H.E. The President: For how long فخامة الرئيس: إلى متى!؟

H.E. The President: For how long

Dr. D.Adnan Mansour _

A reeling state, a dying system, a collapsed economy, a looted treasury, stolen deposits, and a people moaning and starving. Money thieves are leaving, and the country’s Libertine are having fun. At the doors of the countries of the world we give up and beg, they dictate to us and they require,

They meet us and dictate. They know each one of us, his criteria, his credibility or hypocrisy, his integrity or corruption, preserver of public money and the interests of the people,  or  wasting  the wealth of the nation and the rights of the citizen.

After this deadly reality, which Lebanon has never witnessed, even in the darkest conditions of war, in the light of political instability, government vacuum, the tightening of the stranglehold  on a people with dignity and pride, and the slow disintegration of an ugly state that lacks self-respect, and respect for the states of the world, a state that,  failed by all standards, by its apparent officials, and hidden within the deep state,  honest and free citizens asks  :

What makes us wait, Mr. President, to get out of this quagmire in which a corrupt political system  has put an entire people? And how long will officials continue to enjoy the humiliation and oppression  of their people, as if they were on another planet, who are not concerned with the needs of a citizen,  no poor calls. Their ears are deaf to hearing the cries of a student abroad whose future has been lost, because of the failure of the concerned party to transfer the university tuition, because of corrupt policies involved in plundering the country’s money and people.

How long, Mr. President, the failed state will continue to humiliate, starve and kneel, and the governing leaders are still competing for this or that  fat ministry, closing it to a bankrupt ministry!  Lebanon’s boat is sinking with its people, and its officials are distracted by a ministerial line-up meal, and the engineering of its composition. Between who appoints and who names, among those  who win the largest number, and who gets the disabled third, among those who trust the other or do not trust?

How long, Mr. President, will the fatherly Lebanese people be held hostage to stubbornness,  procrastination, indifference and lack of respect for the promises we have made to others, so that the country continues to collapse rapidly, which we are living as a result of the power vacuum, and the vacuum minds of those responsible?

The behaviour of officials in dealing with the collapse of the state and institutions, their inaction, their  negligence and their failure to find urgent solutions, accelerates the revolution,  this time involving all  categories of the people of all sects, and the leaders of the corrupt and corrupt political system, which  has  destroyed an entire people for decades, will not be able to make their supporters and circles in  their orbit, and the beneficiaries of them for a time, to remain in their robes. This system will pay a heavy price for what it has done and its hands polluted by stealing a people and looting a country.

His Excellency the President, although we do not hope for any future government, because it reflects a backward reactionary sectarian system, and as long as the thief  the corrupt is still free, and the  embezzler of state money is far from accountability and trial, All those who have transferred public  and  private funds, bankers, embezzlers, and beneficiaries of dubious financial  engineering  that need warrant review and investigation to know the real causes of these engineering, which have been blessed by a Central Bank Ruler, who have brought the our financial system  to the bottom we are in.

Mr. President! Has the voice of the people reached you, who is crying out today:  ” You Sacrifice the homeland for the formation of a government and the gains of its ministries, or do you give up some gains to save a nation and a people?”

Do you hear the voice of the tortured and crushed citizen, or is his voice lost in the ether, raised by those who are looking for songs, positions, gains, and stick to their selflessness, and insist on  their  stubbornness, and their arrogance?

Mr. President!

You are before merit, the rule of history!

Let the government be formed today before tomorrow, because the country as the people can no  longer afford to wait. They are above special interests and calculations, and narrow considerations  of officials , no matter how high they may be.

Beware of the hungry, and do not underestimate them, the time of humiliation, intimidation  from  others, and the refuge of the sect and the leader have passed. Today, the citizen wants to take refuge in  an honest, transparent judiciary, with political interference and prevailing real justice, achieving  justice on the ground, and honest officials who do not come out of power corrupted by illegal wealth,  to be referred to by the people later, curse and their descendants, and insult them on every  occasion!

*Minister of Foreign Affairs and Expatriates

فخامة الرئيس: إلى متى!؟

د. عدنان منصور 

دولة تترنّح، ونظام يحتضر، اقتصاد منهار، وخزينة منهوبة، وودائع مسروقة، وشعب يئن ويجوع. لصوص المال يسرحون، وفجّار البلد يمرحون. على أبواب دول العالم نستعطي ونستجدي، يُملُون علينا ويشترطون،

يجتمعون بنا وعلينا يُملًون. يعرفون طينة وعجينة كلّ واحد فينا، سلوكه ومعياره، صدقيته أو نفاقه، نزاهته أو فساده، حافظاً للمال العام ومصالح الشعب، أو مبدّداً لثروة الوطن وعابثاً بحقوق المواطن.

بعد هذا الواقع المميت الذي لم يشهد لبنان مثله، حتى في أحلك ظروف الحرب، في ظلّ عدم الاستقرار السياسي، والفراغ الحكومي، وشدّ الخناق على شعب له كرامته وعزة نفسه، والتحلل البطيء لدولة قبيحة تفتقر لاحترام نفسها، واحترام دول العالم لها، دولة مترهّلة، فاشلة بكلّ المقاييس، والمعايير، بمسؤوليها الظاهرين، والمستترين داخل الدولة العميقة، يتساءل المواطنون الشرفاء الأحرار:

ما الذي يجعلنا ننتظر يا فخامة الرئيس، لنخرج من هذا المستنقع الذي وضعت فيه منظومة سياسية فاسدة شعباً بأكمله؟! وإلى متى سيظلّ المسؤولون يتلذذون بإذلال وقهر شعبهم، وكأنهم على كوكب آخر، لا تعنيهم حاجات مواطن، ولا نداءات فقير. آذانهم صماء عن سماع صرخات طالب في الخارج ضاع مستقبله، بسبب امتناع الجهة المعنية عن تحويل القسط الجامعي، بسبب سياسات فاسد مشارك في نهب أموال البلد والناس.

الى متى يا فخامة الرئيس، ستستمرّ الدولة الفاشلة، في إذلال المواطن وتجويعه وتركيعه، وأرباب الحكم ما زالوا يتنافسون على هذه الوزارة أو تلك، على حصة أو أخرى، يفتحون شهيتهم على وزارة دسمة، ويغلقونها على وزارة مفلسة، ومن نصيب أيّ طائفة ستسند اليها! مركب لبنان يغرق بشعبه، والمسؤولون فيه يتلهّون بوجبة تشكيلة وزارية، وهندسة تكوينها وتركيبتها. بين مَن يُعيّن ومَن يسمّي، بين مَن يظفر بالعدد الأكبر، ومَن يحصل على الثلث المعطل، بين مَن يثق بالآخر أو لا يثق؟

الى متى يا فخامة الرئيس، سيظلّ الشعب اللبناني الأبي، رهينة للعناد، والمماطلة، واللامبالاة، وعدم احترام الوعود التي أعطيناها للآخرين، حتى يستمرّ البلد في الانهيار السريع، الذي نعيشه جراء الفراغ في السلطة، وعقول المسؤولين؟!

إنّ سلوك المسؤولين في التعاطي حيال الانهيار الحاصل على مستوى الدولة والمؤسسات، وتقاعسهم وإهمالهم وفشلهم في إيجاد الحلول العاجلة، إنما يعجل لثورة جامعة جارفة، تضمّ هذه المرة كلّ فئات الشعب بكلّ طوائفه، ولن يستطيع بعد ذلك أرباب المنظومة السياسية الفاسدة الفاجرة، التي دمّرت شعباً بأكمله على مدى عقود، أن يجعلوا محازبيهم والدائرين في فلكهم، والمنتفعين منهم لوقت، ليبقوهم داخل جلابيبهم. فهذه المنظومة ستدفع الثمن الباهظ، على ما اقترفته وتقترفه أياديها الملوّثة بسرقة شعب ونهب بلد.

فيا فخامة الرئيس، وإنْ كنا لا نأمل خيراً من أيّ حكومة مقبلة، لكونها تعكس نظاماً طائفياً رجعياً متخلفاً، ولطالما أنّ السارق لا يزال طليقاً، والفاسد لا يزال سارحاً، والمختلس لمال الدولة بعيداً عن المساءلة والمحاكمة،وكلّ الذين هرّبوا الأموال العامة والخاصة، من مصرفيين، ومختلسين، ومستفيدين من هندسات ماليّة مشبوهة تستدعي المراجعة والتحقيق، ومعرفة ما وراء الأسباب الحقيقية لهذه الهندسات، التي أنعمها عليهم حاكم لا مثيل له في العالم، أوصل نظام البلد المالي الى الحضيض الذي نحن فيه.

يا فخامة الرئيس! هل وصل صوت الشعب إليكم الذي يصرخ اليوم قائلاً: أتضحّون بالوطن من أجل تأليف حكومة ومكاسب وزاراتها، أم تتنازلون عن بعض المكاسب لإنقاذ وطن وشعب على السواء؟!

هل تسمعون صوت المواطن المعذب المسحوق، أم يضيع صوته في الأثير، أثير مَن يبحث عن المغانم، والمناصب، والمكاسب، والتمسك بأنانيته، والإصرار على عناده، وعنجهيته؟!

انكم أمام الاستحقاق، وحكم التاريخ!

فلتشكل الحكومة اليوم قبل الغد، لأنّ الوطن كما الشعب لم يعد يتحمّل الانتظار. وهما فوق المصالح والحسابات الخاصة، واعتبارات المسؤولين الضيقة مهما علا شأنهم..

احذروا صولة الجياع، ولا تستخفوا بهم، فقد مضى زمن الإذلال، والتخويف من الغير، والاحتماء بالطائفة والزعيم. المواطن يريد اليوم الاحتماء بوطن يليق بأبنائه، وقضاء نزيه، شفاف، مرفوعة اليد السياسية عنه، يسوده العدل الحقيقي، ويحقق العدالة على الأرض، ومسؤولين شرفاء لا يخرجون من السلطة فاسدين بثروات غير مشروعة، لتشير عليهم الناس في ما بعد، بالبَنان وتلوك سمعتهم، وتلعنهم وذريّتهم، وتشتمهم في كلّ مناسبة تأتي على ذكرهم، وما أكثر المناسبات في هذا المجال!

*وزير الخارجيّة والمغتربين

الأموال السوريّة في المصارف اللبنانيّة… القصّة الكاملة

باريس – نضال حمادة

الأموال السورية المفقودة في لبنان أو أموال السوريين التي فُقِدَت في مصارف بلاد الأرز لها قصّة واقعية تستحق البحث والتحرّي مثلها مثل قصّة الأموال اللبنانية أو أموال اللبنانيين التي فقِدت أيضاً في المصارف اللبنانية. في هذا التقرير نفتح موضوع أموال السوريين في لبنان مع رئيس منتدى الاقتصاديين العرب في فرنسا سمير العيطة، وهو خبير متابع لهذا الأمر منذ سنوات، سألناه عن الموضوع فأجاب مفصّلاً وشارحاً لماذا تتواجد هذه الأموال السورية ومؤكداً على وجودها.

يقول سمير العيطة في حديثه لـ «البناء»: في ستينيات القرن الماضي حصلت حملة تأميم في سورية فهرَّب أصحاب الأموال في سورية أموالهم إلى بيروت. وفي المرحلة التالية، بقي القطاع الخاصّ السوري، أفراداً وأصحاب أعمال، يستخدمون المصارف اللبنانيّة ويخفون فيها مدّخراتهم وتمويل أشغالهم عن الحكومة السوريّة. يعود ذلك لأسباب مختلفة، منها ارتفاع الضرائب السورية، تلك على الاستيراد والأخرى على الأرباح. هكذا كان التاجر السوري يقلّل قيمة البضاعة المستوردة، فيحوّل جزءاً من ثمن مستورداته من المصرف التجاري والجزء الآخر عبر بيروت. كان هناك أيضاً تعدّد أسعار الصرف في سورية ولم يتغيّر هذا كثيراً مع افتتاح المصارف الخاصّة في سورية بدايةً عام 2004.

يضيف سمير العيطة أنّ الحرب في سورية والعقوبات عليها أدّت إلى مزيدٍ من تحويل أموال السوريين إلى لبنان. فحتّى المصارف الخاصّة السوريّة والتي لم توضع على لائحة العقوبات لم تعد تستطيع تحويل الأموال من الخارج وإليه لتخوّف مفرِط من المصارف الأجنبيّة المراسلة. هكذا أضحى كثيرٌ من تمويل التجارة الخارجيّة السوريّة يمرّ عبر بيروت. من ناحية أخرى، الكثير من الناس عندما وجدوا الأوضاع في سورية تتجه نحو الكارثة باعوا أملاكهم وهرّبوا أموالهم إلى لبنان. وأبقوها هناك لصعوبة فتح حسابات في دول أخرى وبسبب الفوائد العالية التي كانت تدفعها المصارف اللبنانية للمودعين.

ويشير العيطة إلى أنّ الدولة السورية لا تضع أموالها في لبنان خشية من العقوبات الغربيّة.

يستمرّ سمير العيطة في سرد القصة قائلاً: في بداية السبعينيات عندما تمّ تأميم المصارف في سورية، انتقل أصحاب المصارف وأصحاب الخبرات السورية كلّهم إلى لبنان. وأضحت هناك مصارف لبنانيّة أصحابها سوريون وأصبحت حينها 70 بالمئة من الكوادر المصرفية في لبنان من السوريين. ومع الحرب اللبنانية، أصبحت هذه المصارف ذات الأصل السوريّ رائدة، مثل بنك لبنان والمهجر (الأزهري)، وبنك بيمو(عبجي) والسوسيتيه جنرال (الصحناوي)، إلخ…

ويوضّح رئيس منتدى الاقتصاديين العرب في فرنسا أنّه بعد العام 2011 ومع العقوبات الأميركية على سورية زاد وجود رأس المال السوري في المصارف اللبنانية، لأنّ العقوبات استهدفت الجسم الأساس الذي ينظّم عمليات الاستيراد والتصدير، وهو المصرف التجاري السوري، فأصبح التجار السوريون يفتحون الاعتمادات عبر المصارف اللبنانية بدل المصرف التجاري السوري أو المصارف الخاصّة السوريّة. في مرحلة ثانية، بدأت الشركات الأجنبية توقف تعاملها ليس فقط مع المصارف السورية بل أيضاً مع المصانع والشركات الخاصّة السوريّة، حيث لم يعد بالإمكان حتى وضع اسم سورية على بوليصة تأمين شحن. فكان الحلّ أن يذهب السوريون إلى لبنان ويقومون بفتح اعتمادات من المصارف اللبنانية ويذكرون أنّ البضاعة التي فتح لأجلها الاعتماد مستوردة إلى لبنان، ومن ثمّ يقومون بإدخالها إلى سورية. وكانوا يدفعون من أموالهم دولارات من سورية وليست من لبنان، حيث كانوا يدخلون البضاعة إلى سورية يبيعونها ومن ثم يأتون بالدولارات إلى لبنان لفتح الاعتمادات في المصارف اللبنانيّة.

وهناك تفصيل بسيط هنا أنّ المصارف الخليجية الخاصّة التي فتحت فروعاً لها في سورية بعد المصارف اللبنانيّة، بل في 2010 أغلبها، قد سمح لها الأميركيون بتحويل الأموال وفتح الاعتمادات بنسبة معيّنة، مثل بنك قطر الوطني في سورية.

يقول سمير العيطة: كانت دولارات القطاع الخاص السوري تأتي إلى لبنان لهذه الأسباب وتقدّر المبالغ الموجودة بين 20 و40 مليار دولار، كلّها يملكها تجّار وصناعيون سوريون أو أموال أفراد قطاع خاص، وليست أموال «النظام» أو الدولة، لأنّهما لا يثقان بلبنان ويعتبرانه مخترقاً أمنيّاً. وهناك أيضاً أموال خاصّة سورية في تركيا، وهي أموال تجار وصناعيّين وأفراد من الشمال. كما هناك أموال تجّار وأفراد من مناطق «قسد» متواجدة في أربيل في بنوك عراقية وكذلك في ألمانيا. ولكنّ الحجم الأكبر في لبنان. الأمم المتحدة كانت تحوّل أيضاً أموال مساعداتها إلى سورية عبر لبنان.

كثيرون كانوا يعرفون أنّ النظام النقدي والمصرفي في لبنان يتّجه نحو كارثة، وأنّ أموال الودائع بالدولار تتبخّر في المنظومة. ألم تحصل محاولات أيام تسلم الوزير جورج قرم لوزارة المالية لتدارك الأمر؟ ألم يحذّر منه الوزير السابق شربل نحاس منذ زمن؟ ألم يكن الفرنسيون يعلمون بالأمر عندما عقدوا مؤتمر باريس 1 ثمّ باريس 2 ثم باريس 3 وبعد ذلك مؤتمر سيدر؟ كانوا يعلمون أنّ الأموال تُسرَق وتذهب هدراً ولكنّهم دفعوا المزيد من الأموال في الثقب الأسود. وبات هذا واضحاً في أوائل 2019 عندما بدأت بعض البنوك اللبنانيّة بمنح فوائد غير منطقيّة على الدولار. جاء أحدهم حينها إلى أحد هذه البنوك لوضع مبلغ زهيد، فقالت له الموظّفة «إذا أتيت بـ 100 ألف دولار وجمّدتها، نعطيك 15%»، فسألها «ليش رح تفلسوا بكرا وعم تلمّوا الدولارات»!

حول الاتهامات «أنّ سورية سرقت الأموال اللبنانية إبان التواجد العسكري السوري في لبنان» يقول سمير العيطة إنّ هذه مهاترة. لنأخذ مثالاً فترة الحصار التي شهدتها سورية بين الأعوام 1980 و1990. كانت سورية تفتقِد لموادّ كثيرة. لم يكن هناك مثلاً موز أو محارم وكانت هناك أساسيات موجودة في لبنان ومفقودة في سورية. ولو كانت سورية تسرُق لبنان لكنّا وجدنا هذه المواد في سورية حينها. ثمّ يضيف أنّه في فترة لاحقة وبعد اكتشاف النفط في سورية ومجيء شركة شل، عاشت سورية مرحلة رخاء. هنا أصبحت السرقة في الاتجاه المعاكس يعني من سورية إلى لبنان. كانت سرقة المازوت والبنزين المدعوم من سورية باتجاه لبنان. هكذا خرج عبدالله الدردري حين كان نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديّة ليقول إنّ خسارة سورية من تهريب المازوت والبنزين المدعوم إلى لبنان مليار ونصف مليار دولار سنوياً. ورقم خسارة كهذا يعني كميّات ضخمة. ومربح التهريب كان يُقتَسَم بين سوريين ولبنانيين، أحياناً موقفهم ضدّ النظام في سورية. في تلك الحقبة، كان هناك ضبّاط سوريون في لبنان يأخذون عمولات، لكنّهم كانوا يتقاسمونها مع زعماء الحرب اللبنانيين الذين ما زالوا في السلطة في لبنان. هذه المهاترات تعني أنّ الحقّ فقط للبنانيين في سرقة لبنان وللسوريين في سرقة سورية! بينما كان الاثنان يسرقون من البلدين.

ثمّ يقول إنّ التهريب سيبقى طالما هناك فروقات أسعار كبيرة بين البلدين. هناك بالفعل تهريب من لبنان إلى سورية اليوم، ولكن هناك أيضاً تهريب من سورية إلى لبنان. مثلاً لا أحد يتحدّث عن تهريب الإسمنت المدعوم من سورية إلى لبنان. والكلّ يعرف من الذين يحتكرون تجارة الإسمنت في لبنان. وبالمناسبة سعر الإسمنت في لبنان يفوق ثلاثة أضعاف سعره في مصر فلماذا لم يستورد لبنان من مصر وهي عندها إنتاج يفوق حاجتها. ثمّ أنّه عند تهريب أيّ بضاعة من لبنان إلى سورية، يدفع سوريّون ثمنها بالدولار يعني «فريش دولار»، إذ لا يُمكن للبنان أن يفعل شيئاً بالليرات السوريّة. وبالتالي حجم الدولارات التي ذهبت وتذهب من سورية إلى لبنان تفوق كثيراً تلك التي أتت وتأتي من لبنان إلى سورية.

ويختم العيطة حديثه قائلاً إنّ السوريين غرقوا كما اللبنانيين في الأزمة المالية والمصرفيّة اللبنانيّة التي ربّما لم يُعرف قعرها بعد.

سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم

 سلامة يستعدّ للرحيل: تعاميم المجلس المركزي لا الحاكم
(هيثم الموسوي)

من هرّب 5 مليارات دولار في ثمانية أشهر؟

ابراهيم الأمين

الإثنين 7 أيلول 2020

بدو القطاع المصرفي في مرحلة الاستعداد لـ«ساعة الحساب». هذه المرة، لن تنفع كل محاولات التضليل الإعلامي التي قادتها ماكينة يُشرف عليها أصدقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير. وهي ماكينة توزّع نفوذها في أكثر من دائرة مؤثرة، سواء داخل القطاع نفسه وداخل مصرف لبنان ووزارة المالية، أو داخل مجلس الوزراء والمجلس النيابي وحتى الإدارة العامة. إضافة إلى النفوذ المتوقّع بين السياسيين والإعلاميين.

المواجهة السابقة كان هدفها تعطيل خطة الحكومة للإصلاح المالي. صحيح أن مصرفيين أساسيين حاولوا في الأيام الأولى من عمر حكومة حسان دياب الدخول في نقاش مع الحكومة من أجل التوصل إلى صيغة قابلة للتطبيق. إلّا أن الحكومة لم تُظهر استعداداً عملانياً للسير في اتفاق يحظى بتوافق أطرافها، بينما كان أرباب القطاع المصرفي ينتظرون إشارة الحاكم الذي لم يتأخّر في إبلاغهم: اصمدوا، هذه الحكومة غير قادرة علينا!

الذي حصل باختصار، أن مشروع إقالة رياض سلامة تعطّل بقوّة، لا سيما بعدما تراجع النائب جبران باسيل مُذعناً لرغبة الفريق الذي يضمّ الرئيسَين نبيه بري وسعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط والذي عارض إقالة سلامة بحجّة أن الفراغ ممنوع الآن. باسيل كان ينتظر أن يقود حزب الله المعركة ضدّ سلامة. الحزب غير المعجب على الإطلاق بسياسات سلامة لن يبادر. لديه ثوابته التي تحول دون قيادة المعركة، لكنه مستعدّ دوماً لدعمها متى اندلعت. الذين رفضوا إقالة سلامة، لديهم أسبابهم الكثيرة. ظاهريّاً، المشكلة عندهم تبدأ من كون بديله سيُعيّن برضى وبركة الرئيس ميشال عون. لكنّ الأساس، هو الشراكة الفعلية بين هؤلاء وبين سلامة الذي – للأمانة – لم يَخَف يوماً من هذه المنظومة، فهو يعرفها أكثر من نفسها وله عليها الكثير.

ما فجّر الأزمة فعلياً، ليس الخلاف على الأرقام كما جرت محاولة اختزال القصة. لأن عملية احتساب الخسائر مهما جرى التلاعب بها، إنما تبقى في نهاية الأمر خسائر، وأي مقاربة جديدة لإدارة المالية العامة أو السياسة النقدية كانت ستكشف ما يُعمل دوماً على إخفائه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية تركزت على سُبل منع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والمؤسسات التابعة له. وهو تدقيق كان ليشمل أيضاً حركة التحويلات المالية الكبيرة في السنوات الأخيرة، وهو ما كان سيؤدّي عملياً إلى إسقاط السرّية المصرفية عن نسبة الـ2.5 بالمئة من المودعين والذين يحملون غالبية الودائع الموجودة لدى المصارف. عدا عن كون التدقيق كان سيكشف من تلقاء نفسه عن «حكاية الصفقات» التي تملأ كلّ دوائر الدولة اللبنانية وفي القطاعَين الخاص والعام على حدّ سواء. ولو أن التدقيق تم على طريقة شركة «كرول»، لكنّا أمام مادة لسلسلة تلفزيونية شيّقة تمتدّ حلقاتها لأعوام.

في أيام الاشتباك القوي، لم تكن المؤسسات الدولية تقف بعيداً عن النقاش. من البنك الدولي الذي صار محرجاً إزاء فضائح ستصيب فريقه الإداري أيضاً، نظراً إلى الأرقام الهائلة من المصاريف الإدارية التي كانت تُنفق، إلى صندوق النقد الدولي الذي كان أقرب إلى وجهة نظر الحكومة لاعتقاده الراسخ بأن حاكم مصرف لبنان كما المشرفين على المالية العامة إنما يتلاعبون بكل شيء ومنذ فترة طويلة. وصولاً إلى الجهات المانحة، ولا سيما فرنسا التي أُوكل إليها ملفّ الدعم الإنمائي من خلال برنامج «سيدر». كل هذه الجهات أوفدت مَن ناقش ودرس وسمع ودقّق. ومن المفارقات أنه في ظلّ الانقسام السياسي اللبناني حول تقييم موقع ودور حاكم مصرف لبنان، إلّا أن إجماعاً دولياً ظهر فجأة، على ضرورة تنحية الرجل، وتحميله مسؤولية رئيسية عن الأخطاء الكبيرة، سواء بسبب خضوعه لطلبات السلطات السياسية ثم شراكته معها، أو بسبب مشاركته أرباب القطاع المصرفي ألاعيبهم التي تمّت برعايته. علماً أنه للمرة الأولى، يوجّه موفدون دوليون نقداً لسلامة على خلفية استمرار عمله في الأسواق المالية العالمية بواسطة شركات مستقلة يديرها مقربون منه أو أقرباء، وهي الأعمال التي جعلت ثروته تكبر بصورة لافتة. علماً أنه يدافع عمّا قام به، وأنه كان يقوم باستثمار ما يملكه نتيجة عمله السابق، بصورة لا تتعارض مع موقعه ودوره، وأنه لم يستفِد بقرش واحد من العمليات الجارية ضمن نطاق عمله.

ما يجري اليوم هو تثبّت الجهات على اختلافها، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعمل شخصياً على إطاحة سلامة. وهو يتجنّبه بصورة كاملة، والفريق الاستشاري العامل إلى جانب الرئيس الفرنسي لا يكنّ أي احترام – مهنيّ وحتى شخصي – لسلامة. مع الإشارة إلى أن فريق ماركون جلّه من المصرفيين الكبار، وبينهم سمير عساف، المصرفي الذي رُشّح مراراً لخلافة سلامة في حاكمية المصرف المركزي. ولو أن روايات كثيرة من أوروبا، لا تميّز عساف كثيراً عن سلامة. ومع ذلك، فإن ماكرون يعرف أنّ ليس بمقدوره القيام بخطوة كهذه بالطريقة التقليدية. و يعرف أنّ من الصعب عقد تسوية مع النافذين في بيروت لأجل الإطاحة بسلامة، فوجد أن الحلّ يكون بتسوية مباشرة مع سلامة نفسه، والذي أبلغ للمرة الأولى، من يهمّه الأمر، بأنه مستعدّ لمغادرة منصبه. لكنّه صارح محدّثيه بأنه لا يثق بأي من المسؤولين اللبنانيين في السلطة وخارجها، وأنه يعرفهم واحداً واحداً على حقيقتهم. وهو يخشى تعرّضهم لملاحقة سيعملون على تحويلها صوبه، ليس بقصد محاسبته، بل لتحويله إلى «كبش فداء». الجديد أن سلامة أبدى استعداداً للمباشرة في عملية تدقيق بالتعاون مع مصرف فرنسا المركزي، تشمل عمليات المصرف المركزي ومشروع إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بالإضافة إلى أنه في حال ضمان الرئيس الفرنسي شخصياً عدم ملاحقته، فهو مستعدّ لترك منصبه ومغادرة لبنان فوراً. وسلامة الحريص على تكرار هذه اللازمة أخيراً، يعرف مسبقاً أن الجهات الدولية التي تدفع باتجاه التدقيق، إنما تستهدف الوصول إلى أرقام موحّدة حول الواقع المالي والنقدي في لبنان. يتصرف سلامة على قاعدة الثقة بأن هدف التدقيق محصور في هذه النقطة وليس هدفه تحميل المسؤوليات أو الإدانة والعقاب.

أكثر من ذلك، فإنّ الـ«السنفور غضبان» ديفيد شينكر لم يترك جهة إلّا التقاها، بما في ذلك مندوبون أو متصلون بالقوى السياسية التي قال إنه لن يجتمع مع قياداتها. وكان للمصرفيين نصيب بارز من اللقاءات، وهو حرص على إبلاغهم بأنه يجب عدم المراهنة على عمليات التدقيق ولا حتى على العقوبات. لافتاً إلى أنه يخشى إحباطاً إضافياً عند الناس جراء مبالغة قوى سياسية حيال ملف العقوبات، لأن ما هو مطروح حتى الآن لن يطال الصف الأول بالتأكيد، بل سيطال مجموعات يمكن ربطها بقوى وجهات. لكن شينكر صار ميّالاً الى الحديث عن «انتهاء أيام رياض سلامة» على ما يقول أحد الملتقين به، وأن واشنطن متوافقة مع باريس على هذا الأمر، لكنها لا تمنح فرنسا أيّ تفويض بتعيين أو اقتراح تعيين حاكم بديل. وأن الرأي الخارجي الحاسم سيكون بيد صندوق النقد الدولي قبل أي جهة أخرى.
لكن، ما لا يُقال أو لا يُشار إليه على أنه اتفاق ضمني، هو ما يبدو أن سلامة تعهد به، لجهة القيام بخطوات عملانية هدفها إنجاز بعض الأمور. يردّد أحدهم أن «سلامة سيقوم بخطوات تزعج حلفاءه في السوق، لكنها ضرورية لضمان الخروج المشرّف». بتعبير أوضح، يبدو أن سلامة وافق على تنفيذ عدد من طلبات الحكومة المستقيلة، لكن ضمن الإطار الذي يراه هو الأنسب. وخطة تعديل التموضع لديه، بدأت منذ صدور قرارات تعيين الأعضاء الجدد للمجلس المركزي لمصرف لبنان. دخول نواب الحاكم الجدد والآخرين من الأعضاء الحُكميين في المجلس المركزي، سمح بإشاعة أن المجلس المركزي الذي ظل معطّلاً لربع قرن، عاود العمل كفريق موسّع في الأسابيع الاخيرة. وأن سلامة نفسه بادر إلى إبلاغ أعضاء المجلس المركزي، أنه ينتظر منهم أفكارهم وتصوّراتهم لأجل الشروع في خطوات «إصلاحية».

في هذا السياق، يعرف سلامة أنه مضطر إلى عمليات قد تتسبب بأذية بعض أصدقائه المصرفيين. وربما تصيب مصالح بعض كبار المودعين الذين يعرفهم سلامة تمام المعرفة بالأسماء والأرقام الموجودة في حساباتهم. وهو أيضاً «خبير محلّف» بالقوانين المالية، وكيفية التطبيق الدقيق أو الجانبي لجميع بنود قانون النقد والتسليف، بالإضافة إلى خبرته الطويلة في لعبة التعاميم المصرفية التي يجب جمعها في كتاب لأجل تاريخ لبنان.

التعميم 154 ورسملة المصارف

جديد الوضع المصرفي، التعميم الذي أصدره الحاكم يوم 27 آب الماضي، ويحمل الرقم 154، والذي يفرض بموجبه على المودعين الذين حوّلوا أموالاً إلى الخارج بين تموز عام 2017 والشهر الماضي، إعادة تحويل جزء منها تتراوح نسبته بين 15 و30 بالمئة إلى المصارف اللبنانية من الخارج. على أن يجري تجميد هذه المبالغ لخمس سنوات لدى القطاع المصرفي وترك أمر الفوائد للتفاوض بين المودع والمصرف. على أن تعمد المصارف إلى استعمال هذه الودائع الجديدة في تغذية السوق العطِش للأموال الطازجة، خصوصاً أن مصرف لبنان بدأ يرفع الصوت من عدم قدرته على توفير دولارات كافية لتغطية الدعم المطلوب لسلع رئيسية من قمح ومحروقات ودواء.
بالإضافة إلى ذلك، ذكّر سلامة المصارف بوجوب زيادة رساميلها من خلال توفير مبالغ إضافية تصل إلى عشرين بالمئة من قيمة الرساميل الحالية، على أن يكون هناك جدول زمني لتوفير هذه المطلوبات ينتهي مطلع العام المقبل. وأرفق هذا الطلب بتوضيح أن المصارف التي لا تقدر على تنفيذ هذه العملية ستحال إلى المجلس المركزي لاتخاذ القرار بشأن أن تبقى أو تخرج من السوق.

تضارب في التقديرات حول حجم الأموال الممكن إعادتها حسب التعميم 154 وخبراء يخشون انهياراً إضافياً لليرة

ردة الفعل على التعاميم لن تكون متطابقة، الأمر هنا لا يتعلق بالحسابات المباشرة فقط، بل في كيفية تعامل الجمهور مع الأجراء. في الشكل، سيبدو لقسم من الجمهور، أن التعميم الهادف الى إعادة استقطاب دولارات طازجة من الخارج، يمثل استجابة من الحاكم لمطالب قوى سياسية وتيارات شعبية التي تقع تحت بند «استعادة الأموال المنهوبة». والفكرة تصبح مغرية – أيضاً في الشكل – كون التعميم يشمل كل الذين حولوا أموالهم من صيف عام 2017. والمهم في هذه الفترة، هو حجم الأموال التي خرجت من لبنان إثر اعتقال السعودية الرئيس سعد الحريري في الرياض. ثم الأمر نفسه الذي تعاظم في عامي 2018 و 2019 ربطاً بالتدهور المتسارع للأحوال النقدية والمالية والاقتصادية في لبنان، وصولاً إلى ما جرى في الأشهر الأخيرة التي سبقت أزمة القطاع بعد 17 تشرين.
في هذا السياق، يتحدث مصرفيون عن مبالغ كبيرة جداً، وأن الآلية التي تفرض استعادة بين 15 و 30 بالمئة، يقدّر لها أن تعيد مبالغ كبيرة. وهنا يُظهر مصرفيون تفاؤلاً مبالغاً فيه حيال إمكانية استعادة نحو خمسة مليارات دولار، بينما يرى خبراء أن مثل هذه العملية لن تعيد إلا بضع مئات من ملايين الدولارات.

المصرفيون يعتقدون أن القرار قابل للتطبيق. وأن النقاش حول قانونيته لن يغيّر من قوته. صحيح أن المبدأ يقول بأنه لا يمكن لمصرف أن يُجبر مودعاً على إعادة أمواله إلى المصرف وتجميدها، لكن تعميم سلامة يخيّر المودعين بين أمرين: إما إعادة هذا الجزء، أو إحالة الملف إلى هيئة التحقيق الخاصة لأجل التدقيق في الأموال وأصولها وأسباب تحويلها إلى الخارج. وبحسب المصرفيين أنفسهم، فإن هذه العملية تعني عملياً رفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات، وهي خطوة شديدة الحساسية بالنسبة إلى عدد كبير جداً من كبار المودعين. كما أن الاشتباه بالملف من قبل هيئة التحقيق الخاصة سيؤدي إلى مضاعفات يعتقد البعض أنها كافية للضغط على أصحاب الودائع الكبيرة من أجل إعادة بعض ما حولوه إلى الخارج.

التدقيق في حسابات مصرف لبنان هدفه توحيد أرقام الخسائر… ولا توقّعات بالمحاسبة

وبحسب أصحاب هذا الرأي فإن المصارف نفسها صارت أمام مسؤولية لم تكن تواجهها من قبل. فهي الآن مضطرة لإجراء جردة واسعة وشاملة ودقيقة ورسمية لكل عمليات التحويل التي تمت في الفترة الواردة في التعميم. والآلية تفرض على المصارف المسارعة إلى إبلاغ المودعين بالتعميم والطلب إليهم الالتزام بإعادة المبالغ وفق النسب المفروضة. وفي حال لم يجرِ الالتزام فإن المصارف ملزمة بإبلاغ مصرف لبنان بأسماء من رفض الالتزام، وهي لائحة ستذهب فوراً الى هيئة التحقيق الخاصة، والتي يتوقع أن تطلب رفع السرية المصرفية عن حسابات هؤلاء وعن كامل حركة حساباتهم خلال فترة زمنية تحددها الهيئة وقد لا تكون مقتصرة على الفترة الزمنية الواردة في التعميم. وعندها ستكون المصارف ملزمة بالتعاون، لأن الإحالة من هيئة التحقيق الخاصة تعني الاشتباه بوجود عمليات احتيال على القانون الضريبي أو حصول علميات تبييض للأموال. ويعتبر المدافعون عن التعميم، أنه يحقّق عملياً هدف الحكومة المستقيلة من بعض الوارد في خطتها، لكن الفارق أن قرار الحكومة كان يتطلّب إدخال تعديلات على 31 قانوناً مرتبطاً بالأمر النقدي والمالي. بينما يتيح هذا التعميم تنفيذ العملية، برغم كل النقاش حول قانونيته.

تهريب أموال جديدة؟

ما يرفض المصرفيون الإقرار به، أو حتى تقديم إجابات حاسمة حوله، هو المعلومات التي يجري تداولها على نطاق ضيق منذ أسابيع، حول حصول عمليات تحويل لمبالغ ضخمة تخص فئات محددة من رجال السياسة والأعمال والمال إلى الخارج. ويفيد مصدر واسع الاطلاع على هذه العمليات، أنّ نحو 5 مليارات دولار أميركي تم تحويلها إلى الخارج منذ مطلع عام 2020 حتى أواخر آب الماضي. وأن هذه المبالغ تعود إلى سياسيين ورجال أعمال وأصحاب أسهم في المصارف أو أعضاء في مجالس إدارتها. حتى إن بعض الجهات صار لديها لوائح بأسماء غالبية الذين أجروا تحويلات بسبب نفوذ سياسي أو وظيفي أو خلافه. وإن مصرف لبنان يحاول إخفاء الفضيحة من خلال التعميم 154 الهادف الى توفير ما يغطي هذه الفجوة. ويقول المصدر إن هناك معلومات موثوقة عن أن مصرف لبنان خسر أقل من 2.8 مليار دولار من الاحتياطي الموجود لديه في عملية الاستيراد للمواد المدعومة منذ مطلع العام، بينما أرقامه المعلنة تفيد عن خسارة خمسة مليارات إضافية من هذا الاحتياطي من دون شرح. صحيح أن المصرف المركزي حاول سابقاً فرض شروط قاسية على المصارف لأجل توفير سيولة لها بالدولار الأميركي، لكنه عملياً وفّر لها كميات كبيرة من الأموال الموجودة في الخارج، وهي الأموال التي استخدمتها المصارف لإجراء عمليات التحويل لعدد من المحظيين. بالإضافة الى سؤال قائم اليوم حول قدر الأرباح التي حققها تجار كبار في البلاد، استفادوا من برنامج الدعم، لكنهم لم يخفّضوا الأسعار على الإطلاق.

سعر الدولار

على أن الأهمّ اليوم، هو الحديث عن قبول سلامة ومسؤولين في الدولة التزام وصفة صندوق النقد لجهة سياسة الدعم. وهذا يعني ليس وقف دعم السلع الأساسية من قِبل مصرف لبنان كما هو حاصل اليوم، بل رفع القيود أيضاً عن السعر الرسمي للدولار الأميركي، خصوصاً في حال لجأ مصرف لبنان والمصارف مرة جديدة الى محاولة إرضاء المودعين بصرف حقوقهم المودعة بالدولار الأميركي، لكن بالليرة اللبنانية. وهذا سيؤدي حكماً إلى البحث من جديد عن كميات أكبر من الدولارات في الأسواق وفي البيوت أيضاً، ما يعني أن سعر الدولار الفعلي سيترفع بنسبة 35 بالمئة على الأقل عن سعره المتداول اليوم في السوق السوداء. مع العلم، أن أحد أبرز الخبراء في السياسات النقدية يرفض فكرة «استشارة أحد» حول مستقبل سعر العملة الوطنية. ويقول: المشكلة أنّ لبنان يحتاج الى عشرات مليارات الدولارات حتى يستعيد توازنه، لكن ذلك لن يعالج أزمة الثقة الهائلة بالدولة والقطاع المصرفي، ما يعني أن إعادة الدماء إلى القطاع المالي في لبنان أمر غير متوقع في القريب، حتى ولو انطلقت الإصلاحات.

Americans striving to return Lebanon to chaotic situation: West Asia commissioner for human rights


By Mohammad Mazhari

July 3, 2020 – 13:28

TEHRAN – The commissioner for West Asia at the International Human Rights Commission is of the opinion that the U.S. is using all means to push Lebanon toward chaos.

“Americans are striving with all means to return the chaotic conditions in Lebanon again,” Haissam Bou-Said tells the Tehran Times when asked about U.S. Ambassador to Lebanon Dorothy Shea who last week accused “Hezbollah of destabilizing the country and jeopardizing Lebanon’s economic recovery.”

Shea’s statement was considered by many Lebanese as offensive, pitting rival groups against each other.

Analysts likened Shea’s words to pouring oil on the fire of sectarian strife in the country.

Bou-Said is among those who say the ambassadors must avoid interfering in the host country’s internal affairs.

“Interfering in the host country’s internal affairs, inciting any group to another group, calling for participation in demonstrations, gatherings, and meetings for a coup against the host authority or creating any riot is unacceptable.” Bou-Said points out.

Following is the text of the interview:

Q: Many Lebanese accuse U.S. ambassador of obviously interfering in Lebanese internal affairs and violating international conventions. What is your comment on it?

A: These are not just accusations, but a reality that has occurred since she arrived in Lebanon and assuming her duties as U.S ambassador to Lebanon. What Ambassador Dorothy Shea has done in the media through her statements is baseless, false, and offensive to the Lebanese people; few of the Lebanese people agree with what she said, for political and sectarian reasons. It is true that we, as an international human rights committee, cannot agree on the necessity of acquiring a weapon of any size, however by the principle of deterring the Israeli regime that occupied Palestine and still violates every day the rights of Muslims and Christians together, it becomes necessary to find ways to defend.

Q: What are the reasons for making such provocative statements in such a situation? Should we expect new developments?

A: The reasons to make such statements at this time and intentions of the American administration is obvious; They are striving with all means to return the chaotic conditions again, especially if we take many factors into account, including worldwide protests against racism in the United States. After the American police killed George Floyd, and their efforts to reinvigorating the extremist “takfiri” groups in West Asia and North Africa, as well as the Caesar Law passed in 2016 which was activated a few weeks ago.

Yes, in response to the second part of your question, we have to be somewhat cautious because the rapid developments in the Arab streets, especially in Lebanon, Syria, and Iraq, and probably soon in Tehran according to the information we receive, indicate malicious intent on the pretext of human rights. Still, the center for planning these developments is in another place designed to apply the “American and Israeli” agenda in the region.

Q: How do you evaluate Lebanese officials’ reaction to the controversial statements of the American ambassador?

A: We issued a statement supporting the Lebanese prime minister’s reform plan presented to the Lebanese Parliament. This plan is faltering as a result of conflicts between political groups in Parliament, and this reflects on the government’s performance in terms of making decisive decisions. However, in the case of Ambassador Dorothy Shea, the Minister of Foreign Affairs, Dr. Nassif Hitti summoned the American ambassador on Monday afternoon to inform her of the government’s dissatisfaction with her statements and interventions in Lebanese internal affairs under Article 41 of the Vienna Convention of 1961. But it seems that Ambassador Shea, who is not from President Trump’s school, in her military experience, has yet to understand how dangerous it is to break the law.

In the second part of your question, we have asked for the international article’s application that explicitly indicates the warning or expulsion of any diplomat doesn’t respect international conventions.

Q: What do international conventions say about missions of ambassadors?

A: Ambassadors in the Vienna Convention on Diplomatic Relations 1961 have many advantages that cannot be mentioned here, and the most important advantages are diplomatic immunity, which allows them not to appear in the judiciary and not be held accountable in any government department in the host country, but there are also regulations and standards for ambassadors prohibit engaging in any business or any work that might result in financial benefits for them.

Moreover, any kind of interfering in the host country’s internal affairs, inciting any group to another group, calling for participation in demonstrations, gatherings, and meetings for a coup against the host authority or creating any riot is unacceptable.

Q: What is the basic reason for the current economic crisis in Lebanon?

A: The economic crisis in Lebanon today is the result of the accumulations of wrong policies and financial engineering carried out by previous governments since 1992, when former Prime Minister Rafik Hariri came to power, bringing the economic sector under the control of his government. Lebanese central bank governor Riad Salameh occupied his position with absolute powers during Prime Minister Hariri’s term. Therefore the current economic crisis in the country is the result of those policies that did not succeed for many different reasons, including the failure of the peace negotiations in 1993, which was counted on by Hariri’s government, as well as financial waste in Lebanese administrations as a result of conflicts between political groups. There are also productive and non-productive projects that have also been the basis for being shared between political parties, each benefited according to the size of its parliamentary bloc and its representation in the government.

Today, Diab’s government tries to manage and contain the consequences of those policies; some political leaders in Lebanon are still active and sabotaging the efforts to support the Lebanese government, which decided to turn towards the East to find financial aid and rise again.

مكافحة الفساد ومحاكمة الفاسدين لن تحلّ المشكلة..فهل نصدّق؟

ناصر قنديل

يفرح اللبنانيون بمن يقول لهم إن أزمتهم الاقتصادية تختصر بأن مجموعة لصوص سرقوا الأموال وإن وضعهم في السجون وتجريدهم من هذه الأموال هو الحل. فالتفسير المبسط بربط الأزمة بالفساد جاذب، ويُعفي من التفكير بالتعقيدات الاقتصادية. والأهم أنه لا يدعو اللبنانيين لتقبل حقيقة أن الخروج من الانهيار الذي يعيشون في ظله، والمرشح للتفاقم، يحتاج صبراً وتعايشاً مع ظروف مختلفة عن تلك التي اعتادوها خلال سنوات مضت، أنفقوا خلالها عن سنوات مقبلة، عبر الإفادة من سعر صرف منخفض للدولار جرى تمويله بديون سيكون عليهم تسديدها لثلاثين سنة مقبلة، وقد تكفلت حتى الآن باستهلاك كل ودائعهم، وها هم يصحون على الخديعة الكبرى التي لا يستطيعون ولا يريدون تصديقها، فيما تصطدم كل محاولة عقلانية لتشريح المشكلة الاقتصادية والمالية، بعناد شعبويّ، يغذّيه مستفيدون سياسياً من التبسيط القائم على نظرية ومؤامرة الفاسدين، لتسليط كرة النار الغاضبة وتوجيهها لخدمة أغراض وأجندات سياسية.

الفساد موجود بالتأكيد، وهو أكبر معضلة يواجهها الاقتصاد، ولكنه ليس الفساد الذي ينتهي بالسجون والمحاكم، الذي لا يمثل أكثر من 10% من حجم الفساد القاتل للاقتصاد والمبذر للمال العام. فالفساد الحقيقي والتدميري كامن، في نظام الرشوة السياسية والاجتماعية، الذي يشكل قلب الحياة السياسية في لبنان، فعندما ننظر لملف كالكهرباء، الذي كلف الخزينة نزفاً يزيد عن 40 مليار دولار، نسأل ماذا لو نجح الوزراء المتعاقبون من كل الأحزاب والتيارات بحل أزمة الكهرباء كما يراها اللبنانيون، أي تأمين الكهرباء 24/24، هل كان هذا النزف ليتوقف، والجواب المرعب هو لا بالتأكيد، لأن في الكهرباء ثلاث مشكلات منفصلة، واحدة خدمية تتصل بتأمين الكهرباء للبنانيين 24/24، وهذه دونها عقلية المحاصصة التعطيلية للمشاريع بتناوب المعنيين في السلطة على التعطيل إما باقتراح مشاريع تضمن لهم حصصاً يرفضها الآخرون، أو بهذا الرفض من الآخرين طلباً لمحاصصة مغايرة، ودونها من جهة ثانية مصالح أصحاب المولدات وتوزعهم على القوى السياسية الكبرى، وأغلبهم مفاتيح انتخابية، ووجاهات محلية، وإقفال هذه الصناعة والتجارة القائمة على حساب المال العام، يصيب قرابة عشرة آلاف صاحب مولد، وقرابة خمسين ألف مستفيد يعملون في هذا القطاع المستجدّ، لكن حجم تأثير إلغاء هذا القطاع على كتلة الـ 40 مليار دولار لا يزيد وفره عن 10%، أما أزمة الكهرباء الثانية فهي “فسادوية” تتعلق بالسرقات والسمسرات والعمولات، مثل صفقات الفيول بأصلها وتجارتها، والغش بنوعيته، وعمولات التلزيمات الكبيرة والصغيرة، وحجمها لا يصل إلى 10% من الـ40 مليار دولار، أما الـ 80% من الكتلة المالية التي يمثلها رقم الـ 40 مليار دولار فتعود ببساطة، إلى أن لبنان زاد استهلاكه غير المدفوع من الكهرباء مع النزوح السوري أكثر من 100%، بينما زادت قيمته بالعملة الصعبة 200% مع زيادة سعر النفط، فيما تسعير الكهرباء على من يسدّدون فواتيرهم في لبنان، وحجم الجباية، يوفران من عائد الكلفة الإنتاجية إذا توفرت الكهرباء 24/24، ما لا يزيد عن 20% من قيمتها ما لم تتم زيادة التعرفة أربعة أضعاف على الأقل. والفساد السياسي الكبير هو هنا، أن السلطة، فضلت ترك اللبنانيين بالإضافة للسوريين والفلسطينيين يستهلكون الكهرباء الرخيصة، وتسدد من المال العام فرق الكلفة، وتركت بعضهم ينشئ مولدات وشركات توليد محلية، وما تقوم به السلطة هو بتخفيض الإنتاج لتخفيض التكلفة عندما يرتفع سعر النفط وتكبر الفاتورة، لأنها لا تجرؤ على مكاشفة اللبنانيين بالحقيقة، ولا على مطالبة الهيئات الدولية الراعية للاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، بدفع بدلات استهلاكهم للكهرباء على الأقل، والسلطة لا تجرؤ أيضاً على فعل ما يجب عليها فعله لحماية مصالح اللبنانيين الحقيقية والبعيدة، لأن السياسة في لبنان تقوم أصلاً على هذا النوع من الرشى الداخلية والخارجية، وأي حلّ اليوم للكهرباء سيعني تضاعف الفاتورة الكهربائية أربع مرات على اللبنانيين، بتقنين وبدون تقنين، وبمولدات ودون مولدات.

بالنظر لقضية مماثلة، هي سلسلة الرتب والرواتب، التي ضخت منذ عام 2017 زيادة تعادل ثلث الدخل العائلي والفردي، وزادت الاستهلاك بنسبة الثلث أيضا، مع سعر ثابت للصرف في سوق العملات الصعبة، توزعت اتجاهاتها على ثلاث وجهات ضاغطة على سوق العملات الصعبة، هي زيادة 100% في سوق العاملات المنزليات، ومثلها في سوق شراء السيارات، ومثلها في السفر السياحي إلى الخارج، وهل ثمّة سياسي كان ليجرؤ على رفض سلسلة الرتب والرواتب، خصوصاً أن الرفض سيكون فساداً ما لم يرفض قبله أولاً التنامي الجنوني في خدمة الدين، ويرتبط بوضع سياسة إنقاذ ونهوض شاملتين، والفساد الكبير القائم في النظام اللبناني، هو هذا التبادل في المصالح، نظام مصرفي يقول للسياسيين، من حاكم المصرف إلى أصحاب المصارف، لا تمسوا عوائد الفائدة المرتفعة وسياسة الاستدانة والهندسات المالية، وسنموّل لكم سلسلة الرتب والرواتب الشعبويّة التي تؤمن رضا قواعد مناصريكم، وتضمن لكم الفوز في انتخاباتكم، وليذهب لبنان إلى الخراب، فنحن نشتري الوقت ليس إلا، كما فسّر حاكم مصرف لبنان الهندسات المالية علناً.

العودة إلى الأرقام سترينا ما هو مدهش، فالفارق بين الصادرات والمستوردات حافظ في لبنان خلال أكثر من عشر سنوات ما بين 1997 و2007، على معدل 7 مليارات دولار عجز سنوي، بينما ميزان المدفوعات كان يشهد فائضاً تحققه عائدات السياحة وتحويلات اللبنانيين من الخارج، وعندما بدأ يقع العجز بتراجع هذين العاملين أو أحدهما، كانت تتكفل بتغطيته قيمة التمويل الآتي من الاستدانة الآخذة في التعاظم تحت مسميات جاذبة، باريس 1 وباريس 2 وأخواتهما، ومنذ 2007 حتى 2017، سنشهد انحداراً جهنمياً نحو هاوية سحيقة، لم يكلف أحد نفسه عناء مصارحة اللبنانيين بحجم خطورتها ونتائجها المدمرة، فكيف يكلف أحد نفسه بالسعي لخطة إنقاذ من كارثة لا يعترف بوجودها أصلاً؟ فالسياسة والمال في لبنان مسألة شراء وقت، والأرقام تقول إن فوارق الاستيراد والصادرات زادت من 7 إلى 17 مليار دولار، وفي الوقت ذاته تجمدت تقريباً عائدات السياحة والتحويلات، ومعها بلغ الدين حجماً يستحيل معه الحصول على المزيد، فتراكم عجز ميزان المدفوعات أي فارق دخل لبنان بالعملات الصعبة عن إنفاقه لها، ووصل العجز التراكمي حتى عام 2017 إلى 18 مليار دولار، وماذا يفعل نظام الفساد القائم على إخفاء الحقائق طلباً لرضى الناخبين، سوى شراء الوقت، فما كان سيدر ولا كانت الهندسات المالية إلا للمزيد من شراء الوقت، بدلاً من طرح السؤال، لماذا زاد العجز في الميزان التجاري بهذا الحجم، وكيف يمكن تصحيح بعض الخلل فيه؟

الواضح أن زيادة سعر النفط كانت العامل الأهم في البداية، ثم جاءت الحرب على سورية وفيها، فقطعت خطوط التصدير وتراجعت الصادرات بملياري دولار، وتدفق النازحون السوريون بتشجيع سياسي لبناني مطلوب خارجياً، فزاد الاستهلاك اللبناني بأكثر من ملياري دولار بمزيد من الاستيراد، وجاءت سلسلة الرتب والرواتب وزاد الاستيراد بمليارين آخرين أغلبها في سوق السيارات المستوردة والكماليات، وزاد بمليارين آخرين حجم تحويلات للبنان إلى الخارج في بندي السياحة اللبنانية في مصر وتركيا واليونان وفاتورة العاملات المنزليات، فكيف تصرف نظام الفساد السياسي اللبناني؟ والجواب بمزيد من شراء الوقت، بوهم سقوط سورية، ووهم سيدر، ووهم تراجع أسعار النفط. وبماذا يملأ نظام الفساد السياسي الوقت الذي يشتريه؟ الجواب بتبادل العائدات، تمديد عمر ثقب الكهرباء تفادياً لكلفة الحقيقة، وتمديد عمر نظام الفوائد العالية وتمويلها بهندسات مالية هي عملياً شراء آخر 10 مليارات لدى اللبنانيين بصيغة ودائع، لحساب مصرف لبنان لتمويل عجز الطلب على العملات الصعبة، بدفع سعرها مضاعفاً للمصارف باسم جذاب هو الهندسات، شرع تسعير الدولار عملياً بضعف سعره منذ عام 2016.

الجواب الاقتصادي كان ولا يزال بسيطاً، كهرباء 24/24 وتسعير بالكلفة وعائد نسبي منصف للاستثمار، وتوفير نفط رخيص للكهرباء يخفف الكلفة على المستهلك وعلى سعر المشتقات وعلى فاتورة الاستيراد، بوابته تفاهم لبناني عراقي سوري على تشغيل أنبوب كركوك طرابلس، وليغضب من يغضب، أليس الشعار هو لبنان أولاً؟ وفتح الباب للتصدير وتجارة الترانزيت، وبوابته تفاهم مع سورية، وتأمين عودة النازحين لتخفيض فاتورة الاستيراد، لنعود إلى ارقام 2007، وقد تكفل للأسف سعر الصرف بتصحيح عكسي لقدرات اللبنانيين الاستهلاكية فامتص ثلاثة أضعاف عائد سلسلة الرتب والرواتب، التي طبقت للأسف أيضاً على موظفين تم توظيفهم ونحن ننهار عام 2018، لخدمة نظام الفساد السياسي ذاته، ومن يجرؤ على القول لهؤلاء اليوم، آسفون لا مكان لكم في الدولة؟

مغادرة شراء الوقت مطلوبة سياسياً، واقتصادياً، وشعبياً، فليس لدينا ترف الوقت، لا لننتظر سيدر، ولا لننتظر صندوق النقد الدولي، ولا لننتظر محاكم الفساد والحل السحري الجذاب المسمّى، عودة المال المنهوب، الشعار الذي نجيد في قلب نظامنا القائم على شراء الوقت، والرشوة المادية والمعنوية للشعب، أن نحوّله إلى جزء من لعبة عض على الأصابع بين أطراف النظام المالي والسياسي لإعادة ترتيب معادلة شراء وقت جديد، والوقت ينفد.

سعر الصرف والأحجية المعقدة إلى أين؟

ناصر قنديل

تجري المناقشة اللبنانية الداخلية ومعها النقاش الخارجي لواحدة من ركائز أي بحث اقتصادي ومالي للوضع اللبناني، يمثلها التعامل مع سعر صرف الدولار بتسويق مسلّمة تتحوّل بديهية، وهي أن تثبيت السعر المنخفض عافية، وأن سعر الصرف الموحّد هدف، وأن تحرير سوق الصرف مبدأ لا حياد عنه ولو أدى لسعر مرتفع وتضخم وانهيار القدرة الشرائية في سوق مدولرة. والسير من هذه المنطلقات سيوصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن لبنان كي ينجح بتحرير كامل لسوق الصرف فعليه أن يتقبل ارتفاعاً مرعباً في سعر الدولار، يترتب عليه ارتفاع جنوني في الأسعار الإستهلاكية وتضاؤل كارثي في القدرة الشرائية وصولاً لحد المجاعة، إذ إن المبلغ المطلوب لسد الفجوة التقليدية بين مطلوبات وواردات الميزان التجاري تفوق الـ 17 مليار دولار سنوياً، ومترتباتها على سوق العرض والطلب في سوق الصرف، بسبب تراجع عائدات التحويلات المختلفة من غير التصدير، لا تقلّ عن عشرة مليارات دولار سنوياً. وهذا كان مصدر سعي مصرف لبنان منذ 2010 عندما بدأ عهد التحويلات يأفل مع تقدم زمن العقوبات من جهة، وتراجع الإقتصادات العالميّة والخليجيّة يفرض إيقاعه من جهة أخرى، فتراجعت عائدات السياحة والتحويلات من الخارج، واعتمد المصرف المركزي لجلب هذه الدولارات، على تشجيع الدولة على المزيد من الاستدانة بالعملات الصعبة، حتى صار المزيد من الدين مستحيلاً، بفعل تضخم كتلة الدين وحجم الفوائد، فصار البديل باللجوء إلى ما أسماه بالهندسات المالية لوضع اليد على دولارات القطاع المصرفي بإغراء شرائها بفائدة بلغت 100% بالليرة اللبنانية، وهي في النهاية ودائع المودعين، وقد «نجح» بتجفيفها.

الذي يجب أن يدركه اللبنانيون، والمسؤولون قبل المواطنين، هو أن الجمع بين تحرير سعر الصرف، ومعالجة الأزمات المالية والاقتصادية والمصرفية مستحيل، والانطلاق من فرضية البحث عن وصفة سحرية لتحرير السعر، والحفاظ على القدرة الشرائية وضبط الأسعار الاستهلاكية، هو جهد ووقت ضائعان، وحتى يستطيع لبنان فعل ذلك، يجب أن يضمن عودة تدفقات بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً على الأقل، عن غير طريق الاستدانة، أي من عائدات التصدير والسياحة وتحويلات الاغتراب. وهذا يعني أن الشرطين الواجبين لتوفير ظروف مناسبة لهذه العودة، هما نهاية زمن العقوبات، وعودة الانتعاش للاقتصادات العالمية والخليجية، وبانتظار ذلك على لبنان إذا أراد شعبه والمسؤولون فيه، منع التأثيرات المدمّرة لسعر الصرف على الاستهلاك والقدرة الشرائيّة تقبل فكرة التعايش المؤقت، لسنوات، مع أكثر من سعر في سوق الصرف، وعدم إعتبار ذلك نقيصة، والاستعداد لتفاوض شرس مع صندوق النقد الدولي تحت هذا العنوان.

الأهم هو رسم معالم المرحلة الانتقالية، أي السنوات الخمس التي حددتها الحكومة كمدة معقولة لخطة النهوض، بحيث تغطي الموارد المتاحة والمتوفرة من العملات الصعبة حاجات الاستهلاك الرئيسية، بأسعار صرف لا تتيح اضطراباً في أسواق الاستهلاك وتآكلاً في القدرة الشرائيّة، وهذا يستدعي تقييد حكمي لشروط الحصول على الدولار اللازم لأعمال الاستيراد الخاصة بالسلع الضرورية والاستهلاكية، مقابل سوق حرة للصرف بسعر مختلف حكماً، وأعلى حكماً، تغطى منها حاجات استهلاكية كمالية. وهنا يجب أن تنفتح عقولنا على حقيقة أن السعر المرتفع في سوق الصرف الموازية أو الحرة، سيكون فرصة للاقتصاد. فهو حافز للتصدير وعنصر تراجع في الاستيراد بسبب ارتفاع هائل لأسعار السلع المستوردة بسعر صرف مرتفع، مقارنة بالقدرة الشرائيّة للبنانيين. وهذا سيتيح خلال سنوات انتظار نهاية زمن العقوبات وانتعاش الاقتصاد العالمي والخليجي، نهضة صناعية وزراعية تغطيان الجزء الأساسي من حاجات السوق المحلية، وتزيدان الدخل بالعملات الصعبة من عائدات التصدير المتزايد، وهذه النتيجة المتوخاة مشروطة بأمرين، الأول اعتبار العملات الصعبة العائدة من التصدير محررة بنسبة 75% سلفاً لصالح المصدّرين لإعادة الترسمل بالمواد الأولية وتطوير مواردهم لمزيد من التصدير، باعتبار الـ 25% الباقية مخصصة لتأمين استيراد المشتقات النفطية كأساس لتأمين الطاقة للصناعة شرط شراء دولارها بسعر سوق التحويلات من المصدرين أي 3000 ليرة مقابل 1500 لتسعير المشتقات النفطية والكهرباء يحصلون عليه. والثاني تحرك حكومي عاجل لتحديد السلع التي ينتجها أو كان ينتجها ويمكن أن يعود لإنتاجها، لبنانيون، لتوفير الحماية الفورية لها من منافسة المستوردات، وفي المقدمة تقف صناعة الألبان والأجبان والعصائر والمياه المعبأة ومواد وأوراق النظافة، والأحذية والألبسة، ولائحة طويلة تخفف فوراً ملياري دولار من فاتورة الاستيراد.

لدى تشريح فاتورة الاستيراد التي تشكل مصدر الطلب على الدولار، سنجد توزيعاً مذهلاً يكشف الكثير من الحقائق، حيث الفاتورة النفطية في المقدمة، وفقاً لسعر النفط تتحرك بين 3 و6 مليارات دولار، وفاتورة المواد المتصلة بالصناعة قرابة ملياري دولار بين مواد أولية ومستوردات ميكانيكية، والمستوردات الغذائية قرابة 3 مليارات دولار أغلبها قابل للاستبدال محلياً، والمستوردات الطبية بمليار ونصف مليار دولار تقريباً قابلة للتخفيض إلى النصف، والمواد الاستهلاكية الممكن تصنيفها كمالية من ألبسة وعطور ومجوهرات ومشروبات وسيارات بحدود خمسة مليارات دولار سنوياً، بالقياس لفترة 2004-2010، وحيث كان العجز في الميزان التجاري يدور حول رقم 7 مليارات دولار فقط، قفز إلى 17 ملياراً خلال عشر سنوات بصورة يفسر بعضها دخول النزوح السوري كعامل جديد على الاستهلاك وتراجع التصدير إلى سورية والعراق، من جهة أخرى، بنسبة ملياري دولار استهلاك إضافي وتراجع مليار دولار تصدير، وزيادة القدرة الاستهلاكية الداخلية الناجمة عن سلسلة الرتب والرواتب، بما يعادل 3-4 مليارات دولار مقابلة، ويكفي العمل للعودة إلى حالتنا عام 2010، ليعود العجز التجاري إلى 7 مليارات، وهذا يتصل بسعر النفط، وهو الآن أقل من عام 2010، وعودة النازحين السوريين، وفتح السوقين العراقي والسوري، ومع تراجع القدرة الشرائية بفعل تراجع كبير في سعر الصرف، يمكن توقع هبوط العجز في الميزان التجاري إلى أقل من 5 مليارات دولار بالتأكيد.

كان لبنان يعوّض عجز الميزان التجاري حتى عام 2010، ويحقق فائضاً، بالاستناد إلى دخل يعادل 10 -12 مليار دولار يأتي مناصفة من السياحة وتحويلات اللبنانيين، وبقي منه فقط قرابة مليار دولار من التحويلات العائدة للبنانيين في الخارج وتراجع السياحة حتى الصفر تقريباً، وبانتظار تعافي المصدّرين يبقى فارق الأربعة مليارات الباقي كضغط على ميزان المدفوعات، لتغطية مليار دولار ستبقى لاستيراد غير الأساسيات وتراجع نوعي في تحويلات العاملات المنزليات الأجنبيات حتى الاضمحلال، وملياري دولار للمشتقات النفطية، ومليار دولار للقطاع الدوائي، ومثلها بضع مئات ملايين الدولارات لتحويلات للطلاب اللبنانيين في الخارج هي مصادر قابلة للمعالجة، عبر تفاهم نفطي مع العراق يقوم على تشغيل خط كركوك البصرة النفطي، وإخضاع استيراد الأدوية والمواد الاستهلاكية لمعادلة تتيح الإفادة من دولار منخفض، بحيث يكون بصورة تختلف عما هو قائم اليوم بتمويل مصرف لبنان لاستيراد المشتقات النفطية والأدوية والقمح، معادلة جديدة اقتصادياً تجيب ضمناً على كيفية تخفيض الفاتورة من جهة ومنع ارتفاع الأسعار من جهة موازية.

الصيغة المطلوبة هي اعتماد سعر منخفض جداً لسعر الدولار بـ 1500 ليرة لإستيراد القمح والمشتقات النفطية أو النفط، والدواء، شرط حصر أغلبها بتفاهمات دولة لدولة، واعتماد إجازة استيراد مسبقة من الوزارة المختصة للتجار تحدد الكمية والقيمة لبيعهم الدولارات اللازمة من الصرافين، مقابل تأمينها من مصرف لبنان بسعر معادل (3000 ليرة)، من ضمن تحويلات اللبنانيين وربع عائدات التصدير، أي ما يعادل ملياري دولار سنوياً، فيما سيصحح الاقتصاد الكثير من نقاط الضعف بربط استيراد المواد الباقية بسعر دولار مرتفع (5000 ليرة) وعجز اللبنانيين من تحقيق الطلب عليها وعجز الكثير منها عن منافسة الإنتاج المحليّ الذي سينمو خصوصاً في القطاعات الغذائيّة وقطاع الألبسة والأحذية، بدليل ما كان عليه في سنوات سعر دولار مرتفع في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

تحسين التبادل التجاريّ مع سورية والعراق يحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية بالعودة للعبقرية الفرنسية التي أدركت مع عهد الانتداب الحاجة لتبادل تجاري بالليرة المحلية، فجعلتها واحدة، رغم إقامة دولتين ودستورين وحكومتين وجيشين ورئيسين، لكن مع إنشاء مصرف مركزي واحد وليرة واحدة، وهو ما يمكن استبداله اليوم بتعاون حاكميات المصارف المركزية في لبنان وسورية والعراق لإصدار تسعير يومي تبادليّ للعملات الوطنية من دون المرور بالعملات الأجنبية والسماح بالتداول بالعملات الوطنية في أسواق البلدان الثلاث، كما نحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية في الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية بالدولار، بالعبقرية البريطانية التي أقامت خط كركوك طرابلس وأنشات مصفاة طرابلس، بحيث يحصل لبنان على حاجاته من المشتقات النفطية لقاء تكرير ضعف حاجاته وبيعها لحساب العراق، وبيع ثلاثة أضعافها من النفط الخام لحساب العراق، ولبنان الموجود على البحر المتوسط قبالة أوروبا يوفر على العراق ثلاثة أرباع كلفة نقل النفط قياساً بعبور الناقلات من البصرة نحو هرمز فباب المندب وقناة السويس وصولاً للمتوسط، وضمن خطة سنة لتشغيل الخط والمصفاة، يمكن شراء النفط الرخيص بأسعار اليوم ووضع آلية لتقنين استهلاكه.

إن تأمين مستلزمات الاستيراد الضروري بأسعار للدولار بين حدي 1500 و3000 ليرة مشروطة بإجازات استيراد مسبقة من وزارات الاختصاص، وهي وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد ووزارة الطاقة كل في مجالها، لن يتيح تأمين السلع الأساسية بسعر ثابت ومناسب للقدرة الشرائية للبنانيين فقط، بل سيضمن الرقابة على النوعية والتحكم بلوائح المواد والأصناف المستفيدة من هذه الميزة، والاطلاع على الأسعار الفعلية للاستيراد، وربط التجار بالحاجة لإجازة شراء الدولار المنخفض سيضمن تقيدهم بالأسعار التي يتم وضعها لبيع هذه المستوردات للمستهلك اللبناني تحت طائلة الحرمان من الإجازة التفضيلية، والاضطرار لشراء الدولار بسعر السوق الحرّة، والدخول في منافسة غير متكافئة مع منافسين يحتفظون بميزة الحصول على دولار منخفض السعر لتقيّدهم بتسعيرة الوزارات المختصة.

مقالات متعلقة

مصرف لبنان: إمبراطوريّة الحاكم كيف تُعالَج؟

العميد د. أمين محمد حطيط

في زمن الانهيار والإفلاس الواقعي في لبنان خرج حاكم مصرف لبنان على اللبنانيين بمطالعة فضاضة ظنّ أنه يقدّم بها سند براءته مما آل اليه الوضع المالي في الدولة. وضعٌ تفاقمت فيه الخسائر وتهدّدت ودائع المودعين بالتبخر وفقدت السيولة أو خشي من فقدها في المصارف التي لجأت وبشكل غير قانوني إلى التقنين في الاستجابة لطلبات المودعين (أيّ مارست capital control وبشكل غير قانوني) واختلّ سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار إلى الحدّ الذي بات للدولار فيه 4 أسعار صرف (رسميّ بين المصارف 1507، وواقعيّ لدى الصرافين تجاوز 4000 ليرة وسعر تحويل السحوبات من قبل المودع، 3200 وسعر تحويل الحوالات الواردة إلى الشركات المالية 3600 ليرة). فهل وفق الحاكم في مسعاه في التنصل من المسؤولية عن الكارثة وهل أقنع الخبراء وأرضى اللبنانيين؟

قد تكون الإيجابية المهمة لمطالعة رياض سلامة هي ما أعلنه للمودعين بأنّ أموالهم المودعة لدى المصارف موجودة وأنها تستعمل. ما يعني أن لا خوف عليها وهو التقى في ذلك مع تصريح سابق لرئيس الحكومة كان أشدّ وضوحاً وأشدّ صراحة ودقة وتحديداً عندما قال إنّ ودائع 98% من المودعين هي مضمونة وإنها لا تمسّ. وبالتالي حتى هذه المسحة الإيجابية في قول سلامة للطمأنينة على أموال المودعين جاءت تعزيزاً لموقف رسمي مسؤول سبق إطلاقه وبدقة أوضح.

بعد ذلك تنصل سلامة من كلّ مسؤولية عن الأوضاع، مؤكداً انّ المجلس المركزي في المصرف هو الذي يضع السياسات ويتخذ القرارات ويقبل أو يرفض الطلبات الواردة اليه، متناسياً ان هذا المجلس لا ينعقد في ظلّ انتهاء ولاية نواب الحاكم الأربعة منذ أكثر من سنة، وصحيح أنّ مسؤولية عدم التعيين تقع على عاتق الحكومة (شغرت المقاعد في ظلّ حكومة سعد الحريري وتعذر إملاء الشواغر بسبب التنازع التحاصصي بين السياسيين)، لكن سلامة استمرّ بنفسه وبشخصه و”تطبيقاً للقانون الذي لا يقبل تعطيل أعمال المجلس” استمرّ في اتخاذ القرارات وتسيير الأعمال بشكل يكاد يكون منفرداً.

وبالمناسبة نقول إنّ الصلاحيات والحصانة التي أعطيت لحاكم مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف والذي لم يقرّه مجلس النواب بل صدر بمرسوم بعد مضيّ 40 يوماً على إحالته من الحكومة إلى المجلس في العام 1963، تجعل منه شبه إمبراطور مطلق الصلاحية إذ يعيّن لست لسنوات لا يمكن إقالته فيها إلا في حالات حصرية وضيقة جداً، ويتمتع بأوسع الصلاحيات لإدارة المصرف وتسيير أعماله ويعيّن ويقيل جميع الموظفين من جميع الرتب (م26 نقد وتسليف) ويُستشار في تعيين نوابه بحيث جرى التعامل على عدم تعيين من لا يرضى الحاكم به. والمضحك المثير للسخرية هنا انّ الحاكم هو من يعيّن لنوابه وظائفهم (م 18 نقد وتسليف)، حيث بإمكانه أن يقرّب او يقصي منهم مَن يشاء دون رقيب ما يعني انّ النص يجعل من 4 نواب للحاكم رهن مشيئة الحاكم الذي يمكنه تهميشهم او تفعيلهم وخطورة هذا الأمر تنعكس على عمل المجلس المركزي لاحقاً.

هذا الواقع الإمبراطوري في مصرف لبنان جعل الحاكم ذا سلطة تمكنه قول نعم أو لا لأيّ كان في الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء مجتمعاً. وبالتالي هذا الواقع يقفل الطريق على حاكم مصرف لبنان بأن يقول “أُجبرت” او “اضطررت” او “ضغطت” لأفعل هذا او ذاك، ما يعني أن كلّ ما يحصل في مصرف لبنان يقع بشكل مباشر على عاتق الحاكم ولا تخفف من مسؤوليته شراكة المجلس المركزي بالفعل، فهو رئيس هذا المجلس وهو يملك الهيمنة على 4 من أعضائه هم نوابه كما ذكرنا، وهو من يضع جدول أعماله. وبالتالي انّ التلطي خلف المجلس المركزي امر ليس منتجاً لما يريده الحاكم من براءة في هذا المجال. طبعاً وهنا لا يمكن أن نهمل مسؤولية الحكومة عن الشغور في مواقع نواب الحاكم وتالياً المجلس المركزي.

أما عن مسالة إعلام الحكومة بقرارات المجلس وما يحصل في المصرف، فإننا نميّز بين قرارات الحاكم وتعاميمه، وبين قرارات المجلس المركزي، حيث إنّ مفوض الحكومة يبدي رأيه في الثانية ويطلع على الأولى بمقدار ما يعلمه الحاكم بها، وهنا نذكر أيضاً بأنّ موقع المفوّض شاغر منذ 15 شهراً. هذا الشغور حصل في ظلّ حكومة سعد الحريري وهو مستمر إلى الآن، وتتحمّل الحكومة مسؤوليته قطعاً. فوظيفة مفوض الحكومة في المصرف هامة للغاية، لأنه هو عين الحكومة في المصرف، وإذا مارس المفوّض صلاحياته فإنه يشكل خط أمان يمنع انحراف المصرف عن مساره بشكل او بآخر. فمفوّض الحكومة هو حلقة الوصل بين المصرف والحكومة عبر وزير المال الذي يمكنه إذا مارس صلاحياته وكان خبيراً او استعان بخبراء في الشأن المالي أن يمنع عبر الحكومة أيّ شذوذ في إدارة المصرف.

وهنا نصل إلى مسألة الاستقلالية التي يتمسك بها حاكم مصرف لبنان، فنجد أنّ النص جاء صريحاً على انّ المصرف “شخص معنوي من القانون العام ويتمتع بالاستقلال المالي” (م13 من النقد والتسليف) وبعطف النص على نص صلاحيات الحاكم بأنه يتمتع بواسع الصلاحيات في إدارة المصرف (م 26 نقد وتسليف) نصل إلى القول بأنه يجب التمييز بين نوعين من التصرفات تصرفات الحاكم في إدارة المصرف وشؤونه الداخلية، وبين تسيير المرفق العام لجهة مسّه بالدولة والمواطن. ففي الأولى نعم نوافق الحاكم على استقلاليته وحقه في الفعل أو الامتناع دون الأصغاء لأحد، أما في الثانية فواجب الحاكم أن ينصاع للسياسة العامة للدولة وينسّق مع الحكومة في كلّ ما له علاقة بالأمن المالي والأمن الاجتماعي وليس له أن يتذرّع بأيّ استقلالية غير موجودة في النص أصلاً. وهنا تثار مسؤولية مفوض الحكومة ووزير المال ومجلس الوزراء الذي هو السلطة التنفيذية بحسب الدستور. ولو كانت الاستقلالية هي كما يقول الحاكم لما كان حاجة إلى الرقيب الحكومي في المجلس الذي هو مفوّض الحكومة.

أما عن الهندسات المالية التي اشترى بها الوقت كما اعترف، فإنّ تبريره مرفوض حتى من قبل أقلّ الخبراء خبرة في هذا المجال، خاصة إذا قارنّا بين ما تكبّده المصرف من خسائر الدولة حصدتها المصارف أرباحاً، وبين قيمة المهلة الذي يزعم أنه اشتراها.

وعليه نقول إنّ رياض سلامة حاكم مصرف لبنان لم يقنعنا بتبريراته، ولكننا لا نوافق على أنّ المسؤولية في ما وصلت اليه الأمور تقع عليه وحده، فهو عضو رئيسي في المنظومة التي تسبّبت بهذا الانهيار، لكنه ليس الوحيد فيها، فكلّ أعضاء المجلس المركزي مع مفوّض الحكومة مع زير المال مع الحكومات المتعاقبة شركاء في صنع هذه الكارثة، ويتحمّلون مسؤولية الفعل المباشر أو مسؤولية السكوت عن الخطأ خاصة في السنوات الخمس الأخيرة التي تفاقم فيها الوضع وحدث فيها الانهيار.

أما المعالجة فإنها برأينا لا تكون فقط بإعادة النظر في تركيبة حاكمية مصرف لبنان حاكماً ونواباً ومفوّض حكومة ومجلساً مركزياً، بل يجب أن يبدأ العلاج بمراجعة قانون النقد والتسليف الذي يجب أن يُسقط إمبراطورية الحاكم ويقيم المؤسسة المتماسكة المتوازنة، حيث تظهر فيها الرقابة الجدية على إدارة المصرف ضمن منظومة تحفظ الاستقلال الإداري الداخلي من دون تفرّد، وتؤمّن رقابة الحكومة وتدخلها حيث يقتضي.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

رياض سلامة لم يضع النقاط على حروف اللبنانيّين

ناصر قنديل

قد يهتمّ التقنيون والخبراء الماليون ببعض الأرقام التي قدمها حاكم المصرف المركزي في إطلالته التلفزيونية، لكن سردية الأرقام وتعقيداتها في مخاطبة للرأي العام ليست سوى متاهة لا خروج منها، قد تنجح بتضييع الطاسة، لكنها لا تقنع أحداً ولا تردّ الكرة إلى مرمى أحد. وقد يهتم القانونيون بمناقشة حدود الصلاحيّات التي تحدّث عنها الحاكم في انتظام علاقته بالحكومة، فيسائله الرقميّون عما فعلته الهندسات المالية التي باعنا فضله بأنه فعلها ليشتري لنا وللحكومات وقتاً، عن كلفة هذا الشراء قياساً بعائداته. وقد يسائله القانونيّون عن موجبات العلاقة بين الحكومة والحاكم بغياب مفوّض للحكومة ونواب للحاكم، أي سقوط مرجعية نظرية اسمها المجلس المركزي، ومراجعة اعتراضيّة اسمها مفوضية الحكومة، لكن كل هذا سيبقى مجرد تفاصيل من المشهد الذي يتطلع نحوه اللبنانيون، الذين يتمحور سؤالهم حول: متى سيمكنهم التصرف بودائعهم، ومتى سيعود الدولار للتواجد شخصياً في السوق، وبأي سعر، وماذا عن وعده بأن الودائع بأمان والليرة بخير، إذا ما خرجنا من صومعة الحاكم وقيود مصرف لبنان، إلى أقرب كونتوار في مصرف أو شباك صراف، في شارع الحمراء، حيث لا يبعد عن مكتب الحاكم بضعة أمتار؟

الجواب سلبي وقاتم، فكلام الحاكم لم يقدّم ولم يؤخّر في ما يعرفه اللبنانيون بالملموس كل يوم، بأنهم غير قادرين على التصرف بودائعهم أو بجزء منها، وما يعرفونه بالملموس أيضاً أنهم غير قادرين على شراء الدولار بأسعار مصرف لبنان، بتدرجاتها الأول والثاني والثالث، وأن التجار يبيعونهم السلع على أساس سعر خامس هو مرّة ونصف قيمة السعر الرابع الذي يباع فيه الدولار في السوق، لأن سعر التجار هو 6000 ليرة للدولار إذا قارنا تسعيرات اليوم بأسعار السلع قبل ستة شهور، ولأن ما يطلبه أغلب اللبنانيين ليس في السياسة بل في حياتهم اليومية، وهم يوافقون الحاكم على رفض حصر المسؤوليّة به وبقراراته وتوجّهاته، ويدركون أن الحكومات المتعاقبة والمجالس النيابية المتعاقبة شريكة في المسؤولية عن النتائج الكارثية التي يعيشون في ظلّها، فمن حقهم أن نقول للحاكم، لم تكن موفقاً بالاستعانة بمثال الدول التي تسببت مواجهة الكورونا بدفعها إلى الركود والأزمات المالية، لأنها لا تصحّ في لبنان الذي أدركته الأزمة قبل كورونا، ولم يكن بلوغها مفاجئاً، كي تصحّ فيه حال الأسباب القاهرة التي تحاكي حال الدول التي تفاجأت بأزماتها بنتاج مواجهة وباء الكورونا، لندخل بعيداً عن السجال العقيم أو التخصصي في صلب الموضوع.

يعرف الحاكم أنه عاجز عن الإفراج عن ودائع اللبنانيين بالدولار، وكذلك عن ودائعهم بالليرة اللبنانية رغم تأكيده وجودها دفترياً. كما يعرف أنه عاجز عن ضمان سعر ثابت لصرف الدولار في سوق الصرف وجعله سعراً موحداً للقيود الدفترية وللسوق النقدية، ولأن هذين الأمرين هما ما يعنيان اللبنانيين فباقي الكلام لا يحرّك فيهم ساكناً، لأنه لا يعنيهم. والحاكم حاز مكانة مميزة عند اللبنانيين خلال توليه منصبه أتاحت له الوقوف فوق السياسيين وربما معاملتهم من فوق، لأنه كان قادراً على ضمان ما لم يعد قادراً على ضمانه اليوم، ولذلك فعليه أن يعتاد على حقيقة أن المقدس قد سقط، وأنه آخر هذا المقدس الذي سقط وقد سبقه سقوط السياسيين منذ زمن، وصار متاحاً للنقد مثلهم والنقاش معه يجب أن يكون حراً ومتاحاً، من دون الذهاب لعقل المؤامرة، والحديث عن خطط مدبّرة، وسواها مما يعتاده الواقع اللبناني ويكثر من استعماله.

قاد الحاكم السفينة المالية والنقدية وفقاً لما كان يظنه اللبنانيون خياراً استراتيجياً مدروساً، اقرب للحلم، ليكتشفوا أنه رهان يشبه الكابوس، والرهان أقرب للمقامرة. والفارق بين الرؤية الاستراتيجية والرهان هو أن الرؤية الاستراتيجية تعتمد خياراً مبنياً على فرضيّات وتقيم خطط خروج من خيار إلى آخر في حال تغيّرت الوقائع والحسابات، بينما الرهان لا يقيم هذا الحساب فيسقط بمجرد تغير الظروف والمعطيات. فالسؤال الذي يحق لنا توجيهه للحاكم هو عن خطط الخروج من الرهان على تثبيت سعر الصرف عندما بدأت السفينة تواجه خطر الغرق. وكما قال الحاكم معلوم أن فوارق الاستيراد عن التصدير في الميزان التجاري تلقي بضغط يقارب 17 مليار دولار مطلوبة في السوق كانت تتم تغطيتها من التحويلات الآتية من الخارج، ومنذ العام 2010، أي منذ دخول العقوبات الأميركيّة القاسية على اللبنانيين حيّز التنفيذ، بدأت تحويلات اللبنانيين من الخارج تدخل في الجفاف وصولاً للنضوب، وبدء العجز في العام 2010 موثق في تقارير المصرف المركزي، ومثله تواصل العجز التراكمي في ميزان المدفوعات أعوام 2011 و2012 و2013 و2014 و2015 وفقط في عام 2016 تحقق وفر ناتج عن الهندسات المالية التي قال الحاكم إنها بهدف شراء الوقت، بعدما كان العجز التراكميّ قد زاد عن 18 مليار دولار، ولم يبدأ العجز إذن في عام 2015 كما قال الحاكم، ليفسر لنا أنه في العام التالي أقدم على الهندسات لنشتري الوقت، بل انتظر خمس سنوات ليفعل شيئاً، ويا ليته لم يفعل، لواجهنا الوضع الذي نواجهه اليوم بمعطيات أفضل وظروف أقل وطأة. فالهندسات هي عملياً شراء مليارات عدة من دولارات المصارف بضعف السعر أي بـ 3000 ليرة للدولار. وهي نسخة عن كل المنهجية التي قاد عبرها الحاكم سفينة المال والنقد، معالجة الدين بمزيد من الدين، وارتفاع الفوائد بمزيد من الارتفاع، وهذه هي النتيجة أمامنا.

الحقيقة أن سياسة تثبيت سعر الصرف، وبموازاتها تمويل الدولة بالمزيد من الديون، بمثل ما يجب مساءلة الذين توالوا على الحكم عنهما، لم يكونا عند حاكم المصرف مجرد طاعة وتلبية لتعليمات السلطات السياسية، بل كانا استراتيجية المصرف المتلازمة، بين تثبيت سعر الصرف والدين بفوائد مرتفعة، فتلك هي فلسفة الحاكم المالية والنقدية بجناحيها الأقرب للسحر الأسود. فكم من مرة فاقت الديون المسجلة على الخزينة حاجاتها، بداعي سحب السيولة لحماية سعر الصرف ولو عبر المزيد من الاستدانة من دون ضرورة مالية للدولة، عبر إغراء الفوائد المرتفعة للمصارف كي تستجيب لطلب المصرف، برفع نسب ودائعها لديه، ويحمي سعر الصرف، والحصيلة هي سؤال: هل بيئة الفوائد العالية هي بيئة مناسبة لنمو الاقتصاد والاستثمار، أم هي مجرد بيئة للمضاربات المالية والعقارية؟ فهكذا تجمّد الاقتصاد وتراجع الإنتاج، ودخلنا في دائرة مغلقة ستنفجر بوجهنا يوماً ما، وهذا اليوم هو عندما يتقلص عائد التحويلات من الخارج الذي يعوّض ضعف الإنتاج والتصدير مقابل ارتفاع متزايد في فاتورة الاستيراد بفعل التشجيع على الاستهلاك الذي وفّره تثبيت سعر الصرف، وأغرت به الفوائد المرتفعة.

بين العامين 2009 و2010 كانت اللحظة التي يجب أن يتحرّك خلالها مصرف لبنان لتعديل الخطة، ولوضع استراتيجية خروج من الرهان، وكان المناخ السياسي مؤاتياً، في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وبعدها حكومة الرئيس سعد الحريري، في عهد الرئيس ميشال سليمان، فميزان المدفوعات يُنذر بالخطر عند مصرف لبنان خلال عام 2009 وأظهرته حصيلة العام 2010 وتواصل بعدها. والخروج من الرهان هو أولاً بوقف نزيف العملات الصعبة، بضغط الاستهلاك تدريجاً خلال خمس سنوات من 20 ملياراً إلى 15 ملياراً ورفع التصدير من 3 إلى 5 مليارات، وهذا كان ممكناً بتعاون الحكومة والمصرف المركزي، لتضييق الفجوة في ميزان المدفوعات من 17 ملياراً إلى 10، ومعها تحرير تدريجي مسيطر عليه لسعر الصرف ضمن خطة خمس سنوات تسمح بخسارة الليرة 25% من قيمتها، لدخول خمسة أخرى ينخفض خلالها الاستيراد من 15 إلى 10 مليارات ويرتفع التصدير من 5 إلى 7 – 8 مليارات، وتحرير إضافيّ لسعر الصرف بنسبة 25 % خلال خمس سنوات أخرى، وضمن كل ذلك التخطيط وفي طليعته تخفيض الفوائد لتشجيع الاستثمار في الإنتاج، فهل أوصلنا الحاكم إلى خروج هادئ من رهانه عندما تغيرت المعطيات، أم واصل إصراره على الرهان، حتى سقطنا كتدحرج صخرة كبيرة من أعلى الجبل نحو قعر الوادي؟ فهل فكر في تغيير المنهجية ومواجهة المخاطر، هل فعل ذلك؟ هل طلب ذلك ورفضوه، هل حذّر من هذا السقوط ولم يسمعوه؟ إن كان ذلك قد حصل فهو بريء وهم وحدهم المذنبون، ولعله عندها يخرج علينا بما يثبت أنه فعل وحذّر ليبرئ اللبنانيون ساحته، وإن لم يفعل، وهذا هو الأرجح بدليل الهندسات المالية المشؤومة، فهو خاض رهانه كأنه يقامر بماله الخاص، يتقبل لمتعة المغامرة خسارة كل شيء، أو ربح كل شيء، واللبنانيون لم يأتمنوه ليفعل ذلك بأموالهم وجنى أعمارهم، وحقهم بالعيش الكريم، من دون أن ينتقص ذلك من مسؤولية من أفسدوا وسرقوا واستغنوا بأموال غيرهم، وتنعموا بالفوائد والهندسات، لكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فمسؤوليته تبقى الأكبر بهذا القياس، لأنهم سيلقون المسؤولية عليه ساعة الحساب بداعي، أن رياض قال إن الأمور بخير.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: