ماكرون مكلّف بملف لبنان بشروط ومهلة!

ناصر قنديل

تأتي زيارة الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون إلى بيروت تمهيداً لزيارة ثانية في أول أيلول للاحتفال بذكرى إعلان دولة لبنان الكبير وبدء عهد الانتداب الفرنسي على لبنان، والزيارة لا تنفصل عن استثمار تفجير المرفأ الذي أصاب لبنان بخسائر فادحة لا يمكن معها تأمين تمويل إعادة الإعمار من دون مساعدة خارجية، بحيث حل التفجير وحاجات الترميم والبناء مكان استخدام ارتفاع سعر الصرف في الضغط على لبنان واللبنانيين، وفي ظل خشية من تورط “إسرائيلي” في التفجير وتحوّل العملية إلى مدخل تصعيد كبير يهدّد بحرب شاملة، يصير خلالها أمن الكيان في خطر، وتأتي الزيارة لمواكبة نشاط سياسي داخلي ليس بعيداً عن التوظيف المبرمج للتفجير، تحت عنوان الحياد الدولي، وتحت عنوان التحقيق الدولي، وصولاً لدعوات وضع لبنان تحت الوصاية والانتداب مجدداً.

يتحدث ماكرون عن نظام جديد، ويتخطى الحظر الذي فرضته حكومته على العلاقة مع حزب الله بعد انضمامه إلى قطيع تصنيف الحزب على لوائح الإرهاب، بينما يشير الأميركيون إلى تبدّل في التعامل “الإسرائيلي” مع قضية ترسيم الحدود بما يرضي لبنان، بما يوحي بوجود جزرة ما يُراد عرضها على المقاومة لقاء ثمن يتصل بما ركز عليه ماكرون في زيارته، وهما أمران، المرفأ والحدود مع سورية، بالتوازي مع ما يطرحه جماعة فرنسا وأميركا في لبنان من دعوات لتحقيق دولي وانتخابات مبكرة، وحركة ماكرون التي تشبه حركة الرئيس جاك شيراك نحو بيروت عام 2005 تختلف عنها لجهة أن ماكرون يتحرّك في ظل تكليف أميركي، لأن المهمة تستدعي التواصل مع حزب الله، مقابل إغراء لفرنسا بتولي الانتداب على لبنان إذا نجحت في المهمة، ولو كان انتداباً من دون إطار قانوني بل بصيغة مرجعية تحل مكان الدور السوري بعد اتفاق الطائف، لقاء صيغة سياسية جديدة يعرض فيها على المقاومة تحت عنوان دور الشيعة السياسي مكاسب على حساب أدوار سائر الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة.

الخشية من مجيء الصين إلى المرفأ وهي تبدو جاهزة لذلك، والخشية من رد المقاومة على عملية مطار دمشق، والخشية من انكشاف تورط “إسرائيلي” في عملية تفجير المرفأ، وما يعنيه من تصعيد خطير، أسباب تقف وراء الزيارة السريعة الناعمة لماكرون، تمهيداً لزيارة أول أيلول، وبينهما سيتابع سفيره في بيروت المهمة، ومقابل جزرة ماكرون المعروضة على المقاومة، بدور أكبر في النظام الجديد، وبتمويل كافٍ ينهض به لبنان، ورفع الحظر عن العلاقة معها، عصا تحقيق دولي ومعركة إسقاط الحكومة واستثمار الشارع المبرمج تحت عناوين ثورة مزوّرة، وانتخابات مبكرة، يعرفون أن المقاومة لا تخشاها، لكنهم يراهنون على أن تكون رياح الأزمة قد أضعفت رصيد التيار الوطني الحر والعهد، كحليف للمقاومة، وفقاً لنصائح الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، بتدفيع العهد والتيار ثمن علاقتهما بالمقاومة، تمهيداً لتغيير مكان الأغلبية النيابية والسياسية.

تبدو مهلة ماكرون حتى الأول من أيلول، لكن ربما تكون نهايتها في كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي سيرسم اليوم إطار ما جرى وما سيجري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

نهاية فترة السماح وسقوط «حكومة المستقلّين»

ناصر قنديل

يعرف كل متابع لشؤون لبنان والمنطقة أن الحديث عن حياد في السياسة هرطقة، فأصل السياسة التزام. وعندما يكون الحديث عن أعلى هيئات ممارسة السياسة في أي دولة هي الحكومة، يكون أعضاؤها حكماً هم الأقل حيادية بين مواطنيهم، وقد اجتمعوا في حكومة على خط سياسي يتبدى اقوالاً تشكل الرابط الذي جاء بهم إلى الحكم لترجمته أفعالاً، فكيف ببلد كلبنان واقف على فالق الزلازل الإقليمي والدولي، وجاءت حكومته الأخيرة بعد أحداث عاصفة ونتاج تفاقم أزمته الاقتصادية والمالية، ولذلك كان مستغرباً أن تصرّ الحكومة على أنها حكومة مستقلين، إلا بقدر ما كان ذلك انتزاعاً لكذبة حكومة المستقلين من أصحابها الأصليين الذين طرحوها، بقصد المجيء بحكومة مناوئة للمقاومة، يطلقون عليها تسمية المستقلين نفاقاً، وللعب بعقول وقلوب الناس التي سئمت السياسة والسياسيين، فلعبت الحكومة لعبة خصومها الذين أنكروا عليها هذه الصفة منذ البداية، لأنها استولت على منتج فكري تعود ملكية حقوق استعماله لهم حصراً.

تحت عنوان حكومة المستقلين تشكل مركب الحكومة الجديدة قبل سبعة شهور، وفتح الباب لممثلين بنصف لون عن الأطراف الممثلة في الحكومة والداعمة لها، ومعهم لممثلي اللون الرمادي العربي والدولي الراغب باختبار فرص الفصل بين مساعي تعافي لبنان اقتصادياً والمواجهة التي تخوضها إدارة الرئيس الأميركي مع إيران وحزب الله، وكان لهذه الدعوة عراب هو الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان، الذي أطلق دعوته من منبر الكونغرس، الذي قال أمامه إن لبنان ساحة تنافس استراتيجي مع روسيا والصين من جهة، وإن لبنان ساحة مواجهة مع حزب الله من جهة موازية، ليصل إلى الدعوة للفصل بين المسارين، بعدم التخلي عن الدعم المالي والاقتصادي للبنان ضمن شروط إصلاحيّة نص عليها مؤتمر سيدر كي لا يسيطر المنافسون عليه، والاستثمار السياسي على الأزمة لإضعاف حلفاء حزب الله وفي مقدّمتهم العهد الرئاسي للرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، كي ينجح توظيف الأزمة في خدمة خيار المواجهة، وكان لهذه الدعوة ذاتها ناطق رسمي هو وزير المالية الفرنسية برونو لومير الذي وقف متحدثاً بلسان حكومته في اجتماع وزراء مالية دول قمة العشرين الافتراضي مطلع العام، داعياً لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة الأميركية مع إيران.

خلال شهور مضت كانت الحكومة تعيش مناخ التفاؤل بنجاح فرضيات فيلتمان ولومير، وكان من يلتقي الوزراء المتمسكين بالحديث عن حكومة مستقلين والفرحين بها، يسمع منهم تمسكهم بالحكومة والدفاع الشرس عنها، وفي مقدمتهم الوزير المستقيل ناصيف حتي، الذي لم يكن قد اكتشف يومها، قبل أسابيع قليلة، أن البلد بحاجة لعقول خلاقة ونيات صادقة لم يجدها في الحكومة، بل وجد فيها أرباب عمل عديدين بدلاً من رب عمل واحد هو لبنان، وليس بعيداً وجود وزراء آخرين يكتشفون فجأة اليوم أو غداً ما اكتشفه حتّي بالأمس، فجوهر القضية هو أن فترة السماح قد انتهت، والحكومة قد اكتشفت مع زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، أن رهان فيلتمان – لومير قد سقط، وأن السياسة الأميركيّة صارت أوروبية خليجية، ومضمونها أن لا أموال للبنان لا من صندوق النقد ولا من سيدر ولا من بعض الراغبين، خارج سياق مستقبل المواجهة مع حزب الله التي تقودها واشنطن، والتي تستهدف تحصيل مكاسب لحساب أمن كيان الاحتلال، عنوانها انسحاب الحزب من سورية وتسهيله قبول الحكومة بخط «هوف» لترسيم الحدود البحرية، ولذلك سيتبلّغ الوزراء «المستقلون» تباعاً أن عليهم مغادرة المركب الحكومي، تعبيراً عن استقلاليتهم، فمضمون الاستقلال كما الحياد، هو الاستقلال عن حزب الله والحياد عن خياراته.

تمر المواجهة بين واشنطن وحزب الله بلحظة مفصلية بانتظار رد المقاومة على العملية التي أدت لاستشهاد أحد مجاهديها قرب مطار دمشق، والواضح أن الحراك الأميركي في الفترة الفاصلة عن الرد سيكون محموماً، وأن أوراق الضغط والرسائل المشفّرة ستستعمل على مدار الساعة، وبمعزل عن تقييم الأشخاص، سنشهد كثيراً من اللزوجة السياسية تعلن انتقال الحكومة من حكومة مستقلين حيادية إلى حكومة صمود ومواجهة، تعرف وتعترف بأنها في قلب مواجهة كبرى لا مكان للاستقلال عنها ولا للحياد فيها، أياً كانت الملاحظات التي سيُبديها المغادرون، والتي قد تحاكي بعض الوقائع الصحيحة، لكن بهدف تبرير المواقف الخاطئة.

مقالات متعلقة

Le Drian: A Step Towards Realistic Federalization – By Nasser Kandil لودريان وخطوة نحو الفدراليّة الواقعيّة

By Nasser Kandil

ناصر قنديل

الانضباط الفرنسي بالسقوف الأميركية في التعامل مع لبنان، بعد سقوط أطروحة وزير المالية الفرنسية برونو لومير بالدعوة لفصل مساعي تعافي لبنان عن المواجهة التي تخوضها واشنطن مع طهران، كان انضباطاً واضحاً ودقيقاً خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان إلى بيروت، وكل الحديث عن وجود شروط إصلاحية لفتح الطريق للمساعدات هو للتغطية على الانضباط الفرنسي بالمحظورات الأميركيّة. ودعوة لومير كانت تتضمن الشروط الإصلاحيّة لكن على طريقة مختلفة كتلك التي طرحها لودريان، تعبر عن جدية لا عن نفاق سياسي كما هو الحال اليوم، فلومير دعا لعقد جولة خاصة لمؤتمر سيدر والمانحين لأجل تحديد القطاعات التي تحتاج دعماً ووضع دفتر شروط دولي لإصلاح وتمويل كل منها، ليسيرا معاً بالتوازي إصلاحاً وتمويلاً، وبالتأكيد كانت الحكومة اللبنانية لتوافق فوراً على مثل هذا المسار، وتلتزم بدفتر الشروط الخاص بكل قطاع، لكن طريقة لودريان هي عملياً طرح ذريعة قابلة للتكرار لسنوات، أنتم لم تقوموا بما يكفي لتستحقوا المساعدات، وهذا هو السقف الأميركي، فماذا فعل لودريان؟

ارتضت فرنسا دور وكيل الضغوط الأميركية، وتنازلت عن دور الشريك المستقل، فجاء وزير خارجيتها ليقول إن الأزمة طويلة وإن الأموال ستتأخّر. وهذا يعني أن الدولة ومؤسساتها سيضمر ويتراجع تأثيرها في النشاط الحياتي والاقتصادي، ويرتفع منسوب ضعفها وتتراجع مداخيلها، وتضعف فاعلية مؤسساتها الخدميّة وخصوصاً الأمنية والعسكرية، وبالمقابل يفتح لودريان الباب لمسار موازٍ، هو مسار المساعدات الطائفيّة، فيقول للبنانيين لن نترككم للجوع، كل دولة ستهتمّ بطائفة، ففرنسا تعهّدت الموارنة والكاثوليك وعلى روسيا أن تتعهّد الأرثوذكس وبريطانيا تهتم بالإنجيليين، وبالأمس أعلنت تركيا عن توزيع مساعدات في عكار وستوسّع الاهتمام، وقد تدخل السعودية على خط تبني مدارس ومستشفيات ذات لون طائفي، ومثلها بالطبع ستكون إيران معنية بمؤسسات لون طائفي آخر، وهذا لن يبقى عند حدود المدارس، بل سيتوسّع نحو المستشفيات ومؤسسات رديفة لمؤسسات الدولة، فيما مؤسسات الدولة تضمر وتتراجع وتفقد قدرتها على تقديم الخدمات الموازية.

المسار الذي يفتتحه لودريان ظاهره قد لا يلفت الانتباه إلى مؤداه والنتائج التي ستنجم عنه. فإذا نجحت محاولة فرضه مساراً لتصغير حجم دور الدولة، وتكبير حجم المؤسسات الطائفية، وزيادة اعتمادها على دعم خارجي يعتمد توزيعاً لمناطق نفوذ لعدد من الدول في لبنان كبديل يحل تدريجياً مكان الدولة، على أساس الهوية الطائفية، فإنه يصير مفهوماً معنى حديث لودريان عن دعم دعوات الحياد التي أطلقها البطريرك بشارة الراعي، بحيث تصير لكل منظومة طائفية ملحقة بعاصمة خارجية مالياً سياسة خارجية خاصة بها، ليظهر أن دعوة الحياد ليست موجّهة للبنانيين بوهم تحولها سياسة للدولة اللبنانية، بمعزل عن كيف يفكر بالدعوة أصحابها، بل هي دعوة موجّهة للخارج الذي سيشكل الراعي الحقيقي للطائفة ولسياستها الخارجية، مقابل الدعم المالي الذي سيجلبه هذا الخارج لإنعاش مؤسسات الطائفة، ومقابل الحياد سنسمع غداً عن دعوات للعروبة من بوابة الخليج مقابل دعم وتمويل وتنشيط مؤسسات تربوية وصحية كالمقاصد، وعن سياسة أوراسية للأرثوذكس مقابل دعم جامعة البلمند ومستشفى الروم، وتصير سياسة المقاومة محصورة بالشيعة، وتصير المرجعيات السياسية في طوائفها أو التي لا تمثل بعداً طائفياً، التي لا يتم اعتمادها من الخارج مهددة بالتراجع لضعف المقدرات والعجز عن تلبية الاحتياجات، ورهانها على الدولة يفقد بريقه بعيون اللبنانيين المحتاجين.

سنشهد المزيد على هذا الطريق لتفكيك الدولة والعودة بنا إلى منتصف القرن التاسع عشر وحكم القناصل، ما لم ينهض مشروع الدولة كجواب موحّد مستقل يواجه من خلاله اللبنانيون أزماتهم، ويربطون كل مساهمة للخارج بمعابر الدولة الإلزامية، وشرط ذلك أن تملك الدولة شجاعة السير بالخيارات التي تلبي حاجاتها وحاجات مواطنيها، وتغادر أسلوب التلميذ الشاطر الذي ينتظر الرضا الخارجي، قبل أن تحزم الصين أمرها وتعتذر عن عروضها، لأن ليس في لبنان طائفة بوذيّة أو كونفوشيّة تتبنّاها.

خرافة تحييد لبنان!


طلال سلمان.


لبنان الآن على كف عفريت… تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه في زمن انتهى فيه معسكر عدم الانحياز.

مع وصول السفيرة الاميركية الجديدة في لبنان، دوروثي شيا، وهجومها المباشر (والخارج على الاصول الدبلوماسية وركائز العلاقات بين الدول الصديقة) على “حزب الله”، محرر الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وصاحب كتلة نيابية وازنة وجماهير عريضة في معظم انحاء لبنان.. هبت رياح الدعوة إلى تحييد لبنان عن المنازعات والصراع في المنطقة.

تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه، في زمن انتهى معسكر عدم الانحياز بقيادة جواهر لآل نهرو وجمال عبد الناصر وتيتو الذي حفظ وحدة يوغسلافيا. فما أن غاب حتى عادت دولا شتى لا قيمة لها في اوروبا ولا دور لها في العالم كالذي ابتدعه لها تيتو.

تتبع “الدولة” سياسة انكار ما لا يمكن انكاره” فالجوع اصدق إنباء من الكتب”، ومن حسان دياب ومناورات جبران باسيل وسط الإغفاءات المتقطعة لفخامة رئيس الجمهورية، كلها تشهد بأن لبنان بخير..

وماذا اذا استفقنا على سوريا مدمرة أو محتلة، شمالها للأتراك، بذريعة مقاتلة الاكراد، والساحل- طرطوس- اللاذقية – بانياس- للروس مع دوريات مؤللة تلاقي الاتراك بود ظاهر، اما قلبها – دمشق وضواحيها – فللحرس الثوري الايراني مع مقاتلي “حزب الله”.

كذلك فان العراق الذي بالكاد انتهى ترميمه بعد حروب صدام حسين التي دمرت أرض الرافدين، وجعلت الخزينة العراقية خاوية الا ما يلزم كشرهات لمن يتولى الحكم، وبقرب بغداد قوات اميركية، وفي أنحاء شتى قوات من الحرس الثوري الايراني، والكرد ما زالوا يطالبون بنصيبهم في الحكم بعد نيلهم رئاسة الدولة وعدد وافر من الوزارات، مع مناصب رفيعة في مؤسسات النفط الخ.. كل هذا من دون أن يتنازلوا عن مطلبهم بإقامة دولة كردستان المستقلة في شمالي العراق، حتى والجيوش التركية تقتحم تلك المناطق بذريعة مطاردة الاكراد الاتراك المقهورين في ظل السلطان اردوغان.

المهم أن النشيد الوطني الجديد الذي انطلق من الديمان وتولى الترويج له بضعة من السياسيين من ذوي الانتماء “المحايد” أخذوا يرددون نغمة “الحياد” بديلاً من النشيد الوطني.

الحياد بين من ومن؟

بين الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي الذي سقط بالضربة البوتينية القاضية؟ أم بين دولة الامارات وقطر العظمى؟ أم بين السعودية المذهبة واليمن الذي يموت أهله جوعاً..هذا إذا هم نجوا من رصاص الاخوة – الاعداء من ابطال الاحتلال السعودي – الاماراتي! أم بين الغزو التركي بقيادة السلطان الذي أقحم المعلم التاريخي الذي كان كنيسة آيا صوفيا، في الماضي وغداة نشوء السلطنة، وقرر تحويله إلى مسجد، متنكرا للتاريخ وحتى لأصول الصلاة عند المسلمين، اذ دخل الكنيسة التي صيرت مسجداً، بحذائه خلافاً لقواعد الصلاة.

أما مصر فمشغولة بهموم سد النهضة في الحبشة، خوفاً على السد العالي الذي انقذ المئة مليون مصري من العطش، والذي افتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع خروتشوف، اظرف رئيس عرفته موسكو، والذي خلع نعليه ليطرق بهما على منصة وفده في الامم المتحدة، حين بدأ الرئيس الاميركي خطابه.. وكان ذلك تعبيراً عن موقف الاتحاد السوفياتي من مشروع الغزو الاميركي لدولة فيديل كاسترو في كوبا.. وهي الجلسة التي حضرها معظم اقطاب دول عدم الانحياز: جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر وتيتو، في حين كان الوفد الاميركي برئاسة جون كيندي.

يومها، كما يحب الاميركي أن ينسى، ترك كاسترو مبنى الأمم المتحدة في نيويورك ونزل ليجول في أحياء “السود”، الذين كانوا يحاولون الانتفاض ضد الظلم الاسود في البيت الابيض في واشنطن… وهو الظلم الذي تجلى مؤخراً في قتل جورج فلويد بحذاء بعض رجال الحرس، بينما صار البيت الابيض مقراً للمهووسين بقيادة دونالد ترامب، الداعم الاخطر للمشروع الصهيوني الذي يعمل على انجازه رئيس الحكومة الاسرائيلية المشتركة بين نتنياهو ومعارضيه، والذي – يشمل في ما يشمل – منطقة الاغوار التي تحفظ تلالها اجداث بعض ابطال فتح دمشق ومنهم ابو عبيدة الجراح.

يا أمة ضحكت من جهلها الامم…

لبنان الآن على كف عفريت. وسوريا تتمزق أمام عيون الاخوة العرب، والروس والاتراك والايرانيون يتقاسمن اراضيها، والرئيس الروسي بوتين يستقبل الرئيس السوري بشار الاسد في مقر السفارة الروسية في دمشق، ممتنعا عن الصعود للقائه في القصر الجمهوري على بعض الروابي التي غناها امير الشعراء احمد شوقي بقوله:

قُمْ نَاجِ جِلَّقَ وانْشُدْ رَسْـمَ مَنْ بَانُوامَشَتْ عَلَى الرّسْمِ أَحْدَاثٌ وَأَزْمَانُ
هَذا الأَديـمُ كِتابٌ لا انْكِفَـاءَ لَـهُرَثُّ الصَّحَائِفِ، بَاقٍ مِنْهُ عُـنْوانُ
بَنُـو أُمَـيَّـةَ للأنْبَـاءِ مَا فَتَحُـواوَللأحَـادِيثِ مَا سَـادُوا وَمَا دَانُوا
كَـانوا مُلُوكاً، سَرِيرُ الشّرقِ تَحْتَهُمُفَهَلْ سَأَلْتَ سَريرَ الغَرْبِ مَا كَانُوا؟

من حسنات دعوة الحياد أنّها أنهت خلط الأوراق

ناصر قنديل

جرّب الأميركيّون ومعهم كل الغرب توظيف غضب الشعب اللبناني على فساد مؤسسات الدولة وسوء السياسات المالية لمن تولّوا الحكم وإدارة الاقتصاد لثلاثة عقود، برعاية أميركيّة غربيّة خليجيّة، لتحويله إلى قوة ضغط من أجل تحقيق أجنداتهم، وهي تتصل أصلاً بالسياسة اتصالاً وثيقاً، ومحورها تغيير موقع لبنان القوي في مواجهة كيان الاحتلال وجيشه إلى خاصرة رخوة. وكان معيار النجاح بذلك هو تحقيق شرطين، الأول القدرة على نقل المناخ الشعبي الجامع والواسع من الغضب على السلطة إلى غضب على المقاومة، سواء وفق نظرية تحميل انخراطها الإقليمي مسؤولية منع المساعدات أو اتهامها بأنها تحمي النظام أو أنها تتولى تخريب الاقتصاد بالتهريب والسيطرة على عائدات الدولة. والشرط الثاني إقفال الطرق الأخرى والخيارات الرديفة التي يمكن أن تطرح لمواجهة الاختناق المعيشيّ الناتج عن الحصار الذي يفرضه الأميركيون وما يرتّبه من جفاف في موارد العملات الأجنبيّة وغلاء وشح في الموارد.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي الذي ينضوي تحت لوائه صرف نفوذ حكام الخليج، بظهور ترابط سببي واضح بين كل محاولة لرفع منسوب السياسة في خطاب مجموعات مرتبطة بهم أسندوا إليها قيادة الانتفاضة ومكّنوها من السيطرة عليها بواسطة وسائل الإعلام المدعومة، وبيّن تراجع زخم الحضور الشعبي في الفعاليات التي تنظمها وتدعو إليها هذه المجموعات، من جهة، ومن جهة موازية بيّن ظهور انقسامات حادة داخل الجسم الشبابي للحراك الذي يضم مجموعات ترفض تسييس الغضب الشعبي، ومجموعات ترفض خصيصاً تحويل زخمه بوجه المقاومة، التي تشكل بنظرها آخر مَن يجب لومه على الأزمة الاقتصادية، أو التي تشكل عندهم خطاً أحمر في السياسة يجب الحذر من الاقتراب منه بلغة الاتهام والاستهداف لأنهم يدركون أن هناك من يريد تدبير هذا الانحراف في مسار الحركة الشعبية.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي ومَن معه، بأن حقق خيار التوجه شرقاً والعرض الإيراني لتأمين المشتقات النفطية بالليرة اللبنانية والدعوة للنهوض الإنتاجي، اختراقات كبيرة عملياً بتقدّمه كخيار واقعيّ بديل عن انتظار التسوّل على أبواب الأميركيين والغرب وحكام الخليج، وسياسياً لجهة تحوّله إلى فرضية مقبولة لدى الأوساط الحكومية والسياسية التي كانت تضع رهانها على الموقف الغربي والعربي عموماً والأميركي خصوصاً، بعدما سئمت الانتظار بلا جدوى، فتحركت الاتصالات الحكومية الجدية وبدعم رئاسي وسياسي من مكوّنات الحكومة النيابية، وبتفهم شعبي، وفي ظل صمت الخصوم السياسيين وعجزهم عن الاعتراض والمواجهة، وبدا أن هذا الخيار سيتحوّل إلى وجهة جديدة يسلكها لبنان.

أمام فشل الرهان على تحقيق الخطة التي رسمت لركوب الانتفاضة الشعبية والسطو عليها، وتوظيفها في مشروع حصار المقاومة، وسقوط فرص تحقيق الشرطين المطلوبين، انقلب الأميركي والغرب ومن معهم على معادلة الانتفاضة وسقفها القائم على الابتعاد عن السياسة والاكتفاء بالقضايا الاقتصادية والمالية عنواناً لها، وكان اختبار السادس من حزيران والتحرك المناهض للمقاومة وسلاحها تحت عباءة الانتماء للانتفاضة آخر الفرص التي منحت للجماعات التي يشغلها الحلف الأميركي الغربي الخليجي، وباءت بالسقوط المدوّي، وتبلور القرار البديل، العودة إلى ساحة الحضور المباشر بعروض دعم مالي مشروطة سياسياً علناً، وإعادة الحياة على اساسها إلى استقطاب 8 و14 آذار، الذي تم تجميد نصفه بقرار اصطفاف قوى 14 آذار تحت عباءة الانتفاضة وشعاراتها والتخلي عن السياسة ما أمكن لحساب ذلك، انطلاقاً من استقالة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري.

من حسنات دعوة الحياد أنها أنهت مرحلة من التلاعب السياسي كان عنوانها تمويه القضايا الخلافية بخدعة تريد القول إن اللبنانيين مجمعون على أن مصدر أزمتهم هو وجود المقاومة، وأنها مثلت اعترافاً بالانقسام السياسي حول العناوين الكبرى، وكشف حقيقة أن الأزمة الاقتصادية والمالية مجرد عتبة مرسوم لها فرض تحوّلات في موقع لبنان من الصراع الإقليمي وعنوانه الرئيسي أمن كيان الاحتلال والتهديد الذي تمثله المقاومة لهذا الأمن. وهذا هو جوهر الوظيفة التي يُراد لدعوة الحياد تحقيقها، فمرحباً بالوضوح ولو أدى إلى الانقسام، وليكن التباري الواضح باللغة الراقية ليظهر كل فريق ما عنده ويطرح مشروعه في التداول، ولتتنافس المواقف والخيارات أمام عقول اللبنانيين، دون تمويه وخداع، بعدما أعلن الأميركي والغرب وحكام الخليج دفن الانتفاضة، والعودة إلى اصطفاف أيام قرنة شهوان، وهم يحاولون الانتقال إلى أيام لقاء البريستول.

مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

ناصر قنديل

يبدو أن ثمّة مَن لفت نظر البطريرك بشارة الراعي إلى أن ما نصحه به مستشاروه لتبنّي الدعوة لإعلان حياد لبنان، كإطار لسياساته الخارجيّة والدفاعية يصادق عليه مجلس الأمن الدولي، وفقاً لمقتضيات الحياد في القانون الدولي، يمثل استحالة قانونية قبل الحديث عن التأييد والرفض للاعتبارات الوطنية والسياسية، فأدخل عليه تعديلاً أسماه بالحياد الإيجابي الذي يستثني «إسرائيل»، فصارت دعوته هرطقة قانونيّة، وأيضاً بمعزل عن القبول أو الرفض لهذه الدعوة بالمعايير الوطنية والسياسية، فمن ورّط البطريرك بدعوة لا أفق لها وكل تبشير بها يضعف مكانة بكركي وسمعتها الجدية وسمعة البطريرك الموصوف بالأناة والتبصّر وحسن التدبّر؟

الحياد الذي دعا إليه البطريرك للوهلة الأولى ليس هرطقة قانونية وموجود في نماذج كسويسرا والنمسا، لكن موجباته اللبنانية كي يصير وارداً اكتمال شروطه بعيون القانون الدولي ومعايير الحياد، تستدعي مساراً يصل الأمل بتحقيق أهدافه إلى الصفر المكرر، وانتظاراً وسعياً خلال عشرات السنين المقبلة من دون توقع أي تقدّم، إلا بعد حل الصراعات الكبرى في المنطقة، ما لم ينفجر لبنان الداخلي على إيقاع هذه الدعوة بعد اكتشاف ما تستدعي من موجبات، وما لم يرافق هذا الانتظار ما يجعل الدعوة وموجباتها، مدخلاً لتفتيت وحدة اللبنانيين، والأهم أن من يتعرّف على الموجبات اللازمة للتقدّم قانوناً بطلب إعلان حياد لبنان سيفضل حكماً البقاء على الوضع الحالي، لأنها موجبات المستحيل.

لا تقبل طلبات دولة لإعلان حيادها وهي في حالة حرب، ونزاع حدودي، ومن دون موافقة جيرانها وفقاً لحدود واضحة تمّ ترسيمها وإيداع خرائطها لدى الأمم المتحدة، ولا يقبل طلب دولة عضو في منظمة إقليمية لها امتدادات قانونية وموجبات ذات صفة تشبه الأحلاف العسكرية، ولا يقبل طلب دولة لا تعتمد في تعاملها مع قضايا اللجوء وفقاً لمعايير الأمم المتحدة، وهذا كله يعني أن على لبنان إنهاء نزاعه مع كيان الاحتلال، بما في ذلك حسم مصير اللاجئين الفلسطينيين بين الاتفاق على عودتهم أو توطينهم، وترسيم بري وبحري مُنجز للحدود، والتوصل مع سورية إلى اتفاق على حياد لبنان تلغى بموجبه المعاهدات المشتركة ذات الشق المتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، وترسيم كامل للحدود معها، وحسم مصير النازحين السوريين، بين عودة أو توطين، وتراضي كل من سورية وكيان الاحتلال، على حياد لبنان كدولة مجاورة، وإعلان انسحاب لبنان من جامعة الدول العربية، والهوية العربيّة للبنان، وتعديل الدستور لهذه الجهة، وإدخال مواد تتصل بالحياد في الدستور، بما فيها الاستعداد لتطبيق معايير الأمم المتحدة على قضايا اللجوء، خصوصاً لجهة تعديل قانوني الجنسية والملكية.

إعلان حياد لبنان مستحيل قانوناً بدون حل إقليمي شامل للصراع مع كيان الاحتلال، بما في ذلك بين سورية والكيان، وحل شامل متفاهم عليه للقضية الفلسطينية، وهو رغم كونه كمشروع مستحيل، إلا أنه قابل للتحول في السياسة إلى سعي لإعلان حرب متعدّدة الأشكال مع سورية والفلسطينيين، لو سلمنا بأن أياً من اللبنانيين لم يسجل اعتراضاً على المشروع ونزل الوحي على اللبنانيين بكلام البطريرك وصرخوا بصوت واحد أمرك سيدنا، وأن حزب الله قام من الصباح الباكر بتسليم كل سلاحه للجيش اللبناني، فأين يكمن ما يدّعيه فيه أصحابه من خير على لبنان ما دامت موجباته بحجم حلّ كل أزمات العالم قبل أن يبصر النور؟

أما بدعة الحياد الإيجابي التي تستثني كيان الاحتلال، فهي إعلان سقوط لدعوة الحياد، ومجرد مخرج كلامي لنعي الدعوة للحياد، لأن لا شيء اسمه في القانون الدولي حياد إيجابي واستثناء، لتصير الدعوة المعدلة، مجرد كلام إعلامي ودعوة سياسية لبث الروح في الجسد الميت لنداء بعبدا في أيام الرئيس السابق ميشال سليمان، والنأي بالنفس، أي الانتقال عكساً من إطار قانوني دولي ملزم للخارج، إلى خطاب محلي سياسي يخاطب الداخل، فيصبح مجرد عودة للتمني على الأطراف الداخلية أن تخفف من درجة تورطها في المحاور الإقليمية، تجنيباً للبنان لتداعيات هذا التورط، وهو مسعى يطال طرفين رئيسيين أكثر من سواهما، حزب الله كحليف رئيسي لإيران، وتيار المستقبل كحليف رئيسي للسعودية، ولو نزعنا عن قضايا المنطقة ومحاورها صلتها الفعلية بالصراع مع كيان الاحتلال، وجعلناها مجرد صراعات نفوذ بين محاور، فهل يمكن لصاحب الدعوة التطلع لتأثير خطابه الأبوي على طرفين داخليين، بينما يقوم بشيطنة أحدهما وتحميله مسؤولية الخراب واتهامه بالهيمنة، مقابل التحالف مع الفريق الآخر في التوجّه لمحور دولي إقليمي مقابل كمحور حليف يكون الخير في استرضائه؟

مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

عملياً ووفق السياق الذي تحركت فيه الدعوتان، الأصلية والمعدلة، وقعت الدعوة الأصلية في مكان يدعو لترجمة شروط ومطالب فريق خارجي له امتدادات لبنانية يرفض عروبة لبنان ومن خلالها عضوية لبنان في الجامعة العربية، ويطلب الضغط على سورية لترسيم الحدود وإلغاء المعاهدات الموقعة معها واستبدالها بما ينسجم مع إعلان حياد لبنان، ويدعو لتوقيع معاهدة سلام مع «إسرائيل» ولقبول الطلب «الإسرائيلي» للترسيم، بصفتها شروطاً للحياد القانوني، ولا يرى مشكلة في توطين النازحين السوريين ولا توطين اللاجئين الفلسطينيين. وهذا عملياً يعني تبنياً لمواقف محور من محورين متقابلين في المنطقة حول لبنان، وليس الحياد بينهما. ووقعت الدعوة الثانية المعدلة بترجمتها في خطاب البطريرك، في مكان تبني حلف دولي إقليمي وامتداده الداخلي، في مواجهة فريق داخلي وتحالفاته الخارجية، وصارت الفائدة الوحيدة للدعوتين هي في كونهما أظهرتا بانحيازهما، أن لبنان يقف حالياً في منطقة حيادية بين المحورين المتقابلين، والمطروح نقله إلى منطقة الانضمام إلى أحد المحورين، فالدولة كدولة بمعزل عن قناعات رموزها في الرئاسات وسواها تراعي المحور الذي تدعو المبادرتان للانضمام إليه، رغم أن الرئاسات محسوبة نظرياً على المحور المقابل، ويكفي لتبيان ذلك قياس حرارة وحيوية التواصل والزيارات مع كل من عواصم المحورين، ودرجة الاهتمام بالوقوف على رأي كل من عواصم المحورين في القرارات السيادية والسياسية والاقتصادية للدولة.

فعلاً مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟

مقالات متعلقة

لماذا الحياد الآن؟

د. وفيق إبراهيم

مبادرة الحياد التي دعا إليها الكاردينال بشارة الراعي، تجد صعوبة في تسويق شروطها على المستوى اللبناني، كآلية تنقذ لبنان من الحصار الأميركي – الغربي عليها. فتذهب في اتجاه محاولة إلغاء الانتصارات التي حققها الشعب اللبناني ممثلاً بحزب الله منذ العام 1982 وحتى 2019.

هذا واحد من جوانبها، لأنّ الثاني يستلهم الجانب الأول معتبراً أنّ تحالف التيار الوطني وحزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية، لم ينجح في بناء منطق سياسي محايد، ما يتوجّب عليه الانسحاب من الحكم، بما يؤدّي إلى عودة سعد الحريري والقوات والكتائب والسيد علي الأمين وجنبلاط إلى إدارة الحكومة ومعهم بعض الشيعة المتساقطة من رحلة المسير نحو… الكرامة.

أما الجانب الثالث فيرتبط بتصحيح العلاقات الخارجية للدولة، على نحو يؤسس لانصياع كامل وفق ما تريده مبادرة الكاردينال الحيادية.

هذا يتطلب الإجابة عن السؤال الأساسي «لماذا المبادرة الآن؟».

وسرعان ما يجيب المنطق ببراءة حمل وديع أن إطلاقها متزامن مع تراجع أميركي في الشرق الأوسط ومحاولات أميركية لابتكار آليات جديدة لعرقلة القوى الصاعدة في الشرق الأوسط.هذه القوى تبحث في لبنان عن تحالفات اقتصادية مع محاور صينية وعراقية وإيرانية بديلاً عن الاقتصاد العربي المتلكئ

حالياً في دعم لبنان إلى درجة تركيب حصار خانق حوله.بالنسبة للبنان تحديداً، رأت مبادرة الكاردينال أن انتصارات حزب الله وصعود المحور الروسي – الإيراني، وإمكانية توجّه الاقتصاد اللبناني نحو الخط السوري – العراقي على الأقل أو الإيراني والصيني عند الضرورة القصوى، رأت خطراً على التبعية اللبنانيّة من 75 عاماً للنظام الغربي – الفرنسي – الأميركي.واعتبرت صعود حزب الله في الدولة اللبنانية مؤشراً على تراجع الوصاية الغربية على لبنان، وانكفاء القوى الداخلية المرتبطة بالحلف الأميركي – السعودي.

ولأن الكاردينال يعرف مدى الصعوبة التي تعترض طريق مبادرته للحياة، فاتجه لتغليفها بـ»عدائية لغوية» لـ»إسرائيل»، وهذا من اليقظة السياسية، لأن الفريق المحيط بنيافته يعرف أن تجميد أي علاقة مع محاور صينية – إيرانية – عراقية أو سورية، لا يعني إلا تأكيد النفوذ الأميركي – الفرنسي بمفرده.وهذا النفوذ يحاصر لبنان حالياً مصراً على واحد من أمرين:

إما خنق حزب الله، أو خنق لبنان.

فتشكل مبادرة الراعي الآلية الأميركية المطلوبة لتحقيق البديل من تراجعاتها الإقليمية.

إن خطورة هذه «الحياديّة» تظهر عند دفعها لكتلة 14 آذار لتسلّم الحكم أو لنصب حالة احتراب شعبي بين فريقين لبنانيين، ما يعطل الطابع السلمي للعلاقات بين اللبنانيين ودفع الخارج الأميركي – الإسرائيلي لشن حروب على حزب الله، فتبدو مبادرة الكاردينال «آلية أميركية جديدة» لتغيير نتائج الحروب المظفرة لحزب الله في جنوب لبنان وشرقه، والمعنويات الضخمة التي يحوز عليها من مجابهاته للإرهاب في ميادين سورية.لذلك تذهب المبادرة إلى أكبر كمية ممكنة من تحشيد داخلي ذي طابع طائفي.

إما أن تعود 14 آذار إلى الحكم، وإما أن تعود أيضاً إليها بواسطة تدخل عسكري إسرائيلي – أميركي، وإلا فإن الكاردينال يجهز سلاحاً خارقاً ثالثاً وهو عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية أو بالأكثريات الطائفية، كوسيلة للعودة إلى العلاقات الفدرالية بين الطوائف، وهذا طرح لا يكتفي بالفدرالية الدستورية بل يذهب مهرولاً مع كونفيدراليات في بلد تحتاج إلى مكبّر ضخم لتراه، بما يعطل الأدوار الإقليمية الداخلية للحزب، مؤسساً لعلاقات واسعة لبعض الكانتونات المحلية مع إسرائيل وبشكل حربي.

وهذا ما يجعل من مبادرة الحياد للكاردينال الراعي محلية في لبنان وسورية أيضاً، وبذلك يتأكد من اندراجها في إطار الآليات التي يريد الأميركيون أن تمنع تراجعهم في الشرق وتعرقل في آن معاً الصعود الإيراني – السوري – العراقي واللبناني المتعلق بحزب الله.

فمن كان يتصوّر أن نيافة الكاردينال يعلق بأنه لا يلتزم بأي أكثريات نيابية أو شعبية، ما يدفع إلى التساؤل التالي عن ضرورة هذه الانتخابات وبناء الأكثريات الشعبية طالما أن بكركي لا تعترف بها، وتكمل مسيرة العلاقات الحاسمة بين طوائف وعلى مستوى مراكزها الدينية الأساسية.

مبادرة الراعي إلى أين؟

تحمي هذه المبادرة بشكل إضافي الطبقة السياسية اللبنانية ومجمل النظام الطائفي.

أولاً تحاول إبعاد الصراع الداخلي عن الطبقة السياسية باختراع مادة خلافيّة جديدة لا تفعل إلا إنقاذ مئات السياسيين الذين أفلسوا لبنان ورهنوا بمئات مليارات الدولارات.

فاليوم يبدو القسم الأكبر من المتورطين بالفساد زاحفين إلى مقر الكاردينال الصيفي في الديمان لإعلان ولائهم له ولمبادرته في مرحلة كان يعتقد المحللون أنها مرحلة استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة النظام السياسي لإنتاج نظام جديد غير طائفي ويبتعد عن الزبائنيّة.

لكن مبادرة الكاردينال تلعب دوراً كبيراً في حماية النظام السياسي من جهة والعلاقات السياسية التي يجب أن تستند إلى الطائفيّة حصراً.

هل تنجح مبادرة الراعي؟

موازنات القوى الفعلية لا يمكن شطبها بتحريض ديني مستهلك ولا بإشعال تحالفات سقطت في العقدين الماضيين بالانتخابات من جهة والانتصارات على الإرهاب من جهة أخرى، وتماماً كما تراجع النفوذ الأميركي في معظم دول الشرق فإن وضعه في لبنان أسوأ من حالته في العراق وسورية، ففي بلاد الأرز تمكن التيار الوطني الحر بالتحالف مع حزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية من رعاية سياسة معتدلة تمنع وضع البلاد في خدمة الغرب الفرنسي والأميركي، بما يؤكد أن إنهاء مبادرة الكاردينال لا تتطلب الكثير من الجهد، كما أن الانفتاح على الصين وروسيا والعراق وإيران وسورية، ليست سياسة شرقيّة بل استدارة نحو مصادر بوسعها مساعدة لبنان على الخروج من عملية الخنق الأميركية التي تتم بوسائل مصرفية ومبادرة الراعي في آن معاً.

مقالات متعلقة

حياد الراعي و14 آذار: دَفن صفير وبشارة مرّتين

الاخبار

هيام القصيفي الإثنين 20 تموز 2020

أسوأ المقارنات هي تلك التي تُجرى بين بطرس الرسول باني الكنيسة وبين يهوذا الذي باع المسيح بثلاثين من فضة. وأسوأ ما يحصل مع ذكرى البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، أن غلاة مهاجميه من موارنة ومن مناصري التيار الوطني الحر، لم يهينوه، ومعه راعي قرنة شهوان المطران يوسف بشارة، الذي لم يجف بعد التراب على قبره، بقدر ما تفعل اليوم قوى 14 آذار وجمهورها. صحيح أن لغة مهاجمي صفير وصلت إلى ما هو مشين ولا يُغتفر، لكن مجرد المقارنة بين البطريرك الراحل والبطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي، إهانة في حد ذاتها للسلف، الذي كان الخلف يتغنّى في مجالسه، محاطاً بأساقفة اختارهم من غلاة المتحمّسين لـ8 آذار والتيار الوطني الحر، أنه وأدَ خطه السياسي. فهل يريد لنا من كانوا يُسمون فريق 14 آذار أن نصدق فعلاً أن الراعي هو البطريرك السيادي الجديد، لمجرد أنه لم يثبت على موقف منذ أن أتى بطريركاً، وطرح فكرة لا يعرف بنفسه أن يشرح حيثياتها، وأن نسكت عن تطبيلهم وتزميرهم له وإلّا نكنْ من الخوارج؟

في 4 أيار عام 2016 وفي مأتم النائبة الراحلة نهاد سعيد، أمّت قرطبا جموع من مناصري 14 آذار ومعهم شخصيات سياسية من الاتجاه نفسه. مفارقة تلك اليوم أن «الأخبار» نشرت خبراً عن لقاء الراعي والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. وسط الكلام عن مآثر سعيد، كانت شخصيات الفريق السيادي متجهّمة لمجرد حصول اللقاء ومستاءة من الاتجاه السياسي للراعي وكيف قصد بطريرك الموارنة نصرالله. الشخصيات نفسها، وبالموقع نفسه، هي التي تقود اليوم حركة إقناع الموارنة والمسيحيين الذين ينتمون إلى هذا الخط وغيره، أن الروح القدس حلّ على بطريرك الموارنة، وتحول فجأة من مقاوم شرس إلى جانب سوريا والعماد ميشال عون قبل وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية وفريق 8 آذار، إلى مقاوم مع فريق 14 آذار ولبنان الحياد، في توقيت يحار كثر في تفسيره. الجواب معروف ببساطة، لكن مشكلة الكتابة عن السبب أنه مخز بقدر ما هو مخز انحياز بكركي إلى المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. لم تعد غريبة التقلبات التي تشهدها مواقف الراعي كما تقلبات سعر صرف الليرة. والمخجل راهناً تأييد هذا الحشد السياسي والإعلامي الذي هو نفسه يدافع عن المصارف، وبعض أفراده يستغل موقف البطريرك لغاية في نفس يعقوب، وبعضه للتفتيش عن دور أو مظلة لمشروع. والهدف إقناع الرأي العام بحمل الراعي على الأكتاف، لأنه بات ضد العهد وضد حزب الله، وبأن الساعة حانت لتكون بكركي «رافعة تحرير لبنان»، وبأن واشنطن تؤيد الراعي، وأن الفاتيكان سيساعده رغم كمّ التقارير المرفوعة لدى الكرسي الرسولي ضد البطريرك وبعض المطارنة لأدائهم الذي فاق في جوانب محددة كل تصور، ورغم معرفة كلّ الدوائر الدبلوماسية في بيروت والخارج بموقع الراعي الحقيقي والمحيطين به.

من تبقّى من عقّال في الطائفة المارونية يكتبون ويحللون عدم صوابية فكرة الحياد في مفهومها وقانونيتها ودستوريتها وعبثيتها، وأيضاً في توقيتها الذي يثير ردات فعل غير محسوبة. وكما يحق لرافضي الفكرة نقاشها، كذلك فإن رفضها لمجرد أن مَن طرحها هو بطريرك الموارنة يوازي في سوئه طرح الفكرة. لا توصل هذه الخطوة إلا إلى حائط مسدود نتيجة اعتبارات ومفاهيم سياسية محلية وإقليمية ودولية، عدا أن الكنيسة مع رؤية القديس يوحنا (الفصل الثالث، الآية 15) «ليتك كنت بارداً أو حاراً، هكذا لأنك فاتر، ولست بارداً أو حاراً، فأنا مزمع أن أتقيّأك من فمي». لكن تحول الفكرة التي سكِر الراعي بنشوة تأييدها، إلى شعار يرفعه كل خصوم حزب الله، باعتبار أنها السبيل الأوحد لإنهاء الحزب، هو أمر في غاية السذاجة السياسية، ويصيب الكنيسة في عمقها، لأن ما «بُني على باطل فهو باطل».
قبل الاحتكام إلى حياد لبنان الإقليمي والدولي، وقبل إعادة تجميع القوى السياسية نفسها ضد حزب الله والاصطفاف إلى جانب السعودية التي زارها الراعي واستقبل أخيراً سفيرها وليد البخاري ، مهما كان «موقفها الإيجابي من لبنان والموارنة فيه»، في صورة تناقض مبدأ الحياد، لينزل الراعي قليلاً إلى أرض الواقع ومعه الشخصيات المؤيدة له وليجيبوا على بضعة أسئلة بسيطة تتعلق بالواقع الداخلي:

أي حياد يريد الراعي أخذ المسيحيين إليه، والكنيسة في مجمعها الماروني لا تعرف سبيلاً للحياد في الداخل والخارج؟ وهل يدار أي مشروع سياسي بهذه الخفة من بعض الباحثين عن أدوار، ما يؤدي إلى اللعب بمصير بكركي كموقع على أيدي هواة؟ وأي بكركي ستقود هذا الحياد، تلك التي رفعت لواء الطائف، أم بكركي فريق 8 آذار بمجموع أساقفته الذين أعلى الراعي شأنهم ويعقدون اجتماعات حزبية في مطرانياتهم، أم بكركي البطريرك الذي يتلوّن كل يوم بلون جديد؟ وهل هذا الحياد سيعيد إلى جمهوره المسيحي أمواله من المصارف «المسيحية»، فيما السؤال المفروض أن نسأله ماذا فعل الراعي للمودعين في عز أزمتهم المالية والاقتصادية، وهل طالب البطريرك رياض سلامة وسليم صفير بأموال المودعين المسيحيين والمغتربين منهم الذين وثقوا بمؤسساتهم المصرفية فأودعوا أموالهم فيها فسُرقت على أيديهما؟ واستطراداً، هل أموال الحاشية وبعض أهل الصرح محجوزة في لبنان كما أموال سائر اللبنانيين، أم أصبحت في الخارج مع المحظيين؟ هل يعرف الراعي – والأكيد أنه يعرف – أن معركة بقاء غالبية أبنائه المسيحيين اليوم تتعلق بالمساعدات الغذائية التي تؤمنها شخصيات اجتماعية في الداخل وفي الخارج، فيما بعض أساقفته يخزّنون المساعدات في أقبية وقد انتهت صلاحياتها من دون أن يوزعوها بعد على المحتاجين؟ هل يعرف جمهور 14 آذار الذي يدافع اليوم عن الراعي، أن الأخير وبعض الأساقفة يرفضون تكراراً مشاريع إنتاجية، لأنهم يريدون مساعدات نقدية تصبّ في مصلحة بكركي والأبرشيات؟ هل يعرف جمهور 14 آذار اليوم أن الراعي هو الذي دفع إلى تعيين أساقفة ينتمون إلى خط 8 آذار قلباً وقالباً؟

أي حياد للبنان يريد بطريرك الموارنة أن يشغل الرأي العام المحلي به والمدراس الكاثوليكية إمّا تقفل وإمّا تعمد إلى صرف موظفين وأساتذة بصمت وبـ«المفرّق»، فلا تتحول همروجة كما حصل مع الجامعة الأميركية. بدل الذهاب إلى المنابر الدولية للكلام عن حياد لبنان، ليقل الراعي أولاً ماذا فعل مع المستشفيات الخاصة وغالبيتها تابعة لمؤسسات كنسية، وقد أصابها الترهّل والتوقف عن العمل نتيجة سوء إدارات وفساد مستشرٍ فيها؟ وببساطة أكثر، هل مفهوم الحياد، أن تطبخ السياسة في مكان، فيما يلتقي الراعي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس التيار الوطني الحر ورئيس تيار المردة، والسفيرة الأميركية والسفير الإيراني في ساعات قليلة، فتتوزع الصور وتنتهي حفلة الحياد بتصفيق جمهورَين مارونيَّين عبر الراعي على أكتُفهما، من المتحمّسين للمقاومة أولاً ولسوريا ثانياً وللحياد والاستقلال ثالثاً… هكذا رعية لا تستأهل إلا مثل هذا الراعي، والرعاة لها.

مقالات متعلقة

On the Maronite Patriarch call for Lebanon’s “Neutrality”

Sheikh Qabalan: Neutrality in Logic of Prophet Muhammad and Jesus Christ Means Aligning with the Right and Facing Oppression

manar-01856850014640871842

July 19, 2020

Head of the Higher Shiite Islamic Council in Lebanon, Sheikh Abdul Amir Qabalan, addressed Sunday the nation on the anniversary of 2006 War, hailing and greeting the martyrs and victory makers “who have protected the dignity and pride of all the Lebanese.”

Sheikh Qabalan stressed that absurdity and crookedness characterize all those who voice sympathy with the traitors who collaborated with the Israeli enemy under various pretexts, warning against intersecting plans with the foreign schemes based on imposing the economic siege on Lebanon and stirring sedition among the various Lebanese parties.

Sheikh Qabalan emphasized that neutrality in the logic of Prophet Muhammad and Jesus Christ means aligning with the right and facing oppression, noting that who follows this path may never lose.

Source: Al-Manar English Website

Bassil Supports Neutrality “Which Preserves Lebanon’s Strength in Face of Israel”

manar-054977000159515493010

July 19, 2020

Free Patriotic Movement (FPM) Head, MP Gibran Bassil, said on Sunday, at the end of his meeting with the Maronite Patriarch, Cardinal Bechara Boutros Rahi, in Diman, that the FPM supported Lebanon’s neutrality, noting that he applied this approach at the Ministry of Foreign Affairs.

“Neutralization is a subjective decision, and distancing is a decision that is required of us and others,” Bassil added.

“Neutralism is a decision we have taken and should be implemented with the aim of taking a strategic position, in order to reach a local consensus, otherwise we will face internal problems,” he went on.

In this regard, the MP also called for “securing an international umbrella to include countries that respect and implement neutrality, and neighboring countries must recognize this principle.”

He added that he supports the neutrality that preserves Lebanon and its unity and protects its strength in facing Israeli ambitions and eliminating the weighty burden of the Syrian displacement.

Bassil concluded by saying that Lebanon is basically a point of convergence and a bridge linking both East and West together, and characterized by its system of cultural openness and integration, as well as a role model of coexistence between religions and cultures, which ensures the stability of the country.

Source: NNA

Related Videos

Related Articles

في وجه الحرب الأمنيّة: الردّ هو الصمود…

د. عصام نعمان

ليس سراً ان الولايات المتحدة، بضغط من «إسرائيل»، تشنّ حرباً أمنية ضد الأعداء والخصوم على امتداد غرب آسيا، من شواطئ البحر الابيض المتوسط غرباً الى شواطئ بحر قزوين شرقاً. يُقصد بالحرب الأمنية مجموعة هجمات متكاملة قوامها عمليات استخبارية، وعقوبات اقتصادية، وصدامات أهلية، وصراعات مذهبية، وتفجيرات وحرائق تستهدف مرافق عامة حيوية وموجودات عالية القيمة والأهمية.

أشدّ هجمات الحرب الأمنية الأميركية قسوة تركّزت في إيران، تليها عدداً وأهمية تلك التي تستهدف لبنان بما هو منطلق لحزب الله. في إيران استهدفت الهجمات الاميركية مواقع لها صلة ببرنامجها النووي (موقع نطنز) وبالقوة البحرية (مرفأ بوشهر) وغيرها من المواقع والمرافق الحيوية. لوحظ في كل هذه الهجمات ان للسلاح السيبراني دوراً وازناً فيها.

إيران أعلنت عزمها على الردّ اذا ما ثبت لديها ان لأميركا و«إسرائيل» صلة بهذه الهجمات. خبير عسكري مقرّب من أحد أطراف محور المقاومة أكدّ أنّ إيران باشرت فعلاً الردّ على الهجمات الأميركية. ذكّر محاوريه بأنه سبق لـِ «إسرائيل» أن اتهمت إيران قبل أقلّ من شهر بأنها استعملت وسائل سيبرانية في هجومها على شبكات المياه في قلب الكيان.

ثانية الساحات استهدافاً من الولايات المتحدة هي لبنان. هنا الاستهداف يعتمد وسائل وتدابير اقتصادية، ويضاعف ضغوطه السياسية ويستغلّ بلا هوادة الصراعات السياسية والطائفية بين اللاعبين المحليين، كما المشاكل الاقتصادية والمالية التي تعانيها البلاد.

كثيرة هي التحديات التي تواجه اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين. غير أنّ أشدّها ضراوة وخطراً ثلاثة: الانهيار الماليّ والاقتصاديّ، والحكم المزمع صدوره عن المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي في 7 آب/ أغسطس المقبل بحق المتهمين باغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وقرار مجلس الأمن الدولي المزمع صدوره أواخرَ الشهر المقبل بصدد تجديد مهمة قوات الأمم المتحدة «يونيفيل» (أو تعديلها) التي تقوم بمراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان و«إسرائيل» وفقاً لأحكام القرار الأممي 1701.

حيال تحدي الانهيار المالي والاقتصادي، تباشر واشنطن ضغوطاً شديدة على طرفين محليين من جهة، ومن جهة أخرى على صندوق النقد الدولي لحمله على إحباط أمل الحكومة اللبنانية بالحصول منه على دعم مالي وازن. كما تضغط على الحكومة والقوى التي تساندها للتصرف بمعزل عن حزب الله الذي يشارك فيها بوزير للصحة العامة وآخر للصناعة، وتضغط على القوى السياسية، لا سيما المعارضة منها، للمطالبة بتحييد لبنان إزاء الصراعات الإقليمية والدولية وصولاً الى تجريد حزب الله، أي المقاومة، من السلاح أو إبعاده في الأقلّ عن ايّ صيغة حكومية حاضراً ومستقبلاً.

إذ تبدي قوى المعارضة السياسية وخصوم حزب الله تأييداً فاقعاً لشعار تحييد لبنان وتستظل البطريرك الماروني بشارة الراعي كرأس حربة في الضغط سياسياً وشعبياً لتحقيقه، يرفض الرئيسان ميشال عون وحسان دياب والقوى السياسية الداعمة لهما ولحزب الله المساس بسلاح المقاومة بما هو ضمانة لحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وعلى كلّ حال لا يشكّل تحييد لبنان تحدّياً راهناً طالما أنّ البطريرك الراعي قال أخيراً إنه لا يصحّ إلا بوجود دولة قوية وعادلة، وهو أمر غير متوافر حالياً.

الحكم المنتظر صدوره عن المحكمة الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رفيق الحريري يبدو أكثر حساسية وخطورة لكونه سيُستخدم أداةً للتعبئة الطائفيّة، لا سيما في أوساط أهل السنّة والجماعة، سواء قضى بتجريم المتهمين او بتبرئتهم. وفي هذه الحالة فإنّ الهدف المرشح دائماً للتصويب عليه هو حزب الله الذي يأمل خصومه بإضعافه وحمل حلفائه تالياً على التخلي عنه وإبعاده عن الحكومة. المقول إنّ حزب الله لن يكترث لحكم المحكمة الخاصة أياً كان مضمونه، وإنّ حلفاءه لن يتخلوا عنه لأن لا مصلحة لهم في ذلك.

التحدي الناجم عن قرار مجلس الأمن المنتظر بشأن تجديد مهمة قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان لا يقلّ حساسية وخطورة عن التحديين سالفيْ الذكر. ذلك أن أميركا، بضغط متواصل من «إسرائيل»، تريد تعديل مضمون مهمة القوات الأممية لتتيح لها مراقبة ً أفعل لحزب الله وذلك بدخول منازل الأهلين من دون ان ترافقها وحدات من الجيش اللبناني، وبإقامة أبراج مراقبة وتجهيزها بوسائل سيبرانية لتمكينها من توسيع مراقبتها لتحركات أنصار حزب الله، كما بتوسيع نطاق مهمتها بحيث تشمل الحدود بين لبنان وسورية ايضاً.

لبنان، على ما يبدو، استحصل على ضمانات من روسيا والصين برفض محاولات أميركا تعديل مهمة «اليونيفيل» من جهة، ومن جهة أخرى لا يبدو حزب الله مكترثاً بكل محاولات أميركا على هذا الصعيد حتى لو أدى الأمر الى إنهاء مهمة «اليونيفيل» لكونها، اولاً وآخراً، مبرمجة لخدمة «إسرائيل».

اذ تشتدّ وطأة التحديات والأزمات والضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على خصوم الولايات المتحدة في غرب آسيا، لا سيما أطراف محور المقاومة، ينهض سؤال: ما العمل؟

يقول مسؤولون في دول محور المقاومة، كما خبراء مقرّبون منهم إنّ الولايات المتحدة لن تخفف البتة من وطأة حربها الأمنية على أطراف المحور المذكور قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. إنها مرحلة انتقالية حساسة لا تسمح للرئيس ترامب، المنشغل بطموح ملتهب لتجديد ولايته في ظروف داخلية غير مؤاتية له، بالإقدام على أيّ عمل غير مأمون العواقب لئلا ينعكس سلباً على وضعه الانتخابي. كما لا تسمح الظروف الدقيقة نفسها لأطراف محور المقاومة بالردّ على أميركا و«إسرائيل» بعمليات قاسية لئلا تؤدي تداعياتها الى خدمة كلٍّ من ترامب ونتنياهو المستميتين للبقاء في السلطة.

الصمود في المواقف، والصمود في أساليب الردّ بالمثل على الأعداء هو الجواب الأجدى والأفعل في المرحلة الانتقالية.

هل من خيار آخر…؟

*نائب ووزير سابق.

“Accusations that Lebanese Gov’t is Controlled by Hezbollah Sound Like Broken Record!”

 July 18, 2020

Lebanese Prime Minister Hassan Diab dismissed accusations that the government in Lebanon is controlled by Hezbollah, stressing that such claims “sound like a broken record.”

In remarks following a meeting with Maronite Patriarch, Cardinal Beshara Boutros Rahi in his residence in Diman, Diab said:

“Talks that the government is Hezbollah’s one, now sound like a broken record.”

Meanwhile, the premier commented on the issue of “neutrality”, which has been recently raised by Rahi, by saying that is political par excellence.

“Neutrality needs dialogue by all the political components,” he was quoted as saying by National News Agency.

“Lebanon is basically a point of convergence and a bridge linking both East and West together, and this is a point of enrichment for the country. This issue should be the center of dialogue between all political parties.”

In this context, Diab said that Lebanon is governed by the Constitution and the Taif Agreement, affirming that ‘Israel’ is an enemy that violates the country’s sovereignty every day.

Meanwhile, the Lebanese PM called on all Lebanese sides to resume national dialogue to be “on the same wavelength” and to gather the Lebanese together.

Diab defended his government by saying: “There is a strong internal and external campaign that harms Lebanon and not the government,” stressing that these actions will not lead to the fall of the government, but rather to Lebanon’s fall.

Source: Al-Manar English Website and NNA

In Case you missed it:

%d bloggers like this: