إيران تستعدّ لعمل كبير

ناصر قنديل

منذ عشرة أيام وعملية التفجير التي أصابت جزءاً من المنشأة النووية الإيرانية في نطنز، محور اهتمام ومتابعة في الأوساط الدبلوماسية والأمنية والإعلامية. فقد جاء التفجير في مناخ تصعيدي تشهده المنطقة مع منظومة العقوبات الأميركية المتشددة على قوى وحكومات محور المقاومة وشعوبها، ومحاولة الضغط لإيصال القيادة الإيرانية لقبول التفاوض على شروط جديدة لملفها النووي من جهة، ولدورها الإقليمي من جهة أخرى، مع رفع شعار العودة إلى ما قبل العام 2011 في سورية من قبل المبعوث الأميركي الخاص جيمس جيفري في شرحه لأهداف قانون قيصر للعقوبات على سورية، عارضاً التسليم بنصر الرئيس السوري وجيشه مقابل خروج أميركا وإيران بالتوازي من سورية.

خرج الصحافي ايدي كوهين المعروف بعلاقته بمكتب رئيس الحكومة في كيان الاحتلال بنامين نتنياهو بتغريدة يقول فيها إن مصادر استخبارية غربية قالت إن طائرات حربية لجيش الاحتلال تولّت قصف منشأة نطنز، ثم نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً نسبت المعلومات الواردة فيه لمصادر موثوقة، لتقول إن جهاز استخبارات في الكيان يقف وراء القنبلة التي تسببت بتفجير في منشأة نطنز، ثم خرج وزير الحرب والخارجية السابق في الكيان أفيغدور ليبرمان ليتحدث عن اتهام لنتنياهو بالوقوف وراء التسريبات للتباهي، معرضاً أمن الكيان للخطر.

تلا ذلك بأيام ظهور رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال محمد باقري في دمشق موقعاً اتفاقيات تعاون عسكري أهمها ما يتصل بالدفاعات الجويّة السوريّة، وما قالت تعليقات صحف الكيان، إنها نقلة نوعية لوضع حد للغارات التي تشنها طائرات جيش الاحتلال داخل سورية وهي تستهدف بصورة خاصة مواقع إيرانية، ما يعني استعداداً لمرحلة أكثر تصعيداً في المواجهة، من جهة، ورداً شديد اللهجة على قانون قيصر، وتبشيراً استباقياً برفع الحظر عن بيع وشراء السلاح المفروض على إيران والذي ينتهي مفعوله خلال شهور مقبلة.

أول أمس، وقع حريق كبير انتهى بتدمير البارجة الأميركية يو اس اس ريتشارد، في مرفأ سان دييغو العسكري، وسرت تكهنات باختراق سيبراني تسبب بالتلاعب بمنظومات حرارية في البارجة أدى لنشوب الحريق وتعطيل أنظمة التبريد، واتجهت الكثير من أصابع الاتهام نحو إيران، خصوصاً مع حرب سيبرانية تشهدها مواقع داخل الكيان تؤدي لتعطيل منصات مطارات ووزارات وهيئات حكومية، تظهر حجم الحضور الإيراني في هذا النوع من الحروب، في ظل الربط بينها وبين حال التصعيد الشامل الذي تشهده المنطقة.

أمس، تحدّث الناطق بلسان الخارجية الإيرانية وقال «إنه في حال ثبت ضلوع كيان أو دولة في الحادث، فإن ردّ إيران سيكون حاسماً وهاماً وستثبت أن «زمن اضرب واهرب قد ولّى». ونفى المتحدث أن يكون لإيران علاقة بحادث البارجة الأميركية في سان دييغو، واعدا بإعلان قريب لمجلس الأمن القومي الإيراني لنتائج التحقيقات التي يجريها في حادث نطنز.

الترقب سيد الموقف خلال الأيام القليلة المقبلة، وحبس الأنفاس سيستمرّ حتى تعلن إيران نتائج التحقيقات، والاتصالات على أعلى المستويات لاستكشاف اتجاه هذه النتائج وما إذا كانت ثمة احتمالات بتوجيه إتهام مباشر لكيان الاحتلال، وماهية الدور المقرر، والعيون شاخصة نحو مفاعل ديمونا كهدف محتمل، إذا سارت الأمور بهذا الاتجاه، وهو ما يعني نذر حرب كبرى تخيّم على المنطقة، والوسطاء التقليديّون بين إيران والغرب يقولون إن أشدّ المراحل خطورة تمر على المنطقة، وإن العروض لتفادي التصعيد الإيراني المرتقب إذا صحّت التوقعات، قيد التداول، وإن أشياء كثيرة من طروحات كانت على الطاولة قد تغيّرت.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

المقاومة وقد نقلت الردع إلى صناعة السياسة

ناصر قنديل

كما شكّل عام 2000 مفترقاً فاصلاً في تاريخ المنطقة، بنجاح المقاومة بفرض الانسحاب من دون تفاوض ومن دون شروط على جيش الاحتلال من جنوب لبنان، تشكلت بداية مرحلة إقليمية جديدة مع ما ترتب على هذا الزلزال من تداعيات تجسّدت، بسبب ترابط موازين القوى في المنطقة كالأوعية المتصلة في قوانين الفيزياء، بزخم الانتفاضة الفلسطينية التي عرفت بانتفاضة الأقصى، وتصاعد حركة المقاومة في فلسطين تالياً، وصولاً لفرض انسحاب موازٍ ومشابه للانسحاب من جنوب لبنان عام 2005، وبرفع منسوب الثقة بالمقاومة من خيار صائب إلى قوة حاضرة وقادرة، ما رفع مكانتها بين حلفائها من الرعاية إلى الشراكة، وفتح الباب لموازين جديدة في الإقليم انطلاقاً من سورية، وبتبلور حلف حقيقي إيراني سوري يشارك المقاومة بناء عناصر القوة، تجسّد حضوره في التعامل مع الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بحيث يمكن القول إن المساحة الفاصلة بين عامي 2000 و2006، كانت سباقاً محموماً بين الفريقين اللذين تقابلا في جنوب لبنان، جيش الاحتلال والمقاومة، على التحضير لجولة مقبلة أشد حسماً، تقرّر كما في مباريات الملاكمة مصير كل الجولات السابقة.

ذهب جيش الاحتلال لبناء نظرية عسكرية وتوفير مقدرات وآليات لتنفيذها، بما يمكنه من التفكير بحرب تتفادى مواجهة نموذج المقاومة الذي أجبره على الانسحاب ذليلاً عام 2000، بما يعيد إنتاج صورته كقوة صانعة للسياسة في المنطقة، وما يرسم خطاً فاصلاً مع ما جرى عام 2000، باعتباره حدثاً مضى، من دون تداعيات إقليميّة تتصل بموازين القوى، ما يتيح استعادة زمام المبادرة مع ما نتج بين عامي 2000 و2006 بروح القوة المستمدّة من الانتصار المراد تحقيقه في هذه الحرب، بما في ذلك إعادة النظر بقرار الانسحاب من غزة، وقواعد التعامل مع ما بعد الانسحاب من جنوب لبنان، بينما ذهبت المقاومة لبناء نظرية معاكسة وتوفير مقدرات وآليات تنفيذها، عنوانها الاستثمار على نقاط قوة المقاومة التي أظهرتها حرب التحرير الطويلة، والسعي لتهميش وتحييد نقاط الضعف المحيطة بعمل المقاومة، مقابل الاستثمار على نقاط الضعف التي تعرفت عليها في بنية كيان الاحتلال وجيشه، وتفادي التصادم وجهاً لوجه مع نقاط قوته التي تمكّنت المقاومة من رصدها وتحديدها، وبالخلاصة سعى جيش الاحتلال للتركيز على الجو بينما سعت المقاومة لامتلاك الأرض، وتسابقا بين محاولة جيش الاحتلال خوض حرب تُحسم من الجو، وسعي المقاومة لإثبات عجز حروب الجو عن الحسم، واستدراج جيش الاحتلال إلى منازلة برية أحسنت إعدادها، وفي اللحظة التاريخية الفاصلة، تقابلت القوتان، والنظريتان، والخطتان، وجاءت النتيجة مبهرة لجهة هزال ما أعدّ الكيان، وعبقرية ما أعدّت المقاومة.

بالمثل مجدداً شكلت نتيجة حرب تموز 2006، نقطة انطلاق لسباق جديد، مع فارق رسم حدوده كلاوزفيتز كاتب نظريات الحرب، بين لعبة الشطرنج والحرب، حيث في الحرب بعكس الشطرنج لا يعاد رصف الحجارة، حيث كانت قبل الجولة التي مضت، بل تبدأ الجولة التالية دائماً من حيث كانت حجارة الفريقين في نهاية الجولة السابقة. فصار الميراث النفسي والسياسي والاجتماعي والعسكري لحربي التحرير والردع، عناصر تثقيل لصالح المقاومة، وصار عنوان التحضيرات التي ينوي جيش الاحتلال القيام بها، ترميم الصورة ورد الاعتبار. وهكذا تركز جهد قيادة الكيان وقيادة جيشه على محاور تكشفها العناوين والأسماء التي يطلقها القادة على المناورات، ومفاصل هذه المناورات، وهي تسعى لإحداث تحوّل في الموازين، فحملت الاسم «تحوّل»، واشتغلت على محوري الجبهة الداخلية والقبة الحديدية، فكانت مشروعاً للانكفاء رغم كل بلاغات الحديث عن نصر مقبل، بينما كانت المقاومة تشتغل على تحويل الردع الذي تمكنت من بنائه معززاً في تموز 2006، إلى سقف استراتيجي يظلل معادلات السياسة والحرب في المنطقة، فيلهث كيان الاحتلال محاولاً اللحاق بما تبني وتمتلك وتعدّ، وفي كل مرة سقف جديد للتحدّي، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الدقيقة، وصولاً لشبكات الدفاع الجوي، وكان ذلك رغم جولات الحرب المضنية التي شاركت في خوض غمارها قوى المقاومة بكل قوة، وتحوّلها إلى حرب شاملة مع الإرهاب والتطرف التكفيري على مساحة المنطقة، محولة مشاركتها في هذه الحروب من تحدّ إلى فرصة لامتلاك ومراكمة المزيد من القوة والعمق الجغرافي والخبرة، وكان ذلك ثابتاً رغم المتغيّرات في مراحل التحوّلات العراقية والحرب اليمنيّة وإنجاز الاتفاق النوويّ مع إيران وإلغائه، وكلّها تحوّلت عند المقاومة إلى فرص، جعلت منها القوة الإقليميّة الأبرز، كما تظهر تصريحات الرئيس الأميركي ووزير خارجيته في كل يوم.

تأتي الحرب المالية المعلنة أميركياً لبلوغ مرحلة تتيح جلب المقاومة إلى سقوف تفاوض منخفضة، من موقع الاعتراف بالمكانة الجديدة، لتختبر ما بلغته المقاومة من إعداد واستعداد، في السياسة والميدان، فتتزامن ذكرى حرب تموز 2006، مع نجاح جديد للمقاومة بفعل ما رسمته عبر مسار واضح المعالم غامض التفاصيل، فتفرض تبدّلات في الحسابات، قبل أن تنتقل لترجمة استبدال معادلات السيد حسن نصرالله القديمة، المرفأ بالمرفأ والمطار بالمطار والعاصمة بالعاصمة ومنصة الغاز بمنصة الغاز، بمعادلة جديدة اختصرتها عباراته الحاسمة، إذا كنت تخيّرني بين الجوع والقتل فسأقتلك سأقتلك سأقتلك، مكرراً ثلاثاً، معادلة فعلت فعلها الساحر، وجعلت الردع حاضراً في صناعة السياسة.

فيديوات متعلقة

بين قوسين – لبنان بين مطرقة الضغط الاميركي والتهديد بسندان الانهيار الاقتصادي

مقالات متعلقة

هل عاد بومبيو إلى نصائح فيلتمان ودعوة لومير؟

ناصر قنديل

قبل تسعة شهور وغداة انتفاضة 17 تشرين الأول، استمعت لجنة الخارجية في الكونغرس الأميركي إلى السفير السابق جيفري فيلتمان في مداخلة مطوّلة، وكان أبرز ما ورد فيها دعوة فيلتمان للاستثمار على الانتفاضة وتزخيمها كفرصة يمكن لها أن تخدم السياسات الأميركية في لبنان والمنطقة، على قاعدة أن الأزمة المالية والاقتصادية مستمرة ومتصاعدة وهي في جزء منها ثمرة العقوبات الأميركية، بهدف محاصرة حزب الله كعنوان للمقاومة بوجه كيان الاحتلال، لكن فيلتمان وضع ضوابط لهذا الاستثمار على الأزمة والانتفاضة معاً، أولها عدم المبالغة بتحميلهما أوزار مهام فوق طاقتهما، كطرح مستقبل سلاح المقاومة في التداول، وبالتالي الدعوة للتواضع في رسم السقف الذي يمكن للأزمة والانتفاضة أن تخدمه على هذا الطريق، وحصره بمحاصرة وإضعاف التيار الوطني الحر كحليف للحزب والمقاومة، ساهم بتوفير مظلة وطنية لهما، ومنحهما من موقع وجوده في رئاسة الجمهورية مقداراً أعلى من الشرعية، رابطاً صرف رصيد هذا الاستهداف بالانتخابات النيابية المقبلة وليس المبكرة. الضابط الثاني الذي وضعه فيلتمان كان عدم المبالغة بالضغط المالي بالتوازي مع عدم المبالغة بالتوقعات، لأن المزيد من الضغط المالي قد يؤدي لانهيار غير محمود العواقب، والمزيد من الضغط قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً كاستحضار روسيا والصين، وتكامل دول المشرق وصولاً إلى إيران. والضابط الثالث كان الدعوة لوضع الاستعداد لتمويل لبنان على الطاولة، مستذكراً أن حجم كل ديون لبنان الخارجية أقل من كلفة سنة واحدة تنفقها السعودية على حربها في اليمن. والضابط الرابع هو عدم وضوع شروط سياسية تتصل بحضور حزب الله مقابل هذا التمويل، بل حصر الشروط بطلب الإصلاحات التي وردت في مؤتمر سيدر.

قبل ستة شهور عقد في الرياض اجتماع افتراضي لوزراء مالية الدول المشاركة في قمة العشرين، التي تترأس السعودية دورتها هذه المرة، وتكلم في الاجتماع وزير مالية فرنسا برونو لومير، وقال إن “فرنسا مستعدّة لدعم لبنان مالياً، في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف»، ونقلت وكالة “رويترز” عن لومير تحذيره في نهاية الاجتماع من “خلط التعافي الاقتصادي في لبنان مع الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران في المنطقة”، وتابع: “نعرف أن ثمة روابط بين المسألتين، لكننا لا نريد خلط قضية التعافي الاقتصادي في لبنان، وهو اليوم في حالة طوارئ واضحة، مع مسألة إيران”.

رفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ممثلة خصوصاً بوزير الخارجية مايك بومبيو، الإصغاء لصوتي فيلتمان ولومير، وحددت إطاراً لتعاملها مع الوضع في لبنان بما أسماه بومبيو ومعاونه ديفيد شينكر بالضغط الأقصى، ووضع المقابل على الطاولة وهو تحجيم حزب الله وصولاً لانتزاع تنازل من الدولة اللبنانية في ملف ترسيم الحدود البحرية بقبول خط الترسيم الذي اقترحه المبعوث الأميركي فريدريك هوف، وكان شينكر صريحاً بقوله، أنتم في معاناة كبيرة ولديكم ثروات واعدة في الغاز في البحر حولها نزاع مع “إسرائيل” وقد قدمنا لكم تصوراً للحل ومن مصلحتكم أن تقبلوا هذا التصور. وجاء تفعيل قانون قيصر للعقوبات على سورية، ليضيف للضغط الأقصى مزيداً من الضغط على لبنان، وحدد جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص بسورية سقف المطلوب للتراجع، أسوة بما فعله شينكر، قائلاً إن حكومته تريد العودة إلى العام 2011، فتسلم بانتصار الرئيس السوري، مقابل أن تخرج قواتها من سورية ويخرج بالمثل حزب الله وإيران منها.

المطلبان يعنيان أمن ومصالح كيان الاحتلال، ولا علاقة لهما بالملفات الإصلاحية التي تحدث عنها سيدر، كما دعا فيلتمان، ويمثلان الحد الأقصى من الربط بين الأزمة اللبنانية والمواجهة الأميركية مع طهران، كما حذر لومير، والعنوان طلب أمن “إسرائيل” ومصالحها من حزب الله، فخرج الأمين العام لحزب الله بمعادلته الشهيرة، أنت تخيّرني بين الجوع والقتل، فلن نجوع وسنقتلك سنقتلك سنقتلك، ومنذ ذلك الإعلان، بدا أن المقاومة وضعت للجهوزيّة ترتيباتها وبنوك أهدافها، وأعقبتها بوضع أطروحة التوجه شرقاً على الطاولة، من المشتقات النفطية الإيرانية مقابل الليرة اللبنانية، إلى البوابة العراقية كبلد نفطي وسوق استهلاك، والتكامل السلعي الغذائي والاستهلاكي مع سورية، وصولاً لطرح حزمة مشاريع للتعاون مع الصين، وانتهاء بالإعلان عن الجهاد الزراعي والصناعي.

تراجع بومبيو وتراجعت سفيرته، ولم يعُد تغيير الحكومة مطلباً، وبات الحديث عن مساعدات للبنان مقابل الإصلاحات. وبدأ الحديث عن دول خليجية ستضع ودائع بالدولار لدى مصرف لبنان، بعد حصولها على إشارات أميركية، وزارت السفيرة الأميركية السراي الحكومي لتناول طعام الغداء مع رئيس الحكومة الذي دعت لاستبداله بالموظف الذي رفض رئيس الحكومة إعادة تعيينه نائباً لحاكم المصرف المركزي، وبعدما كانت السفيرة تقول إن التفاوض على الحدود البحرية مجمّد بانتظار تلقي موافقة لبنانية على خط هوف، بادرت لزيارة رئيس مجلس النواب لتستمع إلى شروط لبنان لاستئناف التفاوض وتعد بنقلها ودراستها للعودة مجدداً..

معادلة الردع في المواجهة المالية بدأت تتشكل أسوة بما جرى في معادلات الميدان، التي يبدو أن ما فيها من بنك أهداف قد تسبب بالقلق لبومبيو وإدارته في واشنطن، بمثل ما تسبب الذعر في تل أبيب.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

تركيا تقدّم عرضاً لروسيا وإيران

ناصر قنديل

بعد اجتماعات القمّة الافتراضية التي ضمّت الرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والإيراني الشيخ حسن روحاني والتركي رجب أردوغان، سادت أجواء إيجابية حول إمكانية تغيير في السلوك التركي في شمال غرب سورية ومحوره حسم مصير الجماعات المسلّحة هناك. وربط الكثيرون بين هذه التوقعات والاهتمام التركيّ بالمواجهة في ليبيا بعد الموقف المصري واحتمالات تطوره باتجاه تدخل عسكري، سيجعل من الصعب مواجهته من دون الخروج التركي من سورية، سواء للحاجة لدعم روسي إيراني أوسع سياسياً يستدعي خطوة بحجم الانسحاب من سورية، أو نظراً للحاجات الميدانية التي ستفرضها المواجهة وما تتطلّبه من نقل كل القوات الموجودة في سورية إلى ليبيا، لكن بعض التحليلات تحدثت عن شيء أكبر ومضمونه عرض تركيّ قدّمه الرئيس أردوغان لكل من روسيا وإيران.

يرتكز العرض التركي على قاعدتين، الأولى الإقرار التركيّ بصراع مفتوح على زعامة سنّة العالم الإسلامي مع السعودية وطلب الدعم الروسي الإيراني لتركيا على قاعدة كشف قدّمه أردوغان عن فشل رهانات موسكو وطهران على مساعي التقرّب من الرياض التي تناصبهما العداء وتنفذ سياسات أميركيّة صرفة، بخلاف تركيا التي تراعي المصالح الروسية والإيرانية ولو ترتّبت عليها مسافة واسعة عن السياسات الأميركية وتحمّل تبعات ذلك، الثاني الاستعداد لرسم مسافة تركية أوسع من العلاقة بالأميركيين تراعي حدود طلبات روسية وإيرانية مثل عدم ربط البقاء في سورية بالبقاء الأميركي، وبالتوازي الاستعداد لمسافة موازية من العلاقة مع كيان الاحتلال في ضوء صفقة القرن ونيات ضمّ الضفة الغربية، والتعاون مع إيران بمساعدة قطر لدعم حركة حماس وتعزيز صمود قطاع غزة أمام الضغوط “الإسرائيليّة”.

المقابل الذي يطلبه الأتراك وفقاً لعرض أردوغان، هو إضافة للتعاون التركيّ السوريّ الروسي الإيراني لإنهاء دويلة الجماعات الكرديّة المسلحة في شرق سورية، فتح الساحات التي تملك روسيا وإيران قدرة التأثير فيها أمام تنمية نفوذ تركيّ في البيئة السنيّة التي تسيطر عليها السعودية، خصوصاً أن تنظيم الأخوان المسلمين موجود بصيغ مختلفة في هذه البيئات، من لبنان إلى العراق وليبيا وسواها، ويتضمّن العرض استعداد أردوغان لضمان عدم تخطّي هذه الجماعات لسقوف يتفق عليها حسب خصوصيّة كل ساحة. وتقول التحليلات إن الرئيس الروسي الذي وعد بالسعي لترتيب لقاءات سوريّة تركيّة بدعم إيراني، أبدى حذراً مشتركاً مع الرئيس الإيرانيّ من اعتبار فتح الباب لدور الأخوان المسلمين في سورية ممكناً في ظل موقف حاسم لسورية من هذا الطرح، بالإضافة لحذر الرئيس بوتين من التورّط في صراع مصريّ تركيّ ترغب موسكو بلعب دور الوسيط وليس الطرف فيه.

المشكلة وفقاً للتحليلات المذكورة، أن السياسات السعوديّة وبنسبة معينة المواقف المصرية، خير نصير لعرض أردوغان. فالسعودية تنضبط بمواقف أميركية و”إسرائيلية” عدائية نسبياً لروسيا ولإيران أكثر، وتقدّم جغرافيتها ونفطها وإعلامها كأدوات لهذه السياسات، ومصر تورطت بخط لنقل الغاز بالتعاون مع كيان الاحتلال نحو أوروبا لمنافسة الغاز الروسي، بينما تشارك تركيا روسيا خطها الأوروبيّ، ونجم عن تدخلها في ليبيا عرقلة الخط المصري – “الإسرائيلي”. وتقول هذه التحليلات إن العقبات التي تعترض طريق الطرح التركي ربما تنخفض أهميتها إذا ارتفع منسوب التصعيد في المنطقة، وتورّطت السعودية في سياسات العداء والتجاهل أكثر وأكثر، خصوصاً أن العروض التركية تتضمن توظيف قدرات قطر المالية للمساهمة في حل بعض الأزمات المالية في لبنان والعراق وفلسطين وسورية.

القوميّون والثامن من تموز والمتّحد المشرقيّ

ناصر قنديل

ثابتتان كبيرتان لا يمكن لأحد تجاهلهما، الأولى حجم الأثر الوجداني والنفسي والثقافي الذي رسمه استشهاد مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه أنطون سعاده قبل سبعين عاماً ونيفاً، وبقاؤه حدثاً ملحمياً حياً يفضح خيبة وخيانة نظام الملل والطوائف لفكرة دولة السيادة الوطنية منذ تأسيسها حتى اليوم، وارتسام صورة نورانيّة لقامة الزعيم كأيقونة خالصة مصفاة من الفكر والسمو الوجوديّ على الذات لحساب الذوبان في الفكرة وتجسّدها، بصورة أقرب للقداسة لأيقونة نابغة وعبقريّة، ما زادها الزمان إلا لمعاناً كالذهب الخالص، بحيث تصير الذكرى كلما أوغل الزمان بها عميقاً، أشدّ حضوراً وتأثيراً، والثانية حجم الشريحة الواسعة من النخب والناس الذين تثير فيهم هذه الأيام لذكرى استشهاد سعاده مشاعر خاصة، وتستعيد لديهم حضور فكره ومشروعه القومي، وتذكّرهم بحجم ارتباط عقيدته بحزب يجسّدها ونظام يضبط إيقاع الجماعة المؤمنة بها، جاعلاً من هاتين عزاءه الوحيد في ساعة الوداع، ومصدر تفوّقه على جلاديه بقياس التاريخ.

الذين لا تشوب نظرتهم لحزب سعاده شخصنة مريضة أو عقدة شخصيّة، ينتقدونه بعقلانيّة من موقع تمني أن يكون أوسع انتشاراً وأقوى حضوراً وأعلى صوتاً وأكثر تأثيراً، وهم إذ يأسفون على تحكم العصبيات بمجتمعاتهم، وتخييم التخلف عليها، يدركون أن فكر سعاده لا يزال وحده الجواب الشافي بكليّة مفاهيمه وتكاملها، بصفته تنويراً وحداثة في التفكير يرتكز إلى حفر دؤوب ومثابر لبناء الشخصيّة القوميّة للفرد والمجتمع من ضمن انخراطهما في حركة الصراع بوجوهها المتعدّدة، وليس نزوة عنفية عابرة ضد وجه من وجوه أمراض التخلف، ولأنهم يدركون ذلك ويقيمون حسابات أكلاف الانضواء وجدية مسيرتها، يعلقون الأماني ويوجهون النقد، ماذا لو كان الحزب الذي يحمل لواء عقيدة سعاده وفكره، في مكانة الفعل الأهم على ساحات بلاد المشرق، بما يتيح جعل الخلاص أقرب وأسهل، لذلك فإن هؤلاء يمكن فهمهم وتقبّل نقدهم، وهم رغم صوتهم المليء بمزيج النقد والتمني يتفهمون، وجود حقائق مرّة يفسر بعضَها تعثر هنا وضعف هناك، لكن مع ثبات وإصرار على مواصلة الحفر المثابر في جبل التخلف الجامد بإبرة العقيدة الحية.

يشهد الذين يقدرون المؤسسة النظاميّة التي يربط بها سعاده أحلامه وأفكاره، والذين ينتقدونها، بحضورها الدائم في ساحات المواجهة، التي رسمها فكر سعاده، وقرابة نصف قرن مضى تشهد للقوميين بموقع ريادي في ساحتي مقاومة الاحتلال ومشاريع التفتيت، وفوقها شهادة بمناقبية القوميين وترفّعهم وإقدامهم، لكن يبقى من أهم ما أنجزه سعاده عبر حزبه، هو أنه في زمن كان مطلوباً من المقاومة أن تحقق انتصاراً لتقول إن هزيمة المحتل وهزيمة التطرف والإرهاب، ممكنة، فتؤسس لنهوض سيتّسع في مواجهة كيان المحتل وأدواته من تطرف وإرهاب، شارك القوميّون من موقع طليعيّ في تقديم هذه المساهمة المعرفية بالدم، إلا أن إنجازهم الذي يتفرّدون به ويحق لهم أن يفاخروا بصدقه، هو أنهم قدموا للمجتمع فرصة التعرف على واقعية وإمكانية وجود كيان اجتماعيّ سياسيّ خالٍ من الطائفية والعصبية، هو مجتمع القوميين أنفسهم، الذي يجيب عن سؤال هل من الممكن تخيّل أفراد غير طائفيين وعلاقات اجتماعية وسياسية لا تمر بالمعبر الطائفي، بنعم قوية، شاهدها هم القوميون أنفسهم، على قاعدة أن دليل الإمكان هو الوقوع، وقد وقع فعلاً أن وجد مجتمع وأفراد، غير طائفيين ولا تمر علاقاتهم الاجتماعية والسياسية عبر معابر الطوائف.

اليوم، وفي ما تتداعى حدود سايكس بيكو، ويعود المحتلّ الأميركي لمحاولة رسمها بقوة الحصار الذي يسمّيه زوراً بالعقوبات، لمنحه صفة أخلاقية، لارتباط العقوبة بجرم، وهو يدرك أن تداعي حدود سايكس بيكو قد أدى وظيفته لحسابه بفتحها لنمو مشروع كيانات الإرهاب العابرة للحدود، وباتت الخشية من تحوّل التداعي إلى فرصة لإسقاط الحدود بين كيانات المشرق، لنشوء تكامل بينها يخشاه لأنه من موارد قوة الاجتماع السياسيّ الطبيعيّ الذي تمّ فصله بالقوة، ولخوفه من أن تنمو معه روح قومية تعيد الأولوية للصراع مع كيان الاحتلال وتختل به الموازين لصالح خيار المقاومة، وفيما يبدو للقوميين بوضوح أن نهوض التكامل المشرقي هو الرد على التحدي الاقتصادي فوق كونه بعداً بنيوياً في عقيدتهم، فهم مطالبون بأكثر من السعي والدعوة لأشكال مختلفة من هذا التكامل، مطالبون بتكرار الفعل الذي أدوه على مسرح التاريخ، كمثال لكيان عابر للطوائف ومترفع على العصبيات، بأن يؤدوا على مسرح الجغرافيا دوراً مماثلاً، باستيلاد كيانات اقتصادية اجتماعية ثقافية عابرة لحدود سايكس

هكذا يتطوّر حزب الله

ناصر قنديل

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-311.png
 –
يجب أن يتذكّر اللبنانيون والعرب وكل معنيّ بمسار حركة التحرر في المنطقة والعالم تاريخ 7-7-2020، لأنه اليوم الذي قرّر الحزب الذي قدّم أبرز نماذج القدرة على إلحاق الهزيمة بالهيمنة الأميركية وبكيان الاحتلال، الانتقال لتقديم أهم نماذج التنمية، لتجتمع عنده بحجم ما يمثل من مقدرات وقوة ومهابة، الفرصة لإلهام شعوب وحركات في المنطقة والعالم، بالقدرة على الجمع بين مشروع المقاومة القادرة على التحرير وتحقيق الانتصارات في الميادين العسكرية والسياسية، ومشروع التنمية الاقتصادية الاجتماعية، الذي يشكل التتمة الضرورية لحماية مشاريع حركات المقاومة، التي كما في لبنان، في كل مكان، ستكون عرضة للحصار والتضييق في المجالات الاقتصادية والمالية.

لم يكن حزب الله قد خطط لذلك، وكان الكثيرون يعتقدون بصعوبة اقتناع حزب الله بضرورة منح الجوانب الاقتصادية حيزاً من الاهتمام يعادل الحيز الذي تحتله المقاومة وتنمية مصادر قوتها، وها هو حزب الله مع كلمة أمينه العام السيد حسن نصرالله، يثبت أنه حزب بحجم المهام التاريخيّة التي تصنعها التحديات، وهو الحزب الذي يظنّ كثيرون أن خلفيته العقائدية تشكل عقبة أمام نجاحه في مقاربة الملفات الاقتصادية، أو يظنون أن توافر موارد مالية تغنيه عن هذا الاهتمام سيجعله بعيداً عنها، أو أنه إن أبدى اهتماماً بها فسيكون ظرفياً في الزمان ومحدوداً في المكان، لجهة تغطية حاجات العبور من المحنة بتقديم دعم تموينيّ وصحيّ وماليّ للعائلات الفقيرة في بيئة الحزب، لكن كلام السيد نصرالله، يقول إن حزب الله شمّر عن ساعديه وقرّر خوض غمار النهوض الإنتاجيّ بالاقتصاد الوطني.

حجم الشرائح الشعبية التي يمثلها حزب الله والتي تنضبط بنداءات السيد نصرالله، وحجم البلديات التي تتبع توجيهاته، وحجم الاستثمارات الفردية التي سيستقطبها نداؤه، وحجم المقدرات التي سيتمكن من تسخيرها، ستجعل كلها من نداء السيد نصرالله لإطلاق نهضة زراعية وصناعية وإعلانه وضع الأمر تحت شعار سنكون حيث يجب أن نكون، نقطة انطلاق سريعة نحو ظهور مئات المشاريع الزراعية والصناعية المدروسة والمتنوعة، خصوصاً في مجالات كانت قائمة في البيئة القريبة من حزب الله في الثمانينيات، من صناعة الألبسة والأحذية والسكاكر والألبان والأجبان والعصائر والمكثفات الغذائيّة، ومثلها زراعة القمح والذرة والشمندر، وستحقق نسبة واسعة من الاكتفاء الذاتي الغذائي والاستهلاكي، إضافة لفتح أسواق تصدير نحو سورية والعراق وإيران للسلع المنتجة، وستخفف فاتورة الاستيراد بمئات ملايين الدولارات، وتخلق آلاف فرص العمل الجديدة، وستظهر قربها مزارع الأبقار وتنتعش حولها تربية الأغنام، وتعود الحياة إلى الريف، ويعود التوازن بينه وبين المدينة.

بالتوازي سينجح حزب الله بترتيب استيراد المشتقات النفطية من إيران بالليرة اللبنانية، لأن لا دولة من دول الخليج ستجرؤ على فعل ذلك بدلاً من إيران، وهو لا يمانع إن فعل ذلك أحد آخر، وسواء كان الاستيراد لحساب الدولة، أو بواسطة شركات خاصة جاهزة لتحمل تبعات العقوبات الأميركية، فإن النتيجة هي سحب كتلة بمليارات الدولارات من سوق الطلب على الدولار، أوضح السيد نصرالله مطالبته المسبقة بتخصيصها لتسديد حقوق المودعين، عدا عن دورها التلقائي في حل أزمات الكهرباء، ودورها في حماية سعر الصرف، وهي المشكلات الكبرى التي يشكو منها اللبنانيون. وإذا سارت الأمور كما يجب في مسارات التفاوض مع العراق والصين، فسيكون لبنان قد انتقل من مرحلة الخوف من الانهيار والجوع إلى النهوض والازدهار، ويعرف الأميركيون أن الأحزاب التي تقود مجتمعاتها وترسخ في وجدان شعوبها، هي الأحزاب التي تنجح في تقديم الحلول للمشاكل المستعصية، وقد يولد حزب الله العابر للطوائف بصيغة أو بأخرى من رحم هذا الإنجاز، وربما يكون هذا مقصد السيد نصرالله، من نصيحته للأميركيين بعدم الرهان على إضعاف الحزب عبر السياسات الأميركيّة، التي قال إنها ستزيد الحزب قوة.


تمادي السفيرة الأميركيّة بالدلال الرسميّ

خلال الأسبوعين الماضيين شغل المستوى الفاقع لتدخلات السفيرة الأميركية رقماً قياسياً بالنسبة لأسلافها وبالتأكيد قياساً بتدخلات سائر السفراء الذين يتصرّفون في لبنان كقناصل في حكم زمن المتصرفية وفي المقدمة سفراء منهم لم يزوروا بعد رئيس الحكومة والخارجية مرة واحدة وحوّلوا سفاراتهم غرف عمليات لإدارة المعارضة للحكومة.

تناول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تدخلات السفيرة الأميركية وعرض منها نماذج تحدّى نفيها كالضغط لتجديد تعيين محمد بعاصيري نائباً لحاكم المصرف المركزي أو تعيينه رئيساً للجنة الرقابة على المصارف أو جمع قيادات سياسية لدعوتها لبدء حملة لإطاحة الحكومة الحالية لأن رئيسها لا ينفّذ توجيهات السفيرة. وخص السيد نصرالله القاضي محمد مازح بالتفاتة تنويه وتحية، كما دعا مجلس القضاء الأعلى للتراجع عن إحالته للتفتيش مطالباً برفض استقالته.

الأكيد أن التعامل الحكومي والقضائي مع قضية القاضي مازح هو نموذج عن كيف يكون الدلال الرسميّ سبباً للمزيد من استهتار السفيرة بالمعاهدات والمواثيق والتزام حدود السيادة، كما كانت حملة التشهير بقرار القاضي مازح بذريعة الحديث عن حرية الإعلام نموذجاً آخر عن مساعي تبييض الوجوه وإثبات الولاء للسفيرة بالاختباء وراء أكذوبة الدفاع عن حرية الإعلام.

لا توجد دولة مستباحة بل دولة تسلّم نفسها، ولا سفيرة متمادية بل دولة لا تعرف كيف تحمي سيادتها، وعندما يكفّ المسؤولون عن التسابق على كسب رضا السفراء وعدم إغضابهم، ويضعون هيبة الدولة في المقام الأول. وعندما يفعل الإعلاميون ومؤسساتهم الشيء نفسه تصير لنا سيادة ويلتزم السفراء.

مقالات متعلقة

للذين هوّلوا علينا بأن ضمّ الضفة يفسّر كل شيء!‏

ناصر قنديل

خلال شهور تعضّ خلالها الأزمات المعيشية على أكباد الناس الذين يشكلون مجموع البيئات الحاضنة للمقاومة، تدحرجت روايات ونظريات وتحليلات، كان بينها ما يتحدّث عن حرب مقبلة يتم التمهيد لها بالتجويع، وبينها ما يبشر بانقلابات سياسية يحدثها التهديد بالعقوبات، فتتفكك التحالفات التي بنتها ونسجتها المقاومة من حولها خلال سنوات، وبينها ما يروي لنا سردية مفادها أن كل ما كنّا نشهده من أحداث، حتى ما تعتبره المقاومة انتصارات لها وترصده في خانة هزائم المشروع الأميركي، لم يكن إلا واجهة القشرة للأحداث، حيث العمق هو ما كان يدبّره لنا الأميركي ويشركنا في إنتاجه، ففي كل مرحلة كان هناك هدف يجري تمريره، وكانت الحرائق تنتج الدخان اللازم لتمويهه. وبالطبع كان التدقيق في السردية يتيح لكل متمعن تفكيكها، فالأميركي لم يربح في حرب العراق ولا كيان الاحتلال ربح في حرب تموز 2006، ولا غزة سقطت أو انتحرت، ولا اليمن الجائع والمحاصر رفع الراية البيضاء، ولا إيران التي بنت وطوّرت كل شيء في الصناعة والزراعة والتقنيات والسياسات، تراجعت وتنازلت، وصارت تبحث عن تسويات الفتات، ولا سورية التي كادت تُمحى عن الخريطة كدولة رضخت وخضعت، بل الذي حدث هو العكس، إيران زادت قوة وها هي ناقلاتها النفطية على سواحل فنزويلا تتحدّى الأميركي، وسورية تستعيد سيطرة جيشها في أغلب الجغرافيا التي سلبت منها بحروب جنّدت لها الدول الكبرى حكومات وكيانات المنطقة الكثير الكثير، وغزة تهدّد بصواريخها عمق الكيان، واليمن الجريح يُمسك بناصية أمن الطاقة في الخليج، والمقاومة تمتلك ما طال انتظار امتلاكه، من تقنيات عسكرية، فتعلن التهديد بقلب الطاولة.

المهم في السردية أنها قالت إن ما يجري من حرب تجويع له وظيفة واحدة، هي التمهيد لتطبيق الجزء الخاص بضمّ الضفة الغربية من صفقة القرن. وهو القرار الذي كان وعد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مستوطنيه بأنه سيعلَن في الأول من تموز، وكتبنا قبل ذلك التاريخ بكثير، أنه لن يجرؤ على تنفيذه، كما كتبنا من أيام أعلنت صفقة القرن أنها ولدت ميتة، وعلتنا التي نستند إليها، تقوم في جوهرها على معادلتين، الأولى أن القصف المركز أو العشوائي ليس دائماً للتمهيد لهجوم بل هو أيضاً يكون تغطية للانسحاب فعلينا التبين بين الأمرين قبل الوقوع في الخطأ القاتل، فنتعامل مع الانسحاب كأنه هجوم، والثانية أن الخط البياني الذي حكم العالم منذ 1990 حتى 2020، هو خط يرسم مستقبله بثباته من دون تعرجات، فالأميركي لم يعُد قطعاً الأميركي الذي كان يوم سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، وروسيا لم تعد تلك الدولة المفكّكة التائهة، والصين لم تعد ذلك المشروع الباحث عن القوت لملايين الأفواه الباحثة عن الطعام، وإيران لم تعد كما كانت عام 1990 الدولة الخارجة من حرب دمّرت فيها كل شيء، وكيان الاحتلال لم يعد كما كان فهو اليوم عاجز عن الحرب وعاجز عن التسوية التي تشق صفوف السياسة والقوة والشعوب في المنطقة، والعراق ولبنان وفلسطين، وسورية واليمن، كلها متغيّرات تقول إن الخط البياني هو ما لخصته الدراسة المنشورة مؤخراً في مجلة السياسات الخارجية الأميركية فورين افيرز، عن سقوط الاستراتيجيات في القدرة على التوقع والاستباق.

المهم أن النقاش لم يعُد ضرورياً في التحليل والاستقراء، فقد اتضحت الصورة بالوقائع، كيان الاحتلال لا يحتمل تداعيات قرار الضم، والأميركي لا يستطيع توفير وسائل الحماية من هذه التداعيات، فصار المخرج المناسب تقاسم الأدوار بين مؤيد ومعارض، ليكون الإعلان عن التأجيل، وهو تأجيل بمقام الإلغاء لأنه انتظار لظروف أفضل لن تأتي، والعقوبات مستمرة والتجويع مستمر، لكنهما قصف لتغطية انسحاب أميركي يحتاج إلى شرطين لحماية كيان الاحتلال مما بعد الانسحاب وخطر وقوعه في الاستفراد امام محور مقاومة ينمو ويزداد قوة، وهو يعرضهما للتفاوض للمقايضة بالعقوبات، وقد أعلن واحد منهما المبعوث الأميركي لسورية جيمس جيفري، في عرضه حول قانون قيصر، مطالباً بالعودة بسورية إلى ما قبل عام 2011، أي التسليم بسيطرة الجيش السوري حتى حدوده آنذاك، وصولاً لنشر القوات الدولية على حدود الجولان المحتل، والمقايضة بين انسحاب أميركي تركي مقابل انسحاب إيران وقوى المقاومة، وعرض الثاني معاون وزير الخارجية الأميركية، ديفيد شينكر في أطروحته حول الأزمة المالية اللبنانية التي وجّه الاتهامات لحزب الله بالمسؤولية عنها، قائلاً في ختام كلامه، لديكم ثروات واعدة بالنفط والغاز في البحر ولديكم نزاع مع «إسرائيل» حولها، وأنتم في ضائقة، وقد عرضنا لكم تصوراً لحل النزاع فاقبلوا هذا التصور.

القضية تكمن في أن قوى المقاومة تعتقد انها تملك القدرة على تحمل حرب العقوبات، ومواجهة فرضيات التجويع، ولديها لكل منهما دواء وبدائل، ومعهما تثق بقدرتها على التمسك برفض عروض التفاوض، على أوهام السعي لتسوير كيان الاحتلال بتفاهمات أمنيّة تحميه، وهذا يفيض عن امتلاك القدرة اللازمة لإسقاط طموحات التوغل والتوحّش التي يتضمنها مشروع ضمّ الضفة الذي سيكون بانتظاره إن حصل، تصاعد في المواجهة الشعبية والمسلحة، قد يصل نحو لحظة الحرب الكبرى، أو يصل لاستيلاد نماذج متكررة عن غزة المحررة في قلب الضفة وربما قلب الأراضي المحتلة عام 1948، وربما كانت رسالة المقاومة بكلام السيد حسن نصرالله ورسالة الإعلام الحربي، دورها في إفهام من يجب أن يفهم.

وليد جنبلاط والصمود بوجه «الشموليّة الشرقيّة» ‏

Image result for ‫وليد جنبلاط كرتون‬‎

ناصر قنديل

أشار رئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ النائب السابق ​وليد جنبلاط​ في تصريح له عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​، إلى أننا «سنصمد بهدوء لكن بحزم، سنصمد في مواجهة ​التصحّر​ والتدمير وتغيير الهوية، سنصمد في مواجهة الشموليّة الشرقيّة دفاعاً عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، سنصمد أمام تسخير ​القضاء​ وتطويعه، سنصمد في مواجهة الاستيلاء على القرار الوطني اللبناني المستقل، سنصمد أياً كانت الصعاب ولن نستسلم». ومناقشة جنبلاط هنا هي مناقشة لمن يحاول منح البعد الفكري والثقافي لمعارك يشترك معه بخوضها آخرون، لا يجيدون فعل ذلك، فيأتي كلامهم دون مستوى السياسة، فيكون سوقياً مرات وطفولياً مرات، ومراهقاً أو غرائزياً أو فاضحاً للنيات أغلب المرات، ويبقى جنبلاط أثقفهم وأحذقهم فيستحقّ النقاش.

كلام جنبلاط يربط بلغة اللعب على العقل اللاواعي بين الشرق كوجهة جغرافيّة، وبين أنظمة الحكم الاستبداديّة في الذاكرة الإنسانية التي حكمته، فيستنبط معادلة الشمولية الشرقية، ويربط من جهة موازية الدعوة للتوجه شرقاً بمحاولة تغيير الهوية، ويعلن حرباً هادئة لكن حازمة، لحماية حرية الفكر والمعتقد من جهة والقرار الوطني المستقل من جهة مقابلة، فهل يستقيم الربط الأول والربط الثاني كي يستقيم الإعلان الوارد ثالثاً، واللعبة بين الظلال والضوء والمفردات والذاكرة، فالمنادى به عملياً هو التوجّه الاقتصادي نحو الصين، وبالتوازي التوجه للتعاون التجاري مع سورية والعراق، وليس مطروحاً على الإطلاق أن يكون ذلك على طريقة الانقلاب على العلاقات مع سائر الأسواق العربية والدولية، فما هي صلته بالشمولية وبتغيير الهوية وحرية المعتقد والفكر والقرار الوطني المستقل؟

الهوية التي يتحدّث عنها جنبلاط هي ضمناً العادات الاستهلاكيّة للفرد اللبناني التي تطبّعت على الأحادية الغربية، وربما تبقى كذلك. فالعالم كله مستغرق في هذه العادات، بغض النظر عن صحتها أم لا، الصين مستغرقة فيها، ولم تتغير هويتها كي تغيِّرنا، وفي أميركا بالتأكيد فإن كل الأميركيين يعيشون صرعاتها وصرخاتها، لكنها لم تشكل لهم هم هوية لتشكل لنا هوية نخشى عليها، وإلا علام ينفجر المجتمع الأميركي وتنتصب الحواجز بين مكوّناته وتسقط مشاريع الاندماج على جدار العنصرية، إن لم يكن على صراع هويات لم يحسم أمرها، ماكدونالد ولا هوليوود ولا البوب والجاز والجينز، فأي هوية ستغير فينا المتاجرة مع الصين أو التوجّه لاستقطاب شركاتها نحو إقامة مشاريع سكك حديديّة وتطوير مرافئ وإقامة مدينة لصناعة المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، وهل غيّر اعتماد مرفأ بوسطن ومثله مرفأ أمستردام على الشركات الصينية هوية الدول الغربية؟ وهل غيّرت تفاهمات الجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصالات بين شركة هواوي الصينية والدول والشركات الغربيّة هوية أحد؟

السؤال عن حرية الفكر والمعتقد والمبادرة الفردية، إيحاء بنظام اقتصادي سياسي ثمة من يسعى لاستيراده إلى لبنان، ومعه الإيحاء بمخاطر على الاستقلال الوطني والقرار الوطني المستقل، والاشتغال هنا يتم على ربط رموز إيحائية ببعضها، فصاحب الدعوة هو حزب الله، الملتزم بولاية الفقيه، التي تشكل قاعدة الحكم في إيران، والقضاء الذي يجري التأشير نحوه، هو القاضي محمد مازح بعد قراره الخاص بتصريحات السفيرة الأميركيّة، ولكن لعبة الترميز هذه تسقط بمجرد نقلها من العتمة إلى الضوء، ومفتاحها تفكيك قضية القاضي مازح و”مشروع حزب الله” لمصادرة حرية المعتقد، وحكاية القرار الوطني المستقلّ المهدّد من تجارة مع الصين، وليس من تحكم استبدادي لا يسري على دول حلف الأطلسي، تفرضه واشنطن ويطيعها سياسيون لبنانيون ويرفعون التبعية الذليلة للفيتو الأميركي إلى مرتبة نظرية الشرف الوطني.

السؤال البسيط في قضية القاضي مازح هو، إذا كان حزب الله وراء موقف القاضي مازح في مسعى تهديد الحرية وتسخير القضاء، فقد أسقط بيد القاضي مازح من قلب مؤسسة الدولة، فهذا يعني أن حزب الله أضعف من أن يمثل قوة قائدة للدولة، وهذا يتكرّر معه بمثل ما جرى في قضية تهريب العميل عامر فاخوري، وإذا كان حزب الله قوياً وقادراً لكنه لم يفعل شيئاً لترجمة توجهات مخالفة لما انتهت عليه الصورة، فهذا يسقط مبرر الخوف المزعوم من وجود مشروع لتسخير القضاء ومصادرة حرية الرأي والفكر والمعتقد، حتى عندما يكون الرأي والفكر هما العمالة والإجرام بعينهما، كما هو الحال في قضية الفاخوري. أما حكاية القرار الوطني المستقل، فهي بالضبط ما تنشده الدعوة للتوجّه شرقاً، لأن الخضوع للحملة التي تنظمها الدبلوماسية الأميركية ضد تطوير العلاقات مع الصين، والعقوبات التي تفرضها على العلاقات مع سورية، هي بعينها مصادرة القرار الوطني المستقل، أليس لافتاً أن دولاً في حلف الأطلسي كتركيا تتجرأ على تنويع مصادر سلاحها، خلافاً لمقاصد التهديدات الأميركية، وتشتري من روسيا منظومة دفاع جويّ، قالت لها الدراسات العسكرية انها الأفضل، وهو وضع يشبه حال لبنان المنتهك عسكرياً كل يوم بجولات طيران جيش الاحتلال، لكن الفارق أن في تركيا يتفوق القرار الوطني المستقل، وفي لبنان يتفوّق الخضوع، وقد سمعنا سياسيين كباراً يحذرون من تنويع سلاح الجيش اللبناني، ومنهم جنبلاط نفسه، دفاعاً عن القرار الوطني المستقل!

يبقى موضع التوجّه نحو سورية، وهو أمر يدرك جنبلاط القارئ الجيد لتاريخ لبنان، أنه جزء مكوّن ملازم وتأسيسيّ في كل نقاش سياسي بعيد عن النرجسية والعقد والحسابات الضيقة والأحقاد، فالجغرافيا مستبدّة كما يقول بسمارك وصانعة للتاريخ كما يقول نابليون بونابرت، ولبنان في الجغرافيا غارق في حضن سورية، وتاريخ لبنان يقول في السياسة سلماً وحرباً بحثاً عن حليف يحمي أو عن وسيط يصالح ويرعى، وفي الاقتصاد هرباً من الجوع أو طلباً للازدهار، وفي الاجتماع الإنساني بحثاً عن الملجأ أو تشبيكاً في العائلات، كانت سورية دائماً هي الوجهة الحتمية للبنانيين، ففي السبعينيات قصدتها القيادات المسيحية عندما شعرت بخطر داهم، وفي الثمانينيات قصدها جنبلاط عندما استشعر الخطر، وفي المرتين قصدها الجميع اقتصادياً واجتماعياً كملجأ من الحرب والحصار الناجم عن تداعياتها. وهذه الحقيقة الجغرافية تاريخية، كانت وهي قائمة وستبقى.

الأمر ببساطة أن هناك من حيث يدري أو لا يدري، يواكب نغمة يريد لها الأميركيون أن تسود بين اللبنانيين، نموت في الظل الأميركي ولا نمد يدنا طلباً لشربة ماء، والأميركي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل علينا، ويخاطبنا بلغة “رماه في اليم مكتوفاً وقال له إياك ثم إياك أن تبتل بالماء”، أو “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل وكول وشباع”، بينما المطلوب ببساطة الانفتاح بلغة مشتركة بين اللبنانيين على صمود من نوع مختلف عن الذي تحدّث عنه جنبلاط، صمود بوجه الجائحة الاقتصادية، بمبادرات ومشاريع ورؤى، لا تنتمي لمشاريع تهدد القرار الوطني المستقل وتمسّ السيادة فعلاً، وكل إقفال لمنافذ التنفس على اللبنانيين يهدف لخنقهم على طريقة جورج فلويد، الذي صرخ لا أستطيع التنفس، والتوجه شرقاً مشروع تنفس لأجل الصمود. هو بالمناسبة بعض بسيط من دعوات تاريخيّة للمفكر الكبير الراحل كمال جنبلاط، الذي وجد في سحر ثقافة الشرق شيئاً آخر غير الشمولية.

فيديوات متعلقة

مواضيع متعلقة

الحكومة تترنّح وتحتاج إلى قضيّة ‏

ناصر قنديل

الأكيد أن لا بدائل راهنة عند أحد في الداخل والخارج لحكومة الرئيس حسان دياب، لكن الأكيد هو أن خصومها يريدون لها أن تترنح لتكون جاهزة للسقوط عندما يصبحون جاهزين لوراثتها، سواء عبر انتصار سياسيّ إقليميّ على حلفاء الحكومة أو نضوج فرص التسوية معهم، والأكيد بالمقابل أن حلفاء الحكومة منقسمون في أولوياتهم، والحكومة بجدول أعمالها زادت الانقسامات فأضعفت الحلف الواقف خلفها وضعفت معه، ورغم ما يحق للحكومة أن تتباهى به لجهة وقف الانهيار السريع عبر توقفها عن دفع مستحقات سندات اليوروبوند، ورغم ما أنجزته في مواجهة كورونا بنجاح، ورغم أحقية الكلام عن عراقيل وضغوط خارجية وداخلية لأي محاولة للإنقاذ، إلا أن ذلك لا يشكّل إلا وصفة لتبرير الفشل، وليس لتحقيق النجاح، فيمكن التحدّث ليلاً نهاراً عن التركة الثقيلة وعن مصرف لبنان والمصارف وعن شبكة المصالح والمحاصصة، وعن التعقيدات الدولية والإقليمية، لكن لتقديم خلاصة مفادها، أن الحكومة تصرّف الأعمال ولا تملك خطة بل وربما لم تعُد تملك قضية، والأهم ليس أن تقتنع الحكومة بما تفعله، بل أن تستطيع إقناع اللبنانيين أنه المطلوب، وليس مهماً أن تتفاءل الحكومة بأن الغد أفضل من الأمس واليوم، بل أن تبقي نوافذ الأمل مفتوحة أمام اللبنانيين بوقائع عيشهم اليومية، لأن هذه هي مهمة السياسة.

الأسباب التي تُساق في تفسير الشلل الحكومي بمواجهة تفاقم الأزمة، والتي يتحدّث عنها الوزراء كلما سئل أحدهم عما يفعلون، معلومة قبل تشكيل الحكومة، ومن لا يملك وصفة واقعية وممكنة للتعامل معها وفي ظلها، كان الأفضل ألا يتحمّل المسؤولية، لا أن يتحدث اليوم عن مشكلات تبرر العجز يعرف اللبنانيون أنها كانت موجودة غداة تشكيل الحكومة، فلو كانت الجهات الدولية المقرّرة في توفير الأموال بوارد التراجع عن شروطها السياسية لما استقال الرئيس سعد الحريري، الذي يربط جهوزيته للبحث بالعودة بتغيّر هذه الظروف لأنه لا يريد أن يتحمل تبعات الانهيار الذي يتحمل مسؤولية رئيسية مع حلفائه وشركائه في الحكم في إنتاجه، وعدم دعم الحلفاء لمشاريع جذريّة كتغيير في مصرف لبنان أو تمسكهم بأسلوب المحاصصة، أو عدم تحول الشارع الغاضب إلى قوة دعم للحكومة لتحقيق توازن جديد مع الحلفاء والخصوم، وعدم وجود تيار نخبويّ فاعل إعلامياً وثقافياً وسياسياً يستثمر على فكرة حكومة مستقلين، كلها نتائج لم تكن بحاجة لاختبار ستة شهور لاكتشافها. وكان على الحكومة عدم الوقوع بأوهام أنها تملك قوة دفع تتيح لها تحقيقها، أو الرهان على نجاح مأزق الآخرين بفتح النوافذ لسقوف عالية في مطالبها وصولاً لتعديل التوازنات، بخوض الاشتباكات على كل الجبهات دفعة واحدة. هكذا وقعت الحكومة في تجريبية سياسية واقتصادية ومالية أفقدتها بالتدريج وهج الاندفاعة، وحوّلتها إلى قوة الاستمرار بفعل الجاذبية ورفض الطبيعة للفراغ.

لا صندوق النقد الدولي يقف وراء الباب، ولا سعر الصرف قابل للتحكم، ولا خطة إصلاح جذرية قابلة لتحقيق نتائج فورية، ولا إجراءات جراحيّة في مواجهة الفساد يمكن أن تحدث صدمة إيجابية، والناس غير مهتمة بما يمكن أن تقوله الحكومة عن إنجازات بمعايير دفترية، فالإنجاز الوحيد المطلوب، والخطة الوحيدة المطلوبة، والجواب الوحيد المطلوب، كيفية توفير فرص الصمود أمام اللبنانيين وحفظ الاستقرار الأمني، وتخفيض التوتر السياسي، ريثما يحدث أحد ثلاثة أمور، مناخ سياسي إقليمي جديد يتيح تغييراً في العلاقات الخارجية لصالح الانفراج، تقدير دولي لخطر الانهيار اللبناني يدفع لتمويل حاجات خطط النهوض من دون شروط سياسية قاتلة، تبلور تفاهمات سياسية داخلية بين الحلفاء أو بينهم وبين الخصوم تتيح فصل ما هو وطنيّ عما هو سياسي، على قاعدة التفاهم على معالم خطة إصلاحية واقعية تقتنع الحكومة بأنها أفضل من مئة خطة جميلة لا تعرف طريق التطبيق، ويعرف الآخرون أنها استحقاق لم يعد يقبل التأجيل.

بانتظار ذلك، خطة الصمود هي ببساطة وضع ترتيبات تتيح بما لدى مصرف لبنان من احتياطات بالعملات الصعبة، وما يأتي من تحويلات، وما قد يأتي من تنشيط حركة السفر إلى لبنان، توفير ما يكفي لحاجات لبنان لخمس سنوات بأسعار تضمن للمواطن اللبناني الحصول على أساسيات العيش بكلفة لا تزيد بأكثر من 50% عن كلفة تأمينها قبل عام من الآن. وهذا عملياً يعني العودة باللبنانيين إلى ما قبل سلسلة الرتب والرواتب من حيث مستوى معيشتهم، وهو أمر يمكن التأقلم معه ريثما تتوافر الفرص لخطط نهوض جدية، أو لانفراجات واقعية، وهذا ممكن وليس شديد الصعوبة تحقيقه، ويستدعي قراراً حاسماً بفصل الكتلة الأساسيّة من حاجات اللبنانيّين عن أسعار سوق الصرف، الخبز والمحروقات والكهرباء والهاتف والدواء واللحوم والألبان والأجبان والبيض وسائر المواد الغذائيّة الرئيسية، وإيجارات المنازل وأقساط المدارس والجامعات، وبدلات النقل، وتجميد الديون وفوائدها واستحقاقاتها على اللبنانيين أسوة بتجميد ودائعهم، وهذا بالطبع يستدعي فتح الباب لصناعات وزراعات كانت موجودة ودمّرها النظام الريعيّ، كما يستدعي الانفتاح على أسواق رخيصة، واعتماد التبادل بالسلع أو بالعملات الوطنية مع الخارج كأولوية، والتكامل في خطة الصمود مع الجوار الذي يبدأ بسورية بواقعية مصلحية، بمعزل عن السياسة.

على الحكومة أن تسارع بمصارحة اللبنانيين، بما لا تستطيع فعله ولا تعِد بفعله، وبما تستطيع وتعِد به وستفعله، وبخطتها تحت عنوان الصمود وليس الحلول السحريّة، وعن منع الأسوأ وليس تحقيق إنجازات، وعن فعل الممكن وليس الانتظار.

واشنطن تخسر الجولة الحاسمة حول الاتفاق النوويّ

ناصر قنديل

خلال لقاء جمعني خلال زيارتي لطهران، بوزير الخارجية الإيرانية الدكتور محمد جواد ظريف في مطلع شهر شباط الماضي، وفي لحظة تأزم حول الملف النووي، والتهديدات الأوروبية بنقل الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، وفقاً لبنود الاتفاق بمنح الأطراف الموقعة على الاتفاق هذا الحق إذا وقعت مخالفات متمادية في تطبيقه من جانب أحد الموقعين. وكان مفوّض السياسة الخارجية الجديد الأوروبية جوزيب بوريل يغادر طهران بعد جولة محادثات، قال ظريف، إيران لن تخرج من الاتفاق مهما كانت الضغوط والاستفزازات، فسوف نجد ردوداً من ضمن الاتفاق لأن أحد أكبر المكاسب القانونية والسياسية لإيران من الاتفاق يستحق في شهر تشرين الأول، وهو رفع الحظر عن استيراد وتصدير السلاح منها وإليها، وهو أمر تلقائيّ وفقاً لنصوص الاتفاق ولا يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن الدولي الذي صادق على الاتفاق، بل إن تجديد الحظر هو الذي يحتاج إلى قرار، تثق إيران ويعلم الأميركيون والأوروبيون أنه مستحيل في ظل فيتو روسي صيني، بالتمسك بمندرجات الاتفاق كنموذج لحل الخلافات الدولية بالطرق الدبلوماسية، وهو ما يعرفه الأوروبيون، ويعترفون به، لكنهم يجسّون نبض إيران، ويبحثون عن مخارج لا تضعهم في مواجهة مع أميركا من دون التفريط بالاتفاق النووي كمدخل لفرص اقتصادية واعدة، ولاستقرار سياسي وأمني موعود، ولذلك يسعى الأميركيون عبر الاستفزازات لإيصالنا إلى لحظة ضيق نخرج فيها من الاتفاق فنخسر هذا المكسب الكبير، لكننا لن نفعل مهما قلنا في سياق التصعيد إن خيار الخروج من الاتفاق وارد، والكلام يومها لم يكن للنشر طبعاً، لكنه اليوم بات من المفيد وضعه في التداول، فكل شيء قد بلغ النهايات.

بالأمس كان الموعد في مناقشات مجلس الأمن الدولي حول الطلب الأميركي بتجديد حظر السلاح على إيران، وكانت المواقف واضحة بتحميل واشنطن مسؤولية زعزعة مسار تطبيق الاتفاق عبر الانسحاب الأحادي. ولم يكن الأمر محصوراً بما قاله مندوبا روسيا والصين، بل أظهرت مواقف غالبية الأعضاء تقديراً للالتزام الإيراني بالاتفاق وموجباته، رغم الانسحاب الأميركي وتشديد العقوبات على إيران، وبدت المواقف الأوروبية الرافضة لتجديد الحظر بصفته إعلان سقوط للاتفاق، أقرب لموقف كل من روسيا والصين ولو بلهجة أخرى. والحصيلة خسارة أميركية مدوّية، وانتصار دبلوماسي نوعي لصالح إيران، التي سيكون بمستطاعها عقد صفقات شراء وبيع الأسلحة من دون تعقيدات قانونية أممية، والكلام الأميركي كان واضحاً لجهة وجود تفاهمات إيرانية مع كل من روسيا والصين على صفقات سلاح كبيرة، في ظل امتلاك إيران لبرامج تطوير صاروخي يحظى بدعم دبلوماسي صيني وروسي، وسيحظى وفق الاتهامات الأميركية بالمزيد من الدعم التقني واللوجستي بعد رفع حظر السلاح، وتحوّل الحركة الأميركية إلى طلقة طائشة في الهواء، رغم الحشد الإعلامي الذي قامت به حكومات الخليج وحكومة كيان الاحتلال لصالح تظهير خطورة رفع الحظر عن إيران.

بعد تشرين الأول إيران ستمضي سريعاً في تنمية مقدراتها العسكرية، وستصبح أشد منعة، وأكثر قدرة على توجيه التهديدات، وستفرض حضوراً عسكرياً كقوة أولى في المنطقة، لا يمكن تحدّيها، وما هي إلا شهور قليلة وتمضي، فكيف ستتصرّف إدارة الرئيس دونالد ترامب مع دروس هذه الجولة، في ظل انسداد الخيارات العسكرية، وانعدام فرص تحقيق أي تراجع لإيران وقوى المقاومة مهما بلغ الحصار وتمادت سياسات التجويع عبر تشديد العقوبات، وفي ظل تراجع فرص الرئيس دونالد ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية بعد تقدّم منافسه جو بايدن عليه بـ 14% من أصوات الناخبين وفقاً لاستطلاعات الرأي؟

المنطقة وفي قلبها لبنان على موعد مع الكثير من المفاجآت، خلال المئة يوم المقبلة، وكل حدث قابل للتحوّل إلى باب للتصعيد أو إلى باب للتفاوض، وإمكانيات الانزلاق للمواجهة شديدة السيولة بلا ضوابط، وإمكانيات فتح الأبواب لتفاهمات قائمة، وصمود محور المقاومة وقواه ومجتمعات الدول التي يتحرّك على ساحاتها ستزداد مؤشراته في الاقتصاد كما استعداداته في الميدان، رغم الضجيج والتهويل والحديث عن الانهيار، وربما يحمل شهر أيلول الإشارات الأهم في الدلالة على وجهة الأحداث في اللعب على حافة الهاوية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لا تبالغوا في أوهام إنهاء الحشد الشعبيّ وتكراره!‏

ناصر قنديل

شهدت بغداد خلال الأسبوع الماضي سلسلة عمليات حملت رسائل من فصائل المقاومة لواشنطن، مضمونها التذكير بالدعوة لرحيل قواتها من العراق، وتأكيد أن التراضي على حكومة مصطفى الكاظمي كان بغرض تسهيل تنفيذ قرار الخروج الأميركي من العراق، وليس فتحاً لباب تشريع هذا الاحتلال. وفي ليل 22 حزيران قامت وحدات في جهاز مكافحة الإرهاب التي تتبع بقرارها للكاظمي، كقائد أعلى للقوات المسلحة، بحملة اعتقالات لعدد من مقاتلي الحشد الشعبي، خصوصاً المنتمين لكتائب حزب الله، والحملة التي تم تسويقها من مناصري الكاظمي لدى الأميركيين بصفتها إثباتاً على استقلاله عن الحشد وشجاعته وقدرته على وضع حد لـ «الميليشيات»، تمّ تسويقها لدى قيادات الحشد بصفتها عملاً شكلياً لحفظ ماء وجه الحكومة ورئيسها بوجه الضغوط الأميركية والخليجية، فيما تمّ تسويقها إعلامياً وخصوصاً في وسائل الإعلام الخليجية بصفتها بدء العد التنازلي لمرحلة الحشد الشعبي، ونموذجاً قابلاً للتكرار في لبنان. وبدأت تخرج تحليلات في بعض المواقع اللبنانية تثير الضحك عن مشروع شبيه للكاظمي عنوانه النائب السابق لحاكم مصرف لبنان محمد البعاصيري.

في ليل 23 حزيران أقفل الحشد الشعبي كل مداخل المنطقة الخضراء، بوحدات مقاتلة ووجه إنذاراً للكاظمي عنوانه، أن محاولة الاستفراد بكتائب حزب الله لن تمرّ، وأن التمييز بين فصائل المقاومة لعبة مكشوفة، وأن ما جرى كان انتهاكاً صريحاً للاتفاق السياسي الذي تمت تسمية الكاظمي على أساسه، وبعد مفاوضات امتدت لساعات، تم التوصل إلى اتفاق يقضي بالإفراج عن عناصر الحشد الذين تمّت مداهمة منازلهم، خلال يومين، مقابل انسحاب وحدات الحشد الشعبي، وحفاظها على حال الاستنفار والجهوزية، وليل أمس خرج المعتقلون من السجن وقاموا بإحراق الأعلام الأميركية والإسرائيلية في الساحات العامة وتحت الكاميرات، وهتفوا ضد الكاظمي، وتم إسدال الستار على سيناريو بهلواني، يفترض أن بالمستطاع تغيير وقائع تمّت صياغتها بالدماء، بقرارات صنعت من الحبر، واستعادت التوازنات التي أنتجت حكومة الكاظمي، كإطار رسمي لانسحاب أميركي من دون معركة عسكرية، مكانها في السياسة العراقية، وصمتت طبعاً الأبواق الإعلامية التي كانت تتحدث قبل ساعات عن نظرية حجارة الدومينو، متوقعة تهاوي فصائل الحشد تحت مقصلة الكاظمي، واحداً تلو الآخر.

في لبنان لا تختلف الأوهام عن العراق، ولا يختلف أصحابها، لكن الوقائع اللبنانية أشد صعوبة عبر تاريخ عقود من المقاومة، والتجارب والاختبارات الصعبة لمناوئيها، والذين رفعوا الدعوات لنزع سلاح المقاومة كانوا من أصحاب الأوهام المستمدّة من قراءة المبالغات الخليجية حول المشهد العراقي، ويُفترض بهم إعادة حساباتهم في ضوء التطورات العراقية، وفي ضوء المستجدات على جبهة النفط والغاز، وما تؤكده من مكانة المقاومة اقتصادياً، في حماية المورد الرئيسي الذي يعول عليه لبنان لأجيال قادمة، وكذلك في ضوء المستجدات المعيشية، حيث بعيداً عن نقاش عقيم حول النمط الغربي للعيش أو نمط شرقي، كأن المطروح هو استبدال اللبنانيين لمطبخهم وأزيائهم وكتابة نشيدهم الوطني باللغة الصينية، تقول المعلومات إن المقاومة تقود مشروعاً لتعزيز صمود اللبنانيين بتأمين سلع استهلاكية أساسية من مصادر لا تستبدل نمط العيش الغربي، لكنها تترجم معنى التوجه شرقاً لجهة الأسعار الأرخص، ومستوردة بالليرة اللبنانية بحيث لا ترتب ضغطاً على سوق الصرف وسعر الدولار.

لو يخفف المتذاكون من أوهام رهاناتهم، ويبقون أقدامهم على الأرض، فيرتاحون ويريحون.

‎ الأميركيّون أكثر تواضعاً من عملائهم

ناصر قنديل

لا يجرؤ العملاء على المجاهرة بمواقف واضحة كأسيادهم، فيختبئون وراء شعارات ملفّقة، ويرفعون سقوفاً عالية، وهم يسمعون أسيادهم يفاوضون على سقوف مختلفة ويتحدثون علناً عن أهداف مختلفة، فهل هي عبقريتهم الخاصة أم هي التعليمات. الجواب جاء في كلام السفيرة الأميركية في بيروت التي كشفت سر اللعبة بتصريحاتها التي تطابقت مع أمر العمليات الذي ينفذه عملاء الخمس نجوم الذين تشغلهم السفارة وتشكل السفيرة رئيسهم المباشر. فما قالته السفيرة هو ما نسمعه من هؤلاء العملاء منذ أسابيع، والمضمون هو أن حزب الله بنى دويلة داخل الدولة ويستولي على مليارات الدولارات لحسابه، وهو بذلك سبب الأزمة الاقتصادية والمالية، ولا حلّ للأزمة إلا بسحب سلاح المقاومة، فهل هذا هو المشروع الأميركي؟

الواضح أن مَن هم أعلى رتبة من السفيرة مسموح لهم بما لا يسمح لها ولمن تشغلهم بقوله، فاللعبة هي أن تتولى السفيرة وجوقتها التحريض على حزب الله، ليتقدّم المسؤولون المعنيون، والذين يحق لهم بالكلام الجدّي بالسقوف التفاوضية التي تعبر عن جوهر الموقف الأميركي، فيقولون الكلام الرسميّ المعتمد. وهكذا جاء كلام المبعوث الأميركي الخاص حول سورية، ليحدّد المطلوب لقاء وقف العمل بقانون قيصر، قائلاً إن ما تسعى إليه واشنطن هو العودة إلى ما قبل العام 2011، عندما لم يكن هناك وجود لحزب الله جنوب سورية. والمعلوم طبعاً أن المقصود بهذا الوجود هو أمن كيان الاحتلال وجيشه، وليس أي شيء آخر، والأميركي لا يشعر بالحرج من الإجابة بنعم على هذا السؤال. كما لا يخفي أنه مستعد للانسحاب من سورية إذا تحقق ذلك، ضمن مفهوم العودة إلى ما قبل 2011، والقضية الوحيدة التي لا يجرؤ على التسليم بفعلها تحت عنوان العودة إلى ما قبل 2011، ليست مصير المتعاملين معه شرق سورية، بل مصير قراره بتبني ضمّ الجولان من جانب كيان الاحتلال.

على ضفة موازية يتحدث معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، فينتهي بعد تكرار استعمال سيمفونية جوقة السفارة عن مسؤولية حزب الله عن الأزمة المالية، ليبقّ البحصة ويقول ماذا يريد وماذا تستهدف إدارته، فيقول للبنانيين بصراحة تصل حد الوقاحة، لديكم أزمة خانقة وعندم غاز وفير وواعد تجارياً في بلوكات متنازع عليها مع كيان الاحتلال ولديكم تصور أميركي لحل النزاع فوافقوا على التصور. والمقصد معلوم وهو ترسيم الحدود البحرية لثروات الغاز اللبناني وفق خط فريدريك هوف الذي يمنح كيان الاحتلال الجزء الرئيسي من حقوق لبنان، ومعلوم أيضاً أن كيان الاحتلال المستعجل على بدء الاستثمار في حقول الغاز الشمالية لا يستطيع فعل ذلك من دون إنهاء الترسيم مع لبنان، خشية تهديدات المقاومة لكل شركة تدخل النطاق المائي الاقتصادي اللبناني أو المتنازع عليه، وفق المفهوم الدبلوماسي الرائج، ستعتبر أهدافاً مشروعة للمقاومة.

لا حاجة للشرح، للاستنتاج أن أي مسؤول أميركي مكلف بملف جدي، أي فوق مرتبة السفيرة قائدة جوقة الطبّالين، لم يتحدث عن نزع سلاح المقاومة كهدف واقعي، بل رسمت معادلات جيفري وشينكر إطاراً تفاوضياً مضمونه، نفرج عن المال للبنان مقابل قبول منح كيان الاحتلال ميزات من حقوق لبنان في الغاز والنفط، ونفرج عن المال لسورية، مقابل مقايضة وجود المقاومة جنوب سورية بالوجود الأميركي شمالها، شرط عدم إلغاء التبني الأميركي لقرار ضمّ الجولان من جانب كيان الاحتلال. وعلى جوقة عملاء أميركا “السياديين” في لبنان أن يخرجوا دون لف ودوران للمجاهرة بالحديث مباشرة عن دعوتهم لقبول ترسيم الحدود البحرية وفق شروط الكيان، وعلى زملائهم “الديمقراطيين” في سورية أن يعلنوا موافقتهم على قرار ضم الجولان، من دون ادعاء أنهم أعلم بمواقف أميركا من الأميركيين.

كيف تسيطر الحكومة على سعر الصرف؟

ناصر قنديل

الأمر الأكيد هو أنه ما دام الاحتياط الموجود لدى مصرف لبنان، مصدراً لتمويل حاجات لبنان من المشتقات النفطية والدواء والقمح، والتي تشكل المشتقات النفطية أكثر من 75% منها، وما دامت هذه الاحتياطات لا تتجدّد، فهي معرّضة لتآكل خلال مدة زمنية تتراوح بين سنتين وثلاث، حسب تطور أسعار النفط عالمياً. وهذا كافٍ لخلق طلب افتراضي إضافي على الدولار، لدى كل من يحمل الليرات اللبنانية لضمان قيمة مدخراته. وبالتوازي ما دام لبنان يعتمد في استهلاكه الغذائي على مواد مستوردة، وفاتورة الاستيراد مهما تضاءلت بفعل تراجع القدرة الشرائية للبنانيين، ستبقى عنصراً ضاغطاً على سوق الصرف، خصوصاً مع تعقيدات الحصول على دولار بسعر ثابت قيل إن مصرف لبنان سيقوم بتأمينه من عائدات تحويلات اللبنانيين، التي يشتريها بسعر موازٍ، فإن مصدراً إضافياً للطلب سيبقى قائماً في الأسواق.

عندما يتحدّث رئيس مجلس النواب نبيه بري عن حالة طوارئ مالية، واجبة، فهو يوحي بالتأكيد بإجراءات وتدابير غير تقليدية، لكن يجب الاعتراف أن هذه التدابير لا تتماشى مع ما عرفناه بنمط الاقتصاد الحر الذي نعيش فوق قواعده، في سوق الصرف الحر، حيث لدى المصارف ومَن تصنّفهم من مودعي الخمس النجوم، الذين استطاعوا الإفادة من هذه الميزات سابقاً لتهريب “قانوني” لودائع بمليارات الدولارات، الفرصة والحافز لتحويل الليرات اللبنانية التي بحوزتهم إلى دولارات ثم تهريبها كلما أمكن ذلك، متسببين بضغط لا يمكن إلا أن يوصل سعر الصرف إلى مستويات لا يمكن السيطرة عليها؛ ولذلك فإن أول النقاش يجب أن يكون حول القدرة على اتخاذ تدبير استثنائي ومؤقت يعمل به لستة أشهر قابلة للتجديد، يمنع شراء الدولار من دون موافقة تتصل بالاستيراد أو تحويلات معللة للخارج، سواء أكان ذلك بسعر مدعوم أم بسعر سوق مفتوحة. وهذا يستدعي خصوصاً أن تمتلك لجنة الرقابة على المصارف صلاحية الاطلاع اليومي على حركة النقد لدى المصارف لمراقبة أي دخول للدولارات إلى أي من حساباتها والتحقق من وظيفته، وصلته بعملية استيراد حصلت على الموافقة.

إنّ تخفيف الضغط الذي تولده فاتورة المشتقات النفطية، سواء على مخزون مصرف لبنان من الدولارات، أو على السوق بالذعر من الإيحاء بقرب نفاد مخزون مصرف لبنان، يجعل الأولوية لتأمين بدائل لتوفير هذه المشتقات من خارج معادلة استخدام مخزون مصرف لبنان، ما يزيد الثقة بقدرة هذا المخزون على توفير سائر الاحتياجات لعشر سنوات، ولبلوغ ذلك ثلاث طرق، اتفاقات ميسّرة من دولة إلى دولة تؤجل السداد وتقسطه لسنوات مقبلة، تمتد من خمس إلى عشر سنوات، مع فترة سماح لخمس سنوات. والثاني هو الأهم والمستقبلي، ويتمثل بوضع قرارات تنفيذية بالتعاون مع العراق وسورية لتشغيل أنبوب كركوك طرابلس، وإحياء مصفاة طرابلس مع شريك دولي يمكن أن تكون روسيا والصين مهتمتان به تمويلاً وتشغيلاً. والطريق الثالث الجاهز، وفقاً للعرض الذي قدمه الأمين العام لحزب الله بشراء المشتقات النفطية من إيران بالليرات اللبنانية، التي لن يشتري بها الإيرانيون دولارات بل سيستثمرونها في لبنان، وهو ما يسهم في خلق دورة اقتصادية إضافية من خلالها. وكل هذه القرارات قابلة للجمع معاً، لكنها تستدعي التحرر من عقلية ربط كل خطوة حكومية بالخوف من ردة فعل أميركية وانعكاسها على المفاوضات مع صندوق النقد. وبيد الحكومة جواب بسيط إن سئلت، أن هذه الخطوات قابلة للتراجع عندما تتعارض مع مقتضيات دعم الصندوق للبنان، عند التوصل لنتائج إيجابية بحجم يقنع الحكومة بجدوى التراجع عن خطواتها.

لتخفيف الضغط على سوق الصرف، يكفي التفكير بنتائج تفاهم لبناني سوري عراقي، يفتح طريق التصدير اللبناني نحو العراق، واعتماد تبادل سلعي بين لبنان وسورية من دون المرور بالدولار. وهنا سيكسب لبنان مرتين، مرة بكون أرقام مستورداته للسلع التي لا ينتجها ويستوردها، ستكون أقل بكثير من حجمها عندما يستوردها من مصادر أخرى، خصوصاً المواد الغذائية، ومرة ثانية لكون هذا الاستيراد لن يرتب ضغطاً على سوق الصرف، ولذلك يجب أن ينتبه اللبنانيون والمسؤولون خصوصاً، على أن احد أسباب الضغط على لبنان للالتزام بالقطيعة مع سورية، ليس عقاباً لسورية، بل ترجمة لقرار تسريع سقوط لبنان، بعدما كشف معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر هدف الضغوط، وهو قبول لبنان بخط ترسيم الحدود البحرية المقترح أميركياً والمعروف بخط فريدريك هوف، الذي يرضي كيان الاحتلال، وينهب من حقوق لبنان ما يعادل عشرات مليارات الدولارات من ثروات الغاز.

المطلوب شجاعة القرارات الكبرى، وسنشهد كيف يتأقلم الأميركي معها.

جيفري و2011… أم برّي و1982؟

ناصر قنديل

وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري الأزمة المالية التي تزداد وطأتها على اللبنانيين، في قلب مقاربة يتجاهلها الكثير من السياسيين، ويرغب الكثير من المسؤولين مواصلة حالة الإنكار في النظر إليها؛ وجوهرها أن صراعاً استراتيجياً يدور من حول لبنان، وتتداخل فيه محاولات الاستحواذ على موقع لبنان الحساس في هذا الصراع المثلث الأبعاد، لدرجة تحوله إلى الموقع المقرر في رسم مستقبل الوجهة التي سيسلكها الوضع من حوله في ضوء الموقع الذي يرسو عليه لبنان، والصراع المثلث الذي تحدّث عنه بري، هو الصراع على قوس النفط والغاز في الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وفي قلبه محاور الممرات المائية نحو أوروبا، والصراع على سورية ومن حولها من بوابة قانون قيصر، وموقع دول الجوار السوري فيه، والصراع على أمن كيان الاحتلال ومستقبل القضية الفلسطينية، من بوابة صفقة القرن، ضمن محاولة تفتيت المنطقة إلى كيانات عنصريّة متناحرة.

التدقيق في خريطة بري، يُظهر نقاط الضعف والقوة في المشهد الاستراتيجي، كما يظهر الموقع الحاسم لتموضع لبنان في رسم مستقبلها، بصورة تفسر استعارته لتشبيه الوضع بما كان عليه عام 1982، مع اجتياح جيش الاحتلال للعاصمة اللبنانية، فمن جهة تقف مصر سداً أمام الأطماع التركية في نفط وغاز ليبيا، لكنها شريك في أنبوب غاز مع كيان الاحتلال يستهدف شق الطرق المائية نحو أوروبا، تمنعه اتفاقات تركيا مع حكومة فائز السراج في ليبيا، فتحمي عملياً أحادية الأنبوب الروسي التركي نحو أوروبا، ومن جهة مقابلة، يقف العراق في ظل حكومته الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي على ضفة التمسك بالاستثناءات من العقوبات الأميركية على إيران، فيما تسعى واشنطن مقابل ذلك لضمان مشاركته في إغلاق حدود الجوار السوري ضمن مفاعيل قانون قيصر، ومن جهة ثالثة يشكل الأردن المتضرّر الأكبر من صفقة القرن، سواء بضم القدس وغور الأردن إلى كيان الاحتلال، أو أصلاً بإحياء نظرية الوطن البديل للفلسطينيين، الرئة التي يراد إقفالها على سورية، وهو الشريك في أنبوب الغاز المشترك بين مصر وكيان الاحتلال.

وفقاً لخريطة بري يبدو لبنان حلقة الترجيح في ظل تعقيدات محاور الاشتباك الساخن الدائر من حول لبنان، كما عام 1982، فرفض رفع الراية البيضاء أمام المشروع المثلث لكيان الاحتلال، بعناوين أميركية، لخنق المقاومة وسورية وتمرير أنبوب الغاز إلى أوروبا، سينتج خريطة جديدة. وتبدو صيغة بري للمواجهة هذه المرة من موقع الدولة خلافاً لمواجهة عام 82 في الميدان، ولذلك فهي تقوم على تمسك لبنان بحقوقه في النفط والغاز، في المفاوضات التي يمسك بري بإدارتها، غير القابلة لإعادة النظر، ويتكامل مع سورية لتشكيل أنبوب ثالث لثروات المتوسط، يتطلع لضمّ الأردن ومصر إليه، وبناء علاقة تعاون مع روسيا من موقع عربي مستقلّ عن تركيا وكيان الاحتلال. ونقطة القوة اللبنانية هنا يكشفها الربط الأميركي الذي كشف عنه معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر بين ترسيم حدود لبنان البحرية بما يُرضي كيان الاحتلال وأزمة لبنان المالية، من جهة، وبين هذا الترسيم وقدرة كيان الاحتلال على استثمار ذي قيمة تجارية لكيان الاحتلال لثروات الغاز، من جهة موازية، تفسر الإلحاح الأميركي، وفي المسارات الموازية لا تبتعد خطة بري عن سعي لسوار لبناني عراقي أردني يخاطب العقوبات على سورية بلغة المصالح الوطنية لدول الجوار السوري، وعن سعي لموقف مصري سوري أردني عراقي لبناني موحّد من صفقة القرن الهادفة لتصفية مصالح الفلسطينيين وقضيتهم، وإصابة مصالح حيوية للبنان بتصفية حق العودة، وللأردن بجعله وطناً بديلاً للفلسطينيين، وتصيب مصالح العراق ومصر باستقرار إقليمي سيتكفل بتفجيره حصار سورية وانهيار لبنان، وانفجار فلسطين.

تقابل دعوة بري، دعوة أميركية أطلقها المبعوث الأميركي الخاص حول سورية، جيمس جيفري، كاشفاً الإدراك الأميركي لتغير الموازين، بإعلان هدف الضغوط الأميركية الجديدة، تحت عنوان العودة إلى ما قبل 2011، لجهة التسليم بانتصار الدولة السورية، مقابل سحب وجود قوى المقاومة من سورية. بينما العودة إلى ما قبل العام 2011 في روزنامة بري تعني، العودة إلى ما قبل خط هوف المقترح أميركياً لترسيم الحدود البحرية للبنان بمنظار مصالح كيان الاحتلال، وما قبل صفقة القرن والاعتراف الأميركي بضم الجولان، وما قبل العقوبات المشددة على إيران، وما قبل حرب اليمن، فهل غابت عن العقل الأميركي استحالة العودة إلى العام 2011 على قدم واحدة، وما يمكن أن يفتحه العنوان من أبواب موازية، تلاقيها دعوة بري التي تنتظر لتكتمل معالمها نضجاً لبنانياً، وانتباهاً مصرياً وعراقياً وأردنياً؟

روسيا والصين وكسر حاجز الصمت

لزمن طويل كانت الدوائر الدبلوماسية في الصين وروسيا تفضل البقاء في دائرة الدفاع عن سياساتهما الرسمية القائمة على عناوين عريضة من نوع رفض الحروب والتدخلات والاحتكام إلى القانون الدولي والمساعي الأممية بحثاً عن الحل السياسي. وبعد التموضع الروسي في سورية رفع الروس وتيرة المشاركة في السجال الذي تمتهنه واشنطن لتسويق سياساتها، لكنهم بقوا عند حدود الدفاع عن نزاهة الدور الروسي وقانونيته وشرعيته والحرص على عدم توجيه الاتهامات المباشرة لواشنطن حرصاً على عدم التورط في الرد والرد على الرد.

أظهرت الأيام الأخيرة تطوراً نوعياً في السجال الأميركي الروسي الصيني حول لبنان، فخرج السفير الروسي على قناة المنار يصف اتهامات معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر لحزب الله بالمسؤولية عن الأزمة الاقتصادية بدفاع مستغرَب عن الفساد ومسؤوليته في تخريب الاقتصاد اللبناني ومحاولة تسييس يائسة للملف الاقتصادي، مؤكداً اهتمام الشركات الروسية بلبنان، واضعاً محاولات واشنطن إبعاد روسيا والصين عن لبنان في دائرة السعي لوضع اليد على لبنان كحلقة في النفوذ الحساس في منطقة الشرق الأوسط من زاوية جيواستراتيجية بينما روسيا والصين تؤمنان بأن لبنان بلد توازنات يجب أن يتعاون مع الجميع.

كلام السفير الصيني، الذي نادراً ما يدخل على الملفات الخلافية، ونادراً ما يتحدث عن السياسات الدولية واللبنانية خارج إطار العموميّات، جاء بسقف عالٍ في رده على شينكر، وصولاً لحد نصيحة الدبلوماسي الأميركي بالاهتمام برفاه شعبه وصحته في ضوء تعثر إدارته بمواجهة وباء كورونا مفصلاً في رده كل النقاط التي اثارها شينكر في محاولة التشويش على أي انفتاح لبناني صيني. واللافت هو اللغة العالية النبرة التي استخدمها السفير الصيني قياساً بتحفظه التقليدي، وبالطريقة الصينية المعتمدة بتفادي السجالات.

الواضح أن روسيا والصين قررتا كسر جدار الصمت أمام الحملات الأميركية، لكن الأوضح من خلال اللغة الأميركية القاسية في التطاول على روسيا والصين، والردود الروسية الصينية الأشد قسوة، ولو من موقع الدفاع، هو أن لبنان بات نقطة صراع مفصليّة على ساحل المتوسط، وأن التبعية الثقافية للعديد من السياسيين والمسؤولين اللبنانيين التي تعميهم عن رؤية حجم تراجع القدرة الأميركية على الاستئثار بالنقاط الجيواستراتيجية على ساحل المتوسط، ستجعل الصراع أشد وطأة على لبنان واللبنانيين.

مقالات متعلقة

تهديد السيد نصرالله… وتراجع نتنياهو عن الضمّ

ناصر قنديل

إطلالتان نوعيّتان للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، واحدة رسم خلالها معادلة زوال كيان الاحتلال، بعدما صار بقاء الكيان مرهوناً بالحماية الأميركية، كاشفاً أحد أسباب الدعوة لرحيل الأميركيين عن المنطقة، وأحد أسباب التحرشات العسكرية لجيش الاحتلال في سورية بهدف تفجير مواجهة يتورط الأميركيون فيها بدلاً من الرحيل، متحدثاً هنا عن فرضية أسماها بالحرب الكبرى التي يستعدّ لها محور المقاومة. وإطلالة ثانية تناول فيها العقوبات الأميركية، وصولاً إلى وصفها تهديد بالقتل ردّ عليه بمعادلة القتل ثلاثاً، وفهمت من دوائر القرار في كيان الاحتلال إعلاناً ضمنياً عن اكتمال جهوزية ما وصفه السيد نصرالله في إطلالته السابقة بمستلزمات الحرب الكبرى. بعد الإطلالتين جاء الفيديو الذي عمّمه الإعلام الحربي وفيه إحداثيات لمواقع حيوية في الكيان، مرفقة بعبارة «أنجز الأمر»، التي سبق للسيد نصرالله استعمالها في تأكيد امتلاك المقاومة للصواريخ الدقيقة، التي كانت محور تساؤل قادة الكيان، وسعيهم لمنع المقاومة من امتلاكها.

الاستخلاص الرئيسي لتتابع الإطلالتين ورسالة الإعلام الحربي خلال أقل من شهر، هو أن هناك مرحلة جديدة دخلها محور المقاومة، يعلنها السيد نصرالله، عنوانها أولاً، جهوزية ميدانية ولوجستية لمواجهة من نوع جديد، بعد مرحلة كان سعي المقاومة خلالها لتفادي التورط في المواجهات لمنح الأولوية لاستكمال هذه الجهوزية، وهذا يعني أن على قادة الكيان الآن أن يقيموا حساباتهم جيداً قبل أي مناوشة أو تحرش، لأن الأمور قد تغيّرت، وللمرحلة الجديدة عنوان ثانٍ هو أن مواجهة تبعات وتداعيات صفقة القرن، لن تقتصر بالنسبة لمحور المقاومة على الساحات السياسية والشعبية، إذا ما أقدمت قيادة كيان الاحتلال على ارتكاب حماقات تفجر غضب الشارع الفلسطيني، كالإقدام على ضمّ الأجزاء التي تبلغ مساحتها ثلث الضفة الغربية إلى الكيان، وفقاً لنصوص صفقة القرن. أما العنوان الثالث للمرحلة الجديدة، فهو أن التعامل مع العقوبات المالية، سيتمّ بصفتها وجهاً من وجوه الحرب، وسيتم تحديد قواعد اشتباك تشبه تلك القائمة في الميدان العسكري، بحيث يتم تصنيف حجم الأذى الناتج عن العقوبات، وما يوازيه من رد في الميدان الذي تمسك المقاومة بزمام المبادرة فيه، وهو الميدان العسكري.

حتى الآن، لم تظهر إشارات توحي بأجوبة أو مشاريع أجوبة، على تأثير كلام السيد نصرالله على المسار المالي، بينما تتوقع بعض الجهات المهتمة بجس النبض الأميركي أن يظهر الأثر مرونة أميركية في مفاوضات صندوق النقد الدولي مع لبنان من جهة، ومن جهة موازية في عدم ممارسة ضغوط على لبنان للالتزام بالعقوبات على سورية، لكن أثر كلام السيد نصرالله، على حسابات قادة الكيان لقواعد اشتباك جديدة في سورية، لا يجوز خلالها استسهال مواصلة التحرشات، لأنها قد تنزلق إلى حيث لا يمكن التوقع، أظهرته النقاشات التي حفلت بها وسائل إعلام الكيان، أما الأثر الثاني على مسار ترجمة صفقة القرن، فقد حملت الصحف العبرية توقعات ومعلومات تفيد بتراجع حكومة بنيامين نتنياهو عن مشروع ضم 33% من الضفة الغربية، والتفكير بإعلان رمزي عبر ضمّ 3% فقط، بينما كان لافتاً كلام معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر عن تقديره لعقلانية نتنياهو، بتأجيل التفكير بضمّ أجزاء أساسية من الضفة الغربية، محاولاً تصوير ذلك نوعاً من المراعاة لحكام الخليج، بصورة تثير ضحك من يسمع، ويعلم أن لا شيء يدفع قادة الكيان والأميركيين لإعادة الحسابات، إلا الشعور بالخوف والذعر، وهو ما فعلته معادلات السيد نصرالله، وليس تغريدات وزير دولة خليجي، وصار مثلها مضحكاً ما قيل عن ربط العقوبات بالسعي للتغطية على إجراءات ضمّ الضفة الغربية.

الحريري وموازين الربح والخسارة في لقاء بعبدا

ناصر قنديل

فيما يجنح النائب السابق وليد جنبلاط نحو ترميم البيت السياسي الداخلي لطائفته، ويضمن إغلاق النوافذ أمام الاختراقات، أو أمام الاستثمار على الخلافات لجعلها مدخلاً لتصفية حسابات في ظل سعي موازٍ بتنظيم العلاقة برئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر، على قاعدة عنوانها الفصل بين الوطني والسياسي، فيسلّم الراية لرئيس مجلس النواب نبيه بري لهندسة الخطوتين، فإن جنبلاط يضع أمامه خطورة المرحلة وما يرد من معلومات عن وجود مخططات للعبث الأمني، بالتزامن مع قراءة لاتجاه الوضع الاقتصادي والاجتماعي نحو المزيد من التأزم، مستنيراً بصورة ثنائي حزب الله وحركة أمل، أملاً بتحقيق بعض التعاون والتبريد والتهدئة للعصبيات الحزبية في الجبل، رغم صعوبة وجود أرضية سياسية تجمعه بالنائب طلال أرسلان كالتي تجمع الثنائي، تتيح بلوغ مراتب التنسيق لضبط الشارع والجغرافيا في أداء الثنائي.

المسعى الذي ترجمه الرئيس بري في جمعه لجنبلاط وارسلان، يشكل مشروعاً كاملاً لديه، لمحاولة وضع الخلافات السياسيّة في إطار يحمي الساحة من الاختراقات، ولا يرمي لإنهائها أو لجعل أحد الفريقين رابحاً والثاني خاسراً. فالوضع خطير ويزداد خطورة، وما سيجعل الانهيار كارثياً هو أن يتلاقى الضغط الاقتصادي مع توترات سياسية تتحول طائفية ومذهبية وحزبية، ثم يفاجأ الجميع بلاعب أو بلاعبين جدد يدخلون الساحة من بوابة الخلافات والفوضى وفقدان السيطرة، ولذلك سعى بري لإقناع من يستطيع إيصال صوته إليهم بأهمية المشاركة في لقاء بعبدا، الذي لا يجوز النظر إليه كسياق لإلغاء المعارضة، بل لمشاركتها في خطة تحصين تتيح للصراع السياسي أخذ مساحة التأثير اللازمة، في مناخ صحي غير قابل للتفلت، ويبقى تحت السيطرة.

الرئيس سعد الحريري يشكل الحلقة الأهم في مسعى بري، لكن الحريري يعتقد، كما بعض أوساطه، أن مشاركته خسارة كاملة له وربح كامل لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اللذين يعتبرهما الحريري الخصمين الراهنين، فيختلط في الحساب مصطلح الخصومة بمصطلح القطيعة، ويمكن النظر لهذه الرؤية كتعبير عن استجابة لاواعية لمناخ شعبوي عنوانه إسقاط العهد والحكومة، وكأن الأمر وارد وراهن وممكن وفي الطريق، ويأتي اللقاء في بعبدا فيجهض كل شيء؛ بينما يعلم الحريري ومستشاروه، أن الأمر الوارد حدوثه قبل بلوغ لحظة فاصلة نحو إسقاط الحكومة وبعدها العهد، هو إسقاط زعامة الحريري نفسه، لأن المشروع الذي يملك مقدرات وأجهزة مخابرات وأموالاً، تحت عنوان إسقاط الحكومة والعهد يدرك استحالة تحقيق المهمة، فيكتفي منها ببلوغ مرتبة متقدّمة من الفوضى، ويكتفي من الفوضى بالسيطرة على شمال لبنان، ومن السيطرة على شمال لبنان تكفيه نهاية الزعامة الحريريّة، والحريري يدرك بالتفاصيل مضمون هذا الكلام.

التهدئة السياسية، وسحب المناخات المتوترة تجهض المشروع الواقف وراء الباب، وتمنح اللاعبين المدعوين إلى بعبدا فرصة الربح المتبادل، بقطع الطريق على مشاريع مموّلة من الخارج لإنتاج زعامات بديلة، او تعويم زعامات سابقة أصابها الضعف، أو التهميش، ولهذا يفكر الجميع بإقفال الأبواب أمام هذه الفرص، ومعها يسعى بري لإقفال الأبواب أمام الفتن. والفتن ليست فقط مذهبية، بل داخل المذهب الواحد، وليست محصورة بمنطقة وطائفة، بل هي تستهدف كل المناطق والطوائف، لكن ما بات منها قيد التشغيل هو ما يعدّ للعائلة الحريرية، وما يقطع الطريق عليه شيء واحد، اسمه الحصانة الوطنية، التي لا يوفرها لقاء رؤساء الحكومات السابقين، حيث واحد منهم لا حول ولا قوة، وآخر ينتظر ساعة سقوط الحريريّة ويفتح القنوات مع بدائلها الشمالية ورعاتهم لاستثنائه من الاستهداف، وثالث يمهّد للحريري طريق السقوط أملاً بالوراثة.

حرب نفسيّة وعملاء خمس نجوم

ناصر قنديل

تشتغل الحروب الإعلاميّة والنفسيّة على تفكير الناس النمطي المستمدّ من ذاكرتهم العميقة، لتمويه التغييرات التي تكفّلت بإضعاف قدرة القوى الإمبراطورية عندما تتآكل سطوتها. ففي الذاكرة العميقة رافقت القوة والتخطيط والانتصارات صورة هذه الإمبراطورية، وكيّ الوعي الاستباقيّ كي لا يتم التجرؤ عليها وشق عصا الطاعة بوجهها وقد تغيّر الحال، لا يتمّ إلا بإعادة التذكير بالصورة النمطيّة التي تحفظها الذاكرة العميقة للشعوب المستهدفة. وهذا هو الحال مع كل قوة كانت عظمى وتدرك بفعل اختبارات القوة التي عايشتها، انها فقدت قدرة فرض السياسات عن طريق قوة السحق، كما تعجز عن منع نهوض سياسات مناوئة عن طريق قوة الردع، خصوصاً عندما تعرف هذه القوى التي كانت عظمى حتى الأمس أنها لم تعد قادرة على رسم استراتيجية متكاملة لتحقيق أهدافها، لأنها لا تمتلك المقدرات اللازمة لفرض هذه الاستراتيجية، ولا تستطيع امتلاك التوقعات المختلفة لسيناريوات الاشتباك والتحسب لها، ولأن استراتيجيات خصومها تكتفي بمنعها من التقدم تحت عناوين وطنية وأخلاقية تتفوق على عناوينها، ولأن التساكن لا يصلح كاستراتيجية بما يجلبه من تآكل واهتراء، ولأن التسليم بالأمر الواقع الجديد له تداعيات تتخطى نقاط الاشتباك، تصير التجريبية هي الخطة، شرط رسم خريطة حركتها بين حدَّي عدم التسليم وعدم التورط في المواجهة، وتصير لخطط المواجهة التكتيكية مهمة واحدة هي الحرب النفسية للإيحاء بأن كل شيء تحت السيطرة.

مَن يدقق بكيفية التعامل الأميركي في الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم كل فظاظة الخطاب، وعنجهيّة الاعاءات، سيكتشف بسهولة أن كل الخطوات التي قامت بها واشنطن في المنطقة، هي جزء من حرب نفسية تهدف للحفاظ على الصورة النمطية للقوة الأميركية، وقدرة التخطيط الأميركي، لكنها تفتقر لوصف الخطة أو الاستراتيجية. فخبرة ولايتي الرئيسين جورج بوش الإبن وباراك أوباما، كافية للجواب عن سؤال حول مدى حدود قدرة القوة العسكرية والعقوبات المالية على تحقيق الأهداف الأميركية، وأن اعتماد جرعات أكبر أو أقل من هذه أو تلك، بين حدَّي عدم التسليم بالأمر الواقع وعدم التورط في مواجهة، لا تشكل خطة ولا ترسم استراتيجية، بل يفضح التقلب بين هذه الجرعات والتراجع عنها ولو بصيغة استثناءات لبعض العقوبات، أو إعلان التعالي عن الوقوع في فخاخ الاستدراج على مواجهات، المنهج التجريبيّ الذي يحكمها لتثبيت التحرك بين حدَّي عدم التسليم بالأمر الواقع الجديد، وعدم التورّط في مواجهات.

خبرة القوى الفاعلة في ساحات الاشتباك، خصوصاً مربع روسيا والصين وإيران وقوى المقاومة، وفي طليعتها سورية، خلال عشر سنوات مضت، وبلغت ذروتها مع إدارة ترامب، تكفي لتعرف سلفاً أن كل حملات التهويل والتهديد، المرافقة لوضع قانون قيصر للعقوبات على سورية قيد التنفيذ تنتمي إلى هذا التمويه على العجز باللجوء إلى الحرب النفسية، ولذلك كانت قراءة سريعة لنصوص القانون كافية لإدراك أنه كذلك، بل إنه رسالة تفاوضية لصياغة قواعد اشتباك تسعى لفتح الباب للانسحاب الأميركي، مقابل تصفير الخسائر بدلاً من تحقيق الأرباح التي كانت تقف وراء الحروب والعقوبات، كأهداف معلنة، وتصفير الخسائر يتضاءل حجمه وينخفض سقفه من السعي للحفاظ على المكاسب التي حققها حلفاء واشنطن في مرحلة صعود مشروعها، إلى ارتضاء عدم تدفيعهم خسائر فشل المشروع؛ وفي مقدمة هؤلاء كيان الاحتلال، الذي يسعى الأميركي لربط انسحابه بتحصينه بأحزمة أمان على الجبهتين السورية واللبنانية، واللبنانية السورية، يسهل تفكيك رموزها وكشف عناوينها، مهما تزيّنوا بادعاءات مموّهة، أو تخفوا وراء أقنعة مزيفة.

هذا هو مغزى حملات إعلامية سياسية لبنانية عن معابر غير شرعية مع سورية، ومكافحة التهريب كسبب للانهيار المالي، والدعوات الموازية لتطوير دور اليونيفيل، وفتح ملف سلاح المقاومة، وصولاً لربطه بالمسؤولية عن الأزمة الاقتصادية. وهذا معنى الحديث الأميركي المباشر عن ربط التراجع عن القانون مقابل إشارات بتموضع جديد لإيران وقوى المقاومة في سورية، وتركيز بعض مسمّيات “المعارضة السورية” على هذه العناوين كأهداف لحملاتها الإعلامية والسياسية، وهذا كله ما يسمّيه الأميركيون بدور عملاء الخمس نجوم.

رئيس الحكومة إلى الصين… ماذا ننتظر؟ ‏

ناصر قنديل

مقابل سقف وهميّ يبلغ 21 مليار دولار على سنوات عدة لمجموع ما يمكن أن يقدّمه صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر معاً، تخاض حرب سياسية إعلامية تستهدف الدعوة لنزع سلاح المقاومة، والقطيعة مع سورية، والقبول بترسيم الحدود البحرية بما لا يُغضب واشنطن، ويلبي بالتالي مصالح كيان الاحتلال على حساب لبنان، وعدا عن الأكلاف الباهظة لهذه الأثمان. فمعلوم بمنطق الحسابات الواقعية بعيداً عن أي وطنية ومبادئ، أن دون تنفيذ هذه الطلبات معارك يعجز دعاتها الداخليّون عن خوضها، ويعجز دعاتها الخارجيّون عن فرضها بالقوة، وبالمقابل يرفض المعنيون بهذه الدعوات التنازل عن ثوابتهم بقبول هذه الدعوات لتجريدهم مما يرونه مفهومهم للسيادة والدفاع عنها.

بالمقابل بات ثابتاً أن هناك عرضاً صينياً، يصل لـ 30 مليار دولار، يمكن أن تستثمرها شركات صينية، وفقاً لتفاهمات من دولة إلى دولة، تطال تطوير مرفأي طرابلس وبيروت وفق معايير عالمية وربطهما بخطوط سكك حديد مع بغداد عبر دمشق، وإنشاء واستثمار خط سكك حديد سريع بين طرابلس والناقورة، وتنفيذ وتشغيل معامل كهرباء وشبكات نقل لتوفير الكهرباء 24/24، وإنشاء وتشغيل نفق ضهر البيدر، وبينما لا مجال للحديث هنا عن هدر وفساد، سيتم توظيف أموال صندوق النقد وسيدر ضمن آليات سبق اختبارها ويعشعش فيها الفساد، وبينما أثمان أموال صندوق النقد وسيدر عالية الكلفة لدرجة يستحيل على لبنان سدادها في السياسة، فإن لا أكلاف سياسية للعرض الصيني، فهو عرض اقتصاديّ بحت.

لا أحد يدعو لتغيير نمط العيش الذي يتحدث عنه البعض والقائم على النمط الغربي، ولا أحد يدعو لمقاطعة أوروبا وأميركا، ولا لوقف التفاوض مع صندوق النقد والتحرك الحثيث للحصول على أموال سيدر. فكل المطلوب هو فعل ما يفعله الأوروبيون والأميركيون الذين تشغل مرافئهم الكبرى في بوسطن وأمستردام، رافعات ومصنفات للحاويات، صينية، والذين لا يضيرهم التعاون مع شركة هواوي في إنشاء شبكات اتصالات للجيل الخامس للهاتف الخلوي، كما لا يضير أميركا أن تسد عجز حزينتها بآلاف المليارات من الدولارات التي تستثمرها الصين في سندات الخزينة الأميركية، وإذا كنا نسمع دائماً كلاماً عن لا مانع من التعاون مع الصين، فإننا نعلم أن محاولات التعطيل على قدم وساق والحجة هي عدم إغضاب أميركا. وهذه قمة العبودية الثقافية والتبعية السياسية حتى العمالة.

هل من قضية أهم اليوم من إنقاذ لبنان، وفقاً لخطة نهوض اقتصادية تشكل المشاريع التي درستها الشركات الصينية، وتبدي البنوك الصينية برعاية حكومتها الاستعداد لتنفيذها وتشغيلها، ولأن رئيس الحكومة جاد في مهمته الإنقاذيّة، فإنه من الأولوية بمكان أن يفعل كما فعل رؤساء أميركا الذين زاروا الصين لبحث المصالح الاقتصادية لبلادهم، من دون انتظار زيارة عواصم عربية مقفلة بوجه الحكومة، والمعلومات تقول إنه إذا قرّر رئيس الحكومة زيارة الصين على رأس وفد وزاري واقتصادي، وتم ترتيب برنامج منتج للزيارة فإن رقم الـ 30 مليار دولار قد يصل 50 مليار دولار بينها مصافٍ للنفط وحل تقني لملف النفايات ومشاريع سكنية ضخمة في الأرياف ومراكز المحافظات، وأن طلب وديعة صينية في البنك المركزي سيكون على جدول الأعمال، لكن المطلوب التحرّر من عقدة عدم إغضاب الأميركي، الذي تقول تجربة تركيا، إنه لا يقيم حساباً حتى بين أقرب الحلفاء، أعضاء الأطلسي إلا لمن يمارس سيادته واستقلاله، بينما يخاطب الأتباع الضعفاء بلغة ملؤها الإهانة وقاعدتها الإذلال، فماذا ننتظر؟

السيد نصرالله: السلاح سيحمي السلاح ‏

ناصر قنديل

ليس ثمّة حاجة للشرح كيف سيكون ذلك، فلندع للأيام أن تفعل، المهم هو أن رسالة استراتيجية بحجم تحديات المنطقة، منذ بدء معركة تحرير حلب وبدء النقاش الأميركي حول قانون قيصر لاعتماد العقوبات المالية كبديل لتعويض الفشل العسكري بوجه محور المقاومة وحليفته روسيا، وصلت ليلة أمس إلى البيت الأبيض، الملتزم بفعل كل شيء لربط انسحابه من المنطقة بضمان الأمن لكيان الاحتلال. وبالمثل وصلت إلى قادة كيان الاحتلال ومعهم إلى كل الأدوات الذليلة في المنطقة التي يشغلها الأميركي. والرسالة تقول بوضوح أن مرحلة كاملة قد انتهت، وبدأت مرحلة جديدة. والمرحلة التي انتهت هي مرحلة الهروب الأميركي من المواجهة تحت عنوان اللجوء إلى العقوبات المالية، وجاء الانسحاب من الاتفاق النووي خطوة في سياقه، ليقول الأميركي منذ ذلك اليوم لكل محور المقاومة، ولروسيا معه، ربحتم وتربحون الحرب لكنكم لن تحتفلوا بالنصر، لأننا لن ندعكم تفعلون ذلك، فسنجعلكم تدفعون فواتير انتصاراتكم جوعاً، يقلب الموازين بينكم وبين شعوبكم، حتى تقبلوا تحت ضغط الجوع ما نجحتم بتفادي قبوله تحت ضغط النيران.

الهروب الأميركي الذي أقفل السيد نصرالله الطريق أمامه، هو الذي شاهدناه بأم العين مراراً، عند إسقاط إيران للطائرة الأميركيّة، وقبلها العجز الأميركي أمام الانتصارات المتدحرجة في سورية، وبعدها مشهد دمار منشآت آرامكو تحت هجوم الطائرات المسيّرة لأنصار الله، وتوجته صورة الناقلات الإيرانية تصل إلى فنزويلا والأميركي يتراجع أمامها ذليلاً، ومع الهروب من مواجهات الميدان شهدنا تصعيداً في الحروب المالية، والرهان الأميركي على قدرة مواصلة الهروب من حروب الميدان، وحصر المواجهة في الميدان المالي، حيث له التفوق، وجواب السيد في شقّ منه يقدم تصوراً متكاملاً لكيفية المواجهة المالية دون الحاجة لاسترضاء الأميركي، والتعامل مع شروطه كواقع لا مفر منه، لكن الشق الثاني لجواب السيد يفتح مرحلة جديدة على الصعيد الاستراتيجي.

مضمون المرحلة الجديدة، يبدأ من معادلة بسيطة، مضمونها، أن كل الحرب المالية تريد الوصول إلى تخيير محور المقاومة بين الاستسلام تفادياً للجوع، وما يعينه ذلك في حالة المقاومة تسليم السلاح أو إلغاء مفعول حضوره بقبول التنازلات السيادية التي يطلبها الأميركي لحساب أمن كيان الاحتلال، أو الجوع، فيبدأ السيد تصاعدياً بالقول، واضحاً صريحاً حازماً جازماً صارماً، لن نجوع ولن نسمح لك بتجويع بلدنا، ولن نتخلّى عن السلاح، وإذا كان رهانك أن تقتلنا، فنحن من سنقتلك، وسنقتلك وسنقتلك. وبالثلاثة المدوّية رسم السيد المعادلة الجديدة، وهي ببساطة، لا تراهنوا أننا لن نفعلها، فتتمادون في غيِّكم، فنحن سنفعلها ولن يرفّ لنا جفن، كما في كل مرة يبلغ التذاكي بأحد حدّ الظن، أننا لن نفعلها، فيحتال ليصل إلى السلاح، نعيد القول، إن السلاح سيحمي السلاح.

بعيداً عما تثيره مفردة 7 أيار اللبنانية من شجون البعض، يجب أن يقرأ الأميركيون وقادة كيان الاحتلال معادلة السيد جدياً وجيداً، فهي تلويح واضح بـ 7 أيار إقليميّة، حيث السلاح موجود لحماية لبنان من مساس الكيان بسيادة لبنان، وإذا كانت الحرب المالية هي وسيلة انتهاك هذه السيادة، بفرض شروط أمن ومصالح الكيان على لبنان، فإن هذا السلاح موجود ليمنع ذلك. وأمن الكيان المطلوب من الحرب المالية خدمة مصالحه سيكون هدفاً مشروعاً للسلاح، الموجود أصلاً لمنع تحقيق هذه المصالح، ومتى قال السيد فعل، ومتى وعد وفى، فعلى من في واشنطن وتل أبيب أن يأخذوا الأمر بجدية عالية ويفكروا بكيف لا يقعوا في أخطاء غيرهم، بالرهان على وهم اسمه، لن يفعلها، وقد بلغكم أنه سيفعلها، وهو لا يمزح، ووسعوا مدى نظركم لتروا أمن الكيان في الميزان وفي الميدان، ووسّعوا نظركم لتروا المثل وارداً في سورية نحو مصير القوات الأميركية، ولتروا بالمثل مصير القوات الأميركية في العراق، وأمن دول الخليج والنفط، كل شيء يخصكم في المنطقة سترونه يحترق أمامكم، وسيخرج السيد كما خرج ذات يوم قائلاً عن البارجة ساعر، أنظروا إليها إنها تحترق، ليقول، أنظروا إليها، مفاعلات ديمونا ومنشآت حيفا، والمعسكرات الأميركية، وناقلات النفط، والمنشآت النفطية الكبرى، وحاملات الطائرات، إنها تحترق.

المعادلة إقليمياً باتت أمام واشنطن وتل أبيب وحلفائهما، السلاح سيحمي السلاح.

نقطة على السطر، انتهى.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

روسيا ترفض قانون قيصر … فما هي مفاعيله

ناصر قنديل

بالتأكيد يضيف قانون قيصر للعقوبات المفروضة منذ سنوات على سورية أميركياً وأوروبياً المزيد، لكن هذا المزيد المتصل بالاستهداف المباشر لسورية كدولة واقتصاد يكاد يكون مجرد غبار إعلامي، لأن المصرف المركزي السوري والمصارف التجارية تحت عقوبات سابقة تمنع فتح الاعتمادات لزوم الاستيراد، والدولة السورية ممنوع عليها بيع وشراء النفط منذ زمن، والاستهداف الجديد المباشر كناية عن دفعات من الأسماء التي تطالها العقوبات، أغلبهم ليست لديه حسابات مصرفية قابلة للعقاب، ومَن لديه سبق ونال نصيبه من العقوبات، كما يقول مجرد الاطلاع على اللائحة الأولى التي سوق لها الأميركيون وجماعاتهم الكثير، بصفتها، الإشارة لحجم العقوبات التي يمثلها القانون.

قيمة القانون بالتأكيد لم تكن بتهديده للمتاجرين مع سورية، لأن الأوروبيين ممتنعون أصلاً، ومثلهم كثير من الدول والشركات العالمية، وبالتوازي ليست قيمة القانون بتهديد إيران وهي المعاقبة بما هو أشدّ من قانون قيصر. والقيمة الفعلية للقانون كانت يوم بدأت مناقشته قبل ثلاث سنوات، وهي اليوم كذلك، بكونه يستهدف الضغط على روسيا عبر التلويح بمعاقبة شركاتها التي تتعامل مع سورية، ومن ضمنها شركات تمثل عصب الاقتصاد الروسي سواء في مجال صناعات الأسلحة أو في قطاع النفط والغاز. ومثلما كان الأمر منذ ثلاث سنوات ويتجدد اليوم، ثمة ما تريده واشنطن من موسكو عبر التلويح بالعقوبات، كان في الماضي يوم صدر القانون الامتناع عن المشاركة في معركة حلب، وحسمت روسيا المشاركة وحسم النصر معها قبل أن يبصر القانون النور فتم صرف النظر عنه.

العودة للعقوبات في مخاطبة روسيا هذه المرّة لها عنوان موجود في نص القانون، وفي فقراته الأخيرة، وهي متصلة بمسار الحل السياسي، رغم أن موضوع القانون لا يتصل بالحل السياسي، والواضح لمن يقرأ القانون أن ما يريده الأميركي إشارات على حل سياسي تراعي طلبات محددة، تتوزع بين محورين: الأول هو وضع خاص يقارب الفدرالية لمنطقة سيطرة الميليشيات الكردية في شمال شرق سورية، والثاني ترتيبات أمنية جنوب سورية توفر أعلى الممكن من ضمانات لأمن كيان الاحتلال المكشوف أمام قوى محور المقاومة، ولذلك كان المحللون الأميركيون منذ الإعلان عن قرب وضع القانون قيد التنفيذ يراقبون يوماً بيوم ردود الأفعال الروسية، ولذلك حتى أول أمس كانوا يعتبرون القانون فعالاً بداعي أن موقفاً روسياً لم يصدر أسوة بما صدر عن إيران، لكن الموقف الروسي صدر أمس، وكان متعمداً تأجيله ليوم دخول القانون حيز التنفيذ علامة استخفاف روسي، ظهر بالقول إن موسكو ستزيد دعمها للدولة السورية، وإنها لن تخضع للتهديد بالعقوبات التي يتضمنها قانون قيصر.

على هامش تفاهة المحتفلين بالقانون من بعض اللبنانيين، وما يتحدثون عنه من انهيار سوري ينتظر بعض المدد من لبنان، تروى روايتان تطغيان على الإعلام، واحدة تقول إن حزب الله يشتري الدولارات من لبنان ويهربها إلى سورية، والثانية تقول إن تهريب المازوت والطحين من لبنان إلى سورية على قدم وساق، وإن هذين العاملين، شراء حزب الله للدولار وتهريبه ومثله تهريب الطحين والمازوت إلى سورية، سببا انهيار لبنان وصمود سورية، ورغم أن العاقل يعلم أن وراء هذا الكلام مجموعة مغفلين، لكن لا بدّ من كشف الخداع والغباء في الكلام. وهنا نسأل هل يشتري حزب الله الدولار من بيروت ويهربه إلى سورية بلا مقابل مالي أو تجاري؟ وهذا يعني كي يكون الرقم مؤثراً بالنسبة لسورية أن يكون حزب الله قادراً على بيع ليرات لبنانية وشراء دولارات مقابلها بمئات ملايين الدولارات، والأمران يجعلانه أهم من المصرف المركزي بمخزون لا ينضب من الليرات وقدرة لا تضاهى بالتخلي عن الدولار، بينما يفترض أن نصدّق أنه في أزمة أشدّ من سورية، أما إن كان حزب الله يحصل على المقابل للدولارات، فهل يُعقل أن يكون بالليرة السورية وماذا سيفعل بها؟ فإن كان يشتري بضائع لتباع في لبنان فهذا صار تجارة لاستيراد سلع يحتاجها السوق اللبناني بسعر أرخص حكماً من مصادر استيراد أخرى، يحتاج تمويلها لدولارات أكثر، وهذا يجعل العملية توفيراً للدولار لا استنزافاً له، بالنسبة للسوق اللبنانية، أما حكاية تهريب المازوت والطحين، فأولها الاقتناع أنها إن أخذت بالحساب فيجب التسليم بأنها لا تمثل إلا الجزء البسيط من حاجات سورية التي تعادل عشرة أضعاف استهلاك لبنان من المادتين، والحديث عن تهريب سقفه الأعلى 10% من استيراد لبنان، يعني 1% من استهلاك سورية، ورغم الحجم الهزيل نبدأ بالأسئلة، هل المقابل للطحين والمازوت هو ليرات سورية يتقاضاها المهربون، وماذا يفعلون بالليرات السورية، وإذا باعوها ليشتروا بها دولاراً، فيجب أن يكون المشتري بالنهاية في السوق السورية ليستعملها، ويصير الدولار المقابل دولاراً يخرج من سورية ليدخل إلى لبنان لا العكس، ويجب أن يكون سعر البيع للمواد المهربة أعلى من مبيعها في لبنان كي تكون العملية مجدية، أي أن دولارات أقل دفعت لشراء المواد ودولارات أكثر جاءت ببيعها، فكيف يكون لبنان مستنزفاً بالدولار. هذا رغم صحة أن التهريب يكلف الدولة فارق الدعم، ويجب وقفه، لكن المبالغات والأكاذيب آن لها أن تتوقف، لأنها لا تنشئ قضية ممكن الدفاع عنها أمام أي منطق.

%d bloggers like this: