حسان دياب رجل دولة… طلب أخير

التعليق السياسي

ليس رجل الدولة هو الذي يملك عصاً سحريّة لحل المشاكل والذي يملك علماً موسوعيّاً شاملاً لكل مجالات عمل الدولة ويستطيع أن يقدّم حلولاً ناجزة لكل مشاكلها، ولا هو المسؤول الذي لا يخطئ، إنه ببساطة المسؤول الذي لا تتحكم بخياراته إلا القناعات والضمير بقياس كيف يمكن أن يخدم فكرة الدولة ويعبر عن مصالح المواطن، غير متأثر بمصلحة خاصة، أو بمحسوبية، أو بعصبية لطائفة أو منطقة.

قد يكون المسؤول غير مرتبط بمصلحة شخصية خاصة في ممارسة مسؤوليته، لكنه يقيم حساباً لمن لهم مصالح مع الدولة في قراراته ويعتبر ذلك جزءاً من مسؤوليته، وقد لا يكون متعصباً لطائفة أو مذهب أو منطقة لكنه يقيم حساباً لمواقف الذين يعبرون عن هذه العصبيات، وقد يكون مؤمناً بخدمة فكرة الدولة ومصلحة المواطن، لكنه يراها من خلال نظرة تضع في حسبانها المصالح الشخصيّة للبعض والعصبيات الطائفية لبعض آخر.

يمتاز رئيس الحكومة بما قاله أمس، أنه ظهر كرجل دولة لا يقيم حساباً لهذه المصالح وتلك العصبيات، أي أنه بصراحة لا يتطلع لتزعم طائفة معينة تحجز له مقعداً في السياسة، بل يمارس السياسة بمفهومها الراقي كمسوؤلية عن المواطنين. وهنا معركة كبرى مع عقليات معاكسة لهذا المفهوم موجودة في الموالاة والمعارضة، لكن الشعب يبدو في حال تعطش لقيادة مترفعة كما ظهر دياب ليسندها ويدعمها ويمنحها الثقة.

بقوة هذه الثقة ننتظر المزيد من الرئيس دياب، وبمناسبة إعلان البنك الدولي عن الاستعداد لتأجيل مشروع سد بسري وسواه من القروض، وفتح الباب لإنفاق مخصصاتها على إنعاش العائلات الفقيرة والشركات الصغيرة ومواجهة تداعيات كورونا، ننتظر قراراً شجاعاً من دولة الرئيس بالتفاوض مع البنك الدولي لتعديل وجهة القروض المخصصة للبنان، وتأجيل مشاريع البنى التحتية لحين الخروج من المحنة التي تعصف بلبنان. فالأولويّة كما حدّدها الرئيس دياب للبشر وليس للحجر، على أهمية توفير المياه التي يعد بها مؤيدو مشروع بسري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

أخيراً وُلِدت الحكومة… ولكنْ

ناصر قنديل

ربما تكون أقصر مدة لولادة حكومة سجلتها حكومة الرئيس حسان دياب، وقد اكتملت قبل نهاية المهلة التي حدّدها بسقف ستة أسابيع، بحيث لا تزال متبقية منها عشرة أيام. وهي بالتأكيد من الحكومات المصغّرة التي لم يتشكل منها إلا القليل منذ اتفاق الطائف، واللبنانيون جميعاً كمواطنين ومعهم كل مَنْ يعنيهم أكثر من مجرد الحصص، هو أن تكون لنا حكومة أولاً، خصوصاً بعدما ظهر الفراغ ومخاطره، وبدأت الفوضى تدقّ الباب، والأزمات المعيشية والمالية ومخاطرها تتفاقم إلى حد يصعب توقع التعامل معه، وليس تخطّيه، من دون حكومة، أي حكومة.

الأيام الأخيرة التي سبقت الولادة القيصريّة للحكومة العتيدة، تركت ندوباً على المولود الحكومي، وعبره على الحياة السياسية في البلد. وهذه الحياة السياسية هي المناخ الذي سيوفر الفرص لمعالجات مطلوبة بصورة عاجلة للمشاكل الاقتصادية والمالية والمخاطر الاجتماعية، في ظل وضع أمني يستدعي التعامل الهادئ والمدرك للمخاطر، ووضع إقليميّ ضاغط باستقطاباته وتحدّياته وتسارع تطوّراته، ولبنان بسبب ثروات الغاز والنفط من جهة، ومأزق الأمن الإسرائيلي من جهة مقابلة، والاستهداف الأميركي للمقاومة بسببهما، والعقوبات الظالمة التي فرضها على لبنان وموارد مغتربيه، في قلب الزلزال الإقليميّ وعلى فوالقه الخطرة.

كانت تكفي الحكومة تحدياتُها الخارجية، والأزمات الاقتصادية والمالية، ووجود كتل سياسية كبرى تستعد لمعارضتها، ورمي ثقلها في الشارع وفي الخارج لإفشالها، واستنزافها بمواجهات سياسية وشعبية، وقادة أحزاب وتيارات سيجهدون لوضعها على خطوط تماس متفجّرة طائفياً ومالياً، واستعمال كل الوسائل المتاحة بما فيها علاقاتهم الخارجية لمنعها من الحصول على التمويل اللازم فوراً، واستعمال ما تيسّر من مشاعر الغضب الشعبي التي فجّرت حراك 17 تشرين الأول، وما تولّد من تعامل المصارف مع المودعين بودائعهم، وما يترتّب على حالات الصرف من العمل وإفلاس الشركات، وفوقها الطعن بالميثاقية الطائفية لتسمية رئيس الحكومة وعدد كبير من الوزراء. كل ذلك العداء كان كافياً، كي يجهد المعنيون بتأليف الحكومة لتفادي أي شقوق تصيب صف الغالبية النيابية التي وقفت وراء تسمية الرئيس المكلف، والتي ستكون معنيّة بتوفير الثقة النيابية المحفوفة بالمخاطر، وكي تتصرّف الكتل الكبرى التي تملك القدرة على تقديم تنازلات من صيغ تمثيلها المفترضة، لتخاطب بلغة التحالف والتشارك الأحزاب والكتل النيابية التي تشكل ضرورة لاكتمال الغالبية، وتعوّض بعضاً من بصمات وميراث التجاهل والتفرّد، وتصحح مساراً من تاريخ تراكمي عنوانه اعتبار أن الحلفاء ملزمون بتلبية الطلب لمنح الثقة، وأنهم ملزمون بقبول ما يُعرَض عليهم، وهو عموماً لا شيء، لكن هذا الممكن تمّ تجاهله، رغم جهود بذلها رئيس مجلس النواب نبيه بري وساندها حزب الله.

كان القوميّون معنيّين بتفحّص هذه الجهود، كما هم معنيّون بدعم ولادة حكومة مناسبة وسريعاً، بل أسرع مما حدث، ولذلك لم يقوموا بتسمية مَن يمثلهم واكتفوا بدعم ترشيح نقيبة المحامين السابقة أمل حداد التي قام الرئيس المكلف بتسميتها، وفوجئوا بدون أن يقدّم لهم أيّ تفسير بالمطلق قبل أن يكون التفسير منطقياً أو مقنعاً، بسحب الاسم من التشكيلة، كما فوجئوا بعروض تقدَّم لهم بتبني ترشيحات سواهم الأخرى وارتضائها، بعدما صارت التسميات واضحة من القوى السياسية والأحزاب والكتل النيابية، وبالرغم من تدخلات إنقاذيّة قادها الرئيس بري وحزب الله، حرصاً على وحدة صف الحلفاء، وحماية لتاريخ من الشراكات المعمّدة بالدم مع القوميين، لم تفلح محاولات نفي قناعة القوميين أن المطلوب عدم مشاركتهم بتمثيل مسيحي. وهكذا فهموا حصر حقّهم بالتمثيل بمقعد درزيّ مضاف، رغم أنهم دائماً لا يرون أنهم يمثلون طائفة، ويملكون حضوراً يفتخرون به بين أبناء الطائفة الدرزية والكفاءات فيها، فقرّروا البقاء خارج الحكومة تثبيتاً لرفض تكريس مبدأ المرجعية الطائفية التي تملك حق الفيتو، وتثبيتاً لكون كتلتهم النيابية المكوّنة من ثلاثة نواب هي من الساحة التي يُطلَب منهم تقبّل إبعادهم عن التمثيل الوزراي فيها، وتأكيداً لكون القوميين لا يقبلون أن يصدر عنهم ما يساعد في استنتاج البعض أن بالمستطاع تطويعهم للتأقلم مع هذا الفيتو، ودائماً للتذكير بأن أهم رسائل الصرخة الجامعة للبنانيين كانت وستبقى بالدعوة للخروج من دولة الطائفيّات إلى الدولة المدنيّة.

هذه الولادة القيصريّة للحكومة، من دون القوميين، ستصيب إقلاعها بنقطة ضعف سيكون عليها إثبات أهليّتها لتجاوزها. والقوميون لا يخرّبون ولا يناكفون، بل يراقبون من موقع تمثيلهم لتيار واسع في الرأي العام ومن موقع حرصهم على مصلحة البلد وصدقيّة وأهليّة الحكومة للتصدّي للمشكلات الحقيقية، خصوصاً أن الحكومة تولد ببصمة تعاكس المناخ الذي فرضه الشارع تحت عنوان السعي للخروج من الطائفيّة وأمراضها، والمعيار كان وسيبقى في قدرة هذه الحكومة على التقدّم بمشروع قانون انتخاب خارج القيد الطائفيّ تلتزم به في نص بيانها الوزاري، قبل أن تتوجّه لطلب الثقة، ثقة النواب وثقة الحراك، وثقة الشعب، واسترداد ثقة الجماعات المؤمنة بالدولة المدنية، والتي ترسم اليوم علامات سؤال حول مدى قدرة حكومة تولد في ظل حسابات وموازين طائفية طاغية على تمثيل جسر عبور نحو تخطّي الطائفية. وسيكون في هذا الامتحان الجواب على السؤال حول الدرس الذي أراده القوميّون من عدم المشاركة، وهو التذكير بأن الحسابات الطائفيّة والعصبيّات الطائفيّة لن تجلب للبلد إلا المزيد من الخراب.

فيديوات متعلقة

بدبلوماسية مع النائب السابق ناصر قنديل والخبير المالي وليد ابو سليمان والناشطة السياسية ريم حيدر
ضروري نحكي مع الصحافي والمحلل السياسي غسان جواد

مقالات متعلقة

The Chinese Silk Road to Lebanon Blocked by US Allies

The Chinese Silk Road to Lebanon Blocked by US Allies

By Mona Issa

Beirut – That the political class in Lebanon profits off of the sectarian system is old news. Sectarianism poses as a blockade against class consciousness and solidarity, which in turn wades the necessary conditions for popular struggle against the power structure.

Lebanon was one of the earliest experiments for sectarianism by France and other imperial powers. While it suffers from corruption and sectarianism, it also suffers from accumulated financial burden. The economic basis of the country is founded on the fiscal terms of the old aristocrats, who are what we call the “international financial class” today. This class, according to the Economist, monopolizes 18 out of 20 of all major banks in Lebanon. However, the Lebanese banking sector is hardly ever Lebanese. Engineered and driven by IMF, neoliberal fiscal policy, and their Lebanese billionaire minister-proxies, the West bloc in the Lebanese parliament barely ever passed up an opportunity to benefit off of the sectarian nature of their workplace. What is good for the banks, is good for them – the imperialism business is a thriving one.

The international financial class – the Lebanese West bloc – which is inherently capitalist, then inherently imperialist, functions on finance and militarism, entailing that it functions on the oppression and abuse of human capital and conflict. In a post-colonial state like Lebanon, conflict just might be on its way with the right amount of mass manipulation, play on identity politics, and painful economic conditions. The latest painful imposition is the high dollarization rate, which struck as a shock to the already-collapsing economy in Lebanon. This ultimately weakens the country much further than it already is, instills financial fragility and draconian living expenses.

However, another narrative threatens US interests on the ground today. The escalating threat of Chinese influence to replace US power in the region makes America’s friends anxious. The recent economic war on China is based on this anxiety, that they could soon be proposing investments in countries plagued by colonial theft. For this reason, there has been increasing efforts to contain Chinese influence in the Middle East by the United States; the only thing blocking Lebanon from making trade with the East is the West bloc, which is one of the many ways the Lebanese parliament engages in self-defeating behavior. China, through the reconstruction initiatives in Syria, has offered substantial infrastructural deals to the Lebanese government. This year, they’ve offered not only to build a conservatory in Dbayeh, but also a railway which connects Beirut to Tripoli, Tripoli to Aleppo, then Aleppo to Damascus.  Historically speaking, any sort of connectivity in the Arab world let alone the country stands as a threat to sectarian profit. Such projects, furthermore, would jeopardize the WB’s relationship with Washington.

The same West bloc, namely Jumblatt, Hariri, Geagea – are making said profit from the protests. The consecutive resignation of Geagea and Hariri opens up the sectarian vein among the Lebanese who already are geopolitically divided, and fuels protesters to stay in the streets, calling for complete overthrow. They have been using their key positions to serve their superiors, while the people bathe in the illusion that Geagea and Hariri’s resignations were an overthrow.

The threat of civil conflict through sectarian strife and complete overthrow all push Hezbollah into a balancing act they could do without – they become torn between keeping the situation under control and succumbing to the pressures of the protesters and the international community. The protests have attained most of their legitimacy from the working class who today face an economic war as a result from suffocating neoliberal foreign policy instantiated by Hariri the father, whose legacy lives on into a nation sunken by billions of dollars in debt. However, it would only be naive and shortsighted to see that the economic crisis is merely a direct result of corruption. The plight of the working class comes from the direct and eventual effects of US foreign and economic policy. With the lethal combination of corruption and US ambition, the parliamentary West-bloc have managed to “blend in” with the protests, express solidarity with popular grievance, while serve as proxies for the US to drive Hezbollah into resignation and overthrow.

In parallel, Chinese influence has been kept at bay simultaneously keeping socialist ideological influence – such as those of Iran and Syria – marginalized and within limited power.

The world is witnessing a new political horizon; a post-post-Cold War, where US hegemony is challenged by other powers [not to mention also “illegitimate”, “terrorist” groups] and is very desperate.

حزب الله وأسئلة حول المعركة ضد الفساد؟

مارس 14, 2019

ناصر قنديل

– يشكل حجم الاهتمام الذي يوليه حزب الله لمعركة مكافحة الفساد الفرصة الأهم للفوز بها، ويشكل خطاب السيد حسن نصرالله الأخير خريطة طريق واضحة سواء لجهة اليقين بالحاجة للنفس الطويل، أو لجهة العلاقة العضوية بين هذه المعركة ومعركة أكبر منها هي معركة بناء الدولة، وإلا سيكون على المهتمّين بمكافحة الفساد أن يتعايشوا مع حقيقة اسمها بقاء ونمو الفساد، وانشغالهم واشتغالهم بملاحقة نتائجه، بينما المطلوب هو العمل على اتجاهين بالتوازي، اتجاه يمتلك الكثير من عناصر الإثارة ومواجهة الكثير من التعقيدات. وهو اتجاه تصفية آثار الماضي الممتدّ لربع قرن، هو عمر غياب قطع الحساب في المالية العامة، وما سيكشفه التدقيق بالتقارير التي أعدّتها وزارة المالية عنها، واتجاه مستقبلي يرمي لقطع الطريق على مواصلة الغرق في مستنقعات الفساد والهدر، وهو اتجاه لا يثير الإعلام ولا يستهوي الرأي العام وفضوله، لكنه الأهم والأخطر والمصدر الرئيسي للحكم على نتائج الحملة، وفيه من الأبعاد التشريعية والإجرائية التي تتصل بالإنفاق العام والدين والنظام الضريبي والمشاريع والأولويات والتلزيمات والتعيينات، الكثير الكثير، ليصير أقرب إلى رسم استراتيجية شاملة لبناء الدولة وماليتها وقضائها ومؤسساتها.

– لا يمكن الاختفاء في هذه المعركة تحت عنوان عام هو اللجوء إلى القضاء. فهذا قد يشكل نصف معركة الاتجاه الأول المتصل بتصفية ما مضى من فساد، لكنه لا يجيب على التحدي الأهم، وهو الاتجاه الثاني، وهو كيفية تجفيف مستنقعات الفساد، أي انتظام أداء مؤسسات الدولة وفقاً لمعايير قانونية صارمة وسلسة وواضحة وشفافة، بدءاً من الاستدانة، وإدارتها وخدمتها، مروراً بهيكلة القطاع العام وحجمه والربط بين أعبائه وعائداته، وصولاً إلى مشاريع الخصخصة وأنواعها ومجالاتها وما يدور فيها وحولها، ودائماً بوضع آليات لا تقبل المساومة في مجالي التعيينات والتلزيمات، والكثير من الذين يقفون بكل أمل على الضفة التي يقف عليها حزب الله في مواجهة تحديات تصفية تركة الماضي الثقيل، وفتح الملفات، ويرون صحة إعطاء الأولوية لتدقيق المحاسبة العمومية للمالية العامة وفقاً لتقارير وزارة المال ونتائج تحقيقات ديوان المحاسبة، والتحقيقات القضائية، ويأملون فشل كل محاولات تأمين الغطاء لأحد من الذين تجب مساءلتهم، وهم يبدون قلقهم من قواعد النظام الطائفي الصلب في قدرته على مقاومة أي إصلاح، لا يستطيعون تجاهل قناعتهم بأن الفوز بالمعركة في الاتجاه الثاني، أي مستقبل بناء الدولة، مستحيل بدون تغيير جذري في بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية.

– الأسئلة الكبرى التي تنتظر جواباً في السياسة، تطال مبدأ وإمكانية الحديث عن انتظام مؤسسي في التلزيمات والتعيينات، في ظل التنظيم الطائفي لكل شيء في الدولة، بما في ذلك ما نص الدستور على تحريره من القيد الطائفي، كما تطال التساؤل حول كيفية إنتاج سياسة منهجية للدولة في مقاربة مسائل كالدين والخصخصة والمفهوم الضريبي وخطط التنمية، عبر المناقشات التي تتم في مجلس الوزراء بالقطعة والمفرق، لمشاريع بعينها، بينما المطلوب جواب بالجملة، لا ينتجه إلا حوار وطني جاد يطال السعي لتلبية حاجة ملحّة، هي كيف نبني الدولة التي فشلنا ببنائها خلال ثلاثة عقود، وهل يمكن الفوز ببنائها دون المساس بالتنظيم الطائفي للدولة، أو البعد السياسي الفتاك الذي يمثله فيه قانون الانتخابات النيابية، أما الاكتفاء بالتدقيق في البنود التي تطرح على مجلس الوزراء بعين البحث عن مخالفة أو شبهة لمنع وقوعها، فلن يفعل سوى تجميل التفاصيل في مشروع إجمالي لدولة عاجزة عن تلبية تطلعات مواطنيها، من دون إعادة نظر جذرية في بنيتها ومؤسساتها، ووضع خطط متكاملة لكيفية أداء وظائفها، وإصلاح هيكلها السياسي أولاً لتكون دولة أقوى من الطوائف، التي باتت العلاقة التناسلية بينها وبين المحسوبية في التعيينات والحصص في التلزيمات بوابة الفساد الكبير، الذي لا تمنعه المناقصات، ولا تحول دونه الامتحانات، فقبل النقاش بدرجة الشفافية في مناقصة بيع رخص الخلوي، يجب النقاش حول هل للبنان مصلحة ببيعها، وقبل البحث عن شفافية ونزاهة في تلزيم القطاع الخاص عملية إنشاء وإدارة محطات توليد الكهرباء يجب أن يكون لدينا قانون لمنع الاحتكار.

– الأكيد أن قرار حزب الله بمنح جزء كبير من اهتمامه للوضع الداخلي، من البوابة المالية الاقتصادية، ناجم بالفعل عن استشعار الخطر الذي ينتظر لبنان ويهدد بالانهيار، لذلك سيبقى السؤال هو كيف نمنع هذا الانهيار؟ وهل يمكن في نظام المحاصصة الطائفية الفوز بهذه المعركة؟ وهل يمكن تحقيق أهدافها دون استراتيجية متكاملة توضع تحت سقف الدستور لبناء دولة المؤسسات، وتجيب على الأسئلة الأساسية وفقاً لرؤية تأخذ طريقها نحو الصدور بقوانين ومراسيم، في مجالات النظام الضريبي، والخصخصة، ومعايير الاستدانة وشروطها، وكيفية إدارة معركة الثروة النفطية واستثمارها، وكلها بنود يسيل عليها لعاب الداخل والخارج، والهدر في الثروة الوطنية لا يهدده الفساد أكثر مما تهدّده الخيارات الفاسدة، ومن حق المتطلعين للزخم الذي منحه دخول حزب الله على خط خوض هذه المعركة وما يمنحه لها من حيوية وصدقية، أن ينتظروا من حزب الله أكثر من مشاريع متفرقة لمأسسة آليات الإنفاق والرقابة، فالمطلوب رؤية شاملة لبناء الدولة، تبدأ بالإجابة عن سؤال أي دولة نريد، وقد حاول اللبنانيون أن يروا في اتفاق الطائف خريطة طريق نحو الخروج من الصيغة الطائفية للنظام السياسي، بلوغاً للدولة المدنية. والمشروع متعثر منذ زمن ولا يزال، فهل يشكل تدخل حزب الله قوة الدفع اللازمة لتطبيق الممنوع تطبيقه من اتفاق الطائف، على قاعدة الترابط بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والإصلاح المالي والإصلاح القضائي، انطلاقاً مما قاله الطائف عن مجلس النواب المنتخب خارج القيد الطائفي ومعه إنشاء مجلس الشيوخ، إلى بناء السلطة القضائية المستقلة، وتحقيق اللامركزية الإدارية البعيدة عن كل شبهات الفدراليات المقنعة، انتهاء بالتكامل الاقتصادي مع سورية وعبرها مع المحيط الإقليمي؟

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: