عملية أرامكو… ومقايضة ساحات الاشتباك

عملية أرامكو… ومقايضة ساحات الاشتباك

سبتمبر 17, 2019

ناصر قنديل

يكفي ما قدّمه الأميركيون والسعوديون من وصف لعملية أرامكو لمعرفة التطوّر النوعي الذي مثّلته في الاشتباك الكبير القائم بين واشنطن ومن خلفها كل جماعاتها من جهة، ومحور المقاومة من جهة مقابلة. فهي تعريض الأمن والسلم الدوليين للخطر، وتهديد للاقتصاد العالمي، ومصدر لخطر خراب خدمات أساسية في السعودية كتأمين الكهرباء والماء والغاز والمشتقات النفطية، وهي سبب لتدهور أسواق الأسهم وارتفاع أسعار النفط، ولعجز السعودية عن ضخ ما يلزم لاستقرار هذه السوق ما استدعى أوامر الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام الاحتياطي الاستراتيجي لمنع حدوث أزمة نفطيّة.

يمكن تفهم صعوبة تقبل الأميركيين والسعوديين لكون أنصار الله قد نجحوا بتنفيذ ضربتهم النوعية، وامتلكوا جرأة الإقدام عليها. فالضربة قاسية ومؤلمة ونوعية، وقبول أن أنصار الله وراءها يضع أميركا في موقع الفشل الكبير في حماية سوق الطاقة العالمي من الاضطراب، وقبول أن مَن أفشلهم هو بعض شعب محاصر منذ سنين يعني إتهامه بتهريب الأسلحة فشلاً في الحصار، والقبول بقدرته على التصنيع، تمجيداً لمكانته ومعنوياته ومقدراته. وقبول قدرته على خرق منظومات الرادار والصواريخ والمخابرات، إعلان هزيمة مدوّية لمنظومة تكلّف مئات مليارات الدولارات، يصعقها اليمنيون بمنظومة لا تكلّف إلا آلاف الدولارات، مضافاً إليها عامل تثقيل بستة أصفار هو الإرادة. والقبول بالتالي بأن إثارة قضية الأمن السعودي مشروطة بأمن اليمن وما يعنيه من وقف للعدوان والحصار.

الهروب الأميركي نحو اتهام إيران، لن يحسّن حال المعنويات الأميركية والسعودية إلا مؤقتاً باعتبار مَن استهدف أمنهم وقام بهزه وإفشاله، دولة كبرى في المنطقة وليست حركة فتيّة محاصرة، ويجنبهم ربط وقف الاستهدافات للأمن السعودي والنفطي بوقف العدوان والحصار على اليمن، لكنه سيطرح تحديات من نوع آخر، فهو يقول إن إيران أطلقت صواريخ كروز، وهذا يعني أن الحجة القديمة عن صعوبة ملاحقة الطائرات المسيّرة بالمنظومات الدفاعية الصاروخية يفقد معناه، طالما أن هذه المنظومة مصمّمة لمواجهة صواريخ الكروز، فماذا يعني فشلها؟ وهو يقول إن إيران تستفز واشنطن لاستدراجها إلى حرب، فماذا ستفعل واشنطن؟

الحقيقة أن محور المقاومة ككل، يدرك أن واشنطن وحلفاءها اختاروا ميداناً للمواجهة يملكون التفوق فيه وهو الحرب المالية، هرباً من ميدان قالت مواجهات السنوات الماضية إن محور المقاومة يتفوّق فيه وهو ميدان المواجهة العسكرية، لذلك يجب أن يعلم الأميركيون ومَن معهم أن محور المقاومة بكل مفرداته ومكوّناته، يذهب بوعي لإشعال ميدان المواجهة العسكرية، وصولاً للحظة مقايضة ساحات الاشتباك، وقف الحرب المالية مقابل وقف الحرب العسكرية، أو دخول الحربين معاً، فيربح المحور واحدة ويخسر واحدة، لكن خسارة واشنطن للحرب العسكرية ستسقط معها أشياء كثيرة سيكون مستحيلاً بعدها الحديث عن مكان لواشنطن وجماعاتها، ولتفادي ذلك عليها أن تصل لتسوية في الإثنتين، فتتفادى واشنطن وجماعاتها كأساً مرّة في الميدان العسكري، ويتخلص المحور من كأس مرّة في الميدان المالي، والآتي أعظم حتى تختار واشنطن، من إسقاط طائرة التجسس الأميركية العملاقة إلى أفيفيم إلى أرامكو.. وما بعد ما بعد أفيفيم وأرامكو!

Related Videos

Related Articles

Advertisements

في ثقافة المقاومة… وقضية العملاء

سبتمبر 16, 2019

ناصر قنديل

هذا الشهر من العام 1982 كان حافلاً بالشواهد على التحضيرات التي خاض غمارها تباعاً آلاف الرجال والنساء والشباب والصبايا من اللبنانيين وأحزابهم، لإطلاق أعظم حركة تاريخيّة وطنية في حياة لبنان، هي حركة المقاومة، التي يفتخر القوميون بأنهم كانوا في طليعتها منذ عملية الويمبي، وأنهم كانوا فيها نساكاً لا يبحثون عن توظيف دماء شهدائهم وتضحيات وعذابات أسراهم، أسوة بكل من كان صادقاً ومخلصاً لفكرة المقاومة، ولولا هذا الجمع المضحّي للمقاومين الذي كتب تاريخ لبنان الحديث، ما كان قيام لدولة، ولا للأمن فيها ولا للاقتصاد.

الأكيد عبر تاريخ هذه المقاومة أنها وهي تحتفل بالتحرير لم تربط هوية السلطة الناشئة ما بعد التحرير، بطبيعة مواقف مكوّناتها غداة انطلاق المقاومة أو أثناء مسيرتها، وتموضعهم على خطوط الاشتباك مع مشروع الاحتلال أو حيادهم في هذا الاشتباك، أو تلاعب بعضهم بين ضفتي الاحتلال وقوى المقاومة، بل وحتى مشاركة بعضهم علناً في الخريطة السياسية المرسومة لمشروع الاحتلال ورهانه عليه، فمواقف قوى المقاومة وثقافتها، كانت مؤسسة على التضحية بأي مكاسب سلطوية افتراضية، سعياً لضمان أوسع مساحة للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، لتكون دولة لكل اللبنانيين، تطوي زمن الاحتلال ومراراته، وتفتح صفحة جديدة في حياة لبنان واللبنانيين.

رغم هذا التنسّك والسعي للوصل والجمع، بقيت مشاريع القسمة والضرب والطرح، وكانت قضية العملاء واحدة من الملفات التي تعبر في طياتها عن طبيعة المواقف الفعلية للقوى السياسية والطائفية وقادتها، والمقاومة التي كانت قادرة على جعل الملف من اختصاصها في إنهاء هذا الملف بعد التحرير مباشرة، تصرّفت بمسؤولية وطنية ارتضت أن يكون في عهدة الدولة، لكن ما جرى منذ ذلك الوقت وما يجري حتى اليوم يؤكد أن التعامل الرسمي والحكومي والأمني والقضائي مع هذا الملف يحتاج اليوم في ضوء تداعيات قضية العميل عامر إلياس الفاخوري، إلى إعادة نظر ومناقشة صريحة لا مجاملات فيها. فمصطلح المبعَدين الذي تسلل إلى السياسة يحمل ضمناً معادلة براءة للعملاء، والتشريعات القانونية التي يعتمدها القضاء لم تشهد أي معالجة خصوصية تأخذ بالاعتبار ما شهده البلد من قضايا وتفاصيل تحتاج إلى تضمين تبعاتها وتداعياتها في خصوصيات الأحكام، واللجوء للبرقية 303 يُعَد بذاته، تقصيراً قانونياً وقصوراً تشريعياً، ومثله ثقافة المؤسسات الأمنية والعسكرية تجاه هذا الملف تحتاج إلى تقييم وتقدير موقف جديد.

الأكيد الذي يجب أن يتنبّه له المسؤولون هو أن قضية العميل المتسلل من ثقوب السياسة والقضاء والأمن، فتحت جروحاً لن تندمل بلا إعادة قراءة للكيفية التي تم اعتمادها منذ العام 2000، ورسم سياسة تترجم بتشريعات وإجراءات وثقافة فوق السياسة، تصل حدّ العقيدة، عنوانها، لا مكان لعملاء الاحتلال إلا في السجون، ولا عقوبة للقتلة منهم إلا الموت، ولا مكان لنظريات العفو والتبادل والمقايضة في هذه القضية فهي قضية أمن وطني وقضية وفاء لعذابات ودماء الآلاف، غير قابلة للصرف في السياسة، ولا يملك أحد التفويض للتصرف بخواتيمها بالنيابة عن الذين لا زالت أوجاعهم وجراحاتهم حيّة.

Related Videos

الإعدام للعملاء… ولكشف مَن يسوّق لهم

سبتمبر 13, 2019

ناصر قنديل

– تسقط السياسة عند أبواب الوطن، وتنتهي المجاملة وحملات العلاقات العامة عند دماء الشهداء. والعمالة لن تتحوّل إلى وجهة نظر. وما جرى في قضية تسهيل عودة جزار الخيام وجلاد المعتقل العميل الذي لا تزال صرخات الأسى ودماؤهم وأمراضهم وإعاقاتهم، شواهد على أفعاله، ليس مجرد خلل إداري بل هو عمل سياسي أمني خطير يكشف الوضع الهشّ للتعامل القضائي والأمني مع ملف العملاء، وسهولة التلاعب به، والنفاذ من بين ثقوب اللعبة السخيفة للطائفية المريضة، لجعله قابلاً للتساكن. وهذا ببساطة لن يحدث، لأن تلكؤ الدولة عن واجباتها سيعني شيئاً واحداً، أن تتشكل فرق الموت لملاحقة العملاء كما حدث في فرنسا بعد تحرّرها من النازيين قبل أن تتولى المحاكم القيام بواجبها. ومَن يريد أن تكون الدولة مرجعاً حصرياً للعقاب يجب أن يأخذ ذلك في الاعتبار.

عرض الصورة على تويتر

– القضية الآن في عهدة القضاء العسكري، الذي يستعدّ لتوجيه الاتهامات المناسبة للعميل عامر إلياس فاخوري، وستكون عيون الناس مفتوحة على كل تفصيل في القضية، وسيكون أهل المقاومة وأسراها المحررون مجندين قانونياً وإعلامياً كي لا تسهو عين عن سانحة، وصولاً للحكم العادل الذي لا يجب أن يكون دون الإعدام. فهذا العميل مجرم قاتل، سقط على يديه عشرات الأسرى مضرَجين بدمائهم، منهم مَن استشهد ومنهم من لا يزال يحمل ندوب جراحاته. والدعوة مفتوحة لمئات المحامين للتطوع للمرافعة في القضية التي يجب أن تشكل دعاوى مئات وآلاف الأسرى المحررين وأسر الشهداء منهم موضوعاً لها، والدعوة لكل الأحزاب والشخصيات المؤمنة بلبنان وطناً لا مكان فيه للعدو وعملائه للاستنفار لتصويب مسار الأداء القضائي والأمني الذي تقف وراء سقطاته السياسة بكل وضوح، لكشف الجهة التي حضرت ورتبت وسوقت لهذا الاختراق القذر والقبيح لصورتنا كوطن ودولة.

– الفارق كبير بين الحديث عن مبادرات لاستعادة الأسر التي فرت إلى فلسطين المحتلة خلال التحرير لاعتبار الخوف من حسابات طائفية، أو بعض الذين كانوا مجنّدين في جيش العملاء وليس في سجلهم ارتكابات، وبين الدعوة للصفح عن القتلة المأجورين من العملاء وعلى رأسهم جلاد سجن الخيام وجزار غرف التعذيب فيه، ومَن مثله من المرتكبين الذين لا يملك أحد لا في السياسة ولا في القانون حق الدعوة لاعتبار تجاهل تاريخهم، دعوة مشروعة تحت شعار استعادة الإبن الضال، أو منح فرصة ثانية للمخطئين، أو التلطي وراء قناع الطائفية والحديث عن الوحدة الوطنية في سياق تبرير العمالة وتقديمها كخطأ عابر، أو زلة قدم، أو تعبيراً عن انقسام أهلي. فالعمالة في عرف الوطن والقانون هي العمالة وليست لها شفاعة، لا طائفية ولا سياسية ولا حزبية ولا عائلية.

عرض الصورة على تويتر

– ما جرى خطير وخطير جداً، ولا يكفي لمسح سواده السير بمحاكمة الجلاد والجزار عامر فاخوري، فالمطلوب حملة متواصلة متصاعدة لكشف المستور في قضيته وجعل الحقيقة ملكاً للرأي العام، وجعل المحاكمة العلنية لهذا الخائن عبرة لسواه، تحت شعار الإعدام أقل القصاص للقتلة الذين باعوا وطنهم للعدو. ويبقى أن الأهم أن تصل بنا هذه الحملة لتأديب وردع من يظنّ أن هناك تبييضاً للعمالة، يشبه تبييض الأموال، ويمكن تمريره في ظل المنظومة الإجرامية المسماة قلب المفاهيم حيث يعاقب المقاومون بتهم الإرهاب والتبييض ويتم عبره تبييض صفحات العملاء.

Related Videos

Related Articles

أكبر ضحايا أفيفيم: جون بولتون

سبتمبر 12, 2019

ناصر قنديل

– خلال نصف قرن على الأقل، منذ بدء ولاية الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1969 يعبر منصب مستشار الأمن القومي أكثر من سواه عن وجهة السياسات الخارجية، التي تصنعها على الغالب القدرة الأميركية على خوض الحروب، فيما تتولى وزارة الخارجية حصاد النتائج وإعادة توظيفها. وهكذا يظهر فإن أسماء لامعة تبوأت هذا المنصب تركت بصمات بارزة على السياسات الأميركية والعالمية، كما سيظهر أن استقرار هذا المنصب يعبر أكثر من سواه على استقرار القوة الأميركية، وقدرتها على صناعة السياسة.

– مع نيكسون كان هنري كيسنجر هو المستشار، وبقي طيلة الفترة الرئاسية التي لم يُكملها نيكسون وأكملها جيرالد فورد، الذي استبقاه مستشاراً خلال ولايته الأولى ليستبدله باسم لامع آخر هو برنت سكوكروفت، بعد أن أسند لكيسنجر وزارة الخارجية ليقوم بحصاد زرعه بنفسه، فأقام كيسنجر في المنصبين ثماني سنوات كاملة فتح خلالها أبواب الصين وأنهى حرب فيتنام. وفي عهد جيمي كارت اسم لامع آخر هو زبيغنيو بريجنسكي رافقه طيلة سنواته الأربع في البيت الأبيض. أما في عهد رونالد ريغان فستة مستشارون لولايتين يكفي عددهم والنظر في أسمائهم للقول إن عهد ريغان بولايتيه كان عهد الاضطراب السياسي والأمني في السياسة الخارجية، ليعود الاستقرار وتعود الأسماء اللامعة مع جورج بوش الأب، ومستشاره العائد إلى المنصب برنت سكوكرفت، ليرافقه في ولايته حتى نهايتها، التي توّجت بانهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، لتتصدر كوندليسا رايس عهد جورج بوش الإبن ويليها ستيفن هادلي، ويبقى عهد بيل كلينتون قبله بولايتيه فارغاً من أسماء لامعة، لكن الجامع المشترك بين عهدي كلينتون وبوش الإبن هو الاستقرار، بمستشارين لكل منهما لولايتيه، وبينما أتم باراك أوباما ولايتيه بثلاثة مستشارين عاديين للأمن القومي، وحده دونالد ترامب من الرؤساء الأميركيين استهلك أربعة مستشارين ويهم بتعيين الخامس ولم ينهِ ولايته الرئاسية الأولى بعد.

– خلال الشهر الأول من ولايته الأولى استهلك دونالد ترامب أول مستشارين مايكل فلين وكيث كيلوغ، في محاولة التعرّف على كيفية التوفيق بين خطابه الانتخابي القائم على أميركا أولاً و أميركا العظيمة لا أميركا العظمى و لسنا شرطي العالم ، من جهة، وبين متطلبات التفاهم والتعاون مع صناع السياسية الحقيقيين في الدولة العميقة، دولة المخابرات والبنتاغون وكواليس الدبلوماسية وصناعات السلاح وشركات النفط. وكان هربرت ماكماستر مستشار ترامب للمرحلة الأولى التي انتهت بإعلان الرغبة بالانسحاب من سورية، ليشكل مجيء جون بولتون تعبيراً عن محاولة لملاقاة تيار الدعوة للتصعيد والتلويح بالحرب، وخلال أقل من سنة ونصف هوى بولتون صريعاً، بضربة أفيفيم وليس بالخلاف حول أفغانستان. فمعادلة بولتون كانت التهويل يكون أميركياً والحرب إسرائيلية . وهو المولع بكيان الاحتلال، والمتحمس لاسترداد قدرة الردع، ليسقطا معاً في أفيفيم، التي كان يفترض أن تتحول إلى نصف حرب تفتح أبواب التفاوض حول كل ملفات المنطقة، فخذلت إسرائيل عشيقها واختبأت من حرب كان يأمل بأن تفتح أبواباً لتعديل الخرائط.

بعد اليوم سيكون صعباً أن يتحدث قادة الاحتلال عن أن عملية أفيفيم انتهت بلا سقوط ضحايا. فقد كان جون بولتون أهم ضحاياها… والآتي أعظم.

Related Videos

Related Articles

قوانين الحرب الجديدة تترسّخ

 

سبتمبر 9, 2019

ناصر قنديل

– ما بين أول أيلول والعاشر منه، وعشية أول أيام عاشوراء وآخر أيامها، وما يعنيه الاهتمام بأمن مجالسها بالنسبة لحزب الله، فرض الحزب معادلات قوة جديدة في توازن الردع وقوانين الحرب بينه وبين كيان الاحتلال. والتاريخان 1 و9 ايلول سيصيران جزءاً من ذاكرة جديدة، تحتلّ مكانة موازية لذاكرة تموز 2006، فالقضية ببعدها الأخلاقي والقيمي إثبات الفرق بين الوعد الصادق والتهديد الكاذب، وتوصيف دقيق لمكانة كل من قادة محور الشر الذي يقوده كيان الاحتلال ومحور المقاومة الذي ينطق بلسانه السيد حسن نصرالله.

– الهدف الذي تمّت إصابته ليس مهماً ، و لا خسائر بشرية تستحق الرد ، و الاحتفاظ بحق الرد ومكانه وزمانه ، و لن ينجح أحد باستدراجنا للحرب ، جمل ومفردات ومصطلحات كانت تلازم الخطاب العربي الرسمي لعقود، تهرباً من المواجهة مع كيان الاحتلال، وصارت في مرحلة انتقالية جزءاً من خطاب محور المقاومة في طور الانتقال من الردع السلبي إلى الردع الإيجابي، وتفادي التورط بمواجهة لم تكتمل شروط خوضها وضمان الفوز بها. وها هي اليوم تصير مفردات ومصطلحات وجمل يتكون منها الخطاب الأميركي، من التعامل الأميركي مع إسقاط إيران لأهم طائرات الحرب الإلكترونية الأميركية في العالم، إلى تعامل كيان وجيش الإحتلال مع عملية أفيفيم التي خرقت خطاً أحمر عمره من عمر الكيان بحرمة الاقتراب من حدود فلسطين المحتلة عام 48. وها هي تتكرّر مع أول إسقاط المقاومة لطائرة مسيّرة للعدو تنتهك الأجواء اللبنانية.

– الفارق بين قواعد الاشتباك وقوانين الحرب ومعادلات الردع كبير، فقوانين الحرب تضع بيد فريق قدرة شنّ حرب، وبيد الآخر القدرة على رسم نتائج التورط فيها بقدرة الدرع. وتأتي قواعد الاشتباك لترسم حدود الفعل العسكري ورد الفعل عليه تحت سقف قوانين الحرب ومعادلات الردع، فتبقى المبادرة بيد القادر على شنّ الحرب ويبقى الردّ بيد القادر على رسم حدود الحرب بقدرة الردع. وهكذا كان الحال قبل أول أيلول، كيان الاحتلال بيده قدرة شنّ الحرب، والمقاومة تملك قدرة ردع تجعله يقيم حساباته قبل التورط فيها، وما بينهما، جيش الاحتلال يشنّ هجماته بما لا يستفز قدرة الردع، والمقاومة تردّ بما لا يستفز الكيان للذهاب إلى حرب.

– منذ أول أيلول تخطّت المقاومة حدود المعادلات السابقة وضربت حيث يستفز العدو ليشن حرباً، ولم يفعل، واعادت الكرة ولم يفعل، فحدود فلسطين الـ 48 وسلاح الجو بالنسبة لكيان الاحتلال أهم الخطوط الحمراء، والتهوين من حجم فعل المقاومة هو إعلان ارتضاء ومساكنة مع سقوط خطوطه الحمراء. ومنذ اليوم لم تعد بيد كيان الاحتلال قدرة شن حرب وتغيرت قوانين المعادلة، وقواعد الاشتباك صارت متحركة بيد المقاومة ترسمها في تثبيت خطوطها الحمراء التراكمية، بدءاً من اعتبار تمركز قوتها في سورية خطاً أحمر، إلى اعتبار الأجواء اللبنانية خطاً أحمر، والتتمة تأتي تباعاً. وكيان الإحتلال سيمتنع تباعاً عن كل ما يستفز ما هو أبعد اليوم من قدرة الردع، وهو قدرة المبادرة لرسم خطوط حمراء، وبالتالي نحن أمام توازن استراتيجي جديد متحرك بسرعة ليرسو على معادلة الردع الإيجابي، وإعلان نهاية مرحلة الدرع السلبية المتحركة سقوفها ما بين 1996 وتفاهم نيسان وحرب تموز 2006.

Related Videos

Related Articles

 

شعب الله المختار… هل لا زال مختاراً؟

سبتمبر 7, 2019

ناصر قنديل

– من سوء حظ كيان الاحتلال القائم على التلاعب بالعقيدة الدينية لتحويلها إلى عقيدة سياسية أنه يواجه قوة تقود المقاومة اليوم تؤمن بيقين بعقيدتها الدينية وتستخلص منها عزمها على قتال كيان الاحتلال، فتصير المفردات الدينية ورمزيتها ذات أبعاد ومعانٍ تتخطى حدودها التي وردت في النص الديني المجرد، لذلك ردّد الصهاينة دائما بعد كل إنجاز وانتصار حققوه منذ نشأة كيانهم وخلال امتلاكهم للقنبلة النووية الأولى في الخمسينيات وفوزهم في حرب حزيران عام 1967، أن معجزات تتحقق، هي رسائل إلهية لشعب الله المختار على أنه ما زال مختاراً، وان الهدايا الإلهية تتدفق عليه لزيادة إيمانه ويقينه بحجم الدعم الإلهي الذي يلقاه مشروعه.

– في معارك الاستيطان في القدس والضفة الغربية ورفض الدولة الفلسطينية يستند قادة الاحتلال على النص الديني وتأويلاته، وكذلك في التمسّك بالقدس عاصمة موحّدة لكيانهم الغاصب، ولكنهم باتوا يواجهون بالمقابل تمسكاً لا يقل قوة باسترداد القدس من موقع نص ديني أشد قدرة على الإلهام، كما هو الحال منذ إعلان الإمام الخميني عام 1980 لليوم العالمي للقدس، وانتشار الإحياء المنتظم والمتعاظم على مساحة عواصم العالم وشعوبه. وجاءت حروب المقاومة من إنجاز التحرير عام 2000 وما تضمنه من كسر للمألوف، وإلزام لجيش الاحتلال بالانسخاب الذليل دون قيد أو شرط أو تفاوض، ليفتح الباب للأسئلة الوجودية حول المقولات الدينية التي تتأسس عليها عقيدة معنويات الجيش والمستوطنين، وعنوانها، هل لا نزال شعب الله المختار؟ وهل لا نزال نخوض حروب الله؟ وهل انتقل الله من ضفتنا إلى ضفة أعدائنا؟

– بعد الفشل في حرب تموز 2006 وما رافقها من وقائع يرويها حزب الله ويروي مثلها قادة جيش الاحتلال، الكثير مما يجعل الصراع على تفسير الحرب ونتائجها، صراعاً على البعد الغيبي للدين، بين مفهوم النصر الإلهي الذي يتمسك به حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله، ويعتبرونه التفسير الأمثل للنصر الذي تحقق بقوة متواضعة يمتلكونها عدداً وعتاداً، مقارنة بحجم جيش الاحتلال ومقدراته، ومقابلهم كان سيل الأسئلة الوجودية يجتاح المؤسسة الدينية الصهيونية حول الخذلان الإلهي. وبالنسبة لحزب الله الذي يتحدث بيقين عن البعد الإلهي للمواجهة والنصر، لا يشكل حسن الاستخدام للبعد الغيبي في تعميق الشكوك بقدرة الكيان على البقاء ولا جدوى الرهان على خوض الحروب، استغلالا لنقطة ضعف، بل فعل إيمان حقيقي يلتزم عقائدياً بالتركيز عليه، كنوع من أنواع الشكر لله، صانع الانتصارات وصحاب الوعد بالمزيد منها، وإن شكرتم لأزيدنّكم، وإن تنصروا الله ينصركم.

– سقوط طائرتي الاستطلاع الإسرائيلية فوق الضاحية وما قيل عن هدف ثمين كانت آتيتين لاصطياده، وليس إسقاطهما، ومعجزة اصطياد المقاومة للآلية العسكرية في أفيفيم من نقطة ميتة، ومن ثم الهروب الذي عمّ القيادتين السياسية والعسكرية للكيان من خوض المواجهة، وقائع أضافت مادة نوعية جديدة ليقين حزب الله وخطابه المستند إلى العامل الغيبي للتدخل الإلهي، وما يشكله ذلك من رافعة معنوية للحزب ومقاتليه وبيئته الشعبية، ولكنها بالمقابل كارثة وقعت على رؤوس الصهاينة ونظرياتهم الدينية عن كونهم شعب الله المختار. الشعب الذي يخذله الله كل يوم، ويرسل له الرسائل بأنه لم يعد مختاراً، وبأن الحزب الذي يحمل اسم الله ليس مجرد حامل اسم، بل إن الله يقاتل مع حزبه ويسدّد له الرمي، وما رميت إذ رميت لكن الله رمى.

Related Videos

Related Article

بين حروب الكلام… وقوانين الحرب

Image result for Avivim strike

سبتمبر 4, 2019

ناصر قنديل

بين حروب الكلام… وقوانين الحرب

– حجم التهالك الذي يعيشه الحلف الذي تقوده واشنطن، ويشكل كيان الاحتلال عموده الفقري ورأس حربته، وعنوان قوته، وقدرة ردعه، بلغ حداً صارت الحروب عند كلمنجية العرب في السياسة والإعلام، حروب كلام، ولعبة خداع بصري، وذكاء اصطناعي. ففي مرحلة سبقت الحشود الأميركية في الخليج، كان كل الحشد الكتابي والكلامي والخطابي يجري تحت عنوان، الويل والثبور وعظائم الأمور، وها هي إيران تواجه ساعة الحقيقة والعقاب آتٍ، والحشود العسكرية تأتي للحرب أو للتلويح بالحرب، وهذا هو الردع. ولكن إيران لم تمتثل ولم تفت في عضدها لا الحشود الحربية ولا التهديدات، ووقعت أول مواجهة وأسقطت إيران أهم الطائرات الأميركية في العالم، وصمتت واشنطن وهربت من المواجهة، وبدأت تتحدّث عن استفزاز إيراني لجرها إلى حرب لا تريدها، دون أن تفسر إذن لماذا جاءت بالحشود. ثم تفتقت عبقرية الكلمنجية عن تسخيف إسقاط الطائرة، والبعض قال إنها خدعة أميركية لكشف الدفاعات الإيرانية، ومعلمهم دونالد ترامب قال إنه خشي من الرد على الضربة لأنها ستزهق أرواح مدنيين.

– في تداعيات ما فعله جيش الاحتلال عبر العدوان المزدوج في سورية ولبنان، وأسفر عن شهيدين للمقاومة، وخرق عدواني للأجواء اللبنانية، وإعلان المقاومة عزمها على الرد، عادت حشود الكلمنجية لصف الحكي، واجترار الكلام ذاته، لبنان معرض للدمار بسبب مغامرات حزب الله، أو حزب الله لن يجرؤ على الرد لأن إيران في حال مفاوضات، أو خطر الحرب وشيك وخطير وكبير، أو أن حزب الله كما محور المقاومة يكثرون الكلام عن حق الرد، ولكنهم يحتفظون به في ثلاجة مبردة طويلة الأمد، لكن ماذا حدث عندما وقع رد المقاومة بما فيه من جديد نوعي يتمثل باستهداف موقع للاحتلال في فلسطين المحتلة عام 48، وتهرب جيش الاحتلال من الرد، مكتفياً بقذائف القشرة كتقليد عسكري لكل الجيوش بعد كل تعرض للاستهداف لا يعتبر رداً، الذي حدث أن كيان الاحتلال انكفأ تحو حرب الكلام، ومن ورائه هبت حشود الكلام، تارة تسخف العملية، وتنسى أنه لو أطلقت طلقة عبر الحدود، وخصوصاً نحو فلسطين المحتلة عام 48 قبل سنوات أو من غير حدود لبنان لخاض كيان الاحتلال حرباً. وكما أغرقوا الناس بطوفان من الشائعات والفبركات بالتشكيك بكون الطائرتين للكيان وجيشه، صارت القضية عدم وقوع قتلى أو إصابات في جيش الاحتلال كما في الطائرة الأميركية في هرمز، لكن الحقيقة بقيت، أن الضربة التي تلقاها الأميركي والإسرائيلي قد أصابته في صميم قوة ردعه، لكنها رغم الألم أقل مخاطرة من الحرب، فيبحث عن ذريعة للهروب، الحقيقة التي باتت قانون حرب، هي أن واشنطن ومثلها تل أبيب تريدان الحرب على محور المقاومة ولكنهما تخشيانها، وأن محور المقاومة لا يريد هذه الحرب لكنه لا يخشاها.

– ببساطة الردع مهابة، وإعلان جهوزية لدخول الحرب عند مجرد تخطي الآخر الخطوط الحمراء، والهزيمة اختراع الذرائع والمبررات للتهرب من خوض حرب جرى التهديد بخوضها رغم دوس الآخر على الخطوط الحمراء، وثمة مهابة تتمرغ بالوحل ومهابة تعانق عنان السماء.

Related Videos

Related Articles

 

%d bloggers like this: