الصين العظيمة وروسيا العظمى

زياد حافظ

قد تكون المقارنة بين الصين العظيمة وروسيا العظمى نوعاً من السفسطة الكلامية غير أنّ دلالاتها معبّرة. فالطريقة التي عالجت بها الصين العدوان الجرثومي عليها عبر القرارات الواضحة والصارمة للحكومة والتعبئة الناجحة للشعب الصيني والانضباط اللافت للنظر لتعليمات الحكومة تدلّ على أنّ عظمة الصين هي في القدوة التي تمثلها والنموذج المختلف عن النموذج الغربي الذي حاول حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية. أما روسيا، فنعتها بالعظمى يعود إلى قدرتها على التأثير المباشر على العالم ونشر نفوذها دون مجهود يذكر، بل عبر استعمال قوّة خصومها ضدّهم كما في الفنون القتالية.

فبالنسبة للصين تعرّضت لوباء فيروس كورونا في مدينة وُهان الصينية منذ خريف 2019 وبالتحديد بعد الألعاب الأولمبية العسكرية التي أجريت في تلك المدينة. ويعتبر القادة الصينيون أنّ الوباء أدخل إلى الصين من قبل الوفد العسكري الأميركي المشارك في تلك الألعاب. قد يكون ذلك الإدخال صدفة بعد ما تمّت هندسة ذلك الفيروس في أحد المختبرات العسكرية الأميركية دون أخذ الاحتياطات الوقائية اللازمة وذلك إذا ما أرادت القيادة الصينية عدم افتراض سوء نيّة عند الأميركيين. وما يعزّز الادّعاء الصيني الاعتراف على لسان مسؤول مركز السيطرة على الأوبئة (سي دي سي) روبرت ردفريد أنه تمّ اكتشاف عدد من الإصابات في الولايات المتحدة قبل الانتشار في الصين. لكن هنا رواية أخرى تقول إنّ الفيروس من صنع فرنسي (صنع سنة 2003 مع دائه) وتمّ نقله إلى مختبر مشترك صيني فرنسي تمّ افتتاحه سنة 2017 في مدينة وُهان. تمّت التجارب على الخفافيش إلاّ أنّ أحد الخفافيش هرب من المختبر فكان الوباء. لكن بغضّ النظر عن الروايات ومدى دقّتها إلاّ انه بات واضحا أنّ الاحتمال الأكبر أنّ الفيروس هو من صنع الإنسان وليس من صنع الطبيعة، وبالتالي تفتح التساؤلات حول التجارب الجرثومية في المختبرات وجدواها واحتمال تحويلها إلى سلاح دمار شامل.

المهمّ هنا ليس في حيثيات الفيروس والملابسات حوله بل كيف تعاملت الدولة الصينية والمجتمع الصيني مع الوباء والدلالات الناتجة عن ذلك التعامل. فالدلالة الأولى هي أنّ الحكومة الصينية تعاملت بجدّية فائقة مع الوباء بينما نظيراتها الغربية الأوروبية والأميركية تعاملت بخفة وبتجاهل أبعاد الوباء خاصة في ما يتعلّق بالصحة العامة. فالاهتمام الأوروبي والأميركي في المرحلة الأولى كان حول الكلفة الاقتصادية والمالية التي ستتكبّدها من جرّاء الوباء وليس صحة المواطنين. فتصريحات الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأميركي تؤكّد أنّ القوّامة هي للمال وليس للإنسان.

الدلالة الثانية هي الجهود التي بذلتها الحكومة الصينية في إعداد التجهيزات والمستشفيات الميدانية كالمستشفى بألف سرير المجهّز كاملاً في مدة عشرة أيام فقط، فهي نوع من الإعجاز وبالتالي قدوة في التعامل مع وباء من هذا النوع. كما أنّ إجراءات الحجر على أكثر من 60 مليون مواطن صيني وحملات التطهير والتعقيم لكلّ شيء في المدن والطرقات والمباني وداخل المنازل دليل على جدّية في التعامل مع الوباء دون استهتار ومكابرة. كما أنّ تلك الإجراءات رافقتها إجراءات لتأمين الحاجيات الضرورية للمواطنين خلال فترة الحجر والمتوقفّين عن العمل وكسب العيش ما يدلّ على أولوية قيمة الإنسان عند السلطات الصينية في زمن المحن الكبرى. والدلالة الثالثة هي استجابة المجتمع الصيني بأكمله لتلك الإجراءات التي صدرت عن حكومة متهمة بالتسلّط والاستبداد للحرّيات العامة ما يطرح تساؤلا ت حول النموذج الصيني مقارنة مع النموذج الغربي الذي سنعالجه في فقرة لاحقة.

أما وقد اتخذت تلك الإجراءات ونُفّذت بحذافيرها استطاعت الصين الخروج من عمق الزجاجة المتمثّل في وتيرة ارتفاع الإصابات. تبيّن من تلك الإجراءات أنّ تلك الوتيرة استقرّت ثم بدأت بالتراجع وصولاً إلى إعلان الرئيس الصيني أنّ الصين قد انتصرت على الوباء وإنْ كانت بعض الإصابات موجودة هنا وهناك. وما يدعم ادّعاء الرئيس الصيني أنه لم يتمّ تسجيل إصابات جديدة منذ عدّة أيام. فمهلة 14 يوم دون تسجيل إصابات جديدة قد تكون المؤشر الفعلي لنهاية الأزمة علماً أنّ المراقبين يعتبرون أنّ الخروج التامّ من الوباء لن يتمّ قبل آخر الصيف ولكن عودة الحياة إلى طبيعتها لن تكون بعيدة بعد الآن.

وما يجب التأكيد عليه هو أنّ الصين لم تعتبر نفسها منفصلة عن العالم فقد عرضت المساعدة لمن يريد مواجهة الوباء بينما ردّة الفعل الغربية خاصة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كانت سلبية ولا تخلو من العنصرية. وقرار الإدارة الأميركية معاقبة كلّ من يساهم ويقدّم المعونة للجمهورية الإسلامية في إيران الذي أصابها بقوّة وباء فيروس الكورونا خير دليل على عنصرة الإدارة والافتقار إلى الإنسانية. فكيف يمكن لمن يعتبرّه الغرب “أقلّ رقياً” منه يستطيع تقديم المساعدة لمن هو “أرقى” منه؟ هذا ما يؤكّد موقفنا من الغرب أنّ تقدّمه وتطوّره لم يكن بسبب “قيمه” ولا بسبب “التنوير” ولا بسبب التفوّق التكنولوجي، ولا بسبب تفوّق عرقي كما ادّعى البعض، ولا بسبب الثورات الزراعية والصناعية وفي ما بعد التكنولوجية، بل بسبب الاستعمار. فعرق، ودموع، ودماء أصحاب البشرة السمراء والسوداء والصفراء هي من ساهمت في رخاء الغرب. واليوم أصحاب البشرة السمراء والصفراء والسوداء يشهدون تقدّماً رغم العراقيل التي يضعها الغرب في مسيرتهم. الصين اليوم نهضت وتقوم بدورها الإنساني في العالم عبر تقديم تجربتها في مواجهة الوباء. ترحيب رئيس صربيا بالعرض الصيني كان مثيراً حيث اعتبر الصيني ليس صديقاً فحسب بل شقيقاً له! في المقابل ندّد بالاتحاد الأوروبي حيث التضامن الأوروبي لم يكن موجوداً بل العكس الذي اعترض على اللجوء إلى خارج الاتحاد الأوروبي لمواجهة الوباء.

هذا يأخذنا إلى مقارنة النموذج الصيني الذي يتمّ شيطنته يومياً في الإعلام الغربي وعلى لسان المسؤولين في الاتحاد الأوروبي وخاصة في الولايات المتحدة في الإدارة الحالية. فالنموذج الصيني اعتبر أنّ الإنسان قيمة يجب احترامها بينما في الغرب الذي ادّعى ذلك فإنّ الإنسان تحوّل إلى سلعة في الحدّ الأدنى ومستهلكاً (بكسر اللام) فقط في الحدّ الأقصى لا قيمة له الاّ بمقدار ما يساهم في إثراء النخب الحاكمة. فالنموذج النيوليبرالي كرّس سيادة السوق على الوطن وسيادة رأس المال على الإنسان بينما النموذج الصيني الذي يدمج بين حكومة مركزية قوّية إلى حدّ التسلّط وتخطّط للمستقبل لمصلحة الوطن والمواطنين وبين اقتصاد السوق الخاضع لضوابط الوطن والمواطن والحريص على السيادة قبل أيّ شيء. فالسيادة في الغرب في النموذج النيوليبرالي القائم أصبحت وجهة نظر تآكلت بالتقادم وفقاً لتصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون وعدد من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي بينما ما زالت السيادة قيمة حيّة في النموذج الصيني.

فكيف نفسّر الانضباط الصيني وتقبّل الإجراءات الوقاية الصارمة لولا الشعور بالكرامة الوطنية ولولا لمس المواطن حرص الحكومة على سلامته؟ في المقابل وجدنا مواقف المسؤولين في الغرب من الوباء في المرحلة الأولى تتراوح بين الإنكار والاستهتار والحرص فقط على التداعيات المالية والاقتصادية فأحجموا عن اتخاذ القرارات الصعبة كوقف العجلة الاقتصادية وفرض الحجر وحملات التطهير والتعقيم المكلفة وإعداد أدوات الاكتشاف والوقاية وثمة المعالجة. لم توّفر الحكومة الصينية المجهود في النفقات لمواجهة الوباء. في المقابل كان المجهود الأميركي لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمالية في الأسواق من جرّاء الوباء. فالرئيس الأميركي يريد رصد ما يوازي 1،2 تريليون دولار لإنعاش الاقتصاد ودرء وصول معدّل البطالة إلى 20 بالمائة وذلك في سنة انتخابات رئاسية. في المقابل الإنفاق المقرّر على مواجهة الوباء من الناحية الصحية ما زال هزيلاً مقارنة مع ما يبذل على الصعيد الاقتصادي ومقارنة مع ما أقدمت عليه الصين. فالدافع سياسي أولاً وأخيراً كما كان استغلال الوباء سياسياً بامتياز عبر اتهام الصين بنشر الوباء والتهرّب من مسؤولية التقاعس في مواجهته.

شيطنة النموذج الصيني في وسائل الإعلام الغربية يدلّ فقط على حقد وحسد يسيطر على عقل المسؤولين. فالصين استطاعت أن تحقّق أرقاماً قياسية في النمو الاقتصادي خلال العقود الثلاثة الماضية، كما استطاعت أن ترفع 250 مليون مواطن صيني من مذلّة الفقر. الإنجازات الاجتماعية في الصحّة والتربية والتعليم والإسكان لا تُحصى، بينما نرى الترهّل في تقديم تلك الخدمات في الغرب. البنى التحتية التي شيّدتها الحكومة الصينية أصبحت النموذج الذي يُقتدى به بدءاً بالقطار السريع إلى الطرق العريضة إلى الجسور التي تحقّق أرقاماً قياسية في العلو والطول إلى الطريق الذي يربط الصين بسائر دول آسيا. وهذا النمو يعتبره الغرب هزيمة له وتهديداً لاستمرار هيمنته المتلاشية. فالغرب لا يسلّط الأضواء إلاّ على الاحتجاجات السياسية في هونغ كونغ مثلاً، أو على مصير سكّان مقاطعة التيبت في غرب الصين أو مصير الاوغيور. كما لا يستطيع الغرب أن يقبل بمساكنة نظام سياسي يقوده الحزب الشيوعي مع اقتصاد السوق. فكلّ سردية الغرب مبنية على عدم المساكنة وإذ نرى النموذج الصيني يدحض المزاعم الغربية ويحقق نجاحات لم يحقّقها الغرب حتى الآن. ومن ضمن تلك النجاحات التفوّق التكنولوجي في التواصل وحرب الـ “جي” 5 منها والذكاء الاصطناعي. فذلك التفوّق الاصطناعي كان حكراً على الغرب وإذ نرى الصين متقدّمة عليه بأشواط. فاقتصاد الغرب المرتبط عبر سلاسل العرض والتموين (supply chains) الصينية أصبح أكثر تبعية للصين بسبب التفوّق التكنولوجي وبسبب الإنتاج الصيني بحدّ ذاته. ربما لن يبقى للغرب وخاصة الولايات المتحدة إلاّ الحرب المدمّرة على الجميع لمحو التقدّم الصيني. فالغرب وأنظمته السياسية والاقتصادية لا يعرف إلاّ الحرب على الآخرين لحلّ مشكلاته البنيوية.

فأزمة فيروس كورونا كشفت الفرق في النظرة للإنسانية بين الغرب والصين. فمناقشات مجلس العموم الذي يسيطر عليه حزب المحافظين أثار النظرة الملتوسية للأزمة (أي نظرة روبرت ملتوس (1766-1834) الذي اعتبر زيادة السكّان في العالم أسرع من زيادة الموارد الغذائية بالتالي مستقبل البشرية مهدّد. فما جرى من مناقشات في مجلس العموم أفاد أنّ هناك من يعتبر وباء كورونا نعمة تخفّف من زيادة السكّان في العالم. وبما أنّ الصين هي أكثر الدول سكّاناً فتخفيف حجم السكان في الصين وفي العالم قد يكون عاملاً إيجابياً. هذه هي عنصرية بامتياز حيث حياة الرجل الأبيض أهمّ من حياة الرجل صاحب البشرة المختلفة.

كلّ ذلك لا يعني انّ النظام الصيني نظام مثالي وأن لا عيوب فيه. لكن شيطنة الصين عير مفيدة بل مغرضة لأنّ تجربة الصين جديرة بالدرس. النموذج الصيني قد يكون قدوة لدول العالم التي تريد الخروج من الهيمنة الغربية. فرفض النموذج الغربي قد يكون شرط ضرورة ولكنه ليس شرط كفاية. الصين تقدّم نموذجاً مختلفاً عن النموذج الغربي في تساكن سلطة مركزية قوية إلى حدّ التسلّط والاستبداد ولكن مكافحة للفساد، وقد يكون ذلك ضرورة وليس عائقاً لنهضة البلاد، وتفاعل مع اقتصاد السوق دون الوقوع في مطبّات اللامساواة والفساد الموجود في الغرب.

على صعيد آخر ذكرنا في مقال سابق أنّ روسيا دولة عظمى لأنها تستطيع ان تؤثّر بالعالم دون بذل أيّ مجهود يذكر. وفي قراراها بإغراق السوق النفطي لضرب قطاع النفط الصخري الأميركي الذي يشكّل ثلث الإنتاج الأميركي استطاعت روسيا أن توجّه ضربة موجعة جدّاً في فترة الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية إلى ذلك القطاع ومن وخلاله إلى مصدر القوّة الفعلي الأميركي أيّ التحكّم بأسواق المال. فتزامن أزمة فيروس كورونا كانت فرصة استغلّتها روسيا لتوجيه تلك الضربة التي أصبحت ضربة مزدوجة، مالية وصحيّة في آن واحد. هذا لا يعني أن روسيا بمنأى عن وباء كورونا لكنها على استعداد وتأهّب والاستفادة من شريكتها وحليفتها الصين لمواجهة الوباء ولمواجهة أيّ حماقة ممكنة أن تصدر عن الحكومات الغربية. فروسيا قدّمت للصين هدية ثمينة جدّاً وهي الحصول على كميات من النفط بأسعار منخفضة جدّاً ما يساعدها على استئناف مسيرتها المتقدّمة في النمو والتقدّم بينما تشهد الاقتصادات الغربية تراجعاً وانكماشا قد يصل إلى كساد كبير تعجز عن معالجته.

الصين العظيمة وروسيا العظمى يشكّلان محوراً يصعب اختراقه على الأقلّ في المدى المنظور لعدّة أسباب منها الترهلّ السياسي في دول الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، ومنها التراجع الاقتصادي حيث العالم بما فيه الغرب والولايات المتحدة أصبح بحاجة لما تنتجه الصين والمحور الذي تنتمي إليه تحت مسمّيات مختلفة كـ “بريكس” أو الكتلة الأوراسية. أخطأت الولايات المتحدة عندما اتخذت القرار في إعادة توطين قاعدتها الإنتاجية خارج حدودها وفي بلدان نامية لا قيود فيها على النشاط الاقتصادي من نظم وتشريعات في البيئية وحقوق العمل والعمّال. وسبب هذا الخطأ اعتقادها أنه بإمكانها السيطرة والهيمنة على اقتصادات العالم بسبب ما اعتبرته التحكّم بالنظم المالية وشرايين المال والتفوّق التكنولوجي الذي كان حكراً لها.

غير أنّ العالم رفض تلك الهيمنة وفي مقدمّته الصين التي استطاعت ان تحلّ مكان الولايات المتحدة في توريد السلع الصناعية للعالم وبالتالي أصبحت متحكّمة بسلاسل التموين والعرض. وفي التفوّق التكنولوجي لم تعد الولايات المتحدة المتقدّمة على سائر الدول فالصين قد تكون سبقتها في مجالات عديدة منها الذكاء الاصطناعي في ما يتعلّق بالتواصل. الحرب الأميركية على شركة هواوي دليل على عجز الولايات المتحدة في مواجهة التقدّم الصيني. أما على صعيد التحكّم في شرايين المال فكلّ من الصين وروسيا تعملان على التخلّص من هيمنة الدولار عبر خطّة محكمة تبدأ بتخفيف اللجوء إلى الدولار لتخفيف الطلب عليه للوصول إلى نظام مالي مواز للدولار ولا يعتمد على الدولار كوحدة قيمة أو تسعير. في التسعينات في ذروة الانفراد الأميركي في التحكّم بالعالم صرّحت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك مادلين اولبرايت أنّ الأمة الأميركية هي الأمة التي لا يمكن أن يستغنى عنها العالم (indispensable nation) لكن بعد ثلاث عقود تقريباً تكاد تصبح الولايات المتحدة الأمة التي لا تصل بعلاقة مع العالم (irrelevant nation) إذا ما استمرّت في سلوكها الحالي. هذا هو التحوّل المفصلي الذي حصل، هبوط الولايات المتحدة وصعود المحور الروسي الصيني. والنخب العربية مدعوة لإعادة نظر شاملة وجذرية بعلاقاتها مع الغرب والتوجّه بجدّية نحو الشرق. سورية قامت بتلك المراجعة فمتى تقوم جامعة الدول العربية بذلك وما تمثّله من نظام موروث من الحقبة الاستعمارية؟

*كاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

الصين العظيمة والعالم الغربي الهش -العالم ستيغيّر على إيقاع زلزال كورونا

التعليق السياسي

خلال ثلاثة شهور كانت الصين وحدها أمام مرآة العالم الغربي بين متفرج محايد وشامت يهزأ ويسخر من مواجهتها المضنية لفيروس كورونا لكنها كانت ايضا فرصة إختبارية للإستعداد لمواجهة إحتمالات ظهور الفيروس وإنتشاره في بلاد الغرب والتهيؤ لمواجهته من حيث إنتهت الصين والإفادة من تجربتها وعدم الوقوع في المفاجأة الكارثية التي وقعت عليها مع أخذ الفوارق الهائبة التي تعمل لغير صالح الصين بالمقارنة مع الغرب على القل في ثلاثة اشياء هي حجم الإكتظاظ السكاني في الصين التي تضم مجموع سكان أميركا وأوروبا مرتين ونصف وحجم القدرة العلمية والتقنية التي يصنف الغرب فيها عالما أول وتصنف فيها الصين عالما ثانيا والإمكانات المالية بين بلدان تعنم بثروات هائلة لا تحتاجها للتنمية وبلد مضطر للإنفاق أكثر وأكثر لتلبية حاجات شعبه .

دقت الساعة وبدأ التحدي في الغرب فيما كانت الصين في قلب المواجهة وحيدة وحزينة لتصرف الغير معها وها نحن اليوم بعد شهر من بدء إنتشار الفيروس خارج الصين وأسبوعين في بلاد الغرب نشهد خروج الصين من المحنة بتجسيل رقم 9000 حالة إصابة نشطة فقط من اصل 90 الف إصابة إجمالية بينما في إيطاليا ثلاثة اضعاف الرقم الصيني من اصل ثلث رقم الإصابات الإجمالية وفي اسبانيا نفس العدد الصيني وفي أمريكا نصف العدد الصيني مقابل أقل من ربع عدد سكان الصين وفي نسبة المصابين لكل مليون نسمة تظهر الصين في الرقم 19 تتقدمها دول مثل فرنسا وسويسرا وألمانيا وفنلندا والدانمارك بين 100 و300 بالمليون وتتقدم الجميع إيطاليا بنسبة فوق ال500 بالمليون .

هشاشة الغرب ظهرت في نتائج ثقافة الإستهلاك التي إجتاحت أجياله الشابة والتي ولدت قيم الإستهتار والتسكع والتباهي والنقص في شعور المسؤولية الجماعي والتمرد على أشكال الضبط التنظيمي في مواجهة الكوارث الوطنية كما تبدت في غياب الإستعداد الطبي وضعف الإقتصاد على تحمل الصدمة وهذا بدا جامعا من أميركا إلى كل دول أوروبا

عظمة الصين ظهرت تاليا في مد يد المساعدة لكل بلاد العالم التي تحتاجها من إيطاليا أولا إلى سواها ونال لبنان بعضا منها وتصرفت الصين برفعة وعلو والأهم أنها منحت العالم الأمل بألقدرة على الخروج من هذه المحنة وقدمت لنا الوصفة المناسبة

العالم ستيغيّر على إيقاع زلزال كورونا

ناصر قنديل

أشياء كثيرة يكتشفها الناس على مساحة العالم مع هذا الزلزال الذي أصاب البشريّة مع تفشي فيروس كورونا، الذي لم يعُد أحد بمنأى عنه، ويتساوى بالضعف أمامه الكبير والصغير، القويّ والضعيف، الحاكم والمحكوم، الغنيّ والفقير، ويجتاح الدول المقتدرة والضعيفة، ولا تسري عليه معادلات التمييز العرقي والطبقي، بين الدول وداخلها. وأبرز فرص الاكتشاف هي حالة التأمل التي تفرضها الأوقات الطويلة التي ينتجها الحجز المنزلي الإلزامي الذي دخله الملايين من الناس، والأسئلة الوجوديّة الكبرى المنسيّة التي أعادت التجربة طرحها، وستكون للأجوبة التي راكمها الناس من عزلتهم، بصماتها على الفلسفة والفكر الإنسانيّ بكل تأكيد، بعد الخروج من المحنة، وصولاً للفن والثقافة والرواية والسياسة والاقتصاد، ويكفي تأمّل السكينة التي دخلتها الأرض ككوكب منهك بالتدخلات البشرية العنفية، ومن خلالها تراجع مستويات التلوّث في ظل الأزمة، وتدنّي حرارة الكوكب مجدداً لالتقاط الأنفاس بعد حروب استنزاف لا ترحم فرضها الشره والطمع وعادات الاستهلاك القاتلة، على الثروات البيئية والطبيعة والمياه والتربة والخضرة والثروات الحيوانية، ولن يكون سهلاً التغاضي عن رؤية نتائج هذه الهدنة الإلزاميّة التي فرضها كورونا لصالح الطبيعة، وتفادي مقارناتها العلميّة بما قبلها، قبل أن تستأنف البشرية دورة حياتها بعد الزلزال.

من الأشياء التي تغيّرت وستتغيّر حكماً، هي القراءات لمعادلة القوة والضعف في معايير الدول وتقييمها، حيث أظهر تفشي الفيروس تفلت المجتمعات الغربية من كل قيم مشتركة للتضامن وتحمّل المسؤولية وفساد النموذج الغربي الثقافي. كما أظهر معه تخلّف الإنفاق على هياكل الصحة والوقاية، واستسهال الاستثمار على المظاهر الفارغة للحياة على حساب الاهتمام بصحة البشر، التي تشكل القضية الأولى للعلم والرعاية الحكومية، وحيث البحث العلمي بدا متخلفاً هو الآخر ومنصرفاً لإبداع عادات استهلاكية جديدة وسلع جديدة أكثر منه استثماراً على القضايا الجدية للعلم وفي طليعتها الطب والدواء، بعيداً عن المتاجرة والطمع والجشع، بينما ظهر نموذج دولة مصنفة في العالم الثاني كالصين مبهراً في كل شيء، من التنظيم والثقافة والإدارة والقدرات العلمية، رغم أن الصين تنوء تحت عبء عدد سكانها الهائل، ورغم هول المفاجأة الكارثة التي وقعت على الصين ومنحت إنذاراً لسائر دول العالم، وها هي اليوم تسجل عدداً فعلياً للمصابين يعادل ربع العدد الفعلي للمصابين في إيطاليا ويعادل عدد المصابين في كل من ألمانيا وأميركا، ونصف عدد المصابين في إسبانيا وفرنسا، من دون أن يكون هناك تفسير سوى في نموذج الدولة والثقافة.

ظهر الاقتصاد العالمي الذي يفترض أنه بلغة الأرقام الدفترية، عملاقاً ضخم المقدرات، أشدّ هشاشة من الجسم البشري في مواجهة الأزمات. فخلال أيام من الأزمة فُقدت السلع الأساسية من الأسواق، وانهارت أسعار البورصات وضاعت مئات مليارات الدولارات من الثروات المستثمرة في سوق الأسهم. وتسهل المقارنة بين حال الاقتصاد الذي واجه المجاعة في الحرب العالمية الأولى، وحال اليوم، لرؤية تفوّق نظام المونة التقليديّ، والزراعة البيتيّة، والصناعات العائلية الصغيرة، واعتماد العملة الذهبيّة للتداول بالسلع، على نظام الاقتصاد الافتراضي الذي لا يشبهه شيء إلا الورق الذي يرمز إليه، والتطبيقات الإلكترونيّة التي تحمله، ليصير السؤال ببساطة مع أول أزمة، هل يمكن أن نأكل ورقاً أو تطبيقاً إلكترونياً، ويطرح على نطاق واسع النقاش حول ماهية النظام الاقتصادي الجديد الذي سيولد من رحم هذه الأزمة، وما يصعد إلى السطح مباشرة هو نقاش الدور التخريبيّ لوحش المصارف في اقتصادات العالم، بعدما تحوّلت من مصدر تمويل للتنمية، إلى عنوان للمضاربات الريعية التضخمية على الورق كبالون يكفي دبوس أو فيروس لتفجيره كفقاعة لا يبقى منها شيء، يضيع معها كل تعب العمر وشقاء السنين.

بين الفلسفة والدين أيضاً كثير من التداخل في النقاش، حيث سقط نموذج الفكر الديني الكليّ الغيبية، القائم على الاتكاليّة بدلاً من التوكل، وبالمقابل وقف عاجزاً نموذج الإنكار للأبعاد الروحيّة والدينيّة فيما يواجه الإنسان خطر الموت بفيروس مجهول سريع التسلل والفتك لم يستطع العلم فك شيفراته ورموزه، ويشعر الناس بدنوّ لحظة الفراق ببساطة وبسهولة، ليتقدّم نموذج الدعوة للجمع بين العلم والدين باعتباره العلم الحقيقي والدين الحقيقي، بما يعنيه ذلك من دعوة لتحمّل المسؤولية عن الصحة الفردية بالعناية والانتباه والوقاية، وعن صحة الغير، باعتبارهما مسؤولية إنسانية وأخلاقية ودينية، وربط التوكل بالعمل، وفقاً لمعادلة «اِعقلْها وتوكَّلْ».

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

%d bloggers like this: