كيف يرضى الأميركيّ دور الوسيط في ظل السلاح؟

ناصر قنديل

قد يكون حجب الأعين عن طرح هذا السؤال، سبباً كافياً لتفسير وفهم الحملة المبرمجة على الإعلان عن اتفاق الإطار للتفاوض غير المباشر حول ترسيم الحدود، وما تضمنته الحملة من كثافة أسئلة تشكيكية بوطنية الأهداف، كالاتهام بالتطبيع والاعتراف بكيان الاحتلال، والتفريط بالمقاومة، وفتح الباب لطرح مصير سلاح المقاومة على الطاولة، وهي أسئلة لا يمكن فهم أهدافها وتفسيرها بالنظر إلى انتماء أغلب أصحابها إلى معسكر الداعين علناً لنزع سلاح المقاومة وتحميله مسؤولية كل أزمات لبنان، وتبني أغلبهم دعوات الحياد، والساعين لخطب ودّ المناخ الخليجي الزاحف نحو الاعتراف والتطبيع، ولكون الجهة المستهدفة بالتشكيك هي المقاومة التي تتهم إما بالخيانة أو بالغباء، وتاريخها ناصع في الشجاعة والحكمة والتضحية والثبات في آن واحد.

من الممكن تفهُّم أسباب هؤلاء في حملتهم، من موقع غضب وغيظ وخيبة، بفعل ما ذهبوا إليه من إحراق للسفن في حملاتهم لشيطنة المقاومة وتحميلها وزر كل الأزمات، ودعوتهم لتقييدها وحصارها، وإبعادها من المشهد وطرح مصير سلاحها على الطاولة، وتسويق دعوات الحياد، وكل ذلك تحت عنوان واحد، أن المقاومة تسبّبت بغضب مَن يُمكنهم مساعدة لبنان على الخروج من أزمته، ولهؤلاء المتعدّدي الهوية عنوان واحد يبدأ من واشنطن، وفيما هم يفعلون كل ما بوسعهم لتقديم أوراق اعتمادهم للأميركي كسعاة لترجمة شعاره، لا حلول مالية في ظل سلاح المقاومة، يفاجئهم الأميركي بالقبول بما وصف به اتفاق الإطار وما يهدف إليه، كعنوان حل أزمة لبنان المالية، وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر، وفي ظل السلاح وبعيدا عن أي نقاش حول نزعه أو اشتراط إدخال مستقبله بنداً في التفاوض.

الأسباب الخاصة لهؤلاء في الشعور بالغضب والغيظ والخيبة، واضحة ومفهومة، لكنها تفسر انخراطهم في الحملة، وليس أهدافها، فهم عبر الحملة يفجّرون غضبهم وغيظهم ويعبرون عن خيبتهم، لكنهم يعاودون تقديم أوراق اعتمادهم للأميركي مجدداً، على أبواب مفاوضات شاقة ومعقدة يحتاج التفاوض فيها إلى حرب إعلامية ونفسية تواكبها، وأعلى مستويات الحرب النفسيّة هو نقل الخصم المنتصر إلى مهزوم يدافع عن نفسه، تماماً كما فعل الرئيس فؤاد السنيورة بعد حرب تموز، برفض الاعتراف بأن لبنان انتصر، رغم أن كيان الاحتلال بقادته السياسيين والعسكريين، ومفكّريه ونخبه ووسائل إعلامه وقضاته، كان يعترف بالإجماع بأنه هُزم وبأن المقاومة انتصرت، وكان الهدف من الإنكار، أبعد من مجرد نقل المقاومة إلى موقع الدفاع، بل الإسهام في معركة الوعي، لصالح منع تجذر فكرة النصر في الوعي الجمعي للبنانيين والعرب، وتقديم أوراق الاعتماد للجولة المقبلة من المواجهة.

لنتخيل المشهد لولا حملات التشكيك وكثافتها، وتدفق الأسئلة المبرمجة ضمنها، كما لنتخيل المشهد من دون حملات التشكيك بالنصر في تموز، بعيداً عن وظيفة التشكيك بنقل المقاومة إلى الدفاع عن نفسها وصدق وإخلاص موقعها من أجل وطنها، والدفاع بالتالي عن صدقيّة نصرها. فهدف الحملات الأعمق والأبعد مدى، كان حرمان المقاومة من خوض معركتها وإطلاق حملتها، لطرح أسئلتها، وفي حرب تموز كان سؤال المقاومة هل بقي هذا الجيش جيشاً لا يُقهر، وهل ثبت أن «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، والسؤال الذي كان يجب أن يطرح اليوم، ليس كيف قبلت المقاومة بالأميركي وسيطاً، لأن السؤال الطبيعي كيف قبل الأميركي دور الوسيط في ظل السلاح؟

لقد خاض الأميركيون والإسرائيليون، حرب تموز لإقصاء السلاح عن قدرة التأثير في أمن الكيان وثروات الغاز، وفشلوا، وشنّوا حربهم على سورية وفي أحد أهدافها تحقيق ما لم يتحقق في حرب تموز، وفشلوا، وحاولوا السطو على الغاز من دون تعريض أمن الكيان، ومرة أخرى كان اسم السنيورة حاضراً، ففشلوا مرتين، مرة بإسقاط التسلل عبر السنيورة، لترسيم مشوّه لحساب الكيان، والمرة الأهم لفشلهم كانت عندما رفعت المقاومة شعارها، سندمّر كل منصات الغاز التي تنصب في المنطقة الاقتصادية التي يعتبرها لبنان حقاً سيادياً له، وركزوا خلال عامين على الذهاب نحو دفع لبنان إلى الانهيار والانفجار، أملاً بتوجيه كرة النار نحو المقاومة تحت شعار، لا حل في ظل السلاح، ولا حوار في ظل السلاح، ولا إنقاذ في ظل السلاح، وذهب بعضهم للقول لا حكومة في ظل لسلاح، ولا انتخابات في ظل السلاح، وفشلوا ولم ينجح السيناريو بإضعاف المقاومة وفرض التنازلات عليها، وعلى بيئتها وحلفائها، فاضطر الأميركي والإسرائيلي للرضوخ لمعادلة حرب تموز الاقتصادية، والتسليم بالتفاوض في ظل السلاح.

مَن يستطيع اليوم أن يقول لا تفاوض ولا حوار في ظل السلاح؟

استحضار بندر بن سلطان: السعوديّة إلى التطبيع در

في ظروف سعودية تغلق فيها كل المنافذ أمام ما يُسمّى بالحرس القديم، وظروف أميركية تضع ملف التطبيع الخليجي الإسرائيلي في الواجهة، لا يمكن أن يحضر الأمير المتقاعد بندر بن سلطان على فضائيّة سعودية ليفتتح حملة تشهير بالشعب والقيادات الفلسطينيّة إلا كثمرة لخطة سعودية أميركية تم إسناد تنفيذها لبندر الذي كان تاريخياً نقطة تقاطع المهمات الخاصة الأميركية السعودية منذ تشكيل مجموعات «جهادية» للقتال في أفغانستان تحوّلت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة، كما يروي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغينيو بيريجنسكي.

العلاقة بكيان الاحتلال كانت دائماً حاضرة في مهمات بندر الأميركية السعودية، وهو مهندس الشراكة الثلاثية الأميركية السعودية الإسرائيلية في الحرب على سورية، وهو مَن وصف مراراً من قادة الكيان بالصديق الموثوق، وهو صاحب الدعوة العلنية لصندوق خاص لتمويل توطين الفلسطينيين في أماكن اللجوء، ضمن إطار تصفية حق العودة للاجئين.

إطلالة بندر بن سلطان لخوض معركة تحميل الفلسطينيين مسؤولية ضياع فرص نيل الحقوق والاستحضار المشوه للوقائع لتثبيت هذه الفكرة، من رجل تولى مسؤوليات وقاد اتصالات تمنحه صفة التحدث بما كان شريكاً في صناعته، تهدف للتمهيد أمام الرأي العام الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً من أي التزام بالقضية الفلسطينية، وصولاً للدعوة التي يتبنّاها حكام الإمارات أصدقاء بندر، تحت عنوان هدرنا جهوداً ووقتاً أكثر مما ينبغي من أجل فلسطين من دون جدوى، على حساب مصالحنا، وآن لنا أن نهتمّ بأنفسنا، وهنا طبعاً لا يسأل هؤلاء أنفسهم عن مصلحة بلادهم بفتح أمنها ومجتمعاتها أمام مخابرات كيان الاحتلال؟

الذريعة التي سينتقل بندر لتسويقها في إطلالة ثانية ستكون أولوية إيران كخطر يستدعي التعاون مع كيان الاحتلال. وهذا يعني أن خطة الانضمام السعوديّ إلى ركب التطبيع، كما بشر دونالد ترامب، قد وضعَت قيد التنفيذ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا لا يسأل البطريرك قيادة الجيش؟

المصدر

عندما تصدر عن رأس الكنيسة الأهم في لبنان الذي يمثله البطريرك بشارة الراعي دعوة لترسيم الحدود في مزارع شبعا، يقع كلامه عند حسني النيات في دائرة تصوير وجود عقدة سورية في طريق استعادة لبنان أرضه المحتلة، وبالتالي تبرئة كيان الاحتلال من مسؤوليته كمحتل، بذريعة أن سورية لم تساعد لبنان ومنحت كيان الاحتلال الفرصة للاختباء وراء ذلك، ويذهب سوء النيات بالبعض إلى القول إن البطريرك يقصد أن سورية كحليف للمقاومة تفعل ذلك للإبقاء على ذريعة المقاومة للحفاظ على سلاحها، بالاستناد إلى كلام البطريرك المعلوم حول هذا السلاح، رغم صلة سلاح المقاومة بقضيتي رد العدوان ومصير اللاجئين الفلسطينيين، كقضيتين يعرف البطريرك أن مشروعه للحياد لا يقدّم لهما حلاً.

المشكلة أن كثيراً من اللبنانيين يقعون تحت تأثير عملية غسل دماغ منتظمة ومبرمجة منذ العام 2000 تجد الأعذار لكيان الاحتلال للبقاء في مزارع شبعا، جوهرها ربط تثبيت الحق اللبناني بالمزارع بموقف سوري، ولذلك يمكن فهم أن يظنّ الكثير من اللبنانيين أن ذلك صحيح، أما أن يصدر الكلام عن البطريرك الذي لا يتكلم دون مراجعة وثائق والعودة لمعطيات مدققة. فالأمر مختلف.

لن نتحدّث هنا عن مواقف سوريّة تؤيد لبنانية مزارع شبعا ومطالبة الدولة اللبنانية بها وفقاً لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في 22 أيار عام 2000 عن تلقيه تأكيداً سورياً في 16 أيار عام 2000 يؤكد حق لبنان بمزارع شبعا، فقد يُقال هذا الكلام سياسي، ونريد ما هو موثق قانونياً وتقنياً والجواب هنا منعاً لكل تأويل وإلتباس عند الجيش اللبناني الذي يفترض أنه المرجع الأول عن حماية الحدود، وبالتالي معرفتها، ومعرفة المرسّم منها من غير المرسّم، ولا كلام بعد كلام الجيش الذي يفترض أيضا انه فوق الشبهات عند بكركي، بل المطلب الذي تحمله نداءات بكركي بوجه سلاح المقاومة، فماذا يقول الجيش، خصوصاً ماذا تقول مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش المعني الأول والأخير بملف الترسيم والخرائط؟

في العدد 250 من مجلة الجيش الصادرة بتاريخ نيسان 2006، مقالة أقرب للوثيقة المرجعية بتوقيع مدير الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني العميد الركن مارون خريش، ينصح بأن يقرأها كل مسؤول لبناني قبل التحدث عن ترسيم الحدود في مزارع شبعا، وفي وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش التي وقعها العميد خريش إشارات موثقة ومؤرخة لما يوجد في أرشيف المديرية من وثائق وخرائط تتصل بترسيم مزارع شبعا بين لبنان وسورية، لا تحتاج إلى تثبيت ولا إلى تأكيد ولا تحتمل التأويل والالتباس، وتقول إن هناك مشاكل عالقة حدودياً في عدد من المناطق بين لبنان وسورية لكن منطقة المزارع ليست منها إطلاقاً.

في وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش اتفاقات وقرارات ومذكرات وخرائط أعوام 1934 و1938 و1939 في عهد الانتداب، وما هو أهم وأشد وضوحاً بعده خصوصاً أعوام 1946 و1954 و1956 و1961 و1963 و1966، وقد ورد في الوثيقة المرجعية لمديرية الشؤون الجغرافية بتوقيع مديرها العميد الركن مارون خريش، ما نصّه «جرت عدة اتفاقات ومحاولات ترسيم بعد الاستقلال بين لبنان وسورية، وتشكلت لجان عامة وضعت المبادئ، ولجان فرعية وفنية وعقارية للبت بالإشكالات ووضع التخوم ورسمها على الخرائط تمهيداً لنقلها على الأرض، بعد تصديق الخريطة السياسية العامة من قبل السلطات المختصة في البلدين. ومن هذه المحاولات والاتفاقات:1- – اتفاق الحدود العام 1946 بين شبعا ومغر شبعا (سورية) الذي وضعته لجنة عقارية لبنانية سورية برئاسة القاضيين العقاريين اللبناني رفيق الغزاوي والسوري عدنان الخطيب. وقد رُسمت الحدود على خريطة 5000/1، ونقلت العلامات على الأرض. وهذه الحدود تمتد من شمال جسر وادي العسل إلى شمال بلدة النخيلة اللبنانية…».

تختم الوثيقة بالقول «إن عمليتي رسم الحدود العام 1934 والعام 1946 بين شبعا من جهة وجباتا الزيت ومغر شبعا من جهة ثانية، واللتين رسمتا حدود لبنان وسورية بين القرى الثلاث، هما دليلان قاطعان وكافيان لرسم الخريطة الفعلية للحدود اللبنانية السورية. وأصبح هذان القراران نافذين استناداً الى نص القرار RL 27 العام 1935».

نأمل أن يقرأ غبطة البطريرك هذه الوثيقة كاملة لأهميتها وأن يلفت انتباهه مستشاروه إلى خطورة ما يصدر عنه بخصوص مسألة حساسة مثل قضية هوية أرض لبنانية تقع تحت الاحتلال، قبل الاطلاع على موقف الجيش اللبناني، الذي ربما يكون اليوم آخر مؤسسة تحظى بإجماع اللبنانيين، خصوصاً أن الجيش هو المعني الأول بهذا الملف الحساس، ولا كلام بعد كلامه.

انطلاق مفاوضات الترسيم: من تنازل لمن؟

ناصر قنديل

مع إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري، التوصل الى التفاهم على إعلان إطار للتفاوض حول ترسيم الحدود، يحضر هذا الملف بقوة على طاولة النقاش والتقييم، بعيداً عن الخطابات الوظيفية، أي المكرّسة لمناقشة هادفة سلفاً لأداء وظيفة لا علاقة بمضمون البحث عن حقيقة، والتي تهدف مرة للإيحاء بأن المفاوضات ستكون تخلياً عن خيار المقاومة أو اعترافاً بكيان الاحتلال أو انخراطاً في التطبيع، ومرة بالتنمر على تهديدات المقاومة في حال إقدام كيان الاحتلال على شن حرب على لبنان بالرد الموجع وصولاً لتعريض الكيان لخطر الزوال، بالتساؤل عن مبرر الترسيم طالما المقاومة قادرة على تدمير الكيان، فغالب هؤلاء ليسوا من دعاة تدمير الكيان، ولا من رافضي الاعتراف به ولا من معارضي التطبيع، وخلفية كلامهم الغاضبة من إعلان الاتفاق تعكس تعارض معانيه مع مراميهم الآتية مرة تحت عنوان “الحياد” ومرة تحت عنوان نزع سلاح المقاومة، ومرات تحت عنوان تحميل القوى التي تؤمن بالمقاومة مسؤولية الانهيار المالي، لأنها تقف بوجه السياسات الأميركية والخليجية المتقاطعة عند النقطة الإسرائيلية تطبيعاً.

يعلم المتنمرون على الاتفاق أن لغته ليست لغة الطرف اللبناني فيه، بل هي لغة الاتفاقات التي سبقته من اتفاق الهدنة إلى تفاهم نيسان والقرارات الدولية طالما أنه موثق في الأمم المتحدة وتل أبيب وواشنطن مثلما سيوثق في بيروت، ولو كان الاتفاق يصبّ الماء في طاحونة المتنمّرين ودعواتهم ويعبّر عن انتصارها، وهي ليست بعيدة عن دعوات واشنطن لضرب المقاومة وثقافتها، لصفقوا له وساهموا بتمريره بدلاً من الهجوم عليه، ولعل ما يجعل غضبهم مفهوماً هو أنهم وجدوا أن الأميركي الذي ينظرون إليه كإله جبار، يخون ثقتهم فيرتضي التسليم بأن نزع سلاح المقاومة فوق طاقته، وأن المقاومة وحلفاءها من القوة بما لا يمكن كسرهم أو تطويعهم رغم الأزمات الضخمة التي تقع فوق أكتافهم والعقوبات التي تقع عليهم، وأنه لا بد من مقاربة بلغة المصالح للبحث عن تفادي خيار المواجهة معهم، لأنها تعبر عن خيار خاسر خاسر، وهذا سبب سعي الطرفين لتفاديها، وسبب بقائها بالنسبة للمقاومة رداً دفاعياً يضمن تدمير الكيان لكنه يدمّر الكثير مما يهمّها سواه، ولذلك لن يكون خياراً ابتدائياً عندها. ومع السعي الأميركي القائم على التسليم بمغادرة خيار المواجهة يظهر العقل الأميركي القابلية لاستبدال المواجهة بالبحث عن خيار رابح رابح، بشروط أقرب لمصالحه، وإلا ففي منطقة وسط طالما لم تنفع محاولات تليين موقف المقاومة وحلفائها من شروط البحث عنه، ويعرف المتنمّرون على الاتفاق أنه ضمناً جواب على لا جدوى دعواتهم الحياد ونزع السلاح والالتحاق الأعمى بدفتر الشروط الأميركي الخليجي الذي يترجمه التطبيع، طالما تثبت التجربة الحسية أن بمستطاع المقاومة وحلفائها خلق موازين قوة تفرض على الأميركي قبول التفاوض، وتفرض شروط هذا التفاوض، بما فيها عدم الاعتراف بالكيان وعدم التطبيع معه، وتفرض نيل الحقوق الاقتصادية وانتزاعها من بين براثنه في زمن يقدم بعض العرب نفطهم وغازهم وبلادهم وأسواقهم وأمنهم على طبق من ذهب للإسرائيلي بعدما صار الأميركي سيد قرارهم منذ زمان، ويراهم هؤلاء المتنمرون مثالاً يُحتذى.

صبر الأميركيون عشرة أعوام منذ بدء فتح ملف الحدود البحرية، رسمياً عام 2010 عندما بدأ الكشف عن الثروات الهائلة في البحر في المياه اللبنانية وبصورة مكثفة في المياه الواقعة جنوباً على حدود فلسطين المحتلة حيث العين الإسرائيلية حاضرة، لكنهم صبروا منذ ما قبل ذلك عشرة أخرى تمتد منذ العام 2000 بعد تحرير المقاومة لجنوب لبنان، وانطلاق الحملة العسكرية الأميركية على المنطقة في عهد المحافظين الجدد خلال ولايتي الرئيس جورج بوش، وعينهم على ثروات النفط والغاز التي لا يعرف عنها الكثير سواهم ولا عن مواطنها، ومنها البحر المتوسط، وفقاً لتقرير الطاقة الذي أقره الكونغرس عام 2000، وجاءت بعدها الحروب على المنطقة ترجمة له، وقد جسدت هذه التوجهات مباشرة في لبنان بصورة حربية عام 2006 بعدما سبقها الإعلان عن أنبوب للنفط من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان في فلسطين المحتلة، وما يستدعيه تنفيذه وتفرضه الحاجة لحمايته من حرب تُنهي المقاومة، وأعقب الحرب التي فشلت عسكرياً مشروع عسكرة البحر المتوسط بموجب القرار 1701 استعداداً لخطط استثمار النفط والغاز بعيداً عن تأثير قوة المقاومة وشروطها السيادية، وقبل حرب تموز 2006 تم بصورة أمنية وسياسية التمهيد لفرض السيطرة على هذه الثروات عبر القرار 1559 عام 2004، وصولاً لربط اغتيال الرئيس رفيق الحريري لإشاعة الفوضى ونشر الفتن وإرباك سورية والمقاومة وإضعافهما خدمة لهذا الهدف، لكن صبر الأميركيين لم يحمل جديداً يتيح الرهان على المزيد من الصبر، فقوّة المقاومة تتزايد، ومعادلتها السياسية في لبنان تبدو غير قابلة للكسر أو للعصر.

بعد فشل رهانات 2004 و2005 و2006، جاء رهان 2010 على الحرب على سورية وتداعياتها لبنانياً بإضعاف المقاومة إذا قيض للحرب تحقيق أهدافها، ولكن خاب الرهان وجاءت النتائج عكسية، وبدت واضحة مسارات الحرب على سورية منذ نهاية العام 2016 ومعركة حلب، كما بدت المقاومة في ذروة صعودها السياسي مع وصول الرئيس ميشال عون كحليف للمقاومة إلى رئاسة الجمهورية في الفترة ذاتها، فحضر الرهان الأشد قسوة الذي ترجم حضوره عام 2016 ببدء العد التنازلي لموجودات المصرف المركزي من العملات الصعبة، وكانت الهندسات المالية التي نفذها تعبيراً عن هذا التراجع، الذي زاد تفاقماً عاماً بعد عام تحت ضغط أميركي مدروس هدفه خنق لبنان مالياً وتفجيره اجتماعياً، وصولاً لتسييل هذا التفجير بوجه المقاومة وخياراتها، وفي الطليعة فرض خط لترسيم النفط والغاز قدّمه الأميركيون تحت اسم سفيرهم فريديريك هوف منذ العام 2012 ورفضه لبنان رغم الضغوط التي تجدّدت مع خلفه في المفاوضات السفير الأميركي ديفيد ساترفيلد، ليعلن لبنان عام 2016 اشتراطه حصر الدور الأميركي بالوسيط وربط الترسيم والتفاوض غير المباشر برعاية الأمم المتحدة، وتتجمّد المفاوضات من حينها.

حاول الأميركيون خلال هذه السنوات، تصعيد الضغط الاقتصادي حتى الانفجار الشامل، حيث لم يخف الأميركيون رهانهم على توظيف انتفاضة 17 تشرين وتوجيهها بوجه المقاومة وحزب الله، والتركيز على موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بصفته الممسك بحنكة وحزم بملف التفاوض، وكلام سفيرهم السابق جيفري فيلتمان وإشاراته للتفاوض على ثروات النفط والغاز أمام الكونغرس تلاقيها الكلمات الواضحة لمعاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، “لديكم معاناة كبيرة وتملكون ثروات واعدة في البحر المتوسط تتنازعون عليها مع “إسرائيل”، وقد قدمنا لكم تصوراً لحل النزاع فاقبلوه”، كانت كافية لتكشف جوهر الأهداف الأميركية من الضغوط، وصولاً لدفع لبنان نحو الانهيار، واللعب بتوازناته السياسية والطائفية، وبشوارعه المتعددة اجتماعياً وثقافياً حتى الاشتعال، أملاً بالحصول على موافقة لبنانية على خط هوف من بوابة تفاوض مباشر بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ولم يخف الأميركيون خلال هذه الحملة المركزة المتعددة الجوانب سعيهم لإخراج ملف التفاوض من يد الرئيس بري، أملاً بجعل الأماكن البديلة خواصر رخوة يمكن الضغط عليها بشوارعها أو بالعقوبات، فلم يحصدوا إلا الفشل.

كان الجميع من اللاعبين الكبار يدرك أن الزمن الأميركي محكوم بسقف الانتخابات الرئاسية، وأن كل الأوراق المطلوب لعبها يحب أن تستثمر قبل ذلك التاريخ، وعندما سلم الأميركيون مطلع تموز الماضي بالإطار اللبناني لمفاوضات الترسيم، لا مفاوضات مباشرة، بل إحياء للجنة التفاوض في تفاهم نيسان مع أو بدون فرنسا، ورعاية الأمم المتحدة، وحصر الدور الأميركي بالوسيط والمسهل بدلاً من الراعي، وربط حدود البحر بنقطة برية محورية في الناقورة، وهذا معنى التلازم البري والبحري، بقوا ينتظرون فرصة جديدة لاختبار إمكانيات التعديل مرة أخيرة على حافة النهاية، والاتفاق في جيبهم جاهز للإعلان، لتطل برأسها ثلاثية تفجير المرفأ وحملة التطبيع الخليجية والمبادرة الفرنسية نحو لبنان، والثلاثية مترابطة لدرجة تطرح أسئلة كبرى حول تلازمها ومرجعيّتها الأميركية. وتحرك الفرنسيون بالتنسيق مع الأميركيين وتحت نظرهم. كان الناظر الأميركي ديفيد شينكر وزميله ديفيد هيل يزوران بيروت، ويجسّان نبض الرئيس بري ومن خلاله المقاومة، حول شروط الترسيم، وفقاً لمعادلة، أن يحصل الأميركيون على ما يريدون في ملف الترسيم فيحصل بري ومن خلفه حزب الله على ما يريدون في الملف الحكومي، وعند التمسك بالشروط جاءت العقوبات، وعندما سقطت الفرصة ولم ينفع شيء في تغيير المواقف قرر الأميركيون الإفراج عن التفاهم، ليتمّ الإعلان عنه، متقبّلين معادلة رابح رابح، بعدما فشلت كل محاولات الفرض وقوبلت بالرفض، فيربح الأميركيون ومن خلفهم الإسرائيليون ما يستثمرون من خلاله النفط والغاز والسياسة والتسويق الرئاسي والترويج لإنجازات تحاكي إنجازاتهم في الخليج، ويربح لبنان ومقاومته سيادة غير منقوصة، وثروات كاملة، وإحباطاً لضغوط تحت عناوين الحياد ونزع السلاح.

الجولات المقبلة لن تكون سهلة، لكنها تحت سقف توازنات صنعتها مفاوضات الإطار، وستكشف الأيام يوماً أن إدارة الرئيس بري لملف التفاوض كانت تتمة مديدة لمفاوضات حرب تموز، وأنها خلافاً لكل ما يقوله المزايدون والمتنمّرون، والذين غالباً ما كانت مواقفهم تعبيراً عن صدى للضغوط الأميركية، وسيظهر كيف أن إدارة بري عبرت عن وطنية لبنانية صافية وصلبة وعن استعداد للتضحية ترجمه تحمل العقوبات والاستعداد لتحمل التهديد بأكثر منها، لتكتب صفحة إنجاز وطني لبناني، مؤسف أن لا يتلقفه اللبنانيون موحّدين، ومؤسف أكثر أن يضعوه على خطوط تماس مراهقات عصبيّاتهم المريضة، في لحظة وطنية تستحق الترفع عن لغة التفاهة والحقد والعبث.

مبارك للبنان وشكراً لنبيه بري وتحية للمقاومة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حتى لا يكون العماد ميشال عون آخر رؤساء لبنان…!

د. عدنان منصور

د. عدنان منصور لـ " تلال نيوز" : وجود الجامعة العربية اصبح معنوي والتشردم  الفلسطيني ساهم في تطبيع العرب مع اسرائيل - دلمون بوست

أمام الحالة المأساوية التي يعيشها لبنان على الصعد كافة، وفي مختلف المجالات، والتي وضعت شعباً بأكمله في مستنقع الفقر، والإفلاس، والجوع، واليأس، والإحباط، وهو يواجه إهمالاً، وشراسة، ولا مبالاة أقذر طبقة سياسية، استولت على مقدّرات وثروات البلد والشعب، نجد انّ هذه المنظومة السياسية ليست على استعداد اليوم أو غداً، رغم فشلها الذريع، في إدارة البلد، أن تتخلّى عن جزء بسيط جداً من امتيازاتها، وثرواتها، ومكتسباتها، ومواقعها، و«حقوقها»، والتي لا تنفكّ عن إقناع طوائفها بأنها تدافع عن مصالحها ورعاياها، وتحمي وجودهم، وتعزز من مكانتهم، وتحافظ على مستقبلهم.

اليوم وفي خضمّ الأزمة السياسية والمالية والنقدية والمعيشية القاتلة، والصراع على السلطة والنفوذ، والحكومة والتأليف، والتمسك بالوزارات السيادية، وتوزيع الحصص، والمداورة الشاملة، أو المداورة الحصرية، والثلث المعطل، والفيتو على وزارات، وحجبها عن طوائف، والتمسك بالميثاقية، وتصعيد في السجالات الطائفية بين زعماء روحيين، ومدنيين، وإطلاق مبادرات، وطرح مطالب من هنا وهناك، تتوزّع بين إلغاء الطائفية السياسية، والدعوة الى مؤتمر وطني تأسيسي جديد، وبين إعلان حياد لبنان، والإصرار عليه، والمطالبة

باللامركزية الواسعة، والفدرالية، والكونفدرالية، وكلها تضع البلد أمام الفعل ورد الفعل، في ظلّ ظروفنا الراهنة، وأوضاعنا السيئة التي تهدّد أمن واستقرار ووحدة البلد ومصيره، في ظلّ سخونة المناخ العام الضاغط، الذي يشهد اللبنانيون في كلّ لحظة، دقته وخطورته، وما يحمله من نذر مخيفة تطيح بكيان الوطن بالكامل.

فأيّ لبنان نريد؟!

وهل فعلاً ما تقوم به طغمة السياسيين الفاشلين، علة هذا الوطن ومصائبه، تجعلهم يدركون فعلاً مدى الذي تخبّئه وتفرزه سياساتهم الرعناء، وهم يواجهون التحديات والضغوط الخارجية، وتدخلات الدول الكبرى، وإملاءاتها، وتوجيهاتها، ومطالبها التي لا تخرج عن دائرة التهديد، والتهويل والترغيب والتخويف، في ما لو لم يذعن لبنان لرغباتها وتوجهاتها.

أهو لبنان السيد المستقل الذي نريده، بقرار وإرادة شعبه، أم لبنان الذي يريد البعض أن يرهنه للخارج، وإنْ كان هذا الرهن يأتي، على حساب سيادة لبنان، ووحدة أرضه، وشعبه واستقراره وأمنه ومستقبله.

إنّ لبنان يمرّ في الوقت الحاضر، بأحلك الظروف وأخطرها، لم يشهد مثيلاً لها من قبل، وإنْ كان في الماضي القريب، قد شهد الاحتلال الصهيوني لأرضه، والحرب الأهلية، واعتداءات «إسرائيل» الواسعة النطاق، أعوام 1978، و1982، و 1996، و 2006، حيث خرج منها بإرادة صلبة، وعزيمة أقوى. لكنه اليوم، وللأسف، يشهد تباعداً بين أبناء الوطن الواحد، وتفككاً اجتماعياً، واختلافاً عقائدياً حاداً، واشتباكاً فكرياً شرساً، خرج عن إطار الموضوعية، والالتزام بالمصلحة الوطنية والقومية العليا للبلد ككلّ.

إنّ مَن يتحمّل المسؤولية كاملة، هم من أوصلوا لبنان وشعبه الى الكارثة التي يعيشها. من كان في موقعه، ومنصبه هو المسؤول، من دون لفّ أو دوران، ولا مجال لهم للدفاع عن أفعالهم، وتبرير فسادهم، وتظريف فشلهم. الشعب يعرفهم واحداً واحداً، نشأتهم، وسلوكهم، واداءهم و«شطارتهم»، وصفقاتهم واختلاساتهم.

يعرف كيف كانوا، وكيف أصبحوا، يعرف فقرهم أمس ـ وهذا ليس بعيب ـ لكن العيب أن يجوّعوا شعباً بأكمله، ويسرقوا جنى عمرهم، وينهبوا بلداً بأكمله.

لا نعوّل الإصلاح على هؤلاء مطلقاً، وإن تستروا زوراً بلباس الإصلاح، والوطنية، والغيرة على أبناء جلدتهم، وحرصوا على مصالح الوطن.

إنّ استمرار زمرة الطبقة في نهجها، وتعنّتها، وفسادها، ووقوفها في وجه ايّ إصلاح حقيقي، وأيّ محاسبة لها، ومحاكمتها، وكشف حقيقتها القبيحة، أو أيّ انتزاع أو تقليص لاحتكاراتها واستغلالها، وصفقاتها، انما تدفع بأبناء الشعب الى المزيد من التفرقة والانقسام، وجرّه الى الفوضى الداخلية، مستفيدة من مناخ طائفي بغيض مدمّر للجميع، تستغله بخبث شديد، في أيّ وقت، وأياً كانت النتائج، طالما يوجد هناك، من تحركه الكراهية، والغرائز المذهبية، والطائفية، والمناطقية الضيقة.

فلبنان وهو ينتظر حكومته المقبلة، على مفترق طرق. المسألة لا تقتصر على التأليف، ولا على الوزارات، ولا على الحقائب. المسألة الجوهرية تكمن في ما إذا كان لبنان سيخرج من المستنقع، ويتصدّى لكلّ محاولات التدويل، والتحييد، والتجويع، والتطويق، والاحتواء من قبل دول الهيمنة التي تستهدف دول المنطقة، وترسم خريطتها السياسية المستقبلية، حيث ترمي الى جذب لبنان الى فلكها، ومن ثم جعله في دائرة نفوذها.

إذا لم يستطع لبنان مواجهة هذه التحديات، فإنّ انعكاسات سياسات الخارج على الداخل اللبناني، ستفعل فعلها على الأرض، لتطيح بكلّ المعادلات، ولتؤسس لمرحلة جديدة، ونظام جديد مدعوم من الخارج، وإنْ أدّى هذا النظام الجديد الى تفكيك الوطن اللبناني برمته.

حذار حذار من مقبل الأيام، التي تحمل في طياتها المفاجآت، التي يعوّل عليها بعض الخارج والداخل، لتطيح بالجمهورية من أساسها، وتقيم على أنقاضها، دويلات وإمارات طائفية هزيلة.

فهل يستطيع عهد الرئيس ميشال عون، تجاوز ما يُخبَّأ للبنان، ام انه سيكون آخر الرؤساء لـ «لبنان الكبير» الذي بدأ بالانتداب وينتهي به؟!

إنها مسؤولية الزمرة الحاكمة التي تدير لبنان، حتى لا يأتي يوم، نرى أنفسنا ذاهبين باتجاه جهنّم، كما بشرنا العماد ميشال عون، وحتى لا يكون بعد ذلك آخر رئيس للجمهورية اللبنانية.

فهذا ما لا نتمنّاه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المعركة الأميركية في لبنان: التطبيع أو ما يؤدي إليه؟

د.وفيق إبراهيم

الصراع المندلع في لبنان حول الجهة التي يجب أن تؤول اليها وزارة المالية في الحكومة المرتقبة التي يعكف على تشكيلها الرئيس المكلف مصطفى أديب، ليست أكثر من عنوان قد يكون مهماً، إنما في إطار الحرص الأميركي للإمساك بالسياسة الأميركية.

هذا ما يكشفه الإصرار الحاد من قبل مجموعات لبنانية سياسية مرتبطة بالأميركيين والسعوديين ترفض تسلّم أي شيعي لوزارة المالية، ولو اقتضى الأمر اعتذار أديب ودفع البلاد نحو الفراغ.

فينكشف وجود مشروعين متناقضين الأول يزعم ان مصطفى أديب يشكل حكومة مستقلة بمفرده بشكل لا يأخذ فيه بأي اقتراح للقوى النيابية السياسية، فيما يؤكد المشروع الثاني، أن هناك محاولة تشكيل لحكومة، أعطى الأميركيون لفريق لبناني مكون من الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ومعه ثلاثة رؤساء سابقون للحكومة هم فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي، الحق باختيار اسماء الوزراء وطبيعة الحقائب، على أن يلبوا في الدرجة الاولى مهمة إبعاد حزب الله والرئيس نبيه بري وحلفائهم عن الحقائب الاساسية، خصوصاً وزارة المال التي تمتلك التوقيع الثالث في الدولة على معظم المراسيم والقوانين الى جانب توقيعي رئيس الجمهورية والحكومة.

هنا، بدا الفرنسيون تائهين في مبادرتهم لسببين: انتقادات أميركية حادة تستهدفهم بزعم أنهم لطيفون مع حزب الله ويلتقون بقياداته، أما السبب فيتعلق برفض حزب الله والرئيس بري، التخلي عن وزارة المالية التي يجزمون اتفاقية الدوحة إناطتها بهم عرفياً كحال الإناطة العرفية التاريخية لرئاستي الجمهورية للموارنة والحكومة للسنة وقيادة الجيش ومديرية المخابرات والإنماء والإعمار ومطار بيروت وطيران الشرق الاوسط والأمن العام والقضاء الاعلى، كلها مواقع موزعة مذهبياً بما يكشف ان الصراع على المالية يضمر خفايا اشتباك كبير أميركي مع حزب الله للسيطرة على السياسة اللبنانية من خلال الإمساك بحكومة أديب المرتقبة وقراراتها.

فمن يتصوّر أن وزارة المالية التي يمسك بها رئيس المجلس نبيه بري منذ أكثر من عقد تنتزع هذه الأهميات المحلية اللبنانية والخليجية السعودية والفرنسية والأميركية..

مع أن هذا لا ينفي مطلقاً أهميتها الداخلية في تحقيق هيمنة على السياسة اللبنانية من خلال الثنائية المارونية ـ السنية الى ثلاثية تخترقها الشيعية الثلاثية..

لكن الواضح أن هذه الشيعية السياسية هي جزء من إنتاج القرار السياسي اللبناني منذ انتصار حزب الله على إسرائيل في معارك 2006، ونجاحه في طردها من الأراضي اللبنانية، فأين الجديد إذا؟

لا بد أنه موجود من خلال وضوح التقاطع الأميركي ـ الفرنسي الذي انتج المبادرة الفرنسية الاخيرة في لبنان، وتبين أن مكابحها أميركية الصنع تعتمد خطة السيطرة على لبنان عبر حنين بعض اللبنانيين الى الفرنكوفونية ويجب بالمفهوم الأميركي، ان تحاصر حزب الله بإبعاده عن الحكومة.

الأمر الذي يوضح أن الأميركيين عبر الوساطة الفرنسية، يريدون نصب كمين دستوري حكومي، يلوّح ببعض حسنات الصندوق الدولي ومؤتمر سيدر والبنك الدولي لوقف الانهيار الاقتصادي اللبناني.

إلا أن لهذه الحسنات ما يقابلها أميركياً، وهي مخفية بألاعيب بعض رؤساء الحكومات السابقين الذين نجحوا بإيهام الرأي العام بأن الصراع داخلي على حقائب وأوزان طوائف فيتبين بالعمق أن الأميركيين يريدون حكومة تستطيع ان تربط بين وقف الانهيار الاقتصادي الداخلي وبين امتناع القوى اللبنانية عن التدخل في حروب الاقليم.. وهذا يعني إلغاء مشاركة حزب الله في ضرب الإرهاب في سورية وحدود لبنان الشرقية، وانتهاء دوره في الجنوب عبر تسليم قوات الطوارئ الدولية حق انتهاك القرى والبلدات اللبنانية الى عمق يصل الى سبعين كيلومتراً.

علماً ان الصورة الحالية للجنوب، هي احتلال اسرائيلي لبلدة الغجر ومزارع شبعا وكفرشوبا واحتلال مساحة من الحدود البرية والبحرية.

فلماذا يريد الأميركيون استصدار هذه القرارات من حكومة أديب؟

لديهم هدفان: إغراق لبنان بفوضى مسلحة تطالب بنزع سلاح حزب الله ونقل هذا الخلاف الى منظمة الأمم المتحدة، مع محاولات إعلان هذه الحكومة لحيادية لبنان في الصراع مع «اسرائيل» كما يطالب البطريرك الماروني الراعي وحزب القوات والخليج الذي احتضن أخيراً «اسرائيل».

بذلك يتضح ان ما يجري في لبنان من صراعات طوائف ليست إلا حجاباً رقيقاً يستر محاولة أميركية لنقل لبنان الى حلف التطبيع مع «اسرائيل» ـ أو الحياد معها على الأقل ـ وهذا يتطلب مشاركة شيعية في حكومة أديب ليست على قدر وازن من الفاعلية الوطنية.

فهل هذا ممكن؟ إن إصرار الثنائي الشيعي على وزارة المال وتسمية وزرائهم ليس عملاً طائفياً، بقدر ما يؤسس قدرة دستورية على مجابهة المشروع الأميركي الذي يريد دفع لبنان الى احضان «إسرائيل».

عندما تسبق الاساطيل المساعدات وحرب المرافئ والطرق…!

محمد صادق الحسيني

لا معنى ولا مكان للصدفة في السنن الكونية وكلّ شيء بقدر وبيروت ليست استثناء…!

انفجار هائل في ميناء بيروت، يدمّر الميناء بشكل كامل ويدمّر عشرات آلاف المنازل في الأحياء المجاوره، بتاريخ ٤/٨/٢٠٢٠، تبعه بتاريخ ٩/٨/٢٠٢٠ اجتماع دولي عن طريق الفيدو كونفرنس، بين جهات دولية لبحث إمكانيات مساعدة لبنان بعد الكارثه، قيل إنّ المشاركين فيه أبدوا استعدادهم، للرئيس الفرنسي، بمساعدة لبنان بثلاثمائة مليون دولار. لكن القطع الحربية الفرنسية، التي كانت موجودة في شرق البحر المتوسط، قد وصلت المياه الإقليمية اللبنانية قبل وصول ايّ مساعدات، سواء من فرنسا او من غيرها من الدول.

كان هذا التحرك العسكري الفرنسي، المنسق مع الأسطول السادس الأميركي، عبارة عن أداة التمهيد لزيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للبنان، بتاريخ ١٣/٨/٢٠٢٠، ما يعني انّ الحملة الديبلوماسية الفرنسية كانت ولا تزال تتمتع بغطاء حربي من أسطولين في شرق المتوسط، الأسطول السادس الأميركي والأسطول الفرنسي، الأمر الذي يوضح بجلاء انّ وراء الأكمة ما وراءها.

وهذا ما اتضح، من خلال مسار زيارة ماكرون الأولى للبنان، وما تبعها من تصريحات لبنانية داخلية، حول مقولة الحياد، ثم التصريح الذي أدلى به البابا فرنسيس، قبل أيام، وفي تناغم مع تصريحات لبنانية داخلية أطلقتها بعض الجهات المعروفة الارتباطات، والذي جاء فيه (تصريح البابا) انّ لبنان يمرّ بفترة صعبة ولا يجب التخلي عنه.

وبالعودة الى كارثة الانفجار نفسها، فإننا وبغضّ النظر عن تفاصيل أسباب الانفجار ومسبّباته، وهل كان عرضياً أو مدبّراً، وما إذا كان نتج عن ضربة خارجية او من خلال عمل تخريبي، عن طريق عملاء على الأرض، فإننا مقتنعون تماماً بأنّ هذا الانفجار كان عملاً مدبّراً، منذ لحظة شراء نيترات الأمونيوم، من فرع شركة أسترالية في ميناء جبل علي بدبي، وحتى وصولها الى ميناء بيروت وتخزينها هناك طوال هذه السنين، بانتظار لحظة الحاجة الى تفجيرها، كان عملاً مخططاً بدقة وتقف وراءه أجهزة استخبارات دولية، كانت تتابع كلّ ما يجري في لبنان، من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، ولديها ما يكفي من مواد التفجير اللازمة لقلب الأوضاع رأساً على عقب، سواء في لبنان أو في المنطقة أو حتى على صعيد أوسع وأبعد.

من هنا فإننا نعتقد بقوة انّ هدف من دبّر عملية التفجير، والذي يُفترض انه بات معروفاً للكثيرين، قد شمل في أهدافه أكثر من مجال أهمّها:

1

ـ الأهداف التكتيكية، المحدودة جغرافياً، والمتعلقة بتفجير الأوضاع اللبنانية الداخلية، في وجه حلف المقاومة ودرّة تاجه في لبنان، حزب الله، خلطاً للأوراق وتمهيداً لشنّ حملة عاتية ضدّه، تؤدّي الى شنّ أو طلب شنّ عدوان أميركي «إسرائيلي» على لبنان وحزب الله، تمهيداً لنزع سلاحه، تماماً كما حصل مع الجيش السوري سنة ٢٠٠٥، اثر اغتيال رفيق الحريري، الذي كان مخططاً بدقه، وربما من قبل نفس الجهة التي نفذت تفجير ميناء بيروت أوائل آب من هذا العام.

2

ـ قطع الطريق على ايّ تعاون اقتصادي، او من ايّ نوع آخر، بين إيران ولبنان، خاصة بعد المقترحات التي تقدّم بها سماحة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والتي تضمّنت القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية الاستراتيجية، من قبل شركات إيرانية، ودون تكليف الخزينة اللبنانية أية أعباء مالية، حيث كان يُفترض أن تنفذ بواسطة معادلة: البناء ثم التشغيل، من قبل الشركة المنفذة، لاسترجاع استثماراتها، ومن ثم تسليم المشروع للدولة اللبنانية.

3

ـ توجيه ضربة استراتيجية لمشروع الصين العملاق، طريق واحد وحزام واحد، وذلك من خلال تدمير ميناء بيروت بالكامل، وإفشال كلّ المحاولات الصينية للدخول الى السوق اللبناني، سواء في القطاع البحري من بناء وتوسيع موانئ او من خلال نشاطات الشحن البحري وتطويره. وكذلك الأمر بالنسبة الى النقل البري، الشوارع الدولية وسكك الحديد، او النقل الجوي، عبر تطوير المطارات الموجودة وإنشاء أخرى جديدة. إضافة الى قطاع الكهرباء وقطاعات صناعية أخرى في لبنان، مما يأخذ لبنان باتجاه الاندماج او التكامل الاقتصادي مع محيطه العربي، الأمر الذي يفتح آفاقاً عابرة للقارات لهذا الاقتصاد الصغير والمثقل بالديون، ونقله من هذا الوضع المنهار الى وضع مزدهر مستديم النمو، وتمتدّ حدود نشاطه من سواحل المتوسط غرباً وحتى سواحل الصين وروسيا الشرقية على المحيط الهادئ شرقاً.

ولكن الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي، الذي يرتقي الى مستوى قصف المدن اليابانية بالقنابل الذرية، وقتل مئات الآلاف من سكانها المدنيين الأبرياء، ذلك القصف الأميركي الذي تمّ تنفيذه بتاريخ ٦ /٨ ١٩٤٥ و ٩ /٨ /١٩٤٥، ما يجعل تقارب تاريخ تفجير ميناء بيروت مع تاريخ القصف النووي الأميركي للمدن اليابانية يثير الكثير من التساؤلات لدى كلّ من لديه منطق سياسي يعتمد على تحليل المعادلات الرياضية وليس على كيل التهم السياسية للآخرين دون ايّ حجج او دليل.

نقول انّ الرياح لم تأتِ كما اشتهت سفن المخططين لهذا العمل الإجرامي لأنهم كانوا ينامون على أوهام انّ جريمة تفجير ميناء بيروت ستحقق لهم أهدافهم كلها بضربةٍ واحدة، بضربةٍ قاضية تنهي الخطر الوجودي، على دويلة الاحتلال الإسرائيلي، وتفرغ انتصارات محور المقاومة، على مدى السنوات الأخيرة الماضية، من محتواها، وتكرّس «إسرائيل» قوةً إقليميةً، تواصل دورها التدميري، الذي يمنع ايّ تعاون او تكامل اقتصادي عربي، او عربي موحد مع تكتلات اقتصادية إقليمية أو دولية موحدة.

فها هي جمهورية الصين الشعبية، وكما نشر الكاتب الأميركي، إيتش آي ساتون، في مجلة «فوربس» الأميركيه، بتاريخ ٣/٩/٢٠٢٠، نقلاً عن تقرير لوزارة الحرب الأميركية جاء فيه انّ سلاح البحرية الصينية قد زوّد طرادات ومدمّرات بصواريخ باليستيه، تستخدم في ضرب أهداف جوية وأهداف بحرية بنفس الكفاءة والفعالية. وهي صواريخ صواريخ مضادة للسفن. ويحمل كلّ طراد او مدمّرة ١١٢ من هذه الصواريخ، بالإضافة الى انّ جميع هذه القطع البحرية قد تمّ تزويدها بقاذفات صواريخ عمودية، مما يجعل كلّ قطعه قادرة على إطلاق ٣٢ صاروخاً دفعة واحدة.

وهذا يعني انّ سلاح البحرية الصيني، حسب المجلة الأميركية، قد أصبح أول سلاح بحرية في العالم يتسلح بهذا الطراز الثقيل من الصواريخ، ونعني هنا صواريخ دونغ فينغ ٢٦ ومداه اربعة آلاف كيلومتر، وصاروخ دونغ فينغ ومداه الف وسبعمائة كيلومتر.

وبالتالي فانّ الصين الشعبية قد أصبحت دولة قادرة، ليس فقط على حماية مصالحها الاقتصادية في العالم، بل على وضع حدّ لعربدة الأساطيل الأميركية في بحار العالم، خاصة في المحيط الهادئ وبحار الصين واليابان والفلبين والبحر الأصفر.

4

ـ أما إذا أضفنا قوة سلاح البحرية الروسيه الى تلك الصينيه،. فاذا ما دقق المرء في قدرات القطع البحرية الروسية، وأخذ الطراد «موسكو» كمثال وألقى نظرة على تسليحه فانّ بإمكان المرء ان يصل بسرعة الى استنتاج انّ هذه الجوهرة الروسية لا يوجد لها مثيل في العالم، خاصة بعد خضوع هذا الطراد لعمليات تحديث وإعادة تجهيز واسعة النطاق، استمرّت من سنة ٢٠١٨ حتى قبل أيام معدودة، حيث انطلق لممارسة أعماله القتالية من جديد. علماً انّ هذا الطراد الأسطورة كان، قبل الخضوع لعمليات التحديث، قد زار كلاً من: البرتغال وكوبا ونيكاراغوا وفنزويلا.

ولا داعي بطبيعة الحال، للتوسع أكثر، في تعداد القطع البحرية، التابعه للأساطيل البحرية الروسية، في بحر الشمال والمحيط المتجمّد الشمالي، والبحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الهادئ، ويكفي ذكر الطراد الصاروخي النووي «بطرس الاكبر»، وهو أكبر سفينة غير نووية في العالم، لنرى التأثيرات الهائلة، لتكامل القدرات البحرية الروسية مع تلك الصينية، واضعين في عين الاعتبار احتمال نجاح الجهود الروسية، في إنهاء الخلاف الحدودي الصيني الهندي، خاصة بعد نجاح وزير الدفاع الروسي في عقد اجتماع بين وزير الدفاع الصيني ووزير الدفاع الهندي، على هامش مؤتمر شانغهاي في موسكو، وما قد ينتج عنه مع تطبيع العلاقات بين البلدين، وافتكاك الهند من بين أنياب الوحش الأميركي، وضمّ قدراتها الى قدرات الصين وروسيا وإيران، التي تسعى إلى اقامة نظام تعاون دولي شامل يحلّ محلّ نظام الهيمنة الأميركي الأحادي.

5 ـ أما إذا انتقلنا الى إيران وقدراتها الدفاعية والهجومية فلا بدّ من التذكير بالموضوع الذي نشره الكاتب الأميركي، ميخائيل پيلار ، في مجلة «ذي ناشيونال انتريست» بتاريخ ٧/١٢/٢٠١٩، حول قيام إيران بتحديث كافة مدمّراتها وطراداتها، وتزويدها بأجهزة رادار قادرة على كشف الأجسام المعادية، وعلى إخفاء القطع البحرية الإيرانية عن أعين الرادارات المعادية، وتزويدها جميعاً بصوامع إطلاق صواريخ عمودية لتصبح بذلك قادرة على إطلاق رشقات صاروخية، تتكوّن كلّ رشقة من ٣٢ صاروخاً، الأمر الذي يجعل القدرة النارية، لسلاح البحرية الايراني، عالية جداً.

وهذا يعني انّ الأساطيل الإيرانية قد أصبحت قادرة على الدفاع عن مصالح إيران الحيوية، ليس فقط في محيط إيران، ولكن في مناطق بعيدة أيضاً. وما قيام إيران بإرسال ناقلات النفط الإيرانية، محمّلة بالنفط، الى فنزويلا بحماية من بحريتها، إلا دليل ساطع على التعاظم الهائل الذي شهده هذا الصنف من صنوف الأسلحة الإيرانية.

من هنا، ومن منطلقات الأدلة المادية الملموسة، فإنّ هذا الهجوم الديبلوماسي العسكري الفرنسي، المترافق بغطاء عسكري وديبلوماسي أميركي، كانت ذروته تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، التي أعلن فيها عن تنسيق أميركي فرنسي وثيق، في ما يتعلق بالتحرك الخاص بلبنان، قبل أيام. إنما هي تحركات يقودها نفس المايسترو، الذي أوعز لهذه المجموعة من العازفين، بالهجوم على لبنان، بدءاً بتفجير الميناء مروراً بتحريك الأساطيل البحرية، وصولاً الى رحلات ماكرون المكوكية الى لبنان. وهي حزمة تحركات تهدف، حسب الذين خططوا لتفجير الوضع اللبناني، في وجه حلف المقاومة وكلاً من روسيا والصين، إلى حماية لبنان من السيطرة الكاملة لحزب الله عليه حسب زعمهم، خاصة أنّ عملاء واشنطن و«إسرائيل «في لبنان لم يتمكّنوا من تنفيذ مهام التخريب التي أوكلت لهم أميركياً. وهو ما دفع المبعوث الأميركي الى لبنان، ديفيد شينكر، الى توبيخهم بشكل علني تقريباً، خلال اجتماعه بهم في آخر زيارة له لبيروت.

اي انّ مخطط خلط الأوراق، الذي بدأ بتفجير الميناء، قد فشل أيضاً، وانّ ديبلوماسية المستعمر الفرنسي وسيده الأميركي في لبنان لن تغيّر في الواقع شيئاً. اذ انّ لبنان ليس بحاجة الى طائرات عسكرية فرنسية ينبعث منها دخان ملوّن وانما هو بحاجة الى استثمارات ملوّنة عملاقة، صينية روسية إيرانية. وبالنظر الى عجز ماكرون وسيده في واشنطن عن القيام بتنفيذ مثل هذه الاستثمارات المنتجة كما يؤكد محللون اقتصاديون مطلعون، فانّ ضجيج محركات طائرة الرئاسة الفرنسية، بعد إصلاحها إثر الحادث الذي تعرّضت له في مطار بيروت كما يزعمون، نقول انّ هذا الضجيج لوحده سوف لن يسفر عن أكثر من الدخان الأسود الذي تنفثه في أجواء لبنان، مسبّباً مزيداً من التلوّث وحجب الرؤية.

لبنان ليس بحاجة الى دروس لا في الأخلاق ولا في السياسة ولا في الاقتصاد النيوليبرالي ولا هو بحاجة لمصمّم أزياء اقتصادية، قادم من باريس، لإعادة تصميم النظام الرأسمالي اللبناني، بما يتماشى مع شروط المحافظين الجدد، وما يعنيه ذلك من إعادة إنتاج للنظام اللبناني الذي أهلك البلاد والعباد، وبشكل يجعل نتائج هذا التحرك مخيّبة لآمال الطبقات المحدودة الدخل، على المدى القصير، وسحقها نهائياً على المدى المتوسط والطويل، وذلك من خلال بيع لأصول الدولة اللبنانية، ايّ الخصخصة، وتعميق الفقر والعوز لدى قطاعات واسعة من الشعب اللبناني وتكريس نظام الاقتصاد الريعي، الذي ساد لبنان على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ولكن بثوب جديد من تصميم مصمّم الأزياء الاقتصادية، خريج جامعة روتشيلد للتدمير المالي والاقتصادي، الرئيس الفرنسي ماكرون.

لبنان بحاجة الى رجال «تنكش» الأرض ولا تسرقها. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصادية مقاومة كتلك التي اقترحها سماحة السيد حسن نصر الله. لبنان بحاجة الى تطبيق خطة اقتصاد مقاوم ومنتج، كالاقتصاد الإيراني والاقتصاد الكوبي، وليس لاقتصاد من هُلام وفقاعات تظهر وتندثر دون ان يشعر بها المواطن. ايّ الاقتصاد المرابي، اقتصاد أسواق البورصة وما ينتج عنها من أرباح خيالية لا يراها المواطن ولا تعود عليه إلا بالضرر والمصائب.

لن يصلح الإطار الباريسي ما هو حاصل من فساد وتدمير في لبنان، وعلى كلّ الصعد، وإنما الرجال الرجال القادرون على إنقاذ هذا البلد العظيم من كبوته، تماماً كما أنقذوه من الخطر التكفيري الإرهابي قبل سنوات وكما حرّروه من الاحتلال الصهيوني سنة ٢٠٠٠ وحموا هذا التحرير سنة ٢٠٠٦.

نحن بحاجة لهم ولأمثالهم وليس لمصمّم الأزياء ايف سان لوران…!

وهم الذين سيكملون المشوار وينقذون البلد بكلّ تأكيد.

هم يمنحون الآخرين الآن فترة سماح بانتظار ان يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

والصبر مفتاح الفرج.

بعدنا طيّبين قولوا الله…

مأزق خطاب جعجع وجماعة شينكر

ناصر قنديل

خلال أسبوع واحد كانت اللقاءات التي عقدها معاون وزير الخارجية الأميركيّة ديفيد شينكر مع النواب المستقيلين، وعدد من الجمعيات التي تقدم نفسها كقيادة للحراك الشعبي الذي انطلق ضد الفساد في 17 تشرين من العام الماضي، وخطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، تحاول إقامة توازن سياسي وإعلامي مع المناخ الذي خلقته حركة الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون، التي شكل حدثها الأبرز الانفتاح على العلاقة بالمقاومة، والتخلي عن رهانات العزل والحصار، وبات معلوماً أن حركة ماكرون تحظى بدعم أميركي يشبه التكليف أكثر من الدعم، وقد حاولت هذه الأطراف الإيحاء بالتلاقي مع أهدافها والتشكيك بجدواها في آن واحد، على خلفية خطاب تلاقت هذه الجماعات على مضمونه، وعبر عنه بوضوح رئيس القوات سمير جعجع في كلمته أمس.

الخطاب الموازن في الشكل يحمل الكثير من المزاعم والمبالغات، سواء لجهة الحجم أو لجهة الدور والموقف، فمدعاة للسخرية أن يصير هؤلاء آباء ثورة تشرين ويملك كل منهم منفرداً حق التصرف بأبوتها لينسبها كل منهم إلى من يشاء، وأن يحاضروا بعفة سياسية ومالية، وقد كان بعضهم شريكاً حتى نخاعه الشوكي في النظام قبل الطائف وخلاله وبعده، وبعضهم الآخر يمثل ميليشيات قام تاريخها على اغتصاب حقوق الدولة، ويروي لنا الرئيس السابق أمين الجميل في كتاب مذكراته فضيحة الاسترداد المنقوص للحوض الخامس لمرفأ بيروت إلى عهدة الدولة في عهده، بعد مفاوضات شاقة مع القوات انتهت لتخصيص مبلغ مقطوع من المالية العامة للدولة لصندوق القوات، بصفتها خوة نظامية مشرعنة بالجملة بدلاً من خوات تفرض على المواطنين بالمفرق، أما بعضها الثالث فجمعيات تعتاش على التمويل الخارجي بداعي العمل الإنساني أو التبشير بالإصلاح، لكن التحقيقات الأممية في كيفية تعاملها مع أموال مخصصة لدعم النازحين السوريين تكشف ما يندى له الجبين من لصوصية وسرقات، والحكايات المتداولة حول ما يرافق المساعدات المخصّصة لمتضرّري تفجير مرفأ بيروت لا تبدو مختلفة.

افتقاد الخطاب وأصحابه إلى الصدق والمصداقية لا تعوّضه النبرة العالية، ولا يُخفيه الصراخ، ولا لغة التحدي الميليشياوي من جهة، أو إنكار التاريخ من جهة موازية، لكن الأهم هو مأزق الخطاب الموحّد من حيث المضمون، وبعيداً عن التوابل التي يقوم برشها على صحن المائدة كل فريق ليضفي نكهته على الصحن الموحّد، يتكون هذا الصحن من عنصرين، على طريق «ملوخية» سامي الجميل، وهما برغل ولحم لصناعة «كبة نية» سيكتشف من يتذوّقها أنها رغم كل أنواع الكمون والبهارات وزيت الزيتون، تسبّب عسر الهضم ويصعب ابتلاعها، والعنصران هما، «برغل» مسؤولية السلاح و«لحمة» الانتخابات المبكرة، وسرعان ما يكتشف المتذوق أنهما عنصران غير قابلين لتكوين جبلة واحدة، فمقدّمة الخطاب الصادر عن جميع أصحاب الصحن الموحّد لطبق شينكر، ترتكز على فكرة مكررة يتم تلخيصها وتوسيعها وشرحها ومقاربتها من باب «مار مخايل» أو من باب «مرفأ بيروت» أو من باب خسارة الدعم الدولي والعربي، وتقول الفكرة إن سلاح المقاومة هو علة العلل وهو اصل المشاكل، والفكرة الثانية التي تشكل جوهر الحل وفق الخطاب الموحّد، تقول بكل اللغات واللهجات تقوم على الدعوة لانتخابات نيابية مبكرة تعيد تشكيل السلطة السياسية، وينتظر منها تغيير التوازنات، مرّة تحت عنوان تغيير وجهة الأغلبية النيابية وفقاً لخطاب جعجع، ومرة تحت شعار إسقاط «الطبقة السياسيّة الفاسدة» والمجيء بممثلين مدنيين للشعب من صفوف «الثوار».

المشكلة ليست بنصفَيْ صحن شينكر الموحّد، كل على حدة، بل بجمعهما معاً، ففي النصف الأول، لا شرعية للانتخابات في ظل السلاح، وفي النصف الثاني نزع شرعية السلاح تتم عبر الانتخابات، ولا تشبه هذه الثنائية الملفقة إلا ثنائية الحياد والتوافق، فلا توافق إلا على الحياد، ولا حياد بدون توافق، وعلى أصحاب دعوتي إنهاء عهد السلاح والحياد أن يخبرونا، هل لديهم خطة لتحقيق الهدفين عبر الحوار مع حلفاء السلاح وأصحابه وجمهوره أم بكسرهم وكيف، وهل يرون الانتخابات طريقة مناسبة للكسر، وهل يعتبرونها شرعية رغم وجود السلاح وقبل كسر التحالف السياسي المؤمن بدور السلاح و المتمسك ببقائه، وإذا كانت هذه خريطة طريقهم فهذا يعني أنهم يثقون بأن السلاح ديمقراطي، ولا يتدخل في شؤون تكوين السلطة، ولا يسبب علة للطعن بنتائج الانتخابات وشرعيتها؟ وهذا يعني أن هذا السلاح لا يقلقهم، وأن أصحاب السلاح صادقون بأنه لا يستخدم إلا لوجهة واحدة هي من يجب أن يشعر نحوه بالقلق، وهو لا يشكل مصدراً للقلق إلا لعدو يحتل أرضاً ويتربّص شراً بالبلد، فلماذا يقيمون قيامتهم عليه إذن ويعتبرونه علة العلل، فيشاركون هذا العدو حملته للتخلص من هذا السلاح ليطمئن هو ويرتاح، ويقلق لبنان على أمنه وسيادته، بينما هم بكل عنفوان ونبرة عالية واثقون من الانتصار على ما يسمونه بحلف السلاح في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة رغم وجود هذا السلاح؟

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation

by Nasser Kandil

The Lebanese Parliament Majority stands before the scenario of a new Lebanese government in a changing international and regional climate.  Expressive of the most nationalistic views among all the other Lebanese political power groups, it faces a crucial test equivalent in magnitude to its responsibilities. This Majority supports Al Mukawama, and defends Lebanese independence in the face of subjugation schemes titled on one occasion as “neutrality” and on many others as complete surrender to American demands which begin and end with the full preservation of Israeli interests.

The considerable responsibility carried by this Parliamentarian Majority includes an awareness of the changes resulting from the West’s fear of Lebanon moving towards choices defines by French President Emanuel Macron as “the West’s loss of this sensitive spot in the East Mediterranean,” and described as “strategic competition” by the U.S. Diplomat Jeffrey Feltman. Included in these changes is the West’s calculation of risks associated with the confrontation with Al Mukawama Axis, at its head Iran, and a dissension about ways of confrontation, in which settlement offers is one considered way of confrontation, where Lebanon becomes a major experimental field to test chances for their success.

Everything points to the world and the region swimming in muddy swaps filled with surprises, Lebanon and the region dancing on a hot tin roof, uncertainty of outcomes, and experimental balloons rather than final policies.  For those reasons, the Parliamentarian Majority’s bigger responsibility lies in not falling prey to fantasies about an end to confrontation, or any decisive settlement, or the positioning of the West outside of the language of pressure, or of favoring unilateral investments to improve economic conditions at the price of political concessions as long as immutable tenets of sovereignty remain untouched.

Considerations in the formation of a new government come within the context of this scenario of changes and uncertainty.  Among these considerations is the possibility of a representative government, or one acceptable to, if not representative of, all major political factions. In all cases, what is being considered is a government which ends the political fragmentation which followed the resignation of the unity government headed by Saa’d Al Hariri  before the October 17 uprising.

Prior to any discussion of hypotheses and possibilities, chief of which is about the naming of a Prime Minister to head the new government, a major question should be asked about the failure in governing by the Majority’s choices, before and after it became a Majority in Parliament, and before and after a team member became President, and when it shared the government with its opponents, and on the occasion it exclusively participated in the formation of the government.

Any fair review will reveal that the defect does not lie in the opponents or in circumstances but in these power groups’ considerations related to groupings, party, or religious sect and unrelated to government. Such considerations resulted in a fragile coalition, incapable of constructing a serious and effective governmental plan. A clear and simple proof is that the dissention in partnership governments which stood in the way of numerous accomplishments, was dissention between the power groups within the Coalition rather than with their opponents. Further proof is that nothing changed when the Majority formed its government. The same disagreements, suspicions, and accusations persisted, and the same failure was reaped. Without rectification of this defect, a replication of such failures is inevitable.

There are serious Lebanese and foreign deliberations about calling on the former Prime Minister Saa’d Al Hariri to form a new government. There are two approaches the Majority can adopt towards this hypothesis. One approach is a familiar one, characterized by giving precedence to categories, party, and sectarian considerations, which it had adopted in the past, and was rewarded with failure.  Such approach consists of holding on to a heterogeneous mix during deliberations which separates and goes back to its original groups and their insistence on quotas in projects and in the naming to official positions, and disintegrates anew within the formed government, regardless of who is named as Prime Minister.

Sufficient to consider is the distance separating the Free National Movement from the Marada Movement, and the way the late government was formed without the participation of the Syrian Nationalist and Social Party, and the features of marginalization of the Consultative Gathering in deliberations about governmental options. Such consideration highlights the loss in value of the improvement in the relationship between the Amal and the Free National Movements, which has allowed the success of the Coalition’s prominent Trio in interactions and discussions as one team seeking a unified approach, unless such improvement can guarantee success in changing the approaches adopted thus far to allow a change in outcomes.

Such change is predicated on two conditions.  The first is to widen the dialogue and unify the constituents of the Parliamentarian Majority into one political front united in views, positions, and approaches.  The second is to put forth a plan for the new government in which priorities take precedence over the naming for positions.  Principal among the priorities are (1) a new election law which brings Lebanon closer to a secular country in compliance with Article 22 of the Lebanese Constitution, (2) an economic rebirth based on reinforcing productivity, (3) openness to the oriental depth and to Syria as a priority, (4) openness to the variety in the numerous economic options in the world, at its head China and the plans made possible through cooperation with her, (5) refusal of any exchange of sovereignty for money be it in matters related to the designation of the border lines or in the matters related to the Syrian and Palestinian Refugees.

The most dangerous step the Majority could take would be to believe that it can rest once Prime Minister Hariri or someone similar to him undertakes the formation of a new government acceptable to all, because the responsibilities imposed by the current economic burdens and by  an  economic resurgence do not lie with the new government alone.  Outcomes after a new government is in place will come step by step. A price in sovereignty will be attached to every financial facilitation offered by the West.  The Parliamentarian Majority will be blamed each time it rejects such type of offer, or will be pushed into ornamenting such offers only to fall into the many traps set for it. Furthermore, the Majority will be divided as a result of each of its components bargaining of their share in the new government, or in case of the failure to form one and a return to square one, the Majority will be blamed for such failure.  It will lose the golden time separating it from new elections. The price it will pay will be the loss of its majority status in a new parliament.  Deprived of new election law, it will be driven by the force of the current election law to the loss in its majority on the eve of the Lebanese Presidential election.

غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

ناصر قنديل

في مناخ دولي وإقليمي متغيّر تقف قوى الغالبية النيابية أمام المشهد الحكومي الجديد. وهذا الامتحان حاسم بقياس مسؤولية هذه القوى، بصفتها التعبير الأشد وطنية بين القوى السياسية، بوقوف هذه الغالبية وما تمثل من حاضن للمقاومة ومدافع عن الموقف الاستقلالي بوجه مشاريع الاستتباع المسمّاة مرّة بالحياد ومرّات بالخضوع التام للإملاءات الأميركية التي تبدأ وتنتهي عند حدود المصالح “الإسرائيلية”، والمسؤولية تقتضي عدم تجاهل المتغيّرات الناتجة عن الخشية الغربية من ذهاب لبنان إلى خيارات أسماها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون بخسارة الغرب، لهذا الموقع الحسّاس في شرق المتوسط، ووصفها الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان بالتنافسية استراتيجياً، والمتغيرات في جزء آخر منها نتاج الحسابات التي يقيمها الغرب لمخاطر المواجهة مع محور المقاومة وعلى رأسه إيران، وانقسامه حول سبل المواجهة، ومن بينها عروض التسويات، التي يشكل لبنان أحد عناوين الاختبارات الرئيسية لفرصها، لكن المسؤولية تقتضي أكثر عدم الوقوع في أوهام انتهاء المواجهة، أو حسم خيارات التسويات، أو تموضع غربي خارج لغة الضغوط لصالح الإستثمار الأحادي على فرضيات تعويم الوضع الاقتصادي بأثمان سياسية تسووية لا تمسّ الثوابت السياديّة، فكل شيء يقول إن العالم والمنطقة يسبحان في وحول مستنقع مليء بالمفاجآت، وإن لبنان والمنطقة يرقصان على صفيح ساخن، وإن النهايات غير محسومة، وبالونات الاختبار ليست سياسات نهائية.

في قلب هذا المشهد تجري مقاربة الملف الحكومي، وإمكانية حكومة جامعة أو حكومة يرضى عنها الجميع إن لم تكن حكومة تمثيل الجميع، ولكنها في كل الأحوال حكومة تنهي الانقسام السياسي الذي أعقب استقالة الحكومة الجامعة التي ترأسها الرئيس السابق سعد الحريري قبل انتفاضة 17 تشرين، وقبل الدخول في مناقشة الفرضيات والاحتمالات، التي يتصدّرها الحديث عن تسمية رئيس يكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، يجب طرح السؤال الجوهريّ عن سبب فشل خيارات قوى الغالبية في العمل الحكوميّ، قبل أن تصير غالبية وبعد أن صارت، وقبل أن يصل من فريقها رئيس للجمهورية وبعد وصوله، وعندما كانت تشارك خصومها في حكومات، وعندما تفرّدت بتشكيل حكومة، وأي مراجعة منصفة ستكشف أن الخلل ليس في الظروف ولا في الخصوم، بل بكون هذه القوى تعاملت بحسابات منفصلة مع الملف الحكومي، وهي حسابات يغلب عليها الطابع الفئوي الحزبي والطائفي، فبقيت مجرد حلف هش عاجز عن تشكيل مشروع حكومي جدي وقادر، والدليل البسيط والأوضح على ذلك هو أن الخلافات التي حالت دون تحقيق الكثير في حكومات الشراكة كانت خلافات أطراف الغالبية فيما بينها وليست خلافاتها مع خصومها، وعندما شكلت الغالبية حكومتها لم يتغيّر شيء، وبقيت الخلافات وبقيت الشكوك والاتهامات، وبقي الحصاد الفاشل نفسه، ومن دون مراجعة هذا الخلل سيُعاد إنتاج النتائج ذاتها.

التداول بفرضية تسمية الرئيس السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة جدّي، داخلياً وخارجياً، لكن ثمة طريقتان في مقاربة هذه الفرضية من قبل الغالبية، طريقة تقليدية تعرفها قوى الغالبية وسبق وسلكتها وحصدت الفشل، وهي تغليب المقاربات الفئوية الحزبية والطائفية، والبقاء خليط غير متجانس يتفرق بعد التسمية إلى مكوناته الأصلية في حسابات الحصص، ويتفكك مجدداً داخل التركيبة الحكومية بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة، حول محاصصة المشاريع والتعيينات، ويكفي النظر للمسافات الفاصلة بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، والنظر للطريقة التي انتهت بعدم مشاركة الحزب السوري القومي الاجتماعي للحكومة الأخيرة، وبملامح تهميش اللقاء التشاوري عن التداول بالخيارات الحكوميّة، لمعرفة أن التحسن على خط العلاقة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر، الذي أتاح نجاح الثلاثي الأبرز في الغالبية في التلاقي والحوار كفريق يسعى لرسم مقاربة مشتركة، يفقد قيمته ما لم يرتبط بشرطين، يضمنان له النجاح بتغيير قواعد المقاربات كي تتغيّر النتائج، الشرط الأول توسيع الحوار ليطال مكوّنات الغالبية كجبهة سياسية يجب أن توحّدها النظرة والمواقف والمقاربات، والشرط الثاني وضع برنامج أولويات للحكومة الجديدة يتقدّم على التسميات، وفي أساسه قانون انتخابات جديد يقترب بلبنان من الدولة المدنية وفقاً لصيغة المجلسين المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور، وخطة نهوض اقتصادي تقوم على تعزيز الإنتاج والانفتاح على العمق المشرقي وفي الأولوية سورية، والانفتاح على التنوع في الخيارات المتعددة اقتصادياً في العالم وفي الطليعة الصين وما تتيحه مشاريع التعاون معها، ورفض أي مقايضات للسيادة بالمال سواء في ترسيم الحدود أو في قضايا النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين.

أخطر ما قد تُقدم عليه الغالبية هو الاعتقاد أنها سترتاح بمجرد تولي الرئيس الحريري أو من يشبهه مهمة تشكيل حكومة ترضي الجميع، لأن مسؤولية المتاعب الاقتصادية وكذلك مسؤولية النهوض بها لم تعد في حضنها وحدها، لأن الحصيلة ستكون خطوة خطوة، وضع ثمن سيادي لكل تسهيل غربي مالي يجري تحميل الغالبية مسؤولية إفشاله، أو دفعها لتزيين قبوله بالسقوط التدريجي في الفخاخ، والغالبية ستكون مفككة وقد ساوم كل من أطرافها على حصته، وفي حال الفشل والعودة إلى المربع الأول ستحمل الغالبية مجدداً المسؤولية، كما ستكون قد تسببت بخسارة ما تبقى لها من وقت ذهبي يفصلها عن الانتخابات، التي ستدفع فيها ثمناً يسحب عنها صفة الغالبية، وستحرم من إنتاج قانون جديد، وتؤخذ بقوة القانون الحالي إلى خسارة غالبيتها عشية الانتخابات الرئاسية.

Between Malek, Shiha, Al-Rahi, and Macron? بين مالك وشيحا والراعي وماكرون؟

By Nasser Kandil

The Patriarch Bishara al-Rahi’s statement that Hizbullah accused him of agency and treachery is most regrettable. Everyone assures that any attempt to learn Hizbullah’s response to the Patriarch’s call for neutrality was met with “No comment.” In her refrain from declaring her opposing perspective to the Patriarch’s stance, Al Mukawama aimed at preventing an interpretation of its position through lenses of sectarian defensiveness, giving lurkers the opportunity of fanning flames, resulting in exchanges of volleys of accusations of agency and treachery.

The invitation is open for the Patriarch to rise above allegations of treachery against him from a Party and a Mukawama, which have a full awareness and appreciation of sensitivities in Lebanon, and who prioritize a diligence about not taking positions, in order to ensure communication respectful of honorifics, including the Bkirki Honorific, and to preserve national unity.

To say that an understanding exists between the Speaker of Parliament Nabih Berri and

Al-Sayyed Hassan Nasrullah, to refrain from comments on the Patriarch’s call for neutrality, personally or through their respective party platforms, would not be revealing a secret. In addition, they have both expressed their displeasure towards individual voices and religious, political, and publicity sites which went against their chosen direction.

In view of such diligence and approbation, they would have rightfully expected from Bkirki a reciprocal approach through an invitation for a discussion of her position with all the Lebanese entities, in an effort to promote agreement and harmony, before her declaration. What is occurring today instead, is that the Patriarch’s call transformed into a mudslinging campaign against Al Mukawama and her arms, unjustly relegating to her the responsibilities for and the dire consequences of the multitude of crises Lebanon has been facing.

This declaration provided an opportunity for its exploitation by those lying in wait, through a discourse insinuating that the injurious and demonizing campaign targeting Al Mukawama has gained a solid base through Bkirki’s leadership. The duo’s silence was the utmost they could offer amidst all that, as an expression of care and respect, awaiting reciprocity from the Bkirki Seat, to provide the opportunity for communication about disagreements behind closed doors.

The Patriarch’s call and his speech on the occasion of Lebanon’s Centennial is being presented as a reading about Lebanon’s future and a project for a new contract benefitting from past experiences and present dangers. He refers to a fear that what is meant by a new contract is an invitation to trilateral power sharing, i.e. power sharing on an almost equal basis between Christians, Shias, and Sunnis, rather than current power sharing divided equally between Muslims and Christians in Lebanon. Such expressed fear sounds strange in view of  Speaker Berri’s refusal decades ago of a trilateral power sharing proposal, and Hizbullah’s refusal of  more generous sectarian power-sharing offers as a trade-off for its power which constitutes a major security threat to the Israeli Occupation.

Both parties confirmed and continue to confirm their insistence on the preservation of the position and role of Christians in Lebanon and the region as a fundamental constituency in the Orient, independent of the actual number of Christians in it.  They have repeatedly emphasized the necessity of reassuring this constituent and ensuring all elements of stability for its continued existence. Their belief is that the Orient’s Christians confer an added value to the Orient, and the loss or weakening of this constituent will rob the Orient of its distinctive characteristics.

These two parties who are implied in the “trilateral” accusation have been clear in attaching to every call for the end of sectarianism, another call for a positive Christian partnership which is reassuring to them, on one hand, and provides existential reassurances for Christians, on the other. A discussion is needed among the Lebanese about a new contract on the basic principles held by the duo encapsulated in progress towards a democratic state, unfettered by the federalism of sectarian protectorates, and ensuring guarantees against the transformation of democracy into a tool in the hands of a sectarian majority, shaking the equilibrium between sects or posing an existential threat to them.

The passage of one hundred years on the establishment of the political Lebanon, in the shade of which we stand today, makes it worthwhile to go back to the writings of two great Lebanese Christian thinkers who have had a strong influence on the conceptualization of Lebanon as an entity, and of Lebanese nationalism, and with whom every Christian political speaker affiliates or aligns his or her position with what had been attributed to them. The reference, of course, is to Charles Malek and Michel Chiha, who have drawn the picture for the Lebanese entity and the principles for its political and economic growth, and unequivocally warned of what they considered to be an imminent threat to its being, namely the earth shaking event of the creation of the Occupation State in 1948.

Both Malek and Chiha were terrified for the fate of the Lebanese entity, and called for the Lebanese to be vigilant about a future in an environment of increasing difficulties. They agreed, each from his own perspective, about the dangers associated with that cataclysmic event which made Lebanon a constant target for Zionist expansion, and at risk of structural damage to the culture of coexistence on which it is based. They agreed that this event created nurturing climates for religious prejudices and extremism, which in turn were expected to launch eras of threat to peace between the Lebanese, and geographic locations posing such threats, in the form of consecutive waves.

They stated that the Jewish State, which they described as racist and reliant on the potency of money and power, will constitute an existential threat to a Lebanon weak and helpless by comparison.  They believed that the newly formed entity will pump waves of Palestinian refugees, and as their hopes of return to their homeland became increasingly out of reach, would place at risk the sectarian equilibrium in Lebanon.

Charles Malek, from his position in the United Nations, sent a report in 1949 to Lebanon’s President and Prime Minister in which he went further, pointing out the approach of a Jewish epoch to the area, that Palestine was the mirror for conditions in the Middle East, that the scant influence of the Arabs will result in an increasing “Jewish” influence, and warned against betting on international positions because the West, headed by the Americans, will side with the “Jews.” He stated: “ In every principal conflict between Israeli and Arab interests, America will support  Israeli interests.  I warn strongly against falling blindly into the trap of seductive American construction projects before their full scrutiny and the scrutiny of Jewish connections to them.”  He proposed a countermeasure based on the building up of Arab armies, an Arab renaissance, and a liberation movement led by Lebanon and Syria. He wagered on a role supportive to the Palestinian cause, and aid to Lebanon and the area in the face of the “Jewish” threat, by the Worldwide Catholic Church, led by the Christian Church in the Orient, with Lebanon being its more important base.

Both Malek and Chiha believed, in the first place, that the triad of threats, expansionist, structural, and economic, posed by the Occupation, along with the Palestinian refugee issue, should form an axis for Lebanese policies internally, at the Arab level, and internationally.  Secondly, they pointed to the losing bet on the effectiveness of international interventions without possession of a considerable interest potential and adequate power to enable participation in the big equations, implying that begging for protection from a position of weakness will inevitably result in disappointment. Thirdly, they bet on the leading role of the Church in escalating and reinforcing power resources internally, and moving outward from that position of political, economic, and military strength, to rouse the Worldwide Church, in the hopes of creating a balance protective of Lebanon.  Can anyone say today that the threats no longer exist, or that the effectiveness of the Arab position has increased, or that the laws governing the movement in international relations have changed?

Al Mukawama, capable and competent, liberated and deterred, and became a source of anxiety for the Occupation in regard to its security and existence.  She became one of the manifestations of what Chiha and Malek asked of the Lebanese.  Sage and prudent,

Al Mukawama is the missing link which Bkirki should feel happy to meet halfway, for a complementarity in roles, translated into what should be done for Lebanon’s protection, with differentiation and variation lending strength to positions rather than being problematic. What has come forth instead from Bkirki’s positions only weakens power sources, aborts opportunities for complementarity between politics and power, and whets the appetite of those in wait for the possibility of weakening or isolating Al Mukawama. It fails to attempt seeking guarantees for Lebanon and the Lebanese using the pacification of Al Mukawama as leverage.

The neutrality initiative, even in its “active” form, fails to tell how it will solve the refugee issue in a time of Arab abandonment; how it will protect Lebanon’s economic role in the era of “normalization;” how it will protect Lebanon from the threat of aggression in the times of disintegration of Arab armies; and who will benefit from the weakening of Al Mukawama and from targeting her morale and reputation except lurking Takfeeri Extremism, lying in wait for Lebanon, the Orient, Christians, along with all the other constituents in the area?

Renewal of the Greater Lebanon starts with a dialogue between the Lebanese to form  understandings which address points of defect and invest in power sources.  Bkirki is the first invitee to openness towards Al Mukawama and investment in her sources of power, after Bkirki has clearly seen France coming to acknowledge Al Mukawama as a reality unsusceptible to marginalization or weakening. In making such acknowledgement, France was speaking for herself and on behalf of her allies, whom Bkirki considers as friends and fears Lebanon’s loss of their support.

The French movement confirms that the attention of those friends to Lebanon and lending their aid has come only as a result of the Al Mukawama raising their anxiety about “Israel’s” security and existence. Any reassurance to decrease such anxiety embedded in the  calls for neutrality will only mean that such attention will shift, and any helping hand will be withdrawn and washed from anything related to Lebanon. Perhaps this is the most prominent conclusion Chiha and Malek came to 70 years ago.

بين مالك وشيحا والراعي وماكرون؟

ناصر قنديل

ثوابت يجب عدم نسيانها وأوهام ممنوع السماح بمرورها وتغلغلها في نفوس الناس وعقولهم في النظر للحركة الفرنسيّة التي يقودها الرئيس امانويل ماكرون، حيث يتمّ تمرير كل شيء تحت ضغط الكارثة التي يعيشها اللبنانيون، أولها التوهّم أن فرنسا أم حنون جاءت لتساعد وتسهم في رفع المعاناة عن كاهل اللبنانيين، وثانيها أن إدراك أن السياسة باعتبارها لغة مصالح لا يعني الرفض المطلق لسياسات الآخرين ومصالحهم إذا لم تتعارض مع سياساتنا ومصالحنا، وثالثها أن ما لا يتعارض مع سياساتنا ومصالحنا ويؤسس لنقاط تقاطع لا تجوز إدارته بتساهل واسترخاء لأن المصالح تتراكم وتتغيّر والأطماع لا يردعها إلا حضور الحذر واستحضار القدرة وتحصين القوة. والمشهد اللبناني المقزّز في درجة التهافت أمام الرئيس الفرنسي، وتغيّر المواقف وتبدل الثوابت وتقديم أوراق الاعتماد، أظهر خصال انحطاط ليست حكراً على ما يحلو للبعض وصفه بطبقة سياسية فاسدة، فقد نخر سوس التهافت والانحطاط، صفوف الذين سمّوا أنفسهم ثواراً، والذين قدّموا أنفسهم بدائل، والنخب والكتاب والفنانين، ومن له مصلحة ومن ليس له مصلحة، إلا قلة رفيعة الشأن كبيرة النفس شامخة الأنف، لا عارضت علناً وقدمت الولاء سراً، ولا قاطعت، ولا سوّقت، ولا تهافتت، حالها كحال فيروز التي بقيت تشبه أرز لبنان يحتاجها ماكرون ولا تحتاجه، وتقاطع المصالح يعني لها النديّة، وليس الذل والاسترهان، ولا الزحف والبكاء، والبكاء السياسي والإعلامي، ليس بكاء وجع الناس المفهوم، وبقيت هذه القلة تحفظ سرّ المقام والدور والمسؤوليّة، فشارك بعضها بجدية ومسؤولية واحترام وندية، ولكنه لم يمنع نفسه من متعة التفرج على “الزحفطة” السياسية والإعلامية والاقتصادية و”الثورية” و”المدنية” وغير المدنية”، ولم يكن بعضها موجوداً فتابع عن بُعد وهو يجمع السخرية والألم من درجة هبوط وانحطاط مشهد، هو بالنهاية مشهد وطن لا يفرح محبّوه برؤيته على هذه الحال.

توضح زيارة امانويل ماكرون للعراق وتصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، أن الحركة الفرنسيّة محميّة أميركياً، ولا تحظى فقط بالتغطية، بل هي جزء من سياسة أميركية بالوكالة، حيث تحتفظ واشنطن بالخطاب الدعائي ضد إيران والمقاومة، وتتولى فرنسا تبريد جبهات المشرق الملتهبة، بينما تتفرّغ واشنطن لتزخيم حفلات التطبيع العربي “الإسرائيلي” في الخليج، فماكرون المتحمّس لمرفأ بيروت بدا متحمساً لمشروع مترو بغداد، بينما كان الأردن والعراق ومصر يبشرون بمشروع “الشام الجديد” الذي يلاقي نتائج التطبيع الإماراتيّ الإسرائيليّ، بربط العراق عبر الأردن الذي يقيم معاهدة سلام مع كيان الاحتلال، بمرفأ حيفا، أسوة بالإمارات، في زمن خروج مرفأ بيروت من الخدمة، ولا يُخفى أن المشروع الذي قام أصلاً وفقاً لدراسة للبنك الدولي على ضم سورية ولبنان وفلسطين على المشروع قد اعتبر تركيا جزءاً منه، وقد أسقطت سورية ولبنان وفلسطين، واستبعدت تركيا حكماً، وفي زمن التغوّل التركي ورعاية أنقرة للإرهاب وتطبيعها مع الكيان لا اسف على الاستبعاد، وبمثل ما رحبت بالشام الجديد واشنطن وتل أبيب، هرول الرئيس الفرنسي مرحباً باستبعاد تركيا، على قاعدة تناغم مصري فرنسي سيظهر أكثر وأكثر، من ليبيا إلى لبنان، وصولاً للعراق، بحيث تقوم فرنسا بالإمساك بلبنان عن السقوط و”خربطة الحسابات” بانتظار، تبلور المشروع الذي يريد ضم سورية ولبنان معاً في فترة لاحقة، بعد إضعاف قدرتهما التفاوضيّة وعزلهما عن العراق، والمقصود بالقدرة التفاوضيّة حكماً قوى المقاومة وتهديدها لأمن الكيان، وهذا هو معنى التذكير الأميركي بأن المشكلة هي في حزب الله وصواريخه الدقيقة، كما يؤكد بومبيو.

لا مشكلة لدى قوى المقاومة بالمرحلة الانتقالية التي يتمّ خلالها انتشال لبنان من قعر السقوط، ليس حباً ولا منّة ولا مكرمة من أحد، بل خشية انفجار كبير يحول التهديد الإفتراضي للكيان إلى تهديد واقعي، ويأتي بالصين على سكة حديد بغداد دمشق بيروت، هي السكة التي يريدها ماكرون لفرنسا، لكن بعد التفاوض، بحيث تحفظ حدود سايكس بيكو، لكن يتغيّر مضمون التفويض بنقل الوكالة في حوض المتوسط إلى فرنسا، التي منعت من العراق والأردن قبل قرن، لحساب بريطانيا، المتفرّجة اليوم إلى حين. وهذا يكفي للقول إنه بعد فشل الرهان “الإسرائيلي” على نظرية معركة بين حربين كادت تفجّر حرباً، جاءت فرنسا بمشروع تسوية بين حربين، عساها تجعل الحرب الثانية اقتصادية، هدفها إبعاد الصين عن المتوسط، وإبعاد صواريخ المقاومة الدقيقة عن رقبة الإسرائيليين، والمقاومة المدركة للتحديات والاستحقاقات، تعرف ما بين أيديها كما تتقن ذكاء التوقيت.

لا شام جديد بدون الشام الأصلي والقديم، حقيقة يجب أن ينتبه لها ماكرون قبل أن يرتكب الأخطاء القاتلة، فلا ينسى أن التذاكي لا يحل المشكلات الأصلية، وأن روسيا لا تكتفي بالكلمات طويلاً، وأن بريطانيا لا تطيل النوم بعد الظهر.

Related

نصرالله ترك عامداً التعليق على العدوان إلى الوقت المناسب

البناء

الجيش: مئات الصواريخ والقذائف الصهيونية المتفجّرة والفوسفورية على قرى جنوبية تُشعل عشرات الحرائق وتوقع أضراراً مادية جسيمة

Click for video

فيما أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أنّ «الثوران الإسرائيلي»، ليل أول من أمس وإلقاء القذائف الفوسفورية وبعض الإعتداءات «هو أمر مهمّ وحسّاس لدينا»، موضحاً أنه «عامد» لن يعلّق عليه الآن وسيترك الحديث عنه إلى الوقت المناسب وفي السياق الطبيعي والآتي، أعلن الجيش اللبناني حصيلة العدوان الهمجي الغادر على القرى والبلدات المستهدفة.

وأوضح الجيش في بيان، أنّ مروحيات العدو استهدفت «مراكز تابعة لجمعية «أخضر بلا حدود» البيئية داخل الأراضي اللبنانية، وذلك عبر إطلاق 3 صواريخ في خراج بلدة راميا، و8 صواريخ في خراج بلدة عيتا الشعب، بالإضافة إلى صاروخين أطلقا من داخل موقع تل الراهب على خراج البلدة نفسها».

أضاف «كما استهدفت المروحيات مركزاً للجمعية نفسها في محمية عيترون ما أدى إلى اندلاع حريق داخلها. وسبق ذلك في الليلة نفسها، اعتداءات من قبل العدو «الإسرائيلي» عبر إطلاق 117 قذيفة مضيئة، وحوالى 100 قذيفة قسم منها متفجّر والآخر فوسفوري في خراج بلدات: ميس الجبل وحولا ومارون الراس وعيترون داخل الأراضي اللبنانية».

وقد تسبّبت القنابل باندلاع حرائق في الأحراج، ووقوع أضرار مادية في أحد المنازل وفي حظيرة ماعز عائدة إلى أحد المواطنين ونفوق عدد من رؤوس الماعز. كما سُمع دوي عشرات الإنفجارات داخل مزراع شبعا المحتلة.

من جهته، أشار الناطق الرسمي باسم «يونيفيل» أندريا تيننتي،البيا في بيان إلى أنه عند حوالى الساعة الحادية عشرة من مساء أول من أمس «رصدت يونيفيل إطلاق عدد من القنابل المضيئة من عدة مواقع للجيش الإسرائيلي على طول الخط الأزرق مقابل عيترون وعيتا الشعب وميس الجبل وحولا وكفركلا وكفرشوبا في جنوب لبنان. كما رصدت رادارات يونيفيل قذائف هاون وقذائف مدفعية، معظمها دخانية، بالإضافة إلى أنشطة كثيفة للطائرات من دون طيّار فوق هذه المناطق».

أضاف «وقامت يونيفيل على الفور بتحريك قنوات الإرتباط والتنسيق التي تضطلع بها وعزّزت قواتها على طول الخط الأزرق. وفي اتصالات لاحقة، أبلغ الجيش الإسرائيلي يونيفيل أن نيران أسلحة خفيفة أطلقت من لبنان تجاه دورية تابعة للجيش الإسرائيلي في محيط منطقة المنارة. ولا يزال رئيس بعثة يونيفيل وقائدها العام اللواء ستيفانو ديل كول على اتصال بالأطراف، يحثهم على ضبط النفس ويطلب من جميع الأطراف تجنّب أي عمل استفزازي من شأنه أن يزيد من تصعيد التوترات ويعرض وقف الأعمال العدائية للخطر».

ونقل عن ديل كول، قوله «في البداية، من المهم للغاية بالنسبة لنا أن نتقصّى كل الحقائق والظروف المحيطة بالتطورات الخطيرة التي حدثت الليلة (قبل) الماضية على طول الخط الأزرق. لقد فتحت تحقيقاً عاجلاً وأدعو الطرفين إلى التعاون الكامل مع اليونيفيل للمساعدة في تحديد الحقائق».

وأثارت الإعتداءات «الإسرائيلية» موجة استنكار لبنانية، ورأى عضو كتلة التنمية والتحرير النائب الدكتور قاسم هاشم في تصريح أن ما جرى « كشف حال الإرباك الذي يعيشه العدو الإسرائيلي، ويترك تداعياته زعزعةً للاستقرار من خلال الاعتداءات التي يكررها العدو الإسرائيلي بين الحين والآخر». وأكد أن «أي اعتداء وكيفما كان يعتبر اعتداءً سافراً وانتهاكاً للسيادة الوطنية تحتّم التعاطي معها وفق الحفاظ على السيادة الوطنية والاستقرار الوطني»، وطالب الحكومة بمتابعة إعتداء أول من أمس «ووضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته لوضع حد للعدوانية «الإسرائيلية» التي لم تنصع يوماً للقرارات والتوجهات الدولية إنما لمعادلة الرعب والردع التي صنعتها المقاومة ووضعت حداً للأطماع والعدوانية الإسرائيلية».

واستنكر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، في بيان الاعتداءات «الإسرائيلية» على القرى الحدودية الجنوبية، معتبراً أنها «عدوان موصوف يثير الذعر في صفوف المواطنين ويشكل انتهاكاً فاضحاً للمواثيق والقوانين الدولية ويتزامن مع الخروق شبه اليومية للسيادة الوطنية، نضعه برسم الأمم المتحدة وقوات يونيفيل المطالبة بلجم العدوان الإسرائيلي المتكرّر الذي يهدّد أمن المنطقة وترتد تبعاته على الكيان الغاصب».

ورأى «أن هذه الاعتداءات تكشف عن حال الإرباك والذعر التي يعيشها الكيان الصهيوني بفعل معادلة الردع التي حققتها المقاومة في الدفاع عن لبنان، وعلى اللبنانيين أن يتمسكوا بوحدتهم الوطنية المرتكزة على تلاحم جيشهم ومقاومتهم لحفظ لبنان واستقراره، بوصفها قوة لبنان الأساسية».

بدوره، رأى «تجمّع العلماء المسلمين»، في بيان، «أن التبرير الذي قدمه العدو الصهيوني لإنتهاكاته هو تبرير واه ولا يمكن أن يقبل، وهو يجافي كل منطق، فأين هي الأماكن التي أطلق النار عليها؟. والحقيقة أنها مجرد ذريعة لممارسة الاعتداءات اليومية على أهلنا في الجنوب الصامد».

وأعلن «أن الحساب مع العدو الصهيوني أصبح كبيراً سيأتي في الوقت الذي تقرره قيادة المقاومة وبعد اختيار الأهداف المناسبة»، معتبراً «أن القرار الصادر عن المجلس الأعلى للدفاع بإدانة الإعتداء الصهيوني وتكليفه لوزير الخارجية رفع شكوى لمجلس الأمن الدولي هو أدنى المطلوب، لأننا كنا نتوقع منه إصدار أمر لقيادة الجيش بالتعامل مع أحداث مشابهة في المستقبل بالرد المباشر عليها وإسكات مصادر النيران، فلا يجوز أن تبقى مناطقنا مستباحة بهذا الشكل، فالذي يشجع العدو الصهيوني على الاستمرار فيها هو عدم الرد عليها من قبل الجيش اللبناني بالأسلوب المناسب».

وانتقد «الذين يدعون للحياد»، معتبراً أنها «دعوة في سياق تنفيذ أجندات خارجية للضغط على المقاومة لصالح المحور الصهيوأميركي».

وندّدت جبهة «العمل الإسلامي» بالاعتداء الصهيوني الهمجي السافر، محملةً «هذا العدو الغادر اللئيم مسؤولية وعواقب هذا العدوان وما نتج عنه». وأشارت إلى أن العدو الصهيوني أسقط باعتداءاته أول من أمس «بشكل فعلي وعملي وشفاف «.

تحريف التاريخ وتقديم رأس يوحنا لسالومي مناقشة لمقالة سجعان قزي عن الحياد

ناصر قنديل

عندما يكتب الأستاذ سجعان قزي مقالاً تنظيرياً لدعوة الحياد، وهو من الذين يُقال عن قربهم للبطريرك الراعي ودورهم في صياغة مشروعه للحياد، يفترض أن يكون المقال تشريحاً لمعادلات في التاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية والإقليمية والمحلية تضيف لدعوة الحياد بعض الرصيد، لكن القارئ سيصدم بأن المقال محاولة تحريفية للتاريخ، باعتماد انتقائي أقرب للنشيد منه للتحليل الموضوعي، فالحديث عن تاريخ لبنان كتاريخ للحياد، يجافي حقيقة أن لا بلد في العالم تاريخه أحادي الوجهة بالحياد أو بالتحالفات، أو الحروب، ولبنان ليس شواذاً عن القاعدة، فلم يسبق منظرو الحياد السويسري والنمساوي الأستاذ قزي بالقول إن تاريخ سويسرا والنمسا تاريخ حياد، بل فعلوا العكس، وقالوا إن تاريخ أزمات البلدين ناجم عن عدم تبني خيار الحياد، الذي نضجت ظروفه الداخلية والخارجية في فترة من التاريخ تزامنت مع تلك الدعوات.

أسهل المهام في قراءة التاريخ هي الانتقائية، لكنها أسوأها، فيمكن بجلب وقائع عن تاريخ أحلاف خارجية كان لبنان في قلبها، كتحالف الأمير فخر الدين مع الأوروبيين بوجه السلطنة العثمانية في مرحلة من حكمه، أو تنصيب الأمير بشير الثاني حاكماً لبلاد الشام بعد غزوة محمد علي باشا ودخوله سراي بيروت، أو السردية المعلومة لانضمام حكم الرئيس كميل شمعون إلى حلف بغداد وطلبه للأسطول الأميركي، أو العلاقة المميزة لحكم الرئيس فؤاد شهاب وتموضعه في حضن المحور الناصري، والاستخلاص من كل ذلك على طريقة الأستاذ قزي، أن تاريخ لبنان الذي كتبته صور بمقاومة الإسكندر وصيدا التي أحرقت نفسها، هو تاريخ حروب ومواجهات ومحاور، والمحرّف للتاريخ وحده يفعل ذلك، لأن تلك ليست إلا البعض وليست كل تاريخ لبنان، كما يمكن لآخرين الاستعانة ببعض التاريخ للقول إن تاريخ لبنان هو تاريخ انقسام وفتن وحروب أهلية، وسيجد الباحث عشرات ومئات المحطات التاريخية لإسناد استنتاجه، لكنه يقع في التحريف لأنه اقتطع البعض وسمّاه الكل. ويعلم أصحاب العلوم ومنهم أصحاب علم التاريخ أن الحديث عن الإطلاق يكذبه استثناء واحد أو شواذ واحد عن القاعدة، فهل فات الأستاذ قزي، كم من المعاكسات التي يسوقها التاريخ أمام ناظريه لفرضيته، التي تصير تحريفا للتاريخ يستسيغه لمجرد غائية مسبقة في قراءة التاريخ، تريد التلاعب بالعقول لادعاء اكتشاف بارود التاريخ، والصراخ بفرحة أرخميدس، لقد وجدتها.

لم تجدها أستاذ قزي، فتاريخ لبنان هو تاريخ تنقل فيه بين حالات فيها الحروب الخارجية والداخلية، وفيها مقايضة السيادة بالحكم الذاتي، وفيها الخضوع للانتداب والاحتلال ومساومته، وفيها المقاومة وفيها الحياد والمحاور، ومن كل لون نصيب، كما هو تاريخ كل المجتمعات البشرية.

أما الحياد اليوم، الأنشودة التي يعرف أصحابها أنها تشبه أنشودة نحن نحب الحياة، والتي يعرفون أن لا وظيفة لها إلا شيطنة خصم، لا تصير دعوة الحياد ذات جدوى إلا بموافقته كشريك في الوطن، إلا إذا كان الحياد بنسخته الجديدة يقوم على الانقسام الداخلي للأوطان، وعلى حد علمنا أن التوافق كان ولا يزال من شروط دعوات الحياد، فالأنشودة تريد توصيف الشريك المقابل في الوطن كمحبّ للموت، وهي تدرك فراغ الحديث عن حب الحياة من أي معنى سياسي، ومثلها تريد أنشودة الحياد شيطنة الخصم بصفته داعية حروب، بينما يدرك أصحاب الأنشودتين أن الحياة والحياد بمعناهما الحقيقي ما كانت لهما فرص لو بقي لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، بعد تجربة سنوات من مساعٍ للرئيس الكتائبي، الذي حمل خلفيته ذاتها الأستاذ قزي، وشعاره ذاته لعهده، وهو الحياد، الذي يعترف الرئيس الجميل بأنه رهان خائب انتهى بالفشل، لأن الأميركي لا يرى المنطقة إلا بالعيون الإسرائيليّة، ويقول التاريخ إن المقاومة هي التي حررت لبنان من الاحتلال بعد فشل وصفة الحياد، كما يقول إن قوة المقاومة هي التي جعلت الغرب ومن خلفه بعض العرب وكيان الاحتلال، يرتضون للبنان الحياد كعنوان لدعوة الراهن بعدما فشلوا بوضع اليد عليه، ولكن ليس سعياً لسلامه، بل كمشروع حرب بديلة.

الحياد يقوم كما لا يغيب عن الأستاذ قزي، على يقين طرفي الحدود سورية و«إسرائيل»، كما يسمّيهما الأستاذ قزي، بأن صراعهما أو سلامهما يحتاج حياد لبنان، ولبنان في الصراع المقصود هو المقاومة التي تؤرق أمن «إسرائيل» وتطمئن أمن سورية، ولا وظيفة لدعوة الحياد سوى طمأنة «إسرائيل» وإثارة قلق سورية، وبغض النظر عن المعنى السيئ لطلب ما يريح «إسرائيل» ويقلق سورية، يبقى المهم أن الحياد بالنتيجة، لن يلقى قبول «الجارين»، لأن أحدهما رابح والآخر خاسر، وفي الداخل لا يخفي دعاة الحياد وفقاً لمضمون كلام البطريرك صاحب الدعوة، أنه يستهف إضعاف فريق لبناني طائفي، وتصوير لبنان تاريخاً وبيئة لطوائف دون سواها، ومن المصادفات أن هذا الطرف المطلوب إضعافه قد عجزت كل دول العالم القريب والبعيد عن إضعافه، وكل ما تفعله الدعوة هو أنها تضع بعض لبنان في جبهة ومحور يستكملان الحرب ضد هذا الفريق أملاً بتعزيز مصادر قوته للفوز بحرب فشل في كسبها ضد هذا البعض الآخر من لبنان. وأين نبل الحياد هنا، وحقيقته؟

في العائدات المفترضة للحياد كما يقول البطريرك صاحب الدعوة، ويردد الأستاذ قزي، ترغيب بالمال والازدهار، وهما حاجتان لبنانيتان، لكن السؤال هو ببساطة، طالما ليس خافياً أن الحياد يستهدف استرضاء جبهة عالمية إقليمية، تملك المال المنشود وفقاً لأصحاب الدعوة، وتستهدف دفع الثمن من مصادر قوة فريق لبناني تناصبه العداء، فهل يملك أصحاب الدعوة وصفة لمعالجة النتائج العكسية لمشروعهم، القائم على ضمّ لبنان إلى محور غربي خليجي يجاهر بأن القضية الفلسطينية لم تعد ضمن اولوياته، ويتبنى التطبيع مع «إسرائيل» من دون حل هذه القضية، ويجاهر بالدعوة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، إلا إذا كانوا قد قبلوا ضمناً مقايضة التوطين بالأموال، ومثله توطين النازحين السوريين الذين لا يقبل الغرب بعودتهم، وبالتوازي سيتكفل العداء المضمر بالدعوة مع سورية، بقطع الطريق على فرص التعاون معها لإعادتهم؟

السؤال الحقيقي هو لماذا لم يقدم أصحاب الدعوة بدلاً منها، بفتح حوار مع المقاومة التي يسعون لشيطنتها، ويقدمون رأسها على طبق من ذهب للغرب والخليج طلباً للمال كما قدم هيرودس رأس يوحنا، طالما يؤمنون بأن الحياد شرطه التوافق الداخلي، فيكون الحوار بهدف توظيف مصادر قوة المقاومة لضمان عدم التوطين، بوضع السلاح في مقابل حق العودة، ووضع انسحاب المقاومة من سورية مقابل عودة النازحين وإعفاء لبنان من العقوبات، والتزام المقاومة الحياد في صراعات الخليج واليمن والعراق، مقابل إزالة الحظر عن تدفق أموال الخليج والسياح إلى لبنان؟

قد لا ترضى المقاومة بهذه العروض، لكننا كنا سنصدّق بأن خلفية الدعاة وطنية لبنانية حقيقية، وكان هذا ليكون الحياد الحقيقي المحقق للمصالح الوطنية، أو المؤكد لوطنية أصحابه، كمشروع مطروح على الطاولة لتعزيز قوة لبنان وتماسكه الداخلي، تماسك قالت التجارب إنه يبقى أغلى من أي تعصّب لفكرة يتبناها فريق وتتسبب بتعميق الانقسام، مهما كانت الفكرة صحيحة، فكيف إن كانت مبنيّة على تحريف للتاريخ وضعف نظر في الجغرافيا، وتنكّر لألفباء السياسة.

Lebanon’s future: Lebanon’s Mutasarrifate Take II:

August 10, 2020

A crossroads of civilizations, Lebanon has been often involved in wars, invasions, and sectarian warfare. Image depicts Lebanese soldiers in 1861, right after a big clash between Maronite Christians and Druze muslims.

by Ghassan Kadi for The Saker Blog

Most of the current instability in the Levant and the whole Middle East is inadvertently and inadvertently a result of the obsession about Israel’s security; both from the Israeli as well as the American sides. That said, many of the region’s problems are deep-rooted and go back to times before Israel was created and before America had any influence.

In the middle part of the Nineteenth Century, and whilst the entire Levant was under Ottoman rule, sectarian strife between Lebanese Maronites (a regional Catholic sect) and Druze (regional esoteric Muslim-based faith) left thousands savagely butchered, towns decimated, and civilians displaced. The strife escalated in 1860-1861, and as it was obvious back then that the Ottoman Empire was not far from its demise, the West was looking for half an opportunity to interfere in the Levant; and under the guise of protecting the Lebanese Maronites, coerced the Ottomans to give Mount Lebanon autonomy, under the auspices of the West.

This all happened prior to WWI, before Sykes Picot, and before any single Western nation could make a claim on Lebanon. The decision had then to be reached by consensus. This is why it was jointly reached by France, Britain, Austria, Prussia and Russia. The Ottomans had no choice but to accept and dilute their influence in the region by giving the West a post within the Ottoman Empire.

The French proposed that the ruler should be given the title of Plenipotentriary, and the word was translated to a Turkish word of Arabic origin, Mutasarrif, but that person was appointed by the West; not by Turkey, and the political entity itself was called the Mutasarrifate of Mount Lebanon.

For readers interested in my take and analysis on Lebanon’s recent history in a more detailed but concise narrative, they can go to this reference. In brief, Grand Liban (Greater Lebanon) was created by the French under the demand of the then Maronite Patriarch Howayyek in 1920. It was meant to give Lebanese Christians a sense of security, and to be a neutral country in the Middle East; with a Western outlook.

This article will not discuss the geopolitical changes that have happened since. They are in the link above. That said, with the many changes over the last century, the situation in Lebanon has become untenable.

In summary, and among other things, Lebanon has to find a way to deal with Israel, with Syria which is the heart of the axis of resistance and support of Hezbollah, its Arab neighbours who are predominantly against Syria and Hezbollah, devise a united policy as to the status and level of the presence of Hezbollah, find a way out of the current financial collapse and redefine the country’s position as either a neutral country or a spearhead of resistance.

But this is easier said than done not only because of the political divisions, but also because of the endemic corruption of its Mafia lords; Lebanon’s ruling elite and their cronies.

These are the family lines of the same lords that led Lebanon into the civil war. They all have little armies, real armies; some with tanks and artillery. The Lebanese Army is incapable of crushing them, and even if it attempts to, it will have to attack them all at once; not one at a time without risking being accused of impartiality and giving favours.

Those leaders are accused of having thieved $800 Bn from Lebanon and siphoned it overseas. And in as much as they loathe each other, they equally need each other because the existence of each of them is contingent upon that of the others.

Much has been blamed in the past on the disunity of the Lebanese themselves, but when literally millions took to the streets in October 2019, they were united, they carried the slogan of ‘kellon yani kellon’ (all of them means all of them). But before too long, meddlers and thugs were set up inside their camps wreaking havoc and disunity. The protestors were hoping that the Lebanese Army would make a move and start arresting the leaders and the cronies implanted amongst them, but the army itself is bogged down in the same game of dirty politics and loyalties.

In simple terms, the Lebanese people can become united if they have the will and they have done so in the past. They have learned this lesson the hard way, but they simply do not have the means and the power to dislodge the ruling families who control everything; all the way from daily bread to election results.

The country has been struggling for years with mountains of rubbish that the government has not been able to process, electricity shortages, water shortages, soaring unemployment just to name a few problems. It is little wonder why the economy collapsed and the Lira lost nearly 80% of its value in the last few months. Add to this COVID-19, the Caesar Act, and now the Beirut Sea-Port explosions.

Of interest to note is that the latest events in Lebanon have been capitalized on to raise the level of dissent against Hezbollah. According to some, Hezbollah was blamed for everything; even including the sea-port disaster.

Sometimes however, disasters offer silver linings. The cries of Lebanese citizens in the streets of major cities did not generate any global compassion, but after the massive blast, there seems a change in this respect.

Many nations have come forward and offered to assist the Lebanese people, and their governments are not shying away from stating that they will not entrust this aid to the Lebanese Government for distribution to those in need. This is because the whole world, not only the Lebanese people, no longer trust Lebanese officials.

Thus far, among a list of nations, aid and offers of aid came from Russia, Turkey, Saudi Arabia, the USA, and ironically, even from Israel .

But no aid offer has thus far come close to that of France. French President Marcon did not only make a promise, but he also visited Lebanon and walked on Ground Zero (thereby shooting the concept of nuclear attack in the guts) and made a very intriguing yet audacious promise. He promised Lebanon a ‘new political pact’.

What does a ‘new political pact’ exactly mean?

This promise harks back to the days of colonization when France did not only actually draw the map of the new state of Lebanon and gave it a constitution that was shaped on France’s own, but it also goes back to the days when the Mount Lebanon Mutasarrifate was created, does it not?

Macron went further and promised to return to Lebanon on the 1st of September 2020, a very ominous date indeed, a date that marks the centenary of the declaration of Grand Liban.

But Lebanon is no longer under French mandate, and France is unable to receive such a mandate without international support. That said, as unbelievable as it may sound, more than fifty thousand Lebanese have signed a petition asking France to take control of Lebanon for the next ten years. And speaking of former colonizers, if such a poll was taken for the return of Turkish rule, perhaps more would sign it as the popularity of Erdogan is growing within the Sunni street.

This is not to say that Lebanese people want to be ruled by a foreign entity. It is simply because they are feeling beaten, robbed, hungry, terrorised, so helpless and have lost total faith in their own leaders and political process and are desperately screaming out for help from outside.

If the events of 1860-1861 have generated enough Western ‘sympathy’ to ‘help’ the people of Lebanon, then the events of 2020 are much more prominent and offer a much bigger opportunity and lure for a new-style intervention.

But once again, France cannot get away with doing this alone. With Russia already on the ground in Syria and America looking for a new role in Lebanon, France would have to get them on board somehow. It is plausible that a new international conference that of course includes Russia but also Turkey, but not Iran, may soon be convened to discuss the political future of Lebanon.

This time, the West will have a significantly larger incentive than the one it had back in 1861, because this time around, it will have one small eye on Lebanon, and the bigger eye on the security of Israel, as well as seeing in this an opportunity they have not been able to achieve by other means in order to reach a deal that stamps out Iranian influence and presence just at the door step of Israel’s borders.

If the international community were serious about helping the Lebanese people and the Lebanese Army, it is quite capable of freezing the assets of the corrupt leaders and repatriating those funds to jump-start the economy again. Lebanon has a huge wealth of highly qualified professionals, many of whom currently are unemployed, and are desperately needing work in a country that desperately needs rebuilding. But would they be trusted, given their miserable track record, and who would they be answerable to if they breached the agreed mandate?

But such a plan, devised by an international conference would not bear fruit unless it puts teeth into the decision, sending troops to disarm the relatively small militia of the corrupt politicians, forcefully if needed. Theoretically, and with good intentions, this is conceivable. However, since when has such an operation ever been genuinely executed and free of abuse and various stakeholder’s pursuing their nefarious agendas. How could we forget Libya? That said, the intervention in Libya was NATO-based, the presence of Russia and possibly China in any international agreement over Lebanon will add more balance.

But no one will be able to disarm the formidable army of the true resistance, Hezbollah, any more than Hezbollah will agree to lay down its weapons.

According to my analysis and predictions, it appears likely that some type of intervention will occur to cleanse the country of the political elite and their private interest militias. The pact will draw a line somewhere in South Lebanon, keep an area under Hezbollah’s control, and have Hezbollah to agree to leave Lebanese politics. This would be the biggest concession that Hezbollah will agree to, if it does. This will not give Israel all of what it wants, because such an outcome will not safeguard it from Hezbollah’s rockets, however Israel cannot expect more than that, if it does.

Russia may use this ‘opportunity’ to reach a way out of the deadlock and find a political settlement with the USA over their differences in Syria. But for this to happen, Syria will also need to agree to remove Iranian influence and presence from Syrian soil, as this fact has caused so much growing divisiveness in the region and provided an excuse for further Israeli aggression and US presence in Syria.

Most ironically in this particular context, even Chairman Nasrallah referred to silver linings in his latest speech on the 8th of August 2020, following the sea-port disaster. He said “from the womb of the tragedy, opportunities are born, and that international discussions emerging from this incident are an opportunity that must be capitalized upon by the Lebanese” I do not profess to know what Chairman Nasrallah meant, but he did add that all of those who are hedging their bets on the failure of the resistance will eventually fail.

Lebanon has probably gone the full circle, and the age of Mutasarrifate Take II is possibly only around the corner.

If Marcon is true to his word, for better or for worse he needs to act fast because he knows that the condition of the Lebanese people is dire. But no doubt, given his country’s history great skepticism prevails.

Tragically, such an outcome will catapult Lebanon right back into the age of Western custodianship. Depending on its fine details, and unless it stipulates the lifting of sanctions on Syria, its outcome may have serious further economic repercussions on Syria. Furthermore, it will take away many of the achievements of the Axis of Resistance, realistically however, such an outcome is not far-fetched.

The murderous, greedy, filthy and corrupt Lebanese political leaders would not have only destroyed Lebanon’s economy, but also returned it to the doldrums of the age of colonization.

ماذا بعد…؟

معن عدنان الأسعد 

أكتب هذه المقالة و»البورصة» بلغت حتى الآن 135 شهيداً و5200 جريح وعشرات المفقودين وحوالي 300 ألف مهجّر مشرّد…

سأخرج من حالة الغضب الجنونيّ الذي يهزّ كياني وسأحاول قدر المستطاع أن أكون موضوعياً، تحليلياً،

واقعياً…

ماذا حصل؟ وكيف؟ هناك احتمالان، لا ثالث لهما: إما إهمال وفساد ورعونة أدّت الى الكارثة، وإما عمل تخريبيّ في العنبر رقم 12 سواء أكان داخلياً ام خارجياً…

ويمكن إضافة فرضية ثالثة تجمع ما بين الإثنين… فإذا اعتمدنا الفرضية الأولى وهي الفساد، ستكون الأقرب إلى المنطق والعقل، لأنه ممكن جداً حجز وتخزين هذه المواد المرعبة والقاتلة والمدمّرة لمدة طويلة من دون حسيب أو رقيب في ظلّ حالة الفساد المستشري والغطاء السياسي والسبات القضائي…

وطبيعي جداً أن يحصل ما حصل، من تداعيات كارثية،

وفي هذه الحالة فإنّ الحديث عن لجنة تحقيق لتحديد المسؤوليات ومعاقبة المجرمين لن يكون إلا خطابات رنانة وشعراً ورثاء ولجاناً تدفن في الأدراج، والسبب أنّ المسؤول هم معظم الطبقة السياسية الحاكمة المتداخلة في مصالحها التي تتقاسم الجبنة على قاعدة “ع السكين يا بطيخ”، إنْ لم نقل جميعها.

السؤال البديهي: كيف يمكن محاسبة وملاحقة من يتلطى خلف حصانته الرئاسية والنيابية والوزارية والقضائية والطائفية المذهبية؟ خاصة أنّ مفاصل السلطة القضائية هي بيد أمراء الطوائف والمذاهب، الأمر الذي أدّى الى سقوط القضاء في وحول الطائفية والمذهبية والاستزلام لأمراء الفساد والمحاصصة.

إزاء هذا الواقع المرّ والخطير، ليس مطلوباً لجنة تحقيق من دون صلاحيات، وقرارها ليس ملكاً لها، ودورها يقتصر على تنفيذ الأوامر من دون جدال، بل المطلوب أولاً وأخيراً وفوراً إقرار قوانين رفع الحصانات واستعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة والإثراء غير المشروع ورفع السرية المصرفية ومحاسبة ومعاقبة كلّ لصّ فاسد مفسد بغضّ النظر عن انتمائه السياسي أو الديني أو المذهبي، أو الطائفي.

عندها فقط سنرى، عصابة اللصوص الوقحة والفاسدة والمرتهنة والظالمة التي تتحكم بالوطن والشعب منذ ثلاثة عقود في السجن.

ولكن هل يتحقق هذا الحلم ويتمّ زجّ الفاسدين وناهبي المال العام والخاص خلف القضبان؟

لا أعتقد ذلك نظراً لوقاحة المسؤولين الحاليين ورؤساء الحكومات والوزراء السابقين والكتل النيابية والإدارات الرسمية، وبالذات الجمارك التي بكلّ فجور ووقاحة تبرّر ما حصل وتبرّئ نفسها وتحاول غسل يديها مما اقترفته بحق شعب ومدينة وتاريخ وحضارة !

وحتى يكتمل “النقل بالزعرور” أصدر مجلس القضاء الأعلى الغائب المغيّب بيانه الذي أقلّ ما يُقال فيه إنه معيب.

الحقيقة المؤلمة هي أنّ انفجار بيروت ليس هو الكارثة فقط، بل الجريمة التي ارتكبتها عصابة اللصوص الوقحة لمدة ثلاثة عقود بحق الوطن والمواطن، فأصبحت المعادلة بكلّ بساطة هي بضع عشرات من السياسيين مقابل ستة ملايين مواطن، ومَن سيبقى في البلد نحن أم هم؟

بالطبع الشعب اللبناني باق، باق، وعليهم هم أن يفلوا أو يُعفنوا في السجن.

وإذا ما انتقلنا الى الفرضية الثانية، أيّ العمل التخريبي أو الإرهابي هو من تسبّب بالانفجار التدميري الدموي إنْ كان

من الداخل أو من الخارج، فهذا يأخذنا الى الشقّ الاستراتيجي والذي يعني بأنّ الأميركي والصهيوني قد استغلا فساد السلطة السياسية اللبنانية واستخدما التخزين الطويل غير المبرّر لهذه المواد المتفجّرة كي يتمّ قصفها ثمّ تحمّل الحكومة الحالية التي يضعها في خانة محور المقاومة المسؤولية تمهيداً لإسقاطها شعبياً ودولياً.

هنا، علينا الوقوف عند الحقائق والثوابت الدامغة التالية:

ـ الحصار الأميركي ومطالبة الحكومة بتنفيذ صفقة القرن المشبوهة والانضمام لبنود “قانون قيصر”، وإلا خنق لبنان اقتصادياً ومالياً ومنع أي كان من مساعدته.

ـ تحريك بعض من في الداخل للمطالبة بتسليم سلاح المقاومة ومحاصرة سورية والهدنة مع العدو الصهيوني تحت شعار الطلب من المجتمع الدولي تطبيق القرارات 1559 و1680 و1701 وصولاً الى رفع شعار “الحياد” من قبل غبطة البطريرك الراعي وطلب القوات المتعددة الجنسيات (طبعاً البطريرك قد يكون معذوراً لأنّ الذهاب شرقاً يعني دخول الدور الروسي بقوة على الساحة اللبنانية، وهو يعتقد أنّ ذلك يعطي دوراً أكبر وأكثر تأثيراً للكنيسة الأرثوذكسية على حساب الكنيسة المارونية).

ـ محاولة إقالة الحكومة خمس مرات آخرها كان منذ حوالي آخر الشهر بتحضير 6 وزراء استقالاتهم وإرسال نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي موفداً إلى الرئيس سعد الحريري، ومن ثم بدء التحضير لإعلان قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بموضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والذي كان مقرّراً في 7 آب وتمّ تأجيله الى 18 منه بعد انفجار المرفأ، وبالتزامن مع الشرط الأميركي بتوسيع مهام وصلاحيات وعتاد وعديد قوات “اليونيفيل” تحت طائلة عدم تمويلها وسحبها.

ومن ثم تهديد وزير الخارجية الفرنسي لو دريان لرئيس مجلس الوزراء اللبناني حسان دياب والصدمة التي أصابته من النبرة العالية والتعاطي بها معه من قبل الرئيس دياب،

ومن ثم إقالة (وليس استقالة) وزير الخارجية ناصيف حتي بطلب أميركي فرنسي تمهيداً لصدور قرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع والتحضير لاستقالات أخرى، والرسالة الواضحة من المحور المقابل الذي أفشل مخطط إقالة الحكومة عبر تطيير النصاب بالسرعة القياسية غير المسبوقة بتعيين شربل وهبة وزيراً للخارجية مكانه…

ـ إعلان الإقفال العام وعدم التجوّل من 6 آب وحتى 11 منه لإجهاض مفاعيل قرار المحكمة الدولية على الأرض في 7 آب (وليس بسبب كورونا)… وتمّ إلغاؤه بعد الانفجار المهول.

إذن، بات واضحاً انّ الأميركي يملك مفاصل السلطة في لبنان ومحور المقاومة يملك الأرض.

هذا يعني استحالة تنفيذ انقلاب أميركي سياسياً، لأنّ ذلك يعني سقوط لبنان في المحور الروسي الصيني (كما قال جيفري فيلتمان في الكونغرس في 20/11/2019)… وفي توقيت غريب عجيب شكلاً ومضموناً حصل الانفجار الزلزال المروّع في مرفأ بيروت، وكان الرئيس الأميركي

ترامب قد صرّح سابقاً بأنّ المرفأ يُستخدم كمخزن لسلاح المقاومة وانّ رئيس حكومة العدو الصهيوني نتنياهو كان قد صرّح أيضاً بأنّ العنبر رقم 3 يُستخدم كمخزن للأسلحة الدقيقة للمقاومة وأعلن بعد الانفجار مباشرة بأنه يعتقد بأنّ الحدث هو أمني، وقناة “الحدث” السعودية أعلنت عن قصف مخزن سلاح للمقاومة في مرفأ بيروت.

ـ جاءت استقالة النائب مروان حمادة ومطالبته بلجنة تحقيق دولية! (ما أشبه اليوم بالأمس)! والحديث عن استقالات نيابية أخرى مرتقبة، وبيان رؤساء الحكومات السابقين (والذي تلاه فؤاد السنيورة! وأيضاً ما أشبه اليوم بالأمس) بالمطالبة أيضاً بلجنة تحقيق دولية او عربية، وتوّجت بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السريعة المفاجئة الى لبنان ولقائه ما يمكن تسميته بالمسؤولين والسياسيين الذين كانوا بمعظمهم أمامه كالتلاميذ في المرحلة الابتدائية وطلب منهم الالتزام بشروط المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي، ومن أهمّها إقرار الإصلاحات وتنفيذها وإلا لا مساعدات ولا شيكات على بياض ولا ثقة بالطبقة السياسية، وتقديم المساعدات الحالية ستسلم مباشرة للشعب وليس للسلطة التي فقدت الأهلية والصدقية منذ سنوات. وحذرهم من عدم الالتزام وتنفيذ الأوامر وهو عائد إلى لبنان في أوائل أيلول للمشاركة في احتفالية تأسيس دولة لبنان الكبير.

ـ مطالبة الوزير السابق وليد جنبلاط بلجنة تحقيق دولية (وما أشبه اليوم بالأمس أيضاً وأيضاً).

ـ إعلان اجتماع مجلس الامن الدولي الاثنين المقبل بطلب من الجمعية العمومية للبحث في انفجار بيروت.

ـ بيان كتلة نواب المستقبل عن شكوك خطيرة تحيط بالانفجار وتوقيته وظروفه وموقعه (كما جاء حرفياً).

ومن ثم إعلان المحكمة الدولية تأجيل النطق بالحكم من 7 آب حتى 18 آب…

كلها مؤشرات ومعطيات لا تطمئن وستكون ملتهبة حتى انعقاد المحكمة الدولية في 18 آب وبعدها عودة ماكرون إلى لبنان في زيارة ثانية غير مسبوقة.

مكتب مفوّض الشرق الأوسط للجنة الدولية لحقوق الإنسان طالب بفتح تحقيق دولي لأنّ المعلومات الأولية لديه انّ الانفجار الأول ناجم عن صاروخ “غابرييل” المضاد للسفن أطلقته “إسرائيل” وأنّ الانفجار الثاني ناجم عن صاروخ “دليله” أطلق من طائرة “أف 16”، وبأنّ الشبه كبير بين انفجار عام 2005 الذي اغتيل فيه الرئيس رفيق الحريري والذي أدّى في نهاية المطاف إلى خروج الجيش السوري من لبنان (هذا ما جاء في حرفية بيان اللجنة).

وننهي لنقول:

1 ـ لا قيامة للبنان في ظلّ وجود عصابة اللصوص الوقحة المذهبية والطائفية الميليشياوية الفاسدة المرتهنة الظالمة التي تحكم وطننا، وعلى الشعب ان ينبذ ايّ فاسد ومفسد لأيّ جهة سياسية أو طائفية أو مذهبية انتمى. ولا حلّ إلا بإقرار قوانين رفع الحصانات واستعادة الأموال المنهوبة والإثراء غير المشروع ورفع السرية المصرفية…

2 ـ إنّ القرار الأميركي بتصعيد الأمور الى حدّ الجنون قد اتخذ وأنّ الأميركي ومن يدور في فلكه لن يقبلوا بديلاً عن تسليم سلاح المقاومة وإخراجها من السلطة سياسياً وتحطيم حلفائها…

3 ـ الصراع المقبل لن يتمّ استفراد لبنان فيه فنحن في زمن المحاور وما تستطيع المقاومة أن تفعله في الخاصرة الرخوة للحلف الأميركي الصهيوني المستعرب سيكون مرعباً، ولأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني، ولو أتت كلّ الأساطيل المتعددة الجنسيات…

4 ـ انتهت قاعدة لا غالب ولا مغلوب وحدّد عمر لبنان الذي نعرفه بقرن كامل من عام 1920 وحتى عام 2020، وللأسف لبنان قد عاش هذه المدة الطويلة بالحرام، فالاستقلال لا يُمنح، والكرامة لا تُستجدى…

*محام، الأمين العام للتيار الأسعدي

الهجوم الغربيّ على معادلة «العهد القويّ» يزداد عنفاً

د. وفيق إبراهيم

السرعة في تعيين وزير جديد للخارجيّة بديلاً من المستقيل ناصيف حتي، يكشف أن المعادلة السياسية التي ترعى هذا العهد استوعبت أن هناك مشروعاً لنسفها وتدمير آخر خطوط الدفاع عن «العهد القوي».

هذا استنتاج عادي، لكن ربطه بالاستقالة الاساسية لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري والإنذار الأميركي – الأوروبي المطالب بالتصدّي للفساد ونصب إصلاحات بنيوية وإصرار البطريرك الماروني على إعلان حياد لبنان وصولاً الى الاستقالة المباغتة لحتي، تشي بوجود سياق متتابع، له واجهة لبنانية تتصل بالإقليم.

بداية فإن معادلة «العهد القوي» هي التي تأسست بتحالف عميق بين التيار الوطني الحر وحزب الله وشملت بالطبع حلفاء الطرفين على الرغم من التناقضات الكبيرة بينهما. فهذه معادلة استراتيجية يختلف المنتمون اليها بالأعمال التكتيكيّة المرتبطة بالمصالح والتعيينات، لكنهم يترابطون في السياسة العامة للبلاد ودور حزب الله في الإقليم.

إن ما جعل معادلة «العهد القوي» شراً مطلقاً في نظر الغرب الاميركي – الاوروبي هو التطور الكبير في إمكانات حزب الله التي اتاحت له تدمير الإرهاب في سورية ولبنان، فضخ في معادلة العهد «عيارات قوة داخلية» أدت الى تهميش كل الفئات الداخلية المرتبطة بالغرب، ولولا بعض الخلافات داخل الإدارات بين التيار الوطني الحر وحركة أمل لكانت إمكانات التمرد الداخلي على هذه المعادلة شبه معدومة.

لكن رئيس المجلس النيابي نبيه بري يعمل على حماية علاقاته السياسية المتنوعة التي تؤدي الى الإجماع عليه رئيساً دائماً للتشريع اللبناني.

بالمقابل يفتح رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل علاقات خاصة بسياساته، هي متناقضة في معظم الأوقات مع حركة أمل واحياناً مع حزب الله، فالرجل يريد الاستئثار بكل الدور المسيحي في لبنان على المستوى الإداري والسياسي، والشعبي بانياً اسساً لانتخابه رئيساً للبلاد بعد والد زوجته الرئيس الحالي ميشال عون.

لكن الغرب الأميركي الأوروبي لم يعُد يقبل بتيار وطني حر غربي الاتجاه والولاء والثقافة يغطي الدور الإقليمي لحزب الله.

هذا ما أغضب السياسة الغربية في هذه المرحلة بالذات التي تتسم دولياً بتصاعد الصراع الصيني – الأميركي وإقليمياً بالقتال العنيف بين الأميركيين والإيرانيين. فلم يعد بالنسبة اليهم، الاختباء والادعاء بغربية الاتجاه وممارسة سياسات معادية لهذا الدور.

فالدولة اللبنانية بالنسبة للغرب، هي فرع منه في الساحل الشرقي للمتوسط يأتمر بأوامره صاغراً ملبياً بعض طلباتها في الحصول على مكرمات وديون. أما اللافت هنا فإن هذا الغرب الذي يتهم الطبقة السياسية بالفساد مؤكداً أنه نتاج تراكم أكثر من ثلاثين سنة من سياسات مشبوهة أفقرت لبنان، هذا الغرب هو الذي كان يرعى تلك المرحلة ويعرف دقائق الأمور والسرقات والفساد، فلماذا سكت عنها في حينها وفجّرها في هذه المرحلة؟

كيف بدأ الهجوم الغربي؟

عندما وصل الوضع الاقتصادي اللبناني الى مرحلة الانهيار أوعز الأميركيون والأوروبيون بإسناد خليجي لسعد الحريري بالاستقالة فاستجاب مولياً الأدبار ورافضاً تشكيل اي حكومة جديدة.

إلا أن معادلة العهد القوي، نجحت بتشكيل حكومة تعمدت اختيار وزرائها من الذين لا لون لهم، لتسهيل اختراقهم للتمنع الغربي، وهذا لم يحدث لأن «الغرب المحترف» ربط بين القروض والتسهيلات بمسألتين: الدعوة الى إصلاح مستحيل عملياً وهذا طلب مقصود للمراوحة، أما المسألة الثانية فهي تطبيق القرار 1701 حسب القراءة الاميركية – الاسرائيلية له. أي سيطرة قوات الطوارئ الدولية على المنطقة الممتدة من حدود لبنان مع فلسطين المحتلة وحتى ضفة نهر الليطاني، وانسحاب حزب الله على مستوى المقاتلين والسلاح الى ما بعدها بالإضافة الى ضرورة قبول الحكومة اللبنانية بخط هوف لحل النزاع حول آبار النفط والغاز مع الكيان الاسرائيلي.

لقد أدى رفض معادلة العهد القوي لهذه المطالب الى تملص صندوق النقد الدولي من وعوده بإنقاذ لبنان اقتصادياً، وذلك وبوضوح نتيجة السيطرة الأميركية عليه.

فكانت الحاجة الاميركية الى وسائل ضغط جديدة، سرعان ما استجاب لها الكاردينال الماروني بشارة الراعي الذي أطلق دعوة لإعلان حياد لبنان من الصراعات الإقليمية والدولية. مثيراً بذلك الرعب في أوصال حكومة لبنان التي تغاضت عن عروض صينية وعراقية وإيرانية وروسية لإعادة تعويم القسم الأكبر من الاقتصاد اللبناني المنهار.

في السياق نفسه وصل الى لبنان وزير الخارجية الفرنسي لودريان حاملاً انذاراً غربياً مفاده ان لبنان وصل الى قاع الانهيار وما عليه إلا الاستجابة للشروط الغربية للسماح بإنقاذه وهي الشروط نفسها المموّهة ظاهراً بإصلاح فساد هم رعاته، والمستبطنة ضرورة القضاء على الدور الإقليمي لحزب الله لكن معادلة «العهد القوي» صمدت ولم تقبض «ترهات» لودريان على محمل الجد لأنها ادركت انه رسول اميركي لتحشيد انصار الفرنكوفونية في لبنان في اطار المشروع المعادي لحزب الله وليس أكثر، علماً ان الأميركيين والأوروبيين عاجزون عن تبني ترشيح جبران باسيل رئيساً مقبلاً للجمهورية لانهم يثيرون بذلك غضب كل أصدقائهم في القوات اللبنانية والكتائب والبطريركية وجنبلاط المرعوب من خسارة جبله الشوفي أمام التيار الوطني الحر، حتى أن آل الحريري لا يوافقون عليه.

ازاء هذا الانسداد امام الاميركيين في تغيير التوازنات في الداخل اللبناني، ذهبوا ناحية تفجير حكومة حسان دياب الذين يحاصرونها اصلاً ويمنعون عنها امكانات الحركة الاقتصادية بالحصار الاقتصادي ومنع الصناديق الدولية ومؤتمرات سيدر من التعاون معها.

لذلك لجأوا الى دفع ناصيف حتي الى الاستقالة بضغط كنسي – فرنسي متقاطع مع إيحاءات أميركية بتأمين دور مستقبلي له.

فكيف يمكن لوزير عيّنه جبران باسيل ان يصل الى هذا المنحى من التمرّد حتى على العهد القوي؟

الواضح أن اختيار حتي من قبل باسيل في إطار حكومة دياب كان لإرضاء النفوذ الاميركي والفرنسي الذي يرتبط بهما الوزير المستقيل. مع أمل باستيعابه باسيلياً وكسبه في معارك السيطرة على القرار المسيحي الداخلي.

يتبين ان الأميركيين يبحثون عن عناوين جديدة لمواصلة ضغوطهم على لبنان، وما بقي هو ان يتحرك العهد القوي وحكومة حسان دياب نحو التعامل الاقتصادي مع الصين التي تبيع ربع صادراتها في الأسواق الأميركية وخمسها في الأسواق الأوروبية. فلماذا يرتدع لبنان عن مسألة تنقذه بقرار من دولة أميركية تبيحها لنفسها؟

فهل يذهب «العهد القوي» نحو البدائل التي تنقذ البلاد من الانهيار؟

هذا يحتاج الى مزيد من الانصهار بين قوى المعادلة التي انتجت حكومة حسان دياب على اساس ان لبنان لا يختار بين معادلة الشرق والغرب الوهمية، بل يذهب نحو آليات تساعده على عدم الانهيار وسقوط الدولة وتفكك الكيان.

ماكرون مكلّف بملف لبنان بشروط ومهلة!

ناصر قنديل

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إلى بيروت تمهيداً لزيارة ثانية في أول أيلول للاحتفال بذكرى إعلان دولة لبنان الكبير وبدء عهد الانتداب الفرنسي على لبنان، والزيارة لا تنفصل عن استثمار تفجير المرفأ الذي أصاب لبنان بخسائر فادحة لا يمكن معها تأمين تمويل إعادة الإعمار من دون مساعدة خارجية، بحيث حل التفجير وحاجات الترميم والبناء مكان استخدام ارتفاع سعر الصرف في الضغط على لبنان واللبنانيين، وفي ظل خشية من تورط “إسرائيلي” في التفجير وتحوّل العملية إلى مدخل تصعيد كبير يهدّد بحرب شاملة، يصير خلالها أمن الكيان في خطر، وتأتي الزيارة لمواكبة نشاط سياسي داخلي ليس بعيداً عن التوظيف المبرمج للتفجير، تحت عنوان الحياد الدولي، وتحت عنوان التحقيق الدولي، وصولاً لدعوات وضع لبنان تحت الوصاية والانتداب مجدداً.

يتحدث ماكرون عن نظام جديد، ويتخطى الحظر الذي فرضته حكومته على العلاقة مع حزب الله بعد انضمامه إلى قطيع تصنيف الحزب على لوائح الإرهاب، بينما يشير الأميركيون إلى تبدّل في التعامل “الإسرائيلي” مع قضية ترسيم الحدود بما يرضي لبنان، بما يوحي بوجود جزرة ما يُراد عرضها على المقاومة لقاء ثمن يتصل بما ركز عليه ماكرون في زيارته، وهما أمران، المرفأ والحدود مع سورية، بالتوازي مع ما يطرحه جماعة فرنسا وأميركا في لبنان من دعوات لتحقيق دولي وانتخابات مبكرة، وحركة ماكرون التي تشبه حركة الرئيس جاك شيراك نحو بيروت عام 2005 تختلف عنها لجهة أن ماكرون يتحرّك في ظل تكليف أميركي، لأن المهمة تستدعي التواصل مع حزب الله، مقابل إغراء لفرنسا بتولي الانتداب على لبنان إذا نجحت في المهمة، ولو كان انتداباً من دون إطار قانوني بل بصيغة مرجعية تحل مكان الدور السوري بعد اتفاق الطائف، لقاء صيغة سياسية جديدة يعرض فيها على المقاومة تحت عنوان دور الشيعة السياسي مكاسب على حساب أدوار سائر الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة.

الخشية من مجيء الصين إلى المرفأ وهي تبدو جاهزة لذلك، والخشية من رد المقاومة على عملية مطار دمشق، والخشية من انكشاف تورط “إسرائيلي” في عملية تفجير المرفأ، وما يعنيه من تصعيد خطير، أسباب تقف وراء الزيارة السريعة الناعمة لماكرون، تمهيداً لزيارة أول أيلول، وبينهما سيتابع سفيره في بيروت المهمة، ومقابل جزرة ماكرون المعروضة على المقاومة، بدور أكبر في النظام الجديد، وبتمويل كافٍ ينهض به لبنان، ورفع الحظر عن العلاقة معها، عصا تحقيق دولي ومعركة إسقاط الحكومة واستثمار الشارع المبرمج تحت عناوين ثورة مزوّرة، وانتخابات مبكرة، يعرفون أن المقاومة لا تخشاها، لكنهم يراهنون على أن تكون رياح الأزمة قد أضعفت رصيد التيار الوطني الحر والعهد، كحليف للمقاومة، وفقاً لنصائح الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، بتدفيع العهد والتيار ثمن علاقتهما بالمقاومة، تمهيداً لتغيير مكان الأغلبية النيابية والسياسية.

تبدو مهلة ماكرون حتى الأول من أيلول، لكن ربما تكون نهايتها في كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي سيرسم اليوم إطار ما جرى وما سيجري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

نهاية فترة السماح وسقوط «حكومة المستقلّين»

ناصر قنديل

يعرف كل متابع لشؤون لبنان والمنطقة أن الحديث عن حياد في السياسة هرطقة، فأصل السياسة التزام. وعندما يكون الحديث عن أعلى هيئات ممارسة السياسة في أي دولة هي الحكومة، يكون أعضاؤها حكماً هم الأقل حيادية بين مواطنيهم، وقد اجتمعوا في حكومة على خط سياسي يتبدى اقوالاً تشكل الرابط الذي جاء بهم إلى الحكم لترجمته أفعالاً، فكيف ببلد كلبنان واقف على فالق الزلازل الإقليمي والدولي، وجاءت حكومته الأخيرة بعد أحداث عاصفة ونتاج تفاقم أزمته الاقتصادية والمالية، ولذلك كان مستغرباً أن تصرّ الحكومة على أنها حكومة مستقلين، إلا بقدر ما كان ذلك انتزاعاً لكذبة حكومة المستقلين من أصحابها الأصليين الذين طرحوها، بقصد المجيء بحكومة مناوئة للمقاومة، يطلقون عليها تسمية المستقلين نفاقاً، وللعب بعقول وقلوب الناس التي سئمت السياسة والسياسيين، فلعبت الحكومة لعبة خصومها الذين أنكروا عليها هذه الصفة منذ البداية، لأنها استولت على منتج فكري تعود ملكية حقوق استعماله لهم حصراً.

تحت عنوان حكومة المستقلين تشكل مركب الحكومة الجديدة قبل سبعة شهور، وفتح الباب لممثلين بنصف لون عن الأطراف الممثلة في الحكومة والداعمة لها، ومعهم لممثلي اللون الرمادي العربي والدولي الراغب باختبار فرص الفصل بين مساعي تعافي لبنان اقتصادياً والمواجهة التي تخوضها إدارة الرئيس الأميركي مع إيران وحزب الله، وكان لهذه الدعوة عراب هو الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، الذي أطلق دعوته من منبر الكونغرس، الذي قال أمامه إن لبنان ساحة تنافس استراتيجي مع روسيا والصين من جهة، وإن لبنان ساحة مواجهة مع حزب الله من جهة موازية، ليصل إلى الدعوة للفصل بين المسارين، بعدم التخلي عن الدعم المالي والاقتصادي للبنان ضمن شروط إصلاحيّة نص عليها مؤتمر سيدر كي لا يسيطر المنافسون عليه، والاستثمار السياسي على الأزمة لإضعاف حلفاء حزب الله وفي مقدّمتهم العهد الرئاسي للرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، كي ينجح توظيف الأزمة في خدمة خيار المواجهة، وكان لهذه الدعوة ذاتها ناطق رسمي هو وزير المالية الفرنسية برونو لومير الذي وقف متحدثاً بلسان حكومته في اجتماع وزراء مالية دول قمة العشرين الافتراضي مطلع العام، داعياً لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة الأميركية مع إيران.

خلال شهور مضت كانت الحكومة تعيش مناخ التفاؤل بنجاح فرضيات فيلتمان ولومير، وكان من يلتقي الوزراء المتمسكين بالحديث عن حكومة مستقلين والفرحين بها، يسمع منهم تمسكهم بالحكومة والدفاع الشرس عنها، وفي مقدمتهم الوزير المستقيل ناصيف حتي، الذي لم يكن قد اكتشف يومها، قبل أسابيع قليلة، أن البلد بحاجة لعقول خلاقة ونيات صادقة لم يجدها في الحكومة، بل وجد فيها أرباب عمل عديدين بدلاً من رب عمل واحد هو لبنان، وليس بعيداً وجود وزراء آخرين يكتشفون فجأة اليوم أو غداً ما اكتشفه حتّي بالأمس، فجوهر القضية هو أن فترة السماح قد انتهت، والحكومة قد اكتشفت مع زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، أن رهان فيلتمان – لومير قد سقط، وأن السياسة الأميركيّة صارت أوروبية خليجية، ومضمونها أن لا أموال للبنان لا من صندوق النقد ولا من سيدر ولا من بعض الراغبين، خارج سياق مستقبل المواجهة مع حزب الله التي تقودها واشنطن، والتي تستهدف تحصيل مكاسب لحساب أمن كيان الاحتلال، عنوانها انسحاب الحزب من سورية وتسهيله قبول الحكومة بخط «هوف» لترسيم الحدود البحرية، ولذلك سيتبلّغ الوزراء «المستقلون» تباعاً أن عليهم مغادرة المركب الحكومي، تعبيراً عن استقلاليتهم، فمضمون الاستقلال كما الحياد، هو الاستقلال عن حزب الله والحياد عن خياراته.

تمر المواجهة بين واشنطن وحزب الله بلحظة مفصلية بانتظار رد المقاومة على العملية التي أدت لاستشهاد أحد مجاهديها قرب مطار دمشق، والواضح أن الحراك الأميركي في الفترة الفاصلة عن الرد سيكون محموماً، وأن أوراق الضغط والرسائل المشفّرة ستستعمل على مدار الساعة، وبمعزل عن تقييم الأشخاص، سنشهد كثيراً من اللزوجة السياسية تعلن انتقال الحكومة من حكومة مستقلين حيادية إلى حكومة صمود ومواجهة، تعرف وتعترف بأنها في قلب مواجهة كبرى لا مكان للاستقلال عنها ولا للحياد فيها، أياً كانت الملاحظات التي سيُبديها المغادرون، والتي قد تحاكي بعض الوقائع الصحيحة، لكن بهدف تبرير المواقف الخاطئة.

مقالات متعلقة

Le Drian: A Step Towards Realistic Federalization – By Nasser Kandil لودريان وخطوة نحو الفدراليّة الواقعيّة

By Nasser Kandil

ناصر قنديل

الانضباط الفرنسي بالسقوف الأميركية في التعامل مع لبنان، بعد سقوط أطروحة وزير المالية الفرنسية برونو لومير بالدعوة لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة التي تخوضها واشنطن مع طهران، كان انضباطاً واضحاً ودقيقاً خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان إلى بيروت، وكل الحديث عن وجود شروط إصلاحية لفتح الطريق للمساعدات هو للتغطية على الانضباط الفرنسي بالمحظورات الأميركيّة. ودعوة لومير كانت تتضمن الشروط الإصلاحيّة لكن على طريقة مختلفة كتلك التي طرحها لودريان، تعبر عن جدية لا عن نفاق سياسي كما هو الحال اليوم، فلومير دعا لعقد جولة خاصة لمؤتمر سيدر والمانحين لأجل تحديد القطاعات التي تحتاج دعماً ووضع دفتر شروط دولي لإصلاح وتمويل كل منها، ليسيرا معاً بالتوازي إصلاحاً وتمويلاً، وبالتأكيد كانت الحكومة اللبنانية لتوافق فوراً على مثل هذا المسار، وتلتزم بدفتر الشروط الخاص بكل قطاع، لكن طريقة لودريان هي عملياً طرح ذريعة قابلة للتكرار لسنوات، أنتم لم تقوموا بما يكفي لتستحقوا المساعدات، وهذا هو السقف الأميركي، فماذا فعل لودريان؟

ارتضت فرنسا دور وكيل الضغوط الأميركية، وتنازلت عن دور الشريك المستقل، فجاء وزير خارجيتها ليقول إن الأزمة طويلة وإن الأموال ستتأخّر. وهذا يعني أن الدولة ومؤسساتها سيضمر ويتراجع تأثيرها في النشاط الحياتي والاقتصادي، ويرتفع منسوب ضعفها وتتراجع مداخيلها، وتضعف فاعلية مؤسساتها الخدميّة وخصوصاً الأمنية والعسكرية، وبالمقابل يفتح لودريان الباب لمسار موازٍ، هو مسار المساعدات الطائفيّة، فيقول للبنانيين لن نترككم للجوع، كل دولة ستهتمّ بطائفة، ففرنسا تعهّدت الموارنة والكاثوليك وعلى روسيا أن تتعهّد الأرثوذكس وبريطانيا تهتم بالإنجيليين، وبالأمس أعلنت تركيا عن توزيع مساعدات في عكار وستوسّع الاهتمام، وقد تدخل السعودية على خط تبني مدارس ومستشفيات ذات لون طائفي، ومثلها بالطبع ستكون إيران معنية بمؤسسات لون طائفي آخر، وهذا لن يبقى عند حدود المدارس، بل سيتوسّع نحو المستشفيات ومؤسسات رديفة لمؤسسات الدولة، فيما مؤسسات الدولة تضمر وتتراجع وتفقد قدرتها على تقديم الخدمات الموازية.

المسار الذي يفتتحه لودريان ظاهره قد لا يلفت الانتباه إلى مؤداه والنتائج التي ستنجم عنه. فإذا نجحت محاولة فرضه مساراً لتصغير حجم دور الدولة، وتكبير حجم المؤسسات الطائفية، وزيادة اعتمادها على دعم خارجي يعتمد توزيعاً لمناطق نفوذ لعدد من الدول في لبنان كبديل يحل تدريجياً مكان الدولة، على أساس الهوية الطائفية، فإنه يصير مفهوماً معنى حديث لودريان عن دعم دعوات الحياد التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي، بحيث تصير لكل منظومة طائفية ملحقة بعاصمة خارجية مالياً سياسة خارجية خاصة بها، ليظهر أن دعوة الحياد ليست موجّهة للبنانيين بوهم تحولها سياسة للدولة اللبنانية، بمعزل عن كيف يفكر بالدعوة أصحابها، بل هي دعوة موجّهة للخارج الذي سيشكل الراعي الحقيقي للطائفة ولسياستها الخارجية، مقابل الدعم المالي الذي سيجلبه هذا الخارج لإنعاش مؤسسات الطائفة، ومقابل الحياد سنسمع غداً عن دعوات للعروبة من بوابة الخليج مقابل دعم وتمويل وتنشيط مؤسسات تربوية وصحية كالمقاصد، وعن سياسة أوراسية للأرثوذكس مقابل دعم جامعة البلمند ومستشفى الروم، وتصير سياسة المقاومة محصورة بالشيعة، وتصير المرجعيات السياسية في طوائفها أو التي لا تمثل بعداً طائفياً، التي لا يتم اعتمادها من الخارج مهددة بالتراجع لضعف المقدرات والعجز عن تلبية الاحتياجات، ورهانها على الدولة يفقد بريقه بعيون اللبنانيين المحتاجين.

سنشهد المزيد على هذا الطريق لتفكيك الدولة والعودة بنا إلى منتصف القرن التاسع عشر وحكم القناصل، ما لم ينهض مشروع الدولة كجواب موحّد مستقل يواجه من خلاله اللبنانيون أزماتهم، ويربطون كل مساهمة للخارج بمعابر الدولة الإلزامية، وشرط ذلك أن تملك الدولة شجاعة السير بالخيارات التي تلبي حاجاتها وحاجات مواطنيها، وتغادر أسلوب التلميذ الشاطر الذي ينتظر الرضا الخارجي، قبل أن تحزم الصين أمرها وتعتذر عن عروضها، لأن ليس في لبنان طائفة بوذيّة أو كونفوشيّة تتبنّاها.

خرافة تحييد لبنان!


طلال سلمان.


لبنان الآن على كف عفريت… تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه في زمن انتهى فيه معسكر عدم الانحياز.

مع وصول السفيرة الاميركية الجديدة في لبنان، دوروثي شيا، وهجومها المباشر (والخارج على الاصول الدبلوماسية وركائز العلاقات بين الدول الصديقة) على “حزب الله”، محرر الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وصاحب كتلة نيابية وازنة وجماهير عريضة في معظم انحاء لبنان.. هبت رياح الدعوة إلى تحييد لبنان عن المنازعات والصراع في المنطقة.

تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه، في زمن انتهى معسكر عدم الانحياز بقيادة جواهر لآل نهرو وجمال عبد الناصر وتيتو الذي حفظ وحدة يوغسلافيا. فما أن غاب حتى عادت دولا شتى لا قيمة لها في اوروبا ولا دور لها في العالم كالذي ابتدعه لها تيتو.

تتبع “الدولة” سياسة انكار ما لا يمكن انكاره” فالجوع اصدق إنباء من الكتب”، ومن حسان دياب ومناورات جبران باسيل وسط الإغفاءات المتقطعة لفخامة رئيس الجمهورية، كلها تشهد بأن لبنان بخير..

وماذا اذا استفقنا على سوريا مدمرة أو محتلة، شمالها للأتراك، بذريعة مقاتلة الاكراد، والساحل- طرطوس- اللاذقية – بانياس- للروس مع دوريات مؤللة تلاقي الاتراك بود ظاهر، اما قلبها – دمشق وضواحيها – فللحرس الثوري الايراني مع مقاتلي “حزب الله”.

كذلك فان العراق الذي بالكاد انتهى ترميمه بعد حروب صدام حسين التي دمرت أرض الرافدين، وجعلت الخزينة العراقية خاوية الا ما يلزم كشرهات لمن يتولى الحكم، وبقرب بغداد قوات اميركية، وفي أنحاء شتى قوات من الحرس الثوري الايراني، والكرد ما زالوا يطالبون بنصيبهم في الحكم بعد نيلهم رئاسة الدولة وعدد وافر من الوزارات، مع مناصب رفيعة في مؤسسات النفط الخ.. كل هذا من دون أن يتنازلوا عن مطلبهم بإقامة دولة كردستان المستقلة في شمالي العراق، حتى والجيوش التركية تقتحم تلك المناطق بذريعة مطاردة الاكراد الاتراك المقهورين في ظل السلطان اردوغان.

المهم أن النشيد الوطني الجديد الذي انطلق من الديمان وتولى الترويج له بضعة من السياسيين من ذوي الانتماء “المحايد” أخذوا يرددون نغمة “الحياد” بديلاً من النشيد الوطني.

الحياد بين من ومن؟

بين الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي الذي سقط بالضربة البوتينية القاضية؟ أم بين دولة الامارات وقطر العظمى؟ أم بين السعودية المذهبة واليمن الذي يموت أهله جوعاً..هذا إذا هم نجوا من رصاص الاخوة – الاعداء من ابطال الاحتلال السعودي – الاماراتي! أم بين الغزو التركي بقيادة السلطان الذي أقحم المعلم التاريخي الذي كان كنيسة آيا صوفيا، في الماضي وغداة نشوء السلطنة، وقرر تحويله إلى مسجد، متنكرا للتاريخ وحتى لأصول الصلاة عند المسلمين، اذ دخل الكنيسة التي صيرت مسجداً، بحذائه خلافاً لقواعد الصلاة.

أما مصر فمشغولة بهموم سد النهضة في الحبشة، خوفاً على السد العالي الذي انقذ المئة مليون مصري من العطش، والذي افتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع خروتشوف، اظرف رئيس عرفته موسكو، والذي خلع نعليه ليطرق بهما على منصة وفده في الامم المتحدة، حين بدأ الرئيس الاميركي خطابه.. وكان ذلك تعبيراً عن موقف الاتحاد السوفياتي من مشروع الغزو الاميركي لدولة فيديل كاسترو في كوبا.. وهي الجلسة التي حضرها معظم اقطاب دول عدم الانحياز: جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر وتيتو، في حين كان الوفد الاميركي برئاسة جون كيندي.

يومها، كما يحب الاميركي أن ينسى، ترك كاسترو مبنى الأمم المتحدة في نيويورك ونزل ليجول في أحياء “السود”، الذين كانوا يحاولون الانتفاض ضد الظلم الاسود في البيت الابيض في واشنطن… وهو الظلم الذي تجلى مؤخراً في قتل جورج فلويد بحذاء بعض رجال الحرس، بينما صار البيت الابيض مقراً للمهووسين بقيادة دونالد ترامب، الداعم الاخطر للمشروع الصهيوني الذي يعمل على انجازه رئيس الحكومة الاسرائيلية المشتركة بين نتنياهو ومعارضيه، والذي – يشمل في ما يشمل – منطقة الاغوار التي تحفظ تلالها اجداث بعض ابطال فتح دمشق ومنهم ابو عبيدة الجراح.

يا أمة ضحكت من جهلها الامم…

لبنان الآن على كف عفريت. وسوريا تتمزق أمام عيون الاخوة العرب، والروس والاتراك والايرانيون يتقاسمن اراضيها، والرئيس الروسي بوتين يستقبل الرئيس السوري بشار الاسد في مقر السفارة الروسية في دمشق، ممتنعا عن الصعود للقائه في القصر الجمهوري على بعض الروابي التي غناها امير الشعراء احمد شوقي بقوله:

قُمْ نَاجِ جِلَّقَ وانْشُدْ رَسْـمَ مَنْ بَانُوامَشَتْ عَلَى الرّسْمِ أَحْدَاثٌ وَأَزْمَانُ
هَذا الأَديـمُ كِتابٌ لا انْكِفَـاءَ لَـهُرَثُّ الصَّحَائِفِ، بَاقٍ مِنْهُ عُـنْوانُ
بَنُـو أُمَـيَّـةَ للأنْبَـاءِ مَا فَتَحُـواوَللأحَـادِيثِ مَا سَـادُوا وَمَا دَانُوا
كَـانوا مُلُوكاً، سَرِيرُ الشّرقِ تَحْتَهُمُفَهَلْ سَأَلْتَ سَريرَ الغَرْبِ مَا كَانُوا؟

من حسنات دعوة الحياد أنّها أنهت خلط الأوراق

ناصر قنديل

جرّب الأميركيّون ومعهم كل الغرب توظيف غضب الشعب اللبناني على فساد مؤسسات الدولة وسوء السياسات المالية لمن تولّوا الحكم وإدارة الاقتصاد لثلاثة عقود، برعاية أميركيّة غربيّة خليجيّة، لتحويله إلى قوة ضغط من أجل تحقيق أجنداتهم، وهي تتصل أصلاً بالسياسة اتصالاً وثيقاً، ومحورها تغيير موقع لبنان القوي في مواجهة كيان الاحتلال وجيشه إلى خاصرة رخوة. وكان معيار النجاح بذلك هو تحقيق شرطين، الأول القدرة على نقل المناخ الشعبي الجامع والواسع من الغضب على السلطة إلى غضب على المقاومة، سواء وفق نظرية تحميل انخراطها الإقليمي مسؤولية منع المساعدات أو اتهامها بأنها تحمي النظام أو أنها تتولى تخريب الاقتصاد بالتهريب والسيطرة على عائدات الدولة. والشرط الثاني إقفال الطرق الأخرى والخيارات الرديفة التي يمكن أن تطرح لمواجهة الاختناق المعيشيّ الناتج عن الحصار الذي يفرضه الأميركيون وما يرتّبه من جفاف في موارد العملات الأجنبيّة وغلاء وشح في الموارد.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي الذي ينضوي تحت لوائه صرف نفوذ حكام الخليج، بظهور ترابط سببي واضح بين كل محاولة لرفع منسوب السياسة في خطاب مجموعات مرتبطة بهم أسندوا إليها قيادة الانتفاضة ومكّنوها من السيطرة عليها بواسطة وسائل الإعلام المدعومة، وبيّن تراجع زخم الحضور الشعبي في الفعاليات التي تنظمها وتدعو إليها هذه المجموعات، من جهة، ومن جهة موازية بيّن ظهور انقسامات حادة داخل الجسم الشبابي للحراك الذي يضم مجموعات ترفض تسييس الغضب الشعبي، ومجموعات ترفض خصيصاً تحويل زخمه بوجه المقاومة، التي تشكل بنظرها آخر مَن يجب لومه على الأزمة الاقتصادية، أو التي تشكل عندهم خطاً أحمر في السياسة يجب الحذر من الاقتراب منه بلغة الاتهام والاستهداف لأنهم يدركون أن هناك من يريد تدبير هذا الانحراف في مسار الحركة الشعبية.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي ومَن معه، بأن حقق خيار التوجه شرقاً والعرض الإيراني لتأمين المشتقات النفطية بالليرة اللبنانية والدعوة للنهوض الإنتاجي، اختراقات كبيرة عملياً بتقدّمه كخيار واقعيّ بديل عن انتظار التسوّل على أبواب الأميركيين والغرب وحكام الخليج، وسياسياً لجهة تحوّله إلى فرضية مقبولة لدى الأوساط الحكومية والسياسية التي كانت تضع رهانها على الموقف الغربي والعربي عموماً والأميركي خصوصاً، بعدما سئمت الانتظار بلا جدوى، فتحركت الاتصالات الحكومية الجدية وبدعم رئاسي وسياسي من مكوّنات الحكومة النيابية، وبتفهم شعبي، وفي ظل صمت الخصوم السياسيين وعجزهم عن الاعتراض والمواجهة، وبدا أن هذا الخيار سيتحوّل إلى وجهة جديدة يسلكها لبنان.

أمام فشل الرهان على تحقيق الخطة التي رسمت لركوب الانتفاضة الشعبية والسطو عليها، وتوظيفها في مشروع حصار المقاومة، وسقوط فرص تحقيق الشرطين المطلوبين، انقلب الأميركي والغرب ومن معهم على معادلة الانتفاضة وسقفها القائم على الابتعاد عن السياسة والاكتفاء بالقضايا الاقتصادية والمالية عنواناً لها، وكان اختبار السادس من حزيران والتحرك المناهض للمقاومة وسلاحها تحت عباءة الانتماء للانتفاضة آخر الفرص التي منحت للجماعات التي يشغلها الحلف الأميركي الغربي الخليجي، وباءت بالسقوط المدوّي، وتبلور القرار البديل، العودة إلى ساحة الحضور المباشر بعروض دعم مالي مشروطة سياسياً علناً، وإعادة الحياة على اساسها إلى استقطاب 8 و14 آذار، الذي تم تجميد نصفه بقرار اصطفاف قوى 14 آذار تحت عباءة الانتفاضة وشعاراتها والتخلي عن السياسة ما أمكن لحساب ذلك، انطلاقاً من استقالة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري.

من حسنات دعوة الحياد أنها أنهت مرحلة من التلاعب السياسي كان عنوانها تمويه القضايا الخلافية بخدعة تريد القول إن اللبنانيين مجمعون على أن مصدر أزمتهم هو وجود المقاومة، وأنها مثلت اعترافاً بالانقسام السياسي حول العناوين الكبرى، وكشف حقيقة أن الأزمة الاقتصادية والمالية مجرد عتبة مرسوم لها فرض تحوّلات في موقع لبنان من الصراع الإقليمي وعنوانه الرئيسي أمن كيان الاحتلال والتهديد الذي تمثله المقاومة لهذا الأمن. وهذا هو جوهر الوظيفة التي يُراد لدعوة الحياد تحقيقها، فمرحباً بالوضوح ولو أدى إلى الانقسام، وليكن التباري الواضح باللغة الراقية ليظهر كل فريق ما عنده ويطرح مشروعه في التداول، ولتتنافس المواقف والخيارات أمام عقول اللبنانيين، دون تمويه وخداع، بعدما أعلن الأميركي والغرب وحكام الخليج دفن الانتفاضة، والعودة إلى اصطفاف أيام قرنة شهوان، وهم يحاولون الانتقال إلى أيام لقاء البريستول.

مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

ناصر قنديل

يبدو أن ثمّة مَن لفت نظر البطريرك بشارة الراعي إلى أن ما نصحه به مستشاروه لتبنّي الدعوة لإعلان حياد لبنان، كإطار لسياساته الخارجيّة والدفاعية يصادق عليه مجلس الأمن الدولي، وفقاً لمقتضيات الحياد في القانون الدولي، يمثل استحالة قانونية قبل الحديث عن التأييد والرفض للاعتبارات الوطنية والسياسية، فأدخل عليه تعديلاً أسماه بالحياد الإيجابي الذي يستثني «إسرائيل»، فصارت دعوته هرطقة قانونيّة، وأيضاً بمعزل عن القبول أو الرفض لهذه الدعوة بالمعايير الوطنية والسياسية، فمن ورّط البطريرك بدعوة لا أفق لها وكل تبشير بها يضعف مكانة بكركي وسمعتها الجدية وسمعة البطريرك الموصوف بالأناة والتبصّر وحسن التدبّر؟

الحياد الذي دعا إليه البطريرك للوهلة الأولى ليس هرطقة قانونية وموجود في نماذج كسويسرا والنمسا، لكن موجباته اللبنانية كي يصير وارداً اكتمال شروطه بعيون القانون الدولي ومعايير الحياد، تستدعي مساراً يصل الأمل بتحقيق أهدافه إلى الصفر المكرر، وانتظاراً وسعياً خلال عشرات السنين المقبلة من دون توقع أي تقدّم، إلا بعد حل الصراعات الكبرى في المنطقة، ما لم ينفجر لبنان الداخلي على إيقاع هذه الدعوة بعد اكتشاف ما تستدعي من موجبات، وما لم يرافق هذا الانتظار ما يجعل الدعوة وموجباتها، مدخلاً لتفتيت وحدة اللبنانيين، والأهم أن من يتعرّف على الموجبات اللازمة للتقدّم قانوناً بطلب إعلان حياد لبنان سيفضل حكماً البقاء على الوضع الحالي، لأنها موجبات المستحيل.

لا تقبل طلبات دولة لإعلان حيادها وهي في حالة حرب، ونزاع حدودي، ومن دون موافقة جيرانها وفقاً لحدود واضحة تمّ ترسيمها وإيداع خرائطها لدى الأمم المتحدة، ولا يقبل طلب دولة عضو في منظمة إقليمية لها امتدادات قانونية وموجبات ذات صفة تشبه الأحلاف العسكرية، ولا يقبل طلب دولة لا تعتمد في تعاملها مع قضايا اللجوء وفقاً لمعايير الأمم المتحدة، وهذا كله يعني أن على لبنان إنهاء نزاعه مع كيان الاحتلال، بما في ذلك حسم مصير اللاجئين الفلسطينيين بين الاتفاق على عودتهم أو توطينهم، وترسيم بري وبحري مُنجز للحدود، والتوصل مع سورية إلى اتفاق على حياد لبنان تلغى بموجبه المعاهدات المشتركة ذات الشق المتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، وترسيم كامل للحدود معها، وحسم مصير النازحين السوريين، بين عودة أو توطين، وتراضي كل من سورية وكيان الاحتلال، على حياد لبنان كدولة مجاورة، وإعلان انسحاب لبنان من جامعة الدول العربية، والهوية العربيّة للبنان، وتعديل الدستور لهذه الجهة، وإدخال مواد تتصل بالحياد في الدستور، بما فيها الاستعداد لتطبيق معايير الأمم المتحدة على قضايا اللجوء، خصوصاً لجهة تعديل قانوني الجنسية والملكية.

إعلان حياد لبنان مستحيل قانوناً بدون حل إقليمي شامل للصراع مع كيان الاحتلال، بما في ذلك بين سورية والكيان، وحل شامل متفاهم عليه للقضية الفلسطينية، وهو رغم كونه كمشروع مستحيل، إلا أنه قابل للتحول في السياسة إلى سعي لإعلان حرب متعدّدة الأشكال مع سورية والفلسطينيين، لو سلمنا بأن أياً من اللبنانيين لم يسجل اعتراضاً على المشروع ونزل الوحي على اللبنانيين بكلام البطريرك وصرخوا بصوت واحد أمرك سيدنا، وأن حزب الله قام من الصباح الباكر بتسليم كل سلاحه للجيش اللبناني، فأين يكمن ما يدّعيه فيه أصحابه من خير على لبنان ما دامت موجباته بحجم حلّ كل أزمات العالم قبل أن يبصر النور؟

أما بدعة الحياد الإيجابي التي تستثني كيان الاحتلال، فهي إعلان سقوط لدعوة الحياد، ومجرد مخرج كلامي لنعي الدعوة للحياد، لأن لا شيء اسمه في القانون الدولي حياد إيجابي واستثناء، لتصير الدعوة المعدلة، مجرد كلام إعلامي ودعوة سياسية لبث الروح في الجسد الميت لنداء بعبدا في أيام الرئيس السابق ميشال سليمان، والنأي بالنفس، أي الانتقال عكساً من إطار قانوني دولي ملزم للخارج، إلى خطاب محلي سياسي يخاطب الداخل، فيصبح مجرد عودة للتمني على الأطراف الداخلية أن تخفف من درجة تورطها في المحاور الإقليمية، تجنيباً للبنان لتداعيات هذا التورط، وهو مسعى يطال طرفين رئيسيين أكثر من سواهما، حزب الله كحليف رئيسي لإيران، وتيار المستقبل كحليف رئيسي للسعودية، ولو نزعنا عن قضايا المنطقة ومحاورها صلتها الفعلية بالصراع مع كيان الاحتلال، وجعلناها مجرد صراعات نفوذ بين محاور، فهل يمكن لصاحب الدعوة التطلع لتأثير خطابه الأبوي على طرفين داخليين، بينما يقوم بشيطنة أحدهما وتحميله مسؤولية الخراب واتهامه بالهيمنة، مقابل التحالف مع الفريق الآخر في التوجّه لمحور دولي إقليمي مقابل كمحور حليف يكون الخير في استرضائه؟

مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

عملياً ووفق السياق الذي تحركت فيه الدعوتان، الأصلية والمعدلة، وقعت الدعوة الأصلية في مكان يدعو لترجمة شروط ومطالب فريق خارجي له امتدادات لبنانية يرفض عروبة لبنان ومن خلالها عضوية لبنان في الجامعة العربية، ويطلب الضغط على سورية لترسيم الحدود وإلغاء المعاهدات الموقعة معها واستبدالها بما ينسجم مع إعلان حياد لبنان، ويدعو لتوقيع معاهدة سلام مع «إسرائيل» ولقبول الطلب «الإسرائيلي» للترسيم، بصفتها شروطاً للحياد القانوني، ولا يرى مشكلة في توطين النازحين السوريين ولا توطين اللاجئين الفلسطينيين. وهذا عملياً يعني تبنياً لمواقف محور من محورين متقابلين في المنطقة حول لبنان، وليس الحياد بينهما. ووقعت الدعوة الثانية المعدلة بترجمتها في خطاب البطريرك، في مكان تبني حلف دولي إقليمي وامتداده الداخلي، في مواجهة فريق داخلي وتحالفاته الخارجية، وصارت الفائدة الوحيدة للدعوتين هي في كونهما أظهرتا بانحيازهما، أن لبنان يقف حالياً في منطقة حيادية بين المحورين المتقابلين، والمطروح نقله إلى منطقة الانضمام إلى أحد المحورين، فالدولة كدولة بمعزل عن قناعات رموزها في الرئاسات وسواها تراعي المحور الذي تدعو المبادرتان للانضمام إليه، رغم أن الرئاسات محسوبة نظرياً على المحور المقابل، ويكفي لتبيان ذلك قياس حرارة وحيوية التواصل والزيارات مع كل من عواصم المحورين، ودرجة الاهتمام بالوقوف على رأي كل من عواصم المحورين في القرارات السيادية والسياسية والاقتصادية للدولة.

فعلاً مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: