أردوغان يحاول إعاقة المرحلة الجديدة في المنطقة

ناصر قنديل

تتطابق الحسابات التركية الخاصة بالتطلع لدور إقليمي أكبر من حجم ما يمكن تحقيقه من خلال البقاء في منطقة وسط بين محور تقوده واشنطن وآخر تقوده موسكو، مع حسابات واشنطن للتحوّلات الجارية في المنطقة والتي تؤذن بدخولها مرحلة جديدة، تستعدّ خلالها إيران وقوى المقاومة لإحداث تغييرات جذرية في موازين القوى في مواجهة واشنطن، تأسيساً على النجاح بتفادي أزمات حكوميّة في لبنان والعراق، وإنجاز تغيير جذري في المشهد السياسي الإيراني من بوابة الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي تمّت تحت شعار برلمان قاسم سليماني، للبدء بتطبيق الخطة التي أعلنها الإمام علي الخامنئي باعتبارها المرحلة الثانية من الثورة بعد إنجاز المرحلة الأولى وعنوانها الاقتدار، وبتحويل التحدّي الناجم عن اغتيال القائد قاسم سليماني وإطلاق صفقة القرن إلى فرص لتفعيل المواجهة مع واشنطن، لتصعيد المقاومة في فلسطين ونقل الصراع إلى مرحلة نوعية جديدة يصعب كسرها، وتصعيد الحملة السياسية والعسكرية لإخراج القوات الأميركية من أفغانستان والعراق وسورية تحت شعار إخراج الأميركيّين من المنطقة.

تركّزت الحركة الأميركية ولا تزال على محاولات إعاقة حكومتي العراق ولبنان، لإرباك قوى المقاومة فيهما، وعلى محاولة تسريع التفاوض مع طالبان للتوصل إلى وقف للنار، تعرف أنه بيد حلفاء إيران تعطيله، لكنها تسابقهم في مسعى صناعة تفاهم بين الحكومة الأفغانيّة وطالبان يبقي على نوع من الوجود الأميركي في أفغانستان، حيث يبقى شعار حلفاء إيران من الأفغان رحيلاً كاملاً للأميركيين وإلا لا تسويات ولا تفاهمات ولا وقف للنار؛ بينما في العراق توضح المواقف المعرقلة لولادة حكومة الرئيس محمد توفيق علاوي، وارتباطها بتوافقات سياسية بين أصحابها على رفض الانسحاب الأميركي تحت شعار منع التفرّد الإيراني، ومواجهة خطر داعش المتجدّد، موقع الأميركيين منها، فيما يشكل موقع وموقف السيد مقتدى الصدر الذي مثّل بعد المرجعية الصوت الحاسم في تشكيل بيئة المواجهة مع داعش، ويصعب اتهامه بالتبعيّة لإيران، طعناً في صدقية القوى التي تراهن عليها واشنطن، طالما يتصدّر الصدر القوى الداعمة للحكومة والمنادية برحيل الأميركيين.

تشكل سورية حلقة حاسمة في هذه المواجهة، ففي سورية تخاض المواجهة مع تعقيدات وتشابكات إضافية، حيث الدور الروسي المرجعي والحاسم، والقدرة الإسرائيلية على التعطيل، والدور التركي المراوغ الهادف من اللعب على حبال التوازنات لتجميع أكبر المكاسب. وتحتلّ معارك بسط سيطرة الجيش السوري على أرياف حلب وإدلب موقعاً فاصلاً في تهيئة شروط فتح معركة إخراج الأميركيّين من سورية. وهنا يقع الدور التركي في منتصف الطريق عائقاً، ويشكل رأس الحربة في الرهانات الأميركيّة على تعطيل المسار الذي يبدو منطلقاً بزخم في كل الساحات لبلوغ لحظة المواجهة، ومثلما ظهر الدور الإسرائيلي مسقوفاً بغارات موسميّة تدرك تل أبيب عجزها عن تخطي سقوفها القابلة للاحتواء، شكل حسم الموقف الروسي عنصر تفوّق لمحور المقاومة وأسقط الكثير من الرهانات والأوهام، بينما شكلت الانتصارات العسكرية للجيش السوري المحققة ميدانياً وصولاً لفتح طريق دمشق حلب إنجازاً لنصف المطلوب. وجاء التدخل العسكري التركي المباشر بالنيابة عن محور واشنطن وتل أبيب لتعطيل النصف الثاني المتمثل بفتح طريق اللاذقية حلب، الذي يعني حصر الدور التركي في مدينة إدلب، بانتظار نضوح الحلّ السياسي، وهو وجود يمكن التعايش معه محاصراً ومنزوع الأنياب، خلال مرحلة فتح ملف الوجود الأميركيّ في سورية.

الزجّ بالأوروبيّين ممثلين بفرنسا وألمانيا في مفاوضات وقف إطلاق النار، تحت التهويل بعملية عسكرية تركية واسعة، والدعوة لقمة رباعية روسية تركية فرنسية ألمانية، لن يفيد الموقف التركي ولا الحسابات الأميركيّة، ما لم تكن واشنطن مستعدّة لخوض معركة شاملة، وهو ما يبدو مؤكداً أنه خارج الاحتمالات. فالموقف الروسي ومن خلفه الموقف السوري والإيراني، قوي جداً بوضع مسألة الإرهاب وخطرها على أوروبا على الطاولة، وربط وقف النار بتطبيق التزامات تركيا بإنهاء الجماعات الإرهابيّة وفصل المعارضة عنها، وهو طلب ثبت أنه أقرب للخيال،. وسيجد الرئيس التركي أن خياراته محدودة بين خوض المعركة العسكرية الخاسرة منفرداً، أو الاستجابة لتسهيل فصل معركة إنهاء الجماعات الإرهابية والانكفاء بعيداً عن المواجهة، والاكتفاء بتحييد مدينة إدلب لمرحلة لاحقة، بعد اشتراط نزع السلاح الثقيل منها، وتأمين إيواء النازحين فيها، واعتبارها رمزاً لسلامة المدنيين، ونشر دوريات روسية تركية فيها، بانتظار الحل السياسي.

وصل الأميركيون بسبب عدم امتلاكهم شجاعة الإقدام على الإقرار بالتحوّلات الكبرى في المنطقة لصالح محور المقاومة، وعجزهم عن أخذ خيار المواجهة الشاملة المكلفة والميؤوس من نتائجها، إلى جعل حروب الوكالة التي يخوضونها مجرد محاولات لشراء الوقت.

فيديوات متعلقة

لماذا تدهورت العلاقات الروسيّة التركيّة؟

ناصر قنديل

خلال الشهر الماضي كان كل شيء يبدو مستقراً في العلاقات الروسية التركية، فموسكو تنجح بترتيب أول لقاء رسمي علني على مستوى أمني رفيع بين سورية وتركيا جَمَع في موسكو، اللواء علي مملوك رئيس مجلس الأمن الوطني في سورية مع الجنرال حقان فيدان رئيس المخابرات التركية، تم خلاله التوصل لتفاهم على خريطة تضمن فتح الطريقين الدوليين بين حلب ودمشق وحلب واللاذقية بتنسيق تركي روسي سوري أمني وعسكري يُنهي دور الجماعات الإرهابية شمال سورية. وكانت تركيا بعد تموضعها في لبييا تفتح الباب لرعاية روسية تركية لدعوة رئيس الحكومة المدعومة من تركيا فايز السراج وقائد الجيش الليبي الجنرال خليفة حفتر إلى موسكو لحوار من أجل وقف الحرب.

التدهور الحاصل اليوم في العلاقات التركية الروسية، والذي بلغ حافّة الحرب، بعدما لعب الرئيس التركي أوراق ضغط في ساحات محرّمة، كزيارته لأوكرانيا وما رافقها من كلام تلويحاً بالانقلاب على علاقته بروسيا، أو إعادة تشغيل خط معلن لتعاون تركي أميركي في سورية بعد طول انقطاع، وبالمقابل انتقال روسيا من حصر غاراتها الجوية بالجماعات المسلحة المدعومة من تركيا إلى قصف مؤلم يستهدف القوات التركية مباشرة داخل الأراضي السورية، وحديث روسي علني بلغة التحذير عن الدعم الكامل للجيش السوري في حال تعرّضه لأي استهداف تركي، إشارات تعني أن العلاقة تدهورت إلى ما يوازي لحظة إسقاط أردوغان للطائرة الروسية عام 2015.

تقول مصادر روسية إن الرئيس التركي رجب أردوغان، تلاعب بالتفاهمات التي تمّت بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول سورية وليبيا، وقام بتحويلها إلى أوراق اعتماد لاستدراج عروض أميركية أوروبية حول سورية وليبيا طمعاً بالمزيد، وقد تلاعب به الأميركيون فتورط في ارتكاب خطأ لا يُغتفر، وهو المراوغة والخداع واللعب من وراء ظهر الرئيس بوتين، وبعدما كان أردوغان قد حصل من الرئيس الروسي على ضمان الحفاظ على دور تركي في العملية السياسية في كل من سورية وليبيا، شرط التزام حدود الدور العسكري بالحد الأدنى في ليبيا لزوم هذا الدور، والاستعداد للعودة إلى اتفاق أضنة تحت سقف سيادة الدولة، بالنسبة لسورية، حصل على إغراء أميركي للانقلاب على التفاهم، واستعمال الوقت لنقل الآلاف من المقاتلين السوريين إلى ليبيا، وتسليم مواقعهم لجبهة النصرة، التي يُفترض إخراجها من مناطق سيطرتها وليس توسيع هذه المناطق. والوعود الأميركية هي تقديم الدعم لتشكيل إطار دولي إقليمي للحل السياسي في سورية وليبيا، تكون لتركيا كلمة حاسمة فيه، وما يستدعيه ذلك من إسقاط صيغة أستانة بالنسبة لسورية. وهذا مطلوب من أردوغان، وضمان نقل القضيتين السورية والليبية إلى مجلس الأمن. وهذا ما ستفعله أميركا وأوروبا عندما يؤدي أردوغان ما عليه.

جاء الردّ الروسي السوري الاستباقي بالعملية العسكرية في محافظتي إدلب وحلب ليُجهض كل ألاعيب أردوغان، ويضعه مرة أخرى بين خيارين لا ثالث لهما، التموضع في قلب مسار استانة والرعاية الروسية والتأقلم مع خسارة الرهان على التلاعب بالجغرافيا السورية، والعودة للانضباط بالتفاهمات بخصوص ليبيا، أو البديل الثاني وهو التموضع مع الجماعات الإرهابيّة وخوض الحرب بجانبها أو بالنيابة عنها. وهذا سيعني تموضعاً روسياً حاسماً في ليبيا إلى جانب الجنرال حفتر وتقديم كل الدعم اللازم لتقدّمه العسكري، ومواصلة شرسة للمواجهة في سورية من دون أي مراعاة للوضعية التركية، وجعل أردوغان الخاسر الأكبر في الحربين.

مشروع أردوغان للقمة الرباعية التي تضمّه مع الرئيس بوتين والرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانيّة مواصلة للعبة المراوغة، بينما تجاهله لدعوة إيران لقمّة ثلاثية روسية تركية إيرانية في طهران ضمن مسار أستانة، إعلان استمرار في اللعب على حافة الهاوية، ولذلك سيستمرّ العقاب حتى يعود أردوغان إلى بيت الطاعة الروسي في سوتشي، أو يدفع الثمن الأكبر، بعدما تكشّفت له الوعود الأميركية أنها مجرد أوراق مخادعة، فقد ترك وحيداً كما حصل معه من قبل مرتين، مرة بعد إسقاط الطائرة الروسية ومرة بعد بدء معركة حلب الأولى، ولم يحصل من واشنطن إلا على الكلام والبيانات، عساه يؤخر نهاية الجماعات الإرهابية فتشتري واشنطن الوقت بواسطته لترتيب انسحاب هادئ بلا هزيمة مدوّية، من شرق سورية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هل يرتكب أردوغان الحماقة؟

ناصر قنديل

خلال السنوات التي أعقبت إسقاط الطائرة الروسيّة بنيران الجيش التركيّ لا يبدو أن الرئيس التركي رجب أردوغان قد استوعب القواعد التي تحكم مناورته في سورية، فهو مقيّد بحدّين لا يمكن التلاعب بهما ولا تغييرهما سواء بالعناد والتبجح والتهديد أو بالإنبطاح والتزلف، وهما: أن واشنطن غير مستعدّة هي وحلفائها في الناتو لمشاركته حرباً تكون روسيا طرفها الثاني، والثاني أن روسيا مستعدة لخوض غمار المواجهة إذا قرّر أردوغان شنّ هجمات على الجيش السوري. وهذا الحدّان دفعا بأردوغان في معركة حلب الأولى قبل أعوام، للتموضع سياسياً وأمنياً ضمن مسار أستانة، تجنباً لمواجهة يدرك عواقبها ويدرك أنه لا يستطيع الفوز بنتائجها، كما يدرك قبل كل شيء أن الشعب والجيش في تركيا لا يملكان أسباباً لمجاراته في التورّط فيها إن أراد.

حاول أردوغان استنفاد سنوات ما بعد أستانة، بالرهان على استئخار القرار الحاسم، والاحتفاظ بإدلب وأرياف حلب واللاذقية، مرة عبر فرضية صمود داعش طويلاً، ومرة بفرضية تجنب روسيا مساندة الجيش السوري في تحرير الجنوب ومخاطر التصادم مع الأميركي والإسرائيلي. ولما باءت رهاناته بالفشل وبدأت معركة إدلب وتوّجت بالانتصار الكبير الذي تعيشه سورية، كان يدرك سقوط رهان ثالث وهو صمود الجماعات الإرهابيّة التي زوّدها بالسلاح والعتاد، ودفع بجيشه إلى جانبها ليمنحها المعنويات، أملاً بصمود لم يتحقق.

مع تساقط مواقع جماعاته وتحقيق الانتصارات السوريّة، صار وجه أردوغان إلى الجدار، فراهن على ثنائية العناد والانبطاح. العناد بوجه روسيا والانبطاح لواشنطن، أملاً بتغيير الحدّين الثابتين اللذين حكما معركة حلب الأولى، آملاً بأن يردع عناده روسيا عن تقديم الإسناد اللازم للجيش السوري إذا تعرّض لهجوم تركي، وبأن يُغري الانبطاح واشنطن فتعلن استعدادها لمشاركته المعركة، تفادياً لخوضها دفاعاً عن قواتها التي سيأتي موعد مطالبتها بالانسحاب إذا فرض مثله على القوات التركيّة، فذهب يرفع سقوف التهديد والتحدي بوجه روسيا من جهة، ويقدّم التنازلات والإغراءات لواشنطن من جهة موازية. وجاءت الحصيلة واضحة، مزيداً من الثبات الروسي على خيار المواجهة، ومزيداً من التحفظ الأميركي تجاه أي تورط بمغامرة عسكرية.

المعادلة اليوم شديدة الوضوح وعلى أردوغان أن يقرّر، فترجمة التهديد بعملية عسكرية تستهدف الجيش السوري تهدّد بإشعال حرب سيكون الجيش السوري خلالها مستعداً لتقديم التضحيات الجسام دفاعاً عن سيادته الوطنية، وأظهرت التظاهرات العفوية ورشق الجنود الأتراك بالحجارة في مناطق السيطرة التركية حجم التعبئة النفسية التي يعيشها السوريون وصولاً للاستعداد للتضحية لمنع الاحتلال التركي من البقاء فوق أراضيهم، وسيكون حلفاء سورية بصور متنوّعة معها في هذه المواجهة، بين شراكة قوى المقاومة في الميدان، والدعم الإيراني من جهة، والدعم الروسي الناري من جهة مقابلة، وسيكون على أردوغان أن يتحمّل أمام جيشه وشعبه مسؤولية خراب كبير، قد يصل إلى تساقط الصواريخ في العمق التركي إذا تجاوز أردوغان الخطوط الحمراء لموضعيّة الاشتباك المفترض، والتزامه موضعيّة الاشتباك سيعني خسارته المحتّمة، حيث الجو سيكون روسياً، والأرض ستكون سوريّة.

أردوغان يرفع السقوف، ويفتح الباب موارباً للتفاهم آملاً الحصول على بعض المكاسب التي يستطيع تصويرها نصراً، خصوصاً لجهة ربط مصير مدينة إدلب بالحل السياسي، فيتحدث وزير دفاعه عن مناشدة الروس الحياد من المعركة التي يريد خوضها مع الجيش السوري لأنه لا يريد مواجهة معهم، ووزير خارجيّته يتحدّث عن الاتصالات المستمرّة بحثاً عن حل سياسي، والرئاسة تقول إنها لا تزال تدرس مشروع القمة الثلاثيّة التي دعت إليها طهران مع تركيا وروسيا.

أردوغان بين خيارين الآن، أن يرتضي تحوّل كلماته فقاعات، فيتراجع، أو أن يصير هو فقاعة تنفجر في تركيا بحماقة تنتهي بهزيمة محققة، وإن تحوّلت حرباً ستنهي حياته السياسية، وتاريخ أردوغان يقول إنه مراوغ، لكنه جبان.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

إلى حكومات العراق وسورية ولبنان

ناصر قنديل

خلال أيام ستكون في العراق حكومة جديدة، ولدت تحت ظلال قرار برلماني بإنهاء الوجود الأميركي العسكري في العراق، وفي سورية حكومة تقع تحت عقوبات أميركية وأوروبية وحصار غربي شديد القسوة، وفي لبنان حكومة جديدة ولدت بمقاطعة من القوى الحليفة لحكومات الغرب والخليج، وتصلها كل يوم رسائل عنوانها عدم الاستعداد لإمدادها بالمال الذي تحتاجه لمواجهة خطر الانهيار المالي. والوضع الاقتصادي في كل من هذه الدول يعيش أسوأ أيامه، فهل فكرت الحكومات المعنية أو ستفكر في جذر الاختناق وعلاقته بتكريس واقع الفصل التعسفي بين جغرافياتها، لاعتبارات سياسية غير سيادية؟

ربما تكون الحكومة السورية الأشد استقلالاً، والأعلى إيماناً فكرياً وثقافياً بالتكامل بين الدول التي شكلت تاريخياً متحداً اقتصادياً واجتماعياً طبيعياً، لكنها ليست الأكثر مبادرة، وإن كان للانشغال بالعمل العسكري والأمني، أو لتقدير الحسابات الرماديّة للحكومات المتعاقبة على العراق ولبنان وتوقع عدم استعدادها لتلبية الدعوة لبحث المشتركات الاقتصادية، تفادياً لإغضاب بعض العرب والغرب، دورٌ في تفسير عدم المبادرة، فإن هذين العاملين إلى زوال، والأمر يحتاج إلى مبادرة، من سورية أو لبنان أو العراق، لكن النظرة لما يمكن تحقيقه بالعودة لحياة خلقها الله وكرّستها الطبيعة بين هذه الدول يشكل جواباً على أسئلة يبحث عنها المعنيون في غير مكان.

إذا بدأنا بحال العراق فسنكتشف ببساطة أن العراق يحتاج إلى أمرين عاجلين لا يحتملان التأجيل، يرتكزان على الحاجة لمنافذ بحرية على البحر المتوسط، حيث أغلب مبيعات النفط العراقي أي أغلب الصادرات العراقية، وحيث مصدر أغلب المستوردات العراقية، وحيث الدورة التجارية تمرّ من البصرة نحو مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس لتصل إلى المتوسط، فتستهلك وقتاً ومالاً يؤثران سلباً على الوضع الاقتصادي العراقي، بينما تستطيع موانئ بانياس وطرطوس وطرابلس وبيروت، إذا ربطت بخطوط سكك حديدية حديثة مع بغداد، وفعلت وطوّرت أنابيب النفط التي تربطها بمنابع النفط العراقية، أن تحقق للعراق وفراً مالياً يقدره الخبراء بخمسة مليارات دولار سنوياً، وعائدات إضافية، وتحسيناً لقطاعات الخدمات، وتوفيراً لسلع أرخص في الأسواق، إذا أضفنا ما سينتج على جانب هذه الدورة من إنتاج لمشتقات نفطية يستوردها العراق، ومن ربط حاجات العراقيين بخدمات مصرفية وصحية وتعليمية وسياحية ومنتجات صناعية وزراعية متاحة بدرجة عالية من الجودة بين دمشق وبيروت، ويعيق الإفادة منها غياب طرق النقل السريعة والآمنة والميسّرة.

إذا انتقلنا إلى سورية فسنجد حاجاتها للمشتقات النفطية مصدراً رئيسياً لأزمتها الاقتصادية وهي متاحة بإمداد مصافيها وتطويرها بالنفط العراقي الخام، لتأمين حاجات أسواقها، وحاجتها لإنتاج الكهرباء، وستعيد للعراق حاجته من المشتقات، ومالاً ناتجاً عن بيع نفطه الخام والمشتقات الفائضة من المصافي، وسنجد أن الساحل السوري سينتعش بفضل خط الترانزيت لحساب السوق العراقية بتشغيل وتفعيل مرفأي بانياس وطرطوس، وأن قطاعات الزراعة والصناعة من حلب إلى درعا والساحل والوسط ستجد ضالتها في السوق العراقية الضخمة، وأن المناطق السياحية في سورية ومدنها ومزاراتها الدينية وجامعاتها ومستشفياتها ستغصّ بالعراقيين؛ والمطلوب تفعيل شبكات نقل متعددة وميسّرة للركاب والبضائع والنفط والمشتقات، بما يشبه ما يفعله الصينيون في مشروع الحزام والطريق، الذي يشمل بلدان المتوسط، العراق وسورية ولبنان، والصين مهتمة بسورية وتربطها بها علاقة مميّزة، والصين وقعت مع العراق اتفاقيات بمئات مليارات الدولارات لمشاريع عملاقة يجب أن تتصدّرها مشاريع التشبيك العراقية مع سورية ولبنان، ومن بينها شبكات الربط الكهربائي أيضاً، خصوصاً أن إيران المتصلة عبر العراق بجغرافيا هذه الدول المتوسطية جزء من المشروع الصيني العملاق وعلاقاتها بالصين أكثر من مميّزة، ولديها فوائض في المشتقات النفطية، وفي إنتاج الكهرباء.

نصل إلى لبنان الواقف على رصيف الانتظار والتسوّل، بانتظار أن يرأف بحاله الغرب وبعض العرب، وهو كالبيد في الصحراء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهرها محمولُ، فهل يدرك المعنيون في لبنان حجم التحوّل التاريخي الذي يترتب على هذا التشبيك الاقتصادي، ليس بتوفير العملات الصعبة التي تستنزف نصف موارد لبنان لتأمين المشتقات النفطية والكهرباء، فقط، بل بالحركة التي سيجلبها التشبيك بوسائل نقل سريعة لقطاع المصارف لحساب العراق، وللصناعة والاستشفاء والتعليم، والاستهلاك، والطبقة الوسطى وما دونها في العراق ستجعل من سورية وجهتها، والطبقة الوسطى وما فوق ستجعل من لبنان وجهة لها، هذا من دون أن نتحدث عن المنتوجات الزراعية. وقد قال لي صديق عراقي أن قطارا يربط بغداد ببيروت بثلاث ساعات، سيعني أن رجل الأعمال العراقي ينطلق في السابعة صباحاً من بغداد ليصل إلى مصرفه في بيروت في العاشرة ويعود في الرابعة من بيروت ليصل بغداد السابعة مساءً، وقد تناول الغداء الذي يحبّ في مطاعم بيروت، أو أمضى ليلته في فنادفها وقرّر التسوق والعودة في اليوم التالي، وختم الصديق ضاحكاً بالقول لا تنسوا إرسال خبزكم في القطارات يومها، لأنه مهما أرسلتم من كميات ستنفد عند محطة القطار، ليقول افتحوا أفراناً وسيتكفّل العراقيون باستهلاك الخبز.

لا جواب منطقي يقول إن هذه المعطيات غير واقعية، فقط الكلام في السياسة عن الانتظار، وانتظار ماذا لا نعلم، خصوصاً أنه المعيب أن نسمع بأن دورة الأوكسجين الذي ينتشلنا من الاختناق المحتم، لأننا ارتضينا أن نعيش في علب مغلقة ننتظر للخروج منها إذناً خارجياً، فهل تنتظر الاطمئنان بأن الغرب وبعض العرب لن يغضبوا، فلنتعظ مما فعله الفرنسيون يوم كانوا يحكموننا في لبنان وسورية، وقد قسمونا وأقاموا لنا جيشين ومجلسي نواب وحكومتين ورئيسين وأعدّوا لنا دستورين، لكنهم حافظوا لنا على مصرف مركزي واحد وليرة واحدة، وسواها من المصالح المشتركة التي أنشأوا لها مجلساً يحمل هذا الاسم “مجلس المصالح المشتركة”. تخيّلوا مثلا أن يتفق حكام المصارف المركزية في دولنا على تسعير أسبوعي للعملات الوطنية فيما بينها يتبعه قرار حكومي باعتماد هذه العملات في التداول بين أسواقنا وناسنا وبضائعنا وخدماتنا، ولنشكّل مجلساً للمصالح المشتركة بين لبنان وسورية والعراق يترأسه رؤساء الحكومات ويضمّ وزراء الطاقة والاقتصاد والمال وحكام المصارف المركزية ومعهم رؤساء غرف التجارة والصناعة والزراعة.

لمَ لا إذا كانت لنا إرادة وعندنا رؤية، ولم نتحدّث بعد عن عملية الإعمار في سورية ولا في العراق؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

جعجع ديماغوجيا أم سفسطائية أم بروباغندا؟

ناصر قنديل

حاول الدكتور سمير جعجع مساجلة دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، استباقاً لمطالبته بتلقفها، والدعوة قائمة على الفصل بين الخلافات السياسية وبين الملفات الاقتصادية، وتنطلق من أن حجم وعمق الأزمة ببعديها المالي والاقتصادي يفرضان على الجميع التبصر في أن لا شيء سيبقى للخلاف عليه وحوله إذا وقع الانهيار الذي يحذّر منه الجميع. وهي دعوة تلامس ما يتمناه كل لبناني في سره لمستوى تفكير القادة ولدرجة تحمّلهم للمسؤولية، وقد بلورها السيد نصرالله بالدعوة لنوع من لجنة أو اجتماعات تشترك فيها الكتل النيابية مع الحكومة لبلورة الحلول ومناقشتها، والسير بما يتفق عليه انطلاقاً من حجم الخطر من جهة، وترجمة لدرجة الشعور بالمسؤولية من جهة موازية، ولعله من المفيد التذكير أن كلام السيد نصرالله لم يأتِ سجالياً، لا مع القوات ولا مع سواها.

بدأ جعجع تعليقه بوصف دعوة السيد بمحاولة التهرّب من المسؤولية، ثم دخل معها في مشروع سجاليّ، مشترطاً على حزب الله القيام بثلاثة، رفع الغطاء عن حلفائه في فساد الكهرباء، ووقف تدخله في ملفات عربيّة ترتب عليها انكفاء عرب الخليج عن دعم لبنان، ووضع سلاح المقاومة بعهدة الدولة لأن بقاءه خارجها أفقد الدولة المصداقيّة، وبالتالي الدعم الدولي. وحسناً فعل جعجع بأنه قال ما قال، وهو كلام يردّده كل خصوم المقاومة، في السرّ والعلن، ولو بالمفرق وجاء يعرضه جعجعج كبضاعة بالجملة، متهجماً بالاتهام بالتهرّب من المسؤولية على الحزب الذي لم يُعرَف عنه إلا التفوّق بالتصدي لكل تحدي بأعلى درجات المسؤولية.

في مدارس السجال والمنطق، تحضر لدى قراءة جعجع مدرسة الديماغوجيا والقائمة على تجميع تلفيقي لذرائع يمكن أن تبدو حججاً منطقية لتسويق موقف أو فكرة أو توجيه اتهام. وهي مدرسة الغوغائيّة الفكرية والمنطق الكلامي، أي الترتيب التسلسلي للكلمات وتنميق عرضها بما يوحي بتماسك الفكر الواقف خلفها. وهناك البروباغندا، وهي المدرسة الدعائيّة القائمة على الترويج الدعائي لفكرة يراد زرعها في عقول الناس من خلال توجيه أحادي لمنهج مقاربة الموضوع بعزله عن سياقه، ويرمي في طريق التلقي مجموعة معطيات مموّهة، وغامضة غير مثبتة، اعتماداً على خلق الانطباع بدلاً من الإقناع. والمدرسة الثالثة هي السفسطائية التي تمثل تفوّقاً منطقياً ومنهجياً، برفض القبول بالمسلّمات والبديهيات والتفوق في تفكيكها وصولاً لهزيمة المنطق الآخر، وربما تكون السفسطائيّة كمدرسة رافقت حكم الشعب وظهور ممثليه في أثينا بعد سقوط الأوليغارشيا، وحكم أمراء الحرب وأثريائها، موضوع تقليد لدى الكثير من الانتهازيين الذي يرغبون بالتشبّه بثوريّة السفسطائيين.

ما قاله جعجع سهّل النقاش والتفنيد إذا تحرّرنا من الانطباع، وكشفنا سطحية المنطق العاجز عن الإقناع. فأي غطاء يقدّم السيد نصرالله للفساد في قطاع الكهرباء. وهل تقدّم نواب القوات الواثقون مما بين أيديهم من توجيه الاتهام لمن يسمّيهم جعجع بحلفاء السيد نصرالله، ومعهم كما ظهر كلام الحليفين في قوى الرابع عشر من آذار، بطلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في ملف الكهرباء من ألف إلى يائه، منذ العام 1990، وليرفضها نواب كتلة الوفاء للمقاومة ليمكن اتهامهم بتوفير التغطية للفساد؟ وما أسهل الاختبار لو اراد جعجع وحزبه تحمل المسؤولية بدلاً من التهرّب منها! أما الحديث عن العرب الذين انكفأوا عن لبنان بسبب مواقف حزب الله، فهل قول جعجع إنهم انكفأوا يجعل ذلك حقيقة؟ وهل حجز رئيس حكومة لبنان حليف جعجع نظرياً، في فندق الريتز بالسعودية وإملاء الاستقالة عليه، كان انكفاءً، أم أن حلفاء جعجع من العرب هم شركاء في مواجهة تقودها واشنطن لحساب “إسرائيل”، وخطة المواجهة معلنة وقد راهنت على إفقار لبنان للضغط على المقاومة وسلاحها، كما يفعل جعجع، وصولاً للقول إن المال المطلوب ثمنه السلاح ولاحقاً ترسيم النفط وليلتحق باللاحق فرض مشروع التوطين؟ ونأتي لمصداقية الدولة، فهل ورد في مؤتمر سيدر حديث عن مصداقية الدولة في الإصلاح أم في السلاح، وهل تقارير شركات التصنيف العالمية تتحدث عن مصداقية الالتزام بالشروط والمعايير الشفافة للإنفاق، أم مصداقية الالتزام بالشروط الإسرائيلية للبنان الضعيف. ويعلم الدكتور جعجع أن هناك جهة واحدة هي واشنطن تربط هذه بتلك وتفعل ذلك لحساب “إسرائيل”، ويردد جعجع وراءها الربط، فهل سأل نفسه لحساب مَن يفعل؟

ثمة طريقان لمواجهة الأزمة، طريق تعرضه واشنطن علينا وتحدّث عنها كل من جيفري فيلتمان وديفيد شنك

ر مطولاً، وأسمياها طريق الازدهار الممكن، ومدخلها ما عرضه جعجع على السيد نصرالله، أي تعرية لبنان من مصادر القوة والانضواء تحت الوصاية الأميركية، وتلك قمة التهرّب من المسؤولية. وطريق أخرى وطنية لبنانية تقوم على الإقرار بالاختلاف بين اللبنانيين على أشياء كثيرة، والسعي للعمل معاً فوق الخلاف لخطة إنقاذ تعتمد على توظيف القدرات اللبنانية ووضع الخطط الإصلاحية، والتواصل مع الخارج للفصل بين خلافاته السياسية مع لبنان وبين تعاطيه مع أزمته الاقتصادية، بأن يبدأ اللبنانيون بفعل ذلك. وهذا هو عين تحمّل المسؤوليّة.

بعض البروباغندا، وبعض الديماغوجيا، لا يجعلان صاحبهما سفسطائياً، ولو بذل جهداً، فقد سقطت محاولته بكلمة تكرّرت كثيراً في ردّه هي المصداقية.

انتصار حلب بعشرة

انتصار حلب بعشرة


ناصر قنديل

في الظاهر يبدو انتصار الجيش السوري في أرياف حلب، واحداً من الانتصارات المتدحرجة التي بدأها الجيش السوري منذ تحرير أغلب أجزاء مدينة حلب قبل ثلاثة أعوام وبضعة شهور، لكن التدقيق سيكشف أهمية هذا الانتصار وتميّزه وتأثيره على المناخات السياسية والمعطيات العسكرية وتثبيته قواعدَ ستحكم كثيراً ما بعده.

انتصر أمن حلب أولاً وقد عانت العاصمة السورية الثانية لسنوات ما بعد التحرير الأول من القصف والاعتداءات اليومية، ونظراً للعمق التركي وراء مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية كان التجرؤ أكبر مما كانت تفعله هذه الجماعات في استهداف أمن دمشق من الغوطة قبل تحريرها، ورد الاعتبار لأمن العاصمة الاقتصادية سيكون له مردود كبير على حياة الناس أولاً وعلى النشاط الاقتصادي ثانياً، وبالتالي على مجمل الوضعين الأمني والاقتصادي.

النصر الثاني هو بفتح الطريق الدولي الذي يشكل شرياناً حيوياً بين العاصمة دمشق وكل من مدينتي حماة وحلب، وبالتالي بين نصف سورية ونصفها الآخر تقريباً، وهذا الربط الذي يختصر الوقت والمخاطرات المرافقين للطريق المؤقت البديل، يعني عودة للحياة الطبيعية سكانياً واقتصادياً وأمنياً، وخصوصاً بعودة نسبة كبيرة من النازحين من أبناء المناطق التي شملها التحرير أو وفّر لها الأمن أو سهل الانتقال إليها، وهي عودة مرتقبة بعشرات الآلاف من أكثر من وجهة نزوح.

النصر الثالث هو بسقوط آخر واجهات الاحتلال التركي من الميليشيات التي ترفع علماً مزيفاً باسم “الثورة السورية”. والمعلوم أن أرياف حلب كانت المنطقة الجغرافية التي تتمركز فيها هذه الجماعات ضمن تقسيم أدوار بينها وبين جبهة النصرة التي تتولى منطقة إدلب، وفقاً لترتيبات القيادة التركية، وسقوط آخر معاقل هذه الواجهات التي كانت تستعمل العلم السوري وتسعى لتغطية الاحتلال التركي بواجهة سورية، لا يعني فقط أن الاحتلال صار عارياً فقط، بل أيضاً سيكون له تأثير على مسار العملية السياسية وعمل اللجنة الدستورية، حيث كان بعض رموز ما يُسمّى بالمعارضة يستند لهذا الوجود في رفع السقوف وممارسة التعطيل.

النصر الرابع هو في كون ما تبقى من معاقل للجماعات الإرهابية بات تحت وطأة مفاعيل النصر السريع للجيش السوري، في حال انهزام وتفكك وضياع، وسيكون لهذا النصر تأثيره في رسم إيقاع المواجهات اللاحقة بعدما تم تفكيك وإنهاء بنى وهياكل تحتل مناطق تقارب بحجمها المناطق المتبقية تحت سيطرة جماعات النصرة، وتضم بين صفوفها أعداداً من المسلحين تقارب عدد من بقوا في المناطق التي يستهدفها التحرير اللاحق.

النصر الخامس هو بتثبيت معادلة العلاقة بروسيا وإيران، كحليفين لسورية، لحقت بالعلاقة بينهما وبين سورية حملات تشكيك ومحاولات نيل من المصداقية، وكانت أصعبها هذه المرة لخصوصية المناطق التي تدور فيها المعارك وموقعها المصيري بالنسبة للدور التركي، وما قالته توقعات أصحاب حملات التشكيك بأن ما كان يصحّ في التزام روسيا وإيران قبل إدلب وريفها وريف حلب لا يصحّ الآن، وقد بدأت أم المعارك. وجاءت النتائج لتقول إن ما يصحّ في فهم الحلف المبني على المصداقية هو قانون لا استثناءات فيه.

النصر السادس هو بالرسالة التي وجّهتها العملية للقيادات الكردية، التي كان بعضها يراهن على ثبات كانتون تفرضه تركيا لجماعاتها في ريفي حلب الغربي والشمالي لأهميته وحيويته على حدودها، وأنه سيكون ذلك فرصة لطلب المثل. وجاء النصر يسقط هذه الفرضية ويسقط معها المعوقات أمام التفكير العقلاني الذي يشكل شرطاً لنجاح الحل السياسي مع هذه الجماعات.

النصر السابع هو في تثبيت قواعد حاسمة لمفهوم السيادة في العلاقة السورية التركية، التي دخلت عليها بعض الأوهام لدى القيادة التركية، من نوع التلويح بالاستنجاد بالأطلسي أو بابتزاز الحليفين الروسي والإيراني، أو بالرهان على التهويل والترهيب بفرضية الحرب المباشرة بين الجيشين السوري والتركي، وكلها اختبارات جدّيّة وقاسية خاضتها القيادة السورية وفاز بها الرئيس بشار الأسد وأثبت الجيش السوري أهليته لتخطّيها، وباتت الحقائق التي قالتها معارك حلب خصوصاً حاكمة لمضامين لاحقة للعلاقة بين سورية وتركيا، عنوانها أن السيادة السورية خط أحمر.

النصر الثامن هو في تأثير معركة حلب الحاسمة على مستقبل الحسابات الإسرائيلية التي كانت تبني على ثبات تركيا ومَن معها من جماعات إرهابية ومن جهّزتهم من جماعات تحت مسمّى المعارضة، حسابات تفترض أن استعادة سورية وحدتها تحت سيادة جيشها أمر دونه الكثير، وبالتالي فالتعامل مع ما تسمّيه “إسرائيل” بالفوضى السورية مستمرّ لأجل بعيد. وجاء النصر ينبؤها بالعكس ويفرض عليها حسابات من نوع مختلف فقريباً ستكون سورية متفرّغة للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية، وقد استعادت وحدتها وسيادتها وعافيتها.

النصر التاسع هو في تأثير المعركة الفاصلة في حلب على مستقبل الحسابات الأميركيّة التي تنازلت عن الواجهة الكرديّة في المناطق الشرقية لحساب الأتراك كي يصمدوا ويثبتوا، ويؤخروا لحظة الاستحقاق عن الوجود الأميركي، وجاءت الساعات التي سبقت النصر لتحمل طلباً تركياً بالتدخل المباشر للأميركيين أو للناتو كشرط لخوض تركيا المعركة عسكرياً بجيشها، وأقام الجميع حساباته، وعندما قرّر الناتو عدم الدخول، فهذا يعني أن واشنطن هي التي قرّرت، وقرارها هنا هو نسخة عن قرارها اللاحق بالنسبة للمناطق الشرقية، وإلا لكان الأفضل دمج المعركتين معاً وكسب ما تؤمّنه شراكة تركيا من فرص أفضل.

النصر العاشر سياسيّ ودبلوماسيّ في علاقات سورية العربية والدولية، فالمتأخّرون عن دقّ أبواب دمشق، أو الذين فعلوا ذلك بتردّد وبالنقاط، باتوا يدركون أن عليهم مسابقة الزمن لفعل ذلك بصورة جدّية وسريعة وفعّالة، لأن الدولة السورية تُنهي آخر معاركها بسرعة، وتسابق الوقت بالمفاجآت، وعليهم أن يلاقوا ساعة النصر النهائي من سفاراتهم وقد استعادت كامل جهوزيتها ودورها في دمشق.

نصر أخير لا رقم له هو انتقام رفاق السلاح للقائد قاسم سليماني الذي أقسم لأهل حلب بأن يكون معهم في التحرير الثاني الآتي بلا ريب، فكانوا معه يهدونه نصرَهم العظيم في ذكرى الأربعين.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

حديث الجمعة من طهران (2)– ناصر قنديل

الملفات الإقليميّة والدوليّة مجموعة سجّادات أو شبكة أقنية مياه تُدار في آنٍ واحد: ‭}‬ الملف النوويّ بين رفع التخصيب والخروج من المعاهدة وإلغاء الحظر على السلاح ‭}‬ أفغانستان ساحة اشتباك مفتوح والتسويات مشروطة بالرحيل الأميركيّ ‭}‬ العراق ساحة عمليّات لا يعلن عنها الأميركيّون وتصعيد المقاومة الشعبيّة والسياسيّة ‭}‬ سورية ميدان تكامل مع روسيا واحتواء لتركيا تحت سقف السيادة السوريّة ‭}‬ خلفيّات صفقة القرن ما بعد الانتخابية وتحويل التحدّي فرصة

للأسبوع الثاني أخصص حديث الجمعة لطهران وما رافق زيارتها لستة أيام من لقاءات أتاحت التعرّف من مواقع صناعة القرار وقادة الرأي، على كيفية تفكير ونظرة القيادة الإيرانية للملفّات الإقليمية والدولية، بعدما خصّصتُ حديث الجمعة الماضي للشأن الداخلي الإيراني، سأخصص هذا الحديث لتناول تحليلات وقراءات ومواقف وقرارات تشكل أرضيّة وسقوف وأعمدة الموقف الإيراني في مقاربة الملفات المختلفة من الملف النووي إلى الوضع في أفغانستان والعراق وسورية والنظرة لما وراء صفقة القرن وكيفية التعامل معها.

الملفات معاً ولمَ لا؟

يفترض الكثيرون أنه باستثناء الدول الكبرى التي تملك مقدرات مالية وعسكرية هائلة لا يمكن التفرّغ لمتابعة العديد من الملفات المعقدة، دون الوقوع في مشكلة الأولويات، بينما تبدو إيران قادرة بسلاسة على الجمع بين الحضور والفعالية في ملفات لا رابط بينها سوى كونها ملفات تهم إيران، وربما يكون مهماً لإيران أنها أيضاً ملفات تهم الأميركيين، الذين يشكلون كيفما أدرت رأسك القطب المقابل لإيران. ففي إيران لا حاجة للتدرب على الإدارة المتشابكة لمجموعة ملفات معاً، من تاريخ التراث والثقافة التي يتوارثها الإيرانيون، مصدران رئيسيان لهذه السلاسة، الأول هو احترافهم كشعب حياكة السجاد، وهي حرفة لا تدرّب صاحبها فقط على الصبر وقدرة تحمّل الانتظار، وعلى الإتقان والدقة والتمييز، بل أيضاً على جمع الملفات. فالتقليد العائلي الإيراني منذ آلاف السنين يبدأ حياكة سجادة مع كل مولود جديد ويتوازى حبك السجادات معاً بالتزامن، تتقدّم إحداها وتتراجع إحداها وفقاً للحاجة، وأحياناً لمواعيد الزواج، ومثل حياكة السجاد صناعة قنوات جرّ المياه للري والشرب، من عشرات الآبار والينابيع إلى عشرات البلدات والقرى، ومنذ 2700 سنة لا تزال تشرب وتروي أرضها أكثر من أربعين بلدة وقرية في خراسان من قنوات لا يتسرّب منها الماء، تصل إلى كل البيوت والحقول والبساتين، وتسير تحت الأرض، ويديرها القرويون ويقومون بصيانتها، ومثلها مئات الشبكات المنتشرة في إيران، والتي فرضت على هندسة القرى والبلدات السكن في النصف السفليّ من سفوح الجبال تسهيلاً لسير المياه بقوة الجاذبيّة. وهكذا يعتاد الإيرانيون أن يكون بين أيديهم هذا الربط والتشابك بين ملفات عديدة، فلا يربكهم أنهم يديرون ملفهم النووي، وفي الوقت ذاته معنيّون بمعارك اليمن وفلسطين وحاضرون في أفغانستان والعراق وشركاء المعادلات السياسية ومعارك الميدان في سورية.

الملف النوويّ

يلتقي كلام السياسيين والدبلوماسيين والمعنيين بالملف النووي الإيراني تقنياً، مع كلام المعنيين أمنياً، بأن المسار السياسي المعقّد لم يتوقف، وليس مقفلاً رغم كل التصعيد في العلاقات الإيرانية الأميركية، فإيران على المستوى التقني تقدّمت كثيراً عما كانت عليه بتاريخ توقيع الاتفاق النووي، ويكفي القول إنها صارت تملك أجهزة طرد حديثة بطاقة تخصيب مرتفعة تعادل أضعاف ما كان سقفه أيامها التخصيب على نسبة 20%، وبات لديها ما يتيح مضاعفة الكميات المخصبة على مدار اليوم الواحد ليعادل ما كانت تحتاج إلى ستة أسابيع لتخصيبه على نسبة أقل بثلاث أو أربع مرات من قبل، وإيران تقنياً لا تقلّ خبرة وقدرة عن أي من الدول النووية المقتدرة، والتي تملك الدورة العلمية الكاملة. أما على الصعيدين السياسي والدبلوماسي فيصف مسؤول إيراني كبير معني بالاتصالات الخارجية، أن المواجهة المفتوحة مع واشنطن حول الملف النووي وسواه من الملفات خصوصاً بعد الاغتيال الإجرامي للقائد قاسم سليماني، لا تعني أن خطوط الاتصال الرسمية عبر السويسريين الذين يرعون المصالح الأميركية في إيران قد قطعت، بل ربما تكون فاعلة أكثر من قبل، ومعها شبكة تواصل غير مباشرة تضم عُمان وقطر وروسيا واليابان وفرنسا. ولكل من هذه الدول أسباب، ولإيران أسباب لمنحه دوراً في هذا الاتصال، كرصيد سياسي يحضر عندما يصير للحلول السياسية مكان، وتقتصر اليوم على حلحلة بعض الأمور العالقة كقضايا معتقلين وحاجات إنسانية، وتوريد بعض الحاجات الإيرانية من أميركا غير المشمولة بالحظر، لكن لا توقعات لبلوغها مرتبة السياسة. فالمناخ غير مناسب إيرانياً لأن الأولوية هي لتظهير الاقتدار وصولاً لفرض الانسحاب الأميركي من المنطقة ولو تيسرت فرص تفاهمات راهناً فهي مؤجلة، وثانياً لأن الزمن الانتخابي الأميركي غير مناسب لأي بحث سياسي جدّي. وإيران المهتمة باستقراء زوارها لما يتوقعون في الانتخابات الرئاسية الأميركية من باب معرفة الشيء وتحليله، تؤكد بألسنة العديد من الوزراء والمستشارين الكبار أنها غير معنية بما ستسفر عنه هذه الانتخابات، وليست لديها خطط لما بعد الانتخابات تختلف حسب طبيعة الفائز. فما تريده إيران واضح وواحد، وليست له نسخ متعددة، ولا يغيب عن بال الإيرانيين أن الانسحاب الأميركي من التفاهم النووي ليس نووياً، بل هو سياسي يرتبط بشؤون المنطقة وفي مقدمتها أمن «إسرائيل» المهتز والسعي لابتزاز إيران عبر العقوبات التي يتم ربطها تعسفاً بالملف النووي لمفاوضة إيران على وقف دعمها لحركات المقاومة في المنطقة. وفيما يميز الإيرانيون بين رغبة أوروبا وعدم قدرتها على حماية الاتفاق النووي، وعدم رغبة واشنطن وقدرتها على تعطيل الاتفاق، يعيدون الرغبة الأوروبية للمصالح السياسية والاقتصادية وصولاً للمصلحة العليا بالاستقرار ومكافحة الإرهاب الذي يعيش على التوتر والفوضى والفراغ، ويفسرون عدم الرغبة الأميركية بغياب المصالح الاقتصادية والسياسية وغلبة المصالح الأمنية، والمصالح الأمنية المحكومة بمأزق «إسرائيل» بصورة رئيسية، تجعل الملف النووي والحصار والعقوبات مجرد مسارح وأدوات، للتعبير عن الحاجة الأميركية للتفاوض الساخن أملاً بتحصيل مكاسب للأمن الإسرائيلي، ولذلك يلعب الإيرانيون أوراقهم بهدوء، فهم يتدرّجون في التصعيد النووي من داخل الاتفاق، ولا يخرجون منه، لكنهم يلوّحون لأوروبا بالخروج الأصعب وهو الخروج من معاهدة عدم الانتشار النووي، إذا خرجوا من الاتفاق أو ذهبوا إلى مجلس الأمن لعرض ملف إيران النووي، رغم عدم قلق إيران من هذا الاحتمال لوجود فيتو روسي وفيتو صيني تثق إيران بهما، إلا أن حماية الاتفاق بنظر إيران تتم بالتهديد بالخروج من المعاهدة، خصوصاً أن حماية الاتفاق مصلحة مشتركة. فإيران ستستفيد في خريف هذا العام من رفع الحظر على بيعها وشرائها للسلاح، وفقاً للاتفاق وهي حريصة على بلوغ هذه النتيجة، وهذا يعرفه الأوروبيون، ولذلك يقول مسؤول إيراني معني بأن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أنهى مهمته بنجاح برسم قواعد الاشتباك في غياب قدرة أوروبا على أداء موجباتها وفقاً للاتفاق.

أفغانستان

منذ الأيام الأولى لدخولهم إلى أفغانستان والأميركيون يعلمون أن إيران شريكهم في الملف الأفغاني، فعدا عن الجوار الجغرافي يلعب توزّع البشتون بين حدود البلدين دوراً في تشابك ديمغرافي كبير كما يلعب وجود الهزارا وهم شيعة أفغانستان دوراً في تشابك من نوع آخر، بينما أغلب حاجات أفغانستان من المشتقات النفطية والخضار واللحوم والطحين تأتي من إيران، والكثير من أبناء الطبقة الوسطى الأفغانيّة يعلّمون أبناءهم في جامعات إيران ويمضي أغنياء أفغانستان وشيوخ قبائلها مواسم الاصطياف على بحر قزوين أو في مناطقها الباردة خلال الصيف الأفغاني الحار، وفي ظل تجهيزات خدمية عصرية في إيران لا تتوافر في أفغانستان، والحضور الإيراني في أفغانستان عسكرياً لا يحتاج إلى إثبات. فالكثير من الفصائل المسلحة تنسق مع إيران وتتشاور مع قيادتها منذ أيام أحمد شاه مسعود وقلب الدين حكمتيار. وعن الحال اليوم يقول القادة الإيرانيون إن مفاوضات الأميركيين وحركة طالبان من فشل إلى فشل وستفشل حكماً إلا إذا قرّر الأميركيّون القبول بمبدأ الانسحاب الكامل من أفغانستان، الذي يشكل قاسماً مشتركاً بين الأفغان وإيران، التي تدعم حكومة الرئيس أشرف غني المدعوم من الأميركيين، وقد عقد قبل أيام مؤتمر وزاري شاركت فيه أفغانستان مع حكومات الهند والصين وروسيا وباكستان وطاجكستان وإيران وتركمانستان، لكن الإيرانيين لا يخفون قناعتهم بهشاشة وضع حكومة أشرف ولا كذلك بسيطرة طالبان على ثلثي مساحة أفغانستان، وعجز الأميركيين عن مواجهتها، والأهم قناعة القادة الإيرانيين الذين يتابعون ملف أفغانستان بأن طالبان مساحة هلامية لتدين إسلامي يتوزّع بين الاعتدال والتطرف، وفيها بيئة حاضنة لتنظيم القاعدة، لكنها فيها مساحة موازية لوطنية أفغانية تتركز على إخراج الأميركيين والتمهيد لدستور وانتخابات، من خلال حكومة وحدة وطنية تدعم إيران تشكيلها بالترابط والتزامن مع الانسحاب الأميركي. ويعلم الإيرانيون أن دعواتهم لرحيل الأميركيين من المنطقة منح حركات وتشكيلات وفصائل أفغانية سواء من أصدقاء إيران التقلدييين أو من البيئات الوطنية والمعتدلة في طالبان، هذا إضافة إلى لواء فاطميون الذي أشرف على دعمه ورفده بالمقدرات وبناء تشكيلاته النظامية الجنرال قاسم سليماني، وشاركت وحدات بارزة منه في الدفاع عن سورية بوجه تنظيم داعش وتشكيلات القاعدة، والذي توفي مؤخراً قائده محمد جعفر الحسيني الملقب بـ «أبو زينب» متأثراً بجراحه التي أصيب بها خلال المعارك في سورية، والتوقعات الإيرانية حول أفغانستان تتجه نحو بوصلة واحدة لا ترى بديلاً لها، هي حتمية الرحيل الأميركي خلال فترة غير بعيدة.

العراق

يأخذ الإيرانيون بالاعتبار العوامل التاريخية والجغرافية لعلاقتهم الخاصة بالعراق، والتأثير الذي يلعبه وجود أغلبية شيعية في العراق، سواء ما يؤثر من هذه العوامل لجهة تعظيم دور إيران أو إضعافه، لكنهم يركزون اليوم على دور محوري لسقف جامع هو موقف مرجعية النجف التي يشتغل الأميركيون والخليجيون على افتعال صادم وهميّ بينها وبين موقع قم المقدسة، أو مرجعية مرشد الجمهورية الإسلامية الإمام علي الخامنئي وفقاً لقواعد ولاية الفقيه، وتحت سقف المرجعية ينظر الإيرانيون لوحدة الساحة الشيعيّة كصمام أمان لمواجهة المشروع الأميركي، واستطراداً لتأثيرات التداخل الاقتصادي والتشابك الأمني والعرقي مع كردستان، ويتوقفون أمام ثلاثة عناصر حاسمة تجعلهم على يقين من استحالة نجاح الأميركيين في التلاعب بقرار رحيلهم من العراق: العامل الأول هو موقع السيد مقتدى الصدر كشريك كامل في معركة إخراج الأميركيين، وما له من خصوصية وطنية استقلالية تجعل الكلام عن أن معركة إخراج الأميركيين هي معركة إيران المفروضة على العراقيين مصدر سخرية، ولموقع السيد الصدر نتائج نابعة من تاريخه بعلاقاته مع البيئة السنية من جهة، وموقفه المبدئي من الاحتلال ورفضه المشاركة في العملية السياسية ودعواته المبكرة للمقاومة. والعامل الثاني هو استشهاد القائد العراقي المحبوب أبي مهدي المهندس الذي يختلف عن القادة الذين شاركوا في العملية السياسية ولاحقتهم تهم الفساد والثراء بمحافظته على نقاء الثوار والمجاهدين وتواضعهم ونمط عيش تقشفي ورعايته للفقراء والمساكين، واستشهاد أبي مهدي المهندس جعل إخراج الأميركيين قضية عراقية تعني قوى المقاومة والحشد الشعبي بالتأكيد، لكنها تعني كل ملتزم بصدق بمفهوم السيادة العراقية؛ أما العامل الثالث فهو أن إيران منفتحة على القوى التي تشترط لشراكتها بطرد الاحتلال الأميركي ربط هذه المعركة بالحديث عن خروج جميع القوات الأجنبية من العراق وتحييده عن الصراعات الإقليمية، ولا ترى أن لديها سبباً لرفض هذا الشعار، كما ربط معركة إخراج الاحتلال بمواجهة الفساد. والقادة الإيرانيون يتعاطفون مع هذا الشعار ويرونه قادراً على تأمين بناء دولة وطنية عراقية تطمئنهم وتجعلهم أقل انشغالاً بالهموم العراقية، ويجاهر القادة الإيرانيون بأن الحاجة ملحّة لصيغة حكم مختلفة عن تلك التي أسسها بول بريمير في زمن الاحتلال، وشكّلت السبب في تفشي الفساد والطائفية وإيجاد بيئة مناسبة للمحاصصة والفتن، لكن الإيرانيين مسؤولين حكوميين ومعنيين بالعراق في قيادة الحرس الثوري ومحللين متابعين يُجمعون على أن الأميركيين يخسرون يومياً بين صفوفهم شهداء وجرحى في عمليات مقاومة يتكتمون عليها، ولا ترى المقاومة سبباً للإعلان، لكن الأيام ستتكفل بتظهير الحقائق التي لا يمكن الصمت عنها أكثر.

الخليج واليمن

الاتصالات الإيرانيّة الخليجية قائمة، أحياناً مباشرة وأحياناً بصورة غير مباشرة، لكن العلاقات متوترة بسبب لا يتصل بالعلاقات الأميركية الخليجية أو بالدور الخليجي في صفقة القرن بقدر ما يتصل بالعدوان على اليمن، وقد طال أمد هذا العدوان أكثر مما يجب، ويبدي الإيرانيون إعجابهم بأنصار الله، ويقولون نحن لا نفاوض نيابة عن أي من الحلفاء بل نمهّد الطريق للتفاوض المباشر معهم وهذا ما حدث قبيل اتفاق استكهولم حول الحُديدة، ويعتبرون أن استمرار الحرب على اليمن بات فاقداً للمعنى، حيث أمن دول الخليج هو المعرّض للخطر، وحيث لا أمل يرتجى من تغيير المعادلات العسكرية لجهة إضعاف أنصار الله، وأن الحلفاء الغربيين لدول الخليج لا يخفون علناً التعبير عن أنهم سئموا الماطلة الخليجية في الخروج من الحرب وإيجاد مخرج سياسي واقعي دون شروط تعجيزية يستحيل فرضها على أنصار الله، ويقولون إنهم نصحوا الخليجيين مراراً بالإسراع في التوجه نحو الحل السياسي وساعدوا في خلق مناخ ملائم لمساعدة المبعوث الأممي في مساعيه التفاوضية، لكن التعنت الخليجي والتذاكي بالإيحاء بالإيجابية والتحضير لجولة حرب جديدة لا يزال طاغياً على تفكير الحكومتين السعودية والإماراتية، رغم وعود الإمارات المتكررة بالانسحاب. ويقول مسؤول إيراني بارز، ربما يكون الأميركيون بعد الحلقات الجديدة من المواجهة مع إيران يريدون بقاء الخليجيين في قلب المحرقة، لابتزازهم بوهم مخاطر تهدّد أمنهم وبيعهم المزيد من السلاح، لكن ذلك سيعني في حال أي تطور في المواجهة مع اليمن خسائر وتطورات يصعب حصرها والسيطرة عليها. ويضيف المسؤول الإيراني، أن أصحاب المدن الزجاجية محقون في خوفهم، لكن عليهم التحرك سريعاً نحو الحلول السياسية لتفادي الأسوأ.

سورية

يقول مسؤول إيراني بارز متابع للملف السوري وفي محادثات أستانة ومؤتمر سوتشي، ومعني بالتعاون العسكري والسياسي مع كل من سورية وروسيا، إن نهاية الحرب في سورية باتت وشيكة، وإن مصير سورية حُسم، والمسألة مسألة وقت. فسورية التي كنا نعرفها عام 2011 بحدودها ستعود موحّدة وتحت سيطرة الجيش السوري، لكن سورية التي كنا نعرفها سياسياً عام 2011 يصعب أن تعود كما كانت، ويرى أن انتصار مشروع الدولة السورية بوجه التقسيم والتفتيت والاحتلال شيء، والحاجة للإصلاح السياسي شيء آخر. ويوضح ان هذا موضع تفاهم سوري روسي إيراني منذ البدايات، ويعتقد كما مسؤولين إيرانيين آخرين أن تركيا التي لعبت دوراً تخريبياً في سورية طوال السنوات الماضية وهي اليوم تلعب آخر أوراقها لشل قدرة الجيش السوري عن التقدم وفرض سيطرته على المزيد من الجغرافيا التي تقع تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، لا غنى عن العمل المستديم معها تحت عنوان الاحتواء، وللاحتواء معنى الصدّ عند الحاجة ولو بالقوة كما يحصل الآن، والدخول في تسويات وتفاهمات عندما تنضج. ولا يعتقد الإيرانيون أن الأتراك سيذهبون بعيداً فهم سيعيدون ما فعلوه في معارك حلب، يراهنون على الميدان حتى تتوضح الاتجاهات فيتأقلمون معها، ومثل حال الأتراك حال الأخوان المسلمين الذين تحتضنهم تركيا، وتحمل مشروعهم وتسعى لضمان فرض دورهم في العملية السياسية السورية المقبلة، وقد كانوا رأس الحربة في أخذ سورية إلى الأزمة فالحرب، لكن المسؤولين الإيرانيين يتساءلون عن كيفية احتواء التشققات الطائفية خصوصاً ما تركته الحرب من آثار تطرف وتمذهب في الساحة السنية والتمويل الخليجي الذي ترك بصمات خطيرة، ولا يزالون يعتقدون بإمكانية ضم الأخوان إلى عملية سياسية مدروسة يعلمون أن الرئيس السوري بشار الأسد يرفض مشاركتهم فيها ويعتبر إشراكهم مخاطرة يجب تفاديها، بمثل ما ينظر للدور التركي. ويعتقد الإيرانيون أن هذا التباين في الاجتهاد مع القيادة السورية، لن يؤثر على كون أي عمل في سورية يجب أن يجري تحت الثوابت السورية، ويعترفون أن سلوك الأتراك والأخوان يمنح مصداقية كبيرة لشكوك ومخاوف القيادة السورية، لكنهم يعتقدون أنه في النهاية بعد فرض الإرادة السورية في الميدان تجب معالجة ثلاثة عناوين: أولها كيفية تطبيق اتفاق أضنة كإطار للسيادة السورية وضمان طمأنة المخاوف التركية الأمنية، وثانيها كيفية إعادة توزيع الصلاحيات الدستورية بين رئيسي الجمهورية والحكومة، والثالثة كيفية ترتيب الانتخابات النيابية بطريقة تحوز شرعية شعبية ودولية لا يتم فيها استبعاد أحد، لكن الشغل الشاغل في سورية لإيران اليوم هو التهديدات الإسرائيلية بحرب استنزاف ضمن تقسيم عمل مع الأميركيين، يرد الإيرانيون أنهم يتمنّون وقوعه، لأن إيران في التوقيت المناسب لعروض قوة تظهر للإسرائيليين حجم الندم الذي سيُصيبهم من جراء أي عبث عسكري أو حماقة أمنية، ويكشف مسؤولون معنيون بالشؤون الأمنية والعسكرية أن الرد على أي عدوان إسرائيلي على القوات الإيرانية في سورية سيتمّ هذه المرة من داخل إيران وبموجب بيان رسميّ عسكريّ إيرانيّ.

صفقة القرن

يشارك الإيرانيون المتابعون للملفات السياسية الرسمية الكلام عن خلفيات انتخابية وراء توقيت الإعلان عن صفقة القرن، لكنهم يحاولون استكشاف أسباب أعمق تفسر هذه الحماقة بتوحيد الفلسطينيين وراء خيار المواجهة، وإسقاط المكانة الوسيطة لأميركا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والنفوذ الذي كانت تؤمنه لواشنطن بين القيادات الفلسطينية، ولا يرون سبباً منطقياً لوضع الحكام العرب الذين يخوضون التطبيع مع «إسرائيل»، ولا يمانعون بتصفية القضية الفلسطينية أمام إحراج يمنعهم من المجاهرة بقبول الخطة الأميركية، فيما لا يملك الأميركي ولا الإسرائيلي ما يتيح فرضها بالقوة أو إيجاد شريك فلسطيني وازن يقبلها. والتفسير الوحيد الذي يجدونه بالترابط مع اغتيال القائد قاسم سليماني هو اليأس من فرص التسوية بسبب انتقال زمام المبادرة إلى يد محور المقاومة في المنطقة، وعجز الشركاء المفترضين في التسوية عن تأمين الأمن لكيان الاحتلال. وهذا الأمن كان في الماضي سبباً كافياً لقبول فكرة التنازل عن الجغرافيا، بينما باتت السيطرة الكاملة على الجغرافيا بغياب فرص تسوية تحقق الأمن، هي الطريق للمزيد من الأمن. وهذه السيطرة تحتاج تغطية أميركية وضمانات بمواصلة تدفق المال والسلاح الأميركيين رغم عمليات الضم والتهويد التي تشكل البديل عن التسوية بتوافق أميركي إسرائيلي، فجاء الإعلان عن صفقة ترامب إطاراً سياسياً وقانونياً يضمن ذلك، لتذهب «إسرائيل» لإجراءات الضم والتوسع والتهجير، والمعيار هو المزيد من الأمن. وكما يظن الأميركيون والإسرائيليون أن الكيان يصير اكثر أمناً بهذه الإجراءات يعتقدون انه يصير أشد أمناً بعد اغتيال القائد سليماني، وعن المواجهة يقول المسؤولون المتابعون للعلاقة بفصائل المقاومة، إن الأمر لا يحتاج إلى الكثير من التفكير. فالمطلوب هو أن يكتشف الأميركيون والإسرائيليون أن الكيان بات أقل أمناً، سواء بالمقاومة الشعبية التي تجسّدها الانتفاضة، أو بالمقاومة المسلحة التي ستجد طريقها إلى الضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة العام 1948، وقد جدّدت صفقة القرن شراكة المصير بينهم وبين أبناء الأراضي المحتلة عام 1967 بعدما فرقتهم مشاريع التفاوض والتسوية التي لا مكان فيها لسكان الأراضي المحتلة العام 1948. ولا يخفي الإيرانيون أنهم يعلمون ما لدى المقاومة من مقدرات وحجم تأثير هذه المقدرات على أمن كيان الاحتلال ومنشآته الحيوية كلما فكّر الإسرائيليون بحرب جديدة على غزة، التي ستشكل قاعدة استراتيجية وعمقاً لكل المقاومة في كل فلسطين.

العقد الخامس

تدخل إيران العقد الخامس للثورة ولا تزال فتيّة، وهي ترفض نظرية النفوذ الإيراني في المنطقة بل تراه تشكيلاً لمصادر قوة في جبهة مقاومة للمشروعين الأميركي والإسرائيلي، كما ترفض نظرية الدولة والثورة وتناقضهما، ومثلها نظرية تصدير الثورة. فشرعية الدولة تأتي من التزامها بقضية التحرر الأولى إنسانياً ودينياً وأخلاقياً وهي قضية فلسطين، أي من استمرار الثورة، وإيران منذ انتصار ثورتها تسير وفقاً لخطة وقد كان العقد الأول للصمود وصد الهجمات، خصوصاً الحرب التي شنها رئيس النظام العراقي السابق عليها بدعم وتمويل خليجي وتسليح وإسناد غربي، والعقد الثاني كان للبناء، والعقد الثالث كان لامتلاك المقدرات، والعقد الرابع لتثبيت موازين القوة ورسم المعادلات، وها هو العقد الخامس للاقتراب من تحقيق الأهداف، وتحويلها إلى برنامج عمل، وهو بدماء الشهيد القائد قاسم سليماني، يقول مسؤول إيراني كبير، سيكون عقد تحرير القدس وإخراج الاحتلال الأميركي من المنطقة.

%d bloggers like this: