المجمع الانتخابيّ الأميركيّ يشكل حكومة لبنان الجديدة؟

د. وفيق إبراهيم

ليس في هذا الاستنتاج ما يضعه في خانة العناوين التي تتعمّد جذب القارئ بمفهوم الغرابة او الاستغراب.

فهناك نظام رئاسي أميركي حالي يقوده الرئيس الحالي ترامب الذي خسر الانتخابات مؤخراً، يطبّق حالياً سياسات انتقام وشلل وتحريض في معظم زوايا الأرض معمماً العقوبات المؤذية بشكل غير مسبوق من سورية ولبنان الى الصين وروسيا وأوروبا، ومؤسساً لآليات داخلية وعالمية لديها مهمة واحدة وهي عرقلة سياسات سلفه الذي فاز في هذه الانتخابات جو بايدن.

لبنان واحد من هذه البلدان المتضررة من سياسات ترامب، الذي يحاول التعويض عن خسارة مشاريعه في السنين الأربع الماضية هي مدة ولايته الرئاسية بأسبوعين فقط من مرحلة نهاية هذه الولاية.

هذا يعني أنه يريد إعادة تعويم الصراع الأميركي مع حزب الله في ميادين سورية وجنوب لبنان التي فشلت، وذلك بابتزاز لبنان في مرحلة تحاول أطرافه الداخلية إعادة تشكيل حكومة تمنع الانهيار الكامل، فتمنع سياسات ترامب هذا التشكيل بأساليب مختلفة او بالإصرار على سلسلة محظورات تؤدي بالطبع الى منع تشكيل حكومة.

لقد وصلت الرغبات الاميركية عبر سياسي من حزب المستقبل قال جهراً على محطات التلفزة إن الأميركيين لا يريدون مشاركة كل القوى الداخلية التي تعرّضت لعقوبات اميركية. هذا يعني انها تشمل الى حزب الله التيار الوطني الحر وتيار المردة الذي يترأسه الوزير فرنجية.

فحاول السعد المراوغة بتشكيل حكومة من اختصاصيين الى أن أتاه رد أميركي حاسم عبر قنوات دبلوماسية، بأنه قد يتعرّض بدوره لعقوبات ان تجاوز المطلوب أميركياً وما هو مفروض عليه يستطيع تنسيقه مع قوى كهنوتية تعلن صراحة أن لبنان ليس جزءاً من الصراع مع «إسرائيل» وانه محايد في الصراع حتى بين الكيان المحتل وسورية، بما يؤدي الى ضرورة انهاء دور سلاح حزب الله ووضعه في خدمة الدولة.

ماذا اذاً عن موضوع تقديم سعد الحريري لتشكيلة كاملة الى الرئيس ميشال عون؟

تحمل تعمّداً واضحاً بنزوع الحريري الى عدم التشكيل إنما من طريق اختيار 18 وزيراً معظمهم من الموالين له على حساب إلغاء قوى سياسية كثيرة، فبذلك يرمي الكرة في ملعب عون ويتهمه بالامتناع عن التشكيل.

فكيف يمكن لعون أن يقبل بتشكيلة ليس لديه فيها من حزبه التيار الوطني الحر إلا خمسة وزراء مع إبعاد حزب الله وتيار المرده وطلال أرسلان عن الحكومة.

إن الاستمرار في ألعاب التشكيل وموانعه متواصل لأنه يعكس عجز القوى السياسية اللبنانية عن تلبية أوامر أميركية بإلغاء حزب الله وتسهيل مفاوضات الحدود مع الكيان المحتل.

اما الجزء الآخر من المشهد فيتعلق بحزب الله الذي يواصل تقديم تسهيلات للإسراع في التشكيل، لكنه يعرف عمق المحظورات المتعلقة بحركة سلاحه، ما يعني صعوبة هذا التشكيل في الوقت الراهن.

هذا الوضع يؤسس لمعادلة ترى أن الاستمرار في الانسداد السياسي مع الإسراع في الانهيار الاقتصادي وسط امتناع عن تلبية حاجات لبنان من الصناديق والمصارف الدولية وبلدان الخليج.

فما هي البدائل؟ هي الصين وروسيا والعراق لأن الغرب يقفل صناديقه لأسباب سياسية، لكن هذا الخيار يفرض على لبنان الاتجاه شرقاً، لكن هذا الشرق لا يبدو متلهفاً كحال الإصرار الفرنسي الذي يريد العودة الى المنطقة، فيما تبدو إيران عاجزة عن تأمين حاجات لبنان للحصار الأميركي المنصوب عليها.

ما هو مهم هنا، أن صيغة 1943 المعدلة باتفاقي الدوحة والطائف أصبحتا جثثاً غير قابلة للإنعاش.

وهذا يتطلب إعادة إنتاج معادلة حكم جديدة، تعكس التطورات التي انبثقت في الداخل، وتؤسس لعلاقات مع الخارج السياسي تنقذه من مرحلة التبعية العمياء للغرب. فالمطلوب هنا مصلحة اللبنانيين الاقتصادية المتكئة على استقرار داخلي وتعاون مع الإقليم يرفع مرتبة لبنان الى مصاف الدول الكاملة السيادة.

هل هذا ممكن في هذا الوقت بالذات من الانهيار الاقتصادي؟

إن العودة الى مشروع لبنان الدائرة الانتخابية الواحدة على اساس المناصفة الطائفية وحصص المذاهب الى جانب مجلس شيوخ طوائفي هو الحل الوحيد القادر على إعادة إنتاج للبنان مهدد فعلياً بالتفجير واسبابه ليست فقط اقتصادية على الرغم من وقعها التدميرين، بل السياسة ايضاً التي تحكم على هذا البلد تقديم الولاءات الخارجية الغربية – الخليجية على حساب مصالح أبنائه.

إن ما يمنع تطبيق هذا الحل لا يتعلق بتوازنات داخلية. فالداخل اللبناني اليوم يجنح لتأييد هذه المعادلة، لكنه يصطدم بالقوى السياسية الداخلية نفسها التي تستعمل قوة الخارج الاميركي – الخليجي بإضافة الإسرائيلي اليهما، لحماية نموذج لبنان الكبير الغربي دائماً وصولاً الى الإسرائيلي حالياً بحركة تماهٍ مع التطبيع الخليجي.

يتضح أخيراً ان حكومة لبنان ليست هي الحل الفعلي لأزمة لبنان كما أن تشكيلها لن يؤسس لحل فعلي للانهيار الاقتصادي، بما يؤكد على ضرورة اجتماع القوى اللبنانية الأساسية لإنتاج معادلة حكم جديدة، يخاف البعض ان يطلقوا عليها لقب المؤتمر التأسيسي. لكن هذا المؤتمر هو السبيل الوحيد لإعادة إنتاج لبنان نموذج القرن الحادي والعشرين بإطار المساواة الفعلية بين مواطنيه مع استبعاد حكم الطوائف ومذاهبها وطبقاتها الفاسدة.

وطن يتحلّل

د. عدنان منصور

لم عد أمام المواطن اللبناني ما يقوله، بعد الحالة المزرية الكارثية التي وصل اليها، وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، في مختلف القطاعات، وعلى المستويات كافة، بعد كلّ الذي قاله بحق حكامه، والطغمة الفاسدة، والزمرة الباغية سوى: كفى، كفى!

كفى استهتاراً واستخفافاً بالشعب! كفى كذباً ونفاقاً وفشلاً وتقاعساً وإهمالاً متعمّداً بحق الوطن والمواطنين! كفى إذلالاً وتجويعاً وقهراً واستبداداً وطغياناً!

لم يعد أمام المواطن اللبناني من مفردات تعبّر عن غضبه وسخطه، ينعتكم بها، إلا وقالها لكم بصوت عال. لقد أصبحتم مهزلة وأضحوكة العالم، يتندّر بكم، وبوقاحتكم، وفشلكم، وتعلقكم بالمناصب، والصفقات، والنهب والكراسي… عالم يعلم علم اليقين، أنكم لم تتركوا لشعبكم الا الذكريات المرة، والإحباط والإذلال والمآسي…

يا حكام وأغنياء البلد ولصوصه، ايّ وطن بنيتموه؟! وأي إرث تركتموه لشعبكم؟! خذوا ثرواتكم كلها مع نعوشكم، واملأوا بها بطونكم، وانفخوا كروشكم وأدمنوا على المال الحرام وقولوا هل من مزيد…؟!

ما الذي ننتظره منكم، ومن بلد تحكمه مجالس طائفية، كل طائفة فيها يديرها زعماء روحيون وسياسيون على طريقتهم الخاصة، وفق أهوائهم السياسية ومصالحهم الشخصية!

ما الذي ننتظره من عمل المؤسسات، وكلّ مؤسسة يديرها مجلس ملل مرتهن لمن عيّنوه، ليصبح بمتناولهم، من خلاله يتقاسمون الحصص، والمحاسيب، والصفقات، والتلزيمات “ والمناقصات»….

أيّ بلد نريده، وأيّ وإصلاح ننتظره! وأيّ مستقبل يعوّل عليه المواطنون، عندما يدركون انّ القضاء محكوم بالسياسة، لا يستطيع قاضٍ مهما علا شأنه، أن يحاكم سياسياً أو مسؤولاً فاسداً أو مفسداً، أو ناهباً للمال العام، أو مستغلاً لوظيفته التي من خلالها، حقق ثروة عن طريق الإثراء غير المشروع! كيف يمكن تحقيق الإصلاح في بلد منهار، عندما يُستدعى فاسد، مختلس، للتحقيق معه، لكونه خرق القانون عن إصرار، وتحوم حوله شبهات وعلامات استفهام، وتدينه أدلة دامغة لا لبس فيها، ثم يخرج من التحقيق يختال، رافع الرأس، يمشي مرحاً، بعنجهية وقحة، لنتساءل بعد ذلك: مَن استدعى مَن؟!

أيّ بلد ننتظره، وفيه خمسة أسعار صرف للعملة الوطنية المنهارة أصلاً، وكلّ يوم يغدق علينا مصرف لبنان وحاكمه الفذ، قراراً جديداً، مع ما تنعمه علينا أيضاً المصارف وحيتانها، سارقو جنى عمر وأموال المودعين، بالوعود والتطمينات الكاذبة، التي تخدّر أبناء الشعب المسحوق, على يد أفسد وأوقح وأرذل وأحط طبقة سياسية ومالية ومصرفية شهدها العالم، وعانى لبنان من شراستها الأمرّين على مدى ثلاثة عقود!!

ما الذي ننتظره من بلد يفاوض فيه مسؤولوه الصناديق والمؤسسات النقدية والمالية الدولية، في الوقت الذي تتضارب وتتباين فيه أرقام مؤسساته المالية، حول العجز المالي والديون المترتبة على الدولة والمصارف، ليصبح مسؤولوها مجالاً رحباً للتندّر والتهكم، وعرضة للاستخفاف وعدم الثقة بهم، وبجديتهم، وصدقيتهم من قبل المؤسسات المالية الدولية!!

أي بلد هو هذا البلد، وأي صنف من المسؤولين الفاشلين، المتخبّطين، المتردّدين يديرونه، حيث تكثر فيه الوعود، والاجتماعات والتصريحات، والتطمينات، والخطابات واللجان المنكوبة، التي تضمّ ما هبّ ودبّ من خبراء، واختصاصيين، وباحثين، ومنظرين محليين وأجانب، لتعطى الدروس، وتتعدّد الاجتهادات! دراسات توضع، وحلول ترفع، وتقارير تجمع، وأصوات تلعلع، ووزير يلفّ ويدور، يصول ويجول، ورئيس حكومة يؤثر ان يطل علينا بسجل إنجازاته “الباهرة”، وبعد ذلك نرى النتيجة الصادمة المفجعة على الأرض:

عتمة وظلام، قمامة ونفايات تتصدّر الساحات والشوارع، انقطاع وشحّ في المياه، ازمة طاقة مستدامة يحرص عليها لصوص البلد، رواتب ومعاشات وصلت الى الحضيض، وتضخم مالي فاق الحدود وتجاوز المعقول… وفوق كلّ ذلك، نرى الصورة المأساة: مواطن يُسحَق، ويُسرَق، ويُذلّ، ويُهجّر ويجوع ويموت!!

ما الذي ننتظره من بلد، يَعِد فيه رئيس حكومته الشعب، باسترجاع أمواله المنهوبة، والمحوّلة الى الخارج بصورة غير قانونية، ثم يتلكأ عن اتخاذ الإجراءات القانونية لملاحقة الناهبين للمال العام ومحاسبتهم، أو يغضّ الطرف عن كشف أسماء المختلسين، الذين سطوا على أموال المودعين، إما عمداً، وإما ضعفاً، وإما لأسباب وحسابات لا يعلمها الا الراسخون في السلطة، لتبقى وعود الحكومة العتية وبيانها الوزاري في هذا الشأن كالسراب.

ما الذي ننتظره من بلد تقوده زمرة سياسية فاشلة، لا يستطيع فيه القضاء أن يوقف مسؤولاً سياسياً فاسداً، أو يجرؤ على كشف شرعية وقانونية ثرواته وعقاراته وأمواله المنقولة وغير المنقولة، العائدة له، ولأفراد أسرته وحاشيته، في الداخل والخارج!

من يجرؤ من الزعماء والمسؤولين أن يقول بصوت عال، إنّ القضاء غير مسيّس أو بعيد عن سلطة وهيمنة الطبقة السياسية الحاكمة؟! وإنّ القضاء حرّ، لا يتدخل به أحد، وإنه غير خاضع للضغوط من هنا وهناك، وإنّ القاضي متحرر بالكامل _ كما هو مفروض _ من تأثيرات ورغبات زعيمه السياسي او الروحي!

اي بلد هو هذا البلد، عندما تطال حكومته تصريحات مستفزة تأتي من قبل سفراء، لتنال من سيادته، وهم يطلقون مواقف مستهجنة، ويتقدّمون بمطالب علنية وقحة، تشكل تدخلاً سافراً في شؤوننا الداخلية، متجاوزين الأصول والأعراف واللياقات الدبلوماسية، والاتفاقيات الدولية، وبعد ذلك نرى كيف يلتزم المسؤولون المعنيون الصمت حيال ما يجري، وكأن على رؤوسهم الطير!

اي بلد هو هذا البلد، الذي يرفض فيه نوابه، مشروع قانون لإزالة صور الزعماء من الشوارع والساحات، ومن على الأشجار والجسور والجدران، ويصرّون على إبقائها رغماً عن أنوف الناس، غير مكترثين بما يُبديه المواطن في نفسه من غضب، ويردّده من شتائم في كلّ مرة تقع عينه على صورة زعيم ما معلقة على عمود هنا او هناك، او على جدار وتحتها حاويات تفيض منها النفايات!!

أي بلد هو هذا البلد، وزعماؤه وسياسيوه، يتهمون بعضهم بعضاً، بالصفقات والسرقات والفساد، وكلهم في اتهاماتهم المتبادلة صادقون في ما يقوله كلّ واحد منهم بحق الآخر. ورغم كلّ ذلك يستمرّ هؤلاء في فسادهم وطغيانهم من دون حسيب او رقيب!!

اي بلد هو هذا البلد، الذي يقبل فيه مسؤولوه الالتزام بقانون خارجي تعسّفي ظالم، يفرض الخناق على شعبهم، ليقولوا لقرصان العالم: الأمر لكم، والطاعة لنا! القرار منكم، والتنفيذ علينا. ترفعون الصوت عالياً ضدّنا، ونحن لا نتردّد برفع أعلام بلدكم أمام سفارتكم، لنقول لكم هذا واجبنا، وطاعتنا لكم، تقع على عاتقنا!!

من يوقظ وطناً من الغيبوبة التي هو فيها، حيث يعيش مسؤولوه وزعماؤه على كوكب آخر، لا همّ لهم إلا الثروة ثم الثروة ثم الثروة، طالما أنّ بطونهم المنتفخة والشرهة، وبطون أولادهم وأصهرتهم وأحفادهم وحاشيتهم لم تمتلئ بعد!!

لقد ابتلي الشعب بطبقة فاجرة لا مثيل لها، ليست لديها نية الإصلاح من قريب او بعيد، او الرغبة في التخلي عن سياسة النهب المنظم للبلاد والعباد، أو التحسّس بفقر وجوع وعذاب الشعب المقهور.. هذه الطبقة يجب ان تحاسب وتردع من محكمة ميدانية، كي يصدر عنها الحكم العادل على الطغمة الفاجرة، من الشعب مباشرة، وليس حكماً باسم الشعب!

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

%d bloggers like this: