خطيئتان للحراك لا يجيب عليهما المدافعون

نوفمبر 15, 2019

ناصر قنديل

– مع المناخ الذي أطلقه الحراك الشعبي في التعبير عن الغضب المقدس بوجه الفشل والفساد معاً، وبالتعبير الموحّد عن إرادة جامعة للبنانيين تعبر الطوائف والمناطق، وقع الحراك فوراً بخطيئتين يصعب أن يتحرّر من آثامهما. الأولى، استجابته لدعوات بعض المتحمّسين أو المتطرفين أو المندسين، لاعتبار قطع الطرقات وسيلة سلمية وديمقراطية للتعبير، وتبرّع عدد من قادة الرأي الذين راهنوا على الحراك للدفاع عن قطع الطرقات، على الأقل في الأيام العشرين الأولى من عمر الحراك. والثانية، مغادرة الحراك شعاراته الاجتماعية والمالية، المرتبطة بمكافحة الفساد ومعالجة الأزمات الضاغطة، إلى دخول اللعبة السياسية وتقديم منصته كواحدة من أدوات التفاوض حول التوازنات داخل المجلس النيابي، من باب الدعوة لاستقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط.

– بقطع الطرقات منح الحراك الشرعية لمجموعة من الأطراف والقوى التي تملك مشاريعها الخاصة لاستغلاله واستثماره واستعارة اسمه وأهدافه، للنزول بشوارعها في ساحاتها، والإمساك بطرقاتها، وصولاً لتقطيع أوصال المناطق ومعاقبة اللبنانيين، والتعدّي على حرياتهم وكراماتهم، والنيل من معنويات ومهابة الجيش والقوى الأمنية، وشيئاً فشيئاً تحوّل قطع الطرقات إلى مشروع منفصل عن الحراك تقوده مافيات وعصابات من جهة، وميليشيات من جهة أخرى، وصار الحراك يتلقى العائدات السلبية لقطع الطرقات، ويقطف السارقون ما يريدونه من عائدات إيجابية لهم وفق حساباتهم، فمن يُردْ المال وجد باباً لتحصيله عبر الخوّات التي فرضها على عبور شاحنات المحروقات والمواد التموينية والخضار والفواكه والطحين، متسبباً بارتفاع الأسعار على المواطنين الذين تقطع الطرقات باسم فقرهم، ومَن يُردْ تعزيز وضعه التفاوضي السياسي وإيصال رسائل بالتصعيد والتهدئة، صارت الطرقات بريده المعتمد خارج حسابات الحراك ومشروعه الأصلي.

– بطرح استقالة الحكومة والدعوة لحكومة جديدة، قدّم الحراك المنصة مرة أخرى للعبة ليست لعبته، فتجمّد كل شيء يتصل بالمطالب، ملاحقات الفاسدين، وصارت استقالة الحكومة فرصة لها كي لا تتحمل مسؤولية أي حلول فورية، كالتسعير بالليرة اللبنانية لكل السلع والخدمات على سبيل المثال، وصار الحراك ورقة ضغط لتسريع الاستشارات النيابية ورقة ضغط بيد رئيس الحكومة المستقيلة والمعني الأول برئاسة الحكومة المقبلة بتسميته أو قيامه بتسمية بديل يرضاه، دون أن يكون مضطراً لدفع فواتير سياسية لشركائه في الحكومة السابقة، وينال ضمانات على الأقل بعدم تمثيل أي من منافسيه في طائفته وإحكام قبضته على كل تمرّد على زعامته لها، حتى عندما يرشح سواه فهو يتصرّف بقوة الإمساك بهذه الزعامة، ويضع الحراك خصوصاً في طرابلس حيث الحيويّة المشهودة لساحتها أمام اختبارات ليست من جيبه.

– صار الحراك وسط طريق زحام، لا يقدر على التراجع ولا يملك قوة الدفع للتقدّم، حتى تولد الحكومة الجديدة، وعندها لو رفض هذه الحكومة فسيمنح الرئيس الحريري فرصة العودة كمخلّص. وهذا هو المأزق الذي صنعه أصحاب قطع الطرقات وشعار استقالة الحكومة، وهو مأزق رفض التخلّي عنهما مبكراً ضمن مبادرة لتجسير المسافة بين الحراك والمقاومة.

Related Videos

Related News

«إسرائيل» بدأت تستثمر… صدّقوا أو لا تصدّقوا!

 

نوفمبر 14, 2019

ناصر قنديل

– منذ جولة المواجهة الأخيرة في غزة التي انتهت بتثبيت التهدئة بشروط المقاومة، وبعد عملية أفيميم التي عجزت قيادة جيش الاحتلال عن تحمّل تبعات قرار الردّ عليها، وتقبّل نتائجها بشمول الوجود المقاوم في سورية بغطاء معادلة الردع، ومعادلة الردع هذه سارية المفعول، لكن ها نحن فجأة أمام خطوات تصعيدية تشكل رسماً لقواعد اشتباك جديدة تقدم عليها قيادة جيش الاحتلال مدعومة من المستوى السياسي للفريقين المتنازعين على تشكيل الحكومة بعد انتخابات الكيان الأخيرة، فاغتيال القائد العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ومحاولة اغتيال أحد قادتها في دمشق، ليس حدثاً عادياً، ولا مجرد انقلاب على قواعد الاشتباك القائمة، بل تجرّؤ على المغامرة بمحاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، فما الذي تغيّر؟

– كل التوازنات العسكرية الحاكمة لتوازنات غزة لم تتغيّر، وكل توازنات المنطقة لم تتغير، وكل الذي يتغير هو ما تتداوله المواقع الإسرائيلية السياسية والعسكرية، وبعض المواقع العبرية المتخصصة، ومحوره فرصة لن تتكرر لاستفراد غزة، التي كانت جزءاً من معادلة رسمها السيد حسن نصرالله مضمونها ما قاله منذ شهور عن اعتبار كل حرب تطال جبهة من جبهات محور المقاومة ستكون حرباً مع المحور كله، وتستند التحليلات الإسرائيلية إلى أن ما يشهده لبنان كافٍ لشلّ قدرة حزب الله على ترجمة معادلته التي رسمها، والتي كانت مخصصة لحماية غزة، وتثقيل مقدراتها بعناصر إضافية، وأنه لا حاجة لانتظار رهان قد لا يتحقق باشتعال حرب أهلية في لبنان، بل يجب الاستثمار سريعاً على انشغال حزب الله بالأزمة الحكومية التي تهدّد مشاركته في الحكومة الجديدة، وعلى انشغال الحزب بترتيب علاقته بالشارع الذي يضعه في دائرة المسؤولية بالتشارك مع سائر المشاركين في الحكم، عن الأزمة الاقتصادية، خصوصاً انشغال الحزب أمنياً بترتيب حركته العسكرية في ظل قطع الطرقات الذي يطال كل مناطق لبنان، ويذهب بعض الكلام الإسرائيلي للحديث عما هو أبعد من مجرد الاستثمار، للحديث عن دور إسرائيلي خفيّ في تشجيع رعاية بعض الدول العربية لقوى وقيادات ومؤسسات سياسية واجتماعية وإعلامية ترعى هذا الشارع.

– الأكيد أن قيادة جيش الاحتلال تدرك عجزها عن مجرد التفكير بحرب على المقاومة في لبنان، لكن الأكيد أن سعي قيادة جيش الاحتلال لتغيير قواعد الاشتباك على الجبهتين السورية والفلسطينية يعني المقاومة في لبنان كثيراً، سواء بتداعياته على مستقبل التوازنات، أو من خلال موقع المقاومة اللبنانية في قيادة محور المقاومة، وبمثل ما لا يحمل هذا الكلام أي اتهام للناس الذين خرجوا إلى الشارع بوطنيّتهم لا سمح الله، فهو يجب أن يفتح عيون الذين وضعوا شعارات الحراك إلى أن هناك عدواً يقف وراء الجدار يتنصت على ما يدور في شوارعنا، ويعرف كيفية توظيف كل سانحة صغيرة، فيكف بخطيئة كبيرة بحجم تجاهل الحراك حقيقة كون لبنان في دائرة الاستهداف، والإصرار على اعتبار أنهم معنيّون فقط بالبعد الاجتماعي، ومن حقهم التلاعب بحدود مسؤوليات الأطراف السياسية عن الفساد والخراب المالي والاقتصادي، فيمنحوا عفواً رئاسياً لرئيس الحكومة ويدعون علناً لترؤسه الحكومة الجديدة، ويصرّون على شمول المقاومة بشعار كلن يعني كلن .

– الأكيد أن المقاومة في غزة ستردّ على العدوان، وستردّ الاعتبار لمعادلة الردع، لكن غير الأكيد أن تنتهي الأمور عند هذا الحد، وقد تتطوّر نحو ما هو أشد خطراً، في لحظة ترسيم توازنات الربع الأخير من الساعة، وقد تحدث مفاجآت إقليمية كبرى تجعل الحدث اللبناني في الشارع بعض ذكريات، ونندم على ضياع الفرصة، ولات ساعة مندم، لأن ثمّة مَن أراد أن يفصل بين مسؤولية الحراك عن حماية المقاومة، ومسؤولية المقاومة عن الوقوف مع الحراك.

Related Videos

Related Articles

العقلانية والواقعية لا التهويل والحرب النفسية

 

نوفمبر 9, 2019

ناصر قنديل

– الحراك الشعبي الذي لا يزال تعبيراً عن غضب الشعب اللبناني بشرائحه الواسعة من فشل وفساد أداء السلطات المتعاقبة، في المجلس النيابي والحكومة والمرافق المالية والقضاء، ليس صاحب نصوص قرآنية أو إنجيلية لا تقبل النقاش، خصوصاً أن الغضب أسوأ موجّه للسياسة، في بلد شديد الحساسيات السياسية، وبصورة أخصّ أن الشعارات والمواقف الوافدة على الحراك سواء عبر الإعلام أو عبر الجمعيات المنظمة التي تلقي شعاراً وتواكبه بحملة تسويق، ليست ثوابت لا يستطيع الحراك التحرّر منها. وها نحن أمام تحوّلين كبيرين في مسار الحراك لصالح إعادة نظر في عناوين طبعته منذ يومه الأول.

– اتهم كل مَن نادى بانسحاب الحراك من قطع الطرقات، وشرح حجم الأذى الذي يتسبّب به ذلك العناد المشاغب على الناس ومدى الضرر الذي يلحقه بالحراك نفسه، ويؤدي لانفضاض الشعب عنه وفقدانه صفة التمثيل الجمعي للوجدان اللبناني، بأنهم جماعة السلطة الفاسدة وحماة الفساد. وعندما تراجع الحراك عن قطع الطرقات لأنه بدأ يستشعر الضمور والتراجع وانفكاك الناس، حاول الراكبون على موجة الحراك لتحويله أداة أحقادهم هم وسياساتهم هم، وأغلبهم لا يميّزون بين الحراك الشعبي وحركة 14 آذار التي يمجّدونها وهم ينعون فشلها كل يوم، لأن قادتها لم يخلصوا لها، وسادتها في الخارج لم يثبتوا دفاعاً عن سقوفها المستحيلة. وبالطبع ينتقم هؤلاء الأربعتش آذاريون من انتصار المقاومة التي ناصبوها العداء بمحاولة جعل الحراك هزيمة لها، بينما تراجع الحراك عن قطع الطرقات تأكيد لصدق المقاومة مع الحراك، ولفرص تلاقي الحراك مع المقاومة.

– بالطريقة ذاتها تمّ دسّ شعار إسقاط الحكومة على الحراك، ومن خلفه تمّ دسّ شعار حكومة تكنوقراط، بمثل دسّ قطع الطرقات، ومثلما لقطع الطرقات حسابات أمنية لا تمتّ للحراك بصلة، لإسقاط الحكومة وحكومة التكنوقراط حسابات سياسية لا تمتّ للحراك بصلة، وتخدم أهداف أصحابها بقوة استعمال الحراك، وسهل استنتاج الآثار المدمّرة لاستقالة الحكومة على الحراك والبلد، بمجرد تخيّل الوضع لو لم تستقل الحكومة وبقيت تطبق ورقتها الإصلاحية، سواء لجهة العفو العام وقوانين مكافحة الفساد وقروض الإسكان، والسير بمؤتمر سيدر. فالأكيد أن الوضع المالي والنقدي كان أفضل، والطريق نحو إقرار قانون جديد للانتخابات وصولاً لحكومة من غير المرشحين تشرف على الانتخابات في الربع الأول من العام المقبل بسلاسة تمهيداً لانتخابات مبكرة تجري على أساسه في الصيف أو الخريف من العام المقبل. وخير دليل على مراجعة الحراك مضمون دعوته لاستقالة الحكومة القائمة على ركيزتين، كلن يعني كلن و حكومة تكنوقراط ، أن الحراك بغالبية مكوّناته وساحاته شهد مراجعة وتراجعاً عن شعار كلن يعني كلن بإيجاد مبررات واقعية وعقلانية لاستثناء رئيس الحكومة سعد الحريري من هذا الشعار ليس لتبرئته من المسؤولية، بل لمنع تصوير استبعاده إخلالاً بتوازن طائفي بين الرئاسات، ولضمان تحقيق المرتجى من مؤتمر سيدر حيث لوجوده دور أساسي، والدليل الثاني أن الحراك الذي رفع شعار حكومة تكنوقراط، نقض شعاره ومضمون الثقة العمياء بالتكنوقراط بخوض معركة مواجهة مع أبرز رموز التكنوقراط في لبنان وأكثر المشهود لهم بالخبرة، وأكثرهم ثقة في الخارج، وهو حاكم المصرف المركزي، وصولاً لرفع الحراك شعار يسقط حكم المصرف . وهذه كلها دلائل على أن شعارات الحراك ليست قرآناً ولا إنجيلاً، وعلى أن الحراك يعيد النظر بشعاراته بعقلانيّة وواقعيّة، ولا يحتاج للمبخّرين أو المخبرين وبينهما مجرد اختلاف ترتيب حروف.

– مخاطبة الحراك بالدعوة للعقلانيّة والواقعية لحكومة جديدة تشكل تلبية للحاجة المزدوجة لتكنوقراط ملتزم بالسياسات الوطنية والشعبية، ولا تشكل تحقيقاً لأجندات خارجية وداخلية بتحقيق مكاسب سياسية لا صلة لها بحقوق الناس ولا تخدمها، هي مخاطبة تشبه دعوة الحراك للانسحاب من قطع الطرقات، وقد لاقت تجاوباً، ومشابهة لما فعله الحراك بقبول بقاء الرئيس الحريري، وما فعله باستثناء منظومة التكنوقراط من القدسية والتأليه، ما يسهّل فرص تصحيح خطأ استقالة الحكومة، التي لم تخدم الحراك ولا البلد ولا الناس، ويفتح الطريق لحكومة تلتزم برنامجاً إصلاحياً يوسّع مضمون الورقة الإصلاحية وصولاً لقانون انتخابات جديد، على اساس الدائرة الواحدة والنسبية، لكنها حكومة لا تخلّ بالتوازنات التي جاءت بها الانتخابات النيابية، ضماناً لاحترام نتائج الانتخابات المقبلة التي يطالب الحراك أن تكون مبكرة، ولا مصلحة له بتسجيل سابقة عدم احترام تمثيل الحكومات لنتائج الانتخابات.

– ما يجري الآن هو لحس مبرد يستثمر عليه داخل وخارج يسرعان بلبنان نحو الانهيار، بالاستقواء بكذبة عنوانها، أن الحراك لن يقبل إلا بنسف المعادلات السياسية التي ثبتتها الانتخابات، ليمتطي بعض الداخل والخارج هذا النسف للقبض على لبنان، بحكومة يسمّيها هذا الداخل والخارج ويستثني فيها من يريد من معادلة كلن ، ويصيب بها من يريد، هي حرب نفسية قاسية تُخاض في أروقة المصارف وعلى شاشات التلفزة، ولا يهمّ أصحابَها أن يفقد اللبنانيون فيها ودائعهم، ومصادر رزقهم، وتسقط ليرتهم بالضربة القاضية، في ظل هتاف، ثورة ثورة ثورة.

Related Videos

Related Articles

 

 

المقاومة والحراك: ثلاث معادلات حاكمة في لبنان

نوفمبر 7, 2019

ناصر قنديل

– يدور الوضع المأزوم في لبنان على ثلاثة محاور في آن واحد: الأول هو محور المواجهة بين المقاومة والمشروع الأميركي، الذي يلعب على حافة الهاوية في لحظة تكاد حروب المنطقة تصل لنهاياتها بخسائر جسيمة لحقت بهذا المشروع تكرّست خلالها اليد العليا لمحور المقاومة وحلفائه في سورية واليمن والعراق وجهة الملف النووي الإيراني مع عجز العقوبات الأميركية عن إخضاع إيران او دفعها للانهيار، ومع العجز الأميركي عن مجاراة قدرة إيران وقوى المقاومة على مواصلة التحدّي في الميدان العسكري كما قالت عملية إسقاط الطائرة التجسسية الأميركية العملاقة في هرمز، وعملية أفيفيم في شمال فلسطين المحتلة، وعملية أرامكو في السعودية. وعلى هذه الجبهة التي يحاول الأميركي عبرها إلحاق خسائر بقوى المقاومة من بوابة الضغط المالي وصولاً للانهيار، بهدف تحقيق تفوّق تفاوضي أو توازن خسائر لا تزال المقاومة تراقب حدود القرار الأميركي بأخذ لبنان نحو الانهيار المالي، من خلال مواقف تتظهّر على الساحة اللبنانية السياسية والأمنية، ومنها حدود ما يجري على ساحة الحراك.

– تتصرّف المقاومة على هذه الجبهة بتروٍّ وهدوء، لأنها لا ترغب بالذهاب لخيارات راديكالية تتمثل بتشكيل حكومة موالية للمقاومة وخيارها بالكامل في ظل وجود أغلبية نيابية كافية لذلك ووجود رئيس جمهورية قادر على ذلك، وترك الانسحاب من الشراكة العمليّة في السلطة في لبنان على أكثر من صعيد، التي يشكل الأميركي مباشرة عبر التمويل، وبصورة غير مباشرة عبر حلفائه، الطرف المقابل فيها. وعندما يبدو ثابتاً أن الأميركي ذاهب لكسر الشراكة، وصولاً لدفع لبنان نحو الانهيار المالي، سيكون الخيار الراديكالي حاضراً، وفيه إجراءات تتخطّى موضوع الحكومة الملتزمة بالمقاومة، وصولاً لمحاكمات نوعية في ملفات الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وكلها تمّت تحت العين الأميركية وبرعاية وتشجيع أميركيين كما تقول مواصلة عمليات التمويل ومنح القروض الدولية، وكذلك ستكون المحاكمة على سياسات الاستدانة التي تمّت برعاية وتشجيع أميركيين. والأهم أن لبنان سيكون ضمن محور اقتصادي يبدأ من الجيرة الجغرافية مع سورية والعراق وصولاً لإيران وانتهاء بالصين وروسيا. والمعطيات المتوافرة تقول إن الأميركي لن يذهب لنهاية الطريق في دفع لبنان نحو الانهيار لأنه يدرك النتائج والتبعات.

– المحور الثاني الذي تدور عليه التطورات هو محور العلاقة بالمكوّنات السياسية الأخرى، وخصوصاً ثنائي تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، وعنوان المراقبة والمتابعة هنا هو، رؤية مدى وجود مشروع خفي يريد الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية بداعي مقتضيات تشكيل حكومة جديدة تلبي تطلعات الشارع، وإفساحاً في المجال لتظهير النيات، تنفتح المقاومة على خيارات عديدة تطرح على الشركاء في الحكومة السابقة، تلاقي في جوهر برامجها حاجات الإصلاح ومكافحة الفساد والنهوض بالاقتصاد ولا مانع من مراعاتها في الشكل للكثير من الحساسيات والحسابات، شرط حفظ التوازنات التي حملتها الانتخابات من جهة، وعدم تبطينها لقرار أميركي باستبعاد المقاومة عن الحكومة أو السعي لإلحاق خسائر بأي من حلفائها. وعلى هذا الصعيد لا يزال البحث جارياً عن تلاقٍ في منتصف الطريق، يبدو ممكناً وتقول الأجواء السياسية بأنه يحقق تقدماً.

– المحور الثالث، هو التجاذب والتلاقي مع الحراك الشعبي الذي لاقته المقاومة بانفتاح وترحيب، ووجدت فيه قوة ضغط نحو مكافحة الفساد وإصلاح الوضع الاقتصادي، وسجلت قلقها من شعاراته غير المحسوبة مثل إسقاط الحكومة وصولاً للعهد والمجلس النيابي، وما يترتّب على ذلك من قفزة في المجهول وتسريع للفراغ والفوضى، كما سجلت اعتراضها على أساليب قطع الطرقات والشتائم التي طبعت الحراك في أيامه العشرين. وكانت تراقب تطور الحراك وتأثير خطابها في أوساطه، ويبدو أن التلاقي في منتصف الطريق يقترب، وأن تموضع الحراك على خط الانسحاب من قطع الطرقات، وتركيزه على الاحتجاجات المرتبطة بملفات الفساد، وابتعاده عن الشتائم، يجعله أقرب للتلاقي مع المقاومة في منهج عمل يتيح ضخّ قوى ومقدرات شعبية لحساب الضغط المنسّق من أجل تحقيق أهداف الحراك.

Related Videos

Related Articles

الاتصالات مغارة علي بابا فهل تقتحمها «الثورة»؟

نوفمبر 6, 2019

ناصر قنديل

– سيكتشف مَن يحقق فعلياً في وضع قطاع الاتصالات مئات المخالفات المتصلة بنهب اللبنانيين، من دفعة الـ 500 التي سُدّدت كتأمين على شراء الخطوط ولم تتم إعادتها، إلى ما يُسمّى بالاشتراك الشهري بقيمة 25 على الخطوط الثابتة، وصولاً للأسعار التي لا تشبهها أي أسعار في العالم، وبالمناسبة في سورية المجاورة لا زالت الخدمة أفضل والسعر أقلّ بكثير، وبين المشغلين شركة أجنبية عالمية. أما عن طريقة الفوترة فحدّث ولا حرج، من انقطاع الاتصال مراراً لتسجيل تراكم دقائق أولى، إلى خدمات الإنترنت القائمة على سرقة موصوفة بأرقام خيالية لكل استهلاك زائد عن الباقات المباعة، كما سيكشف كل تحقيق جدّي أن ثمة رواتب خيالية تدفع لأشخاص متنفعين تمّت إضافتهم بلا مبرّر لهيكلية الشركات ومستشاريها، وستفوح رائحة الفضائح من عقود علاقاتها العامة، إضافة لموازنات بعشرات ملايين الدولارات، وضعت بتصرف الوزراء المتعاقبين تمّ إنفاقها على مجالات لا تهم الدولة ولا المواطن، وأغلبها تسديد لخدمات سياسية لحساب الوزير وحاشيته، وترف إنفاق استهلاكي فردي على حساب الدولة، وصولاً لفضيحة شراء المبنى الجديد لشركة تاتش.

– تسعير خدمات الخلوي بالليرة اللبنانية ليس كل شيء بل هو بعض من أشياء يتمّ الكذب بصددها وتجب معالجتها، وحبذا لو أن الحراك يضع قطاع الاتصالات أولوية له، ولا يبدّد جهوده نحو ميادين أخرى. فالتضليل الذي وقع الحراك ضحيّته تحت شعار استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة عنوانها كفاءات تُنقذ البلد من ذوي الكفاءات والمشهود لهم بالنزاهة. تفتح باب السؤال لذوي الدرسات العليا في العلوم السياسية في صفوف الحراك، هل حسمت البشرية بفلسفاتها ونظرياتها العالمية، طريقة لكيفية اختيار هذه الحكومة واصطفاء النخب المناسبة للحكم، أو ليست الديمقراطية محاولة لتحقيق هذا الهدف، وتداول السلطة اعتراف بإخفاقها؟

– تاه الحراك عشرين يوماً تحت شعار الحكومة الجديدة مانحاً القوى السياسية التي يئس منها مجدداً فرصة الإمساك باللعبة، لأن المرور عبرها إلزامي في كل تشكيل سياسي أو حكومي. كما تاه في زواريب أشكال التحرّك الضاغط، خصوصاً قطع الطرقات التي لم تعُد على الحراك سوى بالسلبيات، ومنح القوى السياسية التي تمّت الثورة بوجهها فرص اختراق هذه الثورة ، والتحكم بسمعتها وعلاقاتها بشوارع لبنانية يسعى بعضها للتنمّر على بعض وتسجيل نقاط لا يخصّ الحراك ولا يخدمه، وتشكل انتهاكاً لأبسط حقوق الإنسان التي يُفترض أنها من محرّكات الحراك، ولم يظهر قطع الطرقات إلا أسوأ ما لدى الحراك لأن الثورات في تاريخها تكتب أن المهام الشارعية لا تستقطب في الثورات سوى أسوأ عناصرها فتضيع المسافة بين الثوار وقطاع الطرق ويبدأ الذبول والانهيار والتآكل، لذلك لا بد مع تذكر الحراك مهامه في قطاع الاتصالات من التذكير بأن هذا القطاع مفتاح هام لا يجب أن يضيع وسط الصخب. وبداية الحديث عن أولوية هذا القطاع تعني أولوية التعرّف على ما تحتوي مغارة علي بابا، بدعوة نخب وخبراء ومدراء سابقين ووزراء سابقين يملكون المعلومات ومستعدين للإدلاء بها ليطلع الشعب اللبناني على الحقائق. والأهم كي يتسنى للحراك وضع جدول بالقضايا المطلوب حلها، في قطاع حيويّ للشعب والخزينة، ومحوري في عيون صائدي الصفقات، وهو اليوم على جدول أعمال البيع السريع قبل أن يستفيق الشعب.

– أهم ما يفعله الحراك سريعاً، هو التفرّغ لقطاع الاتصالات، وهو بالتحديد تشكيل إدارة ظل لقطاع الاتصالات من خبراء وتقنيين وذوي اختصاص، ودعمها بتحرك شعبي هادر أمام الشركات والوزارة وقصر العدل، وليكن اعتصاماً مفتوحاً لمدة محددة حتى تتم التلبية المتعددة العناوين من الإجراءات المالية والخدمية، والملاحقات القانونية، والشفافية المحاسبية. وبعد نهاية المهلة يكون معلوماً أن إدارة الظل ستتحوّل إلى إدارة فعلية مؤقتة وتقتحم الشركات، وتضع يدها على إدارة القطاع بما يحقق وفراً للخزينة ويخفف الأعباء عن المواطنين، وهذا عمل ثوري تهون في سبيله التضحيات والمواجهات، وسيقف الشعب كله وراء الحراك مدافعاً لمنع النيل منه ومن ثواره .

– هذا هو مفهوم الثورة الحقيقية التي تعرف كيف تكافح الفساد وتدافع عن حقوق الشعب، ولا يعادل هذا الإنجاز إذا تحقق أي تشكيلة حكومية ينتظرها الحراك بعدما جعل إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة جديدة قضيته الأولى، ويختلف الاشتباك لأجلها عن الاشتباك لمنع المواطنين من التنقل.

– عندما يتحقق كل إنجاز في هذا المجال، فهو إنجاز يطال كل مواطن، ويقدم مثالاً ويشكل سابقة قابلة للتكرار في قطاعات أخرى، ويشكل رسالة تجعل للحراك ديناميكية لا يستطيع أحد إيقافها، ويُحسَب لها ألف حساب وحساب.

Related Videos

Related Articles

 

 

منعاً للالتباس… اقرأوا السيد جيّداً

منعاً للالتباس… اقرأوا السيد جيّداً

نوفمبر 2, 2019

ناصر قنديل

– يحاول الكثيرون وضع كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في سياق استنسابي وانتقائي بعيد عن الموقع الذي يفترض فيه قراءة المواقف التي تصدر عن قائد بحجم ومكانة وتأثير السيد نصرالله. وتعدد الجبهات التي يقرأ منها ما يصدر عنه، والذين يقعون في الاستنسابية والانتقائية يقارنون كلمة السيد نصرالله بكلمته الأخيرة لجهة نبرة التخاطب مع الحراك الشعبي، ويستنتجون أن السيد نصرالله استبدل التحذير من الذين يملكون مشروعاً وأدوات لإدارة الحراك وتوجيهه إلى الدعوة لأخذ مطالبه، متجاهلين بهذا الاجتزاء أن هذه هي الكلمة الثالثة للسيد منذ بدء الحراك، حيث الكلمة الأولى كانت أشدّ حرارة في مدّ الجسور مع الحراك، والدعوة لأخذ مطالبه، وقد جاءت في ذروة التظاهرات، والقراءة الصحيحة هي التي تأخذ الكلمات الثلاث وترسم خطاً بيانياً للموقف على إيقاع المسار الذي يسلكه الحراك ومعه، وربما أحياناً خلفه وأحياناً أمامه، تسلكه التطورات السياسية في لبنان، وتحديد مركز الثقل المطلوب مخاطبته، والوظيفة التي يؤديها كل مكوّن من عناصر المشهد السياسي، والحراك أحد هذه المكوّنات وليس كلها، ومرة يكون أبرزها ومرة يتراجع إلى الخلف، وبالتالي فهم المهمة الوظيفية للمواقف التي تضمنتها كلمة السيد في كل مرة.

– الكلمة الأولى للسيد نصرالله كانت في 19-10 بعد يومين على اندلاع الحراك الشعبي. وقد كان الحراك في ذروة الحضور، وكان في قمّة طابعه الشعبي النقي والعفوي، وكانت مهمة الكلمة مخاطبة الحكومة عبر تبنّي مطالب الحراك وتفسيره لمكوّنات الحكم، ودعوة الحراك للتنظيم والعقلانية والتحسّب للمخاطر، والسعي لجمع عقلنة الحراك من جهة مع الضغط من داخل الحكومة من جهة موازية، لمنع وقوع محظور يدرك السيد نصرالله أنه مكمن الخطر وهو الفوضى، وبوابته الفراغ، مدخلها استقالة الحكومة. أما الكلمة الثانية فكانت في 25- 10 بعد أسبوع تقريباً على الكلمة الأولى، وكانت جهود السيد نصرالله قد انصبّت على إقرار سياسة حكومية تلاقي الحراك في منتصف الطريق منعاً لجعل استقالة الحكومة مطلباً مشروعاً، وكانت الجهود قد أفلحت مع الحلفاء ومكوّنات الحكومة وخصوصاً رئيسها صاحب مشروع الضرائب والرسوم ورئيس فريق ضريبة الواتساب، والرافض لفرض مساهمات وازنة على المصارف لمواجهة عجز الخزينة، والممتنع عن إقرار حزمة إجراءات تيسّر الدورة الاقتصادية، وصدرت الورقة الإصلاحية للحكومة، التي رفضت من الحراك وبُنيت عليها الدعوة للتصعيد حتى استقالة الحكومة وإسقاط العهد وإسقاط المجلس النيابي. فاستدار السيّد نحو الحراك يحذّر من خطورة الاتجاه الانتحاري القائم على فتح الطريق إلى الفراغ والفوضى من بوابة الدعوة لإسقاط المؤسسات في ظلّ استعصاء استيلاد البدائل، وفتح العين على الهوية الحقيقية لصاحب مشروع الفوضى والفراغ، والتحذير من تمكينه من السيطرة على الحراك وتوجيهه. أما الكلمة الثالثة، فجاءت في 1-12 أي بعد أسبوع على الكلمة الثانية تقريباً، وكان رئيس الحكومة قد استقال، فوقع المحظور، وصار خطر الفراغ والفوضى حاضراً، ولم يعُد ينفع التحذير. فلا الحراك تحمّل المسؤولية وقام بما يجب لمنع وقوع الخطر، ولا رئيس الحكومة فعل.

– مهمة الكلمة الثالثة لم تعُد تعبوية ولا توضيحية، ولا تحذيرية. فالحراك كصانع للسياسة تنازل عن مكانه ودوره وصار في خلفية الأحداث بعدما استقال رئيس الحكومة، وبدأت تعلو اصوات استثنائه من شعار كلن يعني كلن تطغى على بعض ساحات الحراك والمؤسسات الإعلامية ذات الدور القيادي فيه. ومعها بدأ الصراخ المذهبي يتقدم على الخطاب الوطني الذي عبر عن الأمل بسياق سياسي عابر للطوائف مع بداية الحراك، ولم تعد ثمة قيمة لمناقشة من يولومون حزب الله على موقفه ورفضه دعوتهم ليقود الحراك نحو إسقاط الحكومة، لأنه بالأصل يرى المشكلة في الدعوة وليس في آلية تحقيقها وهو قادر على إسقاطها من دون الاستناد للحراك، وقد سبق وهدد السيد نصرالله باللجوء إلى الشارع ما لم تستجب الحكومة لنداء الامتناع عن فرض ضرائب ورسوم جديدة، لكن القضية صارت في مكان آخر الآن، حيث تلاقى الذين نجحوا بأخذ الحراك نحو الدعوة لاستقالة الحكومة، مع الذين أخذوا رئيس الحكومة نحو الاستقالة، وبات على حزب الله أن يضع بعض النقاط على الحروف بحدود الممكن، مع انتقال السياسة من العلنية إلى الكواليس بتنازل الحراك عن موقعه القيادي منتشياً بلحس مبرد الاستقالة والقراغ.

– حدّد السيد أن الكلام عن الخطر لا يعني الخطر على المقاومة، وجاءت الإشارة المختصرة مع الابتسامة الكبيرة لذكره السلاح النوعيّ الجديد الذي استخدمه المقاومون في التعامل مع طائرة الاستطلاع الإسرائيلية، تعبيراً عملياً عن أن المقاومة لا تستشعر خطراً عليها وليست قلقة على إمساكها بالمعادلات الاستراتيجية، وهي قوية وقوية جداً جداً ولم تستعمل أي ورقة من أوراق قوتها بعد، كما قال السيد. والرسائل كلها هنا للخارج الأميركي والخليجي والإسرائيلي، والتتمة هي أن المقاومة قلقة على لبنان وترى الخطر على لبنان، وهنا مصدر القلق والخطر هو، بعدما تشارك الذين دفعوا الحراك نحو مطلب استقالة الحكومة والذين دفعوا برئيس الحكومة للاستقالة، وتمت الاستقالة ووقع المحظور، التحسب لمنع الفراغ والفوضى من التسلل من بوابة الاستقالة. وهذا يلقي على الحراك مسؤولية نبذ لغة السباب والشتائم، والتخلّي عن لعبة قطع الطرقات، وكلاهما يؤديان للفوضى، لكن المسؤولية الأهم، والجبهة الأساس لم تعُد عند الحراك بإرادته التي تنازل عن حضورها المطلبي، لصالح دعوة الاستقالة وصار عليه الانتظار. وقد صارت المعادلة بيد السياسيين. وهنا تتمة اهتمام السيد دون كشف الأوراق، ولا إعلان الخيارات، لمنع التلاعب والابتزاز، بقوة الحاجة لحكومة جديدة لفرض معادلات تهزّ الاستقرار السياسي، وتخالف القواعد الدستورية والميثاقية، وتحقق مشاريع الخارج بإعادة فك وتركيب المشهد السياسي بإلغاء نتائج الانتخابات النيابية. وهذه عناوين لا حاجة لطرحها في التداول لأن مكانها المشاورات التي تجري حول مَن سيشكل الحكومة الجديدة، ودفتر شروط تشكيلها.

– ضاع البعض في التحليلات، وبعض آخر في التخيّلات، والأصل في القراءة هو وجهة التحدي والمسؤولية، فهذا دأب المقاومة، ولسان حال السيد نصرالله كقائد لهذه المقاومة، ورب سطر واحد في خطاب يختصر ما أراده صاحب الخطاب، والاكتشاف مسؤولية المتلقي بحثاً عن هذا السطر المبين في النص المتين. فلا تضيعوا والخطاب متشعّب وطويل، وربما هذا من ضرورات لغة الرسائل المشفرة.

Related Videos

Related Articles

حكومة لستة شهور للانتخابات

 

نوفمبر 1, 2019

ناصر قنديل

بات واضحاً أنّ هناك مشروعاً سياسياً داخلياً وخارجياً يقوم على تمرير بقاء الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة، مقابل ضمان خروج القوى السياسية من الحكومة لحساب ما يُسمّى بالتكنوقراط. وأنّ الحراك بعدما نجح الإمساك بدفته بوضوح بات جزءاً منخرطاً في هذا المشروع. والواضح أن هذا سيعني التحكم بالخيارات السياسية للدولة من قبل رئيس الحكومة، كسياسي وحيد في الحكومة. وبالمقابل سيكون أي اشتراط في تكوين الحكومة لضمان مشاركة متوازنة سياسياً وطائفياً، معرضاً لمواجهة ضغط في الشارع تحت تهديد الاتهام بالمماطلة بحكومة تحقق آمال الشارع بإصلاح جدّي، سيتمّ نسيانه عند الفوز بحكومة مطواعة، تلبي شروط الخارج وتفتح لها أبواب التمويل لقاء ذلك.

استقالة الرئيس الحريري تمّت ضمن صفقة رعاها الخارج مع الحراك الممسوك، مضمونها مقايضة الاستقالة بتسويقه رئيساً مقبلاً مقبولاً لحكومة التكنوقراط المنشودة، ومن دون أن يرفّ جفن للذين صرخوا لثلاثة عشر يوماً شعار كلن يعني كلن . وبدت بوضوح سهولة الإمساك بالحراك مع تحوّل الحريري إلى قائد ثورة، في ساحات الحراك. مطلوب أن يشكل الحكومة الجديدة، شرط استبعاد الآخرين. والآخرون هنا هم المقاومة وحلفاؤها، ولذلك لم تعُد الحلول الترقيعية والجزئية مجدية بل باتت مدخلاً لاستنزاف سياسي، وربما أمني بلعبة القط والفأر التي تلعبها القوى الأمنية مع قطع الطرقات، واستنزاف اقتصادي بالتأكيد عبر لعبة الغميضة التي يلعبها مصرف لبنان مع الدولار، وتمويل المستوردات.

جوهر الانقسام الحاصل في البلد يتصل بمحاولة واضحة لنقل مصدر الشرعية من المؤسسات الدستورية إلى الشارع الذي يستولي عليه حراك ممسوك من فريق داخلي خارجي لديه حليف شريك في المؤسسات الدستورية يستقوي به لترجيح خياراته ويفرضها بقوة الحديث عن تلبية مطالب الشعب، ولأن البديل المتمثل بتحريك شارع مقابل شارع سيعني ضمناً إتاحة الفرصة لتصوير الشارع المساند للمقاومة وحلفائها كشارع مدافع عن الفساد ورافض للإصلاح، لأن مقابله لن يكون شارع سياسي آخر، بل شارع الحراك الذي انطلق تحت عناوين الإصلاح ومكافحة الفساد.

الحراك قدّم للمقاومة وحلفائها حبل المشنقة الذي عليهم أن يمسكوا به لإطاحة المشروع الذي يراد تمريره تحت ظلال الحراك، وباسم الشعب يريد ، وذلك عبر الشعار الذي هتفت به الساحات، بعضها صادق وبعضها منافق. وهو الانتخابات النيابية المبكرة وفقاً لقانون انتخابي يرتكز على الدائرة الواحدة والنسبية، ولذلك يصير ممكناً للمقاومة وحلفائها قبول حكومة من غير السياسيين ولو كان رئيسها سياسياً، بشرط أن تكون حكومة انتخابات، محدودة الولاية بشهور قليلة متفق عليها لا تزيد عن ستة شهور، يتم خلالها إقرار قانون الانتخابات وتنفيذ الورقة الإصلاحية وإطلاق مؤتمر سيدر، وتجري الانتخابات في نهايتها، لتتمّ تسمية رئيس حكومة وتشكيل حكومة وفقاً لمعايير الديمقراطية، أغلبية تحكم وأقلية تعارض، فإعادة تكوين السلطة باتت أمراً ملحاً وحاسماً في استعادة الشرعية لمكانها الطبيعي وهو المؤسسات الدستورية، والخروج من دائرة الابتزاز تحت شعار الشعب يريد . والشعب هنا هو عشرة متظاهرين يقطعون الطريق وتلاقيهم مؤسسة تلفزيونية، أو مليون متظاهر، لا فرق.

المهم أن تتمسّك قوى المقاومة ومعها الحلفاء بتشكيل لائحة موحّدة لا مجال فيها لشركاء بلا تفاهمات سياسية صارمة وواضحة، وأن تتسع تحالفاتها لكل الشركاء السياسيين، وأن تمسك ببرنامج انتخابي واضح هو عودة فورية للنازحين السوريين بالتعاون مع الحكومة السورية، وفتح أسواق سورية والعراق أمام الشركات اللبنانية لإعادة الإعمار وتسويق المنتجات، وتأمين النفط بأسعار وشروط سداد ميسّرة، والانفتاح على روسيا والصين، لتأمين استثمارات في القطاعات الاقتصادية كالنفط والاتصالات وسكك الحديد والمطارات والموانئ والطرق الدولية، ما يتيح الانطلاق نحو السيطرة على الدين والعجز وإنعاش الاقتصاد، وبالتوازي تشكيل محكمة الفساد برفع الحصانات ورفع السرية المصرفية، ووضع مصير الـ11 مليار دولار ومغارة علي بابا في وزارة الاتصالات، ورفع الغطاء عن كل مُن يظهر تورطه في الفساد من صفوف الحلفاء، وفقاً لمعادلة منع سفر وتجميد أموال لثلاثة شهور لكل من تعاطى شأناً عاماً خلال ثلاثين سنة مضت بمن فيهم كبار الضباط وكبار القضاة والرؤساء والوزراء والنواب والمدراء العامين، تبتّ خلالها النيابة العامة في محكمة الفساد بتحديد اللائحة الاسمية للمشتبه بتورطهم بجرائم الفساد، لمنعهم من الترشّح لأي منصب في الدولة، والحجز على ممتلكاتهم وأموالهم في الداخل والخارج احتياطاً، حتى نهاية التحقيق والمحاكمة.

Related Videos

Related Articles

 

%d bloggers like this: