جعجع ديماغوجيا أم سفسطائية أم بروباغندا؟

ناصر قنديل

حاول الدكتور سمير جعجع مساجلة دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، استباقاً لمطالبته بتلقفها، والدعوة قائمة على الفصل بين الخلافات السياسية وبين الملفات الاقتصادية، وتنطلق من أن حجم وعمق الأزمة ببعديها المالي والاقتصادي يفرضان على الجميع التبصر في أن لا شيء سيبقى للخلاف عليه وحوله إذا وقع الانهيار الذي يحذّر منه الجميع. وهي دعوة تلامس ما يتمناه كل لبناني في سره لمستوى تفكير القادة ولدرجة تحمّلهم للمسؤولية، وقد بلورها السيد نصرالله بالدعوة لنوع من لجنة أو اجتماعات تشترك فيها الكتل النيابية مع الحكومة لبلورة الحلول ومناقشتها، والسير بما يتفق عليه انطلاقاً من حجم الخطر من جهة، وترجمة لدرجة الشعور بالمسؤولية من جهة موازية، ولعله من المفيد التذكير أن كلام السيد نصرالله لم يأتِ سجالياً، لا مع القوات ولا مع سواها.

بدأ جعجع تعليقه بوصف دعوة السيد بمحاولة التهرّب من المسؤولية، ثم دخل معها في مشروع سجاليّ، مشترطاً على حزب الله القيام بثلاثة، رفع الغطاء عن حلفائه في فساد الكهرباء، ووقف تدخله في ملفات عربيّة ترتب عليها انكفاء عرب الخليج عن دعم لبنان، ووضع سلاح المقاومة بعهدة الدولة لأن بقاءه خارجها أفقد الدولة المصداقيّة، وبالتالي الدعم الدولي. وحسناً فعل جعجع بأنه قال ما قال، وهو كلام يردّده كل خصوم المقاومة، في السرّ والعلن، ولو بالمفرق وجاء يعرضه جعجعج كبضاعة بالجملة، متهجماً بالاتهام بالتهرّب من المسؤولية على الحزب الذي لم يُعرَف عنه إلا التفوّق بالتصدي لكل تحدي بأعلى درجات المسؤولية.

في مدارس السجال والمنطق، تحضر لدى قراءة جعجع مدرسة الديماغوجيا والقائمة على تجميع تلفيقي لذرائع يمكن أن تبدو حججاً منطقية لتسويق موقف أو فكرة أو توجيه اتهام. وهي مدرسة الغوغائيّة الفكرية والمنطق الكلامي، أي الترتيب التسلسلي للكلمات وتنميق عرضها بما يوحي بتماسك الفكر الواقف خلفها. وهناك البروباغندا، وهي المدرسة الدعائيّة القائمة على الترويج الدعائي لفكرة يراد زرعها في عقول الناس من خلال توجيه أحادي لمنهج مقاربة الموضوع بعزله عن سياقه، ويرمي في طريق التلقي مجموعة معطيات مموّهة، وغامضة غير مثبتة، اعتماداً على خلق الانطباع بدلاً من الإقناع. والمدرسة الثالثة هي السفسطائية التي تمثل تفوّقاً منطقياً ومنهجياً، برفض القبول بالمسلّمات والبديهيات والتفوق في تفكيكها وصولاً لهزيمة المنطق الآخر، وربما تكون السفسطائيّة كمدرسة رافقت حكم الشعب وظهور ممثليه في أثينا بعد سقوط الأوليغارشيا، وحكم أمراء الحرب وأثريائها، موضوع تقليد لدى الكثير من الانتهازيين الذي يرغبون بالتشبّه بثوريّة السفسطائيين.

ما قاله جعجع سهّل النقاش والتفنيد إذا تحرّرنا من الانطباع، وكشفنا سطحية المنطق العاجز عن الإقناع. فأي غطاء يقدّم السيد نصرالله للفساد في قطاع الكهرباء. وهل تقدّم نواب القوات الواثقون مما بين أيديهم من توجيه الاتهام لمن يسمّيهم جعجع بحلفاء السيد نصرالله، ومعهم كما ظهر كلام الحليفين في قوى الرابع عشر من آذار، بطلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في ملف الكهرباء من ألف إلى يائه، منذ العام 1990، وليرفضها نواب كتلة الوفاء للمقاومة ليمكن اتهامهم بتوفير التغطية للفساد؟ وما أسهل الاختبار لو اراد جعجع وحزبه تحمل المسؤولية بدلاً من التهرّب منها! أما الحديث عن العرب الذين انكفأوا عن لبنان بسبب مواقف حزب الله، فهل قول جعجع إنهم انكفأوا يجعل ذلك حقيقة؟ وهل حجز رئيس حكومة لبنان حليف جعجع نظرياً، في فندق الريتز بالسعودية وإملاء الاستقالة عليه، كان انكفاءً، أم أن حلفاء جعجع من العرب هم شركاء في مواجهة تقودها واشنطن لحساب “إسرائيل”، وخطة المواجهة معلنة وقد راهنت على إفقار لبنان للضغط على المقاومة وسلاحها، كما يفعل جعجع، وصولاً للقول إن المال المطلوب ثمنه السلاح ولاحقاً ترسيم النفط وليلتحق باللاحق فرض مشروع التوطين؟ ونأتي لمصداقية الدولة، فهل ورد في مؤتمر سيدر حديث عن مصداقية الدولة في الإصلاح أم في السلاح، وهل تقارير شركات التصنيف العالمية تتحدث عن مصداقية الالتزام بالشروط والمعايير الشفافة للإنفاق، أم مصداقية الالتزام بالشروط الإسرائيلية للبنان الضعيف. ويعلم الدكتور جعجع أن هناك جهة واحدة هي واشنطن تربط هذه بتلك وتفعل ذلك لحساب “إسرائيل”، ويردد جعجع وراءها الربط، فهل سأل نفسه لحساب مَن يفعل؟

ثمة طريقان لمواجهة الأزمة، طريق تعرضه واشنطن علينا وتحدّث عنها كل من جيفري فيلتمان وديفيد شنك

ر مطولاً، وأسمياها طريق الازدهار الممكن، ومدخلها ما عرضه جعجع على السيد نصرالله، أي تعرية لبنان من مصادر القوة والانضواء تحت الوصاية الأميركية، وتلك قمة التهرّب من المسؤولية. وطريق أخرى وطنية لبنانية تقوم على الإقرار بالاختلاف بين اللبنانيين على أشياء كثيرة، والسعي للعمل معاً فوق الخلاف لخطة إنقاذ تعتمد على توظيف القدرات اللبنانية ووضع الخطط الإصلاحية، والتواصل مع الخارج للفصل بين خلافاته السياسية مع لبنان وبين تعاطيه مع أزمته الاقتصادية، بأن يبدأ اللبنانيون بفعل ذلك. وهذا هو عين تحمّل المسؤوليّة.

بعض البروباغندا، وبعض الديماغوجيا، لا يجعلان صاحبهما سفسطائياً، ولو بذل جهداً، فقد سقطت محاولته بكلمة تكرّرت كثيراً في ردّه هي المصداقية.

انتصار حلب بعشرة

انتصار حلب بعشرة


ناصر قنديل

في الظاهر يبدو انتصار الجيش السوري في أرياف حلب، واحداً من الانتصارات المتدحرجة التي بدأها الجيش السوري منذ تحرير أغلب أجزاء مدينة حلب قبل ثلاثة أعوام وبضعة شهور، لكن التدقيق سيكشف أهمية هذا الانتصار وتميّزه وتأثيره على المناخات السياسية والمعطيات العسكرية وتثبيته قواعدَ ستحكم كثيراً ما بعده.

انتصر أمن حلب أولاً وقد عانت العاصمة السورية الثانية لسنوات ما بعد التحرير الأول من القصف والاعتداءات اليومية، ونظراً للعمق التركي وراء مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية كان التجرؤ أكبر مما كانت تفعله هذه الجماعات في استهداف أمن دمشق من الغوطة قبل تحريرها، ورد الاعتبار لأمن العاصمة الاقتصادية سيكون له مردود كبير على حياة الناس أولاً وعلى النشاط الاقتصادي ثانياً، وبالتالي على مجمل الوضعين الأمني والاقتصادي.

النصر الثاني هو بفتح الطريق الدولي الذي يشكل شرياناً حيوياً بين العاصمة دمشق وكل من مدينتي حماة وحلب، وبالتالي بين نصف سورية ونصفها الآخر تقريباً، وهذا الربط الذي يختصر الوقت والمخاطرات المرافقين للطريق المؤقت البديل، يعني عودة للحياة الطبيعية سكانياً واقتصادياً وأمنياً، وخصوصاً بعودة نسبة كبيرة من النازحين من أبناء المناطق التي شملها التحرير أو وفّر لها الأمن أو سهل الانتقال إليها، وهي عودة مرتقبة بعشرات الآلاف من أكثر من وجهة نزوح.

النصر الثالث هو بسقوط آخر واجهات الاحتلال التركي من الميليشيات التي ترفع علماً مزيفاً باسم “الثورة السورية”. والمعلوم أن أرياف حلب كانت المنطقة الجغرافية التي تتمركز فيها هذه الجماعات ضمن تقسيم أدوار بينها وبين جبهة النصرة التي تتولى منطقة إدلب، وفقاً لترتيبات القيادة التركية، وسقوط آخر معاقل هذه الواجهات التي كانت تستعمل العلم السوري وتسعى لتغطية الاحتلال التركي بواجهة سورية، لا يعني فقط أن الاحتلال صار عارياً فقط، بل أيضاً سيكون له تأثير على مسار العملية السياسية وعمل اللجنة الدستورية، حيث كان بعض رموز ما يُسمّى بالمعارضة يستند لهذا الوجود في رفع السقوف وممارسة التعطيل.

النصر الرابع هو في كون ما تبقى من معاقل للجماعات الإرهابية بات تحت وطأة مفاعيل النصر السريع للجيش السوري، في حال انهزام وتفكك وضياع، وسيكون لهذا النصر تأثيره في رسم إيقاع المواجهات اللاحقة بعدما تم تفكيك وإنهاء بنى وهياكل تحتل مناطق تقارب بحجمها المناطق المتبقية تحت سيطرة جماعات النصرة، وتضم بين صفوفها أعداداً من المسلحين تقارب عدد من بقوا في المناطق التي يستهدفها التحرير اللاحق.

النصر الخامس هو بتثبيت معادلة العلاقة بروسيا وإيران، كحليفين لسورية، لحقت بالعلاقة بينهما وبين سورية حملات تشكيك ومحاولات نيل من المصداقية، وكانت أصعبها هذه المرة لخصوصية المناطق التي تدور فيها المعارك وموقعها المصيري بالنسبة للدور التركي، وما قالته توقعات أصحاب حملات التشكيك بأن ما كان يصحّ في التزام روسيا وإيران قبل إدلب وريفها وريف حلب لا يصحّ الآن، وقد بدأت أم المعارك. وجاءت النتائج لتقول إن ما يصحّ في فهم الحلف المبني على المصداقية هو قانون لا استثناءات فيه.

النصر السادس هو بالرسالة التي وجّهتها العملية للقيادات الكردية، التي كان بعضها يراهن على ثبات كانتون تفرضه تركيا لجماعاتها في ريفي حلب الغربي والشمالي لأهميته وحيويته على حدودها، وأنه سيكون ذلك فرصة لطلب المثل. وجاء النصر يسقط هذه الفرضية ويسقط معها المعوقات أمام التفكير العقلاني الذي يشكل شرطاً لنجاح الحل السياسي مع هذه الجماعات.

النصر السابع هو في تثبيت قواعد حاسمة لمفهوم السيادة في العلاقة السورية التركية، التي دخلت عليها بعض الأوهام لدى القيادة التركية، من نوع التلويح بالاستنجاد بالأطلسي أو بابتزاز الحليفين الروسي والإيراني، أو بالرهان على التهويل والترهيب بفرضية الحرب المباشرة بين الجيشين السوري والتركي، وكلها اختبارات جدّيّة وقاسية خاضتها القيادة السورية وفاز بها الرئيس بشار الأسد وأثبت الجيش السوري أهليته لتخطّيها، وباتت الحقائق التي قالتها معارك حلب خصوصاً حاكمة لمضامين لاحقة للعلاقة بين سورية وتركيا، عنوانها أن السيادة السورية خط أحمر.

النصر الثامن هو في تأثير معركة حلب الحاسمة على مستقبل الحسابات الإسرائيلية التي كانت تبني على ثبات تركيا ومَن معها من جماعات إرهابية ومن جهّزتهم من جماعات تحت مسمّى المعارضة، حسابات تفترض أن استعادة سورية وحدتها تحت سيادة جيشها أمر دونه الكثير، وبالتالي فالتعامل مع ما تسمّيه “إسرائيل” بالفوضى السورية مستمرّ لأجل بعيد. وجاء النصر ينبؤها بالعكس ويفرض عليها حسابات من نوع مختلف فقريباً ستكون سورية متفرّغة للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية، وقد استعادت وحدتها وسيادتها وعافيتها.

النصر التاسع هو في تأثير المعركة الفاصلة في حلب على مستقبل الحسابات الأميركيّة التي تنازلت عن الواجهة الكرديّة في المناطق الشرقية لحساب الأتراك كي يصمدوا ويثبتوا، ويؤخروا لحظة الاستحقاق عن الوجود الأميركي، وجاءت الساعات التي سبقت النصر لتحمل طلباً تركياً بالتدخل المباشر للأميركيين أو للناتو كشرط لخوض تركيا المعركة عسكرياً بجيشها، وأقام الجميع حساباته، وعندما قرّر الناتو عدم الدخول، فهذا يعني أن واشنطن هي التي قرّرت، وقرارها هنا هو نسخة عن قرارها اللاحق بالنسبة للمناطق الشرقية، وإلا لكان الأفضل دمج المعركتين معاً وكسب ما تؤمّنه شراكة تركيا من فرص أفضل.

النصر العاشر سياسيّ ودبلوماسيّ في علاقات سورية العربية والدولية، فالمتأخّرون عن دقّ أبواب دمشق، أو الذين فعلوا ذلك بتردّد وبالنقاط، باتوا يدركون أن عليهم مسابقة الزمن لفعل ذلك بصورة جدّية وسريعة وفعّالة، لأن الدولة السورية تُنهي آخر معاركها بسرعة، وتسابق الوقت بالمفاجآت، وعليهم أن يلاقوا ساعة النصر النهائي من سفاراتهم وقد استعادت كامل جهوزيتها ودورها في دمشق.

نصر أخير لا رقم له هو انتقام رفاق السلاح للقائد قاسم سليماني الذي أقسم لأهل حلب بأن يكون معهم في التحرير الثاني الآتي بلا ريب، فكانوا معه يهدونه نصرَهم العظيم في ذكرى الأربعين.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حديث الجمعة من طهران (2)– ناصر قنديل

الملفات الإقليميّة والدوليّة مجموعة سجّادات أو شبكة أقنية مياه تُدار في آنٍ واحد: ‭}‬ الملف النوويّ بين رفع التخصيب والخروج من المعاهدة وإلغاء الحظر على السلاح ‭}‬ أفغانستان ساحة اشتباك مفتوح والتسويات مشروطة بالرحيل الأميركيّ ‭}‬ العراق ساحة عمليّات لا يعلن عنها الأميركيّون وتصعيد المقاومة الشعبيّة والسياسيّة ‭}‬ سورية ميدان تكامل مع روسيا واحتواء لتركيا تحت سقف السيادة السوريّة ‭}‬ خلفيّات صفقة القرن ما بعد الانتخابية وتحويل التحدّي فرصة

للأسبوع الثاني أخصص حديث الجمعة لطهران وما رافق زيارتها لستة أيام من لقاءات أتاحت التعرّف من مواقع صناعة القرار وقادة الرأي، على كيفية تفكير ونظرة القيادة الإيرانية للملفّات الإقليمية والدولية، بعدما خصّصتُ حديث الجمعة الماضي للشأن الداخلي الإيراني، سأخصص هذا الحديث لتناول تحليلات وقراءات ومواقف وقرارات تشكل أرضيّة وسقوف وأعمدة الموقف الإيراني في مقاربة الملفات المختلفة من الملف النووي إلى الوضع في أفغانستان والعراق وسورية والنظرة لما وراء صفقة القرن وكيفية التعامل معها.

الملفات معاً ولمَ لا؟

يفترض الكثيرون أنه باستثناء الدول الكبرى التي تملك مقدرات مالية وعسكرية هائلة لا يمكن التفرّغ لمتابعة العديد من الملفات المعقدة، دون الوقوع في مشكلة الأولويات، بينما تبدو إيران قادرة بسلاسة على الجمع بين الحضور والفعالية في ملفات لا رابط بينها سوى كونها ملفات تهم إيران، وربما يكون مهماً لإيران أنها أيضاً ملفات تهم الأميركيين، الذين يشكلون كيفما أدرت رأسك القطب المقابل لإيران. ففي إيران لا حاجة للتدرب على الإدارة المتشابكة لمجموعة ملفات معاً، من تاريخ التراث والثقافة التي يتوارثها الإيرانيون، مصدران رئيسيان لهذه السلاسة، الأول هو احترافهم كشعب حياكة السجاد، وهي حرفة لا تدرّب صاحبها فقط على الصبر وقدرة تحمّل الانتظار، وعلى الإتقان والدقة والتمييز، بل أيضاً على جمع الملفات. فالتقليد العائلي الإيراني منذ آلاف السنين يبدأ حياكة سجادة مع كل مولود جديد ويتوازى حبك السجادات معاً بالتزامن، تتقدّم إحداها وتتراجع إحداها وفقاً للحاجة، وأحياناً لمواعيد الزواج، ومثل حياكة السجاد صناعة قنوات جرّ المياه للري والشرب، من عشرات الآبار والينابيع إلى عشرات البلدات والقرى، ومنذ 2700 سنة لا تزال تشرب وتروي أرضها أكثر من أربعين بلدة وقرية في خراسان من قنوات لا يتسرّب منها الماء، تصل إلى كل البيوت والحقول والبساتين، وتسير تحت الأرض، ويديرها القرويون ويقومون بصيانتها، ومثلها مئات الشبكات المنتشرة في إيران، والتي فرضت على هندسة القرى والبلدات السكن في النصف السفليّ من سفوح الجبال تسهيلاً لسير المياه بقوة الجاذبيّة. وهكذا يعتاد الإيرانيون أن يكون بين أيديهم هذا الربط والتشابك بين ملفات عديدة، فلا يربكهم أنهم يديرون ملفهم النووي، وفي الوقت ذاته معنيّون بمعارك اليمن وفلسطين وحاضرون في أفغانستان والعراق وشركاء المعادلات السياسية ومعارك الميدان في سورية.

الملف النوويّ

يلتقي كلام السياسيين والدبلوماسيين والمعنيين بالملف النووي الإيراني تقنياً، مع كلام المعنيين أمنياً، بأن المسار السياسي المعقّد لم يتوقف، وليس مقفلاً رغم كل التصعيد في العلاقات الإيرانية الأميركية، فإيران على المستوى التقني تقدّمت كثيراً عما كانت عليه بتاريخ توقيع الاتفاق النووي، ويكفي القول إنها صارت تملك أجهزة طرد حديثة بطاقة تخصيب مرتفعة تعادل أضعاف ما كان سقفه أيامها التخصيب على نسبة 20%، وبات لديها ما يتيح مضاعفة الكميات المخصبة على مدار اليوم الواحد ليعادل ما كانت تحتاج إلى ستة أسابيع لتخصيبه على نسبة أقل بثلاث أو أربع مرات من قبل، وإيران تقنياً لا تقلّ خبرة وقدرة عن أي من الدول النووية المقتدرة، والتي تملك الدورة العلمية الكاملة. أما على الصعيدين السياسي والدبلوماسي فيصف مسؤول إيراني كبير معني بالاتصالات الخارجية، أن المواجهة المفتوحة مع واشنطن حول الملف النووي وسواه من الملفات خصوصاً بعد الاغتيال الإجرامي للقائد قاسم سليماني، لا تعني أن خطوط الاتصال الرسمية عبر السويسريين الذين يرعون المصالح الأميركية في إيران قد قطعت، بل ربما تكون فاعلة أكثر من قبل، ومعها شبكة تواصل غير مباشرة تضم عُمان وقطر وروسيا واليابان وفرنسا. ولكل من هذه الدول أسباب، ولإيران أسباب لمنحه دوراً في هذا الاتصال، كرصيد سياسي يحضر عندما يصير للحلول السياسية مكان، وتقتصر اليوم على حلحلة بعض الأمور العالقة كقضايا معتقلين وحاجات إنسانية، وتوريد بعض الحاجات الإيرانية من أميركا غير المشمولة بالحظر، لكن لا توقعات لبلوغها مرتبة السياسة. فالمناخ غير مناسب إيرانياً لأن الأولوية هي لتظهير الاقتدار وصولاً لفرض الانسحاب الأميركي من المنطقة ولو تيسرت فرص تفاهمات راهناً فهي مؤجلة، وثانياً لأن الزمن الانتخابي الأميركي غير مناسب لأي بحث سياسي جدّي. وإيران المهتمة باستقراء زوارها لما يتوقعون في الانتخابات الرئاسية الأميركية من باب معرفة الشيء وتحليله، تؤكد بألسنة العديد من الوزراء والمستشارين الكبار أنها غير معنية بما ستسفر عنه هذه الانتخابات، وليست لديها خطط لما بعد الانتخابات تختلف حسب طبيعة الفائز. فما تريده إيران واضح وواحد، وليست له نسخ متعددة، ولا يغيب عن بال الإيرانيين أن الانسحاب الأميركي من التفاهم النووي ليس نووياً، بل هو سياسي يرتبط بشؤون المنطقة وفي مقدمتها أمن «إسرائيل» المهتز والسعي لابتزاز إيران عبر العقوبات التي يتم ربطها تعسفاً بالملف النووي لمفاوضة إيران على وقف دعمها لحركات المقاومة في المنطقة. وفيما يميز الإيرانيون بين رغبة أوروبا وعدم قدرتها على حماية الاتفاق النووي، وعدم رغبة واشنطن وقدرتها على تعطيل الاتفاق، يعيدون الرغبة الأوروبية للمصالح السياسية والاقتصادية وصولاً للمصلحة العليا بالاستقرار ومكافحة الإرهاب الذي يعيش على التوتر والفوضى والفراغ، ويفسرون عدم الرغبة الأميركية بغياب المصالح الاقتصادية والسياسية وغلبة المصالح الأمنية، والمصالح الأمنية المحكومة بمأزق «إسرائيل» بصورة رئيسية، تجعل الملف النووي والحصار والعقوبات مجرد مسارح وأدوات، للتعبير عن الحاجة الأميركية للتفاوض الساخن أملاً بتحصيل مكاسب للأمن الإسرائيلي، ولذلك يلعب الإيرانيون أوراقهم بهدوء، فهم يتدرّجون في التصعيد النووي من داخل الاتفاق، ولا يخرجون منه، لكنهم يلوّحون لأوروبا بالخروج الأصعب وهو الخروج من معاهدة عدم الانتشار النووي، إذا خرجوا من الاتفاق أو ذهبوا إلى مجلس الأمن لعرض ملف إيران النووي، رغم عدم قلق إيران من هذا الاحتمال لوجود فيتو روسي وفيتو صيني تثق إيران بهما، إلا أن حماية الاتفاق بنظر إيران تتم بالتهديد بالخروج من المعاهدة، خصوصاً أن حماية الاتفاق مصلحة مشتركة. فإيران ستستفيد في خريف هذا العام من رفع الحظر على بيعها وشرائها للسلاح، وفقاً للاتفاق وهي حريصة على بلوغ هذه النتيجة، وهذا يعرفه الأوروبيون، ولذلك يقول مسؤول إيراني معني بأن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أنهى مهمته بنجاح برسم قواعد الاشتباك في غياب قدرة أوروبا على أداء موجباتها وفقاً للاتفاق.

أفغانستان

منذ الأيام الأولى لدخولهم إلى أفغانستان والأميركيون يعلمون أن إيران شريكهم في الملف الأفغاني، فعدا عن الجوار الجغرافي يلعب توزّع البشتون بين حدود البلدين دوراً في تشابك ديمغرافي كبير كما يلعب وجود الهزارا وهم شيعة أفغانستان دوراً في تشابك من نوع آخر، بينما أغلب حاجات أفغانستان من المشتقات النفطية والخضار واللحوم والطحين تأتي من إيران، والكثير من أبناء الطبقة الوسطى الأفغانيّة يعلّمون أبناءهم في جامعات إيران ويمضي أغنياء أفغانستان وشيوخ قبائلها مواسم الاصطياف على بحر قزوين أو في مناطقها الباردة خلال الصيف الأفغاني الحار، وفي ظل تجهيزات خدمية عصرية في إيران لا تتوافر في أفغانستان، والحضور الإيراني في أفغانستان عسكرياً لا يحتاج إلى إثبات. فالكثير من الفصائل المسلحة تنسق مع إيران وتتشاور مع قيادتها منذ أيام أحمد شاه مسعود وقلب الدين حكمتيار. وعن الحال اليوم يقول القادة الإيرانيون إن مفاوضات الأميركيين وحركة طالبان من فشل إلى فشل وستفشل حكماً إلا إذا قرّر الأميركيّون القبول بمبدأ الانسحاب الكامل من أفغانستان، الذي يشكل قاسماً مشتركاً بين الأفغان وإيران، التي تدعم حكومة الرئيس أشرف غني المدعوم من الأميركيين، وقد عقد قبل أيام مؤتمر وزاري شاركت فيه أفغانستان مع حكومات الهند والصين وروسيا وباكستان وطاجكستان وإيران وتركمانستان، لكن الإيرانيين لا يخفون قناعتهم بهشاشة وضع حكومة أشرف ولا كذلك بسيطرة طالبان على ثلثي مساحة أفغانستان، وعجز الأميركيين عن مواجهتها، والأهم قناعة القادة الإيرانيين الذين يتابعون ملف أفغانستان بأن طالبان مساحة هلامية لتدين إسلامي يتوزّع بين الاعتدال والتطرف، وفيها بيئة حاضنة لتنظيم القاعدة، لكنها فيها مساحة موازية لوطنية أفغانية تتركز على إخراج الأميركيين والتمهيد لدستور وانتخابات، من خلال حكومة وحدة وطنية تدعم إيران تشكيلها بالترابط والتزامن مع الانسحاب الأميركي. ويعلم الإيرانيون أن دعواتهم لرحيل الأميركيين من المنطقة منح حركات وتشكيلات وفصائل أفغانية سواء من أصدقاء إيران التقلدييين أو من البيئات الوطنية والمعتدلة في طالبان، هذا إضافة إلى لواء فاطميون الذي أشرف على دعمه ورفده بالمقدرات وبناء تشكيلاته النظامية الجنرال قاسم سليماني، وشاركت وحدات بارزة منه في الدفاع عن سورية بوجه تنظيم داعش وتشكيلات القاعدة، والذي توفي مؤخراً قائده محمد جعفر الحسيني الملقب بـ «أبو زينب» متأثراً بجراحه التي أصيب بها خلال المعارك في سورية، والتوقعات الإيرانية حول أفغانستان تتجه نحو بوصلة واحدة لا ترى بديلاً لها، هي حتمية الرحيل الأميركي خلال فترة غير بعيدة.

العراق

يأخذ الإيرانيون بالاعتبار العوامل التاريخية والجغرافية لعلاقتهم الخاصة بالعراق، والتأثير الذي يلعبه وجود أغلبية شيعية في العراق، سواء ما يؤثر من هذه العوامل لجهة تعظيم دور إيران أو إضعافه، لكنهم يركزون اليوم على دور محوري لسقف جامع هو موقف مرجعية النجف التي يشتغل الأميركيون والخليجيون على افتعال صادم وهميّ بينها وبين موقع قم المقدسة، أو مرجعية مرشد الجمهورية الإسلامية الإمام علي الخامنئي وفقاً لقواعد ولاية الفقيه، وتحت سقف المرجعية ينظر الإيرانيون لوحدة الساحة الشيعيّة كصمام أمان لمواجهة المشروع الأميركي، واستطراداً لتأثيرات التداخل الاقتصادي والتشابك الأمني والعرقي مع كردستان، ويتوقفون أمام ثلاثة عناصر حاسمة تجعلهم على يقين من استحالة نجاح الأميركيين في التلاعب بقرار رحيلهم من العراق: العامل الأول هو موقع السيد مقتدى الصدر كشريك كامل في معركة إخراج الأميركيين، وما له من خصوصية وطنية استقلالية تجعل الكلام عن أن معركة إخراج الأميركيين هي معركة إيران المفروضة على العراقيين مصدر سخرية، ولموقع السيد الصدر نتائج نابعة من تاريخه بعلاقاته مع البيئة السنية من جهة، وموقفه المبدئي من الاحتلال ورفضه المشاركة في العملية السياسية ودعواته المبكرة للمقاومة. والعامل الثاني هو استشهاد القائد العراقي المحبوب أبي مهدي المهندس الذي يختلف عن القادة الذين شاركوا في العملية السياسية ولاحقتهم تهم الفساد والثراء بمحافظته على نقاء الثوار والمجاهدين وتواضعهم ونمط عيش تقشفي ورعايته للفقراء والمساكين، واستشهاد أبي مهدي المهندس جعل إخراج الأميركيين قضية عراقية تعني قوى المقاومة والحشد الشعبي بالتأكيد، لكنها تعني كل ملتزم بصدق بمفهوم السيادة العراقية؛ أما العامل الثالث فهو أن إيران منفتحة على القوى التي تشترط لشراكتها بطرد الاحتلال الأميركي ربط هذه المعركة بالحديث عن خروج جميع القوات الأجنبية من العراق وتحييده عن الصراعات الإقليمية، ولا ترى أن لديها سبباً لرفض هذا الشعار، كما ربط معركة إخراج الاحتلال بمواجهة الفساد. والقادة الإيرانيون يتعاطفون مع هذا الشعار ويرونه قادراً على تأمين بناء دولة وطنية عراقية تطمئنهم وتجعلهم أقل انشغالاً بالهموم العراقية، ويجاهر القادة الإيرانيون بأن الحاجة ملحّة لصيغة حكم مختلفة عن تلك التي أسسها بول بريمير في زمن الاحتلال، وشكّلت السبب في تفشي الفساد والطائفية وإيجاد بيئة مناسبة للمحاصصة والفتن، لكن الإيرانيين مسؤولين حكوميين ومعنيين بالعراق في قيادة الحرس الثوري ومحللين متابعين يُجمعون على أن الأميركيين يخسرون يومياً بين صفوفهم شهداء وجرحى في عمليات مقاومة يتكتمون عليها، ولا ترى المقاومة سبباً للإعلان، لكن الأيام ستتكفل بتظهير الحقائق التي لا يمكن الصمت عنها أكثر.

الخليج واليمن

الاتصالات الإيرانيّة الخليجية قائمة، أحياناً مباشرة وأحياناً بصورة غير مباشرة، لكن العلاقات متوترة بسبب لا يتصل بالعلاقات الأميركية الخليجية أو بالدور الخليجي في صفقة القرن بقدر ما يتصل بالعدوان على اليمن، وقد طال أمد هذا العدوان أكثر مما يجب، ويبدي الإيرانيون إعجابهم بأنصار الله، ويقولون نحن لا نفاوض نيابة عن أي من الحلفاء بل نمهّد الطريق للتفاوض المباشر معهم وهذا ما حدث قبيل اتفاق استكهولم حول الحُديدة، ويعتبرون أن استمرار الحرب على اليمن بات فاقداً للمعنى، حيث أمن دول الخليج هو المعرّض للخطر، وحيث لا أمل يرتجى من تغيير المعادلات العسكرية لجهة إضعاف أنصار الله، وأن الحلفاء الغربيين لدول الخليج لا يخفون علناً التعبير عن أنهم سئموا الماطلة الخليجية في الخروج من الحرب وإيجاد مخرج سياسي واقعي دون شروط تعجيزية يستحيل فرضها على أنصار الله، ويقولون إنهم نصحوا الخليجيين مراراً بالإسراع في التوجه نحو الحل السياسي وساعدوا في خلق مناخ ملائم لمساعدة المبعوث الأممي في مساعيه التفاوضية، لكن التعنت الخليجي والتذاكي بالإيحاء بالإيجابية والتحضير لجولة حرب جديدة لا يزال طاغياً على تفكير الحكومتين السعودية والإماراتية، رغم وعود الإمارات المتكررة بالانسحاب. ويقول مسؤول إيراني بارز، ربما يكون الأميركيون بعد الحلقات الجديدة من المواجهة مع إيران يريدون بقاء الخليجيين في قلب المحرقة، لابتزازهم بوهم مخاطر تهدّد أمنهم وبيعهم المزيد من السلاح، لكن ذلك سيعني في حال أي تطور في المواجهة مع اليمن خسائر وتطورات يصعب حصرها والسيطرة عليها. ويضيف المسؤول الإيراني، أن أصحاب المدن الزجاجية محقون في خوفهم، لكن عليهم التحرك سريعاً نحو الحلول السياسية لتفادي الأسوأ.

سورية

يقول مسؤول إيراني بارز متابع للملف السوري وفي محادثات أستانة ومؤتمر سوتشي، ومعني بالتعاون العسكري والسياسي مع كل من سورية وروسيا، إن نهاية الحرب في سورية باتت وشيكة، وإن مصير سورية حُسم، والمسألة مسألة وقت. فسورية التي كنا نعرفها عام 2011 بحدودها ستعود موحّدة وتحت سيطرة الجيش السوري، لكن سورية التي كنا نعرفها سياسياً عام 2011 يصعب أن تعود كما كانت، ويرى أن انتصار مشروع الدولة السورية بوجه التقسيم والتفتيت والاحتلال شيء، والحاجة للإصلاح السياسي شيء آخر. ويوضح ان هذا موضع تفاهم سوري روسي إيراني منذ البدايات، ويعتقد كما مسؤولين إيرانيين آخرين أن تركيا التي لعبت دوراً تخريبياً في سورية طوال السنوات الماضية وهي اليوم تلعب آخر أوراقها لشل قدرة الجيش السوري عن التقدم وفرض سيطرته على المزيد من الجغرافيا التي تقع تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، لا غنى عن العمل المستديم معها تحت عنوان الاحتواء، وللاحتواء معنى الصدّ عند الحاجة ولو بالقوة كما يحصل الآن، والدخول في تسويات وتفاهمات عندما تنضج. ولا يعتقد الإيرانيون أن الأتراك سيذهبون بعيداً فهم سيعيدون ما فعلوه في معارك حلب، يراهنون على الميدان حتى تتوضح الاتجاهات فيتأقلمون معها، ومثل حال الأتراك حال الأخوان المسلمين الذين تحتضنهم تركيا، وتحمل مشروعهم وتسعى لضمان فرض دورهم في العملية السياسية السورية المقبلة، وقد كانوا رأس الحربة في أخذ سورية إلى الأزمة فالحرب، لكن المسؤولين الإيرانيين يتساءلون عن كيفية احتواء التشققات الطائفية خصوصاً ما تركته الحرب من آثار تطرف وتمذهب في الساحة السنية والتمويل الخليجي الذي ترك بصمات خطيرة، ولا يزالون يعتقدون بإمكانية ضم الأخوان إلى عملية سياسية مدروسة يعلمون أن الرئيس السوري بشار الأسد يرفض مشاركتهم فيها ويعتبر إشراكهم مخاطرة يجب تفاديها، بمثل ما ينظر للدور التركي. ويعتقد الإيرانيون أن هذا التباين في الاجتهاد مع القيادة السورية، لن يؤثر على كون أي عمل في سورية يجب أن يجري تحت الثوابت السورية، ويعترفون أن سلوك الأتراك والأخوان يمنح مصداقية كبيرة لشكوك ومخاوف القيادة السورية، لكنهم يعتقدون أنه في النهاية بعد فرض الإرادة السورية في الميدان تجب معالجة ثلاثة عناوين: أولها كيفية تطبيق اتفاق أضنة كإطار للسيادة السورية وضمان طمأنة المخاوف التركية الأمنية، وثانيها كيفية إعادة توزيع الصلاحيات الدستورية بين رئيسي الجمهورية والحكومة، والثالثة كيفية ترتيب الانتخابات النيابية بطريقة تحوز شرعية شعبية ودولية لا يتم فيها استبعاد أحد، لكن الشغل الشاغل في سورية لإيران اليوم هو التهديدات الإسرائيلية بحرب استنزاف ضمن تقسيم عمل مع الأميركيين، يرد الإيرانيون أنهم يتمنّون وقوعه، لأن إيران في التوقيت المناسب لعروض قوة تظهر للإسرائيليين حجم الندم الذي سيُصيبهم من جراء أي عبث عسكري أو حماقة أمنية، ويكشف مسؤولون معنيون بالشؤون الأمنية والعسكرية أن الرد على أي عدوان إسرائيلي على القوات الإيرانية في سورية سيتمّ هذه المرة من داخل إيران وبموجب بيان رسميّ عسكريّ إيرانيّ.

صفقة القرن

يشارك الإيرانيون المتابعون للملفات السياسية الرسمية الكلام عن خلفيات انتخابية وراء توقيت الإعلان عن صفقة القرن، لكنهم يحاولون استكشاف أسباب أعمق تفسر هذه الحماقة بتوحيد الفلسطينيين وراء خيار المواجهة، وإسقاط المكانة الوسيطة لأميركا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والنفوذ الذي كانت تؤمنه لواشنطن بين القيادات الفلسطينية، ولا يرون سبباً منطقياً لوضع الحكام العرب الذين يخوضون التطبيع مع «إسرائيل»، ولا يمانعون بتصفية القضية الفلسطينية أمام إحراج يمنعهم من المجاهرة بقبول الخطة الأميركية، فيما لا يملك الأميركي ولا الإسرائيلي ما يتيح فرضها بالقوة أو إيجاد شريك فلسطيني وازن يقبلها. والتفسير الوحيد الذي يجدونه بالترابط مع اغتيال القائد قاسم سليماني هو اليأس من فرص التسوية بسبب انتقال زمام المبادرة إلى يد محور المقاومة في المنطقة، وعجز الشركاء المفترضين في التسوية عن تأمين الأمن لكيان الاحتلال. وهذا الأمن كان في الماضي سبباً كافياً لقبول فكرة التنازل عن الجغرافيا، بينما باتت السيطرة الكاملة على الجغرافيا بغياب فرص تسوية تحقق الأمن، هي الطريق للمزيد من الأمن. وهذه السيطرة تحتاج تغطية أميركية وضمانات بمواصلة تدفق المال والسلاح الأميركيين رغم عمليات الضم والتهويد التي تشكل البديل عن التسوية بتوافق أميركي إسرائيلي، فجاء الإعلان عن صفقة ترامب إطاراً سياسياً وقانونياً يضمن ذلك، لتذهب «إسرائيل» لإجراءات الضم والتوسع والتهجير، والمعيار هو المزيد من الأمن. وكما يظن الأميركيون والإسرائيليون أن الكيان يصير اكثر أمناً بهذه الإجراءات يعتقدون انه يصير أشد أمناً بعد اغتيال القائد سليماني، وعن المواجهة يقول المسؤولون المتابعون للعلاقة بفصائل المقاومة، إن الأمر لا يحتاج إلى الكثير من التفكير. فالمطلوب هو أن يكتشف الأميركيون والإسرائيليون أن الكيان بات أقل أمناً، سواء بالمقاومة الشعبية التي تجسّدها الانتفاضة، أو بالمقاومة المسلحة التي ستجد طريقها إلى الضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة العام 1948، وقد جدّدت صفقة القرن شراكة المصير بينهم وبين أبناء الأراضي المحتلة عام 1967 بعدما فرقتهم مشاريع التفاوض والتسوية التي لا مكان فيها لسكان الأراضي المحتلة العام 1948. ولا يخفي الإيرانيون أنهم يعلمون ما لدى المقاومة من مقدرات وحجم تأثير هذه المقدرات على أمن كيان الاحتلال ومنشآته الحيوية كلما فكّر الإسرائيليون بحرب جديدة على غزة، التي ستشكل قاعدة استراتيجية وعمقاً لكل المقاومة في كل فلسطين.

العقد الخامس

تدخل إيران العقد الخامس للثورة ولا تزال فتيّة، وهي ترفض نظرية النفوذ الإيراني في المنطقة بل تراه تشكيلاً لمصادر قوة في جبهة مقاومة للمشروعين الأميركي والإسرائيلي، كما ترفض نظرية الدولة والثورة وتناقضهما، ومثلها نظرية تصدير الثورة. فشرعية الدولة تأتي من التزامها بقضية التحرر الأولى إنسانياً ودينياً وأخلاقياً وهي قضية فلسطين، أي من استمرار الثورة، وإيران منذ انتصار ثورتها تسير وفقاً لخطة وقد كان العقد الأول للصمود وصد الهجمات، خصوصاً الحرب التي شنها رئيس النظام العراقي السابق عليها بدعم وتمويل خليجي وتسليح وإسناد غربي، والعقد الثاني كان للبناء، والعقد الثالث كان لامتلاك المقدرات، والعقد الرابع لتثبيت موازين القوة ورسم المعادلات، وها هو العقد الخامس للاقتراب من تحقيق الأهداف، وتحويلها إلى برنامج عمل، وهو بدماء الشهيد القائد قاسم سليماني، يقول مسؤول إيراني كبير، سيكون عقد تحرير القدس وإخراج الاحتلال الأميركي من المنطقة.

كشف حساب في يوم العماد وأربعين القاسم

ناصر قنديل

خلال أربعين عاماً هي أعوام ما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وهي الأعوام التي أمضى الشهيد القائد عماد مغنية ما تيسّر له من العمر منها منذ البدايات الأولى حتى يوم الرحيل قبل اثنتي عشرة سنة، كان العنوان الذي أعلنه الإمام الخميني وتعاهد عليه مع رفاقه في قيادة الثورة، بناء نموذج ثوريّ جديد يستند إلى الإسلام لا يصيبه التكلّس والفساد من الداخل، ولا يساوم على الاستقلال والتنمية مع الخارج، ويبقي جذوة المواجهة مع المشروع الأميركيّ الإسرائيليّ مشتعلة، وفي ذكرى انتصار الثورة، الحادية والأربعين، ومع مرور أربعين يوماً على استشهاد القائد قاسم سليماني، تحلّ الذكرى الثانية عشرة لرحيل العماد، ويستحق كشف حساب.

خلافاً لما يظنه الكثيرون من دعاة استنساخ ثنائية الدولة والثورة، ولما يظنه المتحدثون عن نفوذ إيراني في المنطقة، أو عن هلال شيعي، أو عن تصدير الثورة، كان المشروع الذي آمن به عماد مغنية ووهبه عمره، هو بناء مقاومة عالمية للهيمنة الأميركية، ومقاومة عربية إسلامية للمشروع الصهيوني، والإيمان بأن هذين المشروعين يلبّيان حاجات إنسانية وأخلاقية ويعبّران عن النظرة التي انطلقت منها القيادة الإيرانية في فهم الإسلام وجعله مرجعاً لها، وثلاثية هذا المشروع، ربط شرعية ومشروعية الجمهورية الإسلامية، أي الدولة، بالقدرة على بناء قاعدة متينة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً لحماية المشروع وتوفير المقدّرات لتقدّمه ونموّه، وجعل المقاومة من اجل فلسطين مشروعاً عابراً للعقائد والقوميات والديانات، والسعي لجبهة عالمية تناهض الأحادية الأميركية في مشروعها للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية على العالم.

كان العماد هو عماد مشروع بناء المقاومة العربية لأجل فلسطين، وكان الحاج قاسم سليماني القاسم المشترك بين خطوط تلاقي المقاومتين العربية والعالمية، وجاء الاجتياح الصهيوني للبنان، كما كل إجراء عدوانيّ مشابهاً تبعته في فلسطين، فرصٌ ينتظرها مشروع المقاومة، لينمو ويكبر ويقدم وصفته ويستقطب المزيد من النخب والشباب ويبني المزيد من الاقتدار، ويخوض المزيد من المواجهات. ونجح عماد نجاحاً منقطع النظير في لبنان وفلسطين، وأسس في سورية، وفي العراق وفي اليمن، وكانت تجارب المواجهة أعوام 1996 و2000 و2006، تظهر النجاح وتؤسس لما بعده. فكانت فلسطين حاضرة في انتفاضتها وتحرير غزة مع عماد مغنية، كما كانت سورية شريكاً في أعوام 1996 و2000 و2006 في لبنان، وكان تأسيس المقاومة في العراق وتحضير اليمن ساحة مقاومة من الإنجازات العظيمة، بينما أسس القائد قاسم سليماني في باكستان وأفغانستان، مستنداً إلى ما كان يبنيه ويرعاه في إيران، وامتدّ نحو تأسيس مشابه للعلاقة بسورية بعلاقة مع روسيا، والصين وفنزويلا وسواها.

منذ رحيل العماد تحمل القائد قاسم سليماني بعضاً من أعباء مهمته، وتحمّل قائد المقاومتين العربية والعالمية السيد حسن نصرالله البعض الآخر، ومع رحيل القائد سليماني صار العبء كله على قائد المقاومتين، لكن أين نحن الآن من المشروع الأصلي؟ والجواب بالانتقال من مرحلة المقاومات المتفرقة إلى جبهة المقاومة الواحدة، تحت شعار واحد يترجم هتاف الموت لأميركا والموت لـ”إسرائيل”، ببرنامج عمل عنوانه، لا بديل عن المقاومة في فلسطين ولأجل فلسطين، بعدما صارت مشاريع التسوية بعضاً من الذكريات، وليس خافياً أن ربط أمن كيان الاحتلال بقبضات المقاومين وليس بتواقيع المهزومين، هو الذي أدّى لليأس الأميركي الإسرائيلي من رهان التسوية للخروج بالتمسك بالجغرافيا طريقاً للأمن بدلاً من مقايضتها بالأمن، الذي لم يعُد يملك منحه للكيان أياً من دعاة التطبيع وجماعات التفاوض والاعتراف. وجاءت صفقة القرن تعبيراً عن هذا التحول، الذي حشد الأمة بمفهومها الواسع والمركّب وراء خيار المقاومة كخيار وحيد. وتلعثم النظام الرسمي وارتبك وفقد الخطاب، واللغة، والدور، وصارت المقاومة سيدة الساحات، وفي المقاومة العالمية صار شعار إخراج الأميركي من المنطقة برنامج عمل للدولة الإيرانية وللمقاومات الموحّدة في محور، وقد أنجزت إيران ما توجب على دولة الاستقلال والتنمية من مقدرات. ومثلما كان رحيل العماد نقطة الانطلاق لتأسيس محور المقاومة وفاء لدوره وقيادته وما أشعل رحيله من مشاعر، جاء تعبيراً عن حاجة موضوعية لتلبية مقتضيات المواجهة، وتوزّع خرائط استثمار المقدرات العسكرية في المواجهات المقبلة، ومثل ذلك شكل رحيل القائد قاسم سليماني نقطة الانطلاق لمشروع عملي بدأ تنفيذه عنوانه تحرير المنطقة من الاحتلال الأميركي، بما هو أبعد من مجرد الوفاء للدماء، إلى طلب جواب يليق بحجم الانتقام عبر جعله الفقرة الرئيسية من برنامج الأهداف التي كانت حياة مغنية وسليماني مرصودة لتحقيقها، وعنوانها طرد المحتل الأميركي من المنطقة، وإنهاء كيان الاحتلال في فلسطين.

خلال أربعين عاماً بلغت إيران ساحة الاشتباك الكبرى بعدما أكملت عدتها، ولم تعد إيران التي كانت قبل الأربعين، كما لم تعُد أميركا كما كانت وقد شاخت وهرمت وهزمت مراراً، ولا عادت “إسرائيل” كما كانت وقد تضعضت أركانها، واهتزّ كيانها، وفي يوم العماد وأربعين سليماني تبدو الأهداف أقرب مما يتخيّل الكثيرون، وبدلاً من أن يكون الاحتلال أشدّ شعوراً بأمنه برحيل القادة هو في حال ذعر من الآتي. والمقاومون والثوار يشعرون العدو بحضورهم في الغياب أشدّ مما يعيش حضورهم في الحياة، اسألوا قادة الكيان وقادة البنتاغون، هل هم أشدّ أمناً بعد اغتيال العماد والقاسم، أم أشد ذعراً وخوفاً ورعباً؟

فيديوات متعلقة

أخبار متعلقة

العلاقة مع سورية أساس الفرز حول الحكومة

ناصر قنديل

تملك جميع الأطراف خطاباً سياسياً تجاه الموقف من الحكومة، لا ترد فيه مفردة العلاقة بسورية، كمكوّن مؤثر في صياغة موقفها. فالكل بداعي ترفّع كاذب عما يسمّيه العوامل الإقليمية والنأي بالنفس عنها، يربط موقفه المعلن بخطاب يتحدّث عن الفساد ومحاور الفشل الحكومي، مدّعياً مرة أخرى ترفعاً كاذباً عن دوره فيه. والكل يتحدّث عن المحاصصة وبترفع كاذب يُنكر تاريخه فيها. والكل يتحدث عن المشاكل المالية والتقتصادية من خواء الخزينة والتصرف بأموال المودعين، إلى شكل التخاطب مع الخارج الذي يعد بالتمويل وشروطه بتأييدها أو معارضتها، والنقص المريع في الخدمات وخصوصاً الكهرباء، والبطالة وضعف الطبقات الفقيرة، ويتجاهل هذا الكل، خصوصاً مَن أمضى سنوات يرسم السياسات ويقر الموازنات ويقرّر التوجهات، ويشارك بقوة في التعيينات والصفقات، أن مسؤولية الحكومة الجديدة تنحصر في مدى قدرتها على لملمة شظايا كارثة صنعها الآخرون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة، وأن هؤلاء الآخرين، خصوصاً من كان منهم رئيساً للحكومة، آخر من يحق له المحاضرة في العفة، والحديث عن الترفع تجاه المال العام أو التصرف بروح المسؤولية تجاه كل ما يتصل بالشأن العام.

هذا الذي يصحّ في القوى المنتمية لفريق الرابع عشر من آذار لجهة تغييب العامل الحاسم في موقفها السلبي من الحكومة، يصحّ أيضاً في أغلب القوى المشاركة في الحكومة، لجهة أنها لم تقم بمراجعة حقيقية للسلوك الذي أفضى بلبنان إلى الكارثة، والذي شاركت بتحمل مسؤوليته خصوصاً بمشاركة قسم فاعل منها في السعي لتشكيل شريك المناصفة في لعبة المحاصصة، والاستعداد للتغاضي عن السياسات المالية البائسة المسؤولة عن الخراب المالي والاقتصادي إذا نال ما يريد من حصة في التعيينات والمكاسب التي يحققها الوجود في مؤسسات الدولة، باعتبار الدولة ومؤسساتها وخدماتها آلة صناعة الزعامة وترسيخها في نظام المحاصصة، وها هي تركيبة الحكومة الجديدة والشروط التي فرضت على كيفية ولادتها تحمل بصمة جينية تنتمي للمنهج ذاته الذي تمّت عبره صياغة المشاركة في حكومات سابقة، فتغيّر الشكل ولم يتغيّر الجوهر.

الذين يعارضون الحكومة ويخوضون من اليوم معركة إفشالها وهم يدركون أن هذا سعي لإفشال البلد، ينكرون أنهم يعلمون أن هناك مشروعاً لإيصال البلد إلى حافة الهاوية لابتزازه في قضاياه غير الاقتصادية والمالية بعنوانها السيادي، من ترسيم حدود النفط والغاز إلى إسقاط بعض من عناصر قوة المقاومة التي تشكل شريكاً مؤسساً في محور يخوض صراعاً ضارياً مع السياسة الأميركية في المنطقة، وأن معارضتهم للحكومة وشراستهم في مواجهتها، لا يعبّران عن حقائق لبنانيّة، بل هما صدى لقرار دوليّ إقليميّ بمواجهة الغالبية النيابية الواقفة وراء الحكومة، وفي قلبها المقاومة، وأن الخط الفاصل في الربح والخسارة بنظر الخارج المقرر معايير ومواقيت وشروط المواجهة، هو المسافة التي يجب النجاح في فرضها على علاقة الحكومة بسورية، كتعبير عن إلحاق الهزيمة بالمقاومة ومحورها وخيارها، تحت عنوان الضغط لجعل الرضا الخارجي على الحكومة معياراً لقدرتها على جلب الأموال.

الذين يقفون وراء الحكومة ويؤيدونها، لم يبذلوا مجهوداً جدياً لمراجعة تتيح فتح الباب أمام الحكومة وتتيح لرئيسها التأسيس لخيار جديد واضح، سواء في الانتقال من نظام المحاصصة إلى صيغة تضمن الانتقال نحو دولة المواطنة، والتعبير عن مفهوم الوحدة الوطنية بشكل الحكومة المترفعة عن حسابات الاستئثار الطائفي والتجسير بين القوى المؤمنة بوحدة لبنان لتشكل الحكومة جبهة سياسية وشعبية متماسكة حول برنامج انتقالي محوره قانون انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي، وفق النظام النسبي ولبنان دائرة واحدة، وقاعدته الخروج من العقلية الطائفية إلى روح التفكير الوطني الجامع، وكذلك لم تظهر الوقائع المرافقة لصياغة البيان الوزاري روحاً جديدة في مناقشة الوضع الاقتصادي والمالي لجهة وضع برنامج إنقاذي واضح وحقيقي، قائم على مغادرة السياسات المالية الفاشلة نحو سياسات تبتعد عن الشروط الدولية التي تخدم مشاريع الاسترهان والإفقار، يظهر البيان الوزاري تأرجح الحكومة وتوازناتها بين خياري الأخذ بها ورفضها، وصولاً لضبابيّة الجواب على السؤال الأهم، ماذا لو بقي الحظر على تأمين السيولة المالية التي تطمح الحكومة للحصول عليها ويسعى خصومها لحرمانها منها. وهنا يكمن المفصل الحقيقي، حيث العلاقة مع سورية ليست انحيازاً لمحور إقليمي تشكل ركناً أساسياً فيه، بل التهرّب من موجبات هذه العلاقة هو التعبير عن الانتماء لمحور، حيث مراضاة هذا المحور تتمّ على حساب المصالح اللبنانية الحيوية التي تعبر عنها هذه العلاقة. وهذا هو السبب الخفيّ للتردّد من جهة بعض الحكومة، ولضغوط خصومها لمنع هذه العلاقة.

يعرف مؤيّدو الحكومة وخصومها أن سورية جسر عبور لبنان من الأزمة الاقتصادية والمالية، سواء عبر التبادل الحر بين البلدين بالعملات الوطنية، أو عبر التكامل بين البلدين في التخطيط الكهربائي والنفطي بالتشارك مع العراق، حيث الأنبوب الواصل من كركوك إلى طرابلس استثمار مشترك، والأهم عبر تجارة الترانزيت التي يحتاجها العراق عبر مرافئ لبنان، ويحتاجها لبنان، وتنعش سورية، وينقصها التنسيق السياسي والاقتصادي، ويعرف مؤيدو الحكومة وخصومها، أن تجرؤ الحكومة على خوض غمار هذا الخيار بشجاعة سيشكل خطوة هامة لحل قضية النازحين السوريين في لبنان، وسيمنح لبنان وسورية والعراق فرصة تشكيل سوق واحدة تتكامل مكوّناتها وتتبادل منتجاتها وخدماتها، فتنتعش مصارف لبنان بأموال العراقيين، ومثلها جامعات ومستشفيات لبنان، وفنادقه ومطاعمه، وتنهض قطاعات اقتصادية في العراق وسورية بمشاركة خبرات ورساميل لبنانية، ويتحقق الكثير الكثير للمثلث الذهبي في المنطقة الممنوع من التكامل بقوة القرار الأجنبي ويجري توظيف الخلافات السياسية الداخلية في لبنان لمنعه، وهو ما غاب عن البيان الوزاري لحكومة تعرف أن هذا الغياب لن يكسبها رضى المعترضين.

الحراك الذي بات بيئة تسيطر عليها الجماعات المنظمة وتغيب عنها الحشود، موزّع بين جماعات غاضبة من الوضع القائم تمثل أقلية في الحراك، وجماعات يسارية تشكل أقلية ثانية، وجماعات تمولها مشاريع دولية تنطلق من قضية النازحين السوريين، وترتبط هذه الجماعات بعنوان النزوح السوري ودمجه في المجتمع اللبناني قبل ارتباطها بالهموم اللبنانيّة كمحرك لصياغة مواقفها ومصدر لتمويلها. هذا الحراك يجمعه العداء العبثي للحكومة وبرنامجها، وفقاً لشعارات غامضة ورؤى لا تحمل البدائل الواقعية، ولا تبشر سوى بالفراغ والفوضى، لكنها عملياً تتحوّل كلها إلى كتل ضاغطة لفرض برنامج عمل على الحكومة له بند واحد، هو عدم الانخراط جدياً بعلاقة إيجابية مع سورية، يمكن أن يترتّب عليه حل لقضية النازحين، بقوة الموقع الحاسم للجماعات المموّلة دولياً في رسم مسار الحراك، وانضمام جماعات تنتمي للمعارضة السورية بتأمين العديد اللازم لملء ساحات الاعتصام والتظاهر.

في لحظة مفصليّة تتصادم فوق الأرض السورية معارك عديدة، تختصر بمشروعين، واحد هو مشروع نهوض الدولة السورية وآخر هو مشروع تقاسمها وتقسيمها، تتجسّد مصلحة لبنان الطامح للحفاظ على دولته ووحدته بالوقوف مع مشروع قيام الدولة ونهوضها في سورية، والتكامل معها، لكن الفوبيا السياسية التي نجح الطغيان الإعلامي المموّل من أصحاب مشروع تفتيت سورية وإسقاط فكرة الدولة فيها في تعميمه لبنانياً، بحيث صار الابتزاز الإعلامي والسياسي حاكماً لدرجة فرض التبرؤ الساذج من نيات السير بهذا التكامل مع سورية، تحت شعار تفادي الرصاص الطائش.

القوميون الذين سيحضرون جلسة اليوم ثم يقاطعون جلسة التصويت ويحجبون الثقة عن الحكومة، ليسوا دعاة فراغ ولا فوضى ولا عبثيّة سياسيّة، فهم مع وجود حكومة بكل تأكيد، ويسعون لتكون حكومة الرئيس حسان دياب قادرة على تخطّي نقاط الضعف التي رافقت ولادتها، وسيؤيدونها كلما أصابت السير في هذا الاتجاه، لكنهم معنيون بتوجيه رسالة لمؤيدي الحكومة ومعارضيها، مضمونها أن البلد يحتاج عقلية جديدة تغادر الخراب الذي ينعاه معارضو الحكومة، والذي لا يجرؤ على مغادرته أغلب مؤيديها، رسالة مضمونها أن ما يُسمّى بالتغيير الجذري لم يعد خياراً، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، بل صار ضرورة وجودية وحياتية للوطن والكيان والدولة، وما جرى مع القوميين في مرحلة تشكيل الحكومة ليس شأناً يخصهم وحدهم ينطلقون منه في موقف حزبي انتقامي كما قد يظنّ البعض، بل هو تعبير عن طبيعة الذهنية التي يعتبر القوميون أنها ما يحتاج لإعادة نظر جذرية، وقد تسببت بالكثير من عناصر الخراب سابقاً وستبقى كذلك لاحقاً، ومحور التعبير في البيان الوزاري عن نتاج هذه العقلية، تلك اللغة المرتبكة والحذرة والغامضة في الحديث عن العلاقة بسورية، التي قام اتفاق الطائف والدستور من بعده، على اعتبار العلاقة المميّزة معها ركناً من أركان بناء الدولة الجديدة.

6 شباط: إسقاط 17 أيار…. وإسقاط صفقة القرن!

صفقة القرن.. طريق للتحرير

ناصر قنديل

يتعامل الكثيرون باستخفاف مع التزام قوى وحكومات محور المقاومة بإسقاط صفقة القرن، ويستعينون بكل ما لديهم من وسائل التعجب للقول إنها أميركا يا جماعة، ومعها الغرب والعرب، وما تقوله ثمرة دراسة وتوظيف مقدرات، وليس من الواقعية توقع سقوط صفقة القرن بعدما أعلنها الرئيس الأميركي، بل يمكن الاكتفاء بإعلان الاعتراض عليها، ويستعينون بالذاكرة ليستحضروا مثال كامب ديفيد، ليضيفوا أن أربعة عقود مضت على توقيعه ولا يزال على قيد الحياة، ورغم وجود معارضة واسعة له بقي أمراً واقعاً. وكي يكون النقاش مبسطاً وسهلاً على هؤلاء، لن نغوص في الفوارق الكبيرة بين حالتي كامب ديفيد وصفقة القرن، حيث لا وجود لشريك فلسطيني في صفقة القرن مقابل وجود رئيس مصري يزور القدس ويعلن استعداده للتوقيع في كامب ديفيد، وحيث الموضوع في صفقة القرن يتصل بالقدس ومستقبلها، بينما يتعلق الأمر بسيناء في كامب ديفيد، ومقابل تضمين صفقة القرن منح القدس لكيان الاحتلال، قامت تفاهمات كامب ديفيد على عودة سيناء لمصر، لكننا سنتخطى كل ذلك ونخفض مستوى النقاش بالعودة إلى الذاكرة فقط والمقارنة مع مخزونها.

عندما اجتاحت قوات الاحتلال العاصمة اللبنانية بيروت، وكشفت بوضوح عن تفاهمات دولية وعربية سبقت الاجتياح مضمونها أن يكون لبنان الدولة العربية الثانية التي توقع اتفاق سلام مع “إسرائيل” بعد مصر، جاءت القوات الأميركية إلى بيروت من ضمن تشكيل إطار قوات متعدّدة الجنسيات شاركت فيها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وتمركزت في العاصمة بيروت. وقام الخبراء الأميركيون بإعادة بناء وتسليح وتنظيم الجيش اللبناني لمواجهة أي اعتراض قد يواجه مشروع الاتفاق المطلوب بين لبنان و”إسرائيل”. وبدأت المفاوضات فوراً، برعاية أميركية تولاها المبعوث الرئاسي الأميركي من أصل لبناني فيليب حبيب، وخلال شهور قليلة أنجز الاتفاق الذي عرف بتاريخ إقراره في 17 أيار 1983، وصادق عليه وزير الخارجية الأميركية آنذاك جورج شولتز، وخلال عشرة شهور امتدت حتى 6 شباط 1984 كان الأميركيون يتلقون الضربات القاتلة، وكان الجيش الذي بنوه يتشقق وينهار، وكانت المقاومة بوجه الاحتلال تبلغ مراحل متقدّمة تفرض انسحابات على جيش الاحتلال بعد الانسحاب الأول من بيروت، وخلال أسابيع رحل الأميركيون وبدأ مسار سياسي انتهى بإسقاط اتفاق 17 أيار.

ما أشبه اليوم بالأمس، لكن مع فوارق الغلبة لليوم، فـ”إسرائيل” تواجه اليوم في فلسطين والمنطقة ما لم يكن موجوداً يومها، حيث تقع منشآتها الحيوية في مرمى صواريخ المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية، ومحور المقاومة يخوض مواجهة عنوانها إخراج الأميركيين من المنطقة، وأين مقدرات الذين أخرجوا الأميركي من لبنان قياساً بمقدرات الذي يسعون لإخراجه اليوم، ويومها كانت أميركا و”إسرائيل” في مرحلة صعود القوة، وهما اليوم في مرحلة الانحدار، أما الموقف العربي فيكفي أن نستعيدَ دعم قمة الدار البيضاء لتوقيع لبنان على الاتفاق باستثناء سورية ورئيسها الراحل حافظ الأسد الذي تعهّد بإسقاط الاتفاق، كما تعهّد السيد علي الخامنئي اليوم بإسقاط صفقة القرن وموتها تحت عين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو على قيد الحياة. وموضوع 17 أيار كان لبنان بينما موضوع صفقة القرن هو القدس والعودة وفلسطين، واللبنانيون كانوا منقمسين حول الاتفاق بينما يتوحّد الفلسطينيون في رفض الصفقة، وأميركا هي التي تدرس كل شيء وتخطّط وتحسب الاحتمالات، وتجهز الفرضيات وتصدر الأوامر للعرب، فلماذا لم يتجرأ أحد منهم على إعلان التأييد لصفقة القرن وقرّروا رفضها في الجامعة العربية، بينما أيدوا اتفاق 17 أيار قبل أن يولد، وكيف فاجأتهم الأحداث واضطروا للهرب بحراً، وترك الاتفاق يسقط؟

الشيء بالشيء يُذكَر، لأنها أميركا، التي طوت الصفحة ومضت عندما تحققت من أن شيئاً لن يغير المعادلة ويعيد الاتفاق إلى الحياة، فتركت الذين راهنوا عليها يواجهون مصيرهم وحدهم، وتتمة الحكاية المعلومة جديرة بالتذكّر للذين يقعون في وهم الرهان اليوم، وما أشبه الأمس باليوم، ونحن في ذكرى انتقاضة 6 شباط، التي ربما ينظر إليها بعض اللبنانيين كفصل من فصول الحرب الأهلية، وننظر إليها كبوابة عبور من زمن الاحتلال إلى زمن المقاومة، ومن بوابتها ننظر بعين التقدير والإجلال والإكبار لرمزها الرئيس نبيه بري، وننتظر نبيه بري عراقي يستثمر تضحيات كل المقاومين ليخرج الأميركيين، ونبيه بري فلسطيني يقود وحدة سياسية وعسكرية بوجه مشروع الاحتلال ليسقط صفقة القرن.

مقالات متعلقة

حديث الجمعة من طهران – ناصر قنديل

إيران بعد اغتيال سليمانيّ تحتفل بذكرى الثورة وتلاقي الانتخابات البرلمانية: ‭}‬ الإجماع الذي كان يطلبه سليمانيّ حول خيار المقاومة تحقق باستشهاده وأسقط الرهان الخارجيّ على الداخل ‭}‬ التيار الإصلاحيّ يواجه مخاطر خسارة الانتخابات البرلمانيّة التي حلم بتحقيق الأغلبيّة فيها ‭}‬ الملف النوويّ ليس للتفاوض مع واشنطن وإن خرجت أوروبا ستخرج إيران من المعاهدة الأمميّة ‭}‬ الربط بين إخراج الأميركيّين وإسقاط صفقة القرن يحتاج دولة إيرانيّة تبني اقتصاداً قادراً على الصمود ‭}‬ التنوّع السياسي حاضر بقوة وحيوية النقاشات تقدّم إيران نموذجاً لثورة حيّة عمرها 41 عاماً

حديث الجمعة من طهران – ناصر قنديل

حديث الجمعة هذا الأسبوع سيكون مخصصاً لملف واحد هو إيران التي لا تزال تعيش ارتدادات زلزال اغتيال القائد قاسم سليمانيّ، وتحتفل بالذكرى الحادية والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وتستعد للانتخابات البرلمانية نهاية هذا الشهر. وقد أتاحت لي الزيارة التي أقوم لها إلى طهران اللقاء بعدد من كبار المسؤولين ومناقشة الكثير من القضايا والأفكار والفرضيّات مع عدد من النخب والمثقفين والإعلاميين، والسماع لبعض النماذج المستقاة من تحليل اتجاهات الرأي العام وتوزّع شرائحه حول العديد من العناوين، ما جعلني أرغب بتشارك هذه الانطباعات والاستنتاجات والقراءات مع أوسع عدد من القراء والمتابعين.

استشهاد سليمانيّ زلزال الضمير

صور الجنرال قاسم سليمانيّ تملأ الشوارع وجداريات الأبنية الكبرى ومكاتب المسؤولين في الحكومة والقوات المسلحة، والمكاتب الاستشارية العاملة مع مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، لكن اسم سليمانيّ يتردد عشرات المرات في كل حديث تجريه مع أي من المسؤولين والقادة في إيران، ويدور الحديث حول فكرة تبدأ بذكر سليمانيّ ثم يعود ليدخل فكرة ثانية من مدخل سليمانيّ آخر. فالشعور بالمديونيّة لهذا القائد لدى الكثيرين، يرافقه شعور بالتقصير في التقدير، وربما شعور بالذنب لدى آخرين، لكن الشعور بعبء المسؤولية التي خلّفها والحب الجامع الذي أظهره له الشعب تلمسه لدى الجميع.

هذا الشاب المفعَم بالإيمان الديني والمتعبّد والخاشع في علاقته بالله والأنبياء وأهل البيت، الصادق في كل كلمة يقولها، المحب للفقراء والمساكين، القلق على مستقبل الدولة الإيرانية، من كل أنواع التغوّل، تغوّل السلطة وتغوّل المال وتغوّل الفساد وتغوّل البيروقراطية وتغوّل الكسل والخمول، هو الستينيّ الذي صار الرقم الصعب بالنسبة لـ»إسرائيل» وأميركا وتنظيمي القاعدة وداعش وعدد من دول الخليج، حتى تاريخ استشهاده. وهو القائد الذي صنع مجد إيران المعاصر لتتحوّل بموقعه القيادي وشكل توظيفه لهذا الموقع إلى دولة عظمى مهابة الجانب. ومثلما كان في حياته حارس الثورة والجمهورية خلف خطوط “العدو»، وسط انقسام سياسي كبير داخلياً حول دوره، صار بعد استشهاده الحارس بقوة ما أظهره استشهاده من مناخ شعبي رادع تجاه كل تفكير بالتصعيد بوجه إيران المحصّنة بطوفان شعبي خرج يطلب الانتقام لدم سليمانيّ بعكس الرهانات والافتراضات القائمة على تراجع التأييد الشعبي لخيار الثورة والجمهورية وقائدهما السيد الخامنئي، وسياساته، وإيران المحميّة باقتدار تقني وعسكري أظهرته الصواريخ التي استهدفت قاعدة عين الأسد، قالت إنها تملك العزيمة والإرادة وتملك معهما تقنيات حربية كافية للتملص من قدرات التقنية الأميركية لبلوغ أهدافها الحربية، وأسقطت الرهان على التفوق التقني الأميركي بمثل ما سقط الرهان على الانقسام الداخلي الإيراني.

كان سليمانيّ ينفق الكثير من الوقت والجهد، قبل الاتفاق النووي وبعده، ليجعل من دعم خيار المقاومة بوجه الهيمنة الأميركية والعدوانية الإسرائيلية موضوع إجماع سياسي عابر للتيارات المتنافسة على السلطة في إيران، رغم قناعته بالدور المرجعي الحاسم للسيد الخامنئي في مثل هذه الأمور الاستراتيجية، لكنه كان يرى في تحييد هذا التوجه عن خطابات التنافس قوة لإيران ورسالة للخارج تعزّز موقع إبران في مواجهة أعدائها وخصومها، وتعقلن الصراعات السياسية الداخلية، وتضعها في نصابها كتنافس سياسيّ يطال مشاكل الاقتصاد والعمران ومكافحة الفساد والتربية والصحة والخدمات والمؤسسات الدستورية وتفعيلها، لكن ما نجح بتحقيقه في فترة التفاوض على الاتفاق النووي وبعد توقيعه على هذا الصعيد، بتوحيد الموقف داخل صفوف القيادات الإيرانية، عزّز موقع المفاوض الإيراني، بالتزام المحافظين والأصوليين، وخصوصاً قيادة الحرس الثوري بهذا الموقف، بدأ يتصدع بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وظهور مواقف أخذت تتسع بين صفوف الإصلاحيين تحمّل دور الحرس وخصوصاّ الدور الذي اضطلع به سليمانيّ مسؤولية تدهور العلاقات مع الأميركيين الذي توّج بالانسحاب من الاتفاق النووي، ليأتي استشهاد سليمانيّ على أيدي الأميركيين وما تلاه من إعلان لصفقة القرن، فيكشف طبيعة ما كان يعدّه الأميركيون للمنطقة، ولإيران في المقدمة، وكيف أن سليمانيّ ودوره كانا قيمة مضافة تملكها إيران وبوليصة تأمين تحميها، وكيف أن خيار المقاومة ليس مجرد حليف توفر له إيران مقدّرات تضمن قيامه بدور فاعل في مواجهات المنطقة، بل هو من الباب الخلفي شريك في حماية إيران نفسها ورفع مكانتها؛ وبالتالي كيف أن كل استثمار تنفقه إيران في دعم قوى المقاومة هو استثمار جدي لأمنها القومي ولحماية استقلالها السياسي واكتفائها الغذائي، وليس استنزافاً لموارد يُفترض تخصيصها للشؤون الداخلية، كما كان يقول بعض رموز التيار الإصلاحي، أو كما كان أنصارهم يهتفون في التظاهرات، لتشكل جنازة سليمانيّ وما رافقها من طوفان شعبي رسالة أبعد مدى من كونها موجّهة للأميركيين، بل أيضاً للعديد من متعاطي الشأن العام في إيران، في السلطة وفي المعارضة، لاكتشاف حقيقة موقف الشعب الإيراني من خيارات المواجهة مع الأميركيين، ومن السياسات العليا التي يرسمها السيد الخامنئي والتي كان سليمانيّ مؤتمناً على أغلبها.

الانتخابات والتغيير المقبل

الشعور بالندم الذي عبّر عنه الذين لم يستجيبوا لمساعي سليمانيّ الوحدويّة في الداخل، لم يعد كافياً بنظر الذين كانوا يشاركونه الرأي ويشتركون معه في الخيار، والذين ينتمي أغلبهم للتيار المحافظ والأصولي الذين يرون ويجاهرون بما يعتقدون، لجهة الدعوة لمحاسبة التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية، لأن استشهاد سليمانيّ شكّل نهاية مرحلة وبداية مرحلة. والأمر ليس انتقاماً لسليمانيّ من أطراف في الداخل، بل إن استشهاد سليمانيّ أعلن نهاية الرهانات التي سوّقها التيار الإصلاحي على فرص التفاهمات مع واشنطن، وفرص الأخذ بالنيات الطيبة، وما يعنيه إطلاق صفقة القرن يكمل ما يقوله اغتيال سليمانيّ، من وجهة نظر الداعين إلى سلوك سياسة متشدّدة تطال النظر لمستقبل العلاقة بواشنطن، والملف النووي، والبناء الاقتصادي، والتحصين الاجتماعي، والثقافي، وإعادة صياغة للدور والموقع في المنطقة بلغة تناسب التغيير الذي حمله تزاوج اغتيال سليمانيّ وصفقة القرن. وبرأي هؤلاء أن هذا العبء الاستراتيجي المطلوب أن تتحمّله مؤسسات الدولة الدستورية لا يمكن أن يركن لمن يحملون قناعات معاكسة ليتولوا مسؤوليّاتها، ولا يمكن أن يؤتمن هؤلاء على قيادة إيران وفقاً لتوجيهات السيد الخامنئي وهم يتحدثون في مجالسهم، أنهم لا يؤمنون بها.

التيارات المحافظة التقيلدية تتوقع فوزها في الانتخابات البرلمانية، واللافت أن جماعات مؤيدة للرئيس السابق أحمدي نجاد موجودة بين صفوف هؤلاء، وتوقعات المصادر المحايدة نسبياً تتحدّث عن فوز كاسح للمحافظين قد يتراوح بين نيلهم ثلثي أو ثلاثة أرباع المجلس الجديد. واللافت أيضاً أن رئيس المجلس الذي تنتهي ولايته علي لاريجاني لم يقدّم ترشيحه للانتخابات، في خطوة ربما تتصل بالتحضير للترشّح لرئاسة الجمهورية التي تستحق انتخاباتها بعد سنة ونصف، بينما ترشح للانتخابات البرلمانية رئيس بلدية طهران السابق محمد باقر قاليباف الذي يرجّح أن يكون أبرز المرشحين لرئاسة المجلس، بينما وجد السؤال حول كيفية تعامل الرئيس الشيخ حسن روحاني وحكومته مع هذا الوضع نصف جواب بكلام الرئيس روحاني الاحتجاجي على رفض مجلس صيانة الدستور لترشيحات العشرات من المرشحين الإصلاحيين، ومنهم قرابة ثمانين نائباً حالياً، واعتراضات المجلس كما تقول مصادر من خيارات متباينة بين إصلاحيين ومحافظين، ليس فيها تحيّز أو تسييس بل هي مبنية ومؤسسة على عامل جوهريّ يرتبط بملفات الفساد والثراء غير المشروع التي يحقق فيها المجلس عند دراسته لكل طلبات الترشيح، وقد رفض على أساسها ترشيحات لإصلاحيين ومحافظين، وهي تعبّر بالتالي عما لحق بعديد من المنتمين للطبقة السياسية بعد أربعين عاماً من الوجود في الحكم، ومن انتصار الثورة، لكنها تكشف بالمقابل أن مؤسسات الرقابة المستقلة والقوية لا تزال تحمل روح الثورة وتحاسب وفقاً لأصول وقواعد لم تدخلها المحسوبية والمحاباة، ولذلك عندما اعترض الرئيس الشيخ روحاني على رفض الترشيحات قال لا نريد للانتخابات أن تتحوّل إلى تنصيبات، لقي رداً مباشراً من السيد الخامنئي لم يذكره بالاسم، لكن كان مفهوماً أنه موجّه إليه بالقول، إن الذين يعترضون على دور مؤسسة مرموقة وكفوءة هي مجلس صيانة الدستور، في ضمان عملية انتخابية صحيحة ينسون أنهم وصلوا إلى مراكزهم عن طريق الانتخابات.

الإيرانيّون الذاهبون للانتخابات النيابية خلال أقل من عشرين يوماً، لا يتوقع المتابعون والمهتمون ومثلهم تفعل استطلاعات الرأي أن تزيد نسبة مشاركتهم عن الـ 50% إلا قليلاً، ويرجّح أن تنخفض في طهران إلى 30% فقط، وأحد أسباب العزوف هو أن الناخبين لا يعلمون أن المرشد يحتاج إلى أن يجسّد البرلمان أوسع تمثيل للخيارات والطلبات والاعتراضات التي تمثّل الشعب وشرائحه ومناخاتها ومزاجها، لأن البعض يعتقد بقوة أن نسبة من الناخبين لا يمكن تجاهلها تعتقد أن مشاركتها لن تغيّر كثيراً طالما أن المرشد سقف الدولة وقراراتها فما فائدة المشاركة؟ ويقول هؤلاء المقرّبون من مصدر القرار إن هذا العزوف بهذه الطريقة بالتفكير يتناقض مع فهم دور الولي الفقيه الذي لا يصنع قراراً من العدم، أو من فوق المؤسسات، بل يتولى إقامة التوازن بين ما تظهره المؤسسات من خيارات يريدها الشعب، ويقيسها بمعايير الشرع والمصلحة لتتحوّل إلى توجيهات للسلطات، ويعترف هؤلاء بضعف التعبئة اللازمة بهذا المضمون تحت عنوان، المرشد يحتاج مشاركتكم ليبني قراراته على بيّنة، وغيابكم يُربك القرار.

ويرفض هؤلاء المقرّبون القول بأن هذا العزوف باعتبار المرشد سقف القرار نابع من يأس، بل يرونه نابع من ثقة، هي الثقة ذاتها التي ظهرت في حشود الملايين التي بايعت المرشد للانتقام لدم القائد قاسم سليمانيّ، والناس التي تشترك في احتفالات ذكرى الثورة، بعد مرور واحد وأربعين عاماً على قيامها، لا تفعل ذلك مجاملة ولا خوفاً بل لأنها تعرف بتفاصيل حياتها المكاسب التي جنتها من الثورة التي لم تنقل إيران إلى مراتب الدول الهامة سياسياً وعسكرياً وحسب، وفي هذا مكانة وكرامة وعزة للإيرانيّين، بل نقلت إيران لتصير دولة تعيش اكتفاءً غذائياً وشبه اكتفاء صناعي، وتضاهي دول العالم الصناعي بتقدمها العلمي، وتوفر الخدمات الأساسية بأسعار رمزية من الكهرباء والغاز والإنترنت والمحروقات، التي رغم رفع أسعارها بقيت الأرخص في العالم، وبقي سعر ليتر المياه فيها أضعاف سعر ليتر البنزين.

في ذكرى الثورة: الاستقلال والتنمية

العقود الأربعة التي مضت من الثورة وبناء الدولة، وما حققته على مستوى مفهومي الاستقلال والتنمية اللذين شكّلا معيار صعود وهبوط المشاريع التحررية في العالم الثالث، وقد اجتازتهما إيران حتى الآن بدرجة جيد جداً، ولكن ذلك لا يجب أن يعني عدم التطلّع لنيل درجة ممتاز، لذلك فالتحديات المقبلة التي يرى المحافظون والأصوليّون والمتشدّدون أنهم سيخوضونها لإدارة الدولة حتى في المهلة الباقية من ولاية الرئيس الشيخ حسن روحاني، تطال التعامل مع الملف النووي كما تطال التعامل مع قضايا الفقر ومكافحة الفساد، وقضايا البيئة الإقليميّة سواء ما يتصل منها بالعلاقة بكل من العراق وسورية ولبنان وفلسطين واليمن كساحات لقوى المقاومة، أو ما يطال الخليج وإدارة العلاقة مع منوّعات المواقف التي يعيش في ظلها وأبرزها بالتأكيد ما تمثله السعودية.

في الملف النووي لا عودة للتفاوض مع الأميركيين، وفقاً لمنطق المحافظين، دون أن يعني ذلك حكماً الخروج النهائي من الاتفاق النووي، وكذلك من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بل ترك الأمر بالنسبة والتناسب مرتبطاً بكيفية تعامل الشريك الباقي في الاتفاق وهو أوروبا، بثلاثيتها الفرنسية البريطانية الألمانية، فإن ذهب الأوروبيون إلى مجلس الأمن بداعي العمل بموجب أحكام الخروج من الاتفاق، يصير الحديث عن الخروج من الاتفاق والمعاهدة مطروحاً على الطاولة، أما الأميركيون فميؤوس من التفاهم معهم ولا مصلحة لإيران لإبرام اتفاق معهم، إذا تجرأ الشركاء الآخرون على تنفيذ الاتفاق رغم التهديد بالعقوبات الأميركية، لأن العقوبات التي تعني إيران هي تلك التي تقيّد أوروبا وليس العقوبات المباشرة من أميركا، ومع أميركا ملفات وملفات لا فرص لحلها بالتفاوض. فالخروج العسكري الأميركي من المنطقة ليس شعاراً، بل هو مشروع استقلاليّ، تعجز دول كثيرة من المنطقة عن طرحه وإيران تتحمّل المسؤولية عن الجميع بجعله عنوان مرحلة مقبلة ليس مهماً كم تطول وكم تقصر، ولا يدخل في الحساب الإيراني التنبؤ بما سيحدث في الانتخابات الأميركية وتأثيراته من هذه الزاوية. فعندما تنتهي الانتخابات لكل حادث حديث وحتى ذلك الحين إيران تتقدم لترجمة التزامها بالتعاون مع شعوب المنطقة وقوى المقاومة لفرض هذا الانسحاب. وقد قال الشعبان الإيراني والعراقي كلمتهما في هذا الشأن وتشاركهم بذلك النسبة الغالبة من اللبنانيين والأفغان، بينما تقترب الدولة السورية من اللحظة التي ستضع فيها على الطاولة مصير القوات الأميركية على أراضيها.

مع واشنطن حساب يصعب إغلاقه بدمج عنواني دم القائد قاسم سليمانيّ، ومستقبل فلسطين، ولذلك توفر صفقة القرن التي أظهرت بقوة لشعوب المنطقة صوابية خيارات قوى المقاومة، فرصة لتشكيل جبهة واسعة، ليس مهماً أن تنتظم في مؤسسات واحدة، بل هي جبهة شعبية سياسية ومقاومة مترامية الأطراف على مساحة العالم الإسلامي خرجت تنتفض على تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين والعبث بمستقبل القدس لصالح الاحتلال، ولذلك فالمنطقة ذاهبة للمواجهة وإيران لا تستطيع أن تتصرّف وكأن قضيتها تنحصر في كيف تبني كدولة علاقاتها الدولية، بل كيف تقود المنطقة نحو عنواني الخروج الأميركي وإسقاط صفقة القرن، وكيف تكون الدولة في إيران مكوّناً يتكامل مع الشعب والحرس الثوري، وتحت إشراف المرشد، لصناعة معادلة قادرة على الفوز في المعركتين. وهذا يستدعي مراجعة للنهج الاقتصادي والسياسي الذي سلكته حكومات ربطت مصير خططها بفرضية الشراكة مع الغرب، سواء عبر التفاهم النووي أو من خلال توقع تفاهمات في السياسة والاقتصاد تترجم موقع إيران الإقليمي، وقد ترتب على هذه الفرضيات إهدار وقت ومال كثيرين، في الاستثمار على وهم لن يتحوّل إلى فرضية واقعية إلا بإظهار المزيد من الاقتدار، وفرض المزيد من حقائق الأمر الواقع.

يرى الكثير من الخبراء والمفكّرين على ضفة المحافظين والمتشددين، أن مشكلة الشعب الإيراني مع السياسات الحكومية في جزء منه نتاج لضعف الموارد الناتج عن الحصار، لكنه في جزء آخر نتاج لبروز ظواهر مرضية اقتصادياً بطغيان الاقتصاد الريعي في سوق العقارات والعملات في المدن الكبرى، وخصوصاً في طهران، وعدم النجاح بإدماج الرأسمال الوطني الذي تمت مراكمة أغلبه في زمن الثورة، في عملية استثمارية منتجة؛ وفي جزء ثالث جراء ظواهر الفساد والإثراء غير المشروع التي تشكل اليوم الهاجس الرئيسي للعملية السياسية، والتي يجب أن تتحوّل مع الحكومات اللاحقة إلى مؤسسة لا تتأثر بتداول السلطة وتغييرات السياسة.

اللافت والمثير للإعجاب هو أن الإيرانيين الذين تقابلهم في طهران من مسؤولين ومستشارين وخبراء وقادة عسكريين، لا يحرجهم الحديث عن مشاكل البناء التي تعيشها الثورة والدولة، بل يعتبرون الشجاعة في التحدث عن هذه المشاكل علامة ثقة بأن الثورة لا تزال حية وقادرة على التصدي لهذه المشاكل. ورغم الضيق الاقتصادي والمالي فهم مرتاحون لوضع بلدهم التي يؤكدون أنها تخطت الأصعب من نتائج العقوبات وهي بدأت بأسواقها تتأقلم مع الاتجاه نحو البدائل الاستثمارية والاقتصادية للقطاعات التي ارتبطت بفرص الانفتاح، وتجاوزت المرحلة التأسيسية لتحويل التحديات إلى فرص.

الحيوية في النقاشات التي تعيشها طهران والتنوّع والتعدد في التيارات والأفكار والرؤى، تعبير عن مستوى قوة المشروع الذي أطلقه الإمام روح الله الخميني، وواصل قيادته ورعايته السيد الخامنئي، ففي إيران دولة حقيقية ومؤسسات دولة حقيقية، واقتصاد جدي، وقضاء جدي وبناء للقوة بكل جدية، وقدرة قتالية عالية الجهوزية والجدية ودبلوماسية شديدة الاحتراف، وإعلام متنوّع واسع التعبير عن مروحة الأفكار المتقابلة داخل المجتمع، ودورة حياة يعيشها الإيرانيون بعيداً عن التزمّت تحت سقف الضوابط المرتبطة بالإسلام، لكن بدرجة عالية من التسامج تلحظها في المطاعم والشارع والحدائق العامة، والجدير بالاحترام هو هذه الثقة بأن الأجيال الجديدة التي لم تعش زمن الثورة لتحفظ لها جميل التخلص من النظام السابق، تنال فرص التعليم الحديث وشراكة البحث العلمي والابتكار، مع معرفة صناع القرار بأن الإبداع يعيش في مناخ من الحلم والحرية سينعكسان بتعبيرات سياسية شابة واعتراضية وحماسية، لا تشكل بنظرهم سبباً للقلق بل للأمل، لأن العالم كله يتغير ويبحث الناس عن السكينة فيه وعن التوازن الداخلي للأفراد والشعوب. ويرى الإيرانيون أنهم يحصلون على النسبة الأعلى من هذا التوازن بالمقارنة مع مستويات ما يعرفه الأفراد وتعيشه الشعوب على هذين الصعيدين.

%d bloggers like this: