السعوديّة نحو مملكة سلمانيّة جديدة

د.وفيق إبراهيم

ما يجري في السعودية أكبر من مسألة نقل للسلطة من الأعمام إلى الأحفاد، يتجاوز حقوق أميرين من أولاد المؤسس عبد العزيز وهما أحمد ومقرن، شقيقا الملك الحالي سلمان، لا شك في أن الأمر أخطر بكثير، فهناك مشروع إلغاء كامل للمعادلة التاريخية التي تحكم السعودية منذ مطلع القرن الماضي ابتدأت مع عبد العزيز، وقامت على أساس أفقي ينتقل الحكم فيه من الأخ إلى أخيه وهكذا دواليك حتى استنفادهم بالكامل، وعندها ينتقل الملك الى الإبن الأكبر من عائلة الأخ الأكبر بشكل يستمر فيه النظام الملكي الأفقي على هذا المنوال إلى ان تنتهي السعودية نفسها، فلا يستاء جناح سعودي من أي جناح آخر، لأن دوره آتٍ في الحكم حتى لو طال الانتظار بضعة عقود أو قرون.

أما القاعدة الثانية للحكم فتقوم على أساس تبعية كاملة للسياسات الأميركية في العالم، خصوصاً في تنفيذ ما تحتاجه في العالم الاسلامي، إلا أن الحكم السعودي الذي ينصاع دائماً للنفوذ الأميركي، يحرص على عدم اهتزاز صورته على مستوى الاسلام وتقديم صورة قوية عن التزامه بالقضية الفلسطينية. وهنا يلعب الاعلام دوراً في عرض صور إيمانيّة لآل سعود مع عمق دفاعهم عن فلسطين والتزامهم بتقديم مساعدات للدول الاسلامية، يتبين في ما بعد أنها «رشى» لضبط هذه الدول في إطار الجيوبولتيك الاميركي.

ماذا يفعل محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي بالمعادلة السعودية؟

استفاد إبن الملك سلمان من الرئيس الأميركي ترامب فاشتراه بعلاقات اقتصادية دفع فيها الأمير محمد نحو 500 مليار دولار دفعة واحدة، كانت كافية لتلبية طموحاته وأولها أن يكون وريث ابيه سلمان في الملك السعودي، على أن يصبح في مراحل لاحقة الزعيم الأبرز في العالمين العربي والاسلامي.

لذلك تزامن تعيينه ولياً للعهد في توسيع احجام التدخلية السعودية في اليمن وقبلها في سورية والعراق ومصر، والقرن الأفريقي والسودان والجزائر، وتونس وليبيا. فكل ما أرادته السياسة الأميركية، نفذه من دون نقاش، حتى أنه اغتال الاعلامي جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول التركية من دون أي مساءلة دولية فعلية، وذلك للغطاء السميك الذي وفره له ترامب.

لكن تراجع السياسات السعودية في سورية والعراق وانكسار مشروعها في اليمن وعجزها عن السيطرة على قطر، وانحسار مراكز قوتها في مجمل العالمين العربي والاسلامي، انتجوا مرحلة تقلص الأهمية السعودية من دولة ذات مدى اقليمي دولي يصل الى حيث يوجد مسلمون، ثم تقلصت الى مستوى دولة عادية جداً من دول السرق الأوسط تعجز عن إقناع معظم جوارها باهتماماتها السياسية، كما فشل السعوديون في دفع أصدقائهم الدوليين والإقليميين الى محاربة ايران، وظلت تهديداتهم لها مجرد جعجعة أصوات وحبر على ورق.

هذا الانكسار السعودي انعكس على مستوى الداخل، فهناك نحو خمسة آلاف أمير سعودي ممتعضين من استئثار محمد بن سلمان بالحكم وولاية العهد بالقوة وعكس مألوف معادلة الحكم التقليدية في السعودية.

هناك إذاً إحباط من فشل السياسة الخارجية لإبن سلمان، بالإضافة إلى اغتيالاته المتعدّدة لمنافسين له سواء بأحكام ملفقة او باغتيالات سرية.

لكن ولي العهد وصل الى مرحلة استشعر فيها أن الأميركيين خصوصاً والغرب عموماً لن يتورعوا عن اقصائه عن ولاية العهد في السعودية اذا شعروا أن إبعاده يضمن استقرار هيمنتهم على شبه الجزيرة العربية.

بأي حال، تنبّه محمد بن سلمان الى هذا الاحتمال، بمواكبة بدء عمه أحمد بن عبد العزيز بالالتقاء مع محمد بن نايف وزير الداخلية السابق المعزول ايضاً عن ولاية العرش، وكثير من بعض الأجنحة الأخرى، المنزعجة من دكتاتورية محمد بن سلمان، هذا مع دعم خفي من بعض الاجنحة الاميركية التي أسرعت لبناء بدلاء من محمد بن سلمان، في حالة انهياره، والبديل الموضوعي هنا، هو عمه احمد وشقيقه مقرن وصولاً إلى اولاد عمه محمد بن نايف وأخيه نواف، من دون نسيان آلاف الامراء السعوديين الرافضين لمعادلة ابن سلمان بالاستئثار بالحكم على اساس نظام جديد ينقل المُلك من سلمان الى محمد ابنه وأولاد نجله، ما يعني تغييراً بنوياً في المملكة السعودية الى المملكة السلمانية، فما هي تداعيات هذا الاحتمال؟

لا بد في المنطلق من وجود دعم اميركي ضروري لمثل هذا الانقلاب السلماني في مفهوم السلطنة، لأن السعودية جزء بنيوي من الجيوبولتيك الاميركي تتمتع بحرية نسبية بتأسيس علاقات مع اوروبا وتجارية مع الصين وروسيا انما بشكل مخفف، ما يربط أي اتجاه لتغيير عميق في بنية المملكة لتأييد أميركي مسبق، فهل هذا موجود؟

صمت البيت الأبيض يعكس تأييداً أميركياً مضمراً يترقب النتائج للاعلان عن تأييده، كذلك فإن اوروبا تنتظر المسألة نفسها ومعها روسيا والصين.

لجهة الداخل السعودي، فقد تمكن محمد بن سلمان من الإمساك بكل عناصر القوة السعودية من الجيش والحرس الوطني والمخابرات ورؤوس العشائر، والقوة النفطية عبر سعيه إلى بيع أسهم أرامكو في السوق العالمية. وهذا بمفرده عنصر جذب للقوى الغربية وإبعادها عن الصراعات بين الامراء في الداخل.

كما أنه قطع علاقات النظام السعودي بمجمل القوى الإرهابية الممتدة من الحركة الوهابية الخاصة ببلاده، وذلك في حركة لكسب الودّ الغربي، وإيهامهم بتطورات حديثة في المجتمع السعودي التقليدي.

ما هو واضح إذاً ان ابن سلمان يترقب موت والده سلمان مهيئاً مجلس البيعة لإعلانه ملكاً، وبحركة تمهيدية اعتقل المنافسين المحتملين من أعمامه أحمد بن عبد العزيز ومقرن وأبرز منافسيه الناقمين عليه من أولاد عمومته والأكثر فاعلية وهما محمد بن نايف وشقيقه نواف، مع نحو ثلاثين أميراً من اصحاب العلاقات الخارجية والداخلية.

إن هذه الصراعات تنذر باقتراب موعد النهاية الدرامتيكية لهذه المملكة على وقع الانفجارات المرتقبة بين الآلاف من أمرائها، ما يفقدها اهمياتها الاسلامية والخليجية والعربية وبالتالي الدولية. فهل يغفل الأميركيون عن هذه التطورات؟ تعتقد الدولة الاميركية العميقة ان دفع هذه الصراعات الى التأجيج، كفيل بإعادة انتاج دولة جديدة تقوم على النفط المتراجع وكميات كبيرة من الغاز لم يبدأ استثمارها بعد وهي المعادلة الجديدة الدافعة للاميركيين لتأييد أي دولة سعودية وجديدة وإحاطتها بدعم أميركي مشبوه.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الرياض تطلب الوساطة مع طهران

فؤاد إبراهيم

 الثلاثاء 20 آب 2019

الرياض تطلب الوساطة مع طهران
التصريحات الإيرانية بشأن إطلاق حوار إقليمي ليست جديدة وليست نتيجة متغيّرات في السياسة الأميركية (أ ف ب )

بكل الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، حوار الرياض وطهران ضرورة مشتركة. لعبة التأجيل التي اعتمدتها السعودية في السنوات الفائتة كانت لأسباب غير منطقية، أكثرها داخلي وقليل منها خارجي. فكانت شيطنة إيران مادة التوجيه الرئيسة للرأي العام المحلي طوال عهد سلمان، كما عكسها الإعلام المحلي وتوابعه خارج الحدود، وكذلك طاقم وزارة الخارجية، بل حتى الملك ونجله ولي العهد. وهذا في حدّ ذاته يفسّر الصعوبة الشديدة لبدء المملكة حواراً علنياً من نقطة الخصومة حين بلوغها سويّة اللاعودة أو قريباً منها. لكن، في المعطيات، ودرءاً لأيّ مفاجآت غير سارة، حرّكت الرياض خطّ وساطات مستقلاً، لشق قناة حوارية سرية مع طهران. كانت بغداد لاعباً فاعلاً في هذا الخط.

الحقن المتواصل لقاعدة النظام السعودي بعداوة إيران، وتصوير الأخيرة على أنها الخصم التاريخي اللدود والوحيد (وليس الكيان الإسرائيلي الذي يرفل هذه الأيام بحفاوة غير مسبوقة وسط أنصار محمد بن سلمان)، بل والتهديد بنقل الحرب إلى داخلها (كما جاء في مقابلة تلفزيونية مع ابن سلمان على شاشة قناة السعودية الرسمية في 2 أيار 2017)، وإشباع الذاكرة الجمعية بصور ذات دلالة عن مواجهة افتراضية كبرى تمحى فيها طهران ومدن أخرى، وتطاح رؤوس كبيرة في الجمهورية الإسلامية، كل ذلك وأضعافه مثّل الإمكانية الراجحة لحرب كراهية شديدة الضراوة، ودمّر بشكل ممنهج فرص اللقاء والحوار بين البلدين.

المسارات بين واشنطن والرياض تفترق

في تآزر مع خط التوتر العالي بين طهران والرياض، كانت «إيرانوفوبيا» بمواصفاتها الأميركية والإسرائيلية المادة اللاصقة لتحالف استراتيجي، جرى تصميمه للتمهيد لحرب محاور فاصلة في المنطقة. محاولات جمّة عمل على إنضاجها سدنة الحروب في الإدارة الأميركية (جون بولتون، ومايك بومبيو، ومايك بنس)، إلى جانب رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وولي عهد الرياض محمد بن سلمان، وأخذت وسم «ناتو عربي»، و«ناتو إقليمي»… وجميعها يلتقي عند نقطة الحرب على إيران. فشل المحاولات كان بنيوياً أكثر من أي شيء آخر. تموت المبادرات في مهدها، كما حصل في مؤتمر وارسو في شباط من هذا العام، الذي كان مصمّماً لحرب سياسية واقتصادية، ولاحقاً عسكرية ضد إيران. غابت روسيا والصين ودول وازنة في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا بدرجة أساسية)، وأفرغ الدبلوماسيون السعودي والبحريني ومعهما الإسرائيلي أقصى ما في جعبتهم من خصومة، إلى حدّ أن وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد، قالها صراحة: «التهديد الإيراني أهم من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي»، متناغماً مع تصريح نظيره الأميركي بومبيو بأنه «لا يمكن تحقيق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط من دون مواجهة إيران».

حرّكت الرياض خط وساطات مستقلاً لشق قناة حوارية سرّية مع طهران

وعلى قدر منسوب التصعيد في اللهجة العدائية لإيران في مؤتمر وراسو، فإن الفشل بدا حليفاً دائماً لمبادرات واشنطن والرياض وتل أبيب، بما يبطن نتيجة باتت يقينية مفادها أن الأسس التي بني عليها التحالف ليست فحسب غير متينة، بل تبعث إشارات عكسية بأن لا ثقة راسخة بين الأطراف الضالعين في تشكيل التحالف، وأن ثمة أجندات متضاربة تحول دون نجاحه. وهنا، تفترق المسارات بين واشنطن والرياض، فما تريده الأخيرة بات غير متوافر لدى شريكها الاستراتيجي، فلا هو على استعداد لخوص الحرب نيابة عنها، ولا هو قادر على حماية عرشها بتوفير شروط استدامته واستقراره. وتيرة خطابات التوهين للرئيس دونالد ترامب زادت نوعياً في الآونة الأخيرة إلى حد ملامسة أساس التحالف الاستراتيجي بين الدولتين (النفط مقابل الحماية) بحديثه عن تضاؤل حاجة واشنطن إلى نفط الخليج بعد أن أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. وبالرغم من براعته حدّ الهبل في إنتاج الكذب، فإنه للمرة الأولى يحكي الحقيقة. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن إنتاج النفط لهذا العام قُدّر بـ 12.3 مليون برميل يومياً، ويتوقع وصوله إلى 13.3 مليون في العام 2020، وهو الأعلى عالمياً، فيما تقدر وكالة الطاقة الدولية بلوغه 17 مليون برميل يومياً في العام 2023.

في النتائج، ثمة متغيّر جيوستراتيجي مفصلي ينعكس تلقائياً على العلاقات التاريخية بين واشنطن والرياض، وهو ما عبّر عنه ترامب بخطابه الشعبوي، بأن بلاده لم تعد بحاجة إلى حماية مشيخات النفط في الخليج، لانتفاء السبب، وعلى الصين واليابان أن تحميا سفنهما، لأنهما المستفيد الأكبر من هذه المنطقة. ولكن ثمة ما هو أبعد من ذلك. صحيح أن ترامب حصد مئات المليارات من الدولارات من السعودية في هيئة صفقات عسكرية وتجارية غير مسبوقة، وأعيد تفعيل عنصر «الشخصنة» في العلاقة بين بيوتات الحكم في واشنطن والرياض، وهو ما يميل إليه الملوك السعوديون، إلا أن ذلك كله لم يحدث أدنى تغيير في قاعدة الثقة المتصدّعة منذ مطلع الألفية، وتحديداً منذ هجمات 11 أيلول، حين وُصفت السعودية بكونها «بؤرة الشر». كان عهد باراك أوباما كابوساً سعودياً، وإسرائيلياً أيضاً، بالرغم من أن كثيراً من الشرور على شعوب المنطقة تُنسب إلى هذا العهد بحق، ومن بينها: التدخل العسكري في البحرين، العدوان على اليمن، التخريب في سوريا، وليبيا، والعراق… وقد حصد أوباما من صفقات الأسلحة السعودية ما لم يحصده رئيس من قبله. نعم هو يختلف قليلاً في مقاربة ملف إيران، وهنا مربط الفرس.

سيناريو الحوار الإيراني الأميركي

الحوار الأميركي الإيراني في سلطنة عمان حول الملف النووي حصراً كان بالنسبة إلى الرياض طعنة في الظهر، وكان بمثابة متغيّر جديد في التفكير السياسي والاستراتيجي السعودي. الزلزلة العنيفة لقاعدة الثقة بين واشنطن والرياض على وقع خسارة رهانات الأخيرة في الحرب على سوريا في أيلول 2013 على خلفية سيناريو الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية في آب من العام نفسه، مثّل اختباراً شديد القسوة للجانب السعودي. فوز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، بالرئاسة الأميركية في انتخابات 2016 لم يكن رغبة سعودية ابتداءً، ولكنه تحوّل حلماً في مرحلة لاحقة. وضعت الرياض كل ثقلها حتى يحقق ترامب ما عجز عنه أوباما لجهة تغيير قواعد اللعبة مع إيران. ولكن، لم يطل الوقت بالنسبة إلى الرياض كيما تكتشف أن ترامب تاجر أكثر منه سياسياً، وأن خصومته مع إيران ليست مبنية على اقتناعات أيديولوجية أو سياسية. فانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران في أيار 2018 لم يقصد به إغلاق باب الحوار، ولا إلغاء فكرة التفاوض معها، بل على العكس، وكما ظهر لاحقاً، كان لاستدراج مفاوضات جديدة تُتوّج باتفاق نووي ممهور بختمه، ويكون صالحاً للتوظيف الانتخابي في خريف العام 2020. السعودية، شأن دول خليجية أخرى، مكلومة على خلفية خديعة الحوار السرّي بين طهران وواشنطن في سلطنة عمان في عهد إدارة أوباما، ويسوؤها الوقوع تحت وطأة خديعة أخرى، وهذا ما لفت إليه، ضمنياً، وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، في 9 حزيران الماضي، بقوله إن «أي اتفاق مستقبلي مع إيران يجب أن يشمل دول المنطقة، بحيث تكون طرفاً فيه». السعودية التي ترى الطوّافين بعروض ترامب لاستدراج مفاوضات مع طهران يضيرها أن تجد نفسها على هامش اتفاقيات تملى عليها، في وقت تتلقى فيه عبارات الإذلال وكشف الظهر، وأشدّها قساوة قول ترامب عنها إنها عاجزة عن الصمود لأسبوع واحد من دون حماية الولايات المتحدة. اعتادت الرياض العمل وفق حكمة: «الكذبة المكسوّة أفضل من الحقيقة العارية»، وفي لعبة موازين القوى كانت تتصرّف السعودية على خلاف وهنها البنيوي وانكساراتها في ملفات المواجهة مع محور المقاومة من لبنان مروراً بسوريا والعراق وصولاً إلى اليمن.

تبدو السعودية مذعورة من أي حوار مع إيران لا تأخذ واشنطن علماً مسبقاً به

الضغوط الاقتصادية المتصاعدة على إيران لم تكن محض أميركية، بل تأتي في سياق تحالف دولي تشارك فيه إلى جانب الولايات المتحدة، أوروبا، ودول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، باستخدام ورقتي النفط والتومان لتقويض الاستقرار الاقتصادي والمالي في إيران. كثافة الضغوط الاقتصادية على إيران هي من دون ريب غير مسبوقة، وقد تركت تأثيراتها على كل شيء، وحتى على المائدة اليومية للإيرانيين، ولكن ما فاجأ الأميركيين وحلفاءهم الأوروبيين والإقليميين هو قدرة إيران على «إدارة الأزمة». وفي نهاية المطاف، هذه الأزمة ليست معزولة عن تجربة حصار طويل الأمد عاشته إيران منذ انتصار ثورتها في العام 1979، فقد نجحت طهران في عزل الآثار السياسية للضغوط الاقتصادية، وهذا الذي دفع ترامب إلى نقل العقوبات المالية إلى الأشخاص بدلاً من المؤسسات، في رسالة واضحة إلى نجاح الفريق الدبلوماسي الإيراني الذي أدار الأزمة. فثمة ما يدعو إلى التندّر في فرض عقوبات مالية على وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، لرفضه لقاء ترامب!

الوفد العسكري الإماراتي الذي زار طهران لم يكن عزفاً منفرداً ومن دون تنسيق مسبق مع واشنطن والرياض

في حوار الرياض ــــ طهران، كانت الأخيرة أكثر وضوحاً وشفافية؛ فالشعب الإيراني لا يخضع تحت موجة تحريض على مدار الساعة ضد السعودية، ولا من أولويات طهران الخصومة حدّ الفجور مع الرياض، وإن شكّلت المنافس الإقليمي لها في أكثر من ملف. بمعنى آخر، تعبّر طهران بكل وضوح عن أن معركتها هي مع «الشيطان الأكبر»، القابع في البيت الأبيض، وأن استنزاف الجهود في معارك جانبية يعني خدمة له. التصريحات المتكرّرة والعلنية للمسؤولين الإيرانيين لإطلاق حوار إقليمي حول أمن الخليج أو على مستوى ثنائي مع السعودية وبقية دول الخليج ليست جديدة، وليست نتيجة متغيّرات في السياسة الأميركية مع وصول ترامب. فالدعوات إلى بناء نظام أمن إقليمي، تشارك فيه دول الخليج كافة، كانت من صميم السياسة الخارجية الإيرانية، مع استبعاد كل القوى الأجنبية، ولا سيما الأميركية. في المقابل، تتمسك السعودية ودول مجلس التعاون عموماً بخيار استبعاد إيران والعراق من أي ترتيبات خاصة بأمن الخليج تضعف دور أميركا خليجياً، ودور «الشقيقة الكبرى» في مجلس التعاون.

الدخان الأبيض يخرج من بغداد

في المعطيات، ودرءاً لأيّ مفاجآت غير سارة، حرّكت الرياض خط وساطات خاصاً بها لشق قناة حوارية سرّية مع طهران. كانت بغداد لاعباً فاعلاً في هذا الخط. عرضُ ظريف من بغداد في 26 أيار الماضي اتفاقية «عدم اعتداء» على دول الخليج لم يكن قفزة في الهواء. كان بداية إطلاق الدخان الأبيض لمبادرة حوارية سعودية ــــ إيرانية عملت بغداد على إنجاحها. وبقدر ما تخشى الرياض من جولة حوارية أميركية ــــ إيرانية خارج نطاق رادارها السياسي، فإنها في الوقت نفسه تبدو مذعورة من أي حوار مع طهران لا تأخذ واشنطن علماً مسبقاً به. وقد همس مسؤول سعودي رفيع ذات مرة في أذن أحد السياسيين المخضرمين العرب بأن ثمة من يوصل أخبارنا إلى واشنطن ولا نريد أن نغضبها.

السعودية التي ترى الطوّافين بعروض ترامب يضيرها أن تجد نفسها على هامش اتفاقيات تملى عليها

الوفد العسكري الإماراتي الذي زار طهران في 30 تموز الماضي للاتفاق على ترتيبات أمنية وملاحية في الظاهر، لم يكن عزفاً منفرداً، ومن دون تنسيق مسبق مع واشنطن والرياض. وكذلك الحال بالنسبة إلى التصريحات الهادئة والاستيعابية التي أطلقتها أبو ظبي حيال طهران، وبعضها لأسباب داخلية إماراتية، حيث تعاني الإمارات من أزمة ركود اقتصادي غير مسبوقة. مؤشرات متوالية تفيد بأن ثمة حركة مياه تحت الجسر، فالإمارات ليست وحدها التي تنسج علاقة خلف الكواليس، وأمامها أحياناً، فالسعودية تطلق إشارات حوارية وعروضاً أيضاً. تصريح محمد بن سلمان لصحيفة «الشرق الأوسط» في 16 حزيران الماضي بأن بلاده «لا تريد حرباً في المنطقة» هو، من وجه، رسالة تراجع عن خيار نقل الحرب إلى داخل إيران.

وبعد توصل الرياض وطهران إلى تفاهم في 3 آب الجاري يقضي بفتح مكتب رعاية مصالح إيران في السفارة السويسرية في الرياض، وهو الملف الذي بتّ فيه الطرفان في العام 2016، ثم تمّ الاتفاق في شأنه في تشرين الأول 2017 ولم يدخل حيز التنفيذ، مهّد لزيارة وفد سعودي إلى طهران قبل عيد الأضحى وما بعده. في حقيقة الأمر، كان التنسيق اللافت بين طهران والرياض في شؤون الحج بوابة نموذجية للدخول في مفاوضات أشمل. إشارة أخرى لافتة كشف عنها المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، في 18 تموز الماضي، عندما قال إن «هناك اتصالات جرت مع طهران من خلال مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد في مكة المكرمة»، مطلع حزيران الماضي، من دون مزيد من التوضيح. في المعطيات، الاتصالات التي يتحدث عنها المعلمي هي ثمرة وساطة عراقية بطلب سعودي (نقله شخصياً ثامر السبهان)، كان فاتحة لاتصالات لاحقة. واصلت الرياض رسائلها إلى طهران، ومن بينها الإفراج عن ناقلة نفط إيرانية في 20 تموز الماضي بعد احتجازها منذ نيسان الفائت، بعدما اضطرت إلى الرسوّ في ميناء جدة بسبب عطل فني. وكانت الرياض ترفض الإفراج عن السفينة حتى بعد إصلاحها، في سياق الحرب الاقتصادية على إيران.

ماذا تريد السعودية؟

لئن اتفقنا على أن قناة الاتصال بين طهران والرياض باتت تعمل بلا انقطاع، يبقى سؤال: ماذا تريد السعودية من الحوار مع إيران؟ بإمكان المرء أن يعثر بسهولة على مضمون التفكير الرغبوي لدى الكتّاب السعوديين في ما تريده دولتهم من الجانب الإيراني. على سبيل المثال: هم يريدون انسحاباً إيرانياً من لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وفلسطين، ومن المنطقة عموماً. ويريدون من إيران تغيير خطابها السياسي المناهض لأميركا، والكيان الإسرائيلي، والاعتراف للسعودية بأنها الدولة الرائدة في المنطقة. وفي ضوء ذلك، نفترض في البدء والخاتمة أن السعودية في الموقع الذي يملي، لأنها خرجت منتصرة في كل هذه الساحات. فهل بالفعل هي كذلك؟ قرار القيادة السعودية إبقاء الفجوة بينها وبين الكتّاب الأقرب إلى تفكيرها من دون ردم يحيل جمهور السلطة إلى ما يسميه والتر ليبمان «القطيع الحائر». في كواليس الحوار بين طهران والرياض لا تتم مقاربة الملفات الخلافية على طريقة «أطلب وتمنى»، فثمة موازين قوى حاكمة على الحوار، وهذا ما أدركته الرياض متأخراً، ولو كانت في موقع الذي يملي لأبقت عنادها فيصلاً في حركتها الدبلوماسية.

MBS Peace Versus Pieces

Image result for Saudi agreement with American President Roosevelt

October 29, 2018

by Ghassan Kadi for The Saker Blog

Ever since Saudi Arabia signed its agreement with American President Roosevelt in February 1945, it never ever considered, or even contemplated to be outside the American sphere of influence and protection.

In my previous article https://thesaker.is/the-price-of-bin-salmans-head/ I elaborated on some of the personal issues that define the nature of the relationship that Saudi royals have with American lawmakers as men, not as politicians, not as allies, but simply as men trying to understand and deal with each other.

With all the dirt, greed, blood and guts, when one looks into the American-Saudi relationship from the outside, it’s clear that they are very different to each other and couldn’t have worked together successfully whether on good or nefarious projects. Neither of them had any good intentions toward the other or to the rest of the world; they deserved each other.

The Saudi-American marriage “was” at best a marriage of convenience, in which both parties looked at each other with the view of a one-stop-shop convenience store.

To the Saudis, the American one-stop-shop meant a customer with great thirst for oil, wealth to buy it with, and military might and determination to protect its flow.

To the Americans, the Saudi one-stop-shop meant a supplier of virtually endless supplies of a crucial commodity, one that is unable to stand on its own feet and dictate its terms, and one that will bend over and backwards to ensure continuity of sales for and protection.

The marriage was perhaps an epitome of pragmatism, though it was not often perceived as such.

But think about it, just look at the irony; an anti-democratic fundamentalist Muslim nation that sees all non-Muslims as infidels, signing the deal of the century with a nation that is secular, predominantly Christian and allegedly the protector of democracy.

But back in early 1945, pre-Hiroshima America was not technically a superpower yet, and Saudi Arabia was an insignificant and, by-and-large, an unknown kingdom to the rest of the world. Back then, the paradox was not as pronounced as it is now.

And even though by 1945 the Zionist Lobby was well and truly preparing for the creation of Israel, the American-Saudi deal would have gone ahead with or without any Israeli presence and role. It goes without saying though, that the creation of the state of Israel in 1948 has, among other things, created geopolitical turmoil which made it more pertinent for the Saudi-American marriage to withstand the ravages of time.

The marriage has lasted, and it’s not time for divorce, at least not yet, but perhaps the time has come for a serious revision; from both ends of the bargain.

If MBS hasn’t yet realized that the Americans can drop him personally like a hot potato, then he must be stupid. Indications are he is ruthless, arrogant, ambitious, megalomaniac, hasty, but stupid he is not.

The manner in which the Khashoggi episode has been manipulated by the media and the whole West is partly to be blamed on the Saudi state, and partly on MBS personally. And when Saudi FM Al-Jubair tries on several occasions to distance MBS from the story, he is actually expressing the biggest Saudi fear and inadvertently putting MBS in the centre court and line of fire.

Saudi Arabia is therefore facing two Western “attacks”; one that is general and centered on the whole regime and another that is centered on MBS himself. It is most hypocritical of the EU nations to suddenly consider enforcing an arms sales embargo on Saudi Arabia. The Khashoggi story did not have any impact on the war on Yemen. The suffering of the Yemeni people has been going on ever since the needless criminal war started. And although the current EU stand can go a long way in isolating Saudi Arabia and perhaps weakening its military ability, it has come, if it comes, too little too late, and for all the wrong reasons.

For MBS, he now has many confrontations to contend with. His money-grabbing November 2017, Ritz Hotel house arrest of his cousins has left him with very few supporters from within the Royal Family. He is the Crown Prince to a throne that no longer has a formal lineage for succession and, it doesn’t even now have a second-in-line to MBS. In essence, every descendant of founding King Abdul Aziz is eligible and there are hundreds, perhaps thousands, of grandchildren.

His biggest domestic, or rather home battle therefore, is to make sure that the current impasse with America does not generate a strong contender for the throne, one that he is unable to set aside. And given that he has already been blemished by brutality after the Khashoggi drama, any stifling of royal dissent, even revolt, can easily be manipulated by the West again in a manner that portrays him as a new Saddam.

I have used the term “new Saddam” before, and we may need to get used to hearing it.

MBS will then have to tread very carefully with his cousins to ensure his position as Crown Prince is stable and unchallenged. Will he be able to do this? No one knows, especially if one of the challenging contenders suddenly receives bottomless Western support.

The other battle that MBS has to contend with is his diplomatic one with America and the rest of the West. The events of the last few weeks would have proven to him that without the façade of Western impunity, he is finished. He now knows that he doesn’t have a safe haven on the top of the hill with the big boys. And once again, he will have to pay America a price for his survival. He does not seem to have better choices.

But this situation is persuading him to scale down his reliance on America. However, when Saudi officials try to alarm America by making statements to the effect that they can buy Russian weapons instead of American ones, the American position becomes more resolute. Such ploys backfire on the Saudis.

Saudi Arabia cannot replace America with Russia, and for many reasons. If the Saudi-American marriage had its own ideological contradictions which both parties managed to overlook, a prospective Saudi-Russian marriage would have many more obstacles that would make it impossible to come to fruition; especially if Saudi Arabia demands the kind of military protection from Russia as it has demanded from the USA.

Saudi Arabia and Russia can engage in trade, sales of military hardware, etc., but they cannot and will not have a relationship that is akin to the Saudi-American marriage.

For starters, the two nations have never trusted each other, and they are not about to start doing this now. The support of Saudi Arabia to Jihadi fighters in Afghanistan in the early 1980’s and their continued support to Chechen terrorists are still fresh in the minds of Russians. After all, it was only five years ago that Prince Bandar Bin Sultan threatened President Putin with restarting the Chechen war if Putin did not support him in Syria.

And unlike the hypocritical West, Russia would not tolerate Saudi-sponsored fundamentalist religious schools to be spawned all over the Russian landscape.

And let us not forget that Russia does not need Saudi oil like America did, and if anything, to this effect, the two nations are competitors.

Knowing that flagging snuggling up with Russia made MBS’s impasse with America even worse, he seems to be taking a slightly different interim approach based on creating a situation that reduces his immediate need for America’s support, without having to go to bed with its mortal enemies.

An “allegedly” Pakistani initiative has been launched in an attempt to end the war in Yemen https://timesofislamabad.com/27-Oct-2018/yemeni-houthi-rebels-responds-to-pakistan-offer-and-stance-over-yemen-peace-talks .Whilst any attempt to end the war on Yemen is welcome news, the timing of such an initiative now draws suspicion.

Saudi Arabia and Pakistan have a special and strong relationship despite some serious hiccups in the past. It is alleged that Saudi Arabia has contributed largely towards the development costs of the Pakistani A-Bomb, and in return, it expected to be supplied with A-Bombs, but Pakistan refused. And even though Pakistan also later on reneged on its promise to support the Saudi war on Yemen, neither Pakistan nor Saudi Arabia make any public negative statements about each other. In more ways than one, Saudi Arabia does not want bad blood with the only predominantly Sunni Muslim nation with nuclear arms, and Pakistan does not want bad blood with the richest Sunni nation either.

It is possible, in fact highly likely, that MBS whispered into Pakistani PM, Imran Khan’s ear, to launch the initiative of peace with Yemen. Thus far, the Yemenis have welcomed it (see reference above), and they cannot be blamed. They are suffering a huge humanitarian catastrophe that the world does not want to know about. As yet, there hasn’t been an official Saudi comment, and this implies acceptance. Had this “initiative” been made at a time when the war was winnable or had MBS personally not been under such enormous pressure, the Saudis would have immediately rejected it outright.

If MBS manages to end the War on Yemen, he will be setting aside one huge problem, and without a battle raging, his need for Western weapons would not be as critical as it is right now. Such a move would also preclude his immediate need for Russian weapons to replace American weapons with.

It seems that MBS has finally come to the realization that he is trying to bite off more than he can chew. But ultimately, unless he de-escalates his stand against Iran, he will remain under American stranglehold. On the other hand, if he indeed manages to find a face-saving exit from Yemen and also finds a way to manage less hostile relationships with Iran, he would be putting himself in the cross fire of America and Israel which he is trying hard to normalize relationships with.

Whilst contemplating all options available, MBS must see himself in the position of a dead man walking; with the choice of method of his own execution.

If he holds his ground against America, America can tighten the noose and suspend the arms supplies that he desperately needs for his war in Yemen. His Kingdom of Sand is a country that has a military budget exceeding that of Russia’s, but is unable to manufacture even bullets. Everything is imported, and if the war runs out of ammunition, MBS will have to beg other nations to supply him. This carries the potential risk of having the Houthis encroaching on Riyadh itself. But America can choose another course. With many Saudi princes begrudging MBS and harbouring strong vendettas against him, America can sponsor and support a rival prince who can challenge MBS for the position of Crown Prince. America can even sponsor a number of would-be contenders to the throne instead of just one, and thereby creating a fertile ground for a civil war that lures in other rival factions and not only necessarily royals. This can generate a state of chaos similar to what we now see in Libya. A civil war of this nature can go on for years with no clear winners. Such chaos, however, will not necessarily disrupt the flow of oil because its geographical theater will be centered around the precincts of the royals and their palaces around Riyadh and Jeddah, far away from the oil fields in the Eastern Province.

Knowing Americans and, judging by their history, they may opt to incite strife and prince-vs-prince rivalry. And even if the instability expands to the Eastern Province, the USA can always find a way to enact some resolution or another to put its hands on the oil fields as a measure of “national security”.

Unless MBS magically and miraculously finds a way out, he may have to choose between peace with his cousins plus, much to his dismay, peace with his regional enemies and rivals, or face the prospect of seeing his kingdom sliced into pieces. On the other hand, if MBS gives in to America’s demands, he may be able to keep his head and throne, but he will end up with an empty wallet and oil fields with title deeds in the name of the US Federal Reserve. Painful as it may sound, it is perhaps his only way out of this mess.

It’s a tough one for MBS. He is in a damned-if-you-do-and-damned-if-you-don’t situation, but in reality, he only has himself to blame. He and his evil predecessors have a long history of cruelty, arrogance, criminality and creating mayhem. Karma is catching up with them, and they deserve what they get.

See Also

%d bloggers like this: