هل هذا جنون أميركيّ أم حرب عالميّة بأشكال جديدة؟

 د. وفيق إبراهيم

الأهداف التي يرمي الأميركيّون عليها نيرانهم الاقتصادية ليست جديدة، فمنذ ثلاثة قرون تقريباً تجتاح قوات غربية أوروبية ولاحقاً أميركية منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالبارود والنار. فيستولي عليها المنتصر منها او تجري محاصصتها استناداً الى موازين القوى.

ما هو الجديد حالياً؟

الأهداف هي نفسها وتشمل استراتيجية الموقع والثروات من الغاز والنفط والأورانيوم والقدرة الفائقة على الاستهلاك. هذا بالإضافة الى الموارد المعدنية المتنوعة.

أما العنصر الأهم فيتعلق بعدم حاجة الدول الشرق أوسطية والأفريقية لمواردها في عمليات تصنيع وتحديث بل لتسييلها كنقود للإنفاق السريع في سبيل دعم الانظمة المحلية وارتباطاتها الخارجية وإرضاء السكان المحليين بما يحفظهم في القرون الوسطى، لكن ما هو غريب عن السياق التقليديّ لحركة «المنتصر الغربي» وهو حالياً الأميركي أنه يهدأ بعد سيطرته وتمكّنه مبتكراً معادلة سطو في إطار علاقة يغطيها الحاكم المحلي.

هذا السياق أصيب بتغيير بنيويّ منذ فشل المشروع الأميركيّ لبناء شرق أوسط جديد الذي انطلق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1989. لذلك يبدو الأميركيّون خصوصاً في مرحلة الرئيس الحالي دونالد ترامب كمن أصيب بسُعارٍ يستعمله لتحصيل ما لم يتمكن من فعله بمشروع الشرق الاوسط الجديد الفاشل.

وهكذا فإن تركيز ترامب صوّب على سورية والعراق في محاولات متواصلة لدفعها الى فوضى وعميقة تفتح الطريق للتفتيت والتقسيم وأمركة مواردها والإبقاء على «إسرائيل» القوة الشرق أوسطية التي لا منافس لها.

إلا أن ما يفعله ترامب الذي يفصله عن الرحيل عن موقع الرئاسي ثلاثة أسابيع فقط، يبدو جنوناً أو إرباكاً مسبقاً لسياسات وريثه الرئيس المقبل جو بايدن.

فليس منطقياً أن يطلق رئيس يستعدّ للرحيل من البيت الابيض مئات العقوبات وكأنه لا يزال في بدايات رئاسته.

وليس طبيعياً أن يقود الآن تحديداً حملة تطبيع بالقوة والإكراه لاستحداث علاقات دبلوماسية بين دول عربية والكيان الإسرائيلي.

أما كان بوسعه القيام بهذا الأمر في منتصف ولايته قبل سنوات عدة؟

الواضح أنه فوجئ بهزيمته في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة، كما أنه بوغت بصمود الدولة السورية واستعصائها على كل المحاولات الأميركية والكردية والتركية والأوروبية والخليجية والإسرائيلية التي تهاجمها منذ تسع سنوات من دون كلل.

بذلك يتّضح أن عقوبات ترامب الحالية على سورية ليست ضرباً من الجنون او السلوك الكيديّ بقدر ما ما تجسّد مشروعاً مستمراً يرعاه المشروع الاقتصادي الأميركي، الذي لا يتوقف.

فإذا خسر ترامب الانتخابات، فإن هذا المشروع مستمر عبر بايدن وأسلافه. لا سيما أن ترامب هو جزء من هذا المشروع الاقتصادي الذي يعمل للهيمنة الاقتصادية على العالم، ويرى أن «إسرائيل» هو الوسيلة الإقليمية الضرورية لصيانة هذا المشروع وتطويره.

ضمن هذا الإطار تنضوي مشاريع التطبيع العربية الإسرائيلية والاستهداف الدائم لسورية. هذا هو التفسير الوحيد الذي يجعل استهداف عائلة الأخرس والمصرف المركزي السوري وعشرات القيادات في مواقع مهمة. وإصابة سياسيين روس وشركات صينية، عملاً طبيعياً، إنما ليس لترامب فقط، بل لما يجسده من مشروع اقتصادي أميركي كوني يعمل بوسائل متنوعة للوصول الى أهدافه بوضع اليد على إمكانات العالم.

وإلا من تراه يصدق ان السيدة أسماء وعقيلة الرئيس السوري بشار الاسد وخمسة من أفراد عائلتها تستهدفهم العقوبات الأميركية لأسباب تثير الضحك، وتزعم انها بسبب الفساد علماً ان الأنظمة الخليجية التي يحميها الأميركيون هي من أكثر الانظمة فساداً في العالم، في حين ان استهداف آل الأخرس المعروف أنهم أثرياء من عملهم في بريطانيا ليس إلا طريقة أميركية وضيعة للإشادة المعنوية للرئيس الاسد، وهذه لم تعد تنطلي على أحد.

إن الأميركيين الذين يهيمنون على العالم هم أكثر نظام فاسد في التاريخ ويدعمون انظمة خارجية هي بدورها أكثر الأنظمة دكتاتورية وفساداً. هذا بالإضافة الى ان النظام الاقتصادي الأميركي يسرق العالم بأسره لبناء نظام طبقي يسطو عشرة في المئة منه وعلى نحو 50 في المئة من قدرات اكبر قوة اقتصادية في التاريخ وهي الولايات المتحدة الأميركية.

لماذا التركيز على سورية اذاً؟

لأن لا إمكانية للسيطرة على الشرق الاوسط إلا بالإمساك بسورية.

لذلك فإن توجيه اتهامات لآل الاخرس هو الجانب المعنوي من الهجوم العام والكبير على سورية وهو اذاً هجوم معنوي اقتصادي حربي، اعلامي، طائفي، ارهابي ومتنوع، تكفي حروب التجويع والحصار وصولاً الى إلغاء دور المصرف المركزي السوري.

هناك إجابة تتركز على أن الدولة السورية التي تقاتل كل هذه الحروب مستمرة في سياسات التصدي، فيما ينتظر حلفاؤها الروس والإيرانيون مرحلة بايدن لتثبيت اندفاعة في وجه الأميركيين على مقاس الجديد في السياسات ولكل معادلة ما يوازنها ويزيد. لا بد أخيراً من توجيه تحية الى سورية التي تضم آلاف العائلات المجاهدة كآل الاخرس وتحية لسورية لدورها في الدفاع عن الشرق الأوسط.

مملكة البحرين السعودية الصهيونية – نضال حمد

 الصفصاف

الخيانات الرسمية العربية ليست أمراً مفاجئاً ولا هي سياسة جديدة، فقد خان الرسميون العرب وبالذات السعوديون شعب فلسطين والأمة العربية على مر سنوات القرنين الفائت والحالي. ولم يكن الرئيس المصري المقتول عقابا على خيانته، أنور السادات سوى البادئ في مسلسل الخيانات الرسمية العلانية. فما كان يجري بالسر من علاقات واتصالات مع الصهاينة عرفناه في أيلول الأسود 1970 وفي حرب لبنان الأهلية 1975-1990. ومن ثم تأكدنا منه في سنوات الربيع العربي السوداء. لأنه لم يعد مقتصراً على الحكومات والحكام.

فيما بعد خيانة السادات واستمرار نهجه الخياني، الاستسلامي مع حسني مبارك والآن مع السيسي حيث أصبحت مصر بلا مكانة وبلا هيبة وتابعة لحكام الخليج. استطاعت أموال السعودية وضغوطات نظام كمب ديفيد المصري جر القيادة الرخوة لمنظمة التحرير الفلسطينية الى مستنقع الخيانة، فكانت اتفاقية اوسلو أم وأهم الخيانات كلها. ولدت من رحمها السلطة الفلسطينية التي مهدت للتطبيع وللاستسلام واعتبرته خطوة على طريق تحقيق السلام. بعد أصحاب القضية جاء دور الأردن والامارات وصولا الى البحرين. والبقية مثل السعودية وعُمان وقطر ودول عربية أخرى تنتظر قرار وإذن ترامب ونتنياهو لاعلان اتفاقيات مشابهة. حتى الأصوات التي تنادي بالحياد في لبنان هي أصوات من نفس هذه البيئة العربية المسمومة. وإن أتتها الفرصة لأعادت فوراً احياء اتفاقية العار 17 أيار 1983 بين شارون والجميل برعاية أمريكية، التي أسقطتها المقاومة المشتركة اللبنانية الفلسطينية السورية. هذه الأطراف اللبنانية ستحيي بعد غد ذكرى اغتيال الخائن المجرم بشير الجميل كشهيد للبنان وانعزاليته.

أعلم بأن غالبية الناس في بلادنا العربية المحتلة أو المستباحة لم تعد تكترث بالخيانات العربية الرسمية سواء جاءت من الحكام أو من بعض المحكومين، فالحاكم راكب ومركوب والمركوبين يُقادون من راكبهم أو من راكبيهم. وهكذا هو حال البلاد العربية في زمن وباء الاستسلام والخيانة.

البحرين ليست دولة مستقلة بل دولة محتلة تحتلها السعودية ومرتزقتها في قوات درع الجزيرة التي تقوم بقمع ثورة الشعب البحريني ضد نظامه العميل ومن أجل المساواة والعدالة بين جميع مكونات الشعب البحريني. وهو شعب مثقف وعزيز ناضل أبناؤه في سبيل وطن عربي حر وسعيد. وتبنوا القضية الفلسطينية وانخرط بعضهم في الثورة الفلسطينية منذ البدايات. أما حاكم البحرين سليل عائلة حكمت وتحكم البلد بالقوة، لم ترق له الامارة فنام ليلاً لينهض صباحاً ملكاً.. يبقى صغيرا مهما كَبَرَ بحجمه ومهما تطاوس.. الأمير أصبح ملكاً وامارة البحرين مملكة لكن بلا مكونات وبلا سيادة وبلا رعية.

الجامعة العربية المتصهينة والتي ماعادت تضم في عضويتها دولاً بل محميات صهيونية أمريكية ما يمنعها من اقامة علاقات رسمية واتفاقية سلام استسلامي جماعية هو فقط حاجة ترامب ونتنياهو لاستخدام محمياتها في العمليات التجميلية والاعلامية في الحملات الانتخابية.

أما الفلسطيني فما لم يبدأ فوراً بعملية تنظيف (عمارة العربان) من خلال تنظيف شقته الفلسطينية، فإن العمارة كلها آيلة حتماً للانهيار والدمار.

فيا أصحاب الدولة المسخ والسلطة الوهم في فلسطين المحتلة؟

ويا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية؟

ويا فصائل المقاومة الفلسطينية؟

ويا أيها الفلسطينون والأمناء العامون ألا ترون أنه حتى مشيخات صغيرة لم تعد تقبضكم وتحسب حسابكم وتهاب ردة فعلكم؟..

من يحني ظهره يركبه الراكبون والمركوبين. لقد وصلنا الى زمن أصبحت فيه محميات نفطية خليجية ترغب في جعلنا كبش فداء لدوام حكمها. فلا تسمحوا لغلمان عائلات الحكم في الخليج ركوب قضيتكم. لا تسمحوا للمركوبين أن يركبوا فلسطينكم… فإن صمتم ولم تفعلوا شيئا فأنتم لستم بأفضل منهم.

البحرين بعد الامارات تقيم علاقات رسمية وعلانية مع الكيان الصهيوني. والبقية الخليجية تتبع، قطر وعُمان والسعودية.. هل هناك عنصر مفاجئة؟ طبعا لا… لأننا كنا نتوقع ذلك بعد ارتكاب الامارات لجريمتها. فالدماء العربية التي سالت في سبيل القضية الفلسطينية صارت بأعين الأنظمة والحكومات المستسلمة والمطبعة الرجعية والمتصهينة العربية ماءا .. يا عرب، ويا بشر ويا ناس ويا فلسطينية صارت ماءا .. فمتى نصير ثوارا ومناضلين ونعلنها حربا شعواء على كل المستسلمين وعلى كل من يستهين بنا ويستبيح دمنا ووطننا وقضيتنا وحقوقنا؟

متى نوقف الزاحفين نحو الاستسلام والخيانة والخداع والنفاق واللعب بقضيتنا ومصيرنا ودمنا عند حدهم.؟ .. متى نقول لهم كفى؟ .. فلتذهبوا الى الجحيم أنتم والاحتلال والاستعمار وأموالكم وإعلامكم وأعلامكم.

واجب الشعوب العربية وضع حد للخونة. وواجبها أيضا العمل بالحكمة العربية وهي “الكيّ بالنار” في حال فشلت المحاولات الأخرى.

أما شعب فلسطين الذبيح والمغدور عربياً فان لم يقم بارسال عصابة المستسلمين الفلسطينيين  الى جهنم أو بإعادتها الى مكانها الطبيعي سوف لن ينفعه الندم.

رموز الهزيمة والاستسلام والخيانة في فلسطين فليخرسوا..

لأنهم لسان هزيمة وخيانة كانوا ولازالوا جسرا للتطبيع والاستسلام والهزيمة والتنسيق مع الصهاينة.

يعرف هؤلاء المستسلمون أن هذه الجامعة العربية لولا حاجة نتنياهو وترامب لاستخدامها فرادى في حملات التطببع والاستسلام لكانت وقعت كلها مجتمعة على اتفاقية مع الكيان الصهيوني. لأنها في حقيقة الأمر لم تعد دولاً، كانت كذلك في زمن القائد الخالد، الراحل العظيم جمال عبد الناصر. أما الآن فهي مجرد محميات لخونة ولعملاء من الملك الى الجنرال ومن الأمير الى الشيخ والسلطان.. ومن شبه الرئيس الى الرؤساء الغلمان.

كل الخيانات الخليجية تمت أو تتم بحجة مواجهة خطر ايران (الشيعية) وتهديدها الوجودي كما يزعمون لأنظمة الحكم الخليجية. يدمرون اليمن ويقتلون شعبه بهذه الحجة الكاذبة والمخادعة. يستقبلون القادة الصهاينة في مسقط وأبو ظبي واليمامة والدوحة بهذه الحجة.. ورغم ذلك يحاصرون قطر التي تنافسهم على العلاقات مع الصهاينة والأمريكان وعلى تقديم الخدمات، مع أنها أولهم استسلاما واقامة علاقات خليجية علانية مع الصهاينة وتخريبا في الجسم الفلسطيني. حتى المقاوم منه مثل حركة حماس. استطاعت شراء واقتناء بعض المثقفين والاعلاميين الفلسطينيين والعرب، الذين رشتهم فعملوا ويعملون في جزيرتها وفي خدمتها. فيما هي تعمل في خدمة أسيادها. قطر حليف حركة الاخوان وحليف اردوغان وحليف للأمريكان. هي أكبر قاعدة أمريكية في شرقنا العربي بعد قاعدة أمريكا في دولة الخلافة الاردوغانية التركية. أنسيتم أن كل الاعتداءات على العراق وليبيا وسوريا كانت ولازالت تنطلق من هناك؟…

أردوغان أكبر كذبة سيكتشفها الاخوان وبعض الفلسطينيين والعربان وكذلك المشايخ والعلمانيين من اخوان الاخوان. فكما اكتشف بعض الفلسطينيين الرخوين أن السعودية وشقيقاتها كانوا خدعة وكذبة انطلت عليهم منذ زمن الثورة الفلسطينية في بيروت. وأن أموالهم كانت سموماً تسمم جسد الثورة الفلسطينية وتهلكه ببطء. سوف يكتشفون الآن أن أصحاب الشعارات والصوت العالي ليسوا أكثر من شعاراتيين وبالونات اختبارية ستحرقها الارادة الفلسطينية والأصالة الشعبية العربية. فالأمة العربية واحدة أرضاً وعادات وتقاليد ولغة… أمة واحدة بالرغم من تمزيقها وتقسيمها الى دول وطوائف. أما فلسطين فستبقى قلب هذه الأمة النابض وعنوان صراعها مع كل الأعداء.

نضال حمد في 12-09-2020

IMPRESSIONS FROM AN INFORMAL MEETING WITH ASMA AL-ASSAD, SYRIA’S FIRST LADY

By Eva Bartlett

67660224_3472696756089690_4525358752030785536_n

*(All photos taken from the Facebook page “Asma al Assad – Syria’s First Lady“)

I had been sitting in a small entrance room for what seemed less than a minute when the door opened and Syria’s first lady, Her Excellency Asma al-Assad, greeted me with a warm smile, welcoming me inside a slightly larger sitting room. In official meetings I had had over the years in Syria, I was accustomed to a secretary or assistant escorting me into the meeting room. Asma al-Assad, however, does things up close and personal.

Over the years in Syria, I had heard from people I encountered that she and President Assad routinely meet with their fellow Syrians in crowded venues, mixing and engaging with the people. I had also seen countless photos and videos of the Assads visiting Syrians in their homes around the country.

While I have been to Syria over a dozen times in the past seven years, it had never occurred to me to request a meeting with the first lady. But when that opportunity recently presented itself, I leapt at the chance to speak with one of the most beloved figures in Syria, and to hear her thoughts on her country, her fellow Syrians, and on the plights they are all in. And as it turned out, it was a chance to hear her poignant insights on her role as a mother, a citizen, the wife of the President and a leader in her own right.

Even before assuming the role of Syria’s first lady, Asma al-Assad made it a priority to focus on the development of Syria, and over the years since she’s headed organizations focusing on a range of development issues, including financial, educational and vocational. To effectively work on the many issues she does, her level of awareness of Syrians’ situation on the ground is crucial.

She has travelled widely around Syria, to the smallest villages, to meet with those who could benefit from the various organizations she heads. Videos abound of the first lady, and also the president, visiting wounded soldiers, families of martyrs, cancer patients, and impoverished Syrians, greeting them with hugs and kisses to their cheeks. They often sit with them on the floor of their homes, listening to them talk about their experiences.

In fact, in an interview she gave in 2002, Asma al-Assad explained:

“I wanted to meet [ordinary Syrians] before they met me. Before the world met me. I was able to spend the first couple of months wandering around, meeting other Syrian people. It was my crash course. I would just tag along with one of the many programmes being run in the rural areas. Because people had no idea who I was, I was able to see people completely honestly, I was able to see what their problems were on the ground, what people are complaining about, what the issues are. What people’s hopes and aspirations are. And seeing it first-hand means you are not seeing it through someone else’s eyes. It was really just to see who they are, what they are doing.”

As I already had an appreciation for what she’s accomplished I approached our recent meeting with a great degree of admiration for the person she is and the compassion she exudes.

Since this meeting was not a formal interview, I did not seek to record the over two hours of conversation with Her Excellency. Immediately after leaving, however, I did jot down as many notes about our conversation as I could recall, and will do my best to do justice to what Asma al-Assad said, sometimes quoting her but in general paraphrasing her words.

Also, while I wish to express the respect she deserves in her role as the first lady, and whereas most would call her Your Excellency, I’m also aware that she isn’t fond of titles and fanfare, one of many traits evidencing her humility. Thus, to find middle ground I will either refer to her as the first lady or Asma al-Assad.

Finally, although I’ve begun this essay with focus on Asma al-Assad and her character, what follows is really about Syria, through her eyes, and at some points my own. From the way she spoke, it is very clear that everything she does for her country is for her country, and she does so with an admirably passionate commitment.

I was admittedly anticipating our meeting, wondering how it might unfold. As it turned out, from the initial greeting, conversation flowed naturally and comfortably, which I attribute not only to Asma al-Assad’s ability to put those she meets with at ease very quickly, but also to the genuine interest and attention she pays everyone she meets.

She asked about my family, and was concerned about my own well being—to which my answer was something along the lines of: I’m very gratefully in the place I would most want to be right now. She asked about my experiences in Palestine in general, and my years in Gaza specifically. This was not feigned interest, as the first lady has consistently shown support for Palestine.

In late 2008/early 2009, when Israel was committing a massacre of Palestinian civilians in Gaza who had nowhere to flee, I was living in Gaza, and during the war riding in ambulances, documenting Israel’s war crimes. For three weeks, civilians were bombarded relentlessly—including with White Phosphorous, DIME, dart (flechette) bombs, drone strikes, Apache and tank shelling, and the massive one ton bomb airstrikes. In the end, Israel’s assault killed over 1400 Palestinians.

During an interview she gave to CNN at the time, Syria’s first lady spoke on the horrors which Palestinians were enduring during the massacre and also due to the inhumane Israeli siege on Gaza, rendering Gaza a prison. She spoke movingly of the over 80 percent of Palestinians in Gaza reliant on food aid to merely survive, the nearly 1 million (there are far more now) who don’t have access to clean water, and on many of the other sordid realities about life under siege in Gaza.

“This is the 21st Century. Where in the world could this happen? Unfortunately, it is happening. Just imagine your children living in Gaza. Mothers in Gaza can’t cook. Why can’t they cook? Because they don’t have access to fuel, they don’t even have access to the basic foodstuffs that are required to get a meal together, so children don’t eat. You put your children to bed at night and you expect to see them in the morning. That’s a luxury that people in Gaza just do not have. So what would it be like for you, living under those circumstances?”

WORKING FOR SYRIANS

During our meeting I commented on her work drive, knowing that throughout the past months when around the world things have slowed to a halt she has continued working on issues related to Syria’s development and empowering Syrians from all walks of life.

In May she participated in a workshop with staff of Jarih al-Watan (The Nation’s Wounded), a national veteran support program created in 2014 to help injured soldiers rebuild their lives and reintegrate back into society. The program provides support in several key areas including physical rehabilitation, mental health, education grants, vocational training and financial aid for small and medium enterprises.

The first lady explained that working hard is natural for her. She graduated from university quite young and started working professionally at age 21. When it comes to her work for Syrians, it’s more than her natural drive, it is something she is compelled to do for her country.

She talked to me about her cancer treatment (2018-2019), saying that people likely expected her to stay home, to discontinue work or at least work less because she was ill and undergoing treatment. But for her, how could she, for example, delay a child from getting treatment for a hearing aid, or delay a patient from getting medical care, “simply because I was feeling tired.”

Most people who have had a cold or flu would stay home during their illness, justifiably so. That Asma al-Assad refused to do so while enduring cancer treatment and all of the painful and exhausting side effects speaks volumes to her devotion to her people, a point worth stressing given that Western media has done their utmost to vilify her and the President.

Apart from her development work, the first lady quietly works to change antiquated mindsets on how to do things in Syria. She is also keen to encourage people in general, especially children, including her own, to think for themselves.

“We are trying to encourage young people to ask questions and think critically, which should be in line with democracy and freedom of opinion…”

Encouraging critical thinking and questioning of everything are traits that make for a more open society. For at least the past decade, the US and allies have preached about wanting freedom and democracy in Syria. But while gushing about freedom, they were funding and supporting terrorism, illegally occupying Syrian land, stealing Syrian oil, and prolonging terrorism in the country.

The forward-thinking approach Asma al-Assad embodies could lead to changes for the better in Syria. Yet, because the West is on a mission to impose a government which will do America’s bidding, people and policies that are actually good for Syria are dismissed and ridiculed by America and her allies.

Meanwhile, ironically, in Western countries, censorship has become increasingly rife, with dissenting voices being deleted from Youtube, Twitter, and Facebook, and with critical articles on current events being labelled as “fake news” by Western-government affiliated so-called “fact checkers”.

The first lady noted, “People are being steered by a narrative. They are not allowed to have an opinion any longer. There’s now no freedom of speech in the West.”

IMPACTS OF AMERICA’S DEADLY SANCTIONS

In June, America again ratcheted up its decades-old sanctions on Syria, adding a new round of sanctions meant to utterly debilitate the people of Syria— who’ve already suffered nearly ten years of war.

Every day where I am now in Syria, I hear and see things that drive home just how utterly brutal the US sanctions are: a friend whose aunt can’t get the medications needed for her cancer, another friend whose cousin died as a result of not getting the medications he needed for his chronic illness.

The sanctions are deliberately targeting Syrian civilians, and that is the intent of the United States. The US pretext of “helping Syrians” by sanctioning their country is sociopathic double-speak. The reality is they are slowly killing Syrians.

Under the latest sanctions, civilians are denied medicines, access to up to date medical equipment, and as a consequence, denied medical treatment.

The first lady spoke on how much harder life has gotten for Syrians.

“The medical equipment in Syria (like radiotherapy) needed to treat cancer patients is outdated and it is getting harder and harder to maintain these machines and keep them working. With the sanctions, chemotherapy drugs have become harder to source decreasing the likelihood of patients surviving cancer. If I was facing cancer now instead of two years ago, I wouldn’t be able to get the needed treatment. This is the case for Syrians now.”

I asked about importing the materials needed for local manufacturing. But the problem is, she told me, companies cancel contracts for fear of being punished by the US for violating sanctions.

The first lady asked me what I noticed in recent visits to Syria. I said that I had imagined things would be better after the 2018 liberation of eastern Ghouta and other areas occupied by terrorists and the cessation of their daily mortar and missile attacks on residential areas of Damascus.

But although there is peace, people I meet are despondent about the future. Young people want to leave, to find work or study abroad. And while Syria has started to rebuild, the truth is we don’t know how long that will take, particularly given that the latest sanctions target reconstruction as well. Nor do people know how or when the economy will improve.

The shattered economy is largely a product of ten years of terrorism, war, the sanctions, and the US-Turkish theft and destruction of Syria’s resources, particularly oil. The Syria-wide bout of crop fires in wheat and barley growing regions has devastated farmers and contributes to the country’s economic woes. Farmers blame US and Turkish occupation forces for deliberately setting some of the fires, with Turkish forces even allegedly firing on farmers to keep them from extinguishing the flames.

Destroying the economy, starving the people, bringing people to their knees, in hopes they will vote against their president. That is the US strategy.

However, the US and allies have from day one underestimated the Syrian people. Syrians have shown the world the meaning of steadfastness, facing the most powerful nations and their terrorist proxies, and rising undefeated. But doing so with untold, tragic losses.

HONOURING THE SACRIFICES OF SYRIAN SOLDIERS

The first lady spoke of supporting micro businesses as a long term strategy to improve the economy for all, not just for some. This is something she’s been doing for nearly twenty years in Syria, with a variety of initiatives on microfinance, funding and training.

Tied into this is the vocational training that enables startup projects.

This June, at Nasmet Jabal, in a mountainous area in northwestern Syria, I saw wounded former Syrian soldiers receiving vocational training, learning cheese and yogurt making, staples of the Syrian diet. In previous years, at a Damascus community centre supported by the Syria Trust, I saw women learning sewing skills, likewise to enable them to be employed or start their own businesses.

When speaking of her and her husband’s approach to raising their children, Asma al-Assad noted the importance of their children knowing the sacrifices of Syrian soldiers, stressing that her children are able to do the most basic things in life—walk, study, even just be alive—precisely because the army has defended Syria, and in many cases with soldiers paying a deep price in doing so.

This is one reason their three children frequently appear with the first lady and president in their visits to wounded soldiers.

Last month at the vocational training, I heard the testimonies of a number of such wounded soldiers, suffering injuries that should be life-shattering. But like wounded soldiers I’ve met over the years, they shared an inspirational drive to rebuild their lives, physically, materially and emotionally

In February 2011, Vogue published a surprisingly honest article on the first lady and her work for Syria, titled “Asma al-Assad: A Rose in the Desert.” Although Vogue later removed it from their website, I would encourage people to read the archived copy. It gives a detailed sense of the work and life of the first lady. The author spent several days with Asma al-Assad, getting informative glimpses into the workings of her foundations, and of the first lady herself.

I was told some months ago that when the first lady learned of the title, she was not pleased as one might have expected.

“I am not the only rose, you are all roses,” she said to a room of women at the Syria Trust for Development.

Throughout Syria’s history women have played prominent roles, from Queen Zenobia in the 3rd century AD, to women defending Syria against terrorism, to Nibal Madhat Badr first female Brigadier General in the Syrian Army, to the mothers of martyrs.

Syria’s Vice President, Najah Al-Attar, is a woman, as is Bouthaina Shaaban, media and political advisor to the president. Armenian MP Nora Arissian and former independent MP Maria Saadeh are among countless others.

Asma al-Assad also balked at the portrayal of Syria as a desert, a portrayal physically depicting the country as a vast sandy region, but also incorrectly implying a lack of culture and education, a sense of backwardness.

Just as the cultural mosaic is vast and varied, so is Syria’s landscape, with snowy mountains, steaming coastal areas replete with citrus and banana trees, rolling hills in the northwest, and yes desert areas to the east.

Anyone who has had the fortune to come to Syria likewise is aware of how empowered women are, how rich the culture is, and how valued education is. Art and music flourish here. Teenagers participate in science Olympiads.

In the past four months, I’ve had some opportunities to see more of Syria’s beautiful landscapes that I’ve described. Prior to the war, Syria was a popular tourist destination, particularly for its rich culture and landscapes, as well as for its ancient areas and cities and historic sites.

But historic and cultural sites aside, there is an aspect of Syria’s history and culture that the first lady is extremely worried about losing: the intangible culture, customs passed down through generations. A dialect gets lost because people who fled an area sometimes will not return.

She told me of a village woman who still hand makes Freekah (whole grains of wheat harvested while still green) in the traditional way. But most young people in the village have left, so that tradition won’t be passed down.

Syria is trying to document its intangible culture, a monumental task considering how much there is to document.

FINAL THOUGHTS

I’ll conclude by saying that whereas over the past decade there has been a systematic effort by Western media, politicians and government-aligned “human rights” groups to vilify the first lady, president and army, the reality on the ground is in stark contrast to the propaganda emanating from Washington.

Anyone who has followed the war on Syria, and the Western aggression against so many nations, will be aware that one of the first things America and allies does is to vilify the leadership, those same leaders they may have previously praised as being moderate.

The abrupt removal shortly after publication by Vogue of its feature on the first lady is a perfect example of the media being directed to not allow any positive reflections on Syria’s key figures. Only cartoonish denominations are allowed in Western media now. The 2002 interview with Asma al-Assad which I referenced at the start was published in the Guardian, an outlet which has since become a prime source of the most vile war propaganda against Syria and the whitewashing of terrorists’ crimes.

Meeting Syria’s first lady confirmed what I already knew from speaking with countless Syrians over the years, and from observing from afar the work she does: she is a strong, intelligent, down to earth, and compassionate woman dedicated to empowering and helping her fellow Syrians.

I am extremely grateful for the time I had with her. At a time of global instability, sitting with Asma al-Assad was calming and inspiring.

50754174_2990843384275032_5999534082277507072_o
26168301_2250263838332994_6318564995655038801_n
68894360_3525398734152825_6929323733685370880_n
21462798_2098979973461382_5618389243006591381_n
89353885_4174844119208280_5388018781861707776_n

دمشق تنتصر مجدّداً

البناء

أيهم درويش

لا تقاس الضربات بحجمها بل بمدى تأثيرها، من هنا أصبح واضحاً لدى السوريين أن ما تواجهه سورية اليوم شديد القسوة، قسوة الإرهاب طيلة السنوات التسع الماضية، فلا قذائف الهاون ولا الصواريخ ولا الإجرام، ولا اصطفاف نحو مئة دولة في الحرب الإرهابية ضدّ سورية، كل ذلك لم ينل من إرادة السوريين ولم يفتت من عزيمتهم، واليوم، يواجه السوريون إرهاباً اقتصادياً يشي بفصل جديد من الحرب على سورية، وهذه المرة من بوابة «قانون قيصر».

الضغط الاقتصادي يأتي دائماً مرادفاً للحرب النفسية، ولذلك نرى أن الإجراءات القسرية الأميركية ضد سورية تتخذ منحى الحرب النفسية على قاعدة أن ما يعانيه السوريون سينتهي عند خضوع دمشق لشروط الولايات المتحدة، في وقت لا تريد الولايات المتحدة أن تمرّ أيّ عملية سياسية أو إعادة للإعمار إلا عن طريقها، وتشدّد الخناق على السوريين بالعقوبات مدعية حماية المدنيين.

الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة بحق السوريين، لا بدّ أنه سيواجه بالإرادة ذاتها التي واجه السوريون بها الإرهاب التدميري، كما أنّ حلفاء دمشق لن يتوانوا عن دعمها، وهناك طرق كثيرة لكسر الحصار الأميركي، وما يميّز علاقة سورية بحلفائها، وقوفهم الدائم في مواجهة سياسة القطب الواحد الذي تمارسه أميركا لتمرير مشاريعها الاستعمارية في المنطقة، هذه العلاقة القوية بين الحلفاء ظهرت بشكل خاص عندما لم تلتفت إيران للتحذيرات الأميركية، وأرسلت رغماً عنها ناقلاتها النفطية المحملة بالنفط لفنزويلا والقطع اللازمة لمساعدتها على ترميم منشآتها النفطية. فالناقلات الإيرانية لم تتراجع أمام التهديدات التي أطلقها الأسطول الأميركي، بل أصرّت على إيصال الدعم لحليفتها مهما كلفها الأمر، لتوجه رسالة بأنه من غير المسموح وقوع أي دولة حليفة تحت الهيمنة الأميركية.

لقد سبق أن وقفت سورية إلى جانب إيران، وإيران اليوم قوة إقليمية كبرى وقفت مع سورية في مواجهة الإرهاب ورعاته، كما أنّ روسيا الاتحادية تقف ذات الموقف، والذين وقفوا الى جانب دمشق وآزروها في الحرب على الإرهاب العسكري، مستمرون في الوقوف إلى جانبها لإفشال الإرهاب الاقتصادي.

دمشق تأخذ بعين الاعتبار قسوة العقوبات الاقتصادية التي تفرض عليها، وهي تتقدّم بخطى واثقة لتحويل العقوبات إلى فرصة للنهوض بالصناعة والزراعة وعلى كل المستويات. وتتخذ كلّ التدابير والإجراءات لتمويل ودعم عملية النمو الاقتصادي، وزيادة الناتج المحلي الزراعي والصناعي، من أجل تتويج انتصارها على الإرهاب العسكري بانتصار آخر يسقط مفاعيل الإجراءات الأميركية القسرية.

السيد نصر الله… وسيلة المقاومة والصمود (1)‏

د. جمال زهران

تعتبر المقاومة فكراً وممارسة، هي الرصيد الاستراتيجي لهذه الأمة العربية التي تتعرّض لمهانات غير مسبوقة تاريخياً من ذلك الاستعمار الأميركي الجديد المؤيّد أوروبياً من رموز الاستعمار القديم. فلو تصوّرنا أننا فقدنا القدرة على المقاومة بعد انتهاء حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، فما هي الصورة التي كان يمكن أن تكون عليها أمتنا العربية؟ فبعد أن تمّ استبعاد مصر بعقد اتفاقيتي كامب ديفيد ثم المعاهدة المصرية الإسرائيلية، وتقييد إرادتها إلى حين، وتكبيل قدرتها على الحركة على الساحتين العربية والإقليمية، وكذلك الساحة الدولية، وتمّ إسكان مصر في مربع التبعية للاستعمار الأميركي والرجعية العربية، بعد كلّ ذلك، اتجه المشروع الصهيو/ أميركي، إلى تصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان، وإحداث الفتنة في الصفوف المختلفة، فوقعت الحرب الأهلية اللبنانية، وتمّ إخراج المقاومة الفلسطينية إلى تونس، ليتمّ الاستفراد الصهيوني بلبنان، ووصل الأمر إلى احتلال «إسرائيل» للجنوب اللبناني وحتى بيروت، لضرب الوجود السوري في لبنان. وتلاحمت الرجعية العربية مع المشروع الصهيو أميركي، لضرب الجبهة الشمالية (سورية ولبنان) معاً ومرة واحدة.

في هذا الإطار، تولدت المقاومة العربية في لبنان بقيادة حزب الله، لتتولى مسؤولية التحرير اللبناني من الاحتلال الصهيوني، وعودة لبنان المستقلّ لامتلاك إرادته في الإصرار على عدم التسليم لـ «إسرائيل» وأميركا، وعدم التطبيع مع هذا الكيان الصهيوني مثلما سبق أن وقعت مصر اتفاقيات التطبيع مع «إسرائيل» برعاية أميركية، والثمن الفادح هو استبعاد مصر من المشهد العربي، ففقدت مصر فعاليتها، وانعدم دورها الإقليمي. واستطاعت المقاومة العربية في لبنان بقيادة حزب الله، أن تجبر «إسرائيل» على الخروج من العاصمة اللبنانية (بيروت)، ومن كلّ الجنوب اللبناني، تجرّ أذيال الهزيمة المفجعة التي تجاوزت حرب أكتوبر، لتكون المعركة الكبرى بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول وانتصاراتها العظيمة، بدون أيّ قيد أو شرط. واستطاعت المقاومة أن تضع شروطاً جديدة، وقواعد جديدة للتجاور مع «فلسطين المحتلة»، وأصبحت «إسرائيل» مقيّدة بإرادة المقاومة التي فرضت نفسها على الساحة اللبنانية والعربية؛ الأمر الذي أصبحت المقاومة منذ ذلك الحين، 25 مايو/ أيار 2000، وفي ذكرى العيد العشرينيّ لانتصارها، الرصيد الاستراتيجي للإرادة العربية الجديدة.

وما من شك أنه لولا تولّد هذه المقاومة، في ذلك الحين، وبعد انتصارات أكتوبر/ تشرين الأول 1973، لاستمرت حرب أكتوبر/ تشرين الأول هي آخر الحروب بالفعل، وآخر الهزائم للكيان الصهيوني، وربما سيطرت «إسرائيل» على كلّ لبنان وكلّ سورية، وانتقلت للعراق – لا قدّر الله – لتحقق حلمها في إنشاء الدولة اليهودية من النيل – بعد أن تمّ تأميم مصر وإقامة السفارة الصهيونية على نيل مصر في الجيزة على كوبري الجامعة – إلى الفرات في العراق، ولتحققت الهيمنة الإسرائيلية إلى أن يشاء الله. لذلك استطاعت الأمة أن تنجب حزب الله، بقيادة السيد حسن نصر الله، ليفرض المعادلات الجديدة في المنطقة العربية، ويفتح فصلاً جديداً في مدرسة الصراع العربي الصهيوني، وتاريخ القضية الفلسطينية، يؤكد استمرار الإرادة العربية والمقاومة العروبية، وأنّ الأمة بها مخزونها العروبي بكلّ مكوناته، في الصمود.

ومن دون إغراق في تحليل الوقائع التاريخية، وما حدث في العراق ابتداءً من حرب غير مبرّرة مع إيران الثورة من (1980 – 1988)، في الوقت ذاته الذي احتلت فيه «إسرائيل» لبنان، واشتعال الحرب الأهلية! ثم قيام صدام حسين بغزو الكويت من دون مبرّرات في 2 أغسطس/ آب 1990، إلى أن تمّ تحرير الكويت بإرادة دولية، ثم قيام أميركا بغزو واحتلال العراق في 22 مارس/ آذار 2003، ثم سقطت بغداد في 9 أبريل/ نيسان 2003، فإنّ الدرس هو استمرار المشروع الصهيو أميركي في التآمر على الأمة العربية وتفتيتها.

وكان الدور على سورية في خضمّ «الثورات» العربية في تونس ومصر، وكانت النتيجة هي دمار واسع لسورية، ولولا مثلث الداخل السوري (الرئيس بشار الأسد – الجيش – الشعب)، لانهارت سورية، وكذا لولا المقاومة اللبنانية الجسورة بقيادة حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصر الله، ودعم إيران، لسقطت سورية كما سقطت بغداد. ومن هنا لا بدّ أن ندرك أنّ المقاومة هي أداة للتوازن الإقليمي، وهي التي حالت دون سقوط لبنان وسورية، ليتأكد وجود محور المقاومة بانتصاراته المتتالية.

ومَن يذهب إلى بيروت، لا بدّ له أن يزور قرية «ميليتا» التي تتعرّف من خلال الجولة الكاملة فيها سيرة المعارك مع العدو الصهيوني حتى تحرير الجنوب اللبناني، وإعطاء الكيان الصهيوني درساً لم ينسه ولن ينساه.

وربما سعت «إسرائيل»، لمحو هذا الانتصار من الذاكرة العربية بعدوانها المستمرّ ولمدة (33) يوماً، في يوليو/ تموز 2006، على بيروت، ولم تستطع تحقيق أيّ انتصار، بل خرجت من هذه المعركة أمام بسالة المقاومة العربية في لبنان، وخسرت المعركة، لتعترف «إسرائيل» للأبد، أن المقاومة العربية اللبنانية ولدت لتبقى وتستمرّ، وتفرض قواعد جديدة، ولا يمكن كسر إرادتها. أما ما يحدث الآن في لبنان، وصدور قرار قيصر الأميركي لإسقاط لبنان وسورية، فإنّ حديث السيد حسن نصر الله الأخير، يستحقّ وقفة، فهو من أقوى ما سمعت من السيد، ولهذا مقال مقبل…

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

إلى المطبّلين للعقوبات الأميركية على سورية… انتبهوا

البناء

جمال محسن العفلق

أخذ ما يسمّى قانون قيصر أكثر من حجمه إعلامياً، وقانون العقوبات هذا ليس بالجديد على نهج من يدير العملية السياسية في أميركا، فسياسة أميركا تقوم على مبدأ القتل والإبادة ولا يهمّ عدد الضحايا وتاريخ أميركا مشبع بالدم والقتل القصد إما عسكرياً أو اقتصادياً، ولم ننسَ بعد مليون طفل عراقي قتلوا خلال الحصار الأميركي للعراق وقبل دخول القوات الغازية بغداد. والدعم اللا محدود لما يسمّى بقوات التحالف العربي الغازية لليمن حيث سجلت الأمم المتحدة قبل ان تغيّر تقاريرها أنّ هناك عشرين مليون يمني مهدّدون بالهلاك بسبب الحصار والقصف الجوي الممنهج على قرى ومدن اليمن، والذي يستهدف المدارس والمشافي وبيوت المدنيين، وهذا كله بدعم أميركي وغرفة عمليات يديرها ضباط من الكيان الصهيوني وأميركا.

كذلك فإنّ ما يحدث في ليبيا هو بغطاء أميركي وعربي هدفه تقسيم ليبيا وإبادة شعبها.

فـ قانون قيصر الذي يطال الشعب السوري لا يمكن تقديمه كما يحب المطبّلين له على أنّ هدفه هو إنقاذ الشعب السوري، بل حقيقته هي إبادة من تبقى من السوريين والذين تراهم الولايات المتحدة أنهم صمدوا مع جيشهم وحكومتهم، فمنذ بداية العدوان الدولي على سورية كان الرهان على انهيار هذا الشعب خلال مده أقصاها ستة أشهر ولكن المفاجأة كانت بصمود السوريين وتكاتف الحلفاء معهم في صدّ العدوان، وفي المقدمة إيران وحزب الله اللذان قدّما دماء من أجل الحفاظ على سورية ودعم صمودها فتحوّلت السياسة الأميركية الى نهج قديم جديد اتجاه سورية وهي سياسة التجويع من أجل الإذلال والخضوع، فما تريده الولايات المتحدة ليس حرية السوريين كما تدّعي لأنها أصلاً لا يحق لها طلب الحرية وهي الغارقة بالعنصرية وجرائم ضدّ الإنسانية! إنما تدمير سورية، فهذا البلد بالنسبة للصهيونية ليس مجرد مساحة جغرافية بل هو عقيدة مقاومة وهذا ما تجده الولايات المتحدة مخالفاً لأهدافها، فوجود الفكر المقاوم لا يتناسب مع ما يسمّى أمن الكيان الصهيوني ومصالح أميركا في المنطقة…

يساعد أميركا في تطبيق هذا القانون الظالم على الشعب السوري كسر الأنظمة العربية لسرية التعامل مع الكيان الصهيوني وانتقالها إلى العلن وبمبرّرات لا ترتقي الى مستوى الهراء، فيخرج علينا من يقول انّ التعاون مع الكيان الصهيوني يأتي في إطار محاربة وباء كورونا، ووقف المدّ الشيعي، وآخر يجد أن الكيان الصهيوني هو صاحب الأرض الأصلي ولا يجب محاربته في وقت هناك من يعيش في الكيان الصهيوني من الصهاينة أنفسهم ويقول نحن نحتلّ هذه الأرض وهي ليست لنا.

أما سورياً فهناك مجموعة العاملين بأمر الدولار ومهمتهم تجميل هذا القانون واعتباره إنجازاً إنسانياً من الطراز الأول، وهؤلاء يقدّمون أنفسهم على أنهم ممثلو الشعب السوري ومعارضة وطنية، فأيّ وطنية هذه التي توافق على إبادة أمة عمرها سبعة آلاف عام؟

نعم إنّ قانون قيصر سيترك آثاراً اقتصادية جمًة، وخصوصاً أنّ سورية ليست بلداً يعيش حياة طبيعية، فصدور مثل هذا القانون على بلد يعيش منذ عشر سنوات حرباً طاحنة ضدّ الإرهاب ليس بالأمر الذي يمكن تجاوزه ببساطة، هذا ما يعتقده أصحاب القانون ومهندسوه الذين لم يفهموا حتى اليوم أنّ سورية منذ عقود محاصره اقتصادياً وفيها ما يكفي من الموارد التي يمكن العبور فيها نفق الحصار الذي سينكسر عاجلاً أم اجلاً.

فأوراق الردّ التي يملكها محور المقاومة كثيره وما زال في الجعبة الكثير والبداية من إدلب التي سيتمّ فيها تقليم ما تبقى من أظافر الجماعات الإرهابية المحمية من أميركا وهناك منطقة شرق الفرات التي سيُجبر الأميركي على الخروج منها، وبأيّ ثمن، فلا يعني تطبيق القانون أننا انتهينا، فالحرب لا تزال مستمرة، ومن استطاع الصمود عشر سنوات لن تصعب علية سنة إضافية ما دام الهدف هو إنقاذ وطن من الضياع والتفكك.

لقد مارست دول العدوان على سورية كلّ أصناف القتال الإعلامي والحربي والاقتصادي ولن يكون بمقدورهم اليوم إنهاء الحرب التي اختاروا هم بدايتها ولكنهم لن يستطيعوا تحديد موعد نهايتها كما يعتقدون.

وفي آخر رسالة واضحة لمحور المقاومة أن من سيقتلنا سنقتله، ولن يكون بعد اليوم أيّ تفاوض مع من يفكر بتجويعنا او قتلنا تحت اسم حقوق الإنسان وتوازن الطوائف والحرية والديمقراطية الأميركية الكاذبة.

الرئيس حافظ الأسد… وقصة اللقاء الأول

علي ناصر محمد Archives - وكالة أوقات الشام الإخبارية

علي ناصر محمد

الرئيس حافظ الأسد… وقصة اللقاء الأول – جريدة البناء | Al-binaa ...

شكلت وفاة القائد العربي الكبير حافظ الأسد خسارة كبيرة ليس لسورية وشعبها فقط، بل للشعوب العربية قاطبة في وقت من أصعب الأوقات في تاريخ الوطن العربي، إذ خسرتْ برحيله زعيماً، عنيدًا، صلباً، رابط الجأش، لا يأبه للضغوط، صاحب رؤية تاريخية مُدعَّمة بالثقة في النفس ومؤمنة بتحقيق هدفها في النهاية. رجل فكر وأيديولوجيا قومية في وقت واحد.

كان رحمه الله آخر القادة العرب الذين شكلوا التاريخ الحديث للمنطقة. غير أنّ أثره كان أقوى من الجميع فرؤياه الثاقبة ومواقفه المبدئية وموقفه المقاوم للاحتلال، ورفضه العنيد لتقديم تنازلات، فيما يتعلق بالأرض العربية المحتلة، وتمسكه بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، حوّلت سورية إلى قوة سياسية إقليمية. ولهذا سيذكر التاريخ للرئيس الراحل أنه لم يحوِّل سورية إلى عملاق سياسي له حضوره ونفوذه على امتداد الوطن العربي فحسب، بل سيذكر له أيضاً ودائماً أنه صمد واستمر في الصمود وواجه كل الضغوط الساعية للانتقاص من الحق العربي، وأنه ظلّ متمسكاً بتصميمه ألا يوقع سوى على سلام شامل وعادل ومشرف.

كما سيذكر التاريخ حافظ الأسد كرجل أعطى سورية الاستقرار واستمرارية الحكم وأكد أهمية بلاده في المنطقة، واستطاع مدَّ خيمة الأمن عليها طوال ثلاثين عاماً عقب سنوات من الانقلابات المتلاحقة والقلاقل وعدم الاستقرار السياسي. إنه، باعتراف الجميع، أول زعيم عربي سوري يذهب بهذا القطر العربي إلى مركز الفاعلية الذي لا تستطيع قوة دولية أو إقليمية تجاهل دوره وتأثيره.

لقد طبع الراحل سياسات المشرق العربي، وعموم المنطقة العربية ببصمات قوية لمواقفه وأفكاره وممارساته على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن.

ولا يخفى على أحد أنّ تلك الفترة من تاريخ سورية شهدت خطوات كُبرى على صعيد بناء سورية الحديثة القوية، وهو ما لم يكن متوافراً ولا متحققاً قبله في السنوات الأربع والعشرين التي سبقت الحركة التصحيحية، لكثرة الانقلابات والتغييرات التي أحدثت حالة من عدم الاستقرار منعت سورية وشعبها حتى من التقاط الأنفاس، فحوّل المكانة الاستراتيجية لسورية التي كانت هدفاً للصراعات الإقليمية والدولية يدور الصراع عليها إلى شوكة الميزان في التوازنات الإقليمية وأصبح أحد اللاعبين السياسيين الكبار في المنطقة.

وقد تمكّن من تحقيق ذلك بما عرف عنه من حنكة واقتدار في مضمار إدارة السياسة والتخطيط الاستراتيجي، والتصريف التكتيكي الفذّ للمواقف، والتحري الدقيق للخيارات البرنامجية، ولم يكن ذلك يرجع إلى موقع سورية الجغرافي والسياسي في قلب مصهر التناقضات كما يفترض فحسب، بل يعود في كثير منه، وبشهادة المحللين السياسيين، إلى جَلَده ودهائه وكفاءته النادرة في تطويع الممتنع، وفي استثمار تداعيات التناقض في بناء رأسمال القوة.

وقد تمتع الراحل العظيم، حتى باعتراف خصومه، بعقل استراتيجي، وبالرغم من التموّجات التي كان بعضها عارماً فقد حقق لسورية استقراراً وثباتاً، ولعب دوره في عملية السلام بحذق سياسي نادر، فنال عن جدارة لقب الرقم الصعب ولذلك فإنّ رحيل حافظ الأسد ترك فراغاً سياسياً في منطقة الشرق الأوسط كأحد اللاعبين الكبار، باعتباره رجل الاستراتيجية الواقعية بشهادة أعدائه قبل أصدقائه.

كان الرئيس الراحل قارئاً جيداً للتاريخ بشكل عام، وللتاريخ العربي والإسلامي بشكل خاص. قراءة الأحداث ووقائع الماضي، بمعنى الاستلهام من وقائعه وأحداثه العظام وخرج بالكثير من العبر والدروس. وكان يدرك دوره ودور بلاده في التاريخ العربي والإسلامي، حيث إنّ سورية صنعت عقوداً طويلة من هذا التاريخ. وكان يدرك أنّ سورية كانت وما زالت بموقعها الاستراتيجي وبتراثها القومي وتاريخها السياسي العربي، من أهم الأقطار العربية في مواجهة المشروع الصهيوني لإقامة «إسرائيل» في قلب الوطن العربي، في فلسطين، ثم لمواجهة تمدّده خارج فلسطين بعد هزيمة حزيران 1967، ومن ثم كانت سورية على الدوام منذ نجاح هذا المشروع – بشقيه – ولا تزال هدفا للتآمر الرئيسي والتخريب السياسي الداخلي والمخططات الصهيونية عموماً. ولذلك فإنّ الصمود الذي أبداه الرئيس الراحل حافظ الأسد حتى اللحظة الأخيرة من حياته في مواجهة المطامع «الإسرائيلية»، وإصراره على المطالبة باستعادة كلّ الأراضي المحتلة في الجولان وباقي الأراضي العربية المحتلة، نابع من موقف قومي يعتمد على التمسك بالحقوق الشرعية الثابتة، وعلى الشرعية الدولية التي نادت بذلك. لقد رحل الأسد وهو مجلّل بالفخار ومعه كل العرب وسورية بالطبع لأنه رفض التوقيع على سلام ناقص، سلام غير عادل، رفض أن يركع للضغوط أو ينحني للرياح. رحل بعد أن قدمت سورية بقيادته كل ما في وسعها لتحرير جنوب لبنان الذي أسعده ولا شك في أيامه الأخيرة ولذا ستبقى ذكراه في الوجدان العربي كمثل سنديانة قوية صلبة لم تقتلعها رياح الصراعات، ولا العواصف الإقليمية والدولية.

إنّ رجلاً في مكانة حافظ الأسد يترك تأثيراً لا يُنسى على التاريخ وعلى السياسة، وعلى من أتاح لهم القدر أن يلتقوا به.. وقد كنتُ من الذين جمعهم القدر مع الراحل الكبير، وتعود معرفتي الشخصية بهذا القائد الفذ إلى نيسان – أبريل عام 1970 حين كان وزيراً لدفاع، وقبيل الحركة التصحيحية في تشرين من العام نفسه، وكنت قادماً من عدن للقائه بوصفي وزيراً للدفاع في اليمن الديمقراطية.

كان هذا أول لقاء لي بحافظ الأسد، وأذكر أنه ترك في نفسي انطباعات رائعة منذ ذلك اللقاء. إذ كان الراحل العظيم يتمتع بصفات نادراً ما يتمتع بها القادة الذين يتحملون أعباء ومسؤوليات كتلك التي تحمّلها حافظ الأسد. ورغم أن حافظ الأسد، بوصفه وزيراً للدفاع وقائداً لسلاح الطيران في مرحلة كانت سورية كلها ما تزال مهمومة بإزالة آثار نكسة حزيران وإعادة بناء قواتها المسلحة، فقد منحني من الوقت وأنصت إليّ باهتمام شديد. كانت تلك ميزة يتمتع بها القائد الراحل، وكان على شيء من الرقة واللطف، مع ذاكرة مذهلة وقدرة على التركيز الذهني قلّ مثيلها.

كان هادئ القسمات، خافت الصوت مع وضوح النبرة، وكان كريماً أيضاً في المساعدات التي طلبتها لبلادي، لم يتردّد رغم الظرف الصعب الذي تمر به سورية والذي كنت أعرفه، بل لبى كلّ ما طلبناه لتعزيز القدرة العسكرية لقواتنا المسلحة التي كانت في طور النشأة والتكوين بعد أن نال اليمن الجنوبي استقلاله الوطني من الاستعمار البريطاني في نوفمبر 1967م. كانت معركته قومية في الأساس وكان هذا المنطلق من ثوابته، لذا لعب الخبراء السوريون الذين رافقوني على الطائرة نفسها التي أعادتني إلى عدن دوراً هاماً في إنشاء الكلية العسكرية في عدن، كأول أكاديمية عسكرية تدرس العلوم الحديثة، كما قدموا عونا لا يُقدّر بثمن في إعادة بناء القوات المسلحة ووضع القوانين والتشريعات المتعلقة بوزارة الدفاع وتنظيم مختلف الأسلحة. كما أرسل عدداً من الطيارين والمدربين على الطائرات الروسية ميغ 17 قبل عودة طيارينا من التدريب في الاتحاد السوفياتي، وأرسل أيضاً بعثة طبية لإدارة المستشفيات العسكرية..

بعد ذلك توالت اتصالاتي بالراحل، وتكرّرت لقاءاتي به، وكنت أحرص على الدوام خلال زياراتي إلى الخارج، خاصة بعد أن أصبحت رئيساً للوزراء ورئيساً لبلادي، فيما بعد، على أن تكون دمشق محطة مهمة فيها، ولقاء الرئيس الأسد في الصدارة دائماً. وكان رحمه الله مغرماً بالتاريخ وقارئاً جيدا له، وبقدر ما كان يتحدث عن موقف سورية ورؤيتها، فإنه كان يبدي حرصا شديدا على التعرف على تطورات الأوضاع في اليمن والخليج العربي وحرصا شديدا على استقرار الأوضاع في هذه المنطقة الحيوية. وكان يعرف الكثير من أوضاعها ويتابعها بدقة، ويرى في وحدة اليمن وعلاقات حسن الجوار والتعاون مع محيطها في الجزيرة والخليج خير دعم لسورية ولدول المواجهة في صراعها القومي مع العدو «الإسرائيلي».

تعدّدت لقاءاتي بالرئيس الراحل بعد ذلك في العديد من المناسبات والمنعطفات الحاسمة، سواء بالنسبة لسورية أو بالنسبة لليمن أو لي شخصياً، وفي كل المواقف، وفي أصعب الظروف فإنّ الرئيس الأسد أبدى على الدوام دعماً وتأييدا لليمن ولقضاياه وعلى رأسها الوحدة اليمنية، وأبدى معي تعاطفا لا حدود له في الأوقات الصعبة والمحن الشديدة، وكان هذا نوعاً من الوفاء النادر للأصدقاء قلما نجد له مثيلاً في هذا الزمن الصعب.

ورغم أنني زرت العديد من عواصم العالم، والتقيت العديد من زعمائه عرباً وأجانب، فإنّ دمشق والرئيس الأسد يظلان في قلبي ووجداني وفكري إلى درجة أنني اخترت دمشق مقراً لإقامتي وأسرتي بعد مغادرتي السلطة واليمن ومقراً للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية الذي أسّسته بدعمه ومساندته، وعقدنا المؤتمر التأسيسي له في دمشق تحت رعايته الكريمة في أبريل – نيسان عام 1995م.

لقد ودَعت سورية منذ عشرين عاماً باني نهضتها الحديثة، الرئيس حافظ الأسد، بأكثر ما يمكن لبلد أن يودع به قائده.. بالوفاء والعرفان… فعلت ما هو أبعد، فقررت تكريس نهجه والاستمرار على خطاه، من خلال إجماعها على نجله الدكتور بشار الأسد.

عشرون عاما مرّت على غياب الرئيس حافظ الأسد، لم يعد المشهد كما كان في حياته، جرت أمور كثيرة في سورية واليمن وليبيا ولبنان وفلسطين وفي أماكن أخرى من الوطن العربي والعالم، لكنّ سورية ظلت في قلب الأحداث كما كانت، ولا يزال الصراع يدور عليها وحولها وهي دائماً عصية على الكسر، وهذا قدرها، باعتبارها صانعة السلام والحرب، فلا حرب بدونها ولا سلام أيضاً بدونها. ووسط هذه العواصف يكون غيابه مؤلماً..

*الرئيس اليمني الأسبق.

قانون «قيصر» ضدّ سورية تراجع الهيمنة الأميركيّة…

د. جمال زهران

لا شك في أن الأزمة السورية، تتسم بأنها مركبة ومعقدة، وذلك لتعدد الأطراف المتداخلة فيها، وأن المحور الأساسي هو الدولة والجيش والقيادة السورية، التي استطاعت أن تكون القلب الذي يضخ الدم في الأزمة ويتحكم فيها. ومن يرى أن هناك ولو طرف واحد أياً كانت طبيعة هذا الطرف وقوته ومكانته وقربه أو بعده عن هذا القلب، يتحكم في إدارة الأزمة، بخلاف الدولة السورية (شعباً وجيشاً وقيادة)، فهو يرى الأمور بغير حقيقتها. ولذلك فقد كان الرهان من البداية على ذلك التحالف الوثيق الصلة بين مثلث هذا القلب وهو (الشعب والجيش والقيادة)، ومن دون هذا التحالف وهذا الصمود التاريخي في مواجهة تلك المؤامرة الكونية على سورية العظيمة المقاومة، لكان الانهيار من نصيبها، وربما أضحت مثل العراق، الذي تعرض للحصار حتى الحرب والاحتلال الأميركي البريطاني في أبريل 2003م. ولكن استطاعت سورية بكل مكوناتها الفاعلة المشار إليها، أن تتفادى هذا المصير، رغم ما تعرضت له من الدمار والنهب لمواردها البترولية والغاز والآثار ونهب المصانع السورية ونقلها من حلب إلى تركيا. وبعد عشر سنوات تقريباً تعود سورية إلى الحياة الطبيعية على مساحة أكثر من 70% من إجمالي مساحة سورية، ويعود الإعمار، ويسعى الاقتصاد السوري إلى أن يتعافى، وبدأ الشعب يستعيد مستواه المعيشي الذي تعرّض للتدهور مع ضرب العملة السورية وغير ذلك. كما أن سورية تمكنت من تفادي انتشار الوباء لفيروس الكورونا، حيث لم تتعدّ حالات الإصابة (125) شخصاً، والوفيات (6) أشخاص، وسط إجراءات احترازية متشددة، ونجحت سورية في ذلك، وعادت الحياة الطبيعية مرة أخرى والتعافي الكامل في الطريق بإذن الله، وقلوبنا مع الشعب السوري، إلى أن يستعيد عافيته تماماً.

وفي هذا المناخ الإيجابي الذي لا يريح العدو الأميركي وأداته الإقليمية، ذلك الكيان الصهيوني، نجد ترامب المتغطرس يصدر القرار التنفيذي لقانون قيصر ضد سورية، مؤكداً أن سورية لا بد أن تظل تحت الحصار، وشعبها تحت الإبادة المنظمة، متصوراً أن مثل هذه الإجراءات سوف تؤدي بهذا الشعب إلى الانكسار والإذلال والانبطاح، ويتناسى هذا المتغطرس (ترامب)، أن شعب سورية هو شعب أبيّ، يرفض الذل والانكسار، وهو شعب مقاوم، ولعل تاريخ هذه المنطقة يؤكد ذلك.

وقد سبق أن تناولت في مقال سابق، حجم العقوبات والحصارات التي تفرضها الدولة الأميركية على المنطقة والعالم، وفي مقدمتها سورية وإيران، بشكل يتسم بالبشاعة. ولا تتوقف هذه العقوبات على التعاملات الأميركية السورية، بل تمتد إلى إجبار الدول الأخرى على تنفيذ هذه الحصارات الجائرة، ومَن لا يلتزم من الدول، يتعرّض إلى عقوبات أحادية من أميركا، التي نصّبت نفسها مديراً للشأن العالمي ومتحكمة فيه، وجعلت من نفسها «أمماً متحدة» بديلة، وهو ما يتعارض كلية مع الشرعية والمشروعية الدولية. فلا يجوز فرض أية عقوبات على دولة، إلا بقرار من مجلس الأمن، وكذا الجمعية العامة للأمم المتحدة، وغير ذلك، يندرج تحت العلاقات الثنائية لدولتين أو أكثر، خارج المنظمة الدولية.

فقد بدأت الإجراءات «الأحادية» الأميركية ضدّ الجمهورية العربية السورية، عام 1979، عقب توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية بعد اتفاقيتي كامب ديفيد 1978، والزيارة المشؤومة التي قام بها السادات لـ«إسرائيل» في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977. ثم تبعت ذلك، موجة ثانية من العقوبات عام 2004، لتعود بتواتر أعلى منذ عام 2011، المعروفة بقانون سورية!! من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق (أوباما)، وصولاً إلى تبني مجلس الكونغرس بغرفتيه (النواب والشيوخ)، لقانون قيصر في مطلع عام 2019، والذي حدّد له مدة خمس سنوات، من تاريخ دخوله حيز التنفيذ، ينتهي بعدها سريان هذا القانون الذي يفترض تنفيذ أغراضه كاملة. وقد صدّق الرئيس ترامب المتغطرس على قانون قيصر خلال الأسابيع الأخيرة، وسط الانتشار العالمي لفيروس كورونا، والعالم منشغل بهذه الأزمة الدولية غير المسبوقة، وبتأثير الصهاينة ورموزها المؤثرين في الانتخابات الأميركية التي أصبحت على مرمى أقلّ من خمسة أشهر، وقد يؤدي تصديقه على القانون لكسب رضا الصهاينة نجاحه في الانتخابات الرئاسية في الثلاثاء الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، لفترة ثانية!! وقد أصبحت المنطقة العربية «ملطشة»، الرؤساء الأميركيين (جمهوريين أم ديمقراطيين)، حيث يسعون إلى الانتقام من المنطقة وشعوبها ونظمها، خاصة تلك التي ترفض الخضوع والتبعية للمشروع الصهيو– أميركي، والمستمرة في مقاومة هذا المشروع الاستعماري. وفي المقدمة كما نرى، سورية ولبنان والعراق (إقليم الشام المقاوم) تلك المنطقة التي تتعرّض للانتقام الأميركي. ويستهدف هذا القانون إحكام الحصار على سورية وشعبها، وما لم يستطع السلاح الأميركي أن ينفذه، تستطيع أدوات المقاطعة والحصار الاقتصادي أن تنجزه تحقيقاً لاستراتيجيات أميركا الوهمية في المنطقة، كما ذكر ذلك (ريتشارد هاس) الأميركي في كتابه بعنوان العقوبات الاقتصادية الأميركية، أداة للسياسة الخارجية الأميركية.

ويمكن القول: ختاماً، إنّ قانون قيصر، مثل قانون سورية، مثل كل العقوبات الأميركية ضدّ سورية، سيكون مكانها سلة مهملات التاريخ، وستنتصر سورية وشعبها وجيشها وقيادتها على أميركا ورئيسها المتغطرس (ترامب) الذي أصبح سقوطه في الانتخابات الأميركية المقبلة مؤكداً. وقد انتصرت إيران التي كسرت الحصار الأميركي عليها وعلى فنزويلا، وأرسلت (5) ناقلات بترول لفنزويلا، وصلت سالمة وسط تهديدات أميركية بإعاقتها، ولم تستطع أميركا أن تنفذ تهديداتها مقابل تهديدات إيرانية مماثلة. ولذلك فإنّ معركة سورية، هي معركة كل أحرار العالم، عليهم أن يلتقوا على كسر العقوبات والحصارات الأميركية ضدّ أيّ دولة وفي المقدمة سورية وإيران وفنزويلا، وألا يخضعوا لأية ابتزازات أميركية، فهي عديمة القيمة إذا ما قورنت بإرادة وحرية الشعوب ضدّ الإمبريالية الأميركية. فهي عقوبات وحصارات خارج الشرعية الدولية للأمم المتحدة، ولا بد من إسقاطها بعمل جماعي عالمي، تسنده القوة بغطاء دولي من روسيا والصين في المقدمة. وعاشت سورية حُرة أبية مستقلة ومقاومة وعصية على السقوط والانحناء بإرادة شعبها وجيشها وقيادتها المتمثلة في الرئيس المقاوم الأول في الوطن العربي، (د. بشار الأسد).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

مقالات متعلقة

في ذكرى اغتصاب فلسطين اقتراح للتفكير… ومبادرة سلام القدس عليكم وصباح القدس لكم

ناصر قنديل

بين ذكرى اغتصاب فلسطين، وعيد المقاومة والتحرير عشرة أيام، ليس من الصدفة أن يقطعهما هذا العام يوم القدس، الذي جاء بمبادرة من الإمام الخميني رحمه الله، قبل أربعين عاماً، ليحفظ القدس في الذاكرة، تاركاً مهمة التحرير مهمة منفصلة، تستقوي ببقاء القدس حيّة في الذاكرة الجمعيّة عندما تتوفر ظروف العمل.

عيد المقاومة تذكير بأن الأمل بتحرير فلسطين مؤسس على أسباب ومعطيات واقعية، وكما يقول سيد المقاومة دائماً، إن عظمة النصر في أيار، انه سحب من التداول السؤال حول إمكان التحرير، لأن دليل الإمكان هو الوقوع.

تأتي المناسبات وتحتشد هذه السنة وقد تكفّل إعلان كيان الاحتلال، عن هويته كدولة عنصرية يهودية، بإسقاط فرص الحديث عن أي تساكن مع الاحتلال تحت شعارات مموّهة كالدولة ذات القوميّتين، أو دولة المواطنة. كما تكفلت بالتوازي صفقة القرن، بإقفال كل طرق التسويات ومسارات التفاوض، التي لم تكن يوماً إلا لإلهاء شعوبنا وأمتنا، عن خيار المقاومة كخيار وحيد للتحرير، واسترددنا في طريق سقوط خيار التفاوض والبحث عن التسوية، وحدة نضال الشعب الفلسطيني، فما عاد هناك أربعة شعوب، شعب يقيم شبه دولة في غزة، وشعب يريد بناء نصف دولة في الضفة، وشعب ينتظر ربع عاصمة دولة في القدس، وشعب منسيّ تمت التضحية بحقوقه، كشرط للتسوية والتفاوض، هو أهلنا في المناطق المحتلة عام 48 الذين ترك لهم أن يناضلوا لتحسين شروط العيش في الكيان وتحت الاحتلال والطريق هو الانتخابات التي تشرعن الاحتلال والاغتصاب. فعاد الفلسطينيون اليوم شعباً موحداً وليس واحداً فقط، حيث الحق واحد والقضية واحدة والهوية واحدة والطريق واحد وهو المقاومة.

أن تبقى فلسطين بوصلتنا، هذا هو العهد، لكن أن نسعى نحوها، فذلك هو الطريق الذي يسلكه كل داعم للمقاومة ومساند لصمود سورية، وتعافي مصر، ورفض نظريات ومسارات الانعزال عن فلسطين، تحت عنوان مبتذل للوطنية في الكيانات العربية، مثل لبنان أولاً وسورية أولاً ومصر أولاً والأردن أولاً والعراق أولاً، فوطنية كل عربي لا تصان في بلده، ما بقيت فلسطين تحت الاحتلال، وبقيت يد كيان الاحتلال هي العليا في منطقتنا، ولا أمن وطني لدولنا الوطنية خارج مفهوم الأمن القومي كما صاغه الرئيس الراحل حافظ الأسد ويواصل تثبيته الرئيس بشار الأسد، وعنوانه مواجهة تغوّل المشروع الصهيوني وعدوانيّته ودعم نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته.

السؤال الذي يواجهنا كنخب ثقافية وإعلامية واجتماعية، حول نوع الدعم الذي يمكن تقديمه لفلسطين، يستدعي التفكير بمبادرة واقعية ومؤثرة في آن واحد، وقد استوقفتني قبل سنتين الفكرة العبقرية للإمام الخميني بإعلان يوم القدس، الذي كان يربط استقباله لقادة الدول بمدى قبولهم بتسهيل إحياء يوم القدس، فيما كان تشدّده موضع تساؤل حول جدوى إعلانه بالأصل. وها هو يوم القدس اليوم مناسبة تخرج فيها عشرات الملايين عبر عواصم العالم ترفع الشعارات وتهتف للقدس وفلسطين، وستبقى وتتعاظم وتزداد، حتى يحين موعد العمل العظيم، وتدق ساعة التحرير، ولو جيلاً بعد جيل، لأن الأصل هو الذاكرة، والأجيال، ومعركة الوعي وكي الوعي.

اختبرت خلال هاتين السنتين مبادرة عنوانها، التدرب على استبدال صباحاتنا التقليدية، والبلهاء بلا معنى أحياناً، مثلها مساءاتنا وسلاماتنا، بأن نقول صباح الخير ومساء الخير، أو نلقي السلام التقليديّ للمسلمين السلام عليكم، أو لدى المسيحيين، نهاركم سعيد، بصباح ومساء وسلام، تحمل كل المعاني النبيلة وتختصرها، فيكون سلامنا رمزاً للخير وللسلام والحب والحق، ويرمز لما يجب أن يبقى حياً في الذاكرة، ولا يرتب أعباء على مَن يتبنّاه، فهو ليس منشوراً سياسياً، ولا بندقية، ولا سلاحاً، إنه مجرد سلام وتحية.

صباح القدس عليكم وصباح القدس لكم، ومسّيناكم بأنوار القدس، وسلام القدس لكم ومنكم وعليكم وبكم، كلّها مفردات تصلح، وهي بسيطة وسهلة، وإذا انتشرت بين الملايين وصارت تقليداً شائعاً، فهي خير إسهام في معركة الحق نحو فلسطين، وفي الاختبار اكتشفت أنها ليست بالسهولة التي تبدو عليها، فهي سهلة من زاوية انعدام الخطر والتبعات من اعتمادها، لكنها ليست سهلة بتحويلها إلى عادة، ولا هي سهلة بتحمل بعض السخرية عندما نلقيها على بعض المتفذلكين الذي سيقولون حتى الصباح والسلام تقومون بتسييسه، ولا هي سهلة مع الأهل والأقارب والأصدقاء والأبناء، حتى تصبح عادة، ولا قيمة لها ما لم تصبح عادة، فوجدت أن تحدّي الصعوبة يحول هذا التحدّي إلى فرصة، حيث الشرح والبيان عن سبب الاختيار ومعانيه، وحجم المضمون الذي يختزنه، هو نشر للوعي، وخلال السنتين شاركني المئات من الأصدقاء والمتابعين الاختبار، وقد وجدنا فيه معاً خياراً، يؤكد هويتنا وبوصلتنا، واستنهاضاً لمعاني السمو والرقي في التخاطب، وقد صار أسهل بكثير من البداية وصارت شجاعتنا باعتماده أساساً في سلامنا وتحايانا أعلى بكثير، ولا زلنا نتدرب على المزيد ونسعى لامتلاك الشجاعة لتجاوز الإحراج، فاكتشفنا أنها معركة حقيقية ويومية.

أقترح مناقشة الفكرة، وإن شاركتموني تقدير قيمتها وأهميتها، فإن تعميم اعتماد القدس ركيزة سلاماتنا وصباحاتنا ومساءاتنا وتحايانا، تجسيد لمعنى مسؤوليتنا عن صناعة الوعي، وتجذير الذاكرة في أجيال يجب أن ترث من إلقاء الصباح وتحية المساء معنىً لا يتقادم عليه الزمن، تختصره القدس.

نكتشف كم كان الزعيم أنطون سعاده عبقرياً عندما وضع بنفسه وهو في الثانية والثلاثين من عمره نشيد الحزب السوري القومي الاجتماعي “سورية لك السلام” وصاغ تحية الحزب “تحيا سورية” قبلها بأعوام، ولا تزال هذه التحيّة وهذا النشيد يحفظان الذاكرة القومية من جيل إلى جيل، وما الضير أن تحيا سورية ويكون سلام القدس عليكم وصباح القدس لكم؟

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

روسيا وسورية: اثر التسريبات الإعلامية وحقيقة العلاقة

العميد د. أمين محمد حطيط

من غير سابق إنذار فتح بعض الإعلام الروسي النار على سورية ورئيسها، بشكل قاد بعض المتسرّعين من المحللين إلى القول بأنّ روسيا قلبت ظهر المجن لسورية وعقدت صفقة مع أميركا وتركيا تخلّت بموجبها عن الرئيس الأسد، وانّ هناك انقلاباً ينذر بتغيير روسي جذري قريب في سورية، فهل هذا صحيح وما إمكان تحققه؟

قبل النقاش في الأمر لا بدّ من العودة إلى بدء العدوان المركب على سورية في العام 2011، حيث التزمت روسيا موقف الحذر الذي ترجمته معارضة سياسية للعدوان مع امتناع عن التدخل الميداني والاكتفاء بمراقبة السلوك الإرهابي الذي تقوده أميركا لإسقاط سورية وتغيير قيادتها وإلحاقها بمنطقة النفوذ الأميركي في المنطقة. ورغم أنّ المشروع الأميركي كان من شأنه في حال نجاحه تهديد المصالح الروسية في المنطقة، فإنّ روسيا حاذرت المواجهة مع أميركا واختارت العمل الدبلوماسي المقيّد الذي لا يمنع أميركا من استمرار العدوان، لكنه لا يترك أميركا طليقة اليد في المجال السياسي الدولي لفعل ما تشاء على الساحة السورية ولهذا جمعت روسيا في سلوكها بين الفيتو الذي مارسته في مجلس الأمن ضدّ مشاريع القرارات التي تمسّ بمصالح سورية، وبين الإحجام عن التدخل العسكري نصرة للحكومة السورية. سلوك اعتمدته بخلفية الشكّ بقدرة النظام السوري على الصمود ورغبة في إشعار أميركا أنها ليست وحدها في المنطقة.

بيد أنّ سورية وبقدراتها الذاتية ومدعومة من محور المقاومة سفّهت أحلام قوى العدوان عليها وصمدت إلى حدّ اقتنعت روسيا فيه بأنّ دعمها لها إنْ حصل لا يمكن ان يذهب هدراً، وإنْ تركها وحدها في مواجهة العدوان فلن يكون في مصلحة روسيا خاصة إذا انتشر الإرهاب خارج سورية، متذكرة المقولة التاريخية أنّ «الدفاع عن موسكو يبدأ على أسوار دمشق»، لكلّ هذا استجابت روسيا في العام 2015 للطلب السوري وللتشجيع الإيراني وحرّكت جيشها بقوته النارية من طيران ومنظومات صاروخية وجو فضائية لتقديم الإسناد الناري للجيش العربي السوري الذي يكافح الإرهاب على أرضه.

ومع الدخول العسكري الروسي إلى سورية، اختلط الأمر على الكثير وقلة عرفوا حقيقة العلاقة أما الآخرون فمنهم من ظنّ انّ التدخل الروسي هو وضع يد على سورية ومنهم من رأى انّ روسيا دخلت مع سورية في حلف عسكري استراتيجي عضوي يجعلها عدواً لمن تعاديه، وصديقاً لمن تصادقه، وغاب عنهم انّ لروسيا سياستها التي تتقاطع مع سورية في أمور وتعاكسها في أمور أخرى، وأنّ وجودها العسكري في سورية له مهمة محدّدة تتصل بالحرب على الإرهاب ومنعه من إسقاط النظام. فمهمتها محدّدة لا تتعداها إلى مواجهة «إسرائيل» او محاربة تركيا او الخصومة مع دول الخليج، وحتما ليست لقتال أوروبا أو أميركا إذ بقي هؤلاء في القاموس الروسي خارج دائرة العداء رغم انّ أميركا تصنّف روسيا عدواً.

لقد تعرّضت روسيا لأكثر من اختبار في سورية، وتصرفت في التعامل مع هذه الاختبارات بذهنية الطامح لإشغال مقعد في الصف الأمامي الأول دولياً، والعامل لاجتثاث الإرهاب من كامل الأرض السورية، ولم تحاول فرض انتداب على سورية التي لا يمكن أن تتقبّل أصلاً هذا الأمر من أيّ جهة أتى، ولكنها كانت وما زالت تحاول إسداء النصح للحكومة السورية والتعامل مع الأطراف التي لا صلة قائمة بينها وبين سورية بالشكل الذي تراه هي أنه يخدم أهدافها. فعقدت تفاهمات مع أميركا تمنع الصدام معها، ووضعت قواعد للتعامل مع التدخل الإسرائيلي في سورية، وجذبت تركيا إلى استانة للانضمام اليها مع إيران لتشكيل ثلاثية رعاية حلّ في سورية واستقبلت أكثر من طرف سوري وإقليمي ودولي للبحث بحلول للمسألة السورية. وهنا شاب الغموض في تحديد موقع روسية وصلتها بكلّ تلك الأطراف غموض زادت خطورته مع حملة بعض الإعلام الروسي ضدّ الرئيس الأسد إلى الحدّ الذي ذهب البعض بعيداً في التأويل والقول إنّ روسيا بدأت مسار البحث عن بديل له قبل الانتخابات المقبلة في العام 2021 فما هي الحقيقة؟

بداية نقول بأنّ سورية ليست مستعمرة روسية وليست تحت الوصاية الروسية، ولو كانت سورية بصدد قبول وصاية او استعمار او انتداب خارجي لما قاتلت دفاعاً عن استقلالها 9 سنوات حتى الآن. وبالتالي وفي معرض تحديد طبيعة علاقة روسيا بسورية يجب الانطلاق من مسلّمة استقلال سورية وسيادتها، وعلى سبيل المثال نقول إنّ روسيا وقعت على بيان جنيف في 30 حزيران 2012 الذي يتضمّن النص على مرحلة انتقالية تفضي إلى خروج الرئيس الأسد، ولكن سورية عملت كما ترى مصلحتها السيادية وأجرت انتخابات رئاسية في العام 2014 جدّدت للرئيس في موقعه وسقط البيان في غياهب النسيان.

إنّ روسيا تعلم ذلك، وتذكر انّ كثيراً من الاتفاقات التي عقدت بينها وبين أطراف تناهض سورية بقيت في الأدراج لأنّ سورية تحتفظ لنفسها بحق قبول أو رفض أيّ شيء وفقاً لمصالحها الوطنية. فروسيا تلتقي مع الآخرين على نقاط لا تقبل بها سورية وتعمل في كلّ السبل بعكسها، ومنها على سبيل المثال ما يُقال عن وجود تفاهم تركي أميركي روسي على منع الحسم العسكري في الميدان السوري أو تأخيره إلى ما بعد الاتفاق السياسي على شكل الدولة ونظامها كما والعمل على خروج إيران والقوى العسكرية التي تدور في فلكها من سورية، وأخيراً إحداث تغييرات بنيوية جذريّة في النظام السوري يهجر نظام القوة القومية والوطنية المركزي ويقيم نظام التعددية الذي يشبه أنظمة الضعف في لبنان والعراق.

بيد أنه مهما كان من أمر التفاهم او الخلاف، فإنّ روسيا تعلم جيداً رفض سورية لكلّ ما تقدّم من تفاهمات تخالف إرادتها، وأنها، أيّ سورية، أعلمت كلّ من يعنيه الأمر أنها تفضل الحرب على الإرهاب على الحلّ السياسي، وترفض إشراك من يستمرّ مقاتلاً في الميدان في المفاوضات السياسية أو تحديد مستقبل النظام، كما ترفض أيّ نوع من الوصاية او التدخل في صياغة الدستور السوري او تحديد شكل النظام، وترفض أيّ مسّ بحدود سورية او التنازل عن أيّ شبر منها بما في ذلك الجولان. وأخيراً تؤكد سورية على حقها في إنشاء شبكة العلاقات الدولية التي تناسبها ممارسة لسيادتها واستقلالها ما يعني رفض الإملاءات حول الدور الإيراني فيها.

فسورية، كما روسيا، يعلم كلّ منهما مناطق الاتفاق والخلاف والتباين. ويدرك الطرفان حاجة الواحد للآخر من دون ان تكون الحاجة السورية مدخلاً للتنازل عن السيادة والاستقلال. وسورية تعرف حدود الدعم الروسي لها وعمق العلاقة الروسية ـ «الإسرائيلية»، ورفض روسيا لأيّ مواجهة مع أي من أطراف الحلف الأطلسي و»إسرائيل» على الأرض السورية مهما كان حجم العدوان من قبلهم. ومع هذا تراهن على استمرار الدعم الروسي في المجال العسكري لمحاربة الإرهاب في حدود ما ذكر وتثق بالعلاقة الاستراتيجيّة مع روسيا، لكنها لا تصل إلى حدّ التسليم لروسيا بالقرار في سورية او توكيل روسيا بالتفاوض نيابة عن سورية. وهي تقدّر وقوف روسيا إلى جانبها في الميدان وفي مجلس الأمن وفي مواجهة خصومها خاصة في مسائل وحدة سورية وسيادتها على أرضها وثرواتها.

في الخلاصة نقول إنّ العلاقات الروسية السورية ليست من الطبيعة التي تفترض التطابق في كلّ شيء، وليست من الطبيعة التي تجعل طرفاً يسيطر على آخر ويملك قراره ويصادر سيادته، بل إنّ هناك مناطق اتفاق وأخرى فيها خلاف، وبما انّ الإعلام يصطاد في مناطق الخلاف فلا يكون من المفاجئ أن نسمع ونقرأ مواقف في غير مصلحة هذا المقام أو ذاك، لكن العبرة تبقى لما يصدر عمّن بيده القرار وصلاحية رسم السياسة. وفي هذا المجال نقول إنّ العلاقة الروسية السورية في موقع يناسب الطرفين قوة ووضوحاً وطمأنينة، ولن يكون هناك أيّ أثر للقنبلة الصوتية التي أطلقها بعض الإعلام المدفوع الأجر. فسورية قوية بذاتها ومحور مقاومتها ولن يُملى على شعبها شيء لا يريده. حقيقة يعلمها الجميع كما يعلمون انّ مقام الرئيس الأسد واستمراره في موقعه هو موطن من مواطن قوة سورية رمز انتصارها ولا يجرؤ أحد على العبث به.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: