خرافة تحييد لبنان!


طلال سلمان.


لبنان الآن على كف عفريت… تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه في زمن انتهى فيه معسكر عدم الانحياز.

مع وصول السفيرة الاميركية الجديدة في لبنان، دوروثي شيا، وهجومها المباشر (والخارج على الاصول الدبلوماسية وركائز العلاقات بين الدول الصديقة) على “حزب الله”، محرر الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، وصاحب كتلة نيابية وازنة وجماهير عريضة في معظم انحاء لبنان.. هبت رياح الدعوة إلى تحييد لبنان عن المنازعات والصراع في المنطقة.

تحييد البلد المفلس والمتزاحم ابناؤه على السفارات بطلب “الفيزا” للخروج منه، في زمن انتهى معسكر عدم الانحياز بقيادة جواهر لآل نهرو وجمال عبد الناصر وتيتو الذي حفظ وحدة يوغسلافيا. فما أن غاب حتى عادت دولا شتى لا قيمة لها في اوروبا ولا دور لها في العالم كالذي ابتدعه لها تيتو.

تتبع “الدولة” سياسة انكار ما لا يمكن انكاره” فالجوع اصدق إنباء من الكتب”، ومن حسان دياب ومناورات جبران باسيل وسط الإغفاءات المتقطعة لفخامة رئيس الجمهورية، كلها تشهد بأن لبنان بخير..

وماذا اذا استفقنا على سوريا مدمرة أو محتلة، شمالها للأتراك، بذريعة مقاتلة الاكراد، والساحل- طرطوس- اللاذقية – بانياس- للروس مع دوريات مؤللة تلاقي الاتراك بود ظاهر، اما قلبها – دمشق وضواحيها – فللحرس الثوري الايراني مع مقاتلي “حزب الله”.

كذلك فان العراق الذي بالكاد انتهى ترميمه بعد حروب صدام حسين التي دمرت أرض الرافدين، وجعلت الخزينة العراقية خاوية الا ما يلزم كشرهات لمن يتولى الحكم، وبقرب بغداد قوات اميركية، وفي أنحاء شتى قوات من الحرس الثوري الايراني، والكرد ما زالوا يطالبون بنصيبهم في الحكم بعد نيلهم رئاسة الدولة وعدد وافر من الوزارات، مع مناصب رفيعة في مؤسسات النفط الخ.. كل هذا من دون أن يتنازلوا عن مطلبهم بإقامة دولة كردستان المستقلة في شمالي العراق، حتى والجيوش التركية تقتحم تلك المناطق بذريعة مطاردة الاكراد الاتراك المقهورين في ظل السلطان اردوغان.

المهم أن النشيد الوطني الجديد الذي انطلق من الديمان وتولى الترويج له بضعة من السياسيين من ذوي الانتماء “المحايد” أخذوا يرددون نغمة “الحياد” بديلاً من النشيد الوطني.

الحياد بين من ومن؟

بين الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي الذي سقط بالضربة البوتينية القاضية؟ أم بين دولة الامارات وقطر العظمى؟ أم بين السعودية المذهبة واليمن الذي يموت أهله جوعاً..هذا إذا هم نجوا من رصاص الاخوة – الاعداء من ابطال الاحتلال السعودي – الاماراتي! أم بين الغزو التركي بقيادة السلطان الذي أقحم المعلم التاريخي الذي كان كنيسة آيا صوفيا، في الماضي وغداة نشوء السلطنة، وقرر تحويله إلى مسجد، متنكرا للتاريخ وحتى لأصول الصلاة عند المسلمين، اذ دخل الكنيسة التي صيرت مسجداً، بحذائه خلافاً لقواعد الصلاة.

أما مصر فمشغولة بهموم سد النهضة في الحبشة، خوفاً على السد العالي الذي انقذ المئة مليون مصري من العطش، والذي افتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع خروتشوف، اظرف رئيس عرفته موسكو، والذي خلع نعليه ليطرق بهما على منصة وفده في الامم المتحدة، حين بدأ الرئيس الاميركي خطابه.. وكان ذلك تعبيراً عن موقف الاتحاد السوفياتي من مشروع الغزو الاميركي لدولة فيديل كاسترو في كوبا.. وهي الجلسة التي حضرها معظم اقطاب دول عدم الانحياز: جواهر لال نهرو، وجمال عبد الناصر وتيتو، في حين كان الوفد الاميركي برئاسة جون كيندي.

يومها، كما يحب الاميركي أن ينسى، ترك كاسترو مبنى الأمم المتحدة في نيويورك ونزل ليجول في أحياء “السود”، الذين كانوا يحاولون الانتفاض ضد الظلم الاسود في البيت الابيض في واشنطن… وهو الظلم الذي تجلى مؤخراً في قتل جورج فلويد بحذاء بعض رجال الحرس، بينما صار البيت الابيض مقراً للمهووسين بقيادة دونالد ترامب، الداعم الاخطر للمشروع الصهيوني الذي يعمل على انجازه رئيس الحكومة الاسرائيلية المشتركة بين نتنياهو ومعارضيه، والذي – يشمل في ما يشمل – منطقة الاغوار التي تحفظ تلالها اجداث بعض ابطال فتح دمشق ومنهم ابو عبيدة الجراح.

يا أمة ضحكت من جهلها الامم…

لبنان الآن على كف عفريت. وسوريا تتمزق أمام عيون الاخوة العرب، والروس والاتراك والايرانيون يتقاسمن اراضيها، والرئيس الروسي بوتين يستقبل الرئيس السوري بشار الاسد في مقر السفارة الروسية في دمشق، ممتنعا عن الصعود للقائه في القصر الجمهوري على بعض الروابي التي غناها امير الشعراء احمد شوقي بقوله:

قُمْ نَاجِ جِلَّقَ وانْشُدْ رَسْـمَ مَنْ بَانُوامَشَتْ عَلَى الرّسْمِ أَحْدَاثٌ وَأَزْمَانُ
هَذا الأَديـمُ كِتابٌ لا انْكِفَـاءَ لَـهُرَثُّ الصَّحَائِفِ، بَاقٍ مِنْهُ عُـنْوانُ
بَنُـو أُمَـيَّـةَ للأنْبَـاءِ مَا فَتَحُـواوَللأحَـادِيثِ مَا سَـادُوا وَمَا دَانُوا
كَـانوا مُلُوكاً، سَرِيرُ الشّرقِ تَحْتَهُمُفَهَلْ سَأَلْتَ سَريرَ الغَرْبِ مَا كَانُوا؟

من حسنات دعوة الحياد أنّها أنهت خلط الأوراق

ناصر قنديل

جرّب الأميركيّون ومعهم كل الغرب توظيف غضب الشعب اللبناني على فساد مؤسسات الدولة وسوء السياسات المالية لمن تولّوا الحكم وإدارة الاقتصاد لثلاثة عقود، برعاية أميركيّة غربيّة خليجيّة، لتحويله إلى قوة ضغط من أجل تحقيق أجنداتهم، وهي تتصل أصلاً بالسياسة اتصالاً وثيقاً، ومحورها تغيير موقع لبنان القوي في مواجهة كيان الاحتلال وجيشه إلى خاصرة رخوة. وكان معيار النجاح بذلك هو تحقيق شرطين، الأول القدرة على نقل المناخ الشعبي الجامع والواسع من الغضب على السلطة إلى غضب على المقاومة، سواء وفق نظرية تحميل انخراطها الإقليمي مسؤولية منع المساعدات أو اتهامها بأنها تحمي النظام أو أنها تتولى تخريب الاقتصاد بالتهريب والسيطرة على عائدات الدولة. والشرط الثاني إقفال الطرق الأخرى والخيارات الرديفة التي يمكن أن تطرح لمواجهة الاختناق المعيشيّ الناتج عن الحصار الذي يفرضه الأميركيون وما يرتّبه من جفاف في موارد العملات الأجنبيّة وغلاء وشح في الموارد.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي الذي ينضوي تحت لوائه صرف نفوذ حكام الخليج، بظهور ترابط سببي واضح بين كل محاولة لرفع منسوب السياسة في خطاب مجموعات مرتبطة بهم أسندوا إليها قيادة الانتفاضة ومكّنوها من السيطرة عليها بواسطة وسائل الإعلام المدعومة، وبيّن تراجع زخم الحضور الشعبي في الفعاليات التي تنظمها وتدعو إليها هذه المجموعات، من جهة، ومن جهة موازية بيّن ظهور انقسامات حادة داخل الجسم الشبابي للحراك الذي يضم مجموعات ترفض تسييس الغضب الشعبي، ومجموعات ترفض خصيصاً تحويل زخمه بوجه المقاومة، التي تشكل بنظرها آخر مَن يجب لومه على الأزمة الاقتصادية، أو التي تشكل عندهم خطاً أحمر في السياسة يجب الحذر من الاقتراب منه بلغة الاتهام والاستهداف لأنهم يدركون أن هناك من يريد تدبير هذا الانحراف في مسار الحركة الشعبية.

خلال تسعة شهور تلخّصت نتائج الرهان الأميركي والغربي ومَن معه، بأن حقق خيار التوجه شرقاً والعرض الإيراني لتأمين المشتقات النفطية بالليرة اللبنانية والدعوة للنهوض الإنتاجي، اختراقات كبيرة عملياً بتقدّمه كخيار واقعيّ بديل عن انتظار التسوّل على أبواب الأميركيين والغرب وحكام الخليج، وسياسياً لجهة تحوّله إلى فرضية مقبولة لدى الأوساط الحكومية والسياسية التي كانت تضع رهانها على الموقف الغربي والعربي عموماً والأميركي خصوصاً، بعدما سئمت الانتظار بلا جدوى، فتحركت الاتصالات الحكومية الجدية وبدعم رئاسي وسياسي من مكوّنات الحكومة النيابية، وبتفهم شعبي، وفي ظل صمت الخصوم السياسيين وعجزهم عن الاعتراض والمواجهة، وبدا أن هذا الخيار سيتحوّل إلى وجهة جديدة يسلكها لبنان.

أمام فشل الرهان على تحقيق الخطة التي رسمت لركوب الانتفاضة الشعبية والسطو عليها، وتوظيفها في مشروع حصار المقاومة، وسقوط فرص تحقيق الشرطين المطلوبين، انقلب الأميركي والغرب ومن معهم على معادلة الانتفاضة وسقفها القائم على الابتعاد عن السياسة والاكتفاء بالقضايا الاقتصادية والمالية عنواناً لها، وكان اختبار السادس من حزيران والتحرك المناهض للمقاومة وسلاحها تحت عباءة الانتماء للانتفاضة آخر الفرص التي منحت للجماعات التي يشغلها الحلف الأميركي الغربي الخليجي، وباءت بالسقوط المدوّي، وتبلور القرار البديل، العودة إلى ساحة الحضور المباشر بعروض دعم مالي مشروطة سياسياً علناً، وإعادة الحياة على اساسها إلى استقطاب 8 و14 آذار، الذي تم تجميد نصفه بقرار اصطفاف قوى 14 آذار تحت عباءة الانتفاضة وشعاراتها والتخلي عن السياسة ما أمكن لحساب ذلك، انطلاقاً من استقالة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري.

من حسنات دعوة الحياد أنها أنهت مرحلة من التلاعب السياسي كان عنوانها تمويه القضايا الخلافية بخدعة تريد القول إن اللبنانيين مجمعون على أن مصدر أزمتهم هو وجود المقاومة، وأنها مثلت اعترافاً بالانقسام السياسي حول العناوين الكبرى، وكشف حقيقة أن الأزمة الاقتصادية والمالية مجرد عتبة مرسوم لها فرض تحوّلات في موقع لبنان من الصراع الإقليمي وعنوانه الرئيسي أمن كيان الاحتلال والتهديد الذي تمثله المقاومة لهذا الأمن. وهذا هو جوهر الوظيفة التي يُراد لدعوة الحياد تحقيقها، فمرحباً بالوضوح ولو أدى إلى الانقسام، وليكن التباري الواضح باللغة الراقية ليظهر كل فريق ما عنده ويطرح مشروعه في التداول، ولتتنافس المواقف والخيارات أمام عقول اللبنانيين، دون تمويه وخداع، بعدما أعلن الأميركي والغرب وحكام الخليج دفن الانتفاضة، والعودة إلى اصطفاف أيام قرنة شهوان، وهم يحاولون الانتقال إلى أيام لقاء البريستول.

«إسرائيل” اعتدت…والمقاومة ستردّ حتماً…فماذا بعده؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تصرّ “إسرائيل” على الزعم بوجود قوات عسكرية إيرانية في سورية تتمركز بين دمشق والجولان وأنها تشكل خطراً على “الأمن الإسرائيلي”، لذا قرّرت التدخل العسكري للضغط على هذه القوات لإجبارها على الرحيل، وقد ادّعى نتنياهو انّ هذه الضغوط النارية أدّت بالفعل الى ضمور في الوجود الإيراني في سورية بشكل يشجع على مزيد من العمليات لاستكمال الانسحاب، ولأجل هذا تدّعي “إسرائيل” أنها كثفت عملياتها وطوّرتها الى العمق السوري في إطار ممارسة الضغوط الميدانية القصوى ضدّ الوجود الإيراني في سورية.

بيد أنّ الزعم الإسرائيلي يجافي الحقيقة في أكثر من موضع، أولاً لجهة طبيعة الوجود الإيراني إذ ليس لإيران قوات عسكرية ومراكز عسكرية قائمة استقلالاً عن القوات السورية، بل لديها كما أكدت مراراً خبراء عسكريون جاؤوا الى سورية بطلب من الحكومة الشرعية فيها ومهمّتهم تتركز على توفير ما يمكن من دعم للقوات السورية في حربها الدفاعية في مواجهة من شنّ الحرب الكونيّة التي تستهدفها. ثانياً لم يتراجع الوجود العسكري الإيراني حجماً ولم يتغيّر بطبيعته بتأثير من الاعتداءات “الإسرائيلية” وإذا كان قد تغيّر حجمه، فإنه تغيّر صعوداً وليس تراجعاً ما يؤكد فشل “إسرائيل” في تحقيق شيء من هدفها المعلن ولذلك نتجه للقول بأنّ للعدوان “الإسرائيلي” على سورية أهدافاً غير التي تعلنها.

أما عن وجود حلفاء إيران بخاصة حزب الله فإنّ وجوده في سورية وجود قتالي، وهو يجاهر به، وقد نفذه بناء على طلب من الشرعية السورية وعملاً بقاعدة تلتزمها المقاومة وأعلنتها جهاراً تقول “نكون حيث يجب أن نكون” وحزب الله في سورية لأنه رأى انّ عليه ان يكون فيها للدفاع عن المقاومة وعن محور المقاومة عبر مساعدة الجيش العربي السوري في إطار حربه الدفاعية في وجه عدوان شاركت فيها دول إقليمية ودولية حشدت أكثر من 300 ألف مسلح وإرهابي سوري وغير سوري لإسقاط قلعة المقاومة الوسطى.

إنّ اعتراض “إسرائيل” على قتال حزب الله الى جانب الجيش السوري أو السعي لمواجهته يشكل عدواناً مكتمل العناصر على سورية وحزب الله معاً، ولذلك كان واضحاً وقاطعاً الأمين العام لحزب الله بتوجيه إنذار الى “إسرائيل” مفاده انّ “أيّ مسّ بمقاوم او عنصر من عناصر الحزب يعمل في سورية سيردّ عليه من أيّ مكان في لبنان داخل او خارج مزارع شبعا”، وأرسى قائد المقاومة بمقولته تلك قاعدة اشتباك إضافية ومعادلة واضحة للمواجهة مع العدو من شأنها ان تحمي المقاومة وعناصرها على كلّ المستويات في سورية واختبرت “إسرائيل” جدية هذه المعادلة بعد أن نفذت المقاومة عملية “افيفيم” منذ أشهر حيث استهدفت بصواريخها المضادة للدروع قافلة “إسرائيليّة” داخل فلسطين المحتلة ثأراً لمقاومين استهدفتهم الطائرات الإسرائيلية.

ولكن يبدو أنّ “إسرائيل” تريد اليوم أن تختبر المقاومة مجدّداً بعد كثير من التطورات الإقليمية والداخلية اللبنانية، فأقدمت على عدوان جوي استهدف أحد مواقع حزب الله في ضواحي دمشق، ما أدّى الى استشهاد مقاوم من الحزب، وكعادته فإن الحزب لا يخفي شهداءه بل يفاخر بهم وإنْ كان يمتنع أحياناً لضرورات أمنية او عملانية عن تحديد مكان الاستشهاد وسببه، إلا أنه هذه المرة أعلن كلّ شيء عن الشهيد محسن الذي كان يرابط في سورية قادماً من بلدته عيتيت في جنوب لبنان. فنعى الحزب شهيده مؤكداً أنه قضى بنار عدوانية إسرائيلية استهدفت موقعه في سورية، نعي – إعلان يؤكد انّ شروط الردّ على العدوان متوفرة جميعها وفقاً للمعادلة الناظمة للمواجهة وبالتالي ليس الأمر بحاجة الى قرار بالردّ. فالقرار حتميّ طالما انّ شروطه اكتملت أما التنفيذ، فإنه يبقى خاضعاً لظروف عملانية لا تقيّدها سياسة.

بيد أنّ أسئلة تطرح هنا منها: لماذا استهدفت “إسرائيل” حزب الله الآن؟ وهل تريد أن تخرج من معادلة الردع الاستراتيجي المتبادل مع حزب الله؟ وهل يشكل عدوانها نقطة إضافية في مسار التهيئة للحرب ضدّ الحزب؟ أو لاستدراجه إليها؟ في ظلّ ما يروّج له من مؤثرات سلبية تحاصر حزب الله في الداخل اللبناني، حيث أضاف البطريرك الراعي الى مشاكل لبنان المؤلمة ملفاً خلافياً متفجراً بطرحه حياد لبنان في هذا التوقيت!

لقد سبق لـ “إسرائيل” أن اتخذت قراراً بالتنقيب عن الغاز في جوار البلوك 9 من المنطقة الاقتصادية اللبنانية، قرار يؤثر سلباً على حقوق لبنان في المنطقة البحرية المتنازع عنها، ما يجعل تنفيذه بمثابة تحدّ واستدراج لمواجهة عسكرية مع لبنان تردّ فيها المقاومة على العدوان الإسرائيلي من أجل حماية الغاز اللبناني، لكن “إسرائيل” وعبر القنوات الدبلوماسية وجهت رسائل غير مباشرة أوحت بأنّ القرار الإسرائيلي بالتنقيب هو قرار مستأخر التنفيذ وقد تكون وظيفته الفعلية والحقيقية الضغط على لبنان لجره الى طاولة التفاوض والقبول بحلّ أميركي يراعي مصلحة “إسرائيل”. وهكذا عطل المفعول التفجيري للقرار وبقي شبح المواجهة والحرب بعيداً.

اما الآن ومع المتغيّرات المتسارعة في لبنان والإقليم فإنّ طرح الأسئلة حول العدوان الجوي الإسرائيلي واستهداف المقاومة في سورية، مبرّر ويجب البحث عن هدف “إسرائيل” الحقيقي منه خاصة أنه منذ نعي حزب الله شهيده يُسجل سلوك عسكري إسرائيلي مريب في منطقة الحدود، ففضلاً عن الاستنفار الشامل استقدمت “إسرائيل” تعزيزات عسكرية كبيرة من المشاة والمدرّعات توحي بأنها تستعدّ لعمل عسكري ما، فهل ستكون الحرب وسيكون العدوان الجوي بطاقة الدعوة اليها؟ لكن وقبل مناقشة مسألة الحرب من عدمها نرى أنّ هناك ثلاثة أهداف رمت “إسرائيل” اليها مستغلة الواقع اللبناني الداخلي والضغط الأميركي هي:

1

ـ اختبار حزب الله وقدرته أو قراره في الردّ في ظلّ انشغاله بالوضع الداخلي في لبنان بعد المتغيّرات الأخيرة إثر التدابير الخانقة التي فرضتها أميركا على لبنان وسورية، وبعدما أحدثه طرح البطريرك الراعي من خلافات وسجالات حادة.

2

ـ محاولة “إسرائيل” الخروج من معادلة حماية المقاومين في سورية المعادلة التي أرساها السيد نصر الله كما وتريد فصل الميدان السوري عن الميدان اللبناني وهو ما يسعى محور المقاومة لجعلهما جبهة واحدة.

3

ـ مواصلة “إسرائيل” تنفيذ ما يقول عنه نتنياهو من استراتيجية الضغوط القصوى لإخراج إيران وحلفائها من سورية والتأكيد على نجاح هذه السياسة.

أما عن السؤال الآخر أيّ هل سيكون ردّ المقاومة مدخلاً للحرب؟

بداية نقول إنّ المقاومة ملزمة بالردّ والردّ حتمي لأكثر من اعتبار، وهو ردّ سيشكل في طبيعته ومكانه، تأكيداً على قوة وقدرة حزب الله المتصاعدة حجماً وفعالية، ردّ يوجه رسائل ضرورية الآن لكلّ معنيّ بالشأن، كما انه سيشكل عقاباً لـ “إسرائيل” على جريمتها، وثأراً لدم الشهيد، كما يشكل تثبيتاً صارماً لمعادلة الردع وقواعد الاشتباك الأساسية والإضافية.

أما عن الذهاب إلى الحرب فإننا نذكّر بأنّ المقاومة لا تزال تعمل بالاستراتيجية الدفاعية، وهي وإنّ كانت تنفذ بعض العمليات الهجومية فإنها تنفذها في معرض الدفاع، وهو أمر مألوف ومشروع، فإذا أرادت “إسرائيل” أن تثبت بأنّ قراراتها بالتنقيب عن النفط ثم استهداف المقاومة في سورية هي أعمال استدراج للحرب وتنتظر ردّ المقاومة لتشنّها أو أن تضع المقاومة بين خيارين إما الحرب او السكوت، فإنها لن تجد من المقاومة سكوتاً تشتهيه بل ستجد ناراً بمستوى ما يفرضه التحدّي.

وبالتالي الردّ واقع حتماً وعلى “إسرائيل” ان تختار بين ابتلاع الردّ الآتي لا محالة مهما كان حجمه وتأثيره أو الذهاب الى الحرب التي لا تسعى اليها المقاومة الآن، لكنها على أتمّ الجهوزية لها، جهوزية لم تؤثر فيها كلّ أعمال الصخب والضجيج والتحدّيات المتنوّعة في الداخل اللبناني أو الإرهاب الأميركي… ومع ذلك لا نزال نرى أنّ الحرب مستبعدة الآن و”إسرائيل” قبل غيرها تعرف أنّ الحرب ليست في مصلحتها… لكنها تحاول أن تبتزّ وتناور لتكسب شيئاً تظنّ انّ تحققه ممكن. ثم تحصد الخيبة.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

مقالات متعلقة

لماذا الحياد الآن؟

د. وفيق إبراهيم

مبادرة الحياد التي دعا إليها الكاردينال بشارة الراعي، تجد صعوبة في تسويق شروطها على المستوى اللبناني، كآلية تنقذ لبنان من الحصار الأميركي – الغربي عليها. فتذهب في اتجاه محاولة إلغاء الانتصارات التي حققها الشعب اللبناني ممثلاً بحزب الله منذ العام 1982 وحتى 2019.

هذا واحد من جوانبها، لأنّ الثاني يستلهم الجانب الأول معتبراً أنّ تحالف التيار الوطني وحزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية، لم ينجح في بناء منطق سياسي محايد، ما يتوجّب عليه الانسحاب من الحكم، بما يؤدّي إلى عودة سعد الحريري والقوات والكتائب والسيد علي الأمين وجنبلاط إلى إدارة الحكومة ومعهم بعض الشيعة المتساقطة من رحلة المسير نحو… الكرامة.

أما الجانب الثالث فيرتبط بتصحيح العلاقات الخارجية للدولة، على نحو يؤسس لانصياع كامل وفق ما تريده مبادرة الكاردينال الحيادية.

هذا يتطلب الإجابة عن السؤال الأساسي «لماذا المبادرة الآن؟».

وسرعان ما يجيب المنطق ببراءة حمل وديع أن إطلاقها متزامن مع تراجع أميركي في الشرق الأوسط ومحاولات أميركية لابتكار آليات جديدة لعرقلة القوى الصاعدة في الشرق الأوسط.هذه القوى تبحث في لبنان عن تحالفات اقتصادية مع محاور صينية وعراقية وإيرانية بديلاً عن الاقتصاد العربي المتلكئ

حالياً في دعم لبنان إلى درجة تركيب حصار خانق حوله.بالنسبة للبنان تحديداً، رأت مبادرة الكاردينال أن انتصارات حزب الله وصعود المحور الروسي – الإيراني، وإمكانية توجّه الاقتصاد اللبناني نحو الخط السوري – العراقي على الأقل أو الإيراني والصيني عند الضرورة القصوى، رأت خطراً على التبعية اللبنانيّة من 75 عاماً للنظام الغربي – الفرنسي – الأميركي.واعتبرت صعود حزب الله في الدولة اللبنانية مؤشراً على تراجع الوصاية الغربية على لبنان، وانكفاء القوى الداخلية المرتبطة بالحلف الأميركي – السعودي.

ولأن الكاردينال يعرف مدى الصعوبة التي تعترض طريق مبادرته للحياة، فاتجه لتغليفها بـ»عدائية لغوية» لـ»إسرائيل»، وهذا من اليقظة السياسية، لأن الفريق المحيط بنيافته يعرف أن تجميد أي علاقة مع محاور صينية – إيرانية – عراقية أو سورية، لا يعني إلا تأكيد النفوذ الأميركي – الفرنسي بمفرده.وهذا النفوذ يحاصر لبنان حالياً مصراً على واحد من أمرين:

إما خنق حزب الله، أو خنق لبنان.

فتشكل مبادرة الراعي الآلية الأميركية المطلوبة لتحقيق البديل من تراجعاتها الإقليمية.

إن خطورة هذه «الحياديّة» تظهر عند دفعها لكتلة 14 آذار لتسلّم الحكم أو لنصب حالة احتراب شعبي بين فريقين لبنانيين، ما يعطل الطابع السلمي للعلاقات بين اللبنانيين ودفع الخارج الأميركي – الإسرائيلي لشن حروب على حزب الله، فتبدو مبادرة الكاردينال «آلية أميركية جديدة» لتغيير نتائج الحروب المظفرة لحزب الله في جنوب لبنان وشرقه، والمعنويات الضخمة التي يحوز عليها من مجابهاته للإرهاب في ميادين سورية.لذلك تذهب المبادرة إلى أكبر كمية ممكنة من تحشيد داخلي ذي طابع طائفي.

إما أن تعود 14 آذار إلى الحكم، وإما أن تعود أيضاً إليها بواسطة تدخل عسكري إسرائيلي – أميركي، وإلا فإن الكاردينال يجهز سلاحاً خارقاً ثالثاً وهو عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية أو بالأكثريات الطائفية، كوسيلة للعودة إلى العلاقات الفدرالية بين الطوائف، وهذا طرح لا يكتفي بالفدرالية الدستورية بل يذهب مهرولاً مع كونفيدراليات في بلد تحتاج إلى مكبّر ضخم لتراه، بما يعطل الأدوار الإقليمية الداخلية للحزب، مؤسساً لعلاقات واسعة لبعض الكانتونات المحلية مع إسرائيل وبشكل حربي.

وهذا ما يجعل من مبادرة الحياد للكاردينال الراعي محلية في لبنان وسورية أيضاً، وبذلك يتأكد من اندراجها في إطار الآليات التي يريد الأميركيون أن تمنع تراجعهم في الشرق وتعرقل في آن معاً الصعود الإيراني – السوري – العراقي واللبناني المتعلق بحزب الله.

فمن كان يتصوّر أن نيافة الكاردينال يعلق بأنه لا يلتزم بأي أكثريات نيابية أو شعبية، ما يدفع إلى التساؤل التالي عن ضرورة هذه الانتخابات وبناء الأكثريات الشعبية طالما أن بكركي لا تعترف بها، وتكمل مسيرة العلاقات الحاسمة بين طوائف وعلى مستوى مراكزها الدينية الأساسية.

مبادرة الراعي إلى أين؟

تحمي هذه المبادرة بشكل إضافي الطبقة السياسية اللبنانية ومجمل النظام الطائفي.

أولاً تحاول إبعاد الصراع الداخلي عن الطبقة السياسية باختراع مادة خلافيّة جديدة لا تفعل إلا إنقاذ مئات السياسيين الذين أفلسوا لبنان ورهنوا بمئات مليارات الدولارات.

فاليوم يبدو القسم الأكبر من المتورطين بالفساد زاحفين إلى مقر الكاردينال الصيفي في الديمان لإعلان ولائهم له ولمبادرته في مرحلة كان يعتقد المحللون أنها مرحلة استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة النظام السياسي لإنتاج نظام جديد غير طائفي ويبتعد عن الزبائنيّة.

لكن مبادرة الكاردينال تلعب دوراً كبيراً في حماية النظام السياسي من جهة والعلاقات السياسية التي يجب أن تستند إلى الطائفيّة حصراً.

هل تنجح مبادرة الراعي؟

موازنات القوى الفعلية لا يمكن شطبها بتحريض ديني مستهلك ولا بإشعال تحالفات سقطت في العقدين الماضيين بالانتخابات من جهة والانتصارات على الإرهاب من جهة أخرى، وتماماً كما تراجع النفوذ الأميركي في معظم دول الشرق فإن وضعه في لبنان أسوأ من حالته في العراق وسورية، ففي بلاد الأرز تمكن التيار الوطني الحر بالتحالف مع حزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية من رعاية سياسة معتدلة تمنع وضع البلاد في خدمة الغرب الفرنسي والأميركي، بما يؤكد أن إنهاء مبادرة الكاردينال لا تتطلب الكثير من الجهد، كما أن الانفتاح على الصين وروسيا والعراق وإيران وسورية، ليست سياسة شرقيّة بل استدارة نحو مصادر بوسعها مساعدة لبنان على الخروج من عملية الخنق الأميركية التي تتم بوسائل مصرفية ومبادرة الراعي في آن معاً.

مقالات متعلقة

لبنان قويّ بقوّته وحقّه ومقاومته وليس بـ «ضعفه وحياده»

د. جمال شهاب المحسن

جمال شهاب المحسن - Home | Facebook

قال البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي خلال استقباله وفداً من الكوادر الكتائبية من المناطق القريبة من الديمان وبكركي: «عندما تداخلنا مع أحلاف وأحزاب وأعمال عسكرية أصبحنا بعزلة تامة عن العرب وعن الغرب وأصبحنا لوحدنا كما السفينة في البحر الهائج… وإن الحياد هو لصالح كلّ اللبنانيين…»

هذا الكلام أكثر من واضح فهو يقصد فيه مشاركة حزب الله في ما يسمّيه «أعمال عسكرية» في سورية، وغيّب عن سابق تصوّر وتصميم الواقع الفعلي لهذه المشاركة النبيلة والأصيلة التي هي دفاع عن سورية ولبنان معاً في مواجهة الحرب الإرهابية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية المتحالفة مع الكيان الصهيوني ضدّ سورية وقيادتها وجيشها وشعبها ودورها العربي المحوري والريادي في سبيل قضايانا الكبرى المحقّة والعادلة… وفاته أيضاً أنّ سورية هي سيف العروبة وترسها وقلبها النابض وأمها وأبوها، وأنّ الأعراب الذين تآمروا عليها في سياق المشروع الصهيوني الأميركي الإرهابي قد خرجوا من شرف الأمة وقيَمها منذ زمن طويل …

إنّ البطريرك الراعي في حملته «الحيادية» يتحدث أمام كوادر حزب الكتائب الذي كان يرفع شعار «قوة لبنان في ضعفه» والذي لم يكن حيادياً على الإطلاق في محطات مفصلية من تاريخ لبنان وأبرزها أنه كان إلى جانب الاجتياح الاسرائيلي المدعوم أميركياً للبنان عام 1982، حيث كان من جملة أهداف هذا الاجتياح وصول هذا الحزب الى السلطة وترجمة كلّ الأعمال العسكرية والأعمال الشنيعة الصهيونية والأميركية في أخذ لبنان من ضفة الى ضفة مناقضة… ولكنّ المقاومين اللبنانيين الأبطال حافظوا على هوية لبنان وعلى وحدته أرضاً وشعباً ومؤسّسات .

هل تحرك زيارة الراعي قضية المبعدين اللبنانيين إلى اسرائيل؟
هل تحرك زيارة الراعي قضية المبعدين اللبنانيين إلى اسرائيل؟

ولمن ينسى أو يتناسى أو يصدّق من يتصدّر اليوم حركة «الحياد» من موقعه الديني مع أنّ في الأديان السماوية الإلهية لا حياد بين الحق والباطل، نذكّره بما أطلقه الشخص نفسه في زيارته لفلسطين المحتلة عام 2014 خارجاً عن أصول «الزيارة الرعوية» إلى موقف سياسي صدم كلّ الوطنيين وأصحاب الضمائر الحيّة بتعاطفه العلني مع العملاء والخونة الذين اندحروا مع الاحتلال «الإسرائيلي» عام 2000.

وأين؟ في فلسطين المحتلة

فالراعي، ومن بلدة عسفيا على قمة جبال الكرمل في فلسطين المحتلة، تطرّق إلى مسألة اللبنانيين الذين وصفهم بـ «المبعدين»، وأبدى «رفضه التعامل معهم كمجرمين»، معتبراً أنّهم «لبنانيون أكثر من البعض الموجود في لبنان»، وقال: «لم أجد لبنانياً متعاملاً ضدّ لبنان، والجماعة التي خرجت من لبنان هل حاربت ضدّ لبنان أو حاربت الدولة أو المؤسّسات، وعطلت الرئاسة وهجّرت اللبنانيين وفقّرتهم، وخلقت أزمة في لبنان؟» ومضيفاً: «أريد أن أفهم ما هي جريمتهم، في وقت نرى هدم المؤسّسات وإقفال القصر الجمهوري؟

وشدّد الراعي على أنه «سيعمل بكلّ قوته من أجل حلّ هذه المشكلة»، وبالتالي «عودة هؤلاء إلى لبنان».

وردّاً على البطريرك الراعي وبوضوح فإنّ هؤلاء الخونة الذين اكتسب بعضهم كجزّار معتقل الخيام العميل الإسرائيلي عامر الياس الفاخوري الجنسية الإسرائيلية هم فارّون من وجه العدالة وليسوا مبعدين لتطلق الدعوات إلى عودتهم دون محاكمة عادلة ودون عقاب… وبعبارة واحدة إنهم عاونوا وآزروا العدو الصهيوني الإرهابي المجرم على ارتكاب الكثير الكثير من الجرائم والمجازر بحق اللبنانيين… والتاريخ سجل عليهم خيانتهم العظمى للوطن.

وفي هذه الأيام وبوتيرة متصاعدة يتحدث البطريرك الراعي عن «الحياد» كما تحدث ميشال سليمان وآل الجميّل وبقايا 14 آذار عن «الحياد» و»النأي بالنفس» عفواً «اللّعي بالنفس»، وكلّ ذلك لتطويق مقاومتنا البطلة التي نعيش أجواء ذكرى انتصاراتها في تموز – آب عام 2006 والتي رفعت هاماتنا عاليةً في مواجهة كافة التحديات…

إنّ «حديث الحياد» يأتي في سياق التشويش على الحقائق الساطعة وأهمّها أنّ لبنان قويّ بقوّته وحقّه ومقاومته وليس بـ «ضعفه وحياده»…

ولمنْ يراهن على معادلاتٍ جديدةٍ وغير ذلك في الآتي من الأيام فهو واهم واهم وملتبس…

*إعلامي وباحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات متعلقة

حياد الراعي و14 آذار: دَفن صفير وبشارة مرّتين

الاخبار

هيام القصيفي الإثنين 20 تموز 2020

أسوأ المقارنات هي تلك التي تُجرى بين بطرس الرسول باني الكنيسة وبين يهوذا الذي باع المسيح بثلاثين من فضة. وأسوأ ما يحصل مع ذكرى البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، أن غلاة مهاجميه من موارنة ومن مناصري التيار الوطني الحر، لم يهينوه، ومعه راعي قرنة شهوان المطران يوسف بشارة، الذي لم يجف بعد التراب على قبره، بقدر ما تفعل اليوم قوى 14 آذار وجمهورها. صحيح أن لغة مهاجمي صفير وصلت إلى ما هو مشين ولا يُغتفر، لكن مجرد المقارنة بين البطريرك الراحل والبطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي، إهانة في حد ذاتها للسلف، الذي كان الخلف يتغنّى في مجالسه، محاطاً بأساقفة اختارهم من غلاة المتحمّسين لـ8 آذار والتيار الوطني الحر، أنه وأدَ خطه السياسي. فهل يريد لنا من كانوا يُسمون فريق 14 آذار أن نصدق فعلاً أن الراعي هو البطريرك السيادي الجديد، لمجرد أنه لم يثبت على موقف منذ أن أتى بطريركاً، وطرح فكرة لا يعرف بنفسه أن يشرح حيثياتها، وأن نسكت عن تطبيلهم وتزميرهم له وإلّا نكنْ من الخوارج؟

في 4 أيار عام 2016 وفي مأتم النائبة الراحلة نهاد سعيد، أمّت قرطبا جموع من مناصري 14 آذار ومعهم شخصيات سياسية من الاتجاه نفسه. مفارقة تلك اليوم أن «الأخبار» نشرت خبراً عن لقاء الراعي والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. وسط الكلام عن مآثر سعيد، كانت شخصيات الفريق السيادي متجهّمة لمجرد حصول اللقاء ومستاءة من الاتجاه السياسي للراعي وكيف قصد بطريرك الموارنة نصرالله. الشخصيات نفسها، وبالموقع نفسه، هي التي تقود اليوم حركة إقناع الموارنة والمسيحيين الذين ينتمون إلى هذا الخط وغيره، أن الروح القدس حلّ على بطريرك الموارنة، وتحول فجأة من مقاوم شرس إلى جانب سوريا والعماد ميشال عون قبل وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية وفريق 8 آذار، إلى مقاوم مع فريق 14 آذار ولبنان الحياد، في توقيت يحار كثر في تفسيره. الجواب معروف ببساطة، لكن مشكلة الكتابة عن السبب أنه مخز بقدر ما هو مخز انحياز بكركي إلى المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. لم تعد غريبة التقلبات التي تشهدها مواقف الراعي كما تقلبات سعر صرف الليرة. والمخجل راهناً تأييد هذا الحشد السياسي والإعلامي الذي هو نفسه يدافع عن المصارف، وبعض أفراده يستغل موقف البطريرك لغاية في نفس يعقوب، وبعضه للتفتيش عن دور أو مظلة لمشروع. والهدف إقناع الرأي العام بحمل الراعي على الأكتاف، لأنه بات ضد العهد وضد حزب الله، وبأن الساعة حانت لتكون بكركي «رافعة تحرير لبنان»، وبأن واشنطن تؤيد الراعي، وأن الفاتيكان سيساعده رغم كمّ التقارير المرفوعة لدى الكرسي الرسولي ضد البطريرك وبعض المطارنة لأدائهم الذي فاق في جوانب محددة كل تصور، ورغم معرفة كلّ الدوائر الدبلوماسية في بيروت والخارج بموقع الراعي الحقيقي والمحيطين به.

من تبقّى من عقّال في الطائفة المارونية يكتبون ويحللون عدم صوابية فكرة الحياد في مفهومها وقانونيتها ودستوريتها وعبثيتها، وأيضاً في توقيتها الذي يثير ردات فعل غير محسوبة. وكما يحق لرافضي الفكرة نقاشها، كذلك فإن رفضها لمجرد أن مَن طرحها هو بطريرك الموارنة يوازي في سوئه طرح الفكرة. لا توصل هذه الخطوة إلا إلى حائط مسدود نتيجة اعتبارات ومفاهيم سياسية محلية وإقليمية ودولية، عدا أن الكنيسة مع رؤية القديس يوحنا (الفصل الثالث، الآية 15) «ليتك كنت بارداً أو حاراً، هكذا لأنك فاتر، ولست بارداً أو حاراً، فأنا مزمع أن أتقيّأك من فمي». لكن تحول الفكرة التي سكِر الراعي بنشوة تأييدها، إلى شعار يرفعه كل خصوم حزب الله، باعتبار أنها السبيل الأوحد لإنهاء الحزب، هو أمر في غاية السذاجة السياسية، ويصيب الكنيسة في عمقها، لأن ما «بُني على باطل فهو باطل».
قبل الاحتكام إلى حياد لبنان الإقليمي والدولي، وقبل إعادة تجميع القوى السياسية نفسها ضد حزب الله والاصطفاف إلى جانب السعودية التي زارها الراعي واستقبل أخيراً سفيرها وليد البخاري ، مهما كان «موقفها الإيجابي من لبنان والموارنة فيه»، في صورة تناقض مبدأ الحياد، لينزل الراعي قليلاً إلى أرض الواقع ومعه الشخصيات المؤيدة له وليجيبوا على بضعة أسئلة بسيطة تتعلق بالواقع الداخلي:

أي حياد يريد الراعي أخذ المسيحيين إليه، والكنيسة في مجمعها الماروني لا تعرف سبيلاً للحياد في الداخل والخارج؟ وهل يدار أي مشروع سياسي بهذه الخفة من بعض الباحثين عن أدوار، ما يؤدي إلى اللعب بمصير بكركي كموقع على أيدي هواة؟ وأي بكركي ستقود هذا الحياد، تلك التي رفعت لواء الطائف، أم بكركي فريق 8 آذار بمجموع أساقفته الذين أعلى الراعي شأنهم ويعقدون اجتماعات حزبية في مطرانياتهم، أم بكركي البطريرك الذي يتلوّن كل يوم بلون جديد؟ وهل هذا الحياد سيعيد إلى جمهوره المسيحي أمواله من المصارف «المسيحية»، فيما السؤال المفروض أن نسأله ماذا فعل الراعي للمودعين في عز أزمتهم المالية والاقتصادية، وهل طالب البطريرك رياض سلامة وسليم صفير بأموال المودعين المسيحيين والمغتربين منهم الذين وثقوا بمؤسساتهم المصرفية فأودعوا أموالهم فيها فسُرقت على أيديهما؟ واستطراداً، هل أموال الحاشية وبعض أهل الصرح محجوزة في لبنان كما أموال سائر اللبنانيين، أم أصبحت في الخارج مع المحظيين؟ هل يعرف الراعي – والأكيد أنه يعرف – أن معركة بقاء غالبية أبنائه المسيحيين اليوم تتعلق بالمساعدات الغذائية التي تؤمنها شخصيات اجتماعية في الداخل وفي الخارج، فيما بعض أساقفته يخزّنون المساعدات في أقبية وقد انتهت صلاحياتها من دون أن يوزعوها بعد على المحتاجين؟ هل يعرف جمهور 14 آذار الذي يدافع اليوم عن الراعي، أن الأخير وبعض الأساقفة يرفضون تكراراً مشاريع إنتاجية، لأنهم يريدون مساعدات نقدية تصبّ في مصلحة بكركي والأبرشيات؟ هل يعرف جمهور 14 آذار اليوم أن الراعي هو الذي دفع إلى تعيين أساقفة ينتمون إلى خط 8 آذار قلباً وقالباً؟

أي حياد للبنان يريد بطريرك الموارنة أن يشغل الرأي العام المحلي به والمدراس الكاثوليكية إمّا تقفل وإمّا تعمد إلى صرف موظفين وأساتذة بصمت وبـ«المفرّق»، فلا تتحول همروجة كما حصل مع الجامعة الأميركية. بدل الذهاب إلى المنابر الدولية للكلام عن حياد لبنان، ليقل الراعي أولاً ماذا فعل مع المستشفيات الخاصة وغالبيتها تابعة لمؤسسات كنسية، وقد أصابها الترهّل والتوقف عن العمل نتيجة سوء إدارات وفساد مستشرٍ فيها؟ وببساطة أكثر، هل مفهوم الحياد، أن تطبخ السياسة في مكان، فيما يلتقي الراعي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس التيار الوطني الحر ورئيس تيار المردة، والسفيرة الأميركية والسفير الإيراني في ساعات قليلة، فتتوزع الصور وتنتهي حفلة الحياد بتصفيق جمهورَين مارونيَّين عبر الراعي على أكتُفهما، من المتحمّسين للمقاومة أولاً ولسوريا ثانياً وللحياد والاستقلال ثالثاً… هكذا رعية لا تستأهل إلا مثل هذا الراعي، والرعاة لها.

مقالات متعلقة

أي انحياز تستهدفه دعوات الحياد؟

التعليق السياسي

عملياً تقوم دعوات الحياد بوجه انحياز يسبب الأذى للبلد ترتكبه مؤسسات الدولة، فهل يمكن لأحد أن يشرح للناس طبيعة الانحياز الذي تريد دعوات الحياد استهدافه؟

رئيس الجمهورية الذي يعتبر حليفاً لحزب الله يزور الرياض ولا يزور دمشق وطهران ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، رغم أنهما جزء من حلف المقاومة يقفان على مراعاة مواقف الرياض وواشنطن ولا يريدان إزعاجهما بموقف، فأين هو الانحياز؟

الواقع أن لبنان في حياد إيجابيّ نحو واشنطن والرياض في مضمون العلاقة بين محوري دمشق طهران وواشنطن الرياض، ودعوات الحياد تقول إن هذا لا يكفي. فالمطلوب الانحياز أكثر لمحور واشنطن الرياض والانحياز الأكثر هو الضغط على المقاومة لجلبها إلى هذا الانحياز، لأن واشنطن لا تقيم اعتباراً لأحد في لبنان غير المقاومة، طالما أن بيدها قدرة الضغط على زر إطلاق الصواريخ على كيان الاحتلال.

ما الذي لا يرضي واشنطن باعتبارها صاحبة القرار وليست الرياض، وتريد الحصول عليه لتعتبر مراضاتها

من الرؤساء والوزراء قد بلغت المدى المطلوب؟

على المدى البعيد تريد واشنطن أن يتأهل لبنان لمفهوم الحياد ببدء تقبل فكرة توطين اللاجئين والنازحين باعتبارها جزءاً من منظومة الحياد، ودول الحياد عموماً تسمى دول ملجأ. وقبول لبنان بالتوطين يوفر الفرصة المطلوبة لتقدم مشروع صفقة القرن، وعلى المدى المتوسط تريد واشنطن تجميد حضور المقاومة المزعج لكيان الاحتلال والمهدّد وجوده خصوصاً في ملفي الصواريخ الدقيقة والتمركز في سورية، وقد قال ذلك جيمس جيفري ومايك بومبيو بوضوح. وعلى المستوى القريب تريد واشنطن قبولاً لبنانياً بخط ترسيم الحدود البحرية المقترح من قبلها لتغليب مصالح كيان الاحتلال على مصالح لبنان في ملف النفط والغاز. وقد قال ذلك معاون وزير الخارجية الأميركية ديفيد شنكر علناً.

لماذا يتهرب دعاة الحياد من الأجوبة المباشرة على هذه النقاط؟

السؤال الأهم هو لماذا لا تمنحهم واشنطن دعمها العلني والدبلوماسي لإعلان حياد لبنان طالما أنها الصديق الذي يريدون كسب ودّه ليتحنن على لبنان بعد إعلان حياده، أليس لأنها تريد منهم ما سلف ولا هي تجرؤ على الطلب فتسقطهم وتفضح دعوتهم علناً بعيون اللبنانيين وهي تريدها خداعاً بصرياً يتحول إلى حرب نفسية، ولا هم يجرؤن على القبول لأنهم سيسقطون بقبول التوطين والترسيم بالشروط “الإسرائيلية”، فيكتفون بإثارة الضجيج وتكراره بكلمات غامضة تتحرك على القشرة ولا تجيب على الجوهر لتخدم هذه الحرب النفسية.

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: