مصير الطائف والحكومة والانتخابات المبكرة

ناصر قنديل

الترنّح الذي يعيشه النظام الطائفي منذ تحوّل الأزمة الاقتصادية والمالية إلى أزمة بنيوية للنظام، وظهور العجز عن معالجة الأزمات المتراكمة من خلاله، بدا بوضوح أن الانتقال من النظام الطائفيّ إلى نظام مدني يبدأ بقانون انتخاب خارج القيد الطائفي بات أكثر من ضرورة، ورغم اتساع دائرة المطالبين بالدولة المدنية بدا بوضوح أيضاً، أن الأمر لا يتعدّى كونه عملاً دعائياً، لأن المدخل الطبيعي للدولة المدنية عبر قانون انتخاب لاطائفي لم يلق التأييد ذاته الذي يوحي به كثرة المتحدثين بالدولة المدنية.

الانتخابات النيابية ليست أمراً تقنياً ولا إجرائياً، بل هي العملية السياسية الأهم والأخطر التي تتشكل على قاعدتها سائر السلطات، وقانون الانتخاب وإجراء الانتخابات ما لم ينتجا عن توافق وطني يضمن الاعتراف الجامع داخلياً وخارجياً بنتائج الانتخابات، يشكلان قفزة في المجهول لا يبرّرها حسن النيات، ولذلك يبقى حديث الانتخابات وقانون الانتخابات حديث «القرايا وليس حديث السرايا»، كما يقول المثل الشائع حتى تنطق به إحدى السلطات كما جرى في كلام رئيس الحكومة، محاولاً تنفيس المناخات التي تطرح الانتخابات المبكرة في الشارع ومن على المنابر.

السؤال الرئيسي قبل الحديث عن انتخابات هو قانون الانتخابات، فهل هو القانون الحالي أم قانون جديد، وهل يمكن الحديث عن انتخابات من دون التوافق على القانون من جهة وعلى مشاركة جامعة فيها تضمن ميثاقيتها من جهة موازية؟ وهنا يحضر السؤال الأهم، في ظل الضغوط الطائفية لاستقالة الوزراء والنواب، بالتزامن مع الدعوات لإسقاط الحكومة تمهيداً للذهاب لانتخابات نيابية مبكرة، ومع استقالات لنواب من كتل ومنابر، تطال الأسئلة مواقف مرجعيات بوزن بكركي، والرئيس السابق سعد الحريري، والنائب السابق وليد جنبلاط، وموضوع السؤال هو مصير اتفاق الطائف، فهل صارت ثوابت الطائف المتصلة باستقرار وشرعية النظام السياسي على الطاولة، وباتت موضوعاً للتفاوض؟

المخاطرة من خارج التوافق الوطني بتحويل الانتخابات المبكرة، والاستقالات الوزارية والنيابية، بأبعاد طائفية، إلى عنوان سياسي في التداول يعني أن اتفاق الطائف بات على الطاولة للبحث وإعادة النظر. وهذه مخاطرة بالاستقرار لأنها تسقط شرعية النظام السياسي قبل التفاهم على بديل. والفراغ هنا هو فوضى ومغامرة بوحدة البلد وأمنه وفكرة الدولة فيه، فهل هناك من يفكر بدفع الأمور نحو الفوضى السياسيّة لفتح النقاش داخلياً وخارجياً حول الفدرالية والحياد؟

الإطار الدولي الذي يحيط بلبنان لا يزال مفتوحاً على احتمالات، من بينها ما يرتبط بالوضع الإقليمي ومخاطر عروض المقايضات دولياً وإقليمياً، وأكبر الأخطاء قبل أن يوضح أصحاب المبادرات مقاصدهم بنظام جديد وعقد اجتماعي جديد، أن يسارع بعض الأطراف لوضع لبنان في حال فراغ ميثاقي، يجعله موضوعاً للتفاوض، بينما الأصح في مثل هذه الحالات هو التمسك بالتوافق الوطني كشرط لميثاقيّة وشرعيّة أي نظام جديد وعقد اجتماعي جديد، كي لا يمنح التفويض الذي تمثله دعوات بعض الداخل للخارج، ما ينتج عنه تفريط بهذا البعض نفسه في حاصل المقايضات والصفقات.

العبرة الأهم هي الابتعاد عن التذاكي بإعطاء الإشارات المتناقضة لطمأنة الضفتين المتقابلتين، كما يجري في اليوم عبر الاستقالات الفردية التي تحمل رسائل مشفرة تطرح أسئلة حول مواقف مرجعيّاتها.

لماذا الحياد الآن؟

د. وفيق إبراهيم

مبادرة الحياد التي دعا إليها الكاردينال بشارة الراعي، تجد صعوبة في تسويق شروطها على المستوى اللبناني، كآلية تنقذ لبنان من الحصار الأميركي – الغربي عليها. فتذهب في اتجاه محاولة إلغاء الانتصارات التي حققها الشعب اللبناني ممثلاً بحزب الله منذ العام 1982 وحتى 2019.

هذا واحد من جوانبها، لأنّ الثاني يستلهم الجانب الأول معتبراً أنّ تحالف التيار الوطني وحزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية، لم ينجح في بناء منطق سياسي محايد، ما يتوجّب عليه الانسحاب من الحكم، بما يؤدّي إلى عودة سعد الحريري والقوات والكتائب والسيد علي الأمين وجنبلاط إلى إدارة الحكومة ومعهم بعض الشيعة المتساقطة من رحلة المسير نحو… الكرامة.

أما الجانب الثالث فيرتبط بتصحيح العلاقات الخارجية للدولة، على نحو يؤسس لانصياع كامل وفق ما تريده مبادرة الكاردينال الحيادية.

هذا يتطلب الإجابة عن السؤال الأساسي «لماذا المبادرة الآن؟».

وسرعان ما يجيب المنطق ببراءة حمل وديع أن إطلاقها متزامن مع تراجع أميركي في الشرق الأوسط ومحاولات أميركية لابتكار آليات جديدة لعرقلة القوى الصاعدة في الشرق الأوسط.هذه القوى تبحث في لبنان عن تحالفات اقتصادية مع محاور صينية وعراقية وإيرانية بديلاً عن الاقتصاد العربي المتلكئ

حالياً في دعم لبنان إلى درجة تركيب حصار خانق حوله.بالنسبة للبنان تحديداً، رأت مبادرة الكاردينال أن انتصارات حزب الله وصعود المحور الروسي – الإيراني، وإمكانية توجّه الاقتصاد اللبناني نحو الخط السوري – العراقي على الأقل أو الإيراني والصيني عند الضرورة القصوى، رأت خطراً على التبعية اللبنانيّة من 75 عاماً للنظام الغربي – الفرنسي – الأميركي.واعتبرت صعود حزب الله في الدولة اللبنانية مؤشراً على تراجع الوصاية الغربية على لبنان، وانكفاء القوى الداخلية المرتبطة بالحلف الأميركي – السعودي.

ولأن الكاردينال يعرف مدى الصعوبة التي تعترض طريق مبادرته للحياة، فاتجه لتغليفها بـ»عدائية لغوية» لـ»إسرائيل»، وهذا من اليقظة السياسية، لأن الفريق المحيط بنيافته يعرف أن تجميد أي علاقة مع محاور صينية – إيرانية – عراقية أو سورية، لا يعني إلا تأكيد النفوذ الأميركي – الفرنسي بمفرده.وهذا النفوذ يحاصر لبنان حالياً مصراً على واحد من أمرين:

إما خنق حزب الله، أو خنق لبنان.

فتشكل مبادرة الراعي الآلية الأميركية المطلوبة لتحقيق البديل من تراجعاتها الإقليمية.

إن خطورة هذه «الحياديّة» تظهر عند دفعها لكتلة 14 آذار لتسلّم الحكم أو لنصب حالة احتراب شعبي بين فريقين لبنانيين، ما يعطل الطابع السلمي للعلاقات بين اللبنانيين ودفع الخارج الأميركي – الإسرائيلي لشن حروب على حزب الله، فتبدو مبادرة الكاردينال «آلية أميركية جديدة» لتغيير نتائج الحروب المظفرة لحزب الله في جنوب لبنان وشرقه، والمعنويات الضخمة التي يحوز عليها من مجابهاته للإرهاب في ميادين سورية.لذلك تذهب المبادرة إلى أكبر كمية ممكنة من تحشيد داخلي ذي طابع طائفي.

إما أن تعود 14 آذار إلى الحكم، وإما أن تعود أيضاً إليها بواسطة تدخل عسكري إسرائيلي – أميركي، وإلا فإن الكاردينال يجهز سلاحاً خارقاً ثالثاً وهو عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية أو بالأكثريات الطائفية، كوسيلة للعودة إلى العلاقات الفدرالية بين الطوائف، وهذا طرح لا يكتفي بالفدرالية الدستورية بل يذهب مهرولاً مع كونفيدراليات في بلد تحتاج إلى مكبّر ضخم لتراه، بما يعطل الأدوار الإقليمية الداخلية للحزب، مؤسساً لعلاقات واسعة لبعض الكانتونات المحلية مع إسرائيل وبشكل حربي.

وهذا ما يجعل من مبادرة الحياد للكاردينال الراعي محلية في لبنان وسورية أيضاً، وبذلك يتأكد من اندراجها في إطار الآليات التي يريد الأميركيون أن تمنع تراجعهم في الشرق وتعرقل في آن معاً الصعود الإيراني – السوري – العراقي واللبناني المتعلق بحزب الله.

فمن كان يتصوّر أن نيافة الكاردينال يعلق بأنه لا يلتزم بأي أكثريات نيابية أو شعبية، ما يدفع إلى التساؤل التالي عن ضرورة هذه الانتخابات وبناء الأكثريات الشعبية طالما أن بكركي لا تعترف بها، وتكمل مسيرة العلاقات الحاسمة بين طوائف وعلى مستوى مراكزها الدينية الأساسية.

مبادرة الراعي إلى أين؟

تحمي هذه المبادرة بشكل إضافي الطبقة السياسية اللبنانية ومجمل النظام الطائفي.

أولاً تحاول إبعاد الصراع الداخلي عن الطبقة السياسية باختراع مادة خلافيّة جديدة لا تفعل إلا إنقاذ مئات السياسيين الذين أفلسوا لبنان ورهنوا بمئات مليارات الدولارات.

فاليوم يبدو القسم الأكبر من المتورطين بالفساد زاحفين إلى مقر الكاردينال الصيفي في الديمان لإعلان ولائهم له ولمبادرته في مرحلة كان يعتقد المحللون أنها مرحلة استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة النظام السياسي لإنتاج نظام جديد غير طائفي ويبتعد عن الزبائنيّة.

لكن مبادرة الكاردينال تلعب دوراً كبيراً في حماية النظام السياسي من جهة والعلاقات السياسية التي يجب أن تستند إلى الطائفيّة حصراً.

هل تنجح مبادرة الراعي؟

موازنات القوى الفعلية لا يمكن شطبها بتحريض ديني مستهلك ولا بإشعال تحالفات سقطت في العقدين الماضيين بالانتخابات من جهة والانتصارات على الإرهاب من جهة أخرى، وتماماً كما تراجع النفوذ الأميركي في معظم دول الشرق فإن وضعه في لبنان أسوأ من حالته في العراق وسورية، ففي بلاد الأرز تمكن التيار الوطني الحر بالتحالف مع حزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية من رعاية سياسة معتدلة تمنع وضع البلاد في خدمة الغرب الفرنسي والأميركي، بما يؤكد أن إنهاء مبادرة الكاردينال لا تتطلب الكثير من الجهد، كما أن الانفتاح على الصين وروسيا والعراق وإيران وسورية، ليست سياسة شرقيّة بل استدارة نحو مصادر بوسعها مساعدة لبنان على الخروج من عملية الخنق الأميركية التي تتم بوسائل مصرفية ومبادرة الراعي في آن معاً.

مقالات متعلقة

معادلات جديدة للسيد نصرالله ـ 2 ـ خريطة طريق للتغيير: إلى الانتخابات درْ

ناصر قنديل

ربما يكون لتزامن هذه الحلقة من سلسلة المقالات حول معادلات السيد حسن نصرالله الجديّة، مع مشهد الجلسة النيابية معنى، حيث ظهر المشهد السياسي اللبناني عارياً من أي رتوش، بما هو مشهد “الشعوب اللبنانية”، كما وصفه السيد نصرالله في حواره الأخير مجازاً، للإشارة إلى المعاني المختلفة للقضايا باختلاف البيئات السياسية والطائفية التي يتم تناولها فيها، وحيث فكرة المقاربة للقضايا على أساس المواطنة، لا تزال رهينة تفكير أقلية بين اللبنانيين، الذين لا زالت زعاماتهم تتمكن من مخاطبتهم عبر العلبة الطائفية وشدّ عصبيتهم من خلالها، رغم كل المخاطر التي تحيط بمستقبل لبنان واقتصاده وسيادته، وحجم التحديات التي يستدعي الحديث عن قيام دولة حقيقيّة والتصدي لها، ما يعني بوضوح أن اللحظة التي التقى فيها الحشد اللبناني فوق الحواجز الطائفية تحت تأثير الغضب الاقتصادي والاجتماعي في 17 تشرين، لم تكن تعبيراً عن مغادرة النظرات المتعددة بتعدد الهويات الفئوية التي ينقسم حولها اللبنانيون، وسيكون مخادعاً توهم أن هذه اللحظة هي نداء شعبي لخلاص من الزعامات الطائفية، في ظل ازدواجيّة التعامل اللبناني بين الهوية الوطنية الجامعة والهوية الفئوية القائمة على أساس الانتماء إلى العلبة الطائفية.

الدعوة للتغيير موجودة لدى أغلبية لبنانية كاسحة هذا صحيح، ولم يتغيّر هذا التطلّع للتغيير الذي ظهر في 17 تشرين، لكن مفهوم التغيير، كمفهوم الفساد ومكافحته، يختلطان عند اللبنانيين بمفهومهم عن هويتهم الملتبسة بين الوطني والطائفي، ومثلما صار شارع 17 تشرين شوارع، دعوة التغيير دعوات، ومكافحة الفساد مكافحات، وهي في غالبها تعني في حال تمكن إحداها من امتلاك قوة التسيّد والسيطرة، مشروع حرب أهلية. وهذه المفردة التي بدت حاضرة كتحذير مكرر في حوار السيد نصرالله، تستمدّ معناها عندما نتخيّل استجابة حزب الله لمعسكر من معسكرات دعاة التغيير، ومكافحة الفساد، والشوارع، وكل منها يرى الفساد خارج طائفته، ويرى التغيير بتعديل التوازنات لحساب زعامته، فمَن يرى القضية بإطاحة العهد، ومَن يرى القضية بإنهاء الحريرية السياسية، لا يلتقيان على دعوة تغيير واحدة، والذين يقفون خارج هذه الاصطفافات ومثلها لا يمثلون الكتلة التاريخية اللازمة لتغيير الموازين الشعبية الحقيقية اللازمة للحديث عن تغيير ناضج، وهم في غالبهم شوارع صغيرة أيضاً وليسوا شارعاً واحداً، ونظراتهم للدولة ومشروعها وقضايا ليست واحدة، فكيف ينضج التغيير؟

عرفت المنطقة تجربة مليئة بالآمال والآلام اسمُها “الربيع العربي”، وكان عنوانها تطلّع الشعوب نحو التغيير، ولا يستطيع قائد تاريخي وسياسي بحجم ما يمثل السيد نصرالله مقاربة قضية التغيير من دون أخذ عبر هذه المرحلة ودروسها ونتائجها بالاعتبار، وقد قالت بوضوح إنه مهما بلغ حجم الغضب الشعبيّ، فإن التغيير المنشود لا يتحقّق من دون روزنامة متفق عليها، وقيادة مجمع حولها، وإلا فإن الغضب المتفجر سيكون عرضة للسرقة والتلاعب، ومفتوحاً على مخاطر الفتن والفوضى، وفي حالة لبنان يجب ان يكون المشروع والقيادة عابرين للطوائف، ويجب أن يجسّدا إجابة على أسئلة الدولة اللبنانية، وليس فقط أسئلة لحظة الغضب، فالذين يتصدّون لمهمة التغيير معنيون بتسلم السلطة، فهل هم متفقون على ماذا سيفعلون بالدستور الطائفي؟ وماذا سيكون موقفهم من تحدي الاحتلال والعدوان؟ وما هي نظرتهم للعلاقة بالجوار العربي انطلاقاً من سورية، وأي اقتصاد يريدون أن يكون لدولتهم؟ وهذا يعني أن ما شهدناه من غضب ليس علامة نضج قضية التغيير بل واحدة من إرهاصاته، يصير لها قيمة بمقدار ما تفرز نخباً وقيادات تملك وزناً متعاظماً في الشارع، وفي حالة لبنان تملك أوزاناً في الشوارع، فتهزّ عروش القيادات السائدة، وتلتقي فيما بينها على مشتركات تتيح لها قيادة موحّدة لشؤون الدولة، والشرطان غير متوفرين بعد، فلا ثمّة قيادات وازنة صاعدة في الشوارع اللبنانيّة، وما يظهر منها لا تجمعه مشتركات تتيح الحديث عن تبلور فرصة تشارك في مفهوم موحّد للدولة.

ولادة هذا المسار التاريخيّ للتغيير وفقاً لرؤية السيد نصرالله لا تتمّ في الشارع، ولا في لحظة غضب، ولا تتحقق نهاياتها بكبسة زر عنوانها، فلينزل حزب الله ويحسم الأمر، بل عبر البناء التراكمي الذي لا يمكن قياس نموه وحجم تأثيره. والرهان على تأسيسه لمسار جديد في الانتخابات النيابية. وفي الانتخابات نكتشف حجم التغيير الذي يتحدث عنه البعض في اصطفاف الشارع أو الشوارع. فالناس الذين يُقال إنهم أغلبية كاسحة من اللبنانيين تريد التغيير، وتطالب حزب الله بالتحرك، ستكون أمام فرصة تاريخية لتعبر عن هذا التوق والتطلع من خلال الانتخابات، وعندها يمكن مساءلة حزب الله عن موقفه، وتاريخ لبنان حاضر أمامنا، حيث كان كل تغيير ولو نسبي في المزاج الشعبي يجد تعبيره الانتخابي، ففي مرحلة ما قبل الحرب الأهلية، نجحت بدايات نهوض الحركة الوطنية بإيصال عدد من النواب إلى البرلمان، وفي كل الطوائف والمحافظات، وكانت كل التقديرات أنه لو جرت انتخابات نيابية عام 76، في موعدها، لكان هذا العدد تضاعف مرات ومرات، وربما يكون أحد أهداف الحرب قطع هذا المسار، وهذا لن يتكرّر، لأن مهمة حزب الله هي هنا في رعاية التغيير، بأن يشكل سداً منيعاً بوجه خطر الحرب مرة أخرى. وفي التجربة التي توقف أمامها السيد نصرالله للإمام الصدر، مثال تتويج النهوض الشعبي الذي تخطى مراحل الغضب الراهن، بالإجماع وراء مشروع وقيادة، وترجم حضوره في انتخابات فرعية في النبطية الحق خلالها الهزيمة بالإقطاع السياسيّ. وهذا يعني أنه حتى في ظل قانون سيئ وسلطة سيئة لا يمكن إخفاء نبض التغيير المتبلور، إلا بالحرب، التي يحسب لحزب الله حرصه على تفاديها وسعيه لتفكيك ألغامها، وجعلها خطاً أحمر يملك قوة كافية لمنع مجرد التفكير بها، وحكمة كافية للامتناع عن الانزلاق إليها.

الانتخابات في ظل قانون سيئ وسلطة سيئة، ليست هي المطلوب طبعاً، فمن يتابع رؤية السيد يعرف ان الانتخابات المعطوفة على تحسين ورفع مستوى صحة التمثيل، ووطنية التمثيل، هي الوصفة التي تجعل فاتورة التغيير قابلة للاحتمال. فالسعي لإدارة انتخابية تقفل طرق الرشى والتلاعب يجب أن يكون هدفاً، والسعي لقانون انتخابي يشجع الحياة السياسية والاصطفاف على أساس البرامج وليس وفق العصبية الطائفيّة، يجب أن يبقى على رأس جدول الأعمال، وهذه التزامات واضحة ومكرّرة في رؤية السيد، لجهة فهم دور حزب الله في عملية التغيير، وتعامله مع منتجات ومخرجات عمليات تغييرية سابقة في الشوارع اللبنانية، بغض النظر عن تقييم قواها الحالي بنظر مَن يعتبرون أنفسهم اليوم دعاة تغيير، تقول إن رؤية السيد هي تعبير منهجي عن فهم عميق للقضية، فاللقاء التشاوري والتيار الوطني الحر، ثمرتان واضحتان لاستبدال نسبة وازنة من الشعب اللبناني لقياداته بنسب متفاوتة. وقد قاتل حزب الله لمنحها فرصة التمثيل النيابي، سواء عبر رفع سوية إدارة العملية الانتخابية بعيداً عن التزوير، أو عبر تحسين شروط التمثيل في القانون الذي اعتمد النسبية، والأكيد أنه لو تكرر المشهد بقيادات جديدة، تحمل مشروعاً جدياً لبناء الدولة، فلن يكون حزب الله بعيداً عنها، وسيوفر لها الحماية اللازمة، بالمفهوم القانوني للعملية الانتخابية.

الساعون للتغيير بصدق، يجب أن يدركوا أن ما يحق لهم على حزب الله، وفقاً للرؤية التي قدمها السيد نصرالله بوضوح هذه المرّة، هو أولاً سعي دائم لقانون انتخابي خارج القيد الطائفي وفقاً للنسبية ولبنان دائرة واحدة، يشجع المواطنة، ويتخطى العصبيات، ويفتح طريق التنافس السياسي على أساس البرامج، وثانياً السعي الدائم لرفع مستوى إدارة العملية الانتخابيّة لمنع تأثير المال واللعب بدور الإعلام، في الانتخابات، لتكون في أعلى ما يمكن من النزاهة والشفافية، وثالثاً أن يبقى حزب الله الضامن لمنع الانزلاق لحرب أهلية تقطع مسار التغيّر مرة أخرى، والأهم من المهم هنا هو أن يبقى الحزب نفسه محصناً ضد محاولات استدراجه إلى هذا الفخ، لكن هذا لا يُعفي المطالبون بالتغيير من مسؤولياتهم، بإظهار القدرة على اختراق المشهد الانتخابي، والتوحد حول رؤى واضحة لماهية الدولة المقبلة، ولو في ظل قانون انتخابي سيئ، شرط أن لا يتراجع حزب الله عما يتهم به من وقوع تحت تأثير “فوبيا الحرب الأهلية”، لأنها الخطر الوحيد الحاضر والقاتل لكل مشروع تغير، خصوصاً إذا نجح الآخرون باستدراج حزب الله إلى كمائنها وفخاخها.

%d bloggers like this: