداً لشنّ حملة عاتية ضدّه، تؤدّي الى شنّ أو طلب شنّ عدوان أميركي «إسرائيلي» على لبنان وحزب الله، تمهيداً لنزع سلاحه، تماماً كما حصل مع الجيش السوري سنة ٢٠٠٥، اثر اغتيال رفيق الحريري، الذي كان مخططاً بدقه، وربما من قبل نفس الجهة التي نفذت تفجير ميناء بيروت أوائل آب من هذا العام.

2

ـ قطع الطريق على ايّ تعاون اقتصادي، او من ايّ نوع آخر، بين إيران ولبنان، خاصة بعد المقترحات التي تقدّم بها سماحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والتي تضمّنت القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية، من قبل شركات إيرانية، ودون تكليف الخزينة اللبنانية أية أعباء مالية، حيث كان يُفترض أن تنفذ بواسطة معادلة: البناء ثم التشغيل، من قبل الشركة المنفذة، لاسترجاع استثماراتها، ومن ثم تسليم المشروع للدولة اللبنانية.

3

ـ توجيه ضربة استراتيجية لمشروع الصين العملاق، طريق واحد وحزام واحد، وذلك من خلال تدمير ميناء بيروت بالكامل، وإفشال كلّ المحاولات الصينية للدخول الى السوق اللبناني، سواء في القطاع البحري من بناء وتوسيع موانئ او من خلال نشاطات الشحن البحري وتطويره. وكذلك الأمر بالنسبة الى النقل البري، الشوارع الدولية وسكك الحديد، او النقل الجوي، عبر تطوير المطارات الموجودة وإنشاء أخرى جديدة. إضافة الى قطاع الكهرباء وقطاعات صناعية أخرى في لبنان، مما يأخذ لبنان باتجاه الاندماج او التكامل الاقتصادي مع محيطه العربي، الأمر الذي يفتح آفاقاً عابرة للقارات لهذا الاقتصاد الصغير والمثقل بالديون، ونقله من هذا الوضع المنهار الى وضع مزدهر مستديم النمو، وتمتدّ حدود نشاطه من سواحل المتوسط غرباً وحتى سواحل الصين وروسيا الشرقية على المحيط الهادئ شرقاً.

ولكن الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي، الذي يرتقي الى مستوى قصف المدن اليابانية بالقنابل الذرية، وقتل مئات الآلاف من سكانها المدنيين الأبرياء، ذلك القصف الأميركي الذي تمّ تنفيذه بتاريخ ٦ /٨ ١٩٤٥ و ٩ /٨ /١٩٤٥، ما يجعل تقارب تاريخ تفجير ميناء بيروت مع تاريخ القصف النووي الأميركي للمدن اليابانية يثير الكثير من التساؤلات لدى كلّ من لديه منطق سياسي يعتمد على تحليل المعادلات الرياضية وليس على كيل التهم السياسية للآخرين دون ايّ حجج او دليل.

نقول انّ الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي لأنهم كانوا ينامون على أوهام انّ جريمة تفجير ميناء بيروت ستحقق لهم أهدافهم كلها بضربةٍ واحدة، بضربةٍ قاضية تنهي الخطر الوجودي، على دويلة الاحتلال الإسرائيلي، وتفرغ انتصارات محور المقاومة، على مدى السنوات الأخيرة الماضية، من محتواها، وتكرّس «إسرائيل» قوةً إقليميةً، تواصل دورها التدميري، الذي يمنع ايّ تعاون او تكامل اقتصادي عربي، او عربي موحد مع تكتلات اقتصادية إقليمية أو دولية موحدة.

فها هي جمهورية الصين الشعبية، وكما نشر الكاتب الأميركي، إيتش آي ساتون، في مجلة «فوربس» الأميركيه، بتاريخ ٣/٩/٢٠٢٠، نقلاً عن تقرير لوزارة الحرب الأميركية جاء فيه انّ سلاح البحرية الصينية قد زوّد طرادات ومدمّرات بصواريخ باليستيه، تستخدم في ضرب أهداف جوية وأهداف بحرية بنفس الكفاءة والفعالية. وهي صواريخ صواريخ مضادة للسفن. ويحمل كلّ طراد او مدمّرة ١١٢ من هذه الصواريخ، بالإضافة الى انّ جميع هذه القطع البحرية قد تمّ تزويدها بقاذفات صواريخ عمودية، مما يجعل كلّ قطعه قادرة على إطلاق ٣٢ صاروخاً دفعة واحدة.

وهذا يعني انّ سلاح البحرية الصيني، حسب المجلة الأميركية، قد أصبح أول سلاح بحرية في العالم يتسلح بهذا الطراز الثقيل من الصواريخ، ونعني هنا صواريخ دونغ فينغ ٢٦ ومداه اربعة آلاف كيلومتر، وصاروخ دونغ فينغ ومداه الف وسبعمائة كيلومتر.

وبالتالي فانّ الصين الشعبية قد أصبحت دولة قادرة، ليس فقط على حماية مصالحها الاقتصادية في العالم، بل على وضع حدّ لعربدة الأساطيل الأميركية في بحار العالم، خاصة في المحيط الهادئ وبحار الصين واليابان والفلبين والبحر الأصفر.

4

ـ أما إذا أضفنا قوة سلاح البحرية الروسيه الى تلك الصينيه،. فاذا ما دقق المرء في قدرات القطع البحرية الروسية، وأخذ الطراد «موسكو» كمثال وألقى نظرة على تسليحه فانّ بإمكان المرء ان يصل بسرعة الى استنتاج انّ هذه الجوهرة الروسية لا يوجد لها مثيل في العالم، خاصة بعد خضوع هذا الطراد لعمليات تحديث وإعادة تجهيز واسعة النطاق، استمرّت من سنة ٢٠١٨ حتى قبل أيام معدودة، حيث انطلق لممارسة أعماله القتالية من جديد. علماً انّ هذا الطراد الأسطورة كان، قبل الخضوع لعمليات التحديث، قد زار كلاً من: البرتغال وكوبا ونيكاراغوا وفنزويلا.

ولا داعي بطبيعة الحال، للتوسع أكثر، في تعداد القطع البحرية، التابعه للأساطيل البحرية الروسية، في بحر الشمال والمحيط المتجمّد الشمالي، والبحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الهادئ، ويكفي ذكر الطراد الصاروخي النووي «بطرس الاكبر»، وهو أكبر سفينة غير نووية في العالم، لنرى التأثيرات الهائلة، لتكامل القدرات البحرية الروسية مع تلك الصينية، واضعين في عين الاعتبار احتمال نجاح الجهود الروسية، في إنهاء الخلاف الحدودي الصيني الهندي، خاصة بعد نجاح وزير الدفاع الروسي في عقد اجتماع بين وزير الدفاع الصيني ووزير الدفاع الهندي، على هامش مؤتمر شانغهاي في موسكو، وما قد ينتج عنه مع تطبيع العلاقات بين البلدين، وافتكاك الهند من بين أنياب الوحش الأميركي، وضمّ قدراتها الى قدرات الصين وروسيا وإيران، التي تسعى إلى اقامة نظام تعاون دولي شامل يحلّ محلّ نظام الهيمنة الأميركي الأحادي.

5 ـ أما إذا انتقلنا الى إيران وقدراتها الدفاعية والهجومية فلا بدّ من التذكير بالموضوع الذي نشره الكاتب الأميركي، ميخائيل پيلار ، في مجلة «ذي ناشيونال انتريست» بتاريخ ٧/١٢/٢٠١٩، حول قيام إيران بتحديث كافة مدمّراتها وطراداتها، وتزويدها بأجهزة رادار قادرة على كشف الأجسام المعادية، وعلى إخفاء القطع البحرية الإيرانية عن أعين الرادارات المعادية، وتزويدها جميعاً بصوامع إطلاق صواريخ عمودية لتصبح بذلك قادرة على إطلاق رشقات صاروخية، تتكوّن كلّ رشقة من ٣٢ صاروخاً، الأمر الذي يجعل القدرة النارية، لسلاح البحرية الايراني، عالية جداً.

وهذا يعني انّ الأساطيل الإيرانية قد أصبحت قادرة على الدفاع عن مصالح إيران الحيوية، ليس فقط في محيط إيران، ولكن في مناطق بعيدة أيضاً. وما قيام إيران بإرسال ناقلات النفط الإيرانية، محمّلة بالنفط، الى فنزويلا بحماية من بحريتها، إلا دليل ساطع على التعاظم الهائل الذي شهده هذا الصنف من صنوف الأسلحة الإيرانية.

من هنا، ومن منطلقات الأدلة المادية الملموسة، فإنّ هذا الهجوم الديبلوماسي العسكري الفرنسي، المترافق بغطاء عسكري وديبلوماسي أميركي، كانت ذروته تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، التي أعلن فيها عن تنسيق أميركي فرنسي وثيق، في ما يتعلق بالتحرك الخاص بلبنان، قبل أيام. إنما هي تحركات يقودها نفس المايسترو، الذي أوعز لهذه المجموعة من العازفين، بالهجوم على لبنان، بدءاً بتفجير الميناء مروراً بتحريك الأساطيل البحرية، وصولاً الى رحلات ماكرون المكوكية الى لبنان. وهي حزمة تحركات تهدف، حسب الذين خططوا لتفجير الوضع اللبناني، في وجه حلف المقاومة وكلاً من روسيا والصين، إلى حماية لبنان من السيطرة الكاملة لحزب الله عليه حسب زعمهم، خاصة أنّ عملاء واشنطن و«إسرائيل «في لبنان لم يتمكّنوا من تنفيذ مهام التخريب التي أوكلت لهم أميركياً. وهو ما دفع المبعوث الأميركي الى لبنان، ديفيد شينكر، الى توبيخهم بشكل علني تقريباً، خلال اجتماعه بهم في آخر زيارة له لبيروت.

اي انّ مخطط خلط الأوراق، الذي بدأ بتفجير الميناء، قد فشل أيضاً، وانّ ديبلوماسية المستعمر الفرنسي وسيده الأميركي في لبنان لن تغيّر في الواقع شيئاً. اذ انّ لبنان ليس بحاجة الى طائرات عسكرية فرنسية ينبعث منها دخان ملوّن وانما هو بحاجة الى استثمارات ملوّنة عملاقة، صينية روسية إيرانية. وبالنظر الى عجز ماكرون وسيده في واشنطن عن القيام بتنفيذ مثل هذه الاستثمارات المنتجة كما يؤكد محللون اقتصاديون مطلعون، فانّ ضجيج محركات طائرة الرئاسة الفرنسية، بعد إصلاحها إثر الحادث الذي تعرّضت له في مطار بيروت كما يزعمون، نقول انّ هذا الضجيج لوحده سوف لن يسفر عن أكثر من الدخان الأسود الذي تنفثه في أجواء لبنان، مسبّباً مزيداً من التلوّث وحجب الرؤية.

لبنان ليس بحاجة الى دروس لا في الأخلاق ولا في السياسة ولا في الاقتصاد النيوليبرالي ولا هو بحاجة لمصمّم أزياء اقتصادية، قادم من باريس، لإعادة تصميم النظام الرأسمالي اللبناني، بما يتماشى مع شروط المحافظين الجدد، وما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج للنظام اللبناني الذي أهلك البلاد والعباد، وبشكل يجعل نتائج هذا التحرك مخيّبة لآمال الطبقات المحدودة الدخل، على المدى القصير، وسحقها نهائياً على المدى المتوسط والطويل، وذلك من خلال بيع لأصول الدولة اللبنانية، ايّ الخصخصة، وتعميق الفقر والعوز لدى قطاعات واسعة من الشعب اللبناني وتكريس نظام الاقتصاد الريعي، الذي ساد لبنان على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ولكن بثوب جديد من تصميم مصمّم الأزياء الاقتصادية، خريج جامعة روتشيلد للتدمير المالي والاقتصادي، الرئيس الفرنسي ماكرون.

لبنان بحاجة الى رجال «تنكش» الأرض ولا تسرقها. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصادية مقاومة كتلك التي اقترحها سماحة السيد حسن نصر الله. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصاد مقاوم ومنتج، كالاقتصاد الإيراني والاقتصاد الكوبي، وليس لاقتصاد من هُلام وفقاعات تظهر وتندثر دون ان يشعر بها المواطن. ايّ الاقتصاد المرابي، اقتصاد أسواق البورصة وما ينتج عنها من أرباح خيالية لا يراها المواطن ولا تعود عليه إلا بالضرر والمصائب.

لن يصلح الإطار الباريسي ما هو حاصل من فساد وتدمير في لبنان، وعلى كلّ الصعد، وإنما الرجال الرجال القادرون على إنقاذ هذا البلد العظيم من كبوته، تماماً كما أنقذوه من الخطر التكفيري الإرهابي قبل سنوات وكما حرّروه من الاحتلال الصهيوني سنة ٢٠٠٠ وحموا هذا التحرير سنة ٢٠٠٦.

نحن بحاجة لهم ولأمثالهم وليس لمصمّم الأزياء ايف سان لوران…!

وهم الذين سيكملون المشوار وينقذون البلد بكلّ تأكيد.

هم يمنحون الآخرين الآن فترة سماح بانتظار ان يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

والصبر مفتاح الفرج.

بعدنا طيّبين قولوا الله…

%d bloggers like this: