سورية الأسد… وإعادة رسم خطوط التماس بألوان النفط والغاز!

محمد صادق الحسيني

فيما تمضي القيادة السورية وحلفاؤها الإقليميون بخطى وطيدة دفاعاً عن ثوابتها وملفاتها القومية والوطنية من فلسطين والجولان وصولاً الى الداخل السوري الخاصة بالدستور والسيادة ووحدة الأراضي، تحركت القيادة الروسية في اندفاعتها الجديدة الاقتصادية السياسية نحو دمشق من أجل وضع ملامح مرحلة مستجدة لا بدّ منها في مواجهة تحوّلات شرق المتوسط المتلاحقة…

مصادر واسعة الاطلاع على مطبخ صناعة القرار الروسي تقول بأنّ الوفد الروسي الكبير الذي زار دمشق في الساعات الماضية برئاسة نائب رئيس الوزراء بيسلوف وكلّ من رئيس الديبلوماسية الروسية لافروف والسيد بوغدانوف باعتباره نائب وزير الخارجية المكلف بالمنطقة، حمل معه ورقة سياسية اقتصادية متكاملة تحمل ثلاثة بنود مرحلية أساسية فيها مصلحة دمشق أولاً ومن ثم لكلّ من موسكو وحلفاء دمشق الآخرين أيضاً وهي التالية:

أولاً: تجميد الميادين السورية والصراعات السياسية من الآن الى حلول الصيف المقبل بهدف إنجاح الاستحقاق الانتخابي الرئاسي السوري بحيث تجري الانتخابات في أوسع المحافظات والأراضي السورية بشكل قوي داخليا ومقبول دستورياً ويكبّل ألسنة المجتمع الدولي المتطلب والمعاند…

في هذه الأثناء تقوم الدول الضامنة في أستانة بتثبيت مناطق خفض الصراع في ادلب وتعزيز الإنجازات فيها

كما تضمن روسيا احتضان الورقة الكردية والمعارضات «المعتدلة» باتجاه ضبط اندفاعتها تحت مظلة الدولة الوطنية السورية.

ثانياً: ضخّ الدم في دورة إعادة بناء الاقتصاد السوري انطلاقاً من حقول النفط والغاز غير المنتجة بعد ولكنها الجاهزة بالمسح الجيولوجي من خلال تنشيط العمل فيها تحت مظلة روسية حفاظاً على حقوق الطاقة السورية من أن تذهب سدى أو أن تتعرّض للضياع وسط صراعات الطاقة شرق المتوسط التي تتناهشها القوى الإقليمية والدولية الطامعة بثروات المتوسط الهائلة…

تجدر الإشارة مثلاً الى انّ بئراً واحدة من النفط في الحقل ١٤ شمال طرطوس يحتوي على كميات يُقال إنها ثلاثة أضعاف إنتاج الكويت…

ثالثاً: إدراج سورية كلاعب أساسي وتنشيط دورها وحقها القومي والإقليمي والعالمي في الدفاع عن أمن واستقرار المتوسط، وهو ما تراه روسيا بأنه ينبغي ان يصبّ في إطار «تحالف المصلحة الواسع» مع تركيا عملياً ومن معها بضمانة روسية لمواجهة ما يسمّونه بديل خط نابوكو الذي دمّرت سورية من أجله (كان يُراد أن يمرّ من سورية بديلاً لخطي الغاز الروسي والإيراني لأوروبا) واليوم انتقل ليكون عبر الكيان الصهيوني بالتعاون مع مصر وقبرص واليونان وبرعاية فرنسية وناتوية (الناتو)…

وتعتقد موسكو في هذا الاتجاه بأنّ مثل هذا التحالف الموسع من شأنه أن يوقف الاندفاعة الاستعمارية الفرنسية ضدّ لبنان وامتداداً الى السواحل الليبية..

الأهمّ من كلّ هذا فإن موسكو ورغم أولوية مصالحها الاقتصادية ترى بأنّ مثل هذه الخطوات الثلاثة: ايّ تثبيت خطوط الميدان، وتنشيط الاقتصاد السوري عبر مظلة الطاقة الروسية، وتحالف الطاقة الموسع ضدّ الاندفاعة الفرنسية الغربية، من شأنه ان يمرّر السنة الأصعب اقتصادياً وسياسياً على سورية في ظلّ الحصار الأميركي، بأقلّ الخسائر فضلاً عن تثبيته لحكم الرئيس المقاوم بشار الأسد السيادي والقوي على عكس ما يروّج الغرب الاستعماري بأنّ موسكو تبحث عن فيدرالية او حكم انتقالي أو إعادة بناء سورية بتفصيل معاد للعروبة…!

وهو ما نفاه رجال الاقتصاد والديبلوماسية الروسية بشكل واضح وصريح في مؤتمرهم الصحافي المشترك مع الوزير وليد المعلم يوم أمس في دمشق.

مرة أخرى علينا كدول وقوى محور المقاومة التسريع في إعادة رسم خطوط دفاعاتنا الداخلية الوطنية والقومية والحضارية بالصلابة اللازمة حتى نخفف دفع أثمان تحالفات الأمر الواقع التي تفرضها الأحداث المتسارعة…!

وحدة الدم ووحدة الساحات بوجه ما يُراد لنا من مشاريع سايكس بيكو جديدة او للتقليل من إطالة صراعنا مع العدو الرئيسي بسبب حاجاتنا الخارجية التي لا بدّ منها حتى لصديق معتمد مثل روسيا…

والأهمّ من ذلك إعادة ترميم وتدعيم وتعزيز محور المقاومة وهو السلاح الأمضى والقاطع أمام كلّ التحديات.

بعدنا طيّبين قولوا الله…

مقالات متعلقة

ما بين بوتين والأسد أقوى من «بازارات» السياسة…!

ما بين بوتين والأسد أقوى من «بازارات» السياسة…! – جريدة البناء ...

محمد صادق الحسيني

كثر أخيراً الكثير من الكلام وفيه الغث والسمين عن خلافات في الرؤى بين روسيا بوتين وسورية الأسد، وذهب كثيرون من دون علم ولا مسؤولية عن نية مزعومة لدى القيادة الروسية بالضغط باتجاه تغيير القيادة في سورية أو ما سمّوه تغيير الرئيس بشار الأسد، وهو ادّعاء لا يصحّ إلا مع مرضى النفوس ممن ينطبق عليهم المثل الإيراني الشهير:

«الكافر يقيس الناس على معتقده…»!

ظناً منهم أنّ كلّ عالم السياسة هو كعلاقتهم الذئبية مع سيدهم الأميركي…!

صحيح أن التاريخ ليس وحده من يعطي العلاقات السورية الروسية الحاليّة، ذات الطبيعة الاستراتيجية المتينة طبيعتها، وإنما الاقتصاد والسياسة والأمن والضرورات العسكرية للطرفين. وهذا يعني أن العلاقات الحاليّة مبنيّة على أسس القانون الدولي الشديدة الوضوح، في تنظيم العلاقات بين الدول، وكذلك الأمر فهي مبنية على المصالح المتبادلة للطرفين.

ومن نافل القول أيضاً أنّ هذه العلاقات، التي تزداد ترسّخاً في الوقت الحاضر، ليست علاقات جديدة، بل هي موجودة منذ استقلال سورية عن الاستعمار الفرنسي، منتصف أربعينيات القرن العشرين. وتعمّقت هذه العلاقات بعد توقيع اتفاقية التعاون المشترك بين البلدين، سنة 1955، والتي أثارت حفيظة القوى الاستعمارية الدولية يومها وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي اتهمت سورية بأنها تجنح لأن تصبح دولة شيوعية مرتبطة بالاتحاد السوفياتي وقاعدة لتوسيع نفوذه في المنطقة…!

وقد قامت تلك القوى الاستعماريّة بمحاولة فاشلة لتطويق سورية ووقف تعاونها مع الاتحاد السوفياتي، وذلك من خلال العمل على إنشاء حلف عسكري معادٍ للاتحاد السوفياتيّ، أُطلق عليه اسم حلف بغداد، بحيث يضمّ العراق الملكيّ والأردن وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة. وقد رفضت سورية ومصر عبد الناصر هذا الملف العدواني العسكري وقاومته بكلّ الوسائل حتى أسقطته وتمّ دفنه بعد عدوان 1956 على مصر وتكريس الدور السوفياتي في «الشرق الاوسط»، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

ولكن المحاولات الاستعمارية الأوروبية، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بعد العدوان الثلاثي، لإسقاط سورية ومنعها من تمتين علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، قد استمرّت وتمّ تصعيدها عبر ما أطلق عليه: «مبدأ آيزنهاور»، الذي اعلن عنه الرئيس الأميركي آنذاك، أيزنهاور، في رسالة أرسلها إلى الكونغرس الأميركي، وجاء فيها أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم المساعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لأيّ دولة في «الشرق الاوسط» تطلب ذلك.

ولم يمضِ وقت طويل حتى طلبت الإدارة الأميركية، من عضو الناتو تركيا، بالبدء بالتحرّش بسورية عسكرياً. وبالفعل بدأت تركيا بحشد الآلاف من جنودها على الحدود السورية… وقد بلغ التوتر ذروته في 18/8/1957 إثر تعيينات وتغييرات أجراها الرئيس السوري شكري القوتلي على قيادات الجيش السوري، اعتبرتها الولايات المتحدة انقلاباً شيوعياً نقل سورية الى المعسكر السوفياتي. وهو ما دفع تركيا (الناتو) إلى دقّ طبول الحرب ضد سورية. إلا انّ تهديد الزعيم السوفياتي، نيكيتا خروتشوف، بقصف تركيا بالصواريخ إن هي اعتدت على سورية، الأمر الذي دفع المعسكر الغربي بالتراجع عن نيات العدوان وسحب تركيا حشودها عن الحدود السورية وإنهاء الأزمة في شهر 10/1957. وبهذا يكون مبدأ أيزنهاور هو الآخر قد سقط تماماً وانتهت أحلام الولايات المتحدة بالسيطرة على سورية، بحجة التصدي لتمدّد النفوذ السوفياتي في «الشرق الأوسط».

وكما كانت خطط العدوان الاستعماري الأوروأميركي ضدّ سورية، في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، متواصلة ضدّ سورية والدول العربية الأخرى المعادية للاستعمار، إلا أنها وفِي جزء كبير منها كانت تستهدف المصالح السوفياتيّة، ومن ثم الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في المنطقة والعالم، وذلك عبر تكريس سيطرة الولايات المتحدة على بحار وأسواق العالم. وكان للسيطرة على البحر المتوسط، من قبل الأساطيل الأميركية، أهمية مزدوجة خدمة للمصالح الأمنية العسكرية والاقتصادية لكلّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

ولا بدّ هنا من العودة بالذاكرة الى السياسات الأميركيّة، المعادية لسورية، منذ بداية القرن الحالي، وصولاً الى اغتيال الحريري في لبنان واستصدار القرار 1559 من مجلس الأمن وإرغام الجيش السوريّ على الانسحاب من لبنان وافتعال أزمة دولية لحصار وتدمير سورية، بعد اتهامها زوراً باغتيال الحريري. ولكن فشل هذه الحملة وصمود سورية قد دفع قوى العدوان الاستعماريّ الى إشعال حرب 2006 ضدّ لبنان، أملاً من واشنطن في تحقيق الهدف بإخضاع سورية وإنهاء دورها، المتمثل في كونها خط الدفاع الأول عن القضايا العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وكذلك لكونها قلعة أمام السيطرة الأميركية على المنطقة.

أما عن علاقة كلّ هذا مع طبيعة العلاقات السورية الروسية واكتسابها صفة العلاقات الاستراتيجية، فلا بدّ من توضيح بعض النقاط، لإظهار حقيقة العلاقة الجدلية، بين المصلحة الروسية وتلك السورية في التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، والتطور والنمو اللذين شهدته هذه العلاقات، منذ بدء الحرب الكونية العدوانية على سورية، سنة 2011. وأهم هذه النقاط هي التالية:

1

ـ اتفاقية التعاون المشترك، بين سورية والاتحاد السوفياتي، الموقعة سنة 1971، والتي شكلت قاعدة تعاون صلبة، على مختلف الصعد وبينها الصعيد العسكري، حيث حصل الاتحاد السوفياتي آنذاك على نقطة ارتكاز بحرية لأسطوله، الذي يقوم بمهمات الدوام القتالي في البحر الأبيض المتوسط.

ورغم تعثر عمليات الاسطول الروسي لبضع سنوات، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991، الا ان بداية الالفية الحاليّة قد أعادت الحياة الى هذا الوجود البحري الروسي في المتوسط. وهو الوجود الذي يعتبر، من وجهة نظرنا، القوة الروسية التي تتواجد على خط الدفاع الأول عن أسوار موسكو، حتى قبل بدء العدوان على سورية. وليس علينا إلا أن نتذكر، بأن الاساطيل الأميركية والبريطانية والفرنسية والايطالية، التي شاركت في حروب التدخل، التي بدأتها البحرية البريطانية، في شهر حزيران سنة 1918، عندما نفذت عملية إنزال بحري على ميناء مورمانسك Murmansk في المحيط المتجمّد الشمالي، وسيطرت عليه، نقول إنّ هذه الأساطيل قد تحركت للهجوم على روسيا من البحر المتوسط الى مضائق البوسفور والدردنيل وصولاً الى البحر الأسود، جنوب روسيا، حيث وصلت الأساطيل الفرنسية والبريطانية واليونانية والايطالية الى ميناء اوديسا (حالياً في أوكرانيا)، بالإضافة الى قوة بحرية أميركية، قوامها 8000 من عناصر المارينز، قد تم إنزالها على سواحل ڤلاديڤوستوك، في أقصى الجنوب الشرق الروسي، وبدأت جميع هذه القوات، ومن خلال عمليات منسقة، بمهاجمة الأراضي الروسية… ولكنهم فشلوا في اختراق الأراضي الروسية واحتلال أجزاء منها.

2

ـ كما أنّ اتفاقية التعاون السورية الروسية، المذكورة أعلاه، قد شكلت أرضية لقيام وزارة الدفاع السوفياتية بتعزيز الوجود العسكري السوفياتي في طرطوس، بعد أن قرّر السادات يوم 8/7/1972 الاستغناء عن خدمات المستشارين العسكريين السوفيات في مصر، وهو الأمر الذي وصفه الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بأنه أكبر هدية للولايات المتحدة من دون ثمن.

الى جانب ذلك فقد شكلت هذه الاتفاقية القاعدة التي قام بموجبها الاتحاد السوفياتي بتسيير 900 رحلة جوية، لطيران النقل العسكري، لنقل 15000 طن من المعدات العسكرية للجيش السوري، بعد حرب تشرين 1973، وذلك لتعويض الخسائر التي لحقت بقوات الجيش. كما تمت إقامة جسر بحري بين روسيا واللاذقية للغرض نفسه.

ولا بدّ، في هذا الصدد، من التأكيد على ان الاتحاد السوفياتي لم يكن ليقوم بكلّ تلك العمليات، التي اعتبرها استثماراً استراتيجياً في علاقاته مع سورية، لم يكن ليقوم بذلك لو لم يكن على قناعة بأنّ الدور السوري في التصدّي لمحاولات الهيمنة الأميركية في العالم هو دور أساسي.

3

ـ وقد تأكد هذا التقدير السوفياتي العميق، للدور السوري، سنة 2010، عندما حصل الهجوم الدبلوماسي الاقتصادي الأميركي الأوروبي التركي الخليجي على روسيا الاتحادية، وذلك عندما قام الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، بترتيب قمة رباعية في دمشق، ضمّت إلى جانبه الرئيس بشار الأسد ورئيس الوزراء التركي، رجب طيب ردوغان، والذي لم يكن رئيساً لتركيا بعد، وأمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

وقد عقدت هذه القمة في دمشق، بتاريخ 27/5/2010، حيث عرض هؤلاء على الرئيس الأسد ما يلي:

أ ـ عرض الفرنسي العمل على إعادة دمج سورية في المجتمع الدولي وتقديم مساعدات اقتصادية أوروبية لها.

ب ـ أما أردوغان فقد عرض الضغط على «إسرائيل»، حيث كان يعمل وسيطاً في المحادثات غير المباشرة بين سورية والكيان الصهيوني، عرض تكثيف الضغط على «إسرائيل» للوصول الى حلّ لمشكلة الجولان المحتلّ.

ج ـ أما أمير قطر فقد عرض على الرئيس السوري تمويلات وقروض تصل الى 150 مليار دولار.

وذلك في مقابل موافقته على:

بناء خط أنابيب لنقل الغاز من جمهوريات آسيا الوسطى، السوفياتية سابقاً أذربيجان وتركمانستان، وإيران بعد إسقاط الحكم فيها، الى جانب الغاز القطري، ومن العراق أيضاً الذي كان لا زال تحت الاحتلال الأميركي، بحيث يمرّ هذا الخط من شمال شرق سورية ليصل الأراضي التركية ويتابع مسيره من هناك عبر بلغاريا… رومانيا المجر وصولاً الى النمسا، حيث ستقام محطة توزيع لهذا الغاز لكلّ أنحاء أوروبا. وقد سمّي هذا المشروع في حينه: خط غاز نابوكو Nabucco وهو مشروع كان يحظى بدعم أميركي أوروبي كامل وبدأ التحضير لإقامته سنة 2002، بينما تم التوقيع على الاتفاق الخاص بالتنفيذ، من قبل كل من: تركيا/ رومانيا/ بلغاريا/ المجر/ النمسا/ بتاريخ 13/7/2009. وذلك لمنافسة روسيا، أو بالأحرى لضرب الصادرات الروسية من الغاز الى أوروبا، خاصة أنّ روسيا كانت تخطط لإقامة خط أنابيب لتصدير الغاز، من جنوب روسيا إلى أوروبا، اسمه ساوث ستريم South Stream، الذي استبدلته روسيا بخط آخر اطلقت علية اسم تورك ستريم Turk Stream، وتمّ افتتاحه قبل أشهر.

ـ تجميد علاقات سورية مع إيران.

ـ وقف دعم حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

ومن المعلوم طبعاً انّ الرئيس بشار الأسد قد رفض رفضاً قاطعاً تلبية أيّ من هذه الشروط. وربما يكون مفهوم لدى الكثيرين رفض الرئيس الأسد قطع علاقاته مع إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، ولكن ما قد يصعب فهمه على الكثيرين هو أسباب رفض الرئيس الأسد، وبشكل قاطع، الموافقة على مشروع خطوط الغاز.

ولكن السياق التاريخي للعلاقات الروسية السورية، الذي عرض أعلاه، لا بدّ انّ يساعد في فهم خلفيات وموجبات هذا الموقف السوري الصلب، وبالتالي الموقف الروسي الداعم عسكرياً للرئيس الأسد منذ عام 2015. إذ إنّ صانع القرار السوري يعلم تماماً ان موضوع خط الغاز المذكور لم يكن مشروعاً تجارياً عادياً وإنما كان مخططاً استراتيجياً أميركياً يرمي الى إخراج روسيا من أسواق الغاز الأوروبية، وإلحاق أكبر الأضرار باقتصادها بهدف شل قدرتها على مواصلة عمليات التحديث والتنمية والتطوير للدولة الروسية بشكل عام وللقوات المسلحة الروسية بشكل خاص.

من هنا، ومن منطلق الوفاء للصديق الصدوق، الاتحاد السوفياتي السابق ووريثته القانونية الحاليّة، جمهورية روسيا الاتحادية، فإنّ الرئيس الأسد، وبالاستناد الى الأخلاق السياسية العليا التي يتمتع بها، فقد قرّر أن يقيم خط صدّ عن موسكو لعلمه، المبني على تحليل دقيق للأبعاد الاستراتيجية لخطوته تلك، وذلك لأنّ التآمر على مصالح روسيا كان سيُمَكِّن دول الاستعمار الغربي بإلحاق أضرار كبيرة بروسيا وبسورية تتابعاً ونتيجة لذلك. وهو ما جعل الولايات المتحدة وأذنابها، من صهاينة وأعراب وعثمانيين جدد ودول أوروبية مُستَعْمَرَةٍ من قبل الولايات المتحدة تلجأ الى الخطة البديلة، ألا وهي تدمير سورية وتفكيكها كدولة، أملاً منها في تدمير خط الدفاع الأمامي عن موسكو. ولكن الصمود الأسطوري للشعب السوري وجيشه ورئيسه وتزايد الخطر على كيان الدولة السورية وما بدأ يلوح في الأفق محدودية قدرة الدولة السورية على مواصلة الحفاظ على حصونها على شواطئ المياه الدافئة، ونظراً للأهمية الاستراتيجية الفائقة لهذه المياه، فقد قرّرت القيادة الروسية التدخل مباشرة وبالقوة العسكرية اللازمة، لدعم صمود الحصون السورية.

وقد مثَّل هذا القرار تحركاً استراتيجياً قلب موازين القوى الدولية، خاصة أنّ سورية وروسيا قد اتفقتا، بعد التدخل العسكري الروسي، على تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، على قاعدة اتفاقيات قانونية ورسمية طويلة المدى، تم بموجبها ليس إقامة قاعدة حميميم الجوية وطرطوس البحرية، فحسب وانما إيجاد الاطار القانوني اللازم لذلك، حسب الأصول والقوانين الدولية، خدمة للمصلحة الاستراتيجية للدولتين.

من هنا فإنّ العلاقات السورية الروسية ليست علاقات قائمة على الانتهازية او التسلط او الاستغلال، وانما هي استمرار لنهج من التعاون المثمر الذي يخدم المصالح الاستراتيجية المشتركة للبلدين.

وهي بالتالي ليست علاقات خاضعة لمزاج البازارات السياسية ولا لقوانين السيطرة والهيمنة، التي تمارسها الولايات المتحدة مع أذنابها في العالم، وانما هي علاقات متكافئة تعكس مستوى عميقاً جداً من الفهم والتحليل السياسي العلمي والموضوعي الذي هو أساس كل قرارٍ صائب.

وهذا هو السر الذي يقف وراء متانة هذه العلاقات واستحالة تعرضها للخلل بسهولة عند أول تباينات في قراءة هذا الحدث او ذاك من وقائع السياسة اليومية وتحولاتها الموسمية…!

بعدنا طيّبين قولوا الله…

A Pipelineistan fable for our times

June 08, 2020

A Pipelineistan fable for our times

By Pepe Escobar – posted with permission

Ukraine was supposed to prevent Russia from deepening energy ties with Germany; it didn’t work out that way

Once upon a time in Pipelineistan, tales of woe were the norm. Shattered dreams littered the chessboard – from IPI vs. TAPI in the AfPak realm to the neck-twisting Nabucco opera in Europe.

In sharp contrast, whenever China entered the picture, successful completion prevailed. Beijing financed a gas pipeline from Turkmenistan to Xinjiang, finished in 2009, and will profit from two spectacular Power of Siberia deals with Russia.

And then there’s Ukraine. Maidan was a project of the Barack Obama administration, featuring a sterling cast led by POTUS, Hillary Clinton, Joe Biden, John McCain and last but not least, prime Kiev cookie distributor Victoria “F**k the EU” Nuland.

Ukraine was also supposed to prevent Russia from deepening energy ties with Germany, as well as other European destinations.

Well, it did not exactly play like that. Nord Stream was already operational. South Stream was Gazprom’s project to southeast Europe. Relentless pressure by the Obama administration derailed it. Yet that only worked to enable a resurrection: the already completed TurkStream, with gas starting to flow in January 2020.

The battlefield then changed to Nord Stream 2. This time relentless Donald Trump administration pressure did not derail it. On the contrary: it will be completed by the end of 2020.

Richard Grennel, the US ambassador to Germany, branded a “superstar” by President Trump, was furious. True to script, he threatened Nordstream 2 partners – ENGIE, OMV, Royal Dutch Shell, Uniper, and Wintershall – with “new sanctions.”

Worse: he stressed that Germany “must stop feeding the beast at a time when it does not pay enough to NATO.”

“Feeding the beast” is not exactly subtle code for energy trade with Russia.

Peter Altmaier, German minister of economic affairs and energy, was not impressed. Berlin does not recognize any legality in extra-territorial sanctions

Grennel, on top of it, is not exactly popular in Berlin. Diplomats popped the champagne when they knew he was going back home to become the head of US national intelligence.

Trump administration sanctions delayed Nordstream 2 for around one year, at best. What really matters is that in this interval Kiev had to sign a gas transit deal with Gazprom. What no one is talking about is that by 2025 no Russian gas will be transiting across Ukraine towards Europe.

So the whole Maidan project was in fact useless.

It’s a running joke in Brussels that the EU never had and will never have a unified energy policy towards Russia. The EU came up with a gas directive to force the ownership of Nord Stream 2 to be separated from the gas flowing through the pipeline. German courts applied their own “nein.”

Nord Stream 2 is a serious matter of national energy security for Germany. And that is enough to trump whatever Brussels may concoct.

And don’t forget Siberia 

The moral of this fable is that now two key Pipelineistan nodes – Turk Stream and Nord Stream 2 – are established as umbilical steel cords linking Russia with two NATO allies.

And true to proverbial win-win scripts, now it’s also time for China to look into solidifying its European relations.

Last week, German chancellor Angela Merkel and Chinese premier Li Keqiang had a video conference to discuss Covid-19 and China-EU economic policy.

That was a day after Merkel and President Xi had spoken, when they agreed that the China-EU summit in Leipzig on September 14 would have to be postponed.

This summit should be the climax of the German presidency of the EU, which starts on July 1. That’s when Germany would be able to present a unified policy towards China, uniting in theory the 27 EU members and not only the 17+1 from Central Europe and the Balkans – including 11 EU members – that already have a privileged relationship with Beijing and are on board for the Belt and Road Initiative.

In contrast with the Trump administration, Merkel does privilege a clear, comprehensive trade partnership with China – way beyond a mere photo op summit. Berlin is way more geoeconomically sophisticated than the vague “engagement and exigence” Paris  approach.

Merkel as well as Xi are fully aware of the imminent fragmentation of the world economy post-Lockdown. Yet as much as Beijing is ready to abandon the global circulation strategy from which it has handsomely profited for the past two decades, the emphasis is also on refining very close trade relations with Europe.

Ray McGovern has concisely detailed the current state of US-Russia relations. The heart of the whole matter, from Moscow’s point of view, was summarized by Deputy Foreign Minister Sergei Ryabkov, an extremely able diplomat:

“We don’t believe the US in its current shape is a counterpart that is reliable, so we have no confidence, no trust whatsoever. So our own calculations and conclusions are less related to what America is doing …. We cherish our close and friendly relations with China. We do regard this as a comprehensive strategic partnership in different areas, and we intend to develop it further.”

It’s all here. Russia-China “comprehensive strategic partnership” steadily advancing. Including “Power of Siberia” Pipelineistan. Plus Pipelineistan linking two key NATO allies. Sanctions? What sanctions?

بعد الميادين جاء دور النفط والغاز وتسقط مملكة آل سعود

محمد صادق الحسيني

عندما قرّرت الدول الأوروبية سنة 2003، وبضغط أميركي، إطلاق مبادرة لإنشاء خط أنابيب غاز، منافس لخطوط الغاز الروسية، التي تزوّد أوروبا بالغاز، وقامت، سنة 2004 بتأسيس شركة أوروبية، لتنفيذ هذا المشروع، أسمتها: Nabucco Gas Pipeline international، وسجلتها في النمسا كشركة مساهمة نمساوية، بمشاركة كل من النمسا وألمانيا والمجر وبلغاريا ورومانيا وتركيا، لم يكن النظام السعودي يدرك أن هذه الخطوة هي الحجر الأساس في انهيار مملكة آل سعود وباقي مشيخات النفط الخليجى.

فعلى الرغم من ان هدف المشروع الاستراتيجي تمثل في محاولة أميركية لتوجيه ضربة لسوق الغاز الروسي، ضمن محاولات واشنطن إضعاف النفوذ الروسي في القارة الأوروبية، فإنّ جهات التمويل الخفية لهذا المشروع العملاق، أوروبية وأميركية، قد هدفت الى تحقيق الهيمنة التامة، ليس فقط على جزء من أسواق الطاقة / الغاز / الاوروبية، وانما على مصادر الغاز الطبيعي ايضاً. وذلك عن طريق دمج كل من تركمنستان وكازاخستان وأذربيجان وإيران والعراق وسورية وكذلك مصر و»إسرائيل» في هذا المشروع. وهي دول تملك احتياطات كبرى من الغاز.

شكلت سورية وإيران مشكلة أساسية وعقبة كأداء في وجه تنفيذ هذا المشروع وذلك لرفضهما المشاركة في تنفيذ ما اعتبروه مشروع هيمنة واستعمار، وكذلك لكونه مؤامرة تستهدف إلحاق الأذى بالدولة الصديقة لهما، وهي روسيا، فكان لا بد من البدء بالعمل على ترويض الدولتين تمهيداً لعملية الدمج.

وهو ما تطلب اولاً احداث ما عرف بفتنة العام 2009، الشهيرة التي اعقبت انتخابات الرئاسة الإيرانية والتي أفرزت جدلاً واسعاً حول نتائجها، فعملت القوى الاستعمارية على تصعيد الوضع الداخلي الإيراني لعلّ ذلك يؤدي الى اسقاط النظام كما كانوا يتمنون وتزول العقبة الأهم في طريق تنفيذ المشروع، بحجمه الكامل.

لكن حكمة القيادة الإيرانية والالتفاف الشعبي حولها قد أسقطا تلك المحاولة، الأمر الذي عجل بدفع القوى الاستعمارية (القوى الخفية التي موّلت بدايات المشروع)، بتكليف مشيخة قطر بتولي موضوع فك الارتباط بين الدولة السورية والجمهورية الاسلامية في إيران. حيث قام أمير قطر آنذاك، حمد بن خليفة، بزيارة لدمشق والتقى الرئيس بشار الأسد في صيف عام 2010، وعرض عليه تقديم مساعدات مالية، تصل الى 150 مليار دولار، مقابل فك ارتباط سورية مع إيران والموافقة على الدخول في مشروع انابيب نابوكو، المذكور اعلاه.

ولكن رفض القيادة السورية المطلق لتلك المؤامرة أدى بمديريها الى الانتقال للمرحلة الثانية منها، الا وهي معاقبة الدولة الوطنية السورية على رفضها هذا، وإشعال فتنة داخلية تمهيداً لشن الحرب العالمية المعروفة ضدها. وقد قامت مشيخة قطر، وفِي اطار الدور الذي كلفت به كما أشرنا اعلاه، ومنذ شهر ايلول 2010 بإطلاق عملية تسليح واسع لعناصر خارجة عن القانون في سورية. كما أرفقت عمليات التسليح بعملية تمويل وشراء ذمم واسعة النطاق في الداخل السوري. وبحلول نهاية عام 2010 كانت قطر، وبمساعدة مخابرات دول عربية اخرى، قد ادخلت الى سورية ما يكفي لتسليح فرقة عسكرية كاملة (1800 جندي) الى جانب 500 مليون دولار، دفعت لشراء ذمم مجموعات كبيرة من ضعفاء النفوس، الذين شاركوا في تحريك الفتنة.

وقد اعترف شيخ قطر، خلال زيارته لإيران ولقائه الرئيس محمود أحمدي نجاد، وخلال تصريح صحافي يوم 26/8/2011، بأنه « قدّم النصح للاخوة في سورية بالتوجه نحو التغيير». وتابع قائلاً: «إن الشعب السوري لن يتراجع عن انتفاضته…».

وكما هي غلطة ذاك الأمير القطري، سنة 2011، فها هو اليوم محمد بن سلمان وعلى سيرة من سبقوه من ملوك آل سعود، يخطئون في تقييم الدول التاريخية، مثل روسيا وسورية وإيران، ويسقطون سقطات مميتة. فبعد فشل مشروع إسقاط الدولة السورية وتفتيت محور المقاومة، ها هو بن سلمان يدخل حرباً جديدة، بعد جريمة حرب اليمن، وهي حرب أسعار النفط، مع الدولة العظمى روسيا الاتحادية، التي لا قدرة لديه على حتى مناكفتها. علماً أن سياسته هذه قد أسست، فعلياً وموضوعياً، لسقوط مملكة آل سعود وانهيارها من الداخل.

ولأسباب محددة وواضحة، نورد أهمها، للإضاءة على عوامل داخلية وإقليمية ودولية في هذا السياق:

ان دخول اي معركة حول النفط سيؤدي الى خسارة محتمة وذلك لانعدام القيمة السوقية للنفط في العالم. وهو الأمر الذي يميِّز روسيا عن مملكة آل سعود، حيث تعتمد الموازنة الروسية بنسبة 16% فقط على عائدات النفط بينما يعتمد بن سلمان بنسبة 95% على عائدات النفط.
ان مستقبل قطاع الطاقة في العالم سيكون قائماً على الغاز، الطبيعي والمسال، وذلك لأسباب بيئية واقتصادية. وهذا هو السبب الذي دعا روسيا، وقبيل بدء العشرية الثانية من هذا القرن، بالعمل على إفشال مشروع انابيب نابوكو للغاز، الذي كان يفترض ان يضارب على الغاز الروسي في الاسواق الأوروبية، اذ قامت روسيا بخطوات استراتيجية عدة أهمها:
شراء كامل مخزون الغاز الذي تملكه جمهورية تركمنستان، التي تملك ثاني أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا، والبدء بإنشاء خط أنابيب غاز باتجاه الشرق، من غالكينيش ( Galkynysh )، في بحر قزوين، الى هرات ثم قندهار في افغانستان، ومن هناك الى كويتا ( Quetta ) ومولتان ( Multan ) في باكستان، وصولًا الى فازيلكا ( Fazilka ) في الهند. وهو ما يعتبر خطوة هامة على طريق تحقيق المشروع الصيني العملاق حزام واحد / طريق واحد.
قيام روسيا بتنفيذ مشروعين استراتيجيين، في قطاع الغاز، هما مشروع السيل التركي مع تركيا والسيل الشمالي مع المانيا. وهما مشروعان يعزّزان الحضور الروسي في قطاع الغاز، وبالتالي قطاع الطاقة بشكل عام، في أوروبا والعالم.
مواصلة روسيا تقديم الدعم السياسي الضروري لجمهورية إيران الإسلامية، للمحافظة على قاعدة التعاون الصلبة بين البلدين، وكذلك الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للجمهورية العربية السورية، منعاً لسيطرة الولايات المتحدة وأذنابها عليها، وتمهيداً لإنشاء سيل غاز روسي إيراني عراقي سوري ( لدى سورية احتياط غاز هائل في القطاع البحري المقابل لسواحل اللاذقية طرطوس ) جديد، لضخ الغاز من السواحل السورية، عبر اليونان، الى أوروبا مستقبلاً.
أما عن أسباب الدور المتصاعد للغاز في أسواق الطاقة الدولية فيعود الى ثبوت عدم إمكانية الاستمرار في الاعتماد على النفط، سواءً في تشغيل وسائل النقل الجوية والبرية والبحرية او في تشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية. يضاف الى ذلك فشل مشروع التحول الى السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية، وذلك بسبب استحالة التخلص من بطاريات الليثيوم بطريقة غير ضارة بالبيئة. وهذا يعني أن من يمتلك الغاز هو من يمتلك المستقبل، في عملية التطور الصناعي والتجاري، وبالتالي المشاركة في قيادة العالم، وليس من يغرق الأسواق بالنفط كما يظن إبن سلمان ذلك النفط الذي لم يعد يهتم به احد ولم تعد له أي قيمة مباشرة، علاوة على فقدانه قيمته كسلعة استراتيجية.
وبناءً على ما تقدم فانه يجب طرح السؤال، حول مستقبل السعودية بلا نفط. ففي ظل استمرار هبوط أسعار النفط واستمرار تآكل ارصدة الصندوق السيادي السعودي، الذي كان رصيده 732 مليار دولار، عندما تسلم الملك سلمان وابنه محمد الحكم بتاريخ 23/1/2015 ، وتراجع هذا الرصيد بمقدار 233 مليار دولار خلال السنوات الماضية، حسب بيانات مؤسسة النقد السعودية الرسمية، نتيجة لعبث بن سلمان بأموال وأرزاق الأجيال السعودية القادمة، وفي ظل عدم وجود بديل للنفط لتمويل الموازنة السعودية السنوية، الأمر الذي دفع البنك الدولي الاعلان عن ان دول الخليج، وليس السعودية فقط، ستتحول الى دول مفلسة بحلول سنة 2034. البنك الدولي الذي عاد واستدرك تقريره مؤكداً قبل ايام بان هذا الموعد سيحل قبل العام ٢٠٣٤ بكثير، وذلك لأن المحافظة على مستوى الحياة الحالي في السعودية لا يمكن تأمينه بأسعار نفط تقل عن 65 دولاراً للبرميل. وهذا عدا عن أن أرصدة الصندوق السيادي السعودي (بقي منها 499 مليار فقط، بينما يبلغ رصيد صندوق الإمارات السيادي تريليوناً ومئتين وثلاثين مليار دولار)، المشار اليها اعلاه، لن تكون كافية، بالمطلق، لتأمين استثمارات تدر على الدولة السعودية من المال ما يكفي لتمويل الموازنة السنوية.
وعندما يقول الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست، في مقال له نشره على موقع ميدل ايست آي بتاريخ 22/4/2020، يقول إنه وبالرغم من المرسوم الملكي السعودي حول ان الحكومة السعودية ستدفع 60% من معاشات الموظفين، طوال فترة الإغلاق التي تطبقها البلاد في ظل كورونا، الا ان موظفي مؤسسة الاتصالات السعودية لا يتقاضون سوى 19% فقط من مستحقاتهم، كما أبلغوني، يقول الكاتب.
والى جانب ذلك فإنّ وزارة الصحة السعودية، التي حوّلت عدداً من الفنادق الى مراكز صحية لمعالجة المصابين بوباء الكورونا، لم تكتف بعدم دفع أية مستحقات لأصحاب تلك الفنادق فحسب، بل طلبت منهم تحمل تكاليف عمليات التعقيم والتطهير لفنادقهم قبل تسليمها لوزارة الصحة.

اما ما يعزز أقوال الصحافي البريطاني، ديفيد هيرست، الشهير بالموضوعية والمهنية الصحافية، فهو ما نشرته وكالة بلومبيرغ، حول تقرير للبنك الدولي نهاية العام الماضي 2019، جاء فيه ان جميع احتياطات السعودية النقدية، سواء ارصدة الصندوق السيادي او البنك المركزي السعودي او مبلغ المئة وثلاثة وثمانين مليار دولار، الذي تحتفظ به السعودية في وزارة الخزانة الأميركية، لن تكون كافية، سنة 2024، سوى لتغطية المستوردات السعودية لمدة خمسة أشهر فقط، هذا اذا ما تراوح سعر برميل النفط بين 50 – 55 دولاراً، كما يقول الكاتب ديفيد فيكلينغ ( David Fickling )، في مقال له على موقع وكالة بلومبيرغ الالكتروني بعنوان: إن تراجع وسقوط امبراطورية النفط في الخليج بات يقترب / أو يلوح في الأفق.
وهذا يعني، وبكل موضوعية، ودون تحيُّز أن حرب اسعار النفط، الدائرة حالياً، والتي أشعلها محمد بن سلمان، لن تنقذه من مصيره المحتوم، وكذلك بقية دول الخليج النفطية، ولو بشكل متفاوت، لأن احتياطاتها النقدية سوف تواصل التآكل، مع اضطرار الحكومات المعنية لمواصلة السحب منها، لتغطية عجز الموازنات السنوية الناجم عن تدهور اسعار النفط وتراجع المداخيل المالية. هذا الى جانب ان تلك الصناديق او الاموال الاحتياطية لم تستثمر في مجالات تدر أرباحاً عالية لتكون قادرة على تغطية نفقات الدولة صاحبة الاموال، في حال انهيار اسعار النفط او نضوبه. اي ان تلك الدول ولأسباب سوء الادارة الاستثمارية قد فشلت في الاستفادة من تلك الأموال وتحويلها الى شبكة أمان لمستقبل أجيالها القادمة.
وهو الامر الذي سيؤدي حتمًا الى انهيار ثروات دول الخليج، واضطرار حكوماتها الى فرض ضرائب عالية على مواطنيها، وبالتالي حرمانهم من مستوى الحياة التي عاشوها حتى الآن، مما سيسفر عن زلازل اجتماعية، لا قدرة لحكومات تلك الدول على احتوائها، وبالتالي فإن نتيجتها الحتمية ستكون انهيار تلك الحكومات والدول وزوالها من الوجود. وهو الأمر الذي لن يأسف عليه حتى صانعي تلك المحميات، من الدول الاستعمارية الغربية، وذلك لانتهاء الحاجة لوجود الدول الوظيفية في المنطقة، ومن بينها الكيان الصهيوني، ذلك لأن مبررات وجود تلك الدول، مثل النفط والقواعد العسكرية، قد انتهت لأسباب عديدة، ليس هنا مقام التوسع فيها، بينما يكفي القول إن نهاية انتشار وباء الكورونا سيشكل ايضاً نقطة النهاية لسياسة الهيمنة الأحادية القطبية على العالم، مما سيضطر جميع الدول الغربية، دون استثناء، الى سحب قواعدها من دول المنطقة وترك شعوب المنطقة تقرر مصيرها بنفسها وتقيم نظاماً أمنياً اقليمياً، يضمن استقرارها واستكمال تحررها، في إطار النظام الدولي الجديد المرتقب، والذي لن يكون فيه مكان لقوى الاستعمار التي نعرفها.

عالم ينهار، عالم ينهض…

بعدنا طيبين، قولوا الله…

%d bloggers like this: