التعمية بالشعارات الكبيرة مصدر خطر

 

أكتوبر 21, 2019

ناصر قنديل

– وسط الصخب الذي يتحوّل إلى نوع من المعزوفة الصماء تحت شعار، لا صوت يعلو فوق صوت الثورة، لا بدّ من مناقشة ما يجري بلغة العقل، وإشعال الضوء على الزوايا المظلمة، في توقيت سياسي واجتماعي يلاقي فيه برميل البارود عود الكبريت، ورؤية موقع ما يجري في الساحة السياسية قياساً بما يجري في الحراك الشعبي الذي تحول احتفالات غنائية يوم أمس، وغابت عنه حلقات النقاش التي يُفترض أن تنتشر في أنحاء الساحات، تتداول بالخيارات، وتشكل لجان التنسيق، ليبقى الحراك بلا قيادة وهدف واضح عرضة للتجاذب والتأويل، وربما التوظيف في التوقيت المناسب.

– سياسياً المنطقة في قلب تغييرات كبرى، على إيقاع تراجع أميركي كبير في سورية، فشلت تركيا في ملء الفراغ الناتج عنه، بينما تفوّق محور المقاومة في فرض إرادته. وتحفل الصحف الأميركية وفي مقدمتها الواشنطن بوست بتحذيرات من انتصار كامل لمحور المقاومة إذا بقي حزب الله قوياً في لبنان، والحاجة لفعل شيء يحول دون ذلك من بوابة الأزمة الاقتصادية، كما كتب ديفيد أغناسيوس أهم كتاب الواشنطن بوست وأكثرهم تأثيراً في صنّاع القرار، وعلى إيقاع انتظار تبلور الموقف الأميركي، يتوزّع الأطراف اللبنانيون المناوئون للمقاومة، والمتأثرون بالحسابات الأميركية، فيسارع حزب القوات اللبنانية للاستقالة لإحراج شريكه في الحسابات ذاتها الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي أعلن اللعم ، بورقة إصلاحية مشروطة، ثم برفض ورقة رئيس الحكومة، ثم بمشاركة في اجتماع الحكومة لمناقشتها، والأصل هو الانتظار لعدم الوقوع في فخ وعد أميركي جديد يتسبّب بورطة يقول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي أنه لا يتحمل المغامرة بتصديقه بلا ضمانات واضحة بالمضي في المواجهة حتى النهاية.

– عنوان المعركة الرئيسية ليس في الحراك. فالحراك ساحة مشتركة للجميع، ساحة فضفاضة يصدق المتحدثون فيها أنهم أسيادها، وهي سيولة قابلة للتوظيف في اتجاهات متعاكسة، مثلها مثل مشاعر الغضب التي دفعت الناس إلى الساحات، ولكن السؤال هو: هل يتلقى المتظاهرون استقالة وزراء القوات اللبنانية في سياقه السياسي لخوض معركة فاصلة مع رئيس الجمهورية، ومن خلفه مع حزب الله، بعد تجريد بعبدا من غطاء الحكومة، عندما يصبح بقاء الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة أشدّ صعوبة مع وزراء كلهم من قوى الثامن من آذار والتيار الوطني الحر، إذا حسم جنبلاط خروج وزرائه من الحكومة، أم يقرأون كل ذلك ترجمة لضغطهم وشعاراتهم بإسقاط الحكومة والنظام، وبالتالي يصيرون شاؤوا أم ابوا وقود المعركة التي تلي نحو بعبدا، ومن خلفها حزب الله، الذي يدرك معنى شعار إسقاط العهد ومَن يقف وراءه، ولذلك قال أمينه العام السيد حسن نصرالله، لن تتمكنوا من إسقاط العهد، مخاطباً صاحب الشعار الحقيقي وليس من ردّده من المتظاهرين.

– الحراك الذي لا يملك خريطة طريق لتحقيق شعاراته الكبيرة، مثل انتخابات مبكرة وحكومة إنقاذ، لا يقبل الكثير من مؤيديه بين النخب مجرد مناقشتهم في كيف يخدم الحراك مشروع التغيير بفرض قوانين مثل رفع الحصانات ورفع السرية المصرفية، وفرض تشكيل هيئة قضائية مستقلة لمساءلة من تولوا الحكم خلال ثلاثين عاماً. وهي أهم طرق استعادة المال المنهوب ومحاسبة الفاسدين، ويتحدّثون بلغة عمياء من نوع، ياخدهن الجيش عالحبس ويشلّحهن المصاري . هذا الحراك مجرد سيولة غاضبة، قابلة للتوظيف في لحظة خطرة، قد تكون آتية، ما لم ينتبه الذين يستلذون بمجرد تمجيد قدسية حضور الشارع، ولا يبذلون جهداً لمناقشة هادئة لكيفية جعل الحراك سبيلاً نحو تراكم مجدٍ وحقيقي نحو التغيير المنشود، وهم يتحدثون عن انتخابات وفق الدائرة الواحدة والنسبية خارج القيد الطائفي، ويرفضون أن يكون الضغط لقانون هذا مضمونه مطلباً ملحاً ينتزع من مجلس النواب الذي يبعد عن مكان الحشود أمتاراً قليلاً، ويكتفون بالهتاف كلهن يعني كلهن ، والخطر ليس فقط في ضياع فرصة تغيير، بل بتحوّلها لفتح الباب لتغيير معاكس.

Related Videos

Related News

وثيقة سرّية سعودية: خطتان لإسقاط نظام ايران

Source

السعودية تواصل عنترياتها الدمويّة: إنّها نهاية الحوثيين... فاستمروا في دعمنا!

لم تُحقّق السعودية أهدافها وبات العالم مُحرجاً إزاء حجم الجرائم في اليمن (أ ف ب )

السعودية تواصل عنترياتها الدمويّة: إنّها نهاية الحوثيين… فاستمروا في دعمنا!

السعودية ليكس

الأخبار

الجمعة 4 تشرين الأول 2019

تواصل «الأخبار» نشر فصول الوثيقة السريّة التي أعدّها مستشارو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتكشف خطط السعودية ووسائلها لشنّ حرب ذات مستويات متنوعة ضدّ طهران. وقد عرض السعوديون خططهم ومشاريعهم لمناهضة إيران، في أوائل سنة 2017، على فريق دونالد ترامب للتباحث بشأنها، ولتنسيق الجهود السعودية والأميركية في العمل على تطويرها. في الوثيقة التي حصلت عليها «الأخبار»، عرض جديد لطموحات حكام الرياض، ودليل إضافي على حجم المأزق في اليمن بعد أربع سنوات ونصف السنة على المعركة.

تسعى السعودية، كما تبيّن وثيقة «مواجهة السیاسات العدائیة للنظام الإیراني في المنطقة»، إلى توسيع ما تسمّيه «دائرة التعاون الاستراتيجي» مع الولايات المتحدة في مختلف ساحات الإقليم، لكن الاهتمام يتركّز على العمل المشترك مع واشنطن في اليمن. ولهذه الغاية، يضع المشروع على رأس قائمة التعاون، الذي يذكّر بأن «الرياض المشتري الأكبر من شركات التسليح الأميركية»، مَهمّة، «إنهاء التمرّد الحوثي» في اليمن.

في البداية، يذكّر مُعدّ الوثيقة بأن السعودية بدأت عملياتها العسكرية في اليمن لسببين:

الأول: هو أن «أي دولة في العالم لا تقبل بأن تكون على حدودها ميليشيات مسلحة بأسلحة ثقيلة وصواريخ بالستية وطائرات مقاتلة».
الثاني: «عدم القبول بالفوضى التي يحاول النظام (الإيراني) إشاعتها في المنطقة عبر ميليشياته».

تأتي على رأس قائمة التعاون مَهمّة «إنهاء التمرّد الحوثي» في اليمن

ومن ثم يجري استعراض جملة «إنجازات» للحملة السعودية العسكرية على اليمن لإقناع الأميركيين بجدوى استمرار هذه الحرب وضرورة توفير الدعم لها، بالقول:

– حقق التحالف السيطرة على 85 % من الأراضي اليمنية» (وإن كانت النسبة أقل، لكن الوثيقة تتجاهل سيطرة «أنصار الله» وحلفائها على العاصمة وأغلب المحافظات، والمناطق ذات الغالبية السكانية، فيما يسيطر التحالف على مساحات صحراوية شاسعة شبه خالية).

– منع الميليشيات الحوثية من استخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة مثل المدرعات، وجزء كبير من منظومة الصواريخ أرض – أرض وعدد كبير من الدبابات. وحيث لم يعد لديهم الآن سوى الأسلحة المتوسطة والخفيفة وعدد غير معلوم من الصواريخ أرض – أرض المخبّأة»!

في الوثيقة التي تعود إلى عام 2017، لا ينسى السعوديون، قبل ذكر طلبات الدعم الأميركي، لائحة «معضلات» غريبة تواجههم في اليمن، وتبدو أطول من لائحة «الإنجازات». «غرابة» ما يرد فيها يعود إلى محاولة النظام السعودي إبعاد التهم الاعتيادية لحملته العسكرية في اليمن، ولصقها بصنعاء، كالاتهام بـ«استفادة التنظيمات الإرهابية (القاعدة، داعش) من الملاذ الآمن الذي توفره لها الميليشيات الحوثية» ليس هذا فحسب، إذ تتهم الوثيقة «الانقلابيين» بـ«اعتماد سياسة التجويع وحصار المدن» وكذلك «عرقلة جهود الإغاثة التي تقدمها قيادة التحالف بالتعاون مع المجتمع الدولي وسرقتهم للمواد الإغاثية».

كما ترد الشكاوى السعودية التالية:

– استمرار تدفق السلاح عبر ميناء الحديدة

استخدام الميليشيات المنشآت المدنية كالمستشفيات والمدارس ما يُصعّب من مَهمة قوات التحالف في استهداف تلك المواقع.

– ما تقوم به الميليشيات الحوثية من عرقلة لمسار العمل السياسي برفضها حضور جلسات التفاوض.

وتحت عنوان «الدعم الذي تحتاج إليه قوات التحالف»، يطلب المشروع السعودي «توفير معلومات استخبارية دقيقة» مبرراً طلبه بأن «قوات التحالف تراعي المعايير الدولية والإنسانية وتتبع إجراءات صارمة في عملية الاستهداف أثناء الضربات الجوية، فضلاً عن استخدامها لقذائف موجهة بدقة تفادياً لوقوع أضرار جانبية، الأمر الذي يتطلب جهوداً استخبارية جبّارة وتوفير معلومات بالغة الدقة». وتشمل الطلبات تقديم الدعم السياسي «أمام المجتمع الدولي تقديراً للدور الذي تقوم به قوات التحالف نيابة عن المجتمع الدولي لهدف إرساء الأمن والسلم العالمي». كذلك طلب «دعم المجتمع الدولي في إدانة الانقلابيين جرّاء استيلائهم على المواد الإغاثية وإساءة استخدامها وعرقلتهم للجهود الإغاثية التي تقدمها قيادة التحالف وعلى رأسها المملكة بالتعاون مع جميع المنظمات الدولية الإغاثية». ويطلب المشروع السعودي دعم الحل السياسي للأزمة اليمنية عبر دعم معركته ورؤيته للحل: «وفقاً لقرار مجلس الأمن 2216، والتأكيد على أهمية ممارسة مزيد من الضغوط على ميليشيات الحوثي لتنفيذ بنود القرارات الدولية المتعلقة بالشأن اليمني». وكما تبدأ الوثيقة بإيران، تختم بها، من خلال طلب دعم الأميركيين دولياً في «إدانة الدور الإيراني الداعم وتأثير ذلك على تعنت ميليشيات الحوثي من خلال دعمها العسكري والمالي ورفضها الانصياع لتنفيذ القرار الأممي 2216».

يطلب المشروع السعودي دعم المجتمع الدولي في حربه ضدّ اليمن

وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن الحاكم السعودي، لدى صياغة هذا المشروع، أي بعد عامين من بدء الحرب على اليمن، يبدو واثقاً من جدوى الاستمرار حتى النهاية في المعركة. معركة يحاول المشروع تسويقها على أن السعوديّة تخوضها «نيابة عن المجتمع الدولي لهدف إرساء الأمن والسلام العالمي». وذلك مع إصرار كبير على أن ثمة «إنجازات» كبرى تحقّقت! علماً أن جردة بسيطة تكفي ليخلص المراقب إلى أن الرياض لم تحقق الحد الأدنى من الأهداف. فقد تطورت قوة صنعاء الصاروخية، إضافة الى سلاح الطائرات المسيّرة، وزادت كمّاً ونوعاً. كذلك خسرت الرياض أهم معاركها في الحُديدة، رغم الضوء الأخضر الأميركي. علماً أن الاهتمام الأميركي والغربي بالحرب على اليمن، تراجع إلى حدّه الأدنى بعد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. وبات العالم مُحرجاً إزاء حجم الجرائم، والوضع في اليمن الذي تقول عنه الأمم المتحدة بأنه أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم. والجميع يقرّ اليوم بأن السعودية لم تقصف سوى المنشآت الاقتصادية والحيوية، كما أحكمت الحصار بحراً وجواً وبراً. إضافة إلى نقل المصرف المركزي إلى الجنوب.

دونالد ترامب يحبّ (أموال) السعودية

«كشّافة» السعودية تضرب في لبنان: المهمّة «إضعاف حزب الله»

هدف المبادرة إضعاف حزب الله داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً (هيثم الموسوي)

تواصل «الأخبار» نشر فصول الوثيقة المسرّبة التي أعدّها مستشارو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتكشف خطط السعودية ووسائلها لشنّ حرب ذات مستويات متنوعة ضدّ طهران. وقد عرض السعوديون خططهم ومشاريعهم لمناهضة إيران، في أوائل سنة 2017، على فريق دونالد ترامب للتباحث بشأنها، ولتنسيق الجهود السعودية والأميركية في العمل على تطويرها. نتوقّف اليوم عن مُبادرة «إضعاف حزب الله في لبنان»، وهي مكتوبة بلغة تُشبه أفكار «حكم القناصل».

تتشكّل المبادرة من أربعة محاور معظمها جرت محاولات لتطبيقه. صحيح أنّ بعض هذه البنود اتّسم بخطورة كالتضييق الاقتصادي وتشديد المراقبة على تحويلات المغتربين، إلا أنّ بعضها الآخر يحوز على قدر عالٍ من الفكاهة، كقرار مواجهة حزب الله عبر إنشاء «مراكز كشفية معتدلة».

لا تحيد الرؤية السعودية ضد المقاومة في لبنان عن نظيرتيها الأميركية والإسرائيلية.

تلتحق بهما، مُقدّمةً نفسها أداةً لمواجهة حزب الله. في خطتها المُسماة «مواجهة عملاء إيران»، تنهل الوثيقة التي قدّمتها السعودية إلى الولايات المتحدة الأميركية، من أدبيات عبرية علنية لمواجهة «الحزب»، كما تُقدّم أفكاراً عدّة لـ«تطويق» المقاومة، «تصدف» أن تكون متطابقة مع المتطلبات الإسرائيلية.تطويق لبنان اقتصادياً واستهداف مصالحه عبر تشريع استهداف معابره الرئيسية بحجة سيطرة حزب الله عليها، أو تضييق الخناق على المغتربين وتحويلاتهم إلى البلد.

في لبنان، كما في إيران، تُقدّم السعودية نموذجاً لكرسي تستحق الجلوس عليه مع الأميركي والإسرائيلي، مع نُقطة إيجابية تعوّل عليها لبنانياً، وهي انخراطها القديم في السياسة الداخلية، واتكاؤها على علاقات متشعّبة محلية وخارجية تؤثّر على صنع القرار في بيروت.انطلاقاً من هذه الخلفية، كانت «مواجهة حزب الله في لبنان»، واحدة من المبادرتين اللتين وضعتهما الرياض، وشاركتهما مع الإدارة الأميركية، من ضمن الخطة التي أُطلقت عليها تسمية «مواجهة سياسات النظام الإيراني العدائية: مواجهة عملاء إيران».

هدف المبادرة حُدّد بـ«إضعاف حزب الله بشكل واضح وملموس داخلياً وإقليمياً ودولياً»، فالسعودية اعتقدت أنّها بتحقيقه تكون قد حقّقت تقدّماً على إيران.في الوثيقة التي وُضعت سنة 2017، تشرح السعودية برنامج العمل التفصيلي لـ«إضعاف» حزب الله، من خلال تحديد الخطوات الواجب القيام بها، والأدوات التي يجب الاستعانة بها، لبلوغ الهدف النهائي.

العديد من النقاط الواردة في خطّة العمل، تُساهم في فهم سياسة السعودية وتدلّ على تماهيها مع الرؤية الإسرائيلية في المنطقة.تتوزع الخطة على أربعة محاور: السياسي، الاقتصادي، الإعلامي، العسكري.

أولاً: المحور السياسيفي آذار الـ2016، صنّف مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، حزب الله كمنظمة إرهابية. تبع القرار اجتماعٌ لمجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان، في الشهر نفسه، مؤكّداً قرار «التعاون الخليجي»، نظراً «لاستمرار الأعمال العدائية التي يقوم بها أفراد تلك المليشيات، وما تُشكّله من انتهاك صارخ لسيادة دول المجلس وأمنها واستقرارها». هذا الحصار السياسي، كان من البنود الأولى التي وردت في المحور السياسي من الوثيقة: «تصنيف حزب الله بجناحيه العسكري والسياسي كمنظمة إرهابية، والعمل على استصدار قرارات بهذا الشأن في مجلس الأمن». بعد عام 2017، حاولت الدول العربية إدراج تصنيف حزب الله كـ«إرهابي» في بيانات القمم العربية، لكنّها ووجِهت باعتراض الوفد اللبناني عليه.هي أفكار لـ«تطويق» المقاومة، متطابقة مع المتطلبات الإسرائيليةوبالتعاون مع «المحاكم الأوروبية والدولية»، كشفت السعودية في الوثيقة عن اقتراحها رفع قضايا ضدّ حزب الله «وخاصة عن جرائمه في سوريا وفي الداخل اللبناني».

بعد تطويق الحزب إقليمياً ودولياً، يأتي دور «استقطاب التيارات السياسية المتحالفة معه وخاصة التيارات المسيحية (التيار الوطني الحر وتيار المردة)، مع العمل على الضغط على هذه التيارات من قِبل الدول الصديقة، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا».كذلك أوردت الوثيقة بنداً خاصاً لـ«دعم الشخصيات المؤثرة والمعتدلة داخل المكون الشيعي سياسياً ومالياً»، وذلك من خلال:-

التركيز على قاعدة الشباب الشيعي لخلق مجموعات معتدلة في فكرها.

– بذل مجهودات حقيقية لاستقطاب القيادات الشابة داخل حزب الله نفسه.إضافة إلى دعم الشخصيات المعارضة لحزب الله «من خلال دعمهم في الانتخابات النيابية لتتمكّن من الحصول على أغلبية برلمانية».

ثانياً: المحور الاقتصادينال المحور الاقتصادي حيّزاً من مبادرة «إضعاف حزب الله» على قاعدة «تجفيف موارده المادية، وإبعاده عن المرافق الحيوية» لذا تطرح الخطة «تشديد ومراقبة التحويلات المالية على لبنان».

عملياً، توقفت في 2016 التحويلات المالية من السعودية إلى لبنان، وفي 2017 رُفض تحويل الأموال إلى بيروت إلا بعد موافقة الكفيل وطلب مستندات والتحقق من مصادر الأموال.

بالتوازي مع مراقبة التحويلات المالية، فُرضت عقوبات أميركية على المصارف والمؤسسات «التي تُقدّم أيّ مساعدة لحزب الله، أو مقربين منه». وفي عامي 2015 و2016، انضمت السعودية إلى هذه الموجة عبر فرض عقوبات على اثنين من قياديي حزب الله، وتجميد أصولهما وحظر تعامل السعوديين معهما بتهمة أنّهما مسؤولان عن «عمليات إرهابية في أنحاء الشرق الأوسط». أما «الترهيب» الثاني، فتحذير وزارة الداخلية السعودية من التعامل مع حزب الله بأيّ شكل كان، مع التهديد باتّخاذ عقوبات مشدّدة بحق كل مواطن أو مُقيم يُظهر دعماً لـ«الحزب»، أو يُروج له، أو «يتبرّع» له.

الأداة الاقتصادية بعد العقوبات المباشرة وتطرحها السعودية في المبادرة، هي «الحدّ من سيطرة حزب الله على المنافذ الدولية (مطار بيروت الدولي، ميناء بيروت البحري) من خلال إجراءات ضغط، وتوظيف تأثير المملكة التجاري والسياحي»، مع التخطيط لإنشاء «مطار دولي بديل يكون شمالاً بحيث لا يخضع بأيّ حال لسيطرة حزب الله».

أما النقطة الثالثة الواردة في الشق الاقتصادي، فهي «تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة لقطاع واسع من شباب الأعمال، وخاصة المكون الشيعي بهدف تحييد فئة كبيرة منهم، والذين يعتمدون على إعانة الحزب مادياً، مع خلق وظائف لهذه المشاريع مما يُساهم باستقطابهم أو إبعادهم عن الحزب».

ثالثاً: المحور الإعلاميتذكر الوثيقة أنّه يجب «دعم القنوات الإعلامية اللبنانية والتلفزيونية المعتدلة والوطنية المناهضة لسياسات حزب الله، والعمل معها على وضع سياسات لكشف تجاوزات الحزب وتوجيهاته العقائدية». وهذا الأمر ليس بالجديد على السياسات السعوديّة، حتّى قبل ولي العهد الحالي. فقد نشرت «الأخبار» قبل أربع سنوات، بالتعاون مع موقع «ويكيليكس» وثائق سرية لوزارة الخارجية السعودية.

تُظهر الوثائق أنّه في عام 2012 دفعت السعودية مليونَي دولار لمحطة (MTV) اللبنانيّة، شرط أن تكون بخدمة المملكة تقنياً وسياسياً («الأخبار»، 20/06/2015). وقد حاولت السعودية تطويع المؤسسة اللبنانية للإرسال، إنّما بوسيلة أخرى. فبحسب الوثائق نفسها، هُددت lbci بلَي ذراعها عبر شركة الإعلانات المتعاقدة معها (مجموعة الشويري الخاضعة للوصاية السعودية)، إذا «تمادت بمواقفها ضدّ المملكة» («الأخبار»، 22/06/2015).

رابعاً: المحور العسكريآخر المحاور في مستند «مواجهة حزب الله في لبنان» هو المحور العسكري حيث تتراوح بنوده بين تشديد الرقابة بالوسائل كافة على تهريب الأسلحة لحزب الله، وتفعيل دور قوات الأمم المتّحدة لتتمكّن من الاضطلاع بمراقبة الحدود البرية مع سوريا والحدود البحرية)، لكن الأهم بالنسبة لهم كان في ضرورة «إنشاء مراكز كشفية للشباب المعتدل لتدريبهم داخلياً وإمكانية ابتعاثهم في دورات خارجية ليكونوا لبنة لبناء المؤسسات العسكرية والأمنية مستقبلاً، ومواجهة حزب الله داخلياً إن لزم الأمر».

وتشدّد الوثيقة على أن الدعم السعودي للجيش اللبناني مشروط. وتقول الوثيقة إنه يمكن «تقوية الجيش اللبناني والمؤسسات الحكومية بعد التأكّد من خلو سيطرة الحزب عليها وتنظيفها بالكامل من عناصره».

تُشدّد الوثيقة على أن الدعم السعوديّ للجيش اللبناني مشروط وهنا تجدر الإشارة إلى أن «مملكة الخير» باشرت قبل سنة من كتابة الوثيقة بـ«معاقبة» الجيش واستخدامه ورقة لتصيفة حسابات سياسية.

ففي شباط 2016، أوقفت هبة بقيمة ثلاثة مليارات دولار لتسليحه. وامتنعت عن صرف ما تبقى من هبة المليار دولار لقوى الأمن الداخلي، بسبب «مواقف لبنان المعادية على المنابر الدولية والإقليمية، وعدم إدانة لبنان الاعتداء على سفارة السعودية في طهران مطلع 2016» («الأخبار»، 20/02/2016). وبحسب وكالة الأنباء السعودية، فإنّ القرار هو «نتيجة مواقف لبنانية مناهضة للمملكة في ظلّ مصادرة ما يُسمّى حزب الله لإرادة الدولة اللبنانية».

لا تنفصل طريقة التعاطي السعودية مع الهبتَين العسكريتين عن نظرتها العامة تجاه لبنان. نظرة دونية، تربط كلّ «مساعدة» له بثمن تقبضه. التعبير الأوضح عن ذلك، كان في 2017، حين قال وزير الداخلية السابق، نائب تيار المستقبل نهاد المشنوق، إنّ «المطلوب دفع ثمن سياسي للمملكة مقابل عودة الهبة المالية للجيش».مطاردة سياسية: ممنوع التحالف مع حزب اللهالعلاقة بين التيار الوطني الحر والسعودية، دلّت على فشل خطة الأخيرة.

تُفيد المعلومات أنّ الدولة الخليجية لم تكن مستاءة من انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، ولكنّها لم توافق على الترشيح، الذي تبنّته قوى أساسية في ما كان يُعرف بتحالف 14 آذار. وقد دُعي عون لزيارة السعودية في كانون الثاني 2017 (غاب عن استقباله ولي العهد محمد بن نايف وولي ولي العهد محمد بن سلمان)، إلا أنّ التضييق على عهد عون، بدأ في شباط، مع حديث الرئيس اللبناني إلى قناة CBC المصرية، عن ضرورة وجود سلاح المقاومة، طالما هناك أرض محتلة والجيش ليس قوياً كفاية ليُحاربها («الأخبار»، 13/02/2017).

انطلقت التهديدات بضرب النظام المصرفي اللبناني، وممارسة الضغوط السياسية على حلفاء حزب الله في الداخل. في تشرين الأول 2017، أرادت السعودية تشكيل حلف جديد يضم إلى جانب تيار المستقبل كلّاً من الحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب والقوات اللبنانية. استُدعي ممثلون عن القوى الأربع إلى الرياض، فلم يُلبّي الدعوة إلا «الكتائب» و«القوات»، في حين أنّ جنبلاط اعتذر، مُبرّراً بأنّه «لا أستطيع تكرار التجارب الخاطئة».

بعد شهرٍ، في 4 تشرين الثاني، استُدعي الحريري على عجل إلى السعودية، حيث أُجبر على تلاوة استقالته («الأخبار»، 06/11/2017)، واعتُقل قبل أن «يُحرّر» في 18 الشهر نفسه (20/11/2017). لكن السعودية استمرت في الضغط مع اقتراب الانتخابات النيابية في 2018.

وفي آذار من العام المذكور، استُدعي الحريري مُجدّداً إلى الرياض للطلب منه تشكيل جبهة ضدّ حزب الله بعد الانتخابات النيابية («الأخبار»، 10/03/2018)، مع ترك «هامشٍ» له هو علاقته برئيس الجمهورية.

أما عون فقد تعرّض لضغوط هائلة لفكّ تحالفه مع حزب الله في الانتخابات من دون أن يرضخ لها.

عزّز التيار العوني وقوى 8 آذار من وجودهما بعد الانتخابات، فعُدّلت «أدوات» الخطة السعودية. طلبت بدايةً من الحريري ترتيب العلاقة مع رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع («الأخبار»، 16/05/2018)، فوافق رغم موقفه السلبي من حليفه السابق. ذلك أن الحريري يُحمّل جعجع جزءاً من مسؤولية ما تعرّض له في السعودية. أما الأمر الثاني، فوضع «فيتو» على تولّي حزب الله حقائب أمنية أو سيادية أو حقيبتي الاتصالات والأشغال. وعندما ارتكب السعوديون جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، تنفّس لبنان وتشكلت حكومته بعيداً عن الأوامر الملكية.

لماذا لن يستقيل الحريري؟

يوليو 16, 2019

د. وفيق إبراهيم

استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري احتمالٌ تدفع إليه فئات داخلية متطرّفة تعمل بالمباشر وفق توجيهات سعودية تحتاج إلى موافقات أميركية ضرورية.

اليوم أضيف إلى هذه الفئات ثلاثة رؤساء حكومات سابقون طلبتهم الدوائر السعودية الرسمية على عجل ليس للتداول معهم بالشؤون الدولية والاستراتيجية.

وهكذا ابتدأ السنيورة وميقاتي وسلام فور وصولهم بلقاءات شكلية مع ولي العهد محمد بن سلمان والملك، هذا ما تقوله البيانات الرسمية لإضفاء طابع معنوي على اللقاءات، لكن المنطق لا يستسلم لهذه التغطيات اللغوية، اسألوا الراحل الكبير هيكل الذي التقاه الملك السعودي السابق عبدالله لمدة ساعة ونصف الساعة، وقال الإعلام السعودي إنهما تناقشا في مسائل عربية واستراتيجية. واعترف هيكل في مراحل لاحقة أن الملك لم يسأله إلا كيف يسيّر نفسه في الليل مع النساء وهو في أرذل العمر!؟

رؤساء حكوماتنا إذاً هم بين أيدي متخصصين سعوديين في الشأن اللبناني في وزارة الخارجية والمخابرات، لذلك فهم حيث يجب أن يكونوا.

وبما أنّ لبنان يمرّ بأزمة داخلية صعبة تتفجّر فيه العلاقات بين مراكز القوى الداخلية المتسربلة باللبوس المذهبي والإقليمي للزوم الحماية الكاملة، فإنّ هناك استشعاراً في المملكة بأنّ الدور السعودي في لبنان ذاهب إلى مزيد من التقلص وربما أكثر ويريدون بالتالي حمايته بوسائل داخلية.

ولأنّ السنيورة هو رجل المهام الصعبة في مثل هذه المراحل فكان لازماً استشارته والاستئناس بوجهات زميليه، هكذا يقول «البروتوكول».

أما الحقيقة، فإنّ الخارجية السعودية المستنيرة بالأمن الخارجي السعودي، والطرفان معتمدان على النصائح الأميركية، هذه الخارجية استجلبت على عجل رؤساء حكوماتنا لسؤالهم عن أفضل الطرق لإعادة إنتاج شكل جديد من حركة 14 آذار يمنع انهيار الدور السعودي مشدّداً الخناق على حزب الله بوسيلتين:

الاستفادة من العقوبات الأميركية على قياداته وهذه مدعاة لدعوة الدولة اللبنانية إلى توقيف التعامل مع الذين تشملهم العقوبات الأميركية، وذلك ببراءة سنيورية تعقبها لامبالاة «سلامية» وتقطيب حاجبين على الطريقة الميقاتية.

أما الوسيلة الثانية فهي الالتفاف حول الوزير السابق وليد جنبلاط بما يؤدّي إلى شرخ داخلي مقصود يستند إلى تدخلات إقليمية ودولية عميقة، فتنفجر العلاقات الأهلية إلى ما لا يُحمد عقباه. وهذا يضع حزب الله في وضعية صعبة ومأزومة.

فهذه الاحتمالات تدفع إلى استقالة الحريري وانتصاب أزمة ميثاقية خطيرة لا تنتهي إلا بالعودة إلى دستور الطائف 1992 الذي يزعم حزب المستقبل أنّ العونية الصاعدة تأكل من نفوذه تدريجياً عبر الرئاسة القوية للعماد عون واستنهاض المسيحيين على الطريقة الباسيلية والتحالف مع حزب الله.

لذلك تعتمد السعودية أسلوباً تحشيدياً لتأجيج الصراع الداخلي بالزعم أنّ المسيحيين يلتهمون حقوق السنة وحزب الله يصادر سيادة لبنان لحساب النفوذ الإيراني.

ولا يوجد في السعودية مَن يسأل ضيوفهم رؤساء الحكومات الثلاث ماذا فعلوا لأكبر منطقة سنية لبنانية في طرابلس وعكار والضنية والمنية والمينا وهم المسؤولون في الدولة منذ 1992 من دون انقطاع، قد يسكتون لأنهم لم ينفذوا مشروعاً واحداً فيها مكتفين بتأمين منطقة السوليدير وبنيتها التحتية وهي مجالات عقارية يمتلكها آل الحريري وشركاؤهم.

لذلك يذهبون دائماً نحو التحشيد على أسس مذهبية صرفة معتمدة على قراءات دينية ذات بعد عثماني مملوكي عمل طويلاً على إثارة التباينات الداخلية لتوطيد سلطاتهم السياسية.

هذا ما يشجع على الاعتقاد بأنّ الرؤساء الثلاثة عائدون لتنفيذ حركة أساسية تركز على إعادة تركيب تحالفات لبنانية تعمل لتأجيج الوضع الداخلي وذلك لمنع الانهيار في الدور السعودي في لبنان ومحاصرة حزب الله بناء على أوامر أميركية.

لذلك فإنّ هناك سؤالين ينبثقان على الفور، الأول هو هل ينجح المشروع السعودي مع بعض أطراف المستقبل بتحويل أزمة قبرشمون خلافاً وطنياً عميقاً؟ وهل لدى هؤلاء قدرة على دفع الحريري إلى الاستقالة؟

الاحتمال الأول لا يمتلك عناصره الفريق المستقبلي المتطرّف ومن بينهم النائب السابق مصطفى علوش عضو قيادة حزب المستقبل الذي بدأ بتركيب خطة التأزيم عندما قال إنّ النائبين المتعرّضين لعقوبات أميركية يتحمّلان «بمفرديهما المسؤولية»، مضيفاً بأنّ على الدولة اللبنانية معرفة ماذا يفعلان خارج دوريهما في مجلس النواب؟ أيّ في اطار «المقاومة»!

ماذا الآن عن الاحتمال الآخر؟ هل يستقيل الحريري بطلب سعودي أو بنصيحة سنيورية لها أبعاد مختلفة؟

يعرف رئيس الحكومة أنّ استقالته تفتح أزمة وطنية، لكنها ليست مسدودة. فالميثاقية لا تعني احتكاراً جنبلاطياً للدروز وحريرياً للسنة، وكذلك الأمر على مستوى القوى المسيحية.

وحدهمها حزب الله وحركة أمل هما اللذان يسيطران على كامل التمثيل الشيعي وبإمكانهما إحداث «ازمة ميثاقية» في حالة تشكيل اي حكومة.

هذا لا يعني أبداً أنّ هذه الحالات صحيحة أو سليمة، وهذا هو الواقع الواجب التعامل مع حيثياته، حسب الطبيعة الطائفية الميثاقية للنظام السياسي المعمول به.

على المستوى السياسي يعرف الحريري انّ تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل والمردة والسنة المستقلين والتيار الأرسلاني لهم القدرة والدافعية على التجمّع والتناصر في المحن، وهؤلاء بوسعهم تأمين قوة دعم نيابية كافية لتشكيل أيّ حكومة جديدة برئاسات جديدة.

لذلك فإنّ استقالة الحريري في هذه الظروف لا تعني إلا تدمير الظروف المناسبة لعودته، كما انّ تحريض القوى المتطرفة لتفجير الاستقرار الداخلي لا يؤدّي إلا إلى عودة الإرهاب المختبئ على مقربة منهم، ولا قدرة له على النجاح.

هذا بالإضافة إلى أنّ المراهنة على حرب إقليمية أو هجوم إسرائيلي هي الوسائل المجربة سابقاً والتي لم تعطِ إلا مردوداً عكسياً، هذا ما يؤكد بأنّ الحريري لن يستقيل لأنه يعرف أنّ الطامعين برئاسة الحكومة من بين فريقه السياسي يتربّصون به ويكيدون له ربطاً بموازين القوى الداخلية والخارجية التي يمسك بها حزب الله تماماً.

هذا ما يؤكد على أنّ الحريري لن يستقيل وسط تأييد كامل من حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل، وبقي عليه أن يحتوي ما يحمله «ثلاثي السعودية» من تعليمات غير قابلة للتطبيق، وأولها دفع الحريري إلى الاستقالة عند إصرار الفريق الأرسلاني على إحالة فتنة قبرشمون إلى المجلس العدلي.

العقوبات الأميركية على نواب حزب الله داخلية أم إقليمية…؟

يوليو 11, 2019

Image result for ‫د. وفيق إبراهيم‬‎

د. وفيق إبراهيم

يتعامل الأميركيون مع حزب الله بخلفية تحالفاته الإقليمية مع السياسات الإيرانية والسورية ودوره الوازن في بعض أنحاء العالم الإسلامي، فيطلقون تدابيرهم المعادية له، لخلخلة وضعه اللبناني والهدف واحد: وهو عرقلة حركته نحو طهران ودمشق وبغداد وصنعاء، كما يقولون.

لذلك كانوا يتجنّبون دائماً مجابهته بشكل عنيف في الداخل اللبناني، لأنّ مواقع حلفائهم المحليين في مجلس الوزراء ومجلس النواب مُصانة.

وهذه من الأسباب العميقة التي كانت تردع الأميركيين من مطالبة تحالفاتهم بوقف التعامل مع نواب الحزب ووزرائه علماً أنّ الأميركيين لم يميّزوا في عقوباتهم السابقة بين جناح مدني أو عسكري في حزب الله، فكلاهما سواسية في الدوائر الأميركية، فاستهدفوهما بالجملة لكنهم لم يتمكّنوا من إلزام حلفائهم في الدولة اللبنانية بتطبيقها، فظلت حبراً كريه الرائحة على ورق مهترئ، بسبب موازنات القوى الداخلية الراجحة للحزب والحلفاء، الذين لم يستعملوها إلا لتسهيل أعمالهم الجهادية في الإقليم تاركين لدماثة الرئيس نبيه بري فنون لجم الاندفاعات غير المحسوبة لحلفاء السعودية.

لكن ما يجري اليوم يختلف عن ذي قبل، فهناك انزعاج أميركي من الدولة اللبنانية كاملة، لسببين اثنين وهما الظاهران وقد تكمن في التفاصيل أسباب أخرى، إنما للزوم أميركي في مراحل أخرى.

هناك في البداية ذلك التعثُر الأميركي في ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان والكيان الإسرائيلي المحتل، هنا بالذات فوجئ الأميركيون بموقف موحّد من السلطات اللبنانية الثلاث: التنفيذية في رئاستي الجمهورية والحكومة والتشريعية في المجلس النيابي عبر رئيسه نبيه بري.

يفيد هذا الموقف أنّ لبنان متمسك بكلّ زاوية من برّه وبحره وأجوائه إنما ما تسبّب بإساءة أكبر لواشنطن هو رفض لبنان أيّ مفاوضات مباشرة مع الكيان المحتلّ.

فكيف يمرّ هذا الموقف من بوابة السياسية الأميركية في مرحلة تقول فيها واشنطن إنّ مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وقطر والسعودية وعُمان والامارات والبحرين والمغرب، تمتلك علاقات مع «إسرائيل» بأشكال متنوّعة وصولاً الى حدود تأليف أحلاف عسكرية معها، وها هي تونس تستقبل وفوداً سياحية إسرائيلية بجوازات سفر إسرائيلية.

لذلك بوغت الأميركيون بالموقف اللبناني وكانوا يعوّلون على ضغوط من الفريق اللبناني المرتبط بهم وبالسعودية يؤدّي الى تقليص العناء اللبناني، لكن الحريري وحزب المستقبل ووليد جنبلاط وحزبه الاشتراكي وسمير جعجع في حزب القوات صمتوا بخوف، فلم تعادل الآمال الأميركية إمكانات الحلفاء الداخليين الذين أصيبوا بخرسٍ مفاجئ لازمهم في معظم جولات مندوب وزارة الخارجية الأميركية ساترفيلد، وسرعان ما عادت أبواقهم الصوتية الى الصراخ فور رحيله.

لم يحتجّ الأميركيون لوقت طويل ليستوعبوا انّ الموقف اللبناني الصارم يتعامل مع المسألة الحدوديّة بالحجم الإقليمي الذي أصبح عليه حزب الله بعد تراجع المشروع الأميركي الإسرائيلي في سورية في ميادين الحرب، فالحزب أصبح قوة رادعة في الإقليم ولبنان.

ولم يغفلوا أيضاً عن حلفه الداخلي القوي الذي فرض «عبارات وطنية» على كلّ مسألة تتعلق بالعدو الإسرائيلي والمكانة الإقليمية لحزب الله.

لذلك كمن الأميركيون للبناء الجديد على مفترق أحداثه الداخلية، مستوعبين أنّ حزب الله نجح ببناء تحالفات داخلية وازنة لا يُحرجُها حتى في حركته الخارجية، لكن دورها أساسي في ضبط الداخل فقط بما يمنع استعمال لبنان الرسمي من السياسة الأميركية السعودية لتطويق حزب الله.

لم ينتظر الأميركيون طويلاً لمباشرة الضغط على الوضع الداخلي اللبناني مستغلين انزعاج حليفهم الأساسي الوزير السابق وليد جنبلاط وذلك لإقصائه من دائرة النفوذ في الدولة، وهو الشريك المضارب فيها منذ المرحلة الحريرية 1992 ما أدّى الى كمين استهدف موكباً لوزير درزي معارض له وينتمي الى الخط الأرسلاني المنافس، وسقط فيه مرافقون للوزير الغريب ومواكبون له، متسبّباً بانفجار فتنة سياسية، تهرب حكومة الحريري من معالجتها لأنّ الطرف الجنبلاطي الحليف للأميركيين هو المتهم الحصري بها.

يكفي أنّ هذه الفتنة المتفجرة سياسياً تهدّدُ بانفجار الشارع على أسس سياسية وحربية وليست مذهبية او طائفية فقط، لأنّ الوزير جنبلاط وهو العالم بتراجع الدور السعودي الأميركي في لبنان والإقليم يحاول حلّ الازمة اما باعتبارها عملاً فردياً ابن ساعته، ولا دور لحزبه فيه، أيّ ليس مخططاً له، او يدفع البلاد الى احتراب كبير بين فريقي 8 آذار المتحالف مع حزب الله وبين 14 آذار المتحالف مع السياسات الأميركية السعودية، وفي الوقت الذي يحاول فيه اللبنانيون منع نقل الاضطراب السياسي الى الشارع المحترب يُصدر الأميركيون عقوبات جديدة تطال نائبين من حزب الله هما رئيس كتلته النيابية محمد رعد ونائبه عن بيروت أمين شري والمسؤول الأمني في الحزب وفيق صفا.

الهدف هنا واضح. فكلما تقدّمت مساعي المصالحات الداخلية في لبنان رفع الأميركيون اصواتهم مطالبين المجلس النيابي بإقالة النائبين رعد وشري وقد يطالبون الدولة باعتقال وفيق صفا.

ويعتقدون بذلك أنهم يعرقلون الحزب ساحبين منه بعض مصادر إمساكه بالوضع الداخلي، ويعيدون في الوقت نفسه ضخّ كميات جديدة من القوة على جثة 14 آذار لعلها تستفيق من سباتها وتعاود أداء دور الممسك بالسياسة اللبنانية.

لذلك يقدّمُ الأميركيون للبنان خيارين لا ثالث لهما: توفير الأجواء الداخلية لإعادة تعزيز دور الحلف الجنبلاطي الحريري مع جعجع والجميّل وشمعون وعلى قاعدة ممارسة ضغوط على التيار الوطني الحر عبر قوى أوروبية لها عليهم حق «المونة التاريخية».

فهل هذا ممكن؟ المتعمّق في هذه الخطة، لا يميّزها عن أحلام بعض الصغار من أبطال إعلان بعبدا ومصالحة الجبل. فالسياسات وليدة موازنات قوى داخلية أولاً وخارجية ثانياً، فكيف نعيد الروح لقوى تنتقل بسرعة الى المتاحف لتكون عبرة لمن يسير على أضواء الخارج من دون قناديل داخلية تهديه إلى وطنه.

من السنيورة 1999 إلى السنيورة 2019: التسوية آتية

Image result for ‫فؤاد السنيورة موساد‬‎

نقولا ناصيف

الثلاثاء 5 آذار 2019

ليست المرة الأولى التي تحمي فيها دار الإفتاء الرئيس فؤاد السنيورة. في 2 كانون الأول 2006 حضر المفتي الشيخ محمد رشيد قباني إلى السرايا، وأمّ المصلين في قاعتها الكبرى بحضور السنيورة الذي اعتاد في الأحوال العادية التوجه، كل جمعة، مشياً إلى الجامع العمري الكبير لأداء الصلاة

ما حدث في 2 كانون الأول 2006 أن رسم المفتي الشيخ محمد رشيد قباني من حول الرئيس فؤاد السنيورة، رئيس الحكومة آنذاك، والسرايا أول «خط أحمر». ما قاله قباني آنذاك – بعدما أقفلت قوى 8 آذار وسط بيروت ونصبت خيامها فيه على بعد أمتار من السرايا – رفضه ما شاع عن احتمال اجتياحها، كي يضيف أن إسقاط رئيس الحكومة السنّي بالقوة محظّر. وهو مغزى «الخط الأحمر». في ما أدلى به خلف قباني، المفتي عبد اللطيف دريان البارحة عن «خط أحمر» على الرجل نفسه، من دون أن يكون هذه المرة رئيساً للحكومة، هو نفسه الذي لا يكتفي بوقوف الطائفة أمام الشخص، بل ينذر بأن البديل منه اشتباك سنّي – شيعي من فوق السطوح.

توقّف الاشتباك عند هذا الحد، لكن السابقة رسخت وتكرّرت. أمس، الاثنين، استعيدت برسالة مماثلة بقوتها مصدرها السرايا التي يقيم فيها رئيس الحكومة سعد الحريري ودار الإفتاء التي زارتها. ما يقتضي استخلاصه من المؤتمر الصحافي للسنيورة (الأول من آذار) والموقف السنّي «الشرعي» البارحة، أن ملف مكافحة الفساد، عند أول امتحان جدّي، إما أُقفِلَ أو هو على وشك ختمه. المضي فيه، وتحديداً الدوران من حول الـ11 مليار دولار ودور السنيورة وحكومته فيه، من شأنه أن يضع الاستقرار السياسي على المحك.

ليست المرة الأولى أيضاً تثار عاصفة من حوله. لا يزال الرجل، منذ عقد ونصف عقد من الزمن بصعوده وهبوطه، الشخصية السنّية الأكثر إثارة للجدل والخلاف على تقييمها: عندما يكون رئيساً للحكومة يصبح هو – لا رئيس حزبه – الرقم واحد في طائفته. ما إن يخرج من السرايا يمسي أيضاً الرقم واحد في طائفته، وإن ترأس الحكومة رئيس حزبه.

عندما عزم الرئيس إميل لحود، في مطلع عهده، على فتح ملف مكافحة الفساد بذريعة اكتشاف إهدار مال عام، في عزّ المواجهة بينه والرئيس رفيق الحريري الذي آثر الانضمام إلى المعارضة، كانت صدمة توقيف الوزير السابق شاهي برصوميان في آذار 1999 في ملف بيع رواسب نفطية. من ثم فتح ملف محرقة النفايات في برج حمود، وقيل عن مسؤولية السنيورة عن إهدار مال عام بسببها. حينذاك، رغم ما قيل عن تسييس التوقيف وتوخيه تصفية حسابات، أبقى الحريري الأب الاشتباك بينه ولحود في نطاق سياسي بحت، دونما أي إشارات استثمار مذهبي، سواء باستهداف الوزير السابق للمال، أو الحريري نفسه المعني المباشر بالمواجهة مع رئيس الجمهورية. هو العارف أن دمشق – حليفة الرجلين – وهي في ذروة نفوذها في لبنان، ليست على الحياد بينهما. حينذاك تدحرجت كرة ثلج المحاسبة والملاحقة وفتح الملفات التي اقتصرت على الحريري ورجالات حكوماته وفي الإدارة، كباسم السبع وآغوب ديمرجيان، ونواب كحبيب حكيم (صوّب عليه وزير الداخلية آنذاك ميشال المرّ لتصفية حساب شخصي)، إلى مديرين عامين لوزارات البيئة والآثار والاتصالات وموظفين كبار، أُوقفوا ثم أُطلقوا.

من دون أن يصير إلى توقيف السنيورة، شقت التسوية السياسية طريقها إلى إقفال ملف فتحه لحود، فتحوّل إلى مأزقه، وأول كبوة لعهد بالكاد بدأ.

بسبب وضع ملف برصوميان في عهدة القضاء العادي والتلويح بتوقيف السنيورة لديه، وكان منتظراً توقيفه في 10 شباط 2000 على ذمة التحقيق على أن يصير إلى إصدار مذكرة توقيف وجاهية في حقه وفق ما رُسِم له، من دون المرور بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، تصاعد السجالان السياسي والدستوري بإزاء صلاحية المجلس الأعلى، وتبادل الانتقادات حيال تخلي مجلس النواب للقضاء العادي وضع يده على ملفات مرتبطة بوزراء سابقين، يقول قانون المجلس الأعلى أنهم يحاكمون أمامه في حال الخيانة العظمى وخرق الدستور والإخلال بالواجبات الوظيفية. وقف رئيس الجمهورية في طريق التئام مجلس النواب لتفسير المادتين 70 و71 لحسم الجدل، بإزاء الجهة صاحبة الاختصاص في محاكمة الوزير، مجلس النواب أم القضاء العادي، وكان لحود يصر على إبقاء الصلاحية – وتالياً الملفات – بين يدي القضاء العادي.

ما سيق من اتهامات إلى برصوميان كوزير للنفط وإلى السنيورة كوزير المال، أُدرج في نطاق الإخلال بالواجبات الوظيفية. حينذاك ارتفعت تدريجاً نبرة الاعتراض على صلاحية القضاء العادي النظر في ملفي الوزيرين السابقين، فقاد الحريري وحليفه وليد جنبلاط مطلع شباط 2000 حملة توقيع عريضة، أمكن الحصول على تأييد 44 نائباً مهروها، تقضي باجتماع مجلس النواب لاسترداد صلاحية المحاكمة وإعادتها إلى المجلس الأعلى، و«تصحيح» خطأ موافقة البرلمان آنذاك على انتقالها إلى القضاء العادي. تفادياً للوصول إلى هذا الهدف، إذ يعني في ذلك الحين نكسة مباشرة لرئيس الجمهورية ووضعه وجهاً لوجه أمام مجلس النواب، ارتؤي صرف النظر عن العريضة في مقابل صرف النظر عن توقيف السنيورة الذي كان الموضوع الفعلي والوحيد الذي عنيت به العريضة.

«الخط الأحمر» المذهبي يبشّر بطيّ مكافحة الفساد إلا إذا…

لم يطل الخوض في ملف مكافحة الفساد قبل أن يُطوى تماماً. بإجراء الانتخابات النيابية عام 2000 تبخر نهائياً بانتصار كبير للحريري وحليفه جنبلاط في بيروت وجبل لبنان الجنوبي. عندما عاد إلى السرايا، كان السنيورة وزير المال في حكومتي عامي 2000 و2003 كأن شيئاً لم يحصل قبلاً.
ما شهدته الأيام الأخيرة حيال إهدار 11 مليار دولار، توجيه المسؤولية إلى السنيورة كرئيس لحكومة 2005 – 2008، إلا أن له شركاء مؤثرين فيها هم أقطاب قوى 14 آذار حينذاك، لكنهم اليوم أركان رئيسيون في حكومة الحريري الابن. ما يقتضي انتظار التسوية التي ستؤول إلى إقفال هذا الملف برمته، وخصوصاً بعد إلباسه العباءة المذهبية.

لعل العبرة الوحيدة المستوحاة من تجربة لحود، أن العهد القوي المستمد من رئيس قوي – وكانت للرئيس السابق عضلات سوريا – أياً تكن مصادر قدراته، سيظل عاجزاً عن ملاحقة عهد سلفه ورجالاته واقتياد رموزه إلى السجن، وسيكون أمام أحد خيارين: إما يبدأ ويسقط سريعاً، أو لا يبدأ أبداً. فكيف إذا كان هؤلاء شركاءه في الحكم، وجزءاً لا يتجزأ من السلطات الحالية المالكة؟
واقع الأمر، الآن، أن الأعجوبة لا تسقط في زمن الشياطين. إلا إذا…

Related Videos

Related Articles

ا هي «الدولة داخل الدولة»؟

مارس 4, 2019

– ناصر قنديل

– ركّز الرئيس فؤاد السنيورة في مؤتمره الصحافي المخصّص للردّ على حملة حزب الله حول متابعة فوضى المالية العامة ومكافحة الفساد، على توصيف ما يقوم به حزب الله ببناء دولة داخل الدولة تقوم مكان مهام الدولة الأصلية، متحدثاً عن قضاء وأمن وجمارك ومرافق بديلة، لكنه من حيث لا يدري وقع في هفوة تحوّلت فخاً، ربما بسبب صلة مؤتمره الصحافي بمساءلته عن عدم وجود قيود للمساعدات السعودية والخليجية التي وردت بعد حرب تموز 2006، فقال متسائلاً عن مصير المساعدات الإيرانية، أين هي قيود هذه المساعدات؟ وفي الواقع ثمة مساعدات إيرانية قدمت للدولة اللبنانية مباشرة، يعرفها السنيورة لأنها مرّت بقنوات مؤسسات تخضع لاطلاعه كرئيس للحكومة في فترة الحرب وما بعدها، لكن ما تحدث عنه السنيورة من مرافق موازية للمرافق الحكومية، فهي مرافق صحية وتربوية وعسكرية وأمنية، تقوم بمهام وتؤدي خدمات تغيب عنها الدولة ضعفاً أو عجزاً أو تهميشاً لفئات ومناطق، وتمولها إيران بدلاً من أن تمولها الدولة. فالأمر هنا ليس تضييع مال الدولة من دون إنجاز المهام المرصودة للقيام بها، بل توفير مال الدولة بالقيام بالمهام المفروض القيام بها بمال غير مالها. فالمقاومة كقوة عسكرية لم تفتح حرباً، بل فُتحت على لبنان وعليها حرب، وعندما تصدّت للحرب نيابة عن الدولة ومؤسساتها فعلت ذلك بموازنات غير موازنة الدولة، وعندما أسرت جنود الاحتلال لمقايضتهم بالأسرى اللبنانيين قامت بعمل أمني لا تقدر المؤسسات الأمنية اللبنانية القيام به لقضية وطنية لبنانية عجزت الدبلوماسية عن حلها. وعندما تلاحق أجهزة أمن المقاومة شبكات العملاء تقوم بوضع نتاج عملها بتصرف الأجهزة الأمنية اللبنانية، وقد قطعت أكثر من نصف الطريق في متابعتهم، بمال هو غير مال الدولة، وللقيام بمهام هي مهام عجزت عنها الدولة رغم كونها من مهامها، والشيء نفسه في شؤون الصحة والتربية.

– تشكّل مقاومة حزب الله ومؤسساته الداعمة للأمن والصحة والتربية، نوعاً من دفاع مدني على مستوى أوسع مدى ونطاقاً من الدفاع المدني الذي نعرفه، لكنها لا تحل مكان أجهزة الدولة، فهي لا تعتقل ولا تقوم بالتوقيف، ولا تحاكم ولا تسجن ولا تعاقب، ولا تفرض الغرامات، ولا تستوفي بدلاً من الدولة العائدات. هي أجهزة شعبية تطوّعية تساعد في سد ثغرات الضعف العام في بنية الدولة، دون أن تطلب مقابلاً، أو أن تستوفي عائداً، أو تتلقى تعويضاً، والذي يريد أن يسأل عن سبب الحاجة لهذا الدفاع المدني الشامل الذي يمثله ما يؤديه حزب الله في مجال القوة والأمن والصحة والتربية، عليه قبل أن يصفه بـ «الدولة ضمن الدولة» أن يسأل عمن أقام فعلاً «دولة ضمن الدولة»، تولت بشكل منسق ومبرمج بمنع الدولة من القيام بمهماتها، فثمة شبكة متكاملة تتوزّع بين سياسيين ومسؤولين في مؤسسات الدولة وسفاراتها وبرلمانها وحكومتها، تتولى تعطيل كل محاولة لتمكين الدولة من امتلاك وسائل دفاع جوي وسلاح ردع، لمنع «إسرائيل» من مواصلة انتهاكاتها للسيادة اللبنانية، وهي امتداد للدولة ضمن الدولة التي كانت تسوّق نظرية قوة لبنان في ضعفه وتمنع من وجود جيش قادر على حماية الحدود، وهي ذات الدولة ضمن الدولة التي ترتضي المشاركة في الحملة على سلاح المقاومة وتغاضت وتتغاضى عن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وكان قيام المقاومة، كما كان استمرار الحاجة إليها نتاجاً طبيعياً لما اقترفته وتقترفه أيدي اصحاب الدولة ضمن الدولة.

– تتشارك الدولة ضمن الدولة التي تتولى مهمة إضعاف قدرة لبنان على حماية نفسه بوجه المخاطر الإسرائيلية، مع دولة أخرى ضمن الدولة تتولى مهمة حماية المحاصصة الطائفية والتناسل غير الشرعي لنظام المحسوبية وتتشارك معهما دولة ثالثة ضمن الدولة تتولى ترويج الفساد وحمايته، تحت شعار التمرير المتبادل للمنافع والصفقات والتعيينات والتلزيمات، وهكذا بات في لبنان فدرالية دويلات ضمن الدولة يسند بعضها بعضاً، فتستنفر لمنع كل تحديث للنظام السياسي، وتتساند لمنع أي مكافحة جدية للفساد وضمان حسن سير التعامل مع المال العام وفقاً للقوانين، وتستنهض قواها لمنع كل دعوة جدية لبنان دولة قوية بجيش قادر على منع الانتهاكات الإسرائيلية، وقوية على المنظومات الطوائفية الممسكة بقرارها.

– لذلك كان واضحاً أن الرئيس النسيورة أراد استنفار أركان المنظومة لقطع طريق المساءلة والمحاسبة، محذراً حزب الدولة ضمن الدولة، أن النجاح بتصويب مسار ملف المالية العامة سيطالهم جميعاً، وسيكون بداية لفتح ملفات المافيات والصفقات والسمسرات، كما سيعني فتح الباب لإصلاح سياسي ونظام انتخابي ينهيان كونفدرالية الطوائفية ونظام المحسوبية، لحساب دولة المواطنة، كما سيعني بداية قيام الدولة القوية على الطوائفية، لكنها القوية أيضاً على الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية بمفهوم الدولة الوطنية التي لا تؤجر قرارها التسليحي للأميركي، بل تخضعه لقياس مصالحها العليا فقط.

– أخطبوط بثلاث نسخ من «دولة ضمن الدولة» يحكم لبنان، والفوز في المعركة عليه متكامل لا يتحقق بالمفرق بل بالجملة، لأنه يعني الفوز بمعركة «قيام دولة الوطن والمواطنة».

Related Videos

Related Articles

‫«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

اتهم «المستقبل» التيار الوطني الحر بتقديم أوراق اعتماد جديدة لحزب الله (هيثم الموسوي)

في معركة «الدفاع» عن نهج «الحريرية السياسية»، يبدو تيار المستقبل مُستعدّاً لأن يُحرق كلّ الأوراق. بنى سور حماية حول فؤاد السنيورة، مانعاً أي تدقيق في حسابات الدولة، ومُخفياً عن اللبنانيين مصير أموالهم المفقودة والمسروقة. مستعيناً بمحطته التلفزيونية، للردّ على التيار الوطني الحرّ، رفع «المستقبل» الفيتو المذهبي: السنيورة هو الطائفة!

الإسفين الذي لم يتمكّن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة من دقّه سياسياً بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، منذ التسوية الرئاسية وحتى يوم الجمعة الماضي، نجح به من الباب المالي. انطلقت مواجهة بين التيارين الحليفين، قادتها المحطتان التلفزيونيتان التابعتان لهما. ومن غير المعلوم إن كان الخلاف سيُطوق، أم ستكون له ارتدادات أكبر من ساحته الإعلامية. افتتحت قناة «أو تي في» جولة الخلاف، بمقدمة اعتبرت فيها أنّ السنيورة «يخوض معركة استباقية بأسلحة الماضي ورجالات الماضي الغابر والربيع العابر الذين أضحوا في خريف المسيرة وسن اليأس السياسي. السنيورة يخشى سوء العاقبة وفتح الأوراق القديمة في عهد الأب بعدما تخلّى عنه الابن وأفرد من النيابة والوزارة ورئاسة الوزارة واستفرد في الفساد من دون سائر العباد (…) حزب الله الذي لم ينسَ دور السنيورة في حرب تموز وما تلاها من انهيار حكومي و7 أيار وما سبقها من تلاعب بالخيار وتوجيه القرار». فأتى الردّ أمس من مقدمة «المستقبل»، بالقول إنّ «الإبراء المستحيل، فيمكنهم أن يبلّوه ويشربوا المياه الآسنة التي نشأت عنه. تقديمٌ لحزب الله أوراق اعتماد جديدة للمعارك السياسية المقبلة. هذا شأنكم». أما الأخطر في مقدمة التلفزيون الأزرق، فهو اللعب على الوتر الطائفي، الطريق الأسهل للتجييش وشدّ العصب الشعبي وتحوير القضية عن مسارها الصحيح: «فؤاد السنيورة اليوم هو تيار المستقبل، وهو الحزب والموقع، وهو رئاسة الحكومة وهو الطائفة التي يمثلها إذا شئتم».

مقالات مرتبطة

يُصرّ تيار المستقبل وفؤاد السنيورة، على تحويل قضية الحسابات المالية للدولة، إلى معركة شخصية موجّهة ضدّهما. يُركّزان على مبلغ الـ11 مليار دولار التي أنفقتها حكومة الـ2005 – 2008 متجاوزة القاعدة الاثني عشرية، ويتجاهلان أن القضية هي قضية حسابات الدولة، منذ العام 1993. يريدان لهذه القضية الخطيرة أن تبقى في إطار «المناكفات الإعلامية»، أما حين تجهز الأوراق الرسمية ويُصبح بالإمكان تحويله إلى القضاء من أجل كشف الثغرات التي واجهت الحسابات منذ الـ1993 حتى الـ2013، فينبري «المستقبل» لمنع أي «إصلاح» و«مكافحة فساد».

وكان عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق، قد أكّد أمس إن هدف حزب الله «التدقيق في الحسابات المالية، وليس تصفية الحسابات السياسية، فضلاً عن حماية المال العام، ونحن لسنا بوارد الانتقام من أحد». ولفت إلى أنّ حزب الله أعلن مشروعه في مكافحة الفساد «وهو يتوقع مسبقاً أنّ هناك متضررين سيحاولون أن يحرضوا ليحجبوا الحقيقة، ونحن نتوقع المزيد من الافتراءات لأجل حماية المفسدين».

من ناحية أخرى، قرّرت «القوات» استلحاق نفسها، بإطلاق مبادرة لعودة النازحين السوريين إلى أرضهم. طيلة سنتين في الحكومة السابقة، لم تُبادر «القوات» إلى أي خطوة من أجل حلّ هذه المسألة، بل على العكس من ذلك، تصرّفت بطريقة «تُرضي» المجتمع الغربي، معارضة نهج رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والمغتربين وفريق 8 آذار السياسي، القائم على فصل العودة عن الحلّ السياسي في سوريا، وتشجيع العودة الآمنة وإعطاء المساعدات للنازحين في أرضهم وليس في البلدان المضيفة. وصلت «القوات» متأخرة، بعد أن عُيّن في وزارة الدولة لشؤون النازحين وزيرٌ من خلفية سياسية حليفة لسوريا، ويريد العمل مباشرةً معها لحلّ الملّف، مدعوماً من القصر الجمهوري. أعلن عن التوجه القواتي الجديد وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، مُوضحاً بأنّ المبادرة أُطلقت «لأنّ موضوع النازحين السوريين بات يشكل أزمة وطنية كبرى، ولأنّ الخلاف السياسي على التطبيع والعلاقة مع النظام الحاكم في سوريا يجب ألا ينعكس على إرادتنا المشتركة لإيجاد الحلول الآيلة لعودة النازحين إلى بلادهم». وقد تضمنت المبادرة الآتي: «المكان الوحيد لبحث حلّ العودة هو مجلس الوزراء، تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الموضوع، الإناطة بهذه اللجنة الوزارية بحث عودة النازحين بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، لتحفيز السوريين على العودة عبر إمدادهم بالمساعدة داخل سوريا، كما التنسيق مع الدول الكبرى ولا سيما روسيا، صاحبة المبادرة، على الحكومة أن تطلب من المجتمع الدولي مزيداً من الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة (تسمح «القوات» لنفسها بالتدخل في شؤون دولة أخرى، و«نصح» المجتمع الدولي بالضغط لإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وإعادة النظر بقوانين إثبات ملكية العقارات…)، الأمن العام اللبناني هو الجهاز الصالح لتنسيق عودتهم عبر الحدود. ولتحفيز العودة، تلغي الحكومة اللبنانية كل رسوم تسوية أوضاع الإقامة للسوريين العائدين، ستكون وزارة الشؤون الاجتماعية على استعداد، وفق الخطة التي ستقرها الحكومة، للطلب من الفرق العاملة في خطة الاستجابة للأزمة السورية، المساهمة أولاً في حث النازحين على العودة وثانياً أخذ أسماء العائلات الراغبة بذلك».

تقول مصادر القوات إنها ضدّ موقف الحريري المؤيد للعودة الطوعية

اللافت للنظر، أنّه في 3 شباط 2019، كان نائب القوات اللبنانية بيار بو عاصي، يختتم مسيرته كوزيرٍ للشؤون الاجتماعية، بالمشاركة في مؤتمر «خطة الاستجابة للنزوح السوري للعام 2019»، التي تهدف بشكل واضح إلى منع النازحين السوريين من العودة إلى بلدهم، وتوفير كلّ المُساعدات النقدية والعينية لهم وللبلدان المضيفة، من أجل أن يؤسّسوا لحياتهم خارج سوريا. فماذا فعلت وزارة الشؤون الاجتماعية، لمواجهة هذا المُخطّط؟ وهل حاولت «فرض هيبة» الدولة، برفضها دخول الأموال الغربية إلى البلد من دون المرور أولاً بالمؤسسات الرسمية، الواجب عليها أن تُشرف على كيفية إنفاق هذه المبالغ؟ «لا عمل» وزارة الشؤون الاجتماعية مع بو عاصي، لمواجهة مشكلة النزوح، كان جزءاً من سياسة القوات اللبنانية العامة، التي بدت مُتماهية إلى حدّ بعيد مع الرغبات الدولية في منع عودة النازحين إلى أرضهم، تحت ستار «عدم التواصل مع النظام السوري»، واختلاق أعذارٍ شتّى بدءاً من غياب الأمان في سوريا، وصولاً إلى نظرية أنّ الرئيس بشار الأسد لا يريد للنازحين أن يعودوا. كان ذلك، قبل أن تعتبر «القوات» أنّ العودة الطوعية للنازحين السوريين، «قرار غير سيادي». وترى ضرورة في عودتهم السريعة، فأفضل مئة مرّة أن يسكن المرء داخل خيمة في بلده من أن يسكن بخيمة خارجه، على حدّ قول نائب «القوات» فادي سعد خلال مناسبة حزبية يوم السبت. تُصرّ مصادر «القوات» على أنّها من أول المُتحدثين عن عودة آمنة، «إلى المناطق التي يغيب عنها النزاع المُسلّح»، فأتى القرار بأن تبدأ حملة «لتوضيح موقفنا حتى لا يستمرّ أحد في غشّ الرأي العام، ولنشنّ حملة ضدّ التطبيع مع النظام السوري، بعد أن ارتفع في الآونة الأخيرة الحديث عن ربط العودة بالتطبيع». دولتان تتبادلان البعثات الدبلوماسية، تتواصلان وزارياً، وتربطهما علاقات اقتصادية وتجارية، ولا تزال «القوات» تتحدّث عن رفض لـ«التطبيع»؟ تردّ المصادر بالقول: «فلتبقَ هذه حدود التواصل. نحن غير موافقين على تبادل السفراء وزيارات الوزراء، ولكن القرار ليس بيدنا. خلاف ذلك، سنواجه محاولات تعويم النظام السوري». مبادرة «القوات» فيها تناقض أساسي، وهو استنجادها من جهة بـ«المجتمع الدولي» للضغط على النظام السوري، وفي المقابل مطالبتها بتقديم المساعدات للنازحين في سوريا وتشجيع عودتهم غير الطوعية (حديث فادي سعد). تردّ المصادر بالقول: «لا نستنجد بالمجتمع الدولي، بل نُقدّم له رؤيتنا، وسنضغط من أجل إقناعه بها. كما أنّنا سنتحاور مع سعد الحريري، لأنّنا ضدّ موقفه المؤيد للعودة الطوعية، ليكون موضوع العودة مُتفق عليه داخل الحكومة».

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: