لماذا العراق؟….بقلم: أ. د. بثينة شعبان

2021-09-06

 أ. د. بثينة شعبان

منذ الاحتلال البريطاني للعراق خلال الحرب العالمية الأولى التي انتهت عام 1918 لم تتوقف المحاولات الغربية لاحتواء العراق وخاصة لفصله عن امتداده الطبيعي إلى بلاد الشام حيث التبادل التاريخي والمعرفي والاقتصادي كان معروفاً بين مملكة إيبلا وبلاد الرافدين. وتشهد الرقم التاريخية والتطور الزراعي على التفاعل والتكامل والانسجام الحضاري والحياتي بين سورية والعراق على مرّ التاريخ إلى أن بدأت بالسعي لإلحاق العراق بسياساتها وربطه بمعاهدات متعددة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وصولاً إلى حلف بغداد عام 1955 والذي كان يضم بالإضافة إلى المملكة المتحدة كلاً من العراق وتركيا وإيران الشاه وباكستان.

لقد كان الهدف الأول لهذا الحلف هو محاولة وقف نفوذ الاتحاد السوفييتي الذي كان قد وطّد ووسّع علاقته في تلك الفترة مع سورية ومصر. ومع أن الولايات المتحدة هي صاحبة فكرة إنشاء هذا الحلف ووعدت بتقديم الدعم الاقتصادي والعسكري للأعضاء إلا أنها لم تشارك فيه بشكل مباشر وإنما وكّلت بريطانيا للقيام بذلك، ولكن العراق انسحب من الحلف بعد ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي الهاشمي وأعلنت الجمهورية واستقلّ العراق لأول مرة من النفوذ البريطاني، وانتقل مركز الحلف بعد ذلك من بغداد إلى أنقرة، وأقام العراق علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع الاتحاد السوفييتي، وبذلك أخفق هذا الحلف في وقف توسع نفوذ الاتحاد السوفييتي الذي وطّد علاقاته مع الدول العربية في تلك الفترة. ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 أطلقت رصاصة الرحمة على حلف بغداد الذي اعتُبر من أضعف الأحلاف التي نشأت خلال الحرب الباردة.

ولكن محاولات احتواء العراق لم تتوقف وأسوأ تجلياتها على مرّ العقود الماضية كان نشوب الحرب العراقية الإيرانية بعد انتصار الثورة الإيرانية وبذل الجهود المستمرّة والمستميتة لفصل العراق عن عمقه العربي السوري، ومنع حتى إقامة أي علاقة وتواصل بين هذين البلدين المنسجمين تاريخياً وديموغرافياً وجغرافياً وحضارياً لأن التكامل والتفاعل بين سورية والعراق سيؤسس من دون شك لبنة عربية متينة قد تشكل قاعدة ومنطلقاً للعلاقات العربية السليمة والمجزية لكلّ المنخرطين فيها، ولذلك فقد كانت الحدود العراقية السورية دوماً أحد الأهداف الغربية وقد حرصت الدول الاستعمارية الغربية على خلق كافة الحجج والذرائع والمؤامرات لإبقاء هذه الحدود مغلقة في فترات طويلة من تاريخ البلدين.

إذ رغم كل الدعم الذي قدمه الغرب للعصابات الإرهابية منذ 2011 في حربها على سورية ورغم انشغاله في حرب إرهابية تدميرية في الداخل السوري فإن نظر الغرب لم يحد عن هذه الحدود وسعى إلى ضمان بقاء الإرهاب قربها كي يمنع فتحها والتواصل الحقيقي بين الشعبين السوري والعراقي لأن هذا التواصل سيعود بالفائدة الجمّة على البلدين انتماءً وثقافة وعروبة وحضارة واقتصاداً وتكاملاً حقيقياً. ولا شك أن كل الذرائع للإبقاء على هذه الحدود مغلقة تتلخص بأهداف الإدارة الأميركية القديمة الجديدة والتي تريد أن يكون العراق قاعدة للدول المنضوية تحت لواء الغرب وسدّاً في وجه روسيا والصين وإيران وفي وجه دخول الصين خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط ومنع قيام أي مسعى وحدوي بين البلدين.

الغرب يعتبر العراق بوابة لنفوذه في الشرق الأوسط، ولا شك أن العراق بعمقه الحضاري ومؤهلات شعبه وثرواته الظاهرة والباطنة يشكّل عمقاً وحدوياً عروبياً وأن فصله عن سورية وإلهاءه بتحالفات غير قابلة للحياة وأثبتت فشلها على مرّ التاريخ يظهران أهمية العراق الحقيقية وإدراك الغرب لهذه الأهمية ومحاولاته تجيير كل مقدرات العراق لصالحه ونهب ثرواته وإلهاء شعبه بالخلافات الطائفية. من هذا المنظور يمكن أن نفهم كل محاولات التدمير والتهميش والاحتلال والحصار والعقوبات للعراق وشعبه على مدى العقود الماضية، وأن كل ما أثير من تهم له من أسلحة دمار شامل إلى غيرها كانت غطاءً بائساً لتنفيذ تلك الأهداف.

ولكن وبعد قرن ونيّف من أساليب وطموحات وطروحات الغرب هذه أصبح من البدهي أن يدرك أصحاب الشأن حقيقة ما يقال ومجافاته للواقع والهدف المراد منه؛ إذ لم يعد مقبولاً اليوم أن يشعر البعض بسعادة غامرة لأن مسؤولاً غربياً قرر أن يحضر مؤتمراً في بغداد وكأنّ هذا الحضور يشكل منّة أو قيمة مضافة في حين يهدف إلى تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه من قبل من التواطؤ ضد نسيج العراق العربي وتواصله مع أهله وجيرانه واختراع تحالفات له لا مستقبل لها ولا تسمن ولا تغني من جوع بل تتركه فريسة لمن يتشدّق بحضارة بغداد، في حين تحلّ قواه العسكرية الطاغية قوة غاشمة على أرض العراق الطاهرة؛ تحتل الأرض وتنهب الخيرات وتدعم الإرهاب وتغزو الأسواق بمنتجاتها العثمانية وتروّج للطائفية وترسل الإرهابيين من الإخوان المسلمين في بلد تاريخه العيش المشترك والغنى الحضاري والتمازج الثقافي.

السؤال الذي يشغل بالي دائماً: لماذا لا نثق نحن العرب بقيمة ما لدينا؟ ولماذا لا نعرف أحياناً أهمية ما لدينا حتى يتم تسليط الضوء عليه من قبل الخصوم والأعداء؛ فنسعى حينذاك جاهدين إلى الاحتفاظ به أو تحريره من عدوانهم دافعين أغلى الأثمان في سبيل ذلك؟
لماذا لا نقتنع أن التكالب الغربي على بلداننا ومؤامراتهم ضدنا والتحالفات التي خلقوها لتمزيق صفوفنا وبناء الحواجز بين شعوبنا تعني أن لدينا ما هو ثمين وما يريدون الحصول عليه أو تدميره إذا لم يتمكنوا من انتزاعه منا؟ لماذا نحتاج إلى اعتراف الآخرين بأن موقعنا الجغرافي وثرواتنا الطبيعية والبشرية وعمقنا الحضاري وعيشنا المشترك عبر التاريخ يشكلون قيمة استثنائية لا يمتلكها الآخرون ويتوجب علينا الحفاظ عليها والاعتزاز بها من دون الحاجة إلى من يعترف لنا بذلك ومن دون الحاجة إلى شهادة من الخصوم والأعداء التاريخيين الذين ما زالوا يحطون من قدر بلادنا إلى أن يستولوا على مقدراتنا ويدمروها.

فهل تحتاج بغداد التاريخ إلى محتل عثماني ومتواطئ غربي كي تعرف قيمتها ومكانتها؟ وهل كانوا ليأتوا إليها لولا إدراكهم العميق لهذه القيمة؟ وهل يجوز أن تمتثل لما يريدون علماً أنهم برهنوا للمرة الألف أنهم يريدون للعراق التبعية فقط والوقوف في وجه التنين القادم من الشرق وأن تكون بغداد والقاهرة وعمّان سنداً لهم في وجه هذا التنين؟ إلى متى ستبقى المرجعية الغربية تذرّ الرماد في العيون ويبقى المستعمر الغربي متمادياً في نشر أوهامه عبر الأجيال أنه الأذكى والأقوى والأعرف؟ متى سيشكل العرب مرجعيتهم الخاصة بهم والمنطلقة من تقديرهم لذاتهم وتاريخهم وإمكاناتهم الاستثنائية ويمضون في التحالفات التي يختارونها هم بإرادتهم الحرة ولصالح شعوبهم وبلدانهم من دون ضغوطات أو إملاءات أو تهديدات من أحد؟ متى يكون الرأي حراً لا يتحكم به سوى الشأن الوطني والمصلحة العربية العليا؟

لبنان: الكارثة المتفاقمة والحلول الغائبة!؟

العميد د. امين محمد حطيط

في العام 1967 أحجم لبنان عن دخول الحرب التي شنّتها «إسرائيل» على دول الطوق يومها بذريعة الضعف وعدم القدرة الدفاعية التي تحمي أرضه، ولما انتهت الحرب بعد أيامها الستة المعدودة ارتدّت «إسرائيل» على لبنان فألغت اتفاقية الهدنة معه من جانب واحد وشرعت في قضم أرض لبنانيّة في مزارع شبعا، القضم الذي استمرّ حتى العام 1973، حيث سيطرت «إسرائيل» على كامل المزارع ولم يحرك لبنان ساكناً خشية أن يُضمّ إلى القرار 242 ويضطر للتفاوض على الأرض ويسقط الحدود الثابتة باتفاقية «بوليه نيوكمب» 1923 والمؤكد عليها باتفاقية الهدنة 1949. ومن جهة أخرى نذكر أيضاً بأنّ لبنان الذي لم يشارك في حرب 1967 والتزم سياسة الحياد فيها من أجل حماية اقتصاده على أبواب فصل الصيف يومها وجد اقتصاده بعد الحرب ينهار ويظهر بأنه ضحية لتلك الحرب التي وضعت حداً للطفرة والنمو الاقتصادي اللبناني وتسبّبت بزعزعة أركانه أو لنقل هزة كبرى غيّرت مسارات النمو ووضعت حداً للبحبوحة. 

بدأت بذكر هذه الواقعة اليوم ليس من أجل السرد التاريخيّ طبعاً، ولكن من أجل الإشارة إلى حقيقة ثابتة في تاريخ لبنان مفادها القول إنّ تجنّب المواجهة أو الاتجاه إلى الحياد أو كما يُقال ابتداعاً وخرافة لبنانية «النأي بالنفس»، أنّ كلّ ذلك لا يضمن دائماً الحقوق ولا يؤدّي إلى حمايتها ولا يمكن من استرجاعها إنْ اغتصبت، خاصة إذا كان العدو الذي يهدّد تلك الحقوق من نسخة وطبيعة العدو «الإسرائيلي» وكان المُعتدى عليه دولة كلبنان واهنة هشة في نظامها وسلطتها وماليتها. اليوم تكاد الصورة ذاتها تستعاد، إذ إنّ لبنان الرسمي وفي مواجهة الحرب الكونية التي شنّت على سورية وعلى محور المقاومة زعم انه التزم سياسة «النأي بالنفس»! وهي أغرب بدعة يمكن أن يتسامع بها في العلاقات الدولية، خاصة اذا كانت الدولة متشابكة مع محيطها اللصيق في الجغرافية والتاريخ والديمغرافية والاقتصاد، ولو لم تبادر المقاومة لامتشاق السلاح والدفاع عن لبنان على الأرض السورية ابتداء ثم على الأرض اللبنانية هي والجيش اللبناني بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، لكان الإرهابيون فعلوا في لبنان ما سبق لهم وارتكبوه من جرائم القتل والتشريد والتخريب والتدمير التي ارتكبوها في سورية والعراق. 

لقد استطاعت المقاومة بقرارها الأوّلي الذي لم يتوقف عند «سياسة النأي بالنفس» الغبية، أن تحمي لبنان من الإرهاب، لكن الحرب الكونيّة التي قادتها أميركا ومعها «إسرائيل» ضدّ سورية لم تكن عسكرية فقط، بل تعدّدت صنوفها وسقوفها وأشكالها وشملت في ما شملت الحرب الاقتصادية والإرهاب الاقتصادي، وهنا بدل أن يساهم لبنان في تخفيف آثار العدوان على سورية ويدافع عن نفسه عبرها خاصة بعد أن وضع قانون قيصر الأميركي موضع التنفيذ وهو القانون الذي ادّعت أميركا كذباً انه لا يمسّ لبنان، فقد كان العكس تماماً حيث ساهم الممسكون بالقرار الاقتصادي والمالي في لبنان في الحرب على سورية بشكل إجرامي وحرموا السوريين من أموالهم المودعة في لبنان كما حرموا المودعين اللبنانيين أيضاً من مالهم وطبّقوا «قانون قيصر» بشكل أسوأ مما كان يطلب واضعوه الأميركيون، وظنّ هؤلاء جهلاً او ارتهاناً بأنّ في ذلك كسباً للرضا الأميركي وصيانة للاقتصاد اللبناني، وأغفل هؤلاء أيضاً ما حاكته أميركا للبنان من خطة عدوان هي خطة بومبيو التي تتضمّن الانهيار الاقتصادي والمالي. 

وهكذا تأكد على أرض الواقع بأنّ الحرب الاقتصادية على سورية شملت لبنان وكشفت عوراته الاقتصادية والمالية دفعة واحدة وأظهرت على الطبيعة الكارثة الاقتصادية الحقيقية التي يعيشها لبنان بسبب نهب الأموال العامة من قبل المسؤولين وبسبب الفساد المستشري في الإدارة العامة وعلى كلّ الصعد، وبسبب سياسة الامتيازات والاحتكارات والوكالات الحصرية، وبسب السرقات المبرمجة بما أُسمي الهندسات المالية التي وضعها حاكم مصرف لبنان ما أدّى إلى إثراء المصارف وإغنائها من مال المودعين من لبنانيين وغير لبنانيين ومنهم سوريين قيل إن رصيد ودائعهم في لبنان تخطى الـ 25 مليار دولار. هكذا وبلمح البصر انكشف الاقتصاد اللبناني وظهر وهنه وخواؤه وظهرت الطبقة السياسية والاقتصادية والمالية على حقيقتها بأنها زمر من اللصوص منهم الكثير من العملاء للخارج، والفاسدون المفسدون الذين قادوا لبنان إلى الانهيار والجوع والبطالة والويلات. 

لم تكن الحرب الاقتصادية على سورية وخطة بومبيو الإجراميّة هي السبب الوحيد للانهيار الاقتصادي اللبناني، بل كانت تلك الحرب أحد الأسباب التي فاقمت الأزمة والسبب الرئيسي الذي كشف عن الحقيقة. وشكلت رداً مباشراً وعملياً على أولئك الذين فاخروا بسياسة النأي بالنفس وقاطعوا سورية وامتنعوا حتى عن الحديث معها لا بل إنّ مسؤولين كباراً يعلم القاصي والداني أنّ الرعاية السورية هي التي بنت لهم مواقعهم وأنتجت لهم أمجاداً يتغنون بها الآن، قاطعوا سورية وعملوا مع أميركا ضدها بشكل بشع. 

إنّ مأساة لبنان باتت حقيقية كارثية قائمة، والكارثة الأفظع هي عدم الاعتراف بالمسؤولية عنها والإصرار على التمسك بالأشخاص والأساليب ذاتها التي أدت إلى الكارثة، متناسين الحكمة القائلة بانّ «المقدمات ذاتها تؤدي إلى النتائج ذاتها» أو أن تطابق المقدّمات يحكم بتطابق النتائج، وبالتالي فإنّ تماثل الأشخاص والأدوات والأساليب يؤدّي إلى نتائج متماثلة. وفي حالنا يعني أنّ لبنان سيكون أمام مأساة تتفاقم وليس أمام إشكالية يتبعها حلّ. 

والغريب في الأمر أنّ من يتفحّص مسارات وآلية البحث عن حلّ لمأساة لبنان يصاب بالذهول، حيث إنه يجد أولاً أن المتسبّبين بالكارثة هم أنفسهم يستأثرون بالبحث عن حل بعد أن أوكل إليهم أمر الإخراج منها، وأنّ أدوات إنتاج الكارثة هي نفسها الأدوات التي يتمّ التمسك بها والأفظع من ذلك هي الدعوة أو الإصرار على سياسة العزلة والنأي بالنفس أو ما ابتدع بتسميته «الحياد الناشط» الذي ليس له مكان في القانون إلا في أوهام وخيال مَن يطلقه. 

أما الحلّ الذي نراه فإنه يجب أن يُرسى على قوائم ثلاث تتمثل بإصلاح سياسي واقتصادي ومالي. ففي السياسة لا بدّ من تغيّر أو إصلاح جذري يضع حداً للطبقة السياسية الفاسدة التي ترفع شعار حقوق الطائفة وتنهب أموال الطائفة والوطن والمجيء بمن يعمل للوطن والدولة والشعب ولا يكون مطواعاً للخارج. وفي الاقتصاد يجب أن يقوم الإصلاح على شقين أو فرعين فرع في الماهية وعبره نتحوّل إلى الاقتصاد الإنتاجي الذي قضت عليه سياسات ما بعد 1992، وفرع استراتيجي يقوم على الاندماج الاقتصادي التكاملي مع المحيط وبشكل خاص الدول العربية الثلاث التي توجّه اليها الرئيس ميشال عون بمبادرته طارحاً السوق الاقتصادية المشرقية، (بدأت مصر مع الأردن والعراق بهذا التعاون الفاعل وندعو إلى انضمام لبنان وسورية لهما) كما والانفتاح على الشرق بشكل عام وعلى الصين وإيران وروسيا بشكل خاص مع وضع حدّ لسياسة الاحتكارات والتبعية للغرب. وأخيراً الإصلاح النقديّ الذي يجب أن تقوم به لجنة من الخبراء يضع حداً للدولرة ويعيد إلى القطاع المصرفي الثقة ويحرر أموال المودعين أو على الأقل يضع جدولاً زمنياً لإعادتها حتى ولو طال الوقت بضع سنين، فالمهمّ ألا تضيع. 

هذه برأينا الخطوط الكبرى للحلّ، لكن للأسف لا نرى مَن يسعى اليه بشكل يدعو إلى طمأنينة ما بل نرى استشراء في النهب والسيطرة واستباحة الدولة الأمر الذي يطرح السؤال: متى يتحرّر اللبناني من زعيمه الجلاد، ومن مرجعيته الخارجية الظالمة المستبدة ويعمل باستقلالية القرار وليس بالحياد التافه، يعمل بإرادة وقرار مستقلّ من أجل نفسه ووطنه؟ وهل ستبقى الحلول غائبة حتى تلك اللحظة؟ 

إصلاح القطاع المالي في لبنان: الدين العام والمصارف* (1)

زياد حافظ

المنطلقات

الإصلاح الاقتصادي والمالي قرار سياسي بامتياز يخضع لخيارات كما يخضع لموازين قوّة. فلا إصلاح إن لم تكن موازين القوّة مؤاتية له. البنية السياسية القائمة في لبنان عصّية على الإصلاح والتجدّد وبالتالي محكومة بالزوال لأنها لا تتكيّف مع التحوّلات الاستراتيجية التي تحصل في العالم وفي الإقليم. لكن هذا لا يعني أنّ الطبقة السياسية الحاكمة المستفيدة من بنية النظام الطائفي ستستسلم للتحوّلات فستخوض معارك شرسة على قاعدة اللعبة الصفرية، أيّ إما الانتصار أو الزوال، وإنْ أدّت إلى زوال الكيان والنظام. لكن هناك من يعتقد أنّ النخب الحاكمة التي تعبّر عن مصالح النظام القائم قد تقدم على التضحية ببعض الرموز لشراء الوقت ولتحسين صورتها ومواقعها. قد يكون ذلك مدخلاً لإصلاح وإنْ كان جزئياً. فمهما كانت موازين القوّة فإنّ ذلك لن يعفينا من مسؤولية تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتغيير والإصلاح. هذه هي مهمتنا والورقة المقدمة هي إحدى الخطوات في ذلك الاتجاه.

مقاربة الإصلاح المالي جزء من مقاربة أوسع للاقتصاد اللبناني. والأجزاء المتعدّدة متشابكة حيث يصعب التكلّم عن جزء دون التكلّم عن الأجزاء الأخرى. فالإصلاح المالي هو خطوة في الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي يتكامل مع الإصلاح السياسي بل أكثر من ذلك فنقول إن لا إصلاح اقتصادي دون اصلاح سياسي فالاقتصاد هو السياسة ولكن بلغة الأرقام. وبالتالي السياسة هي التي ستتحكّم بالقرار الإصلاحي والسياسة ستكون نتيجة موازين قوّة.

في هذا السياق، فإنّ موازين القوّة يحكمها الصراع مع الكيان الصهيوني ليس إلاّ. ففي رأينا، لا مجال للتكلّم عن أي سياسة والقرار السياسي الوطني في حال تبعية للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص الذي همّها الأول والأخير هو حماية الكيان العدو وضمان تفوّقه على لبنان وسائر العرب. هذا لا يعني أبداً أنّ الأمر قدر علينا بل العكس، فإنّ موازين القوّة في الصراع تتغيّر لصالح محور المقاومة. لكن إلى أن يتجلى ذلك الأمر في لبنان وخاصة عندما تقتنع القوى المؤيّدة لمحور المقاومة أنه آن الأوان لإجراء الإصلاح في البنية السياسية والاقتصادية فإنّ المشهد مستمرّ على حاله. فالمحاولات التي تطرح بين حين وآخر ليست إلاّ محاولات ترقيع وشراء الوقت وإنْ كانت مدمّرة في آن واحد كوصفات الخصخصة المطروحة لحلّ الأزمة المالية. فالأزمة الاقتصادية والمالية المتفاقمة هي نتيجة خيارات وسياسات وبالتالي لا بدّ من تحديد الخيارات والسياسات قبل المبادرة في الإصلاح الاقتصادي والسياسي.

الخيار الأول هو أنّ بنية الاقتصاد اللبناني منذ نشأته مبنية على فرضية أنّ لبنان ليس جزءاً من المنطقة بل جزيرة في محيط لا يتماهى تاريخياً مع مصالح الاستعمار والامبريالية. وبالتالي في أحسن الأحوال لن يكون إلاّ جسراً بين المشرق العربي والجزيرة العربية من جهة والغرب ولكن من موقع التبعية وليس من واقع مستقل عن إرادة الغرب الاستعماري القديم والجديد. هذا الدور الوظيفي الذي اختاره الاستعمار والذي تبنّته النخب الحاكمة على مدى عدّة عقود وصل إلى طريق مسدود عشية الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 1975 واستمرّت حتى التسعينات. في حقبة 1920-1993 كان الاقتصاد مبنياً في الأساس على الخدمات المالية والتجارية مع حدّ أدنى وإنْ كان يتنامى بشكل تدريجي للقطاعين الإنتاجيّين الزراعي والصناعي. ما بعد 1993 كان الخيار أنّ لبنان جزء من عملية سلام وهمية طغت على عقول النخب الحاكمة واعتبرت نخبها الحاكمة أنّ دور لبنان هو دور خدماتي أولاً وأخيراً وحوّل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد خدماتي ريعي. لذلك الخيار الأساسي الذي ننطلق منه هو خيار الانتقال من اقتصاد خدماتي ريعي إلى اقتصاد انتاجي خدماتي منتج لقيمة مضافة مرتفعة كقطاع الاستشفاء والتربية على سبيل المثال بسبب نوعية اليد العاملة والمستوى التعليمي النسبي المرتفع.

الخيار الثاني هو أنّ لبنان جزء أساسي من المنطقة وبالتالي السياسات التي يجب اتباعها في تحويل البنية الاقتصادية إلى اقتصاد إنتاجي تستدعي التشبيك مع دول الجوار، أيّ مع كلّ من سورية والأردن والعراق في المرحلة الأولى ومع فلسطين بعد التحرير. أما في المرحلة الثانية المتلازمة مع مراحل من المرحلة الأولى فهو التشبيك مع كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا والانخراط الكلّي بالكتلة الأوراسية، أيّ التشبيك مع الصين وروسيا ومنظومة شانغهاي. وفي المرحلة الثالثة يكون التشبيك مع دول الجزيرة العربية ودول وادي النيل والقرن الأفريقي وفي المرحلة الرابعة مع دول اتحاد المغرب الكبير. ليس من الضروري في المرحلة الحالية تحديد تاريخ المراحل الأربع إلاّ أنّ المرحلة الأولى يجب أن تتلازم ولو تدريجياً مع مرحلة الإصلاح المالي.

الخيار الثالث هو إعادة الاعتبار إلى التخطيط المركزي في مشروع التنمية الشاملة والمتوازنة. هذا يعني الابتعاد عن فلسفة ميشال شيحا القاصرة المبنية على اقتصاد السوق والقطاع الخاص ونسختها المشوّهة في ما بعد اتفاق الطائف. النموذج الصيني نموذج جدير الاهتمام به لأنه استفاد من التجارب السابقة لكلّ من اقتصاد السوق بلا قيود ومن اقتصاد التخطيط المركزي المفعم بالقيود. كما يمكن دراسة نماذج أخرى كالنموذج الماليزي والنموذج السنغافوري وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

الخيارات المطروحة أعلاه تتطلّب تمكين الدولة من القيام بدورها كقاطرة للإصلاح وللتنمية. هذا يعني أولاً إصلاح سياسي وإداري لسنا في إطار مقاربته في هذه الورقة وإنْ كانت شرط ضرورة، وثانياً، تحرير موارد الدولة المكبّلة بدين لا مبرّر له، أيّ إصلاح مالي يتناول البنية الضريبية وسياسة الإنفاق وبطبيعة الحال الدين العام المكبّل لقدرات الدولة. وإصلاح القطاع المالي يتطلّب معالجة قضيتين يصعب الفصل بينهما. القضية الأولى هي قضية الدين العام والقضية الثانية هي إعادة هيكلة النظام المصرفي. فالنظام المصرفي شريك أساسي في تفاقم الدين العام بسبب الاستفادة منه رغم معرفته بأنّ قاعدة ذلك الدين غير سليمة وأنّ قدرة الدولة على التسديد من مداخيلها محدودة للغاية، وأن خدمة الدين العام تؤدّي إلى إيقاف الاستثمار في البنى التحتية وتقديم الخدمات الاجتماعية ولو بالحد الأدنى. كما أنّ سياسة الاستدانة لأغراض غير تنموية أدّت إلى سحب السيولة من التداول الاقتصادي وأدّت إلى تمركز الثروة في يد القطاع المصرفي وما هو مرتبط بفلكه من قطاعات كالقطاع العقاري. وبما أنّ القطاع المصرفي وظّف معظم موارده المالية، أيّ الودائع التي كان يتلقّاها، في سندات الخزينة للاستفادة من الفوائد الربوية التي لا قاعدة ولا وظيفة اقتصادية لها في ارتفاع مستوياتها، فإنّ النظام المصرفي أساء الائتمان تجاه المودعين إذ لم يقدم على توزيع المخاطر وفقاً للقانون ووفقاً للعرف المهني. فإساءة الائتمان وقلّة الاحتراف تجعل من القطاع المصرفي القائم غير مؤهّل للبقاء وغير ذي جدوى.

أما القضية الثانية في الإصلاح المالي فهي إصلاح البنية الضريبية عبر إيجاد نظام ضريبي تصاعدي على الدخل وعلى الأرباح الريعية. لكن لن نعالج في هذه الورقة تلك المسألة التي ستكون موضوع مقاربة خاصة بها.

بناء على ذلك فإنّ الإصلاح المالي يتلازم مع إعادة هيكلة الدين العام وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. في هذا السياق نعرض فقط الخطوط العريضة لإعادة هيكلة الدين العام لعدم توفّر لدينا البيانات التفصيلية لتاريخ تراكم الدين شهراً بشهر، وجداول التسديد السابقة، وعدد وهوية من حمل سندات الخزينة وفترة حملها وقيمة السندات التي حملها الأفراد، والمؤسسات، والهيئات إلخ… فبغياب تلك البيانات لا يمكن عرض مشاريع هيكلة تفصيلية تبيّن الفوائد العائدة لخزينة الدولة من جهة وتوزيع الأعباء من جهة أخرى.

أولاً: إعادة هيكلة الدين العام
أ ـ فلسفة الهيكلة

إعادة هيكلة الدين العام تستند إلى مبدأ توزيع المسؤوليات بشكل عادل بين المتسبّبين والمستفيدين في عملية الدين، أيّ الدولة، القطاع المصرفي، والقوى السياسية التي وافقت وأيّدت ودعمت الاقتراض بالشكل والمضمون. الصعوبة تكمن في تحديد بدقة مسؤولية كلّ الأطراف وخاصة القوى السياسية التي أطلقت عبر الحكومات المتتالية منذ 1993 مسلسل الاستدانة. وبالتالي يمكن تصوّر عدّة سيناريوات تعكس المسؤولية.

السيناريوات المقترحة تعكس نسبة توزيع المسؤولية عمّا حصل.

أولاً: المسؤولية تقع كلياً على القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي، أيّ مصرف لبنان، والخاص، أيّ جمعية المصارف.

ثانياً: المسؤولية تقع بالمناصفة بين القوى السياسية التي كانت تتحكم بالدولة أي وزارة المالية والوزرات والمؤسسات العامة التي استلفت من الخزينة والقطاع المصرفي بشقيّه أيضاً الرسمي والخاص.

ثالثاً: المسؤولية تقع على كل من القطاع المصرفي بشقيّه الرسمي والخاص، والدولة، والمستفيدين من الدين أي مجموع المودعين. وداخل مجموعة المودعين هناك من يتحمّل المسؤولية أكثر من غيره كونه مرتبطاً بالقوى السياسية المتحكّمة بإدارة الدولة، بينما الأكثرية من المودعين هم من الطبقة الوسطى والذين استثمروا في الدين العام كالمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود. في هذه المجموعة تقع المسؤولية بنسبة 70 بالمائة على القطاع المصرفي والقوى السياسية والباقي على المستفيدين وذلك على قاعدة أنّ الجميع كان مدركاً أنّ الاقتراض بالشكل الذي حصل لم يكن سليماً وخاصة في ما يتعلّق بالفوائد المرتفعة التي لم يكن لها في يوم من الأيّام أيّ مبرّر اقتصادي، والذي شرحناه مع عدد من الاقتصاديين في أوراق سابقة، وذلك منذ بداية اعتماد الاقتراض. فالكل كان يعلم أنّ الدولة لا قدرة لها على تسديد الدين ورغم ذلك استمرّت لعبة «البونزي» أيّ الاقتراض لتسديد الاقتراض السابق ودفع الفوائد الربوية. بالنسبة للمصارف فإنّ الفوائد هي أصل مداخيلها بينما رأسمال الدين هو من الأصول التي كان بإمكانها وضع المؤن لتخفيف من احتمالات عدم التسديد ولكن لم تفعلها لأنها كانت انتقاصا من أرباحها.

ب – هيكلة الدين العام وفقاً للسيناريو الأول

بما أنّ الفوائد المدفوعة منذ 1993 فاقت أضعافاً رأس المال الدين الأساسي فهذا يبرّر اتخاذ قرار بشطب الدين العام المتعلق بسندات الخزينة واعتبارها لاغية. هذا سيؤدّي إلى إفلاس المصارف التي استثمرت ودائع المودعين في سندات الخزينة ما يفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الورقة. هذا يعني أنّ القرار يحمّل القطاع المصرفي مسؤولية الدين لأنه كان الأداة الأساسية إنْ لم نقل الوحيدة لذلك الدين.

الاعتراضات على هذا السيناريو ستكون مبنية على أنّ ذلك يضرب مصداقية الدولة في إمكانية الاقتراض في ما بعد ويضرب القطاع المصرفي. ففي ما يتعلّق بمصداقية الدولة فاستعادة تلك المصداقية ستكون مبنية على سياسات جديدة وعلى أداء مختلف عما كانت عليه. وهنا نسأل، إذا كان الجميع يعلم أن لا قدرة للدولة على تسديد ذلك الدين فلماذا استمرّ القطاع المصرفي في إمدادها بالأموال؟ فعن أيّ مصداقية يتكلّمون؟ فعلى القطاع المصرفي أن يتحمّل نتائج قراراته وإذا كان يؤمن بقانون السوق، كما يدّعي كاذباً، فعليه أن يواجه الاستحقاق، أيّ إما التسديد من رأس ماله أو الإفلاس! أما في ما يتعلّق بالتصنيف الدولي فلا نحبّذ الاقتراض في الأسواق الخارجية والتي لا نعتقد أنّ هناك ضرورة لها رغم كلّ الادّعاءات المغايرة لذلك. فالنظام الذي استطاع أن «يشفط» أكثر من 400 مليار دولار على مدى أربعين سنة وفقاً لتقديرات الخزينة الأميركية يستطيع أن ينتج ما يلزمه من تمويل داخلي لإعادة البناء! ونعتقد أنّ «مصداقية» الدولة ستعود عندما يباشر لبنان في استثمار حقول النفط والغاز فالرأس المال الأجنبي سيتناسى إلغاء الدين العام مقابل الاستفادة من الاستثمارات التي سيجلبها قطاع النفط والغاز. لكن حسم هذا الموضوع لن يعود إلى اعتبارات اقتصادية أو مالية بل لاعتبارات سياسية لا داعي الدخول فيها في هذه المرحلة.

ج – إعادة الهيكلة وفقاً للسيناريو الثاني

المناصفة في إعادة هيكلة الدين العام بين القطاع المصرفي والقوى السياسية يعني المناصفة في تحمّل أعباء الهيكلة على كلّ من القطاع المصرفي والدولة. هذا يعني أنّ القطاع المصرفي مسؤول فقط عن نصف الدين العام وعليه أن يتحمّل شطب ما يوازي نصف «حقوقه» في سندات الخزينة سواء في الرأس المال للدين وأو في الفوائد. إذا ما اعتبرنا أنّ قيمة الدين العام توازي 100 مليار دولار (قد يكون أكثر من ذلك أو أقلّ من ذلك، فليس هناك من بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها) فإنّ القطاع المصرفي عليه أن يسدّد ما يوازي 50 مليار. أما في ما يتعلّق بحصة الدولة فالتسديد يكون عبر اعتبار الدين العام طويل الأجل في أيّ 25 أو 30 سنة، وبفائدة رمزية حيث خدمة الدين العام لا تتجاوز سنوياً أكثر من 5 بالمائة على سبيل المثال من موازنة الدولة. من جهة أخرى فعلى القطاع المصرفي إعادة تكوين رأسماله لسدّ العجز بين قيمة سندات الخزينة التي تشكل قسماً كبيراً من أصوله وإجمالي الودائع. سيعارض القطاع المصرفي بشدّة التنازل عن «حقوقه» ولكن تستطيع الدولة فرض إرادتها عبر التلويح بإجراءات جذرية في ملكية المصارف (أيّ السيناريو الأول في إعادة هيكلة القطاع المصرفي).

أما القوى السياسية فالمسألة أكثر تعقيداً لصعوبة الوصول إلى توافق على تحديد مسؤولية الأشخاص الذين ساهموا في تراكم الدين وبسبب موافقة مجلس النواب الذي أعطى «الشرعية» لتراكم الدين. لكن هذا السيف يجب أن يبقى مسلّطاً على القيادات السياسية التي تولّت المسؤولية في تراكم الدين العام، من رؤساء جمهورية ومجلس النوّاب، ورؤساء مجلس وزراء، ووزراء ورؤساء اللجان المالية وأعضائها في مجلس النوّاب الذين أعطوا صكّ البراءة للحكومات التي ساهمت في استمرار تراكم الدين العام. كما يجب إدراج الإعلاميين الذين روّجوا لتلك السياسات وهاجموا من كان يحذّر من مخاطرها.

د ـ إعادة الهيكلة وفقاً للسناريو الثالث

في هذا السيناريو يتشارك مع الدولة كلّ من القطاع المصرفي والمودعين في تحمّل عبء الهيكلة. ربما هنا يكمن مزاج النخب الحاكمة. لكن المشكلة تكون في تحديد النسب. القطاع المصرفي ومن يقف معه من النخب الحاكمة يريد تحميل الدولة القسط الأكبر لإعادة هيكلة الدين كما يريدون (وهنا قسم كبير من القوى السياسية) المباشرة بالخصخصة للتعويض عن العجز في الموازنة وتراكم الدين. توزيع المسؤولية سيكون في آخر المطاف رهن موازين القوّة السياسية التي تتحكّم بالنخب الحاكمة.

في سيناريو تحميل المسؤولية للمودعين هناك من يقترح أن يتحمّل المودعون ما يوازي 30 بالمائة من العبء. وهناك من يذهب إلى ابعد من ذلك ويقترح حتى 70 بالمائة. فالشيكات التي يتمّ صرفها الآن توازي 30 بالمائة فقط من قيمتها الاسمية. سطوة المصارف والصرّافين على تدفق السيولة يجعل من ذلك أمراً واقعاً. ومع مرور الزمن يصبح المعيار «الطبيعي» الملائم للواقع! وبالتالي يتمّ تكريس سرقة أموال المودعين بتشريع رسمي وموافقة النخب الحاكمة.

لسنا من أنصار تحميل المسؤولية للمودعين بشكل عام بل لفئة من المودعين الذين استفادوا من الفوائد المرتفعة وغير الطبيعية لسندات الخزينة بينما كانوا يعلمون استحالة الدولة تسديد تلك الديون. فهم شركاء فعليون في عملية السطو المنظّم. عددهم ليس كبيراً بل قيمة ودائعهم كبيرة. ليس هناك من إحصاءات دقيقة بسبب عدم الشفافية من قبل جمعية المصارف والمصرف المركزي في تقديم البيانات المفصلة لتوزيع المودعين. هنا أيضاً يُحسم الأمر وفقاً لموازين القوّة السياسية.

لكن بغضّ النظر عما ستسفر «المفاوضات» في شأن توزيع المسؤوليات/ العبء بين الأطراف الثلاثة فإنّ إعادة هيكلة الدين تخضع لنفس الاعتبارات المقترحة في السيناريو الثاني أيّ أنّ عبء خدمة الدين العام لا يجب أن يتجاوز نسبة مئوية محدودة من إجمالي الموازنة.

يبقى تفصيل مكوّنات الدين العام. فهو العجز المتراكم في الموازنة ولكن ضمن ذلك العجز هناك سلفات لمصلحة كهرباء لبنان وضرورات تمويل الديون المستحقة. الأولوية هي تخفيض قيمة رأس مال الدين يجب أن تكون على الجزء الذي ساهم في تمويل الديون السابقة. فلما أقدمت الدولة على إصدار سندات خزينة بفوائد مرتفعة جدّاً لا مبرّر لها كان الجزء الأكبر من سلسلة الاقتراض المتتالية تسديد تلك الفوائد ورساميل تلك السندات التي كان قصيرة الأجل جدّا. لذلك هذا الجزء من الدين يجب أن يُشطب بدون تردّد خاصة أنه تمّ «تسديد» تلك الديون في ميعادها! في ما يخص بالسلفات لقطاعات الدولة فهي تشكّل في رأينا جوهر الدين العام الذي يمكن القبول به وبالتالي يتمّ تسنيده على فترة طويلة من الزمن وبفوائد منخفضة.

إعادة هيكلة الدين العام ليست بالعملية السهلة والتي يمكن الخوض فيها كلّما تفاقم الأمر. لذلك يجب اتخاذ إجراءات احتياطية تمنع الوقوع في مطبّات الاستدانة غير المبرّرة اقتصادياً. الاستدانة لأغراض مالية فحسب كما حصل خلال العقود الثلاثة الماضية لا يجب أن تتكرّر. كما أنّ الاستدانة لا يمكن إلاّ أن تكون داخلية وفي العملة الوطنية. الاستدانة من الخارج تحتاج إلى موافقة خاصة من مجلس النوّاب إضافة إلى الموافقة على المشروع الذي من أجله تتمّ الاستدانة.

*ورقة قدّمت للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في 2 آذار/ مارس 2021

**كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

Naqqash’s solution for Middle East: A Levantine Confederation (Pt. 4)

March 10, 2021

Naqqash's solution for Middle East: The Levantine Confederation (Pt. 1) |  Middle East Observer

Description:

In a 2020 conference held on Zoom and published on YouTube, the late senior Middle East political analyst Anees Naqqash spoke about his 2014 book titled The Levantine Confederation: The Battle of Identities and Policies.

The book proposes that the solution to the chronic problems of the war-ravaged and tumultuous Middle East region lies in the establishment of a confederation that unites the states of the Levant, or what Naqqash often calls the ‘West Asian region’.

Middle East Observer is gradually publishing English translations of the author’s online talk over several posts. The following is Part Four.

To read Part One see here.
To read Part Two see here.
To read Part Three see here.

Source:  Kalam Siyasi YouTube Channel

Date:  Aug 26, 2020

(Important Note: Please help us keep producing independent translations for you by contributing as little as $1/month here)

Transcript :

It is no longer a secret; no one can say anymore that we are (falsely) accusing a (particular) state of being an ally of America and an ally of Zionism, now that all the masks have fallen off. They (some Arab states) themselves admitted that they had served America for 70 years (by implementing) its regional and international strategies. Today, they are openly expressing their convictions and publically (sharing) their relations with Zionism and the US. For them, Arabism and Islam have become a type of folklore with no ideological, political or cultural importance, (and they feel no need to) respect the will of their people and the people of the region. They have lost all these titles (Arabism and Islam). However, they have a strong grip on the Arab media because 80% of it is financed by Arab oil (monarchies). Therefore, we are facing a major offensive locally and internationally.

I believe that no country alone, no matter how powerful it is, can face such an offensive; and no party can claim that it alone can confront it. Even Turkey, with its current capabilities, cannot defend the region on its own and run things alone no matter how great its economic and military capabilities. The reason is that if Turkey took action individually, without joining the socio-political and security pact and the dialogue we are calling for, other powers (in the region) will be troubled by the Turkish forces and will begin a resistance under the title of rejecting a (potentially) new Ottoman (Empire). Some people in Turkey may have the idea of resurrecting the Ottoman Empire with the same old ultranationalism, but this is impossible these days.

Iran, which today leads the Axis of Resistance in confronting Israel and the US presence in the region, meaning that it leads the armed national liberation movement against the Western presence, also (has not yet been able to achieve) a broader regional dialogue (that is necessary) to clarify its goals and cooperate with other powers. However, there is an advantage that I must point out, which is that the bilateral Turkish-Iranian cooperation is almost impeccable. However, there are many regional issues that (both countries) do not agree on, the most important of which are the conflict in Syria; Iraq; in addition to some other matters. Even regarding Palestine (there are differences between the two). The Iranian involvement has now become an engagement that challenges the US and Israel with (its provision of) weapons and equipment aimed at unconditionally supporting the Palestinian resistance with all means (possible). Turkey, on the other hand, supports the Palestinian people, but without disturbing Zionism. It refuses to withdraw its recognition of (Israel as a state), it does not bother the US, nor does it support the (Palestinian) resistance with arms. There must be a dialogue to settle these issues.

I think that the dialogue aiming to build a Levantine Confederation that moves away from Ibn Khaldun’s concept of one ‘asabiyyah (socially cohesive group) having control over the region, will (in fact) bring ideological peace to the region, because the Turkish bloc represents a major Sunni bloc and the Iranian bloc represents the largest Shia bloc in the Islamic nation. Therefore, (more cooperation between the two countries) would offer a respite to this sectarian conflict that the Zionists, the US, and all enemies of our nation – and even the Takfiris from within our nation – seek to ignite in order to weaken our nation. In other words, this is a positive thing that we must support through (the establishment) of an intellectual system that explains to public opinion what we (who call for a Levantine Confederation) do and why are we doing this. Our movement should not be secret or private, and our tactics should be clear, so that no party is accused of wanting to dominate.

The most important thing (necessary here) is that the idea of ​​the hegemony of one sect with its individual capabilities must be completely precluded. We must push parties, powers, movements, thinkers, writers and journalists towards a region-level social, security and political union through dialogue and conferences, and not through hegemony. This (approach) will facilitate the consolidation of financial, economic, military and security capabilities. It would also dispel the worrisome ideas prevailing in the region as everyone fears for their doctrine, nationalism, and even their clan. In order for everyone to feel that there is a great fusion in the region (between our countries), just as big as a nuclear fusion, such that there would be a win-win situation for all, with no losers.

This is what I wrote about in my book after (conducting) a historical study of the way geographical maps were drawn up, by highlighting the ways in which client regimes were implanted (in our region), and by speaking about (the importance of) natural resources, a very important issue when it comes to questions of strategic awareness. Geography is a dominant (factor) that we often forget about. (Geography) is not only related to borders, but also to natural resources and the interconnectedness of natural geography, relating to plains, mountains and valleys. It refers to oil and gas reservoirs. It refers to transit lines, energy transit routes, and the networking/integration of potentials in relation to economic-related transport and the transit of passengers.

Therefore geography is a dominant/undeniable (factor) that must not be forgotten. In the past we lived in an open geography (i.e. without rigid national borders), and what is utterly disgraceful today is that the Hejaz Railway line, that was built just before World War One, had passed through all of these countries, from Istanbul to Hejaz, passing through Palestine and Baghdad, while we are unable today to implement even a portion of this project which would tie these areas together.

(To be continued…)


Subscribe to our mailing list!

Related Posts:

Palestine was reflected in Anis al-Naqqash’s entire life: political activist

March 12, 2021 – 10:53

TEHRAN – An Iraqi political activist says that Anis al-Naqqash’s life was greatly impacted by the Palestine cause as he spent his life to support the oppressed Palestinian people.

“Palestine was reflected in the whole life of the late Anis al-Naqqash from cradle to grave, until he was called ‘friend of Palestine’ and the Palestinian flag did not leave him until his honorable coffin was wrapped in it,” Hussein al-Dirani tells the Tehran Times.
“His relationship with Palestine is like the relationship of the soul to the body, oxygen to the lung, and the mother to her child,” al-Dirani comments.
Anis al-Naqqash, a seasoned Lebanese political activist concerning Islamic resistance, died at the age of 70. He died on February 22 after contracting the coronavirus.  
He was also a comrade of Imad Mughniyeh, a senior Hezbollah member who was assassinated in Syria in 2008, and the CIA claimed credit for his unlawful murder.

Following is the text of interview with al-Dirani:

Q: What are the achievements of the late Anis al-Naqqash as a resistace figure in the Islamic world?
 A: None of the writers, researchers, thinkers and politicians can comprehend the volume of organizational works and achievements of the late Anis al-Naqqash. 

He spent his honorable life in struggle, jihad, and thinking in order to support the deprived and the vulnerable people.

He was crafting and developing practical strategies to be practiced and applied on the ground. He made every effort to establish a school of thought by which everyone who believes in resistance, jihad, and change in the Arab and Islamic world could join in.

Q: Why did he focus on research and studies after a period of struggle and Jihad?

A: I think that Anis al-Naqqash believed that a continuous struggle entailed delving into the field of research and studies, therefore, he harnessed all his intellectual energies to secure and protect the achievements of the resistance movement. 

Just as the revolution needs honest revolutionaries who believe in the sacrifice for the message of the revolution and its success and victory, it requires sincere leaders, thinkers, and geniuses to maintain its dynamism and progress towards the goals and interests of peoples and nations in the region and the world.

Q: What are the works of Anis al-Naqqash in the field of research and science?
A: Naqqash had great and huge achievements in the field of research and science; he was the head and coordinator of the Aman Network for Strategic Studies, an analyst, and a global strategic political expert, brilliant in his insightful political outlook.

Anyone who wants to know and analyze the developments in West Asia, as well as conflicts and wars that are taking place in our Arab and Islamic world, was waiting for his media appearances.

One of his most important scientific and political researches that will see popularity among politicians, researchers, and thinkers after his death is his book “The Eastern Confederation; A Struggle between Identities and Policies”.

In this book, Naqqash sets out a strategy for uniting intellectual, political, and military efforts and energies in the Middle East (West Asia) in order to form a coalition to resist Zionist-American hegemony and authoritarianism.

Q: What are the main sources that actually inspired Anis al-Naqqash in his struggle and scientific life?

A: Before the victory of the Islamic Revolution in Iran, the late Anis al-Naqqash was a fighter in the front ranks of the Palestinian resistance in Lebanon and one of the most prominent security and military figures in it. He participated in military operations outside Lebanon for the sake of the Palestinian cause.

After the victory of the Islamic Revolution, Naqqash was associated with the Iranian revolutionaries, where he found his intellectual and revolutionary goals in line with this great revolution.
He served as a coordinator between the Islamic revolution and the Palestinian resistance and regarded the late Imam Khomeini, his honorable leader, and inspirer who possesses all the elements of leadership for the Ummah.

Q: What is the position of Palestine in Anis Naqqash’s thinking?

A: Palestine was reflected in the whole life of the late Anis al-Naqqash, from cradle to grave, until he was called “friend of Palestine” and the Palestinian flag did not leave him until his honorable coffin was wrapped in it.

His relationship with Palestine is like the relationship of the soul to the body, oxygen to the lung, and the mother to her child.

He gave Palestine all his breath, thought, and genius in support of Palestine, the resistance fighters, and the oppressed people.
 

RELATED NEWS

ما الذي يُعَدّ للعراق؟

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
كاتب فلسطيني

الأخبار

عمرو علان

الثلاثاء 9 آذار 2021

يعكف عادةً ساكن البيت الأبيض الجديد في المئة يوم الأولى بعد تنصيبه على رسم الخطوط العريضة التي ستحكم سياسات إدارته خلال فترته الرئاسية، لكن يبدو أنه بات من الممكن تلمّس معالم استراتيجيات جو بايدن تجاه منطقة المشرق العربي، في قراءة أولية معتمدين بشكل رئيسي على ما أقدم عليه الأميركي أخيراً وتحركات بعض حلفائه الإقليميين، ولا سيما أن هذه المعطيات تتقاطع مع بعض المعلومات المتوافرة من مصادر مطلعة.

لم تفلح إدارتا باراك أوباما ودونالد ترامب في حسم الحرب على سوريا لمصلحتَي الولايات المتحدة الأميركية وربيبها الكيان الصهيوني من الناحية الإستراتيجية، وحقّقت سوريا ومحور المقاومة عموماً إنجازات متتالية خلال السنوات الماضية، وبات نفوذ المحور في تصاعد على مساحة الإقليم بشكل عام، رغم العثرات في مواضع، وبطء الإنجازات في مواضع أخرى، وبدأ طريق طهران بيروت مروراً ببغداد ودمشق بالرسوخ رويداً رويداً، ويدرك الأميركي ما لهذا الأمر من تهديد على نفوذه، ليس من الناحية العسكرية وحسب، بل الأهم هو ما يتيحه ترسيخ هذا الخط لأطراف محور المقاومة من فرص تبادل اقتصادي وفرص إنمائية، ما يمثّل تحدياً جدياً لسياسات الضغوط الاقتصادية القصوى التي باتت تتَّبِعُها الولايات المتحدة الأميركية في ظل انحسار خيارات الانخراط العسكري المباشر لديها.

وكان من المتوقّع أن ينصرف الأميركي إلى التركيز على التحدّيين الصيني والروسي بناءً على اللهجة العدائية الأميركية المتصاعدة تجاه هاتين القوتين العظميين، لكن يظهر أن الأجنحة الصهيونية داخل الإدارة الأميركية نجحت فيوضع ملفات المنطقة – بما تمثّل من تحديات حقيقية للكيان الصهيوني – ضمن سلم أولويات إدارة جو بايدن الكثيرة.

تُعدّ زيادة ترابط الساحتين العراقية والسورية أحد إفرازات أحداث العشرية الأخيرة، حيث باتت تؤثر إحداهما على الأخرى بشكل مباشر، وبالتالي على عموم محور المقاومة، وكون الروسي حاضراً في الساحة السورية، وما لهذا الحضور من تأثير على هامش المناورة الأميركية في تلك الساحة، يبدو أن الأميركي يتجه إلى محاولة كسر حلقة التواصل بين أطراف محور المقاومة عبر إحداث تطورات على الساحة العراقية تصبّ في مصلحته، لكون هامش الحركة لديه في العراق أوسع، ونظراً إلى خصوبة الساحة العراقية بسبب التناقضات في الداخل العراقي، ويبدو أن الغارة الجوية الأميركية الأخيرة على فصائل الحشد الشعبي العراقي تأتي في سياق رسم ملامح المرحلة القادمة وفي سياق تحضير ساحة العمليات الأميركية، سيّما أن اختيار منطقة الحدود العراقية السورية لتنفيذ هذه الغارة له دلالاته، وكان لافتاً أيضاً ظهور رغد صدام حسين على قناة العربية المملوكة سعودياً في سلسلة حلقات تلفزيونية، ورفضها في تلك المقابلة استبعاد احتمالية أن يكون لها دور مستقبلي في العراق، ما يمكن قراءته كإشارة أخرى على وجود هكذا توجُّه لدى المحور الصهيوأميركي.

تشير المصادر المطّلعة إلى وجود خطة أميركية لإحداث بلبلة أمنية في الداخل العراقي، والقيام بعمليات تصفية لمفاصل فاعلة قريبة من محور المقاومة من خلال قوات خاصة وعمليات أمنية، أملاً في قلب التوازنات الحاكمة في العراق حالياً لمصلحة الأميركي، ونقله من موقع إلى آخر، ويرجّح أن يكون هذا بالتوافق مع شخصيات تشغل مناصب عليا في الحكومة العراقية الراهنة، وبرغم النفي الصادر عن وزارة الدفاع العراقية، فلقد كان لافتاً تصريح الناطق باسم البنتاغون جون كيربي عن تنسيق الغارة الجوية الأخيرة ضد الحشد الشعبي مع الحكومة العراقية قبل أن يتراجع ويسحب هذا التصريح.

انتقال العراق من تموضعه الحالي إلى تموضع أقرب للسياسات الأميركية يُفضي إلى تشديد الخناق الاقتصادي المفروض على الدولة السورية، إضافة إلى كسر حلقة التواصل بين أطراف محور المقاومة كما أسلفنا، ويأمل الأميركي من الحصار الخانق المفروض على الدولة السورية تحقيق مكاسب في الانتخابات السورية المقبلة، وانتزاع تنازلات من القيادة السورية في قضية استقلال الأكراد في الجزيرة السورية، حيث آبار النفط وحقول القمح السورية.
إذا صحّت هذه التوقعات، فهذا يفرض على محور المقاومة رسم خطوط حمر أمام العبث الأميركي، وهذا متاح لأن المبادرة في الإقليم لا تزال بيد محور المقاومة، بعد تجاوز كل أشكال الضغوط في السنوات الأربع المنصرمة.

* كاتب فلسطيني

عمرو علان: رواية الصلاة في القدس وأنيس فلسطين

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
كاتب سياسي فلسطيني

عمرو علان

كان آخر ما كتب أنيس فلسطين، الراحل أنيس النقاش، رفيق أبو جهاد وخليل العِماد: “أنا انتهيت” نفهم من هذه العبارة الصادمة أن أجَله قد حان ولن يشهد الفصل الأخير من رواية الصلاة في القدس، لكن روحه المناضلة لن تفوّت المشهد، تلك الرواية التي نذر أنيس النقاش حياته لها بكل جِدٍ وإخلاص. وكان مشروع “التشبيك” من أجل “المشرقية” الذي أمضى النَّقاش سنواته الأخيرة فيه، أحد الركائز على طريق القدس، وهذا المشروع منسجم مع وعي الراحل السياسي المبكر وخطه النضالي، فيقول النَّقاش: “في سياق التحالف مع القوى الثورية – ومنذ البداية – قمتُ بمطالعات ودراسات معمقة عن حلف شمال الأطلسي وحلف “السنتو” وفهمت مخاطر الدور التركي والدور الإيراني، وكتبت يومها تقريراً للأخ أبو جهاد أقول فيه: الإمبريالية تخطط بشمول وعلى الثورة أن ترد بشمول، وكنت أعتقد أن للولايات المتحدة الأمريكية حليفين كبيرين في المنطقة هما تركيا وإيران، ونحن إذا أردنا أن نغير الموازين في المنطقة علينا أن نعمل على التغيير في هاتين الدولتين”، وقد وافق أبو جهاد على السير قدما في هذه الرؤية.

يُعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية فيها، وتبدل موقع إيران الجيوسياسي من حليف للاستكبار العالمي إلى نصير لحقوق الأمة الإسلامية والمستضعفين المدماك الأول على هذا الطريق، ولقد كان النَّقاش ممن ساهموا في إنجاز هذا الانتصار.

يتقاطع مشروع “التشبيك عوضاً عن الاشتباك” في العديد من جوانبه مع مشاريع مشابهة تبنتها شخصيات أخرى فاعلة ومخلصة في المنطقة {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}، ولكن المهم أن فلسفة هذا المشروع تنبع من نظرة وحدوية شاملة لبلاد المشرق العربي والإسلامي، وتميّز النَّقاش بعمله الدؤوب على أرض الواقع وفي الميادين من أجل إتمام هذا المشروع، لا سيما في العشرية الأخيرة من عمر الحرب – الإمبريالية بأيادي محلية – المفروضة على الدولة السورية.

لكن الراحل كان يدرك أن هكذا مشوار هو أطول من عمر الجسد، وأن بذور المشروع الوحدوي كامنة في الظروف الموضوعية الراسخة أصلاً في أرضنا ضمن حقائق التاريخ والجغرافيا، ويمكن هنا الاستئناس بما قاله عن نشْأت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، حيث كان دوره في العمل ضمن مشروع تأسيسها قد انقطع نتيجة اعتقاله في فرنسا مما ساهم في تأخير بزوغ فجرها، حيث قال: ” لكن الأمور تجري بنا ومن دوننا، وهذا درس سياسي مضمونه أن الظروف الموضوعية هي الأقوى دائماً من الظروف الذاتية، أي أن الإنسان جزء من آلة كبيرة، ربما تستفيق على فكرة اليوم وتكون السبّاق إليها والرائد فيها، لكن عدم تنفيذك الفكرة لا يعني أن هذه الفكرة لن تنبت في مكان آخر أو لدى شخص آخر”.

لهذا بعد رحيل أحد فرسان المشاريع الوحدوية البارزين ينتقل عبء إتمام المسيرة إلينا، فهم روَّوا بالدم والحِبْر والعرق بذور الوحدة المزروعة في أرضنا، وعلينا إكمال المشوار كي تُزهِر هذه البذور تعاوناً إقليمياً في الأمن والاقتصاد والثقافة، مما سَيُعَبِّد الطريق واسعاً نحو الصلاة في المسجد الأقصى وكنائس القدس بلا أدنى شك.

ولعل المشيئة الإلهية قدّرت أن يكون أجَل أنيس النقاش المكتوب بسبب “الكورونا” اللعينة، مما يضيف إليه بعداً إنسانياً وعاطفياً يحاكي أثَر رحيل الشهداء، ونحسبه بإذن الله كذلك على ما قدم، ويُجزئ في هذا ما كتبه المفكر العربي منير شفيق – أحد أقطاب الفكر الوحدوي ومن المنظّرين لفكرة تحديد التناقض الرئيسي – في نعي الفقيد المنشور على جريدة الأخبار، ولعله بهذا يتحقق في رحيل أنيس النقاش مقولة الشيخ راغب حرب: “دمُ الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله فإنه ينمو”.

رحمة الله عليك يا أنيس فلسطين وأنيس المقاومين، فالقدس اليوم فقدت أحد فرسانها المخلصين.

كاتب سياسي فلسطيني

No, Anees, the novel is still long لا يا أنيس.. الرواية ما تزال طويلة

No, Anees, the novel is still long

اختلفنا كثيراً، ولكننا اتفقنا على ما يخص فلسطين.
We disagreed a lot, but we agreed on what was going on with Palestine.
حياة الحويك عطية
حياة الحويك عطية

Source: Al-Mayadeen Net

I knew him 50 years ago when the whole nation was rising, and I last met him in Damascus.

No, Anis, the novel is still long, and we will all leave before it is over, and there are generations that have not yet been born.

I was in my third year of law school, in my second year in the Syrian National Social Party, and at the height of the enthusiasm to break all the sectarian, class and isolationist fences of any kind, when I read that the Islamic schools of “Makassed” ask for a part-time French language school, which I was doing in the school of Jisr al-Basha camp.

I made my request, and everyone laughed at me: Can you believe that “Makassed” will choose Maronite to be the first Christian schoolteacher in its classes!? I was chosen. That was the decision of the late Shafiq Al Wazzan. I flew with joy, from breaking the regional barrier to breaking the sectarian barrier.

It was the days of the big dream, and we were young, living it with certainty.  Between “purposes” and their atmospheres, especially the “Union of Students of Purposes”, the faculty of law and its atmosphere, party work, and the association of all of this with Palestinian work.

أرشيف لبنان Lebanon Archives в Twitter: "١: نجاح واكيم بعد انتخابه نائباً  عام ١٩٧٢ ٢: نجاح واكيم مشاركاً في مظاهرة مطلبية عام ١٩٧٣… "
Najah Wakym

Our partisan nervousness existed and strong, reinforced by early youth, but our national and national compass was clear and stronger than all the nervousness.

Therefore, we were inspired by the elections of Najah Wakim, who defeated Naseem Majdalani in his constituency, the young Christian Jubaili who had just graduated from the Arab University of Beirut, who presented himself as the candidate of the party or the political current (Nasiriyah) and youth, and without any funding, defeated the traditional and sectarian leadership in its own backyard.

Office of the Minister of State for Administrative Reform - Zaher el Khatib
Zaher al-Khatib

Like him, Zaher al-Khatib’s breakthrough was in Al-Shuf. (The two became the only deputies to vote against the humiliating May 17 agreement with the Israeli enemy) . 

In this battle, I met Anis al-Naqash, and I did not know that it was Mazen. I knew that he was a fighter in the ranks of the Student Union and in Fatah, and that he was close to Abu Jihad. I felt interested when I was told in the party that he was the nephew of Dr. Zaki Al-Naqash, the man who was with Anton Saada in the founding phase, and then moved away to become a national Islamic destination distinguished by his seriousness and boldness.

He was a Fathawi par excellence, but his name was attached to the Popular Front at one point, specifically the two martyrs Kamal Khair Bek and Wadih Haddad, to come shock after 40 years in his confessions during a dialogue with his friend Sakher Abu Fakhr, and another television interview, that he did not go to Kamal, and to Wadih Haddad, except by order of Abu Jihad, to show him all that Haddad was planning, and then to prevent what Abu Jihad was rejecting.

Therefore, he recounted in detail his role in the thwarting of the Vienna Process Why? Because the front used to see that this kind of external operation was the one that shocked international public opinion, telling him that the Palestinian people exist, and Palestine is not a land without a people for a people without a land. Whereas, “Fatah”, which he is from, and Abu Jihad is its second man, she believed that some operations harm the security and image of the Palestinian resistance, and that assassinations, especially diplomacy, are not a useful method for a resistance that wants to gain Arab and international public opinion. Anis was risking himself to implement these visions. Compliance or conviction?

In both cases, he was a fighter, but on the ground, the choice of forming resistance cells was inevitable, and there is no dispute about it. Accordingly, Anis was the first to work on this in southern Lebanon after the secret organization in Beirut.

Who is Georges Abdallah | Freedom for Georges Ibrahim Abdallah
George Ibrahim Abdullah

I haven’t seen him since that time in Beirut until the late 1990s. I thought he wouldn’t be released from life imprisonment (in a break in Damascus, in 2015 he touted me how he put his strategy in prison so that no one would forget him, so that he would not be a victim of the improvement of Franco-Iranian relations in the days of Mitterrand). And he came out. Leaving the abandoned militant George Ibrahim Abdullah.

In 2002, we met on the plane from Beirut to Doha. We didn’t exchange a word. The besieged Iraq was a wall between us. Our meetings were repeated in Doha for Al-Jazeera programs, until we openly opened the discussion in a breakfast session. I was surprised by his acceptance of the harsh controversy. I did not deny that the Iran-Iraq war was a Western American fabrication. I had translated hundreds of documents proving this (especially the Elysee diaries during the era of Mitterrand, in which Western officials were arranging for the continuation of the war until the two sides were exhausted), but I did not accept leaving Iraq for its siege and for the obvious plot, it is the wall of the nation, and I, who covered, on the ground, presence, study, follow-up and translation, every stray and present around it from 1980 until two months before the occupation of 2003.

We disagreed a lot, but we agreed on the issue of Palestine. This man believed with strange optimism that Palestine is an issue that cannot be erased. One way or another, there will always be surprises that will return them to their rightfulness. What he did not say explicitly is that he considers that the tried methods have failed and must be renewed. I asked him sincerely: Is it the search for an alternative that led you and Munir Shafiq to the Islamic option? He smiled cunningly, and said, “Maybe yes, maybe not.

As a result of his relationships, it was once said that he was influenced by Anton Saadeh, and once by Mao Zedong, especially with his proximity to Munir Shafiq, and once by Marx and Lenin, and even by Michel Aflaq, until he admitted that he had read them all and learned from them all, but his real teachers were his responsible in the field resistance from the age of 15 to the gray. Let us say, the security resistance, because most of his tasks were in this area, whether it was dialogue diplomacy or the dangerous field. As he admitted, his first course was in Egypt, and we don’t know what’s next.

الكونفدرالية المشرقية
The Levantine Confederation – Conflict of Identities and Policies

In Damascus, we met repeatedly, and worked in a joint book. I confronted him with that, and he admitted to me that the events in Syria changed a lot for everyone and crystallized a lot. He told me about his project The Levantine Confederation , so I told him: In principle, the axis is a thing and the nation is something, and if it mixes, it ruins everything, then the problem does not lie only in geography. Unless sectarian and ethnic sub-identities dissolve, geography only expands the arena of conflict. He surprised me with approval. He considered Syria a matter of life or death. He told me: Palestine will end if Syria ends. I told him: I remember Jean-Pierre Schweinmann when he wrote in 1991 about an American plan to Lebanonize Iraq. Now, we must not allow Syria to be stirred. this is the most important. This alone is a bet for the survival or demise of Palestine.

Today, I cry heartily. I knew him while we were a young generation collecting from their pocket money for the resistance, and the generation of our young people today left between those who live as martyrs to prevent death and those who beg the NGOs and the embassies to enjoy the dollars and sell the homeland and the concerns of the citizens.

أرشيف لبنان Lebanon Archives в Twitter: "١: نجاح واكيم بعد انتخابه نائباً  عام ١٩٧٢ ٢: نجاح واكيم مشاركاً في مظاهرة مطلبية عام ١٩٧٣… "

I knew him as we delivered a young Christian to parliament for a Sunni constituency without the cost of a penny. A young man with whom we disagree ideologically and patricianly, but we support him and we are winning. We differ from dozens of trends, but we meet on the big goals. We know that the Communists and Charles de Gaulle fought together to liberate the country from Nazism, and they know that they will later disagree on the social program, without disbelieving each other.  I knew him as a young generation that succeeded in breaking sectarian walls, and we were appointed to Palestine. And here he is leaving with the walls rising, and the eye on the nation from Iraq to Syria to Lebanon to Palestine.   

I knew him 50 years ago when the whole nation was rising, and I last met him in Damascus. We couldn’t leave the hotel, because the shelling was coming out of Ghouta. We left only when It was liberated. Yesterday, friend Ahmed al-Darzi said that Anis wrote on a paper two days before his departure: I am finished, the novel isdead!!   

No, Anis, the novel is still long, and we will all leave before it ends, but there are generations that have not yet been born.  

Related Articles

لا يا أنيس.. الرواية ما تزال طويلة


عرفته قبل 50 عاماً حين كانت الأمة كلها تنهض، والتقيته آخر مرة في دمشق. لا يا أنيس، الرواية ما تزال طويلة، وسنرحل كلّنا قبل أن تنتهي، وهناك أجيال لم تولد بعد.

اختلفنا كثيراً، ولكننا اتفقنا على ما يخص فلسطين.
اختلفنا كثيراً، ولكننا اتفقنا على ما يخص فلسطين

كنت في سنتي الجامعيّة الثالثة في كليّة الحقوق، وفي سنتي الثانية في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وفي عز مرحلة الحماس لتكسير كل الأسوار الطائفية والطبقية والانعزالية، من أي نوع كانت، حين قرأت أنّ مدارس “المقاصد” الإسلامية تطلب مدرّسة لغة فرنسية بدوام جزئي، وهو ما كنت أقوم به في مدرسة مخيم جسر الباشا.

قدمت طلبي، وضحك الجميع مني: هل تصدقين أن “المقاصد” ستختار مارونية لتكون أول مدرّسة مسيحية في صفوفها!؟ وتم اختياري. كان ذلك قرار المرحوم شفيق الوزان. وقد طرت فرحاً، من كسر الحاجز الإقليمي إلى كسر الحاجز الطائفي. 

كانت أيام الحلم الكبير، وكنا صغاراً نعيشه بيقين التحقّق.  بين “المقاصد” وأجوائها، وخصوصاً “اتحاد طلاب المقاصد”، وكلية الحقوق وأجوائها، والعمل الحزبي، وارتباط كل ذلك بالعمل الفلسطيني. كنت أسمع بـ “مازن”؛ النموذج النشط وصاحب القدرة التنظيمية الكبيرة. كنا نعرف أن معظم الأسماء حركية، ولكننا لم نكن نأبه بمعرفة من وراءها. المهم هو الأفق الذي يكمن أمامها. 

كانت عصبيّاتنا الحزبية موجودة وقوية، يعزّزها الشباب المبكر، ولكن بوصلتنا القومية والوطنية كانت واضحة وأقوى من كل العصبيات. لذلك، هلّلنا لانتخابات نجاح واكيم الّذي هزم نسيم مجدلاني في دائرته؛ الشاب الجبيلي المسيحي الذي كان قد تخرج للتو من جامعة بيروت العربية، والذي طرح نفسه مرشح الحزب أو التيار السياسي (الناصرية) والشباب، ومن دون أي تمويل، فهزم الزعامة التقليدية والطائفية في عقر دارها. ومثله كان اختراق زاهر الخطيب في الشوف. (أصبح الاثنان النائبين الوحيدين اللذين تجرّآ على التصويت ضد اتفاقية 17 أيار المذلّة مع العدو الإسرائيلي). 

في هذه المعركة، التقيت أنيس النقاش، ولم أعرف أنه مازن. عرفت أنه مناضل في صفوف الاتحاد وفي “فتح”، وأنه قريب من أبو جهاد. شعرت بالاهتمام عندما قيل لي في الحزب إنه ابن شقيق الدكتور زكي النقاش؛ الرجل الذي كان مع أنطون سعادة في مرحلة التأسيس، ثم ابتعد ليصبح مقاصدياً قومياً إسلامياً متميزاً بجديته وجرأته. 

بعدها، سمعنا الكثير عن أنيس. كان فتحاوياً بامتياز، ولكن اسمه التصق في فترة ما بالجبهة الشعبية، وتحديداً بالشهيدين كمال خير بيك ووديع حداد، لتأتي الصدمة بعد 40 سنة في اعترافاته خلال حوار مع صديقه صخر أبو فخر، وحوار تلفزيوني آخر، بأنه لم يذهب إلى الجبهة، وإلى كمال، وإلى وديع حداد، إلا بأمر من أبو جهاد، ليطلعه على كل ما كان يخطط له حداد، ومن ثم ليمنع ما كان يرفضه أبو جهاد.

وعليه، روى بالتفصيل دوره في إفشال عملية فيينا. لماذا؟ لأن الجبهة كانت ترى أنّ هذا النوع من العمليات الخارجية هو الذي يصدم الرأي العام الدولي، ويقول له إن الشعب الفلسطيني موجود، وفلسطين ليست أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض. في حين أن “فتح”، وهو منها، وأبو جهاد رجلها الثاني، كانت تعتقد أن بعض العمليات يسيء إلى أمن المقاومة الفلسطينية وصورتها، وأن الاغتيالات، وخصوصاً الدبلوماسية، ليست أسلوباً مفيداً لمقاومة تريد كسب الرأي العام العربي والدولي. كان أنيس يخاطر بنفسه لتنفيذ هذه الرؤى. امتثالاً أم قناعة؟ 

في الحالين، كان مقاتلاً، أما على الأرض، فكان خيار تشكيل خلايا مقاومة هو المحتوم، والذي لا خلاف حوله. وعليه، كان أنيس أول من عمل على ذلك في جنوب لبنان بعد التنظيم السري في بيروت. 

لم أره منذ تلك الفترة في بيروت وحتى أواخر التسعينات. اعتقدت أنه لن يخرج من السجن المؤبد (وفي جلسة استراحة في دمشق، عام 2015 حكى لي بطرافة كيف وضع استراتيجيته في السجن كي لا ينساه أحد، وكي لا يكون ضحية تحسن العلاقات الفرنسية الإيرانية أيام ميتران). وخرج.. ليبقى المناضل المتروك جورج إبراهيم عبد الله. 

في عام 2002، التقينا في الطائرة من بيروت إلى الدوحة. لم نتبادل كلمة واحدة. كان العراق المحاصر جداراً بيننا. تكررت صدفة لقاءاتنا في الدوحة لبرامج “الجزيرة”، إلى أن افتتحنا النقاش بصراحة في جلسة فطور. فوجئت بتقبله الجدل القاسي. لم أنكر أن الحرب العراقية الإيرانية هي افتعال أميركي غربي. كنت قد ترجمت مئات الوثائق التي تثبت ذلك (وخصوصاً يوميات الإليزيه في عهد ميتران، وفيها كيف كان المسؤولون الغربيون يرتبون لاستمرار الحرب إلى أن ينهَك الطرفان)، ولكنني لم أتقبل أن يترك العراق لحصاره وللمؤامرة الواضحة، فهو الجدار الاستنادي للأمة، وأنا التي غطيت، حضوراً ميدانياً ودراسة ومتابعة وترجمة، كل شاردة وواردة حوله منذ 1980 وحتى شهرين قبل احتلال 2003. 

اختلفنا كثيراً، ولكننا اتفقنا على ما يخص فلسطين. كان هذا الرجل مؤمناً بتفاؤل غريب بأن فلسطين قضية لا يمكن أن تشطب. وبطريقة أو بأخرى، ستتفجر دائماً مفاجآت تعيدها إلى حقها. ما لم يقله بصراحة أنه يعتبر أن الأساليب المجربة فشلت ولا بدَّ من جديد. سألته بصدق: هل البحث عن البديل هو ما دفعك ومنير شفيق إلى الخيار الإسلامي؟ ابتسم بمكر، وقال: ربما نعم، وربما لا.

نتيجة علاقاته، كان يقال مرة إنه تأثر بأنطون سعادة، ومرة بماو تسي تونغ، وخصوصاً مع قربه من منير شفيق، ومرة بماركس ولينين، وحتى بميشال عفلق، إلى أن اعترف بأنه قرأهم جميعاً وتعلم منهم جميعاً، ولكن معلميه الحقيقيين هم مسؤولوه في المقاومة الميدانية مذ كان صبياً في الخامسة عشرة من عمره وحتى الشيب. ولنقل، المقاومة الأمنية، لأن معظم مهامه كانت في هذا المجال، سواء كانت دبلوماسية حوارية أو ميدانية خطرة. وكما اعترف، كانت أول دوراته في مصر، ولا ندري ما بعدها. 

في دمشق، التقينا مراراً، وعملنا في كتاب مشترك. واجهته بذلك، واعترف لي بأن أحداث سوريا غيرت الكثير لدى الجميع وبلورت الكثير. حدثني عن المشرقية، فقلت له: مبدئياً، المحور شيء والأمة شيء، وإذا اختلطا، خرب كل شيء، ثم إن المشكلة لا تكمن فقط في الجغرافيا. ما لم تذب الهويات الفرعية، الطائفية والعرقية، فالجغرافيا توسع ساحة الصراع فحسب. فاجأني بالموافقة. كان يعتبر سوريا قضية حياة أو موت، قال لي: ستنتهي فلسطين إن انتهت سوريا. قلت له: أتذكر جان بيير شفينمان عندما كتب في العام 1991 عن خطة أميركية للبننة العراق. الآن، يجب ألا نسمح بعرقنة سوريا. هذا هو الأهم. هذا وحده رهان بقاء أو زوال فلسطين.

اليوم، أبكي بحرقة. عرفته ونحن جيل شباب يجمع من مصروف جيبه للمقاومة، ورحل وجيل شبابنا اليوم بين من يثوي شهيداً لمنع الموت ومن يتسول الـ “أن جي أوز” والسفارات لينعم بالدولارات ويبيع الوطن وهموم المواطنين. عرفته ونحن نوصل شاباً منا مسيحياً إلى البرلمان عن دائرة سنية ومن دون كلفة قرش. شاب كنا نختلف معه عقائدياً وحزبياً، ولكننا ندعمه ونهلل لفوزه. نختلف بين عشرات الاتجاهات، ولكننا نلتقي على الأهداف الكبرى. نعرف أن الشيوعيين وشارل ديغول قاتلوا معاً لتحرير البلاد من النازية، وهم يعرفون أنهم سيختلفون في ما بعد على البرنامج الاجتماعي، من دون أن يكفّر أحدهما الآخر.  

عرفته ونحن جيل شباب ينجح في تكسير الأسوار الطائفيّة، وعيننا على فلسطين. وها هو يرحل والأسوار تعلو، والعين على الأمة من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى فلسطين.   

عرفته قبل 50 عاماً حين كانت الأمة كلها تنهض، والتقيته آخر مرة في دمشق. لم نستطع مغادرة الفندق، لأن القصف كان ينهمر من الغوطة. لم نغادر إلا وقد تحررت. يوم أمس، قال الصديق أحمد الدرزي إن أنيس كتب على ورقة قبل رحيله بيومين: أنا انتهيت، ماتت الرواية!!   

لا يا أنيس، الرواية لا تزال طويلة، وسنرحل كلّنا قبل أن تنتهي، لكن هناك أجيال لم تولد بعد.  

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

Naqqash’s solution for Middle East: A Levantine Confederation (Pt. 3)

Source

Description:

In a recent conference held on Zoom and published on YouTube, senior Middle East political analyst Anees Naqqash spoke about his 2014 book titled The Levantine Confederation: The Battle of Identities and Policies.

The book proposes that the solution to the chronic problems of the war-ravaged and tumultuous Middle East region lies in the establishment of a confederation that unites the states of the Levant, or what Naqqash often calls the ‘West Asian region’.

Middle East Observer will gradually be publishing English translations of the author’s online talk over several posts. The following is Part Three.

To read Part One see here.
To read Part Two see here.

Source:  Kalam Siyasi (YouTube Channel)

Date:  Aug 26, 2020

(Important Note: Please help us keep producing independent translations for you by contributing as little as $1/month here)

Transcript:

Anees Naqqash:

In view of this complex situation, I saw that it was our duty to begin the battle for the reestablishment of a new Levant via new political thought, and to determine the priorities of the (ongoing greater) regional conflict and put them in the following order:

The first struggle must be named “national liberation from Western and Zionist hegemony”.  We cannot dream of an economic renaissance and intellectual and social liberation if our countries are still under direct or indirect occupation by Western and Zionist powers. Therefore, the Levantine political parties and movements have to realize that national liberation must be a collective mission to support the resistance movement in the region for the sake of liberating Palestine. During this battle, the American forces in the region must be defeated in order to clear the region of foreign forces and Zionism.

The second mission is to find new political ideas that diverge from Ibn Khaldun’s theory of domination (i.e. there can be no social order without a form of power based upon constraint and domination) because our study of previous empires (shows that) they were ruled by the dominant ethnicities, tribes, clans or families (of those times). The Umayyads were one group who dominated the entire nation just to rule it under the name of the Umayyads. The same applies to the Abbasids and the Ottomans who were the predominant group (in their nation during their respective times). Despite the advantages and the power that these empires had, they were built on domination rather than dialogue. At that time in history, it was probably difficult to have a dialogue that brings together all these ethnicities and peoples in order to build an empire based upon mutual understanding and social contracts. I am saying this to make sure our reading (of events) is realistic. Today, however, domination is no longer acceptable nor permitted, even if it offers a booming economy and heightened regional security. National, innate and religious tendencies remain an obstacle to accepting hegemony and domination of asabiyyah (defined by Ibn Khaldun as social solidarity).

Therefore, our only solution is to present a project of dialogue which we have named “The Levantine Confederation”. This project is built upon an understanding between states that have strong central security, states that are aware of the international conflict and are able to act as a lever to this project by starting a strategic dialogue between each other in order to build a Levantine system similar to the European system.

This (Levantine system) will restore to the Levant its previous empires, not by domination, but by a new socio-political contract that respects (the Levant’s) cultural and religious heritage, respects human rights, and builds a new system without changing the current maps, because changing them may lead to new clashes and instabilities. However, the borders will have minimal restrictions. (In other words,) the black borderline will be turned into a light gray line, similar to the EU borders that are almost non-existent. A person will be able to travel all over the Levant without a need for a travel visa. Goods will be transported from one country to another without paying customs except for a nominal fee. A (Levantine) investor will invest in any (Levantine) country. The economic renaissance can also be integrated with agricultural, industrial and energy – oil and gas – projects, etc.

We will build this (Levantine) system through understanding as Europe did. As a result, we will have fulfilled a big dream of the Islamic movement, i.e. uniting the Ummah (the Islamic community). (This system) would not unite a billion and a half (Muslims), but (at least) it would unite the core (of the Ummah) at the Levant. We will have also realized a huge dream of Arab nationalists who are not chauvinists nor racists. They rather adopted nationalism as an ideology to confront the West or unite Arabs against the Western and Zionist attack, but they failed (to do so).

However, this (Levantine) confederation will include many countries from inside and outside the Arab world, which will contribute towards freeing the Arab region from Zionism and Western control, and ensuring its coexistence with its natural neighbors with whom it shared a history of 1400 years under previous imperial systems.

Consequently, our (project) would have integrated with previous projects that have not succeeded, and we would find a new atmosphere for dialogue away from the atmosphere created by the mouthpiece of Western media financed by petrodollars. Unfortunately, the demonic Western media, with its intellectual toxins that fuel sectarian and ethnic conflicts in our region, no longer comes (to us) in English, nor in French. It is no longer a white man raising these issues to us. Their news rather come via Arab media funded by Arab petrodollars from Gulf countries that have put themselves at the service of the American-Zionist project, which is no longer a secret to anyone.

(To be continued…)


Subscribe to our mailing list!

Related Posts:

Naqqash’s solution for Middle East: A Levantine Confederation (Pt. 1)

September 29, 2020

Description: 

In a recent conference held on Zoom and published on YouTube, senior Middle East political analyst Anees Naqqash spoke about his 2014 book titled The Levantine Confederation: The Battle of Identities and Policies.

The book proposes that the solution to the chronic problems of the war-ravaged and tumultuous Middle East region lies in the establishment of a confederation that unites the states of the Levant, or what Naqqash often calls the ‘West Asian region’.

Middle East Observer will gradually be publishing English translations of the author’s online talk over several posts. This is part one, which revolves around Naqqash’s initial motivation for developing the concept of a ‘Levantine Confederation’.

(Read Part Two here)

Source:  Kalam Siyasi (YouTube Channel)

Date:  Aug 26, 2020

(Important Note: Please help us keep producing independent translations for you by contributing as little as $1/month here)

Transcript :

One does not need to be a political or strategic expert in order to know that our (Arab and Islamic) countries are (currently) living through numerous wars, whether internal wars or those of an external (nature); and that international and local powers are participating in these wars; and that the (Arab and Islamic) nation’s capabilities are being exhausted by these wars and violence. Its unity, territorial integrity, potentials, property and civilization are being consumed (as a result).

The worst thing about these wars is that they often tarnish and distort (true) Islamic thought, thus proving that many of those who bear arms (in this region) are in a state of aimlessness regarding the actual and necessary track that they should pursue in order to confront the true enemies of the nation. In other words, it has been proven that many activists and local actors have a weak (level of) awareness. Thus, these topics must be highlighted in order to put things back on track.

Naqqash's solution for Middle East: The Levantine Confederation (Pt. 1) | Middle  East Observer

The idea of a Levantine Confederation stems from two points. First, history shows that for more than 1400 years our region lived in a state of empire, starting from the Umayyads, to the Abbasids, all the way to the Ottoman Sultanate. Apart from some perversions during the Crusades and the Tatar and Mongol wars, the region lived in (a state of imperial) unity. No foreign power was allowed to intervene in its military, intellectual or economic affairs. However, following the two world wars, the (Arab & Muslim) nation was faced with a set of programs, plans and schemes resulting from its military defeat against the Western powers. This defeat enabled these (Western) powers to set up a very dangerous triangle for us: the Sykes-Picot-Balfour triangle.

The Sykes-Picot Agreement (in 1916) divided the Arab states in the region into small(er) states, while the Balfour Declaration (in 1917) fulfilled the promise of giving Palestine to the Jews for the establishment of a (Jewish) entity, one of the most brutal entities that the (Arab and Muslim) nation has ever faced in the modern era in terms of military, conspiratorial and intelligence capabilities. Today, this (Israeli) entity is posing a new danger, penetrating deep into the nation and the minds of its people.

In addition, these geographical divisions (created by Sykes-Picot and Balfour) established two types of regimes. First, there were the regimes that were built for religious-sectarian reasons, such as the Lebanese state established as a favor for the (Christian) Maronites in Lebanon. However, Lebanon has changed due to shifts in different kinds of balances as Maronites are no longer the largest demographic group (in Lebanon), nor do they occupy the main role in the country. Therefore, Lebanon always suffers from political problems because of its system that is based on sectarian identity, while it is demographically changing in relation to its sects, as some sects weaken and others grow stronger, which causes continuous security disturbances.

In fact, a part of Syrian land was cut off during the drawing of the map of Lebanon. The map of Syria was not drawn by the hands of its people. Rather, it was established based on the lines and borders demarcated by the French, who at that time gave Turkey a part of Syrian territory. Turkey was the only country (in the region) to demarcate its own borders via blood (i.e. through the military sacrifices that it made), because it was defending what was left of the Ottoman Empire. In other words, historically, Turkey was the only country whose borders were drawn with the blood of its people. Meanwhile, Lebanon’s borders were determined by the French Commission (the French body that controlled Lebanon). Many parts of Syrian territory were cut off, and what was left became the Syrian state.

Naqqash's solution for Middle East: The Levantine Confederation (Pt. 1) | Middle  East Observer

The good thing about Syria is that it preserved its unity against the four-zone division project that the French were planning for. (The French) wanted to establish (four states): an Alawite state, a Druze state, and two Sunni states, one in the north and another in the center; but this project was foiled by the national unity of the Syrians.

Iraq did not demarcate its (own) borders either. Not one Iraqi was involved in the drawing up of the map of Iraq. It was Miss Gertrude Bell – an advisor at the British Foreign Ministry – who drew up the map (of Iraq) and proclaimed Faisal the King of Iraq, based on a sectarian equation that would satisfy both the Shias and Sunnis, and she added some Kurds to a part of the current Iraqi map because (she deemed them) as fierce fighters who would fight against Turkey if a clash broke out between Iraq and the new Turkey.

(Winston) Churchill established Jordan and drew up its map. There was no country called Jordan. The establishment of Jordan fully complemented the British project to establish the State of Israel, in addition to Iraq which was also a British protectorate.

In conclusion, the Levant was suffering from the delineation of borders that were carried out without consultation with its people. (The Levant) was divided up, and new, quasi-national territorial identities were established alongside the sectarian and religious identities that continued to play an (important) role too.

(Read Part Two here)

—–

Subscribe to our mailing list!

Related Posts:

%d bloggers like this: