بين اغتيال الرئيس الحريري وتفجير المرفأ

ناصر قنديل

بالرغم من تباين العناصر المادية بين جريمتي اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتفجير مرفأ بيروت، تبدو وجوه التشابه كثيرة في السياقات المرافقة للجريمتين، حيث بدا من اللحظات الأولى لاغتيال الرئيس الحريري أن هناك مشروعاً كبيراً يستثمر على عملية الاغتيال، وجعله خريطة طريق نحو تنفيذ القرار 1559 الذي كان حتى ذلك التاريخ حبراً على ورق، وصولاً لعلاقة الاغتيال بإعادة رسم العلاقات بين الطوائف في المنطقة من العراق الى سورية ولبنان، وهي لا تزال حتى تاريخه ترددات زلازل الفتن المذهبية التي اشتعل فتيلها مع الاتهامات التي رافقت الاغتيال؛ وبصورة غير بعيدة أبداً، بدا تفجير المرفأ منصة فوريّة لتتابع وتزامن أحداث كبرى، بحجم التطبيع الخليجيّ الإسرائيليّ وبدء الحديث عن حلول مرفأ حيفا مكان مرفأ بيروت بالنسبة للتجارة الخليجيّة، وبحجم الحديث عن مشروع تفويض دولي إقليمي لفرنسا بتولي الملف اللبناني تعويضاً عن الخسائر الفرنسية والأوروبية المتلاحقة في بلدان الشرق الأوسط، وانطلاق هذا المسعى من منصة تفجير المرفأ.

كما في اغتيال الرئيس الحريري في تفجير المرفأ، ظهر صوت الاتهام الهادف للتوظيف السياسي أعلى من صوت البحث عن الحقيقة والسعي للعدالة. وفي الحالتين تمّ تطويق التحقيق القضائي وإغراقه بروايات وطلبات وأولويات وأحقاد وخطاب شعبويّ، وفي الحالتين محاولات لا تهدأ لحرف التحقيق المحلي عن السياق وصولا لطرح التحقيق الدولي القابل للتحكم والتوظيف بديلاً وحيداً. وفي الحالتين حجب دولي للمعلومات المفيدة عن التحقيق. وفي الحالتين ابتعاد عن الأسئلة الحقيقيّة حول المستفيد وصاحب المصلحة.

التحقيق التقني حول كيفية التفجير في الحالتين دخلت عليه الاجتهادات المبرمجة والموجهة، فكما صار الكل يومها خبراء متفجرات يتحدثون بالتفجير تحت الأرض وفوق الأرض، نسمع اليوم عن التلحيم مرة وعن تبخّر الكميات التي لم تتفجّر، بينما الجواب العلمي محجوب بضغوط خارجية تسعى لإعادة فتح الباب لتمرير استنتاجات تريد تحقيق أهداف سياسية، وليس من باب الصدفة فتح الباب لتمرير تقارير تشبه بالشكل والمضمون لعبة التسويق والتشويق مع بطل التزوير في التحقيق في لاغتيال الرئيس الحريري زهير الصديق، لروايات عن كيف وصلت النترات ولحساب مَن، بينما الملف القضائي لسفينة ترايدر، التي أوقفتها السلطات اليونانية وثبتت علاقتها بتنظيمات إرهابية معادية لسورية تريد استعمال لبنان كمنصة عبور، يكشف الكثير من الوقائع، التي يراد طمُسها وإغراقها بروايات جيمسبوندية تشبه روايات زهير الصديق، وبأدوات التسويق والتشويق ذاتها.

كما في اغتيال الرئيس الحريري في تفجير المرفأ، لا يزال الاستهداف للمقاومة حاضراً للتوظيف إن لم يكن حاضراً خلف الجريمة الأصلية، وفي الحالتين اللعبة الإعلامية ساحة رئيسية للاعبين، ولا يبدو التمويل المرصود للإعلام معزولاً عن مدى مشاركتها في هذه اللعبة، لكن اللبنانيين زادوا خبرة ولم يعُد ممكناً التلاعب بعقولهم بزعم مصداقية ما بث في قنوات إعلامية مرت باختبارات كشفت خلفياتها وأسقطت أقنعة الموضوعيّة عنها، والتكرار لم يعد ممكناً والناس في حال الذهول ذاته، والفبركات ومحاولات التلاعب، تبدو تحت المجهر هذه المرّة، وتبدو القوى المعنية بالمواجهة متحررة من لعبة الابتزاز التي فعلت فعلها في المرة الأولى.

استعمال الأدوات ذاتها يحقق النتائج ذاتها، وهم كبير. فالتعامل مع العقول تراكمي وما احتاج كشفه لسنوات في المرة الأولى يسقط خلال أيام في المرة الثانية.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ترامب يخسر آخر حروبه و سيف العزل فوق رأسه

ناصر قنديل

خلال يوم واحد خسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل أوراقه، ولم تعد ثمة حاجة لمناقشة الاختلال العقلي الذي يصيبه من زوايا ارتكاباته في منطقتنا. فالتعبير طغى يوم أمس على وصف ترامب في وسائل الإعلام الأميركية، وصولاً لما ورد في رسالة نواب ديمقراطيين وجمهوريين في الكونغرس الى نائب الرئيس مايك بنس لبدء مسار عزل ترامب بداعي الاختلال العقلي، ويكفي النظر لوضع ترامب خلال أربع وعشرين ساعة ورؤية حجم الضرر الذي جلبته حماقاته عليه، للتحقق من صدق الوصف بالاختلال العقلي.

كان ترامب قد حصل على حسم الحزب الجمهوري للقبول باعتماد ترشيحه للرئاسة في 2024، وكان ترامب قد نجح بدمج جمهوره المتطرف والغوغائي بجمهور الحزب الجمهوري، وكان ترامب يأمل بفوز المرشحين الجمهوريين بمقعدي مجلس الشيوخ، وكان ترامب يأمل بامتلاك فرصة التحكم بالكثير من البيئة المحيطة بالولاية الرئاسية للرئيس جو بايدن من خلال ما يستطيع فعله خلال ما تبقى من ولايته، لكن ترامب كان يطمح لما هو أكثر، فوضع خطة لقلب الطاولة تبدأ بتحرك حشود مؤيديه نحو الكونغرس لمنع حسم شرعية فوز بايدن التي يتولاها الكونغرس وفقاً للدستور.

ليس واضحاً بعد ما إذا كان الاختلال العقلي لترامب وراء مشهد اقتحام الكونغرس أم أن هناك من نجح باستدراج الاقتحام لإلحاق هذا “العار الديمقراطي” بترامب ودفع الحزب الجمهوري الى واجهة المواجهة معه، لكن الحصيلة هي الأهم في النهاية، فقد حمل ترامب مسؤولية المشهد الذي أصاب صورة الديمقراطية الأميركية المؤسسية بجرح بليغ ورسم شكوكاً حول قدرتها، رغم النجاح بتجاوز الأزمة هذه المرة، لكن السابقة حصلت، وهي تهديد الكونغرس من قبل أحد المرشحين الخاسرين، خارج إطار الاحتكام للمؤسسات الدستورية والقضائية، والسابقة صارت قابلة للتكرار.

الحصيلة أن ترامب وجد نفسه محاصراً داخل الحزب الجمهوري، وقد أجبر على دعوة مناصريه للذهاب الى بيوتهم، وأن نائبه بنس قام بإدارة عملية تثبيت رئاسة بايدن وبات المرشح البديل لترامب لرئاسة 2024، وأن جمهور الحزب الجمهوري قد انفصل كلياً عن جمهور ترامب الذي تحول الى شريحة ضيقة قادرة على المشاغبة، لكنها عاجزة عن صنع السياسة من دون الحزب الجمهوري، وهي الأقلية البيضاء المتطرفة، وأن الحزب الجمهوري خسر مقعدي الكونغرس في جورجيا وصار الديمقراطيون ممسكين بناصية البيت البيض والكونغرس بغرفتيه، ما يُضعف قدرة الجمهوريين على المشاركة في إدارة البلاد، وأن ترامب اضطر الى إعلان قبوله تسليم السلطة لبادين في الـ 20 من الشهر الحالي، والأهم أن سيف العزل بات مسلطاً فوق رقبة ترامب إذا ما غامر بالذهاب إلى اي مغامرة، فالوزراء وخصوصاً نائب الرئيس الذين لا بدّ أن يمر عبرهم أي تصرف احمق لترامب يتربصون به لبدء مسار العزل إذا بدرت ملامح اختلال عقلي جديد.

سيذكّر التاريخ ترامب كرئيس أميركي أحمق، وسيطوي الأكاذيب التي روّج لها بصفته رئيساً تاريخياً، لكن أميركا ستبقى تجرجر أذيال ما فعله داخلياً وخارجياً، فالعالم الذي تركه ترامب من بعده لا يختلف عن أميركا التي يتركها، حيث الخراب يعمّ كل شيء والترميم يحتاج جرأة نادرة ربما ليست متاحة للرئيس الجديد، بحيث تبدو أميركا ويبدو العالم أمام إدارة الخراب أكثر مما يبدوان أمام خطة لإعادة البناء.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

مقارنة الفرسنة بالفرنسة بعين مجرّدة: السيد نصرالله وعمى الألوان السياديّ اللبنانيّ

ناصر قنديل

تجمع الأحرف المتشابهة بين الفرسنة التي يجري تداولها كخطر على لبنان، أي جعله تابعاً للفرس والمقصود إيران، والفرنسة التي تعني تتبيع لبنان لفرنسا، وبخلاف السائد إعلامياً فإن المقومات الواقعية للفرنسة تبدو حقيقية، ووجود مشروع جدّي لتحقيقها يبدو واقعاً قائماً، بينما لا مقومات للفرسنة ولا وجود واقعياً لمشروع لتحقيقها، وما جرى ويجري هذه الفترة يعبر عن عمى ألوان سيادي مرضي لدى الكثير من اللبنانيين، يتجاوزون دائرة التابعين وجماعة السفارات، ليشملوا فئات واسعة سياسية واجتماعية تعبر عن مرض ثقافي يصيب المجتمع اللبناني في مفهوم السيادة.

توقف السيد حسن نصرالله أمام عمى الألوان السيادي الذي أصاب هذه الشرائح التي يشكل بعضها بيئات صديقة للمقاومة، من خلال توقفه امام ما أثاره الكلام المنسوب لقائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني، الذي تعرض للتحوير والتزوير واستدرج رغم التوضيحات ردوداً وتعليقات مباشرة وغير مباشرة أصابت المقاومة بلغة توجيهية في غير مكانها، لإثبات هوية سيادية لأصحابها كي لا يتم اتهامهم بالتبعية والتخلي عن الموقف السيادي. وعبر السيد نصرالله عن الألم لسيادة هذه الغوغائية والعشوائية، فالمسؤول الإيراني وصف حقيقتين، واحدة تقول بأن إيران قدمت سلاحاً للمقاومة، والثانية تقول بأن لبنان جبهة أمامية بوجه كيان الاحتلال، ليتم تسويقه على أساس أن إيران قدّمت الصواريخ للمقاومة لتشكل جبهة أمامية لإيران بوجه “إسرائيل”، ورغم تعميم التوضيح والتصحيح، بقيت التعليقات والمواقف تتعامل بخلفيتها مع السعي للتبرؤ من الاتهام بنقص سيادي إذا صمتت، فما هو الموقف السيادي اللبناني؟

الموقف السيادي اللبناني يرتكز على اعتبار أي زيادة بنسبة المتحدثين والمتعلمين باللغة الفرنسية تطوراً حضارياً وتعزيزاً لقيمة ثقافية إنسانية اسمها الفرنكوفونيّة التي يتباهى لبنان بكونه مؤسساً فيها، ويرتكز بالمقابل على اعتبار زيادة عدد الناطقين باللغة الفارسية والمتعلمين بها تعبيراً عن توسع نطاق الالتحاق بمشروع الفرسنة وعلامة خطرة على مصير السيادة، وذلك ليس لأن الفرنسية أعرق من الفارسية، فالفارسية بلغة العلم والتاريخ تنتمي لزمن سابق لولادة الفرنسية، وليس لأن نطاق انتشار الفارسية محدود بالقياس للفرنسية، فإن لم يكن عدد الناطقين بالفارسية أكثر فالعدد متساوٍ، ولا لأن حجم المعارف الإنسانية أدباً وشعر وثقافة وعلوماً باللغة الفارسية أقل، بل لسبب واحد هو موقف إيران الداعم للمقاومة والمناوئ للهيمنة الأميركية والعدوانية الإسرائيلية، ولأن أي إشارة لمودة لبنانية إيرانية على المستوى الشعبي تجلب غيظ كيان الاحتلال ومسانديه، وربما لو انتشرت العبرية لوجدت من يجد الأعذار لانتشارها، بينما تصب اللعنة على الفارسية، والسيادة تميّز بين الفرنسة الواقعية القائمة، والفرسنة المفترضة وغير القائمة.

الموقف السيادي اللبناني يقوم على اعتبار قيام الرئيس الفرنسي بممارسة الوصاية على لبنان فيتدخل بتسمية رئيس الحكومة وتشكيلها، ويملك في جعبته أسماء لحاكم مصرف مركزي جديد ومدير مرفأ جديد، ويتطلع لوضع يد الشركات الفرنسية على المرافق اللبنانية من الكهرباء الى الاتصالات، مجرد نخوة أخويّة لمساعدة لبنان، بينما مبادرة إيران لعرض تأمين الكهرباء بقروض ميسّرة بعيدة المدى وبالليرة اللبنانية ومثلها كل فاتورة لبنان النفطية، مشروعاً خيالياً وربما انتقاصاً للسيادة.

التخلي العربي والدولي عن لبنان عندما وقع تحت الاحتلال ومد يد العون للمحتل لفرض شروطه، في المفهوم السيادي اللبناني، مشاركة أخوية، والمساعدة الإيرانية للمقاومة حتى تحقيق التحرير، مشروع نفوذ ومساس بالسيادة، ولنتذكّر كيف كان النقاش منذ اتفاق الطائف حتى التحرير يجري تحت عنوان التشكيك بفرضية التحرير وتوصيف المقاومة كأداة إيرانية مرة لتحسين العلاقات الإيرانية الأميركية، وكأداة سورية مرة لتحسين شروط التفاوض على الجولان، وعندما تحرر الجنوب من دون أن تتحسّن العلاقات الأميركية الإيرانية أو تتحسّن شروط التفاوض على الجولان، لم يكلف الذين نالوا من شرف المقاومة ووطنيّتها عناء الاعتذار.

الحقيقة هي أن الذين يسوقون عمى الألوان السيادي هم ليسوا من المصابين به فهم يعلمون علم اليقين انهم مجرد جزء من تاريخ مشين ومخزٍ في الصمت امام الاحتلال، والطريق الوحيد لتبرئة تاريخهم هو تشويه تاريخ المقاومة وهويتها وتحالفاتها. فالحديث عن مشروع إيراني أو كما يسمّونه فارسي، وهو غير موجود، يخفف من مسؤولية الذين لم يكن لهم بصمة في مقاومة الاحتلال، إذا ربطوها بما يصيب السيادة، وتعففوا بداعي الحرص على السيادة، بينما لا يزعجهم انتهاك الطيران الإسرائيلي للأجواء اللبنانية يومياً، ولا يرون العقوبات الأميركية انتهاكاً للسيادة حتى لو هدّدوا بها، ولا ينظرون لتسميات شوارع العاصمة بأسماء جنرالات الاحتلال الغربي البريطاني والفرنسي، بينما يصيبهم بالصداع إطلاق بلدية اسم الرجل الذي أفنى عمره بنقل الصواريخ والمعدات للمقاومة ومدّ يد العون لإعمار ما تهدّم في عدوان تموز على أحد الشوارع.

قاسم سليماني أيقونة الثورة الإسلامية

ناصر قنديل

Photo of المضاربون وحدهم استفادوا
من الأرجوحة الحكوميّة

البحث في شخصية القائد الشهيد قاسم سليماني والمكانة التي احتلها في المقاومة التي خاضتها شعوب ودول المنطقة في مواجهة مشروع الهيمنة الأميركية من فلسطين الى لبنان وسورية والعراق واليمن وباكستان وأفغانتسان، لا بد أن يوصلنا إلى اكتشاف حقيقة أولى تتصل بكونه قد نجح دون تكليف رسمي أو قرار سياسي في الانتقال داخل وجدان حركات المقاومة من قائد إيراني يتولى تنسيق العلاقة بين قوى المقاومة والجمهورية الإسلامية في إيران، ويرعى حاجات هذه المقاومات المختلفة ويتابع معاركها كحليف صادق وصديق، إلى أن يصبح بالنسبة لكل من هذه الحركات والحكومات المعنية بمواجهة الهيمنة الأميركية، كأخ كبير ينتمي لكل من هذه الحركات والحكومات على حدة، بداية بصفة المستشار الخبير والحريص ولاحقا بصفته شريكا في القيادة التي تحمّل فيها خلال المعارك الميدانية مسؤوليات جسامًا وتعرض فيها لمخاطر كبيرة، سواء حيث تجسدت هذه الهيمنة بنسختها العدوانية التي يمثلها كيان الاحتلال، أو بنسختها التي يمثلها الاستبداد الخليجي، أو بنسختها التي تمثلها قوى الإرهاب التكفيري، أو بما جسده الاحتلال الأميركي المباشر.

قاسم سليماني أيقونة الثورة الإسلامية | ناصر قنديل

مع هذا التسلسل الزمني والخط البياني الذي رسمته مسيرة القائد سليماني، صار التنسيق بين حركات وقوى المقاومة متجسدا عمليا بوجود رئيس أركان لجيوش وقوى المقاومة مجمع عليه دون تكليف أو تعيين أو قرار، فقد صار سليماني العارف بظروف ومقدرات كل جبهة وخصوصياتها هو المؤهل ضمنا وبصورة فريدة وسلسة لتولي مهمة لم تنل صفة أو توصيفا، لكنها كانت عمليا رئاسة أركان جيوش وحركات تمسك بالكثير من نقاط القوة في المنطقة، وشكلت هذه الوضعية التمهيد الطبيعي لوجود محور مقاومة يتكامل ويتساند في الميدان قبل تظهيره كمحور، كان معلوما ان القائد سليماني هو رئيس أركان قواته .

لم يكن القائد سليماني بحاجة لصياغة نظرية عن أن القتال ضد الاحتلال في فلسطين وجنوب لبنان والتصدي للعدوان الرجعي الخليجي على اليمن ومواجهة المشروع التكفيري الإرهابي في العراق وسورية ولبنان والنضال لإزالة الاحتلال الأميركي عن أرض العراق وسورية، هي مجموعة معارك في حرب واحدة، وأن الرابط الأعمق بين الذين يقاتلون على كل هذه الجبهات يجب أن يكون إيمانهم بمكانة فلسطين والقدس في قلب مشروعهم الإستراتيجي، كي يستقيم قتالهم نحو الهدف المباشر الذي يتولون السعي إليه، لأن كل شيء يجري في المنطقة يرتبط عضويا بمصير هذا الكيان الغاصب لفلسطين، والقتال لإنهاء هذا الكيان هو ما يجد فيه القائد سليماني ترجمة مهنية عسكرية لتسمية القوة التي يقودها بفيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي.

قاسم سليماني أيقونة الثورة الإسلامية | ناصر قنديل

تاريخيا تبلغ الثورات مراحل نضجها التاريخي، وتثبت أهليتها للاستمرار كقوة دفع تاريخية، بعد أن يتثبت مركزها الجغرافي في قلب صناعة الأحداث، وتمتلك مشروعا تاريخيا وقيادة تاريخية، بأن تصنع رموزها الذين ترسم سيرتهم للشعوب والحركات النضالية مثالا وقدوة، ويتحولون الى ايقونات تجمع النظرية والممارسة، وتترجم بأعلى حالات التضحية مفهوم الثورة، فالإسلام كمحرك ثوري كرس رمزيته الثورية المستمرة بنموذج الإمام الحسين عليه السلام، وقبله وجدت المسيحية نموذجها النضالي المضحي في السيد المسيح عليه السلام. ومن يقرأ تاريخ الحركات التي استوحت من المسيحية والإسلام منهاجها الثوري سيجد لتجربة كل من السيد المسيح والإمام الحسين عليهما السلام مكانة خاصة، وسيجد لظروف عذاباتهما وتضحياتهما وبطولاتهما مكانة أشد خصوصية.

في تجربة اليسار العالمي يتميز اسم تشي غيفارا ويسطع كرمز للثورية والتضحية والنضال، خصوصا للبعد العابر للقوميات والوطنيات الذي جسده غيفارا ولظروف استشهاده على يد العدو الذي يختزن مشروع الاستعمار العالمي الذي تمثله أميركا، ومضمون ما مثله بأدائه الشخصي كجواب على قضية الدولة والثورة.

قاسم سليماني أيقونة الثورة الإسلامية | ناصر قنديل
القدس سره

في المسار الذي رسمه الإمام الخميني (قدس سره) للثورة الإسلامية في إيران، وجسده من بعده الإمام السيد علي الخامنئي، ثمة مفهوم ودور لبناء الدولة في الحفاظ على مفهوم الثورة، وكانت فلسطين تقع في قلب المشروع التاريخي للثورة الإسلامية، وكان بناء جيش من المؤمنين المتعبدين الطالبين للشهادة الهادف لتحرير فلسطين وحماية القدس، يشكل جوهر هذه الإستراتيجية، وكان هذا يستدعي نهضة إسلامية في الدول وبين الشعوب تحت عنوان فلسطين والقدس. ومنذ البدايات كان واضحا أن الثورة الإسلامية قد تعلمت الكثير من قراءة تجارب الثورات العالمية وتاريخ الحركات العابرة للوطنيات والقوميات، ولذلك سعت لتفادي تكرار تجربة الأحزاب الشيوعية، ووضعت الأمانة لفكرة المقاومة وفلسطين معيارا وليس الولاء للجمهورية الإسلامية والتبعية لها. وهكذا تشكّلَ خليط من التحالفات يضم حركات المقاومة في فلسطين على تنوعها وعدم تطابق مفاهميها الفكرية وتباين عدد من الاتجاهات الإسلامية بينها مع نظرة الجمهورية الإسلامية للإسلام، ويضم المقاومة الإسلامية في لبنان، والدولة السورية التي يقودها حزب قومي عربي علماني ، وحركات عراقية إسلامية ومثلها في باكستان وأفغانستان واليمن، لا تتطابق فيما بينها في الكثير من وجوه النظرة العقائدية والسياسية، لكنها تجمع بلا تردد او شبهة على مكانة قضية فلسطين ومشروع المقاومة. واذا كانت المقاومة الإسلامية في لبنان هي النموذج الأشد قربا بينها من الجمهورية الإسلامية فهما ودورا وموقفا، فإن هذه المقاومة بقيادة سماحة السيد حسن نصر الله، نجحت في تجسيد مفهوم محور المقاومة حتى شكلت مع القائد سليماني القاسم المشترك بين جميع هذه الجبهات.

في التجسيد الفكري ورمزية الدور كان القائد سليماني قد قطع نصف المسافة نحو ترجمة مفهوم الثورة الإسلامية، المتخذ من قضية المواجهة مع مشروع الهمينة الأميركية عنوانا له، وحيث لفلسطين مكانة الروح من الجسد، لكن القيادة في هذا المشروع تحتاج رجلا تكاملت فيه خصال الأولياء والشهداء والقديسين، بدرجة الإيمان والتشبع بأخلاق الأنبياء والأئمة، ليرمز للثورة كثورة إسلامية، بأبهى عناوين الحضور وتفاصيلها النابعة من عاطفة صادقة متدفقة نحو النبي والأئمة وأهل بيت الرسول (ص)، وبشجاعة وعلم حرب يقدمان نموذجا لا يضاهى بين قادة الجيوش مستوحيا من تجربة الإمام علي عليه السلام الكثير، واستعداد مفتوح لبذل الدم وصولا لطلب مستديم للشهادة على طريق الإمام الحسين عليه السلام، وصولا لسيرة عملية جمعت الانتصارات التي بلغ بعضها حد الإعجاز العسكري، كمواجهات الأيام الأولى مع تنظيم داعش الإرهابي حول بغداد، الى نماذج شديدة التعقيد في التخطيط والقيادة كانت في قلبها المعركة التاريخية لتحرير حلب التي أشرف على تفاصيلها وقادها في الميدان، وانتهاء بالاستشهاد غيلة على يد الأميركيين، لينتج للثورة الإسلامية أيقونتها التي تعمدت بها تجربة هذه الثورة كمسار تاريخي يقود الطريق نحو فلسطين.

اذا كانت سيرة القائد سليماني ورمزية قيادته لفيلق القدس منحت المصداقية لمشروع الثورة الإسلامية، فإن شهادته أكملت عدتها التاريخية نحو فلسطين.غرد النص عبر تويتر
(*) رئيس تحرير جريدة البناء | نائب سابق في البرلمان اللبناني

مقالات ذات صلة

Biden and the inevitable return to the nuclear understanding بايدن وحتميّة العودة للتفاهم النوويّ

**Please scroll down for the English Machine translation**

بايدن وحتميّة العودة للتفاهم النوويّ

ناصر قنديل

تمتلئ الصحف العربية والأجنبية والقنوات المموّلة من دول الخليج بتحليلات وتقارير ومواقف لخبراء، تركز على تعقيدات تعترض طريق عودة إدارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، تبني عليها الاستنتاج بأن بايدن سيجد طريقاً آخر غير العودة للاتفاق، وجوهر التعقيدات التي يجري استعراضها التي تتوزّع بين مستجدات الملف النووي نفسه، ما يستدعي بعد الخطوات التي اتخذتها إيران منذ الانسحاب الأميركي من التفاهم، ما هو أكثر من مجرد إعلان إيران عن العودة للالتزامات، وهو ما قاله مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة لاعتبار ملف الصواريخ الإيرانية البالستية والملفات الإقليمية الملتهبة في اليمن وسورية والعراق أسباباً إضافية لتعطيل فرص العودة للتفاهم.

معلوم أن إيران ترفض أي مراحل انتقالية، تتضمن تفاوضاً يسبق العودة للتفاهم، وتصرّ على اعتبار العودة الأميركية المطلوبة بلا شروط لتقابلها عودة للالتزامات من جانب إيران، وعندها ينعقد لقاء الخمسة زائداً واحداً، الذي تشارك فيه الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاتحاد الأوروبي كشركاء مع الدول المعنية، وفي هذا الإطار الراعي للتفاهم يتم التداول بكل القضايا التقنية التي أراد مدير الوكالة مطالبة إيران بها عبر تصريحاته التي رفضتها إيران، أما في شأن الملفات الأخرى التي يتحدّث عنها الأوروبيون والأميركيون سواء ملف الصواريخ الإيرانية أو ملفات النزاع الإقليمية، فهي قضايا سبق وكانت مطروحة قبل التوقيع على الاتفاق النووي، وفي النهاية بقيت قضايا خلافية وتقرّر السير بالاتفاق رغم بقائها.

السؤال الذي يواجه بايدن، هو الذي واجهه مع الرئيس باراك أوباما عام 2015، أنه في ظل وجود قضايا عالقة مع إيران، ما هي الطريقة الفضلى للتعامل مع الملف النووي، مواصلة الرهان على العقوبات أم الذهاب للحرب أو الاحتكام لقواعد التفاهم، وكان قرار ثنائي أوباما بايدن يومها، الاحتكام للتفاهم، وهذا ما شرحه أوباما مراراً بقوله إنه يدرك أن الاتفاق سيئ، لكنه يدرك أن البديل الذي يمثله الرهان غير الموثوق على العقوبات، مخاطرة كبرى بإضاعة الفرصة، وصولاً لاكتشاف لحظة تمتلك فيها إيران قنبلة نووية، شارحاً كيف أن واشنطن كانت تكتشف مع كل توقف للتفاوض وعودة للعقوبات أنها عندما تعود للتفاوض أن الملف النووي زاد تعقيداً وقدرات إيران زادت نمواً، بينما الحرب مغامرة أشد خطورة، ولا تزال ردود أوباما على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يومها، بنظر فريق بايدن صالحة اليوم، وفقاً لنتائج تجربة الرئيس دونالد ترامب.

يقول فريق بايدن إذا كانت الحرب خياراً، فلماذا لم يلجأ إليها ثنائي ترامب ونتنياهو، أما عن العقوبات فيستعرض فريق بايدن، حصيلة السنوات الأربع لمشروع ترامب نتنياهو، بالخروج من الاتفاق النووي والرهان على العقوبات، التي تسببت بالكثير من الخسائر لإيران، لكنها لم تخل بنظام الحكم ولا فرضت على القيادة الإيرانية التنازلات المطلوبة، وبالمقابل خسرت واشنطن وحلفاؤها الكثير في هذه السنوات، سواء في تطور مقدّرات إيران النووية وغير النووية، أو في تراجع وضع حلفائها وتقدم حلفاء إيران، ففي هذه السنوات تحققت الانتصارات الكبرى لسورية، وامتلك حزب الله الصواريخ الدقيقة، وتحوّل أنصار الله إلى قوة عظمى تمسك بأمن الخليج.

فريق بايدن يقول إن التفاهم الذي كان خياراً سيئاً في عام 2015، هو خيار أشد سوءاً في 2020، لكن الرهان على العقوبات كان مخاطرة كبرى عام 2015 وصار حماقة كبرى وانتحاراً في العام 2020، والحرب التي كانت خياراً على الطاولة عام 2015 لم تعد خيار مطروحاً للنقاش في 2020.

Biden and the inevitable return to the nuclear understanding

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-803.png

Nasser Qandil

Arab and foreign newspapers and gulf-funded channels are full of analysis, reports and positions of experts, focusing on the complexities of the return of President-elect Joe Biden to JCPOA, They concluded that  Biden will find a way other than to returning to the agreement, And the essence of the complications being reviewed that are distributed among the developments of the nuclear file itself, which calls for, after the steps taken by Iran since the US withdrawal from the understanding, more than just Iran’s announcement of a return to commitments, the director of the IAEA said, in addition to considering the file Iranian ballistic missiles and the and the inflamed regional files in Yemen, Syria, and Iraq as additional reasons for disrupting the chances of a return to understanding.

It is known that Iran rejects any transition, including negotiations prior to the return of the understanding, and insists on considering the return of the U.S. unconditionally required to be met by a return to the commitments of Iran, and then the meeting of the P5+1, in which the UN and the IAEA participate, and the European Union as partners with the countries concerned, As for the other issues that the Europeans and the Americans are talking about, whether the Iranian missile file or the regional conflict files, they are issues that were previously discussed before the signing of the nuclear agreement, and in the end they remained contentious issues and it was decided to proceed with the agreement

The question Biden faces, is what he faced with President Barack Obama in 2015, that with the outstanding issues with Iran, what is the best way to deal with the nuclear file, continue to bet on sanctions or go to war or invoke the rules of understanding, and the decision of the Obama-Biden duo on that day, invoking understanding, and this is what Obama has repeatedly explained by saying that he realizes that the deal is bad, but he realizes that the alternative represented by the bet on the sanctions are a great risk of wasting opportunity, explaining how Washington was discovering with every pause for negotiations and a return to sanctions that when it returns to negotiations that the nuclear file has increased complexity and Iran’s capabilities have grown, while the war is a more dangerous adventure, and Obama’s responses to the prime minister Benjamin Netanyahu today, in the eyes of the Biden team, are valid today, according to the results of President Donald Trump’s experience.

Biden’s team says if war is an option, why didn’t the Trump and Netanyahu duo resort to it, but as for the sanctions, Biden’s team,  the outcome of the four-year Trump-Netanyahu project, is reviewing the outcome of the nuclear deal and betting on sanctions, which caused a lot of losses to Iran, but did not disturb the regime or imposed on the Iranian leadership In these years, the major victories of Syria have been achieved, and Hezbollah has possessed precise missiles, and Ansar Allah has turned into a superpower that holds on to Gulf security.

Biden’s team says that understanding, which was a bad choice in 2015, is a worse option in 2020, but betting on sanctions was a major risk in 2015 and became a major folly and suicide in 2020, and the war on the table in 2015 is no longer an option for debate in 2020.

اليوم العالميّ للغة العربيّة

ناصر قنديل

تتيح مناسبة إحياء اليوم العالميّ للغة العربيّة الفرصة للانتباه الى مجموعة من الحقائق المعاكسة لبعض ما يتمّ ترويجه منذ عقود في منتديات النقاش اللغويّ بحثاً عن تطوير قدرة اللغة العربية على الإحاطة بمتغيّرات العصر بعدما نسب الكثير من المهتمين بشأن اللغة تراجعها الى ما وصفوه بعجزها عن هذه المواكبة للجديد والعصري المتسارعين فجاءت محاولات حثيثة للتعريب خلال أكثر من نصف قرن لم تنجح رغم جدّيتها في وقف التدهور في مكانة اللغة العربية سواء في حجم احتلالها لمساحات التخاطب اليوميّ بين المنتسبين إليها كهوية او في متانة استعمال قواعدها ومستوى أدائها نطقاً وكتابة أو في ظهور تشعّبات من سلالات لغويّة والسنيّة مشتقة من تركيبات هجينة لأصول عربية وأصول غير عربية ومحكيات غير مدوّنة قواعديا تحوّلت مع وسائل التواصل الاجتماعي الى محكيّات مدوّنة بحروف وإشارات لغوية غير عربية او غير صافية بانتسابها للعربيّة.

ساد لفترة غير قصيرة منطق يقول إن سبب تراجع اللغة العربية يعود الى مصدرين، الأول ما وصفه اللغويّون بتدفق آلاف المصطلحات الجديدة المرتبطة بمستجدات دخلت حياة البشر بلغات وافدة، ورأوا الحل بالتعريب باقتراح مئات المفردات الجديدة واشتقاقاتها لمواكبة هذا التحوّل فأوجدوا مرادفات لمفردات التلفزيون والراديو والسندويش وسواها، ولم ينجحوا، والثاني يعتبر أن تعليم العلوم التطبيقيّة والمكتبية والإنسانية باللغات الأجنبية هو السبب في تراجع اللغة العربية، فخاضت دول عديدة متمسكة بحماية اللغة العربية غمار تجارب تعليم هذه العلوم باللغة العربية وبذلت جهوداً جبارة لتعريب المناهج، لكن العقدين الأخيرين أظهرا أن التسرب اللغوي الأجنبي يتسارع فيها خصوصاً بين أجيال الشباب، وأن التمكين اللغوي لجهة سلامة النطق والتحدّث والكتابة يسجل تراجعاً ملحوظاً يشبه ما شهدته بلاد عربية أخرى خلال عقود سابقة من القرن الماضي.

بات اليوم من الممكن البحث عن أسباب غير تقنية تتصل بالحامل الحضاري والسياسي للغة كمصدر للتراجع، خصوصاً أن هناك ثلاثة اسباب كبرى تسحب الأسباب التقنيّة من التداول وتبطل مفعول الأخذ بها، الأول أن اللغة العربيّة لا زالت رغم كثير وجوه تراجعها تمتلك أكبر مخزون من المفردات بالقياس لكل اللغات الأخرى، بما في ذلك التعبيرات المتمايزة بمفردات مختلفة عن حالات مختلفة تفصيلياً في الفعل نفسه تختزلها اللغات الأخرى بتعبير واحد وتضطر لتظهير التمايزات التفصيلية بإضافة صفات وتركيب جملة لما تجد اللغة العربية التعبير عنه بمفردة، ولا زالت اللغة العربية بنزر علماء اللغة أكثر اللغات قدرة على تقديم الانسجام بين مضمون التعبير وموسيقى الأحرف الصوتية الحاملة، ومن المفيد القول إن في اللغة العربية أكثر من مليون مفردة موثقة، بينما كل اللغات الأخرى لا تتجاوز سقف الربع مليون مفردة، أم السبب الثاني لتجاوز التفسيرات التقنيّة، هو أن اللغات الأخرى المتقدّمة تمتلك الكثير من المفردات المستمدّة من جذور لغات أخرى منها اللغة العربية، ولم يضعف ذلك من تأثيرها ولا من نموها، والسبب الثالث هو أن التراجع في متانة استخدام اللغة وحجم ووتيرة انتشارها وسيادتها بين حامليها الأصليين، ظهر بقوة في العقدين الأخيرين بعيداً عن حاجات التبادل العلمي والتجاري، التي طغت في عقود ماضية من القرن العشرين على مظاهر التراجع الحاد في مكانة اللغة العربية. فالتراجع بدا بوضوح مرتبطاً بظهور بدائل أدنى مرتبة من زاوية المفهوم اللغوي، أي لحساب لكنات ولهجات وصيغ تركيبية هجينة غير موحّدة وغير قابلة للتبادل على نطاق أوسع من الدوائر المحليّة الضيّقة لتداولها، والبدائل عموماً أشدّ هشاشة من أن تُسمّى لغة، وتحمل تعبيراً عن ركاكة وضعف وعجز بالمفهوم اللغويّ، وهو ميدان تتسم اللغة العربية بالإعجاز فيه.

بالعودة إلى تاريخ صعود اللغة العربيّة، لا يمكن الفصل بين هذا الصعود وعناصر النهضة الحضاريّة والصعود السياسيّ، سواء في حقبة أولى مع الإمبراطوريات الأموية والعباسية، وما عُرف بالعصر الذهبي، أو في حقبة ثانية مع نهوض الحركات القوميّة في القرن الممتد بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، شهدت خلاله اللغة إحدى أهم مراحل صعودها ونهضتها وعصورها الذهبيّة، وبالعكس تزامن الانحدار اللغوي مع الانحدار السياسي والحضاري وتراجع مشاريع النهضة، وتسارع الانحدار مع غياب هذه المشاريع وسيادة مناخات الضياع الفكري والتفريط السياسي والتشظي الاجتماعي، فعندما تصير الطوائف والقبائل والمشيخات بدائل للأمم فستجد ما يناسب مستواها الهابط في الاستخدام التعبيريّ بدلاً من لغة عالية النوتة والمدرجات بما لا يتيح عزف موسيقاها الا لأوركسترا على درجة عالية من الجدية والمهارة والعلو في الشكل والمضمون. فالمشكلة ليست في اللغة بل في الأمة، وفي حال الأمة هي مشكلة النخب وليست مشكلة الشعوب، وبين النخب هي مشكلة ثقافة وسياسة وليست مشكلة تقنيات.

Lebanon is a country of missed opportunities لبنان بلد الفرص الضائعة

**Please scroll down for the machine English translation**

نقاط على الحروف ناصر قنديل

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-527.png

أضاع لبنان الكثير من الفرص بإدخالها في زواريب موحلة للسياسات الطائفية والحسابات الصغيرة ، حتى بات بلد الفرص الضائعة ، ومن يستعيد اللحظات التاريخية التي حملت في بداياتها وعودا وردية بفرض تاريخية لتغيير مسار الحياة اللبنانية سيجد الكثير منها ، فمنذ اتفاق الطائف تضيع الفرصة تلو الأخرى ، وربما تكون أهم الفرص الضائعة هي ما مثلته انتصارات المقاومة بتحرير الجنوب عام 2000 والمعادلات التي أنتجتها ، والتي منحت لبنان فرصة التحول الى رقم عربي ودولي صعب ، وفرصة التوحد حول مصادر قوة سيادية تتيح له حماية ثرواته وإستقلاله ، وإحاطة هذه القوة بعناصر اضافية للقوة الوطنية التي تتوحد حولها ، والانصراف من نقطة انطلاق لبنانية موحدة نحو بناء دولة قادرة على نيل ثقة الداخل والخارج بأهليتها ، لكن بدلا من ذلك انقسم اللبنانيون بين من وجد في انتصار المقاومة سببا للخوف الطائفي ، بعدما نظر للمقاومة بعيون طائفية ، فدخل مرحلة الإستنفار الطائفي بوجهها وأخذ لبنان بذلك نحو زواريب المخاطر والتشتت والضياع ، وهناك من وجد من موقع التزامه بتموضع اللبنانيين على ضفاف المعسكرات الخارجية الفرصة في تخديم حليفه الخارجي بالنظر الى انتصار المقاومة كفرصة لمطالبتها بتسليم سلاحها ، فاتحا معها ذات المعركة التي كان يخشى أعداؤها في الخارج فتح بابها مقدما الأرضية الداخلية للمعركة الخارجية التي تستهدف هذه المقاومة ، وهكذا ضاعت الفرصة .

مع وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية تولدت فرصة مهمة للنهوض بدولة ومؤسسات وخوض غمار اصلاح سياسي واقتصادي واطلاق مسار جدي لمكافحة الفساد ، في مناخ من الإستقرار السياسي الذي تولد مع إنضمام كتل سياسية متعددة الهوية والولاء داخليا وخارجيا الى موقع الشراكة في التسويات والتفاهمات التي واكبت هذه الفرصة ، بعدما التقى حول العهد الجديد تحالفه مع حزب الله من جهة والتسوية الرئاسية مع الرئيس سعد الحريري وتفاهمه مع القوات اللبنانية من جهة مقابلة ، لكن الفرصة تحولت في النصف الأول من العهد الى استنساخ لنمط الحكم التقليدي القائم على المحاصصة والبعيد عن الإصلاح ، وطغت الهوية الطائفية على مطالب التيار الوطني الحر وسلوك العهد ، سواء في مقاربة قانون الإنتخابات النيابية ، ووضع معيار لصحة وسلامة التمثيل ينطلق من درجة قيام المسيحيين بانتخاب نوابهم ، أو في مقاربة ملفات الوظائف العامة في الفئة الأولى وما دونها ، بإخضاعها للسعي لتقديم التيار والعهد كمدافع أول عن ما يسميه ب”حقوق المسيحيين” ، وما رافق ذلك في تعيينات الفئة الأولى من محاصصات وما عقد تعيينات الفائزين بمباريات مجلس الخدمة المدنية تحت شعار السعي للتوازن الطائفي ، وكان من الصعب حد الى الاستحالة الجمع بين التمسك بموقع مسيحي أول وموقع وطني أول في مقاربة قضايا الإصلاح في بلد محكوم بنظام طائفي يتكفل بتوليد الإنقسامات لا التفاهمات ، وجاء النصف الثاني مليئا بالأزمات من الإنهيار المالي الى كورونا وصولا الى انفجار مرفأ بيروت ، وما بينها من تفجير للتفاهمات التي ولدت مع بداية العهد ، وطغى التناحر والتنابذ وانضمت قوى جديدة الى التشتت السياسي ، وبدا بوضوح ان الفرصة تتلاشى تدريجيا وان سقف الطموح صار وضع حد للخسائر ومنع وقوع الأسوأ ، وليس تحقيق المزيد من الطموحات .

جاءت انتفاضة 17 تشرين الول 2019 فرصة جديدة لإنعاش الأمل بنهوض مسار تغييري في لبنان مع مشهد عشرات الآلاف يهتفون بلبنان جديد في شوارع العاصمة ، حيث تلاقى اللبنانيون من كل الطوائف والمناطق احتجاجا على نظام المحاصصة و الفساد ، وطلبا لتغيير جذري يضمن للبنانيين فرص عيش أفضل في دولة تقوم على الحقوق والتساوي امام القانون ، لكن سرعان ما بدأ الحراك الشعبي يتآكل لصالح شعارات سياسية ينقسم اللبنانيون حولها كمصير سلاح المقاومة الذي نجح الخارج بجعله عنوان مقايضة تمويله للكثير من الجماعات الفاعلة في الحراك بجعله شعارا لها كسقف لهذا الحراك ، وبالمثل توزع المشاركون مجددا على مرجعيات الطوائف وتوزعت ريحهم ، وصارت دعوات الإصلاح ومكافحة الفساد مشروطة ، ويوما بعد يوم تلاشى الأمل وتراجعت الفرصة وتحولت الإنتفاضة الى واحدة من عناوين الضياع اللبناني ، ومصادر الإستغلال السياسي والتوظيف الخارجي ، وصار الأمل الذي بدا قريبا في الأيام الأولى للإنتفاضة يبدو أبعد فأبعد .

مع تسمية الدكتور حسان دياب كرئيس للحكومة التي ولدت في مناخ الإنتفاضة ، ولدت فرصة جديدة ، فللمرة الأولى هناك رئيس حكومة من خارج النادي التقليدي ، ومن خارج الولاءات الطائفية والإقليمية ، ومن حظ لبنان أن يكون هذا الرئيس مؤمنا بلبنان مدني وبنظام للمساءلة والمحاسبة وبإصلاح جذري للنظامين السياسي والإقتصادي ، معتبرا انه جاء لتنفيذ وصايا الإنتفاضة ، لكن الرئيس الذي جاء بتسمية وثقة الأغلبية النيابية ، كجزء مما سمي بالطبقة السياسية ، لم يحصل على دعم الإنتفاضة وقواها ولا حصل على دعم شركائه في الحكومة ، ومرت الأيام الحكومية على إيقاع هذا التناوب بين مساع إصلاحية منقوصة ، ومشاريع حكم مبتورة ، فترهلت صورة الحكومة ، وذبلت الآمال بتغيير منشود ، وضاعات الفرصة .

بالرغم من الطابع المأسوي لجريمة تفجير مرفأ بيروت شكل التحقيق القضائي فرصة لإنتزاع القضاء المبادرة لقيادة المسعى الإصلاحي ، وبنى اللبنانيون الآمال على أن يدق التحقيق أبواب المحرمات السياسية ويقدم نموذجا عن الشجاعة والإقدام والحسم والوضوح والترفع ، فيحرج الجميع ويلزمهم بالخضوع ، وينجح بجمع الشجاعة والحكمة بخلق واقع جديد ، وبدلا من أن يحدث ذلك حث العكس ، فطريقة التصرف القضائي بنتائجها بغض النظر عن النوايا ، حولت حسان دياب من الدخيل غير المرغوب به في نادي رؤساء الحكومات السابقين ، الى عضو أصيل يحظى بالتكريم من مؤسسي النادي ، وبدلا من ان يكون مغردا خارج سرب الطائفة هجمت الطائفة عليه تحميه بعدما كانت قد نبذته وهجمت عليه كدخيل على نادي الأصلاء ، وبغض النظر عن النقاش القضائي والدستوري والسياسي دخل التحقيق قي مسار انحداري يصعب انقاذه منه ، فاقدا امكانية تمثيل عنوان نهوض لمشروع الدولة ، وبدلا من ان يكون التحقيق مدخلا انقاذيا للدولة صار المطلوب انقاذ التحقيق .

مرة جديدة لبنان بلد الفرص الضائعة .

Lebanon is a country of missed opportunities

Points on the letters Nasser Kandil

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-527.png

-Lebanon has lost many opportunities due to muddy paths of sectarian policies; despite historical moments that carried in their beginnings rosy promises of a historic chances to change the course of the Lebanese Life. Since the Taif Agreement, Lebanon has lost one opportunity after another until it became a country of missed opportunities. Perhaps the most important missed opportunity is what was represented by the victories of the resistance in liberating the south in 2000 and the equations it produced, which gave Lebanon the opportunity to unite its factions towards building a sovereign state that is capable of, and able to, protect its wealth and independence, and to become an important player regionally and internationally gaining the confidence home and abroad. Instead, Lebanese entered a stage of sectarian alienation and remained divided between those who found in the victory of resistance a cause of sectarian fear, looking at the resistance with sectarian eyes, and those who found the victory of the resistance an opportunity to serve their external allies, and demand RESISTANCE to give up its weapons, and thus the opportunity was lost.

– With the arrival of President Michel Aoun to presidency of the Republic, an important opportunity was born to promote a state and institutions, engage in political and economic reform, and to launch a serious path to fight corruption, in a climate of political stability that was born with the joining of different political blocs with different  political identities and loyalties internally and externally on the basis of partnership in the settlements and understandings that accompanied this opportunity. With the arrival of President Michel Aoun to presidency, A new map of alliances took shape, with Hezbollah on one hand and the presidential settlement with Prime Minister Saad Hariri and his understanding with the Lebanese forces on the other hand. However, in the first half of President Michel Aoun’s presidency, the opportunity turned into a reproduction of the traditional pattern of past Lebanese governments based on sectarian quotas. As the sectarian quota mentality dominated the demands of the Free Patriotic Movement in the Parliamentary Elections Law. Also, their approach to choosing personnel to public jobs was marred by the slogan of seeking sectarian balance, and what so-called “the rights of Christians”, ignoring the winners of the matches of the Civil Service Council. It was difficult to an extent to the impossibility of combining adherence to a Christian first position and a first national position in approaching reform issues in a country governed by a sectarian system that is responsible for generating divisions rather than understandings. The second half of President Michel Aoun’s presidency was full of crises, from the financial collapse and Covid-19 to the explosion of Beirut Port, as well as the shifts in the alliances that were born with the beginning of President Michel Aoun’s presidency. As a result, rivalry and discord prevailed, and new forces joined the political dispersion, and it was clear that the opportunity was gradually fading. So, the ambition instead became to put an end to losses and prevent the occurrence of the worst, rather than promoting political and economic reforms.

– The October 17, 2019 uprising came as a new opportunity to revive hope for the advancement of a change course in Lebanon, with tens of thousands chanting for a new Lebanon in the streets of the capital, as Lebanese from all sects and regions met in protested against the quota system and corruption, requesting a radical change that would guarantee the Lebanese a better life in a country that is based on rights and equality before the law. However, soon the popular movement began to erode because of political slogans about which the Lebanese are divided, such as the fate of the weapons of Resistance, which the foreign powers succeeded in making it the uprising title, and likewise the participants were distributed again among the sects’ references and became ineffective. The calls for reform and fighting Corruption became conditional, and day after day the hope faded and the intifada became one of the titles of Lebanese losses, and became a source for political exploitation and external employment. And the goal that seemed in reach in the early days of the uprising began to seem farther and farther.  

– With the naming of Dr Hassan Diab as head of the government which was born in the climate of uprising, a new opportunity was born, for the first time there was a head of government from outside the traditional club of politicians, and devoid of sectarian and regional loyalties, and Lebanon was fortunate to have a Prime Minister who believes in a civil Lebanon, a system of accountability, and a radical reform of the political and economic systems, and he considered his mandate to implement the demands of the intifada. However, this Prime Minister, who gained the parliamentary majority trust also, did not obtain the support and forces of the uprising, nor did he obtain the support of his partners in the government. And government days passed between incomplete reform efforts and incomplete governmental projects. The image of the government withered, the hopes of a change vanished, and the opportunity was again lost.

– Despite the tragic nature of the crime of bombing the Port of Beirut, the judicial investigation constituted an opportunity to extract the initiative to lead the reform effort, and the Lebanese built hopes that the investigation would knock on the doors of political taboos and provide a model of courage, boldness, clarity and elevation, embarrass everyone and obliged them to submit, and succeeds in gathering courage and wisdom by creating a new reality. Instead, the contrary happened. The way the judicial system’s behaviour with its findings, regardless of its intentions, has transformed Hassan Diab from being an outsider in the “previous prime ministers club” to an accepted member. And his sect that rejected him previously as a member of the originals’ club, turned to protect him and accepted him in the club. Regardless of the judicial, constitutional, and political debate, the investigation entered a downward trajectory, and lost the possibility of being a vehicle for state advancement, and instead of being a rescue entrance for the state, the investigation became the case to be saved.

– Once again Lebanon is a country of missed opportunities.

التحقيق يزيد اقترابَنا من الفوضى بدلاً من تخليصنا منها

ناصر قنديل

ليست القضية اليوم بعد صدور ادعاء المحقق العدلي فادي صوان على رئيس الحكومة حسان دياب، هي في حملة التضامن التي لقيها دياب، والتي جاءت رداً عفوياً على مظلومية شعر بها أغلب اللبنانيين، واستضعاف واستهداف لا مبرر لهما في قضية تفجير المرفأ، الناجم أصلاً عن محطات تبدأ بكشف ألغاز وصول الباخرة المحملة بالمتفجرات، بغياب جهة تصدير واضحة وناقل واضح وجهة مستوردة واضحة، وتمرّ بفك الألغاز القضائيّة والأمنيّة المتصلة بالتغاضي عن بقاء هذه المتفجّرات وإهمالها معالجاتها رغم معرفة مؤسستين كبيرتين هما الجيش والقضاء بخطورة المواد، والتعامل معها، إما بطريقة تعليمات قضائية بتعويم الباخرة، أو تعليمات عسكرية ببيع المتفجرات مع عنوان للمشتري، وتصل الى فك شيفرة ما إذا كانت هذه المتفجرات قد شكلت مصدراً لتجارة تحت الطاولة ممتدة لسنوات، وما إذا كان لها صلة بتغذية جماعات إرهابية بهذه المتفجّرات، وآخر شيء والأقل أهمية، بعد كشف هذا التسلسل الجرمي، البت بمسؤوليات التقصير والإهمال لدى المسؤولين السياسيين، الذين يشكلون في أحسن الأحوال سلطة وصاية على أربع جهات لها استقلالية إدارية وقانونية، هي الجمارك ومرفأ بيروت والهيئات القضائية وقيادة الجيش. والسياسيون مسؤولون طبعاً بصفتهم سلطة سياسية، لكن الذي ننتظره من التحقيق هو الكشف عما إذا كان لبعضهم تورط جرميّ في التغطية المتعمّدة على بقاء هذه المتفجرات.

ما ينتظر من التحقيق المساعدة على فهم سياقين سياسيين ولدا بالتزامن والتوازي مع تفجير المرفأ، والإجابة عما إذا كانت لهما ثمة علاقة به، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأولى هي مسار التطبيع الخليجي الإسرائيلي، وقد صار مكشوفاً حجم الرهان الإسرائيلي على احتلال مرفأ حيفا مكانة مرفأ بيروت في تجارة الترانزيت للخليج، والثانية هي المنصة التي منحها التفجير لمداخلات دولية تحرّكها مصالح كبرى تتصل من جهة بالنفط والغاز ومشاريع الترسيم، ومن جهة موازية بفتح الطريق لوصاية دولية شكل الحضور الفرنسي عنوانها.

بعد أربعة شهور شعر اللبنانيون أن سقف ما يسعى اليه التحقيق هو ملاحقة ورقيات الإدارات اللبنانية والمراجع ذات الصلة، تحت إيقاع حركة تصدّرت وسائل التواصل الاجتماعي، عنوانها، كانوا يعلمون، بينما ما يريده اللبنانيون، هو مَن هم الذين كانوا متورّطين أولاً، من دون إهمال مَن كانوا يعلمون، فخبرية التلحيم لم تقنع أحداً، وكما في حملة كانوا يعلمون، كانت حملات نريد رؤوساً كبيرة، في خلفيّة ما صدر من ادعاء، لكن تمّ تجاهل الحملة الأهم تحت عنوان، كلن يعني كلن، فجاء الادعاء ببعض مجتزأ من لائحة سبق وراسل بها المحقق العدلي مجلس النواب، صدمة للرأي العام.

لا يُلام الرئيس دياب الذي صُدم من الاتهام والاستهداف، واعتبره قتلاً للأمل بقيام دولة، كان يحرص على بثه رغم السواد المهيمن على المشهد السياسي، عندما يتلقف كل دعم وتأييد، وخصوصاً عندما يأتيه تأييد رؤساء الحكومات السابقين وفي مقدمتهم الرئيس سعد الحريري. ولا يُلام الحريري الذي تخطّى الحاجز السياسي الخلافي ليتضامن مع دياب، ولا تصحّ هنا مقولة الطوائف تحمي أبناءها، كأن الادعاء كان في مكانه ورسمت بوجهه خطوط حمراء، فدياب ليس مرتكباً بنظر اللبنانيين لتحميه الطائفة، بل الادعاء المجتزأ منح اللعبة الطائفيّة فرصة التدخل وفرض حضورها، ولو جاء الادعاء بالأسماء التي وردت في رسالة المحقق العدلي الى مجلس النواب ومعها أسماء القضاة والقادة العسكريين المعنيين لصفق اللبنانيّون، الذين شكّل تضامنهم مع دياب سبباً لفتح الباب لرفع متاريس سياسية، ربما تشكل منعطفاً سلبياً في مسار التحقيق، وربما في مسار النظام القضائي، بل ربما في مسار دفع لبنان نحو الفوضى، فهل كان التنسيق القضائي اللبناني الفرنسي في التحقيق سبباً للتمهيد للفوضى، بعدما كان الرهان على التحقيق لأن يشكل منعطفاً في مسار القضاء وعبره في مسار بناء الدولة وتجاوز خطر الفوضى؟

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

مخاوف على التحقيق و ليس من التحقيق؟

ناصر قنديل

لا يملك أحد بعد فرصة الحكم على الخلفيات التي دفعت بالمحقق العدلي القاضي فادي صوان لتوجيه اتهاماته، أو بالأحرى حصر اتهاماته، بالرئيس حسان دياب والوزراء علي حسن خليل ويوسف فنيانوس وغازي زعيتر، في ظل اسئلة كبرى من نوع، اختيار رئيس حكومة لا يحظى بحماية طائفته، ويشترك مع الوزراء الذين طالهم الاتهام بالانتماء لخط سياسي واحد، على الأقل لجهة الموقف من المقاومة، بينما المتفجّرات المخبأة في مرفأ بيروت، عايشت لسنوات وجود رؤساء حكومات ووزراء يختلفون عن الذين تلقوا الاتهام بأنهم على مسافة من المقاومة وما تمثل، بحيث يصعب تفادي التساؤل عما إذا كان هذا الانتقاء تقاطع مع هذه الصورة السياسية والطائفية بمحض الصدفة، كيف وأن تقاطعاً آخر يحضر فوراً ويعقّد مهمة الاعتقاد بالصدفة مرة أخرى، وهو أن اثنين من المدعى عليهم من الوزراء هم من الذين طالتهم العقوبات الأميركية بتهمة العلاقة بحزب الله، كيف وأن بيان مجلس القضاء الأعلى الداعم لقرار المحقق العدلي يقدم ربطاً واضحاً بين مسار التحقيق العدلي ومسار التحقيق الفرنسي، ويشير إلى فرضية ظهور تحليل تقني جديد عن التحقيق الفرنسي الذي انتهى سابقاً للقول بفرضية الإهمال والقضاء والقدر، وربما يغير هذه الفرضية إلى إثارة شبهات حول دور أمني للمتفجرات التي كانت في مستودعات المرفأ.

القلق على التحقيق وتمكّنه من بلوغ خواتيمه التي ينتظرها اللبنانيون، تثيره هذه الأسئلة من جهة، والتجاذب المتوقع سياسياً حول الصلاحيات في توجيه الاتهامات، من جهة موازية، مع تراجع المناخ الشعبي القائم على الإجماع حول طلب السير بالتحقيق نحو «الرؤوس الكبيرة»، في ظل شعور شرائح واسعة باستضعاف الرئيس حسان دياب وتحويله الى كبش محرقة بين رؤساء حكومات سابقين لهم نادٍ حصريّ، يمنع عليه دخوله، يحظون بحماية طائفية سبق وتجسدت بموقف معلن لدار الفتوى من رفض اي مثول للرئيس فؤاد السنيورة أمام القضاء، وقد عاصر ثلاثة منهم وجود هذه المتفجّرات في المرفأ، ولا يمكن إعفاؤهم من المسؤولية ولو بمنطق الهرمية التي تجعل رئيس الحكومة مسؤولاً عن أفعال او تقصير حكومته، وهذا ما يفتح الباب، في ظل ما بات مثبتاً بالتوازي والتشارك مع التحقيق الفرنسي، للقلق من تحكم خارجي بمسار التحقيق بأدوات قضائية وتحقيقية، كما جرى في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، خصوصاً مع تكرار دعوات مشابهة لما رافق تلك الجريمة، سواء للتحقيق الدولي، أو لتوجيه الاتهام لحزب الله، أو لتحقيق دولي يشكل الباب لتوجيه هذا الاتهام، والخشية من أن يكون مدخل كل ذلك، إدخال التحقيق اللبناني في متاهات ونزاعات وإشاعات وشبهات تحول دون مواصلته مهمته.

مجلس القضاء الأعلى والمحقق العدلي مطالبان بعدم التعامل مع الأسئلة والمخاوف بصفتها تشكيكاً أو نيلاً من مصداقية القضاء ونزاهته، بل بصفتها مخاوف مشروعة، وقلقاً نابعاً من خبرات وتجارب سابقة، أهمها ما رافق ولا يزال جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث ضاعت الحقيقة والعدالة والقضاء وصدقية التحقيق، في دهاليز السياسة الداخلية، والتدخلات الخارجية، والأسئلة والمخاوف الواردة ليست بسيطة ولا هي مجرد تخيّلات، وليس كافياً أن يقتنع المحقق العدلي ومعه مجلس القضاء الأعلى بمطابقة الادعاء لمعايير قانونية، بمعزل عن درجة القدرة على إقناع الرأي العام بنزاهة وصدقية الادعاء، والحفاظ على وحدة وإجماع الرأي العام وراء القضاء، في ظل حالة تخبّط وانقسامات ومخاوف وتطلعات تشكل بمجموعها مصادر متناقضة لصناعة الرأي العام، لا يمكن إعفاء القضاء من أخذها بالاعتبار، لأن مهمة العدالة ضمن مسار بناء الدولة التراكمي، لا تنفصل عن المهمة المرتبطة بالعدالة في الجريمة بعينها.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

2021 is the year of politics par excellence 2021 عام السياسة بامتياز

2021 is the year of politics par excellence 2021

Nasser Qandil

There is no longer any doubt that U.S. President-elect Joe Biden will take office on January 20, and that the questions that accompanied the election phase and some of them are still present, will not find an opportunity for President Donald Trump to remain in the White House and refuse to recognize the results of the election to refrain from handing over power, and there is no doubt that President  Biden borrows the slogan that President Barack Obama and then President Donald Trump began as president, namely America First,  meaning To get out of the role of the global policeman and get involved in international and regional conflicts, which proved unresolved as proven to affect the decline of American prestige and damage to American interests, and retreat towards attention within the borders where the devastation is widening and the decline is magnified, and the need for restoration and maintenance politically, socially and economically, but they left it during practice to calculate the involvement in conflicts under the pressure of the interests of economic blocs, political blocs,  allies and financiers..

America was sinking more into ruin and getting more involved in failure, the more america’s slogan (America First) was left to become a valid slogan for a rival election campaign, on which Obama would win against Joe McCain, the legacy of George Bush  Jr.,and Trump’s victory against  Biden, carrying the legacy of Obama, and Biden’s victory over  Trump, carrying his own legacy, and america has reached a place where it has not been betrayed. As Biden’s article published in Foreign Affairs last spring, which decisively calls for the reconsideration of diplomacy, from the revitalisation of the United Nations, to the restoration of international conventions, to the revival of partnerships with Europe and with adversaries in Russia, China, Iran and elsewhere, suggests that it is free to rebuild America and re-establish a new position capable of competing for world leadership, after the attempt to rule the world by force failed.

Observers inside and outside America agree that the Iranian nuclear file is the key to the transition from the policies of involvement to america’s first policies, a file that formed an agreement on it, was the first qualitative translation of the Obama era to the concept of returning to the American interior and withdrawing from involvement in the policy of interventions, and acknowledging the realities of the new balances that govern the world, by returning to the understanding on the nuclear file with Iran is restored America’s unity with Europe, which was shattered by the U.S. withdrawal from the agreement before any other reasons, and through return opens the door to the revival of NATO rift between The United States, European and Turkish wings, and through the return to understanding the level of tension with Russia and China, and most importantly, through this return Washington eases the burden of escalation in the Middle East, which is the biggest source of moral and material depletion of status and potential for Washington.

The positions of the Biden administration, particularly what he personally said and reaffirmed by his national security adviser, seem to be toward the priority of a return to nuclear understanding, under one condition is Iran’s commitment to its terms,and Iran seems clear in its declaration of readiness to abide by the terms of the agreement on one condition is the return of the Biden  administration to the understanding, which means that the first months of 2021 will be a date for the return. This means opening the wide door to a series of repercussions on the region’s files, from Syria to Yemen to Iraq and Lebanon except the conflict on Palestine, as well as opening the door to the return of international understandings from which Trump came out and  Biden will return to it, and open the door to negotiate from the site of the search for solutions to the outstanding problems with both Russia and China..

– 2021 is a year of politics with distinction

2021 عام السياسة بامتياز

ناصر قنديل

لم يعُد ثمّة شك بأن الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن سيتسلّم مقاليد الحكم في 20 كانون الثاني المقبل، وأن التساؤلات التي رافقت المرحلة الانتخابية ولا تزال ذيول بعضها حاضرة، لن تجد طريقها لخلق فرصة لتشبث الرئيس دونالد ترامب بالبقاء في البيت الأبيض ورفض الاعتراف بنتائج الانتخابات وصولاً للامتناع عن تسليم السلطة، كذلك لم يعُد هناك شك بأن الرئيس بايدن يستعير الشعار الذي بدأ به الرئيس باراك أوباما ومن بعده الرئيس دونالد ترامب رئاستيهما، وهو أميركا أولاً، يمعنى الخروج من دور الشرطي العالمي والتورط في النزاعات الدولية والإقليمية، التي ثبت العجز عن حسمها كما ثبت تأثيرها على تراجع الهيبة الأميركيّة وتضرّر المصالح الأميركيّة، والانكفاء نحو الاهتمام بداخل الحدود حيث الخراب يتّسع والتراجع يتضخّم، والحاجة للترميم والصيانة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً تتحوّل الى أولوية، لكنهما لم يلبثا خلال الممارسة أن تركاه لحساب التورط في الصراعات تحت ضغط مصالح تكتلات اقتصادية ولوبيات سياسيّة وحلفاء ومموّلين.

كانت أميركا تغرق أكثر في الخراب وتتورّط أكثر في الفشل، كلما تمّت مغادرة شعار أميركا أولاً لدرجة يعود ليصير شعاراً صالحاً لحملة انتخابية منافسة، فيفوز على أساسه أوباما بمواجهة جو ماكين حامل تركة جورج بوش الإبن، ويفوز على أساسه ترامب في مواجهة بايدن حاملاً تركة أوباما، ويفوز على أساسه مجدداً بايدن على ترامب حاملاً تركة نفسه، وقد بلغت أميركا مع الإمعان في خيانة هذا الشعار الى مكان لم يعُد يحتمل التلاعب به مجدداً، كما تقول مقالة بايدن المنشورة في مجلة الفورين أفيرز في الربيع الماضي، والتي تدعو بحسم لإعادة الاعتبار للدبلوماسية، من تنشيط الأمم المتحدة، الى العودة للاتفاقيات الدوليّة، إلى إحياء الشراكات مع أوروبا ومع الخصوم في روسيا والصين وإيران وسواها، للتفرغ لإعادة بناء أميركا وإعادة إنتاج موقع جديد لها قادر على المنافسة على زعامة العالم، بعدما فشلت محاولة حكم العالم بالقوة.

يُجمع المراقبون والمتابعون داخل أميركا وخارجها على أن الملف النوويّ الإيرانيّ يشكل مفتاح الانتقال من سياسات التورّط الى سياسات أميركا أولاً، وهو الملف الذي شكّل التوصّل الى اتفاق حوله، كان أول ترجمة نوعيّة في عهد أوباما لمفهوم العودة الى الداخل الأميركي والانسحاب من التورط في سياسة التدخلات، والإقرار بحقائق الموازين الجديدة التي تحكم العالم، فعبر العودة للتفاهم حول الملف النووي مع إيران تُستعاد وحدة أميركا مع أوروبا التي تصدّعت بفعل الانسحاب الأميركي من الاتفاق قبل اي أسباب أخرى، وعبر العودة يُفتح باب إحياء حلف الناتو المتصدّع بين أجنحة أميركية وأوروبية وتركية، وعبر العودة للتفاهم ينخفض سقف التوتر مع روسيا والصين، والأهم أنه عبر هذه العودة تتخفف واشنطن من أعباء التصعيد في الشرق الأوسط الذي يشكل أكبر مصدر للاستنزاف المعنوي والمادي للمكانة والإمكانات بالنسبة لواشنطن.

تبدو المواقف الصادرة عن إدارة بايدن، خصوصاً ما قاله هو شخصياً وأعاد تأكيده مستشاره للأمن القومي، باتجاه اولوية العودة للتفاهم النووي، ضمن شرط واحد هو التزام إيران بموجباتها، وتبدو إيران واضحة في إعلانها عن الاستعداد للالتزام بموجبات الإتفاق بشرط واحد هو عودة إدارة بايدن للتفاهم، ما يعني ان الشهور الأولى من العام 2021 ستكون موعداً للعودة للتفاهم، وهذا يعني فتح الباب الواسع لسلسلة من التداعيات على ملفات المنطقة، من سورية إلى اليمن إلى العراق ولبنان وصولاً لربط النزاع حول المواقف المتعارضة حول فلسطين، كما يعني فتح الباب واسعاً لعودة تفاهمات دولية خرج منها ترامب وسيعود إليها بايدن، وفتح الباب لتفاوض من موقع البحث عن حلول حول المشاكل العالقة مع كل من روسيا والصين.

عام 2021 هو عام للسياسة بامتياز

Assad and Islam of the Levant الأسد وإسلام بلاد الشام

الأسد للعلماء: لقيادة المواجهة مع مشروع الليبراليّة دفاعاً عن الهويّة بوجه التفلّت والتطرّف

Photo of الأسد للعلماء: لقيادة المواجهة مع مشروع الليبراليّة دفاعاً عن الهويّة بوجه التفلّت والتطرّف

Syrian President Bashar al-Assad launched from a gathering of scientists in Damascus a call for the renaissance of scientists with the task of leading the confrontation with the liberalism project, which aims to strike the national identity and the ideological depth represented by Islam, together with social and family values, considering that this project aimed at dismantling societies and opening the way to the project of hegemony, This project stands behind both fragmentation, Misrepresentation and extremism, Assad accused French President Emmanuel Macron and Turkish President Recep Erdogan of sharing roles in managing extremist climates to strike the true identity of societies, He called for realising the lack of contradiction between their Islamic affiliation, their national identity and their secular state.

Assad and The Islam of the Levant

Nasser Qandil

 When an Islamic reference with the rank and knowledge of Sheikh Maher Hammoud said that when he listened to the speech of President Bashar al-Assad yesterday, in a council of leading scholars in Syria, he was surprised that the level of talk and depth in the issues of jurisprudence, doctrine, Qur’an and interpretation matched the senior scholars, as he was surprised by the clear and deep visions in dealing with issues affecting the Islamic world in deeper matters than politics, this is some of what will be the case for anyone who has been able to hear the flow of President Assad in dealing with matters of great complexity, sensitivity and accuracy, over the course of an hour. He is half-spoken in the sequence of the transition from one title to another, and supports every idea of religious evidence, Qur’anic texts, prophetic hadiths and historical evidence, and he paints the framework of the battle he is fighting intellectually to address decades-old dilemmas known as titles such as secularism, religiosity, Arabism and Islam, moderation and extremism, the task of scholars in interpreting and understanding biography and providing example in the front lines of identity battles, in drawing the paths of social peace, and establishing a system of moral, national and family values.

 Assad is crowned by efforts led by great reformers in the Arab and Islamic worlds to address these thorny issues, courageously advancing to this difficult, risky course, taking it upon himself as an Islamic, nationalist and secular thinker, to present a new version of the doctrinal, intellectual and philosophical understanding, seeking To replace imaginary virtual battles with historical reconciliation between lofty concepts and values related to peoples and elites, but divided around them, and fighting, instead of looking for the points of fundamental convergence that begin, as President Al-Assad says, of human nature, divine year and historical year. High values cannot collide, people’s attachment to them cannot be contradictory, and scientists and thinkers must resolve the contradiction when it emerges, and dismantle it. This is the task that Assad is dealing with by diving into the world of jurisprudence, thought and philosophy, and he is putting his hand on a serious intellectual wound, which is his description of the role played by the liberal school based on the destruction and dismantling of all societal structures, and elements of identity, to turn societies into mere individuals racing to live without meaning and controls, closer to the animal instinctive concept, and to the law of the jungle that governs it.

The historical role of Islam in the East, its structural and historical overlap with the manufacturing of major transformations, and universal identities, a title that needs the courage of Assad to approach it in terms of adherence to secularism, nationalism, prompts Assad to reveal the danger of realizing those who look to take control of this East of the importance of occupying Islam, as an investment less expensive than occupying the land, and doing its place and more. Whoever occupies Islam and speaks his tongue cuts more than half way to achieve his project, and reveals the danger of Assad realizing this in the heart of the war on Syria as one of the most prominent titles of the war prepared to control Syria, and in parallel the demonstrations of Islam in Syria, elites, scientists and the social environment. of resistance to the projects of intellectual, political and related occupation Seeking to destroy identity, belief, family cohesion, morality and value system, which carried the project of extremism financed and programmed with hundreds of satellite channels to spread strife and sow fear and encourage terrorism, with a neat rotation between the two sides feeding each other, and pushing Syrian scientists in the face of the precious sacrifices of the ranks of scientists, and they played in this confrontation a role that President Assad places as the role of the army on the front sands.

 Historically, Syria has been the focal point of the national identity, from which Islam has established its status as a cultural political project, and in front of doctrinal and religious schools divided between Wahhabism and the Muslim Brotherhood led by Saudi Arabia and Turkey, the aspiration for Islam in the Levant has always been to promote the Islam of al-Azhar, and together constitute the historical turning point in the course of the East, in harmony with the understanding of the national identity of society and the secular foundation of the state. In this historic conversation, it is clear that President Assad has taken this important task upon himself as a thinker, not just as head of state.

الأسد للعلماء: لقيادة المواجهة مع مشروع الليبراليّة دفاعاً عن الهويّة بوجه التفلّت والتطرّف

Photo of الأسد للعلماء: لقيادة المواجهة مع مشروع الليبراليّة دفاعاً عن الهويّة بوجه التفلّت والتطرّف

أطلق الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد من لقاء علمائي جامع في دمشق الدعوة لنهضة العلماء بمهمة قيادة المواجهة مع مشروع الليبراليّة الذي يستهدف ضرب الهوية القوميّة والعمق العقائديّ الذي يمثله الإسلام، ومعهما القيم الاجتماعية والأسرية، معتبراً أن هذا المشروع الهادف لتفكيك المجتمعات وفتح الطريق لمشروع الهيمنة، هو الذي يقف وراء التفلّت والتطرّف معاً، متهماً الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون والرئيس التركي رجب أردوغان بتقاسم الأدوار في إدارة مناخات التطرّف لضرب الهوية الحقيقيّة للمجتمعات التي دعاها الأسد الى إدراك عدم التناقض بين انتمائها الإسلاميّ وهويتها القوميّة ودولتها العلمانيّة.

الأسد وإسلام بلاد الشام

ناصر قنديل

 عندما يقول مرجع إسلامي بمرتبة وعلم الشيخ ماهر حمود أنه عندما استمع الى حديث الرئيس بشار الأسد أول أمس، في مجلس ضمّ كبار العلماء في سورية، فوجئ بأن مستوى الحديث وعمقه في قضايا الفقه والعقيدة والقرآن والتفسير يُضاهي كبار العلماء، كما فوجئ بالرؤى الواضحة والعميقة في تناول القضايا التي تطال العالم الإسلامي في شؤون أعمق من السياسة، فهذا بعض ما سيقع عليه كل مَن أتيح له سماع تدفّق الرئيس الأسد في تناول شؤون شديدة التعقيد والحساسية والدقة، على مدى ساعة ونصف متحدثاً بتسلسل الانتقال من عنوان الى آخر، وتدعيم كل فكرة بالشواهد الدينيّة والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية والشواهد التاريخية، وهو يرسم إطار المعركة التي يخوضها فكرياً لمعالجة معضلات عمرها عقود طويلة عرفت بعناوين، مثل العلمانية والتديُّن، والعروبة والإسلام، والاعتدال والتطرف، ومهمة العلماء في التفسير وفهم السيرة وتقديم المثال في الخطوط الأماميّة لمعارك الهوية، وفي رسم مسارات السلم الاجتماعي، وإرساء منظومة القيم الأخلاقية والوطنية والأسرية.

 يتوّج الأسد مساعي قادها إصلاحيّون كبار في العالمين العربي والإسلامي لتناول هذه القضايا الشائكة، متقدماً بشجاعة لخوض هذا المسلك الوعر، والمحفوف بالمخاطر فيأخذ على عاتقه كمفكر إسلاميّ وقوميّ وعلمانيّ، تقديم نسخة جديدة من الفهم الفقهيّ والفكريّ والفلسفيّ، تسعى لاستبدال المعارك الافتراضيّة الوهميّة بمصالحة تاريخية بين مفاهيم وقيم سامية تتعلق بها الشعوب والنخب، لكنها تنقسم حولها، وتتقاتل، بدلاً من أن تبحث عن نقاط التلاقي الجوهري التي تنطلق كما يقول الرئيس الأسد من الفطرة البشريّة، والسنة الإلهيّة والسنة التاريخيّة. فالقيم السامية لا يمكن لها أن تتصادم، وتعلّق الشعوب بها لا يمكن أن يأتي متناقضاً، وعلى العلماء والمفكرين حل التناقض عندما يظهر، وتفكيكه. وهذه هي المهمة التي يتصدّى لها الأسد بالغوص في عالم الفقه والفكر والفلسفة، وهو يضع يده على جرح فكري خطير يتمثل بتوصيفه للدور الذي تقوم به المدرسة الليبرالية القائمة على تدمير وتفكيك كل البنى المجتمعية، وعناصر الهوية، لتحويل المجتمعات الى مجرد أفراد يتسابقون على عيش بلا معنى ولا ضوابط، أقرب للمفهوم الحيوانيّ الغرائزيّ، ولشريعة الغاب التي تحكمه.

 الدور التاريخيّ للإسلام في الشرق، وتداخله التركيبي والتاريخي مع صناعة التحوّلات الكبرى، والهويات الجامعة، عنوان يحتاج الى شجاعة الأسد لمقاربته من منطلق التمسك بالعلمانيّة، والقوميّة، يدفع الأسد للكشف عن خطورة إدراك الذين يتطلعون لوضع اليد على هذا الشرق لأهميّة احتلال الإسلام، كاستثمار أقل كلفة من احتلال الأرض، ويقوم مقامها وأكثر. فمن يحتلّ الإسلام ويلبس لبوسه وينطق بلسانه يقطع أكثر من نصف الطريق لتحقيق مشروعه، ويكشف الأسد خطورة إدراكه لهذا الأمر في قلب الحرب على سورية كواحد من أبرز العناوين للحرب التي أعدّت للسيطرة على سورية، وبالتوازي ما أظهره الإسلام في سورية، من النخب والعلماء والبيئة الاجتماعية من قدرة مقاومة لمشاريع الاحتلال الفكري، والسياسي، وما يتصل بها من سعي لتدمير الهوية والعقيدة والترابط الأسري والأخلاق ومنظومة القيم، وهو ما حمله مشروع التطرّف المموّل والمبرمج بمئات الفضائيّات لبثّ الفتن وزرع الخوف والتشجيع على الإرهاب، بتناوب متقن بين طرفَيْه يغذي أحدهما الآخر، ودفع علماء سورية في مواجهته تضحيات غالية من صفوف العلماء، وأدوا في هذه المواجهة دوراً يضعه الرئيس الأسد بمصاف دور الجيش على الجبهات.

 تاريخياً، كانت سورية هي نقطة الارتكاز التي تأسست عليها الهويّة القوميّة، والتي امتلك منها الإسلام صفته كمشروع سايسيّ حضاريّ، وأمام مدارس فقهيّة ودينيّة تتوزّع بين الوهابية والأخوان المسلمين بقيادة سعودية وتركية، كان التطلع دائماً لإسلام بلاد الشام ليستنهض معه إسلام الأزهر، ويشكلان معاً نقطة التحول التاريخية في مسار الشرق، بالتناغم مع فهم الهوية القوميّة للمجتمع، والأساس العلماني للدولة. وفي هذا الحديث التاريخي، يبدو بوضوح أن الرئيس الأسد قد أخذ هذه المهمة الجليلة على عاتقه كمفكّر، وليس فقط كرئيس للدولة.

فيديوات متعلقة

Biden doesn’t have the luxury of time. بايدن لا يملك ترف الوقت

Biden doesn’t have the luxury of time.

Nasser Qandil

Despite outgoing U.S. President Donald Trump’s attempt to recall his election victory, there is no one in America or the world that treats Trump as a waste of time in U.S. and international political life, and Americans are preparing to meet President-elect Joe Biden as Washington’s friends and foes prepare for this stage.

– Some of those involved in the U.S. hegemony project imagine that the options are open to Biden, whether intellectually attached to the position of ideological and hostile commitment to everything that is liberating in the world, or politically from the position of their bets on the American role as a lever for projects that reaped failure after failure with the change of American covenants from George Bush to Barack Obama to Donald Trump, and these projects fell in Syria, Iraq, Palestine, Yemen and Lebanon, or existentially, as is the case for those who went in escalation to where there is no return, especially in the Gulf and the occupation entity, and they fear any US retreat and its repercussions on the balance of the region and the emergence of new equations.

– Biden has no luxury of options, after Trump’s choices have reached its limit in four years and her limited ability to produce new balances, despite their brutality, bringing ruin and relying on starvation. The settlement is to open a new page with the forces that Trump fought his war against, a page recognising the facts and facts on ground confirming the balance of deterrence despite assassinations and mobilisation of fleets. Does Biden have the ability to go to war, and if this is not the only option, the only alternative is to return to the logic of compromise, which Obama and Biden discovered as the only option, the nuclear understanding with Iran came as the product of this inevitability, and constitutes a return to understanding a first translation of the stability of this imperative.

– Biden has no luxury of selectivity, in selecting the destination of the resolution of choice, whether it is war or compromise, and as long as it is a compromise, what Biden does as a veteran of international politics, and teaches him with his team, which has enough experience, that nuclear understanding with Iran is the centrepiece of Trump’s withdrawal from nuclear understanding is the source of division between Washington and its European allies, and the division has torn NATO apart, and withdrawal from nuclear understanding is the source of the rift with Russia and China turning into an open confrontation. As long as the philosophy of exit from understanding is based on the abolition of liabilities, the destruction of international agreements and conventions and the obligations they impose, and the return to understanding, the international institutions are restored from the institution represented by the United Nations to the IAEA.

– Biden and his team also realize that they don’t have the luxury of time, what Trump did was enough to create a vain skepticism of understandings with Washington, produce an angry public opinion waiting for revenge for crimes, monetization of excess power to impose new equations, and future benefits in Iran will make time in place, in six months Iran will choose a new president, and entitlement will be an answer to the U.S. policies represented by Biden, and this time it will be to stay under the roof of nuclear understanding and its obligations at stake, as noted by the decision of the Iranian Shura Council, which decided to suspend these commitments..

Biden’s future is at stake, with the future of nuclear understanding,. and the future of many equations in the region and the world.

بايدن لا يملك ترف الوقت

ناصر قنديل

رغم محاولة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب العودة الى التذكير بفوزه بالانتخابات، فليس هناك أحد في أميركا ولا في العالم يتعامل مع ترامب إلا بصفته مرحلة زائلة من الحياة السياسية الأميركية والدولية، وقد بدأ الأميركيون في ظل المرحلة الانتقالية يستعدون لملاقاة تسلم الرئيس المنتخب جو بايدن مقاليد السلطة، فيما العالم من أصدقاء واشنطن وخصومها يستعد لهذه المرحلة.

يتخيل البعض من المتعلقين بمشروع الهيمنة الأميركية أن الخيارات مفتوحة أمام بايدن، سواء كان تعلق هؤلاء فكرياً من موقع الإلتزام العقائدي والعدائي لكل ما هو تحرري في العالم، أو سياسياً من موقع رهاناتهم على الدور الأميركي كرافعة لمشاريع حصدت الفشل تلو الفشل مع تغير العهود الأميركية من جورج بوش الى باراك أوباما الى دونالد ترامب، وسقطت هذه المشاريع في سورية والعراق وفلسطين واليمن ولبنان، او وجودياً، كحال الذين ذهبوا في التصعيد الى حيث لا رجعة خصوصاً في الخليج وكيان الاحتلال، ويخشون أي انكفاء أميركي وانعكاساته على موازين المنطقة ونشوء معادلات جديدة.

ليس أمام بايدن ترف الخيارات، بعدما بلغت خيارات ترامب سقفها خلال أربع سنوات وظهرت محدودية قدرتها على إنتاج توازنات جديدة، رغم وحشيتها وجلبها للخراب واستنادها الى التجويع، وبلغت الأمور حداً صارت فيه الخيارات ضيقة، بين الذهاب للحرب أو الذهاب للتسوية. والتسوية هي فتح صفحة جديدة مع القوى التي خاض ترامب حربه ضدها، صفحة الاعتراف بالوقائع والحقائق التي أنتجتها المواجهة، والتي تقول بأن التوازنات لم تتغيّر رغم الحصار والجوع، وأن المعادلات لم تتبدّل رغم الاغتيالات وحشد الأساطيل، فهل يملك بايدن قدرة الذهاب للحرب، وإن لم يكن هذا هو الخيار فالبديل الوحيد هو العودة لمنطق التسوية، الذي اكتشف ثنائي أوباما وبادين أنه خيار وحيد، وجاء التفاهم النووي مع إيران نتاج هذه الحتمية، وتشكل العودة للتفاهم ترجمة أولى لثبات هذه الحتمية.

ليس أمام بايدن ترف الانتقائية، في انتقاء وجهة ترجمة حسم الخيار، سواء أكان الحرب أم التسوية، وطالما هو التسوية، فما يعمله بايدن كمخضرم في السياسة الدولية، ويعلمه معه فريقه الذي يملك ما يكفي من الخبرة، أن التفاهم النووي مع إيران هو محور التحولات التي يريد إحداثها في العلاقات الدولية لبدء صفحة جديدة من التفاوض الهادئ مع الحلفاء والخصوم، فانسحاب ترامب من التفاهم النووي هو مصدر الفرقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين وهذه الفرقة مزقت حلف الناتو، والانسحاب من التفاهم النووي هو مصدر تحول الخلاف مع روسيا والصين الى مواجهة مفتوحة. طالما أن فلسفة الخروج من التفاهم تقوم على إلغاء الخصوم، وضرب عرض الحائط بالاتفاقات والمواثيق الدولية والالتزامات التي تفرضها، والعودة الى التفاهم ترد الاعتبار للمؤسسات الدولية من المؤسسة الأم التي تمثلها الأمم المتحدة الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يدرك بايدن وفريقه أيضاً أنهم لا يملكون ترف الوقت، فما فعله ترامب كان كافياً لخلق الشك بلا جدوى التفاهمات مع واشنطن، وإنتاج رأي عام غاضب ينتظر الانتقام من الجرائم، وتسييل فائض القوة لفرض معادلات جديدة، والاستحقاقات المقبلة في إيران تجعل الوقت داهماً، فخلال ستة شهور ستختار إيران رئيساً جديداً، والاستحقاق سيكون جواباً على السياسات الأميركية التي يمثلها بايدن، وهذه المرة سيكون البقاء تحت سقف التفاهم النووي والتزاماته على المحك، كما أشار قرار مجلس الشورى الإيراني، الذي قرّر تعليق هذه الالتزامات.

مستقبل بايدن على المحك ومعه مستقبل التفاهم النووي، ومستقبل الكثير الكثير من معادلات المنطقة والعالم. وليس الأمر ولم يكن ولن يكون، كرم أخلاق بايدن أو سوء نياته.

فيديوات ذات صلة

Deleted Click here to see it

مقالات ذات صلة

Lebanon, Syria and the region after the return to nuclear understanding لبنان وسورية والمنطقة بعد العودة للتفاهم النوويّ

لبنان وسورية والمنطقة بعد العودة للتفاهم النوويّ

ناصر قنديل

بعد إعلان الرئيس الأميركيّ المنتخب جو بايدن عزمه العودة الى التفاهم النوويّ مع إيران، وبعد إعلان الرئيس دونالد ترامب قبوله تسليم الرئاسة بعد اجتماع المجمع الانتخابي ونطقه بفوز بايدن، وهو ما بات محسوماً، صار العالم والمنطقة في دائرة البحث عن التداعيات التي ستلي العودة الأميركية للتفاهم النووي، طالما تراجع بايدن عن شروط مسبقة تتصل بالتفاهم على ملفات خلافية أخرى رفضت إيران أي بحث فيها، وصار التطابق الأميركي الإيراني على معادلة، عودة غير مشروطة مقابل التزام إيراني بموجبات التفاهم، وبعدها يكون التفاوض من داخل أطر التفاهم نفسه.

لو لم يكن للتفاهم من تداعيات خطيرة على كل من كيان الاحتلال وحكام الخليج، لما كان هذا الاستنفار الذي جمعهم مع ترامب على قرار الانسحاب من التفاهم وتصعيد الضغوط على إيران، ومعلوم أن العودة للتفاهم ستعني حكماً رفع العديد من العقوبات الرئيسية التي تستهدف الاقتصاد والأموال الإيرانيّة، والقدرة الإيرانيّة على المتاجرة بنفطها وغازها وسائر مصادرها الاقتصاديّة، والمعلوم أيضاً أن إيران ستقوم بمد يد العون بصورة أقوى لقوى المقاومة في المنطقة كلما انفرجت اوضاعها المالية والاقتصادية. وهذا كان إحدى الذرائع التي أوردها ترامب للانسحاب من التفاهم.

الأسئلة تطال ملفات المنطقة الإقليمية، حيث يتمّ تداول تقارير وتحليلات تطمئن جماعات أميركا الى ان العودة للتفاهم لا تعني تغييراً في الاوضاع في لبنان وسورية وسائر ساحات الاشتباك الإقليميّة. وهنا يتم التداول بثقة بأن القوات الأميركية باقية في سورية، وأن مشروع بايدن لتقسيم العراق عائد الى الواجهة، وأن تقسيم سورية سيليه، وأن الضغط على حزب الله في لبنان سيتزايد لصالح تعويض “إسرائيل” خسائرها من العودة للتفاهم بمكاسب من رصيد مكانة حزب الله ومصادر قوته، وبالمثل تتحدّث التقارير ذاتها عن تعويض الخسارة الخليجيّة بعودة التفاهم بحل سياسي للأزمة اليمنية تكون يد السعودية والإمارات هي العليا.

التدقيق في هذه التقارير يكشف بسرعة سطحيتها او انتماءها الى مدرسة حرب نفسيّة هشّة تريد رفع معنويات جماعة أميركا في المنطقة، أو إصابة معنويات جمهور قوى المقاومة، فالتفاهم النووي لم يكن يوماً نووياً، بقدر ما كان محور ومركز ملفات التصادم في المنطقة، ولذلك عندما بلغت الإدارة الاميركية في عهد باراك اوباما وجو بايدن الى طريق مسدود في المواجهة في سورية، ذهبت الى توقيع التفاهم النووي. فالحرب ليست فصولاً منفصلة، بل هي جسد واحد، لأنه في نهاية المطاف كل ملف من ملفات المنطقة يوصل الأمور الى واحد من خيارين التسوية أو الحرب. ومَن يعود للتفاهم النووي وهو الحلقة الأصعب لأنه اختار التسوية بدلاً من أن يختار الحرب، فلن يفعل شيئاً آخر غير الذهاب للتسويات في سائر الملفات، مادام خيار الحرب مغلقاً، ولو كان متاحاً لما كانت العودة للتفاهم.

السعي الأميركي يبدأ مع العودة للتفاهم الى البحث عن مسارات مناسبة لملاقاة خيار العودة للتفاهم في ملفات النزاع. ففي العراق سيكون السؤال هل هناك من يحمي التقسيم الذي كانت فرصه الأفضل عندما أعلنت كردستان العراق انفصالها وتراجعت لأنها تبلغت قراراً أميركياً بعدم القدرة على الذهاب الى حرب، وهذا في عهد ترامب، فكيف في عهد بايدن، وفي سورية سيكون الأسهل الذهاب للوقوف وراء روسيا لترتيب توزيع الأوراق والأدوار مع الأكراد والأتراك تمهيداً للخروج من سورية، وفي لبنان سيكون سهلاً التموضع وراء فرنسا وتسهيل فوزها بفرصة إنجاح المبادرة التي قدمها الرئيس امانويل ماكرون، على قاعدة الانفتاح على حزب الله وتحييد الخلاف الأميركي معه عن إعادة تكوين السلطة عبر حكومة تتولى قيادة مرحلة إنقاذية بدعم مالي دولي. أما في اليمن فالكلام واضح عن سعي بايدن لوقف الحرب من موقع اعتبار العدوان السعودي جريمة يجب أن تتوقف.

التراجع في الملف الأصعب يعني التراجع في الأقل صعوبة، ومرحلة جديدة كلياً توشك أن تبدأ في المنطقة.

Translation

Lebanon, Syria and the region after the return to nuclear understanding

Nasser Qandil

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-224.png

After President-elect Joe Biden announced his intention to return to nuclear understanding with Iran, and after President Donald Trump announced his acceptance of the presidency after the meeting of the electoral college and pronounced Biden’s victory, which is now resolved, the world and the region are in the search for the implications that will follow the U.S. return to nuclear understanding, as long as Biden retracts preconditions related to understanding on other controversial files that Iran has refused any discussion on, and the U.S.-Iran conformity on an equation, an unconditional return in exchange for an Iranian commitment under the understanding, and then from within the frameworks itself.

If the understanding did not have serious repercussions on both the entity of the occupation and the rulers of the Gulf, it would not be the alert that brought them together with Trump on the decision to withdraw from the understanding and escalate the pressure on Iran, and it is known that the return to the understanding will mean a provision to lift many of the major sanctions targeting the Iranian economy and funds, and the ability of Iran to trade its oil, gas and other economic sources, and it is also known that Iran will help the resistance forces in the region whenever their financial and economic situation is resolved. This was one of Trump’s pretexts for withdrawing from the understanding.

The questions are reaching the regional files, where reports and analysis are circulated to reassure American groups that a return to understanding does not mean a change in the situation in Lebanon, Syria and other regional arenas of engagement. And here is the trade with confidence that the U.S. forces remain in Syria, and that biden’s project to divide Iraq returns to the front, and that the division of Syria will follow him, and that the pressure on Hezbollah in Lebanon will increase in favor of compensating “Israel” its losses from returning to the understanding with gains from the balance of hezbollah’s status and sources of strength, and similar reports talk about compensating the Gulf loss by returning the understanding of a political solution to the Yemeni crisis is the hands of Saudi Arabia and theUae.

The nuclear understanding was not a nuclear day, as far as the center and center of the collision files in the region, so when the U.S. administration under Barack Obama and Joe Biden reached a dead end in the confrontation in Syria, it went to sign the nuclear understanding. War is not separate chapters, it is one body, because ultimately each of the region’s files brings things to one of two options of settlement or war. Those who return to the nuclear understanding, which is the most difficult link, have chosen to settle rather than choose war, will do nothing other than go to compromises in other files, as long as the option of war is closed, and if it were available, it would not be a return tounderstanding.

The U.S. quest begins with a return to understanding to find suitable paths to meet the option of returning to understanding in conflict files. In Iraq, the question will be whether there is anyone protecting the division, which was the best chance when Iraqi Kurdistan declared its secession and retreated because it was informed of a U.S. decision not to be able to go to war, and this is under Trump, how in the era of Biden, and in Syria it would be easier to go behind Russia to arrange the distribution of papers and roles With the Kurds and Turks preparing to get out of Syria, and in Lebanon it will be easy to position behind France and facilitate its victory by the chance to succeed the initiative presented by President Emmanuel Macron, on the basis of opening up to Hezbollah and neutralizing the U.S. dispute with him about re-establishing power through a government that leads a rescue phase with international financial support. In Yemen, there is a clear talk of Biden seeking to stop the war from the position of considering Saudi aggression as a crime that muststop.

The retreat in the harder file means retreating at the least difficult, and a whole new phase is about to begin in the region.

شربل نحاس وحكاية النيّات الحسنة

ناصر قنديل

– تحتلّ نظرية التحذير من الوقوع في فخّ النيّات الحسنة من قبل الخبراء النقديين الذين يفترضون حلاً للأزمة التي تعصف بلبنان منذ عقدين على الأقل، موقعاً محورياً في مقاربة حزب «مواطنون ومواطنات في دولة»، وأمينه العام الوزير السابق شربل نحاس، الذي تميّز مع حزبه في تقديم مقاربة هي الأعمق لفهم الأزمة المالية والاقتصادية، وربط الأزمة بالبنية السياسية لنظام المحاصصة الطائفية، والدعوة لدولة مدنية كأساس وقاعدة للخروج من الأزمة، وبقي نحاس وفريقه يمثلون أكثر مجموعات انتفاضة 17 تشرين جديّة ووضوحاً واستقلالية، فهم المجموعة الوحيدة التي قدّمت وثيقة لتشريح الأزمة وتوصيفها وتقديم الحلول والرؤى، وهم المجموعة الوحيدة التي لا تحوم حولها شبهات الارتباط بمشاريع خارجية، وهم المجموعة الأكثر وضوحاً في ربط الأزمة الاقتصادية بالسياسة، وعدم تحويلها باباً للعن السياسة وشيطنتها بدافع الشعبويّة في إحلال الشتيمة مكان العلم، بل لاقتحام السياسة والدخول من بابها العريض، والتجرؤ على مقاربة القضية المحورية التي تمثلها المقاومة وسلاحها في الحياة السياسية بخلفية البحث عن موقف وطني يحاول تخيل حلول على مستوى الدولة تنطلق من اعتبار المقاومة مشروعاً وطنياً، والسعي لتصوّر الفصل الافتراضي بينه وبين التمايز عن حزب الله الإقليمي، بينما توزّعت مجموعات الانتفاضة، بين مقاربات ساذجة تقوم على اعتبار المقاومة موضوعاً خلافياً يجب تحييده، ومقاربات تخديمية لطلبات المموّلين والمشغلين الخارجيين بإقحام المقاومة كعنوان وظيفي تستعمل الانتفاضة لتخديم مشروع المواجهة مع المقاومة.

– في الكتاب الذي أصدره شربل نحاس والمجموعة التي يعمل معها، تشريح اقتصاديّ ونقديّ لنمو الأزمة، ومحاولة تلمس لآفاق حلول. والأهم هو الوضوح في رسم خط فاصل بين التعبير الذي مثلته انتفاضة 17 تشرين، وحركة 14 آذار، التي بقيت بنظر الكثير من الخارج والداخل الراعي لما بعد 17 تشرين الروح التي تتحرّك من خلالها محاولات توصيف وتوظيف الحراك الشعبي لتوجيهه كأداة تخديميّة لمشروع استهداف للمقاومة يرفض نحاس ومجموعته الانضواء تحته، بقوة رفضهما ذاته الانضواء تحت لواء قوى 8 آذار التي تتمسك بالمقاومة وسلاحها، لكنها شكلت جزءاً من الأزمة الاقتصاديّة والسياسيّة ولم تستطع التحرّر من إرث شراكتها في صناعة الأزمة لتكون شريكاً في صناعة الحل، وفي الحوارات التلفزيونية البعيدة عن بعض الارتجال الذي قدّم نحاس ومجموعته بصورة سلبيّة واستعلائية في عيون المؤمنين بالمقاومة، أعاد نحاس تصويب موقعه السجالي بوجه أعداء المقاومة الذين لا يرون في الحراك الشعبيّ إلا مدخلاً لتخديم وتزييت آلة المواجهة الداخلية والخارجية مع المقاومة.

– المشكلة التي لا يمكن تجاهلها مع أطروحات نحاس وفريقه، التي تقوم على ما يسمّيه بالانتقال السلمي للسلطة، والتفاوض على تحقيقه لبلوغ المرحلة الانتقاليّة التي يثقون بحتميّتها، أنهم يقعون مرة أخرى في ما حذروا منه، وهو إسقاط النيّات الطيّبة على التحليل والسياسة، بصفتهما أداتين علميّتين لا مكان للرغبات والمشاعر فيها. فالقراءة التي تحكم المقاربة تمنح الشق الداخلي حجماً أكبر من الواقع بالقياس لعلاقته بالخارج، فكيف يكون خيار السقوط الحتميّ للصيغة القائمة على المحاصصة والفساد وقد عوّمها الخارج منذ العام 1998 وفقاً لما يقدّمه ويشرحه نحاس بإتقان، طالما أن الجزء الرئيسي من تجفيف العملات الصعبة يأتي في سياق الحصار والضغوط الهادفة لإسقاط المقاومة. وهذا يفتح الباب لأحد احتمالين: الأول ان يستمر الرهان الخارجي على هذه السياسة، وعندها ستسقط رهانات الحصول على عملات صعبة من صندوق النقد الدولي وسواه، ولا يحتاج نحاس لمن يشرح له الترابط بين سياسات الصندوق والدور الوظيفيّ لها في خدمة الحسابات الأميركية، ويصبح التطلع لمرحلة انتقاليّة تستند الى فرضية الحصول على التمويل مجرد رهان على النيّات الحسنة، لأن التمويل لا صلة له بالإصلاح ولا ببناء دولة تستطيع إقناع الخارج بجديتها وصدقيتها وشفافيتها، بقدر علاقته العضوية بمصير المقاومة وسلاحها، موقف الدولة منهما. والخيار الثاني هو أن تنتهي التحولات الإقليمية والدولية الى تسويات تكون بموجبها فرصة جديدة شبيهة للفرص السابقة لتلاقي طرفي النزاع الإقليمي، الأميركي ومحور المقاومة، على الإفراج عن لبنان من دائرة الجفاف المالي. وهذا لن يكون مشروطاً بأي بنية للدولة تقوم في لبنان، بقدر اتصاله بالتوازنات التي يمثلها لبنان في المعادلات الإقليمية، بمثل ما كان عليه الحال مرات كثيرة أدّت الى إعادة إنتاج النظام نفسه.

– كل من الخيارين الفرضيّتين، استمرار رهان الحصار أو انتصار خيار التسويات، لا يمكن توصيف تجاهله إلا بالنيات الحسنة، بدلاً من التحليل العلمي والعملي للسياسة. ومن هنا يشتق وقوع جديد في حسابات النيات الحسنة بالرهان على فرضية تسليم المعنيين بالسلطة بفرضية المرحلة الانتقالية، طالما أن نظاماً يصفه نحاس بأنه قائم على التسوّل وتصدير المهاجرين، قادر على استعادة توازنه المالي وتخفيض سقف حاجاته، بما يتناسب مع حجم المخصص له في المعادلات الدولية والإقليمية، من خلال ما يصححه سعر الصرف المرتفع في كلفة الاستيراد من جهة، وحجم الاستهلاك من جهة موازية، ومن خلال ما يصحّحه عائد تحويلات المهاجرين الجدد في ميزان المدفوعات. وهذه خاصيّة دوريّة كل عقود يعيد إنتاجها النظام مع الاختناقات والأزمات، وطالما كان تمويل النظام السياسي والأمني في لبنان مبنياً على دفع فاتورة حفظ الاستقرار الإقليمي الذي يتأثر كثيراً باللااستقرار في لبنان، ويصير التوقّع بتلبية أصحاب القرار لدعوات الانتقال السلمي للسلطة مجرد وقوع في الرهان على نيات حسنة.

– ما ينتقدُه نحاس في المراهنين على الانتخابات النيابية، سواء المبكرة أو المتأخرة، لجهة اعتبار قدرة الانتخابات على إنتاج تغيير مجرد وهم، خصوصاً أن التذرع بقانون الانتخابات كذبة كبيرة، لأن من لديه أغلبية شعبية، سيمسك بالأغلبية النيابية في أي قانون انتخابات، طالما ان أغلبيته عابرة للطوائف، وسيحصد تمثيلاً يمنحه حق الفيتو في النظام السياسي على الأقل، إذا كانت أغلبيته موزعة بطريقة غير متوازنة بين الطوائف، ويحق لنحاس ومجموعته توصيف هذه الرهانات بالوقوع في النيات الحسنة بأحسن الأحوال، لكن نحاس يعود ويقع في رهان النيات الحسنة بالاعتقاد ان الانتقال للدولة المدنية هو تطور حتميّ ناتج عن مأزق النظام البنيويّ، وهو ما تنفيه القراءة المقارنة للأزمة الراهنة وأزمة السبعينيات، التي كانت مع بداياتها أقرب للدولة المدنية من بدايات الأزمة الراهنة، ونجح النظام السياسي الاقتصادي بإعادة إنتاج ذاته من رحمها، ولا شيء يقول بأنه سيفشل هذه المرة، مع درجة تخندق وتجزر أوسع أفقياً وأشد وضوحاً وعصبية عمودياً، لشبكة المواقف والمصالح المنعقدة حول الخنادق الطائفية.

– ستبقى نقطة البداية لتغيير جدي منشود في لبنان هي في لقاء القوى غير الطائفية حول مشروع طويل النفس، وإقامة حوار جدّي بينها وبين المقاومة لإدارة معركة هادئة متدرجة لإنتاج توزان قوى قادر على فتح نافذة نحو صعود تحالف عابر للطوائف بعيد عن المحاصصات الطائفية، ومؤمن بأن حفظ الاستقلال الوطني هو شرط حاكم وحاسم من شروط بناء الدولة، وأن حفظ المقاومة من مقوّمات هذا الاستقلال.

لماذا لا تملك إيران إمكانيّة عدم الرد؟

هل سترد إيران ؟ الحلقة 32 من برنامج ستون دقيقة مع ناصر قنديل

ناصر قنديل

اعقبت عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة الموصوف بشيخ الملف النووي الإيراني، مساعٍ ومواقف ووساطات لثني إيران عن القيام بردّ على العملية، تخطّت دعوات الأمين العام للأمم المتحدة بضبط النفس ومناشدات الدول الأوروبية بعدم التصعيد، وتجاوزت الوساطات والضغوط التي عرفتها إيران بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوريّ الجنرال قاسم سليماني، رغم تشابه المساعي مع ما يجري اليوم من سعي تحت الطاولة لإقناع القيادة الإيرانية بردٍّ محسوب، أسوة بما حصل رداً على اغتيال سليماني. والجديد هذه المرة هو الإطار السياسي للمداخلات التي تقوم على اعتبار العملية محاولة «إسرائيلية» لاستدراج إيران لرد يبرر التصعيد والذهاب لحرب، تريدها قيادة كيان الاحتلال في زمن وجود دونالد ترامب في البيت البيض لجرّ الأميركيين لهذه الحرب، بما لا يملك الرئيس المنتخب جو بايدن القدرة على فرملته او منعه، طالما أن الالتزام بحماية «إسرائيل» وأمنها عابر للحزبين الجمهوري والديمقراطي، وكان أبرز الكلام المقال في هذا السياق هو ما قاله المدير السابق للمخابرات الأميركية جون برينان الذي غرّد معلقاً على الاغتيال بقوله «كان عملاً إجرامياً متهوراً للغاية، وينطوي على مخاطر انتقام مميت وجولة من الصراع الإقليمي، وسيكون من الحكمة على القادة الإيرانيين انتظار عودة قيادة أميركيّة مسؤولة إلى المسرح الدولي، ومقاومة الرغبة في الردّ على الجناة المفترضين»، في دعوة واضحة لإيران لعدم الردّ وانتظار وصول بايدن الى البيت الأبيض قطعاً للطريق على مشروع التصعيد الذي يريده الإسرائيليون.

في طهران نقاش أيضاً حول توقيت الرد وطبيعته، أظهره الكلام عن الردّ في الوقت المناسب، كما أظهرته بعض تعليقات المحللين الإيرانيين بالحديث عن الردّ المحسوب، فليس لدى الإيرانيين أيّ شك بأن محاولة قطع الطريق على فرضية العودة للتفاهم النووي مع إيران من قبل الرئيس المنتخب جو بايدن كانت موضع الاجتماع الذي ضم وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وما خرج به الاجتماع من توحيد المقدرات البشرية واللوجستية التي يملكها كل طرف للعمل داخل إيران تحت قيادة الموساد الإسرائيلي الذي كان رئيسه يوسي كوهين مشاركاً في الاجتماع، وهذا يعني أن الجماعات المتطرفة في خوزستان المموّلة من السعودية ستكون جنباً الى جنب مع جماعات «مجاهدي خلق» ومعهما محترفو الموساد للقيام بما يتيح قلب الطاولة قبل نهاية ولاية ترامب، وهو ما كانت عملية الاغتيال من نتائجه، بالإضافة لما يوفره استخدام مرافئ الصيد الإماراتيّة القريبة من السواحل الإيرانيّة من فرص لنقل المعدّات وتهريب الأفراد.

يتطلّع الإيرانيون لفتح صفحة جديدة مع جو بايدن، لكنهم واثقون في ظل الانقسام الأميركي الداخلي الحاد حول الخيارات التي عبرت عنها الانتخابات، وفي ظل تحرك الحلف الثلاثي لترامب ونتنياهو وحكام الخليج، لا يمكن لبايدن أن يخطو أي خطوة جدية نحو العودة للتفاهم النووي، ومعاكسة الاتجاه الذي رسمه ترامب، ما لم يتلقَّ الثلاثي صفعة كافية لإثبات عجزه عن تغيير معادلات المواجهة مع إيران، والعملية إثبات معاكس، تقول إن من الممكن الرهان على إضعاف إيران، ومن الممكن اللجوء الى خطوات تكيتيكيّة رادعة بوجهها، وإذا مرّت العملية من دون رد فسيكون هذا المنطق قد ربح جولة عنوانها وضع بايدن تحت إبط نتنياهو فيما يخصّ الملف النووي مع إيران، ولذلك تقول خلاصة النقاش الإيراني أن ترجمة الحرص على التهيئة لمناخ مختلف مع إدارة بايدن، تبدأ من إثبات سقوط منهج بومبيو نتنياهو وبن سلمان، والخطوة الأولى هنا هي رد رادع يقول إن كلفة العبث مع إيران فوق طاقة تحمّل العابثين.

ردّ رادع لا يشعل حرباً، قبل نهاية ولاية ترامب، هو هدف إيراني؛ بدونه ستجرجر نتائج الاغتيال ومعادلاته ذيولها خلال ولاية بايدن، وسيكون ثلاثي اجتماع نيوم قد دخل شريكاً مباشراً في أي مفاوضات قادمة بين طهران ومجموعة الخمسة زائداً واحداً، إن قيّض لهذه المفاوضات أن تستأنف. وهذا هو المعنى الرمزي التصعيدي لتوصية البرلمان الإيرانيّ، الذي لا يغني عن ردّ بحجم الاغتيال.

فيديوات ذات صلة

مقالات ذات صلة

الردّ الإيرانيّ آتٍ فلينتظروا

ناصر قنديل

في مطلع العام 2015 قام رئيس حكومة كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو بعملية استهداف نوعية في جنوب سورية سقط بنتيجتها الشهيد جهاد عماد مغنية وعدد من كوادر وضباط المقاومة والحرس الثوري الإيراني، وكان رهان نتنياهو أن اللحظة حرجة ولن تسمح للمقاومة وإيران بالردّ، فالعلاقة الإيرانية الأميركية تحت ضغط حساسيات التفاوض حول الملف النووي الذي يقترب من بلوغ نقطة التفاهم، وبالتالي فإن إيران ستمتنع عن الردّ وتمنع المقاومة من القيام به، ولذلك فالتوقيت مناسب للعملية التي تريد تغيير قواعد الاشتباك وتقول إن جيش الاحتلال لن يسمح بنشوء وضع على حدود الجولان المحتل في جنوب سورية تشبه معادلة جنوب لبنان، في تحد مباشر لما قاله يومها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، عن التزام المقاومة الردّ على كل استهداف لها في سورية.

قلنا يومها إن ردّ المقاومة آتٍ، وإن حسابات نتنياهو خائبة، وإن المفاوضات وحساباتها ستلزم الأميركي بمراعاة حساسياتها، وبالتالي الضغط على قيادة الكيان لعدم تفجير الموقف، بينما ستكون إيران والمقاومة معنيتين بتثبيت قواعد الاشتباك، وخلال أيام قليلة كان الردّ في مزارع شبعا بعملية نوعية اضطر نتنياهو بعدها للإعلان عن العضّ على الجرح منعاً لتصعيد الموقف بعدما وصلته رسالة علنية من الرئيس الأميركي باراك أوباما مضمونها، الضربة الموجعة لكنها لا تستحق إشعال حرب.

اليوم يقع نتنياهو بالفخ ذاته فيعتقد أن اللحظة مؤاتية لتوجيه ضربة موجعة أو ضربات موجعة لإيران، التي يظنّها مربوطة الأيدي، تجنباً لفتح الطريق لتصعيد يعقد مهمة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن الذي تتوقع منه العودة الى التفاهم النووي، وكما كتبنا في أكثر من مقال، تلك هي مشكلة العمليات التكتيكية تفادياً للوقوع في حرب التي يراهن بعض الأميركيين والإسرائيليين على ملء المرحلة الفاصلة عن نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب بها، فتلك العمليات بين خيارين، خيار أن تكون تحت سقف مضمون لعدم استدراج الرد، وهي في هذه الحالة غير موجعة ولا تغيّر معادلات، وبين السعي لعمليات توجع وتغير معادلات وفي هذه الحالة لا ضمان بعدم الردّ، وقد يكون الردّ أشد إيلاماً، ويفرض معادلة الحيرة التي كان يريد نتنياهو إيقاع إيران فيها، وبالتأكيد بات ممكناً بعد توصيف القيادات الإيرانية السياسية والعسكرية لعملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، وإعلان الالتزام بالرد، والرد المؤلم، أن نقول إن الرد آت لا محالة وقريباً، وإن كيان الاحتلال بعد تقارير نيويورك تايمز وتصريحات المسؤولين الإيرانيين باتهام كيان الاحتلال بالعملية، يجب ان يكون على موعد مع تلقي الرد المقبل، وهو لا يعلم أي الردّين سيكون أولاً، ففي رقبته دين للمقاومة يتمثل بحقها بالردّ على عملية استهداف أدت لسقوط شهيد قرب دمشق، كما لا يعلم الجبهة التي سيكون الردّ عليها.

المأزق الذي سيحكم المرحلة المتبقية من ولاية ترامب، سترسم معالمه عمليّة الرد، وسيكون على ثلاثي ترامب ونتنياهو وحلفائهم في الخليج ان يتخذوا القرار عندها بالعض على الجرح، لأن الضربة موجعة، لكنها لا تستحق حرباً، أو أن يذهبوا للحرب ويتحمّلوا التبعات.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

التهويل بالحرب

ناصر قنديل

امتلأت خلال يوم أمس، الصحافة الأميركيّة والإسرائيليّة ووسائل الإعلام المموّلة خليجياً بالتقارير التي تصف الشهور الباقية من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالشديدة الحساسية متضمنة الإشارات لفرضية توجيه ضربة موجعة لإيران قبل نهاية ولاية ترامب وفي السياق استهداف قوى المقاومة، خصوصاً في سورية بضربات متلاحقة. والتقارير لا تُخفي أن المقصود هو قطع الطريق على إمكانية قيام تسويات بين ايران ومعها قوى محور المقاومة في المنطقة من جهة وادارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن من جهة مقابلة، بخلق أمر واقع يفرض سياقاً مختلفاً للعلاقات يصعب تخطيه ويدفع المنطقة نحو استقطاب جديد بطابع عسكري تجد الإدارة الجديدة أنها محكومة بالبقاء ضمنه.

الأكيد أن فرضية القيام بحماقة أمر لا يمكن استبعاده مع وجود شخص كدونالد ترامب في البيت الأبيض، علماً أنه أظهر عقلانية عالية في تحمل الضربات الموجعة تفادياً للتصعيد، عندما أُسقطت الطائرة الأميركيّة التجسسيّة العملاقة في الأجواء الإيرانيّة، بحيث بدا تهوره دوراً تمثيلياً يؤديه لشعبويّة انتخابية، وبالتوازي عملياً لا يمكن لإيران ولمحور المقاومة إلا أخذ هذه الفرضيات بحذر شديد والبقاء على جهوزية لمواجهة كل تهديد، لكن السؤال هو من الزاوية التحليلية هل يمكن منح هذا الاحتمال فرصاً حقيقية؟ وهل يشكل سياقاً منطقياً وارداً للتطورات؟

العقبة الأولى التي تعترض هذا الطريق، طالما لا نتحدّث عن عمليات كبرى تغيّر سياق الأحداث في المنطقة، وليس عن عمليات إعلاميّة أو ضربات لأهداف تكتيكيّة تمّ استطلاعها، هي أن قبول ترامب دخول المرحلة الانتقاليّة مع فريق الرئيس المنتخب جو بايدن رغم التمسك بالطعن بالنتائج، له موجبات من أهمها أن تصل التقارير الاستخبارية والتحليلات الأمنية الصادرة عن وكالات المخابرات والبنتاغون للرئيس المنتخب وفريق عمله بالصورة ذاتها التي تصل فيها للرئيس الحالي طيلة الفترة الانتقالية حتى دخول الرئيس المنتخب الى البيت الأبيض، وتالياً فإن القرارات الكبرى التي يفكر بها الرئيس المنتهية ولايته موجبة التداول والتشاور مع الرئيس المنتخب، خصوصاً ما قد يرتب تبعات وتداعيات تحكم ولاية الرئيس المنتخب، فكيف إذا كان قصدها أن تفعل ذلك.

العقبة الثانية هي أن خلق هذا المناخ المطلوب من ترامب وفريقه وحلفائه الإقليميين، خصوصاً ثنائي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يستدعي القيام بعمل كبير لا يمكن لإيران وحلفائها عدم الرد عليه بقوة، خصوصاً أن تفادي الرد على الاستفزازات يطبع أداء محور المقاومة خلال المرحلة الانتقاليّة، وهذا يعني الحاجة الأميركية للقيام بعمل عسكري أمني كبير يجبر محور المقاومة على ردّ يخلق سجالاً عسكرياً، ويفرض إيقاعاً مختلفاً يقطع طريق السياسة أمام إدارة بايدن، وهذا يعني استدراج رد يصيب القواعد العسكرية الأميركية والأساطيل الأميركية في المنطقة، بصورة تلزم واشنطن الدخول في حالة حرب، لكن بلوغ هذه المرحلة لن يكون من دون أن تسبقه مرحلة تكون فيها منشآت كيان الاحتلال الحيويّة ومستوطناته قد تلقت آلاف الصواريخ الثقيلة والدقيقة، وأن تكون منشآت النفط في الخليج، وخصوصاً القواعد العسكرية الخليجية في دول التطبيع قد تلقت نصيبها من الردّ. وهذا في حال حدوثه سيخلق تدحرجاً لتطورات يصعب تحمل نتائجها. فمدن الزجاج قد تتهاوى ومعها حكوماتها واقتصاداتها، وعمق الجليل قد يكون هدفاً لتوغل المقاومة، وكلها ارتدادات يصعب احتواؤها.

العقبة الثالثة أن مثل هذه المواجهة التي تفاداها ترامب طيلة ولايته يحتاج للقيام بها إلى سبب جوهري يتمثل بعمل عدائي قامت به إيران يمكن تسويقه وشرحه للرأي العام الأميركي والعالمي، وهذا لا يبدو وارد الحدوث، كما أن ترامب يعلم بأن المباحثات والتنسيق الاستباقي لمنع التلاعب بمستقبل التفاهم النووي خلال المرحلة الانتقالية من جانب إدارته هو موضوع تنسيق يجري في باريس بين مبعوثي إدارة بايدن برعاية جون كيري ومبعوثي الخارجية الإيرانية برعاية محمد جواد ظريف، حيث تدرس كل الفرضيات وتبحث كل الاحتمالات.

يقول أحد الخبراء، إذا وقعت الحرب فتشوا عن دبي وأبو ظبي على الخريطة، وعن ديمونا وناتانيا، ونيوم، قبل أن تسألوا عن تل أبيب والرياض.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الجغرافيا السياسيّة للتطبيع – دور تركيّ في لبنان؟

ناصر قنديل

Photo of فرصة صفقة القرن لوحدة اللبنانيين

يعرف حكام الخليج أن التطبيع الذي جمعهم بكيان الاحتلال برابط مصيريّ لا ينبع من أي وجه من وجوه المصلحة لحكوماتهم ولبلادهم. فالتطبيع يرفع من درجة المخاطر ولا يخفضها إذا انطلقنا من التسليم بالقلق من مستقبل العلاقة مع إيران، والتطبيع مكاسب صافية لكيان الاحتلال اقتصادياً ومعنوياً وسياسياً وأمنياً، ولذلك فهم يعلمون أنهم قاموا بتسديد فاتورة أميركية لدعم كيان الاحتلال من رصيدهم وعلى حسابهم، ويحملون المخاطر الناجمة عن ذلك وحدهم، خصوصاً أن الأميركي الذي يمهد للانسحاب من المنطقة بمعزل عن تداعيات أزمات الانتخابات الرئاسية ونتائجها، ولذلك فقد تم إطعام حكام الخليج معادلات وهمية لبناء نظام إقليمي يشكل التطبيع ركيزته يحقق لهم توازن قوة يحميهم، فما هو هذا النظام الإقليمي وما هي الجغرافيا السياسية التي يسعى لخلقها؟

تبلورت خلال الأسابيع الماضية صورة الخرائط التي يسعى الأميركي لتسويقها كنواة للنظام الإقليمي الجديد عبر أربعة محاور، الأول محور البحر الأحمر الذي يضمّ مصر والسودان كشريكين في التطبيع، والثاني محور «الشام الجديد» الذي أعلن عنه كحلف أمنيّ اقتصاديّ يضمّ مصر والأردن والعراق، والثالث محور العبور ويضمّ الأردن والسلطة الفلسطينية، والرابع محور الطوق ويضمّ السلطة الفلسطينية والأردن والعراق، فيما يتولى كيان الاحتلال المشاغلة الأمنية لسورية والمقاومة، ويوضع لبنان تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والسياسية والفشل الحكوميّ وضغوط ترسيم الحدود.

عملياً، يفقد النظام الإقليمي الموعود كل قيمة فعلية، إذا لم ينجح المحور الرابع الذي يتمثل بالسلطة الفلسطينية والأردن والعراق في الانضمام لخط المواجهة مع محور المقاومة، فالتعقيدات الفلسطينية أمام الجمع بين محور العبور أي حماية قوافل التطبيع العابرة من الكيان الى الخليج وبالعكس، ومحور الطوق الذي يراد منه عزل سورية، كبيرة جداً في ظل التبني الأميركي لخيارين بحدّ أعلى هو تصفية القضية الفلسطينية تحت عنوان مضامين صفقة القرن وحد أدنى هو التفاوض لأجل التفاوض من دون تقديم أي ضيغة قادرة على إنتاج تسوية يمكن قبولها وتسويقها فلسطينياً ويمكن قبولها وتسويقها إسرائيلياً، والأردن المثقل بضغوط القضية الفلسطينية من جهة وبالتشابك العالي ديمغرافياً واقتصادياً وأمنياً مع سورية معرض للانفجار بدوره في حلف عبور قوافل التطبيع في آن واحد، والعراق المطلوب فك ارتباطه العميق بإيران عبر نقل اعتماده على الغاز والكهرباء إلى مصر بدلاً من إيران، وإشراكه بحصار سورية رغم تشابك لا يقل عمقاً بينه وبينها ديمغرافياً واقتصادياً وأمنياً معرّض هو الآخر للانفجار تحت هذه الضغوط.

المشاغلة الإسرائيلية على جبهتي جنوب لبنان والجولان محاولة لرفع معنويات المدعوين للمشاركة في النظام الإقليمي الجديد، بأدوارهم الجديدة، والنجاح الأميركي بالضغط في لبنان وفي سورية يبدو قادراً على شل المبادرة على هاتين الجبهتين، لكن الأكيد أن لا تعديل في موازين القوى الميدانية التي تقلق كيان الاحتلال من جهة، ولا قدرة إسرائيلية على رفع المشاغلة الى درجة الحرب. والأميركي الذي يريد هذا النظام الإقليمي بديلاً لوجوده تمهيداً للانسحاب ليس بوارد هذه الحرب، وتجميد لبنان تحت الضغوط الأميركية يشكل مصدر استنزاف وإرباك للمقاومة، لكنه لا يعدل في مصادر قوتها ولا يعدل في مواقفها، ومزيد من الضغوط المالية والانسداد السياسي سيذهب بلبنان للانفجار وفتح الباب لخيارات تُخرج الوضع عن السيطرة.

التحدي هو في ما سيحدث عندما ينسحب الأميركيون، حيث سينهار البناء الذي يراهن عليه الأميركيون، ويتداعى وضع الأردن والسلطة الفلسطينية والحكومة العراقيّة، ويعود الوضع الى معادلة حرب كبرى لا قيمة لها من دون مشاركة أميركية في ظل العجز الإسرائيلي عن تحمل تبعاتها، أو تسوية أميركية مع محور المقاومة تبدأ من العودة للتفاهم النووي الإيراني، يصير معه ثنائي حكام الخليج وكيان الاحتلال على ضفة الخاسرين ويبدأ المدعوون للانضمام للنظام الإقليمي الحامي للتطبيع بالانسحاب هرباً من شراكة الخسائر.

جغرافيا سياسية ونظام إقليميّ على الورق ستعيش شهوراً قليلة… وتخبزوا بالأفراح.

دور تركيّ في لبنان؟

السياسات الأميركيّة التي تدخل مرحلة التخبّط والمغامرات الخطرة قبل أن تتبلور معالم سياسة جديدة مستقرة تشكل فجوة استراتيجية تتسابق على محاولات تعبئتها القوى الإقليمية التي تحمل مشاريعها المتضاربة تحت سقف السياسات الأميركية، بينما القوى المناوئة لهذه السياسات تئن تحت ضغط الأزمات والعقوبات، لكنها ثابتة على إنجازاتها من جهة، وتترقّب التطوّرات وتسابق المتنافسين على ملء الفراغ من جهة أخرى.

في سورية ولبنان وفلسطين والعراق واليمن ساحات مواجهة بين محور المقاومة وأميركا، وعلى الضفة الأميركيّة من جهة كيان الاحتلال المنخرط في حلف مع دول الخليج، ومن جهة مقابلة النظام التركيّ، لكن في ليبيا مواجهة بين الضفتين الخليجية والتركية، حيث الحلف الخليجي مدعوم بصورة مباشرة من مصر وفرنسا، بينما نجحت تركيا بتظهير حركتها كقوة دعم لموقع روسيا في حرب أنابيب الغاز الدائرة في المتوسط.

في لبنان حاولت فرنسا تظهير مساحة مختلفة عن الحركة الأميركيّة، لكن سرعان ما بدت الحركة الفرنسية تحت السيطرة، وبدا ان مشروع الحكومة الجديدة معلق على حبال الخطط الأميركية للضغط على لبنان سواء في ملف ترسيم الحدود البحرية أو في كل ما يتصل بعناصر قوة لبنان بوجه كيان الاحتلال.

الحلف الخليجيّ الفرنسيّ يبدو رغم تمايز بعض مواقف اطرافه تجاه حزب الله بالنسبة لفرنسا وتجاه سورية بالنسبة للإمارات والبحرين يبدو عاجزاً عن تخطي التمايز الشكلي، بينما نجح الأتراك في أزمتي ليبيا وناغورني قره باغ بتثبيت مواقعهم وفرض التراجع على الثنائي الخليجي الفرنسي، كما نجحوا باستمالة روسيا إلى تقديم التغطية لحركتهم وقطف ثمار الاستثمار تحت سقف الدور الروسي المتعاظم في المنطقة والعالم.

لبنان اليوم في العين التركية وبيدها بعض المال القطري والدعوات لزيارات تركيا وقطر تطال سياسيين وإعلاميين، ومحور المقاومة لم يفتح الباب لمناقشة عرض تركيّ يطال مقايضة دور في لبنان والعراق مقابل تنازلات تركية في سورية فهل ينجح الأتراك باستغلال الطريق المسدود للفرصة التي فتحت لفرنسا وفشلت بالإفادة منها بسبب خضوعها للسقوف الأميركية؟

تركيا وراء الباب طالما المعروض فرنسياً هو استتباع لبنان للسياسات الأميركية بحكومة تنفذ دفتر الشروط الأميركي، وفيه ترسيم الحدود لصالح كيان الاحتلال، والسياسة الخليجية في العراق مشروع فتنة مذهبيّة لاستتباع العراق لخطة التطبيع عبر ثلاثي مصري أردني عراقي يخدم مشروع التطبيع ويحميه ويحاصر سورية، والأتراك ينتبهون لتطلّع روسيا بحذر نحو ملف الغاز اللبناني وموقعه من حرب الأنابيب القائمة في المنطقة ولموقع العراق واتفاقات التسليح التي وقعها العراق مع روسيا وانقلبت عليها الحكومة الجديدة أسوة بالانقلاب على الاتفاق الاقتصاديّ مع الصين!

حرب فضربة فعمليّة

طبّلت وزمّرت وسائل الإعلام الخليجية لمشروع حرب يشنها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب وتقلب معادلات المنطقة، انطلاقاً من خبر قيام ترامب بإقالة وزير دفاعه مايك إسبر. وخلال أيام وبعد تعيين وزير جديد كتبت الصحف الأميركية عبر تسريبات ترامب نفسه أنه كان يفكر بضرب المفاعل النووي الإيراني في نطنز، لكنه صرف النظر عن الفكرة بعد تلقيه تحذيرات من مستشاريه بخطورة فتح حرب كبرى في المنطقة.

في الخبر نفسه أن وزير خارجية ترامب مايك بومبيو كان الوحيد في فريقه المؤيّد للعمل العسكري في المدة المتبقية من ولاية ترامب ووجاءت جولة بومبيو الخارجية تعبيراً عن سعيه لتسويق مشروعه وربط الخطوات السياسيّة في المنطقة بنتائج هذا المشروع.

في باريس كان واضحاً أن بومبيو سعى لتجميد ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة تحت شعار أن متغيرات كبرى مقبلة وستقلب الوقائع في المنطقة ومنها لبنان ولاستبعاد أي فرضية تربط كلام بومبيو بفرضية عمل عسكري أميركي أصدرت وزارة الدفاع الأميركية بياناتها عن تنفيذ قرار انسحاب متدرّج من المنطقة بتوجيهات ترامب.

لم يكن كافياً تقلّص الحرب الى ضربة فتقلص المرجع أيضاً من ترامب الى بومبيو الذي حط رحاله في كيان الاحتلال وقام بجولات استفزازية وصلت الى الجولان تعبيراً عن الوقوف الأعمى مع الكيان في كل خطواته العدوانية وفي طليعتها ضم الجولان، لكن يبدو أن زيارة الجولان كانت تعبيراً رمزياً عن أبوة بومبيو لتقلص جديد حيث الضربة صارت عملية تنفذها قوات الاحتلال على تخوم الجولان المحتل وتمنحها وسائل الإعلام الخليجية تغطية استثنائية بصفتها تغييراً نوعياً لقواعد الاشتباك وإصابة استراتيجية لمحور المقاومة.

الشهداء عندما يسقطون مهما كانت رتبهم ومهما كان عددهم هم إصابات موجعة، لكن التغيير الاستراتيجي شيء آخر.

بلغ الهزال في حالة المشروع الأميركي حدّ أن يكون الردّ على قرار الانسحاب الجزئي صواريخ على السفارة الأميركيّة وأن يكون سقف المقدور عليه أميركياً وإسرائيلياً هو تكرار لما سبق وتمّ اختباره من عمليات توجع بسقوط الشهداء، لكنها لا تغير معادلات باتت فوق طاقة الأميركي والإسرئيلي والمطبع الخليجي معهم ولا تعوّض عجز الفقاعات الإعلاميّة ولا النقل المباشر للقنوات الخليجية وخروج بعض المعلقين المدفوعي الأجر ليكرروا عبارة تحول استراتيجي.

مقالات متعلقة

هل يقلب ترامب الطاولة إلى فوق أم إلى تحت؟

ناصر قنديل

بعدما هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقلب الطاولة داخلياً عبر رفض التسليم بنتيجة الانتخابات يبدو كل شيء يسير بالاتجاه المعاكس. ففي الداخل الأميركي وفي الخارج الدولي تسليم بأن جو بايدن هو الرئيس الأميركي المقبل، وكلام مستشار الأمن القومي الأميركي المعين من ترامب روبرت أوبراين عن الانتقال السلس والفريق الانتقالي المحترف لبايدن كافٍ لمعرفة الاتجاه المقبل، وفي الخارج جرى تسويق نظرية قلب الطاولة لجهة القول بخطوات تصعيدية حربية سيُقدم عليها ترامب، ومما تداولته وسائل الإعلام الأميركية من تسريبات من فريق ترامب للحديث عن ضربة لمفاعل نطنز النووي في إيران، ثم الكلام عن نصائح أدّت لصرف ترامب النظر عن العملية.

فجأة أعلن ترامب عبر وزارة الدفاع التي غير وزيرها قرار البدء بسحب قواته تدريجياً من العراق وأفغانستان، وخطة الوزارة للانسحاب لا تكتمل قبل نهاية ولاية ترامب ما يعني أن مواصلتها تحتاج موافقة الرئيس الجديد، فما هي خيارات ترامب لقلب الطاولة، إن لم تكن الضربات العسكرية التي صرف النظر عنها تفادياً لتداعيات خطيرة، كما قيل، وإن لم تكن الانسحابات التي لن تكتمل خلال ما تبقى من ولايته؟

نشرت مجلة فورين بوليسي مقالاً تبيض فيه صفحة ترامب مضمونه أن سياسات ترامب غيّرت الشرق الأوسط. فالعقوبات أنهكت إيران وجعلت التفاوض معها أسهل، والتطبيع الإماراتي والبحريني مع كيان الاحتلال فتح طريقاً لفك العلاقة بين التعاون العربي «الإسرائيلي» والقضية الفلسطينية، لكن فورين بوليسي التي تعتبر أن ترامب قلب الطاولة وانتهى تتجاهل أن استنتاجها بتغيير الشرق الأوسط متسرّع جداً، فمن قال إن التفاوض مع إيران بات أسهل، والمعلوم أن إيران لن تفاوض من خارج إطار الاتفاق النووي، فما لم يعد الأميركي سواء كان اسمه ترامب أم بايدن إلى الاتفاق وأطره وقواعده للتفاوض، لا تفاوض مهما بلغت العقوبات ومهما بلغت التهديدات، ومهما أراد الأميركي من الانسحابات.

في الشرق الأوسط القضية ليست حل النزاع العربي «الإسرائيلي» وقد صارت المقاومة هي اللاعب الرئيسي وليس النظام العربي الرسمي الذي فشل فشلاً ذريعاً في نظريته التي صاغها انور السادات بأن 99% من أوراق اللعبة بيد أميركا، بينما اليوم المعادلة هي أن 99% من أمن «إسرائيل» بيد المقاومة، فماذا ستفيد تفاهمات التطبيع مع دول لا تمثل تهديداً لأمن الكيان، بينما التهديد الذي تمثله المقاومة يتزايد، وما يحتاجه الكيان قبل الوفود السياحية الإماراتيّة هو الاطمئنان إلى وجوده وأمنه.

الصواريخ التي تساقطت على السفارة الأميركية في بغداد تقول إن على الأميركي أن يختار بين الانسحاب تحت النار أو الذهاب لاتفاق مضمونه التسليم بالسيادة العراقية الكاملة، ومثلها في سورية، وفي الحالتين التسليم بسقوط مشروع الهيمنة، والصواريخ التي سقطت قرب تل أبيب تقول إن أمن الكيان لن يجلبه التطبيع.

ما يفعله ترامب ليس موجهاً ضد محور المقاومة بقدر ما هو موجه لبايدن بمحاولة خلق وقائع تربك مسيرته الرئاسية، وقائع متناقضة بين مناخ تصعيدي مع محور المقاومة، وانسحابات تترك الساحة فارغة أمامه، وهي في مضمونها تسليم بأن زمن ترامب ينتهي وزمن جديد يبدأ، ليس أكيداً انه زمن بايدن، فمن يملك الأرض يملك الزمن، والكلمة الفصل لم تُقَلْ بعد.

فيديوات مرتبطة

مقالات مرتبطة

%d bloggers like this: