الويل لمن دفعوا الشعب إلى اليأس من الانتفاضة

ناصر قنديل

لن يرحم التاريخ الذين يسمون أنفسهم بقادة جماعات الواجهة في التحرك الشعبي الكبير الذي شهده لبنان قبل عامين، بعدما شكل هذا المشهد الشعبي إعلاناً بأن الشعب جاهز للتحرك، وشرارة رفع تعرفة الواتساب لا تفسر المشهد، بقدر ما تشير إلى أن الناس أرادت اختبار فرصة الشارع المستقل والموحد، بديلاً عن الانغلاق الطائفي والولاءات الحزبية، وبعد سنتين يبدو هذا الشعب وقد اكتوى بما هو أشمل وأخطر وأبشع من السبب الظاهر لتحرك تشرين أول مرة، مستكيناً مستسلماً يائساً من جدوى الشارع، متقبّلاً لقدر الجوع والقهر، وقد نهبت ودائعه، وقطعت عنه الكهرباء وصار البنزين عملة نادرة، وبلغ سعر الدولار مستويات خيالية، وضاعت فرص العمل، وباتت الهجرة أمنية الشباب، حيث تبدو تافهة كل التبريرات التي يسوقها جماعات الواجهة في حراك تشرين، مثل غلاء البنزين الذي يحول دون قدوم الناس من المناطق كأن الشوارع تغص بسكان العاصمة وينقصها مدد المحافظات، فالحقيقة التي لا تحجبها كل غيوم الأرض، هي أن الناس اختبرت فرصة الشارع واكتشفت الخديعة الكبرى فأقسمت ألا تعيدها.

لم تفوّض الناس أحداً برفع شعارات يزعم أنها أهداف نزول الناس إلى الشارع، بينما كان السقف الوحيد الجامع للغاضبين هو الغضب من السلطة والشك بصلاحها لإدارة شؤون البلد، ولم تشكل الناس برلماناً ولا اختارت هيئة قيادية موحدة، لتمنح جماعات الواجهة لنفسها حق تلبيس الناس ثوباً لم تشترك في اختياره، فذهب أغلب هذه الجماعات نحو محاولة توظيف الغضب باتجاه عنوان سياسي معلوم أنه سيتكفل بتقسيم المشاركين وفقاً لفالق القسمة التاريخي بين اللبنانيين، وهو الموقف من سلاح المقاومة، وكاذب ومنافق من يزعم من جماعات هذه الواجهة أن هذا لم يكن السبب الرئيسي لتفرق جمع الشارع، لأن من يؤمنون بالمقاومة انفضوا وعادوا إلى بيوتهم، ومن يؤمنون بأولوية المواجهة مع المقاومة لهم مرجعياتهم الحزبية والطائفية التي تخوض هذه المواجهة فلماذا يتركونها، وسقط بذلك مبرر الخروج على الطوائف والأحزاب والزعامات، وعاد أغلب الذين انتفضوا إلى طوائفهم وزعاماتهم وأحزابهم، ومن السخافة الحديث عن مسار ثوري يحتاج التراكم والصبر كتفسير للمشهد القائم، فالانتفاضات تبدأ صغيرة وتكبر، وليس العكس، والوعي يتجذر نحو الخروج من العب الطائفية، لا بتثبيت العودة إليها، وتضييع الفرصة الجامعة بين اللبنانيين بتلبيسها عنواناً يتصل بالهوية يقسم لبنان السياسي منذ ولادته، كان المؤامرة الكبرى على أنظف وأشمل تحرك شعبي عابر للطوائف في تاريخ لبنان.

كان يمكن الحفاظ على وحدة الشارع ونبضه لو لجأت جماعات الواجهة لتأكيد رفض أي محاولة لزج الانتفاضة في خطوط الانقسام اللبناني التقليدي وتأكيد الحرص على عدم الانزلاق إلى أي ملف خلافي بين الشوارع اللبنانية، وفي طليعتها موضوع سلاح المقاومة، وهذا يعني تسليم الجامعات الطامحة سياسياً من لاعبي الواجهة بوضع أنانيتها الحزبية جانباً لصالح مصلحة الانتفاضة وحيوية الشارع ووحدته، فلا كلام عن ثورة وتغيير وإسقاط نظام من دون جواب موحد على القضايا الوطنية الكبرى، تسير وراه جموع الشعب بقلب رجل واحد، وفي طليعة هذه القضايا كيفية التعامل مع ثنائية المواجهة مع خطر العدوان والاحتلال وسلاح المقاومة، وهذا عنوان لم ينضج عليه بعد جواب لبناني جامع، ما يعني التواضع في ما يطلب من الشارع، لجهة تركيز الأهداف على عناوين قادرة على الجمع، وفي طليعتها قضية مثل مصير الودائع المصرفية والمطالبة ببرمجة استعادتها، والضغط على مصرف لبنان لوقف التحويلات المالية إلى الخارج، وربما تتاح فرصة الضغط لتغيير حاكم المصرف المركزي، وربما لاحقاً يكون ممكناً الضغط لتشكيل محكمة خاصة بالفساد تفتح الملفات العالقة مثل الأملاك البحرية، ومغارة علي بابا في وزارة الاتصالات، والتدقيق الجنائي المالي.

– لم يكن أخذ الانتفاضة نحو السياسة عملاً وطنياً بل تخريباً مقصوداً، تحت شعارات ثورية منافقة تخفي رغبات وطموحات سلطوية لجماعات الواجهة الراغبين بتسلق الشارع لدخول جنة السلطة نيابياً ووزارياً، أو تخفي أجندات خارجية تقوم جماعات الواجهة المدعومة من المؤسسات الإعلامية العملاقة المتشابكة في تركيبتها ومصالحها مع مافيات السلطة والفساد والمصارف ومصرف لبنان بصورة خاصة، فكانت مهمة جماعات الواجهة محددة انهاء الانتفاضة وإعادة اللبنانيين إلى العلب الطائفية، ما

لم يكن ممكناً جرهم وراء شعارات العداء للمقاومة، سواء تحت عنوان تحميلها زوراً مسؤولية الأزمة الاقتصادية، أو ربط الحل الاقتصادي برضا قوى دولية وعربية تناصب المقاومة العداء، أو تحت مزاعم سيادية تدعو لحصرية السلاح بيد الجيش ولا تدعو لتسليح الجيش بما يردع العدوان والاحتلال تجنباً لإغضاب الأميركي، الذي كان نقطة الحل والربط في إدارة جماعات الواجهة ووسائل الإعلام التي كانت تساندها.

يذهب اللبنانيون اليوم نحو حتفهم، ولا يفكرون بالنزول إلى الشارع، فقد تعلموا الدرس، أن الطوائف أكثر أماناً، بفضل وبركة هذه النخبة التي شكلت واجهة حراك تشرين.

واشنطن ونصرالله: حرب بالنقاط لا الضربة القاضية ترسيم الحدود البحرية والغاز والنفط ساحة المنازلة

  ناصر قنديل

عندما يكون الصراع على زعامة أميركا للعالم من الطبيعي أن يكون القطب المقابل في الصراع كلاً من روسيا والصين، وعندما يتحوّل الصراع إلى عنوان مستقبل الهيمنة الأميركية على آسيا من الطبيعي أن تبرز إيران كقطب مقابل، لكن عندما تقرر واشنطن الانسحاب من المنطقة وتتعثر بعقدة الأمن الإسرائيلي، وتتركز عندها كل خيوط الحركة الأميركية في آسيا واستطراداً بوجه روسيا والصين، يتحول التجاذب إلى قطبين متقابلين، واشنطن في ضفة ويقف حزب الله على الضفة المقابلة، بصفته القوة الممسكة بالتهديد الأكبر على أمن “إسرائيل”، ويتعقد كل المشهد الإقليمي والدولي عند هذه النقطة، وتصير كل قراءة سياسية مدعوة للتوقف أمام المفردات التي يتشكل منها مشهد التجاذب والصراع بين واشنطن وحزب الله، وتصر التفاصيل اللبنانية التي لا تقدم ولا تؤخر في الحسابات الدولية، ذات أهمية استثنائية في هذه الحسابات، فتقرر واشنطن تجميد مفاعيل قانون قيصر للعقوبات على سورية، لتسجيل نقطة في السباق التنافسي الذي أطلقه حزب الله مع سفن كسر الحصار.

ينطلق الفريقان في هذا الصراع من مسلمة استحالة حسمه بالضربة القاضية خصوصاً من الجانب الأميركي، طالما أن حزب الله لا يتطلع إلى الضربة القاضية في المواجهة مع السياسات الأميركية ولا يزعم قدرته على ذلك، لكن المهم أن واشنطن كقوة عاملية عظمى تلاقي الحزب على التسليم بنتيجة مشابهة في ما يخص مواجهتها معه، فكثيرة هي الدراسات والتحليلات التي تتحدث عن استحالة إلحاق هزيمة ساحقة بالحزب، سواء عبر الحرب أو عبر المسارات البديلة، لحروب جانبية، فسقف الرهان الأميركي على تجييش اللبنانيين بنتيجة الدفع نحو الانهيار الاقتصادي هو إضعاف الحليف المسيحي لحزب الله الذي يمثله التيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية كما قال جيفري فيلتمان في قراءته لانتفاضة 17 تشرين التي تحولت إلى برنامج عمل أميركي منذ ذلك التاريخ، والرهان الذي ترجمه الاعتماد على تشكيلات المجتمع المدني وحزبي الكتائب والقوات اللبنانية للاستثمار بهذا الاتجاه، وهو ما يسميه حزب القوات بنقل الغالبية النيابية من ضفة إلى ضفة، وهذا إن حصل لا يغير كثيراً في التوازنات الحاكمة، فالكل يعترف أن أكبر إنجازات حزب الله في فرض إرادته في مؤسسات الدولة كان الفوز بالمجيء بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وهذا حدث عندما كانت الغالبية النيابية عند حلف مناوئ لحزب الله.

الحدثان الكبيران المحيطان بالتجاذبات اللبنانية الداخلية لا يصلح أي منهما لتشكيل المنصة التي سيظهر عليها حاصل التوازنات المتنازع على ترسميها بالنقاط، بعد التسليم بسقوط فرضية الضربة القاضية، فقضية التحقيق التي يقودها المحقق العدلي قاضي بيطار وتشكل محور اشتباك كبير بين واشنطن وحزب الله، واستحضار مخاطرة دفع البلد نحو الحرب الأهلية، التي أطلت بقرنيها من بوابة مجزرة الطيونة، منصتان خطيرتان لكنهما لا تصلان إلى حد تمثيل إحداهما المنصة الرئيسية لتسييل التوازنات، فالذي يعرفه الأميركيون أن سقف كل من هاتين المنصتين مشاغلة حزب الله، من دون القدرة على فرض أي تنازلات عليه، والتحقيق القضائي لو بلغ ذروته بتوجيه الاتهام لحزب الله، وهو أمر إشكالي كبير يبطل كل منهج القاضي القائم على استبعاد جرم تفجير وتركيز الملاحقة على التقصير والإهمال، وليس لحزب الله مسؤول حكومي معني بالمرفأ يمكن ملاحقة الحزب من خلاله، وفتح ملف النترات ومن جلبها ومن استعملها سيسقط قيمة الملاحقات الحالية ويظهر كيديتها، ويمنح حزب الله فرصة الخوض في ملفات موثقة لديه حول مصدر النترات ووجهتها ومن استفاد منها، وفي أسوأ الأحوال إن سار القاضي نحو الاتهام، فلن يكون أشد خطورة من حكم صادر عن محكمة دولية يتهم الحزب باغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يغير شيئاً في التوازنات ولم يفتح باباً لتفاوض وتنازلات، أما الحرب الأهلية فهي ليست قراراً يتخذه طرف، ما دام الآخرون غير مستعدين للاستجابة، وسقف الممكن هو المخاطرة بميني حرب أهلية قابلة للتكرار، وهذا يسغل بال حزب الله، لكنه ليس منصة الربح بالنقاط على حزب الله لفتح باب المساومات المفترض أميركياً، فهو لن يكون أشد خطورة في إشغال واستنزاف حزب الله مما مثلته الحرب على سورية بسعتها وامتدادها وجدية ما أتاحته من فرص حشد مقدرات يمكن الرهان عليها لقلب الموازين بوجه حزب الله.

المنصة الوحيدة التي تصلح لتشكيل محور التجاذب، والتي لا تغيب عن خطابات السيد نصرالله هي منصة ثروات النفط والغاز، وهي التي تشكل المحور الأشد أهمية لدى الأميركي، والتي يعتقد الأميركيون أن صرف أي توازنات داخلية لبنانية يتم على منصتها، فعلى هذه المنصة يراهن الأميركيون أن يتم التوصل بشأنها إلى تسوية تتيح استثمار ثروات النفط والغاز على طرفي الحدود، وخلق مناخ اقتصادي يخلق ظروفاً ضاغطة تحول دون التورط في الحروب، التي تخشى واشنطن منها على أمن إسرائيل بعد الانسحاب من المنطقة، طالما أن تحصيل أي تنازلات من حزب الله لضمان أمن إسرائيل صار أعلى مرتبة من المستحيلات، وهذا معنى وصول المبعوث الأميركي لتهيئة ظروف العودة للتفاوض حول ترسيم الحدود البحرية، فما شهدناه ونشهده في قضيتي التحقيق ومجزرة الطيونة، بالونات اختبار لقياس مدى قدرة حزب الله على تجاوز المطبات الخطيرة، وقياس مدى توافر فرص لخلق مناخ داخلي لتمرير تسوية بخصوص الترسيم، لا تحمل إسرائيل أكلافاً باهظة، بعدما قرر الأميركي السير بخيار السعي لفكفكة العقد التي صنعها أملاً بإضعاف حزب الله، وباتت اليوم عبئاً يجب التراجع عنه، لكن بأقل الأكلاف، تماماً كما جرى في الملف الحكومي، فجرى فك الحظر عن ولادتها، لكن لم يفك الحظر عن شروط نجاحها.

قرأ الأميركيون جيداً سلوك حزب الله تجاه ملفي التحقيق ومجزرة الطيونة، وتمعنوا في كلام السيد نصرالله وما بين السطور، وسيحاول موفدهم حول ترسيم الحدود إنعاش التفاوض، وسيحاولون الوصول إلى تسوية يقبلها لبنان، وضمناً حزب الله، وربما يحمل المبعوث الأميركي مسعى القبول بخط الـ860 كلم الذي رفضه سلفه فريديريك هوف وعرض على لبنان نصف المساحة، ويبقى تقدير ما يراه لبنان بتوازناته وحساباته مقبولاً أمراً معلقاً لحين سماع العرض الأميركي، وحتى لو تم التوصل إلى تفاهم فهذا لا يعني أن الأميركي سيترك لبنان سيرتاح، فسيعاود العرقلة في مسار التنقيب، وستبقى المواجهة سجال، ولذلك لا يبدو حزب الله مستعجلاً على حسم الترسيم قبل الرحيل الأميركي من المنطقة، من دون أن يشترك بالسجال حول خطوط الترسيم، أو المراسيم.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

‘US/Israel seek Lebanese civil war to derail a Hezbollah in its prime’: Kandil

October 18, 2021

Visual search query image

In light of the recent massacre of seven protesters and the wounding of dozens of others in a highly sensitive district of Beirut, senior political analyst Nasser Qandil argues that the US and Israel are seeking to drag Hezbollah into a new Lebanese civil war that would rob the movement from engaging in a decisive war with Israel while in its military prime.

Days ago, on the 14th of October, at least seven people were killed and 60 others injured after unknown gunmen attacked Hezbollah and Amal supporters as they passed through Beirut’s sensitive Tayyouneh district as part of an organised peaceful protest.

In a joint statement, Hezbollah and Amal said armed groups belonging to Samir Geagea’s Christian Lebanese Forces (LF) Party fired at the protesters from rooftops, aiming at their heads, in an attempt to drag Lebanon into a sectarian civil war.

The Tayyouneh district is historically an area of political and sectarian sensitivity, as a key site in the outbreak and development of Lebanon’s Civil War (1975-1990).

Source: NBN via Kalam Siyasi (YouTube)

Date: October 17, 2021

(Note: Please help us keep producing independent translations by contributing a small monthly amount here )

Transcript:

Nasser Qandil, Senior Lebanese Political Analyst:

I hear those that (say) ‘they believe Lebanon is a priority (for the US to target)’. Indeed (it is), from the very first day that a resistance (movement in Lebanon) was born, (a resistance) that defeated and humiliated Israel, Lebanon became an American priority, because Israel was – and will always remain – an American priority. (It is only if) the resistance (in Lebanon) is defeated, only then will Lebanon no longer be an American priority.
 
Back in 2007, I saw an image of (former PM) President Fouad Saniora with (former) President George W. Bush on the White House lawn, and the news said that the Prime Minister of Japan was (meanwhile) waiting in the hotel; Lebanon is not more important than Japan (for the US), and (former) President Fouad Saniora is not more important than the Prime Minister of Japan either, but the resistance (in Lebanon) is indeed more important than the US interests in Japan, because it threatens Israel’s security and poses an existential threat to Israel’s future. (Therefore,) as long as this reality (i.e. resistance being an existential threat to Israel) increases and grows, and the American concern about it grows (in light of the) idea of (a US) withdrawal from the (Middle East) region, (the US worries) how (it) will leave Israel (behind with the threat of) this reality. Consequently, (US) activity for creating security belts for Israel is accelerating.

(Yet) from whom (does the US want to protect Israel)? Iran will not start a war (against Israel) – let’s say things as they are – Syria will not start a war (on the level of) states. The spearhead that can turn any confrontation in (this) region (between it and) Israel into a war –

Host:

– (is) the resistance in Lebanon (Hezbollah) –

Qandil:

– is the resistance in Lebanon, which the Israelis say (about it) – and that’s not me saying it – the Israelis say, and the Americans (themselves) say that the surplus power that Hezbollah now has at the level of the expertise of its fighters (gained) from the Syrian war, (these fighters) who are more than 50,000 and that possess contemporary (and advanced) combat experience, and (at the level of) the kinds of weapons that it has, (this powerful position of Hezbollah) may not be seen again. (They believe that) five years later, Hezbollah may not have this readiness (for war) which they have today –


Host:

– Why (is that)?

Qandil:

Because five years later, the resistance (in Lebanon) might not possess weapons more advanced than the precision-guided missiles (it currently has), while the Americans and Israelis might possess a more developed (weapon by then), at least this (current favourable position for Hezbollah) is not guaranteed (in the future), (while) now it is guaranteed that (Hezbollah) is the superior (force today), and (their weapons) are the more powerful/effective weapons. (Hezbollah’s) elite fighters that have just came out of a war still have the same vitality, readiness, and (required) experience to enter a new war. Five years later (however, according to US calculations), this (elite force) would be out of the battlefield, and a new generation that does not have the experience of the (previous elite) would be on (front lines instead) –

Host:

– For this reason, they are working on suppressing this (generation of elites) and producing a new generation; the fifth-generation (perhaps)?

 
Qandil:

No, they consider – the Israelis consider – that Hezbollah is ready for a war (against them) now, for that, we must pass up (Hezbollah’s) opportunity of dragging us into a war which they have the legitimacy (to start). They believe that Hezbollah is on full readiness (to start) a war. I’m not adopting (these views), I’m describing the American-Israeli view; they say that the issue of (intercepting) the fuel ships (coming from Iran to Lebanon) gives Hezbollah the legitimacy to start a war if we intercept them –

Host:

– (This would) justify (starting a war against Israel).


Qandil:

–  (Hezbollah) would obtain the legitimacy (to start a war) but they –

Host:

– The (Israelis) don’t want to go to a war against (Hezbollah) because (Hezbollah) enjoys full readiness –

Qandil:

– Yes, (that’s the point), in their opinion (Hezbollah) is now (fully ready for a war) –

Host:

– five years later, will (Hezbollah) no longer be ready for a war (against Israel)?

Qandil:

That’s (the US and Israel’s) reading of the matter, that they must avoid (going to a war against Hezbollah) during the (next) five years –

Host:

– So, for the next five years, the (preferred US-Israeli war is the war –

Qandil: 

– a Lebanese civil war –

Host:

– that (seems to be) brewing today. They would distract (Hezbollah) with internal (affairs and issues) –

Qandil:

– Exactly!

Host:

– They’re betting (their hopes on Hezbollah’s loss of) this readiness five years later –

Qandil:

– Exactly! (Hezbollah, according to their perception,) will be drained and have lost the moral high ground (that it enjoys today), and that’s a very significant matter; Hezbollah (is) a pure force (i.e. committed to morals/ethics etc) no matter how hard they try to slander it –

Host:

– The balance of power will change too.

Qandil:

– (but) when (Hezbollah) takes part in the civil war ‘game’, it’ll no longer be the same (party) it was, it will turn into a local militia (fighting) with (other) local militias. Even the majesty of (Hezbollah’s) power will erode by (its very participation in) the civil war, as it is different from wars that we’re familiar with, (such as) wars against Israel and other (enemies threatening Lebanon). Consequently, (dragging Hezbollah into a civil war) is necessary for the erosion of its moral and material strength. Therefore, the American-Israeli decision, after their failure in turning the October 17 (2019 protests) into a revolution against Hezbollah (under the false pretext that it is the party) responsible for the (Lebanese) economic crisis and the prohibition of cash flow into Lebanon – after this failure – the alternative (plan) is (exploiting) the (Beirut) Port (explosion) investigation case and triggering the Christian street with militia formations to lure Hezbollah into a civil war –

Host:

–  And (Hezbollah) will not be tempted (by this incitement).

Qandil:

Until now…

Host:

Those are dangerous words! What (do you mean by) ‘until now’?

Qandil:

Let me explain to you –

Host:

Why (would they be lured into a civil war)?

Qandil:

(In) my opinion, there is always a limit to which leaderships can control the (rage) of the public, and those who know the history of wars would understand this idea; we are currently before – there are opinions that have begun to emerge among the Shias –

Host:

– ‘Why didn’t we continue (the fight in Tayyouneh), we would’ve beat them up…’

Qandil:

(Yes, and talk such as) ‘we always adopt stances of chivalry, we get slaughtered and killed, and you (leaderships) tell us (to be) patient and endure (the harm that is targeting us); they did (the same) to us in Khaldeh, and Badaro as well, and tomorrow they’ll (attack us for the) third and fourth time’ –

Host:

– And (they attacked Shias) in…I forgot what’s the name of the town, near the Lebanese borders…

Qandil:

Yes, in southern (Lebanon), in Chouaya.

Host:

Yes, (I meant) Chouaya.

Qandil:

If we reach a moment where – God forbid – the focal point that is supposed to deal with (a certain attack) is one of the (Shia) tribes (in Lebanon), and the Amal and Hezbollah leaderships fail to control them, and (if the events take place) in an area in which control is not organized (by certain political leaderships); an area in which, if a tribe was attacked, and the people respond (to the attack) – I’m giving scenarios (as an example) –

Host:

– So, the scheme to create a civil will remain (a major threat today) –

Qandil:

In 1975, Imam Musa al-Sadr (may God reveal his whereabouts), why did he go to the town of al-Qaa? Because the problem was made up there (in al-Qaa) such that the people of the (Shia) tribes would attack al-Qaa; a problem was made up (to drag Shia) tribes ( in a war against Christians), so (Imam al-Sadr) had to go and sit in the church and say ‘I would defend this church with my ‘amāmah (turban) and jubbah (gown)’, because he felt that the target (of the made up events) was to trigger a response (from Shia tribes in that region).

Okay, so Mr (Nabih) Berri would do it once (i.e. call people to control their rage and follow the orders of the leadership), his eminence Sayyed (Hassan Nasrallah) would do it too, (but) if the scheme (of dragging Lebanese people into a civil war) is ongoing, if there’s no general national climate that would react to this threat (with wisdom) and (take the necessary) steps at that level, if (we keep acting upon) the prevailing mentality in security, judiciary, and political (affairs in Lebanon) that is the mentality of ‘Abu Melhem’ (i.e. a TV character that’s referred to in Lebanese culture to denote a person who proposes reconciliation and peaceful solutions in all dispute) to (resolve issues) with courtesy, using (words like) ‘disputes’  (to describe severe problems), and (calling for) controlling a situation (whenever an issue arises) –

Host:

– (falling into a civil war) would be inevitable (in that case)? –

Qandil:

(We) will then be in (grave) danger (of falling into a civil war) – in my opinion – we will be in (grave) danger.

R

Related Videos

Related Articles

السيد نصرالله في محطته الثالثة: حامي السلم الأهلي

تشرين الأول  202116

 ناصر قنديل

عندما انطلقت المقاومة لفصائلها ومكوناتها المتعددة، وأكملت بقوتها الرئيسية التي مثلها حزب الله مسار التحرير ومن ثم الردع، كان السيد حسن نصرالله الذي توجته الانتصارات والتضحيات رمزاً لها، يجتاز المرحلة الأولى من صعود المقاومة بصفتها قوة التحرير والردع في مواجهة خطر كيان الاحتلال، وهو خطر لم يختلف عليه إثنان من عقلاء وحماء لبنان المسلمين والمسيحيين، وقد احتل التحذير من هذا الخطر أبرز ما تركه شارل مالك وميشال شيحا وموريس الجميل من أدبيات وتراث فكري، لكن هذه المقاومة التي يوقدها باقتدار السيد نصرالله هي التي وضعت هذه الأخطار بعيداً عن لبنان ولا تزال، حتى صارت مصدر القلق الوجودي على الكيان، وعندما انطلقت المقاومة نحو سورية لتدافع عن قلعتها وسندها التاريخي بوجه أوسع حروب المنطقة وأشملها وأعلاها سقوفاً، كانت تدرك حجم ما ينتظرها من تضحيات وصعوبات وتحديات، وخلال سنوات كانت المقاومة بقيادة السيد نصرالله ترفع شارة النصر مع سورية وقائدها الرئيس بشار الأسد على الحرب التي كلفت مئات مليارات الدولارات وجندت لها عشرات أجهزة الاستخبارات، ومئات وسائل الإعلام العملاقة وقرابة ربع مليون من التكفيريين الذين تم جلبهم من أصقاع الدنيا ليشكلوا جيشاً أشد اقتداراً ووحشية من كل جيوش حلف الناتو وحلفائه الإقليميين من عرب وغير عرب، فكان السيد نصرالله يجتاز محطته الثانية، وهي إنهاء خطر الإرهاب على الإقليم وفي قلبه لبنان، ويطلق المقاومة نحو تشكيل قوة إقليمية كبرى يحسب لها الحساب في توازنات المنطقة، وترفع معها لبنان من مرتبة الخاصرة الرخوة في المنطقة إلى مرتبة الرقم الأصعب.

كل هذه الانتصارات والإنجازات، كانت في عيون أعداء المقاومة الدوليين والإقليميين، وصولاً إلى التقدير القائم على أن استقرار لبنان ومناعة سلمه الأهلي يشكلان القاعدة الصلبة التي تنطلق منها المقاومة وتستمد بفعلها قدرتها على الحركة، ليصير السلم الأهلي على رأس جدول استهدفات هؤلاء الأعداء الذين تديرهم واشنطن، التي ازدادت حاجتها لإرباك المقاومة واستنزافها على أبواب اتخاذ قرار الانسحاب الأميركي من المنطقة والحاجة لبوليصة تأمين لأمن كيان الاحتلال تسبق هذا الانسحاب، وخلال سنتين صعد الأميركي من اهتمامه بالداخل اللبناني استثماراً على محاولات النيل من المقاومة وتفجير بيئتها، وكان كل ما شهدناه من محاولات شيطنة وتحميل مسؤولية للأزمة الاقتصادية وربط حلها بإضعاف المقاومة وتخلي اللبنانيين عنها، لكن ما جرى جاء بنتائج عكسية مع سفن كسر الحصار التي جلبت عبرها المقاومة المازوت الإيراني عبر سورية، وخلقت تداعيات أظهرت الأميركي في موقع المتسبب بالأزمة عبر حصاره للبنان، ومسارعته لمنافسة المقاومة بتظهير الحرص على المساعدة بفك بعض حصاره عبر استثناء بعض العقوبات على استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر سورية، وصولاً لتسريع تشكيل الحكومة بطلب أميركي مباشر، ولم يبق إلا الرهان على إشغال المقاومة بالفتنة الداخلية طريقاً لتحقيق الهدف.

خلال سنوات كانت القوات اللبنانية تقدم أوراق اعتمادها للأميركي ودول الخليج الراغبة بالنيل من حزب الله، بصفتها الحصان الجاهز لخوض هذا السباق، وأظهرت تجربة احتجاز الرئيس سعد الحريري في السعودية استعداد القوات لإحراق السفن للحصول على هذا التفويض، وتقاطعت القناعة الأميركية بالحاجة لإضعاف حزب الله عبر النيل من حليفه المسيحي الذي يمثله التيار الوطني الحر مع الحاجة لاستخدام القوات اللبنانية لإشغال حزب الله وتوريطه بحرب داخلية، وشكلت الشراكة الأميركية مع القوات في إدارة ملف انفجار المرفأ وتداعياته ومتابعة التحقيقات أول محطات اعتماد القوات أميركياً، بتمويل خليجي، كحصان رهان لتعبئة طائفية تسعى لتعليب التحقيق والانفجار والضحايا والخسائر ضمن العلبة الطائفية، وجاءت النتائج تؤكد حجم الاحتقان الطائفي الذي تم تحقيقه بمنسوب مرتفع، إلى أن كانت مجزرة الطيونة التي وصفها رئيس حزب القوات بميني سبعة أيار مسيحي، واحتفل بها قادة القوات كإنجاز في خلق بيئة مسيحية قلقة وخائفة وإعادة تقديم القوات كمدافع عن الوجود المسيحي، وحزب الله كمصدر للخطر، والتيار الوطني الحر كمن يبيع أمن المسيحيين لقاء مكاسب سلطوية.

جاء خطاب السيد نصرالله أمس ليقلب ما توهم الأميركيون وجماعة القوات إنجازه خلال كل ما مضى، رأساً على عقب، ناثراً شظاياه ذات اليمين وذات الشمال، مقدماً مطالعة تاريخية تحليلية مليئة بالوقائع والمعلومات، تخاطب الوجدان المسيحي، وتستذكر كل الماضي القريب والبعيد، لطرح أسئلة تطلب جواباً من كل مواطن ومسؤول ومثقف، هل القوات حزب الحرب الأهلية، هل حزب الله مصدر خطر على المسيحيين، هل الحرب الأهلية خيار يحقق المصلحة اللبنانية والمسيحية خصوصاً، هل دخلت القوات حرباً وربحتها، وهل دخل حزب الله حرباً وخسرها، هل دخلت القوات حرباً ولم تنتهِ بتهجير المسيحيين، وهل دخل حزب الله حرباً في منطقة يتواجد فيها المسيحيون وسمح بتهجيرهم، وهل رواية القوات عن فرصة لتغيير معادلة القوة واقعية، هل يمكن للقوات أن تراهن على وقتها بوجه حزب الله إذا وقعت الواقعة، وهل رهان القوات على حلفاء إقليميين في مكانها، وكان العرض المتسلسل السلس للسيد حسن نصرالله مليئاً بالوقائع والحجج وصولاً للردع، وفقاً لمعادلة خذوا على يد من يريد تفجير البلد، وقولوا له أن يقعد عاقلاً ويتأدب، ومن يريد إضعاف المسيحيين ليس من يقاتل لنيلهم قانون انتخاب ينصفهم، ويتمسك بالمناصفة ويرفض المثالثة، وبوصول زعيمهم الأقوى إلى الرئاسة، ومن يريد أمن المسيحيين ليس من يحالف النصرة وداعش ويقول لسكان الأشرفية هؤلاء حلفاؤنا، ويتبنى حربهم في سورية وجرود البقاع، بل من قاتلهم هناك، وحمى اللبنانيين مسلمين ومسيحيين.

اجتاز السيد حسن نصرالله أمس محطته الثالثة بصفته حامياً للسلم الأهلي بامتياز.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الأميركي وفرضية عدم عودة إيران للاتفاق

التعليق السياسي

أعلنت واشنطن عن سلسلة مشاورات تشمل كيان الاحتلال ودول الخليج لمناقشة فرضية فشل مساعي العودة إلى الاتفاق النووي، وأوردت واشنطن الفرضية بناء على معطيات يوردها الأميركيون تحت عنوان عدم رغبة إيران بالعودة للاتفاق، وتضعها إيران تحت عنوان مواصلة واشنطن لعبة التذاكي لعودة مشروطة تتبنى ما كان الرئيس السابق دونالد ترامب يسعى الى تحقيقه ولا يمكن لإيران القبول به.

التسريبات الأميركية تقول ان إيران تواصل السعي لتطوير برنامجها النووي، وانها باتت قريبة من بلوغ اللحظة النووية الحرجة، أي امتلاك إيران لما يكفي لإنتاج سلاح نووي، ويضيف الأميركيون انه إذا أرادت إيران تأجيل العودة للاتفاق الى ما بعد هذه اللحظة، فإن واشنطن لن تكون مستعدة لذلك.

المسؤولون الأميركيون يتحدثون عن خطة عمل، والوقائع الحاضرة في المنطقة تقول ان هذه الخطة وضعت قيد التطبيق، ففي افغانستان تحول تنظيم “داعش” من تفجيرات عشوائية ضد “طالبان” أو الأجانب الى تفجيرات تسهدف قومية الهزارة القريبة من إيران حيث سقط العشرات كضحايا بتفجيرين كبيرين، وفي العراق خطر انفجار سياسي وربما امني على وقع الإمساك بنتائج الانتخابات النيابية والدفع بها الى نقطة مواجهة داخل البيت الشيعي الذي يشكل بيئة التحرك القريب من إيران، وفي لبنان تحقيق قضائي في انفجار مرفأ بيروت لم يعد خافياً حجم الدعم الذي يلقاه أميركياً، وتوجيه التحقيق نحو حزب الله وحلفائه، وتأتي مجزرة الطيونة لتقول ان المخاطرة بأخذ لبنان نحو الحرب الأهلية فرضية قائمة ضمن سلة الخيارات البديلة.

تتجه واشنطن بعد الانسحاب من افغانستان لترك قواتها للمنطقة، على قاعدة حرق الأخضر واليابس وراءها ما يضع قوى المقاومة امام مسؤوليات جسام، قد يكون بيان غرفة عمليات حلفاء سورية الذي يتضمن إعلاناً عن العزم على رد قاس على الغارات الإسرائيلية أول رسائل محور المقاومة للأميركي نحن عنوان وصلت رسالتكم وإليكم جوابنا.

مقالات متعلقة

هل يوجد قضاء بجرؤ على اتهام جعجع؟

أكتوبر/ 16 تشرين الأول 2021

ناصر قنديل

قبل ربع قرن تجرأ قضاة المجلس العدلي الذين لا يمكن توصيفهم كأدوات تعمل لدى ما سُمّي بنظام أمني سوري لبناني، وهم خيرة الجسم القضائي في لبنان وأعلى مراتب قضاته، وأكثرهم نزاهة، وأصدروا أحكاماً بحق قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، ولأنّ أحكامهم يصعب إبطالها لم يجرؤ الذين أرادوا إعادة جعجع إلى الحياة السياسية على طلب إعادة محاكمته بموجب قانون خاص، بل أصدروا عفواً ينهي عقوبته ولا يعيد تقديمه للمحاكمة التي يفترض أن تعلن براءته إذا كانت الأحكام مسيّسة كما يزعم، حصل ذلك في لحظة استثمار الانقلاب الأمني والسياسي الذي تحقق تحت كذبة التحقيق الدولي (المهني والمحترف والنزيه)، حيث تم سجن القادة الأمنيين بتهمة التورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفقاً لشهادات زور، وأخليت الساحة هذه المرة لتركيب نظام أمني أميركي لبناني مشترك لا يزال قائماً في الميدانين الأمني والقضائي، لا بل تمت عملية رعاية تجذيره وتطويره، بينما كانت المقاومة وحلفاؤها يحصرون معاركهم في رسم التوازنات السياسية للسلطة، برلماناً وحكومة ورئاسات.

خلال مرحلة ما بعد خروج جعجع من السجن حرصت ماكينته الحزبية، وحرص شخصياً على بناء فريق حقوقي من عشرات المحامين يتواجد بصورة لصيقة بالجسم القضائي، وتعمد إقامة مئات الدعاوى على كل من تجرأ ووصفه بالقاتل أو المجرم، وفقاً لتوصيف الحكم الصادر بحقه عن أعلى مرجع قضائي، وهو حكم لا يطاله قانون العفو الذي يلغي العقوبة وليس الحكم، ولا تمت عملية مراجعة الحكم بحكم جديد يصدر بعد إعادة محاكمة، لكن الذي جرى أن أغلبية كاسحة من الأحكام القضائية تم أخذها في جلسات شكلية تحيز فيها أغلب القضاة بعصبية عدائية لصالح جعجع لاحظها المدعى عليهم من تفاصيل حضورهم أمام القضاة، وطبيعة الأحكام، التي لم تكن أهميتها بمضمونها بقدر دورها في تطويع الجسم القضائي لتجنب تكرار وقوف قاض يتجرأ على إصدار حكم لا يرضي جعجع، وكأن القضاء يريد محو ذاكرته تجاه الحكم الصادر عن أعلى مراجعه، وهو ما لا يطاله قانون العفو، بل أراد القضاء التكفير عن تجرؤه على جعجع وكسب الرضا، طالما أن القضاء بموجب قانون العفو صار ممسحة لألاعيب السياسة والسياسيين، وفقدت أحكامه قيمتها القانونية وصار سهلاً اتهام كبار القضاة بزبائنية ومحسوبية وجبن وتبعية لمجرد أنهم تجرأوا من مواقعهم كأعضاء في المجلس العدلي الذي أصدر الحكم على جعجع، ويكفي تذكر الأسماء لنعرف حجم الجريمة التي لا زال القضاء يقع تحت أعبائها، قضاة من وزن فيليب خيرالله وحكمت هرموش وحسين الزين وأحمد المعلم ورالف رياشي وجورج قاصوف.

تزامن ذلك خلال خمسة عشر سنة مع اهتمام أميركي استثنائي بالجسمين القضائي والأمني، على كل مستويات المسؤولية، بعلاقات مباشرة وتكوين ملفات، ودعوات وزيارات، ومنح دورات تدريبية، واشتغل الأميركيون على بناء منظومة صلبة في الجسم المتداخل بين الأمن والقضاء والهيئات الحقوقية، بينما كانت الأحزاب السياسية بما فيها المعنيون بالمقاومة تشتغل السياسة بطرقها التقليدية، وتتهاون بكل استهداف يطالها، فتحجم عن رفع الدعاوى بحق من يتناولها بالإساءة بداعي الترفع مرة وداعي الشعور بعدم الأهمية أو الشعور بالقوة مرات، فترك الجسم القضائي يخضع للضغط من جهة واحدة، وفي كل مرة تأتي التعيينات القضائية والأمنية، كان القضاة والضباط يتم ترشيحهم من مرجعيات طوائفهم، لكن الكثيرين كان ولاؤهم الداخلي لمرجعيتهم الطائفية، لكن تحت عباءتها يقيمون حساباً ومكانة لعلاقتهم بالأميركي الذي يملك قدرة الترغيب والترهيب، وكثيراً ما تتحول العلاقة معه إلى مصدر نفوذ لدى المرجعية الطائفية يتلقون عليها التهنئة، وفجأة عندما وقع انفجار المرفأ خرج كل شيء إلى العلن، بعد مؤشرات لم تنل حقها من العناية كقرار المحكمة العسكرية بحق العميل عامر فاخوري وآليات الاشتغال عليه بهدوء وتداخل الأمني والقضائي فيه، وبدا أن هناك منظومة قضائية أمنية تملك السفارة الأميركية القدرة على تحريكها، بينما يملك الآخرون شبكة علاقات عامة بلا نواة صلبة متماسكة تشبه ما يوازيها، رشح المحقق العدلي فادي صوان، وعندما تمت تنحيته رشح المحقق طارق بيطار، فمن رشحهما واحد، ونالا الأغلبية اللازمة ورضا المرجعية السياسية والطائفية والوزارية، وتفاجأ الجميع بالأداء، وظهرت حولهما منظومة إعلامية وحقوقية، تحيط بها تشكيلات من عشرات النشطاء في الشارع يملكون حصرية التحدث باسم أهالي ضحايا المرفأ، وليس معهم من أهل الضحايا أكثر من أهالي عشرة منهم ينتمون إلى خلفيات سياسية قواتية أو قريبة من القوات، بينما لم يقم أحد بتنظيم أهالي أكثر من مئتي شهيد وستة آلاف جريح وآلاف الذين خسروا بيوتهم ومؤسساتهم الموزعين على كل الطوائف والميول السياسية.

جاءت مجزرة الطيونة، وبدأنا نشهد الفيلم الأميركي الطويل منذ زيارة فكتوريا نولاند وتغيير البيانات التي توصف الحدث من رشقات نارية استهدفت محتجين إلى إشكال تحول إلى اشتباك، وحفلت مؤسسات الإعلام الممسوك والقادر والفاعل شهادات لشهود العيان لتقول إن ما جرى كان إشكالاً تحول إلى اشتباك، فتذكرنا فجأة حكاية شهود العيان والحرب على سورية وقناتي الجزيرة والعربية، وكيف كشف لاحقاً عن موظفين لدى القناتين برتبة شهود عيان، وعن شهادات أدلي بها من غرفة قرب استديو الأخبار مع مؤثرات صوتية توحي أنها من الميدان، ولو سلمنا بالروايات التي رأينها وسنرى الكثير منها خلال الأيام القادمة، بأن جراد المحتجين كما قال شاهد عيان دخل شارعاً فرعياً وراح يعتدي على الأملاك، هكذا من دون سبب، وخرج من بين المحتجين مطلقو نار من مسدسات كما قال شاهد آخر، هل هناك من يخبرنا كيف مات الذين قتلوا، ولماذا كل القتلى والجرحى من فئة واحدة، هل ماتوا بصعقة كهربائية، أم أنهم أطلقوا النار فأخطأوا الهدف وربما أصابوا أنفسهم بالخطأ أو جاءهم من رد عليهم بالنار فأصاب الهدف، فهل يريدون إفهامنا كما قال سمير جعجع أن حزب الله أراد تنفيذ 7 أيار ففشل وكان الردع الأهلي العفوي له بالمرصاد، أم نصدق ما كتبه بعض مناصري القوات عن أنه وقت الثأر للقواتيين الذين سقطوا بتفجير المرفأ، فيصبح أفضل ما قد يكشفه التحقيق هو أن مجموعة من هؤلاء قامت، بدافع الغضب من تصريحات ومواقف حزب الله، بالتجمع والتحضير لمواجهة تظاهرة دعا لها الحزب ضد المحقق العدلي الذي يثقون أنه سينصف دماء ضحاياهم، وأن اشتباكاً حصل بين هؤلاء وبعض المشاركين في التظاهرة وانتهى إلى ما حصل قبل أن ينتقل الاشتباك إلى الأحياء المتقابلة، وأن قيادة القوات فوجئت كما الآخرين بما جرى.

هل نتوقع أن يوجد قاض يجرؤ على توجيه الاتهام لسمير جعجع بعد ما جرى في المرة الأولى وما تلاها، وفي ظل رعاية أميركية مباشرة للملف القضائي والأمني، بأوراق قوة تؤثر في قضاة وضباط لهم حسابات مصرفية يهدد الأميركي بتجميدها، وعلى بعضهم ملفات يملك الأميركي قدرة الابتزاز بها، ويرغبون بسفرهم وتعلم أولادهم حيث يملك الأميركي حق الاستضافة بدورات تدريبية ومنح جامعية، وهناك دوائر منظمة حقوقياً وإعلامياً وجمعيات من النشطاء الجاهزين لدعمهم أو ابتزازهم بالتهديد، وهؤلاء النشطاء جاهزون للشهادة بأن اللبن أسود إذا اقتضى رضا الأميركي الذي يعدهم بمقاعد نيابية، أن يقولوا ذلك، والشيعة بينهم هم الأشد حماسة من أقرانهم لفعل ذلك، ولا يجوز إبداء الدهشة والاستغراب من أن ثمة قضاة مستعدون لتوجيه الاتهام لحزب الله فقوته لا تخيف أحداً، وعلى رغم كل الاتهامات بالاغتيالات يعرف الجميع أن حزب الله لا يقتل بل يعرف كيف يقاتل، بينما يخشون سواه كثيراً، سواء كان سواه داخلياً أم خارجياً، فهذا ما تقوله الوقائع عما قد يفعله هؤلاء.

يجب أن ينتبه المعنيون في المقاومة وحلفائها وخصوصاً التيار الوطني الحر أن تنصيب سمير جعجع زعيماً للمسيحيين من بوابة دماء الطيونة، يهدد المقاومة سواء حزب الله وحركة أمل بما هو آت، لكنه ينهي فرص التيار بالحضور السياسي اليوم، فتزعم القوات يمر على جثة التيار وسواه، وليس لدى التيار ترف التلذذ بالشماتة بأمل، وتهديد حزب الله وأمل يمر حكماً بتحجيم التيار ومحاصرته، وأن لا بديل من مواجهة هذا التحدي الذي فرضه الأميركي على الجميع بمن فيهم تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوى المسيحية الوطنية وفي طليعتها تيار المردة والقوى غير الطائفية وفي طليعتها الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث لا أحد لديه ترف التلذذ بالشماتة بإضعاف التيار الوطني الحر بسبب تاريخ المعاناة من التفرد، فالإضعاف سيتم لحساب تغول جعجع، وأن ذلك يستحق مراجعة جذرية من الجميع، موقع تذكر ويلات الحرب الأهلية وما يعنيه خطر إعادة ماكينة الحرب الأهلية إلى الحياة مجدداً، فالجميع سيقول لاحقاً أكلنا جميعاً يوم أكل الثور الأبيض، ولا أحد يعلم اليوم من هو الثور الأبيض فكلهم مرشح لهذا الدور.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

التحقيق وانفجار المرفأ… والفرز الطائفي

 ناصر قنديل

دخل ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت المرحلة السياسية الحرجة مع تحوله إلى بند خلافي على جدول أعمال الحكومة، وبات واضحاً نجاح التجييش الطائفي الذي رافق اللحظة الأولى من الانفجار للتركيز على اعتبار الضحايا والأحياء المصابة من لون طائفي واحد، وتجاهل الطابع الجامع للكارثة التي وحدت اللبنانيين بدماء ضحاياهم وخسائر بيوتهم ومنشآتهم الاقتصادية، ولم تميز بين طائفة وأخرى، ونجح التجييش الطائفي الإعلامي والسياسي بالانتقال إلى البيت القضائي والحقوقي، سواء على مستوى تسمية المحقق العدلي الأول والثاني، أو على مستوى تموضع نقابة المحامين، وصولاً لمقاربة وسائل الإعلام، كما كان واضحاً ويزداد وضوحاً أن اليد الأميركية كانت حاضرة في كل هذه المحطات، تشجع وتحرض وتضع الأولويات، وصولاً للإيحاء بالرعاية للمحقق العدلي من باب وصفه بالنزاهة من الكونغرس الأميركي.

منذ اليوم الأول للأحداث التي انطلقت في الشارع اللبناني في تشرين 2019 حضر الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان ليقول إن قيمة ما يجري بأنه يفتح الباب لقيادة تحول على المستوى النيابي في الساحة المسيحية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ خلق مناخ إعلامي وسياسي لشيطنة حزب الله وتصويره من دون أي مقدمات وبشكل مفارق لكل المعطيات وحجم الأدوار والمسؤوليات، سبباً للأزمة الاقتصادية والمالية، وشيئاً فشيئاً كان هذا الخطاب المفتعل الذي أدى لخسارة تحركات تشرين شارعها الإسلامي، يتحول إلى خطاب رسمي للإعلام المخصص لمخاطبة الشارع المسيحي، ويجد التيار الوطني الحر نفسه محاصراً بشارع يستدرجه شيئاً فشيئاً إلى خطاب مختلف مع حليفه الاستراتيجي الذي يمثله حزب الله تحت شعار الحاجة الانتخابية، حتى جاء تفجير مرفأ بيروت، وتمت برمجة مشهد التحقيق والشارع تحت العنوان الطائفي، ليجد التيار والعهد أنهما أسرى معادلة عنوانها دعم التحقيق والمحقق، على رغم الشعور ببعض الاستهداف في مفاصل التحقيق، وعلى الرغم من عدم منح الأذون لملاحقات طلبها المحقق، بقي خطاب التيار محكوماً بهذه الشعبوية الطائفية وأسيراً لها، تحت شعار اذهبوا إلى المحقق ودعوه يكمل مهمته، ورفض معادلة محاكمة الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى المخصص دستورياً لمحاكمتهم، والشراكة في لعبة التعبئة تحت عنوان لا للحصانات.

في ظل موقف للمرجعيات الدينية المسيحية الداعمة للمحقق والمشككة بكل اعتراض على إجراءاته، مقابل مواقف واضحة للمرجعيات الإسلامية تشكك بسلامة التحقيق وأداء المحقق، يكتمل الانقسام السياسي بوقوف القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر على أرضية واحدة من التحقيق، والمحقق، مقابل موقف موحد لتيار المستقبل وحركة أمل وحزب الله، ولا يفيد تمايز تيار المردة مسيحياً، والحزب التقدمي الإشتراكي إسلامياً، بموقفين متعاكسين بين التشكيك والتأييد، في تغيير الاصطفاف الطائفي، الذي يقسم المجتمع ويقسم البرلمان وبدأ يهدد وحدة الحكومة، كما يصيب المناخ القضائي والحقوقي، بحيث يبدو البلد كله في متاهة الانقسام الخطير التي لم يعرفها منذ نهاية الحرب الأهلية.

مقاربة حزب الله لملف التحقيق ليست مجرد تحسب لأهداف يستشعرها الحزب من حركة المحقق لتركيب ملف اتهامي مباشر أو غير مباشر يخدم مهمة شيطنة الحزب، بل هي محاولة لإخراج الاستقطاب حول القضية من الاشتباك الطائفي، والرهان على العلاقة الخاصة التي تربط الحزب بالتيار الوطني الحر للوصول إلى موقف حكومي يتيح نقل النقاش حول التحقيق من اللعبة الشعبوية الخطرة بدرجة سخونتها وأرضيتها الطائفية، إلى مسار قانوني بارد وتقني يقوم على معادلات بعيدة عن لعبة الشارع من جهة، والتوظيف السياسي من جهة موازية، فهل ينجح أم يبقى الانقسام ويتجذر لأنه جزء من عدة تحضير البلد لدخول الانتخابات مع مطبات سياسية وإعلامية، وفي ظل تشنج طائفي مكهرب على التوتر العالي، يصيب الاصطفافات والتحالفات بشظاياه؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العروض الإيرانية بالليرة اللبنانية فمن ينافس؟

أكتوبر/ 8 تشرين الأول 2021

 دعم إيراني متجدّد للبنان: عرض مُغرٍ لقطاع الطاقة
ناصر قنديل

لا يحتاج الأمر إلى تحليل ونقاش لاستنتاج محورية قطاع الكهرباء في أزمة لبنان المالية، فأزمة المازوت هي فرع من أزمة الكهرباء، ومتى توافرت الكهرباء تراجعت الحاجة للمازوت إلى أقل من الربع، وتأمين الكهرباء يستدعي زيادة الإنتاج، وهذا يتطلب تمويلاً لإنشاء المعامل ومثله لتشغيلها، ومن دون زيادة الإنتاج فإن تشغيل المعامل القائمة يستدعي توفير الوقود اللازم، وهذا يحتاج للتمويل، والتمويل بالعملات الصعبة، والدولة ومصرفها المركزي لم يعد لديهما القدرة على تأمين هذا التمويل، وشراء العملات الصعبة من السوق سيرفع سعر الصرف ويدفع بالدولار إلى أسعار مقلقة تعني مزيداً من الانهيار، والذهاب لتمويل عبر القروض بلا أفق، لأنه تراكم لديون لا يملك لبنان جواباً عن كيفية سدادها، وعندما يجري البحث بتمويل معامل جديدة من قروض خارجية سواء عبر صندوق النقد الدولي أو سواه، مهما كانت ميسرة ومؤخرة، تبقى كلفة التشغيل بقروض كمثل قرض البنك الدولي المفترض لتمويل استجرار الغاز المصري وشراء الكهرباء من الأردن، وهي قروض قد تتوافر لجزء من الحاجة وجزء من الوقت، لكنها لن تتوافر لكل الحاجة وكل الوقت.

أمام لبنان طريق وحيد لتفادي السقوط، وهو أن يحصل على وقود التشغيل بطريق يشبه المساعدة العراقية، ولا يبدو أن الحكومات العربية الأخرى التي تملك قدرات نفطية جاهزة للسير على خطى العراق، لكن إيران سبقت الجميع وقالت بلسان مسؤوليها مراراً، وكرر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله التأكيد على جاهزية إيران لتأمين المحروقات التي يحتاجها لبنان، بما فيها وقود تشغيل معامل الكهرباء بالليرة اللبنانية، وهذا العرض الذي لم يلق الاهتمام اللازم تحول إلى مبادرة مباشرة من حزب الله بجلب سفن كسر الحصار، التي قدمت حلاً لجانب من أزمة فقدان المازوت من الأسواق، وأصابت سلم تسعير الاحتكارات التي فرضت معادلات تتحكم بموجبها بالتسعير والسوق، وإذا كانت معامل توليد الكهرباء التي يسعى لبنان لتأمينها تحت شعار زيادة التغذية ثم زيادة التعرفة، لوضع حد لخسائر كهرباء لبنان، فهذا يستدعي ربط التعرفة الجديدة للكهرباء بسعر الدولار، الذي سيضرب سقوفاً قياسية إذا بقي تأمين الوقود اللازم للتشغيل مرتبطاً بتمويل يعتمد على شراء الدولارات من السوق، وهذا يعني الانتقال “من تحت الدلف لتحت المزراب”.

خيار لبنان الوحيد الإنقاذي الذي ربما لا ينتبه له المسؤولون، أو يخافون أن ينتبهوا له، هو أن يكون لدى لبنان من يزوده بالوقود اللازم لتشغيل معامل الكهرباء بالليرة اللبنانية، فذلك هو الطريق الوحيد الذي يمنع إسهام الطلب على الدولارات اللازمة لشراء الوقود في التسبب برفع متواصل لسعر الصرف وبالتالي سعر التعرفة، وصولاً لحد الانفجار، وتأمين الوقود بالليرة اللبنانية يقع في صلب العروض الإيرانية المتكررة، والعرض الذي أعاد تقديمه وزير الخارجية الإيراني حول بناء معامل الكهرباء يستحق من يناقش تفاصيله مع الجانب الإيراني، لأن لا نقاش حول الجوانب التقنية وأهلية الشركات الإيرانية وقد قامت بإنهاض قطاع الكهرباء في بلادها، وصولاً لتحقيق فائض تبيعه إيران لباكستان والعراق وعدد من دول آسيا الوسطى، وحالياً لأفغانستان وفقاً للتفاهم الجديد بين الحكومتين الإيرانية والأفغانية، ومسؤولية الحكومة اللبنانية كبيرة اليوم في أن تحمل العرض الإيراني بمضمونه التفصيلي لجهة الاعتماد على تمويل بالليرة اللبنانية، وأن تذهب للمعترضين داخلياً وخارجياً وتقول إنه الحل الوحيد الذي يناسب لبنان، وعلى من يعترض أو يرفض أو يهدد بعقوبات أن يقول لا تشتروا من إيران فنحن جاهزون لتزويدكم بالمثل بذات الشروط والأسعار وبالتسعير بالليرة اللبنانية، وما لم نحصل على مثيل فالأمر يستحق المخاطرة بالتعرض للعقوبات، لأنه طريق وحيد لعدم الانهيار، فما نفع الموت وأنت غير معاقب طالما أمامك فرصة العيش ولتكن معاقباً، وعندها تعرف العدو من الصديق.

تجربة سفن كسر الحصار تقول إن حكومة تملك بعض الشجاعة تستطيع أن تستفيد من العروض الإيرانية لتحفيز الآخرين لعروض مقابلة، أو على الأقل للاستثناء من العقوبات.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ترحيب سيادي بالوزير عبد اللهيان

أكتوبر/ 7 تشرين الأول 2021

في علم القانون والعلاقات الدولية ليست مفردة السيادة تعبيراً انتقائياً يمكن إطلاقه وفقاً للأهواء والمشاعر، والتدقيق بمعايير انتهاك السيادة لا يحتاج الكثير من البحث، فمعاهدة جنيف التي وصفت الاحتلال ربطته بممارسة السيطرة وفرض إرادة أجنبية وتشريعات غير صادرة عن مؤسسات الدولة المعنية، بل هي تشريعات الدولة المهيمنة التي تقع عليها صفات انتهاك السيادة، هي ذاتها التي قالت إنّ تلكؤ الدولة التي تتعرض لانتهاك السيادة أو عجزها أو تغاضيها عن هذا الانتهاك توجب على الشعب ولا تمنحه الحق فقط، مقاومة هذا الانتهاك، ويقع فعل المقاومة هنا في مرتبة الدفاع عن السيادة بما في ذلك حمل السلاح بصورة غير مقوننة، لأن شرعية المقاومة تنبثق من شرعة أعلى من القوانين في ظل إرادة الدولة المشلولة بحكم العدوان الواقع على سلطتها السيادية.

عرف لبنان من أربعة عقود اجتياحاً إسرائيلياً بلغ عاصمته وفرض على اللبنانيين اتفاقاً للإذعان عرف باتفاق 17 أيار، وخرجت المقاومة الوطنية والإسلامية لمواجهة هذا العدوان على السيادة بعدما تلكأت الدولة وعجزت وتغاضت، فكانت المقاومة هي الفعل السيادي، وسلاحها هو الحامي لمفهوم السيادة، وعندما وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب المقاومة وأمدتها بما احتاجت من أسباب للقوة، كانت إيران تقف على ضفة الدفاع عن السيادة اللبنانية المنتهكة، وكان الذين رضخوا لمشيئة الاحتلال أو راهنوا عليه واستفادوا منه واستثمروا على تداعياته مجرد خونة وعملاء باعوا وطنيتهم وسيادتهم، وعندما وقفوا ينددون بالمقاومة كانوا يفعلون ذلك من موقع خدمة الاحتلال والتفريط بالسيادة.

مع بدء نظام العقوبات الأميركية باستهداف العديد من دول العالم بما فيها دول صديقة وحليفة لواشنطن، كانت تشريعات العقوبات انتهاكاً موصوفاً لسيادة هذه الدولة، وشكلاً من أشكال الاحتلال، طالما أنها تفرض على هذه الدولة تطبيق تشريعات غير صادرة عن مؤسساتها السيادية، وكان لبنان من بين هذه الدول، سواء بما يخص شموله بالعقوبات على إيران أو سورية، وهي عقوبات صادرة عن السلطات الأميركية وليس عن مؤسسات لبنانية، وتلكؤ أو عجز أو تغاضي الدولة اللبنانية عن مهمة مقاومة هذه التشريعات المنتهكة للسيادة يفرض على الشعب مقاومتها، وكل مقاومة من خارج الدولة تمتلك مشروعية أعلى من مشروعية خضوع الدولة أو تلكؤها أو تغاضيها.

قيام المقاومة في لبنان بكسر الحصار المفروض على لبنان عبر سفن النفط الإيراني فعل سيادي يسقط مفعول قرارات تنتهك السيادة صادرة عن مؤسسات غير لبنانية، ولا تتمتع بصفة القانون الدولي كحال القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن الدولي، وكل مندد بقيام المقاومة بمبادرتها السيادية يقع في دائرة الشبهة لمساندة الاحتلال غير المباشر الذي يفرض تشريعات تنتهك السيادة ويندد بمقاومتها المشروعة خدمة للمحتل العابر للحدود بتشريعاته.

لأن إيران في كل مرة تعرض فيها لبنان لانتهاك لسيادته وقفت إلى جانب مقاومته النابعة من روح سيادية شرعية أعلى مرتبة من أي معايير أخرى، ولأن إيران لم تطلب يوماً ولم تحصل يوماً على مقابل لهذه المساندة المتعددة الأشكال، فإن كل سيادي لبناني غير مزور، معني بالترحيب بزيارة وزير خارجية إيران إلى لبنان.

أهلاً وسهلاً معالي الوزير حسين أمير عبد اللهيان صديقاً للبنان واللبنانيين.

أخبار متعلقة

كورونا وفايسبوك: أزمات النمو أم الأفول؟

أكتوبر/ 5 تشرين الأول 2021

 ناصر قنديل

منذ سقوط جدار برلين وتقدم أميركا كصاحب نموذج للعالم تحت عنوان العولمة المستنسخة وفقاً لنظرية نهاية التاريخ، أي اعتبار النموذج الليبرالي الجديد آخر نتاج التقدم الإنساني اقتصاديا وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، كانت الحملات العسكرية الأميركية الجزء الأقل أهمية من المشروع الأميركي العالمي، على رغم كونها أخطر وجوه المشروع وأكثرها ظهوراً وحضوراً، ولكن وقفت خلف هذه الحملات العسكرية الأميركية سواء في حرب يوغوسلافيا او أفغانستان أو العراق، مشهدية فلسفية وثقافية وتسويقية تقوم على نهاية عهد الدولة الوطنية، والمقصود نهاية عهد الدولة لحساب الشركة أولاً، ونهاية عهد الوطنية، أي الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والسياسية للكيان الوطنية للدول لصالح نموذج عالمي، لا مكان فيه للهويات والخصوصيات، التي ترتبط عموماً بفكرة الدولة، وسيتكفل حلول الشركة مكان الدولة بالتمهيد لتكون الشركة عالمية، وتزامن استعراض التفوق العسكري الأميركي مع استعراض نماذج التفوق التكنولوجي، ومن خلالهما نموذج الشركة، ففي الحرب لم تعد الجيوش قوة وطنية تحمل مشروع بلادها، بل صارت الحرب عملاً مأجوراً تعاقدياً تنفذه الشركات، تواكبه شركات أخرى في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ومثلها الثورات لم يعد قائماً على فعل تاريخي معبر عن إرادة نخب تقود شعوبها نحو مشروع حالم، بل صارت الثورات مقاولة تلتزمها شركات تسمى جمعيات مجتمع مدني، وتواكبها موازنات تنفقها الشركات على وسائل التواصل والأقنية التلفزيونية، وشعارات صنعتها شركات الدعاية المتخصصة، كعملية تجارية صرفة اعتمدت فيها قواعد توصيف المنتج ودراسات الجدوى وتحديد الكلفة والأرباح المتوقعة.

جاء الاعتراف الأميركي بالفشل العسكري بنظر البعض منفصلاً عن فشل المشروع الذي جسدته أميركاً الجديدة، أي نموذج الشركة العالمية، ولذلك يذهب هذا البعض إلى الدعوة للتمهل في الحديث عن فشل المشروع أو دخوله مأزقاً بنيوياً ويتخيلون فرصة لتعديل في وجهته يتراجع خلالها العسكري لصالح الاقتصادي، الذي لا يزال الأميركي فيه أولاً إن لم يكن حاكماً، وهم بالتالي يقرأون الأزمة التي يمر بها المشروع الأميركي بصفتها واحدة من أزمات النمو لمشروع في طور الصعود على رغم الإخفاقات، ولذلك تجب معاينة المأزق العسكري للحملات الأميركية، بعدما صار الاعتراف الأميركي بالفشل علنياً ورسمياً، وصولاً للقول بسقوط إمكانية صناعة السياسة باللجوء للقوة العسكرية، كما وصف الرئيس الأميركي جو بايدن الإطار السياسي لقرار الانسحاب من أفغانستان، من دون أن ينسى أن المعيار هو سقوط الجدوى الاقتصادية لاستثمار ثلاثمئة مليون دولار يومياً، وما يزيد على تريليون دولار خلال عشرين عاماً، كتفسير للفشل، فهل كانت الحال مختلفة في مسيرة الانتقال من الدولة إلى الشركة؟

الخلاصة الأولى التي كتبتها سنوات الحروب هي تثبيت الخصوصيات والهويات على حساب نظرية الهوية العالمية القائمة على الربحية وحدها، وفق معادلة اقتلاع شجرات الزيتون لصالح التنافس على سيارة اللكزس، فنهضت أشجار الزيتون، بما ترمز إليه من هويات خصوصية، وهذا ما قاله النهوض الروسي والصعود الصيني والصمود الإيراني، ووقفت أميركا بعظمتها ضعيفة أمام شجرة زيتون الهوية الصهيونية، مؤكدة سقوط نظرية سقوط الهويات، وتراجع مشروع الشركة عن عالميته، لصالح الاكتفاء بكونه أميركياً، وصار الحديث عن الدولة العظيمة لا الدولة العظمى، وعن استعادة أميركا النموذج والمثال، ولكن الاختبارات القاسية لم تترك المجال لنظرية الشركة أن تبقى بعيداً عن تحديات إثبات أهليتها، وكانت جائحة كورونا أصعب الاختبارات الإنسانية، بينما كانت أزمة شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفقاعة الأبرز التي وضعت الأزمة على الطاولة.

خلال جائحة كورونا ظهرت الفوضى وانكشف ضعف النظام الصحي، وانكشفت خطورة الاعتماد على منهج الربحية في عمل الشركات للإجابة على تحديات العناية بصحة البشرية ومواكبة أخطار الأوبئة، فبقيت أميركا الأولى الأشد تأثراً بالجائحة وعجزاً عن السيطرة عليها على رغم أنها الدولة الأغنى والدولة الأقوى تقيناً، والأكثر امتلاكاً لأدوات المواجهة والوقاية، وعلى رغم دخول الجائحة عامها الثالث لا تزال الإصابات والوفيات تسجل أعلى الأرقام في أميركا، على رغم أنها بقياس عدد السكان تشكل 20 في المئة من عدد سكان الصين التي نجحت بالسيطرة على الجائحة وخرجت عملياً من تداعياتها، في مواجهة عملية لنموذجي الدولة والشركة، وقبل أن تحط كورونا رحالها، انفجرت أزمة شركات الاتصالات العملاقة وتحولت إلى قضية عالمية مع الأزمة التي حلت بالشركة الأعظم التي تتحكم بيوميات نصف سكان العالم، فالأزمة التي تفجرت حول شركة فايسبوك ليست مجرد عطل تقني، ولا مجرد نقاش حول الضوابط التي يجب أن تحكم حال شركات التواصل، بل هي تعبير عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها نموذج الشركة بدلاً من الدولة، حيث الربح هو الموجه الأول، على حساب ضمانات سلامة التشغيل وأمان المواد المتداولة وأخلاقيات استخدامها، حيث ما نشهده ليس إلا أول النقاش، كما حدث يوم الأزمة التي تفجرت عام 2008 من بوابة الرهونات العقارية، وانهيار النظام المصرفي ومن خلفه البورصة، واضطرار الدولة إلى اللجوء لتأميم بعض المصارف ووضع اليد عليها، وتقييد الباقي منها.

ليس ما تشهده أميركا مجرد أزمة، بل انفجار لنموذج، وتعبير عن أفول مشروع إمبراطوري، وهذا لا يعني أن أميركا ستزول عن الخريطة، أو أنها ستكف عن التصرف كدولة قوية ومقتدرة، أو أنها لن تحاول ترميم نموذجها ومحاولة إصلاحه، لكن كل ذلك سيجري تحت عنوان عريض هو أن الشركة العالمية فشلت كبديل للدولة الوطنية، وأن ما يجري نقاشه الآن في واشنطن هو كيفية العودة لمفهوم الدولة الوطنية القوية، بعد فشل الشركة العالمية الحاكمة.

مقالات متعلقة

فيديوات متعلقة

أكذوبة التفرّغ للصين لتغطية الانكفاء الأميركي

 أكتوبر/ 5 تشرين الأول 2021

يتشارك منظرو التسويق لسياسات الرئيس الأميركي جو بايدن، مع خصومهم داخل أميركا وخارجها، بالترويج لنظرية أولوية المواجهة مع الصين بالنسبة للإدارة الأميركية، واشتقاقاً منها نظرية أخرى تقول بأنّ الانسحابات والتراجعات الأميركية ليست إلا تموضعاً جديداً عنوانه التفرّغ لمواجهة الصين، ولأن في هذا السياق قدراً من الاعتراف بالضعف يمثله العجز عن الجمع بين مواجهة الصين وخوض المعارك المفتوحة في جبهات أخرى، والاعتراف بالصعود الصيني وتصويرها كخصم تحدٍ كافٍ يستحق التفرّغ له، يحقق أصحاب النظرية شروط الإغواء لخصومهم لمشاركتهم في تسويقها، لكن أي تدقيق بعناصر هذا الزعم سيوصلنا إلى اعتباره كذبة كبيرة.

التفرغ لمواجهة الصين، كعنوان يعني توفير شروط مواجهة أفضل والانصراف عن كل إلهاء عن هذه المواجهة، والتمسك بكل تموضع سياسي أو اقتصادي أو عسكري يحسن شروط هذه المواجهة، ولأن المواجهة مركبة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، فكل تقدم أميركي في هذه الميادين هو تسجيل نقاط تعزز فرص الفوز في المواجهة، وكل تراجع يعزز فرص الخسارة، خصوصاً عندما تكون الصين هي المرشح الأول للتموضع مكان الفراغ الأميركي، وإذا توقفنا أمام الخطوات الأميركية الأخيرة في ظل رئاسة بايدن، والتي تم تلطيف الطابع الانهزامي فيها والتخفيف من وطأته المعنوية بعبارة تجميلية اسمها التفرغ لمواجهة الصين، سنجد أمامنا ثلاثة نماذج، الأول هو الانسحاب من أفغانستان، والثاني هو السعي للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، والثالث هو الحلف الأميركي البحري البريطاني- الأسترالي في المحيطين الهندي والهادئ المسمى «أوكوس»، وقد تم ربط كل منها بجملة التفرغ للمواجهة مع الصين، سواء على قاعدة وقف الاستنزاف في حالة أفغانستان، أو منع ظهور قوة نووية تربك المشهد الدولي وتوازناته كمبرر للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، أو التقرب من خط المواجهة مع الصين كما يفترض بمهمة حلف أوكوس.

في حالة أفغانستان، يطرح السؤال عن صدقية الكلام حول كون الانسحاب العسكري، وتبعاته السياسية والاقتصادية يشكل عنصر تعزيز للوضعية الأميركية في المواجهة مع الصين، وأفغانستان كانت هدفاً أميركياً بالأساس لوقوفها جغرافياً على مثلث التقاطع بين روسيا والصين وإيران، وكانت الحرب التي مولتها ودعمتها الاستخبارات الأميركية منذ ثمانينيات القرن الماضي ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان تتم تحت عنوان قطع الطريق على تنامي قوة روسيا والصين وإيران، كمصادر لتحديات للأمن القومي الأميركي، وعندما غزت القوات الأميركية أفغانستان عام 2001 كانت كل المواقف الأميركية في عهود جمهورية وديمقراطية تربط البقاء في أفغانستان باستراتيجيات المواجهة مع الثلاثي الآسيوي الصاعد، وما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، تبدو أفغانستان جائزة اقتصادية للصين، وجائزة عسكرية لروسيا، وجائزة سياسية لإيران، فكيف يكون الانسحاب منها مكسباً لمشروع التفرغ لمواجهة الصين، وعبرها تكون المواجهة من المسافة صفر، على الأقل لجهة فرص التنصت والحرب الاستخبارية والإلكترونية، إذا كانت الحرب العسكرية مستبعدة؟

في حالة إيران، يكفي التذكير بأن معاهدة التعاون الاستراتيجي بين الصين وإيران كانت سابقة لوصول بايدن إلى البيت الأبيض، والتذكير بأن إيران تمثل قلب آسيا الذي يشكل انضمامه إلى خطة الحزام والطريق التي تشكل عنوان المشروع الصيني الأول على الساحة الدولية، تمثل تحولاً نوعياً في ميزان القوى بين أميركا والصين، فعندما تصبح الصين في إيران فهي تلقائياً صارت على بوابة الخليج وبوابة قزوين وبوابة المتوسط وعلى تماس مباشر مع تقاطعات حدودية لعشرات الدول، وأي تفكير بإعادة الصين إلى ما وراء الحدود يبنى على منع الصين من التموضع في إيران، أو على الأقل بعدم تمكين إيران من تشكيل شريك فاعل للصين في توسيع نطاق نفوذها الدولي والإقليمي، وهذا ما كان أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يبررون به ما يسمونه بالضغوط القصوى، وما جاء بايدن ليعلن فشله، مسلماً بأن إعاقة إيران عن التقدم أصيبت بالفشل، وأن مواصلة المواجهة تعني تكبد المزيد من الخسائر من دون جدوى، ولأن هذا صحيح، فالصحيح أيضاً أن التسليم بفوز إيران في جولة التحدي هو تسليم ضمني بأن الصين ستكون على ضفة الرابحين في كل إنجاز تحققه إيران.

في حلف أوكوس الذي قدمه أنصار بايدن كخطوة متقدمة للتقرب من البيئة الجغرافية المحيطة بالصين، بعض الخداع البصري، لأن السؤال هو هل هدف الحلف التقرب من الصين أم تأمين خط دفاعي عن الجغرافيا الأميركية من الميمنة البريطانية والميسرة الأسترالية كترجمة للانكفاء، أم خطة حشد نحو الصين، والجواب يكمن في ربط ولادة حلف أوكوس من رحم حلف الناتو، في وقت تلقى الناتو ضربة أولى بالانسحاب من أفغانستان وأصيب بتصدع لا تزال تردداته تتواصل، وجاء إعلان أوكوس بمثابة الضربة القاضية للناتو، بما أصاب فرنسا من خسارة وأذى بسببه، وبعدما أصابت شظايا صفقة الغواصات العلاقات الأميركية- الفرنسية، فهل يمكن الحديث عن التفرغ للمواجهة مع الصين من دون أولوية بناء حلف سياسي وعسكري متين تقوده واشنطن ويشاركها المواجهة، وهل أن تدمير الناتو يخدم المواجهة مع الصين، وقد كان الناتو مرشحاً أول لتشكيل خط المواجهة الدولية مثله مثل قمة السبعة، كركائز تتداعى من حول واشنطن، التي تعرف ما تفعل، لكنها تكذب بما تقول، فما تفعله واشنطن هو التخفف من أعباء سياسة الدولة الأولى في العالم للتفرغ لوضع داخلي على شفا كارثة، لا يملك ترف الدفاع عن موقع الزعامة في العالم وهو ينهار، ويشكل شعار التفرغ لمواجهة الصين ترجمة نموذجية للكذبة المطلوبة في تغطية هذا الانكفاء.

خصوم واشنطن الذين يكررون معادلة التفرغ الأميركي للمواجهة مع الصين مدعوون للمزيد من التدقيق بالعبارة قبل تردادها.

النفط والغاز بين مرسوم الترسيم ومنع التلزيم

22 سبتمبر/أيلول 2021

 ناصر قنديل

يدور نقاش صحي منذ مدة حول موضوع توقيع مرسوم خاص بتعديل أحكام المرسوم الذي ينص على الحدود البحرية للبنان جنوباً، لكن بعد المعلومات التي تم تداولها حول قيام الشركة اليونانية (إنرجيان) التي رسى عليها من قبل كيان الاحتلال، التزام استخراج الغاز من الحقول القريبة من المياه اللبنانية والمتداخلة معها، بتلزيم الاستثمار في حقول حساسة منها للشركة الأميركية المعروفة بتاريخها الأسود في العراق في تخديم قوات الاحتلال الأميركي، وهي شركة يترأس مجلس إدارتها نائب الرئيس السابق جورج بوش، ديك تشيني، بدا أن دعاة توقيع المرسوم وجدوا في هذه المعلومات ضالتهم للقول إن عدم توقيع المرسوم فتح الباب لهذا الاعتداء الجديد على الثروات اللبنانية، وإن عدم توقيع المرسوم حرم لبنان من فرصة الاحتجاج لدى الفريقين الأممي والأميركي، الشريكين في التفاوض غير المباشر الهادف لترسيم الحدود البحرية، وطلب تدخلهما لوقف هذا الاعتداء.

النقاش حول الحاجة للمرسوم وكيفية التعامل معه مفيد، لكن الربط الذي جرى بين هذا النقاش وما شهدناه أمر آخر، وما يجب توضيحه على هذا الصعيد من زاوية مقاربة المصلحة الوطنية بعيداً من تسجيل النقاط السياسية، هو أن التلزيم «الإسرائيلي» للشركة اليونانية (إنرجيان) التي أعلنت عن اكتشاف كميات ضخمة من الغاز في حقل كاريش قبل سنتين تماماً، يعود لما قبل تاريخ إعلان اتفاق الإطار من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، حول التفاوض غير المباشر لترسيم الحدود البحرية، ومن أحد مندرجات اتفاق الإطارتجميد كل عمليات التنقيب في المناطق المتداخلة، ومنها كاريش القريب من البلوك 9، بحكم اتصال حقول النفط والغاز تحت المياه، وإمكانية تعرض مخزون أحدها للسرقة من خلال منصات استثمار الآخر، وخلال جلسات التفاوض التي عقدت في الناقورة، أكد المفاوض اللبناني هذا الطلب بالتجميد باعتباره شرطاً لسلامة العملية التفاوضية، ولقي هذا الطلب موافقة أممية  وأميركية، وتعهداً من جانب الوفد المفاوض لكيان الاحتلال بالتقيد والالتزام بتجميد كل شيء بانتظار نتائج المفاوضات.

من الزاوية القانونية الأمر لا التباس حوله، إن مجرد انعقاد طاولة التفاوض مباشرة كانت أم غير مباشرة يلزم الأطراف المتفاوضة بتجميد كل ما يسمى بالإجراءات الأحادية، ومن يتابع مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا يعلم أن الاعتراض المصري والسوداني يدور حول مبدأ الامتناع عن الإجراءات الأحادية وانتهاكه من الجانب الإثيوبي، وفي خصوصية الخرائط الجديدة التي اعتمدها الجانب اللبناني فإن النقاش لا يدور حول ما إذا كان النقاش حولها لا يزال داخل لبنان، فمن المعلوم أن المفاوضات تجمدت بفعل تقديم هذه الخرائط، ثم استؤنفت على قاعدة العلم بتمسك المفاوض اللبناني بها، ما يعني أنه ليس موضع التباس ما إذا كان الفريق الأممي والفريق الأميركي قد تبلغا بهذه الخرائط وتلقيا نسخاً عنها، واستطراداً ما إذا كان الجانب «الإسرائيلي» يعلم علم اليقين بأن أي استثمار في حقل كاريش يشكل حسماً من طرف واحد لنتائج المفاوضات، بالتالي إطاحة بها، ويعلم مثله الجانبان الأممي والأميركي.

من الثابت قانوناً من دون الحاجة لوجود مرسوم، وإيداعه لدى الأمم المتحدة بدلاً من الترسيم السابق، أن لبنان عبر وفد رسمي معتمد من حكومته وسلطاته الدستورية، تقدم بخرائط جديدة، ومن الثابت من محادثات المسؤولين الأممين والأميركيين مع المسؤولين اللبنانيين، بموجب محاضر رسمية موثقة، من أعلى المستويات الدستورية والعسكرية، أن هذه الخرائط معتمدة من الدولة اللبنانية ومتبناة من قبلها، وأن المفاوضات تتم وفقاً لهذا الوضوح، ومن الثابت بالتالي من الوجهة القانونية أن حق لبنان بتجميد كل إجراءات أحادية لا تشوبه شائبة، وأن مسؤولية الجانبين الأممي والأميركي كوسيط التحرك العاجل لوقف هذه الإجراءات الأحادية تحت طائلة إعلان نهاية التفاوض وفشله وتحميل الجانب الإسرائيلي المسؤولية، وكل كلام آخر تلاعب بالكلمات.

الإشارة واجبة إلى أن بعض التقارير الجدية تتحدث عن عدم وجود أي تحرك جدي نحو العودة للتنقيب المجمد في حقل كاريش، وأن الإثارة الإعلامية مصدرها أميركي لتحريك المفاوضات، وأن الجانب الأميركي في إطار التبدل الذي ظهر مع رفع الحظر عن استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سورية، يرغب بالتوصل لتفاهم سريع على الترسيم البحري وفتح طريق التنقيب عن الغاز والنفط تفادياً لتوتر قد يمنح حزب الله فرصة شبيهة بتلك التي نتجت من أزمة المحروقات، وفتحت طريق سفن المازوت الإيرانية عبر سورية، خصوصاً مع الإشارة الواضحة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إلى ملف النفط والغاز ووجود عروض إيرانية لاستخراج النفط والغاز من دون إقامة حساب للتهديد الإسرائيلي، بما يعيد للذاكرة أن قضية استيراد المحروقات من إيران بدأت بعرض للحكومة اللبنانية وتحولت في النهاية إلى قيام حزب الله بالمهمة.

تصوير لبنان في موقع الضعف في غير مكانه، ليس في قضية مرسوم الترسيم وحسب، بل في مجمل القضية، فمصدر القوة الذي يحرك المبادرات الدولية والإقليمية لا يزال يدفع بها نحو الإيجابية خوفاً من تصعيد يعرض «إسرائيل» للخطر، وكل اعتقاد بأن ثمة إمكانية لقيام الإسرائيليين بالتنقيب الأحادي، وتغطية الأميركيين لذلك ليس إلا وهم أو تهويل، لأن الاعتقاد الأميركي والإسرائيلي، وهو اعتقاد صحيح، يقوم على النظر لتهديد المقاومة بمنع أي عملية تنقيب أحادية تمس المناطق المتضمنة بالخرائط المعتمدة من الدولة اللبنانية، وتحذيره لكل شركة تقوم بذلك وكل شركة تأمين تتورط بتغطية العملية.

ما يجري سيناريو تمهيدي للعودة للتفاوض، خصوصاً أن رئيس الحكومة يسعى للاستعانة برعاية أممية بمكاتب خبرة تتولى التدقيق في مطابقة الخرائط المعتمدة من الأطراف المتفاوضة مع معايير القوانين الدولية، وورقة قوة لبنان القانونية متينة لمنع كل إجراءات أحادية، وورقة قوته الميدانية التي تمثلها المقاومة أقوى.

Related Posts

حزن ميقاتي وأربعة أسئلة في القانون الدولي مفاهيم تحدّد مسألة السيادة في قوافل المازوت

 ناصر قنديل

طرح كلام رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عن توصيف عبور قوافل المازوت الإيراني الذي استورده حزب الله وجلبه عبر الحدود السورية من دون الخضوع للإجراءات الحكومية، بالانتهاك للسيادة اللبنانية، سؤالاً عن مفهوم السيادة في قضية القوافل وعبورها، من الزاوية القانونية، وفقاً لمعايير القانون الدولي، لأنه ثمة ما هو معلوم من الزاوية السياسية بأن المقاومة لم تمتنع عن الالتزام بالخضوع للإجراءات الحكومية عبر الحدود، بل إن الحكومة هي التي فضلت عدم الانخراط في أي صلة بالقوافل تلافياً لإثارة أي التباس يوحي بشراكتها تفادياً لتعرضها للعقوبات الأميركية، كما هو معلوم أن كلام الرئيس ميقاتي عن انتهاك السيادة هو مقصد سياسي للقول إن الحكومة لم تكن على صلة، طلباً لذات الهدف، أي تفادي العقوبات الأميركية، ما يستدعي فحص ومعاينة المصطلح والتحقق من مدى ملاءمته للحالة التي نتحدث عنها توصيفاً واستنتاجاً.

السؤال الأول الذي يطرحه الموضوع هو طالما أننا لا نتحدث عن عقوبات دولية تحظر المتاجرة مع إيران أو عبر سورية، فما هو التوصيف القانوني للعقوبات الأميركية في حالة لبنان، والجواب نجده في معاهدة لاهاي التي تتحدث عن مفهوم الاحتلال، بصفته تعبيراً يتجاوز مجرد الوجود العسكري الأجنبي الذي لا يصبح احتلالاً إلا بمقدار ما يفرض مشيئته على الأرض التي توصف محتلة بذات نسبة سيطرة المشيئة الأجنبية على إجراءاتها وتدخلها في تغيير وجهة ممارسة السيادة عليها، فيصير السؤال هو، لو لم تكن هناك عقوبات أميركية، هل كان لدى الحكومة اللبنانية مشكلة في أن تتعامل بصورة سيادية مع القوافل، وهل أن الذي استولى على الصلاحيات السيادية للدولة وحل مكانها هو الأميركي الذي استولى على سلطة السماح والمنع أم المقاومة التي كانت جاهزة للخضوع للإجراءات الحكومية، وهل أن الحكومة لديها قرار سيادي يحظر الاستيراد من إيران وعبر سورية خرقته المقاومة، أم أن المقاومة خرقت قواعد الاستيلاء الأميركي على هذا البعد من القرار السيادي للحكومة؟

عندما  نوصف السيطرة الأميركية على القرار السيادي للدولة، بالاحتلال لأنه يتولى ممارسة سلطة على أرض ليست أرضه ويفرض عليها تشريعات ليست نابعة من السلطات السيادية الشرعية، يصير السؤال القانوني هل أن الحكومة بمؤسساتها السيادية قامت بما يلزم لردع هذا الاحتلال وتحرير بلادها منه، أم أنها خضعت أو تغاضت أو استسلمت أو أعلنت عجزها، وفي كل هذه الحالات التي لحظها القانون الدولي هل يصبح الاحتلال شرعياً، ويصبح التسليم بمشيئة الاحتلال قانونياً، والجواب قاطع بالنفي في كل المداولات والمناقشات الخاصة بحالة الاحتلال التي ينتهي البحث فيها باعتبار المقاومة التي تنظمها الشعوب بوجه الاحتلال لإسقاط مشيئته هي الرد القانوني المشروع والسيادي.

المقاومة المسلحة هي الجواب عندما يكون الاحتلال الذي يفرض المشيئة عسكرياً، وكسر المشيئة بذاتها بالتمرد على مندرجاتها كدعوة الشعب لرفض دفع الضرائب لسلطات الاحتلال هو نوع من المقاومة المشروعة، وفي حالة الاستيلاء الأميركي على السلطة السيادية للدولة في تحديد شروط المتاجرة والعبور، يكون كسر هذه المشيئة مقاومة مشروعة لا تقبل الاجتهاد، يزيده مشروعية تلكؤ الحكومة أو استسلامها أو تغاضيها أو عجزها أو خضوعها، بما يجعل التخلي الحكومي عن ممارسة الحق السيادي وارتضاء استيلاء الأجنبي عليه إطلاقاً لحق المقاومة المشروع باسترداد هذا الحق وفرض ممارسته من الشعب الذي تمثله المقاومة، كما في حال المقاومة العسكرية للاحتلال بالقوة العسكرية.

وفقاً للمفهوم القانوني للسيادة، الذي ينتهك هو صاحب العقوبات الذي نصب نفسه صاحب المشيئة في فرض القوانين بدلاً من السلطات الوطنية المحلية، ليصير قوة احتلال وفقاً للتعريف القانوني، وليست المقاومة التي تمردت على الإجراءات التي فرضها الاستيلاء على القرار السيادي للدولة وتلكؤ الدولة في مواجهة هذا الاستيلاء وخضوعها للمشيئة الأجنبية، بل إن المقاومة تصبح قانونياً الممثل الشرعي للشعب في ممارسة السيادة في إسقاط الاحتلال بصفته مشيئة أجنبية تفرض تشريعاتها على الأرض الوطنية للدولة من خارج الممارسات السيادية لمؤسسات الدولة وتشريعاتها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

بوتين والأسد يفتتحان المرحلة الجديدة

 ناصر قنديل
إدلب إلى الواجهة مجدّداً: هل يتكرّر سيناريو «M5»؟

يقدم الاجتماع الهام الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس السوري بشار الأسد في موسكو، تأكيداً جديداً على ما أظهرته أحداث السنوات العشر الماضية من إشارات لموقع ومكانة سورية في معادلات المنطقة، بعدما أريد لهذه الأحداث ان تمحو تلك المكانة التي حجزتها سورية على مدى عقود ماضية، وتكمن أهمية لقاء الرئيسين بوتين والأسد أنه يأتي في لحظة تقاطع جملة أحداث دولية وإقليمية وسورية، ليشكل نقطة انطلاق لمسار جديد ترتسم معالمه بسرعة بعد جمود امتد لسنوات في ملفات المنطقة منذ إعلان الانسحاب الأميركي من التفاهم النووي مع إيران، ضمن سياق تصعيدي لكسر جبهة المواجهة التي تضم روسيا والصين وإيران وسورية ودول وقوى آسيوية أخرى، جمعها السعي لكسر مشروع الهيمنة الأميركية على أكبر قارات العالم مساحة وسكاناً، والتي تختزن أكثر من نصف ثروات العالم وأكثر من نصف قدرات العالم العسكرية، فصمدت جبهة المواجهة ونجحت باحتواء عاصفة التصعيد.

خلال هذا العام ومع تسلم الإدارة الأميركية الجديدة، شهدت آسيا تكريساً لتفاهم القوى الصاعدة في آسيا على قطع الطريق أمام عروض الصفقات الثنائية التي توهمت إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن أنها سياسة قادرة على استعادة زمام المبادرة، وبدأت ملامح التسليم الأميركي بالفشل مع الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي تزامن مع انتقال دول وقوى محور المقاومة إلى الهجوم لكسر خطط الحصار الأميركية، فخرجت فلسطين منتصرة من معركة سيف القدس، وخرجت إيران بانتخاباتها الرئاسية تحمل راية القائد الجنرال قاسم سليماني بإخراج القوات الأميركية من المنطقة، وبلغ الملف النووي الإيراني مراتب علمية تضع واشنطن بين خيارات أحلاها مر، فإما تقبل بلوغ إيران اللحظة النووية الحرجة المتمثلة بامتلاك كمية من اليورانيوم المخصب على درجة عالية تكفي لتصنيع قنبلة نووية، أو الانكفاء عن الشروط وقبول العودة بلا شروط إلى الاتفاق النووي، وتوج هذا الهجوم المعاكس مشهد السفن الإيرانية التي استقدمها حزب الله تحت شعار السفن قطعة أرض لبنانية، لتنقلب واشنطن من خط الحصار إلى البدء بفك الحصار من باب التراجع عن بعض عقوبات قانون قيصر لتتيح نقل الغاز من مصر والكهرباء من الأردن عبر سورية إلى لبنان.

موسكو كانت على ضفة التلقي لكل هذه المتغيرات المتحركة، حتى جاءت زيارة المبعوث الأميركي الخاص بالملف الإيراني روبرت مالي إلى موسكو مدخلاً لإحداث النقلة في السياسات، فسورية هي حجر الرحى في معادلات المنطقة، وقد باءت كل محاولات تجاوزها بالفشل، بمثل ما فشلت خلال السنوات الماضية مشاريع إسقاطها وتفتيبها، فلا شام جديد فاعل بلا الشام، ولا قمة جوار العراق تنجح بلا الجار الأول، وواشنطن تعترف بفشل العقوبات في صناعة السياسة كما اعترفت بفشل القوة العسكرية بصناعتها وفقاً لتوصيف الرئيس بايدن لحاصل الحرب في أفغانستان، ويحضر العرض الروسي على طاولة المباحثات، تشجيع روسي لإيران للعودة إلى مفاوضات فيينا وإنجاز تفاهم تقني أولي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل التزام أميركي بالتخلي عن الأوهام التي عطلت التوصل لتفاهم في جولات فيينا يضمن العودة إلى الاتفاق الأصلي من دون تعديلات وشروط وإضافات، ودعوة روسية لواشنطن لحسم أمر الانسحاب من سورية لقوات أميركية تتواجد بصورة غير شرعية، لحساب تولي موسكو مواصلة الحرب على “داعش” وإدارة الحوار بين الجماعات الكردية التي ترعاها واشنطن والدولة السورية وتنشيط العملية السياسية، بما يفتح الباب لسقوط الذريعة التركية للبقاء في شمال غربي سورية. وجاءت المعارك التي خاضها الجيش السوري في منطقة الجنوب، والتي انتهت بدخوله إلى درعا تحت نظر قاعدة التنف لتقول لجميع الجماعات الموهومة بالإسناد الأميركي أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن بسط سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها تنطلق.

يدرك الأميركيون معنى فقدان المشروعية الداخلية والخارجية للبقاء في سورية والعراق بعد انسحابهم من أفغانستان، بعدما فقدوا شرعية هذا البقاء في العراق بعد مطالبتهم من مجلس النواب العراقي بالانسحاب، بينما لم يملكوا شرعية وجودهم في سورية يوماً، كما يدرك الأميركيون أن فترة السماح المتاحة أمامهم لإعلان الانسحاب لن تطول قبل أن تبدأ عمليات المقاومة باستهدافهم، ويدركون أن المخرج المتاح بأقل الخسائر هو تظهير الانسحاب من سورية كحلقة من حلقات تقاسم مهام الحرب على الإرهاب مع روسيا، وإظهار نية التشارك مع موسكو في الدفع باتجاه تنشيط فرص الحل السياسي في سورية على قاعدة التراجع التدريجي عن العقوبات وفكفكتها لحساب توفيرالتمويل لإعادة النازحين وإعادة الإعمار، كما قالت دراسة الدبلوماسي الأميركي السابق الخبير بشؤون سورية جيفيري فيلتمان، ونصائح السفير الأميركي السابق لدى سورية روبرت فورد.

مرحلة جديدة في المنطقة ستبدأ من سورية، وفرص يمكن أن يلتقطها، ويفترض أن يلاقيها بعض العرب واللبنانيين كي لا يظهروا مجرد صدى للصوت الأميركي.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

شكراً حسان دياب… شكراً حمد حسن

See the source image

المصدر

من الظلم والإجحاف حصر أسباب عدم تمكن حكومة الرئيس حسان دياب من النهوض بأعباء الأزمة بتحميله المسؤولية، والكلّ يعلم أنّ الحصار الخارجي والداخلي قطع على الحكومة أغلب الطرق التي يجب اعتمادها، وان الدفع لتصعيد الأزمة حتى بلوغ الإنهيار كان أكبر من طاقة ايّ حكومة في ظلّ حجم الاستنفار الخارجي والداخلي لأخذ لبنان إلى القعر أملاً بخروج اللبنانيين على المقاومة يحمّلونها مسؤولية الانهيار، وليس خافياً انّ هذا الاستنفار شكّل سبب منع قيام حكومة لأكثر من سنة، ولولا التبدّل الناجم عن قواعد الإشتباك الجديدة التي فرضتها سفن الحرية التي أطلقتها المقاومة لنقل المحروقات من إيران لما تبدّل الموقف وفتح طريق ولادة الحكومة.

See the source image

الشكر للرئيس حسان دياب لأنه تجرّأ على قبول تحمّل المسؤولية عندما كان هناك قرار خارجي وداخلي بالحصار وفرض الفراغ، والشكر لأنّ أحداً لا يستطيع وسم مرحلته بأيّ تورّط بتهم الفساد، وأنّ الجريمة التي يلاحقونه بها هي تمرّده على الإملاءات الأميركية والتشوّف الفرنسي وانتفاضته لوطنيته اللبنانية، وانّ الذين يتفلسفون اليوم بنظريات إقتصادية ومالية عن الخطة التي طرحتها حكومته، مجرد أدوات حماية للمصارف التي نهبت الودائع وأساءت الأمانة، ومجرد سماسرة للبنوك الخارجية التي صدمها قرار التوقف عن سداد سندات اليوروبوند.

See the source image

الشكر واجب أيضاً للوزير حمد حسن، وقد قدّم مثالاً نموذجياً في الأداء القائم على نخوة البذل والتضحية، وتحلى بالمنهجية العلمية والجدية والحرفية في مواجهة جائحة فشلت أمامها وزارات الصحة في دول عظمى تتمتع بإمكانات هائلة ولا  تواجه أزمات انهيار كالتي يواجهها لبنان، خصوصاً في فترة تصريف الأعمال عندما بقي شبه وحيد يتحمّل المسؤولية في وزارته مع عدد محدود من الوزراء لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة، وكل ما يمكن ان يؤخذ عليه ويسجل من ملاحظات يتصل بعفويته في التعبير، عن أداء يتسم بالجرأة والتواضع والصدقية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

العودة إلى الاتفاق النووي… بلا شروط

 ناصر قنديل

  رغم الكلام الفارغ الصادر عن المسؤولين الأميركيين، تحت عنوان أنّ واشنطن لن تواصل التفاوض حول الملف النووي الإيراني إلى ما لا نهاية، وعن خيار التخلي عن الاتفاق النووي، أو عن وجود بدائل للعودة إلى الاتفاق، يعرف كل مسؤول في واشنطن وتل أبيب والرياض وباريس ولندن وبرلين أن ليس في جعبتهم شيء غير العودة إلى الاتفاق، وأنّ كلّ الطلبات الإضافية كأثمان للعودة، سواء في الملفات الإقليمية أو ملف الصواريخ أو إبقاء بعض العقوبات، سيعني عدم العودة، كما يعرفون أنه عندما تقول إيران إنها لن تواصل التفاوض إلى ما لا نهاية وإن لديها بدائل للاتفاق، فيجب أن يأخذوا كلامها على محمل الجد، ذلك أن الزمن يفعل لصالح إيران، وفقاً لما يقوله الأميركيون والإسرائيليون وما قاله بالأمس مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عن أنّ إيران تستثمر الوقت لمراكمة المزيد من اليورانيوم المخصّب بنسب عالية يجعلها أقرب لما يسمّونه بالحظة النووية الحرجة، وهي لحظة امتلاك ما يكفي لإنتاج قنبلة نووية.

بالتوازي لا يملك الأميركيون والأوروبيون سوى إغواء رفع العقوبات لتحفيز إيران لقبول العودة، والالتزام بموجباتها المنصوص عليها في الاتفاق، خصوصاً أن إيران التزمت منفردة لسنتين بالاتفاق في ظل الانسحاب الأميركي بلا سبب أو مبرّر كما يقول جميع الشركاء الآخرين بمن فيهم الأوروبيون ووكالة الطاقة الذرية والأمم المتحدة عدا عن الصين وروسيا، والعودة عن العقوبات اليوم هي إعلان العودة إلى الاتفاق من الجانب الأميركي لامتلاك مشروعية مطالبة إيران بالعودة المماثلة، ووفقاً لما يقوله الأميركيون و»الإسرائيليون» أيضاً فإنّ رفع العقوبات عن إيران لم يعد يملك ذات السحر الذي كان يملكه قبل ست سنوات يوم توقيع الاتفاق في مثل هذه الأيام، حيث كانت العقوبات صادرة عن الأمم المتحدة، وهذا قد سقط إلى غير رجعة، وفتح أمام إيران الطريق لحلول اقتصادية ومالية عديدة، لم تنجح العقوبات الأميركية بتعطيلها، فالمتاجرة بين إيران وروسيا والصين وتركيا وباكستان واليابان وكوريا الجنوبية والعراق  وسواها من الدول، بقيت تجد بدائل لها تتفادى العقوبات الأميركية، فيما نجحت إيران بتطوير صناعات نفطية أضعفت حاجتها لتصدير النفط الخام، كما نجحت بتطوير اقتصادها لتفادي حجم الاقتصاد الاستهلاكي والريعي لحساب الإنتاج.

عندما تقول واشنطن إنها تستعجل العودة إلى الاتفاق النووي تسهيلاً للتفرغ لمواجهة الصين، فهل تنتظر من الصين أن تقف مكتوفة الأيدي، وهي تعلم وتقول إنها تعلم، أن الاتفاق الاستراتيجي الاقتصادي بين الصين وإيران أفقد العقوبات الأميركية فعاليتها، وأسقط قيمة العودة للاتفاق النووي بالنسبة لإيران، وجعل عائداته مجرد مكاسب إضافية لا يجوز إضاعتها، لكنها لا تستحق القتال من أجلها، فيما تعرف واشنطن أن الضفة الدولية الموازية للاهتمام الأميركي بالمواجهة التي تمثلها موسكو باتت شريكاً استراتيجياً لطهران في العديد من السياسات الإقليمية، التي تجعل الحفاظ على إيران قوية موضع اهتمام صيني- روسي، لا يمكن للأميركي تبديله لا بالإغراءات ولا بالتهديدات لكل من الصين وروسيا.

الكلام الأميركي عن بدائل يعني شيئاً واحداً هو العودة إلى خطة الرئيس السابق دونالد ترامب التي صعد الرئيس جو بايدن على قاعدة القول بأنها خطأ جسيم، وأنه في ظلها طوّرت إيران نظام الصواريخ وطوّرت قوى المقاومة مزيداً من الحضور، وتمّ اختصار المسافة عن اللحظة النووية الحرجة من سنة إلى بضعة أسابيع كما قال كل من وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان والمبعوث الأميركي الخاص روبرت مالي مراراً، أما الرهان على الخيار العسكري، فهل من عاقل يتخيّل أنّ أحداً يأخذه على محمل الجد في ضوء المشهد الأفغاني، والتلويح بالاعتماد على ضربات «إسرائيلية» يبدو مجرد مزحة سمجة في ضوء الكلام «الإسرائيلي» والمؤيد أميركياً بأن إيران وقوى المقاومة في وضع تفوّق استراتيجي، وفائض قوة يتيح تحويل أي تحرش «إسرائيلي» جدي إلى مبرر لمواجهة شاملة لن تكون نهايتها في صالح «إسرائيل».

مرة أخرى كما كانت الحال عليه قبل ست سنوات، لا بديل للاتفاق مع إيران إلا الاتفاق مع إيران، ومضمون الاتفاق عودة غير مشروطة عن العقوبات، على قاعدة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي من دون الرهان على متغيرات وتحوّلات، هي في غير صالح الثنائي الأميركي «الإسرائيلي».

مقالات متعلقة

فلسطين ترسم إيقاع المنطقة

ناصر قنديل

  يتوهّم كثير من المسؤولين في العالم والمنطقة أن الملفات التي يقومون بنقاشها، والسياسات التي يتولون رسمها هي ما يحدد إيقاع الأحداث المقبلة، فمنهم من يعتبر العودة إلى التفاوض حول الملف النووي الإيراني الإشارة الأهم لرسم طريق الاستقرار، ومنهم يعتبر أن تفاهماً روسياً أميركياً حول سورية قد يكون التطور الذي يحكم ما عداه، ومنهم من يعطي الأولوية للحوار الجاري بين السعودية وإيران بصفته المدخل الأبرز لتغيير وجهة العلاقات السياسية وعبرها إيقاع الأحداث في المنطقة، ومنهم من ينظر لما سيلي قمة بغداد على مسار العلاقات العربية والإقليمية مع سورية باعتبارها التحول المعاكس للمسار الذي بدأ قبل عشر سنوات وتسبّب بالاضطرابات التي شهدتها المنطقة، فيغلق المسار ويعكس الاتجاه نحو استعادة التوازن والاستقرار.

كلّ ذلك مهمّ بالتأكيد لكنه يتجاهل حقيقة وجود مسار انفجاري قادم له عنوان واحد هو فلسطين، ولا يوجد ما يستطيع وقفه، وفي حال حدوثه فلا شيء سيبقى على حاله في المنطقة، والانفجار في فلسطين لا يبدو مساراً للمستقبل البعيد ولا المتوسط بل للمستقبل القريب والقريب جداً، فحال الاحتقان ترتفع كل يوم، وما يجري في انتفاضة الأسرى والتفاعل الشعبي معها قد يكون شرارة الانتفاضة المقبلة، ولا يقابلها على مستوى الإجراءات والسياسات في كيان الاحتلال إلا ما يزيد فرص الاشتعال، حيث قيادة الكيان تنطلق في سلوكها ومواقفها من انسداد سياسي وعجز عسكري يضعانها في خانة السعي لاسترضاء المستوطنين ومجموعات التطرف التي تحوّلت منذ سنوات إلى قلب صناعة السياسة وتوازنات الانتخابات في الكيان، مع ضمور وتراجع كل الجماعات الأخرى، بينما على المقابل الفلسطيني فلا ثقة بكلّ حديث عن التفاوض، ولا قبول لكل مفاعيل التنسيق الأمني، وغضب وسخط على سلوك قيادات السلطة متصاعد منذ اغتيال الناشط نزار بنات، ويقين بأنّ المواجهة هي الوصفة الوحيدة لمنع العدوان وتخفيف ثقل قبضة الاحتلال، منذ نتائج معركة سيف القدس وما ظهرته من موازين للردع، واعتقاد بأن اللحظة الدولية المتميزة بالتراجع الأميركي فرصة لا يجب تفويتها، خصوصاً بعد الانسحاب من أفغانستان، والمناخ الإقليمي يسجل صعوداً مؤكداً لصالح محور المقاومة، خصوصاً بعد التأكيدات التي قدّمتها تجربة سفن المقاومة لفك الحصار والتراجع الأميركي- «الإسرائيلي» أمامها.

لحظة الانفجار الآتية حكماً ستتكفل بصناعة اصطفافات تغير وجهة كلّ ما يمكن فعله لصناعة الاستقرار في الملفات التي يعتقد المسؤولون الحكوميون أنها بوابات السيطرة على توترات المنطقة، فلا العودة إلى الاتفاق النووي بين أميركا وإيران، ولا عودة سورية إلى الجامعة العربية، ولا علاقات جيدة بين السعودية وإيران، أو بين واشنطن وموسكو، ستحول دون انقسام المنطقة والعالم حول فلسطين، فعلى الأقلّ لن تستطيع واشنطن ترك تل أبيب تتلقى الصفعات المؤلمة وحيدة، وليس وارداً بالنسبة لطهران ودمشق مجرد التفكير بالمساومة على اللحظة التاريخية الموعودة لنهوض فلسطيني قادم، والإيقاع الذي سيفرضه الحدث الفلسطيني هو الذي يفسّر التباطؤ في الخطوات المطلوبة في المسارات التقليدية نحو الاستقرار، ذلك أن واشنطن وحلفاءها يتساءلون عما إذا كان كلّ انفتاح وتقدم في العلاقات مع محور المقاومة سيتحوّل إلى جوائز مجانية إذا انفجر المشهد الفلسطيني، وليس خافياً حجم السعي لمحاولات مقايضة أيّ تقدم في مسارات الانفتاح السياسي بالحصول على ضمانات تتصل بأمن كيان الاحتلال، بينما لا يمكن تفسير ثبات وتشدّد حكومات وقوى محور المقاومة إلا من باب الحرص على التمسك بإيصال هذه الرسائل للداخل الفلسطيني بأن فلسطين ستبقى البوصلة التي تحدد الخيارات، والتي لا تقبل المساومة.

قد تتحرّك بعض المسارات السياسية ولكن الأرجح أن بلوغها نهايات حاسمة قد لا يكون متاحاً من بوابة مفاجأة فلسطينية كبرى مقبلة، وربما تكون المنطقة وتوازناتها بحاجة لجولة مواجهة تعيد ترسيم موازين القوى كمدخل للتفاوض المقبل بعدها وليس قبلها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أبعد من نفق الحرية… معادلات جديدة

8 سبتمبر/ أيلول 2021

ناصر قنديل

عملية نفق الحرية التي نفذها القادة الأسرى الأبطال ليست بلا سياق كي نتوقف في قراءتها عند حدود البطولة والعزم والإرادة، كعناصر تختزنها العملية وتعبر عنها بقوة من جهة، فيما تعبر من جهة أخرى، عن حال الاهتراء والضعف والتراجع في حال كيان الاحتلال ومستوى جاهزية وتفوق إجراءاته الأمنية، وتطعن بفعالية مؤسساته العسكرية والاستخبارية والإدارية والقضائية في ردع المقاومين الفلسطينيين، وتقديم السجن المؤبد كنهاية حتمية لجيل المقاومين القادة، إعلاناً بإخراجهم نهائياً من حلبة الصراع، فالعملية التي نفذها قادة مقاومون أصحاب رؤية ودور فاعل في رسم سياق النضال الوطني الفلسطيني، تأتي في سياق فهمهم لتنامي هاتين المعادلتين، معادلة تعبّر عن القوس الصاعد بثبات لحضور الشعب الفلسطيني ومقاومته، ومعادلة تعبّر عن القوس الهابط بثبات أيضاً، لحضور وفعالية المؤسسة العسكرية والأمنية لكيان الاحتلال، بصفتها العصب الوجودي لهذا الكيان.

تأتي العملية ضمن سياق متلاحق على إيقاع سريع لوجهة واحدة، هي وجهة هذا الصعود والتألق في حضور الفلسطينيين شعباً وناشطين ومقاومة مسلحة، لفرض معادلات بدأت مع انتفاضة شباب القدس وحي الشيخ جراح والحضور في المسجد الأقصى، لتتوّجها صواريخ المقاومة الرادعة لحماية المقدسات، والتي انتهت بمواجهة سيف القدس التي كسرت خلالها مهابة ردع جيش الاحتلال لتحل مكانه عبر الصواريخ التي أحيت ليل تل أبيب معادلة الردع الفلسطينية، وبالتوازي تزامنت المواجهة مع ظهور عامل خطير تمثل بنهوض ظاهرة شباب الأراضي المحتلة العام 48 وإسقاط لمعادلة توصيفهم بـ»عرب إسرائيل»، وإعادة إنتاج موقعهم الحاسم في النضال الوطني الفلسطيني، على قاعدة رفض الاحتلال والاستيطان، وبعد تثبيت معادلة سيف القدس تواصلت حركة فلسطينيي الداخل، بصفتها تعبيراً عن توازن جديد غير قابل للكسر، وظهر المستوطنون في حال تراجع مع عمليات الهجرة التي سجلتها المدن والبلدات المختلطة بالنسبة لعشرات العائلات اليهودية، بما أعاد إحياء الصورة الأصلية لهذه البلدات والمدن، كجزء من الجغرافيا الفلسطينية، كما وصف نواب الجماعات المتطرفة للمستوطنين في مداخلاتهم تحت قبة الكنيست ما جرى في مدينة اللد، وترافق هذا المشهد المزدوج بين غزة والأراضي المحتلة عام 48 بحركة نضالية متصاعدة وثابتة الحضور في بلدات جوار القدس بوجه المستوطنين وامتدت إلى الضفة الغربية بتعبيرات مختلفة كانت أبرزها مواجهة بالسلاح في جنين سقط فيها أربعة شهداء، أعقبتها الطلقة الفلسطينية من مسافة صفر التي قتلت القناص الإسرائيلي في فوهة جدار غزة، وما تركته من تداعيات على صورة الآلة العسكرية الإسرائيلية أمام النهوض الفلسطيني الجديد، وفي تحول ربما يكون الأهم على الصعيد السياسي جاء التراجع الكبير في صورة السلطة الفلسطينية شعبياً، مع تحركات تشكك بوطنيتها وشرعيتها، مسجلة تحولاً جديداً لا يقل أهمية عن التحولات الموازية، وهو سقوط الشرعية الشعبية عن التنسيق الأمني الذي يربط أجهزة الاحتلال مع أجهزة السلطة الفلسطينية، وكانت الذروة مع استشهاد المقاوم نزار بنات، والانتفاضة التي رافقت استشهاده، بوجه السلطة وأجهزتها، من بوابة عنوان عريض لا للتنسيق مع الاحتلال ، ما حدا بالعديد من مسؤولي الأمن والاستخبارات والمحللين والخبراء الأمنيين في كيان الاحتلال للتحذير من خطورة انهيار السلطة وأجهزتها، أمام عجزها عن تحمل تبعات التنسيق الأمني والأحمال التي يرتبها على السلطة، مسجلاً سقوطها الأخلاقي بعيون الفلسطينيين، في ظل الغياب الكامل لكل المشاريع السياسية التي كانت تشكل غطاء تبرير التنسيق وتشرعنه، وظهور وعي فلسطيني ينظر بعين الريبة لكل وعود جديدة تطرح على هذا الصعيد، سواء في ظل حكومة بنيامين نتنياهو أو حكومة نفتالي بينيت.

الذي يمنح هذه التحولات قيمة استراتيجية واستثنائية، ويجعل عملية نفق الحرية تزخيماً لمسار يبشر بلحظة نوعية قادمة حكماً، هو أنها تجري في مناخ دولي وإقليمي مليء بالمتغيرات التي تسير بالاتجاه ذاته، اتجاه التراجع لكيان الاحتلال وحليفه وداعمه الأول الذي تمثله الهيمنة الأميركية على المنطقة والعالم، فتحت ظلال معادلة القدس تعادل حرباً إقليمية أنجز تكامل التنسيق بين قوى وحكومات محور المقاومة، وتحت عنوان سفن المقاومة لجلب المحروقات من إيران إلى لبنان أرض لبنانية فرضت معادلة الردع في البحار على الكيان، وتحت عنوان مشابه دعت المقاومة للبدء بالحفر والتنقيب عن الغاز والنفط تحت حماية صواريخها، وجاء الانهزام غير المسبوق للأميركي في أفغانستان وما رافقه من ذل، لم تنجح محاولات التمويه والتغطية بتحويله إلى انسحاب منسق يتم تسويقه بصفته علامة مهابة القوة العظمى، فجاء مقتل الجنود المغادرين وإصرار الإدارة الأميركية على مواصلة الانسحاب قطعاً لكل جدل حول الهزيمة المحققة التي تمثل طليعة خروج أميركي من آسيا، لم يعد ممكناً تفاديه، وترجمت العملية العسكرية السورية في منطقة درعا الواقعة تحت أنف قاعدة التنف وعلى حدود القواعد الأميركية في الأردن والعراق والحدود مع الجولان المحتل، أكبر اختبار للحقائق الجديدة وأهم إثبات طازج على المعادلات التي ترسمها، ولم يكن الكلام الأميركي الذي ترجم بخطوات عملية لفتح الطريق لرفع العقوبات التي يفرضها قانون قيصر على استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري إلى لبنان عبر سورية، إلا تعبيراً عن محدودية هوامش المناورة المتاحة أمام الإدارة الأميركية في مواجهة تمدد مساحات معادلات الردع التي ينقلها محور المقاومة من مدى إلى مدى جديد، كما فعلت سفن المقاومة بنقل معادلة الردع إلى البحار، فوجد الأميركي اضطراراً أن القبول بتثبيت نتائجها في البر، رد للضرر الأعلى بالضرر الأدنى.

عملية نفق الحرية تأتي لتتوج هذا السياق المتسارع، تأكيداً لثنائية، مناخ فلسطيني جديد يشمل الشعب وفصائل المقاومة والنشطاء والنخب وشباب وصبايا الجيل الرابع، يرتكز على الشعور بالقوة، مفعم بالحيوية، مليء بالمبادرات، غير قابل للاحتواء، غير آبه بالتضحيات، قادر على فرض المعادلات، يتحرك تحت عنوان كل فلسطين لنا، ويضع السلطة بين خيارات صعبة، وكيان الاحتلال بين خيارات أصعب، وبالمقابل كيان مترهل، يشعر بالضعف، يتشظى سياسياً ويتراجع أمنياً، لا يملك هامش الاختيار للمناورة بين حرب يخشاها، وتسوية لا يقدر على رفع فواتيرها بما يجعلها قابلة للتداول، فهو بين شاقوفي مقاومة شعبية وعسكرية متصاعدة واثقة من أن كل معركة تقربها شوطاً من تحقيق أهدافها، ومستوطنين يزدادون تطرفاً وتوحشاً وشكوكاً بصدقية حكوماتهم، وهو عالق في منتصف الطريق بين مواجهة هذه الروح الفلسطينية الجديدة، فلا يجرؤ على تحديها والمضي في التحدي حتى النهاية، وبين التعامل مع عدمية وعبثية التطرف الاستيطاني الذي يشكل البيئة الانتخابية لصاعة السياسة، لا يجرؤ على تخطيها والقفز فوقها لإطلاق مبادرات سياسية تتجاوز الكلام الإنشائي الفارغ.

لحظة دراماتيكية لتلاقي هذا القوس الفلسطيني الصاعد وهذا القوس الإسرائيلي الهابط ستشعل المنازلة الشاملة، وتنشئ حقائق جديدة تشبه لحظة ولادة التحرير في غزة، لتشق الطريق نحو مسار تراكمي جديد، يضع الكيان بين خياري المضي في حرب شاملة قد تكون آخر حروبه، أو التساكن مع متغيرات تزيد هزاله وتعمق حال التراجع الاستراتيجي، وتمنح خيار المقاومة مساحات إضافية في توازن الردع والتحرير، على قاعدة معادلة «القدس أقرب»، والمعادلة التي سبقتها «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت» التي جاءت عملية نفق الحرية أبرز تجسيد حي لحضورها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

جلبوع ليس زمانك فارحل

 ناصر قنديل

جلبوع ليس زمانك فارحل

زمانك محلّ أمحل

فات زمن الكلمات الباردة

وجاء زمن الثوار والأرواح الصاعدة

فالحب نبض جمال وروح

والحب قضية تبحث عن نصر

والحب سجين ينتظر فكّ الأسر

كلّ قضية تحتاج نفقاً للحرية

أن تبني نفقاً… والأنفاق تُبنى ولا تُحفر

 تعضّ على الجروح

والجرح لا يخدّر

تمضي سنوات

سرّ لا يشهر

 تنظيم من تنظيمات

****

هيئة أركان حرب… والحرب سجال

النفق صغير يكبر

فتحته الأولى كشرارة نار في حقل هشيم

أن تكتب نصف مقال

وتبحث عن حرف الميم

قال عضاضة وجهتنا الجولان

وقال نفيعات جنوب لبنان

 فرد زبيدي ما بينهما

وأعاد بشبك الأيدي يتلو القرآن عليهما

واعتصموا حتى جاء الفتح

نحفر للقمة من تحت السفح

وقال العارضة الثاني يا كمامجي هات السكين

 فبناء النفق عجين الهمة وخبز حنين

أتلو آيات جنين

وملح العزم وخميرة آيات النصر

في الليل نناوب حفراً ونصلي الفجر

وفي الظهر جماعة نكتب آيات الحفر

****

أن تبني نفقاً للحرية في جلبوع

يعني أن تملك خبزاً في زمن الجوع

من قال إنّ المقاومة ليست نفقاً

أعمى لا يملك أفقاً

كلّ الدنيا جلبوع متصل بجلبوع

وسجانك جربوع يحرسه جربوع

وكلّ مقاومة تتصل بصبح النصر بشعاع

نفق يبنيه الثوار… محفوف بالأوجاع

بقعة ضوء في الآخر هي حلم هم صنعوه

لمعة فكرة

بذرة

في ليل الحلم قالوا صارت شجرة

صار الورق الأخضر

صارت ثمرة

حلم في ليل أثمر

إنّ الثورة حلم مكتوب بالدم

اكتب يا جربوع وتجرّع هذا السم

سقط السجن مع السجان

سقطت خزنة جلبوع

سقط الخوف سقط الجوع

سقط في قعر الحفرة سجان

سقط كيان

يصرخ بيسان

****

اكتب يا جربوع

عاد الشعب إلى الثورة

فلسطين عادت حرة

العودة ليست موعداً

النار هي الموقد

الثورة هي الثوار

الثورة نفق الحرية

اكتب يا جربوع

نفق يبنى حبة رمل تتلو حبة

هيكل سليمان خرافة بلا قبة

نحو القدس يأخذنا الحلم من دون نفق

 نأتيها متى شئنا في الفجر أو الغسق

اكتب يا جربوع سقطت جلبوع

ينتصر الثوار وتنتصر الثورة

دفعوا مهر الحرية أسناناً تحفر في الصخر

وكانوا حراساً للحق وليسوا حراساً للحفر

وكان الحلم كبيراً وكان طول النفق

الحفر عميق والفكر أعمق

 اكتب يا جربوع سقطت جلبوع

سقط كيان أبتر

انتصر الشعب الموجوع

 الله أكبر…

اسئلة لا يجرؤ جماعة أميركا على طرحها حول العلاقة بسورية


أيلول 6 2021

يخبرنا جماعة أميركا في لبنان عن كونهم جماعة السيادة الأقحاح، وحماة الاستقلال، ويقدمون علاقاتهم الخارجية وفي طليعتها العلاقة بواشنطن بصفتها ركيزة في ترجمة هذا التوجه السيادي، ولسنا هنا لمحاكمة مدى انطباق مفاهيم السيادة والاستقلال على مزاعم هذا الفريق وعلاقته بالأميركيين وغير الأميركيين، بل للتساؤل في ضوء الموقف الأميركي المستجدّ من العلاقة اللبنانية السورية عما إذا كان هؤلاء السياديون والاستقلاليون يجرؤون على توجيه أسئلة بنكهة سيادية للسفارة الأميركية والمسؤولين الأميركيين.

طوال سنوات كان يخبرنا هؤلاء ما يقوله الأميركيون عن وجوب تحريم أيّ علاقة بسورية، سورية الرئيس بشار الأسد التي نعرفها ويعرفونها، والتي لم يتغيّر شيء فيها منذ  عشر سنوات أرادوا خلالها للبنان قطع شرايين علاقته بسورية، وهي سورية التي كنا نقول منذ بدء مسار الانهيار اللبناني قبل سنتين انّ استعادة العلاقة الأخوية معها تشكل ركيزة لمعالجة أزمات لبنان، وكنا نقول انّ الحصار الأميركي على سورية يستهدف لبنان كما يستهدفها، كانوا يردّدون ما يقوله الأميركيون انّ سورية والمقاومة مصدر للأزمة ويفبركون الأخبار عن مسؤوليتها عن التهريب الذي كانوا ولا يزالون، كما تقول الوقائع اليوم، أسياده، فهل يسألون الأميركي اليوم ما هو الذي تغيّر؟

انْ كانت العلاقة بسورية خير للبنان وحاجة لا غنى عنها خصوصاً في ظلّ الأزمات الصعبة، وكلّ حلول لهذه الأزمات يجب ان تمرّ بسورية، فلماذا حرمنا الأميركيون من هذا الخير طويلاً حتى كدنا نموت اختناقاً، وهم يقولون لنا انه يمكن مع القطيعة مع سورية مواجهة المشكلات، بل عبر القطيعة نفسها؟

انْ كانت العلاقة بسورية تؤذي لبنان كما قالوا، وهم اليوم يوافقون عليها لتفادي ظهور المقاومة بصورة المنقذ للبنان واللبنانيين، فهذا يعني انّ لبنان لا يعنيهم ولا مصالحه تهمهم، وكلّ ما يعنيهم لعبتهم السياسية ولا يرون لبنان وشعبه إلا وقوداً لهذه اللعبة.

انْ كانت العلاقة بسورية في الماضي ممنوعة  كجزء من الرهان الأميركي على إسقاطها، وقد سقط هذا الرهان فباتت العلاقة خارج المحرمات،  فلماذا تمّ استعمال لبنان الصغير كمجرد ساحة وأداة لخوض الصراعات لحساب مصالح دولة كبرى تدّعي الصداقة والحرص زوراً.

انْ كانت العلاقة مع سورية أصبحت حلالاً فهل هذا يشمل المحروقات الإيرانية عبر سورية، خصوصاً انّ المحروقات الإيرانية التي لا تستنزف العملات الصعبة يمكن ان تشكل مخرجاً مناسباً من الأزمات الضاغطة على لبنان.

طالما أنّ العلاقة مع سورية لم تعد من المحرمات وطالما بات مشرعاً استجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر عبرها فهل يشمل ذلك النفط العراقي الذي يضخه أنبوب ضخم إلى لبنان منذ عقود طويلة ولا يحتاج إلا لبعض التصليحات ويتكفل بتغطية حاجات لبنان وتشغيل مصفاة طرابلس.نحب ان نتفاءل بأن تصحو روح السيادة لدى هؤلاء اللبنانيين فهل نحلم؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: