السيد نصرالله وحياكة الكنزة الرئاسية في مخاطبة التيار

الثلاثاء 7 آذار 2023

ناصر قنديل

بالرغم من كثرة التحليلات والتأويلات، حول علاقة الكلام الرئاسي الصادر عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بحسابات دولية وإقليمية أو تفاهمات تطمينية تمّت خلف الكواليس، فالأكيد لمن يعرف كيفية اشتغال عقل المقاومة وحساباتها، ترتكز منطلقات كلام السيد نصرالله على معادلات خاصة في قراءة المشهد الرئاسي، فتضع خطاً فاصلاً مع مرحلة وتفتح الباب لمرحلة ثانية. والمرحلة التي تنتهي هي مرحلة منح الفرصة للربط بين إعلان تبني ودعم ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وهو المرشح المحسوم عند حزب الله وحركة أمل منذ بدأ التفكير الجدي بمقاربة الاستحقاق الرئاسي، وبين التوافق مع التيار الوطني الحر على التحرك معاً في مقاربة هذا الاستحقاق ترشيحاً، وقد مر ما يكفي من الوقت والجهد للتوصل إلى قناعة باستحالة انضمام التيار الوطني الحر إلى تبني دعم هذا الترشيح ابتداء، أي افتتاح مقاربة الاستحقاق بإعلان الترشيح في بداية المعركة، مع التمييز الدائم والدقيق بين ثلاثة مستويات في المقاربة أتعب السيد نصرالله متابعيه في شرحها دون أن يتعب، مستوى الفصل بين الانتخابات الرئاسية اتفاقاً واختلافاً وبين التفاهم السياسي المبدئي مع التيار أو مع سواه، والمستوى الثاني هو مستوى الفصل بين التشارك في الترشيح والتشارك في الانتخاب، والمستوى الثالث هو مستوى الفصل بين التشارك في الترشيح والانتخاب والتشارك في تأمين النصاب. وقد قام السيد نصرالله بحياكة الكنزة الرئاسية على هذه المستويات الثلاثة، مفتتحاً مرحلة جديدة في الاستحقاق محورها الذهاب الى التنافس الانتخابي، كما دعا رئيس مجلس النيابي نبيه بري، أو العودة الى تلبية دعوة الرئيس بري للحوار طلباً للتوافق، لكن في الحالتين النظر للمرحلة الراهنة بصفتها نصف الطريق في المشوار الرئاسي، وليست نقطة الوصول النهائية.
في المستوى الأول يبدو واضحاً حرص السيد على التفاهم مع التيار الوطني الحر، ليس فقط عبر تأكيداته المباشرة المكررة على هذا الحرص، بل بمضمون سرده

لمحطات تاريخية ذات صفة سجالية لإثبات الحرص، عبر صناعة معادلة، التفاهم لا يلزم بالتشارك في الخيارات الرئاسية ذاتها، والخلاف في الخيارات الرئاسية لا يعني خروجاً من التفاهم أو عليه. وهنا سوابق متكررة للسير منفردين في مقاربة انتخابات رئاسة مجلس النواب التي تهمّ الطائفة الشيعية بمثل ما تهم رئاسة الجمهورية المسيحيين، وفي مقاربة رئاسة الحكومة مراراً التي تهم طرفي التفاهم كما تهم جميع اللبنانيين بصفتها رئاسة السلطة التنفيذية، دون أن يؤدي ذلك في أي مرة إلى تعريض التفاهم للاهتزاز، لكن الحرص على التفاهم كان يستدعي منح الفرصة للتوافق على خيار موحّد قبل الاستعداد للسير منفردين، وتحت سقف التمسك بالتفاهم، ومن دون أن يكون محسوماً بعد معرفة أي من الخيارات الرئاسية يملك فرصة الفوز، ولا السياق الذي ستسلكه مسيرة التنافس والتوافق نحو إنجاز الاستحقاق الرئاسي، والانفتاح سلفاً على ما قد يتخللها مجدداً من فرص التلاقي، وهنا يضيف السيد نصرالله جملة مفصلية تتصل بالدعوة الى الفصل بين مقاربة رئاسة الجمهورية والحديث عن بناء الدولة ومكافحة الفساد، لأن الأمرين من اختصاصات لا يملك رئيس الجمهورية صلاحيات تتيح ربط الأمرين به، وتقول تجربة الرئيس ميشال عون إن الجدية في مقاربة هاتين المسألتين تستدعي البحث في كيفية تشكيل غالبية نيابية وغالبية حكومية منسجمة في النظر اليهما، وما لم يستطع فعله الرئيس ميشال عون لا يمكن أن يطلب من سواه، خصوصاً بالنسبة للتيار.

في المستوى الثاني الذي يبدأ للتوّ بعد إعلان دعم الترشيح، والكشف عن الاسم علناً بصورة رسمية، وهو مستوى الانتخاب، فنحن أمام خيارات أن يذهب التيار الوطني الحر إلى تبني ترشيح منافس، أسوة بما يفعله الآخرون، ويترك للمعادلة النيابية أن تحسم الخيار الفائز. وهذه معادلة نظرية غير قابلة للتطبيق عملياً، لأن التوازنات النيابية الراهنة تقول إن تأمين الـ 65 صوتا الذي لم يعد متاحاً لصالح مرشح خصوم المقاومة باعترافهم، ولا هي متاحة لمرشح يتبناه التيار، لن تصبح متاحة للمرشح سليمان فرنجية دون انضمام أحد طرفي فاعلين، التيار الوطني الحر أو الحزب التقدمي الاشتراكي وعدد من النواب المستقلين، على الأقل. وهذا يعني أن الباب مفتوح عبر الحوار الذي يفتتحه اعلان الترشيح للتوافق مجدداً على الانتخاب، إن لم يكن بانضمام التيار إلى التصويت لفرنجية من باب التفاهمات الانتخابية. فالباب مفتوح لفرضية انضمام الحزب التقدمي الاشتراكي والمستقلين، وما سيرتبه من فرصة حوار مع التيار لفتح النقاش حول ما وصفه رئيس التيار النائب جبران باسيل بالخيار الرئاسي الثاني، أي غض النظر عن اسم المرشح مقابل التفاهم مع الكتلة الناخبة لهذا المرشح على المشروع السياسي، الذي ستلتزمه الكتل في مواقعها النيابية الراهنة ومواقعها الحكومية اللاحقة؛ هذا مع بقاء فرضية حدوث توافق خارجي وداخلي كبير لا يمكن للتيار أن يبقى خارجه، بينما أمامه فرصة طرح شروطه للانضمام اليه، مستفيداً من أن حليفه في التفاهم هو الركن الحاسم في هذه الفرضية داخلياً وخارجياً.

– المستوى الثالث الذي أظهر السيد نصرالله حبكته السحرية فيه، وقطبته المخفية، هو مستوى تأمين النصاب، فهو سدّد ضربة جزاء قاتلة لخصومه عندما أظهر سخافة منطقهم في التعامل مع النصاب والتعطيل، فهم يدينون التعطيل قبل الظهر ويهدّدون به بعد الظهر، ويؤيدون نصاب الثلثين في العطل والأعياد، ويؤيدون نصاب الأغلبية في أيام الدوام الرسمي، والدستور عندهم كأصنام التمر عند أهل الجاهلية يعبدونها، وإذا جاعوا يأكلونها، بينما عند السيد وضوح وثبات وانسجام ومصداقية. نعم نحن عطلنا ولكم الحق أن تعطلوا، والنصاب هو الثلثان ثابت لا يتغير، سواء أسهم هذا بدعم مرشحنا أم أضعف فرص وصوله، وفي هذا المستوى يفيد تدقيق بسيط في المعادلات الانتخابية، أن خصوم المقاومة دون نواب الحزب التقدمي الاشتراكي ونواب التيار الوطني الحر لا يملكون قدرة التعطيل، لأن هناك قرابة 66 نائباً مستعدون للحضور في أي جلسة انتخابية، منهم أكثر من 43 ينتخبون سليمان فرنجية، ومقابلهم 35 نائباً مستعدون لتعطيل النصاب، وبدون التيار الوطني الحر لا يتحقق النصاب، إلا إذا تغيرت الظروف الخارجية وجاءت بالمقاطعين إلى المشاركة بتأمين النصاب، وفي هذه الحالة، بل وفي سواها لا يبدو أن خيار تعطيل النصاب هو أولوية التيار الوطني الحر، بل ربما تكون مشاركته في تأمين النصاب في حال وجود تسوية كبرى أو في غيابها، شكل الحد الأدنى من التشارك تحت سقف التفاهم بين الحزب والتيار.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

ندوة وتوقيع كتاب لناصر قنديل عن حكومة دياب يعود ريعه لمتضرّري زلزال سورية

الإثنين 6 آذار 2023

دياب: الطعنات آلمتنا ولم تخفّف عزيمتنا… وخطتنا للتعافي قاعدة كلّ نهوض وإصلاح
المرتضى: قنديل أصَّلْ جذورَ الصراع ووجَّهْ البُوصلةَ في اتّجاه فلسطين ونطالبه بالمزيد

بقرادوني: ميزة حكومة دياب أنها تجرّأت على قول الحقيقة ووضعت الحلول والمخارج
قنديل: تجربة الرئيس دياب استثنائية لو قيّضت الإرادة السياسية لتحويلها إلى خطة عمل للدولة

أقام رئيس تحرير “البناء” النائب السابق ناصر قنديل، في قاعة المكتبة الوطنية ـ الصنائع ـ كلية الحقوق سابقاً، ندوة عن كتابه “ثورة… مخاض أم متاهة؟ حسان دياب: حكومة فاشلة أم فرصة ضائعة؟”، حضرها الرئيس البروفيسور حسان دياب، وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال القاضي محمد وسام المرتضى، الوزير السابق كريم بقرادوني، وفد من الحزب السوري القومي الاجتماعي ضمّ رئيس المجلس الأعلى سمير رفعت ونائب رئيس الحزب وائل الحسنية وناموس المجلس الأعلى سماح مهدي والعمُد: غسان غصن ومعن حمية وريشار رياشي وإيهاب المقداد وفادي داغر وعضو المجلس الأعلى د. جورج جريج وناموس عمدة المالية أسامة الشيباني ومنفذ عام بيروت وليد الشيخ. وفد من جريدة “البناء” ضمّ مدير التحرير المسؤول رمزي عبد الخالق والزملاء: اعتدال صادق وإنعام خرّوبي ومحمد حمية وعبير حمدان. وحشد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين والشخصيات الديبلوماسية والفاعليات السياسية والثقافية والإعلامية.
دياب

بداية تحدث الرئيس دياب فقال: “يجمعنا اليوم الصديق الأستاذ ناصر قنديل، الذي بذل جهداً مضنياً لتأريخ مرحلة استثنائية من تاريخ لبنان، وجاءت النتيجة في هذا الكتاب اليوم لتسجّل بأمانة وقائع من تلك المرحلة. ويقيناً، أني خلال هذه المرحلة، اكتشفت في الأستاذ ناصر صديقاً محبّاً، وحريصاً، وناصحاً، ومنتقداً، لا يُجامل، ولا يخفي في الحقّ كلمة الحقّ. ولذلك، فإنه نجح في استدراجي إلى الاقتناع بماهية الكتاب، ومساره، ولم أنجح في تدوير الزوايا معه. إلى الصديق الأستاذ ناصر تحية تقدير، وهو في كلّ الأحوال هو غني عن الشهادات والأوسمة”.

أضاف: “منذ لحظة تكليفي بتشكيل الحكومة، في 19 كانون الأول 2019، أعلنت أنّ معياري الأساسي في عملي هو أني لا أريد شيئاً لنفسي. قيل لي آنذاك، هذه معادلة تشبه كثيراً معادلة الرئيس سليم الحص التي يعبّر عنها بالقول: يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه. كان جوابي أني أتشرّف بالانتماء إلى هذه المدرسة الوطنية الصافية، لأنّ الرئيس الحص، حفظه الله، يبقى أمثولة في القيم الوطنية والسياسية والنزاهة والشفافية”.
وتابع: “كنت أعلم أنّ الممارسة السياسية في لبنان هي فنّ التشاطر، وقد شهدتها من موقعي كوزير للتربية والتعليم العالي، ولكني لم أدرك أنّ الانهيار في لبنان طال جميع النواحي المادية والنفسية، وأنّ الفساد تمدّد في كلّ الاتجاهات حتى وصل إلى القيَم الأخلاقية عند بعض السياسيين. جاءت حكومتنا في لحظة منعطف خطير في لبنان. الانهيار يتدحرج بسرعة من دون ضوابط، وكلّ معطياته وأرقامه مكتومة، والشارع متفجّر وحركته مفتوحة على احتمالات مخيفة. كنا مجموعة مغامرين، لكننا اعتبرنا أننا في الخدمة الإلزامية. جئنا من خارج الصف السياسي، وربما كانت حكومة التكنوقراط الأولى في لبنان. وكان هدفنا تحقيق إصلاحات ضرورية يحتاجها البلد، وهي مطلب الناس المؤمنين بهذا البلد. لم يكن لديّ طموح سياسي، ولا أسعى إلى زعامة. كان الهاجس كيف نخفّف اندفاعة الانهيار حتى لا يكون السقوط مدوياً ومؤلماً، قمنا بواجبنا الوطني، وأنا فخور بما حققناه. كنا نعمل من دون مسايرة لأحد ولا نكاية بأحد”.

وأردف: “تجرّأنا على قول الحقيقة، وكشفنا ما كان مستوراً بين الأرقام، وقرأنا ما بين سطور الممارسات التي أدّت إلى هذا الانهيار. الطعنات التي تعرّضنا لها، آلمتنا، لكنها لم تخفّف عزيمتنا. بعض الخناجر بلغت القلب، وآثارها عالقة فيه، لكن ضميري مرتاح. وما أصابني، شخصياً، ترك في نفسي جرحاً عميقاً. بعضهم أراد حسّان دياب كبش محرقة والتضحية به. بعضهم أراد الحكومة جسر عبور، بعضهم أرادنا حفرة تُرمى فيها كلّ الموبقات التي أوصلت إلى الانهيار، بعضهم فوجئ بأننا وضعنا خطة إنقاذ يتعافى عبرها البلد من تبعات فساد مزمن، فانقضّ عليها لإسقاطها وإسقاط البلد، لأنّ التعافي هو نقيض تلك السلوكيات التي أوْدت بالدولة. تمسّكت بمنطق الدولة، لكن هناك من كان يصرّ على رفض منطق الدولة ومواجهته، لأنّ مفهوم الدولة هو نقيض المزارع التي تقاسمت الدولة ومقوماتها وثرواتها ومقدراتها. كانت التحدّيات كبيرة جداً أمام تلك الحكومة، منذ لحظة تكليفي، وتعاظمت بعد تأليفها، حتى أنّ بعضهم حكم عليها بالإعدام قبل أن تتلو بيانها الوزاري، حتى خطة التعافي التي وضعناها، والتي لا تزال اليوم قاعدة أيّ إصلاح مالي في البلد، أسقطوها لأنهم يرفضون منطق الدولة، ويقاومون فكرة الدولة،

لكن الأخطر، أنّ إسقاطها عمّق الأزمة المالية، بينما كانت الخطة قد وضعت الإصبع على الجرح المالي، للمباشرة بالعلاج، لكن ما تبيّن لنا لاحقاً أنّ هناك من يريد البلد مريضاً، ويمنع عنه الدواء، لأنه مستفيد من هذا المرض لتغطية الإرتكابات الكارثية بحق لبنان واللبنانيين ومستقبل الأجيال”.

وقال: “أسقطوا خطة التعافي، ومشوا في جنازة الانهيار، وذرفوا الدموع، وهم اليوم يسمعون ما يقوله لهم صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، بأنّ خطة التعافي التي وضعتها حكومتنا هي الأرضية التي يمكن الانطلاق منها نحو إصلاح حقيقي. زوّروا الأرقام، كما فعلوا على مدى عقود من الزمن، وحاولوا تسويق أوهام عن الدعم والاحتياط الإلزامي، وهدّدوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكنهم اليوم بلعوا ألسنتهم، وغيّروا أقوالهم، بلا حياء أو خجل، ويعتقدون أنّ الكذب يستطيع محو سلوكهم الأسود الذي كان يغطّي الارتكابات السوداء. للأسف، كانت خطة التعافي المالي التي وضعتها حكومتنا، فرصة للإنقاذ، لكنهم، وعن سابق الإصرار والترصّد، قتلوها وأضاعوا على البلد فرصة الإنقاذ، ونظّموا حرباً على الحكومة، لكننا مع ذلك، صمدنا، قدر ما نستطيع، وتحدينا الصعوبات، وقمنا بما يمليه علينا ضميرنا الوطني”.
أضاف: “أما الحكم على تلك الحكومة، فنتركه للناس والتاريخ، فكتاب الأستاذ ناصر اليوم، يقرأ التاريخ، وينصفنا، حتى لو انتقدنا. مجدّداً أشكر الأستاذ ناصر الذي بذل جهداً مضنياً لتأريخ هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان، والتي كنّا جزءاً منها، وكان أميناً على عدم غرقها في ظلام المتغيّرات”.
المرتضى

ثمّ ألقى الوزير المرتضى كلمة قال فيها: “أهلاً وسهلاً بكم في المكتبة الوطنية روّاد وعيٍّ وسياسيةٍ وثقافة نجتمع وإيّاكم لنحتفل بمولودٍ جديدٍ قيّم لشخصيةٍ استثنائيةٍ بكلّ المقاييس خاضت كلّ معتركات النضال من أجل التغيير، من أجل الحقّ والحريّة والقضايا الوطنية والقومية، فأبدعت وقدّمت الكثير الكثير وما برحت، ولن تبدل تبديلاً.
أضاف: “عزيزي الأستاذ ناصر، لا يذهبَنَّ بك اليقينُ إلى أنني قرأتُ كتابَك كاملاً من الغلاف إلى الغلاف، وجئتُ اليومَ لأبديَ فيه رأياً، أو أناقشَ في مضامينه وخُلاصاتِه. فهو من الغنى بمكانٍ يعسُرُ أن يُحيطَ به الوقتُ القليلُ الذي كان لي منذ أهدَيْتَنيهِ إلى اليوم. ثمَّ إنني إلى الرويَّةِ أميَلُ في مقاربةِ الكتبِ التي تتناولُ التاريخَ السياسيَّ على وجه التحديد، اقتناعاً مني بقول المؤرخ أسد رستم: الأصلُ في التاريخ اتِّهامُ الأخبارِ لا براءةُ ذمّتِها”.

وتابع: “لا يأخُذَنَّكَ الشكُّ في أنني لم أقرأِ الكتاب البتّةَ، فقد مررتُ به مروراً متأنّياً، أشدَّ عمقاً من التصفُّح اليسير، ووقفتُ على خطوطِه العريضةِ وموضوعاتِ فصولِه وتناولِ أحداثِه الصعبةِ والهيِّنة. وأولُ ما لفتَني فيه أنك أنتَ أيضاً تتَّهمُ أخبارَ التاريخ ولا تُسلِّمُ بمروياتِها السطحية المعروفة، بل تغوصُ في سياقاتِها وأسبابِها غوصاً تحليلياً، على وَفْقِ ما أوتِيتَ من خبرةٍ وطولِ باعٍ في التحليل السياسي الذي احترفْتَه صَنْعةً ودَوْراً وطنياً. ورأيْتُ، بأمِّ العينِ، كيف تُسلسُ لك اللغةُ قيادَها، فتنزلقُ الأفكارُ والكلماتُ على أوراقِكَ، كما تنسابُ على لسانِكَ، في وضوحٍ وتماسكٍ، كأنَّكَ تقرأُ حين ترتجلُ، وترتجلُ حين تكتبُ، من غير أن يعتري خطابَك في الحالتين أيُّ تشوّشٍ أو تلجلجٍ في هويته المقاوِمة وانتمائه الحرّ”.

وأردف: “لعلَّكَ، حين اخترت الكتابةَ عن مرحلةِ دولة الرئيس حسان دياب وحكومته، خالفتَ قاعدةَ أن التاريخَ لا يُكْتَبُ إلا بحبرٍ باردٍ بعد مدةٍ غير قصيرة من انقضاءِ أحداثِه وانكشافِ أسرارِها. لكنك في ذلك مارسْتَ تحدِّيَ السّبْقِ الرصين، من غيرِ تسرُّعٍ طبعاً، وخُضْتَ في وقائع التحدّيات المفصلية التي واجهَتْها تلك الحكومة، منذ تسمية رئيسها “الذي مرَّ اسمه من الغربال” كما جاء في الكتاب، حتى استقالتِه إثر الكارثة التي فجَّرت الوطن في الرابع من آب، وما تخلّل هذين الحدثين من حراكٍ شعبي عفويٍّ أو موجَّه، أو مثلما عبَّرْت أنتَ، من ثورةٍ ظاهرةٍ وأخرى عميقة، اختلفت أجَندةُ كلٍّ منهما وإن قادتِ الثانيةُ الأولى… ومن انهيار اقتصادي واشتباكٍ سياسي على النقطةِ والفاصلة في كلِّ شيء. ورَصَدْتَ الدورَ العميق “للدولةِ العميقةِ” الذي جعل الرئيس حسان دياب وحكومتَه في موقعٍ لم يضعْه في حسابه أصلاً كما نقلْتَ عنه، بات فيه على “صدامٍ يومي مع حاكم مصرف لبنان وقادةِ النظام المصرفي” في حينِ أنَّ الصدام الحقَّ كان بين الحاكم والأرقام، التي بطبيعتها لا تحتملُ الخلاف والصدام”.

وقال: “الأهمَّ في كلِّ هذه السردياتِ المهمة، أنَّكَ أصَّلْتَ جذورَ الصراع في ترابِهِ الفكريِّ البَحْت، ووجَّهْتَ في ذلك البُوصلةَ باتّجاه الجنوبِ حيثُ فلسطين، لتصلَ إلى أنّ لبنان الكبيرَ الصغير، القائم على فالقٍ سياسي يهتزُّ كلَّ ثانيةٍ بفعلِ الكيان المغتصِبِ المزروع هناك، فيزلزلُ كلَّ استقرارٍ ويبلبلُ كلَّ أملٍ بالنهوض، ليست أزمتُه “مجرَّدَ أزمةِ حكمٍ أو نظامٍ، بل هي أكبرُ من أزمة ِكيانٍ وهوية، تجمَّعَتْ فوقَها أزماتٌ تتَّصِلُ بحالِ عدم اليقين الذي يعيشه العالم…”، مثَبِّتاً/ أن ما يجبُ النقاشُ فيه/ هو المنهجُ لا جدولُ الأعمال، وأنّ هذا المنهجَ فلسفيٌّ بطبيعتِه لأنه يسعى إلى “بناء دولةٍ تساوي بين مواطنيها بعيداً عن تمايزاتِ الأعراق والأديان، دون الوقوع في استبدال طائفيةٍ صريحة بطائفية تختفي خلف قناع الديموقراطية”. فأنت بهذا القول تعيدُ الاعتبارَ إلى دور الفكرِ في قيامِ الأوطان وفي قيامتِها من أزماتِها، دورٌ صرنا نفتقدُه في لبنان بعد أن تفشّت فيه العصبيّاتُ القاتلة تفشّياً سريعاً مريعاً، بعيداً عن العقل والمنطق، لا بل حتى بعيداً عن مصلحة الوطن والمواطنين”.

أضاف: “من هنا، يأتي كتابُكَ محاولةً ناجحةً لإنصافِ دولة الرئيس حسان دياب القادمِ إلى السياسة من الأكاديميا، والقابضِ على الألغام بأصابعَ لم تألفْ سوى الأقلام. ومن هنا، أيضاً يخرجُ كتابُك من حقل التأريخِ السياسي إلى بيدرِ الفكرِ السياسي. أتُراكَ كنتَ فيه مماشياً لسيرةِ الرئيس دياب أم واصفاً لواقعٍ ومُرتَجى؟ سؤالٌ قد يصحُّ فيه أيُّ جوابٍ، وقد يبقى سؤالاً بلا جواب، ذلك أنك حين جعلتَ لكتابك عنواناً ومضموناً مفعَمَيْن بعلاماتِ الاستفهام، ذكّرتَني بجريدةٍ عرضها عليّ مرّةً أحد الأصدقاء هي جريدة “علامة الاستفهام” التي أصدرها الراحلان زهير عسيران ونعيم مغبغب، لمدة وجيزة عام 1943، والتي رافقَت استقلالَ لبنانَ من الانتداب الفرنسي، أي قبل ثمانين سنةً من اليوم. ودفعَني هذا كلُّه إلى التفكُّرِ في أنَّ حياتَنا الوطنيةَ منذ نشوئِها غُصَّتْ بعلاماتِ الاستفهام المزروعةِ حولَنا في كلِّ صوبٍ، والتي عجِزَت أجيالُنا وقادتُها، أو تخاذَلَتْ، عن إيجادِ أجوبةٍ لها. لماذا يا ترى؟ هذه أيضاً علامةُ استفهام/ أكتفي بها/ وهي برسمك/ عساك تتوفّق الى تقديم جوابٍ عليها في مولودٍ جديدٍ يبصر النور قريباً”.
وختم: “وإذ أهنّئك على مؤلّفك الراهن، نُحذّرك باسمي وباسم الحاضرين والغائبين ممن يؤمن بنهجك ومقارباتك وفكرك ويرتوي من منهل بيانك بأننا وعدنا النفس بمزيد، سلم بيانك ودامت همّتك ووفقنا وإياك لما فيه رضاه وخير وطننا وأمتنا”.

بقرادوني

بدوره، قال بقرادوني: “أول ما لفتني في كتاب ناصر قنديل أنه اختار لغلافه خمسة عناوين، هي ثورة ومخاض ومتاهة وحكومة فاشلة وفرصة ضائعة، وقد اخترت منها الفرصة الضائعة عنوان مداخلتي في قراءة مرحلة حكومة الرئيس حسان دياب، وهو بالمناسبة قد يكون رئيس الحكومة الوحيد خلال أربعين سنة الذي لم ألتق به قبل أن يصبح رئيسا للحكومة ولم ألتق به وهو رئيس للحكومة إلا مرة واحدة”.

أضاف: “بالنسبة لمؤلف الكتاب الصديق ناصر قنديل، عرفته منذ حرب لبنان 1975 لتاريخه، وأستطيع أن أختصره بكلمتين، متعب ومخلص، متعب باتصالاته وكتاباته الصعبة، ومخلص لصداقاته وخياراته الثابتة”.


وأشار إلى أنّ “أوّل ما لفته في تجربة الرئيس دياب تجرّؤه على تولي مهمة رئاسة الحكومة في ظروف في غاية الصعوبة، حيث كان الحراك الشعبي غير مسبوق في تاريخ لبنان، وتجرّؤه على قبول المهمة، فيما الرئيس سعد الحريري ومفتي الجمهورية على الضفة المقابلة لقبوله بالمهمة، معارضان لكلّ من يقبل بها”.
واستعرض “الظروف الصعبة التي لاقت حكومة الرئيس دياب تباعاً، بدءاً بجائحة كورونا وانتهاء بانفجار مرفأ بيروت، وبينهما انهيار مالي استثنائي. ومرة أخرى، تحضر شجاعة دياب في المواجهة، وقال ما لم يجرؤ على قوله سواه عن سقوط النموذج الاقتصادي اللبناني وتحميل حاكم مصرف لبنان مسؤولية هذا الانهيار”.
وقال بقرادوني: إنّ دياب لم يكتف بقول الحقائق، بل حاول وضع الحلول والمخارج، وكانت حكومته أوّل من أطلق مصطلح التعافي على خطة مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وهو يقول إن لا بدّ من اللجوء إلى دعم المجتمع الدولي ومؤسساته المالية، وهو ما كرّره بعد استقالة حكومته وخلال تصريفها للأعمال، في لقائه بالسلك الديبلوماسي، داعياً إلى حكومة جديدة تنفتح على فرص نيل دعم المجتمع الدولي”.

أضاف: “أقول اليوم ما قاله الرئيس دياب، وأضيف إن المطلوب انتخاب رئيس للجمهورية يستطيع فتح الطريق لنيل دعم المجتمع الدولي على نطاق واسع”.
وشكر لقنديل على كتابه، متمنياً “أن يقرأ له كتاباً قريباً عن كيفية إنتاج فرصة لا تضيع”.
وتوجه إلى الشعب السوري، بالقول: “كما لم تهزمكم الكوارث الأصعب، فلن تهزمكم هذه الكارثة”.
قنديل

من جهته، استهل قنديل كلمته بتوجيه “الشكر إلى وزير الثقافة والطاقم العامل في الوزارة على استضافتنا في هذا المقر الرائع الذي يستحقّ التحوّل الى مقصد لكلّ المهتمّين بالشؤون الفكرية والثقافية، وأشكر للرئيس دياب كلّ ما قدّمه بتحمّله المسؤولية وتلقي السهام والاتهام، وهو يقدّم واحدة من أنظف تجارب الحكم وأكثرها ريادة وأكثرها ابتعاداً عن الطائفية والزبائنية والمحسوبية، وأكثرها اقتراباً من معايير الحكم الرشيد ومفهوم الإدارة العلمية للأزمات وابتكار الحلول، وإتاحته الوقت والفرصة لولادة هذا الكتاب”.

أضاف: “أنوّه بالعاطفة الصادقة التي أبادلها للوزير المفكر والمثقف الكبير الأستاذ كريم بقرادوني وتلبيته الدعوة لتقديم هذه المناقشة الغنية للكتاب الذي نحتفل بتوقيعه اليوم، وأشكر المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل لمساهمته في تقديم شهادته عن مرحلة ما قبل وخلال تشكيل حكومة الرئيس الدياب، التي قال البعض إنها حكومة حزب الله، ومشاركته الخلاصة التي وصل إليها الكتاب بأنّ هذه الحكومة كانت فرصة ضائعة لأنّ الغالبية النيابية التي كان يلعب فيها حزب الله دوراً محورياً، وهي الغالبية التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل الحكومة فشلت في التصرّف بصفتها أغلبية حاكمة، رغم ما توافر لها من قيمة مضافة بوجود الرئيس دياب ومعاونيه ومستشاريه، وكانت النتيجة أنها بدّدت ما لديها من فائض قوة معنوي وسياسي لأنّ “الجمل كان بنية والجمّال بنية والحمل بنية”، فذهب ريحها”.

وتابع: “أشكر كلّ الأصدقاء الذين لبّوا الدعوة أو اعتذروا عن عدم التلبية، وآمل أن يجدوا في هذا الكتاب بعض الأجوبة على الأسئلة الصعبة التي تطرحها حال لبنان الكيان والوطن والدولة منذ ولادة لبنان الكبير قبل قرن، حيث لا يتناسب عدد وحجم المحاولات الجادة للتقدّم نحو الوحدة الوطنية مع مستوى التفكك الذي ينحدر إليه البلد مرة بعد مرة ومحاولة بعد محاولة، وصولاً الى القعر الطائفي الذي نعيشه اليوم، ولا يتناسب حجم السعي لبناء الدولة مع بلوغنا كلّ مرة مرحلة اللادولة بصورة تزداد خطورة عن التي سبقتها، ولا يتناسب حجم ونوع الجهد الهادف لمكافحة الفساد مع حجم ومدى تفشي الفساد كمرض عضال يفتك بالدولة والمجتمع حتى صار ثقافة، اسمها الشطارة، وصارت النزاهة والآدمية مرضا اسمه الهبل”.

وأردف: “هذا الكتاب دعوة للاعتراف بأنّ لبنان أمام ما هو أكبر من أزمة حكم ودولة، وأنه مأزق كيان ووطن، والاعتراف بأن الطائفية كشكل لتنظيم الحياة السياسية نجحت بالبقاء والتجذر لأنها الأكثر قرباً من حقيقة أنّ الطائفة هي الجماعة السياسية والاجتماعية الأكثر تمثيلاً وقوة وتنظيماً، والاعتراف بأنّ ما نسمّيه بالتدخلات الخارجية، وصولاً إلى حروب الآخرين، ليس إلا الوجه الآخر للانقسام حول الهوية، الذي رافقنا منذ ولادة الكيان اللبناني، والاعتراف بأننا ما زلنا نبني الوطن على نفيين منذ الاستقلال، لا للوحدة مع سورية، مقابل لا للانتداب الفرنسي، تبعهما نفيان آخران في اتفاق الطائف، هما: لا للاحتلال الإسرائيلي مقابل برمجة الانسحاب السوري، ونفيان مماثلان، لا للتقسيم مقابل لا للتوطين، ونفيان ثالثان لبنان وطن نهائي مقابل لبنان عربي الهوية والانتماء، والاعتراف بأنّ غياب الذاكرة الجماعية للطوائف اللبنانية يجعل الهوية مشروعاً متاحاً حول المستقبل لا عن الماضي، والاعتراف بأنّ كلفة التسويات الطائفية التي تحفظ الاستقرار بما لها وعليها، بما في ذلك نظام المحاصصة وبطء عمل آلة الدولة بفعل حق التعطيل الذي يقوم عليه نظام الطوائف، تبقى أقلّ كلفة من محاولات التغيير الفاقدة للنصاب العابر للطوائف، ومخاطر تحوّلها إلى مشروع حرب أهلية، بما في ذلك الشكل الأكثر حضوراً للحرب الأهلية الباردة وهو الفراغ الرئاسي والحكومي”.

وقال: “هذا الكتاب دعوة إلى الإنصاف أنّ ما قدّمته تجربة الرئيس دياب كانت استثنائية لو قيّضت الإرادة السياسية لتحويله إلى خطة عمل للدولة، وإنّ التناقضات والحسابات المنطلقة من التكوين الطائفي الذي يزداد حضوره حدة وتضاداً في أزمان الأزمات أطاحت بما مثله من فرصة لانطلاق مشروع النهوض بلبنان”.
وأشار إلى أنّ “تفكك الغالبية النيابية من حول مشروعه، فتح الباب لتحالف وتناغم الدولة العميقة التي مثل اللوبي المالي نواتها الصلبة، والثورة العميقة التي مثلت جمعيات الـ “أن جي أوز” نواتها الصلبة، للتشارك في إعداد مضبطة اتهام بحق الرئيس دياب وتحويله من صاحب مشروع إنقاذ الى مسؤول عن الانهيار، وربما عن الانفجار أيضاً”.

وأشار قنديل الى انّ “هذا الكتاب دعوة إلى الأمل والعمل، فما مرّ أمام عيوننا من فرصة ضائعة، فولادة الفرص المماثلة ممكنة، إنْ كنا جاهزين لمنع إجهاضها. ويقول إنّ رجال الدولة قامات حاضرة وجاهزة لتحمّل المسؤولية والتضحيات، ويقول إنّ الموج الشعبي العابر للطوائف قابل للولادة، وإنّ الأزمة أولاً وأخيراً هي أزمة قيادة، أزمة تيار عابر للطوائف لا يكلّ ولا يملّ عن زراعة الأمل والعمل، لأنه بمثل ما يجب ردّ الاعتبار لرمزية مفهوم رجال الدولة ورجال السياسة كعاملين في الشأن العام، يجب ردّ الاعتبار لمصطلح ثورة وثوار في ظلّ هذا الانحدار. هذا الكتاب يقول إنّ هذه الفرصة ليست حلماً رومانسياً، فثمة بقعة ضوء وسط هذا الظلام تتمثل بما أنجزته المقاومة التي طوَت صفحة النوع الأشدّ خطراً من التدخلات الخارجية الذي يمثله الوجود العسكري على الأرض اللبنانية كسمة رافقت القرن الماضي، فالأعداء، وفي طليعتهم، كيان الاحتلال، يتهيّبون التفكير بالحروب وإرسال جيوشهم، وقد بات التهديد بالحرب في ضفة المقاومة بعدما كان بيد كيان الاحتلال، والأصدقاء وفي طليعتهم سورية بعدما كانوا يعتبرون ضعف الدولة اللبنانية خطراً على أمنهم الاستراتيجي يستدعي نشر جيوشهم على بعض أرضه، يجدون في المقاومة ضمانة كافية لعدم استخدام لبنان ممراً او مقراً لاستهداف أمنهم القومي”.

أضاف: “أما قضية العلاقات اللبنانية بأكثر من خارج فهي جزء من إشكالية على مساحة مختلفة تطال المقاومة بمثل ما تطال غيرها، لكنها إشكالية اللبنانيين في ما بينهم، وإشكالية خياراتهم الحرة، حتى لمن قرّر التبعية، فهي ليست تبعية ناتجة مما يمليه خارج عليهم بقوة جيوشه وسيطرتها على الجغرافيا، والمقاومة نفسها بما بنته من قوة ردع إقليمية مترفعة عن صرف فائض قوّتها في تغيير المعادلات الطائفية، عصمت لبنان عن مخاطر المضيّ في الحلقة المفرغة للتنقل بين المخاض والمتاهة. كما عصمته عن خطر الحرب الأهلية، وهي بذلك فرصة يجب ألا تضيع لوضع الإشكالية اللبنانية التاريخية حول الطريق إلى الوطن وخارطة الطريق لبناء الدولة”.

وتابع: “لذلك، هذا الكتاب نداء للغالبية النيابية التي كانت محور تشكيل حكومة الرئيس دياب للاعتراف بأنها أضاعت الفرصة، ودعوة لها لتصحيح المسار، بدلاً من المزيد من الفرقة، وصولاً إلى الانتحار. ما زال الباب مفتوحاً للحوار بين مكوناتها لتوحيد الخيارات الرئاسية، التي لا يحرجني القول إنّ الوزير السابق سليمان فرنجية خير من يجسّد رمزية الفرصة لتحالف أوسع مفتوح أمام الآخرين، ودائماً تحت سقف مفهوم التسويات، كمدخل لحكومة جامعة أرشح الرئيس دياب لرئاستها طلباً لمفهوم بناء الدولة. حلمان دفعة واحدة؟ نعم، وما عساها تكون السياسة غير الحلم وزراعة الأمل. لعلّ ما يجري في العالم من تغييرات، وما تحمله فلسطين من وعود، وما يقوله تعافي سورية القريب، ما يحفز المزيد من النخب التي أتعبها السعي للتغيير إلى حدّ اليأس لاستعادة بعض الأمل والعودة إلى العمل. أول الرهان هو أنتم، وأول أنتم، هو الرئيس دياب الذي أدعوه باسمكم إلى إطلاق منصة للعمل الوطني تتسع لهذا الحلم”.

درع الوزارة

وقدم المرتضى إلى قنديل درع الوزارة، وقال: “أيها الأخ العزيز، أيها السيد الموسوي، كما يحلو للدكتور ابراهيم الموسوي أن يخاطبه، أنت رأس حربة بكلّ ما للكلمة من معنى في جبهة الصراع مع الإرهاب الإعلامي، وهذا المصطلح يعود إلى معالي وزير الثقافة الإيراني الدكتور محمد مهدي اسماعيلي، خلصنا إليه في معرض تداولي معه منذ يومين في ما يواجه منطقتنا وشعوبنا من مساع إلى طمس المعرفة وتقويض القيم ونسف الوحدة وشرذمة المجتمعات.
ولأنّ وزارة الثقافة معنية من جملة ما هي معنية، وقبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء، معنية ببث الوعي لما يُحاك ضدنا من مكائد ومؤامرات واستشراف السبل المثلى للمواجهة والصمود والانتصار. ولأنك أبدعت في هذا المضمار قولاً وفعلاً، خطابة وكتابة، وفنا تشكيلياً، فإنّ وزارة الثقافة في الجمهورية اللبنانية يشرّفها ويسعدها أن تقبل منها هذا الدرع”.

توقيع الكتاب

بعد وقع قنديل كتابه، الذي يعود ريعه إلى متضرّري الزلزال في سورية، في قاعة زيّنتها لوحات فنية بريشته.

شكراً عباس إبراهيم… وإلى اللقاء دائماً

الخميس 2 آذار 2023

ناصر قنديل

أما وقد حل الثاني من آذار وغادر المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم مكتبه في المديرية التي تولى المركز الأول فيها اثنتي عشرة سنة، فمن الأفضل أن نفعل مثله ونطوي صفحة الجدل التي رافقت الحديث عن مخارج تتيح بقاءه على رأس عمله، خصوصاً أن كثيرين يحلو لهم اتخاذ القضية مجرد متراس لإطلاق النار على هوى خصوماتهم، وفق قاعدة، لا حباً بزيد بل كره بعمرو، وبخلفية السعي لدق الأسافين في علاقة اللواء إبراهيم بالقوى والقيادات التي أظهر في كلامه حرصاً على تاريخ طويل من رفقة الدرب والخدمة العامة معها، قطعاً للطريق على الاصطياد في مياه عكرة، أو مياه يُراد تعكيرها، لا فرق.

الذين كانوا يتملقون اللواء إبراهيم وهو على رأس عمله سيغيبون عن المشهد، وقد كان معبراً إلزامياً لائقاً بلا كلفة للكثير من المواقع والأدوار، والذين يريدون الاستثمار في إظهار الحب للواء إبراهيم بهدف تحويله الى متراس لإطلاق النار على الجبهة التي يبقى اللواء ابراهيم احد اركانها، مهما تفاوتت الاجتهادات، سيكتشفون عقم رهانهم ومتانة موقع عباس إبراهيم في خياراته، وثبات مكانته عند الفاعلين في صناعة قرارها، ولو أن بعض العتب لا يُفسد في الودّ قضية.

الأكيد أن اللواء إبراهيم لم يحقق ما حقق من المكانة، ولم يقم بما قام من أدوار، ولم ينجز ما أنجز من مهمات، لمجرد كونه المدير العام للأمن العام، والأكيد أن الموقع وفّر للواء إبراهيم صفة ومنصة وأدوات عمل، بما يتسع لحدود هامش كبير من المهام، خاطر وغامر اللواء إبراهيم باقتحامه، وتضيق لحدود تسيير الأعمال الإجرائية المعلومة والمهام الأمنية التقليدية. وقد رفض اللواء إبراهيم أن يرى فرصة الخدمة أمامه ويحجم عنها، أو فرصة المبادرة والتلكؤ في تحديها، أو فرصة حقن دماء والتقاعس عن مد اليد الى النيران الملتهبة خشية احتراقها، وقد تسنى لي أن أرافق مسيرته قبل هذا المنصب وبعد توليه، بما يتيح لي القول بثقة إنه هكذا كان قبل وهكذا بقي بعد، فارس مقدام، ذكاء وقاد، ذاكرة لا تخذل صاحبها، لياقة واحترام وتهذيب ودماثة، وتواضع ونظافة كف ونزاهة لا تقبل المساومة.

هذا كله كان كافياً ليصنع من عباس إبراهيم مديراً ناجحاً في الأمن العام، لكنه لا يفسر الخصوصية التي استطاع إنتاجها، وجوهرها أنه معروف الهوية والهوى لدى القاصي والداني كمدافع شرس عن خيار المقاومة وعن مكانة سورية، لكنه نجح بنيل ثقة واحترام خصومهما في أشد اللحظات حرجاً. وهنا كفاءة استثنائية في العقل الاستخباري الذي تمتع به هذا الجنرال، فهو يستطيع أن يقنع خصم المقاومة وخصوم سورية بأنه يحتاج عباس إبراهيم الصديق للمقاومة وسورية، وإن لم يكن اليوم فغداً، وهو يضع في عقله خريطة طريق ليجعل لبنان على ضفة الربح في حصيلة المعادلة، وعندما تأتي اللحظة التي تظهر فيها عند هؤلاء فرصة التفكير والتحرك، كان يثبت لهم بنزاهة صحة رهانهم، فلا يعِد إلا بما يقدر، ولا يبني الأوهام والأحلام ولا يوحي بامتلاكه كل مفاتيح القضايا، لكنه يبذل كل جهده، وإذا وجد القضية فرصة لبناء الجسور لا يتردّد في منحها كل فرص النجاح، وعندما تتصل بأرواح بشر كان يعتبر النجاح في حمايتها وكشف مصائرها سبباً كافياً للمخاطرة، حتى ولو كان العائد السياسيّ شبه معدوم، لكن هذا بالضبط هو الذي تحوّل إلى رصيد سياسيّ أكبر من أي رصيد آخر، وقد شاهده العالم يتحرّك لإنقاذ رعايا دول لا تنتمي الى عالم الكبار، وقد لا يجمعه الزمان بقادتها مرة ثانية، وبدأت سيرة عباس إبراهيم تسابقه كلما ظهرت ملفات معقدة داخل لبنان وبين لبنان والخارج وبين دول قد لا تربطها بلبنان مشاكل ومصالح، ودول صديقة أو حليفة أو محبة للبنان، او لسورية أو للمقاومة، فيحمل رسالته الى حيث يجب، ويتقن فن عرضها وانتظار الرأي والتحفيز على القرار، ويملك الصبر للانتظار حتى يحين وقت القطاف، ويكتشف لاحقاً أنها صارت رصيداً لدى دول وجهات وصلت اليها الأصداء، فيستطيع تجييره للمساعدة بما يخص لبنان واللبنانيين.

رغم الهوى والهوية نجح عباس إبراهيم بإبعاد كل التسييس عن معاملات المديرية العامة للأمن العام، فكل اللبنانيين سواء كما ينصّ دستور البلاد، كما نجح بإبعاد كأس الفساد المرّة عن معاملاتها، ونجح بأن يكون مصدر اطمئنان الفرقاء اللبنانيين في ذروة اختلافاتهم فيجيء إليه المختلفون طلباً للبحث عن حلول وتسويات، وعندما يفعلونها مرة لا يلبثون أن يعيدوا الكرة، وحافظ وهو يفعل ذلك على تراتبية مؤسسية، فلا شيء من خلف ظهر رؤسائه، ولا شيء من خلف ظهر الجمهورية، فقدم لنا الفرصة للقول إن فكرة الدولة حيّة وقابلة للحياة.

– أمثال عباس إبراهيم لا يتقاعدون ولا يتقاعسون، ولا يقال لهم وداعاً، بل دائماً الى اللقاء، والمهام تطلب الرجال الرجال، وهي ليست مناصب ولا صفات، ومهام كثيرة سوف تجد طريقها لتنادي الجنرال الجاهز دائماً للتحرك.

شكراً عباس إبراهيم، والى اللقاء دائماً.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

قمة العقبة لا تملك زمام المبادرة

 الإثنين 27 شباط 2023

ناصر قنديل

يدرك الأميركيون خطورة انفجار الوضع الفلسطيني، ويعلمون أن هذا الانفجار يأتي بعد اليأس من جدوى خيار التفاوض والرهان على التسويات. وقد أمضى الفلسطينيون سنوات وعقوداً وهم يمنحون الفرصة تلو الأخرى لخيار التفاوض بلا جدوى. فالأرض الفلسطينية في الضفة الغربية تتقلص كل سنة بنسبة بين 5 و10%، والاستيطان ينمو في الضفة الغربية والقدس بصورة سرطانيّة، وعمليات طرد الفلسطينيين خصوصاً في القدس تسير على قدم وساق، لدرجة لم يعد فيها مكان لمشروع دولة فلسطينية عاصمتها القدس واقعياً في الجغرافيا، حتى لو بقي الطرح متداولاً في الحديث السياسي.

يدرك الأميركيون أيضاً أن هذا اليأس الفلسطيني ليس ناجماً عن عامل فلسطيني مقاوم، بل إن نهوض التيار المقاوم فلسطينياً هو نتيجة لهذا اليأس وليس نتيجة له، لأن قضم الجغرافيا الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين يتمان بإرادة إسرائيلية ومشيئة إسرائيلية، بتغطية أميركية. وقد تراجعت مكانة السلطة الفلسطينية تدريجياً في عيون الفلسطينيين، بسبب تنفيذها لما يطلبه منها الأميركيون، بما في ذلك التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، وتسليم المقاومين وكشف خططهم وعملياتهم، ولذلك يدرك الأميركيون أن مشكلتهم في القلق من الانفجار ليست ناتجة عن راديكالية فلسطينية في السلطة ولا حتى خارجها، بل هي نتاج مباشر لطبيعة الحكومات الصهيونية وسياساتها الاستيطانية، وإعلانها دولة يهودية وترجمة هذه الهوية في مفهوم العاصمة الأبدية التي تمثلها القدس بمباركة أميركية، ومعنى تفريغها من العرب.

الذي يعرفه الأميركيون أيضاً هو أن هذا المأزق ينمو ويكبر منذ ثلاثة عقود، وأن تبدل حكومات الكيان لم يغيّر في الاتجاه التصاعدي لهذا المأزق، رغم تناوب تشكيلات سياسية إسرائيلية في اليمين واليسار والوسط، لكنهم يدركون أن ما لم يكن ممكناً مع حكومات إسرائيلية مختلفة التوجهات، هو مستحيل مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، لأنها أقل الحكومات الإسرائيلية استجابة، واستعداداً للاستجابة في كل ما يتصل بتجميد الاستيطان وعدم المساس بهوية القدس العربية، لأن القوة الرئيسية في هذه الحكومة التي يمثلها المستوطنون والمتطرفون دينياً، تحمل برنامجاً صريحاً فازت على أساسه في الانتخابات يقوم على توسيع الاستيطان وفق قواعد جديدة، وتهجير الفلسطينيين من القدس بوتيرة مختلفة.

قمة العقبة التي عقدت بطلب أميركي ومشاركة مصرية أردنية إسرائيلية فلسطينية، أملاً بصناعة تهدئة تمنع خطر الانفجار، لا تملك زمام المبادرة، طالما أنها عاجزة عن ضبط الأداء الاستيطاني للحكومة الإسرائيلية، وعاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية للسكان الفلسطينيين في القدس، وزمام المبادرة الموجود أصلاً لدى الفريق الجديد في الحكومة، موجود أيضاً لدى الفريق الفلسطيني الصاعد الذي يمثله عرين الأسود وكمية جنين، وشباب مثل إبراهيم النابلسي، وعلقم خيري، ولذلك لن يجدي الحديث عن تدريب آلاف الشباب الفلسطيني على أيدي خبراء أميركيين وتمويل نشوء ميليشيا فلسطينية تشارك الإسرائيليين حربهم ضد المقاومة، تحت عنوان منع الانفجار، لأنه عاجلاً أو آجلاً سيتفكك هذا الجهاز الجديد، وتبدأ خلايا المقاومة تتشكل داخله، كما حدث مع أمن السلطة الفلسطينية الذي يتولى التنسيق الأمني مع الإسرائيلي. فهؤلاء الفلسطينيون الذين يطلب إليهم خدمة الاحتلال هم أبناء العائلات التي تنزع أرضها وتنسف بيوتها ويجري إذلالهم على حواجز التفتيش.

مشكلة الأميركيين أنهم يريدون الحفاظ على الاحتلال بأبشع أشكال توحشه، ويريدون فلسطينياً قادراً على تخديم مشروعه واعتبار جهاز الخدمة هذا، سلطة وطنية فلسطينية، والفلسطينيون يطلقون على هذا الجهاز تسمية واحدة هي العمالة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

سنة على حرب أوكرانيا فمن فرض إرادته؟

السبت 25 شباط 2023

التعليق السياسي

عندما يحتفل الغرب بمرور سنة على حرب أوكرانيا تحت عنوان أن أوكرانيا صمدت وأن روسيا تعاني العزلة، وأن السنة الثانية للحرب هي سنة التراجعات الروسية العسكرية والسياسية والاقتصادية، فهل علينا أن نصدّق؟

عندما بدأت روسيا ما وصفته العملية العسكرية الخاصة، وضعت حربها بين سقفين، الأول أن يقابل الأوروبيون الموقف الروسيّ بعقلانية، فلا ينضمّون إلى منطق العقوبات العدائية التي تنادي بها أميركا وتستدرجهم إلى ساحتها لتجعلهم رهائن للسياسات الأميركية في مجال الطاقة، وبالتالي تحولهم الى دول هشة ضعيفة عاجزة عن الاستقلال. وفي هذه الحالة تكتفي روسيا بالسقف الأوكراني للحرب، أي ترتيب مريح لذوي الأصول الروسية في أوكرانيا الجديدة، ضمن صيغة اتحادية لعدة دول مستقلة، يجمعها الحياد. وسقف آخر يرتبط باستجابة أوروبا لنداء العداء لروسيا الذي تقوده واشنطن. وفي هذه الحالة تتحوّل الحرب الى سقف عنوانه إعادة صياغة العلاقات الدولية على المسرح الأوروبيّ بصورة خاصة.

في الحالة الأولى كانت حلقة الهيمنة الأميركية ستضعف في أوروبا وتتحوّل أوروبا الى شريك أمني اقتصادي لروسيا في بناء نظام عالمي متعدّد الأقطاب تحفظ فيه أوروبا مقعدها المستقل، أما في الحالة الثانية فتسقط العناوين الأوكرانية المباشرة للحرب وتحلّ مكانها العناوين الدولية، وتتحول أوكرانيا الى ساحة منازلة مع حلف الناتو، كما هو الحال، وفي حرب استنزاف تتقن روسيا أصولها تزيد أهمية القدرة على تلبية الميدان بالقدرات البشرية والعتاد والسلاح والذخائر على أهمية الجغرافيا، وعندما سلكت الأمور هذا الاتجاه أظهرت روسيا براعة فائقة في تحمّل التخلي المؤقت عن الجغرافيا لتحقيق أهداف حرب الاستنزاف، وأوصلت الناتو إلى استنزاف مخزونات ذخائره، وأوكرانيا إلى استنزاف مقدراتها البشرية، واحتوت بنجاح العقوبات الغربية المالية ونجحت بحماية الروبل من الضغوط المفترضة بذكاء رغم مصادرة مئات مليارات الدولارات من أصولها.

الآن تدخل الحرب مرحلة جديدة لا ينفع فيها التغني الغربي بتصويت الأمم المتحدة على مبدأ الانسحاب الروسي من أوكرانيا، وهو مبدأ يبدو طبيعياً أن تؤيده غالبية دولية، هي ليست متوافرة للعقوبات المفروضة على روسيا وهي الأهم، حيث يتمرد أقرب حلفاء أميركا عليها في الاستجابة لنداء العقوبات، كحال تركيا التي تمسك بمداخل البحر الأسود، والسعودية التي تمسك بعصب سوق الطاقة. والواضح أن المرحلة الجديدة التي يدخلها العالم ليست مرحلة عزلة روسيا، بل مرحلة فقدان اميركا لسطوة قبضتها على أقرب الحلفاء.

في الميدان سيكشف الربيع ومن بعده الصيف حجم التحولات التي تتراكم لصالح روسيا في الجغرافيا، ومحدودية القدرة الغربية على مجاراة الروس في تأمين المزيد من السلاح الفعال وسلاسل توريد الذخائر، ويبدأ الاقتصاد الروسي بدورته الجديدة التي أسست لها إجراءات احتواء العقوبات، والتي يتوقع الخبراء أن تتيح نمواً في ظل الحرب يتجاوز الـ 5% سنوياً.

نجحت روسيا بفتح الطريق لعالم جديد يتشكل.

مقالات متعلقة

ماذا يعني تقديم الصين مبادرة للحل في أوكرانيا؟

 الجمعة 24 شباط 2023

ناصر قنديل

بالتأكيد ليس لدى الصين وهم بأن هناك فرصاً حقيقية لتسوية الصراع الدائر في أوكرانيا بين روسيا وحلف الناتو بالطرق السياسية، وأن الأمر يتوقف على مبادرة للحل السياسي ولو كان وراءها ثقل الصين، ولا أن ما مرّ من الحرب كان كافياً لإنضاج مواقف الطرفين لمنطقة وسط تتيح التوصل إلى تسوية، وبالتأكيد ليست الصين برومانسية التوهّم بأنها طرف محايد في جوهر النزاع الذي يدور من الجانب الروسي تحت شعار إسقاط القطبية الأحادية، وإنهاء مشروع الهيمنة الأميركية على العالم. فالصين تعلم تشخيص الناتو لها كمصدر خطر أول، وتصنيفه لروسيا تحدياً عسكرياً وأمنياً، وأن روسيا تخوض الحرب بالنيابة عن كل الدول المستقلة التي تسعى لتقليص مدى التسلّط الغربي على السياسة الدولية، والصين في طليعة هؤلاء، فماذا تريد الصين من مبادرتها والترويج الواسع تمهيداً لإطلاقها.

خلال الشهور الماضية ظهرت حقائق واضحة في مسار الحرب، أهمها أن التنافس العسكري بين روسيا وحلف الناتو يدور حول سلاحين رئيسيين حاسمين في الحرب، هما الطائرات المسيّرة، والصواريخ البالستية الدقيقة، وأن روسيا في هذين المجالين تملك تفوقاً حاسماً على ثلاثة مستويات، الأول هو امتلاك فائض من المخزون في هذين السلاحين، رغم كل الدعاية الغربية عن شح لدى روسيا دفعها للاستعانة بإيران والصين وكوريا الشمالية، والثاني هو امتلاك روسيا لخطوط إنتاج وتوريد وإمداد سلسة من المصانع إلى خطوط القتال مقابل اعتراف الغرب بمشاكل عديدة تعترض طريق قدرته على سد الفجوات التي تطرحها الفوارق بين قدرات الإنتاج وحاجات الميدان، ومشاكل النقل والإمداد على خطوط طويلة مهدّدة بالاستهداف، ما استدعى البحث عن بدائل من نوع الاستعاضة عن السلاحين الصاروخي والمدفعي بمدافع الدبابات، والثالث هو الارتياح الروسيّ لما لديه على مستوى الكادر البشريّ القادر على تشغيل المعدات التقنية الدقيقة التي ترتبط بها هذه الأسلحة وخصوصاً الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، وقدرته على مزاوجة التدريب القريب من الجبهة والزجّ بالمقدرات الجديدة إلى خطوط العمل الميداني، بينما عمليات التدريب التي يجريها حلف الناتو لحساب أوكرانيا على الأسلحة الجديدة تستهلك وقتاً طويلاً وتجري بعيداً عن الجبهة وفي ظروف متفاوتة بين البلدان التي تستضيف هذه التدريبات.

تدرك الصين أنّها تتعرّض مع إيران لحملة مركزة من الغرب تحت عنوان اتهامهما بتقديم الدعم العسكري لروسيا، وذلك لجعل ملف دعم روسيا من ملفات التفاوض على قضايا خلافية أخرى مع كل من الصين وإيران، والملفات الخلافيّة واضحة وجدية وموضوعة على الطاولة، وعبر الترغيب والترهيب تريد واشنطن انتزاع توقيع بكين وطهران على وثيقة تنص على الامتناع عن تقديم أي دعم لروسيا في الحرب، يعني مجرد توقيعها من بكين وطهران إذلالاً لهما وتثبيتاً للهيمنة الأميركية، ولذلك رد الصينيون على الاتهامات الأميركية بالقول إن أميركا التي توجه الاتهامات للصين بدعم روسيا عسكرياً، وهي اتهامات باطلة، هي أميركا نفسها، أكبر مورد للسلاح إلى حرب اوكرانيا، وهي بالتالي فاقدة للأهلية الأخلاقية لتقييم شكل تعامل الصين مع الحرب، وتبنيها لموقف يدعو لوقف الحرب واعتماد الحل السياسي لقضايا النزاع.

طوّر الصينيون ردهم الى مستوى تحويل مضمونه الى مبادرة تؤكد موقفهم وموقعهم من الحرب، لجهة الدعوة لحل سياسي يقوم على إيجاد إطار دولي للبت بقضايا النزاع الحدودي بين أوكرانيا وروسيا من جهة، ويقدم الضمانات التي تطمئن روسيا في أمنها القومي والاستراتيجي من جهة موازية، لكنها مبادرة تبدأ بالدعوة لتخفيض مستوى النزاع، من خلال التزام الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي لا تشكل طرفاً مباشراً في الحرب الى الامتناع عن تقديم أي مبيعات سلاح أو هبات عسكرية إلى أي من طرفي النزاع الروسي والأوكراني. وهذا يعني وضع التزام الصين القائم فعلاً مقابل التزام مطلوب من كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا، وهو ما تعلم الصين أنه لن يحصل، ما يعني انتقال زمام المبادرة السياسي في توجيه الاتهام بالتورّط في الحرب الى ضفة الصين بحق أميركا وفرنسا وبريطانيا، وامتلاك الصين الحق بفعل المثل طالما أن مبادرتها قد رفضت.

مقالات متعلقة

هل أخطأت «إسرائيل» حسابات الغارة على دمشق؟

 الإثنين 20 شباط 2023

ناصر قنديل

لا مكان للتزامن بالصدفة بين الأحداث الكبرى في ساحة شديدة الحساسية كحال سورية، ولا مكان لتزامن الصدفة عندما يكون اللاعبون المعنيون هم أميركا و”“إسرائيل”” وداعش، فما جرى بعد كارثة الزلزال الذي ضرب سورية وأصابها بكارثة إنسانيّة، هو تراجع أميركي إلزامي تحت ضغط موج التعاطف الإنساني الكبير معها، وصعوبة المضي بنظام العقوبات والحصار دون تحمل مسؤولية سقوط الضحايا. وبالتوازي وبسرعة كان لا بد من تعويض هذا التراجع ببديل من حواضر البيت الأميركي، فتمّ استدعاء تنظيم داعش من فرق الاحتياط، واستنهاض الدور الإسرائيلي من الإحباط، وقام كل من الطرفين بارتكاب مجزرة بحق المدنيين. ومن الواضح أن المجزرتين تحملان رسالة وجع واحدة تحاول التعويض عن وجع الحصار والعقوبات.

تدرك واشنطن أن لا شيء مضموناً ولا شيء موثوقاً في الحسابات، وهي تراقب العمليات التي تستهدف قواتها في القرية الخضراء قرب حقول العمر النفطية، وارتفاع المناداة بالانسحاب الأميركي والإفراج عن الثروة النفطية السورية المنهوبة، التي يتقاسم عائداتها الضباط الأميركيون مع عصابة من المتعاونين في بيعها عبر تركيا مرورا بالكانتون الكردي في سورية ومنطقة كردستان في العراق وصولاً الى الساحل التركي، لكن واشنطن المأزومة في حرب أوكرانيا، والمرتبكة في المواجهة مع الصين، تخشى أن يؤدي تراجعها في المنطقة الى تفكك تحالفاتها، وقد بدأت تقرأ مواقف متمايزة عن سياساتها إلى حد الافتراق لدى كل من تركيا والسعودية وبنسبة معينة مصر، وتظهير الحضور بالقوة مخاطرة لا ترغب خوضها بقواتها، فتسند المهمة إلى “إسرائيل” التي لها أسبابها أيضاً للقيام بهذا الدور، لكن هل أخطأت “إسرائيل” الحساب بقبول المهمة هذه المرة؟

عشية الغارة الإسرائيلية كانت سفينة إسرائيلية تُصاب في الخليج، وكانت القواعد الأميركية حقول العمر في شرق سورية تستهدف بالصواريخ، وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يضع معادلات ردع جديدة وقواعد اشتباك جديدة، محورها أن المقاومة الجاهزة لحرب مع كيان الاحتلال لا تعتبر اتفاق الترسيم البحري، الذي نال لبنان عبره مطالبه النفطية، كافياً كمعادل استراتيجي لوضع فائض قوة المقاومة على الطاولة، ولا يعتبر “إسرائيل” نداً للمقاومة على هذه الطاولة، فيوجه تحذيره للأميركي بعدم العبث بفرضية دفع لبنان إلى الجوع والفوضى وإلا فالحرب على “إسرائيل”، وفق معادلة “يدكم التي توجعكم مقابل يدنا التي توجعنا”. وفي مناخ الانقسام الداخلي الإسرائيلي من جهة وتصاعد الموقف الفلسطيني المقاوم بوجه التطرف الإسرائيلي من جهة مقابلة، هل تملك “إسرائيل” فرصة عزل اعتداءاتها على سورية عن ميزان القوى الإقليمي المختل لصالح قوى المقاومة؟ وهل لا زالت تملك فرصة عزل اعتداءاتها على سورية عن الموقف الروسي المتعاظم الغضب من حجم انكشاف الدور الإسرائيلي في أوكرانيا، في ظل وضع دولي تتراجع فيه أميركا وتضعف فرص الحديث عن حياد “إسرائيلي في حرب أوكرانيا؟ وهل تملك “إسرائيل” ان تشكل فائض قوة أميركي في أوكرانيا دون أن تفقد هوامش الموقف الروسي في سورية؟

الأكيد أن الإيقاع الفلسطيني المتعاظم يضع المنطقة على أبواب مرحلة جديدة، والأكيد أن موقف السيد نصرالله يعبّر عن انتقال نوعيّ للمقاومة من معادلة الردع بالامتناع عن الحرب إلى التهديد بخوض الحرب، والأكيد أن الزلزال الذي أصاب سورية أضعف شوكة دعاة حصارها السياسيّ، والأكيد أن روسيا تفقد ثقتها بحياد “إسرائيل” في حرب أوكرانيا، والأكيد أن الغارات الإسرائيلية على سورية تسير عكس اتجاه كل ذلك، وأن الصدام بين الاتجاهين واقع لا محالة، فهل أخطأت “إسرائيل” الحساب؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

كانتون إدلب … وكانتون القامشلي… كفى!

 الثلاثاء 14 شباط 2023

ناصر قنديل

ــ في المشهد الإجمالي للمنطقة سؤال كبير يطرح اليوم، بعد كارثة الزلزال، ما هي الفائدة التي يمكن أن تجنيها تركيا من بقاء قواتها في سورية، وتركيا تكتشف مع الزلزال حاجتها لحشد إمكاناتها لسنوات قادمة على عملية إزالة آثار الزلزال، وحاجتها لفعل ذلك إلى أفضل العلاقات مع دول الجوار، وها هي تسعى لتطبيع العلاقات مع اليونان كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بينما كان أردوغان قد دعا الى هذا التطبيع مع سورية في مرحلة سابقة على الزلزال، بنية التخفف من أعباء العبث الذي بدّد الكثير من قدرات تركيا ومكانتها، وجلب الخراب والإرهاب الى سورية، فكيف بعد الزلزال؟ ومعلوم أن أي علاقة طبيعية بين تركيا وسورية مشروطة بانسحاب تركيا من الأراضي السورية.

ــ ليس من متابع للملف التركي السوري إلا ويعلم أن ما بدأ مع اكتمال عقد الرباعية الروسية التركية الإيرانية السورية كان مقرراً له قبل الزلزال أن يترجم بعقد لقاء أمني عسكري رباعي لمناقشة آليات معالجة الوضع الشاذ في شمال غرب سورية، بعدما تمت مناقشة الوضع المشابه في شمال شرق سورية. وهذا يعني أن الانشغال بكارثة الزلزال وما فرضه ايقاع الأيام الأولى لن يدوم طويلا قبل أن يصبح المضي قدماً بهذه الخطوة حاجة ملحة في ضوء التداعيات التي ترتبت على الزلزال. وهذا يعني وضع مستقبل كانتون شمال شرق سورية وكانتون شمال غرب سورية على طاولة البحث، لارتباطهما عضوياً بقرار الانسحاب التركي من سورية، حيث تسعى تركيا لربط هذا الانسحاب بإنجاز أمني تقول بموجبه لشعبها إنها أنهت تحدي الكانتون الكردي، وتربط سورية تعاونها في إنجاز هذه المهمة سياسياً وأمنياً بالتزام تركي بالتعاون في إنهاء الكانتون شمال غرب سورية، وتقف موسكو وطهران في هذا الشأن مع دمشق.

ــ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو ما هي خطة القيادات السياسية السورية التي تحمل ألقاباً فخمة في مواقع قيادة ثورة مزعومة، وما هو موقع تمسكهم بالكانتون في شمال غرب سورية في رؤيتهم المستقبلية لسورية، وهل هم يملكون أصلا هذه الرؤية، وقد بات أكيداً أن الحديث عن عمل عسكري يتيح التوسع والتمدد في مناطق سورية تحت سيطرة الدولة، لم يعد قابلا للنقاش حتى على سبيل الهلوسة، وهل يجرؤون على إعلان نيتهم اقامة دولة مستقلة في المنطقة الخاضعة لسيطرتهم، وهل هم يسيطرون عليها فعلاً، أم أن السيطرة هي لتشكيلة تضم عصابات مسلحة متعددة الانتماءات، تمسك بالمنطقة التي تربط الطريق الدولي بين أوروبا والخليج مرورا بتركيا وسورية، لفرض الخوة المالية على العبور، ويسرقون المعونات الإنسانية ويبيعونها للسكان، الذين يعيش أغلبهم من التمويل السياسي الآتي من بعض دول الخليج، وبعض الجمعيات التي تشجع على التطرف في دول أخرى من الخليج، بالإضافة لما تبقى من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، لكنهم يعلمون أنه دون العباءة التركية لا مستقبل لهذا الكانتون. فهل فكروا بالإجابة عن سؤال كيف سوف يتعاملون مع الانسحاب التركي عندما تدق ساعته، وقد باتت قريبة؟

ــ في شمال شرق سورية صورة مشابهة، فلا أفق عسكري يمكن أن يراهن عليه قادة تنظيم قسد لتوسيع دويلتهم، والقول إنهم جزء من حركة سورية تسعى للسيطرة على كامل الجغرافيا، ولا هم قادرون على إعلان دويلتهم في هذه المنطقة وإعلان الانفصال عن سورية، ولا هم قادرون على توظيف هذه السيطرة لتفاوض يتجاوز سقف الدولة السورية الواحدة نحو صيغ من الفدرالية. فماذا سيقولون لمن يسألهم عن استراتيجيتهم، إذا ما تم الاتفاق بين الدولتين السورية والتركية بشراكة روسية إيرانية على إنهاء الكانتون، والجواب هو أنهم لا يملكون قرارهم، فهم مجرد تتمة شكلية لبقاء الاحتلال الأميركي يزولون متى زال، وحتى ذلك الحين يتعيشون على فتات الاحتلال بمشاركته بسرقة النفط والقمح، وهذا يجعلهم كنظرائهم الذين يسيطرون على شمال غرب سورية، نماذج لا أخلاقية ساقطة للعمل السياسي. ولعل ما تحمله وقائع الأبنية التي تهدمت مع الزلزال، داخل تركيا وداخل سورية، أنها جميعاً بنيت خلال سنوات الحرب، سواء في مناطق شمال غرب سورية، أو في شرق حلب خلال سيطرة الجماعات المسلحة عليها، أو في المناطق التركية للمتاجرة وبيع بعضها للسوريين، والحصيلة كانت كارثة سببها لا أخلاقية معايير البناء.

ــ مع السقوط الوطني والأخلاقي لهذه الجماعات، آن الأوان للقول كفى للكانتون في إدلب والكانتون في القامشلي، فمواجهة الكوارث وتداعياتها تحتاج دولاً حقيقية، والعصابة لا تتحول إلى دولة.

مقالات متعلقة

6 شباط وتفاهم حزب الله والتيار الوطني الحر

 الإثنين 6 شباط 2023

ناصر قنديل

مع إطفاء الشمعة السابعة عشرة على ولادة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، ثمّة من يريد ويرغب من خصوم الفريقين، وبعض جمهورهما، في إطفاء شمعة التفاهم نفسه. وإذا كان موقف الخصوم مفهوماً لأنه رافق ولادة التفاهم، فإن السؤال هو للذين يرغبون من موقع مزاعم الحرص على من يمثلون من الفريقين، هل أن ما يفعلونه بالتفاهم، أو ما يقولونه بحق الشريك في التفاهم، يعبر عن حرص على الفريق الذي يمثلون، وعبره على مستقبل لبنان واللبنانيين، أم أنه تعبير عن مكنون عميق لديهم معادٍ للتفاهم قمعته إنجازات التفاهم، وجاء التأزم في العلاقة ليعطيهم مناسبة إخراجه للعلن، والبناء عليه للدعوة للتفلت من التفاهم، وباتجاه ماذا؟

بالعودة الى ظروف ولادة التفاهم علينا أن نتذكر أن التفاهم ولد في شباط 2006، عندما كان حزب الله شريكاً الى جانب حليفه في الثنائي، حركة أمل، في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وكان التيار الوطني الحر خارج الحكومة، وكان المناخ السائد في البلد تحت تأثير تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري يدور حول التحقيق الدولي، وصولاً لطرح المحكمة الدولية. وفي هذا المناخ وتحت تأثيره خرج وزراء حزب الله وحركة أمل من الحكومة، عندما قرر الرئيس السنيورة التفرّد في بت شكل وإطار المحكمة، ولم يعودا إلا بعد اتفاق الدوحة ووقد أدخلا معهما التيار الوطني الحر، ليخرجوا معاً، وزراء حزب الله وأمل والتيار والمردة وسائر الحلفاء، تحت العنوان ذاته المرتبط بالمحكمة الدولية عام 2011 عندما كان الرئيس سعد الحريري في واشنطن. وهذا فقط للتذكير بأن علاقة تحالف الحزب مع أمل سبقت ورافقت تفاهمه مع التيار، ولم تكن مطروحة على الطاولة في مواجهة التفاهم، إلا في النصف الثاني من عهد الرئيس ميشال عون، بعد سقوط تفاهم التيار الوطني الحر مع تيار المستقبل، عندما بدأ التيار يعتبر تحالف الحزب مع أمل عبئاً على مفهومه للتفاهم في عنوان الإصلاح وبناء الدولة على خلفية تداعيات عدم مشاركة أمل ورئيسها، رئيس المجلس النيابي نبيه بري في التصويت لانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، بعدما انضم الى حزب الله في انتخابه تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، بينما كل الذي جرى قبل ذلك يقول إن حزب الله استثمر تحالفه مع أمل لترجمة مضمون التزاماته في التفاهم، وسعيه لتمكين التيار من نيل ما يعتبره حقه السياسي والشعبي، في تعديل قوانين الانتخابات والمشاركة في الحكومات.

بالعودة إلى نص التفاهم، سنقع على عشرة بنود، أولها الحوار الوطني، وثانيها الديمقراطية التوافقية، وجوهر الفقرتين مكرّس للتأكيد على التمسك بتغليب التوافق العابر للطوائف على الديمقراطية العددية عندما يتصل الأمر بالبتّ في القضايا الوطنية، وربط شرعية أي ممارسة سياسية ومشروعيتها بدرجة نجاحها في تأمين نصاب وطني عابر للطوائف، ومن موقع هاتين الفقرتين كمدخل للتفاهم، أهميتهما في البنيان السياسي للتفاهم، وطريقة النظر لسائر بنوده، التي تبقى محكومة بهذا الشرط الميثاقي، سواء في مقاربة قضايا بناء الدولة أو الإصلاح السياسي والأمني، حيث سقف الخطوات ترسمه درجة ميثاقيتها، وليس فقط مضمونها الإصلاحي، أي بناء أغلبية عابرة للطوائف قادرة على توفير الحماية التوافقية لها. وهذا قيد على مطالبات التيار للحزب بحجم ما يمكن فعله تحت هذا العنوان، وهو ما احترمه التيار في مرحلة التفاهم مع الرئيس الحريري، وبالتوازي التزام من الحزب بتصحيح المسار الحكومي لصالح تمثيل التيار الذي كان إصرار خصومه على إبقائه خارج الحكومة مناقضاً للديمقراطية التوافقية، وقد أوفى الحزب بالتزامه مستثمراً على تضامن حليفه في الثنائي حركة أمل لتحقيق هذا الالتزام خلال عشر سنوات فصلت بين توقيع التفاهم ووصول العماد ميشال عون الى الرئاسة.

في البند الثالث حول قانون الانتخاب، والبند السادس حول اللبنانيين في كيان الاحتلال، والبند الثامن حول العلاقات اللبنانية السورية والبند التاسع حول العلاقات اللبنانية الفلسطينية، أوفى حزب الله بالتزامه في هذه البنود، فرمى بثقله لإنتاج قانون الانتخاب لمرتين وفقاً لمقتضيات مفهوم للتمثيل يلبي ضوابط ومعايير التيار الوطني الحر مسيحياً، وفقاً لمفهوم الديمقراطية التوافقية، وضبط مواقفه من قضية اللبنانيين الذين التحقوا بكيان الاحتلال بما يستجيب لمناخ جمهور التيار ومصالحه أكثر مما يستجيب لمناخ جمهور الحزب ومخاوفه، وكذلك في العلاقات اللبنانية السورية جاء التمثيل الدبلوماسي لسورية في لبنان بنسبة كبيرة منه استجابة للعلاقة الاستراتيجية لسورية بالمقاومة، بمثابة هدية للتيار الوطني الحر وإنجاز لصالح منطقه على حساب النظرة التاريخية لسورية والتيار القومي عموماً للعلاقة بين البلدين وسبل إدارتها، وبالتوازي في العلاقات اللبنانية الفلسطينية تم إنهاء ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بتأثير مكانة المقاومة لدى القيادات الفلسطينية والشعب الفلسطيني، بينما لم ينجح التيار رغم وصول العماد ميشال عون الى الرئاسة بإطلاق ورشة تصحيح العلاقات اللبنانية السورية وتعزيزها، ولا بتطبيق ما يطال تحسين الظروف الاجتماعية للفلسطينيين في لبنان وفقاً لنص التفاهم، وتفهم حزب الله هذا العجز والظروف التي حالت دون الإنجاز، وصلتها بمفهوم الديمقراطية التوافقية.

مقابل ارتباط إنجاز أي تقدم في ملفي “المسألة الأمنية” و”المفقودون في الحرب”، اللذين خصص لهما التفاهم الفقرتين الخامسة والسابعة، بسقف الديمقراطية التوافقية وما يتجاوز قدرات الفريقين وحلفائهما، وهم غالباً حلفاء الحزب، أوفى التيار في حرب تموز 2006 بصورة باهرة بما تضمنته الفقرة العاشرة والأخيرة من التفاهم، التي تحمل عنوان حماية لبنان وصيانة سيادته، وتحمل التيار الكلفة الناجمة عن هذا الالتزام، وصولاً للعقوبات التي فرضها الأميركيون على رئيسه، وحقق التيار والحزب نجاحاً تاريخياً في ملف ترسيم الحدود البحرية، بقوة المقاومة ورعاية الدولة في ظل عهد الرئيس ميشال عون، بصورة تحقق مضمون هذه الفقرة.

المراجعة الدقيقة للتفاهم، تفيد بأنه حقق أكثر مما وعد به، خصوصاً لجهة التزامات حزب الله، وأن كل ما يخص الحديث عن الفشل في تنفيذ ما نص عليه التفاهم لجهة بناء الدولة والإصلاح ومكافحة الفساد، هو تعبير عن فهم خاص بالتيار يراه الحزب كسراً لمفهوم الديمقراطية التوافقية، التي راعاها التيار والتزم بموجباتها في مرحلة تعاونه الرئاسي مع الرئيس سعد الحريري، ولم يضع الحزب موقف التيار في خانة المحاصصة الطائفية، بل الحرص على الديمقراطية التوافقية، بخلاف ما يقوله التيار عن علاقة الحزب بحركة أمل من اتهامات بأولوية طائفية، متجاهلاً أن العلاقة بين الحزب وأمل كانت الركيزة التي تمكّن عبرها الحزب من تشكيل ميزان قوى ضامن لتحقيق الإنجازات التي تميل كفتها لصالح التيار، من تاريخ دخوله إلى الحكومات إلى إقرار قوانين انتخاب تلبي تطلعاته، وعندما كان الوفاء بالالتزام بالتفاهم يتناقض مع التحالف مع حركة أمل، لكنه يحظى بشرط الديمقراطية التوافقية، كما في حالة انتخاب العماد عون لم يعانِ الحزب في التوصل الى التفاهم مع أمل على إدارة الخلاف، بما يتيح له التصويت للعماد عون بصورة مخالفة لما فعلته حركة أمل، بينما هو يعجز عن الحصول على تفهّم التيار لموقف مماثل في إدارة الخلاف والتصويت المختلف تحت سقف التحالف.

ما يحتاجه التيار والحزب في هذه المرحلة، هو الإقرار بحجم الإنجاز الذي حققه التفاهم من جهة، وعدم بخس التفاهم حقه قياساً بأغلب الأوراق السياسية التي خرجت بها أطراف لبنانية وبقيت حبراً على ورق، ومن جهة موازية إعادة صياغة الحدود الفاصلة بين إدارة معارك بناء الدولة والديمقراطية التوافقية، ورسم ضوابط إدارة الخلاف بين الحليفين في قلب هذه المعارك، وصولاً إلى تقديم جواب حول كيفية تطبيق معايير الديمقراطية التوافقية على الانتخابات الرئاسية، سواء لجهة الجانب المسيحي منها ومعيار التمثيل، أو لجهة الجانب الإسلامي منها ومعيار التوافق، أو لجهة درجة تطبيق نصوص التفاهم على مواصفات الرئيس المطلوب من الطرفين.

للتذكير مقولة أكررها وأتمسك بها، “ليست السياسة ادارة حلف تكتيكي بين حليفين استراتيجيين ولا إدارة خلاف تكتيكي بين خصمين استراتيجيين، انما السياسة هي فن وعلم إدارة خلاف تكتيكي بين حليفين استراتيجيين، وعلم وفن إدارة حلف تكتيكي بين خصمين استراتيجيين”، والديمقراطية التوافقية تمنح لهذا المفهوم للسياسة قيمة مضافة، بل ان بديهيات السياسة تميز بقوة بين برامج الأحزاب والتيارات، وجدول أعمال كتلها النيابية القائمة أصلاً على نسج التحالفات وطرح السؤال الدائم عن كيفية تكوين الأغلبية اللازمة لأي بند من بنود برنامجها، وترك المبدئي منها لخطاب الحزب أو التيار وخطابه الإعلامي وتعبئته الاستراتيجية، دون تحويله الى بند حاضر إجرائياً إلا بقدر امتلاك خريطة طريق لتكوين أغلبية حوله، فهل يقوم الحزب والتيار بمساءلة نفسيهما عن العلامة التي ينالها كل منهما على أدائه تجاه التفاهم من هذا المنظار لمفهوم السياسة، وهل يسأل الذين ينكلون بالحليف بداعي الحرص على الطرف الذي يمثلون، عن المكان الذي يأخذون جمهورهم إليه، وهل لدى الذين يتحدثون عن فك التفاهم من جمهور الطرفين بديل أفضل لمن يدعون تمثيله، وهل ينتبهون أنهم يعيدون التيار مسيحياً ويجعلون الحزب شيعياً، ويخلعون عن كل منهما نسبة كبيرة من وطنيته؟

ليس من الإجحاف بحق الوطن القول إنه إذا كان تسريع الاستحقاق الرئاسي يستدعي إلحاق الأذى بالتفاهم، وإذا كانت حماية التفاهم تستدعي منح المزيد من الوقت لجدول الأعمال الرئاسي، فإن الاستحقاق يستطيع أن ينتظر التفاهم، والتفاهم لا يستحق الإعدام كرمى لعيون الرئاسة، لأن التكتيكي يجب أن يخضع لحساب الاستراتيجي، والرئاسة محطة تكتيكية والتفاهم بناء استراتيجي، ولأننا ممن يؤيدون ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية، نقول إننا نريد لرئاسته أن تكون مدخلا نحو مرحلة نوعية جديدة وطنياً وهي لن تكون كذلك إذا سقط التفاهم شهيداً على الطريق اليها، واذا كان مفهوم التيار للإصلاح يعني فك التفاهم، فأي إصلاح هو الذي يُختزل باللامركزية، التي لم ترد أي اشارة إليها في فقرة من 276 كلمة حول بناء الدولة في نص التفاهم، واللامركزية بدون التفاهم ليست إلا ترجمة لنظرية “ما بيشبهونا”، و”لكم لبنانكم ولنا لبناننا” بالمفهوم الطائفي التقسيمي الضيق. فهل هذا هو التيار الوطني الحر ومشروعه الإصلاحي، أم أن هذا هو الكمين القواتي الكتائبي التاريخي للتيار؟

قليل من الماء البارد على بعض الرؤوس الحامية.

فيديوات متعلقة

أخبار متعلقة

Lebanon’s State Prosecutor Charges Beirut Blast Investigator with Rebelling against Judiciary, Releases All Detainees

January 25, 2023

The Lebanese State Prosecutor Ghassan Oweidat issued on Wednesday a decision according to which all detainees in the Beirut Port case are released with a travel ban.

Lebanese State Prosecutor Ghassan Oweidat

Oweidat also charged the investigator into the case Tarek Al-Bitar with rebelling against the judiciary, summoning him for questioning on Thursday morning and preventing him from travel.

The State Prosecutor stressed that his decisions are aimed at frustrating sedition, which caused rifts in the judicial system.

Al-Bitar had issued arrest warrants against officials as well as military figures on an illogical basis, pushing the defendants and observers to cast doubts on his probe.

On August 4, 2020, a massive blast rocked Beirut Port blast, killing around 196 citizens and injuring over 6000 of others. The explosion also caused much destruction in the capital and its suburbs.

Photo shows damage at Beirut Port following the huge blasts which took place there (Tuesday, August 4, 2020).

Bitar this week resumed work on the investigation after a 13-month hiatus, charging several high-level officials, including Oweidat over the blast.

The measures of releasing the port blast detainees have started at the prison of the Justice Palace in Beirut, according to Al-Manar TV.

Media reports mentioned that the former Customs General Director Badri Daher was released.

For his partAl-Bitar was reported as saying that he would not step down from the probe, rejecting Oweidat charges.

“I am still the investigative judge, and I will not step down from this case,” Bitar said, adding that Oweidat “has no authority to charge me”.

Judge Tarek Bitar

Member of Loyalty to Resistance bloc, MP Ibrahim Al Moussawi, comments on the latest judicial developments by stressing that Judge Oweidat’s decisions are a step in the right path to restore confidence in judges and judiciary after it was destroyed by some of the judicial family members.

Member of Hezbollah’s Loyalty to Resistance parliamentary bloc Ibrahim Al-Mousawi

Source: Al-Manar English Website

Related Videos

Special Coverage | The latest developments in Lebanon
 تفجير مرفأ بيروت إلى الواجهة.. أي دلالات؟

Related News

باربرا ليف والساعة صفر… قضائياً ومالياً: «يجب أن تسوء الأوضاع أكثر ليتحرّك الشارع»

 الأربعاء 25 كانون الثاني 2023

ناصر قنديل

قبل شهرين تماماً تحدّثت معاونة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف أمام مركز ويلسون للأبحاث عن لبنان، ولعله من المفيد جداً استذكار أبرز ما قالته في هذا الحديث المخصص لاحتمال الفراغ الرئاسي، حيث معادلتان تحكمان قراءة ليف، الأولى تقول «إن انهيار لبنان سيمكّن بطريقة ما إعادة بنائه من تحت الرماد، متحرّراً من اللعنة التي يمثّلها حزب الله»، والثانية تقول «يجب أن تسوء الأمور أكثر، قبل أن يصبح هناك ضغط شعبي يشعر به النواب». وتشرح ليف نظريتها بدون تحفظ فتقول، «أرى سيناريوهات عدة، التفكك هو الأسوأ بينها… قد تفقد قوى الأمن والجيش السيطرة وتكون هناك هجرة جماعية. هناك العديد من السيناريوهات الكارثية. وفي الوقت نفسه أتخيل أن البرلمانيين أنفسهم سوف يحزمون حقائبهم ويسافرون إلى أوروبا، حيث ممتلكاتهم»، متوقعة «فراغاً طويلاً في رئاسة الجمهورية» قبل أن يؤدي التحرّك الذي تنتظره في الشارع عندما تسوء الأمور أكثر الى النتائج المرجوة بدولة تتخلص من حزب الله، الذي يقلق «جيران لبنان».

نستعيد كلام ليف اليوم لأننا ندخل الساعة صفر لبدء تنفيذ الخطة التي رسمتها ليف وأسمتها بالسيناريو، فثمة محرّكان كبيران يدفعان لبنان نحو الأسوأ الذي بشرت به ليف: محرك مالي يقوده مصرف لبنان وتواكبه العقوبات الأميركية الهادفة لتسريع الانهيار، وعنوانه تحرير سعر صرف الدولار من أي ضوابط حتى تخرج الناس الى الشارع، ومحرك قضائي يقوده المحقق العدلي طارق بيطار وتواكبه التصريحات الأميركية الداعمة على أكثر من صعيد، ويشجعه تدخل فرنسي واضح، وصولاً لتفجير مواجهات في الشارع مع القوى الأمنية دعماً للقاضي بيطار، وتفكك الدولة الذي تحدثت عنه ليف واضح أمام أعيننا، تضارب المواقف القضائية وانحلال المؤسسة القضائية، ودفع باتجاه «فقدان الجيش والأجهزة الأمنية للسيطرة»، وشارع يبدأ بالتحرّك، سواء بخلفيات عفوية أو مبرمجة، فالقضايا المطروحة كافية لمنحه المشروعيّة.

السياق الذي يفتحه مسار باربرا ليف هو ما وصفته بأن يسوء الوضع أكثر وأن تتفكك الدولة، يقوم على نظرية التصفير، أي الذهاب الى القعر، حيث قالت إن الارتطام سيكون قاسياً، لكنها متفائلة وفق نظرية ان انهيار لبنان سيكون أفضل لإعادة بنائه من تحت الرماد، محددة معياراً واحداً لإعادة البناء هو التخلص من حزب الله. وهذا ما تعرف ليف ومن ورائها كل إدارتها أنه فوق طاقتهم وأنه لن يتحقق. فالمطلوب إذن هو حرق لبنان كي يتم التفاوض على ما يتمّ بناؤه من تحت الرماد مع حزب الله ولو بصورة غير مباشرة، أو التلويح بحافة الهاوية في الانهيار وصولاً للاحتراق الكامل، طلباً للتفاوض، فهل يقبل اللبنانيون الذين يخاصمون حزب الله ذلك؟ وهل يرتضون أن يكونوا مجرد وقود تستخدمه واشنطن لتحسين وضعها التفاوضي بوجه حزب الله، وهم يعلمون الاعترافات الأميركية بأن حزب الله يمتلك قدرة التحمّل التي ربما لا تمتلكها البيئات السياسية والشعبية لخصومه، لا مادياً ولا معنوياً؟

ثمّة خريطة طريق واحدة لمنع سيناريو الجنون الأميركي الذي ينفذه نيرون أو شمشون لبناني برأسين، رأس في المصرف المركزي ورأس في العدلية، وهي موقف قضائي وأمني وحكومي ونيابي بنصاب كافٍ لكفّ يد هذين الرأسين، فقد آن الأوان للاقتناع بأن أحداً من القوى المحلية لا مصلحة له ببقائهما، وأن التوجّس بين الأطراف اللبنانية من تداخل وتشابك بين كل منهما وأطراف أخرى هي شكوك يزرعها الأميركي لتوفير الحماية لهما، وأن قرار كفّ اليد ممكن وواجب، ولو احتاج الى تشريع الضرورة واجتماع الحكومة تحت عنوان الضرورة، وهل هناك ضرورة أكثر من منع الانهيار ومنع تحوّل لبنان الى رماد؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

نصرالله: خطوة إلى الوراء… خطوتان إلى الأمام في المواصفات الرئاسية

 الجمعة 20 كانون الثاني 2023

ناصر قنديل

ــ برغم التوضيحات المتكررة التي قدّمها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حول عدم حاجة المقاومة لرئيس يحميها أو رئيس يغطيها، وحول أن القصد من رئيس لا يطعن المقاومة في ظهرها ليس الحرص على المقاومة التي تعرف كيف تحمي نفسها من التآمر والطعن، بقدر الحرص على البلد الذي سيضعه خيار الرئيس الطاعن للمقاومة في دائرة الخطر، ويعرّض سلمه الأهلي للاهتزاز، بمحاولته لوضع مقدرات الدولة في مواجهة المقاومة، بقي البعض يردّد مقولة إن المطلوب رئيس يحمي البلد لا رئيساً يحمي المقاومة، فقرر السيد نصرالله التراجع خطوة الى الوراء، ويقول بمعزل عن طعن المقاومة وعدم طعنها في المواصفات الرئاسية تعالوا لنبحث معاً أي رئيس نريد؟

ــ بدأ السيد نصرالله جوابه على سؤال حول ما إذا كنا في قلب الانهيار، وما إذا كنا نتحمل ست سنوات رئاسية عنوانها استمرار الحال على ما هو عليه، ليقول إن لبنان يحتاج الى رئيس لأنه لا يستطيع تحمّل المزيد من الانهيار والتدهور، ولأن مدخل كل مواجهة للانهيار هو مؤسسات الدولة التي يبدأ تفعيلها من انتخاب رئيس جديد للجمهورية يليه تشكيل حكومة جديدة، لرسم السياسات واتخاذ الخطوات باتجاه يضمن الخروج من الانهيار ووضع لبنان على سكة الحل. والرئيس الذي يشكل انتخابه تمديداً للشلل في مواجهة المخاطر الداهمة التي تزحف بلبنان نحو الأسوأ، يعني رصاصة الرحمة على لبنان واللبنانيين، لأن لبنان لا يحتمل هذا الشلل لستة شهور، فكيف يتحمل ست سنوات؟

ــ قدّم السيد نصرالله في الجواب على أي رئيس نريد من أجل الخروج من الانهيار، نسختين من السيناريوات المطلوبة رئاسياً، النسخة الأولى هي سيناريو ما يتعرّض له لبنان من دعوات للسير بسياسات يتداولها خصوم المقاومة تحت شعار دعوتهم لمواصفات الرئيس الجديد، وهي رئيس يقبله الغرب وعلى رأسه الأميركي باعتباره الفريق الذي يمسك بالمعادلات المالية الدولية وعبر كسب رضاه تنفتح أمام لبنان أبواب الحلول المالية، ورئيس يرضى عنه العرب وفي طليعتهم الخليج وفي مقدّمته السعودية، لأنهم مَن يملك المال ولبنان يحتاج إلى المساعدات، وغضب السعودية ومن خلفها الخليج على لبنان حرمه من هذه الأموال، ورئيس إن لم يذهب للسلام مع كيان الاحتلال وصولا للتطبيع فعلى الأقل رئيس لا يعرّض لبنان لامتحانات التوتر مع الكيان، ورئيس يؤمن بالعمل مع صندوق النقد الدولي الذي يملك وحده الوصفة السحرية التي تفتح أمام لبنان أبواب المؤسسات الدولية المالية والجهات المانحة، ورغم كون كل هذه المواصفات تنتخي بوصفة الابتعاد عن المقاومة وتصل إلى وضع رأسها على طاولة المساومة؛ وهو ما سبق وقصده السيد نصرالله باختصار مواصفاته الرئاسية برئيس لا يطعن المقاومة في ظهرها، قرّر السيد نصرالله تجاوز ذلك ومناقشة الفرضية بعيداً عن المقاومة وظهرها، فالتفت إلى الجغرافيا القريبة حيث تقدّم مصر مثالاً لا يمكن تخيّل قدرة لبنان على مضاهاته في ترجمة هذه الطلبات. فمهما فعل لبنان لن يبلغ منزلة مصر في الاقتراب من الغرب وأميركا خصوصاً، ومهما فعل لبنان لن يصل إلى مكانة مصر الخليجية والسعودية خصوصاً، ومهما فعل لبنان فلن يصل في تبريد الصراع مع كيان الاحتلال الى ما فعلته مصر عبر اتفاقيات كامب ديفيد، ومصر سبّاقة في تنفيذ وصفات صندوق النقد الدولي، ليخلص للقول خذوا العبرة من مصر وهي تنهار، ونريد رئيساً يجنبنا هذا الانهيار، أي ملك شجاعة القول لا لدعاة هذه الوصفات البائسة التي لا تُغني ولا تُسمن عن جوع، ولا تأتي إلا بالخراب.

ــ انتقل السيد نصرالله الى النسخة الثانية من السيناريو، وهي أنه مقابل الضغط والحصار من الجانب الأميركي وتداعياته العربية والخليجية، هناك دول لم يستطع الأميركي إلزامها بالامتناع عن تقديم الدعم للبنان، سواء بتقديم الهبات والمساعدات كحال هبة الفيول الإيرانية، أو تقديم العروض الاستثمارية التي لا تكلف الدولة قرشاً للنهوض بقطاعات حيوية في أي خطة نهوض اقتصادية، سواء قطاع الكهرباء أو قطاع النفط أو قطاعات النقل، وأهمها العروض الروسية والصينية. وهنا طريق الضغط الأميركي هو لبنان وليس الجهات المانحة أو المستثمرة، ولبنان يحتاج رئيساً شجاعاً يقبل المساعدات ويفتح الطريق أمام الاستثمارات، ولا يخضع لدفتر الشروط الأميركي.

ــ الرئيس السيادي هو الذي يملك شجاعة اتخاذ الموقف بقياس المصلحة الوطنية، لا بقياس المطلوب الممنوع خارجياً، ولذلك فإن التمسك بالسعي لإيصال رئيس بهذه المواصفات يستدعي عدم التهاون مع محاولات الضغط لفرض المجيء برئيس «كيف ما كان» لأن رئيس الـ «كيف ما كان» هو رئيس تعميق الانهيار وتسريع السقوط.

فيديوات متعلقة

Nasrallah.. There are no settlements, and the international situation is about to escalate
Ninety minutes with the journalist and political writer d. Hassan Hamadeh

مقالات متعلقة

Netanyahu Passes the Standard to Ben-Gvir Announcing the Fall of the Entity

December 20, 2022

by Nasser Kandil

Those talking day and night about a wave of normalization invading the Arab world, in the midst of whom voices for resistance have been a dissonant chord, should fall silent. Suffice it for them to read or listen well or view and consider the hundreds of reports swarming in all forms of Israeli media, written, broadcast, and telecast, about the shift of the interest in Qatar’s Mondial from a celebration of normalization to its obituary and burial, regardless of the Qatari authorities’ stance which had granted the Israeli media all necessary facilitation confirmed in Israeli media reports about the catastrophic surprise which awaited their crews who had been sent by their Israeli media headquarters carrying the background intention of holding a celebratory festival side by side with the Mondial entitled normalization, only to find in every corner and every street and with every Arab citizen from Morocco, to Saudi Arabia, to Lebanon, to Qatar, to the Emirates a rejection of normalization to the degree of dealing with an Israeli as a plague requiring handwashing after contact, from the taxi driver, to the restaurant waiter, to passerby Mondial supporters among whom the Israeli media crew utterly failed to find one Arab who agreed to a photo op with them, but instead, faced what one media crew member described, as panic and fear when a mobile phone was snatched and photos taken deleted, or the kicking out of a passenger and leaving him stranded in the middle of a deserted road, or forcibly removing a group of media crew from a restaurant and throwing them to the street. Such signals, the dimensions of which are important and analyzed by the Israelis, and ignored by promoters of normalization of the Arabs, say beyond a doubt, that the span of normalization is packing its luggage and leaving.

Benjamin Netanyahu who accompanied the Deal of the Century and normalization projects and frequently boasted that they were the most important compensation for the fears raised by the growth of the resistance in Palestine, and the growth of its strength on Palestine’s borders, knew fully well that the normalization phenomena in the Gulf were only appetizers awaiting the main dish of Saudi Arabia joining the normalization option, and on the outcome of such joinder, when it occurs, as the remaining hope to restore the entity’s regional role, in the shadow of its receding ability to seize it through omnipotent military superiority, with Netanyahu also knowing that such hope being dependent on American success in bringing Saudi Arabia into obedience, and trading conferring legitimacy on the Saudi Crown Prince Mohamad Bin Salman and bypassing the dossier of the killing of the journalist Jamal Kashoggi as a strong point to pressure him into an advanced step in normalization with the Occupation Entity. Following stumbles during U.S. President Joe Biden’s last visit to Saudi Arabia a few months ago, and in translating the invitation for Saudi Arabia to participate in merging “Israel” in both Gulf and Arab milieus, came the rising setbacks in American-Saudi relations, with Saudi positioning mid-road between Washington, Beijing, and Moscow. Enter the American announcement of judicial immunity to the Saudi Crown Prince, and Netanyahu’s burial of his last dreams and hopes.
The return to Palestine, no longer an option, became a fate for Netanyahu or any other leader in the Entity with the failure of the bet on a wave of normalization as a strategic shift after of Saudi Arabia’s joining. The wailing scenes of the Israeli media about the lie of normalization has fired the bullet of mercy on that delusion, and Netanyahu’s return to Palestine implies a return to the conflict considerations well known to Netanyahu, who knows that he lies when he talks the language of challenge with Al Mukawama (Resistance), being the one who, with deterrence power in the gutter, agreed to a cease fire after the Seif Al- Quds conflict. It was under his successive premierships that the transformation of the resistance in Gaza from a defensive force to one of offense occurred, and the resistance in Lebanon obtained its precision missiles despite his lavish rhetoric about targeting them through Syria, and his inability to respond convincingly to the Israeli interior about the secret regarding not targeting them in Lebanon since he was boasting about his power and knowledge about where they were stored, and displaying photos at the UN General Assembly which he said showed the missiles’ depot locations. For all those reasons, Netanyahu knows that he faces a dead end if he decides to return to classic rules of engagement, and knows well that the loss is certain and the erosion unquestionable. Because Netanyahu knows all of this, his last bet was on a wave of normalization in the hope of changing the rules of engagement, and particularly its Palestinian dynamics with Saudi Arabia’s joining, and what it promises the Israelis economically and in terms of expanding the horizon for their hope to remain in the entity, and reproducing a centrist power in the Israeli aggregate which historically had formed the base for a project of “statehood” and “politics,”, and in the absence of which the project of “statehood” gave in to the ideologues and settlers, and the project of “politics” to bloody civil confrontations on one side between the Palestinians as the authentic inhabitants, and on the other side the Settlers. Netanyahu, who is aware of the fall of the projects of “statehood” and “politics” knows the limits of his options, and in view of his retreat from his threat of withdrawing from the agreement of the division of the economic areas with Lebanon by stating that he would give it the same treatment as the Oslo Agreement, will not even dare to do that, i.e. not to comply, because he knows the consequences, and has been the first in avoiding them and seeking to deal with them realistically.

Netanyahu, returning after the elections, reads the fall of the entity with the rise of the Zionist ideology and Settlement bloc and its call to ethnic cleansing, deportation, and killing represented by its rising star Itamar Ben-Gvir, and despite his awareness of the American and European stance and the consequences of granting the internal security cabinet to Ben-Gvir on internal security itself, and on “Israel’s” image abroad and its positon among general opinion groups and Western rights organizations, undertakes such a step in acknowledgement that the era of the “State of Israel” has ended, and that handing over the standard to the tide of settlers and ideologues, either succeeds in creating a new formula inside Palestine which brings back the chance of uniting the entity under a power ceiling, and restoring its regional position through that gateway, similar to the Independence war of 1948, through the deportation of Palestinians and creating an open massacre against them in Jerusalem and the West Bank and the land occupied in 1948, or such risk results in to more disintegration and rehabilitates politics and the project of “statehood,” with Netanyahu being on the grabbing end in both cases.

In Palestine, a new stage dawns, entitled no voice above the battle’s clamor, and no sound above that of bullets, and with Ben-Gvir, no need for Mahmoud Abbas’ authority or his security forces and coordination with the occupation, but rather need Fateh and the Cyclone Forces and the Aqsa Brigades side by side with the resistance factions from Al Qassam to Saraya Al Quds to Areen Al Ousoud, and just like the Palestinian blood defeated the first wave of normalization and prevented the second, it will successfully undertake defeating its remnants at the sound of the horn of confrontation when Ben-Gvir takes over the Ministry of Internal Security, with the Axis of Resistance who is aware that the preservation of the national and nationalist interests of its forces cannot be secured outside the dialectic of confrontation with the occupying entity, standing as a referee in the same trench with the people of Palestine and its resistance forces.

نتنياهو يسلم الراية لبن غفير معلناً سقوط الكيان

نوفمبر 26, 2022

ناصر قنديل

ــ يجب أن يخرس الذين يتحدّثون صباح مساء عن موجة تطبيع تجتاح العالم العربي، ويشكل دعاة المقاومة الصوت النشاز فيها، فيكفي أن يتقن هؤلاء القراءة أو أن يجيدوا السمع والمشاهدة ويتوقفوا أمام مئات التقارير المكتوبة والمرئية والمسموعة التي تعجّ بها وسائل الإعلام الإسرائيلية، حول انتقال الاهتمام بمونديال قطر من الاحتفال بالتطبيع إلى نعيه ودفنه، والأمر لا علاقة له بموقف السلطات القطرية التي منحت لكل وسائل الإعلام الإسرائيلية كل التسهيلات اللازمة، كما تقول التقارير الإعلامية التي تتحدث عن مفاجأة كارثية كانت بانتظار المراسلين الذين أوفدتهم وسائل الإعلام الإسرائيلية بخلفية إقامة مهرجان احتفالي إلى جانب المونديال عنوانه التطبيع؛ فإذا بها تجد في كل زاوية وكل شارع ومع كل مواطن عربي من المغرب والسعودية ولبنان وقطر والإمارات موقفاً يصل رفضه للتطبيع حد التعامل مع الإسرائيلي كأنه طاعون يجب غسل الأيدي بعد ملامسته، كما علّق أحد هؤلاء المراسلين، من سائق الأجرة الى نادل المطعم الى المشجعين الى العابرين في الشوارع عجزت فرق الإعلام الإسرائيلية عن إيجاد عربي واحد يقبل صورة ودّية مع أعضائها، بل إنها واجهت ما وصفه أحد المراسلين بالذعر والخوف مع مصادرة الهاتف النقال ومحو الصور منه، أو إنزال الراكب في منتصف طريق مهجور وطرده، أو إخراج الفريق من مطعم عنوة ورميه في الشارع. وهذه العلامات التي يهتم بها ويحلل أبعادها الإسرائيليون ويرغب بتجاهلها مروّجو التطبيع من العرب، تقول بما لا يقبل الشك إن زمن التطبيع يحزم حقائبه ويرحل.

ــ بنيامين نتنياهو الذي رافق صفقة القرن ومشاريع التطبيع وطالما تباهى بأنها التعويض الأهم عن المخاوف التي يسببها تنامي المقاومة في فلسطين وتنامي قوتها على حدود فلسطين، يعرف أن ما جرى من ظواهر تطبيع في الخليج كانت صحون المقبلات بانتظار الوجبة الرئيسية التي يمثلها انضمام السعودية إلى خيار التطبيع، ورهان نتنياهو على النتائج الناتجة عن مثل هذا الانضمام عند حدوثه كان الأمل المتبقي لرد الاعتبار لدور الكيان الإقليمي، في ظل تراجع قدرته على انتزاع مكانته الإقليمية بقوة تفوقه العسكري المطلق، ويعرف نتنياهو أن هذا الأمل كان رهن نجاح أميركي بجلب السعودية الى بيت الطاعة، ومقايضة منح الشرعية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتجاوز ملف قتل الصحافي جمال الخاشقجي كورقة قوة أميركية للضغط عليه، بقبول السعودية الذهاب الى خطوة متقدمة في مجال التطبيع مع كيان الاحتلال. وبعد التعثر خلال زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى السعودية قبل شهور، في ترجمة دعوته السعودية للمشاركة في دمج “اسرائيل” في البيئتين الخليجية والعربية، جاءت أزمة العلاقات الأميركية السعودية الآخذة في التصاعد مع تموضع سعودي في منتصف الطريق بين واشنطن وبكين وموسكو. وجاء الإعلان الأميركي عن منح الحصانة القضائية لولي العهد السعودي، ليدفن نتنياهو آخر أحلامه وآماله.

ــ العودة إلى فلسطين لم تعد خياراً بل صارت قدراً بالنسبة لنتنياهو او لسواه من قادة الكيان، مع سقوط الرهان على موجة تطبيع تشكل تغييراً استراتيجياً تنتج عن انضمام السعودية إلى هذه الموجة. والمشهد البكائي لوسائل الإعلام الإسرائيلية عن كذبة التطبيع يطلق رصاصة الرحمة على هذا الوهم، والعودة إلى فلسطين تعني العودة الى حسابات الصراع التي يعرفها نتنياهو جيداً، وهو من يعلم أنه يكذب عندما يتحدث عن لغة التحدي مع المقاومة، فهو من قبل وقف النار بعد معركة سيف القدس وقوة الردع في الحضيض. وفي ولاياته المتتابعة تحولت المقاومة في غزة من قوة دفاعية الى قوة هجومية تهدّد ثم تفتح النار في سيف القدس. وفي ولاياته المتتابعة امتلكت المقاومة في لبنان صواريخها الدقيقة رغم كثرة كلامه عن استهداف هذه الصواريخ عبر سورية، وعجزه عن تقديم جواب مقنع للداخل الإسرائيلي عن سر عدم استهدافها في لبنان طالما أنه يتفاخر بقوته ويعرف أماكن تخزينها، كما فعل بإظهار صور قال إنها تظهر أماكن مستودعات الصواريخ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولذلك كله يعرف نتنياهو أن الكيان يواجه طريقاً مسدودة إذا قرر العودة الى قواعد الاشتباك التقليدية، ويعرف ان الخسارة محتومة وأن التآكل حتمي.

ــ لأن نتنياهو يعرف كل ذلك كان رهانه الأخير على موجة التطبيع أملا بتغيير قواعد الاشتباك، وخصوصا ديناميكيتها الفلسطينية بتأثير انضمام السعودية، وما تعد به الإسرائيليين اقتصادياً وتفتح أمامهم آفاق الأمل بالبقاء في الكيان، وتعيد إنتاج قوة وسطية في التجمع الصهيوني شكلت تاريخياً قاعدة مشروع “الدولة” و”السياسة”، وبغيابها غاب مشروع “الدولة” لحساب جماعة العقيدة والمستوطنين، وغابت السياسة لحساب مشروع المواجهات الدموية الأهلية، بين الفلسطينيين كسكان أصليين من جهة والمستوطنين من جهة مقابلة، ونتنياهو المدرك لسقوط مشروع “الدولة” وسقوط “السياسة” يعرف محدودية خياراته، فهو الذي تراجع عن التهديد بالانسحاب من اتفاق تقاسم المناطق الاقتصادية مع لبنان وقال إنه سيكتفي بالتعامل معه كما تعامل مع اتفاق أوسلو، لن يجرؤ حتى على فعل ذلك، أي عدم التطبيق، لأنه يعلم العواقب، وهو أكثر من تجنّبها وسعى للواقعية في التعامل معها.
ــ نتنياهو العائد بعد الانتخابات يقرأ سقوط الكيان بصعود كتلة العقيدة الصهيونية والاستيطان، ومعها دعوات التطهير العرقي والتهجير والقتل التي يمثل ايتمار بن غفير نجمها الصاعد، فيقرر رغم إدراكه المواقف الأميركية والأوروبية ومعرفته بتداعيات تسليمه حقيبة الأمن الداخلي، على الأمن الداخلي نفسه، وعلى صورة “إسرائيل” في الخارج ومكانتها بين تشكيلات الرأي العام والمنظمات الحقوقية الغربية، يقدم على الخطوة لأنه يعترف بأن زمن “دولة إسرائيل” قد انتهى، وأن تسليم الراية لتيار المستوطنين والعقائديين، إما أن ينجح بإنتاج معادلة جديدة داخل فلسطين تعيد الفرصة لتوحيد الكيان تحت سقف القوة، وتعيد إنتاج مكانته الإقليمية مجدداً عبر هذه البوابة، اسوة بما حدث في ما يسمونه حرب الاستقلال عام 48، عبر تهجير الفلسطينيين وإقامة مذبحة مفتوحة بحقهم في القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 48، أو تؤدي المخاطرة الى مزيد من الانهيار فتعيد الاعتبار للسياسة ومشروع “الدولة”، وفي الحالتين يكون نتنياهو أول من ينتظر لتلقف النتيجة.

ــ في فلسطين تبدأ مرحلة عنوانها لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ولا صوت إلا للرصاص، ومع بن غفير لا حاجة للفلسطينيين لسلطة محمود عباس وأجهزة أمنه وتنسيقها مع الاحتلال، بل هم يحتاجون فتح وقوات العاصفة وكتائب الأقصى إلى جانب فصائل المقاومة من القسام الى سرايا القدس وعرين الأسود، وكما فعل الدم الفلسطيني فعله في إسقاط الموجة الأولى من التطبيع ومنع الموجة الثانية، سوف يتكفل بإسقاط ما تبقى منها مع نفير المواجهة الذي يبدأ مع تولي بن غفير وزارة الأمن الداخلي، ومحور المقاومة الذي يدرك أن الأمن الوطني والقومي لقواه ودوله لا يمكن تأمينه خارج منطق الصراع مع كيان الاحتلال، يقف حكماً في الخندق ذاته مع شعب فلسطين وقواه المقاومة.

عدم مشاركة حماس وتعزيز قدرة الردع!

الثلاثاء 9 آب 2022

 ناصر قنديل

بات ثابتاً أن حركة حماس لم تشترك في الردّ العسكري على العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استهدف مواقع وقيادات حركة الجهاد الإسلاميّ وجناحها العسكريّ سرايا القدس، وسقط خلالها عدد من المدنيين، كما بات ثابتاً أن حركة حماس كانت على تنسيق تام مع حركة الجهاد خلال أيام وساعات المواجهة، وأنها كانت تتابع مجريات المواجهة وتطمئن إلى ثبات معادلاتها، وتقدّم التغطية السياسية اللازمة للجهاد للظهور كممثل للإجماع الفلسطيني المقاوم، الذي تعبر عنه غرفة العمليات المشتركة، وقد قدّمت هذه المواجهة نموذجاً جديداً عن تقاسم أدوار بين الفصيلين الأساسيين في المقاومة، حماس والجهاد، وأنتجت معادلات تستحق القراءة والنقاش، لكن نقاش بقاء حماس خارج المواجهة العملية والميدانية تحول إلى الاعتبارات العاطفية، سواء بخلفية مواقف مسبقة من حماس على خلفية موقفها من الحرب على سورية، أو بخلفية الرغبة برؤية المقاومة موحّدة في الميدان، وبحكم ما تمثله حماس تقديم مزيد من أسباب القوة التي تنزل بالاحتلال المزيد من الخسائر والأذى، وترفع سقف المنجزات في نهاية الجولة، لكن هذه المخاوف التي تصل حد التشكيك وتفترض أن ما وراء هذه الجولة هو تفاهمات استراتيجية ليست مطروحة أصلاً لدى الجانب الإسرائيلي، لا مع السلطة الفلسطينية ولا مع حماس، ولا مع أي فلسطيني، أو التمنيات التي تصل حد تخيّل أن هذه الجولة هي آخر الحروب بين المقاومة والاحتلال وسيتقرر على اساس معادلات النار والسياسة فيها مستقبل الحرب. وهذا منافٍ للواقع الذي يحتمل جولات وجولات قبل بلوغ لحظة المنازلة الشاملة، ويفترض ابتكار أشكال من العمل والخطط التي تتيح تعزيز معادلات الردع وتصليب بنية المقاومة.

النقاش العقلاني يجب أن يتحرّر من أية خلفية مسبقة وأن يناقش المشهد بما هو عليه، في المقدّمات والسياق والنتائج. ففي المقدمات من الواضح أن قرار العدوان الإسرائيلي استند إلى ثنائية قوامها، من جهة تبلور ملف أمني استخباري يتيح له تقدير إمكانية توجيه ضربة قاصمة لحركة الجهاد وقدرتها الصاروخية، تشارك في تكوينها مع أجهزة مخابرات عربية وأوروبية وأميركية، ومن جهة مقابلة إلى فرضية وضع معادلة استهداف غزة ومنشآتها المدنية والحكومية وأبراجها السكنية ومستشفياتها ومدارسها في كفة ومشاركة حماس في المواجهة في كفة ثانية. ومع الضربة الأولى التي نتج عنها اغتيال القائد في سرايا القدس تيسير الجعبري، أعلن الاحتلال عن أهدافه وأوصل الرسالة إلى حماس عبر الأقنية العربية التي يتم عبرها التواصل الأمني والسياسي والمالي، وإذا أردنا التحرّر من البعد العاطفي في القراءة، ووضعنا جانباً ما يسود قواعد الفريقين من مشاعر العتب والتباري والتنافس، نستطيع القول إن قيادات الجهاد وحماس توافقت على آلية في إدارة الحرب، عبّر عنها بيان غرفة العمليات المشتركة من جهة، وقيام الجهاد بتصدّر المواجهة وتحمل تبعاتها الرئيسية من جهة موازية، على قاعدة أنه في أية لحظة تبدو أعباء المواجهة فوق طاقة الجهاد منفردة، فلن تترك حماس الحرب تذهب نحو منح الاحتلال فرصة تحقيق نصر، ستدفع هي وكل قوى المقاومة أثمانه بصورة لا قدرة لأحد على تحمّلها.

لقد كنا أمام مشهد غير مألوف، حيث تسنى للجهاد، من جهة التحرّر من أعباء حملة تدميرية شاملة تستهدف غزة وتحملها تبعاتها أمام الشعب الفلسطيني، وهو مكسب كبير يريح قيادة المقاومة في خوض حرب استنزاف طويلة، لكن شرطه وثمنه أن تبقى حماس خارج القتال، ومن جهة موازية وفّر ذلك لقيادة الجهاد حرية أكبر في قبول ورفض عروض وقف النار وشروطها وموعدها، بعد أن تحرّرت من شراكة حماس في القرار، وما يحمله من تأثر حماس بضغوط لا تقيم لها الجهاد اعتباراً، وشرط الإفادة من هاتين الميزتين هو أن تتمكّن الجهاد من النهوض منفردة بأعباء تثبيت معادلات الردع، رغم آلام الضربة الأولى ومفاجأتها، وما سيليها من ضربات مشابهة. وكان هذا هو التحدي الذي نهضت به الجهاد أيما نهوض، بصورة أبهرت الأعداء والأصدقاء في الوقت ذاته، حيث انتظمت التشكيلات العسكرية، والصاروخية منها خصوصاً التي تعمل تحت قيادة الشهيدين القائدين تيسير الجعبري وخالد منصور، وأدّت مهامها بصورة غير قابلة للتخيل، سواء في مهارة إدارة النيران وتدرجها، أو في إظهار نظام السيطرة والقيادة في وجبات صاروخية جماعية يستحيل إطلاقها بدون قيادة مركزية مسيطرة بالكامل على منصات الإطلاق، خصوصاً في اليوم الثالث عندما بدا ان الاحتلال يريد وقف الجولة وإنهاءها عند حدود ما اعتقد أنها إنجازاته.

في الحصيلة ثبتت معادلة أراد الاحتلال كسرها، ولأجل كسرها كانت خطة الاستفراد للجهاد واغتيال قادتها، وهي معادلة استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ المقاومة بصورة تعطّل دورة الحياة فيها، وعندما حصل ذلك ظهر الاغتيال مجرد انتقام لا وظيفة عملياتية له ولا مردود عسكرياً يترتب عليه، ومثله بد أن تحييد حماس مجرد توفير فرصة لتحييد المدنيين والمنشآت المدنية تخفف الأعباء عن كاهل الجهاد، وفي الحصيلة، بعيداً عن نتائج الالتزام الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار لجهة مصير الأسرى من الضفة الغربية ووحدة الساحات، صارت الصورة الجديدة الناتجة عن هذه الجولة، تقوم على معادلة ردع جديدة مزدوجة مختلفة، تمتلك عبر شقها الأول حركة الجهاد فرصة قيادة المقاومة في الضفة والقدس والأرض المحتلة عام 48 تحت شعار وحدة الساحات، وتستطيع حمايتها عبر تكرار معادلة الردع التي فرضتها منفردة في هذه الجولة، وبالتوازي شقّ ثانٍ تمتلكه حماس عنوانه أن حماس سوف تتدخل في أية مواجهة إذا تم المساس بالمنشآت المدنية والمدنيين في أية مواجهة بين الاحتلال والجهاد على خلفية مشروع المقاومة ووحدة الساحات، وصولاً لأن تتحمل حماس مسؤولية وضع معادلة الردع التي تمتلكها في كفة مقابل المطالبة بفك الحصار وتبادل الأسرى، باعتبارها مرجعية غزة والمسؤولة عن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة فيها.

تكامل في الأدوار ولد من رحم التحدّي الذي فرضه الاحتلال على قوى المقاومة، وحولته قوى المقاومة إلى فرصة سترافق المواجهات المقبلة وتترك بصماتها على الإنجازات المقبلة.

مقالات ذات صلة

انطلاق المقاومة ضد الاحتلال الأميركيّ في سورية

 الخميس 28 تموز 2022

ناصر قنديل

-عام 2014 كان مفصلياً في حياة سورية عندما ظهر الطريق المسدود أمام مشروع إسقاط الدولة ورئيسها، وفشل الرهان على عشرات آلاف الإرهابيين الذين تم جلبهم من كل أنحاء الدنيا، وتكفل بهم الجيش السوري بدعم قوى المقاومة بإلحاق الهزيمة بهم، فجاء الجواب مركباً، تم تصنيع تنظيم داعش بقرار أميركي كشفه الرئيس السابق دونالد ترامب مشيراً بإصبع الاتهام إلى هيلاري كلينتون، ثم تمّ اتخاذ ظهور داعش وتمدده ذريعة للتمركز الأميركي على الأراضي السورية وعودتها الى الأراضي العراقية، وبالتوازي قام الجيش التركي الذي قدّم الملاذ لتكوين داعش وتنظيم صفوفه، كما فعل مع التشكيلات الإرهابية التي سبقته، بالتوغل داخل الأراضي السورية محكماً السيطرة على محافظة إدلب وأجزاء من محافظة حلب، وكما اتخذت أميركا من صنيعتها داعش ذريعة لاحتلال محافظتي الحسكة والرقة، وقامت بتشجيع نشوء كانتون كردي مسلح فيهما، اتخذ الرئيس التركي من ظهور الكانتون التركي ذريعة احتلال قواته للأراضي السورية، وتهديده الدائم بتوسيع عمله العسكري إلى المزيد من الأراضي.

نهاية عام 2015 بدأ التحول المعاكس مع تموضع القوات الروسية في سورية، وتناغم الأداء الروسي السوري الإيراني بمشاركة المقاومة لخوض حرب إنهاء داعش في سورية، بينما كان الحشد الشعبي مع المقاومة و الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعيدون تكوين الجيش العراقي بالتوازي مع خوض معركة تحرير العراق، وتحقق ستاتيكو استراتيجي في البلدين، حيث الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي يسيطران على الأراضي السورية في عدة محافظات تعادل ثلث مساحة سورية، وبعض الأراضي العراقية، لكن مشروع اسقاط العراق وسورية بات من الماضي، حتى جاءت قمة طهران وفتحت طريق كسر معادلة هذا الستاتيكو، حيث تموضعت روسيا الى جانب ايران وراء الدولة السورية، سواء بقرار رعاية مقاومة سورية وطنية وشعبية بوجه الاحتلال الأميركي، أو بقرار الجيش السوري مواجهة أي عمل عسكري تركي نحو الأراضي السورية، والمعادلة واضحة، إنهاء الاحتلال الأميركي ينهي الكانتون الكردي ويسقط الذريعة التركية، فيفتح الباب لوضع مستقبل الاحتلال التركي على الطاولة، بينما يتولى الحشد الشعبي في العراق تذكير الأتراك بجدية القرار، بحتمية وقف العمليات وانسحاب الاحتلال.

خلال السنوات التي مضت نضج وعي شرائح واسعة من أبناء سورية في مناطق الجزيرة، شرق الفرات حيث الاحتلال الأميركي، لصالح مشروع المقاومة، وبذلت الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية جهوداً جدية ودؤوبة على تنظيم صفوف قوى المقاومة السورية، وكانت قوى المقاومة في المنطقة المساندة للدولة السورية تنقل خبراتها لهذه المقاومة الصاعدة، وكانت إيران لا تبخل بما ينبغي لتكوين قوة المقاومة الواعدة، وخرجت تظاهرات عديدة بوجه الاحتلال الأميركي، ووقعت مصادمات شعبية مع وحدات الاحتلال، ونفذت عمليات محدودة متباعدة ضد مواقع الاحتلال، لكن قبل أيام قليلة بدا أن قرار بدء العمل المقاوم المتواصل حتى طرد الاحتلال الأميركي قد اتخذ، فكان كلام وزير الخارجية السورية فيصل المقداد عن حتمية انسحاب قوات الاحتلال الأميركي، والا فسيلقى مقاومة شعبية تجبره على الخروج، إشارة واضحة بهذا الاتجاه.

. لم يبق للاحتلال من ذريعة بعد حرمان داعش من أي ملاذ آمن، غير المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال الأميركي نفسه، وفضائح قيامه بنقل بعض قيادات داعش الى أفغانستان قبل انسحابه منها ضجت بها وسائل إعلام غربية، وكلام ترامب العلني عن تبرير الاحتلال بسرقة النفط بحد ذاته فضيحة، وطرد الاحتلال سيعني حكماً تحرير ثروات سورية من النفط والغاز، وما يترتب على ذلك من عودة فورية للكهرباء الى كل المناطق السورية، وحل أزمات المحروقات التي يعاني منها كل السوريين، والأميركي معني بأن يفهم بأن قصف معسكراته هذه المرة بالصواريخ ليس إلا بداية لعمل سيتواصل، ويفرض عليه الانسحاب، وعليه أن يختار سحب قواته عمودياً، أي وهم أحياء، قبل أن يبدأ بسحبهم أفقياً، أي في التوابيت.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

غاز المتوسط بين غابرييل وجنبلاط ومعادلة المقاومة

 يوليو 19 , 2022

ناصر قنديل

ارتباك المشهد السياسي الدولي والإقليمي بعد خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ومعادلته الواضحة والحاسمة بمنع تصدير الغاز من حقول البحر المتوسط ما لم يحصل لبنان على حقوقه كاملة في الترسيم المنصف والتنقيب والاستخراج، وحاول الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون إخفاء الارتباك بالتجاهل العلني والصمت السياسي، بينما شغل الثلاثة المحركات الدبلوماسية بأعلى القدرة الممكنة، لاحتواء التهديدات التي أطلقتها المقاومة في لبنان، عبر السعي للتوصل الى نتيجة تفاو ضية، فصدرت أول إشارة من لقاء الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين مع وزيرة الطاقة في كيان الاحتلال، وتعميم خلاصة تقول بردم بعض الفجوات التفاوضية في ملف التفاوض مع لبنان، وتبع ذلك قيام السفيرة الأميركية بنقل رسائل بالمضمون ذاته من هوكشتاين، ولمزيد من الاطمئنان أجرى هوكشتاين من جدة ولاحقاً من واشنطن اتصالات مباشرة بعدد من المعنيين اللبنانيين الذين يتابعون الملف، ونقل لهم تفاصيل خريطة الطريق التي يعمل عليها، والتي تتضمن زيارته بيروت هذا الأسبوع، كما تتضمن العودة مطلع آب المقبل لمفاوضات الناقورة توخياً لإنهاء الملف بما يرضي لبنان، وما يتيحه ذلك من رفع الحظر عن تنقيب الشركات العالمية عن الغاز والنفط في الحقول اللبنانية والبدء باستخراجه.

وصل أمس وفد أميركي الى بيروت على خلفية القلق من تهديدات المقاومة التي تربط أمن الطاقة في البحر المتوسط، بنيل لبنان لحقوقه كاملة شاملة للترسيم والتنقيب والاستخراج، وحملت تصريحات صادرة عن رئيس الوفد السفير الأميركي السابق في بيروت ادوارد غابرييل تقول إن أمام لبنان فرصة اذا ضاعت فلن يستطيع لبنان التنقيب عن النفط والغاز قبل عشرين سنة، محذراً من أن الطرف الآخر والمقصود كيان الاحتلال سيقوم بالاستخراج في «مناطقه»، بينما لن يستطيع لبنان فعل ذلك، مضيفاً أن هذه الفرصة لستة أسابيع، سيعني انتهاؤها انتهاء الاهتمام الأميركي بلبنان والمنطقة أمام الاهتمامات الدولية الأشد جذبا للإدارة الأميركية، والكلام الأميركي العنجهيّ المعاكس للحقائق يستحق الرد، فهو يخالف كلام الرئيس الأميركي الذي كسرت معادلات المقاومة مهابة زيارته للمنطقة، وقد جاء يؤكد أن أميركا عادت للمنطقة ولن تتركها للفراغ الذي سيملؤه الروس والصينيون كما قال، فبلسان من جاء يتحدث ويقول، لم نعد مهتمين، أما ثانياً، فإن لبنان بعد معادلة المقاومة لا يستجدي اهتماماً أميركياً بل «إسرائيل» هي التي تفعل، فليذهب ويقول هذا الكلام للإسرائيليين، إنه اذا لم يتم التوصل الى اتفاق خلال ستة اسابيع سقطت الفرصة، لأنها لن تسقط بالنسبة للبنان، واذا لم يصدّق السيد غابرييل فليجرب ويختبر جدية المقاومة في وضع معادلتها قيد التنفيذ بمنع أي استخراج للنفط والغاز من شرق المتوسط. وثالثاً، هل يصدق السفير غابرييل نفسه عندما يقول إن عدم التوصل لاتفاق سيعني ان لبنان لن يستطيع التنقيب لعشرين سنة مقبلة، وإن غيره سيفعل، بينما معادلة المقاومة تقول ببساطة، اذا لم يتمكن لبنان ان يفعل، فلن يتمكن سواه، وليسأل الإسرائيليين من يصدقون، كلامه أم كلام السيد نصرالله؟

الجدية الأميركية وجدت لساناً آخر عبر عنه النائب السابق وليد جنبلاط، ولكن على غير عادة لم يكن موفقاً، فهو كشف سبب الاهتمام الأميركي الأوروبي ودرجة هذا الاهتمام العالية مخالفاً كلام غابرييل، فيقول إن معادلة المقاومة ربطت لبنان بالحرب الأوكرانية، ويشرح مقصده بالقول إن المقاومة تهدد بمنع توريد الغاز من المتوسط الى أوروبا كبديل عن الغاز والنفط الآتيين من روسيا الى أوروبا، معتبراً ذلك إعلان تموضع الى جانب روسيا في حرب أوكرانيا حيث المواجهة بين روسيا وكل حلف الناتو، لكن كلام جنبلاط تجاهل حقيقة كونه لبنانياً أولاً، يفترض أن ينظر لحاجة الغرب لنفط وغاز المتوسط كفرصة للبنان للحصول على حقوقه، وفق معادلة المقاومة. وهنا أخطأ ثانيا ولكن عامداً متعمداً لأنه يعلم خلفية ومضمون تهديد المقاومة، فتصوير المقاومة كفريق في الحرب بين روسيا والناتو عكس الواقع تماماً، لأن المقاومة لم تقل لن يصدر أحد نفطاً وغازاً من المتوسط ما لم يتم التفاهم مع روسيا، بل قالت إن ذلك مشروط بالتفاهم مع الدولة اللبنانية، ولعل جنبلاط يتذكر أن الدولة اللبنانية وقفت من حرب أوكرانيا على الضفة الأميركيّة بالكامل.

الواضح من الحرب الإعلامية والسياسية التي تستهدف معادلة المقاومة تهافت منطقها، بعكس مرات كثيرة سابقة، وعجز أصحابها عن صناعة معادلات موازية لمعادلة المقاومة، والسبب يعود إلى أن المقاومة هذه المرة لا تضع معادلاتها في خدمة قضايا وعناوين وطنية يمكن لأحد أخذها إلى انقسامات موالبروثة حول الهوية، فالصورة واضحة للبنانيين، الكارثة قادمة وداهمة ولن ترحم أحداً ولا تستثني أحداً، ولا أمل إلا بثروات النفط والغاز، ولا بديل لنيل لبنان فرصة استثمار هذه الثروات بالرهان على كرم أخلاق غير موجود عند الأميركيين، ولا على نزاهتهم المفقودة كوسيط، كما تقول التجربة المرة لأكاذيب الوعود حول استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري منذ سنة كاملة، بل على القوة التي تمثلها المقاومة، وعليها فقط.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

قمة بوتين – رئيسي – أردوغان: الأسد المنتصر

July 18, 2022 

 ناصر قنديل


غالباً ما كانت الدولة السورية تتعرّض لضغوط مواطنيها في الشمال مطالبة بعمل عسكريّ يُنهي الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي ومشروع الكانتون الكردي الذي تقيمه قوات قسد، وكان كثيرون يذهبون للتحذير من خطورة أن تكون صورة تقاسم جغرافيا الشمال السوري نهائيّة، وتعني تحوّل وحدة التراب السوري إلى شيء من الماضي، بينما كان كثيرون يرمون سهام الاتهام على حلفاء سورية، روسيا وإيران، بسبب علاقاتهما الجيدة مع تركيا ما يتيح اتهامهما بالتردد في دعم أية عملية عسكرية سورية نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات الإرهابيّة المدعومة من تركيا. وبالمثل لعلاقاتهما الجيّدة بقوات قسد التركية، واعتبار هذه العلاقة سبباً لتردد مماثل؛ بينما كان كل من القيادتين التركية والكردية يتقاسمان عدم الوفاء بالتعهدات، وتطبيق التفاهمات، ويواظبان على الخداع، فكلما اشتدت الضغوط العسكرية يبديان الاستعداد السياسي الإيجابي، ثم لا يلبثان يعودان إلى لغة المماطلة وأسلوب الخداع والتنصل من الالتزامات.

خلال الأيام القليلة الماضية، وبينما الأجواء السائدة محكومة بالإعلان التركيّ عن اكتمال الاستعدادات لعمليّة عسكريّة كبيرة شمال سورية، مرّة تحت ذريعة ضرب الجماعات الكردية التركية المناوئة، ومرة تحت عنوان ضمان منطقة آمنة لعودة النازحين المقيمين في تركيا، دخل الجيش السوري بلدة منبج الواقعة تحت سيطرة الميليشيات التابعة لقسد، والمرشّحة لتكون أول أهداف العملية العسكرية التركية، وبلغ عدد البلدات والمدن والقرى التي انتشر فيها الجيش السوري، بما فيها تل رفعت، أكثر من عشرين، وتجري الاستعدادات المتسارعة لتوسيع حجم الانتشار ليشمل المزيد، بينما تتجه المزيد من الحشود العسكريّة للجيش السوري شمالاً مزوّدة بالأسلحة الثقيلة.

يجري ذلك عشية انعقاد القمة الثلاثية الروسية الإيرانية التركية في طهران، التي تستضيف القمة التي ستجمع الرؤساء فلاديمير بوتين والسيد إبراهيم رئيسي ورجب أردوغان، وقد سبقتها تحضيرات ومشاورات ورسائل متبادلة ومبادرات، منذ إعلان الرئيس التركيّ محاولاً الاستفادة من حرب أوكرانيا، عن نيّته بتوسيع نفوذه داخل الأراضي السورية، وكان أول المواقف هو القرار الذي اتخذته الدولة السورية بالتصدّي العسكري لهذه العملية التركية، بمعزل عن كيفية تفاعل الميليشيات الكردية من جهة، وحدود قدرة الحلفاء على اتخاذ مواقف داعمة من جهة أخرى. وقد أبلغت سورية القيادتين الروسية والإيرانية بموقفها، كما أبلغت قيادة قسد أن قوات الجيش السوري ذاهبة الى الحدود لمنع التوغل التركي، وسنتصدّى لكل من يقف في طريقها.

تبلور الموقف الروسيّ الإيرانيّ المشترك الذي تبلغته سورية بالوقوف معها في قرارها، وتمّت صياغة موقف سياسيّ استراتيجيّ مشترك عنوانه، مسار أستانة سيسقط مع انطلاق العملية العسكرية التركية، وتبلغت القيادة التركية بذلك، وبدأت مبادرة روسية وأخرى إيرانية لبلورة مسار سياسي سوري تركي، يضع الاعتبارات السيادية السورية أولاً، حيث الالتزام التركي بالانسحاب العسكري من الأراضي السورية، واعتبار اتفاق أضنة أساساً لتنظيم الوضع عبر الحدود، كما تبلغت قيادة الميليشيا الكردية موقف كل من روسيا وإيران، بأن انتشار الجيش السوريّ وحده يمثل ضمانة تجنيب مناطق سيطرة هذه الميليشيات وسكانها مخاطر الحرب، وبدأت المساومة التركية التقليدية على جوائز ترضية، سواء في تولي ملف تجارة الحبوب الأوكرانيّة، أو الاتفاقيات التجارية التركية الإيرانية والروسية في مجال الطاقة وأسعار الغاز الذي يشكل أعلى فاتورة تركيّة بالعملات الصعبة، واحتمالات تسديدها بالعملة المحلية.

قمة طهران نقطة تحوّل في مسار الوضع شمال سورية، حيث الصبر الاستراتيجي، والتربّص عند المنعطفات، والمصداقية في التحالفات، عناصر منحت سورية فرصة أن تكون المنتصر الذي يخرج رابحاً في جغرافيا يتقاسمها الاحتلال التركي والاحتلال الأميركي، لتعود وحدة سورية وسيادتها في المقدّمة مجدداً.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

فلسطين لا إيران الخاسر الأكبر من زيارة بايدن

السبت 16 تموز 2022

ناصر قنديل

يحاول الإعلام الأميركي والإسرائيلي والخليجي الترويج لمقولة اعتبار إيران الخاسر الأكبر من زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى المنطقة، من خلال تصوير الالتزامات الأميركية مع كيان الاحتلال بالدعم المالي والعسكري والسياسي من جهة، وإجراءات التطبيع التي ستقوم بها دول الخليج مع كيان الاحتلال من جهة مقابلة، بصفتها خسائر لإيران وخسائر تسببت بها إيران بسبب دعمها لحركات المقاومة في المنطقة من فلسطين الى اليمن، التي تسببت بهذا الدعم الأميركي للكيان وهذا الاقتراب الخليجي نحو التطبيع.

التدقيق في مفاصل ومجريات الزيارة وخطاباتها السياسية سيكشف لنا أن الرئيس الأميركي جاء يلعب بالإسرائيليين والخليجيين لحساب كسب الأصوات في معركته الانتخابية من جهة، عبر ما تقدمه الصورة المنقولة الى الداخل الأميركي عن “الحنان” الأميركي تجاه “إسرائيل” للتأثير باتجاه ونسبة تصويت اليهود وفعالية اللوبيات الصهيونية لصالح حزبه انتخابياً، ولتظهير السخاء النفطي الذي يأمل بالحصول عليه من دول الخليج عموماً والسعودية خصوصاً، رهاناً على فعالية تأثيره في أسعار أسواق المحروقات على الأميركيين، وتأثير ذلك على وجهة تصويتهم.

بالتراتب، بعد الربح الأميركي، أو بالأحرى ربح بايدن وحزبه، يأتي الربح الإسرائيلي، بإعلان تطابق الرؤية الأميركية المقدّمة نظرياً تحت شعار حل الدولتين للصراع حول مستقبل القضية الفلسطينية، ليقدم تماهياً مع الرؤية الإسرائيلية، حيث لا مكان للقدس، ولا لوقف الاستيطان، والبحث بإطلاق المسار التفاوضي، وهي العناوين التي كانت تشكل مفاصل التمايز الأميركي عن الرؤية الإسرائيلية، وبدلاً من تخفيض مستوى الدعم الأميركي لـ”إسرائيل” بسبب عدم تجاوبها مع هذه العناوين كما كان يجري عادة في زمن الإدارات الديمقراطية الأميركية خصوصاً، جاء بايدن يعلن التراجع الأميركي عن هذه العناوين لحساب التطابق مع الرؤية الإسرائيلية، ويزيد عليها جوائز مالية وعسكرية يكافئ بها “إسرائيل” على إغلاق الباب نهائيا أمام فرص حل الدولتين، عبر التهويد المتزايد للقدس, تكريسها عاصمة موحدة لكيان الاحتلال، وتنامي تقطيع أوصال الجغرافيا المتصلة للضفة الغربية بالمزيد من المراكز الاستيطانية، واختزال التفاوض بالتنسيق الأمني الذي يجعل السلطة الفلسطينية مجرد جهاز أمني رديف لأمن الكيان إلى جانب أجهزتها لملاحقة المقاومة، لا شريكاً سياسياً.

على الضفة الخليجية، بمعزل عن حجم الخطوات التطبيعية التي سوف يحصدها بايدن لحساب كيان الاحتلال، ومهما كانت محدودة، تعبيراً عن القلق السعودي من التوازنات الدولية المتغيّرة، وتجنبها الإقدام على خطوات متهوّرة في لحظة تغير الموازين، سيبقى قرار من نوع فتح الأجواء السعودية أمام الطائرات الإسرائيلية الذي استبق وصول بايدن الى السعودية، كافياً لإطلاق الإشارة بأن المبادرة العربية للسلام التي كانت تشكل قيداً ذاتياً عربياً اقترحته السعودية في القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002، للامتناع عن أية إجراءات تطبيعية إلا ربطاً بحصول الفلسطينيين على حقوقهم السياسية، كما وردت في المبادرة، وبالقياس لما وفرته عمليات التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب من كسر لهذا الامتناع، سيكون القرار السعودي، الذي سيقال إنه شكلي وهامشي، كافياً لمنح الختم السعودي لمبدأ إزالة الحظر عن التطبيع وربطه بالقبول الإسرائيلي بالمبادرة العربية للسلام، وهذا كاف على الأقل بالنسبة للآن، لكل من واشنطن وتل أبيب، طالما أن الموقف السعودي يقول إن مسألة التطبيع لم تعد مسألة عربية جامعة مرتبطة بالقضية الفلسطينية، بل هي الآن قضية سيادية تخص نظرة كل دولة لمصالحها، وبقياس تخلي العرب سابقاً عن الحرب كأداة لنصرة فلسطين، ثم تخليهم عن النفط كسلاح، يأتي التخلي عن حرمة التطبيع إعلان فك نهائيّ وشامل الارتباط بالقضية الفلسطينية، وإسقاطها من سلم الأولويات والالتزامات العربية.

يحاول بعض المتحدثين الخليجيين رمي مسؤولية هذا الانهيار الأخلاقي العربي على إيران بالقول إنه لولا الخوف الخليجي من إيران لما حدث ما حدث، لكن ما حفلت به الصحف الإسرائيلية عن التاريخ السري للعلاقات الإسرائيلية الخليجية، وحجم التنسيق والتعاون في مجالاتها المختلفة، يقول ما قالته الصحف نفسها بأن ما نشهده من إجراءات تطبيعيّة ليس إلا نقلاً لما كان في السر إلى العلن، وبالتوازي كيف يكون الذهاب لتقديم الجغرافيا العربية لـ”إسرائيل” التي تزداد فرص المواجهة بينها وبين إيران، نتيجة للخوف الخليجي من إيران، وهو يزيد فرص جعل الجغرافيا الخليجية مجرد حقل رمي إيراني لمواجهة التمدد الإسرائيلي، بينما الطبيعي عندما يكون الخوف المزعوم هو السبب أن تكون النتيجة الابتعاد عن كل استفزاز يمكن أن يصعد فرص الاستهداف.

كل هذا في كفة، وفي كفة أخرى ما هو مخفيّ بين السطور، بالتدقيق في البيان الأميركي الإسرائيلي المشترك، سنجد كل ما نحتاجه لنعرف أن الأميركي حصل على الموافقة الإسرائيلية على المضي قدماً بالتفاوض توصلاً لاتفاق على الملف النووي مع إيران، وقد تم تزيين هذه الموافقة بتعابير رنانة من نوع التعهد بمنع إيران من امتلاكها سلاحاً نووياً، وجاء ما تلاه من كلام إسرائيلي على لسان مسؤول المخابرات العسكرية في جيش الاحتلال للواشنطن بوست حول أن الاتفاق مع إيران لا يزال الطريق الأمثل لمنع امتلاكها سلاحاً نووياً يفسر هذا الاستنتاج، بعدما حمل بايدن حبات البقلاوة العربية لـ”إسرائيل”، دافعاً من جيوبهم، أثمن ما لديهم، ثمن الحصول على الموافقة الإسرائيلية التي يحتاجها ليعاود التفاوض طليق اليدين.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

حكومة تعوزها الكرامة… ونواب تعوزهم الوطنية

الثلاثاء 5 تموز 2022

 ناصر قنديل

البيان الصادر عن رئيس الحكومة ووزير الخارجية حول عملية المقاومة التحذيرية في بحر عكا، يشبه البيان الذي صدر حول الحرب في أوكرانيا، والبيانات التي صدرت حول الحرب في اليمن، غب الطلب الأميركي بلا خجل ولا حرج، لكنه هذه المرة أشدّ خطورة، ويجب أن يكون مجلبة للشعور بالمهانة والذل لهما، فتجربة الرئيس والوزير مع الوعد الأميركيّ الممتد منذ أكثر من سنة عن حل قضية استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية والإعفاءات من قانون قيصر الذي يعاقب سورية، كافية كي يعرفا أن الحديث عن انتظار نتائج مساعيه الإيجابية في ملف الترسيم مجرد استهلاك للوقت، في قضية كلها قضية وقت، حيث الاحتلال لا يحتاج إلا للوقت والصمت؛ الوقت ليبدأ الاستخراج والضخ نحو أوروبا من حقول بحر عكا، والصمت لتوفير الاستقرار اللازم لإنجاز الأمرين. والأميركي يشتري له الوقت من الهبل اللبناني، والصمت يوفره له الرئيس والوزير وهما يشعران بالفخر.

يقول بيان الرئيس والوزير «إننا بحثنا الوضع في الجنوب وموضوع المسيّرات الثلاث التي أطلقت في محيط المنطقة البحرية المتنازع عليها، وما أثارته من ردود فعل عن جدوى هذه العملية التي جرت خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي». وفي ختامه يرد القول إن «لبنان يعتبر أن أي عمل خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره، غير مقبول ويعرّضه لمخاطر هو في غنى عنها. من هنا نهيب بجميع الأطراف التحلي بروح المسؤولية الوطنية العالية والتزام ما سبق وأعلن بأن الجميع من دون استثناء هم وراء الدولة في عملية التفاوض». وفي الفقرتين لا ترميز ولا لعب كلام ولا ذكاء دبلوماسي، فالحديث واضح انه يقصد المقاومة الإسلامية وحزب الله، فلماذا يخجل الرئيس والوزير من التسمية، ولم يبق البيان مكاناً للتخيل في التوصيف، وهل ممنوع عليهما ذكر المقاومة في أي بيان، أم يخشيان غضب الأميركي من مجرد ذكر المقاومة، والسؤال هل يصدقان نفسيهما بأن على المقاومة أن تكون جزءاً من السياق التفاوضي، أم أنها مصدر قوة يستقوي به المفاوض ويتجاهله دون إنكاره، ودون الوقوع في خطيئة القول إن عمل المقاومة غير مقبول، وهو بالمناسبة كلام لم يقله قبل الرئيس والوزير إلا الرئيس فؤاد السنيورة في حرب تموز 2006.

عندما يقول الرئيس والوزير أن عمل المقاومة، هو «عمل خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الديبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره، غير مقبول ويعرّضه لمخاطر هو في غنى عنها»، لا ينسيان الإضافة «أن المفاوضات الجارية بمساع من الوسيط الأميركي أموس هوكشتاين قد بلغت مراحل متقدمة». «وفي هذا الإطار يجدد لبنان دعمه مساعي الوسيط الأميركي للتوصل إلى حل يحفظ الحقوق اللبنانية كاملة بوضوح تام، والمطالبة بالإسراع في وتيرة المفاوضات. كما أن لبنان يعوّل على استمرار المساعي الأميركية لدعمه وحفظ حقوقه في ثروته المائية ولاستعادة عافيته الاقتصادية والاجتماعية». وبذلك تتضح الصورة، فالرئيس والوزير واثقان بأن المفاوضات بلغت مراحل متقدمة، ويدعمان مساعي الوسيط هوكشتاين ويعوّلان عليها لشيء هام وخطير فيقولان بشجاعة واثقة «أن لبنان يعوّل على استمرار المساعي الأميركية لدعمه وحفظ حقوقه في ثروته المائية ولاستعادة عافيته الاقتصادية والاجتماعية». فالمقاومة تضر بلبنان والوسيط الأميركي موضع ثقة لبنان، والسؤال هو بكل صراحة فجّة، هل كان الأميركي ليعين وسيطاً ويبدي اهتماماً بلبنان والرئيس والوزير والمفاوضات لولا وجود هذه المقاومة، التي تسبب القلق لكيان الاحتلال المدلل الوحيد لدى الوسيط وأسياده في واشنطن؟ وإذا كان لدى الرئيس القدير والوزير الخبير قناعة أخرى فليخبرانا عنها؟ والسؤال الثاني هو هل هكذا تتصرف حكومة وطنية حريصة مع المقاومة التي تمثل مصدر قوة لبنان الوحيدة في التفاوض، ومع الوسيط الذي يعرف اللبنانيون أنه أشدّ حرصاً على مصالح «إسرائيل» مما يروج له الرئيس والوزير حول تعويلهما على مساعيه وتصديقهما كذبة المرحلة المتقدمة التي بلغتها المفاوضات؟

كما الحكومة تعوزها الكرامة، بعض النواب الذين يختبئون وراء مزاعم تمسكهم بالخط 29 لانتقاد الحكومة، وقبولها بالتنازل عنه، تعوزهم الوطنية عندما يقولون إن عدم توقيع الحكومة لمرسوم تعديل خط الترسيم المعتمد، يجعل عمل المقاومة اعتداء على كيان الاحتلال، والسؤال لهؤلاء، شو خصّ عباس بدباس، ماذا لو كانت لدينا حكومة عميلة للاحتلال، هل يصير التسليم بمشيئة الاحتلال هو الموقف الوطني، تحت شعار أن الحكومة لا تقوم بواجبها وتعلن الاحتلال احتلالاً، فيسقط الحق بالمقاومة؟

نقص الكرامة ونقص الوطنية ليسا جديدين علينا، فلو تخيّلنا أن هذا النقاش يدور عام 1983، لاستعاد البعض خطابه السابق، المقاومة تشويش على المسار التفاوضيّ حول اتفاق 17 أيار، وبعض آخر يقول طالما إن الدولة وقعت اتفاقاً، فالمقاومة اعتداء على دولة جارة تربطها اتفاقيات تعاون أمنيّ بالدولة اللبنانية… وعش رجباً ترى عجباً، واللهم احمني من أصدقائي (وأبناء بلدي) أما أعدائي فأنا كفيل بهم!

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المقاومة وحقول الغاز: عيون مفتوحة وذراع جاهزة

الإثنين 4 تموز 2022

 ناصر قنديل

كان ختام في المقالة التي نشرت صبيحة عملية إطلاق المقاومة لطائراتها المسيّرة فوق بحر عكا، تحت عنوان، المقاومة وحقول الغاز آذان صماء، بالقول، «الاحتلال مردوع ويكثر الكلام، والمقاومة تفرض معادلاتها ولا تحتاج إلى الكلام، وواثقة بأن ما طرحه الرؤساء هو آخر الكلام «. وجاءت العملية المليئة بالمعاني والرسائل لتكمل رسم المشهد الخاص بمصير حقول النفط والغاز بين بحرَي صور وعكا، فبعدما اعتقد الكثيرون أنه تم تحييد فعل المقاومة عن هذا الملف مع مجيء الوسيط الأميركي عاموس خوكشتاين إلى بيروت، جاءت العملية لتقول إن المقاومة لا زالت طرفاً حاضراً في هذه المعادلة. وهذا بحد ذاته يعني الكثير.

المضمون الثاني للعملية هو القول إن العرض الذي قدّمه لبنان لجهة الخط النهائي المقترح للترسيم، جاء مشفوعاً بإصرار لبناني رسمي على وقف كل العمليات في حقول بحر عكا، وأن محاولات التذاكي الأميركي الإسرائيلي باعتبار العرض اللبناني إعلان نهاية لمفهوم المناطق المتنازع عليها، وما يحكمها من معادلات الامتناع عن الإجراءات الأحادية، هو تلاعب وخداع لا يبشر بالخير لجهة التطمينات الأميركية بأن هناك تقدماً على مسار التفاوض، دون تقديم أية معلومات مفيدة محددة تشرح مضمون التقدم. فالمناطق المتنازع عليها تبقى متنازعاً عليها حتى توقيع الاتفاق النهائي للترسيم، والامتناع عن الإجراءات الأحادية في هذه المناطق يبقى موجباً لا نقاش حوله حتى إنجاز هذا الاتفاق. وبالتالي فإن العملية أعادت استحضار مفهوم المناطق المتنازع عليها، ومنع أي عمل فيها، قطعاً للطريق على أي رهان او وهم بإمكانية البدء بالعمل في حقول بحر عكا، تحت شعار أن هناك مساراً تفاوضياً، وهناك تقدماً فيه. وهو أمر قد يستمرّ شهوراً وسنوات، تستثمر خلالها الثروات من جانب كيان الاحتلال، ولبنان يتفرّج وينتظر زيارة الوسيط الأميركي.

العملية تستمدّ قيمة إضافية من كونها أول تظهير عمليّ لجدية تعاطي المقاومة مع ملف الثروات البحرية، الذي تناولته قياداتها خلال السنتين الماضيتين بالكثير من التفصيل، ووفق آليات عمل المقاومة، فإن العملية هي إعلان انتقال الملف من يد القيادة السياسية للمقاومة إلى يد القيادة الميدانيّة للمقاومة، والاحتلال يعرف معنى ذلك جيداً؛ فهو يعلم أنه منذ الآن عليه أن يضع في الاعتبار أن المقاومة ترصد وتتابع على مدار الساعة كل تفصيل يخص حقول بحر عكا، وأنها تقف على الضفة الأخرى المقابلة له، وعليه أن يتوقع ردود أفعالها ويضعها في حساباته قبل الإقدام على أيّ خطوة عملية تخص هذه الحقول، ووفقاً لخبرة الاحتلال مع المقاومة فعليه أن يحلل ويفسر الكثير من رمزيات معينة تضمنتها العمليّة، بمدى توغّلها في العمق، وكيفية تجاوزها لأجهزة الرادار، ومبرّر اختيار ثلاث طائرات دفعة واحدة، ووظائفها، ومن كل ذلك الاقتناع أن حقول بحر عكا صارت جبهة اشتباك مفترضة مع المقاومة.

العملية وهي تُعيد الاعتبار لمفهوم المناطق المتنازع عليها، والقواعد الصحيحة لمضمون ودور العروض التفاوضيّة، والمسار التفاوضي النزيه، لا شرعية الإجراءات الأحادية خلال فترة التفاوض، جاءت جواباً بمفهوم الحرب الناعمة على رسائل تحذير تلقاها لبنان، وتخصّ المقاومة، جاءت من أميركا وأوروبا تقول إن أي عمل يستهدف العمل في حقول بحر عكا هو مغامرة تعرّض لبنان للخطر، وإن هذه الحقول صارت من ضمن الأمن القومي الأوروبي، وإن احترام لبنان للمسار التفاوضي يجب أن يتزامن مع كف يد المقاومة عن التعامل مع الملف. والجواب هنا واضح لا يحتاج الى الاجتهاد، فالمقاومة لا تُعيد تحذيرها وحسب، بل تنتقل الى رفع مستواه الى درجة الإنذار، وعلى الأميركي صاحب الحل التفاوضي، أو الأوروبي صاحب البضاعة المشتراة من الحقول، إذا أرادا نجاحاً للعمليتين التفاوضية والتجارية، أن يضعا في الحساب أن أي خداع أو تلاعب مع حقوق لبنان، واستخدام خبيث للوقت، لفرض أمر واقع لن يمرّ دون أن تقول المقاومة كلمتها، والمقاومة تعيد التهديد الأميركي والأوروبي إلى أصحابه مع عبارة «مرتجع مع الشكر»، وإضافة «انتبه أنت في منطقة عمل المقاومة».

الرسائل وصلت والمهمة أنجزت، طالما أن الجواب الإسرائيلي، الذي تضمنته التصريحات الصادرة عن مسؤولين وخبراء في الكيان، لم يلمح الى نية تصعيد، كانت المقاومة لا تريدها لكنها مستعدّة لها، ولا تخشاها، بينما ركز الموقف الاسرائيلي على ما يؤكد ظنون المقاومة، بالحديث عن سقوط صفة المناطق المتنازع عليها عن حقول بحر عكا، وتحريكه لبعض الأقلام والأصوات في لبنان لتكرار الكلام ذاته، ما يعني أن تحرك المقاومة جاء في وقته، وأن المهمة كانت ضرورية وملحّة، لأن ما كان مبيتاً هو ذهاب كيان الاحتلال لعملية استخراج الغاز، وتعليق لبنان على حبال انتظار الحديث عن إيجابيات، لا زال يتأرجح على شقيقتها في ملف الكهرباء الأردنيّة والغاز المصريّ من سنة.

تضيف المقاومة الى الأذن الصماء عيوناً مفتوحة وذراعاً جاهزة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة