أيها اللبنانيون مَنْ منكم يعرف أسماء شهداء الاستقلال؟

معن بشور

شكراً لرفاق القوميين الاجتماعيين الذين بإحيائهم على مدى أعوام لذكرى رفيقهم شهيد الاستقلال في بشامون سعيد فخر الدين، يذكّرون اللبنانيين بأنّ استقلالهم لم يأت دون شهداء وتضحيات، وأنه لم يكن نتيجة ضغط بريطانيّ على الانتداب الفرنسي، كما يحلو للكثيرين تصويره..

ولكن كم من اللبنانيين يعرف أنّ البطل فخر الدين لم يكن الشهيد الوحيد في تلك الأيام العشرة الفاصلة بين اعتقال أركان حكومة الاستقلال 11 تشرين الثاني وإعلان الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943، بل كان هناك 14 شهيداً و 44 جريحاً في طرابلس تمّ إطلاق النار عليهم في ساحة السلطي في شارع المصارف، بعد اعتقال المغفور له عبد الحميد كرامي مع الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح والوزراء كميل شمعون وعادل عسيران وسليم تقلا، بالإضافة الى شهداء أطفال المدارس في صيدا الذين تمّ قتلهم بالدم البارد أمام مقر الحاكم الفرنسي…

بل كمّ من اللبنانيين يذكر كيف اتّحد اللبنانيون، كما لم يتحدوا من قبل في معركة الاستقلال، فصنعوا في شوارع عاصمتهم وسائر المدن والأرياف، كما في برلمانهم والحكومة المؤقتة في بشامون وفي قلعة راشيا، ملحمة الاستقلال التي صنعت للبنانيين استقلالاً، ولكن لم تكن كافية لتصنع لاستقلالهم دولة الحق والقانون والعدالة الخالية من أمراض الطائفية والفساد والارتهان للقوى الخارجيّة..

لم يكن إهمال الرواية الكاملة لملحمة الاستقلال جزءاً من الإهمال المزمن الذي يعاني منه اللبنانيّون منذ أكثر من 77 عاماً، بقدر ما كان جزءاً من خطة خطيرة بعناوين متعدّدة.

أوّل العناوين ترسيخ القناعة لدى الشعب اللبناني أنّ لبنان قاصر تتقاذفه لعبة الأمم ولا يستطيع شعبه ان يحقق نصراً لا في الداخل ولا على الخارج إلا «بمعونة أجنبيّة»، وهو ما يتجلّى اليوم حين باتت المبادرة الفرنسيّة هي حبل نجاة اللبنانيين في مفارقة تاريخيّة تقول «إنّ من اجتمع اللبنانيون جميعاً بالأمس لإخراجه، من بلدهم أصبح اليوم محطّ إجماع الطبقة السياسيّة الحاكمة لإنقاذ البلد بعد 77 عاماً من الاستقلال.

ثاني العناوين تكريس الانطباع أنّ الاستقلال كان نتيجة جهود فوقيّة بين سياسيين وسفراء لا ثمرة كفاح شعبيّ دامٍ قدّم خلاله اللبنانيون العديد من الشهداء مباشرة في لبنان، أو من خلال انخراط العديد منهم في الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش والتي يجمع المؤرّخون وفي مقدمّهم المؤرخ الكبير الأستاذ شفيق جحا أنها كانت أحد أبرز الأسباب التي أدّت الى استعجال المندوب السامي الفرنسي منح لبنان دستوره عام 1926، وهو الدستور الذي ما زال معمولاً به بعد تعديلين أولهما يوم الاستقلال، وثانيهما بعد الطائف عام 1989.

ثالث العناوين هو انتهاج سياسة حرمان بعض المدن والمناطق اللبنانيّة من الإعلان شرف المشاركة بدماء أبنائها في ملحمة الاستقلال، وكأنّها ناقصة «اللبنانية» لتبرير حرمانها طيلة عهود الاستقلال من أبسط حقوقها ومن تشغيل أهمّ مرافقها، ولعلّ ما تعرّضت له مدن كطرابلس وصيدا وجبل عامل وأرياف الشمال والبقاع من حرمان هو أنصع دليل على هذه الخطة.

من هنا، وفي ظلّ إهمال الطبقة الحاكمة لشهداء تلك الملحمة الاستقلاليّة الرائعة، والذين لم يستحقوا حتى زيارة «بروتوكولية» لمدافنهم، كما هي زيارة أضرحة الرؤساء والوزراء والزعماء الذين شاركوا في تلك الملحمة، نشعر انه لا بدّ من أن نذكر أسماء أولئك الشهداء، خصوصاً في طرابلس وصيدا، مذكرّين أيضاً بلوحة في قلعة الاستقلال في راشيا تضمّ أسماء كلّ أبناء تلك المنطقة الذين استشهدوا في معارك ضدّ الاحتلال الفرنسي.

أما شهداء طرابلس فهم: سليم صابونه، أحمد صابر كلثوم، رشيد رمزي حجازي، فوزي قاسم شحود، عبد الغني أفيوني، عباس إبراهيم حبوشي، محمد علي حسين خضر، عبد القادر مصطفى الشهال، كمال عبد الرزاق ضناوي، وديع خاطر بركات، أحمد جوجو، محمد حسين الحمد وسليم الشامي.

وفي صيدا استشهد في انتفاضة 1936 ضدّ الانتداب، برصاص جنود الانتداب الذي أصاب ايضاً كتف المجاهد الشهيد معروف سعد وأدّى الى استشهاد كلّ من: عبد الحليم الحلاق، محمد مرعي النعماني، ناهيك عن كوكبة من طلبة المدارس في صيدا الذين استشهدوا او جرحوا برصاص الانتداب أمام مركز المندوب الفرنسي وهم الشهداء: سعد البزري، ثروت الصباغ وشفيقة ارقدان.

فكيف تكون احتفالاتنا في عيد الاستقلال في غياب أيّ ذكر لشهداء الاستقلال، بل في غياب أيّ محاسبة لمن أوصل لبنان الى ما هو عليه من حال مزرية على كلّ المستويات، ومن فساد ما زال أقوى من كلّ محاولات التصدّي له، حتى بات «استقلالنا» هذه الأيام هو «طرد» شركة تدقيق جنائي لمصرف لبنان وحساباته، ولوزارات الدولة ومؤسساتها، من بلادنا، حرصاً على «الصندوق الأسود» الذي بات أهمّ من استقلال الوطن وحقوق المواطن.

العاهرة..

البناء

ينعتوني بـ»العاهرة» ويتمادون

يصفقون لـ»عهري» وعلى خاصرة ألمي يثملون

يرتشفون نشوى الذل وعليّ يتلهّفون

إن كُنتُم تروني «عاهرة» فقولوا عني ما تشاؤون

أنا «عاهرة « منذ مئة عام

منذ أن دفنتم رجولتكم وانتشلتم الذل سيفاً

حينما الوطن بعتم

وتقاعستم عن الحق

وبتم للجق والقيل والقال

صفات بلا فحوى الرجال..

عندما زاولتم مهنة الدجال

ونسيتم بأنكم رجال..

نعم أنا «عاهرة» منذ نعومة أظافري

منذ أن كانت أمي تشقى قبل الفجر

لعجن عجينة الأمل..

منذ أن كانت أختي تقصّ ضفائرها

لا تعي ما قاله ذاك الفتى المغوار في الحي..

منذ أن كان أبي يهتف لذاك السياسيّ في النهار

ويجلس في الليل يعدُّ ليرات الدَّين..

لا بل أنا «عاهرة» منذ أخبروا أمي أنت حامل بأنثى..

وكاد وجهها الكظيم يلامس الأرض

ولمَ لا وهي تحمل في أحشائها «عاهرة»..

ومنذ أن تلفظت بواء الحياة

تعلّمت «العهر» بتلك الصفات..

أتنعتونني بـ»العاهرة» لكوني

أحمل كتبي وأسير عكس المسير..

وأضيء شمعة لأنير مجلسي

وأترك لكم ذاك الضوء المثير..

وتتهامسون من حولي

يا لَـ»عهرها» تُدرك من الحياة الكثير..

تتبجّحون بالرجولة وتلصقون «العهر» في أسمائي..

ولكم ولعزّتكم وكرامتكم

كرّست ورسخت حياتي..

يا لَـ»عهركم» لا بل يا لَخبثكم

فـ»العهر» عفواً شرفي وأخلاقي..

فأنا «العاهرة» التي أنشدت البطولات..

وسجلت في التاريخ أساطير التضحيات..

أنا التي ما رضيت الذل يوماً

وتتلمذت على يد أمهاتي «العاهرات»..

أنا التي تألمت

وبكت

وضحكت

وأطعمت

وأشربت

وسهرت

وربت

وحضنت

وحملت

فأنا التي أنجبت رجالاً

لكنما ببغيهم

باتو «أشباه رجال»

لينعتوني بـ»العاهرة»

ويجرّدوني من ألف باء الحياة…

خالد علوان وملحمة بيروت

معن بشور

في الحرب العربية – الإسرائيلية التي شهدها لبنان عام 1982 والتي استمرت أكثر من 88 يوماً، والتي كانت درّة تاجها ملحمة بيروت الخالدة، حصاراً وقتالاً ومقاومة بطولية أجبرت العدو، ولأول مرة في تاريخ الصراع معه، أن ينسحب بعد أيام دون قيد او شرط بل مذعوراً ينادي بمكبرات الصوت «يا أهل بيروت لا تطلقوا النار علينا… اننا منسحبون».

Afifa Karake on Twitter: "6 حزيران 1982 ، 38 عاما على حصار #بيروت واجتياحها  : بيروت تحترق ولا ترفع الاعلام البيضاء (#السفير). كتب #مهدي_عامل في 26  أيلول 1982(منقول) : قالوا: وتكون الحرب

يردّد اللبنانيون عموماً هذه الاستغاثة الإسرائيلية، كما يردّدون مانشيت جريدة “السفير” في تلك الحرب “ بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء”، تماماً كما يردّد أبطال المقاومة في بيروت مع أول شهيدين في ملحمة بيروت شهيدي الطريق الجديدة (محمد الصيداني وعصام اليسير): “ليس من العار ان تدخل دبابات العدو مدينتنا، لكن العار كلّ العار أن لا تجد من يطلق الرصاص عليها” فكانت الرصاصات الأولى التي لحقتها رصاصات في كلّ أحياء بيروت وأزقتها وشوارعها حتى أكتشف العدو انّ خروج قوات المقاومة الفلسطينية من العاصمة، كما القوات العربية السورية ومئات المتطوّعين العرب والأمميّين، لم يُخرج روح المقاومة من عاصمة كانت تهبّ انتصاراً لكلّ مقاومة في وطننا العربي، بل على مستوى العالم…

بين مقاومي بيروت في تلك اللحظات كان العروبي والناصري والقومي والشيوعي والاشتراكي والإسلامي، الذين وحّدتهم العمليات البطولية في شوارع العاصمة، والذين توّجوا عملياتهم بما عرف بـ “عملية الويمبي” حيث أقدم الشهيد السوري القومي الاجتماعي ابن بيروت خالد علوان ورفيقاه الراحلين عارف البدوي وشربل عبّود على إطلاق النار على جنود صهاينة ظنّوا انّ “الأمر قد أستتبّ لهم” فجلسوا في مقهى “الويمبي” في الحمرا لتفاجئهم رصاصات المقاومين التي أردت أحد ضباطهم البارزين قتيلاً…

لم يكن خالد علوان ورفيقاه وحدهم يجسّدون في عملياتهم البطولية روح العاصمة المتجدّدة عطاء وصفاء وتضحية وإبداعاً، بل كان هناك أيضاً المرابط إبراهيم منيمنة، والشيوعيون جورج قصابلي، ومحمد مغنية وقاسم الحجيري ومهدي مكاوي، والناصريون محمود وهبة، ومحمد أحمد إسماعيل ومنير سعدو وجهاد عادل الخطيب، وأبو علي محمد عرابي، ومناضلو حزب البعث، وحزب الاتحاد، والاتحاد الاشتراكي العربي – التنظيم الناصري، واتحاد قوى الشعب العامل، وحركة أنصار الثورة، بالإضافة إلى مقاتلي جيش لبنان العريي وحركة أمل والهيئات الإسلامية، بل كانوا جميعاً امتداداً لإرث بيروت المقاوم منذ عام 1948 على يد أمثال الدكتور بشارة الدهان، ووفيق الطيبي وعماد الصلح و”جمعية كلّ مواطن غفير”، ومع الشهيد خليل عز الدين الجمل أول شهيد لبناني في صفوف الثورة الفلسطينية في أغوار الأردن عام 1968، ومع الشهيد أياد نور الدين المدوّر أول شهيد جبهة المقاومة الشعبية لمقاومة الاحتلال بعد غزو 1978، ومع الشهيد الناصري صالح سعود أول شهداء الحرب 1982، ومع المفقود بلال الصمدي الذي حمل السلاح متوجهاً الى الجنوب مع رفاقه الخمسة في تجمع اللجان والروابط الشعبية ليواجه العدو الزاحف من الجنوب باتجاه العاصمة بل مع وقفة المفتي الشهيد حسن خالد في صلاة العيد في الملعب البلدي، وخطب الشيخ الراحل عبد الحفيظ قاسم التي كانت تدوّي بها إذاعة “صوت لبنان العربي”.

وحين نتحدث عن الشهيد خالد علوان نتحدث عن كلّ شهداء المقاومة بكلّ تياراتها واتجاهاتها، وصولاً الى المقاومة الإسلامية التي تحوّلت اليوم الى رقم صعب في معادلة الصراع في المنطقة، والتي بات وجودها ونموها مصدر قلق رئيسي لعدو نجح في تصوير نفسه بأنه “الجيش الذي لا يُقهر” وإذ به في لبنان، ثم في غزة، يصبح الجيش الذي لا ينتصر.

إنّ الإضاءة كلّ عام على هذه الأسماء الساطعة في سماء الوطن والأمة، هي إضاءة على دور بيروت التاريخي في حمل راية النضال الوطني والقومي والإيماني على مدى العقود، بيروت التي علمتنا جغرافيا الوطن العربي يوم انتصرت لجبال الأوراس في الجزائر، ولجبال الأطلس في المغرب، ولجبال ردفان في اليمن، ولجبال ظفار في عُمان. وللجبل الأخضر في ليبيا، ولمعركة بنزرت في تونس ولثورات العراق منذ ثورة العشرين وحتى مقاومته المتواصلة بعد الاحتلال الأميركي، ولثورات سورية ضدّ الاستعمار والانتداب والتي كانت بيروت وكلّ لبنان شركاء فيها، وبالتأكيد لثورة جمال عبد الناصر في مصر، ولثورة فلسطين المستمرة رغم كلّ مشاريع التطبيع والتصفية…

في تلك الملحمة الخالدة، تلاحمت الرايات في الدفاع عن بيروت واجتمعت قوى الأمة كلها لا سيّما اللبنانية والفلسطينية والسورية، وفيها كان الانتصار الأول على العدو الذي تلته كلّ الانتصارات، بل بسببها كان كلّ هذا الحقد الصهيوني على بيروت خصوصاً، ولبنان عموماً، وهو حقد ما زلنا نعاني أثاره حتى اليوم في حروب وفتن وانفجارات وتجويع ومحاولات تركيع وتطويع.

إنّ استحضار هذه الذكريات “الخالدة”، وهذه الأسماء العطرة اليوم، هو استحضار لدور مدينة يحاولون تغييبها وتشويه صورتها وطمس دورها، وذلك في إطار الانتقام من مدينة كان شارعها الرئة التي تتنفس من خلاله كل قضايا الأمة العادلة، وثانياً في إطار مؤامرة شطب عاصمة كانت قاعدة لوحدة الوطن الذي تتعاظم هذه الأيام مشاريع تصفية مقاومته ومخططات تقسيمه إلى كانتونات وفيدراليات طوائف ومذاهب.

مقالات متعلقة

خالد علوان حقيقة ماضٍ وحاضر ومستقبل

Khaled Alwan Tumblr posts - Tumbral.com

ناصر قنديل

في مثل هذا اليوم قبل قرابة أربعة عقود، كانت بيروت عاصمة الكلمة الحرة والفكرة الجديدة، عاصمة الشعر والموسيقى والمعارض والمسارح، عاصمة الخير والجمال بين عواصم العرب، تسقط مضرَّجة بدمائها تحت جنازير دبابات الاحتلال، وسط تصفيق وترحيب الكثير من العرب واللبنانيين، الذين ركب بعضهم متن الدبابات، وركب بعضهم موج البيانات، وبدا أن عاصمة عربية ثانية بعد القدس تدخل العصر الإسرائيلي، لحقبة ستفتح الباب لسقوط آخر وعاصمة أخرى. ولم يكن في بيروت إجماع على المقاومة، ولا حتى أغلبية، ولا كان سلاح شرعته الدولة، وسلاح الدولة الشرعي يومها كان يتم ترويضه وإخضاعه من بوابة اغتصاب الشرعية الدستورية في قصر بعبدا لصالح مشروع الاحتلال الرئاسي، ولم يكن الأمر بحاجة لسن قانون أو صدور مرسوم، ولا لأشهر وأسابيع وأيام، فخلال ساعات امتشق خالد علوان ابن بيروت، جسده ومشى نحو شارع الحمراء حيث يعرف خطواته كنبض قلبه، واطلق دمه رصاصات تكفلت بحسم الموقف، بيروت لن ترفع الراية البيضاء، وعلى جيش الاحتلال أن يغادر. وبدأ جيش الاحتلال يلملم شظايا وأشلاء مشروعه الذي بدأ العد التنازلي لمصيره منذ تلك الرصاصات.

تحية من النبطية لبطل عملية الويمبي الشهيرة ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي الشهيد  خالد علوان :: شبكة أخبار النبطية
الويمبي traola Twitterren

في ذكرى اغتيال المفكّر والفيلسوف وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون  سعاده . موقع إضاءات الإخباري

خالد علوان الذي ترجم روح ونص عقيدة حزبه، الحزب السوري القومي الاجتماعي، ونبض زعيمه الذي اختصر الحياة بوقفة العز، ليس شيئاً من الماضي ولا مجرد ذكرى، بل هو حقيقة حاضرة ومستقبلية، بمقدار ما هو الحقيقة التي كتبت تاريخنا، وجوهر هذه الحقيقة، أن المقاومة خيار وقرار، لا يحتاج الكثرة ولا الإجماع ولا الأغلبية، ولا ينتظر الإذن ولا الإقرار بالشرعية والمشروعية، وأن المقاومة لا ترتبط بحساب ربح وخسارة وضمان فوز بالمعركة، وتحقق من توازن القوى، وأن المقاومة ليست إضراباً نقابياً يرتبط إشهاره بمنسوب وعي عام، وتدرّج في المطالب ورفع السقوف، فالمقاومة خلافاً لكل ذلك فعل إرادة فردية تنطلق من اليقين بأنها صرخة التاريخ بوجه العدوان لتسجل باسم رمزية الأمة، رفض الرضوخ والاستسلام، والمقاومة بناء للكثرة واتجاه نحو الإجماع بقوة خلق الوقائع المؤدية الى النصر، والمقاومة تشكل للوعي من فوهة حقائق كتبت بالدم تصعب مجادلتها ولا التنكر لإشعاع نورها، والمقاومة صناعة لموازين القوى لا مجرد انتظار بارد لتغيرها، فالتوازن بين قدرة النار وروح الاستشهاد معادلة المقاومة الحاسمة، حتى تتسع بقعة النور بحجم أعداد الشهداء، وتتغيّر الموازين تحت إيقاع حقائق المقاومة الجديدة، تضرب يدها على الطاولة، وتعلن سيادة عصرها.

مَن يستطع الإنكار أن الاحتلال الذي دخل بيروت رحل عنها خلال أيام، خلافاً لما كان يرغب؟ ومن يستطع الإنكار أن سقوط راية الإحتلال حصل بفعل هذه الإرادة العظيمة التي بشرت بها رصاصات خالد علوان وشكلت إيذاناً بولادتها، وأنه مع هذا التحول التاريخي الذي تأسس في بيروت، ولدت شرعية جديدة، وأغلبية جديدة، وإجماع جديد، وميزان قوى جديد، ووعي جديد؟ وأن هذا التشكل الذي جرى في اللحظات الفاصلة بين ضغط أصابع خالد علوان على زناد مسدسه واستقرار رصاصاته في صدور المحتلين، هو اللوحة التشكيلية الجديدة التي قدمتها بيروت في معرض التاريخ، وهو الفكرة الجديدة التي أضافتها بيروت للفلسفة والسياسة ومفهوم الشرعية والمشروعية، وهو القصيدة الجديدة التي كتبتها بيروت، بفائض الحرية الذي فاض به دم السوري القومي الاجتماعي خالد علوان.

من يستطيع الإنكار أنه بقوة هذا التحول التاريخي، انطلق موج هادر في جسد الوطن وجسد الأمة، ونهضت مقاومة تحمل ألوان الطيف الفكري والثقافي والعقائدي لأحرار الوطن والأمة، وخلال شهور وسنوات تراكمت الحقائق، حتى تحقق الإنجاز تلو الإنجاز، تحريراً يلي تحريراً، وصولاً للإنجاز الكبير في أيار عام 2000. وهذا معنى أن الشهداء لا يموتون، لأنهم يجسّدون بشهاداتهم حقائق خالدة غير قابلة للتغيير ولا التعديل، ففي كل لحظة يطلب أحد للمقاومة أغلبية أو إجماعاً يبررانها، أو قانوناً أو مرسوماً يشرّعانها، أو نضوج وعي جامع وتكامل موازين قوة، تؤكد نصرها كشرط لانطلاقها، سنقول لهم ردّنا عليكم هو دم خالد علوان، الذي حرّرنا وحرّركم، ولو التزم بما تطلبون، لما كانت لنا ولا كانت لكم هذه الحرية، وما كان صحيحاً في ذلك الأمس بدم خالد، هو صحيح لليوم، وسيبقى صحيحاً كل يوم، بدماء تحمل بذرة التحول الى الف خالد وخالد، من دون اذن أحد، ومن دون شرعية من أحد، الا شرعية الحق واذن الدم بملاقاة الشهادة.

مقالات متعلقة

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

Avoid Replication: Change Your Rules of Operation

by Nasser Kandil

The Lebanese Parliament Majority stands before the scenario of a new Lebanese government in a changing international and regional climate.  Expressive of the most nationalistic views among all the other Lebanese political power groups, it faces a crucial test equivalent in magnitude to its responsibilities. This Majority supports Al Mukawama, and defends Lebanese independence in the face of subjugation schemes titled on one occasion as “neutrality” and on many others as complete surrender to American demands which begin and end with the full preservation of Israeli interests.

The considerable responsibility carried by this Parliamentarian Majority includes an awareness of the changes resulting from the West’s fear of Lebanon moving towards choices defines by French President Emanuel Macron as “the West’s loss of this sensitive spot in the East Mediterranean,” and described as “strategic competition” by the U.S. Diplomat Jeffrey Feltman. Included in these changes is the West’s calculation of risks associated with the confrontation with Al Mukawama Axis, at its head Iran, and a dissension about ways of confrontation, in which settlement offers is one considered way of confrontation, where Lebanon becomes a major experimental field to test chances for their success.

Everything points to the world and the region swimming in muddy swaps filled with surprises, Lebanon and the region dancing on a hot tin roof, uncertainty of outcomes, and experimental balloons rather than final policies.  For those reasons, the Parliamentarian Majority’s bigger responsibility lies in not falling prey to fantasies about an end to confrontation, or any decisive settlement, or the positioning of the West outside of the language of pressure, or of favoring unilateral investments to improve economic conditions at the price of political concessions as long as immutable tenets of sovereignty remain untouched.

Considerations in the formation of a new government come within the context of this scenario of changes and uncertainty.  Among these considerations is the possibility of a representative government, or one acceptable to, if not representative of, all major political factions. In all cases, what is being considered is a government which ends the political fragmentation which followed the resignation of the unity government headed by Saa’d Al Hariri  before the October 17 uprising.

Prior to any discussion of hypotheses and possibilities, chief of which is about the naming of a Prime Minister to head the new government, a major question should be asked about the failure in governing by the Majority’s choices, before and after it became a Majority in Parliament, and before and after a team member became President, and when it shared the government with its opponents, and on the occasion it exclusively participated in the formation of the government.

Any fair review will reveal that the defect does not lie in the opponents or in circumstances but in these power groups’ considerations related to groupings, party, or religious sect and unrelated to government. Such considerations resulted in a fragile coalition, incapable of constructing a serious and effective governmental plan. A clear and simple proof is that the dissention in partnership governments which stood in the way of numerous accomplishments, was dissention between the power groups within the Coalition rather than with their opponents. Further proof is that nothing changed when the Majority formed its government. The same disagreements, suspicions, and accusations persisted, and the same failure was reaped. Without rectification of this defect, a replication of such failures is inevitable.

There are serious Lebanese and foreign deliberations about calling on the former Prime Minister Saa’d Al Hariri to form a new government. There are two approaches the Majority can adopt towards this hypothesis. One approach is a familiar one, characterized by giving precedence to categories, party, and sectarian considerations, which it had adopted in the past, and was rewarded with failure.  Such approach consists of holding on to a heterogeneous mix during deliberations which separates and goes back to its original groups and their insistence on quotas in projects and in the naming to official positions, and disintegrates anew within the formed government, regardless of who is named as Prime Minister.

Sufficient to consider is the distance separating the Free National Movement from the Marada Movement, and the way the late government was formed without the participation of the Syrian Nationalist and Social Party, and the features of marginalization of the Consultative Gathering in deliberations about governmental options. Such consideration highlights the loss in value of the improvement in the relationship between the Amal and the Free National Movements, which has allowed the success of the Coalition’s prominent Trio in interactions and discussions as one team seeking a unified approach, unless such improvement can guarantee success in changing the approaches adopted thus far to allow a change in outcomes.

Such change is predicated on two conditions.  The first is to widen the dialogue and unify the constituents of the Parliamentarian Majority into one political front united in views, positions, and approaches.  The second is to put forth a plan for the new government in which priorities take precedence over the naming for positions.  Principal among the priorities are (1) a new election law which brings Lebanon closer to a secular country in compliance with Article 22 of the Lebanese Constitution, (2) an economic rebirth based on reinforcing productivity, (3) openness to the oriental depth and to Syria as a priority, (4) openness to the variety in the numerous economic options in the world, at its head China and the plans made possible through cooperation with her, (5) refusal of any exchange of sovereignty for money be it in matters related to the designation of the border lines or in the matters related to the Syrian and Palestinian Refugees.

The most dangerous step the Majority could take would be to believe that it can rest once Prime Minister Hariri or someone similar to him undertakes the formation of a new government acceptable to all, because the responsibilities imposed by the current economic burdens and by  an  economic resurgence do not lie with the new government alone.  Outcomes after a new government is in place will come step by step. A price in sovereignty will be attached to every financial facilitation offered by the West.  The Parliamentarian Majority will be blamed each time it rejects such type of offer, or will be pushed into ornamenting such offers only to fall into the many traps set for it. Furthermore, the Majority will be divided as a result of each of its components bargaining of their share in the new government, or in case of the failure to form one and a return to square one, the Majority will be blamed for such failure.  It will lose the golden time separating it from new elections. The price it will pay will be the loss of its majority status in a new parliament.  Deprived of new election law, it will be driven by the force of the current election law to the loss in its majority on the eve of the Lebanese Presidential election.

غيّروا القواعد كي لا تعيدوا النتائج ذاتها

ناصر قنديل

في مناخ دولي وإقليمي متغيّر تقف قوى الغالبية النيابية أمام المشهد الحكومي الجديد. وهذا الامتحان حاسم بقياس مسؤولية هذه القوى، بصفتها التعبير الأشد وطنية بين القوى السياسية، بوقوف هذه الغالبية وما تمثل من حاضن للمقاومة ومدافع عن الموقف الاستقلالي بوجه مشاريع الاستتباع المسمّاة مرّة بالحياد ومرّات بالخضوع التام للإملاءات الأميركية التي تبدأ وتنتهي عند حدود المصالح “الإسرائيلية”، والمسؤولية تقتضي عدم تجاهل المتغيّرات الناتجة عن الخشية الغربية من ذهاب لبنان إلى خيارات أسماها الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون بخسارة الغرب، لهذا الموقع الحسّاس في شرق المتوسط، ووصفها الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان بالتنافسية استراتيجياً، والمتغيرات في جزء آخر منها نتاج الحسابات التي يقيمها الغرب لمخاطر المواجهة مع محور المقاومة وعلى رأسه إيران، وانقسامه حول سبل المواجهة، ومن بينها عروض التسويات، التي يشكل لبنان أحد عناوين الاختبارات الرئيسية لفرصها، لكن المسؤولية تقتضي أكثر عدم الوقوع في أوهام انتهاء المواجهة، أو حسم خيارات التسويات، أو تموضع غربي خارج لغة الضغوط لصالح الإستثمار الأحادي على فرضيات تعويم الوضع الاقتصادي بأثمان سياسية تسووية لا تمسّ الثوابت السياديّة، فكل شيء يقول إن العالم والمنطقة يسبحان في وحول مستنقع مليء بالمفاجآت، وإن لبنان والمنطقة يرقصان على صفيح ساخن، وإن النهايات غير محسومة، وبالونات الاختبار ليست سياسات نهائية.

في قلب هذا المشهد تجري مقاربة الملف الحكومي، وإمكانية حكومة جامعة أو حكومة يرضى عنها الجميع إن لم تكن حكومة تمثيل الجميع، ولكنها في كل الأحوال حكومة تنهي الانقسام السياسي الذي أعقب استقالة الحكومة الجامعة التي ترأسها الرئيس السابق سعد الحريري قبل انتفاضة 17 تشرين، وقبل الدخول في مناقشة الفرضيات والاحتمالات، التي يتصدّرها الحديث عن تسمية رئيس يكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، يجب طرح السؤال الجوهريّ عن سبب فشل خيارات قوى الغالبية في العمل الحكوميّ، قبل أن تصير غالبية وبعد أن صارت، وقبل أن يصل من فريقها رئيس للجمهورية وبعد وصوله، وعندما كانت تشارك خصومها في حكومات، وعندما تفرّدت بتشكيل حكومة، وأي مراجعة منصفة ستكشف أن الخلل ليس في الظروف ولا في الخصوم، بل بكون هذه القوى تعاملت بحسابات منفصلة مع الملف الحكومي، وهي حسابات يغلب عليها الطابع الفئوي الحزبي والطائفي، فبقيت مجرد حلف هش عاجز عن تشكيل مشروع حكومي جدي وقادر، والدليل البسيط والأوضح على ذلك هو أن الخلافات التي حالت دون تحقيق الكثير في حكومات الشراكة كانت خلافات أطراف الغالبية فيما بينها وليست خلافاتها مع خصومها، وعندما شكلت الغالبية حكومتها لم يتغيّر شيء، وبقيت الخلافات وبقيت الشكوك والاتهامات، وبقي الحصاد الفاشل نفسه، ومن دون مراجعة هذا الخلل سيُعاد إنتاج النتائج ذاتها.

التداول بفرضية تسمية الرئيس السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة جدّي، داخلياً وخارجياً، لكن ثمة طريقتان في مقاربة هذه الفرضية من قبل الغالبية، طريقة تقليدية تعرفها قوى الغالبية وسبق وسلكتها وحصدت الفشل، وهي تغليب المقاربات الفئوية الحزبية والطائفية، والبقاء خليط غير متجانس يتفرق بعد التسمية إلى مكوناته الأصلية في حسابات الحصص، ويتفكك مجدداً داخل التركيبة الحكومية بغض النظر عن اسم رئيس الحكومة، حول محاصصة المشاريع والتعيينات، ويكفي النظر للمسافات الفاصلة بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، والنظر للطريقة التي انتهت بعدم مشاركة الحزب السوري القومي الاجتماعي للحكومة الأخيرة، وبملامح تهميش اللقاء التشاوري عن التداول بالخيارات الحكوميّة، لمعرفة أن التحسن على خط العلاقة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر، الذي أتاح نجاح الثلاثي الأبرز في الغالبية في التلاقي والحوار كفريق يسعى لرسم مقاربة مشتركة، يفقد قيمته ما لم يرتبط بشرطين، يضمنان له النجاح بتغيير قواعد المقاربات كي تتغيّر النتائج، الشرط الأول توسيع الحوار ليطال مكوّنات الغالبية كجبهة سياسية يجب أن توحّدها النظرة والمواقف والمقاربات، والشرط الثاني وضع برنامج أولويات للحكومة الجديدة يتقدّم على التسميات، وفي أساسه قانون انتخابات جديد يقترب بلبنان من الدولة المدنية وفقاً لصيغة المجلسين المنصوص عليها في المادة 22 من الدستور، وخطة نهوض اقتصادي تقوم على تعزيز الإنتاج والانفتاح على العمق المشرقي وفي الأولوية سورية، والانفتاح على التنوع في الخيارات المتعددة اقتصادياً في العالم وفي الطليعة الصين وما تتيحه مشاريع التعاون معها، ورفض أي مقايضات للسيادة بالمال سواء في ترسيم الحدود أو في قضايا النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين.

أخطر ما قد تُقدم عليه الغالبية هو الاعتقاد أنها سترتاح بمجرد تولي الرئيس الحريري أو من يشبهه مهمة تشكيل حكومة ترضي الجميع، لأن مسؤولية المتاعب الاقتصادية وكذلك مسؤولية النهوض بها لم تعد في حضنها وحدها، لأن الحصيلة ستكون خطوة خطوة، وضع ثمن سيادي لكل تسهيل غربي مالي يجري تحميل الغالبية مسؤولية إفشاله، أو دفعها لتزيين قبوله بالسقوط التدريجي في الفخاخ، والغالبية ستكون مفككة وقد ساوم كل من أطرافها على حصته، وفي حال الفشل والعودة إلى المربع الأول ستحمل الغالبية مجدداً المسؤولية، كما ستكون قد تسببت بخسارة ما تبقى لها من وقت ذهبي يفصلها عن الانتخابات، التي ستدفع فيها ثمناً يسحب عنها صفة الغالبية، وستحرم من إنتاج قانون جديد، وتؤخذ بقوة القانون الحالي إلى خسارة غالبيتها عشية الانتخابات الرئاسية.

George Abdullah, 35 years in prison, in France, why? جورج عبدالله 35 عامًا في سجون فرنسا، لماذا؟

جريمة كفتون الإرهابيّة إلى المجلس العدليّ

ناصر قنديل

مع تصريح وزير الداخلية محمد فهمي بأن التحقيقات الجارية حول الجريمة التي أدّت لسقوط ثلاثة شهداء في بلدة كفتون في الكورة، قد حسمت لصالح اعتبارها جريمة إرهابيّة، وكشفت خلفيّات مرتكبيها وأهدافهم، صارت الحقيقة الثابتة بعيداً عن كل الفرضيات الأخرى، هي أن المجرمين الإرهابيين ليسوا مجرد أفراد بخلفيات إرهابية وسجل إجرامي إرهابي، بل هم كانوا في مهمة لصالح تشكيل إرهابي، ضمن إطار مخطط إرهابي كبير.

هذه الخلاصة تنصف الشهداء أولاً، لكنها ترتب مسؤوليات على الدولة بحجم الحقيقة الخطيرة ثانياً، فوجود مخطط إرهابي جاء العدوان على أمن الكورة في سياقه، أمر بحجم يستدعي استنفاراً على مستوى أجهزة الدولة الأمنية والقضائية، لكشف كل خيوط الشبكات الإرهابية وخلاياها النائمة من جهة، ومتابعة كل المتورطين في جريمة كفتون وسوقهم للعدالة من جهة مقابلة.

المطالبة بإحالة الجريمة أمام المجلس العدلي ليست طلباً تكريمياً للشهداء، وهم يستحقون أكثر من ذلك وقد كرموا لبنان بدمائهم التي بذلوها لحماية لبنان من خطر داهم، فالإحالة أمام المجلس العدلي هي تعبير عن الجدية في تقدير حجم الخطر ونوعية الجريمة، ورسالة للجدية في مواجهة هذا النوع من الجرائم، لأنه ببساطة من غير الطبيعي ألا تعتبر هذه الجريمة الإرهابية الموصوفة من نوع جرائم الاعتداء على أمن الدولة، التي وجد المجلس العدلي للنظر فيها.

مقالات متعلقة

جريمة كفتون فتحت الأبصار والبصائر على الحزب النهضويّ الرساليّ

مفيد سرحال

الجرح ينطق يا فمُ، دمُ الفدى يتكلّمُ

فاسكت… فإنّك إن تكلّمَتِ الجراحُ لأبكمُ

لم أجد أبلغ وأروع ما جاشت به شاعرية الشاعر محمد يوسف حمود في مطلع قصيدته «جرح البطولة» لمحاكاة جريمة كفتون البشعة التي نالت غدراً وغيلة من ثلاثة شبان ينتمون إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي المنذور وفق منطوق عقيدته للفداء والبطولة وبذل الروح والدم عن سابق إصرار وتصميم، وكأنه لا خنوع او خضوع في لغة هؤلاء اقتداء بزعيمهم الذي اغتيل في أشنع وأبشع وأغرب محاكمة شهدها العصر الحديث. ترى هل ما حل بنا ولما يزل من مآس وتجارب واحتراب وتصدّعات ومهالك ومصائب ومتاعب وانكسارات وانهيارات هو عقبى وعقوبة الثامن من تموز؟ قد يكون، ولا شماتة!

كمراقب وكإعلامي مؤمن بأنّ الكلمة العلمية الموضوعية العاقلة المتبصرة بمعنى انّ مصدرها العقل والعقل فقط هي الحدّ الفاصل بين الحق والباطل وبين الخير والشرّ، وضعت جريمة كفتون في كفتين متوازنتين متوازيتين للدلالة والاستدلال.

الكفة الأولى: إنّ القومية الاجتماعية بحدود معرفتي المتواضعة، مدرسة نهضة حياتية وفكر منهجيّ تخطيطي لنظام جديد وإنسان جديد تسكن إنسانيته المجتمع لأنها منه وفيه، تضخ الفكر في الرؤوس والنفوس نداء وبناء بالمفهوم القومي الإنساني الحياتي المجتمعي والجمالي.

الكفة الثانية: أنّ القوميين أأحبَبتهم أم لم تحبّهم أهضَتهم أم لم تهضمهم… يشكلون طائفة اللاطائفيين، اللاكانتونيين، اللاطبقيين، اللافئويين، اللارجعيين، اللاعنصريين، اللاولائيين لشرق أو غرب، قضيتهم قضية عز قومي ولا نهوض لقضية إلا بسقوط شهداء لها فدائيين، وكفتون في لائحة الشرف عندهم ليست الأخيرة وهم كرماء نبلاء عظماء في سوح التضحية والفداء.

وبعد لأنّ القوميين ليسوا من لبنان الكناتين والزنازين المقفلة على الطائفية العنصرية، والفئوية الرجعية والعشائرية ولأنهم ليسوا من ل ب ن ا ن.. اللام لبني علي، والباء لبني يسوع، والنون لبني عمر، والألف لبني معروف وينتمون للنون الأخيرة نبع الوحدة ونقطة التلاقي، ولأنهم بقعة الزيت التي تتمدّد في المدن والقرى والدساكر لتشعل القناديل الهادية فتراهم ينيرون ويتوهّجون ويتألقون في وطن.

لأنهم كذلك ألم تلاحظوا الجريمة الشنيعة في كفتون كيف استرخى الإعلام المفتون بالفتنة في غالبيته والنخب والرأي العام على ردة فعل باهتة نرتاب في ظلماتها المبهرة! كتلك الوجوه الكالحة خلف أقنعة اللامبالاة والغرائز والنزوات والعصبيات الدفينات؟

وسط هذا العدم الطالع من فحيح وحفيف المنصات الطالعة من الوعر والأعشاب الخرساء لا يأبه ابناء الرسالة القومية الاجتماعية لظلم، لقهر، ما حلّ وما سيحل وتراهم يتزوبعون ينضجون ويلملمون أجنحة الأحمر نسراً نسراً حسبهم ان العيون ما تزال على الافق مشرعة على مد المدى.. ولا يأس… قالت الطفلة «صفيّة» كبرى بنات انطون سعادة لأبيها وهي تمشي وراءه في الجبل: أبي إن الشوك يؤلمني في قدمي! انزعي الشوك وتابعي طريقك… قال لها ولم يتوقف.

وبالرغم من ذلك الجميع يقرّ في طويته وخلده أن لا خلاص لوطن عانى ما عانى من التجارب، إنه كلما ليَّل علينا الليل وادلهمّ، وكلما دهمتنا الخطوب، وكلما تقفلت الفجاج، وكلما هاجت العاتيات واهتزت بنا الأرض، وكلما مضغنا الهموم والواقع المشؤوم، وكلما امتدت النار والحريق، كلما فغر غول الفتنة شدقه لابتلاعنا، كلما بثت الثعابين السود السم بين النفوس، قلنا في سرنا المكتوم أن علتنا لا شفاء منها إلا بذاك الفكر التجاوزي للأنا بكل توصيفاتها وألوانها، فكر ذاك الذي قال للجلاد الغاشم أنا أموت أما حزبي فباق…

وبعد هل سمعتم من ذوي الشهداء من رفاقهم من قادة حزبهم من مناصريهم على رقعة التواصل الاجتماعي او غيرها من وسائط الإعلام كلاماً خارج ضوابط العقل وآليات النظام الحزبي، هل سمعتم تهديداً أو وعيداً صراحة أو تلميحاً، هل أوحت المؤسسة الحزبية لفاعل غادر بالظن او اليقين؟.. علماً أنه ليس حزباً «غنمة» وله صولات راعبات في إحقاق الحق والذود عن الكرامة الحزبية وشرف الانتماء. إنها القوة العاقلة التي تؤمن بالعدل والقانون على رصانة وقدرة فعل مهابة مرهوبة الجانب.

وللدلالة على ما تقدّم أخذتني الذاكرة الى السبعينيات وكنت حينها في الثانية عشرة من عمري أمضي فترة الصيف في منزل خالي المرحوم صالح أحمد غزالة في عين عطا/ قضاء راشيا الوادي وكان وقتذاك مديراً لمديرية عين عطا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، حيث جاءه صبيحة نهار أحد جاره في السكن المرحوم جرجي الحداد وقال له: عندي شاب عسكري في الجيش اللبناني من دير الأحمر (مسيحي ماروني) تقطّعت به السبل ولجأ إلى منزلي منذ شهر، وذووه يعتبرونه إما مقتولاً وإما مخطوفاً وإما مفقوداً، بعد أن خرج من ثكنة مرجعيون إثر سقوطها بيد القوات الوطنية.

وقد فوجئت كيف قبل صالح أحمد غزالة بالمهمة نظراً لخطورة الانتقال من أقصى جنوب البقاع الى أقصى شماله وسط حال الخطر وتلك السمة المشؤومة للحرب اللبنانية القذرة أي الذبح على الهوية. وسارع صالح أحمد غزالة الى مراجعة المنفذ العام المرحوم جميل العريان الذي وافق على المهمة وأعطى صالح احمد غزالة رسالة حزبية ممهورة تخوّله الانتقال على الحواجز المنتشرة على الطريق الرئيسية الى دير الأحمر وكانت آنذاك شبه معزولة.. وصل صالح أحمد غزالة بعد الظهر الى منزل العسكري وكان لقاء عاطفياً مؤثراً مع ذويه الذين كانوا قد فقدوا الأمل من عودته حياً. وطرح الجيران الصوت وقُرع جرس الكنيسة فاجتمع الأهالي بالمئات لأن قرع الجرس يعني في ما يعني إشارة او خطباً جللاً فدخل صالح احمد غزالة الكنيسة وبعد التعارف صعد رئيس البلدية وهو من آل الرعيدي إلى الميكروفون وناداه يا أخ صالح أعطني هويتك الشخصية وهويتك الحزبية فرفعهما كل واحدة بيد وخاطبه أمام الأهالي: إن كانت درزيّتك قد علّمتك الشهامة والمروءة وإغاثة الملهوف فذلك ليس غريباً فأنتم بني معروف أعزاء كرماء ونبراس في النخوة وإكرام الضيف. وإذا كان الحزب السوري القومي الاجتماعي قد علمك هذا السلوك الإنساني الأخلاقي الرائد فهذا ليس غريباً على حزبكم الذي نشهد له بمناقبه وأخلاقه الوطنية وتجاوزه للنعرات الطائفية وعقيدته… وهكذا كان…. في دير الأحمر وكفتون وفي كل مكان انزرع فيه أبناء النهضة..

لذا فإن جريمة كفتون بدم شبابها الذين افتدوا اهلهم ومحيطهم أعادت فتح عدسة العقل والرؤيا على هذا الحزب النهضويّ الرساليّ وسط الهذيان الطائفي والمذهبي، وجحيم اللمحة الإعلامية الموشاة باللهب والجنون، الراقصة عبثاً وسط أكداس ما يشبه الدهشة والبوح الداكن..

كفتون ذاكرة الدم تستلّ كلماتنا المحروقة لكتابة سيرة حزب البطولة المؤيدة بصحة العقيدة، بحاسة الإبصار بالبصيرة والحب.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا كفتون في عين الإرهاب؟

 د. وفيق ابراهيم

سلام ى فكر كبير يتصدّى بعمق للعلل التاريخية في بلاد الشام، مجابهاً العدو الخارجي والطائفية وأنظمة سياسية تتشبّث بمعادلات المستعمرين.

أمس كانت كفتون الشمالية نموذجاً لهذا الفكر بتقديم ثلاثة شهداء من أحرارها سقطوا بنيران إرهابيّين أرادوا الاقتصاص منها لغايتين، موقعها القومي والوطني المجابه بشكل مباشر للإرهاب الداعشي والقاعدي، ومسيحيتها التي تستثير «الإرهاب الإسلاموي» وشركاه.

هي إذاً محاولة خبيثة لسحب كفتون المؤيدة للحزب السوري القومي الاجتماعي إلى معارك فرعية في وجه إرهابيّين لم يعودوا متمركزين في مكان واحد بعد هزيمتهم الأخيرة بل منتشرين بتغطيات كهنوتية وسياسية داخلية وخارجبة في أكثر من مدى الشمال على شكل بؤر متناثرة.

كذلك فإنّ «مسيحية» كفتون عامل إضافي يدفع الأصوليّين إلى مهاجمتها كما فعلوا مع المسيحيين في سورية والعراق ومصر وشرقي لبنان.

هناك طرفان في هذه القضية لا يجب عليهما إلغاء قضية كفتون بتحقيقات أمنية وقضائية مخيّبة مسبقاً للآمال فالدولة مطالبة بتحقيقات جدية عن هويات الفاعلين ودوافعهم والجهات الراعية لهم وملاحقتهم، بالإضافة الى التحقيق في الطريقة التي مرّر فيها «كتاب العدول» انتقال سياره الجناة من فلسطيني في صيدا الى سعودي في الشمال… وهي لا تحمل نمرة قانونية…!

أما الطرف الآخر فهو القوى الوطنية بما فيها الحزب السوري القومي الاجتماعي – فهؤلاء يحوزون على انتشار جغرافي له عيون شديدة الرؤية وتأييد شعبي بمدى واسع جداً.

المطلوب إذاً وأد الفتنة بشقيها من خلال متابعة جريمة كفتون وذلك بملاحقة المجرمين أمنياً وقانونياً والاقتصاص للشهداء القوميين وقطع الشكل الجديد للفتنة الأميركية الخليجية – الإرهابية التي ترتدي لبوس الاغتيالات في لبنان يرحل نحو انهيار في بئر لا قرار لها.

وإذا كانت الرحمة على الشهداء والتعازي للحزب السوري القومي الاحتماعي من الضرورة العاكسة لمدى الاحترام والتأييد فإنّ الدعوة لملاحقة المجرمين شخصياً وسياسياً هي من لوازم الضرورية للدفاع عن سورية بما فيها لبنان والتأكيد على انّ «حزب سعاده» يولي القضية القومية اهتمامه البنيوي من دون أن ينسى أبطال القضية.

مقالات متعلقة

الكورة ودم القوميّين خط دفاع أول

ناصر قنديل

الدكتور ناصر قنديل - Home | Facebook

ليست المرة الأولى التي تنزف خلالها منطقة الكورة دماً نقياً خالصاً دفاعاً عن الوطن، وقد بات ثابتاً أن الجماعات التي استهدفتها هي جماعات إرهابية كما تقول التحقيقات، ما يعني أن الكورة التي قدّمت دماء بنيها وهي تسهر على أمن الوطن كشفت كما هي مهمة كل حراس الكرامة، وجود مخطط إرهابي وحده يفسر هذا التجوال الليلي المسلح لجماعات إرهابية، لن يصدق أحد محاولة ربطه بعمليات سرقة لا تفسّر المسافة التي قطعها الإرهابيون وصولاً إلى الكورة ولا يمكن أن تجيب عن سؤال هويتهم وتاريخهم وفقاً للسجلات الأمنية لكل منهم، فالسجلات الشخصية لعصابات السرقة سجلات إجرامية، وسجلات الجماعات الإرهابية المنظمة سجلات أعمال إرهابية، وكفانا من تفجير المرفأ عبرة أن يعلمنا نتائج الاستخفاف بالأسباب والعواقب والميل للتفسيرات التي تسهل المهام.

خلال الحرب الأهلية عندما بلغت المواجهات مراحلها المتقدمة، صار مشروع التقسيم علنياً وعنوان الحلقة الأخيرة من الحرب، وقفت الكورة، ووقف القوميون لمواجهة هذا المشروع، وشكلت الكورة الشوكة التي صعب على أصحاب مشروع التقسيم بلعها او كسرها، وشكلت الكورة قاعدة صلبة للتمسك بالوحدة الوطنية ورفض كل أشكال الأمن الذاتي ومشاريع التفتيت، ودفعت الكورة الثمن من أبنائها ضريبة تمسكها بوحدة لبنان، لتكون على عهدها بأن تكون حارس الوطن، وجرس الإنذار بوجه المشاريع التي تستهدف أمنه ووحدته وسلمه الاجتماعي.

خلال الاجتياح الإسرائيلي وسيطرة قوات الاحتلال على أجزاء أساسية من لبنان تحولت الكورة إلى قاعدة ارتكاز ونقطة خلفية للقوميين الذين أخذوا مسؤوليتهم القومية بشجاعة، ولم يتردّدوا في تقديم كل التضحيات لمواجهة الاحتلال وحمل راية المقاومة بطليعية كتبتها دماء الشهداء من العاصمة بيروت ودم الشهيد خالد علوان، وكانت الكورة تحمي القوميّين المقاومين الذين تطاردهم أجهزة النظام التابع والحامي لمشروع الاحتلال، وكان أهلها يفتحون بيوتهم لهؤلاء المقاومين، وكان شبابها ينضمون لصفوف المقاومة، ويخوضون مهامهم بصمت، ودماؤهم كما قال زعيمهم انطون سعادة ليست لهم، بل ملك للأمة أمانة يؤدّونها عندما تناديهم.

عندما عصفت موجة الإرهاب مستهدفة سورية وعبرها كل المنطقة، أدّى القوميون مسؤوليتهم في الصفوف الأولى، وكانت قناعتهم أنهم يدافعون عن لبنان ولا يقومون بتوريطه كما يزعم الذين وصفوا الإرهابيين بالثوار، ودعوا لدعمهم ومنحهم الامتيازات، وما هي إلا شهور قليلة حتى ظهرت المخطّطات التي تستهدف لبنان لتنصف القوميين، في صحة موقفهم ووطنيته ووقوفهم في خط الدفاع الأول عن لبنان، لتأتي معارك الجرود، ويكون القوميّون قوة استنهاض للمجتمع مع قوى المقاومة شرق لبنان لمواجهة الخطر، كما هم دائماً حراس الكرامة الوطنيّة والمدافعون عن وحدة الوطن وأمنه وسلامته.

يستهدف القوميون وتستهدف بيئتهم الحاضنة والكورة في قلبها، لأنهم ولأنها حجر العثرة بوجه مشاريع التفتيت، الذي يريد من مسيحيي لبنان إعلان سقوط العيش المشترك والتبرؤ من المقاومة وسلاحها، فتستهدف الكورة بخيرة شبابها، وهي تحرس أمن الوطن، لتستفز وتستغضب وتضمّ صوتها للداعين للأمن الذاتي، وترى الخطر على المسيحيين من المسلمين، وتشترك في شيطنة السلاح الذي يرمز عبره كمفردة إلى سلاح واحد مستهدف هو سلاح المقاومة. وهذا معنى رد الكورة على الجريمة بإعلان رفض الأمن الذاتي ودعوة الدولة للقيام بمسؤولياتها، وأداء واجبها بإقناع اللبنانيين أنهم مواطنون في دولة تتولى مؤسساتها حماية أمنهم، وملاحقة المعتدين على هذا الأمن، والمسؤولية تتعدى مجرد نشر النقاط الأمنية والعسكرية، ومواصلة التحقيق لكشف المجرمين، على أهميتهما، إلى حد المطالبة باعتبار ما شهدته الكورة جرس إنذار بوجود مخطط يستهدف الأمن الوطني، تعميماً للفوضى وتمهيداً للأمن الذاتي، فهل يستحق الأمر اجتماعاً لمجلس الدفاع الأعلى، بعدما كشفت لنا الكورة بدماء شبابها أن تنظيم داعش لا يزال موجوداً بخلاياه النائمة، ويضرب في عتمة الليل والغياب، وصولاً للفراغ والفوضى؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Lebanon’s Security Forces Arrest Number of Syrians in Refugee Camps in Akkar over Koura Shooting

manar-080506100159826149210

 August 24, 2020

SourceAl-Manar English Website and NNA

An ISF (Internal Security Forces) unit raided an apartment belonging to a Syrian refugee in Akkar, as part of search efforts for wanted individuals involved in a deadly shooting in the district town of Kaftoun in Koura.

According to primary reports, an explosion was heard at the raid scene; it turned out that the 40-year-old wanted, identified as Youssef Kh., had blown himself up.

The security forces managed, while raiding a number of refugee camps in the outskirts of Al-Kawashera, Al-Bireh and Khirbet Dawood towns, to arrest a number of Syrians and confiscate two laptops, according to media reports.

Suspected suicide bombing reported at Syrian refugee camp in northern Lebanon

By News Desk -2020-08-24

BEIRUT, LEBANON (12:35 P.M.) – A person blew himself up while the Lebanese security forces besieged him in a Syrian refugee camp in the Akkar region of northern Lebanon, the Al-Jadeed TV reported, citing a correspondent nearby.

Al-Jadeed TV said that the explosion caused a number of dead and wounded, which occurred during a raid by the strike force in the Information Branch.

The report said a Syrian man blew himself up in a small room inside the Al-Fotouh area that is located between Khirbet Daoud and Al-Bireh in Akkar.

The mayor of Khirbet Daoud explained that the explosion was not within the vicinity of Khirbet Daoud, and that there was a strike operation in the morning of the strike force, and this explosion took place.

He said: We do not know until the moment whether the explosion was caused by the detonation of a bomb or if the young man blew himself up, pointing out that the room is owned by a person from the town of Ain al-Zayt, and we do not know if he had rented it from him since the time of the crime.

مشروعان متناقضان… بينهما حرب وجود ونحن واثقون من انتصارنا

د. ادمون ملحم

ما نشهده في بلادنا من قتل ومجازر ودمار وتهجير في فلسطين والشام ولبنان والعراق والأردن ليس إلا مشاهد من حرب طويلة الأمد مفتوحة على أمتنا وعلى وجودنا الإنساني الحضاري. هذه الحرب فُرضت علينا منذ تأسست الحركةُ الصهيونيةُ العالميةُ بهدفِ إيجادِ وطنٍ قوميٍ لليهود في فلسطين مرتكزةً على فكرةِ «أرضِ الميعاد» الممتدةِ بين الفراتِ والنيلِ التي منحَها يهوه السمسارُ لشعبِه «المختار» من دونِ سائرِ الشعوبِ لتكونَ له ملكاً أبدياً كما جاء في قولِه لإبراهيم في سفر التكوين 7:17: «… أعطي لك ولنسلِك من بعدِك أرضَ غُربتِك، كلَ أرضِ كنعان، ملكاً أبدياً، وأكون إلهَهُم».

وهذه الحرب المصيرية أفرزت مشروعينِ متناقضينِ لا يمكنُ التسويةُ بينهُما:

المشروعُ الأولُ هو المشروعُ الصهيونيُ العدواني الذي يريدُ أن يُقوّضَ مُجتمعَنا من خلالِ طمسِ هويتِنا القوميةِ وتراثِنا المناقبيِ الإنسانيِ وتزويرِ تاريخِنا الحضاريِ وأساطيرِنا الجميلِة وسرقِة ثرواتِنا وكنوزِنا وآثارِنا الخالدةِ والحطِّ من قِيمِنا الأخلاقيةِ والدينيةِ الساميةِ وتشويهِ كلّ إنتاجِنا الحضاريِ ومسيرتِنا الثقافيةِ والسياسيةِ والإبداعية.

المشروع الثاني فهو المشروعَ القوميَ الوحدوي الواضح، مشروعُ سوريةَ الطبيعيةَ الحضاريةَ العريقةَ في جذورِها التاريخيةِ والغنيةِ في معطياتِها الإنسانيةِ والثقافيةِ الماضية.

المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري سرطاني مدعوم من الغرب الرأسمالي ومتسلحٌ بأعنفِ الوسائلِ الماديةِ والعسكريةِ المدمّرةِ ويرتكز على مزاعم وهميّة خرافية.

أما المشروع القوميّ فهو مشروعٌ مجتمعيٌ إنسانيٌ راقٍ يرتكزُ على مبدأِ الاشتراكِ في الحياةِ والتفاعلِ الاجتماعيِ الطبيعيِ في البيئةِ الواحدةِ وعلى ملكيةِ الأمةِ التاريخيةِ لِوَطنِها وما فيه من ثرواتٍ وخيرات..

المشروع الصهيونيّ يعتمد البطش والإرهاب ولا يمثل إلا الباطلَ العنصريَ والنفسيةَ الهمجيةَ المتحجرةَ في مُعتقداتِها ومزاعمِها التاريخيةِ الخرافيةِ والمُفعمةِ بالحقدِ واللؤمِ والظلمِ والكراهيةِ والعداءِ للشعوبِ..

أما المشروع القومي فهو مشروعٌ حضاريٌ يمثّلُ النفسيةَ الجميلةَ الخلاّقةَ والمفعمةَ بالفضائلِ والقيمِ الساميةِ ويهدف إلى تحسينَ حياتِنا القوميةِ والمساهمة في رقيِ الإنسانيةِ جمعاء. وهذا المشروع تنهضُ به قوةٌ خلاَّقةٌ مؤمنةٌ بحياةٍ جميلةٍ تشعُّ فيها قيمُ الخيرِ والحقِ والجمالِ والحريةِ والسلام..

إنّ نتائج الحرب المصيرية تتوقف علينا نحن وعلى قدرة هذا المشروعُ القومي الطبيعي. فلكي ينهضَ هذا المشروع وينتصرُ يستوجبُ منا جميعاً الخروجَ من حالةِ الفتنِ المذهبيةِ والشرذمةِ والانقساماتِ إلى حالةِ الوحدةِ الاجتماعيةِ والتسامحِ القوميِ، حالةِ الوضوحِ واليقينِ والثقةِ بالنفسِ والعملِ بإرادةٍ واعيةٍ وخطةٍ نظاميةٍ واضحةِ الأهداف.

لا يمكنُ لنا أن نتغلبَ على الخطةِ الصهيونيةِ النظاميةِ الدقيقةِ ونحن نتبادلُ الأحقادَ الدينيةَ ونتقاتلُ على الجنةِ السماويةِ ونتخبطُ بقضايا الفئويةِ والمذهبيةِ والعشائريةِ والخصوصياتِ.. بل نتغلبُ عليها بعقيدةٍ جلّيةٍ واضحةٍ تُحيي حقيقتَنا التاريخيةَ الحضاريةَ وتعملُ لتأسيسِ مجتمعٍ مدنيٍّ ديمقراطيٍّ راقٍ يعي هويتَه وتاريخَه وقضيتَه القوميةَ ومقاصدَه الكبرى في الحياة.

لا يمكنُ لنا أن نتغلبَ على الخطةِ الصهيونيةِ بأنظمةِ الطائفيةِ والجهلِ والتخلفِ والفسادِ، أنظمةِ الهرولة وكبتِ الحرياتِ..

ولا نتغلَّبُ عليها بالسياساتِ الضيقةِ، بسياسةِ المماحكاتِ والخصوماتِ وبنهجِ التخاذلِ والتسكعِ والمساومات… بل نتغلبُ عليها بخطةٍ نظاميةٍ أشدُ نظاماً وأدهى، خطةٍ عقلانيةٍ واضحةٍ في الرؤيا والأهدافِ ودقيقةٍ في التخطيطِ والممارسةِ والإنجاز.. خطةٍ تعملُ لبناءِ الإنسانِ الجديدِ في فكرِه وقلبِه ووجدانِه، الإنسانِ الحرِ المؤمنِ بنفسهِ وإنسانيتِه، الممتلئ بقيمِ الحياةِ الساميةِ والمتسلحِ بقوةِ العلمِ والمعرفةِ والوجدانِ القومي، الإنسانِ – المجتمعِ الذي يعملُ لخيرِ مجتمعِه ورقيِه والذي يرفُضُ العيشَ الذليلَ ويحيا لقضايا الحياةِ العالية، حياةِ العزِ والشرفِ والانتصار.

ولا نتغلبُ على الخطةِ الصهيونيةِ بثقافةِ الهزيمةِ ولغةِ الإحباطِ، بنفسيةِ الخوفِ والصمتِ والخنوعِ وبأساليبِ الفوضى والتبعيةِ والاتكاليةِ والارتجالِ بل نتغلبُ عليها بخطةٍ ساهرةٍ وراصدةٍ وُمحرِّكةٍ إمكانياتِ المجتمع… خطةٍ هجوميةٍ ومصارعةٍ عواملٍ الضعفٍ والانحطاطٍ والفناء.. خطةٍ تُفكرُ برويةٍ وتستشرفُ المخاطرَ والتحديات.. تراهنُ على إرادةِ الحياةِ فينا وعلى ما يكمُنُ في نفوسِنا من قوةٍ مناقبيةٍ ومن خلقٍ وإبداع.. توقظُ النيامَ وتخاطبُ العقلَ والوجدان.. تنفخُ في الشعبِ روحَ البطولةِ والصراعِ والمقاومةِ وتُنَمِّي فيه روحَ الوعي والمعرفةِ العلميةِ والثقافةِ القوميةِ الصحيحةِ التي تزيلُ الغشاواتِ وتَقْضِي على المبادئ الفاسدةِ والثقافاتِ الرجعيةِ المسؤولةِ عن الكوارثِ القوميةِ التي حلَّتْ بنا.

في مواجهةِ المشروعِ الصهيونيِ لا خيارَ لنا إلا خيارَ المقاومةِ والصمودِ، خيارَ الصراعِ والبطولةِ المؤمنةِ دفاعاً عن الكرامةِ القوميةِ والوجودِ القوميِ والحقِ القومي. بفضلِ هذا الخيارِ فقط يمكن ان ننهي زمنَ الهزائمِ المتعاقبةِ على أمتِنا ونبدأ زمناً جديداً هو زمنُ الانتصاراتِ المشهودة، زمنُ المقاومينَ المؤمنينَ والشهداءِ الأبرارِ الذين بهم وحدهم نهزم المشروعَ الصهيونيَ – الأميركاني وسنهزمه حتماً لأن فينا قوة، كما يقول سعاده العظيم، لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ.

القوميّون والثامن من تموز والمتّحد المشرقيّ

ناصر قنديل

ثابتتان كبيرتان لا يمكن لأحد تجاهلهما، الأولى حجم الأثر الوجداني والنفسي والثقافي الذي رسمه استشهاد مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه أنطون سعاده قبل سبعين عاماً ونيفاً، وبقاؤه حدثاً ملحمياً حياً يفضح خيبة وخيانة نظام الملل والطوائف لفكرة دولة السيادة الوطنية منذ تأسيسها حتى اليوم، وارتسام صورة نورانيّة لقامة الزعيم كأيقونة خالصة مصفاة من الفكر والسمو الوجوديّ على الذات لحساب الذوبان في الفكرة وتجسّدها، بصورة أقرب للقداسة لأيقونة نابغة وعبقريّة، ما زادها الزمان إلا لمعاناً كالذهب الخالص، بحيث تصير الذكرى كلما أوغل الزمان بها عميقاً، أشدّ حضوراً وتأثيراً، والثانية حجم الشريحة الواسعة من النخب والناس الذين تثير فيهم هذه الأيام لذكرى استشهاد سعاده مشاعر خاصة، وتستعيد لديهم حضور فكره ومشروعه القومي، وتذكّرهم بحجم ارتباط عقيدته بحزب يجسّدها ونظام يضبط إيقاع الجماعة المؤمنة بها، جاعلاً من هاتين عزاءه الوحيد في ساعة الوداع، ومصدر تفوّقه على جلاديه بقياس التاريخ.

الذين لا تشوب نظرتهم لحزب سعاده شخصنة مريضة أو عقدة شخصيّة، ينتقدونه بعقلانيّة من موقع تمني أن يكون أوسع انتشاراً وأقوى حضوراً وأعلى صوتاً وأكثر تأثيراً، وهم إذ يأسفون على تحكم العصبيات بمجتمعاتهم، وتخييم التخلف عليها، يدركون أن فكر سعاده لا يزال وحده الجواب الشافي بكليّة مفاهيمه وتكاملها، بصفته تنويراً وحداثة في التفكير يرتكز إلى حفر دؤوب ومثابر لبناء الشخصيّة القوميّة للفرد والمجتمع من ضمن انخراطهما في حركة الصراع بوجوهها المتعدّدة، وليس نزوة عنفية عابرة ضد وجه من وجوه أمراض التخلف، ولأنهم يدركون ذلك ويقيمون حسابات أكلاف الانضواء وجدية مسيرتها، يعلقون الأماني ويوجهون النقد، ماذا لو كان الحزب الذي يحمل لواء عقيدة سعاده وفكره، في مكانة الفعل الأهم على ساحات بلاد المشرق، بما يتيح جعل الخلاص أقرب وأسهل، لذلك فإن هؤلاء يمكن فهمهم وتقبّل نقدهم، وهم رغم صوتهم المليء بمزيج النقد والتمني يتفهمون، وجود حقائق مرّة يفسر بعضَها تعثر هنا وضعف هناك، لكن مع ثبات وإصرار على مواصلة الحفر المثابر في جبل التخلف الجامد بإبرة العقيدة الحية.

يشهد الذين يقدرون المؤسسة النظاميّة التي يربط بها سعاده أحلامه وأفكاره، والذين ينتقدونها، بحضورها الدائم في ساحات المواجهة، التي رسمها فكر سعاده، وقرابة نصف قرن مضى تشهد للقوميين بموقع ريادي في ساحتي مقاومة الاحتلال ومشاريع التفتيت، وفوقها شهادة بمناقبية القوميين وترفّعهم وإقدامهم، لكن يبقى من أهم ما أنجزه سعاده عبر حزبه، هو أنه في زمن كان مطلوباً من المقاومة أن تحقق انتصاراً لتقول إن هزيمة المحتل وهزيمة التطرف والإرهاب، ممكنة، فتؤسس لنهوض سيتّسع في مواجهة كيان المحتل وأدواته من تطرف وإرهاب، شارك القوميّون من موقع طليعيّ في تقديم هذه المساهمة المعرفية بالدم، إلا أن إنجازهم الذي يتفرّدون به ويحق لهم أن يفاخروا بصدقه، هو أنهم قدموا للمجتمع فرصة التعرف على واقعية وإمكانية وجود كيان اجتماعيّ سياسيّ خالٍ من الطائفية والعصبية، هو مجتمع القوميين أنفسهم، الذي يجيب عن سؤال هل من الممكن تخيّل أفراد غير طائفيين وعلاقات اجتماعية وسياسية لا تمر بالمعبر الطائفي، بنعم قوية، شاهدها هم القوميون أنفسهم، على قاعدة أن دليل الإمكان هو الوقوع، وقد وقع فعلاً أن وجد مجتمع وأفراد، غير طائفيين ولا تمر علاقاتهم الاجتماعية والسياسية عبر معابر الطوائف.

اليوم، وفي ما تتداعى حدود سايكس بيكو، ويعود المحتلّ الأميركي لمحاولة رسمها بقوة الحصار الذي يسمّيه زوراً بالعقوبات، لمنحه صفة أخلاقية، لارتباط العقوبة بجرم، وهو يدرك أن تداعي حدود سايكس بيكو قد أدى وظيفته لحسابه بفتحها لنمو مشروع كيانات الإرهاب العابرة للحدود، وباتت الخشية من تحوّل التداعي إلى فرصة لإسقاط الحدود بين كيانات المشرق، لنشوء تكامل بينها يخشاه لأنه من موارد قوة الاجتماع السياسيّ الطبيعيّ الذي تمّ فصله بالقوة، ولخوفه من أن تنمو معه روح قومية تعيد الأولوية للصراع مع كيان الاحتلال وتختل به الموازين لصالح خيار المقاومة، وفيما يبدو للقوميين بوضوح أن نهوض التكامل المشرقي هو الرد على التحدي الاقتصادي فوق كونه بعداً بنيوياً في عقيدتهم، فهم مطالبون بأكثر من السعي والدعوة لأشكال مختلفة من هذا التكامل، مطالبون بتكرار الفعل الذي أدوه على مسرح التاريخ، كمثال لكيان عابر للطوائف ومترفع على العصبيات، بأن يؤدوا على مسرح الجغرافيا دوراً مماثلاً، باستيلاد كيانات اقتصادية اجتماعية ثقافية عابرة لحدود سايكس

عندما يقول التاريخ كلمته…!‏

د. عدنان منصور

شهد عالمنا عبر التاريخ حكاماً، طغاة، مستبدّين، خونة، بأشكال وألوان، منهم العميل والمرتزق، ومنهم العبد والمأجور، ومنهم الخادم والمأمور، ومنهم الظالم والحقود.

لقد عرفت أمتنا على مدى تاريخها كلّ هذه الأنواع من الحكام، على فترات متقطعة، فكانت تتحكّم ولو لوقت بشعوبها، تستبدّ، تبيد، تخمد أفواه الأحرار، وتقتل كلّ إنسان متعطش للحرية، والكرامة، وحقه في حياة حرة كريمة، في ظلّ أمة يريدها موحدة قوية.

غالباً ما يظنّ الطغاة أنفسهم، أنهم يحكمون باسم الشعب، ولخدمة الشعب والأمة على السواء، حتى إذا ما ذهبوا، وذهب معهم طغيانهم، انقشعت الحقيقة، ليصبح الطغاة الذين بغوا وفجروا على ألسنة الأجيال اللاحقة، تلعنهم وهم في قبورهم، وتنشد وتغنّي فكر المناضلين الأحرار. فأين مانديلا من أيان سميث العنصري الباغي في جنوب أفريقيا؟! وأين سلفادور الليندي من بينوشيه في تشيلي؟! وأين فيديل كاسترو من الدكتاتور باتيستا في كوبا؟! وأين باتريس لومومبا من تشومبي وجوزيف موبوتو في الكونغو كنشاسا…؟!

وفي مشرقنا العربي، أين مفكر النهضة أنطون سعاده من حسني الزعيم؟! وأين قافلة الشهداء المناضلين المقاومين للاحتلال الصهيوني، والمناهضين لوجوده، من الحكام الطغاة العملاء الذين تآمروا على أمتهم وشعوبهم، وباعوا قضاياها في بازار السياسة الدولية؟!

في ذكرى يوم إعدام مناضل كبير، ومفكر بارز عمل من أجل نهضة المشرق، والتأكيد على ذاته ومستقبله، نتساءل: من بقيَ في ذاكرة الأحرار، أنطون سعاده الذي بقيَ حياً في نفوس من أراد الحياة الحرة الكريمة، واستشهد على يد الطغاة من أجل عزة أمة ووحدتها وكرامتها، أم زمرة القتلة والمجرمين، والسفاحين، وبائعي الأوطان والمساومين عليها على أعتاب الدول الكبرى؟!

في يوم رحيل أنطون سعاده، يردّد الأحرار في أمّته، من محازبين، ومتعاطفين، ومحبّين، ومعجبين، ومحترمين لفكره ومقولاته وحكمه، وهم في مواجهة العدو الصهيوني وخططه، الذي حذر منه الأجيال. أما القتلة والطغاة سيبقون وصمة عار، تصبّ عليهم لعنة الشعوب الحرة وهم في قبورهم، لعنة تتوارثها الأجيال من جيل الى جيل.

وحدهم المقاومون، المناضلون، الأحرار، الشهداء، يشرّفون تاريخ بلدانهم، لتبقى ذكراهم أنشودة تحيي النفوس وتنعشها، وتحرك ضمائر الجماهير، من اجل إحياء امة، وبعث نهضتها من جديد.

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

ما بين الهزيمة والانهزاميّة

وجدي المصريّ

الحروب في العالم ليست من إفرازات العصر الحالي بل كانت نتيجة طبيعية لقيام التجمّعات البشريّة منذ آلاف السنين. هذه التجمعات التي رأت في حيويتها الزائدة دافعاً للتوسع على حساب التجمعات المجاورة بداية، إذ لم يكن وعي الجماعة لوحدتها الاجتماعية قد ترسّخ بعد. وكان من الطبيعي أن ينتج عن الحروب نتيجة من اثنتين: النصر أو الهزيمة. ويكاد مجتمعنا السوري، بماله من خصائص جغرافية مميّزة، أن يكون من أكثر المجتمعات التي شهدت صراعات داخلية دافعها السيطرة وفرض أنظمة محددة من القوي على الضعيف من جهة، وخارجية هدفها أيضاً السيطرة لاستغلال الموارد الطبيعية والاستفادة من الموقع الجغرافيّ لتحصين المكانة الإقليمية أو العالمية. وما زال مجتمعنا حتى الساعة عرضة لموجات متتالية من الصراع على النفوذ أو من الاحتلال المباشر لأجزاء منه تنفيذاً لمخططات سياسيّة تعتمد على رؤى أيديولوجية بعيدة كلّ البعد عن المنطق والعدل الإنساني.

فالأوضاع الجيوسياسيّة التي فرضها علينا الاحتلال المزدوج الانكليزي – الفرنسي والتي أدّت إلى زرع الكيان الإسرائيلي في جنوبنا السوري، لم تزل تداعياتها تتفاعل لتؤدّي إلى نتائج سلبية تطاول مجتمعنا وإيجابية تطاول كيان العدو المغتصب. فالهزائم التي ألحقها هذا العدو البربري، المدعوم من القوى الظلامية العالمية، بعدد من الدول المسمّاة عربية جرّاء حروب ثلاث أدّت إلى تفكك المنظومة العربية التي حاول الاستعمار الترويج لها، لمعرفته المسبقة بعدم قابليتها للتنفيذ. فإذا بالجامعة العربية أسوأ بكثير من الجمعية العامة للأمم المتحّدة، إذ لا هذه ولا تلك تمكّنت من فرض تنفيذ قراراتها المتخذة في جلسات عامة وبمعظمها إمّا بإجماع الأعضاء أو بأغلبيتهم. وتفنّنت هذه الدول العربية بالتخفيف من وقع هزائمها فسمّتها أحياناً نكبة وأحياناً نكسة أملاً بأن يعقب النكسة نصر يمحو العار الذي لحق بهذه الدول نتيجة هزيمتها المخجلة والمعيبة والمذلة لمن أراد أن يصف النتيجة بما يتطابق مع الوقائع. وأكثر هذه الهزائم إيلاماً هي حرب الخامس من حزيران عام 1967 والتي استطاع العدو خلال أسبوع واحد أن يقضي على جيوش ثلاث دول عربية مجتمعة وكانت على علم مسبق بمخططات العدو. ولم تستطع هذه الدول نفسها الاستفادة من الأخطاء والثغرات فإذا بهزيمتها تتكرّر عام 1973 رغم أنها كانت هي المبادرة هذه المرة لشنّ الحرب. وربما نستطيع القول بأنّ مصر وحدها نظرياً استفادت من هذه الحرب التي سارع الخائن السادات إلى إنهائها نتيجة وعد بإعادة سيناء إلى أحضان مصر، وبدلاً من استغلال هذه النتيجة لصالح مصر وبقية دول الطوق التي سبّب لها إسراع السادات بوقف الحرب بخسارة المزيد من أراضيها وتدمير جيشها وإيقاع العديد من الضحايا والأسرى من أفراد جيشها، بادر السادات إلى استكمال خيانته وانهزاميته يوم أعلن استعداده لزيارة دولة الاحتلال وعقد الصلح معها، فدفع دمه نتيجة هذه الخيانة.

ولم يستطع العقل «العربي» أن يجاري العقل اليهودي بالتخطيط أو على الأقلّ بالتصدّي لمخططات العدو الذي انتقل، من القيام بالحرب المباشرة لقضم المزيد من الأرض، إلى الحرب غير المباشرة أيّ استغلال الآخرين لشن الحروب عنه (حرب الأميركيين على العراق، استغلال ما سُمّي بالربيع العربي وإدخال الإرهابيين الدواعش إلى كلّ من العراق وبلاد الشام، كأمثلة على ذلك)، وقطف نتائج هذه الحروب المدمّرة. وها هي جذور هذا التخطيط الجديد تعطي ثماراً إيجابية أفضل بكثير من ثمار الحروب المباشرة. فبدلاً من استعداء الدول العربية مجتمعة من الخليج إلى المحيط وعلى مدى عشرات السنين، استطاع خلال سنوات معدودات أن يجعل من الأعداء أصدقاء يعاونونه على من كان لهم بالأمس القريب، ليس فقط صديقاً، بل أخاً ينادي بما ينادون به من أخوة عربية ولاءات خشبية عن عدم الاعتراف بدولة العدو، أو عقد معاهدات سلام معها، أو حتى التفاوض بشأن السلام والاعتراف.

وانطلاقاً من مخططات العقل الجهنمي الخبيث المستحكم بنفسية عدونا استطاع أن يحوّل هزيمة الأنظمة العربية إلى انهزامية لم يسبق لها مثيل في تاريخ التجمعات البشرية قديماً وحديثاً.

فبدلاً من أن تدفع الهزيمة بالمهزوم إلى تحليل سبب هزيمته لكي يحاول العمل على تفادي هذه الأسباب مما يساعد على قلب الهزيمة إلى نصر، وجدنا أن المهزوم استطاب طعم الهزيمة والذلّ الذي لحقه من جرائها وإذا به يرضخ طوعاً لكلّ شروط المنتصر عليه، بل نجده يزحف راجياً المنتصر أن يمعن بإذلاله، دائساً على ما تبقى من كرامته وشرطه الوحيد إبقاء الزمرة الحاكمة في السلطة. والمؤسف أنّ هذه الزمر الحاكمة استطاعت أن تدجّن الناس وتقنعها بانّها إنّما تفعل ذلك لمصلحتها.

لقد وصلنا إلى زمن من الانهزاميّة المذلة لمن يفقه معنى الانهزام والاستسلام، في حين أنّ الخيانة أصبحت وجهة نظر، فكثرت هذه الوجهات وتعدّدت لتوافق ظروف وأوضاع كلّ كيان من كيانات الأمم العربية التي نجحت مرة واحدة بتجربة الوحدة (مصر والجمهورية العربية السورية)، بحيث كان مكتوباً على هذه التجربة الفشل لأنّها لم تنطلق من المفاهيم الاجتماعية المستندة إلى الحقائق التاريخية والجغرافية. وقلة من رجال الفكر والسياسة أعادوا النظر بمواقفهم على امتداد العالم العربي، هذه المواقف الارتجالية والتي كانت لها ارتدادات سلبية على قضايا أمم العالم العربي المصيرية. واحد من هؤلاء هو عبد الهادي البكار، وقلّة تعرفه أو سمعت به خاصة بين الأجيال الجديدة، وهو إعلامي سوري عاصر أيام الوحدة، وبعد سقوطها اضطهد وأجبر على المغادرة إلى مصر التي كان قد انجرف مع تيارها الناصري الطامح إلى قيادة «الأمة العربية». فكان لهذا الإعلامي الجرأة الكافية، بعدما خذلته مصر الناصرية أيضاً، للاعتراف بانجرافه العروبيّ الذي لم يستند إلاّ إلى وهم، «وأنّ الحلم الوحيد الباقي هو في (سورية الكبرى) التي ساهم في تشويهها حين كان التفكير أو الحديث في ذلك يُعرّض صاحبه إلى التشويه والتخوين». ويذكر الأستاذ سامر موسى على صفحته بأّنّ البكار قد فاجأ قراءه من خلال ما أورده في كتابه (صفحات مجهولة من تاريخ سورية الحديث)، والذي صدر عام 2008 عن (دار الذاكرة) في بيروت إذ قال بأنّه: «تأكّد له خلال العقود الأخيرة اعتلال الفكرة القومية العربية وربما اضمحلالها في العالم العربي، كما تأكّد خلالها احتياج بلاد الشام إلى استنهاض قوتها الذاتية الإقليمية، وأنّ دعوة أنطون سعاده إلى توحيد الأشلاء والأجزاء السورية لم تكن هي الخطأ أو الانحراف بل كانت هي الصواب». وبالرغم من عدم وضوح الرؤية القومية الصحيحة لدى البكّار إلّا أنّ اعترافه هذا يُعتبر خطوة أولى بالاتجاه الصحيح علّها تساعد أجيال المثقفين من التماهي معه لنفض غبار الدسائس التي شوّهت لبّ عقيدة النهضة القومية الاجتماعيّة التي بات كثيرون، ممن حملوا لواء محاربتها في الماضي، يؤمنون ليس فقط بصحتها بل بانّها الوحيدة القادرة على بناء الإنسان الجديد القادر على التصدّي لكلّ مثالب المجتمع، وعلى المساهمة في بنيان المجتمع الجديد القادر على الخروج من مفاهيم الانهزامية إلى مفاهيم الوعي المجتمعي القادر على إعادة زرع مفاهيم الكرامة والعزة والعنفوان التي تعيد للمواطن الثقة بنفسه وبأمته، وبأنّ الهزائم ليست قدراً، وبأنّ النصر ليس بالصعوبة التي يصوّرونها له إمعاناً بإذلاله وزرع اليأس في نفسه.

فما بين النفسية الانهزاميّة التي تبديها معظم كيانات الأمم العربية تبقى بارقة الأمل في كيانات الأمة السورية، صاحبة القرار الوحيدة عندما يتعلق الأمر بالمسألة الفلسطينية. وها هي هذه الكيانات تسطّر أرقى سطور المجد مسقطة أسطورة دولة الاحتلال التي لا تقهر. فمن العراق الذي أسقط انتصار داعش، إلى الشام التي باتت قريبة من دحر المؤامرة الكونية عليها، إلى فلسطين أطفال الحجارة الذين يواجهون بصدورهم العامرة بالإيمان الذي يؤكّد أنّ القوة وحدها تعيد الحقّ السليب، إلى لبنان الذي أعطت مقاومته دروساً تاريخية بالبطولة المؤمنة بصحة العقيدة والتي استطاعت أن تنهي عصر الهزائم وتعلن بدء عصر الانتصارات، سلسلة من المواقف التي تعيد للأمل تألّقه، وتبعث في النفوس الضعيفة القوة من جديد. هذه القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وهي نفسها اللغة التي تخلّت عنها معظم الأنظمة الانهزامية. فالهزيمة ليست قدراً بل هي حافز للتمسك بكلّ أسباب القوة التي تؤمّن الانتصار على مفهوم الانهزام أولاً، وعلى العدو المكابر ثانياً. فلنمسك بأسباب قوّتنا، ولنترك للانهزاميّين العيش في صقيع انهزاميّتهم.

ماذا قال زاهر الخطيب يوم رفض اتفاق 17 أيار عام 1983؟

رمزي عبد الخالق

كلما مرّت الذكرى المشؤومة لاتفاق 17 أيار يتبادر إلى الأذهان فوراً اسما زاهر الخطيب ونجاح واكيم كونهما النائبين الوحيدين من بين أعضاء مجلس النواب المنتخب عام 1972، اللذين حضرا الجلسة ورفضا الاتفاق، رغم ما قد يستتبع ذلك الرفض يومها من تهديد لحياتهما الشخصية وما قد يطال عائلتيهما من مخاطر وأذى.

لقد آثر الرجلان أن يسجلا موقفهما للتاريخ في وقفة عزّ لم يكن لها نظير بين السياسيّين في تلك الفترة، حيث وافق 65 نائباً على الاتفاق وامتنع 4 عن التصويت وغاب 19 نائباً، فيما تعملق زاهر ونجاح من تحت قبّة البرلمان وتماهيا مع عمالقة المقاومة الذين كانوا يسجلون البطولات في الميدان تباعاً، بدءاً من سوق الخان في حاصبيا حيث انطلقت صواريخ القوميين الاجتماعيين على مستعمرات الجليل في 21 تموز 1982، وأسقطت شعار «سلامة الجليل»، ثم العمليات البطولية في الجبل، (عاليه والرملية وغيرها…) لتأتي العمليات النوعية في بيروت لا سيما عملية «الويمبي» وبطلها القومي الشهيد خالد علوان، وهي العملية المفصلية التي جعلت ضباط العدو وجنوده يولولون راجين أبناء بيروت ألا يطلقوا النار عليهم لأنهم منسحبون، ليبدأ من «الويمبي» زمن اندحار العدو عن عاصمتنا الجميلة بيروت ثمّ عن أرضنا الطيبة في الجبل والجنوب والبقاع الغربي، وصولاً إلى الانتصار الكبير في 25 أيار 2000، والذي نحيي اليوم عيده العشرين.

سمير (@samir_304) | Twitter

كان المقاومَان زاهر الخطيب ونجاح واكيم، كمَن يستشرف الزمن الآتي، كانا على يقين بأنّ هذا الاتفاق لن يعيش، لأنه ولد مشوّهاً وغير قابل للحياة، خاصة أنه يفترض موافقة دول وأطراف لم تشارك في المفاوضات، وتحديداً الدولة السورية التي لم تكتف برفض الاتفاق بل وفّر قائدها الرئيس الراحل حافظ الأسد كلّ سبل الدّعم للمقاومة، ما أدّى إلى إسقاط الاتفاق في أقلّ من عام واحد، حيث، وبعد شهر واحد على انتفاضة 6 شباط 1984، قرّرت الحكومة اللبنانية في 5 آذار 1984 اعتبار الاتفاق «باطلاً» وإلغاء «كلّ ما يمكن أن يكون قد ترتّب عليه من آثار».

هناك بالطبع الكثير من التفاصيل التي يمكن سردها في هذا السياق، لا سيما في ما يخصّ بطولات المقاومين جميعاً، وفي الطليعة الشهداء والاستشهاديون، وحكايات المجد والبذل والعطاء والتضحية بكلّ شيء حتى بالأرواح والدماء التي تجري في العروق، وهي ملك الأمة متى طلبتها وجدتها، وقد حصل هذا بالفعل، وها نحن نحتفل اليوم بعيد التحرير، تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني، وعسى أن نحتفل في يوم لم يعد بعيداً أبداً بتحرير كلّ أرضنا المحتلة في شبعا وكفرشوبا والجولان وفلسطين، كلّ فلسطين…

في هذا الحيّز سنعود إلى ما قاله النائب والوزير السابق زاهر الخطيب في جلسة مجلس النواب التي تمّ فيها إقرار اتفاق 17 أيار السيّئ الذكر… علماً أنّ أصحاب هذا الاتفاق في لبنان لا يزالون إلى اليوم، هم وورثتهم، عند النقطة نفسها التي توهّموا فيها أنهم أخذوا لبنان إلى حيث يريدون هم ومَن خلفهم، ولم يفطنوا بعد إلى أنّ مشروعهم بل المشروع «الإسرائيلي» كله سقط وهُزم وولّى مع رموزه إلى غير رجعة…

في قضايا الشعوب والأوطان، قد لا يحتاج المرء، كثيراً، لكثير من الأدلة والتحليلات ليستخرج الحقّ من الباطل، وليميّز الصحيح من الخطأ، وقد تبدو الأمور في مثل هذه القضايا المصيرية، محدودة في إطار خيارين اثنين لا ثالث لهما:

الخيار الأول: نعم، هو الالتزام بخيار المساومة على الحرية، وطرح الأمور على قاعدة التمييز والمفاضلة، بين السيّئ والأسوأ، أو بين مثالية وواقعية، أو إمكانية واستحالة، هذا خيار تُطرح فيه الأمور بهذا الشكل.

والخيار الآخر: هو خيار التمسك بالحقّ، خيار الالتزام بالقضية العادلة، بالحرية الكاملة غير منقوصة وغير مُجزّأة، لأنّ الذي يمنحك جزءاً من حريتك، هو في ذات الوقت يسلبك الجزء الآخر من هذه الحرية. والحقائق والوقائع التي أثبتها التاريخ، تؤكد أنّ الشعوب التي تدخل مع حكّامها، أو غزاتها، أو مستعمريها، بمساومة على جزء، ولو ضئيل من حريتها، فهي في ذات الوقت وعلى المدى الطويل، توقّع على وثيقة عبوديّتها.

في إطار هذين الخيارين، قد يبدو ما أقول كلاماً جميلاً، ويدخل في باب الخطب الحماسية، والتنظيرات الجميلة والمبادئ الفاضلة، كلّ ذلك قد يعطي هذا الانطباع، ولكنني من منطق علمي وحسب، أجد لهذين الخيارين في النهاية، جذراً موضوعياً علمياً على أساسه أطرح الأمور، وفي ضوئه أحدّد الموقف.

بين المساومة على الحرية، يجد كلّ من هذين المفهومين، معياره العلمي، أساساً في الالتزام بالمنهج الفكري العلمي السياسي الوطني المبدئي، بالمعيار الذي هو معيار الالتزام بالحقيقة الاجتماعية، معيار الالتزام بالحقيقة الإنسانية، في ضوء هذا المعيار، معيار الالتزام والولاء للفكر المنهجي العلمي، وقد لا أكون بحاجة إلى الدخول في التبحُّر، بمضمون الاتفاقية والنصوص، أقول مُسبقاً، قد لا أحتاج إلى قراءة النص لأرفض الاتفاق، وهذا، ليس لأنني من هواة الرفض المُطلق! وليس لأنني، عبثاً، من أصحاب الآراء الجاهزة والأفكار المسبقة والمواقف الجاهزة. لا!

قد لا أحتاج إلى قراءة النص لأرفض الاتفاق، لأنني، علمياً، أرى أنّ أيّ اتفاق في النهاية يأتي دائماً وأبداً حصيلة نسبة القوى القائمة بين الطرفين اللذين يتفقان.

إذن، ليس من موقع الرفض المطلق، أو من قاعدة عدمية، أقول أرفض الاتفاق، إنما أقول إنه جاء حصيلة موازين قوى، هي فعلاً، التي تحدّد في كلّ نص، سواء كان لدستور، أو اتفاق، أن يكرّس النصّ بأحكامه ومضامينه، هي نسبة القوى الفاعلة في هذا المجتمع، بقواه المتصارعة، ليكون دستوراً لصالح هذه الفئة الاجتماعية أو الطبقة أو تلك، وحين يكون نصاً لاتفاق فهو مُسبقاً، سيحدّد حتماً، نسبة موازين القوى لهذه الدولة أو تلك، وبالتالي مضمون النص، سيأتي حتماً ليس حصيلة وفاق، بقدر ما هي علمياً، حصيلة موازين للقوى.

هذا، في ما يختصّ بالجذر الموضوعي لرفض الاتفاق علمياً من حيث المبدأ. أما، ودون التبحُّر بالأسباب القانونية، لا شك أنّ رفض الاتفاق أيضاً، ليس فقط من حيث المبدأ، أو من زاوية علمية، بل من زاوية قانونية ومبدئية ووطنية، يجد مثل هذا الموقف جذره العلمي.

الفكر القانوني له أسسه العلمية، وإلا ماذا يعني في الفقه الحديث وفي القوانين الدولية، أن تُعتَبَر الاتفاقات التي تُبرم في ظلّ الاحتلالات باطلة بُطلاناً مطلقاً، أو قابلة للإبطال من قبل الدولة المقهورة؟ لماذا الفكر القانوني، والذي جاء نتيجة منطق تطوُّر الشعوب، لماذا يُقرّ مثل هذا المبدأ، لو كان هذا القانون لا يجد جذره في ثمار كفاح تطوُّر البشرية والفكر العلمي الذي أنتج الفكر القانوني في مساره؟ لماذا يعتبر الاتفاق قابلاً للإبطال، عندما يُبرَم في ظلّ الاحتلال؟ لأنّ من الطبيعي، أن تكون الدولة مسلوبة الحرية، مُنتقص من إرادتها، مكرهة، ومُفسدٌ، هذا الإكراه المادي أو المعنوي أو العسكري، مكرهٌ لهذه الإرادة، وبالتالي مفسد للرضى الذي هو أحد أهمّ أسباب شروط التعاقد، سواء الشخصي أو الدولي.

بهذا المقياس القانوني، دون أن أعرض وإياكم كلّ وجهات نظر الفقهاء الدوليين الباحثين في القانون الذين أقرّوا بديهيات تأتي لتردّ على تفاسير قانونية راجت في الوسط الشعبي، أجد أنه لا بدّ أن أعرض ولو موجزاً لبعضها، خاصة تلك التي جاءت، مثلاً لتقول إنّ هذا الاتفاق كان تطويراً لقرارات الهدنة وليس إلغاء لها، أو أنّه لا يقيم صلحاً أو سلاماً مع «إسرائيل»، أو أنّه لا يحدّ من الحرية أو ينتقص من السيادة، أو أنّه لا يقرّ مبدأ تطبيع العلاقات… وإلى ما هنالك.

ليس صحيحاً ما رُوِّج، وما أقوله، ليس من عندياتي، جهابذة القانون في هذا المجلس، عندما ناقشوا، داخل اللجان، وكبار المفكرين القانونيّين الذين تقدّموا بدراسات حول هذه الاتفاقية، أكدوا أنها تشكل صلحاً مع «إسرائيل»، لأنه وفق القانون الدولي، مجرّد إنهاء حالة الحرب، لا بدّ وأن تنتهي هذه الاتفاقية بصلح. كبار المفكرين في القانون الدولي أكدوا ذلك، وهنا يمكن العودة إلى الدكتور أبو غيث، الجلبي، الدكتور المجذوب، في دراسات قانونية تتناول هذا الجانب، لا أرى أنّ مهمّتي في هذه الجلسة أن أعرض، تفصيلياً، بدراسة قانونية ما يبرّر رفض هذا الاتفاق، إنما ليس صحيحاً أنّ يُقال إنه ليس معاهدة صلح، وهو معاهدة صلح، وليس صحيحاً أن يُقال إنّ هذا الاتفاق لا يشكل اعترافاً، هذا الاتفاق يشكل اعترافاً بـ «إسرائيل»، لأنّ الاعتراف بدولة ما هو التسليم بوجودها من جانب الدولة المُعترِفة وقبولها كعضو في الجمعية الدولية. وأيضاً لا يمكن القول للحظة من نهار، أنّ هذا الاتفاق لا يُنهي حالة العداء مع «إسرائيل»، أو أنه لا يحدّ من حرية نقد السياسة الصهيونية التوسعية الاستيطانية، وكشف مخاطرها وأطماعها، في لبنان قبل سائر البلدان، والمخاطر التي تطال لبنان، فيما لو قامت تسوية شاملة، هي أكبر بكثير من أن تطال سائر البلدان العربية، لأنّ لبنان شكّل، أولاً وأخيراً، بحكم موقعه وتركيبته، التحدّي الأول للصهيونية، وهو أكثر المتضرّرين (في) حالة عقد صلح مع «إسرائيل» في هذا المجال.

الاتفاق من الزاوية القانونية

عرضاً، أشرتُ إلى بعض البديهيات القانونية، أما من الزاويتين الوطنية والمبدئية، فهو كما يأتي: حتى في ذهن وقناعات أهل الواقعية، حتى في قناعات القابلين بالاتفاق، إنّ هذا الاتفاق لم يعد بوسع أحد من القابلين به، أن يدافع عنه من موقع مبدئي، أو من موقع وطني، بل إنّ الدفاع عنه انتقل من موقع اعتباره انتصاراً سياسياً، أو مكسباً وطنياً، أو موقفاً مبدئياً، انتقل الدفاع عن الاتفاق من هذا الموقع، بعد أن بان حجم التنازلات التي تمسّ وتنتقص من سيادته، وبعد أن باتت القناعة مُطلقة، أنّ هذا الاتفاق كان خيار أهون الشرور، وكانت رغبة، لو لم يكن هناك إكراه لكي نضطر إلى التوقيع عليه، أصبح الدفاع عن هذا الاتفاق، من موقع أنه… عملياً، براغماتياً، يحقق حلاً لا يمكن بالواقع أن نلجأ إلى حلول أخرى!

السؤال الذي تكثّف هنا، هو ذاك الذي يقول إلى أيّ مدى إذن، بصرف النظر عن المقياس العلمي والمقياس القانوني، أو المبدئي أو الوطني، يصبح من حقنا المشروع، عند إجابتنا، عند محاولة محاورتنا لأهل الواقعية، للعمليين، ونريد أن نكون عمليين، عندما نناقشهم، من حقنا المشروع أن نسأل، هل فعلاً وواقعياً، مثل هذا الاتفاق يحقق الانسحاب «الإسرائيلي»؟ إلى أيّ مدى، عملياً، مثل هذا الاتفاق يحقق الانسحاب؟ وإذا كان لا يحقق الانسحاب، ففي أيّ سياق أتى؟ ومن أجل أيّ غاية وُقِّع، أو يطالب بالإبرام عليه؟ وأكثر من ذلك، من سيكون المسؤول؟ من الذي سيتحمَّل في النهاية، المسؤولية السياسية، في حال، أنّ هذا الاتفاق لم يحقق الانسحابات؟ هل صحيح أنّ نهج التفاوض لم يكن لُيثمر أكثر مما أثمر؟

ما هو دور الموقف العربي في إنتاج مثل هذا الاتفاق؟ هل سقطت فعلاً كلّ البدائل؟ هل سقطت المقاومة الشعبية المسلحة أو سقط النهج الذي كان يقودها؟ هل، فعلاً لا يُمكن الإفادة من قرارات المجتمع الدولي ومجلس الأمن؟ هل، فعلاً، لا يشكل مثل هذا الإطار، إطاراً دبلوماسياً ملائماً للذين يريدون التحرير في ظلّ قرارات مجلس الأمن؟

أرى أنّ بحث الاتفاق، لا يمكن إلا أن يتناول هذه المسائل، إذا شئنا فعلاً أن نتحاور، إذا شئنا فعلاً أن نكون مثاليين، إذا شئنا فعلاً أن نكون واقعيين عمليين منطقيين، فنرى سويّة إلى أيّ مدى هذا الاتفاق يحقّق الغاية المرجوّة عملياً وواقعياً بتحقيق الانسحابات.

على السؤال الأول: إنني أدخل مباشرة في الإجابة على هذا السؤال، لأهميته، فهو يكثّف محور هذا الاتفاق ومبرّره.

هل فعلاً يحقّق الانسحاب؟ إنّ السببين الهامّين اللذين يقرّران ضرورة الإجابة على هذا السؤال هما التاليين:

أولاً: اتساع حجم التيار الذي يتوق إلى الخلاص بعد سنوات تسع من الإنهاك والتآكل، بعد الاجتياح الصهيوني الذي دمّر وارتكب المجازر والجرائم، هناك تيّار أصبح توّاقاً في ظلّ الذلّ والتخاذل العربي، أصبح توّاقاً للخلاص بأيّ ثمن، فكان أحد الأسباب.

السبب الثاني: والذي يجب أن لا يُغيَّب عند درس إمكانية تحقّق الانسحابات، في ضوء هذا الاتفاق، هو ضرورة فهم، وإعادة فهم الظروف التاريخية التي هُيّئت من أجل خدمة هذا الاتفاق. بمعنى آخر، منذ اللحظة الأولى التي وُقِّع فيها الاتفاق، بات الانطباع الشامل لدى الناس، وقد أقول لدى معظم الناس: نأمل أن تنسحب سورية كي نخلص من هذه الأزمة.

ومع الأسف، قدّم الإعلام، القابلين بالاتفاق أو المقتنعين بأنه يحقّق انسحاباً، قدّم صيغة الخلاص، مشروطة بالانسحاب السوري. فبات الانطباع الطبيعي المشروع عند المواطن، لم يعد البحث بالاحتلال «الإسرائيلي» والاجتياح، بل باتت المعزوفة التي تتكرّر لدى كلّ الناس: نأمل بأن ينسحب السوريون لأنه ربط مثل هذا الاتفاق كله، بهذا الشرط.

السؤال المطروح: لو سلّمنا جدلاً، علماً، إنني من حيث المبدأ أرفض الاتفاق، لو سلمنا جدلاً بالاعتبارات التي أشرت إليها، لو سلّمنا جدلاً بالمقياس العملي، أنّ سورية، إذا انسحبت يتحقّق الخلاص، فتنسحب «إسرائيل»؟

التساؤل الذي يطرح نفسه، عفواً، وبشكل بديهي، في حال لم تنسحب سورية: من الذي يتحمّل المسؤولية السياسية؟ أكثر من ذلك! دولة رئيس مجلس النواب صرّح بحذر، ومتخوِّفاً من أجل المصلحة الوطنية العليا، (صرّح) أكثر من مرة أنه إذا تمّ انسحاب «إسرائيلي» جزئي حتى الأوّلي، حتى يقول «إنّ هذا ما حذّرنا منه مراراً، فإنّ الاتفاق، يكون قد أضفى صفة الشرعية على الاحتلال «الإسرائيلي» وكان دائماً من المُنذرين الرافضين لمبدأ الانسحاب الجزئي.

في هذه الحالة نعطي الاحتلال صفة شرعية.

السؤال المطروح: من يتحمّل في حال لم تنسحب «إسرائيل» مسؤولية توفير الغطاء لشرعية الاحتلال؟ السؤال الأكبر، أو الأسئلة الكبرى، وهنا شأننا كنواب، أن نتوجّه للسلطة السياسية التي خاضت المفاوضات، نقول: ألم تكن الحكومة على علم مسبق بحدود الموقف السوري؟ رفضه…؟ مدى قبوله إلخ… ألم تكن أميركا تعلم بذلك؟ أكثر من ذلك! إذا كانت أميركا ترى أنّ الاتفاق ليس فقط لا يحقّق الانسحاب، إذا لم تنسحب سورية، فلماذا عجّل لبنان بالتوقيع على هذا الاتفاق؟ وهل (هناك) ثمة غاية أخرى، تبطنها أميركا أو «إسرائيل»، من خلال الحصول على مثل هذا الاتفاق؟ مثل هذا التساؤل يؤدّي بنا إلى التأكيد على ما يلي:

أولاً: نستخلص أنّ الاتفاق الذي عقد بين لبنان و»إسرائيل» بوصاية أميركية، مُعلقاً الانسحاب على توافر إرادة ثالثة ليست طرفاً في الاتفاق، وهي رافضة للانسحاب كما يبدو.

إنّ أميركا كانت على علم مُسبق بالموقف السوري، تبيّنته، طبعاً، من خلال مشاوراتها وتحليلاتها، ومع ذلك دفعت بلبنان، واستجاب لبنان ليوقع على مثل هذا الاتفاق.

لبنان، في النهاية، لا يستطيع فرض إرادته على سورية، «إسرائيل» لا تستطيع حمل سورية على الانسحاب طوعاً، إلا إذا كانت هناك احتمالات أخرى، أميركا تعلن أنها لا تستطيع أن تُكره سورية على الانسحاب، طالما أنّ مجرد التوقيع على الاتفاق لا يحقّق إذن، مجرد التوقيع لا يحقق الانسحابات المرجوة، وتنفيذها يبقى مُعلقاً على إرادة ثالثة ترفض الانسحاب. فلماذا، بالمنطق البراغماتي وقّع الاتفاق وما هي الغاية، في الاستعجال، من التوقيع؟

الجواب: لماذا وقع الاتفاق، في أيّ سياق، ومن أجل أية غاية؟ عندما يكون الطرف في المعادلة «إسرائيل»، حين نتكلم عن أسباب توقيع الاتفاق بالذات، والأهداف التي من أجلها وقع، الإجابة هنا، تصبح مرتبطة وغير منفصلة عن المعطيات التالية:

أولاً: ما هو الدور الذي تطمح إليه «إسرائيل» أصلاً منذ تأسيسها، والذي كان علّة وجودها؟ وما هي الأهداف المباشرة التي خاضت «إسرائيل» حربها في لبنان من أجل تحقيقها؟

صلة الاتفاق مع الشروط التاريخية لولادة «إسرائيل»

وبالتالي، هل كان لتوقيع الاتفاق، في هذه المرحلة بالذات، صلة عضوية مباشرة مع الشروط التاريخية لولادة «إسرائيل» وأطماعها التاريخية في المنطقة التي أشار إليها الزميل الأستاذ لويس أبو شرف؟ في هذا الإطار، تدعيماً للمطامح التاريخية التي أشار إليها زميلي، أقف بكلّ احترام عند ما سبق واستكشفه المرحوم الشيخ موريس الجميّل حول أطماع «إسرائيل» ومدى ارتباط توقيع هذا الاتفاق، في هذه اللحظة، مع الشروط التاريخية لأطماع «إسرائيل».

في دراسة له، عرضتُ مضامينها في جلسة اللجان المشتركة، وفي الجلسة السرية، أرى من واجبي أمام المجلس، منعقداً في هيئته العامة، أن أذكِّر بالأصالة عن نفسي، وبالرؤية العلمية، ومن خلالها، استخرج القانون الذي يؤكّد أنّ «إسرائيل» دفعت، مع أميركا، بلبنان أن يوقع هذا الاتفاق، لا ليُنفَّذ، بل ليشكل ورقة أساسية، تكون محطة في مسار مخطّطها التآمري، وأطماعها التاريخية في المنطقة. في كرّاس له تحت عنوان «مشاريع إسرائيل وسياسة النعامة» في هذه المحاضرة منذ 23 سنة، حول المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في القدس سنة 1947، صفحة 15 من الكراس يقول المرحوم الشيخ موريس الجميّل:

«ارتأى المؤتمر الصهيوني الرأسمالي العالمي المنعقد في القدس، أن يقرّ ضرورة تحمُّل عجز ميزانية دولة إسرائيل، إلى أن تصبح هذه البلاد مُجهَّزة، بحيث تستطيع القيام بدورها كمحطة عالمية لمفترق الطرق، ومستودع لتلقّي البضائع وتوزيعها، كما سيفرضه، حتماً، تقدّم فن النقل ووسائله في العالم.

وطلب المؤتمر الصهيوني من المتموِّلين الكبار، أن يتحمَّلوا عجز دولة إسرائيل إلى ما بعد تجهيز البلد لتأمين الدور المذكور. وعندئذٍ سيستعيضون، أيّ «المتموِّلون»، أضعاف أضعاف ما كانوا قد دفعوه لهذه الدولة، بفضل ما سيجنونه من مرور الصفقات التجارية، والتبادل التجاري والمالي على أرض إسرائيل»، ومن شاء أن يتعمّق في هذه النقطة، يقول الشيخ موريس، بإمكانه أن يراجع «هنري كوستو» في مؤلفه «رجال المال يقودون العالم». ثم ينتقل، دون أن أطيل عليكم إلى مطامع «إسرائيل» في مياه لبنان وأرضه، ويؤكد ما يجري اليوم على ساحة الجنوب من تجهيزات تقنية، طبعاً، هادفة إلى سرقة مياه الليطاني، وهذا ما تردّد على لسان أكثر من مسؤول لبناني، حذّر من مخاطر مثل هذه التجهيزات التي تقوم بها «إسرائيل» هناك.

من هذا المنطلق، يهمّني أن أؤكد أنّ هذا الكرّاس الذي وجدتُه في مكتبة المرحوم أنور الخطيب، أرى أن لو كان الشيخ موريس الجميّل لا يزال حيّاً، وكُتبت له الحياة حتى هذه اللحظة، لكان رفض هذا الاتفاق ورفضه معه أنور الخطيب، لأنهما، أدركا مسبقاً، أنّ لـ «إسرائيل» مطامع، وأنّ هذه المحطة، في هذه المرحلة بالذات، التي نعقد فيها اتفاقاً مع «إسرائيل» يأتي في سياق تحقيق أطماع آنية، في سياق تحقيق مطامع تاريخية، كانت دائماً سبب علّة «إسرائيل» في هذه المنطقة.

هذه حقائق نجد جذورها في رؤية سياسية علمية واضحة، ومن حقنا المشروع، في ضوئها، أن نؤكد أنّ هذه الوثيقة التي وُقّعت في النهاية، لا تحقق الانسحاب، بل تشكل مخرجاً سياسياً للمتفاوضين، يكفي «إسرائيل» أن تحصل على هذا الاتفاق موقّعاً «حبراً على ورق»، لأنها، بهذا الاتفاق، يمكن أن تحقق الأهداف التالية:

أولاً: هذا الاتفاق طالما لم تتحقّق الانسحابات الأخرى، أيّ بعد إبرام الاتفاق، يضفي على وجودها، أو على بقائها، وجوداً شرعياً، هذا الاتفاق يضفي على الاحتلال صفة الشرعية. أكثر من ذلك! يعطي «إسرائيل» صكّ براءة ذمة عن كلّ الجرائم والمجازر التي ارتكبتها. أكثر من ذلك، فهو يكرِّس الاعتراف بدولة «إسرائيل»، بشرعية وجودها، وبالتالي، إذا كانت هذه هي الأهداف التي دفعت أميركا و»إسرائيل» أن تستعجل لبنان بالتوقيع على هذا الاتفاق، عندها (تصبح) مقولة، اجتياح لبنان من أجل تخليصه، أو لتحريره، أو من أجل ضمان سلامة الجليل، أكذوبة، وإلا، لماذا رافق الغزو العسكري، لماذا واكبه تطبيع اقتصادي على الأرض؟ كان محور اهتمامنا في كلّ المرحلة التي سبقت، هذا التطبيع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي! حتى (الإعلام) الأميركي الصهيوني الذي كان يُروِّج لمنطق: إما احتلال دائم، أو ثمن ضروري لا بدّ من دفعه، وفي هذا السياق، كان أمام «إسرائيل» خياران أيضاً: إما، فعلاً، الهيمنة الكاملة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية بصلح مع لبنان و»صهينته»، وإما إعادة ترتيب المخطّط الزمني، واعتبار أنّ هذا الاتفاق، ولو كان حبراً على ورق، بحدّ ذاته، يحقق لها أهدافاً آنية، يُضفي معها على الاحتلال شرعية، وهذا ما (تبغيه) «إسرائيل» على الأرض، تستمرّ بالتطبيع، وبحكم هذا الاتفاق، باقية طالما أنّ الانسحابات لم تتحقّق.

أيها الزملاء الكرام، تكريس الاحتلال وتعزيزه في الجنوب، ممارسات الاحتلال، تجلّياته بسعد حداد، الحرس الوطني، اللجان المحليّة، التجهيزات التقنيّة، إلى ذلك وسواها…

الترويج أو التمهيد للانسحاب من الجبل، تفادياً لضغط العمليات التي تشنُّها مجموعات المقاومة الوطنية، تنظيم هجوم سياسي وإعلامي ودبلوماسي يعيد لـ «إسرائيل» الاعتبار الذي فقدته عالمياً إثر غزوها للبنان.

وُقِّع ليشكل مخرجاً سياسياً لـ «إسرائيل»

يعني مثل هذا الاتفاق ليس فقط يردّ الاعتبار لـ «إسرائيل»، بل يعيد التماسك الداخلي، داخل بنية الكيان «الإسرائيلي». عملياً: «نحن خلص اتفقنا مع لبنان»، وبالتالي، كلّ التناقضات التي كانت تهزّ هذا الكيان المصطنع، هذا الاتفاق، يأتي ليحلّ لها، (لإسرائيل)، المشكلة. نعم، هذا الاتفاق لا يحقق الانسحاب، بل وُقِّع ليشكل مخرجاً سياسياً لـ «إسرائيل» وهي مستفيدة منه، حتى لو لم يُنفَّذ، وهي أصلاً وقّعته ولا تريد تنفيذه..

إنّ «إسرائيل» تبغي من هذا الاتفاق، وفق قناعاتي، أن يبقى ورقة سياسية بيدها، طالما أنها على قناعة. وأنا أرى أنّ الحكومة مسؤولة، لأنها خاضت معركة التفاوض والاتفاق، وهي التي تتحمّل المسؤولية السياسية في حال لم تتحقّق الانسحابات.

أنا من شأني، من الموقع اللبناني أقول، كنائب، يا حكومة لبنانية، كان من المفروض أن تعي وتدركي مسبقاً مدى حدود القبول، (أو) الرفض السوري وعلى هذا الأساس تخوضين معركتك. أنا مهمتي كنائب لبناني، أن أجابه السلطة السياسية التي خاضت وتحمّلت مسؤولية التفاوض. شأن سورية وسواها شأن عربي.

إذن هذا الاتفاق لا يحقق الانسحاب ووقع ليشكل منفَذاً، في النهاية، حتى على هذا المستوى، لـ «إسرائيل» ويعطيها «صك براة ذمة» وتبريراً وشرعية لوجودها أو بقائها في سياق تحقيق أهداف آنية وتاريخية استراتيجية.

هل كان يمكن لهذا النهج من التفاوض، أو للتفاوض، أن يثمر أفضل مما أثمر؟ هل كان يمكن أن يكون بالإمكان أفضل مما كان؟ مثل هذه المقولة التي تتردّد: ما هو دور الموقف العربي في نتاج مثل هذا الاتفاق؟ أنا، برأيي، لا يمكن، فعلاً، الإجابة على هذين السؤالين: مدى ما يمكن أن يثمره نهج التفاوض، أو مسؤولية الموقف العربي، الذي ساهم في إنتاج مثل هذا الاتفاق، يقتضي تثبيت حقيقتين (نذكر بهما):

1

ـ موازين القوى هي في النهاية التي تحدّد حصيلة التفاوض.

2

ـ إنّ تكريس مبدأ المفاوضات، على هذه القاعدة، يشكل أحد أهداف «إسرائيل». يعني:

اسمحوا لي، بكلّ صدق، أن أعيد بعض ما سبق وأكدناه في حوارنا داخل اللجان، أو ما سبق وأعلنّاه، حول مبدأ رفضنا للتفاوض كنهج. وكان مبرّر رفض مبدأ التفاوض، أساسه، أيضاً، موقف علمي مسبق، وليس (موقفاً عدمياً أو سلبياً) بالمطلق. يعني للذين يقولون بمبدأ التفاوض، أنا أقول إنّ الشعوب في تاريخها تعرّفت على المفاوضات عندما احتُلّت، أو غُزيت في عقر دارها. هذا ليس بدعة في تاريخ الشعوب. التفاوض كحقيقة، أثبتتها وظهرت في التاريخ، يعني على سبيل المثل، الشعب الفيتنامي تفاوض مع الأميركيين، التقى في باريس 1968، على طاولة المفاوضات مع أعدائه.

هنا (إزاء) مبدأ التفاوض، قد يقول (ثمة) قائل: لماذا أنت، أيها اللبناني، ترفض مبدأ التفاوض مع عدوك «الإسرائيلي»، وتقرّ مبدأ التفاوض الذي خاضه الفيتنام، مثلاً؟

مشروع مثل هذا السؤال، أو مثل هذا التفاوض جرى أيضاً في سياق الثورات الأخرى. ولكن السؤال المطروح بأيّ أفق كان يُخاض التفاوض؟

عندما التقت، مثلاً، في التاريخ، وزيرة الخارجية الفيتنامية مع فيليب حبيب، آتي بهذا المثل لأنّ المفاوض يومها عن الأمريكيين كان فيليب حبيب! قالت له: في كلّ مفاوضات يجب أن يملك أحد الطرفين ورقة، أنت تملك حقّ الانسحاب، وتمكيني من استعادة سيادتي على بلادي. وأنا أملك حقّ أن أترك لجنودك الانسحاب بسلام، وعندما أستردّ سيادة بلادي وسيادتي على وطني. يعني، عندما كانت هذه المفاوضات تتمّ على الأرض، كان هناك شعار أساسي: قاوموا الاحتلال، وبالتالي لا بأس عندها عندما تأتون إلى طاولة المفاوضات، شرط أن يكون التفاوض يُخاض تحت شعار التحرير الشامل، ودون تقديم أيّ تنازلات مبدئية على السيادة والاستقلال.

من حيث مبدأ التفاوض، لم أعطِ مثلاً حركة المقاومة الفلسطينية، ولا الأنظمة العربية التي خاضت «حروب»، لا…

سبق وقال الزميل الأستاذ لويس أبو شرف ماذا أنتجت الحروب؟ لكي يخلص طبعاً بنتيجة أنّ الحروب لا تأتي (نتيجة) يعني في التاريخ هناك حروب عادلة خيضت بأفق التحرير الشامل، وهناك حروب أنتجت هزائم. من الحروب التي أنتجت هزائم طوال 35 سنة هي الحروب التي خاضتها إما الأنظمة، أو قيادة حركة المقاومة الفلسطينية، لماذا؟ لأنّ الحروب كانت تُخاض في إطار تحسين الموقع التفاوضي، مع التسليم سلفاً، والقبول مسبقاً، بالحلّ السلمي، والانخراط بمؤامرة التسوية السلمية، كحلّ للنزاع العربي ـ الصهيوني. يعني لم تخض المفاوضات ولم تخض الحروب العربية، بأفق التحرير الشامل كما خيضت لدى المقاومة الفرنسية عندما جابهت المحتلّ النازي، أو (الفيتناميين) أو (الكوبيين)، وهذا مقاس استخرجه من التاريخ، ولا يعني مطلقاً، أنني أصبحت كوبياً أو فيتنامياً أو فرنسياً عندما أقول لا، لم تسقط المقاومة الشعبية المسلحة، إنما الذي سقط هو النهج السياسي الذي قاد هذه المقاومة على أرضية القبول مسبقاً بـ «جنيف»، وعلى أرضية القبول مُسبقاً بأنّ الحرب التي نخوضها ليست حرب تحرير، بل حرب تحريك لتحسين الموقع التفاوضي، من أجل حلّ المشكلة، لا على أساس تحرير شامل، ولكن على أساس تحسين موقع تفاوضي… هذه حقائق يجب قولها، لأنه لا يجوز الانتقاص من شهادات ودماء لأبطال يستشهدون وهم يقاتلون المحتلّ. إنّ الطعن بالمقاومين الفرنسيين الذين تحدّوا «المحتلّ النازي» والمقاومين اللبنانيين الذين تصدّوا للمحتلّ الصهيوني، هؤلاء، لا يجوز أن يطعن بدمائهم أو شهادتهم، هؤلاء كان يمكن أن يحتضنوا، فيما لو تمّ التنسيق بين العمل الثوري، بين العمل المسلح، بين عمل الكفاح الشعبي المسلح، وبين الأطر الديبلوماسية تنسق كلّ واحدة في ما بينها تماماً، كما تمّ التنسيق لدى الشعوب المكافحة، ما بين العمل الدبلوماسي وما بين العمل الشعبي المسلح.

إنني من موقع الوفاء، للشهداء الذين سقطوا في الحروب التي خيضت بأفق وشعارات ليست غايتها التحرير الشامل.

إنني من موقع الوفاء لجماهير شعبنا في لبنان وفي ساحة الوطن العربي. من موقع هذا الوفاء أقول، إنّ المجابهة الشعبية المسلحة لم تسقط، ولكن الذي سقط هو النهج الذي ساد، من جهة حركة التحرُّر العربي، أو من جهة ثانية الأنظمة العربية.

من هذا الموقع أختم قائلاً: أنه، لمن يريدون التحرير في ظلّ قرارات المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن، تبقى مثل هذه القرارات ومثل هذا الإطار صالحاً. أما أن تأتي «إسرائيل» لتموّل المقاومة، فهذه مقولة خاطئة باعتقادي كثيراً! لم تكن النازية لتموِّل المقاومة الفرنسية، ولم يكن الأميركيون ليموِّلوا المقاومة الفيتنامية! ولم تكن للحظة من نهار، «إسرائيل» لتموِّل الأبطال المقاومين الذين يتصدّون للاحتلال الصهيوني، وهي لن تسعى إلى تمويلهم، لأنّ الذين يقاتلون اليوم، هم الذين دفنوا في صبرا وشاتيلا كلّ التنظيرات وكلّ المساومات، وكلّ الأفكار البالية، وكلّ الايديولوجيات التي أدّت إلى توليد هذا الاتفاق، هذا النهج الذي أدّى إلى توليد هذا الاتفاق، كما سبق وولّد اتفاق «كامب دايفيد».

لا ذاك الاتفاق كان صاعقة في سماء صافية، ولا هذا الاتفاق جاء صاعقة في سماء صافية. إنه نهج سياسي ساد في الساحة مدة 30 – 35 سنة، وهو الذي ولّد هذه الاتفاقيات ولم تتمّ، والتي تنتقل بنا من انهيار إلى انهيار، ومن انتكاسة إلى انتكاسة.

إنّ الالتزام بالمقاييس الصحيحة، التي التزمت بها شعوب الأرض منذ بدء التاريخ، في مجابهتها للمحتلين، حقيقة تاريخية لا يمكن نقضها، لا يمكن رفضها، لا يمكن إدارة الظهر لتجارب الشعوب التي جابهت المحتلين. هذه حقيقة، ولكن لها شروطها: شروط عدم المهادنة والمساومة، عدم تحويل العمل السياسي إلى عمل ارتزاقي، عدم الطعن بالجماهير والإساءة إليها. وإنما كما سبق وأكدت، منذ اللحظة الأولى التي خيضت فيها المفاوضات: إننا معنيون كلنا، ولا يظننّ أحد أنّ مهمة التحرير في لبنان، هي وقف على المجلس النيابي. قلت ذلك وأكرّر، إنها مهمة تاريخية يقع عبئها على كلّ الشعب اللبناني، بجميع فئاته أن تتنظم طاقاته في إطار برنامج يوفّر مستلزمات الصمود، ويخوض معركة التحرير بأفق التحرير الشامل. من هذا المنطلق، جاءت لتؤكد صحة هذه المقولة، الإحصائيات التي نسمعها بلسان «إسرائيل»: خمسمئة قتيل «إسرائيلي» وثلاثة آلاف جريح.

ما يهزُّ الكيان الصهيوني، اليوم، أمرٌ لم تتمكن المقاومة الفلسطينية أن تحققه منذ 1965 حتى 1982. وهنا، لا طعناً بمبدأ المقاومة، ولا طعناً بالفداء فهو أشرف ما يمكن أن يكون في حياة الإنسان، وإنما طعن، نعم بالنهج الارتزاقي المرتبط الذي قاد هؤلاء المناضلين، والذي أجهض الثورة وأجهض إمكانية التحرير…

اسمحوا لي إذن، باسم شعبنا وباسم المقاومين الرافضين للاحتلال، باسم الصامدين والمتصدّين، وباسم المعتقلين في «أنصار» وفي سجون وأقبية «إسرائيل».. باسم عذابات جماهير شعبنا والأمهات الثكالى، والأطفال اليتامى..

باسمهم جميعاً، أرفض هذا الاتفاق، وأطلب من المجلس الكريم أن يرفض هذا الاتفاق من أجل لبنان، من أجل شعب لبنان، ومن أجل كرامة الوطن والمصلحة الوطنية العليا…

الخامس والعشرين من أيار يوم لم ينته – يوم بطول عشرين عام – نقاط على الحروف- ناصر قنديل

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

في ذكرى اغتصاب فلسطين اقتراح للتفكير… ومبادرة سلام القدس عليكم وصباح القدس لكم

ناصر قنديل

بين ذكرى اغتصاب فلسطين، وعيد المقاومة والتحرير عشرة أيام، ليس من الصدفة أن يقطعهما هذا العام يوم القدس، الذي جاء بمبادرة من الإمام الخميني رحمه الله، قبل أربعين عاماً، ليحفظ القدس في الذاكرة، تاركاً مهمة التحرير مهمة منفصلة، تستقوي ببقاء القدس حيّة في الذاكرة الجمعيّة عندما تتوفر ظروف العمل.

عيد المقاومة تذكير بأن الأمل بتحرير فلسطين مؤسس على أسباب ومعطيات واقعية، وكما يقول سيد المقاومة دائماً، إن عظمة النصر في أيار، انه سحب من التداول السؤال حول إمكان التحرير، لأن دليل الإمكان هو الوقوع.

تأتي المناسبات وتحتشد هذه السنة وقد تكفّل إعلان كيان الاحتلال، عن هويته كدولة عنصرية يهودية، بإسقاط فرص الحديث عن أي تساكن مع الاحتلال تحت شعارات مموّهة كالدولة ذات القوميّتين، أو دولة المواطنة. كما تكفلت بالتوازي صفقة القرن، بإقفال كل طرق التسويات ومسارات التفاوض، التي لم تكن يوماً إلا لإلهاء شعوبنا وأمتنا، عن خيار المقاومة كخيار وحيد للتحرير، واسترددنا في طريق سقوط خيار التفاوض والبحث عن التسوية، وحدة نضال الشعب الفلسطيني، فما عاد هناك أربعة شعوب، شعب يقيم شبه دولة في غزة، وشعب يريد بناء نصف دولة في الضفة، وشعب ينتظر ربع عاصمة دولة في القدس، وشعب منسيّ تمت التضحية بحقوقه، كشرط للتسوية والتفاوض، هو أهلنا في المناطق المحتلة عام 48 الذين ترك لهم أن يناضلوا لتحسين شروط العيش في الكيان وتحت الاحتلال والطريق هو الانتخابات التي تشرعن الاحتلال والاغتصاب. فعاد الفلسطينيون اليوم شعباً موحداً وليس واحداً فقط، حيث الحق واحد والقضية واحدة والهوية واحدة والطريق واحد وهو المقاومة.

أن تبقى فلسطين بوصلتنا، هذا هو العهد، لكن أن نسعى نحوها، فذلك هو الطريق الذي يسلكه كل داعم للمقاومة ومساند لصمود سورية، وتعافي مصر، ورفض نظريات ومسارات الانعزال عن فلسطين، تحت عنوان مبتذل للوطنية في الكيانات العربية، مثل لبنان أولاً وسورية أولاً ومصر أولاً والأردن أولاً والعراق أولاً، فوطنية كل عربي لا تصان في بلده، ما بقيت فلسطين تحت الاحتلال، وبقيت يد كيان الاحتلال هي العليا في منطقتنا، ولا أمن وطني لدولنا الوطنية خارج مفهوم الأمن القومي كما صاغه الرئيس الراحل حافظ الأسد ويواصل تثبيته الرئيس بشار الأسد، وعنوانه مواجهة تغوّل المشروع الصهيوني وعدوانيّته ودعم نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته.

السؤال الذي يواجهنا كنخب ثقافية وإعلامية واجتماعية، حول نوع الدعم الذي يمكن تقديمه لفلسطين، يستدعي التفكير بمبادرة واقعية ومؤثرة في آن واحد، وقد استوقفتني قبل سنتين الفكرة العبقرية للإمام الخميني بإعلان يوم القدس، الذي كان يربط استقباله لقادة الدول بمدى قبولهم بتسهيل إحياء يوم القدس، فيما كان تشدّده موضع تساؤل حول جدوى إعلانه بالأصل. وها هو يوم القدس اليوم مناسبة تخرج فيها عشرات الملايين عبر عواصم العالم ترفع الشعارات وتهتف للقدس وفلسطين، وستبقى وتتعاظم وتزداد، حتى يحين موعد العمل العظيم، وتدق ساعة التحرير، ولو جيلاً بعد جيل، لأن الأصل هو الذاكرة، والأجيال، ومعركة الوعي وكي الوعي.

اختبرت خلال هاتين السنتين مبادرة عنوانها، التدرب على استبدال صباحاتنا التقليدية، والبلهاء بلا معنى أحياناً، مثلها مساءاتنا وسلاماتنا، بأن نقول صباح الخير ومساء الخير، أو نلقي السلام التقليديّ للمسلمين السلام عليكم، أو لدى المسيحيين، نهاركم سعيد، بصباح ومساء وسلام، تحمل كل المعاني النبيلة وتختصرها، فيكون سلامنا رمزاً للخير وللسلام والحب والحق، ويرمز لما يجب أن يبقى حياً في الذاكرة، ولا يرتب أعباء على مَن يتبنّاه، فهو ليس منشوراً سياسياً، ولا بندقية، ولا سلاحاً، إنه مجرد سلام وتحية.

صباح القدس عليكم وصباح القدس لكم، ومسّيناكم بأنوار القدس، وسلام القدس لكم ومنكم وعليكم وبكم، كلّها مفردات تصلح، وهي بسيطة وسهلة، وإذا انتشرت بين الملايين وصارت تقليداً شائعاً، فهي خير إسهام في معركة الحق نحو فلسطين، وفي الاختبار اكتشفت أنها ليست بالسهولة التي تبدو عليها، فهي سهلة من زاوية انعدام الخطر والتبعات من اعتمادها، لكنها ليست سهلة بتحويلها إلى عادة، ولا هي سهلة بتحمل بعض السخرية عندما نلقيها على بعض المتفذلكين الذي سيقولون حتى الصباح والسلام تقومون بتسييسه، ولا هي سهلة مع الأهل والأقارب والأصدقاء والأبناء، حتى تصبح عادة، ولا قيمة لها ما لم تصبح عادة، فوجدت أن تحدّي الصعوبة يحول هذا التحدّي إلى فرصة، حيث الشرح والبيان عن سبب الاختيار ومعانيه، وحجم المضمون الذي يختزنه، هو نشر للوعي، وخلال السنتين شاركني المئات من الأصدقاء والمتابعين الاختبار، وقد وجدنا فيه معاً خياراً، يؤكد هويتنا وبوصلتنا، واستنهاضاً لمعاني السمو والرقي في التخاطب، وقد صار أسهل بكثير من البداية وصارت شجاعتنا باعتماده أساساً في سلامنا وتحايانا أعلى بكثير، ولا زلنا نتدرب على المزيد ونسعى لامتلاك الشجاعة لتجاوز الإحراج، فاكتشفنا أنها معركة حقيقية ويومية.

أقترح مناقشة الفكرة، وإن شاركتموني تقدير قيمتها وأهميتها، فإن تعميم اعتماد القدس ركيزة سلاماتنا وصباحاتنا ومساءاتنا وتحايانا، تجسيد لمعنى مسؤوليتنا عن صناعة الوعي، وتجذير الذاكرة في أجيال يجب أن ترث من إلقاء الصباح وتحية المساء معنىً لا يتقادم عليه الزمن، تختصره القدس.

نكتشف كم كان الزعيم أنطون سعاده عبقرياً عندما وضع بنفسه وهو في الثانية والثلاثين من عمره نشيد الحزب السوري القومي الاجتماعي “سورية لك السلام” وصاغ تحية الحزب “تحيا سورية” قبلها بأعوام، ولا تزال هذه التحيّة وهذا النشيد يحفظان الذاكرة القومية من جيل إلى جيل، وما الضير أن تحيا سورية ويكون سلام القدس عليكم وصباح القدس لكم؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هذا ما سمعتُه عن المطران كبوجي من الأمين بديع الشدراوي والرفيق عزيز إبراهيم الشرفاء دائماً حاضرون حتى وإن رحلوا عن الوجود

المصدر

يوسف المسمار

في 28 نيسان 2020 غيّب الموت في البرازيل، الأمين بديع الشدراوي الجزيل الاحترام والعاطر الذكر، وهو من المناضلين القوميين الذين أدّوا أدواراً كبيرة في مقاومة الاحتلال.

قبل رحيله، تلقيت منه اتصالاً يشكرني فيه على نشر قول أنطون سعاده «العالم كله بحاجة إلى فلسفتنا» بلغات عدّة، وقال لي: «أحسنت يا رفيق يوسف. يجب أن يعرف العالم كله مَن هو أنطون سعاده ومَن هم نحن تلامذة أنطون سعاده الأوفياء النظاميون المناقبيون في الحزب الذي أسسه لنهضة الأمة السورية وماذا أعطت الأمة السورية الحضارية للعالم». وقد شكرته وأكدت بأن «حزبنا مدرسة حياة مَن نجح فيها تخرّج وتألّق، ومن استهان بها فشل وأخفق».

وخلال الاتصال أتينا على ذكر المطران ايلاريون كبوجي فقال لي الأمين بديع: «المطران رفيقنا وأنا أعرفه وأعرف أشياء كثيرة عنه قام بها من أجل الحزب والأمة. وقد كان ملاحقاً أثناء الانتداب الفرنسي ولم تتمكن السلطات الفرنسية من معرفته والقبض عليه، لأنه كان يحمل اسماً آخر هو اسم الرفيق جورج ينشط به حزبياً غير اسمه بالإضافة الى جانب نشاطه الديني». وقال لي الأمين بديع بأنه سيرسل كل ما يعرفه عن المطران كبوجي لتضمينها في مقال أكتبه، لكن القدر خطفه قبل أن يزوّدني بالمعلومات.

هنا، لا بدّ من الإشارة إلى المقابلة التي أجرتها الإعلامية جودي يعقوب مع المطران كبوجي وفيها يقول: «إنّ حل الأزمة السورية يكمن بالفكر السوري، فكم نحن بحاجة إلى كل المنادين بفكرة وحدة الأمة السورية مثل أنطون سعاده، لأن الرهان اليوم هو على الذين يؤمنون بفكرة الوحدة، من أجل أن نرتقي بسورية نحو الخلود».

وما يؤكد انتماء المطران كبوجي أنه كان يحبّ العرب ولا يحبّ الأعراب، ويقول بالعروبة العربيّة التمدنيّة العلميّة الواقعيّة الصحيحة ولا يقول بالأعرابية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ما جاء في محاضرة سعاده التي تحت عنوان «الاتحاد العملي في حياة الأمم» في النادي الفلسطيني سنة 1933: «وهل يضيرنا ان يكون بعضنا عرباً والعرب برهنوا بفتوحاتهم وما أدّوه للمدنية من خدمات أنهم شعب لهم مزايا تمكنه من القيام بأعباء المدنية متى وجد في محيط صالح. فالعرب في الأندلس – والسوريون كانوا يشكلون قسماً هاماً في الأندلس ضمن التسمية العربية – كانوا من أهم عوامل ترقية المدنية في العلوم وإطلاق حرية الفكر حتى أصبحت اللغة العربية لغة العلم في الشرق والغرب».

عروبة المطران كبوجي هي العروبة الواقعية العلمية التمدنية الصحيحة وليست العروبة الطائفية اللغوية الوهمية المتخلفة الزائفة. وقيامة العالم العربي وجبهة المجتمعات العربية لا ولن تتحققان بالطائفية المكفّرة، واللغوية المتبجّحة، والأوهام الخرافية، والتقهقر الأخلاقي المدمّر، بل تتحقق بالمفهوم السوري القومي الاجتماعي ومبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته وبالعقلية المناقبية القومية الاجتماعية.

وفي هذا السياق يقول المطران كبوجي للإعلامية يعقوب إن مَن يقرأ كتاب المحاضرات العشر «بتأنٍّ وتمعّن وتدبّر يفهم معنى العروبة الواقعية الصحيحة ويهجر العروبة الطائفيّة اللغويّة الوهميّة. وهذا هو إيماني لأن العروبة الواقعية العلمية هي لخير سورية ولخير العرب. وسورية القومية الاجتماعية هي لصالح العالم العربي كما هي لصالح سورية».

لقد كان للمطران كبوجي نوعان من النشاط في حلب: نشاط ديني علني ونشاط سوري قومي اجتماعي سري باسم آخر، ولمعرفة سبب لقاء راهب الدير كبوجي بالعمرين: الشاعر عمر أبو ريشة والأمين عمر أبو زلام هي أن الثلاثة كانوا بمهممة إدخال أحد المقبلين على الدعوة القومية الاجتماعية وقد عيّنوا له موعداً لأداء القسم الحزبي. وقبل ان ينطلقوا الى مكان الاجتماع المعيّن طلب منهم الراهب كبوجي أن يرتدوا ثياب رهبان لإبعاد الشبهة عنهم وتوجّه الثلاثة الى المكان المخصص لاداء القسم ومروا في طريقهم في سوق الهال ومعهم القَسَم الحزبي مكتوباً باليد، فظهرت أمامهم وفاجأتهم في السوق دورية من الشرطة الفرنسية فأمرهما المسؤول الرفيق جورج الذي هو الراهب كبوجي أن يخفوا الورقة المكتوب عليها القسم وأن الأمر الذي وجّهه لهما بكل «سلطان ورهبة»، كما ورد في قصة الحزب للأمين الدكتور شوقي خيرالله هو لإخفاء الورقة التي كتب عليها القسم، لأن السلطات الفرنسية كانت تعتبر القوميين الاجتماعيين مخرّبين لرفضهم الاحتلال الفرنسي ومقاومته، وتلاحقهم في كل مكان تواجدوا فيه.

وبالفعل أخفوا الورقة التي كتب عليها قَسَم الانتماء الى الحزب في قلب المكسّرات أو البهارات. وهذه القصة سمعتها من الرفيق الراحل عزيز إبراهيم ناظر إذاعة منفذية البرازيل العامة وهو من منطقة انطاكية والإسكندرون التي تنازلت عنها فرنسا لتركيا.

والرفيق عزيز ابراهيم كان رجل أعمال، وكان يملك مصنعاً كبيراً للنسيج في سان باولو، وكان على علاقة قوية مع الشاعر عمر أبو ريشة والمسؤول الأول عن طباعة خمسين نسخة في كتاب مختارات «من شعر عمر أبو ريشة» الذي وصل الى 300 صفحة عندما قدم الشاعر الى سان باولو كمسؤول دبلوماسي للكيان الشامي السوري وقدّمها كهدية من المؤلف لمستوصف القديس يوحنا في سان باولو – البرازيل. وقد خصّني الرفيق عزيز إبراهيم بنسخة من الكتاب قائلاً لي: لقد طبعنا خمسين نسخة من هذه المختارات من شعر الرفيق الشاعر عمر أبو ريشة. كما أرسل لزوجتي هدية قطعة من القماش المصنوع في مصنعه مع ابنه المهندس بشارة عزيز إبراهيم بعد زواجنا. وفي إحدى المرات التقينا في سان باول بدعوة على الغذاء من الأمين ألبرتو شكور وكان معنا الأمين نواف حردان والرفيق أديب بندقي، قال لي أثناءها الرفيق الراحل عزيز إبراهيم: «لقد حدثني الأمين البرتو أنك تقوم بترجمة مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الى اللغة البرتغالية فسررتُ جداً بهذا الخبر. وأقول لك إن سعاده في قبره يشكرك على هذا العمل».

من أقوال المطران كبوجي

1 –

«على أصوات المساجد وهي تصدح الله أكبر، وعلى أصوات الأجراس في الكنيسة، نحن عائدون إلى قدسنا الحبيبة».

2 –

«عائدون مهما طال الزمن ومهما بهض الثمن، والحق يعلو ولا يُعلى عليه، وطالما هناك شعب وفيّ هو الشعب الفلسطيني، فحتماً عائدون».

3 –

«يسعد صباحكم والله يجمعنا بكم قريباً في الناصرة… فعندما اسمع صوتكم انتعش. أنتم بالنسبة لي أوكسجين الحياة لقد صلّيت في قاعة المؤتمر لسلامة سورية وفلسطين والناصرة وكل بلاد الشام».

هكذا بدأ سيادة مطران القدس في المنفى المطران هيلاريون كابوتشي حديثه خلال مغادرته مدينة مونتريو، حيث شارك في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف 2 حول سورية.

4 –

« لقد صليت ولكن… يد واحدة لا تصفق. فإن لم يبنِ الرب البيت عبثاً يتعب البناؤون… إن لم نرفق العمل بالصلاة فعملنا سيبقى بدون جدوى، لقد كنت داخل القاعة أصلي لربنا رب السلام والمحبة… وحتى يعمّ السلام العالم أجمع، والشرق الأوسط… يعمّ الناصرة وفلسطين وكل سورية وكل بلد عربي، فكفانا عذاباً. كل مدة وجودي في القاعة كنت أصلي من أجل السلام في العالم أجمع ونجاحه في فلسطين وفي الناصرة وفي كل سورية».

5 –

«أنا رجل دين الله رب العالمين، ورجل دين الله هو أيضاً مواطن، وحب الأوطان من الإيمان والذي لا يحبّ وطنه، لا يحبّ ربه. وايماني بربي هو من محبتي لوطني».

6 –

«وردًا على سؤال عن مشاركته في افتتاح المؤتمر وجلوسه على طاولة الوفد الرسمي السوري قال المطران كابوتشي: «نعم نعم.. كنتُ جالساً ضمن الوفد السوري الرسمي».

7 –

«وتابع المطران كبوجي: «لقد حضرت بتلقاء نفسي دون دعوة من أحد.. أنا لست بحاجة لدعوة من أحد لأذهب وأصلي وأعمل من اجل السلام لبلادي ولشعبي ولخلاصهما من القتل والدمار والإرهاب.. نعم رحت الى هناك الى سويسرا ومنها أنا مستعد للذهاب الى اي مكان في العالم من اجل السلام..».

8 –

« وعن مفاجأة الوفد السوري واستقباله له قال المطران كبوجي: «ما بتقدر تتصوّر. أنا عشت السماء على الأرض. مباشرة احتضنوني ضمن الوفد… كانت سورية أمامي بشعبها ورئيسها متألقة.. سورية كانت في السماء. سورية رغم كل الجراح تتأمل خيرًا. فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. وحبة الحنطة إن لم تمُت في الأرض لا تُنضج سنبلة. سر الحياة وخصبها أنها تموت. وإنما هي تموت لكي تعيش، هكذا هي سورية شكلاً وروحاً».

9 –

«سورية هي وطني وشعبها شعبي، فإذا لم أعترف بذلك، فأي بلاد أخرى غيرها يمكن أن اعتبرها بلادي؟».

10 –

«سورية هي السماء على الأرض وهي دائماً في السماء، ولسلامها دائماً أعمل وأصلّي. فالدنيا لا تؤخذ بالصلاة وحدها، بل بالعمل أيضاً. الدنيا لا تؤخذ بالتمني بل تؤخذ غلابا».

هذا هو المطران كبوجي السوري القومي الاجتماعي الذي قال: «اذا لم أعترف بأن سورية وطني وشعبها شعبي، فأي بلاد أخرى غيرها يمكن أن أعتبرها بلادي؟!».

كاتب وشاعر قومي مقيم في البرازيل

على طريقة كورونا… الحكومة بوجه الغلاء

التعليق السياسي

في مداخلته في قصر بعبدا ضمن مشاركته في اللقاء الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية لمناقشة الخطة الاقتصادية المالية للحكومة، قال رئيس المجلس الأعلى للحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان، إن الخطة التي تتضمّن الكثير من الإيجابيات تحتاج إلى النقاش بالتأكيد. وهذه مهمة اللقاء، لكن الخطة ولو بلغت مرحلة الكمال النظري، فإنها لن تحلّ المشكلة التي يتفق الجميع على توصيفها منذ حكومات ماضية وتشترك معهم الحكومة الحالية في بياناتها، بالتوصيف القائم على اعتبار فقدان الثقة بين المواطنين والدولة أخطر ما نواجهه سياسياً واقتصادياً، وحيث النجاح بالمعالجة شرط ضروري لنجاح أي خطة.

وشرح حردان كيف أن الحكومة قدمت نموذجاً يستحق التنويه والتقدير في مواجهة وباء كورونا، فلاقت تجاوباً شعبياً كان شرط النجاح في خطتها للمواجهة، لأن شعوباً أخرى استنكفت عن التجاوب مع نداءات حكوماتها عندما وجدت هذه الحكومات غير جدّية بما يكفي في المواجهة. ودعا إلى أن تخوض الحكومة مواجهة مماثلة بتعبئة عامة لمواردها ومقدراتها، وتتخذ القرارات والإجراءات اللازمة، في المعركة التي لا تقل خطورة بوجه وباء الغلاء، لأن الفوز هنا كما الفوز هناك، بحد ذاته هدف يحفظ الأمن الصحي والأمن الاجتماعي، لكن ما لا يقل أهمية أن النجاح يعيد بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.

في الاجتماع الذي عقدته الحكومة أمس، في السراي برئاسة رئيسها الدكتور حسان دياب سمعنا كلاماً مماثلاً، يطمئن لجهة النيات، والمجتمع اللبناني وهيئاته وأحزابه وشبابه مستعدّون لتعبئة عامة للتطوع للمشاركة في الخطة الحكومية التي يجب أن تبدأ من آلية مهنية شفافة للتسعير، وآلية موازية للمراقبة، وتحشد في الآليتين كل الطاقات والخبرات والمقدرات التي يمكن للدولة الزجّ بها، والتي يمكن للمجتمع أن يستنفرها، والنجاح بالتجربة سيكون مثالاً يُحتذى في مستقبل المشروع الاجتماعي للحكومة، حيث ضبط الاستيراد وتوجيه الباقي منه إلى الضروريات، ودعم الإنتاج المحلي ليعزز حصته من سوق الاستهلاك، والتحقق من مواصفات المستوردات، ومفاضلة للأسعار بما يتناسب مع دخول اللبنانيين. ويجب أن تبدأ الحكومة لتحقيق هاتين الغايتين بالإمساك بمصدر التمويل، من خلال آلية مشتركة مع مصرف لبنان لا أن يترك الأمر لكل طلب استيراد تجاري للمواد الاستهلاكية الأساسية. وهذا يعزز موقع الحكومة بوجه التجار، ويتيح لها معرفة الكلفة الحقيقية وتحديد هوامش الربح المسموح، ولأنها ستؤمن الدولار بسعر مخفض لهذا الاستيراد فلن يتجرأ أحد على المخالفة تحت طائلة شطبه من لائحة المستفيدين من هذا الدولار المخفض، وتبقى السلع التي لا تحوز هذه الميزة ضمن الضروريات متاحة بأسعار السوق الحرة، طالما هي كماليات لا تهم المستهلك المستهدف بالخطة.

أما آلية المراقبة والتدقيق فيكفي إنشاء منصة إلكترونية علنية تنشر وزارة الاقتصاد عليها صباح كل يوم لائحة الأسعار لمئة سلعة استهلاكية أساسية، وإلزام الاستهلاكيات بوضعها على شاشات قرب صناديق المحاسبة، وخط ساخن مثبت في الاستهلاكيات عند صندوقها لتقديم الشكاوى وتطبيق إلكتروني مجاني على الهواتف، واستنفار طاقات الشباب الجامعي للمشاركة بدعم مراقبي حماية المستهلك لتتمكن الحكومة بعد ثلاثة شهور من إعلان انتصارها في معركة الغلاء كما حدث في معركة الكورونا.

%d bloggers like this: