لبنان في 2020:حكومة الـ 20 بين الصفر والـ 20

العميد د. أمين محمد حطيط _

في ظلّ الحركة الاحتجاجيّة الظاهرة التي يشهدها لبنان والمواكبة مع تدخّل خارجي خفيّ يبتغي استثمارها، استقالت حكومة الـ 30 الحريرية واستبدلت بحكومة من 20 وزيراً خرجت منها قوى رئيسية من مكونات الطبقة السياسية اللبنانية (تيار المستقبل والقوات اللبنانيّة) فضلاً عن بقاء الأحزاب القوميّة والوطنيّة التي لم تكن ممثلة في الحكومة السابقة خارجها أيضاً، حكومة تمثل فيها بغير الحزبيين كلّ من الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر وتيار المردة وقسم من الدروز، حكومة وضعت أمام تحديات كبيرة، منها ما كان قائماً قبل وجودها ومنها ما استجدّ بعده فكيف ستواجه وما هو المتوقع لها؟

في البدء لا بدّ من التنويه أنّ حكومة العشرين القائمة شكلت في تأليفها رغم ما شابه من عيوب وثغرات، قفزة نوعية في الحياة السياسية اللبنانية منذ الاستقلال وحتى اليوم، إذ أسقطت نظرية “حكومة الوحدة الوطنية” الكاذبة التي كانت خلية إنتاج فساد مستمر او تعطيل دائم، وتكوّنت من اختصاصيين غير حزبيين خرج منها أشخاص ثوابت في أيّ حكومة كانت تشكل بعد العام 1992 أو أقله بعد العام 2005، ثم ضمّت ما يقارب الثلث من النساء، وجاء أكثر من النصف من أعضائها من أكاديميين وأساتذة جامعيين ممن يتولّون المناصب السياسية لأول مرة، وأخيراً استجابت بكليتها لنظرية فصل النيابة عن الوزارة.

إضافة الى ذلك لا يمكن أن نتجاوز مسألة هامة في قيام هذه الحكومة من البعدين السياسي او الاستراتيجي، حيث انّ النجاح في تشكيلها شكل صفعة لدعاة الفراغ السياسي في لبنان ودعاة نشر الفوضى المدمّرة فيه، مع ما تستتبعه من انهيارات شتى أولاً ثمّ إضرام نار الفتنة بين فئاته الشعبية بما يشغل المقاومة ويرهق جمهورها. وهي الفتنة التي جرت حتى الآن 5 محاولات لنشرها في أقلّ من 3 أشهر. ما يعني انّ تشكيل الحكومة يدخل نقاطاً إيجابية في رصيد من شكلها وهو المصنّف مقاوماً او ممانعاً للسياسة الأميركية وللمشروع الأميركي في المنطقة المشروع الذي يتضرّر منه لبنان عبر مصادرة أو اقتطاع قسم من حقوقه لمصلحة “إسرائيل”.

بيد أنّ هذه الوقائع والخصائص على أهميتها لا تكفي لتضمن لهذه الحكومة النجاح في ظلّ تعقيدات داخلية وتجاذبات إقليمية وضغوط دولية، تكاد للوهلة الأولى تنبئ بشبه استحالة نجاح هذه الحكومة في مهمة ارتضت أن تضطلع بها وهي إنقاذ لبنان الذي تتسارع به الخطى نحو الانهيار الاقتصادي والمالي الكبير فضلاً عن التصدّع الأكبر في البنية السياسية اللبنانية.

لكن هذه الحكومة رغم دقة الظروف وصعوبتها، ليست مجردة من عناصر القوة التي يمكنها الاستناد اليها في مناورتها او مشروعها الإنقاذي، خاصة أنّ هذه الحكومة تستند سياسيّاً الى أكثريتين هامتين… أكثرية نيابية تتعدّى الـ 67 نائباً بشكل مؤكد فضلاً عن أكثرية شعبية تتعدّى نصف اللبنانيين بشكل واقعي موضوعي، كما لها أن تستند الى القوة العسكرية والأمنية الرسمية وغيرها التي تمكنها من أن تبقي الوضع الأمني تحت السيطرة، كما انّ لهذه الحكومة ان تستفيد من الانقسام الإقليمي والاستفادة من دعم أحد المحاور والتكتلات الإقليميّة معطوفاً على الدعم الدولي الذي جاهر أصحابه به حتى الآن، ما يعني أنّ لدى هذه الحكومة أوراق قوة داخلية وخارجية مهمة ويمكنها استعمالها لتنطلق الى العمل الذي يخدم عملية الإنقاذ التي انتدبت نفسها إليها. فهل ستنجح؟ ثم ما هي معايير النجاح المعوّل عليه؟

إنّ أمام هذه الحكومة فرص نجاح لا بأس بها، وسيكون نجاحها إذا حصل إنقاذاً للبنان، أما معاييره فهي ترتبط بالتدابير التي تشير إليه وتنقسم الى فئتين، فئة يعتبر القيام بها نجاحاً وفئة يكون القبول بها فشلاً، وعليه نرى أنّ أعمال الفئة الأولى والتي تؤكد النجاح تشمل على الأقلّ:

1 ـ صمود الحكومة بوجه الضغوط الداخلية او الخارجية، وعدم المسارعة إلى الاستقالة التي تدخل البلاد في الفراغ لأنّ مثل هذا الفراغ سيكون الطريق الأقصر للفوضى والانهيار ووضع قرار لبنان كلياً بيد الخارج، كما هو الحال في بلدان عربية عصفت بها نيران الحريق العربي.

2 ـ التعاون مع مجلس النواب، لإقرار قوانين محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة بشكل سريع ثم وضع الآلية التنفيذية لها ووضعها موضع التطبيق الجدي، وهو عمل سيسحب الذرائع من يد الضاغطين على الحكومة الداخلية والخارجية خاصة أولئك المطالبين بالإصلاح والراهنين دعمهم بذلك.

3 ـ رفع اليد عن القضاء ومنع التدخل في أعماله، وتشجيعه على العمل السريع والمتواصل لبتّ الملفات التي تتضمّن هدراً للمال العام أو خرقاً لقانون الإثراء غير المشروع.

4 ـ وضع قانون جديد للانتخاب والبحث في إمكانية إجراء انتخابات مبكرة وفقاً لتطوّر الظروف.

أما الفشل فإنه سيكون في العجز بالقيام بما تقدّم من جهة، ويكون الفشل الأكبر وسقوط لبنان إذا تمّت الاستجابة للمطالب الأميركية التي من أجلها يحاصر لبنان ويعاقب والتي من أجلها يحصل التدخل لحرف الحركة الاحتجاجية عن مسارها وأهدافها. فأميركا تريد من لبنان الآن وفي معرض “صفقة القرن” التي تستعدّ لإعلانها لتصفية القضية الفلسطينية، تريد من لبنان القبول بـ:

أ ـ توطين نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان لأنّ “صفقة القرن” شطبت حق العودة.

ب ـ ترسيم الحدود البحرية مع “إسرائيل” ليتنازل لبنان بموجبها عن مساحة تتراوح بين 400 كلم2 (خط هوف) و862 كلم2.

ج ـ إعادة النظر بالحدود البرية الدولية مع فلسطين المحتلة بشكل يعطي “إسرائيل” كلّ أرض تبتغيها بحجة الضرورات الدفاعية.

د ـ خروج حزب الله من السلطة في لبنان ثم وضع جدول زمني لتفكيك منظومته العسكرية للإجهاز على المقاومة.

إنّ الحكومة أمام فرصة زمنية قصيرة لا تتعدّى الـ 100 يوم، يحكم بعدها على النجاح وبوادره او السقوط والكارثة، ويمكنها أن تحصل على علامة إنتاج تتراوح بين الصفر والعشرين، وأنّ من حقها ان تطلب فرصة للعمل والاختبار وواجب على الجميع إعطاؤها هذه الفرصة، وإلا يكون انتحار جماعي يشارك الكلّ فيه.

  • أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

على هامش مشاورات تشكيل الحكومة

ديسمبر 31, 2019

ناصر قنديل

هناك حقيقتان مبدئيتان لا بدّ من تثبيتهما قبل أي نقاش سياسي يتصل بمشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، الأولى هي أن التحريض ضد العمل الحزبي بوصفه جريمة يجب أن يُعاقَب مرتكبوها بإبعادهم عن المسؤولية الحكومية، هو هرطقة سياسية تعني تكريس المرجعية الطائفية للعمل السياسي، لأن أي حياة سياسية مدنية في كل بلاد العالم تبدأ من انخراط الناس في الأحزاب وفقاً لبرامج عمل تحملها وتتعهّد بالعمل لتحقيق أهدافها، وتحدد الانتخابات النيابية الصعود والهبوط في شعبية الأحزاب، وفقاً لثقة وعدم ثقة الناس بصدقيتها أو قبولها وعدم قبولها لأفكارها وبرامجها، أما الحديث عن حياة سياسية بلا أحزاب فلا يعني الفراغ، إنه يعني فقط استبدال الخيار المدني للحياة السياسية الذي تمثله الأحزاب، بما في ذلك الأحزاب ذات اللون الطائفي، بخيار العودة لصيغة زعامات عائلية ومرجعيات دينية أو زعامات إقطاعية أو شخصيات فردية تدفع بها إلى الواجهة قدرات مالية أو دعم استخباري داخلي أو خارجي، وهذه أبشع أشكال الحياة السياسية التي يمكن دعوة مجتمع لاعتمادها.

الحقيقة الثانية هي أن الحديث عن التكنوقراط لا سياسيين كمعيار لدخول الحكومة هو خلط بين منصب الوزير ومنصب المدير العام. فالوزير وفقاً للدستور هو شريك في المسؤولية عن ممارسة السلطة التنفيذية التي تتولاها الحكومة مجتمعة، وأغلب مضامين قراراتها وملفاتها سياسي، ويتخطى اختصاص كل تقني في مجاله، فوزير البيئة كما وزير الصحة معنيان بمناقشة قرارات سياسية تخصّ وزارة الخارجية وقانون انتخاب تقدّمه وزارة الداخلية، والمعيار للمناقشة ليس بيئياً ولا صحياً، بل سياسي صرف؛ وفي وزارتيهما أيضاً هناك بين التكنوقراط مدارس تفصل بينها السياسة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب في رفضه الالتزام باتفاقية المناخ التي صاغها تكنوقراط يعتمد على نظريات تكنوقراط يقولون إن كلفة الاتفاقية على الاقتصاد أكبر من كلفة معالجة الأخطار الجانبية لعدم تطبيقها، وفي رفضه لنظام الرعاية الصحية المسمى أوباماكير التي صاغها تكنوقراط محترفون يعتمد ترامب أيضاً على تكنوقراط مقابلين يرون بخصخصة قطاعي الصحة والتأمين وتخفيض الضرائب منهجاً لرعاية أكثر جدوى، وبالتالي الوزراء المطلوبين يجب أن يكونوا أصحاب رؤية تتخطى حدود كونهم تكنوقراط، لحساب منهج سياسي يحكم مقارباتهم بين المدارس المختلفة.

هذا الكلام يبدو عكس السير اليوم في مقاربة تشكيل الحكومة الجديدة، لأن التربّص بالرئيس المكلف الذي جاءت به تسمية الأغلبية النيابية، يتم وسط رأي عام تمّ إقناعه بنظرية حكومة مستقلين غير حزبين وتكنوقراط غير سياسيين، ولأن هذا وصف مستحيل للوزراء المنشودين، يجري البحث حول كيفية الاقتراب من هذا المعيار من زاوية الرئيس المكلف، وتجري قوى الغالبية حساباتها لكيفية عدم تضييع بوصلة الحكومة بتلبيتها لهذا الطلب، وما يمكن قوله على هذا الصعيد أن الطرف الأقدر على تحمل المخاطر في هذه المعادلة هي قوى الغالبية وليس الرئيس المكلّف، ما يستدعي من هذه القوى الانطلاق من أن حرباً شعواء تدار على رئيس مكلف هو واجهتها السياسية نحو الداخل والخارج، وهو يأتي بلا رصيد شعبي أو طائفي، ورصيده الوحيد سيتكوّن من مدى تطابق صورة الحكومة مع وعده بحكومة مستقلين من الاختصاصيين. وهذا الرصيد سيكون للغالبية نفسها بقدر ما يمنح الحكومة مصداقية شعبية وخارجية، معلوم سلفاً أنها تنازل لحساب نظرية خاطئة ليس هناك وقت كافٍ لتصحيحها في حمى التأليف، ويتشارك كل من خاض العمل الحزبي والسياسي مسؤولية وصول الناس إلى مرحلة يمكن خداعها بتقبّل هذه الهرطقة.

لجهة التوقيت يحتاج الرئيس المكلف ومعه أطراف الغالبية إلى اختيار توقيت إطلاق الحكومة الجديدة بغيرمعيار إثبات القدرة على الإنجاز السريع، فالتصفيق الذي يتوقعه البعض لسرعة التأليف لن يحدث على الأرجح، وسيحل مكانه الكلام التشكيكي عن حكومة جاهزة معلبة. والرهان على نظرة إيجابية تنتج عن اعتبارالسرعة إحساساً بالمسؤولية وتقديراًللظرف الصعب الذي يمربه لبنان ويحتاج حكومة بأسرع ما يمكن، يجب أن يوازيها لبحث عن توقيت مناسب لا تأتي فيه الحكومة ف يلحظة تأجج في الصراعات الإقليمية، وتنال رفضاً يمكن تفاديه بالتروي، ففي لحظة الاشتباك العالي الوتيرة بين قوى المقاومة في المنطقة والإدارة الأميركية بعد الغارات الأميركية في العراق، لنتنظر واشنطن بتفاصيل التشكيلة الحكومية بل ستسارع، ويلحقها بعض الغرب والعرب، إلى شيطنتها باعتبار ذلك تسجيل نقطة في التجاذب الحاصل، بينما بعض الانتظارقد يمنح توقيت ولادة الحكومة مناخاً من الهدوء يتيح تسويقها ونيلها تعليقات متحفظة لكن غيرعدائية، تفتح الباب أمام إقلاعها بعيداًعن تلاطم الأمواج.

فيديوات متعلقة

متابعة التحركات الشعبية مع الكاتب السياسي وسيم بزي
متابعة التحركات الشعبية مع الكاتب السياسي قاسم قصير
تغطية خاصة | 2019-12-31 | آخر المستجدات في العراق
متابعة التحركات الشعبية مع الكاتب والباحث السياسي يونس عودة

مواضيع متعلقة

ثلاث فرضيّات حكوميّة حريريّة لا تجتمع

ديسمبر 11, 2019


ناصر قنديل

مَن يدقق في التصور الذي يطرحه رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري كمرشح وحيد لتشكيل الحكومة المقبلة سيكتشف أنه محاولة انتقائيّة لتجميع ميزات في ثلاث فرضيات حكومية يصعب الجمع بينها، ويسهل البحث عن تسوية بينها إذا توافرت نيّات عدم إطالة عمر الفراغ أملاً بتحسين الشروط، لأن في ذلك تدفيعاً للناس وليس للخصوم ثمن تحقيق مكاسب سياسية على ظهر أوجاعهم. وكما دلت الأيام التي مضت على الفراغ تبدو الأطراف الرئيسية في الكباش السياسي على درجة متساوية من الجهوزية لتحمّل نتائج الوقت القاتل، وليس الوقت الضائع، الذي تزداد كلفته على الناس كلما مر منه المزيد بلا تحقيق تقدّم نحو ولادة الحكومة العتيدة.

الفرضية الأولى التي ينطلق منها الرئيس سعد الحريري، هي فرضيّة حكومة تكنوقراط، مستقوياً بطلب الساحات لحكومة لا تضم حزبيين وسياسيين وتتشكل من تكنوقراط اختصاصيين، تحظى بثقة الشعب. وهذه الفرضية متكاملة لا يمكن أن يأخذ الرئيس الحريري ما يعجبه منها ويرمي الباقي. فالفرضيّة منبثقة من شعار “كلن يعني كلن” الذي استقال الرئيس الحريري انطلاقاً مما قاله في بيانه التوضيحي للعزوف عن تولي رئاسة الحكومة، إنه يدرك أن الشعب يطالب بالمحاسبة وإنه في طليعة الذين تجب محاسبتهم. والرد على تظهير التناقض بين السعي لحكومة تكنوقراط، والسعي لترؤسها، بالقول إن الحريري لا يمانع بأن يقوم سواه بالمهمة، مردود عليه، لأن الحريري يعلم وكل الناس تعلم، أن تعامل الحريري مع معادلة، ليس أنا بل أحد آخر، ترجم واقعياً بقرار خفي أفضى لإسقاط كل مرشح آخر وصولاً لفتوى من دار الفتوى بتسميته رئيساً وحيداً للحكومة. ومعلوم أن الحريري إن لم يكن وراء هذه الفتوى، فهو يدركها كتعبير عن فرضية ثانية تحكم تشكيل الحكومات لها علاقة بتوازن الرئاسات، التي تمثل طوائفها بمقدار ما تشكل مناصب سياسية أو مسؤوليات دستورية. وعلى الحريري أن يصارح الناس إذا كان احترام معادلة توازن الرئاسات طائفياً عاملاً محدداً وحاكماً في تسمية شخص رئيس الحكومة، بأنه ملزم بترؤس الحكومة من هذه الزاوية ولا يمكنه التخلي عن هذه المسؤولية وقبول تسمية مرشح سواه لهذا الاعتبار.

الفرضية الثانية التي ينطلق منها الرئيس الحريري هي التي ينطلق منها لتثبيت تسميته مرشحاً وحيداً لرئاسة الحكومة، وهي معادلة توازن الرئاسات التي تقول بأن يتولاها الأشد تمثيلاً في طوائفهم، ورفض مقارنة توليه رئاسة الحكومة بتولي رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل حقيبة وزارية، كرئيسين لتيارين سياسيين يمثل كل منهما أغلبية في طائفته، ويملكان تمثيل كتل نيابية كبرى. فالمعادلة التي ينطلق منها الحريري هي مقارنة توليه رئاسة الحكومة، بالتوازي مع تولي الرئيس ميشال عون لرئاسة الجمهورية والرئيس نبيه بري لرئاسة المجلس النيابي، لكن الثبات على هذا التوازن وجمعه مع صيغة حكومة تكنوقراط يسقط عندما يطلب الحريري لحكومة التكنوقراط التي يقترحها، صلاحيات استثنائية تشريعية تؤخذ من طريق المجلس النيابي، ويطلب إطلاق يده في تشكيلها واعداً بمراعاة من ترشحهم الكتل النيابية من ذوي الاختصاص، بينما توازن الرئاسات يملي عليه التسليم بتولي رئيس الجمهورية شريكه في تشكيل الحكومة بالتوقيع الإلزامي، اختيار الوزراء المسيحيين في الحكومة، فهل يرضى الحريري بترؤس حكومة تكنوقراط يسمّي رئيس الجمهورية نصف أعضائها ومن التكنوقراط، وفقاً لمبدأ المناصفة، ويسمّي رئيس مجلس النواب ربعها، ويكتفي هو بتسمية الربع الأخير منها، ولا تتخطّى توازن الرئاسات بطلب الصلاحيات؟

يبقى للحريري فرضية ثالثة، وهي التي يقول من خلالها لشركائه الذين يريد إقصاءهم عن الحكومة تلميحاً وتصريحاً، دعوني أشكل الحكومة وأقُد البلاد نحو الخلاص من خلالها، وبيدكم الغالبية النيابية تسحبون الثقة من الحكومة متى شئتم. وهذه الفرضية تنطلق دستورياً وسياسياً، من اعتبار صحيح لدور الانتخابات النيابية ونتائجها في فرض التوازنات التي تتشكّل على أساسها الحكومات. ومشكلة الحريري أنه يريد تشكيلة حكومية ينقلب من خلالها على نتائج الانتخابات، بإبعاد الأغلبية عن المشاركة، ويحتكم لنتائج الانتخابات بالاعتراف بقدرة الأغلبية على المساءلة والمحاسبة في المجلس النيابي، لكن الحريري يعلم أن البلاد لا تحتمل لعبة تبديل حكومات، ولا تحتمل الدخول في متاهات كالتي نحن فيها بعد ستة شهور أو بعد سنة وأن المطلوب حكومة برئاسته تستقر بالبلاد وتسير بها نحو التقدّم خلال السنوات الباقية من عمر عهد الرئيس ميشال عون، بروح إيجابية، وليس بعقلية التحدّي، “امنحوني الحكومة وحاسبوني”. وثمة طريق واحدة للسير بهذه الفرضية وهو أن يسعى الحريري لتشكيل أغلبية جديدة، ببرنامج متفق عليه، وتركيبة تضمن تطبيقه، متفق عليها أيضاً، وعندها يمكن القول راقبوني وحاسبوني.

 يستطيع الحريري أن يجعل الأيام الفاصلة عن الاستشارات النيابيةفرصة لاستيلاد حل عملي ومقبول، بقبول الجمع بين الصيغ الثلاث لكن بغير طريقته،التي تنتقي ما يناسبها من كل صيغة، بل بطريقة تدمج المتناسب مع الواقع والدستور من كل منها، فيصارح اللبنانيين بتمسكه برئاسة الحكومة من ضمن معادلة توازن الرئاسات، ويصارح الرئاستين المعنيتين بتفضيله استيلاد الحكومة في كنف تعاون رئاسي بدلاً من تمثيل الكتل.

وهذا يستدعي القبول برعاية رئاسية مسيحية للحصة المسيحية ورعاية رئاسية إسلامية للحصة الإسلامية، ومن التكنوقراط، وتقبّل نتائج هذه الرعايات، بما فيها ما سينتج من خيارات الرئاسة الأولى من التكنوقراط، ومن تمسك الرئاسة الثانية بتمثيل حزب الله كاستثناء خاص بالمقاومة، ابتكره الرئيس رفيق الحريري يوم دعا لاحتفاظ قناةالمنار بحق البث كقناة للمقاومة خارج معايير ترخيص سائر القنوات التلفزيونية. وللحريري أن يعرض هذاالتصور للرعايات الرئاسية على الكتل النيابية التيقد تتشكّل من بينها غالبية جديدة تواكب الحكومة الجديدة.

فيديوات مشابهة

مقالات مشابهة

 

ما هو المطلوب من الحراك في لبنان؟

نوفمبر 22, 2019

د. وفيق إبراهيم

يزدادُ تأثير الدور الخارجي على الحراك في لبنان بشكل يبدو الجزء المطلبي منه، تائهاً الى حدود الضياع السياسي والاغتراب عن الواقع الوطني.

ما يؤكد هذه الإشكالية هو الصمت المطبق لأهل الحراك انفسهم على سلسلة مواقف أميركية وأوروبية وإسرائيلية تتعلق بدورهم وأهدافهم الى جانب تسلل قوى داخلية لبنانية اليهم تنفذ حركات شارعية خاصة بها، تخدم إصرارها على قيادة الطبقة السياسية الطائفية، انما بسلسلة مواربات لغوية توحي وكأنهم من قلب الحراك.

وهذا يهدّد استمرار الحراك كحركة مطلبية تريد إلغاء الطائفية السياسية والفساد السياسي وتطمح الى قانون انتخابات على اساس الدائرة الوطنية الموحّدة.

البداية هنا، مع آخر برامج العمل الاخوية التي أطلقها سفير أميركا السابق في لبنان جيفري فيلتمان على منبر الكونغرس، مشيداً بالحراك اللبناني على اساس انه قوة محلية تريد انتزاع لبنان من مخالب الإرهاب الإيراني وسلاح حزب الله. واعتبر ان لبنان مهدّد بالانهيار السياسي والاقتصادي إذا لم يستجب سياسيّوه لمطالب الحراك وأولها حكومة تكنوقراط ونزع سلاح حزب الله وحماية اسرائيل عبر تطبيق القرار الدولي 1701 الذي ينص على سحب كل ما له علاقة بحزب الله من خط الحدود مع فلسطين المحتلة بعمق لبناني الى حدود الستين كيلومتراً متوعّداً بوقف الاستثمارات الغربية والخليجية في لبنان ومنع توظيف اللبنانيين في الخليج، وتوقيع عقوبات اقتصادية قاتلة على لبنان، لأن المطلوب بموجب فيلتمان، حكومة تكنوقراط من اهل الحراك اللبناني بقيادة سعد الحريري تمنع حزب الله من التدخل في موضوع اتفاق إسرائيلي لبناني على اقتسام آبار النفط عند الحدود البحرية للبنان مع الكيان المحتل، مع تسليم الحفر والاستثمار لشركات أميركية والتعهد بإبقاء النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية والامتناع عن أي علاقات مع سورية.

هذا ما يريده فيلتمان، فهل هذا هو مشروع الحراك اللبناني، كما يقول فيلتمان؟ وهل يقبل هذا الحراك بعريضة وقعها 240 نائباً من الكونغرس الأميركي طالبوا فيها بضمان أمن إسرائيل ؟ وبالتالي تجريد حزب الله من سلاحه وإسقاط ما أدعوه من مشروع إيراني في الشرق الأوسط.

كما أن إسرائيل أيدت الحراك اللبناني، وكذلك السعودية التي تصرّ على انتخابات مسبقة في بلاد الأرز، علماً بأن آل سعود لا يعرفون معنى الانتخابات ولا يطبّقونها في بلدانهم حيث الوراثة والقرون الوسطى والحرية بحد السيف هي السائدة حتى إشعار آخر.

لناحية اوروبا، فإن معظم بلدانها تريد تسوية سياسية في لبنان إنما على قاعدة أمن إسرائيل البري والمهدّد من إرهاب إيران وسلاح حزب الله.

لذلك عندما اقترح أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بضرورة انفتاح لبنان اقتصادياً على الصين وروسيا وإيران، إنما كان يردّ على تحذيرات أميركية بشكل مسبق، كانت ترده معطياتها من مصادر دولية، وبالفعل يعتبر الخبراء أن الدواء في اقتراح السيد الوحيد الذي بوسعه مجابهة التهديدات الأميركية والحرص على سيادة لبنان واستقراره.

وإذا كان هناك قسم أساسي من الحراك ينتمي الى الفئات الطبقية الوطنية فإن القسم الأكبر من منتحلي صفته، يعملون على تدمير الاستقرار الوطني الذي بناه حزب الله بمجابهة اسرائيل منذ 1982 حتى 2016، وتحالفه مع العماد عون في كنيسة مار مخايل الشهيرة، التي أمنت هذا الاستقرار حتى 2019 وسط اضطرابات كبيرة تجتاح العالم العربي بأسره والجوار المباشر.

وهذا واضح في تسلل أحزاب القوات اللبنانية والاشتراكي والمستقبل الى الحراك، وسيطرتها على اسمه، وإقفال طرقات المقاومات التي تربط بيروت بالجنوب والبقاع على أيدي جماعات جنبلاط الاشتراكية وخط الرينغ – الكورة من قبل القوات لصاحبها جعجع، أما اخطر الحركات فاستعمال مناطق صيدا والبقاع الغربي وعكار وطرابلس كنقاط للتجييش المذهبي عبر انتحال اسم الحراك والاختباء في عباءته من قبل حزب المستقبل. فكلما تضايق الحريري في مفاوضاته وابتعدت عنه رئاسة الوزراء كان يضخ سياسات التحشيد في هذه المناطق ويؤلبها مذهبياً.

للتوضيح، فإن هذه الأحزاب طائفية ومتّهمة بأكبر فساد سياسي في تاريخ لبنان ومرتبطة بالخط السعودي الأميركي، وبعضها لديه روابط مع اسرائيل .

لذلك فإن أضعف الإيمان من الجناح الأصلي للحراك أن يصدر بياناً يستنكر ما قاله فيلتمان والكونغرس والسعودية مصراً على سلاح المقاومة ودورها في الاستقرار الوطني وهزيمة الارهاب.

كما أن على الحراك أن يتبرأ من التسلل الجنبلاطي الحريري الجعجعي الكتائبي، معلناً أنه لا يقبل بأي تحالف مع هذه القوى الطائفية التي تستثمر في الأحياء والأموات والأوطان ومصالح الطبقات والفئات.

وبذلك يستطيع الحراك أن يطالب بالتغيير السياسي ويصدقه الجميع عندما يرفض الادوار الطائفية الكامنة، ونصائح فيلتمان وتحيات اسرائيل ، وبوسعه التيقن أن سلاح المقاومة حريص على الأمن الوطني والحقوق السياسية والاقتصادية والطبقية والاجتماعية لكل اللبنانيين.

Related Videos

Related Articles

لماذا ينقسم النظام بين مؤيّد ومعارض للمتظاهرين؟

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎

ابراهيم الأمين

الخميس 14 تشرين الثاني 2019

 وقائع اجتماعات «المنظمات غير الحكومية»
 برامج الحكم البديل والتمويل… ومن التقى كوشنير؟

للحراك الشعبي هوية مفترضة يقول الناشطون إنها تتعلق باستعادة الدولة الحقيقية. المشترك الوحيد الفعلي بين كل من يصرخون في الساحات اليوم هو المطالبة بإسقاط رموز السلطات الحاكمة في لبنان جميعاً. ويجتهد الحقيقيون منهم، وحتى المزوّرون، بالتأكيد أن لا وجود لأجندات أخرى غير المطالبة بتغيير حقيقي في بنى السلطة أو حتى النظام. ولكن، لدى التدقيق، يمكن التمييز بين مطالب ذات طابع فئوي، وأخرى لمجموعات تطالب بإنتاج آليات جديدة لقيام سلطة تمنع القهر بكل أشكاله السياسية والاجتماعية والإنسانية. أما ما يصرخ به الجمهور لجهة عدم الحاجة إلى قيادة أو ناطقين أو ممثلين يفاوضون باسمهم، فلا يعبّر بدقة عمّن يمكن تسميتهم بـ«الوجوه المعبّرة» عن تطلعات قسم كبير من المشاركين في الاحتجاجات. وهؤلاء يسردون وقائع كثيرة تراكمت حتى لامست حدّ الانفجار الكبير، قبل أن يصمتوا عندما يُسألون: كيف يتم التغيير السلمي؟ وعبر مَن؟ وبواسطة مَن؟

لنعد إلى البداية.

لا يحتاج عاقل في لبنان إلى معرفة طبيعة الانقسام القائم حول آلية إدارة الدولة. وهو انقسام له خلفية طائفية ومذهبية ومصلحية. وقد أدت التسويات بين أركان القوى النافذة إلى تعميق الخلل على صعيد البنية الإجمالية للنظام، ما جعله مُنهَكاً حتى وصلنا إلى مرحلة الموت. وهذه الحقيقة التي يعاند أركان الصيغة في رفضها. وبما أن الانهيار حاصل حتماً، فإن الغضب الشعبي الذي كان يقوم مرات بصورة قطاعية، تجمع هذه المرة على شكل احتجاج عام، شارك فيه قسم كبير من اللبنانيين، سواء من نزلوا إلى الشوارع أو الساحات أم من لازموا منازلهم. لكن الحقيقة الأكيدة أن اللبنانيين أعلنوا، هذه المرة، أن الصيغة القائمة سقطت. إلا أن أحداً لم يتحدث عن بديل جاذب لغالبية لبنانية جديدة تُتيح بناء الجديد.

لكن، ماذا عن التدخلات في الحراك القائم، قبل اندلاعه وبعده؟ وهل صرنا في وقت مسموح فيه السؤال عن بعض الأمور وعرض بعض التفاصيل التي تفيد في الإجابة عن أسئلة كثيرة حول هوية المستفيدين والمستغلّين؟ وكذلك حول قدرة أهل الحراك على حمايته من الخطف أو الأخذ صوب مواجهات تخدم أركان الصيغة الساقطة أو رعاتهم الخارجيّين؟ وطالما يصعب توقع تفاهمات وطنية كبيرة على صيغة جديدة قريباً، فإن البلاد أمام خيارين: إما ترميم الحكم الحالي في انتظار لحظة تغيير جذرية تحتاج إلى عناصر جديدة؛ وإما الاستمرار في حال الفراغ القائمة على صعيد الحكم، مع ما يصاحبها من مخاطر الفوضى وما هو أكثر (بالمناسبة، هل كنا نحن خلف الفوضى القائمة عندما حذّرنا منها باكراً؟).

(مروان بوحيدر)

عند هذه النقطة، يبدأ الانقسام الكبير في المقاربات مع من يعتقدون، واهمين، أن المسألة محلية مئة في المئة، ويتماهون مع شعراء الكبة النية والتبولة وفخر الصناعة اللبنانية والوحدة الوطنية وبقية الزجل السخيف!

لا بأس، هنا، من الحديث بصراحة عن التدخلات. داخلياً، هناك قوى وجهات مختلفة صاحبة مصلحة في استخدام الاحتجاج لإحداث تغييرات تصبّ في مصلحتها، أبرزها قوى 14 آذار التي خسرت الكثير منذ عام 2005. وهي لم تخسر محلياً فقط، بل خسرت كل عناصر الدعم النوعي في الإقليم والعالم، وتشعر بوهن كبير نتيجة التراجع الذي أصاب المحور الإقليمي – الدولي الذي تنتمي إليه. هذه القوى تريد نسف التسوية الرئاسية التي قامت في الأعوام القليلة الماضية، لكنها لا تريد نسف النظام لأنها، تاريخياً، من المستفيدين منه. وهذه حال وليد جنبلاط وسمير جعجع وفريقهما، كما هي حال قوى وشخصيات «خرجت من المولد بلا حمص» رغم انخراطها في الصراع الداخلي. ويضاف إلى هؤلاء خليط من الشخصيات التي يمكن أن تُطلق عليها تسميات كـ«التكنوقراط» و«الاختصاصيين» ممن ينتشرون في كل مفاصل لبنان تحت عناوين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني وتوابعهما. وهؤلاء، باتوا اليوم في صلب الحركة السياسية الطامحة إلى امتلاك مواقع في السلطة. وهم يقولون، صراحة، إن عجزهم عن إنتاج أحزاب سياسية يجعلهم أكثر حرية في العمل ضمن أطر ذات بُعد مهني أو قطاعي أو مدني.

اليوم، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل من مرّ على قوى 14 آذار لا يشعر بالذعر جراء ما يحصل في الشارع، وإلى أن يتصرف على أنه جزء من الحراك الشعبي. وحتى من يتجنبون الظهور مباشرة في الساحات، ولو بغير رضى، لا يتصرفون كما لو أن ما يجري يستهدفهم. بل يتصرفون من موقع الداعم. وفي كل مرة يُتاح لهم التحدث، يعلنون «تبني مطالب الناس». وهو لسان حال كل من في هذا الفريق. كما تجدر ملاحظة أن كل من له علاقات جيدة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة وأميركا وفرنسا وبريطانيا، يتصرف براحة وفرح إزاء ما يحصل في الشارع. وهؤلاء ليسوا سياسيين فقط، بل بينهم أيضاً اقتصاديون وإعلاميون وناشطون وناشطات وخبراء!

في المقابل، يمكن أيّ مواطن الانتباه إلى أن كل خصوم 14 آذار، من حزب الله إلى حركة أمل والتيار الوطني الحر وكل من هو في موقع الحليف للمقاومة، يتصرفون بقلق كبير إزاء الحراك. ويمكن من دون جهد كبير ملاحظة أن الشعارات والهتافات التي سيطرت على المشهد الإعلامي الخارج من الساحات، ركّزت – ولا تزال – على هذا الفريق ورموزه، كما يمكن بسهولة ملاحظة حال القلق، بل وحتى الذعر، التي تسود لدى جمهور هذه القوى في الشارع. ويمكن، أيضاً، ملاحظة أن الناس العاديين الذين يقفون إلى جانب المقاومة، والذين بكّروا في النزول إلى الساحات للمشاركة في الاحتجاجات، خرجوا منها تباعاً بمجرد أن سمعوا ملاحظات مقلقة من السيد حسن نصرالله حيال ما يجري وما يُخطَّط له.

كذلك يمكن، من دون جهد استثنائي، ملاحظة أن وسائل الإعلام والإعلاميين الذين بنوا امبراطورياتهم وشركاتهم الموازية عبر الاستفادة من هذا النظام ومن كل من تعاقب على الحكم فيه، ومعهم جيش من رجال الأعمال العاملين في لبنان وخارجه، يقفون إلى جانب الحراك، بل يتغنون به بلا تردّد. ويفاخرون بحروبهم ضد الفساد، وهم الذين استغلوا كل أنواع التسهيلات المصرفية والإعلانية والقانونية للحصول على مكتسبات لا يمكنهم الحصول عليها في ظروف طبيعية.

اجتماعات لغالبية الجمعيات غير الحكومية في مكاتب للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والوكالة الأميركية

خارجياً، لم تبق جهة تعادي المقاومة إلا ورحبت بما يجري، من دون أي استثناء. من عواصم سياسية ومؤسسات اقتصادية أو إعلامية أو خلافها. ويذهب كثيرون في المحور السعودي – الأميركي إلى اعتبار ما يجري على أنه مرحلة الانتفاضة ضد النفوذ الإيراني في لبنان (اقرأ حزب الله وسلاح المقاومة). بينما كانت روسيا، ومعها الصين وإيران، تبدي خشية سابقة (نشرت «الأخبار» مقابلة مع السفير الروسي في بيروت قبل اندلاع الحراك حذّر فيها من فوضى تعد لها أميركا في لبنان).

ببساطة، يمكن قراءة ما يعتقده الأطراف من نتائج لهذا الحراك. وهذا ما يجعلهم يرحبون به أو يحذرون منه، من دون أن يعني ذلك أن النتائج ستصيب في نهاية المطاف ما يريده كل منهم. وهذا رهن أداء الأكثر حضوراً ونفوذاً في الساحات، ومدى قدرتهم على تنظيف صفوفهم من اللصوص.

هل من خطة غربية؟

إلى جانب كل ما سبق، وبرغم الحساسية المُبالغ فيها عند مشاركين أو ناشطين في الحراك إزاء الحديث عن استغلال لهم أو وجود مؤامرة، صار من الواجب ذكر العديد من العناصر التي لا يرغب كثيرون في سماعها، ومنها:

أولاً، ما إن انطلق الحراك حتى انطلقت ماكينة عمل فريق الخبراء والناشطين والاختصاصيين المرشحين لتولي مناصب حكومية بديلة. وبعد مرور نحو شهر على الحراك، خرجت الأحاديث إلى العلن، عن اجتماعات عقدت في مكاتب هؤلاء، بحضور ممثلين عن «الجمعية الدولية للمدراء الماليين اللبنانيين -LIFE»، وناشطين ممن كانوا منضوين في مجموعة «بيروت مدينتي» التي خاضت الانتخابات البلدية الأخيرة في العاصمة، إضافة إلى ممثلين عن حزب الكتلة الوطنية بقيادته الجديدة وناشطين عادوا وانضووا في تجمعات مثل «وطني» الذي تتصرّف النائبة بولا يعقوبيان كما لو أنها قائدته، وممثلة عن جمعية «كلنا إرادة» التي تعرّف عن نفسها بأنها مجموعة من الشخصيات اللبنانية العاملة في القطاع الخاص خارج لبنان، وتهتم بأن تشكل «مجموعة ضغط» من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان.

قوى 14 آذار تريد نسف التسوية الرئاسية لا النظام لأنها تاريخياً من المستفيدين منه

ولم يكن قد مرّ وقت طويل على انطلاق التجمعات الكبيرة في الساحات، حتى انعقدت الاجتماعات بصورة مختلفة، وأكثر كثافة، بمشاركة غالبية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو التي يحب روّادها تسمية أنفسهم بالحراك المدني. وكان بعض الاجتماعات يُعقد في مكاتب تخص ممثليات للاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهي الجهات التي تموّل غالبية هذه الجمعيات. ويحضر اللقاءات إلى جانب ممثلي هذه الجمعيات، موظفون من المؤسسات الغربية والدولية، وفي بعض الاجتماعات حضر دبلوماسيون من رتب متدنية.

خارج لبنان، كانت الحركة تدبّ في ثلاث عواصم رئيسية. في واشنطن، دعت مراكز دراسات أميركية إلى عقد ندوات حول الأزمة اللبنانية، وإرسال رسائل إلى الإدارة الأميركية والكونغرس، إضافة إلى لقاءات عقدها ناشطون من قوى سياسية، بينهم فريق التقى صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير الذي وعد بنقل الصورة إلى الرئيس دونالد ترامب. وقد تم جمع الوفد اللبناني الذي التقاه من عدة ولايات أميركية. أما في باريس، فإلى جانب التحركات الشعبية التي قامت دعماً للحراك في لبنان، عُقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وأخرى مع المعنيين بملف لبنان والشرق الأوسط في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية الذي يديره السفير الفرنسي الأسبق في لبنان برنارد إيمييه. أما المدينة العربية التي تحسّست حكومتها من النشاط العلني، فكانت إمارة دبي التي رفضت إعطاء الإذن لمجموعة لبنانية بالتظاهر تضامناً مع الحراك الشعبي، ثم نبّهت الحكومة هناك «المتبرعين» من تحويل أي أموال عبر المصارف العاملة في الإمارة إلى لبنان، مع إبراز خشية أن تكون الأموال ذاهبة عن طريق الخطأ إلى جهات معادية.

اللافت للأمر أن مجموعة «life» كانت حاضرة في غالبية هذه الاجتماعات والتحركات. لكن الأهم، هنا، هو أن ممثلي هذه المجموعة سارعوا، منذ اليوم الأول، إلى الحديث عن الحكم البديل. في بيروت أثارت مندوبة «كلنا إرادة»، وآخرون من «بيروت مدينتي»، إمكان الشروع فوراً في خطة لتنظيم إطار تنسيقي، والإعداد لورقة عمل تحت عنوان «حكومة الإنقاذ البديلة». وفشلت مساعي هذه المجموعة في جذب شخصيات وقوى وجماعات مشاركة في الحراك. بينما تعمّدت إبعاد مجموعات أخرى، لا سيما من هم أقرب إلى الحزب الشيوعي. والحجة الدائمة، هي نفسها التي استُخدمت مع الفرنسيين أثناء التحضير لزيارة الموفد الفرنسي، بأن الشيوعيين ليسوا أصحاب نفوذ قوي، وأنه يمكن الاستعانة بشخصيات مدنية واقتصادية تمثلهم، ويكون هؤلاء من أصحاب وجهات النظر الأقل تطرفاً تجاه التغيير الجذري في النظام الاقتصادي.

* غداً: عدة الشغل من الشعارات إلى الأهداف

العقلانية والواقعية لا التهويل والحرب النفسية

 

نوفمبر 9, 2019

ناصر قنديل

– الحراك الشعبي الذي لا يزال تعبيراً عن غضب الشعب اللبناني بشرائحه الواسعة من فشل وفساد أداء السلطات المتعاقبة، في المجلس النيابي والحكومة والمرافق المالية والقضاء، ليس صاحب نصوص قرآنية أو إنجيلية لا تقبل النقاش، خصوصاً أن الغضب أسوأ موجّه للسياسة، في بلد شديد الحساسيات السياسية، وبصورة أخصّ أن الشعارات والمواقف الوافدة على الحراك سواء عبر الإعلام أو عبر الجمعيات المنظمة التي تلقي شعاراً وتواكبه بحملة تسويق، ليست ثوابت لا يستطيع الحراك التحرّر منها. وها نحن أمام تحوّلين كبيرين في مسار الحراك لصالح إعادة نظر في عناوين طبعته منذ يومه الأول.

– اتهم كل مَن نادى بانسحاب الحراك من قطع الطرقات، وشرح حجم الأذى الذي يتسبّب به ذلك العناد المشاغب على الناس ومدى الضرر الذي يلحقه بالحراك نفسه، ويؤدي لانفضاض الشعب عنه وفقدانه صفة التمثيل الجمعي للوجدان اللبناني، بأنهم جماعة السلطة الفاسدة وحماة الفساد. وعندما تراجع الحراك عن قطع الطرقات لأنه بدأ يستشعر الضمور والتراجع وانفكاك الناس، حاول الراكبون على موجة الحراك لتحويله أداة أحقادهم هم وسياساتهم هم، وأغلبهم لا يميّزون بين الحراك الشعبي وحركة 14 آذار التي يمجّدونها وهم ينعون فشلها كل يوم، لأن قادتها لم يخلصوا لها، وسادتها في الخارج لم يثبتوا دفاعاً عن سقوفها المستحيلة. وبالطبع ينتقم هؤلاء الأربعتش آذاريون من انتصار المقاومة التي ناصبوها العداء بمحاولة جعل الحراك هزيمة لها، بينما تراجع الحراك عن قطع الطرقات تأكيد لصدق المقاومة مع الحراك، ولفرص تلاقي الحراك مع المقاومة.

– بالطريقة ذاتها تمّ دسّ شعار إسقاط الحكومة على الحراك، ومن خلفه تمّ دسّ شعار حكومة تكنوقراط، بمثل دسّ قطع الطرقات، ومثلما لقطع الطرقات حسابات أمنية لا تمتّ للحراك بصلة، لإسقاط الحكومة وحكومة التكنوقراط حسابات سياسية لا تمتّ للحراك بصلة، وتخدم أهداف أصحابها بقوة استعمال الحراك، وسهل استنتاج الآثار المدمّرة لاستقالة الحكومة على الحراك والبلد، بمجرد تخيّل الوضع لو لم تستقل الحكومة وبقيت تطبق ورقتها الإصلاحية، سواء لجهة العفو العام وقوانين مكافحة الفساد وقروض الإسكان، والسير بمؤتمر سيدر. فالأكيد أن الوضع المالي والنقدي كان أفضل، والطريق نحو إقرار قانون جديد للانتخابات وصولاً لحكومة من غير المرشحين تشرف على الانتخابات في الربع الأول من العام المقبل بسلاسة تمهيداً لانتخابات مبكرة تجري على أساسه في الصيف أو الخريف من العام المقبل. وخير دليل على مراجعة الحراك مضمون دعوته لاستقالة الحكومة القائمة على ركيزتين، كلن يعني كلن و حكومة تكنوقراط ، أن الحراك بغالبية مكوّناته وساحاته شهد مراجعة وتراجعاً عن شعار كلن يعني كلن بإيجاد مبررات واقعية وعقلانية لاستثناء رئيس الحكومة سعد الحريري من هذا الشعار ليس لتبرئته من المسؤولية، بل لمنع تصوير استبعاده إخلالاً بتوازن طائفي بين الرئاسات، ولضمان تحقيق المرتجى من مؤتمر سيدر حيث لوجوده دور أساسي، والدليل الثاني أن الحراك الذي رفع شعار حكومة تكنوقراط، نقض شعاره ومضمون الثقة العمياء بالتكنوقراط بخوض معركة مواجهة مع أبرز رموز التكنوقراط في لبنان وأكثر المشهود لهم بالخبرة، وأكثرهم ثقة في الخارج، وهو حاكم المصرف المركزي، وصولاً لرفع الحراك شعار يسقط حكم المصرف . وهذه كلها دلائل على أن شعارات الحراك ليست قرآناً ولا إنجيلاً، وعلى أن الحراك يعيد النظر بشعاراته بعقلانيّة وواقعيّة، ولا يحتاج للمبخّرين أو المخبرين وبينهما مجرد اختلاف ترتيب حروف.

– مخاطبة الحراك بالدعوة للعقلانيّة والواقعية لحكومة جديدة تشكل تلبية للحاجة المزدوجة لتكنوقراط ملتزم بالسياسات الوطنية والشعبية، ولا تشكل تحقيقاً لأجندات خارجية وداخلية بتحقيق مكاسب سياسية لا صلة لها بحقوق الناس ولا تخدمها، هي مخاطبة تشبه دعوة الحراك للانسحاب من قطع الطرقات، وقد لاقت تجاوباً، ومشابهة لما فعله الحراك بقبول بقاء الرئيس الحريري، وما فعله باستثناء منظومة التكنوقراط من القدسية والتأليه، ما يسهّل فرص تصحيح خطأ استقالة الحكومة، التي لم تخدم الحراك ولا البلد ولا الناس، ويفتح الطريق لحكومة تلتزم برنامجاً إصلاحياً يوسّع مضمون الورقة الإصلاحية وصولاً لقانون انتخابات جديد، على اساس الدائرة الواحدة والنسبية، لكنها حكومة لا تخلّ بالتوازنات التي جاءت بها الانتخابات النيابية، ضماناً لاحترام نتائج الانتخابات المقبلة التي يطالب الحراك أن تكون مبكرة، ولا مصلحة له بتسجيل سابقة عدم احترام تمثيل الحكومات لنتائج الانتخابات.

– ما يجري الآن هو لحس مبرد يستثمر عليه داخل وخارج يسرعان بلبنان نحو الانهيار، بالاستقواء بكذبة عنوانها، أن الحراك لن يقبل إلا بنسف المعادلات السياسية التي ثبتتها الانتخابات، ليمتطي بعض الداخل والخارج هذا النسف للقبض على لبنان، بحكومة يسمّيها هذا الداخل والخارج ويستثني فيها من يريد من معادلة كلن ، ويصيب بها من يريد، هي حرب نفسية قاسية تُخاض في أروقة المصارف وعلى شاشات التلفزة، ولا يهمّ أصحابَها أن يفقد اللبنانيون فيها ودائعهم، ومصادر رزقهم، وتسقط ليرتهم بالضربة القاضية، في ظل هتاف، ثورة ثورة ثورة.

Related Videos

Related Articles

 

 

<span>%d</span> bloggers like this: