عدم مشاركة حماس وتعزيز قدرة الردع!

الثلاثاء 9 آب 2022

 ناصر قنديل

بات ثابتاً أن حركة حماس لم تشترك في الردّ العسكري على العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استهدف مواقع وقيادات حركة الجهاد الإسلاميّ وجناحها العسكريّ سرايا القدس، وسقط خلالها عدد من المدنيين، كما بات ثابتاً أن حركة حماس كانت على تنسيق تام مع حركة الجهاد خلال أيام وساعات المواجهة، وأنها كانت تتابع مجريات المواجهة وتطمئن إلى ثبات معادلاتها، وتقدّم التغطية السياسية اللازمة للجهاد للظهور كممثل للإجماع الفلسطيني المقاوم، الذي تعبر عنه غرفة العمليات المشتركة، وقد قدّمت هذه المواجهة نموذجاً جديداً عن تقاسم أدوار بين الفصيلين الأساسيين في المقاومة، حماس والجهاد، وأنتجت معادلات تستحق القراءة والنقاش، لكن نقاش بقاء حماس خارج المواجهة العملية والميدانية تحول إلى الاعتبارات العاطفية، سواء بخلفية مواقف مسبقة من حماس على خلفية موقفها من الحرب على سورية، أو بخلفية الرغبة برؤية المقاومة موحّدة في الميدان، وبحكم ما تمثله حماس تقديم مزيد من أسباب القوة التي تنزل بالاحتلال المزيد من الخسائر والأذى، وترفع سقف المنجزات في نهاية الجولة، لكن هذه المخاوف التي تصل حد التشكيك وتفترض أن ما وراء هذه الجولة هو تفاهمات استراتيجية ليست مطروحة أصلاً لدى الجانب الإسرائيلي، لا مع السلطة الفلسطينية ولا مع حماس، ولا مع أي فلسطيني، أو التمنيات التي تصل حد تخيّل أن هذه الجولة هي آخر الحروب بين المقاومة والاحتلال وسيتقرر على اساس معادلات النار والسياسة فيها مستقبل الحرب. وهذا منافٍ للواقع الذي يحتمل جولات وجولات قبل بلوغ لحظة المنازلة الشاملة، ويفترض ابتكار أشكال من العمل والخطط التي تتيح تعزيز معادلات الردع وتصليب بنية المقاومة.

النقاش العقلاني يجب أن يتحرّر من أية خلفية مسبقة وأن يناقش المشهد بما هو عليه، في المقدّمات والسياق والنتائج. ففي المقدمات من الواضح أن قرار العدوان الإسرائيلي استند إلى ثنائية قوامها، من جهة تبلور ملف أمني استخباري يتيح له تقدير إمكانية توجيه ضربة قاصمة لحركة الجهاد وقدرتها الصاروخية، تشارك في تكوينها مع أجهزة مخابرات عربية وأوروبية وأميركية، ومن جهة مقابلة إلى فرضية وضع معادلة استهداف غزة ومنشآتها المدنية والحكومية وأبراجها السكنية ومستشفياتها ومدارسها في كفة ومشاركة حماس في المواجهة في كفة ثانية. ومع الضربة الأولى التي نتج عنها اغتيال القائد في سرايا القدس تيسير الجعبري، أعلن الاحتلال عن أهدافه وأوصل الرسالة إلى حماس عبر الأقنية العربية التي يتم عبرها التواصل الأمني والسياسي والمالي، وإذا أردنا التحرّر من البعد العاطفي في القراءة، ووضعنا جانباً ما يسود قواعد الفريقين من مشاعر العتب والتباري والتنافس، نستطيع القول إن قيادات الجهاد وحماس توافقت على آلية في إدارة الحرب، عبّر عنها بيان غرفة العمليات المشتركة من جهة، وقيام الجهاد بتصدّر المواجهة وتحمل تبعاتها الرئيسية من جهة موازية، على قاعدة أنه في أية لحظة تبدو أعباء المواجهة فوق طاقة الجهاد منفردة، فلن تترك حماس الحرب تذهب نحو منح الاحتلال فرصة تحقيق نصر، ستدفع هي وكل قوى المقاومة أثمانه بصورة لا قدرة لأحد على تحمّلها.

لقد كنا أمام مشهد غير مألوف، حيث تسنى للجهاد، من جهة التحرّر من أعباء حملة تدميرية شاملة تستهدف غزة وتحملها تبعاتها أمام الشعب الفلسطيني، وهو مكسب كبير يريح قيادة المقاومة في خوض حرب استنزاف طويلة، لكن شرطه وثمنه أن تبقى حماس خارج القتال، ومن جهة موازية وفّر ذلك لقيادة الجهاد حرية أكبر في قبول ورفض عروض وقف النار وشروطها وموعدها، بعد أن تحرّرت من شراكة حماس في القرار، وما يحمله من تأثر حماس بضغوط لا تقيم لها الجهاد اعتباراً، وشرط الإفادة من هاتين الميزتين هو أن تتمكّن الجهاد من النهوض منفردة بأعباء تثبيت معادلات الردع، رغم آلام الضربة الأولى ومفاجأتها، وما سيليها من ضربات مشابهة. وكان هذا هو التحدي الذي نهضت به الجهاد أيما نهوض، بصورة أبهرت الأعداء والأصدقاء في الوقت ذاته، حيث انتظمت التشكيلات العسكرية، والصاروخية منها خصوصاً التي تعمل تحت قيادة الشهيدين القائدين تيسير الجعبري وخالد منصور، وأدّت مهامها بصورة غير قابلة للتخيل، سواء في مهارة إدارة النيران وتدرجها، أو في إظهار نظام السيطرة والقيادة في وجبات صاروخية جماعية يستحيل إطلاقها بدون قيادة مركزية مسيطرة بالكامل على منصات الإطلاق، خصوصاً في اليوم الثالث عندما بدا ان الاحتلال يريد وقف الجولة وإنهاءها عند حدود ما اعتقد أنها إنجازاته.

في الحصيلة ثبتت معادلة أراد الاحتلال كسرها، ولأجل كسرها كانت خطة الاستفراد للجهاد واغتيال قادتها، وهي معادلة استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ المقاومة بصورة تعطّل دورة الحياة فيها، وعندما حصل ذلك ظهر الاغتيال مجرد انتقام لا وظيفة عملياتية له ولا مردود عسكرياً يترتب عليه، ومثله بد أن تحييد حماس مجرد توفير فرصة لتحييد المدنيين والمنشآت المدنية تخفف الأعباء عن كاهل الجهاد، وفي الحصيلة، بعيداً عن نتائج الالتزام الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار لجهة مصير الأسرى من الضفة الغربية ووحدة الساحات، صارت الصورة الجديدة الناتجة عن هذه الجولة، تقوم على معادلة ردع جديدة مزدوجة مختلفة، تمتلك عبر شقها الأول حركة الجهاد فرصة قيادة المقاومة في الضفة والقدس والأرض المحتلة عام 48 تحت شعار وحدة الساحات، وتستطيع حمايتها عبر تكرار معادلة الردع التي فرضتها منفردة في هذه الجولة، وبالتوازي شقّ ثانٍ تمتلكه حماس عنوانه أن حماس سوف تتدخل في أية مواجهة إذا تم المساس بالمنشآت المدنية والمدنيين في أية مواجهة بين الاحتلال والجهاد على خلفية مشروع المقاومة ووحدة الساحات، وصولاً لأن تتحمل حماس مسؤولية وضع معادلة الردع التي تمتلكها في كفة مقابل المطالبة بفك الحصار وتبادل الأسرى، باعتبارها مرجعية غزة والمسؤولة عن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة فيها.

تكامل في الأدوار ولد من رحم التحدّي الذي فرضه الاحتلال على قوى المقاومة، وحولته قوى المقاومة إلى فرصة سترافق المواجهات المقبلة وتترك بصماتها على الإنجازات المقبلة.

مقالات ذات صلة

انطلاق المقاومة ضد الاحتلال الأميركيّ في سورية

 الخميس 28 تموز 2022

ناصر قنديل

-عام 2014 كان مفصلياً في حياة سورية عندما ظهر الطريق المسدود أمام مشروع إسقاط الدولة ورئيسها، وفشل الرهان على عشرات آلاف الإرهابيين الذين تم جلبهم من كل أنحاء الدنيا، وتكفل بهم الجيش السوري بدعم قوى المقاومة بإلحاق الهزيمة بهم، فجاء الجواب مركباً، تم تصنيع تنظيم داعش بقرار أميركي كشفه الرئيس السابق دونالد ترامب مشيراً بإصبع الاتهام إلى هيلاري كلينتون، ثم تمّ اتخاذ ظهور داعش وتمدده ذريعة للتمركز الأميركي على الأراضي السورية وعودتها الى الأراضي العراقية، وبالتوازي قام الجيش التركي الذي قدّم الملاذ لتكوين داعش وتنظيم صفوفه، كما فعل مع التشكيلات الإرهابية التي سبقته، بالتوغل داخل الأراضي السورية محكماً السيطرة على محافظة إدلب وأجزاء من محافظة حلب، وكما اتخذت أميركا من صنيعتها داعش ذريعة لاحتلال محافظتي الحسكة والرقة، وقامت بتشجيع نشوء كانتون كردي مسلح فيهما، اتخذ الرئيس التركي من ظهور الكانتون التركي ذريعة احتلال قواته للأراضي السورية، وتهديده الدائم بتوسيع عمله العسكري إلى المزيد من الأراضي.

نهاية عام 2015 بدأ التحول المعاكس مع تموضع القوات الروسية في سورية، وتناغم الأداء الروسي السوري الإيراني بمشاركة المقاومة لخوض حرب إنهاء داعش في سورية، بينما كان الحشد الشعبي مع المقاومة و الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعيدون تكوين الجيش العراقي بالتوازي مع خوض معركة تحرير العراق، وتحقق ستاتيكو استراتيجي في البلدين، حيث الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي يسيطران على الأراضي السورية في عدة محافظات تعادل ثلث مساحة سورية، وبعض الأراضي العراقية، لكن مشروع اسقاط العراق وسورية بات من الماضي، حتى جاءت قمة طهران وفتحت طريق كسر معادلة هذا الستاتيكو، حيث تموضعت روسيا الى جانب ايران وراء الدولة السورية، سواء بقرار رعاية مقاومة سورية وطنية وشعبية بوجه الاحتلال الأميركي، أو بقرار الجيش السوري مواجهة أي عمل عسكري تركي نحو الأراضي السورية، والمعادلة واضحة، إنهاء الاحتلال الأميركي ينهي الكانتون الكردي ويسقط الذريعة التركية، فيفتح الباب لوضع مستقبل الاحتلال التركي على الطاولة، بينما يتولى الحشد الشعبي في العراق تذكير الأتراك بجدية القرار، بحتمية وقف العمليات وانسحاب الاحتلال.

خلال السنوات التي مضت نضج وعي شرائح واسعة من أبناء سورية في مناطق الجزيرة، شرق الفرات حيث الاحتلال الأميركي، لصالح مشروع المقاومة، وبذلت الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية جهوداً جدية ودؤوبة على تنظيم صفوف قوى المقاومة السورية، وكانت قوى المقاومة في المنطقة المساندة للدولة السورية تنقل خبراتها لهذه المقاومة الصاعدة، وكانت إيران لا تبخل بما ينبغي لتكوين قوة المقاومة الواعدة، وخرجت تظاهرات عديدة بوجه الاحتلال الأميركي، ووقعت مصادمات شعبية مع وحدات الاحتلال، ونفذت عمليات محدودة متباعدة ضد مواقع الاحتلال، لكن قبل أيام قليلة بدا أن قرار بدء العمل المقاوم المتواصل حتى طرد الاحتلال الأميركي قد اتخذ، فكان كلام وزير الخارجية السورية فيصل المقداد عن حتمية انسحاب قوات الاحتلال الأميركي، والا فسيلقى مقاومة شعبية تجبره على الخروج، إشارة واضحة بهذا الاتجاه.

. لم يبق للاحتلال من ذريعة بعد حرمان داعش من أي ملاذ آمن، غير المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال الأميركي نفسه، وفضائح قيامه بنقل بعض قيادات داعش الى أفغانستان قبل انسحابه منها ضجت بها وسائل إعلام غربية، وكلام ترامب العلني عن تبرير الاحتلال بسرقة النفط بحد ذاته فضيحة، وطرد الاحتلال سيعني حكماً تحرير ثروات سورية من النفط والغاز، وما يترتب على ذلك من عودة فورية للكهرباء الى كل المناطق السورية، وحل أزمات المحروقات التي يعاني منها كل السوريين، والأميركي معني بأن يفهم بأن قصف معسكراته هذه المرة بالصواريخ ليس إلا بداية لعمل سيتواصل، ويفرض عليه الانسحاب، وعليه أن يختار سحب قواته عمودياً، أي وهم أحياء، قبل أن يبدأ بسحبهم أفقياً، أي في التوابيت.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

غاز المتوسط بين غابرييل وجنبلاط ومعادلة المقاومة

 يوليو 19 , 2022

ناصر قنديل

ارتباك المشهد السياسي الدولي والإقليمي بعد خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ومعادلته الواضحة والحاسمة بمنع تصدير الغاز من حقول البحر المتوسط ما لم يحصل لبنان على حقوقه كاملة في الترسيم المنصف والتنقيب والاستخراج، وحاول الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون إخفاء الارتباك بالتجاهل العلني والصمت السياسي، بينما شغل الثلاثة المحركات الدبلوماسية بأعلى القدرة الممكنة، لاحتواء التهديدات التي أطلقتها المقاومة في لبنان، عبر السعي للتوصل الى نتيجة تفاو ضية، فصدرت أول إشارة من لقاء الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين مع وزيرة الطاقة في كيان الاحتلال، وتعميم خلاصة تقول بردم بعض الفجوات التفاوضية في ملف التفاوض مع لبنان، وتبع ذلك قيام السفيرة الأميركية بنقل رسائل بالمضمون ذاته من هوكشتاين، ولمزيد من الاطمئنان أجرى هوكشتاين من جدة ولاحقاً من واشنطن اتصالات مباشرة بعدد من المعنيين اللبنانيين الذين يتابعون الملف، ونقل لهم تفاصيل خريطة الطريق التي يعمل عليها، والتي تتضمن زيارته بيروت هذا الأسبوع، كما تتضمن العودة مطلع آب المقبل لمفاوضات الناقورة توخياً لإنهاء الملف بما يرضي لبنان، وما يتيحه ذلك من رفع الحظر عن تنقيب الشركات العالمية عن الغاز والنفط في الحقول اللبنانية والبدء باستخراجه.

وصل أمس وفد أميركي الى بيروت على خلفية القلق من تهديدات المقاومة التي تربط أمن الطاقة في البحر المتوسط، بنيل لبنان لحقوقه كاملة شاملة للترسيم والتنقيب والاستخراج، وحملت تصريحات صادرة عن رئيس الوفد السفير الأميركي السابق في بيروت ادوارد غابرييل تقول إن أمام لبنان فرصة اذا ضاعت فلن يستطيع لبنان التنقيب عن النفط والغاز قبل عشرين سنة، محذراً من أن الطرف الآخر والمقصود كيان الاحتلال سيقوم بالاستخراج في «مناطقه»، بينما لن يستطيع لبنان فعل ذلك، مضيفاً أن هذه الفرصة لستة أسابيع، سيعني انتهاؤها انتهاء الاهتمام الأميركي بلبنان والمنطقة أمام الاهتمامات الدولية الأشد جذبا للإدارة الأميركية، والكلام الأميركي العنجهيّ المعاكس للحقائق يستحق الرد، فهو يخالف كلام الرئيس الأميركي الذي كسرت معادلات المقاومة مهابة زيارته للمنطقة، وقد جاء يؤكد أن أميركا عادت للمنطقة ولن تتركها للفراغ الذي سيملؤه الروس والصينيون كما قال، فبلسان من جاء يتحدث ويقول، لم نعد مهتمين، أما ثانياً، فإن لبنان بعد معادلة المقاومة لا يستجدي اهتماماً أميركياً بل «إسرائيل» هي التي تفعل، فليذهب ويقول هذا الكلام للإسرائيليين، إنه اذا لم يتم التوصل الى اتفاق خلال ستة اسابيع سقطت الفرصة، لأنها لن تسقط بالنسبة للبنان، واذا لم يصدّق السيد غابرييل فليجرب ويختبر جدية المقاومة في وضع معادلتها قيد التنفيذ بمنع أي استخراج للنفط والغاز من شرق المتوسط. وثالثاً، هل يصدق السفير غابرييل نفسه عندما يقول إن عدم التوصل لاتفاق سيعني ان لبنان لن يستطيع التنقيب لعشرين سنة مقبلة، وإن غيره سيفعل، بينما معادلة المقاومة تقول ببساطة، اذا لم يتمكن لبنان ان يفعل، فلن يتمكن سواه، وليسأل الإسرائيليين من يصدقون، كلامه أم كلام السيد نصرالله؟

الجدية الأميركية وجدت لساناً آخر عبر عنه النائب السابق وليد جنبلاط، ولكن على غير عادة لم يكن موفقاً، فهو كشف سبب الاهتمام الأميركي الأوروبي ودرجة هذا الاهتمام العالية مخالفاً كلام غابرييل، فيقول إن معادلة المقاومة ربطت لبنان بالحرب الأوكرانية، ويشرح مقصده بالقول إن المقاومة تهدد بمنع توريد الغاز من المتوسط الى أوروبا كبديل عن الغاز والنفط الآتيين من روسيا الى أوروبا، معتبراً ذلك إعلان تموضع الى جانب روسيا في حرب أوكرانيا حيث المواجهة بين روسيا وكل حلف الناتو، لكن كلام جنبلاط تجاهل حقيقة كونه لبنانياً أولاً، يفترض أن ينظر لحاجة الغرب لنفط وغاز المتوسط كفرصة للبنان للحصول على حقوقه، وفق معادلة المقاومة. وهنا أخطأ ثانيا ولكن عامداً متعمداً لأنه يعلم خلفية ومضمون تهديد المقاومة، فتصوير المقاومة كفريق في الحرب بين روسيا والناتو عكس الواقع تماماً، لأن المقاومة لم تقل لن يصدر أحد نفطاً وغازاً من المتوسط ما لم يتم التفاهم مع روسيا، بل قالت إن ذلك مشروط بالتفاهم مع الدولة اللبنانية، ولعل جنبلاط يتذكر أن الدولة اللبنانية وقفت من حرب أوكرانيا على الضفة الأميركيّة بالكامل.

الواضح من الحرب الإعلامية والسياسية التي تستهدف معادلة المقاومة تهافت منطقها، بعكس مرات كثيرة سابقة، وعجز أصحابها عن صناعة معادلات موازية لمعادلة المقاومة، والسبب يعود إلى أن المقاومة هذه المرة لا تضع معادلاتها في خدمة قضايا وعناوين وطنية يمكن لأحد أخذها إلى انقسامات موالبروثة حول الهوية، فالصورة واضحة للبنانيين، الكارثة قادمة وداهمة ولن ترحم أحداً ولا تستثني أحداً، ولا أمل إلا بثروات النفط والغاز، ولا بديل لنيل لبنان فرصة استثمار هذه الثروات بالرهان على كرم أخلاق غير موجود عند الأميركيين، ولا على نزاهتهم المفقودة كوسيط، كما تقول التجربة المرة لأكاذيب الوعود حول استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري منذ سنة كاملة، بل على القوة التي تمثلها المقاومة، وعليها فقط.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

قمة بوتين – رئيسي – أردوغان: الأسد المنتصر

July 18, 2022 

 ناصر قنديل


غالباً ما كانت الدولة السورية تتعرّض لضغوط مواطنيها في الشمال مطالبة بعمل عسكريّ يُنهي الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي ومشروع الكانتون الكردي الذي تقيمه قوات قسد، وكان كثيرون يذهبون للتحذير من خطورة أن تكون صورة تقاسم جغرافيا الشمال السوري نهائيّة، وتعني تحوّل وحدة التراب السوري إلى شيء من الماضي، بينما كان كثيرون يرمون سهام الاتهام على حلفاء سورية، روسيا وإيران، بسبب علاقاتهما الجيدة مع تركيا ما يتيح اتهامهما بالتردد في دعم أية عملية عسكرية سورية نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات الإرهابيّة المدعومة من تركيا. وبالمثل لعلاقاتهما الجيّدة بقوات قسد التركية، واعتبار هذه العلاقة سبباً لتردد مماثل؛ بينما كان كل من القيادتين التركية والكردية يتقاسمان عدم الوفاء بالتعهدات، وتطبيق التفاهمات، ويواظبان على الخداع، فكلما اشتدت الضغوط العسكرية يبديان الاستعداد السياسي الإيجابي، ثم لا يلبثان يعودان إلى لغة المماطلة وأسلوب الخداع والتنصل من الالتزامات.

خلال الأيام القليلة الماضية، وبينما الأجواء السائدة محكومة بالإعلان التركيّ عن اكتمال الاستعدادات لعمليّة عسكريّة كبيرة شمال سورية، مرّة تحت ذريعة ضرب الجماعات الكردية التركية المناوئة، ومرة تحت عنوان ضمان منطقة آمنة لعودة النازحين المقيمين في تركيا، دخل الجيش السوري بلدة منبج الواقعة تحت سيطرة الميليشيات التابعة لقسد، والمرشّحة لتكون أول أهداف العملية العسكرية التركية، وبلغ عدد البلدات والمدن والقرى التي انتشر فيها الجيش السوري، بما فيها تل رفعت، أكثر من عشرين، وتجري الاستعدادات المتسارعة لتوسيع حجم الانتشار ليشمل المزيد، بينما تتجه المزيد من الحشود العسكريّة للجيش السوري شمالاً مزوّدة بالأسلحة الثقيلة.

يجري ذلك عشية انعقاد القمة الثلاثية الروسية الإيرانية التركية في طهران، التي تستضيف القمة التي ستجمع الرؤساء فلاديمير بوتين والسيد إبراهيم رئيسي ورجب أردوغان، وقد سبقتها تحضيرات ومشاورات ورسائل متبادلة ومبادرات، منذ إعلان الرئيس التركيّ محاولاً الاستفادة من حرب أوكرانيا، عن نيّته بتوسيع نفوذه داخل الأراضي السورية، وكان أول المواقف هو القرار الذي اتخذته الدولة السورية بالتصدّي العسكري لهذه العملية التركية، بمعزل عن كيفية تفاعل الميليشيات الكردية من جهة، وحدود قدرة الحلفاء على اتخاذ مواقف داعمة من جهة أخرى. وقد أبلغت سورية القيادتين الروسية والإيرانية بموقفها، كما أبلغت قيادة قسد أن قوات الجيش السوري ذاهبة الى الحدود لمنع التوغل التركي، وسنتصدّى لكل من يقف في طريقها.

تبلور الموقف الروسيّ الإيرانيّ المشترك الذي تبلغته سورية بالوقوف معها في قرارها، وتمّت صياغة موقف سياسيّ استراتيجيّ مشترك عنوانه، مسار أستانة سيسقط مع انطلاق العملية العسكرية التركية، وتبلغت القيادة التركية بذلك، وبدأت مبادرة روسية وأخرى إيرانية لبلورة مسار سياسي سوري تركي، يضع الاعتبارات السيادية السورية أولاً، حيث الالتزام التركي بالانسحاب العسكري من الأراضي السورية، واعتبار اتفاق أضنة أساساً لتنظيم الوضع عبر الحدود، كما تبلغت قيادة الميليشيا الكردية موقف كل من روسيا وإيران، بأن انتشار الجيش السوريّ وحده يمثل ضمانة تجنيب مناطق سيطرة هذه الميليشيات وسكانها مخاطر الحرب، وبدأت المساومة التركية التقليدية على جوائز ترضية، سواء في تولي ملف تجارة الحبوب الأوكرانيّة، أو الاتفاقيات التجارية التركية الإيرانية والروسية في مجال الطاقة وأسعار الغاز الذي يشكل أعلى فاتورة تركيّة بالعملات الصعبة، واحتمالات تسديدها بالعملة المحلية.

قمة طهران نقطة تحوّل في مسار الوضع شمال سورية، حيث الصبر الاستراتيجي، والتربّص عند المنعطفات، والمصداقية في التحالفات، عناصر منحت سورية فرصة أن تكون المنتصر الذي يخرج رابحاً في جغرافيا يتقاسمها الاحتلال التركي والاحتلال الأميركي، لتعود وحدة سورية وسيادتها في المقدّمة مجدداً.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

فلسطين لا إيران الخاسر الأكبر من زيارة بايدن

السبت 16 تموز 2022

ناصر قنديل

يحاول الإعلام الأميركي والإسرائيلي والخليجي الترويج لمقولة اعتبار إيران الخاسر الأكبر من زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى المنطقة، من خلال تصوير الالتزامات الأميركية مع كيان الاحتلال بالدعم المالي والعسكري والسياسي من جهة، وإجراءات التطبيع التي ستقوم بها دول الخليج مع كيان الاحتلال من جهة مقابلة، بصفتها خسائر لإيران وخسائر تسببت بها إيران بسبب دعمها لحركات المقاومة في المنطقة من فلسطين الى اليمن، التي تسببت بهذا الدعم الأميركي للكيان وهذا الاقتراب الخليجي نحو التطبيع.

التدقيق في مفاصل ومجريات الزيارة وخطاباتها السياسية سيكشف لنا أن الرئيس الأميركي جاء يلعب بالإسرائيليين والخليجيين لحساب كسب الأصوات في معركته الانتخابية من جهة، عبر ما تقدمه الصورة المنقولة الى الداخل الأميركي عن “الحنان” الأميركي تجاه “إسرائيل” للتأثير باتجاه ونسبة تصويت اليهود وفعالية اللوبيات الصهيونية لصالح حزبه انتخابياً، ولتظهير السخاء النفطي الذي يأمل بالحصول عليه من دول الخليج عموماً والسعودية خصوصاً، رهاناً على فعالية تأثيره في أسعار أسواق المحروقات على الأميركيين، وتأثير ذلك على وجهة تصويتهم.

بالتراتب، بعد الربح الأميركي، أو بالأحرى ربح بايدن وحزبه، يأتي الربح الإسرائيلي، بإعلان تطابق الرؤية الأميركية المقدّمة نظرياً تحت شعار حل الدولتين للصراع حول مستقبل القضية الفلسطينية، ليقدم تماهياً مع الرؤية الإسرائيلية، حيث لا مكان للقدس، ولا لوقف الاستيطان، والبحث بإطلاق المسار التفاوضي، وهي العناوين التي كانت تشكل مفاصل التمايز الأميركي عن الرؤية الإسرائيلية، وبدلاً من تخفيض مستوى الدعم الأميركي لـ”إسرائيل” بسبب عدم تجاوبها مع هذه العناوين كما كان يجري عادة في زمن الإدارات الديمقراطية الأميركية خصوصاً، جاء بايدن يعلن التراجع الأميركي عن هذه العناوين لحساب التطابق مع الرؤية الإسرائيلية، ويزيد عليها جوائز مالية وعسكرية يكافئ بها “إسرائيل” على إغلاق الباب نهائيا أمام فرص حل الدولتين، عبر التهويد المتزايد للقدس, تكريسها عاصمة موحدة لكيان الاحتلال، وتنامي تقطيع أوصال الجغرافيا المتصلة للضفة الغربية بالمزيد من المراكز الاستيطانية، واختزال التفاوض بالتنسيق الأمني الذي يجعل السلطة الفلسطينية مجرد جهاز أمني رديف لأمن الكيان إلى جانب أجهزتها لملاحقة المقاومة، لا شريكاً سياسياً.

على الضفة الخليجية، بمعزل عن حجم الخطوات التطبيعية التي سوف يحصدها بايدن لحساب كيان الاحتلال، ومهما كانت محدودة، تعبيراً عن القلق السعودي من التوازنات الدولية المتغيّرة، وتجنبها الإقدام على خطوات متهوّرة في لحظة تغير الموازين، سيبقى قرار من نوع فتح الأجواء السعودية أمام الطائرات الإسرائيلية الذي استبق وصول بايدن الى السعودية، كافياً لإطلاق الإشارة بأن المبادرة العربية للسلام التي كانت تشكل قيداً ذاتياً عربياً اقترحته السعودية في القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002، للامتناع عن أية إجراءات تطبيعية إلا ربطاً بحصول الفلسطينيين على حقوقهم السياسية، كما وردت في المبادرة، وبالقياس لما وفرته عمليات التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب من كسر لهذا الامتناع، سيكون القرار السعودي، الذي سيقال إنه شكلي وهامشي، كافياً لمنح الختم السعودي لمبدأ إزالة الحظر عن التطبيع وربطه بالقبول الإسرائيلي بالمبادرة العربية للسلام، وهذا كاف على الأقل بالنسبة للآن، لكل من واشنطن وتل أبيب، طالما أن الموقف السعودي يقول إن مسألة التطبيع لم تعد مسألة عربية جامعة مرتبطة بالقضية الفلسطينية، بل هي الآن قضية سيادية تخص نظرة كل دولة لمصالحها، وبقياس تخلي العرب سابقاً عن الحرب كأداة لنصرة فلسطين، ثم تخليهم عن النفط كسلاح، يأتي التخلي عن حرمة التطبيع إعلان فك نهائيّ وشامل الارتباط بالقضية الفلسطينية، وإسقاطها من سلم الأولويات والالتزامات العربية.

يحاول بعض المتحدثين الخليجيين رمي مسؤولية هذا الانهيار الأخلاقي العربي على إيران بالقول إنه لولا الخوف الخليجي من إيران لما حدث ما حدث، لكن ما حفلت به الصحف الإسرائيلية عن التاريخ السري للعلاقات الإسرائيلية الخليجية، وحجم التنسيق والتعاون في مجالاتها المختلفة، يقول ما قالته الصحف نفسها بأن ما نشهده من إجراءات تطبيعيّة ليس إلا نقلاً لما كان في السر إلى العلن، وبالتوازي كيف يكون الذهاب لتقديم الجغرافيا العربية لـ”إسرائيل” التي تزداد فرص المواجهة بينها وبين إيران، نتيجة للخوف الخليجي من إيران، وهو يزيد فرص جعل الجغرافيا الخليجية مجرد حقل رمي إيراني لمواجهة التمدد الإسرائيلي، بينما الطبيعي عندما يكون الخوف المزعوم هو السبب أن تكون النتيجة الابتعاد عن كل استفزاز يمكن أن يصعد فرص الاستهداف.

كل هذا في كفة، وفي كفة أخرى ما هو مخفيّ بين السطور، بالتدقيق في البيان الأميركي الإسرائيلي المشترك، سنجد كل ما نحتاجه لنعرف أن الأميركي حصل على الموافقة الإسرائيلية على المضي قدماً بالتفاوض توصلاً لاتفاق على الملف النووي مع إيران، وقد تم تزيين هذه الموافقة بتعابير رنانة من نوع التعهد بمنع إيران من امتلاكها سلاحاً نووياً، وجاء ما تلاه من كلام إسرائيلي على لسان مسؤول المخابرات العسكرية في جيش الاحتلال للواشنطن بوست حول أن الاتفاق مع إيران لا يزال الطريق الأمثل لمنع امتلاكها سلاحاً نووياً يفسر هذا الاستنتاج، بعدما حمل بايدن حبات البقلاوة العربية لـ”إسرائيل”، دافعاً من جيوبهم، أثمن ما لديهم، ثمن الحصول على الموافقة الإسرائيلية التي يحتاجها ليعاود التفاوض طليق اليدين.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

حكومة تعوزها الكرامة… ونواب تعوزهم الوطنية

الثلاثاء 5 تموز 2022

 ناصر قنديل

البيان الصادر عن رئيس الحكومة ووزير الخارجية حول عملية المقاومة التحذيرية في بحر عكا، يشبه البيان الذي صدر حول الحرب في أوكرانيا، والبيانات التي صدرت حول الحرب في اليمن، غب الطلب الأميركي بلا خجل ولا حرج، لكنه هذه المرة أشدّ خطورة، ويجب أن يكون مجلبة للشعور بالمهانة والذل لهما، فتجربة الرئيس والوزير مع الوعد الأميركيّ الممتد منذ أكثر من سنة عن حل قضية استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية والإعفاءات من قانون قيصر الذي يعاقب سورية، كافية كي يعرفا أن الحديث عن انتظار نتائج مساعيه الإيجابية في ملف الترسيم مجرد استهلاك للوقت، في قضية كلها قضية وقت، حيث الاحتلال لا يحتاج إلا للوقت والصمت؛ الوقت ليبدأ الاستخراج والضخ نحو أوروبا من حقول بحر عكا، والصمت لتوفير الاستقرار اللازم لإنجاز الأمرين. والأميركي يشتري له الوقت من الهبل اللبناني، والصمت يوفره له الرئيس والوزير وهما يشعران بالفخر.

يقول بيان الرئيس والوزير «إننا بحثنا الوضع في الجنوب وموضوع المسيّرات الثلاث التي أطلقت في محيط المنطقة البحرية المتنازع عليها، وما أثارته من ردود فعل عن جدوى هذه العملية التي جرت خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي». وفي ختامه يرد القول إن «لبنان يعتبر أن أي عمل خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره، غير مقبول ويعرّضه لمخاطر هو في غنى عنها. من هنا نهيب بجميع الأطراف التحلي بروح المسؤولية الوطنية العالية والتزام ما سبق وأعلن بأن الجميع من دون استثناء هم وراء الدولة في عملية التفاوض». وفي الفقرتين لا ترميز ولا لعب كلام ولا ذكاء دبلوماسي، فالحديث واضح انه يقصد المقاومة الإسلامية وحزب الله، فلماذا يخجل الرئيس والوزير من التسمية، ولم يبق البيان مكاناً للتخيل في التوصيف، وهل ممنوع عليهما ذكر المقاومة في أي بيان، أم يخشيان غضب الأميركي من مجرد ذكر المقاومة، والسؤال هل يصدقان نفسيهما بأن على المقاومة أن تكون جزءاً من السياق التفاوضي، أم أنها مصدر قوة يستقوي به المفاوض ويتجاهله دون إنكاره، ودون الوقوع في خطيئة القول إن عمل المقاومة غير مقبول، وهو بالمناسبة كلام لم يقله قبل الرئيس والوزير إلا الرئيس فؤاد السنيورة في حرب تموز 2006.

عندما يقول الرئيس والوزير أن عمل المقاومة، هو «عمل خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره، غير مقبول ويعرّضه لمخاطر هو في غنى عنها»، لا ينسيان الإضافة «أن المفاوضات الجارية بمساع من الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين قد بلغت مراحل متقدمة». «وفي هذا الإطار يجدد لبنان دعمه مساعي الوسيط الأميركي للتوصل إلى حل يحفظ الحقوق اللبنانية كاملة بوضوح تام، والمطالبة بالإسراع في وتيرة المفاوضات. كما أن لبنان يعوّل على استمرار المساعي الأميركية لدعمه وحفظ حقوقه في ثروته المائية ولاستعادة عافيته الاقتصادية والاجتماعية». وبذلك تتضح الصورة، فالرئيس والوزير واثقان بأن المفاوضات بلغت مراحل متقدمة، ويدعمان مساعي الوسيط هوكشتاين ويعوّلان عليها لشيء هام وخطير فيقولان بشجاعة واثقة «أن لبنان يعوّل على استمرار المساعي الأميركية لدعمه وحفظ حقوقه في ثروته المائية ولاستعادة عافيته الاقتصادية والاجتماعية». فالمقاومة تضر بلبنان والوسيط الأميركي موضع ثقة لبنان، والسؤال هو بكل صراحة فجّة، هل كان الأميركي ليعين وسيطاً ويبدي اهتماماً بلبنان والرئيس والوزير والمفاوضات لولا وجود هذه المقاومة، التي تسبب القلق لكيان الاحتلال المدلل الوحيد لدى الوسيط وأسياده في واشنطن؟ وإذا كان لدى الرئيس القدير والوزير الخبير قناعة أخرى فليخبرانا عنها؟ والسؤال الثاني هو هل هكذا تتصرف حكومة وطنية حريصة مع المقاومة التي تمثل مصدر قوة لبنان الوحيدة في التفاوض، ومع الوسيط الذي يعرف اللبنانيون أنه أشدّ حرصاً على مصالح «إسرائيل» مما يروج له الرئيس والوزير حول تعويلهما على مساعيه وتصديقهما كذبة المرحلة المتقدمة التي بلغتها المفاوضات؟

كما الحكومة تعوزها الكرامة، بعض النواب الذين يختبئون وراء مزاعم تمسكهم بالخط 29 لانتقاد الحكومة، وقبولها بالتنازل عنه، تعوزهم الوطنية عندما يقولون إن عدم توقيع الحكومة لمرسوم تعديل خط الترسيم المعتمد، يجعل عمل المقاومة اعتداء على كيان الاحتلال، والسؤال لهؤلاء، شو خصّ عباس بدباس، ماذا لو كانت لدينا حكومة عميلة للاحتلال، هل يصير التسليم بمشيئة الاحتلال هو الموقف الوطني، تحت شعار أن الحكومة لا تقوم بواجبها وتعلن الاحتلال احتلالاً، فيسقط الحق بالمقاومة؟

نقص الكرامة ونقص الوطنية ليسا جديدين علينا، فلو تخيّلنا أن هذا النقاش يدور عام 1983، لاستعاد البعض خطابه السابق، المقاومة تشويش على المسار التفاوضيّ حول اتفاق 17 أيار، وبعض آخر يقول طالما إن الدولة وقعت اتفاقاً، فالمقاومة اعتداء على دولة جارة تربطها اتفاقيات تعاون أمنيّ بالدولة اللبنانية… وعش رجباً ترى عجباً، واللهم احمني من أصدقائي (وأبناء بلدي) أما أعدائي فأنا كفيل بهم!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المقاومة وحقول الغاز: عيون مفتوحة وذراع جاهزة

الإثنين 4 تموز 2022

 ناصر قنديل

كان ختام في المقالة التي نشرت صبيحة عملية إطلاق المقاومة لطائراتها المسيّرة فوق بحر عكا، تحت عنوان، المقاومة وحقول الغاز آذان صماء، بالقول، «الاحتلال مردوع ويكثر الكلام، والمقاومة تفرض معادلاتها ولا تحتاج إلى الكلام، وواثقة بأن ما طرحه الرؤساء هو آخر الكلام «. وجاءت العملية المليئة بالمعاني والرسائل لتكمل رسم المشهد الخاص بمصير حقول النفط والغاز بين بحرَي صور وعكا، فبعدما اعتقد الكثيرون أنه تم تحييد فعل المقاومة عن هذا الملف مع مجيء الوسيط الأميركي عاموس خوكشتاين إلى بيروت، جاءت العملية لتقول إن المقاومة لا زالت طرفاً حاضراً في هذه المعادلة. وهذا بحد ذاته يعني الكثير.

المضمون الثاني للعملية هو القول إن العرض الذي قدّمه لبنان لجهة الخط النهائي المقترح للترسيم، جاء مشفوعاً بإصرار لبناني رسمي على وقف كل العمليات في حقول بحر عكا، وأن محاولات التذاكي الأميركي الإسرائيلي باعتبار العرض اللبناني إعلان نهاية لمفهوم المناطق المتنازع عليها، وما يحكمها من معادلات الامتناع عن الإجراءات الأحادية، هو تلاعب وخداع لا يبشر بالخير لجهة التطمينات الأميركية بأن هناك تقدماً على مسار التفاوض، دون تقديم أية معلومات مفيدة محددة تشرح مضمون التقدم. فالمناطق المتنازع عليها تبقى متنازعاً عليها حتى توقيع الاتفاق النهائي للترسيم، والامتناع عن الإجراءات الأحادية في هذه المناطق يبقى موجباً لا نقاش حوله حتى إنجاز هذا الاتفاق. وبالتالي فإن العملية أعادت استحضار مفهوم المناطق المتنازع عليها، ومنع أي عمل فيها، قطعاً للطريق على أي رهان او وهم بإمكانية البدء بالعمل في حقول بحر عكا، تحت شعار أن هناك مساراً تفاوضياً، وهناك تقدماً فيه. وهو أمر قد يستمرّ شهوراً وسنوات، تستثمر خلالها الثروات من جانب كيان الاحتلال، ولبنان يتفرّج وينتظر زيارة الوسيط الأميركي.

العملية تستمدّ قيمة إضافية من كونها أول تظهير عمليّ لجدية تعاطي المقاومة مع ملف الثروات البحرية، الذي تناولته قياداتها خلال السنتين الماضيتين بالكثير من التفصيل، ووفق آليات عمل المقاومة، فإن العملية هي إعلان انتقال الملف من يد القيادة السياسية للمقاومة إلى يد القيادة الميدانيّة للمقاومة، والاحتلال يعرف معنى ذلك جيداً؛ فهو يعلم أنه منذ الآن عليه أن يضع في الاعتبار أن المقاومة ترصد وتتابع على مدار الساعة كل تفصيل يخص حقول بحر عكا، وأنها تقف على الضفة الأخرى المقابلة له، وعليه أن يتوقع ردود أفعالها ويضعها في حساباته قبل الإقدام على أيّ خطوة عملية تخص هذه الحقول، ووفقاً لخبرة الاحتلال مع المقاومة فعليه أن يحلل ويفسر الكثير من رمزيات معينة تضمنتها العمليّة، بمدى توغّلها في العمق، وكيفية تجاوزها لأجهزة الرادار، ومبرّر اختيار ثلاث طائرات دفعة واحدة، ووظائفها، ومن كل ذلك الاقتناع أن حقول بحر عكا صارت جبهة اشتباك مفترضة مع المقاومة.

العملية وهي تُعيد الاعتبار لمفهوم المناطق المتنازع عليها، والقواعد الصحيحة لمضمون ودور العروض التفاوضيّة، والمسار التفاوضي النزيه، لا شرعية الإجراءات الأحادية خلال فترة التفاوض، جاءت جواباً بمفهوم الحرب الناعمة على رسائل تحذير تلقاها لبنان، وتخصّ المقاومة، جاءت من أميركا وأوروبا تقول إن أي عمل يستهدف العمل في حقول بحر عكا هو مغامرة تعرّض لبنان للخطر، وإن هذه الحقول صارت من ضمن الأمن القومي الأوروبي، وإن احترام لبنان للمسار التفاوضي يجب أن يتزامن مع كف يد المقاومة عن التعامل مع الملف. والجواب هنا واضح لا يحتاج الى الاجتهاد، فالمقاومة لا تُعيد تحذيرها وحسب، بل تنتقل الى رفع مستواه الى درجة الإنذار، وعلى الأميركي صاحب الحل التفاوضي، أو الأوروبي صاحب البضاعة المشتراة من الحقول، إذا أرادا نجاحاً للعمليتين التفاوضية والتجارية، أن يضعا في الحساب أن أي خداع أو تلاعب مع حقوق لبنان، واستخدام خبيث للوقت، لفرض أمر واقع لن يمرّ دون أن تقول المقاومة كلمتها، والمقاومة تعيد التهديد الأميركي والأوروبي إلى أصحابه مع عبارة «مرتجع مع الشكر»، وإضافة «انتبه أنت في منطقة عمل المقاومة».

الرسائل وصلت والمهمة أنجزت، طالما أن الجواب الإسرائيلي، الذي تضمنته التصريحات الصادرة عن مسؤولين وخبراء في الكيان، لم يلمح الى نية تصعيد، كانت المقاومة لا تريدها لكنها مستعدّة لها، ولا تخشاها، بينما ركز الموقف الاسرائيلي على ما يؤكد ظنون المقاومة، بالحديث عن سقوط صفة المناطق المتنازع عليها عن حقول بحر عكا، وتحريكه لبعض الأقلام والأصوات في لبنان لتكرار الكلام ذاته، ما يعني أن تحرك المقاومة جاء في وقته، وأن المهمة كانت ضرورية وملحّة، لأن ما كان مبيتاً هو ذهاب كيان الاحتلال لعملية استخراج الغاز، وتعليق لبنان على حبال انتظار الحديث عن إيجابيات، لا زال يتأرجح على شقيقتها في ملف الكهرباء الأردنيّة والغاز المصريّ من سنة.

تضيف المقاومة الى الأذن الصماء عيوناً مفتوحة وذراعاً جاهزة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لغة التسوية ولغة المواجهة والتخوين

السبت 2 تموز 2022

التعليق السياسي

عندما تستمع لفريق لبنانيّ قرّر منذ سنتين رفض لغة التسوية في الداخل اللبناني ولا يزال يعتبر أن اللغة الوحيدة التي يقبل بها هي لغة المواجهة، تتوقع أن يكون هذا الفريق أشدّ عناداً وثباتاً وتمسكاً بلغة المواجهة نفسها عندما يتصل الأمر بخلاف مع الخارج، خصوصاً عندما يصرّح هذا الخارج بأنه يحاصر لبنان ويتحمّل مسؤولية منع تزويد لبنان بالكهرباء من الأردن والغاز من مصر، كما هو حال الأميركي، فكيف عندما يكون الخلاف مع خارج آخر هو مَن يرفض هذا الفريق التشكيك باعتباره له عدواً، ويصف كل تشكيك بالتخوين، ورغم إصراره على أنه عدو يختار طريق التسوية لحل الخلاف معه، ورفض لغة المواجهة، واعتبارها تخريباً على المصلحة اللبنانية، كما هو الحال في قضية حقوق لبنان في النفط والغاز.

هذا السلوك يدل فكرياً على انفصام يعيشه أصحابه في منهج التفكير، ويدلّ على ضياع معيار الهوية الوطنيّة لديه، لكن الأخطر هو أن هذا التباين بين اختيار اللغتين، لغة المواجهة ولغة التسوية، نحو الداخل ونحو الخارج المعتدي على الحقوق، ينسجم مع ما يريده هذا الخارج نفسه في منع أي إجماع وطني لبناني حول حقوق لبنان، ومنع تشكل وحدة لبنانيّة تضغط على هذا الخارج الأميركي والإسرائيلي وتلوّح بلغة المواجهة، من موقع اعتماد لغة التسوية داخلياً لحل الخلافات أو إدارتها. فيصير هذا الفريق مجرد امتداد لموقف الخارج الذي يريد انقساماً لبنانياً بدل الوحدة، وتصعيداً وتوتراً بين اللبنانيين بدل السلام الداخلي، وتكريس الانقسام والتوتر لفرض التنازلات عن الحقوق بالاستناد إليهما. وهذا معنى تسويق لغة التسوية مع الخارج المعتدي على الحقوق كجزء من التبعية للخطاب الأجنبيّ.

التدقيق قليلاً في مواضيع الخلاف الداخلي التي ترفض حولها لغة التسوية، ويجري الإصرار على اعتماد لغة المواجهة بصددها، يكشف ما هو أخطر، فالقضايا الخلافيّة تنحصر بالموقف من المقاومة وسلاحها، وهي بالتحديد القضيّة التي يكرّس الخارج المعتدي على الحقوق كل جهده لمواجهتها. والأنكى أن أصحاب هذه المواقف ينزعجون عندما يقال لهم إنهم مجرد أبواق لهذا الخارج، ويرفعون أصواتهم برفض التخوين.

اللبنانيون يفاوضون الإسرائيلي على ترسيم الحدود بوساطة أميركية، بينما الأميركي هو نفسه الذي يحتجز كهرباء لبنان رهينة لمقايضتها بشروطه للترسيم، ورغم ذلك بين اللبنانيين من يملك وقاحة القول إنه يرفض تفاوض اللبنانيين فيما بينهم، سواء على تشكيل حكومة، أو على إدارة أزماتهم، أو حتى حول قضايا الخلاف بينهم.

الأنكى أن هناك مَن يملأون الشاشات ويطلق عليهم أسماء خبراء ومحللين ومثقفين يروّجون لهذه اللغة العمياء الصماء الـ بلا روح وبلا أخلاق، في بلد ينهار!

المقاومة وحقول الغاز آذان صماء

 السبت 2 تموز 2022

 ناصر قنديل

يخطئ الكثيرون الذين يعتقدون أن المقاومة منشغلة بمتابعة ما يُسرّب وما يدقق وما يتحقق على مستوى المسار التفاوضيّ، وأنها تتابعه عن كثب وتنتظر نتائجه، وستبني على درجة اقتراب النتائج مما تتوخاه، خطواتها، ولذلك فإن تقدير خطوات المقاومة وسلوكها يمكن أن يبدأ من استشراف اتجاهات المسار التفاوضي؛ فإذا صح الكلام المسرب عن رد إسرائيلي سلبي استنفرت المقاومة، وإذا صحت المعلومات عن ايجابية ترافق المسار التفاوضي أرخت المقاومة سلاحها، والذين يعرفون المقاومة عن كثب يعرفون أن الأمور لا تسير أبداً بهذه الطريقة. فقيادة المقاومة تتابع طبعاً كل ما يثار حول المسار التفاوضي، وتدقق بكل ما يصل من معلومات رسمية أو شبه رسمية أو مسرّبة، كحالها مع متابعة كل ما يتصل بشؤون لبنان من جهة، ومن شؤون الكيان من جهة مقابلة، فكيف عندما يتصل الأمر بالجهتين؟

ما تجب معرفته هو أن هذه المتابعة التقليدية الطبيعية عالية المستوى، فهي أشد دقة وجدية من متابعة أية جهة رسمية أو أمنية أو حزبية، لاعتبارين، الأول أن لدى المقاومة ما يتيح إدماجها بمصادر المقاومة من داخل الكيان ومتابعته لما يجري ويُسرّب ويناقش حتى داخل أروقة وكواليس صنع القرار فيه، والثاني أن المقاومة نجحت بالتحوّل إلى مؤسسة أكثر مما نجحت مؤسسات الدولة بذلك، ولأن الأمر يتصل بالصراع مع كيان الاحتلال ويدخل في صلب مسؤوليات المقاومة، فهو يخضع لمتابعة النواة الأشد صلابة وتماسكاً ومأسسة في هياكل عمل المقاومة، حيث عقول متفرّغة للبحث والتحليل وإصدار التقديرات والتحليلات، وهناك أرشيف منظم وآليات عمل وخرائط ومرجعيّات بحث شديدة التطور، ما يجعل المتابعة التي تجريها المقاومة ومنظومة التتبع والملاحقة التي تعتمدها مصدراً تبنى عليه التقديرات عند الحاجة بالنسبة لصنّاع القرار في الدولة، لكن هذا شيء، واعتبار أداء وعمل المقاومة على صلة بهذا التتبع شيئاً آخر.

قد يظنّ البعض أن التسريبات رسمية او شبه رسمية كالذي نقل عن السفيرة الأميركية في لقاءاتها الرئاسيّة عن لسان الوسيط الأميركي من إيجابيات، او كانت تسريبات إعلامية، كالذي نشر عن رفض إسرائيلي كامل للمطالب اللبنانية وإرفاق ذلك بالتهديدات، يمكن أن تؤثر على تعامل المقاومة مع ملف ما تسمّيه بالشريط الحدودي البحري، بالاستنفار على وقع الخبر السلبي، والاسترخاء على وقع الخبر الإيجابي، فهو بالتأكيد لا يعرف المقاومة. يهم المقاومة أن تعرف كل شيء، وأن تعرف أكثر عن كل شيء، خصوصاً عندما يتصل الأمر بصلب مسؤوليتها واهتماماتها، لكن المقاومة تتعامل بطريقة مختلفة، فهي منذ أن أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حاصل الدرس والتدقيق لملف الشريط البحري المحتل، ورسم الموقف بمعادلتي، وقف الاستخراج والتحرير، مكلفاً المقاومة بوضع هذا الهدف على جدول أعمالها، انطلقت المقاومة لبناء معادلات ميدانية وترتيب هياكل تنفيذيّة لهذين القرارين، بانتظار تبلور فرضيّة استهداف متاح محقق يطلب الإذن بالتنفيذ، أو صدور القرار ببدء الاستهداف، أو تبلغ قيادة المقاومة العملياتيّة قراراً استراتيجياً آخر يلغي قرار منع الاستخراج والتحرير، وحتى تبلّغ أي من هذه القرارات، فللمقاومة أذن صماء تجاه كل ما يدور في السياسة والإعلام، خارج إطار السعي لمراكمة المعرفة، وتوفير شروط التتبع.

ما يعرفه الاحتلال وداعمو الاحتلال، وما يجب أن يعرفه أهل المقاومة وكل مَن يؤيدها، أنه لو بدأ الاحتلال بتركيب أنابيب الاستخراج لكانت المقاومة أول مَن يعلم، ولفعلت اللازم فوراً، وأنه لو توضعت وتحرّكت سفينة الاستخراج شمالا أو دخلت سواها لأغراض الاستخراج، فإن المقاومة أول من سيعلم، وأول من سيتصرف، فعلاً مباشراً أو تحذيراً معلناً، وفي هذه المرحلة والمقاومة بأعلى جهوزيتها، وبقدرات استثنائيّة يعرف العدو بعضها، بما يوازي ما تمتلكه أحدث جيوش العالم، مضافاً اليه روح الاستشهاد وخبرة أبناء العماد، وهي قادرة بما لديها وبما تعرف، على تنفيذ المهمة، واليد على الزناد.

الاحتلال مردوع ويكثر الكلام، والمقاومة تفرض معادلاتها ولا تحتاج إلى الكلام، وواثقة بأن ما طرحه الرؤساء هو آخر الكلام

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الحكومة والمحور الأميركيّ وجماعة أميركا

 الثلاثاء 28 حزيران 2022

ناصر قنديل

إذا استثنينا التيار الوطني الحر الذي سيكون مشاركاً في الحكومة الجديدة من خلال رئيس الجمهورية، على الأقل، إذا قرّر عدم المشاركة، وإذا ولدت الحكومة، تلفت الانتباه مواقف الكتل النيابية التي قرّرت رفض المشاركة في الحكومة ومقاطعتها.

إذا نظرنا للغة التي يتحدث بها هؤلاء سنسمع كلاماً كثيراً عن نظرية وجود لبنان في محور إقليمي يرفضونه، والمقصود طبعاً هو محور المقاومة، واتهامات هؤلاء مكررة بالحديث عن سيطرة حزب الله على الدولة، ومؤسساتها، وهم دعاة أن يكون لبنان ضمن محور آخر، تحت شعار الحياد، طلباً لموقع لبناني أقرب الى واشنطن والرياض باعتبارهما مرجعية القرار بدعم لبنان مالياً، كما يقولون.

نتحدث هنا عن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المقبلة قياساً بحكومته الحالية التي تصرف الأعمال، والمتهمة بأنها حكومة حزب الله والواقعة تحت سيطرته، والتي نجح حزب الله عبرها بضم لبنان الى ما يسمّونه بالمحور الإيراني، وبعضهم يقول بالوقوع تحت الاحتلال الإيراني.

اذا استعملنا الوقائع كأداة للقياس سنكتشف أن الحكومة دفعت بوزير إعلامها للاستقالة بلا سبب وجيه سوى طلب الرضا السعودي، فهل يحدث هذا في بلد آخر أو في حكومة أخرى؟

بالوقائع أيضاً وقف رئيس الحكومة بقوة ضد أي طلب الإعفاء ولو مؤقت لحاكم المصرف المركزي، حتى تنتهي الملفات القضائية المرفوعة عليه، والحاكم هو نفسه الذي أعلنته السفيرة الأميركية خطاً أحمر خلال فترة حكومة الرئيس حسان دياب، ويصفه الرئيس ميقاتي بالضابط الذي لا يمكن الاستغناء عنه خلال الحرب.

  بالوقائع أيضاً جمّد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أعمال حكومته لشهور، حتى تراجع ثنائي المحور، حزب الله وحركة أمل، عن اشتراط المشاركة في الاجتماعات الحكوميّة حتى تتم تنحية القاضي طارق بيطار، الذي أصدرت لجان في الكونغرس الأميركي بيانات واضحة لمساندته، ولم يعترض عليه إلا وزراء ونواب «المحور»، وتمسك الرئيس ميقاتي بالقاضي حتى تراجع وزراء «المحور»، وموقف الحكومة ورئيسها ليس مجرد دعم لفكرة استقلال القضاء، بينما تشترك الحكومة بتغطية ملاحقة القاضية غادة عون لأنها تجرأت ولاحقت حاكم المصرف.

بالوقائع أيضاً تدير الحكومة التي يقاطع مثيلتها اصدقاء أميركا والرياض ملف الحدود البحرية للبنان بالتنسيق والتشاور مع وسيط عيّنته الإدارة الأميركية اسمه عاموس خوكشتاين يحمل الجنسية الإسرائيلية وخدم في جيش الاحتلال.

بالوقائع أيضاً في حروب المنطقة والعالم، حربان، حرب في اليمن، وحرب في أوكرانيا، وفي الحربين تقف الحكومة دون الكثير من حلفاء أميركا، حيث تقف السعودية وأميركا.

بالوقائع أيضاً وأيضاً لا تبحث الحكومة ومثلها التي ستليها أي عروض تقدّمها أية شركات لا تحظى بقبول أميركي، وهذا هو مصير كل العروض الروسية والصينية والإيرانية، الإهمال وإدارة الظهر بذرائع مختلفة.

يرفضون المشاركة بالحكومة ويتهمونها بالمحور، لأن مهمتهم المقررة هي استثمار المنصات السياسية والنيابية والإعلامية للتحريض على المقاومة، ولو بالأكاذيب، لأن المطلوب نيل المزيد من الالتحاق المهين والمذل بالإملاءات الأميركية، ولبنان بالمناسبة في أسفل قائمة الذل في العلاقة بالأميركيين، فتطبق القرارات الأميركية المالية في لبنان قبل أميركا، بينما يجرؤ حلفاء أميركا في المنطقة بقول لا، كما تفعل تركيا ودولة الإمارات بخصوص العقوبات على إيران وروسيا، وكما تفعل السعودية بخصوص العقوبات على روسيا، وكما تفعل الإمارات بالعلاقات مع سورية، ولبنان الذي يحتاج التواصل مع الحكومة السورية لحل سريع لقضية النازحين السوريّين ينتظر الإذن الأميركي بزيارة وفود حكوميّة رفيعة الى سورية، كما انتظر ليتجرأ وفد حكوميّ على زيارة سورية لبحث التعاون في ملف الكهرباء.

المذلّة لا تكفي، وجب أن يزيّنها النفاق، فنصدق أن لبنان الرسمي في محور المقاومة، ونجهد لنثبت البراءة بمزيد من الذل، مبارك للسيادة والاستقلال.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أوروبا دخلت الحرب على التوقيت الأميركيّ فهل تخرج أميركا منها على التوقيت الأوروبيّ؟

 الإثنين 27 حزيران 2022

ناصر قنديل

لم يكن التصعيد الأميركي الأوروبي بوجه إيران وصولاً الى تعليق المفاوضات في فيينا بشروط تعجيزية، واعتماد إجراءات عدائية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معزولاً عن النظرة الأميركية الأوروبية لمفهوم الحرب الواحدة ضد روسيا والصين وإيران، بعد فشل محاولات الفصل بين الملفات، واحتواء أو إغراء أو ترهيب أي من اطراف المثلث الآسيوي الصاعد وصولاً الى تفكيك الحلف الثلاثي الذي يهدد الهيمنة الغربية. ومثل خط الصعود كان خط النزول، فالمبادرة الأوروبية المنسقة أميركياً نحو استئناف المسار التفاوضي بأفكار إيجابية مع إيران، هي تعبير شامل عن الخلاصات التي رسمتها موازين القوى، سواء في جبهة المواجهة مع روسيا أو مع الصين أو مع إيران.

يتباهى الرئيس الأميركي بأنه أسقط 30 سنة من الاستثمار الروسي على العلاقات المميزة مع أوروبا، وأثبت مناعة التحالف الأميركي الأوروبي، ودرجة تماسك حلف الناتو، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل أن هذا الإنجاز الذي تجلى بنجاح أميركا في جر أوروبا وراءها وبتوقيتها لدخول الحرب الأوكرانية في مواجهة روسيا، يبقى مؤقتاً طالما أن الحفاظ على هذا التماسك الأميركي الأوروبي يستدعي ضبط إيقاع الخطوات الأميركية على حجم قدرة أوروبا على السير، وطالما أن الاستثمار الروسي على العلاقة مع أوروبا لم يكن حملة علاقات عامة، بل انطلاقاً من حقائق تفرضها الجغرافيا الاقتصادية وفي طليعتها حقيقة أن روسيا القريبة هي أفضل مورد للغاز والنفط لأوروبا، من زاوية المصلحة الأوروبية، وأن النجاح الأميركي أوروبياً مشروط بأحد أمرين: الأول هو الفوز برهان إسقاط روسيا بالضربة المالية القاضية عبر العقوبات، التي صمّمت لدفع الاقتصاد والنظام المالي في روسيا للانهيار، ما يضمن نهاية سريعة للحرب التي لا يمكن الرهان على الجانب العسكري الصرف للفوز بها، وعند الانهيار المالي الروسي يتحقق الخضوع الروسي للشروط الأميركية الأوروبية، كما كانت تقول الخطة المفترضة. والثاني هو النجاح بتأمين بدائل كافية وبأسعار معقولة توفر الطاقة لأوروبا، وجدول زمني مناسب مع تزامن الخروج من مصادر الطاقة الروسية، وعندها تتحضّر أوروبا للتأقلم مع حرب طويلة تستطيع تحمل تداعياتها.

فشل الرهانان الأميركيان، رغم سلاسة الانصياع الأوروبي، واقتربت ساعة الحقيقة، فقد شرعت روسيا بوقف ضخ الغاز، والمخزونات الأوروبية لا تكفي للحد الأدنى من حاجات ومتطلبات الشتاء المقبل، وقد امتلأت الغابات الأوروبية بالعائلات تحول أشجارها الى حطب، واستبدلت في البيوت تجهيزات التدفئة على الغاز بتلك القديمة على الحطب، وعاد الفحم الحجري رغم نسب التلوث المرتفعة التي يتسبّب بها للدخول على الكثير من أوجه الاستخدام الصناعي، والحديث على أعلى المستويات عن تناوب المصانع الكبرى على يومين للعمل في الأسبوع وإقفال صناعات لا تحتاج الأسواق الداخلية منتوجاتها المخصصة للتصدير ويمكن الاستغناء عنها، وبلغ ارتفاع الأسعار نسباً متصاعدة، تتراوح بين 50% و100%، وهي مرشحة للتزايد، ومعها الاضطرابات الاجتماعية والسياسيّة المقبلة، وأول المؤشرات جاءت من الانتخابات الفرنسية.

بالتوازي كشفت كل الاتصالات والمحاولات التجارية والسياسية لتأمين الغاز من مصادر أخرى أن سقف المتاح لا يغطي أكثر من 30% من حجم الغاز الروسي لأوروبا، 10% من أميركا بضعف السعر الرائج، و10% من قطر والجزائر، لكن بعد العام 2024، و10% من غاز شرق المتوسط، ودونه تعقيدات سياسية وأمنية، كحال الغاز المفروض استخراجه وضخه من بحر عكا والمرتبط بمستقبل ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وأمن الاستجرار عبر المتوسط، وكلها بأكلاف عالية والحاجة لاستثمارات ضخمة، وانتظار لشهور او سنوات، بينما لم يعد موضع نقاش أي رهان على تهاوي الاقتصاد الروسي او انهيار النظام المالي للنقد الروسي، فسعر صرف الروبل الذي استعاد مكانته بعد اهتزاز لم يدم لأكثر من ثلاثة ايام، يحقق ارباحاً تتخطى الـ 50% بالقياس لسعره قبل الحرب، عاكساً نهضة اقتصادية داخلية ونمواً متزايداً في قطاعات جديدة وفرتها عملية تشغيل البنى التحتية لمنشآت الشركات الغربية التي غادرت الأسواق الروسية بفعل العقوبات.

ساعة الحقيقة الأميركية هي الاختيار بين المضي قدماً في خيار المواجهة دون أوروبا، التي بدأت علامات الإعياء والإنهاك تظهر عليها، وبدأت الانقسامات تهدد وحدتها، وصارت فرضية انسحاب تدريجيّ لدولها من خيار المواجهة مطروحة على الطاولة. وهذا يعني فقدان زخم المواجهة، في لحظة تعاني هذه المواجهة أصلاً من العجز عن تحقيق تقدم، سواء في المسار العسكري، أو في المسار الاقتصادي، والانفصال الأميركي عن أوروبا يعني منح روسيا ربحاً استراتيجياً بتلقف هذه التشققات الأوروبية والتعامل معها، وتخلي الأميركي عما تباهى به من الحفاظ على تماسك أميركا وأوروبا معا، أو القبول باعتبار الحفاظ على الوحدة مع أوروبا يبقى الأمر الأهم في أولويات المرحلة المقبلة، وهذا يعني أنه كما دخلت أوروبا الحرب على التوقيت الأميركي، فقد آن أوان أن تبدأ أميركا بالاستعداد للخروج منها على التوقيت الأوروبي.

الاستجابة الأميركية للدعوة الأوروبية للعودة الى مسار التفاوض لإنقاذ الاتفاق النووي مع إيران، وقبول تقديم ما يوصف بالتنازلات المؤلمة لتحقيق هذا الهدف، هي تعبير عن مسار سيتكرر على الجبهة الأوكرانية بحديث مواز عن تنازلات مؤلمة على الغرب وأوكرانيا تقديمها، تحت شعار دفع خطر المجاعة عن البشرية، وقد بدأ الترويج لهذا الشعار تمهيداً لنقلات دراماتيكية في مسار الحرب الأوكرانية، والحملة البريطانية التحذيرية من إذلال أوكرانيا ليست إلا استباق لهذا المسار المقبل.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

تهديد غانتس و«إسرائيل» «رجل المنطقة المريض»

 الجمعة 24 حزيران 2022

 ناصر قنديل

لو اكتفى وزير حرب كيان الاحتلال بني غانتس بالقول إن دماراً كبيراً سيلحق بلبنان في أية حرب مقبلة، لما كان كلامه موضوعاً للتدقيق، انطلاقاً من أن القدرة النارية لجيش الاحتلال على إلحاق مثل هذا الدمار، ليست موضع نقاش، بل ما كان سيناقش هو المقارنة بين حجم الخسائر التي ستلحق بلبنان مقارنة بما سيلحق بكيان الاحتلال، في ضوء تطوّر قدرات المقاومة، خصوصاً بعدما أعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن أن خسائر الكيان في أية حرب مقبلة ستزيد عن خسائر لبنان، وهذا أول تصريح من نوعه بهذا المضمون يصدر عن السيد نصرالله، الموصوف بدقة معادلاته، وعدم سماحه الانفعال والحماس أن يدخلا على صياغتها، واعتماده في الحرب النفسية التي يخوضها على معادلات واقعية مدروسة بتحفظ شديد، كما يصفه خبراء الكيان.

كلام غانتس لا يأتي بعد عام 1982 والانسحاب الإسرائيلي من بيروت، ولا بعد العام 2000 والانسحاب الاسرائيلي من لبنان، بل بعد اختبار جيش الاحتلال فرضية امتلاكه قدرة الدرع الكافية لإلحاق الهزيمة بالمقاومة، في حرب عام 2006، والفشل الذريع الذي مني به جيش الاحتلال في هذه الحرب، ليس بمجرد الفشل في تحقيق هدف سحق حزب الله، أو تجريده من قدرته الصاروخية كحد أدنى أول، أو تطويقه بضوابط دولية رادعة محكمة تمثلت بمشروع نشر قوات متعددة الجنسيات في جنوب لبنان وفق الفصل السابع كحد أدنى ثان، بل بالفشل المكلف الذي أصاب جيش الاحتلال في محاولة الدخول إلى الأراضي اللبنانية، وهي مضمون الحرب البرية التي خاضتها أولية النخبة في جيوش البر والقوات المدرعة التابعة لجيش الاحتلال لأكثر من عشرين يوماً من أيام الحرب الثلاثة والثلاثين، بعدما فشل استنفاد القصف الجوي والبحري والبري فرصه في تحقيق وقف تساقط صواريخ المقاومة على عمق الكيان، وكانت الحصيلة خسائر موصوفة دمرت خلالها عشرات الدبابات وقتل خلالها وأصيب مئات الجنود والضباط، دون تحقيق أي اختراق جدي في خط الحدود، وليس فقط في الوصول إلى المدن الحدودية كبنت جبيل ومرجعيون، فكيف الحديث عن صور وصيدا …وبيروت!

خلال السنوات التي أعقبت حرب 2006 امتلأت القراءات الاستراتيجية لمراكز الدراسات الإسرائيلية والأميركية، بما فيها الحكومية منها، ومثلها تصريحات كبار القادة السياسيين والعسكريين، بالحديث المتكرر عن تعاظم قوة حزب الله، بالتوازي مع الاعتراف بالفشل في امتلاك القدرة على احتواء هذا التعاظم، سواء عبر الغارات التي تستهدف سورية، او الرهان على تداعيات الحرب السورية، او الاستثمار على تغيير البيئة السياسية اللبنانية، والكلام عن مخاطر التورط في حرب جديدة تزامن مع نتائج أثبتتها مواجهات جيش الاحتلال مع قوى المقاومة في غزة، قبل عام خلال معركة سيف القدس، حيث فشل جيش الاحتلال في تحقيق الردع الموهوم، وعجز قادته عن اتخاذ القرار المكلف بخوض حرب برية، فكيف يستقيم القول عن أن هذا الجيش جاهز لخوض حرب يتجاوز فيها هدف استعادة المهابة، ورد الاعتبار، وتحقيق الردع للتهديد بالوصول، ليس الى بنت جبيل ومرجعيون، بل الى صور وصيدا… وصولاً الى بيروت؟

كلام غانتس سيصبح موضوعاً للتندر والسخرية، كما هو كلام وزير حربية السلطنة العثمانية أنور باشا قبيل الحرب العالمية الأولى، عندما هدد بدخول موسكو، كما يهدد غانتس بدخول بيروت، والحرب بدأت بالمناسبة من بوابة مواجهة بحرية، وكما كانت تركيا العثمانية قد أصبحت رجل أوروبا المريض قبل أن تسقط بالضربة القاضية، يبدو كيان الاحتلال اليوم رجل المنطقة المريض، في حالة النزع يهلوس ويروّح عن النفس بالثرثرة.

موقف أميركيّ مفاجئ حول العودة للاتفاق النوويّ مع إيران… والرياض لحوار مباشر مع الأنصار / هوكشتاين تسلّم وديعة لبنانيّة شفهيّة حول الترسيم… والأولويّة لوقف الاستخراج / ارتباك «إسرائيليّ» بين مخاطر التراجع والتصعيد… وضع حكوميّ هشّ وتداعيات إقليمية /

 الأربعاء 15 حزيران 2022

كتب المحرّر السياسيّ

الأكيد أن موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وفق معادلة، على السفينة الرحيل فوراً وعلى «إسرائيل» أن توقف الاستخراج من بحر عكا، هو المستجدّ الوحيد الذي أطلق ديناميكيات جديدة في معادلات النفط والغاز والتفاوض حول الترسيم الحدودي للبنان والوساطة الأميركيّة، ومن خلالها حول قوة كيان الاحتلال ومزاعم قدرته على شن حرب والانتصار فيها، وما سيترتب على الاختبار النفطي لهذه المزاعم من تداعيات في الإقليم، خصوصاً على التصعيد الإسرائيلي بوجه إيران الذي يوحي بالقدرة على شنّ حرب، لدعوة الأميركيّ لتجميد مساره النووي نحو توقيع العودة للاتفاق.

هذا هو الاستنتاج الذي صاغه مصدر دبلوماسيّ متابع للموقف المفاجئ الذي صدر عن الخارجية الأميركية حول الاستعداد للعودة المتبادلة مع إيران للالتزام بالاتفاق النووي، والإشارة الى ان إيران ستمتلك مقدرات إنتاج قنبلة نووية في غضون اسابيع، حيث يربط المصدر بين ما سمعه في بيروت، الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين الذي يشغل منصب كبير مستشاري الرئيس الأميركي جو بايدن لشؤون الطاقة، من مؤشرات قوة تستند الى معادلة السيد نصرالله، وما يصل تباعاً الى واشنطن من معلومات ومعطيات حول الارتباك الإسرائيلي الناجم عن هشاشة الوضع الحكومي بعد فقدان الأغلبية في الكنيست واستعداد بنيامين نتنياهو للدفع باتجاه انتخابات مبكرة، في ظل مخاوف إسرائيلية من أن يكون التراجع في ملف استخراج النفط والغاز القشة التي تقصم ظهر البعير

ويستغلّها نتنياهو للهجوم الحاسم على حكومة نفتالي بينيت، بينما يمكن للتعنت أن يفرض على جيش الاحتلال منازلة ترسم معادلات جديدة في المنطقة ليست في صالح الكيان، في ضوء المعادلات الحقيقية للقوة، بعيداً عن الخطابات الإعلامية الهادفة لشد العصب ورفع المعنويات.

بالتوازي ستتم مراقبة ما سيترتب على الكلام الأميركي المفاجئ من جهة، وبدء المحادثات السعودية المباشرة مع أنصار الله، كمؤشرات لتغليب لغة الانخراط مع محور المقاومة على حساب لغة التصعيد التي يدعو إليها قادة الكيان، بتعميم مزاعم التفوق والقدرة على خوض حرب وتحقيق نصر حاسم فيها، كما ستتم متابعة ما سيقوم به الوسيط الأميركيّ في حواراته مع قادة الكيان في ضوء ما سمعه في بيروت، سواء لجهة الوديعة الشفهيّة حول الخط 23 مضافاً إليه حقل قانا أو لجهة أولوية وقف الاستخراج من بحر عكا حتى نهاية المفاوضات، وهوكشتاين لم يخف أنه بلور بعض الأفكار لكنه قرر تشاركها مع قادة الكيان قبل أن يعرضها على لبنان. ويبقى السؤال هل يلتزم قادة الكيان بوقف الاستخراج حتى نهاية التفاوض، ما يعني ان يقبلوا المفاوضات وهم تحت ضغط عامل الوقت، فيما الأوروبيون مستعجلون لبدء ضخ الغاز الى شواطئهم قبل نهاية العام، بينما لبنان سيكون في وضعيّة التفوق بالعمل مع الوقت، الذي قال هوكشتاين إن الوقت لصالحه من حيث لا يدري عندما قال إن على لبنان أن يقارن ما سيحصل عليه بما لديه الآن وهو صفر، لكنه لم ينتبه أن من لديه صفر يلعب الوقت معه.

خلال الأيام المقبلة سيكون المؤشر بعودة هوكشتاين، الذي لم تنفع جوائز الترضية التي حملها للبنان في ملف الكهرباء ذات صدقيّة، لكونها تتكرر للمرة الثالثة دون نتائج عملية، كما أنها غير قابلة للمقايضة بملف الغاز والنفط، ولو أنها قد تشكل اشارات إيجابية اذا صدقت الوعود. إذا عاد هوكشتاين فهذا يعني ان قادة الكيان يخشون المواجهة من جهة، ولا يريدون قطع التفاوض من جهة مقابلة سعياً لحل، وفي حال كان الموقف الإسرائيلي متشبثاً بالاستخراج من جهة وبالخطوط المجحفة بحق لبنان من جهة موازية، والأرجح ان هوكشتاين يفضل السفر إلى واشنطن وعدم العودة، وإرسال الرسائل التي تقول إنه يدرس الوضع ويحضر أفكاراً خلاقة لتدوير الزوايا في قضية شديدة التعقيد، محاولاً دفع لبنان للاسترخاء لمنح الوقت لحكومة الكيان.

وملأت جولة المبعوث الأميركي لشؤون أمن الطاقة آموس هوكشتاين على المقار الرئاسية والمسؤولين اللبنانيين، الفراغ السياسيّ الذي سيطر على المشهد الداخلي بعد انتهاء مرحلة الانتخابات النيابية وتكوين الطاقم التشريعي للمجلس النيابي، في ظل تريث رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالدعوة للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس لتشكيل الحكومة الجديدة. إلا أن المعلومات الأولية لجولة هوكشتاين، تؤكد أنه لم يقدم أي مقترحات جديدة للحل واكتفى بالاستماع الى المعنيين بالملف وإبداء التجاوب والاستعداد للسعي لحل النزاع، فضلاً عن تمسّك لبنان بموقف واحد أبلغه رئيس الجمهورية للمبعوث الأميركي يؤكد حقوق لبنان بالخط 23 وحقل قانا كاملاً، مع التلويح بوقف المفاوضات إن لم توقف «اسرائيل» الأعمال التحضيرية لاستخراج الغاز من «كاريش»، ولم يتم التطرق الى الخط 29 بشكل مباشر.

واستهلّ هوكشتاين نشاطه من اليرزة حيث التقى قائد الجيش العماد جوزيف عون الذي جدّد له موقف المؤسسة العسكرية الداعم لأي قرار تتّخذه السلطة السياسية في هذا الشأن، ومع أي خط تعتمده لما في ذلك من مصلحة للبنان، قبل أن ينتقل الى قصر بعبدا حيث استقبله رئيس الجمهورية.

وخلال اللقاء الذي حضرته السفيرة الاميركية دوروثي شيا، وعن الجانب اللبناني نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، الوزير السابق سليم جريصاتي، المدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور انطوان شقير، المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، شدد عون على «حقوق لبنان السيادية في المياه والثروات الطبيعية»، وقدّم لهوكشتاين رداً على المقترح الأميركي الذي سبق للوسيط الأميركي أن قدّمه قبل أشهر، على أن ينقل هوكشتاين الموقف اللبناني الى الجانب الاسرائيلي خلال الأيام القليلة المقبلة.

وتمنّى عون على هوكشتاين «العودة سريعاً الى لبنان ومعه الجواب من الجانب الاسرائيلي». وشكر هوكشتاين عون على الجواب اللبناني واعداً بـ»عرضه على الجانب الإسرائيلي في إطار الوساطة التي يقوم بها في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية».

ثم انتقل هوكشتاين إلى السراي الحكومي، حيث التقى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. وخلال الاجتماع تبلّغ الموفد الأميركي الموقف اللبناني الموحّد من مسألة ترسيم الحدود والحرص على استمرار الوساطة الأميركية. كما تمّ تأكيد أن مصلحة لبنان العليا تقتضي بدء عملية التنقيب عن النفط من دون التخلّي عن حق لبنان بثرواته كافة.

كما زار الوسيط الأميركي عين التينة والتقى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال بعد اللقاء: «إن اتفاق الإطار يبقى الأساس والآليّة الأصلح في التفاوض غير المباشر». واضاف: «ما تبلغه الوسيط الأميركي من رئيس الجمهورية في موضوع الحدود البحرية وحقوق لبنان باستثمار ثرواته النفطيّة هو متفق عليه من كافة اللبنانيين».

كما استقبل وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال عبدالله بوحبيب الوسيط الاميركي، الذي غادر من دون الإدلاء بتصريح.

ونُقِل عن الوسيط الأميركي قوله إن لبنان يعاني من ظروف اقتصادية صعبة وما يعرض عليه يجب أن يقبله لإنقاذ اقتصاده.

ولفتت مصادر مطلعة على ملف الترسيم لـ«البناء» الى أن «زيارة هوكشتاين تختلف عن سابقاتها بتطور داهم وخطير تمثل باستقدام باخرة انرجين باور الى حقل كاريش للاستعداد لاستخراج الغاز، ما دفع بالمعنيين بترسيم الحدود للتواصل المكثف للتوصل الى الحد الأدنى من الاتفاق واستدعوا هوكشتاين للبحث في الملف والتحذير من خطورة هذه الخطوة التي قد تهدد الاستقرار».

وأشارت أوساط بعبدا لـ«البناء» الى أن «التفاوض حق دستوري لرئيس الجمهورية ويقوم بما يراه مناسباً للمصلحة الوطنية بعيداً عن المصالح الخاصة والمزايدات السياسية، وقام عون بجولة استشارات لا سيما مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والمختصين بالملف، وجرى اتصال مع رئيس مجلس النواب نبيه بري والمفاوضات مستمرة مع الوسيط الأميركي لاستئناف المفاوضات».

ولفتت الأوساط الى أن «الوسيط الأميركي يدرك أن الطرح الأخير الذي قدمه للحل لم يرضِ الجانب اللبناني لكونه يؤدي الى خسارة 1430 كلم مربعاً»، موضحة أن «الخط 29 تم الحديث عنه عندما تثبت الخط 23 منذ عشر سنوات وأكثر، وبالتالي يجب أن يُسأل من كان يتولى المفاوضات آنذاك، ويمكننا القول إن الخط 29 يفرض نفسه على الطاولة».

وكشف مصدر مطلع على الاجتماعات التي عقدها هوكشتاين لـ«البناء» الى أن «الوسيط الأميركي لم يطرح أية مقترحات جديدة بل استمع للآراء وشروحات المسؤولين اللبنانيين». ولفت الى أن «رئيس الجمهورية أكد للوسيط الأميركي تمسك لبنان بحقل قانا بالكامل أي بلوك رقم 9 وجزء من الحقل رقم 8»، مشيراً الى أن «لبنان تمسك بالخط 23 واستمرار المفاوضات للتوصل الى حقه بعد الخط 23»، داعياً الى النظر للملف من الناحية التقنية والاقتصادية ما يؤمن مداخيل مالية للبنان في ظل الأزمة المالية وتزيد الحاجة للغاز مع أزمة الطاقة في اوروبا والعالم بعد الازمة الروسية – الاوكرانية».

وشدد على أن أهم ما «ناله لبنان بعد جولة الوسيط الاميركي هو تكريس معادلة لا غاز من كاريش مقابل لا غاز من قانا، والتمسك بالخط 23 وحقل قانا، والتهديد بوقف المفاوضات إن لم توقف «اسرائيل» أعمالها في الخط 29 ما يعني تأكيداً لبنانياً على أن المنطقة الواقعة ضمن هذا الخط متنازع عليها». ورأى المصدر أن «اسرائيل لا تستطيع بدء عملية الاستخراج في منطقة النزاع خشية الموقف اللبناني والتهديدات العسكرية لحزب الله، ما يجمّد كل أعمال الاستخراج لأسباب متعلقة بالمنطقة»، محذّراً من أن «الصراع في العالم يتمحور حول مادتين حيويتين للاقتصاد العالمي: الغاز والنفط وأنابيبها والمياه، وهذا أحد أهم أسباب الحرب على سورية والضغط والعقوبات على لبنان».

وقال هوكشتاين في حوار على قناة «الحرة» حول ما لمسه من المسؤولين اللبنانيين: «الخبر السار هو أنّني وجدت إجماعًا أكبر، وإعدادًا جدّيًا للزيارة، وقد قدّموا بعض الأفكار التي تشكل أسس مواصلة المفاوضات والتقدم بها».

ولفت الى أن «الخيار الحقيقي لمستقبل لبنان، وهو الهم الأساس للرؤساء والقادة الآخرين الذين التقيت بهم، هو إيجاد حل للأزمة الاقتصادية التي يعانيها لبنان والتي ترتبط بشكل وثيق بملف النفط، وحل النزاع البحري يشكل خطوة أساسية وهامة من أجل إيجاد حل للأزمة الاقتصادية، وللانطلاق بمسار الانتعاش والنمو، وما جرى كان محاولة جدية تقضي بالنظر إلى الخيارات المتاحة للمضي قدمًا، من غير أن تغفل عن بالنا فكرة أن علينا أن نقدم تنازلات والتفكير بشكل بناء».

وعما إذا كان قد قدم اقتراحات أو نقاطاً جديدة، نفى هوكشتاين ذلك، موضحاً أنه جاء إلى لبنان للاستماع إلى ردود الفعل حول الاقتراحات والنقاط التي أثارها من قبل».

وأضاف: «لأننا في مرحلة حساسة نحاول فيها أن نردم الهوة بين الجانبين كي نتمكن من التوصل إلى اتفاق بينهما، أعتقد أن هذا بالغ الأهمية بالنسبة للبنان بقدر ما أعتقد بصراحة أنه بالغ الأهمية لإسرائيل، لذلك، قبل أن أفصح عن هذه الأفكار، سأتشاركها مع الجانب الآخر، ونكمل المسار من هناك».

ورأى هوكشتاين أن الردّ اللبناني «يدفع بالمفاوضات إلى الأمام، وعليه سأتشارك هذه الأفكار مع «اسرائيل» وما أن أحصل على رد واقتراح من الجانب الإسرائيلي، سأبلغه إلى الحكومة في لبنان».

ولدى سؤاله عما إذا ناقش لبنان معه الخط 29، اعتبر هوكشتاين أن «أمتن الملفات الذي يفترض بالجانب اللبناني إعداده هو ما قد ينجح، والحل الناجح يقضي بالإقلاع عن التفكير هل أملك أفضل قضيّة قانونية، هل أنا في أفضل موقع لي»..

وأضاف: «يقضي النظر إلى نوع التسوية التي يمكن التوصل إليها، ويوافق عليها الإسرائيليون من غير أن يشعروا أن في ذلك ما يتعارض مع مصالحهم، وذلك مع الحفاظ على أهم جزء من مصالح لبنان».

وعلى وقع جولة الوسيط الأميركي خرق الطيران الحربي «الاسرائيلي» جدار الصوت فوق مناطق الجنوب، كان لافتاً تصريح رئيس وزراء الاحتلال «الإسرائيلي» نفتالي بينيت الذي يحمل استفزازات للبنان وحضاً لعودته الى المفاوضات من موقع الضعف، بقوله: «أتطلع إلى اليوم الذي سيقرّر فيه لبنان أنه جاهز للاستفادة من الغاز الطبيعي الكامن في مياهه الإقليمية».

ولفت، إلى أنّه «من المؤسف أن القيادة اللبنانية منشغلة في خلافات داخلية وخارجية بدلاً من استخراج الغاز لصالح مواطنيها. أنصح الحكومة اللبنانية بتحسين الاقتصاد وببناء مستقبل أفضل للشعب اللبناني».

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

دلالات التصعيد الأميركيّ الإسرائيليّ – هوكشتاين بين أوراق قوة لبنان و«إسرائيل»

البناء

الثلاثاء 14 حزيران 2022

 لم يتغيّر الوضع الأميركي الإسرائيلي إلى الأفضل لجهة القدرة على التفكير بشنّ الحروب، كي تكون مشاهد التصعيد التي نشهدها، من التعامل الأميركي في ملف التفاوض النووي مع إيران، وملاحقة واشنطن لثروات إيران وشركاتها، من حجز النفط في اليونان إلى حجز الطائرة في الأرجنتين، الى التصعيد التركي والإسرائيلي غير المسبوقين في سورية، الى اللغة العالية السقوف عسكرياً من جانب المسؤولين الإسرائيليين تجاه إيران خصوصاً، بالتزامن مع الحديث عن حلف دفاعي خليجي إسرائيلي في مجالات الحركة المضادة للصواريخ بصورة خاصة، فما الذي تغيّر؟

ما يجري بعد حرب أوكرانيا لجهة تراجع القدرة الأميركية على التعامل مع ملفات المنطقة بمكانة الأولوية ذاتها، يستدعي أن نشهد تراجعاً في لغة التحدي والتصعيد، وفي الحقيقة شهدنا ذلك في الشهور الأولى لهذه الحرب، لكن في الحقيقة أيضاً فإن الفشل الأميركي والغربي المزدوج في حرب أوكرانيا، سواء لجهة تحويلها إلى مصدر استنزاف عسكري لروسيا يمنعها من تحقيق إنجازات ميدانية متدحرجة، عبر الرهان على صمود الجيش الأوكراني من بوابتي التمويل والتسليح، أو لجهة تحويل العقوبات إلى مصدر انهيار دراماتيكي لركائز الاقتصاد الروسي من بوابة النظام المصرفي وسعر صرف الروبل، خلق تحديات جديدة أمام السياسة الأميركية، أبرزها خطر تحول روسيا الى قطب جديد فاعل في السياسة الدولية من جهة، وتداعيات أزمة الطاقة التي نجمت عن المعاناة الأوروبية تحت وطأة الارتهان للغاز الروسي من جهة أخرى، وظهرت دول الخليج مجدداً، والسعودية في طليعتها، كعلامة بارزة لهذه التحديات.

 بدأت دول الخليج، والسعودية خصوصاً، تتصرف على قاعدة البحث عن تموضع خاص تحسباً للمتغيرات المقبلة، فلم تستجب لطلبات المشاركة في العقوبات على روسيا، وسارعت لتثبيت وتجديد الهدنة في اليمن، ومضت قدماً في الانفتاح التفاوضي على إيران، التي كانت واشنطن تمضي قدماً نحو التفاهم معها، طلباً لتسريع عودتها الى سوق النفط والغاز، بينما سارعت دول الخليج الأخرى للانفتاح على سورية، من خارج السياق الأميركي، كبوليصة تأمين للمرحلة الجديدة دولياً وإقليمياً، فجاءت الحملة الأميركية الإسرائيلية التركية الجديدة لتقول دول الخليج، عشية زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن، الهادفة لتأمين ضخّ المزيد من النفط الخليجيّ في الأسواق، وترتيب العلاقات الخليجية الإسرائيلية، لتقول لدول الخليج إن أميركا وحلفاءها لا زالوا الأقوى في المنطقة، وإن لا مبرّر للهرولة نحو الخصوم، فهل تشكل ردود إيران وسورية وقوى المقاومة عوامل تعطيل لهذه المناورة؟

هوكشتاين بين أوراق قوة لبنان و«إسرائيل»

ناصر قنديل

بين وصفين لبنانيين متقابلين للمناطق المتنازع عليها في حقول النفط والغاز في البحرين اللبناني والفلسطيني، بحر صور وبحر عكا، وصل المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين الى بيروت، الوصف اللبناني الأول قدّمه النائب السابق وليد جنبلاط ويقول ان المناطق المتنازع عليها هي مزارع شبعا بحرية، عطفاً على توصيفه لمزارع شبعا البرية، التي يعتبرها مجرد ذريعة لإبقاء النزاع مفتوحاً بين لبنان وكيان الاحتلال، من جانب المقاومة، لتبرير دور سلاحها. والوصف الثاني قدمه الأمين العام لحزب الله ويقول إن أهمية خطوط الترسيم التي يبني عليها جنبلاط ومناصرو منطق التوصل إلى الحل الممكن في قضية ترسيم الحدود خطابهم، قد فقدت أهميتها مع وصول سفينة الاستخراج اينرجين باور الى حقل كاريش، وفق معادلة بدء كيان الاحتلال للاستخراج من الحقول المتنازع عليها المتصلة تحت الماء ببعضها البعض، مقابل حظر معلن وواضح على حق لبنان باستخراج النفط والغاز حتى من الحقول غير المتنازع عليها. وصارت المنطقة المتنازع عليها تشبه الشريط الحدودي المحتل قبل تحريره عام 2000، حيث القضية لها عنوان واحد هو وقف الاعتداء على السيادة لاستعادة التوازن الذي يسمح بالترسيم.

ليس موضع نقاش حجم التكامل والتنسيق بين أداء الجانبين الأميركي والإسرائيلي، منذ ثلاثة عشر عاما واكب فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يقول إن استهلاك هذا الوقت الطويل الذي تم استهلاكه بين الموفدين الأميركيين ومنهم كان آموس هوكشتاين وفريدريك هوف وديفيد ساترفيلد وديفيد هيل وديفيد شينكر، كان هو الوقت الذي احتاجته «إسرائيل» للاستعداد لبدء استخراج النفط والغاز من الحقول المتنازع عليها، بعدما أنهت الحفر الاستكشافي وأعمال التنقيب وتجهيز الحقول، وإن المبعوثين الأميركيين كانوا يأتون ويرحلون، ولا تعود بهم إلا أزمة كبرى، ومنهم هوكشتاين الذي تكاد زياراته تكون للبنان سنوية، رغم بقاء المواضيع التي يثيرها معلقة بانتظار عودته مرة ثانية دون أن يعود. وكما يقول الذين يتابعون مكانة هوكشتاين داخل إدارة الرئيس جو بايدن وإشرافه على قطاع الطاقة من جهة، وعلاقاته المميزة بكيان الاحتلال والتزامه الكامل لمصالحه من جهة موازية، فإن ورقة القوة الأهم لكيان الاحتلال، هي هذا الالتزام الأميركي الكامل إلى جانب الكيان.

كانت معادلة النفط والغاز بين لبنان والكيان تستند إلى خمسة عناصر رئيسية، هي موقع الوسيط الأميركي وهو محسوم كورقة قوة إسرائيلية. والمعلومات عن الحقول والخرائط وهي ملك شركات عالميّة كبرى أبرزها وأهمها بالنسبة لحقول المنطقة شركات غربية، في مقدمتها شركة انيرجي البريطانيّة التي نظمت أول مؤتمر حول النفط والغاز شرق المتوسط في البحرين عام 2009، الذي كان نقطة التماس الأول بين الرئيس بري وملف النفط والغاز عندما تلقى دعوة مفاجئة لحضور هذا المؤتمر، وهذا يجعل من عنصر المعلومات ورقة قوة إسرائيلية، فلبنان لا يعلم ما لديه ولا مدى صحة ما يقال له عن ثرواته، لأن مصدره الوحيد للمعرفة محكوم بالسياسة التي تعمل هنا الى جانب كيان الاحتلال. العنصر الثالث هو شركات التنقيب، والواضح والمحسوم أن كيان الاحتلال متفوّق على لبنان في هذا المجال، حيث تتلقى الشركات العالميّة تشجيع حكوماتها ودعمها للعمل لصالح الكيان، بينما تتلقى التحذيرات والمساءلة عندما يتصل الأمر بلبنان. أما العنصر الرابع فهو الوقت، حيث بفعل كل ما سبق تستطيع «إسرائيل» البدء بالاستخراج لأن لديها التغطية السياسية الدولية ولديها المعلومات وتعاون الشركات، بينما لبنان مكشوف بلا غطاء في هذه العناصر الثلاثة. وهنا يدخل العنصر الخامس وهو الأمن، حيث يستطيع الكيان تحييد المخاطر الأمنية التي يمكن أن تهدّد عملية الاستخراج، من خلال تقييد مصدر القوة الوحيد لدى لبنان الذي تمثله المقاومة وسلاحها، بعاملين رئيسيين، الأول هو ارتباط دخول المقاومة على خط أمن الطاقة بالوقوف وراء قيام الدولة برسم حدودها، وهنا يصبح الأمر مشروطاً بموقع الوسيط ودقة وتدفق المعلومات، والثاني هو الواقع السياسي اللبناني الداخلي المتحرّك تحت عنوان علنيّ هو تقييد المقاومة واعتبار سلاحها مصدر تشويش على علاقات لبنان الخارجية وفي طليعتها علاقته بواشنطن، الوسيط المعتمد في ملف النفط والغاز.

المستجد الذي خلط الأوراق هو التغيير الذي لحق بعاملي الوقت والأمن، وتبدو المقاومة قد وضعت يدها عليهما وضغطت على الجرح بقوة، فحضر هوكشتاين، وعلى طاولته كمستشار أول في ملف الطاقة لدى إدارة بايدن، ملف تأمين بدائل عاجلة وسريعة للغاز الروسي لأوروبا، يبدو غاز شرق المتوسط أهمها وأسرعها توافراً، وأوفرها كلفة، وبالتوازي تبدو المقاومة قد نجحت بتحويل قدوم سفينة الاستخراج الى حقل «بحر عكا» المسمّى بـ كاريش، الى مصدر تبديل للأولويات اللبنانية من الترسيم إلى الاستخراج، حيث الترسيم شأن الدولة قبل أن تتبلور الحدود السيادية التي تلتزم المقاومة بحمايتها، بينما وقف الاستخراج الإسرائيلي مسؤولية المقاومة ليتسنّى البحث بجدية وجدوى عملية الترسيم.

القضية اليوم على الطاولة، يتقرر مصيرها بناء على عاملين، الأول حسن تظهير لبنان لتغير عناصر القوة، وحسن تقدير هوكشتاين لتوازن الحوافز والمخاطر، حوافز تسريع إنجاز ملف غاز شرق المتوسط الى اوروبا، ومخاطر انفجار الملف الأمني في المنطقة من إشعال حقول الغاز بقشة كبريت اسمها سفينة الاستخراج، ومعادلة الحوافز 

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كتاب مفتوح موجه إلى فخامة رئيس الجمهورية

الأخبار السبت 11 حزيران 2022

 ناصر قنديل

فخامة الرئيس الذي أحب وأحترم وأقدر، وأثق بوطنيّته وشجاعته وحكمته، بما لا يدع مجالاً لأي شك أو سؤال، وقد وقفت أدافع عن خيارك التفاوضيّ في تبديل الخطوط وإمساك الخيوط، وموقفك من تعديل المرسوم، ولا سبب إلا يقيني أنك صاحب رؤية استراتيجية تعرف ما تفعل، وتضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار. وها نحن اليوم قد وصلنا الى نقطة فاصلة في حماية حقوقنا من ثروات النفط والغاز في مياهنا الإقليمية، موضوع النزاع مع كيان العدو الغاصب في البحر المتوسط، وعشية الاجتماع مع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة للتوافق على رؤية موحّدة تقابلون بها عروض وطروحات وتساؤلات الوسيط الأميركي القادم خلال أيام قليلة، أتوجّه إليك بهذه الرسالة من موقع المحبة والاحترام.

إن ما ورد في كلام سيد المقاومة السيد حسن نصرالله، حول لا جدوى النقاش في خطوط ترسيم الحدود، والبحث في توقيع أو عدم توقيع مرسوم جديد للترسيم، طالما أن العدو سيبدأ باستخراج النفط والغاز من حقل كاريش، سواء فعل ذلك من جنوب الخط 29 أو من شماله، فالأمر سيان. وطالما أننا نمنع بقوة التدخلات والعقوبات والتهديدات من استخراج نفطنا وغازنا، فإن القضية اليوم ليست في استئناف المفاوضات، التي يدعونا إليها الوسيط الأميركي، والتي ستتحول الى غطاء يريد عدونا أن يقول عبرها، وهو يستخرج النفط والغاز، أن الأمور على ما يرام بينه وبين الدولة اللبنانية، وكل شيء يبحث على طاولة المفاوضات، حتى لو تمسكنا عليها بالخط 29، فهو سيقول إنه لم يتجاوز هذا الخط، وهو يحترم عدم الاقتراب من المناطق المتنازع عليها، وحتى لو أصدرنا المرسوم المعدل وسجلنا التعديل لدى الأمم المتحدة، فسيضحك العدو في سرّه، لأننا وقعنا في لعبة القشور بينما هو يلعب بالجوهر. والجوهر هنا يشبه حكاية جحا وهو يحمل وصفة طبخ كبد الخروف، بينما الكلب قد خطفه من بين يديه، ويتنعّم بلذة طعمه، وجحا شامت به وهو يظنّ نفسه منتصراً، ويقول له، لن تستفيد ولن تستطيع أن تأكله لأن الوصفة معي، فما نفع أن نربح على الورق بينما يربح عدوّنا في الواقع؟

الأولوية التي وضعها سيد المقاومة بمنع العدو من الاستخراج من كل المناطق المتنازع عليها ومنها كل حقل كاريش، شمال الخط 29 وجنوبه، وإتاحة المجال للبنان لبدء استخراج نفطه وغازه من المناطق غير المتنازع عليها، برفع الحظر والمنع ووقف التهديدات بالعقوبات، تصلح لتكوين أولوية منبثقة منها للدولة يضعها فخامة الرئيس أمام رئيسي المجلس والحكومة لتصبح أولوية الجميع أمام الوسيط الأميركي، ومضمونها لا مفاوضات قبل وقف الاستخراج من كاريش، كل كاريش، وإتاحة المجال للبنان ببدء التنقيب والاستخراج من كل حقوقه السياديّة غير المتنازع عليها، وعندما يتحقق ذلك سيكون متاحاً أن يعود لبنان الى طاولة المفاوضات، لأن التفاوض الآن ليس إلا غطاء يُضفي الشرعية على نهب ثروات لبنان وتضييعها.

في اللحظات التاريخيّة تحتاج الأوطان الى قادة تاريخيين، وكثر هم اللبنانيون الذين يتطلعون إليك فخامة الرئيس، ولو طغت على أصواتهم المهذبة أصوات بعض الفجرة، والموقف يحتاج حكمة وشجاعة تملك منهما الكثير. والإنجاز هنا بحجم يفتح الباب للتفاوض الندّي، الذي لا يستقيم مع صيف الاستخراج وشتائه على سطح تفاوضي واحد.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بوصلة السيد نصرالله… نصر الله البوصلة

 الجمعة 10 حزيران 2022

 ناصر قنديل

وضع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بوصلته أمام حقائق لبنان والمنطقة والعالم، وفيها أن للبنان حقاً بائناً، يتعرّض للنهب والسرقة، فحوض الغاز واحد، ويكفي أن تستخرج من مكان وتمنعني من الاستخراج، حتى تستفرد بكل الغاز الموجود في هذا الحوض، وفيها أن للبنان حاجة ملحة. فالانهيار الاقتصادي لبس ثوب التقدم باللبنانيين نحو مجاعة محدقة، وليس للبنانيين إلا هذا الغاز يُخرجهم من الخطر الأكيد. وفي المنطقة عدو يقوم على النهب والسرقة، وقد سرق أرض الفلسطينيين ويسرق ماءهم ووطنهم، وقد خبره اللبنانيون يوم حاول سرقة أرضهم ومائهم، وهو اليوم يستهدف الغاز بالطريقة ذاتها التي لا مكان فيها للقانون، ولا للحقوق، ولا للقرارات الدولية، ولا لمراسيم الترسيم، بل للقوة وللقوة فقط. وفي العالم حرب عالمية تتواجه فيها الدول العظمى، وقد ترتبت عليها أزمة عالمية في سوق النفط والغاز وصارت ثروات منطقتنا مخرجاً استراتيجياً من هذه الأزمة، ولدينا مقاومة قوية قادرة وجاهزة، وتملك الإرادة وقد وطنت نفسها على تحمل المسؤولية، وهي لن تدخل الآن على الأقل في نقاش خطوط الحدود الوهميّة لترسيم البحر طالما الخزان واحد ومنهوب، وطالما نحن نمنع من الدخول على خط الاستخراج. فالأولوية بسيطة وواضحة، منع العدو من الاستخراج حتى يتاح لنا ان نستخرج بالمثل، وتتوضّح الصورة أين نستخرج واين يسمح له بالاستخراج، سواء بالتفاوض او بسواه، فتلك ليست أولويتنا ولا قضيتنا، بل الأولوية والقضية الآن، هي منع العدو من الاستخراج.

وضع السيد اتجاه البوصلة، فصار موقفه هو البوصلة، أن المقاومة قررت أن تأخذ على عاتقها منع العدو من الاستخراج، وهذا نداء للداخل اللبناني، الرؤساء والوزراء والنواب والقادة والأحزاب والشباب، أن لا تختلفوا على المرسوم ولا على الترسيم، ولا تضيّعوا الوقت في نقاش مسار المفاوضات وما ستؤول إليه، ولتكن أولوياتكم هي في كيفية منع عدونا من استخراج النفط والغاز قبل أن يُتاح لنا استخراجه. وهذه المقاومة تضع مقدراتها وخبراتها وثقتها بما لديها، جاهزة وكل الخيارات عندها على الطاولة، فالتفوا من حولها وساندوها، ولنقل للعدو معاً، لن ندعك تنهب ثرواتنا ونحن مكتوفو الأيدي، ووفقاً لهذه البوصلة أصبح لاجتماع الرؤساء بند أول مختلف على جدول الأعمال، هو منع العدو من الاستخراج، ولجدول أعمالهم مع المبعوث الأميركي أولوية جديدة غير الترسيم والتلويح بالمرسوم، هي منع العدو من الاستخراج، وصار للعدو الذي كان فرحاً بنجاحه بنقل النقاش إلى طاولة التفاوض حول خطوط الترسيم بينما هو يقوم باستخراج الغاز، ولتستمرّ المفاوضات شهوراً وسنوات، أمام معادلة جديدة، ماذا عساه يفعل، إن قبل وقف الاستخراج بدأت رهاناته بالتداعي. فالثروة في حقول الشمال هي مشروع القرن، وعائدات استخراجها في زمن أزمة الطاقة هي ورقة الحظ، وما دام استخراجها مشروطاً بقيام لبنان بالمثل فقد تعقدت القضية، وكيف له أن يسحب الباخرة اليونانية ويعلن وقف الاستخراج، ويسرع بالتفاوض وفق شروط ترضي لبنان، حتى يتاح له العودة؟

إن قرّر العدو المضي بالاستخراج، فالمنازلة واقعة لا محالة، وقد نتجت عن بوصلة السيد معادلة تقول إن دخول المقاومة على خط المواجهة كان مشروطاً بحسم الدولة للخط المعتمد بالترسيم عندما كانت الأولوية هي الحدود، أما وقد صارت الأولوية هي حماية الثروات المتداخلة من النهب، فلا أهمية لخط الحدود والأولوية هي لمنع الاستخراج. وهنا المقاومة لا تحتاج إلى أي غطاء إضافي لموقفها كي تكون طرفاً حاضراً في الميدان. فهذا هو تفويضها، حماية السيادة من الخطر، وهذا اعتداء على السيادة، وإن وقعت المنازلة فالعدو يعرف الموازين ويعرف النتائج وعليه الاختيار، بين انكفاء مكلف، او تهور يرتب ثمناً وجودياً يضع مصير الكيان على الطاولة، ويمنح المقاومة شرف قيادة مشروع إزالة “إسرائيل” عن الخريطة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ليست أسباباً للتذمر… بل أسباب الاستبشار

الأربعاء 8 حزيران 2022

 ناصر قنديل

يمتلئ النقاش اللبناني الدائر حول ملف الثروات البحرية وترسيم الحدود بخطاب التذمر، فجمع من السياسيين والإعلاميين يتذمّرون مما يصفونه بالتلكؤ الرسمي في متابعة ملف الحقوق اللبنانية من الثروات البحرية. ويتخذ هذا التذمر مؤخراً عنوان الدعوة لتوقيع مرسوم تعديل خط هذه الحدود، ويوجهون سهام نقدهم إلى رئيس الجمهورية بهذا الخصوص. وبالتوازي يتذمر التيار الوطني الحر ومؤيدو رئيس الجمهورية مما يسمّونه المزايدة بادعاء الحرص على حقوق لبنان من منتقديهم، مذكرين بأن الجميع لم يكن يعرف بشيء اسمه الخط 29 لولا رئيس الجمهورية وفريقه. ويتذمّر المناصرون للمقاومة من الحملات التي خرجت على ألسنة خصوم المقاومة ودعاة نزع سلاحها، لتطالب المقاومة بالردّ على الحراك الإسرائيلي في البحر باتجاه المياه الإقليمية اللبنانية.

هذا التذمّر هو بحد ذاته علامة الاستبشار خيراً، فما لا ننتبه له هو أنها المرة الأولى التي يكون الاتجاه السائد في الرأي العام اللبناني بكل تلاوينه، نحو قضية تتصل بالصراع مع كيان الاحتلال ومواجهة أطماعه، بثروات لبنان وميزاته الاستراتيجية، هو التسابق على السقف الأعلى، بينما عندما طرح موضوع مزارع شبعا المحتلة، وكان إنجاز التحرير لا يزال ساخناً طازجاً، وكان السياق اللبناني تنازلياً لا تصاعدياً كما هو اليوم، وإثباتات لبنانية مزارع شبعا غير قابلة للنقاش حتى بالنسبة لكيان الاحتلال، بخلاف حجم الغموض الذي يتصل بكل مرجعيات البت بالحدود البحرية مقارنة بالحدود البرية ومرجعياتها، ورغم ذلك يبدو اللبنانيين واثقين من صحة الخط 29 بعكس ما كان عليه حال من قبلهم تجاه مزارع شبعا التي لم يستطع كيان الاحتلال نفسه رفض الاعتراف بلبنانيتها، ومثله الأمم المتحدة التي اعترفت بتلقي رسالة سورية رسمية بلبنانية المزارع، فاختبأ كل منهما وراء مرجعيتها في القرار 242 الخاص بالانسحاب من الجولان السوري المحتل عام 67، باعتبارها قد احتلت قبل صدور القرار 425 وشمل الأراضي التي احتلت عام 1978 وفق منطقها، بينما يمكن للكيان وسواه إخضاع المطالبة بالخط 29 للكثير من النقاش والتشكيك والتمحيص، واعتباره بأحسن الأحوال احد الاجتهادات المتداولة لترسيم الحدود، وأن يكون هذا هو اتجاه الرأي العام اللبناني تجاه كيفية التعامل مع حقوق لبنانية موضوع نزاع مع كيان الاحتلال، فتلك علامة ربما لا يدرك الكثير من أصحابها، انها تتأسس على حضور لموازين القوى التي فرضها حضور المقاومة في الوجدان الجمعيّ للبنانيين، وأشعرهم بأنهم أقوياء، فارتفعت سقوف تعاملهم مع ملفات الصراع، وخرج بعضهم من أصدقاء واشنطن العلنيين لا يقيم حساباً للاختلاف معها في هذا الملف بتبني موقف مغاير، ويعذره الأميركي لأنه يدرك ان هذا الموقف جواز مرور إلزامي للعبور الى الوجدان الشعبيّ.

للتذمر وجه يتصل بعدم الرد اللبناني على العرض الأميركي التفاوضي، الذي تبلغه لبنان مطلع العام، وهنا يجب التوقف أمام كون عدم الرد جاء تعبيراً عن اعتماد الصمت رداً سلبياً على العرض الأميركي تفادياً لتفجير المسعى التفاوضي، وكما يبدو من مسار سفينة الاستخراج التي جلبت الى حقل كاريش برعاية ومباركة أميركيتين، فإن مجيء السفينة هو الرد الأميركي على عدم الرد اللبناني، لإعادة الحياة إلى المفاوضات، الأميركي يبدو حريصاً على عدم فتح الباب أمام تدحرج الأوضاع نحو المواجهة، وهو يعلم جهوزية المقاومة ونسبة القوى الراجحة لصالحها، وما صدر عن معلومات عن موقع السفينة خارج الخط 29، وعدم وجود نية لربطها بالآبار قبل التوصل لحل تفاوضي مع لبنان، والإعلان الإسرائيلي عن أولوية الحل التفاوضي، والأميركي يعلم أنه عرض حلاً لا يستطيع لبنان قبوله، فهو قدم نصف الخط 23 خطاً متعرجاً نحو الشمال في نصفه الثاني، بينما الحد الأدنى لما يمكن قبوله لبنانياً هو الخط 23 مضافاً اليه كامل حقوق حقل قانا، وهذه مناسبة للقول إن الطريق القانوني لصون حقوق لبنان هنا وفق معادلة قانا مقابل كاريش، يقوم على اعتبار شمال الخط 23 حقوقاً لبنانية خالصة، وجنوب الخط 29 حقوقا خالصة لفلسطين المحتلة، واعتبار المنطقة بين الخطين 23 و29، منطقة حرام لا يسمح بالاستثمار فيها الا بالقبول المتبادل برعاية الأمم المتحدة انطلاقاً من معادلة قانا مقابل كاريش. وهنا من عناصر الاستبشار العجلة الأميركية الإسرائيلية في ظل أزمة الطاقة عالمياً، وضغطها الخاص على أوروبا لتأمين بدائل للغاز الروسي، وأهمية حقول البحر المتوسط ومنها الحقول اللبنانية في هذا الإطار.

من عناصر التذمر ما تبدو عليه الجهوزية الإسرائيلية في قطاع النفط والغاز، مقابل لبنان، وهذا قائم على الجهل أو التجاهل لحقيقتين، الأولى أن كيان الاحتلال المدعوم من الغرب كله، بدأ بدعم غربي حكومي وخاص للتنقيب والاستثمار في قطاع النفط والغاز مبكراً، وان استخراج الغاز بدأ بكميات غير تجارية، بقرابة مئة مليون متر مكعب سنوياً، منذ العام 1990، وبلغ عام 2012 ملياراً ونصف مليار متر مكعب، وهو يقترب اليوم قبل حقل كاريش من رقم الثلاثة مليارات متر مكعب سنوياً، بينما كان لبنان حتى الأمس لا يزال يناقش وجود ثروة نفط وغاز في مياهه، ويمارس عليه الغرب الذي يملك أدوات المعرفة سياسة التعتيم والتجهيل، حتى الإعلان عام 2020 عن اتفاق الإطار، بعدما وجد الغرب ووجد كيان الاحتلال أن لدى لبنان بفضل مقاومته القدرة على إلحاق الأذى بمنصات الغاز القريبة من حدود لبنان، وهي حقول واعدة، ويقتضي استثمارها الآمن الاعتراف بحقوق لبنانية موازية فيها، والحقيقة الثانية أنه بسبب هذه الحظوة لكيان الاحتلال لدى الغرب يسهل عليه الحصول على تعاون كبريات الشركات العالمية حتى لو لم يكن لديه ما يغري بلغة المصالح، بينما يتم التعامل مع لبنان بصورة معكوسة حتى لو كانت لديه ثروات واعدة، فتردم آباره وتطمر ثرواته، وينكر وجودها، ويجري التهرب من الالتزامات التي تفرضها العقود الموقعة معه، ولذلك ثمة ما يجب أن يعذر لبنان عليه ويفهم سبب تفوق الكيان بسببه، لكن هذا انتقل من سبب للتذمر الى سبب استبشار، بعدما صارت ثرواتنا ضرورة وجودية لاستثمار الكيان لثروات فلسطين المحتلة. فمن علامات الاستبشار أنه اضافة لما فرضته كميات الغاز المتوافرة من اعتراف بالحاجة للتفاهم مع لبنان، تفرض الأزمة العالمية والأوروبية بصورة خاصة اهتماماً استثنائياً بالتسريع، وتثبيت حقوق لبنان بات ممراً إلزامياً لهذا التسريع. وهذا بفضل قوة يصعب تذليل حضورها تمثلها المقاومة، طالما ان القوة وليس القانون، معيار الحسابات في الغرب و«اسرائيل»، ولسان حال الغرب مع القانون الدولي هو كحال قريش مع آلهة التمر، «يعبدونها حتى اذا جاعوا يأكلونها»، وحال «إسرائيل» معها، هو «بلوها واشربوا زومها».

– خلف هذا الليل الكالح السواد فجر قريب آتٍ، فاستبشروا!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الرهان الإسرائيليّ على الارتباك اللبنانيّ والإسناد الأميركيّ

الإثنين 6 حزيران 2022

 ناصر قنديل

يعتقد الإسرائيليون أن سقف ما يمكن أن يفعله لبنان هو توقيع مرسوم يعدل الخط المعتمد للحدود البحرية اللبنانية، فيعتمد الخط 29 بدلاً من الخط 23، وأن هذا التدبير وما قد يرافقه من نشاط نحو الأمم المتحدة والشركات المعنية يمكن احتواؤه من خلال الدور الأميركي الحاضر لإسناد الموقف الإسرائيلي. فواشنطن التي كانت تفرمل الاندفاعة الإسرائيلية وتدفع بتل أبيب نحو تأخير أي إجراء أحادي للاستثمار في حقل كاريش، وتسهيل المسار التفاوضي عبر البحث عن حل يمتص الاحتقان الذي قد يمنح المقاومة فرصة الدخول على الخط، وما قد ينتج عن ذلك من مخاطر انفجار يخرج عن السيطرة، صارت اليوم أشدّ حماسة من “إسرائيل” لتسريع استخراج الغاز من حقل كاريش الاستراتيجي في ظل أزمة الطاقة الناشئة بعد حرب أوكرانيا، وحاجات أوروبا التي يفضل تأمينها من مصدر متوسطيّ يخفف أعباء النقل وأكلافه، في ظل وجود رهان أميركي إسرائيلي مشترك على تباين الأولويات اللبنانية، وميوعة الموقف الحكومي، بحيث يكون السقف اللبناني المرتقب، هو توقيع مرسوم التعديل فيمتص الضغط الداخلي ويحوّله الى الحركة الدبلوماسية، حيث يستعدّ الوسيط الأميركي لجولة مكوكية جديدة، فيما يكون الاستثمار في حقل كاريش على قدم وساق، ويكون الداخل اللبناني، في الحكم والمعارضة حائلاً دون منح المقاومة ما يكفي من غطاء لتلعب دورها في فرض معادلة الردع ووقف عملية كاريش، تحت شعار اعتماد المراجعات القانونية والدبلوماسية.

المرحلة الأولى التي سيتولاها الأميركيّون بينما تسارع “إسرائيل” مهام الاستثمار، هو القيام ببهلوانيّات تفاوضية تشتري الوقت، مرة تحت شعار تقديم بدائل تفاوضية للدرس، ومرة بالنصح بعدم “التورط” بتعديل المرسوم الخاص باعتماد الخط البحري 29، فيما يكون الموقف الرسميّ مربكاً بين حد أدنى بالحديث عن الخط 23 كأساس لترسيم الحقوق اللبنانية، وسقف أعلى هو طلب لا ينسجم مع هذا الإطار بوضع حقل قانا مقابل حقل كاريش، فجزء رئيسي من حقل قانا يقع بين الخطين 23 و29 ومثله حقل كاريش، والحد الأدنى الذي يمثل موقفاً تفاوضياً مقبولاً ومنسجماً، هو اعتبار المنطقة الفاصلة بين الخطين 23 و29 منطقة حرام لا يحق لأي طرف الاستثمار فيها دون موافقة الطرف الآخر، وفقاً لمعادلة قانا مقابل كاريش، واعتماد شمال الخط 23 لحقوق لبنان الخالصة وجنوب الخط 29 لحقوق فلسطين المحتلة الخالصة. وبغياب هذا الموقف سيستفيد الأميركي من غياب هذا الموقف اللبناني لتظهير التناقض بين المطالبة بالخط 23 من جهة، ووضع حقل قانا مقابل حقل كاريش من جهة مقابلة، وهدر الوقت على النقاشات القانونية التفاوضية.

المرحلة الثانية عندما يمضي ما يكفي من الوقت، لتبريد التوتر، وتثبيت الأمر الواقع بالاستثمار في كاريش، لا يهم الأميركي والإسرائيلي أن يذهب لبنان الى تعديل خط الحدود البحرية إلى الخط 29، بقدر ما يهمه ألا تكون المقاومة قادرة على توظيف هذا الموقف للتحرك بوجه الاستثمار الإسرائيلي، ولذلك سيشجع وربما يسهل الدعوة لاعتماد التحكيم، او تقديم شكوى إلى محكمة العدل الدولية بوجه “إسرائيل”، وسيدفع بتصدر جماعات المجتمع المدني للضغط بهذا الاتجاه في حفلة مزايدة على الدولة، تشبه ما يجري في الدعوة لتوقيع المرسوم، طالما أن كل ذلك يعني السعي لقطع الطريق على ما يزعج الأميركي والإسرائيلي، وهو دخول المقاومة على الخط، حيث يلتقي مؤيدو الخط 23 والخط 29 نظرياً، على موقف عملي واحد هو إعطاء مزيد من الوقت للمساعي الدبلوماسية، والسعي عملياً لاستئخار أو تعطيل إمكانية قيام المقاومة بتسييل معادلة الردع لوقف الاستثمار الإسرائيلي.

المطلوب اليوم مهما كان الموقف من الخط النهائي المقبول للحدود البحرية، 23 او 29، الإجابة عن سؤالين، الأول: هو هل إن ما يجري دليل على أن التفاوض بات عبئاً على لبنان ومنصة لتضييع حقوقه، لأن الأميركي ليس غائباً عما يفعله الإسرائيلي؟ والثاني: هل يمكن تعديل التوازن مع الأميركي والإسرائيلي، من دون تظهير قدرة لبنان على قلب الطاولة، وهذا يعني تمكين المقاومة من تسييل معادلة الردع أو تظهير القدرة على تسييلها كحد أدنى، والمدخل لذلك يتوقف على السرعة مع سخونة القضية، ولا يهم أن يكون العنوان اعتماد الخط 29 للقول إن “إسرائيل” تستخرج الغاز من حقل لبناني، أو اعتبار أن الاستخراج يجري من منطقة متنازع عليها ما يعتبر اعتداء على السيادة يستوجب الرد؟

التحدي هنا، والمواقف لا تزال دون المستوى، والانقسام بين الخطين 23 و29 مضيعة للوقت يصفق لها الأميركي والإسرائيلي!

طبعا الأفضل أن يقول لبنان إن الخط 29 هو خط الحدود البحرية، وإن الاستثمار الاسرائيلي يتم في حقل لبناني، وإن للبنان الحق بمنع التعدي على حقوقه بكل الوسائل المتاحة، مفسحاً المجال للمقاومة لتقول كلمتها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

خريطة طريق لمناقشة سلاح حزب الله

السبت 4 حزيران 2022

 ناصر قنديل

قبل الدخول في الموضوع بلغة الحوار، لا بدّ من تثبيت مقدمات وثوابت، أولها أن من لا يريد الحوار ويقول إنه ماض في معركته لنزع سلاح المقاومة عليه ألا يغضب إذا قيل له من أهل المقاومة سننزع عيون مَن يريد نزع السلاح، وثانيها أن حمل السلاح رداً على احتلال او عدوان تهرّبت السلطة من مواجهتهما، أجازته الشرعة العالمية لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. وحمل السلاح هنا لا يحتاج الى إجماع، إنما نزع هذا السلاح هو ما يحتاج الى إجماع أعلى مرتبة من قرار أية مؤسسة دستورية في الدولة، كما الدفاع عن وحدة الوطن بوجه خطر مشروع لتقسيمه لا يحتاج الى إجماع، بل إن التقسيم هو الذي يحتاج إلى الإجماع، والمناداة بلبنانية مزارع شبعا والدعوة لتحريرها، لا تحتاجان الى إجماع، بل التخلي عنها هو ما يحتاج إلى الإجماع، وملاحقة المطبعين مع الاحتلال والمتعاملين معه لا تحتاج الى إجماع، بل إن التطبيع هو الذي يحتاج إلى الإجماع.

قبل الدخول أيضاً في الموضوع بلغة الحوار، لا بد من تثبيت ركائز له، أولها أن نقطة الانطلاق في الحوار وهدف الحوار، ليس البحث في كيفية نزع سلاح المقاومة، بل كيفية توفير الحماية المثالية للبنان من خطر العدوان الإسرائيلي، والأطماع الإسرائيلية بثروات لبنان ومزاياه الاستراتيجية، وهذا يعني ثانياً أن الحوار يجري بين مؤمنين بأن لبنان يواجه تحدياً اسمه الخطر الإسرائيلي، ويبحث عن سبل المواجهة المثالية لهذا الخطر، على قاعدة أن الدولة التي كانت غائبة عن مسؤولياتها في ما مضى ما استدعى ظهور المقاومة وتجذر حضورها، مستعدة اليوم لتحمل مسؤولياتها، في حماية بلدها، على قاعدة اليقين بأن تخلي الدولة عن هذه المسؤولية تحت شعار الرهان على الموقفين الدولي والعربي يجب أن يكون كافياً كي لا يقول أحد، أن مثل هذا الرهان يحل مكان بناء أسباب القوة، حيث لا قيمة للدبلوماسية إلا إذا وجدت هذه القوة التي تحمي وتدافع وتحرّر.

هذه الحال تشبه حال الأب الذي تخلى عن ابنه طفلاً وجاء إليه بعد أن أصبح رجلاً ناجحاً ذا حضور مرموق يطلب منه أن يسامحه ويسمح له لعب دور الأب. وهذا شرطه أن يجري النقاش بلغة وطنية يعترف فيها الذين غابوا عن المقاومة، سواء من تهرّبوا من الواجب الوطني أو من خانوا هذا الواجب ومدّوا أيديهم للعدو، بأنهم يطلبون التسامح من الذين ضحّوا بكل ما لديهم حتى حققوا السيادة الحقيقيّة لبلدهم وحرّروا أرضه وصانوا كرامته. والبدء من هنا للسؤال كيف نكمل معاً مسيرة الحماية، وكيف تكون الدولة شريكاً يعوّض الغياب المديد عن ساحة المسؤولية، مع الاعتراف والتقدير بما قام به الجيش وما قدّمه من تضحيات، وحاله كحال شعبه، يواجه منفرداً باللحم العاري، بغياب أية رعاية تقدمها الدولة ومؤسساتها ليكون جيشاً على مستوى الجيوش القوية القادرة على خلق التوازن بوجه جيش هائل المقدرات هو جيش الاحتلال.

هكذا أصبحت البداية بسيطة، فالذين يريدون نقاش مستقبل سلاح المقاومة من موقع وطني، يريد حماية لبنان، سيبدأون بالقول نحتاج إلى فترة انتقالية تبقى فيها المعادلة القائمة على حالها، تمتدّ من ثلاث إلى خمس سنوات، ربما نصرف خلالها حضور فائض قوة المقاومة لضمان وحماية ثروات النفط والغاز بتفويض وطنيّ، وتتجه خلالها كل الجهود والقدرات لبناء الدولة القوية القادرة. وهذا يعني بناء دبلوماسية تسليح للجيش بأسلحة نوعيّة تضم شبكات متطوّرة للدفاع الجوي وقدرات نارية متعددة جواً وبحراً وبراً قادرة على إقامة توازن ردع بوجه القوة النارية لجيش الاحتلال، وسنتفق على رصد المال اللازم لذلك، واستدراج الدعم الخارجي من الدول الغربية والعربية التي يغيظها سلاح المقاومة، ونبحث عن مصادر السلاح والدول التي تقبل تزويدنا بالأسلحة النوعيّة، ونميز علاقتنا بها على حساب مَن يرفض، حتى لو كان من يقبل في النهاية هو إيران ومن يرفض هو أميركا، وبالتوازي وكي لا نتوهمّ بأن الجيش وحده يكفي فلا بد من بناء الشعب المقاوم الى جانب الدولة القوية القادرة، ولذلك نسارع بإقرار قانون الخدمة الإلزاميّة لثلاث سنوات على الأقل، يخضع خلالها كل القادرين على حمل السلاح، بين 18 و60 عاماً، للتدريب والتنظيم ضمن وحدات للحماية الشعبيّة تعرف أدوارها ومواقعها وسلاحها عند أي عدوان، وسنوياً ضمّ الذين بلغوا الـ 18 من الذكور والإناث الى الخدمة الإلزاميّة، وإقرار بناء الملاجئ المحصنة وانشاء جبهة داخلية تعنى بمقومات الصمود خلال فترات الحرب، كما يفعل عدوّنا.

إن معيار جدية الذين يتحدثون عن أنهم يرون “إسرائيل” عدواً، ويقولون لا نقبل أن يزايد علينا احد في العداء لـ”إسرائيل”، وانه عندما تعتدي “إسرائيل” سنكون كلنا مقاومة، هو الذهاب لإقرار مثل هذه الخطة من أعلى مستويات القرار التشريعي والتنفيذي في الدولة، ومؤيّدو المقاومة يشاركون معهم، ويتحقق إجماع على استراتيجية للدفاع الوطني، تتيح بعد خمس سنوات أن نجلس ولدينا جيش قادر قويّ وشعب منظم مقاوم، لنبحث مرتبة جديدة من العلاقة بين الجيش والمقاومة، تكون فيها الكلمة العليا للجيش بصفته المسؤول الأول عن حماية البلد، وصولاً لمرحلة بعد خمس سنوات لاحقة قد لا نحتاج فيها لبقاء تشكيل منفصل للمقاومة خارج الجيش وتشكيلات الشعب المنظم. فهل من يرفع يده ويقول هيا بنا، ولنتذكر أننا منذ عشرين سنة نسمع الحديث عن نزع سلاح المقاومة من مواقع العداء، وبلا جدوى، وهذه خطة عشر سنوات من موقع الشراكة في مواجهة العدو، فهل تقبلون؟

عدم التجاوب يعني أن ما نسمعه في الداخل تحت عنوان “التيار السيادي الرافض للسلاح” هو مجرد صدى لصوت العدو، الذي يغيظه سلاح المقاومة، ويريد طابوراً خامساً في الداخل ينال من المقاومة أو يحاول، وعندها من حق الناس أن تقول، هذه المقاومة وسلاحها هي فلذات أكبادنا الذين سقطوا شهداء، ومن يريد نزع السلاح سننزع روحه وعيونه!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هل تغيّرت «القوات» عن الثمانينيّات؟

الخميس 2 حزيران 2022

 ناصر قنديل

كلما قام أحد بتذكير القوات اللبنانيّة بتاريخها في ثمانينيّات القرن الماضي، تردّ بأن هذا هو أسلوب التخوين، وأن اللبنانيين طووا صفحة الحرب الأهلية في اتفاق الطائف، وأن التذكير بماضي الحرب نكء كيديّ للجراح. وفي السياق ترفض القوات كل تذكير لها ولقائدها باغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي، الذي تحلّ ذكراه اليوم، وتتذرع بقانون العفو الذي ناله سمير جعجع في السياسة، وعلق تنفيذ الحكم القضائي دون أن يستطيع العفو إلغاء الحكم القضائيّ، الذي لا يلغيه إلا حكم آخر، كان بيد جعجع التقدّم لنيله عبر طلب إعادة المحاكمة، لكنه لم يفعل، ورغم ذلك يفوز جعجع بالأحكام في القضايا التي يرفعها بوجه كل مَن يستعيد واقعة قتل الرئيس رشيد كرامي المثبتة بحكم قضائي، لأن القضاء الذي صفعته السياسة بقانون العفو، وأسقطت مفاعيل حكم أصدره كبار قضاة لبنان، بات مليئاً بالذين يرون العبثية في قيامهم بتحدي المتحصنين بمراكز القوة، طالما أن هؤلاء يحصلون في السياسة على كل ما لا يقبل القضاء بمنحهم إياه، وهذا ما حصل مع سمير جعجع.

تدّعي «القوات» أنها تغيرت عن الثمانينيّات فهي سلمت سلاحها، واصبحت حزباً سياسياً، ولا تقبل من أحد أن يزايد عليها بالعداء لـ«إسرائيل»، وهي تتصدر دعوات السيادة، فهل هذا صحيح؟ وهل يستقيم مع أولويات «القوات» اليوم؟

سنبدأ من أن لا معيار للسيادة يسمو على معيار العداء لـ«إسرائيل» ونقبل حكمه، ثم نتخيل أن «إسرائيل» تملك القدرة على تأسيس حزب كبير في لبنان، فماذا ستجعل له من أولوية، وسيأتي الجواب سريعاً، نزع سلاح حزب الله، وتحميل حزب الله مسؤوليّة خراب لبنان، ودعوة اللبنانيين للابتعاد عن الحزب وخياراته طلباً للحد الأدنى من مقوّمات الحياة. ومن ثم نسأل، أليس هذا ما تفعله القوات؟ ثم نسأل: ما هي العبر التي قالتها تجربة القوات في الثمانينيات، من زاوية خدمة الأهداف ذاتها، وليس من زاوية إعادة النظر بها؟ وسنكتشف أن القوات خسرت كل الحروب التي خاضتها، وأن قوتها العسكريّة عبء على مشروعها، وأنها جهة ناجحة في العمليات الأمنية، ومنها اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي، وتتمتها اللاحقة عملية الغدر المبرمجة مخابراتياً التي نجحت بالاغتيال السياسي، الذي كاد يتحوّل الى تصفية جسدية، للرئيس سعد الحريري.

خطاب القوات العدائيّ نحو العروبة كانت ترجمته التوجه نحو العروبيين بالقول اذهبوا إلى البداوة الخليجيّة إذا كانت العروبة غرامكم، وكان العروبيّون هم الذين يدافعون عن الحضارة العربية الإسلاميّة بما فيها البداوة والمجتمعات الخليجية، بينما اليوم تقف القوات تحت سقف الدعوة لعروبة لبنان وبوابتها الخليج، فهل هذا تغيير؟

السؤال هو: مَن الذي تغيّر، الخليج أم القوات؟ فاذا كانت البوصلة هي الموقف من «اسرائيل»، فليس خافياً في زمن التطبيع أن حكومات الخليج هي التي تغيّرت. ومثله تبدو القوات التي كانت سابقا تناصب العداء العنصريّ لكل ما هو إسلامي، انها اليوم حليف قريب لعدد من القوى الإسلامية، لكن الا يتماهى هذا الموقف مع الوصف الذي أطلقه الاسرائيليّون على هذه القوى، فقالوا نأتمن النصرة على حدودنا مع سورية ولبنان، وردّد توصيف جماعاتها بالثوار بعض اللبنانيين، كما دعا جعجع أهالي بيروت عام 2006 والقاع عام 2014 لعدم الخشية منها، لأنها قوة حليفة؟

فلسفة الغيتو لم تتغيّر، وشعار من كفرشيما الى المدفون باقٍ، وحالات حتماً باقٍ أيضاً، لكن ضمن توليفة جديدة اسمها اللامركزية الموسعة، والفدرالية، بحسب المقتضى، وما تتيحه الموازين، والقتل هو القتل، وبدل بوسطة عين الرمانة، أحداث الطيونة.

سيبقى الرئيس الشهيد رشيد كرامي يطلب العدالة، وسيبقى القاتل معلوماً، كما أعاد التأكيد نجل الشهيد وولي الدم النائب السابق فيصل كرامي، ولا يستقيم أن يتحدّث أحد عن شهادة الرشيد ويقوم بتجهيل القاتل أو يحاول تبييض صفحته، ولعل صمت هؤلاء أفضل لهم ولذكرى الشهيد الرشيد، وقد قتل لأنه ركن بارز في جبهة الدفاع عن خط عنوانه العداء الحقيقيّ والعميق والجديّ والمبدئيّ لـ«إسرائيل»، وتم قتله تنفيذاً لطلبها.

فيديوات متعلقة

بانوراما اليوم – التكليف.. الاستحقاق التالي & الرئيس رشيد كرامي.. 35 عاماً على الجريمة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: