هل يعود بهاء الحريريّ بمشروع خارجيّ جديد للبنان؟

عودة "بهاء" الحريري: تقدّم تركي-إخواني يعوّض الإنسحاب السعودي من ...

محمد حميّة

لم تكن عودة بهاء الحريري الإعلامية الى المشهد السياسي اللبناني من بوابة دعم «الثورة» ضد الطبقة السياسية الحاكمة وفي وقت تعصف بالبلد أشد وأخطر أزمة مالية واقتصادية واجتماعية في تاريخه الحديث، محضَ صدفة، كما أنها ليست منفصلة عن سلسلة الأحداث التي يشهدها لبنان والمنطقة.

تحرّك بهاء الحريري والحديث عن طائف جديد وتسوية جديدة والتموضع السياسي لرئيس القوات سمير جعجع ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط والفوضى الأمنية والاقتصادية في الشارع والضغط الاميركي على لبنان وزيارة السفير السعودي في بيروت وليد بخاري الى بيت الوسط أمس، ولقائه الرئيس سعد الحريري التي أعقبت توترات أمنيّة شهدتها العاصمة بيروت وطرابلس والبقاع الغربي بين مناصري «الأخوين» الحريريّ والتي تُنذر بانقسام كبير على مستوى العائلة والساحة السنية في لبنان!

فما الذي يحضَّر للبلد؟ وهل يعود بهاء الحريري بمشروع خارجي جديد الى لبنان يتطلب انتقال «الزعامة السياسية السنية» من بيت الوسط الى بهاء الحريري المقيم خارج لبنان؟ وما علاقة كل هذه الأحداث بمشروع «صفقة القرن» واندفاعة السعودية للتطبيع مع «اسرائيل»!

لا شك في أن حركة بهاء الحريري والأحداث التي رافقتها، تحمل مؤشرات خارجية وربما تعكس قراءة سياسية وميدانية إقليمية – دولية للواقع اللبناني والقاعدة الحريريّة تحديداً، لإعادة تعبئة الشارع المستقبلي – السني على أسس ومشروع جديد يتماهى مع ما يطلبه الأميركيون والسعوديون من لبنان. وهذا يحتاج الى خطاب جديد قد لا يستطيع «السعد» استيعابه والسير به لحسابات متعددة.

وتتحدث تقارير أمنية عن أن حركة بهاء الحريري تُخفي قراراً تركياً بالتوغل الى عرين تيار المستقبل في طرابلس ومناطق أخرى بعد فشل المشروع التركي في السيطرة على إدلب السورية، مستفيدة من ترهل القوة الحريرية في المدينة والانكفاء السعودي عن لبنان والمنطقة. في المقابل هناك قراءة أخرى تشير الى قرار سعودي بالاستغناء عن سعد الحريري كلياً لاعتباره شخصية ضعيفة غير قادرة على خوض المعركة مع حزب الله وأنه استهلك كامل أدواره. علماً أن الحريري أسرّ للسعوديين والاميركيين في مراحل سابقة بحسب معلومات «البناء» أنه لا يمتلك أدوات محلية لمواجهة حزب الله. اضافة الى ان الحريري يردد في مجالسه الخاصة أنه يملك الأخلاقية السياسية التي تمنعه من طعن مَن تعامل معه بأخلاقية عالية أي حزب الله في المرحلة الأخيرة. فكان الخيار الخارجي بتعويم بهاء كشخصية ممكن أن ترث سعد وتنقذ الانهيار المحتم للحريرية السياسية وتدعم بالتأكيد الدور السعودي في لبنان. فالمملكة تعتبر أنها مهندسة وبانية مداميك الحريرية السياسية في لبنان وراعيتها على مدى ثلاثة عقود. وبالتالي لا تريد اندثار هذا الإرث السياسي والاقتصادي الذي شكل ركيزة لنفوذها في لبنان والمنطقة. وهذا ما يُفسر تحول حلفاء رئيس الحكومة السابق وتحديداً جعجع الذي لا يُخفي في مجالسه الداخلية تأييده لبهاء وكذلك رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، فيما يقف جنبلاط في الوسط مع ميل الى حليفه سعد، لكنه يترقب تطور ونمو حركة بهاء والأفق الإقليمي الدولي لمشروعه السياسي أو وظيفته الداخلية ليحدّد موقفه النهائي.

وقد يكون استحضار بهاء الحريري في المرحلة الراهنة حصيلة تقاطع مصالح أميركية – سعودية تركية لإعداد المسرح اللبناني لاستيعاب متطلبات «صفقة القرن» وقد يكون تنافس سعودي – تركي على الحلبة اللبنانية في إطار الصراع بين المرجعيتين الإقليميتين في العالم الإسلامي. لكن أوساط سياسية بيروتية تشير لـ»البناء» الى أن «الظروف الداخلية لدخول بهاء الحريري الى المشهد الداخلي تشبه الى حدّ ما ظروف دخول الرئيس الراحل رفيق الحريري لا سيما مع وجود أهداف سياسية للتلاعب بسعر صرف الدولار ورفعه إلى الـ5000 ليرة وأكثر واستغلال الظروف الاجتماعية لإشعال انفجار شعبي ليأتي «الإبن الحريري» على حصان أبيض مع مليارات سعودية لإنقاذ لبنان من الانهيار كما أتى الحريري الأب على أنقاض الحرب الأهلية والانهيار المالي والاقتصادي مزوداً بالاموال الخليجية. فـ»مشروع» بهاء يتطلب تنفيذه أخذ لبنان خلال المرحلة الحالية الى انفجار اجتماعي وفوضى أمنية وتوتر مذهبي وحرب طبقيّة بعد رفع سعر صرف الدولار الى معدلات غير محمولة كما حصل في العام 1992 وتصبح عودة بهاء على جنح مليارات الدولارات لإنقاذ لبنان مستساغة لدى أغلب الشعب والقوى السياسية اللبنانية. وتتحدث مصادر بهاء الحريري عن إطلالة إعلامية له خلال شهرين الى ان يكتمل مسلسل الأحداث مع تكليف المحامي نبيل الحلبي إعداد الحملات الإعلامية والتسويقية لعودة «البهاء» المرتقبة. فيما علمت «البناء» أن مؤسسات بهاء الحريري بدأت منذ إعلان التعبئة العامة بتوزيع مساعدات غذائية في عدد من المناطق.

وفي مطلق الأحوال لا يمكن فصل التشظي الحالي داخل «عائلة الحريري» والإرادة الخارجية لإعادة تشكل هذه المنظومة على أسس جديدة، عن تفاقم الازمات المالية والاقتصادية والاجتماعية ومحاولات إغراق لبنان بمشاكل أمنية وسط تقارير خارجية وفرنسية تتحدّث عن عمق الأزمة اللبنانية وعدم قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين في القطاع العام وحتى العسكريين، الأمر الذي ينتج فوضى أمنية تقود بدورها لبنان للارتماء بحضن صندوق النقد وشروطه المدمرة والمفجرة للمجتمع اللبناني، ما يخدم المشروع الأميركي الخليجي الإسرائيلي «صفقة القرن» والتطبيع العربي الإسرائيلي.

ويمكن الربط في هذا المجال، بين تصريحات بهاء الحريري الأخيرة وبين كلام الدبلوماسي الاميركي ديفيد شنكر، لجهة الهجوم على حزب الله وتحميله مسؤولية الازمة القائمة والتصويب على سلاحه وربطه بالفساد والصفقات بين أركان السلطة. فعودة بهاء الحريري بحسب المتابعين للمشهد الداخلي، لن تكون إلا من بوابتين: استغلال الأزمة المالية الاقتصادية وركوب موجة «الثورة» والهجوم على حزب الله.

إلا أن السؤال: هل يملك «مشروع بهاء» فرص النجاح؟ وهل لا زالت السعودية وحلفاؤها في المنطقة يملكون أوراق القوة لفرض مشروعهم الجديد في ظل المتغيرات وموازين القوى الاقليمية الجديدة التي نتجت عن فشل المملكة في اليمن وسورية والخلافات داخل العائلة الحاكمة وانخفاض سعر برميل النفط وتوتر العلاقة مع واشنطن التي تراجعت بدورها في العالم والمنطقة؟

ووسط مخاوف تعتري الرئيس سعد الحريري من انفتاح حزب الله على بهاء، تشير مصادر مطلعة على موقف الحزب الى أن الحزب لا يتدخل بالخلاف العائلي، لكن تصريحاته عن السلاح ترسم علامات استفهام حول وجود مناخ في الأصل للنظر بإيجابية لبهاء. في المقابل تشير أجواء تيار المستقبل الى أن رئيس المستقبل لن يسمح بتمدد اي تيار او قوة سياسية أخرى على حساب إرث رفيق الحريري وإنجازاته، فيما تتحدث المعلومات عن استعدادات مستقبليّة في طرابلس والطريق الجديدة للتصدّي عسكرياً لأنصار بهاء الحريري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

سعر الصرف والأحجية المعقدة إلى أين؟

ناصر قنديل

تجري المناقشة اللبنانية الداخلية ومعها النقاش الخارجي لواحدة من ركائز أي بحث اقتصادي ومالي للوضع اللبناني، يمثلها التعامل مع سعر صرف الدولار بتسويق مسلّمة تتحوّل بديهية، وهي أن تثبيت السعر المنخفض عافية، وأن سعر الصرف الموحّد هدف، وأن تحرير سوق الصرف مبدأ لا حياد عنه ولو أدى لسعر مرتفع وتضخم وانهيار القدرة الشرائية في سوق مدولرة. والسير من هذه المنطلقات سيوصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن لبنان كي ينجح بتحرير كامل لسوق الصرف فعليه أن يتقبل ارتفاعاً مرعباً في سعر الدولار، يترتب عليه ارتفاع جنوني في الأسعار الإستهلاكية وتضاؤل كارثي في القدرة الشرائية وصولاً لحد المجاعة، إذ إن المبلغ المطلوب لسد الفجوة التقليدية بين مطلوبات وواردات الميزان التجاري تفوق الـ 17 مليار دولار سنوياً، ومترتباتها على سوق العرض والطلب في سوق الصرف، بسبب تراجع عائدات التحويلات المختلفة من غير التصدير، لا تقلّ عن عشرة مليارات دولار سنوياً. وهذا كان مصدر سعي مصرف لبنان منذ 2010 عندما بدأ عهد التحويلات يأفل مع تقدم زمن العقوبات من جهة، وتراجع الإقتصادات العالميّة والخليجيّة يفرض إيقاعه من جهة أخرى، فتراجعت عائدات السياحة والتحويلات من الخارج، واعتمد المصرف المركزي لجلب هذه الدولارات، على تشجيع الدولة على المزيد من الاستدانة بالعملات الصعبة، حتى صار المزيد من الدين مستحيلاً، بفعل تضخم كتلة الدين وحجم الفوائد، فصار البديل باللجوء إلى ما أسماه بالهندسات المالية لوضع اليد على دولارات القطاع المصرفي بإغراء شرائها بفائدة بلغت 100% بالليرة اللبنانية، وهي في النهاية ودائع المودعين، وقد «نجح» بتجفيفها.

الذي يجب أن يدركه اللبنانيون، والمسؤولون قبل المواطنين، هو أن الجمع بين تحرير سعر الصرف، ومعالجة الأزمات المالية والاقتصادية والمصرفية مستحيل، والانطلاق من فرضية البحث عن وصفة سحرية لتحرير السعر، والحفاظ على القدرة الشرائية وضبط الأسعار الاستهلاكية، هو جهد ووقت ضائعان، وحتى يستطيع لبنان فعل ذلك، يجب أن يضمن عودة تدفقات بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً على الأقل، عن غير طريق الاستدانة، أي من عائدات التصدير والسياحة وتحويلات الاغتراب. وهذا يعني أن الشرطين الواجبين لتوفير ظروف مناسبة لهذه العودة، هما نهاية زمن العقوبات، وعودة الانتعاش للاقتصادات العالمية والخليجية، وبانتظار ذلك على لبنان إذا أراد شعبه والمسؤولون فيه، منع التأثيرات المدمّرة لسعر الصرف على الاستهلاك والقدرة الشرائيّة تقبل فكرة التعايش المؤقت، لسنوات، مع أكثر من سعر في سوق الصرف، وعدم إعتبار ذلك نقيصة، والاستعداد لتفاوض شرس مع صندوق النقد الدولي تحت هذا العنوان.

الأهم هو رسم معالم المرحلة الانتقالية، أي السنوات الخمس التي حددتها الحكومة كمدة معقولة لخطة النهوض، بحيث تغطي الموارد المتاحة والمتوفرة من العملات الصعبة حاجات الاستهلاك الرئيسية، بأسعار صرف لا تتيح اضطراباً في أسواق الاستهلاك وتآكلاً في القدرة الشرائيّة، وهذا يستدعي تقييد حكمي لشروط الحصول على الدولار اللازم لأعمال الاستيراد الخاصة بالسلع الضرورية والاستهلاكية، مقابل سوق حرة للصرف بسعر مختلف حكماً، وأعلى حكماً، تغطى منها حاجات استهلاكية كمالية. وهنا يجب أن تنفتح عقولنا على حقيقة أن السعر المرتفع في سوق الصرف الموازية أو الحرة، سيكون فرصة للاقتصاد. فهو حافز للتصدير وعنصر تراجع في الاستيراد بسبب ارتفاع هائل لأسعار السلع المستوردة بسعر صرف مرتفع، مقارنة بالقدرة الشرائيّة للبنانيين. وهذا سيتيح خلال سنوات انتظار نهاية زمن العقوبات وانتعاش الاقتصاد العالمي والخليجي، نهضة صناعية وزراعية تغطيان الجزء الأساسي من حاجات السوق المحلية، وتزيدان الدخل بالعملات الصعبة من عائدات التصدير المتزايد، وهذه النتيجة المتوخاة مشروطة بأمرين، الأول اعتبار العملات الصعبة العائدة من التصدير محررة بنسبة 75% سلفاً لصالح المصدّرين لإعادة الترسمل بالمواد الأولية وتطوير مواردهم لمزيد من التصدير، باعتبار الـ 25% الباقية مخصصة لتأمين استيراد المشتقات النفطية كأساس لتأمين الطاقة للصناعة شرط شراء دولارها بسعر سوق التحويلات من المصدرين أي 3000 ليرة مقابل 1500 لتسعير المشتقات النفطية والكهرباء يحصلون عليه. والثاني تحرك حكومي عاجل لتحديد السلع التي ينتجها أو كان ينتجها ويمكن أن يعود لإنتاجها، لبنانيون، لتوفير الحماية الفورية لها من منافسة المستوردات، وفي المقدمة تقف صناعة الألبان والأجبان والعصائر والمياه المعبأة ومواد وأوراق النظافة، والأحذية والألبسة، ولائحة طويلة تخفف فوراً ملياري دولار من فاتورة الاستيراد.

لدى تشريح فاتورة الاستيراد التي تشكل مصدر الطلب على الدولار، سنجد توزيعاً مذهلاً يكشف الكثير من الحقائق، حيث الفاتورة النفطية في المقدمة، وفقاً لسعر النفط تتحرك بين 3 و6 مليارات دولار، وفاتورة المواد المتصلة بالصناعة قرابة ملياري دولار بين مواد أولية ومستوردات ميكانيكية، والمستوردات الغذائية قرابة 3 مليارات دولار أغلبها قابل للاستبدال محلياً، والمستوردات الطبية بمليار ونصف مليار دولار تقريباً قابلة للتخفيض إلى النصف، والمواد الاستهلاكية الممكن تصنيفها كمالية من ألبسة وعطور ومجوهرات ومشروبات وسيارات بحدود خمسة مليارات دولار سنوياً، بالقياس لفترة 2004-2010، وحيث كان العجز في الميزان التجاري يدور حول رقم 7 مليارات دولار فقط، قفز إلى 17 ملياراً خلال عشر سنوات بصورة يفسر بعضها دخول النزوح السوري كعامل جديد على الاستهلاك وتراجع التصدير إلى سورية والعراق، من جهة أخرى، بنسبة ملياري دولار استهلاك إضافي وتراجع مليار دولار تصدير، وزيادة القدرة الاستهلاكية الداخلية الناجمة عن سلسلة الرتب والرواتب، بما يعادل 3-4 مليارات دولار مقابلة، ويكفي العمل للعودة إلى حالتنا عام 2010، ليعود العجز التجاري إلى 7 مليارات، وهذا يتصل بسعر النفط، وهو الآن أقل من عام 2010، وعودة النازحين السوريين، وفتح السوقين العراقي والسوري، ومع تراجع القدرة الشرائية بفعل تراجع كبير في سعر الصرف، يمكن توقع هبوط العجز في الميزان التجاري إلى أقل من 5 مليارات دولار بالتأكيد.

كان لبنان يعوّض عجز الميزان التجاري حتى عام 2010، ويحقق فائضاً، بالاستناد إلى دخل يعادل 10 -12 مليار دولار يأتي مناصفة من السياحة وتحويلات اللبنانيين، وبقي منه فقط قرابة مليار دولار من التحويلات العائدة للبنانيين في الخارج وتراجع السياحة حتى الصفر تقريباً، وبانتظار تعافي المصدّرين يبقى فارق الأربعة مليارات الباقي كضغط على ميزان المدفوعات، لتغطية مليار دولار ستبقى لاستيراد غير الأساسيات وتراجع نوعي في تحويلات العاملات المنزليات الأجنبيات حتى الاضمحلال، وملياري دولار للمشتقات النفطية، ومليار دولار للقطاع الدوائي، ومثلها بضع مئات ملايين الدولارات لتحويلات للطلاب اللبنانيين في الخارج هي مصادر قابلة للمعالجة، عبر تفاهم نفطي مع العراق يقوم على تشغيل خط كركوك البصرة النفطي، وإخضاع استيراد الأدوية والمواد الاستهلاكية لمعادلة تتيح الإفادة من دولار منخفض، بحيث يكون بصورة تختلف عما هو قائم اليوم بتمويل مصرف لبنان لاستيراد المشتقات النفطية والأدوية والقمح، معادلة جديدة اقتصادياً تجيب ضمناً على كيفية تخفيض الفاتورة من جهة ومنع ارتفاع الأسعار من جهة موازية.

الصيغة المطلوبة هي اعتماد سعر منخفض جداً لسعر الدولار بـ 1500 ليرة لإستيراد القمح والمشتقات النفطية أو النفط، والدواء، شرط حصر أغلبها بتفاهمات دولة لدولة، واعتماد إجازة استيراد مسبقة من الوزارة المختصة للتجار تحدد الكمية والقيمة لبيعهم الدولارات اللازمة من الصرافين، مقابل تأمينها من مصرف لبنان بسعر معادل (3000 ليرة)، من ضمن تحويلات اللبنانيين وربع عائدات التصدير، أي ما يعادل ملياري دولار سنوياً، فيما سيصحح الاقتصاد الكثير من نقاط الضعف بربط استيراد المواد الباقية بسعر دولار مرتفع (5000 ليرة) وعجز اللبنانيين من تحقيق الطلب عليها وعجز الكثير منها عن منافسة الإنتاج المحليّ الذي سينمو خصوصاً في القطاعات الغذائيّة وقطاع الألبسة والأحذية، بدليل ما كان عليه في سنوات سعر دولار مرتفع في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

تحسين التبادل التجاريّ مع سورية والعراق يحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية بالعودة للعبقرية الفرنسية التي أدركت مع عهد الانتداب الحاجة لتبادل تجاري بالليرة المحلية، فجعلتها واحدة، رغم إقامة دولتين ودستورين وحكومتين وجيشين ورئيسين، لكن مع إنشاء مصرف مركزي واحد وليرة واحدة، وهو ما يمكن استبداله اليوم بتعاون حاكميات المصارف المركزية في لبنان وسورية والعراق لإصدار تسعير يومي تبادليّ للعملات الوطنية من دون المرور بالعملات الأجنبية والسماح بالتداول بالعملات الوطنية في أسواق البلدان الثلاث، كما نحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية في الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية بالدولار، بالعبقرية البريطانية التي أقامت خط كركوك طرابلس وأنشات مصفاة طرابلس، بحيث يحصل لبنان على حاجاته من المشتقات النفطية لقاء تكرير ضعف حاجاته وبيعها لحساب العراق، وبيع ثلاثة أضعافها من النفط الخام لحساب العراق، ولبنان الموجود على البحر المتوسط قبالة أوروبا يوفر على العراق ثلاثة أرباع كلفة نقل النفط قياساً بعبور الناقلات من البصرة نحو هرمز فباب المندب وقناة السويس وصولاً للمتوسط، وضمن خطة سنة لتشغيل الخط والمصفاة، يمكن شراء النفط الرخيص بأسعار اليوم ووضع آلية لتقنين استهلاكه.

إن تأمين مستلزمات الاستيراد الضروري بأسعار للدولار بين حدي 1500 و3000 ليرة مشروطة بإجازات استيراد مسبقة من وزارات الاختصاص، وهي وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد ووزارة الطاقة كل في مجالها، لن يتيح تأمين السلع الأساسية بسعر ثابت ومناسب للقدرة الشرائية للبنانيين فقط، بل سيضمن الرقابة على النوعية والتحكم بلوائح المواد والأصناف المستفيدة من هذه الميزة، والاطلاع على الأسعار الفعلية للاستيراد، وربط التجار بالحاجة لإجازة شراء الدولار المنخفض سيضمن تقيدهم بالأسعار التي يتم وضعها لبيع هذه المستوردات للمستهلك اللبناني تحت طائلة الحرمان من الإجازة التفضيلية، والاضطرار لشراء الدولار بسعر السوق الحرّة، والدخول في منافسة غير متكافئة مع منافسين يحتفظون بميزة الحصول على دولار منخفض السعر لتقيّدهم بتسعيرة الوزارات المختصة.

مقالات متعلقة

لماذا الهدنة مع الأميركيين؟

د. وفيق إبراهيم

نجاح حكومة مصطفى الكاظمي العراقية في نيل ثقة المجلس النيابي بها، وموافقة صندوق النقد الدولي على التفاوض مع حكومة حسان دياب لوقف الانهيار الاقتصادي في لبنان، مؤشران قويّان يرمزان الى مرحلة هدنة بين القوى الداخلية والخارجية في هذين البلدين لوقف التراجع المخيف فيهما.

لجهة القوى التي تستطيع تمرير حكومة الكاظمي بعد ستة أشهر من صراعات ومناكفات وعجز متتابع لسياسيين فشلوا في تشكيل حكومة، فهي داخلياً مجموعات الحشد الشعبي والأحزاب الموالية لرئيس المجلس النيابي الحلبوسي في الغرب العراقي وآل البرازاني الأكراد في الشمال. هؤلاء هم الذين يسيطرون على المجلس النيابي ويكملون عديده بهيمنة للحشد الشعبي لأن الدستور يمنح الشيعة نحو 60 في المئة من عدد النواب تبعاً للتوازنات السكانية.

أما القوة الثانية في الداخل العراقي فهي المرجعية الدينية العليا للشيعة التي تتدخّل كلما شعرت أن خطراً يتهدد الدولة العراقية أو الكيان السياسيّ. ولها نفوذها في مجلس النواب وبالتالي بين وزراء الحكومة، بشكل يمكن فيه اعتبارها ناقوس الخطر الذي يضرب حين يتأزم العراق.

هذا عن الجانب الداخلي، وهو جزء بسيط من الصراعات الخارجية العميقة في العراق التي بدأت منذ 1990 وتعمّقت مع الاحتلال الأميركي المتواصل لأرض الرافدين منذ 2003 وازدادت التهاباً مع نجاح الحشد الشعبي في تدمير القسم الأكبر من الإرهاب الداعشي والقاعدي والسيطرة على قسم وازن من العراق السياسي.

هناك اذاً صراع أميركي – إيراني عنيف على الاراضي العراقية يرتدي لباس احتدام في التنافس السياسي في بعض الأحيان، وقتال يتسربل بتبادل للقصف بين قواعد أميركية، ومقار داخلية متحالفة مع إيران، للإشارة فإن آخر الاعمال الأميركية كانت اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني وقائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وهما يخرجان من مطار بغداد. وردّ الإيرانيون بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق.

بذلك فإن القوى المؤثرة على السياسة العراقية هي بناها الداخلية من أحزاب ومراكز دينية وحشد وتنظيمات والاحتلال الأميركي المتواصل الى جانب نفوذ إيراني عميق سببه تحالفه مع الحشد الشعبي والعلاقات الدينية التاريخية التي تجمعه بغالبية العراقيين.

هناك أيضاً نفوذ تركي وسعودي على بعض التنظيمات العراقية في الوسط الغربي، لكنها غير مؤثرة إلا من خلال الاحتلال الأميركي.

فما الذي استجدّ بعد ستة أشهر من العجز عن تشكيل حكومة عراقية وتأزم الوضع العسكري بين إيران والأميركيين ورفع الحشد الشعبي لشعار الانسحاب الفوري للقوات الأميركية المحتلة من العراق؟

فجأة وافق الأميركيون على تمديد استجرار العراق للكهرباء الإيرانية لنحو 120 يوماً أي أربعة اشهر كاملة، كما نالتا حكومة الكاظمي ثقة واسعة وهي التي كانت تتهيأ لاعتذار رئيسها عن متابعة التشكيل للعراقيل الداخلية والخارجية.

والطريف أن برنامج حكومة الكاظمي اورد ضرورة مجابهة الصعوبات الاقتصادية والأمنية والتحضير لانتخابات مبكرة ووضع برنامج عمل لتنويع الاقتصاد العراقي.

فلم ينسَ شيئاً، إلا الاحتلال الأميركي، فتجاهله وكأن لا احتلال ولا مَن يحتلّون.

هناك أمور مثيرة للدهشة الى درجة الذعر، وهو أن معظم قوى الحشد الشعبي وافقت بدورها على هذا البرنامج.

الأمر الذي يكشف أن حكومة الكاظمي هي تسوية سببها التعادل في موازين القوى بين حشد شعبي قوي جداً بتركيبة أحزابه، ومدعوم من إيران وبين احتلال أميركي لديه مؤيدوه في وسط العراق وغربه عند جماعة الحلبوسي ومن كردستان العراق، أما أسرار هذا التوازن فهي موجودة بتلويح الأكراد وبعض أحزاب الوسط بالانفصال وتشكيل اقاليم مستقلة في كل مرة يحاول فيها الحشد الشعبي دفع الأميركيين الى الانسحاب وهذه واحدة من مصادر القوة الأميركية في أرض السواد وهي واحدة من مصادر عجز الحشد الشعبي في أرض السواد.

لذلك، فإن تراجع أسعار النفط وخفض إنتاجه وما تسبّبوا به من انهيار اقتصادي بالاستفادة من الكورونا والتلويح بتقسيم العراق الى كيانات سنية وكردية وشيعية دفعت باتجاه هدنة مؤقتة لتمرير هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الأضرار.

لجهة لبنان فموضوعه مشابه، خصوصاً لناحية انهياره الاقتصادي المريع والانقسام الحاد بين قواه السياسية التي تتمحور بين الولاء للأميركيين والسعوديين وبين التحالف مع إيران وسورية.

ولأن الأميركيّين لا يمكنهم ترك بلد بأهمية لبنان يلعب فيه حزب الله رأس حربة المقاومة في الإقليم، والسماح لفوضى لن تؤدي إلا إلى خسارة الحلفاء اللبنانيين لأميركا وتراجع دورهم السياسي، فارتأت الدولة الأميركيّة العميقة أن التعامل مع حكومة حسان دياب من خلال الصندوق والبنك الدوليين والمؤتمرات الأوروبيّة هي لفرصة لتتوازن فيها مع القوة البنيوية العمودية لحزب الله في لبنان، وذلك في محاولة للتساوي معه في المرحلة الحالية وعرقلته في آجال لاحقة.

هكذا هو دائماً حال الدول البراجماتية النفعية التي تعطي كل مرحلة ما تستحق، والهدنة الأميركية في لبنان هي محصلة جهود بذلها حزب الله في قتال «إسرائيل» والإرهاب والدفاع عن الدولة السورية ما جعله مرهوب الجانب وقوياً الى درجة أن مهادنته في لبنان هي انتصار للطرف الآخر، لذلك فإن الأميركيين هم الذين نجحوا في إرجاء انسحابهم من العراق ويحاولون الإمساك بلبنان من خلال الصندوق الدولي، أما حزب الله فيعرف من جهته أن الأميركيين لا يوزعون هبات على أعدائهم، بل يهادنون بشكل مؤقت في محاولة لتكوين ظروف سياسية أفضل، لهم بالطبع.

والحزب بدوره يهادن من بعد ملحوظ ساهراً على حماية حكومة قد تكون هي الفرصة النموذجية للدفاع عن لبنان في وجه فوضى قد تؤدي الى تدمير الدولة وتفجير الكيان السياسي.

ألمانيا فعلتها: فمَن بعدَها!

د. عدنان منصور

لم يكن القرار الألمانيّ المنحاز، يوم 30 نيسان 2020، القاضي بوضع الجناح السياسي لحزب الله على لائحة الإرهاب، بعد أن اقتصر التصنيف في السابق على الجناح العسكري للحزب، مفاجئاً لمن يتتبع تطوّرات وملابسات هذا القرار الظالم، بحق حزب مقاوم للاحتلال والإرهاب. إلا انّ القرار الألماني يثير ويطرح بشكل مباشر وغير مباشر أموراً عدة، لا بدّ من تسليط الضوء عليها وأبرزها:

1

ـ مما لا شكّ فيه، أنّ الضغوط المتواصلة، الأميركية والإسرائيلية، واللوبيات الصهيونية العاملة بكلّ قوة داخل ألمانيا، ودول الاتحاد الأوروبي، لم تتوقف يوماً، ومنذ سنوات، من أجل حمل ألمانيا على اتخاذ إجراء صارم ضدّ حزب الله. فاليمين المتطرف المتمثل بنواب، وأحزاب، وسياسيين، وإعلاميين، كان يدفع باتجاه قرار كهذا. كانت الأجواء في الداخل الألماني، مهيّأة لتصبّ في هذا الإطار، خاصة أنه سبقت القرار مناقشة البوندستاغ ـ البرلمان الألمانيّ ـ للمرة الأولى، يوم 6 حزيران 2019، لمقترح تقدّم به حزب «البديل لأجل ألمانيا»، يطلب فيه فرض حظر على حزب الله اللبناني. أحال الحزب الطلب، الى لجنة الشؤون الداخلية والوطنية في البرلمان، لمزيد من النقاش وإبداء الرأي. وقد استند الحزب في طلبه، الى «أنّ حزب الله حزب شيعي إسلامي لبناني، يرفض حق إسرائيل في الوجود»، وأنه «ينشط في قتال مسلح إرهابي ضدّ إسرائيل»، وأنه «يشكل تهديداً للنظام الدستوري لألمانيا»، طالباً من الحكومة الاتحادية، إصدار الحظر وتنفيذه فوراً.

تجدر الإشارة، الى انّ وزير الدولة الألماني فيلز اينان، أعلن في شهر آذار عام 2019، لمجلة «دير شبيغل»، انّ حزب الله لا يزال مكوناً أساسياً في المجتمع اللبناني، وعبّر عن رفض ألمانيا إدراج الحزب في قائمة المنظمات المحظورة، ولو انّ الاتحاد الأوروبي وضع الجناح العسكري للحزب عام 2013 على لائحة المنظمات المحظورة.

2

ـ سبق لبريطانيا التي صنّفت الجناح العسكري لحزب الله، عام 2001 و2008 على لائحة المنظمات الإرهابية. ونتيجة لضغوط الولايات المتحدة و«إسرائيل» واللوبي الصهيوني عليها، اعتبر وزير الداخلية البريطانية، ساجيد جافيد، النائب عن حزب المحافظين الحاكم، وهو من أبرز وأشدّ داعمي وناشطي اللوبي اليهودي المعروف بـ «أصدقاء إسرائيل» (CFI)، ويكنّ عداء مكشوفاً ومطلقاً تجاه إيران وسورية وحزب الله، حيث كال في بيان صحافي له، اتهامات لحزب الله، بأنه يزعزع استقرار الوضع الهشّ في الشرق الأوسط، وأنه يصعب التفريق بين الجناح العسكري والجناح السياسي للحزب، لذلك اتخذ قراراً بحظر المجموعة كلها.

القرار البريطاني هذا، دفع بوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في شهر أيار، ليحثّ ألمانيا كي تحذو حذو بريطانيا في هذا المجال.

3

ـ تعوّل الولايات المتحدة، ومعها «إسرائيل» واللوبيات اليهودية في دول أوروبا، على تفكيك القرار الأوروبي الموحّد، الذي أدرج فقط الجناح العسكري لحزب الله على لائحة الإرهاب، مستثنياً الجناح السياسي للحزب. فالضغوط ستمارس بشدة، بعد القرارين البريطاني والألماني، على دول فاعلة ومؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي، كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وبولونيا، بحيث إنّ لحاق هذه الدول، بركب أميركا وكندا وهولندا، وأستراليا ونيوزيلاندا، وبريطانيا وألمانيا، في إدراج الحزب كله على لائحة الإرهاب، سيتيح الفرصة في نهاية الأمر للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كي تتبع السلوك البريطاني والألماني حيال الحزب، مما سيتيح المجال مستقبلاً للاتحاد الأوروبي، بأن يتخذ قراراً موحّداً وحاسماً في إدراج حزب الله كله بجناحيه العسكري والسياسي على لائحة الإرهاب. بذلك تكون الولايات المتحدة ومعها «إسرائيل»، قد حققت ما سعت إليه منذ سنوات.

4

ـ هناك موجة سياسية أوروبية عارمة، دأبت على إظهار تعاطفها مع «إسرائيل»، وعدائها المكشوف، حيال دول مشرقيّة مقاومة ورافضة لقوى الهيمنة، مركزة هجومها الدائم على إيران وسورية وحزب الله، وهي تهدف من وراء ذلك، إلى انتزاع قرارات حاسمة ضدّ هذا المحور، تحت غطاء ما يمكن للاتحاد الأوروبي ان يقوم به، من أجل تخفيض التصعيد والتوتر في الشرق الأوسط، وما يستطيع أن يفعله لتحقيق هذا الهدف.

في هذا الإطار، نظم مركز بروكسل الدولي، يوم 11 كانون الأول عام 2019، مع كتلة حزب الشعب الأوروبي، الداعم والمؤيد للكيان الصهيوني، ندوة سياسية في البرلمان الأوروبي، تطرّقت الى أبرز أزمات الشرق الأوسط، وتدخلات الدول الأجنبية فيها. علماً انّ مراكز الأبحاث والدراسات والمنظمات غير الحكومية، داخل البرلمان الأوروبي، لا تقتصر على تبادل المعلومات فقط، وإنما لتكون هذه المعلومات، أساساً لسياسات ومواقف يبلورها مستقبلاً البرلمان الأوروبي بقرارات يتخذها على المستويين الرسمي والسياسي.

كان من بين الحضور في الندوة، Marc Otte، رئيس مركز بروكسل الدولي للدراسات، والسفير الخاص لبلجيكا حول سورية، ودانيال كراندلر من مركز الدراسات في باريس، وغيرهم من الباحثين المختصّين في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وشؤون شبه الجزيرة العربية والعراق ومنطقة الخليج. وكانت هناك مداخلة للنائبة اللبنانية بولا يعقوبيان، عبر السكايب، بصفتها نائبة في البرلمان اللبناني، وصحافية، وعضواً ضمن الفريق الاستشاري الخارجي للبنك الدولي حول التنوّع والإدماج. ترأس الندوة النمساوي Lukas Mandl، الذي بدأ كلمته مطالباً الاتحاد الأوروبي بحماية وتعزيز أمن «إسرائيل»، معتبراً أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأنّ أمنها امتداد لأمن الاتحاد الأوروبي!

رأت النائبة يعقوبيان أنّ لبنان كان مسرحاً للقوى الإقليمية، وهناك أفرقاء يتصرّفون بالإنابة عن هذه القوى. ومنذ فترة وجيزة، شهدنا كيف انطفأ الدور السعودي في لبنان، وكيف أصبح لإيران تأثير أكبر في السياسة اللبنانية، وكيف أصبح لحزب الله سلطة أكبر في السياسة الداخلية. في السابق كانت سورية تتولى الشؤون السياسية الداخلية في لبنان، أما إيران فكانت تتطلع للقضايا الأكبر كالحرب مع «إسرائيل». أما اليوم، فـ إيران تتدخّل في الشؤون السياسية اليومية عبر حزب الله، الحزب الأكثر قوة على الساحة… ورداً على سؤال حول إمكانية تغيير النظام الطائفي، أجابت يعقوبيان: من الضروري كخطوة أولى، وقف النزاعات الطائفية في المنطقة التي تغذيها بعض الدول التي تتدخل في شؤون الدول العربية، ونذكر هنا إيران وتركيا. وأضافت، انّ «إسرائيل» تلعب اللعبة ذاتها. واعتبرت أنّ سياسات هذه الدول تنافي المصالح الوطنية الأوروبية والقيم الإنسانية، وتؤدّي الى تدمير العالم!

دانيال كراندلر، بدأ كلمته بتوجيه تحية الى النائبة يعقوبيان، على جرأتها في أن تكون موجودة في بيروت، وتتكلم علناً عن حزب الله، معتبراً أنّ مداخلتها سهّلت عليهم، وهم داخل الاتحاد الأوروبي، في قلب أوروبا، والحال ليس كما هو عندما تتحدث من بيروت.

من جهته، اتهم كراندلر إيران بإعادة تسليح حزب الله، في خرق واضح للقرار 1701، واعتبر أنه يستحيل إيجاد السلام، طالما إيران تلعب دور المفسِد من خلال دعمها لحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. واذا أردنا احتواء الحرب، فيجب احتواء إيران. لأنّ سياسة الاتحاد الأوروبي، الذي يتعاطى بليونة حيال الاتفاق النووي مع إيران غير مقبولة. كما دعا الاتحاد الى احتواء سياسة إيران وأذرعها، خاصة حزب الله الذي يهدّد بصواريخه المسيّرة «إسرائيل»، واعتماد ضربة استباقية تفضي لإدانة حزب الله على انتهاكاته الدائمة لحقوق الإنسان، وتدخله في الحرب في سورية، وتكديسه السلاح، تحضيراً لاستخدامه في ايّ حرب مقبلة مع «إسرائيل».

5

ـ انّ العمل على اتخاذ قرار موحد من قبل الاتحاد الأوروبي، تجاه حزب الله، سيوسّع مستقبلاً مروحة الدول المتربّصة بمحور المقاومة في المنطقة، وبالذات حزب الله. إذ سينضمّ الاتحاد الأوروبي، بعد ان تتهافت دوله على وضع الحزب كله على لائحة الإرهاب، الى مجموعة الدول التي سبق ذكرها، والتي سبقت بريطانيا وألمانيا في تصنيف الحزب، مما سيقوّي النزعة العدوانية للكيان الإسرائيلي، ويعطيه الضوء الأخضر للقيام بعدوان عسكري على لبنان، للاقتصاص من المقاومة، في ظلّ غطاء أميركي أوروبي واسع، مدعوم من دول حليفة وصديقة، بعد أن يستند فيها الجميع الى «شرعية القرار» الذي سبق للمجموعة الدولية ان اعتمدته، والذي يعتبر حزب الله إرهابياً، ويجب القضاء عليه، وإنهاء وجوده.

6

ـ ألمانيا التي كانت وسيطاً فاعلاً وموثوقاً في ملفات مهمة ومعقدة، وأبرزها ملف تبادل الأسرى مع العدو الصهيوني، نجدها اليوم بعد تصنيفها لحزب الله بالإرهاب، تزيل عنها صفة الحيادية والصدقية، وستربك العلاقات الثنائية اللبنانية الألمانية. إذ كيف ستتعاطى ألمانيا مع الدولة اللبنانية، بعد القرار المنحاز، وفي داخل حكومتها وزراء يمثلون الحزب الذي تعتبره إرهابياً؟! وهل ستكون الحكومة مطعّمة بالإرهاب وفقاً للمنظور الألماني؟! وهل سينظر إليها على أنها داعمة «للإرهاب» وراضية بوجوده ومنسِّقة معه؟! إنّ القرار الألماني الذي يصنف حزباً يحارب قوى الإرهاب في الداخل وفي المنطقة، ووضعه على لائحة الإرهاب، انما يخدم بصورة مباشرة وغير مباشرة، قوى الإرهاب الحقيقية ورعاتها وداعميها، والتي لقيت وتلقى الدعم المتواصل من دول غربية، تريد تفتيت دول المنطقة المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، والمتصدّية لنفوذ قوى الهيمنة والتسلط.

7

ـ إزاء القرارات المتتابعة ضدّ حزب الله، لا يمكن للدولة اللبنانية بعد اليوم أن تظلّ مكتوفة الأيدي، وتكتفي بتصريح من هنا، أو بأسف من هناك. لأنّ الحزب ركن أساسي، ومكوّن هام من مكوّنات الحياة السياسية اللبنانية، وهو إحدى الركائز الضامنة لاستقرار لبنان وسيادته. لذلك انّ القرار الألماني الأخير، له تداعيات سلبية على لبنان ودول في المنطقة، وتأثيره المباشر على الداخل اللبناني، وعلى العلاقات الثنائية بين البلدين، وأيضاً، على العلاقات الألمانية ـ العربية في المنطقة المشرقية، نظراً لما يمثله حزب الله من انتشار ومكانة كبيرة في المنطقة. ولدى شريحة واسعة من الشعب اللبناني، ودوره الرئيس في محاربته ومقاومته لقوى الإرهاب في الداخل والمحيط، ووقوفه بجانب الجيش في الدفاع عن لبنان وسيادته. لذلك، إنّ القرار الألماني لا يمسّ الحزب وحده، إنما يمسّ بالصميم الشعب اللبناني والدولة كلها، حيث حزب الله جزء لا يتجزأ منها، وكرامته من كرامتها، ولا يمكن فصله عنها في الأوقات الحرجة.

8

ـ لبنان، الذي هو أمام قرارات تطاله من خلال مكوّن أساسي من مكونات الدولة، لا بدّ له أن يقف وقفته الشجاعة. فإما أن يرضخ ويقبل بالقرارات الغربية المنحازة ومفاعيلها، وإما أن يبحث عما يحفظ ماء وجهه وكرامته وسيادته. فإذا كان يتوجّس خيفة من التداعيات والخسائر، فإنه لم يبق لديه ما يخسره. فالأبواب كثيرة، والأصدقاء كثر، إذ بإمكانه إقامة نوع من التوازنات والمعادلات في تعاطيه في علاقاته مع دول العالم الصديقة، بدلاً من اعتماده ورهانه على جهة واحدة، تريد ابتزازه، وممارسة الضغوط عليه، للسير في مشاريع سياسية ومالية واقتصادية وقانونية، تصبّ في نهاية المطاف، في صالح العدو «الإسرائيلي»، وصالح رعاته وداعميه.

فهل باستطاعة لبنان، اتخاذ قرار شجاع يحصّن من خلاله وحدة شعبه، ويجنّبه المزيد من الابتزاز والضغوط والتسلّط، أم اننا بانتظار قرارات أخرى مماثلة، تصدر لاحقاً عن دول تمرّ على اللبنانيين ودولتهم مرور الكرام!

*وزير الخارجيّة الأسبق.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ماذا بعد الانهزام السعوديّ؟

د. وفيق إبراهيم

الدور السياسي السعودي في محنة تاريخية للمرة الاولى منذ تأسيس المملكة بتعاون بين البريطانيين المستعمرين لجزيرة العرب وبين الحركة الوهابية وآل سعود في مطلع الحرب العالمية الأولى.

ما يؤكد عمق هذه المحنة وثباتها، تقارير عرضتها ثلاث مؤسسات أممية غربية هي الأعلى مكانة في العالم، جزمت فيها ان السعودية فقدت مكانتها الاقتصادية وهوت الى درجات الدول العادية.

كما جزمت أن خسائرها جراء انخفاض انتاج النفط وتداعيات جائحة كورونا قد تزيد عن خمسين في المئة.

المؤسسة الأولى هي صندوق النقد الدولي الذي اكد في تقريره الأخير ان الاقتصاد السعودي يذهب للمرة الاولى في تاريخ بلاده نحو خسائر بنيوية ويجد نفسه مضطراً للتقشف والدين.

بدورها مؤسسة ماكينزي العالمية جزمت في تقريرها بتراجع سعودي اقتصادي عميق يؤدي الى عدم استقرارها.

اما مؤسسة «موديز» لتقييم اقتصادات الدول فأسقطت الاقتصاد السعودي من درجة «أ» امتياز الى «أ» ناقص للمرة الأولى منذ ستينيات القرن الماضي.

بذلك يجمع خبراء الاقتصاد ان خسائر الاقتصاد السعودي قد تتعدّى الخمسين في المئة من موازنتها الحالية، هذا إذا حافظت العائدات الناتجة من مواسم الحج والعمرة والسياحة الدينية على مستواها الذي كان ينتج نمو 25 في المئة من الموازنة السعودية.

بدورها وزارة المال السعودية في تقريرها الأخير الذي تلاه وزيرها الجدعان دعا السعوديين الى التقشف وقرارات مؤلمة تتحضر الدولة لإطلاقها. معتبراً انها مرحلة ضرورية للتعامل مع جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط من 66 دولاراً للبرميل الواحد الى 26 حالياً، مع توقع المزيد من الانخفاض، كاشفاً ان الدولة مضطرة الى الإنفاق بسياسات تقوم على تلبية الأكثر أهمية وإلغاء كل ما يؤثر على الاستقرار.

لذلك فإن العالم بدأ منذ الآن بالتعامل مع «سعودية جديدة» اعترف وزير ماليتها انهم ذاهبون لتغطية إنفاق الدولة بنظام دين قد يزيد عن 60 مليار دولار سنوياً مع سحب قسم من الاحتياطات المالية السعودية الموجودة في الخزائن الأميركية وبعض مصارف اوروبا.

لا بدّ هنا من الاشارة الى ان الاقتصاد السعودي الناتج من النفط والعائدات الدينية، ووجود الحرمين الشريفين في مكة والمدينة المنورة، منحا الدولة السعودية دوراً سياسياً عالمياً نذر نفسه لخدمة الاهداف الاميركية في العالمين العربي والاسلامي وبعض انحاء افريقيا ومؤتمرات العشرين وسياسات الامم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية.

ما هي النتائج المتوقعة على دور آل سعود؟

لجهة الداخل فجزء منه يتعلق بأجنحة الأمراء السعوديين أنفسهم المعتادين على نيل حصص من الإنتاج النفطي ينالون عائداتها، وهؤلاء عشرات آلاف الأمراء من اكثر الفئات إنفاقاً في العالم على اليخوت والقصور وأندية كرة القدم الأجنبية والميسر العالمية والمكرمات والوجاهات.

هؤلاء يبدّدون حسب المعلومات الدولية نحو 15 في المئة من الموازنة من دون احتساب ما تتقاضاه عائلة الملك وولي العهد من موازنة تعتبر الأعراف انها ملك صرف لهم يأخذون منها من دون اي سؤال ومحاسبة ويستطيعون توزيع اي مبلغ منها على اي سياسيين من دول اخرى بومضة عين فقط.

اما الإنفاق على الداخل السعودي فيلبي قسماً من المؤسسات التشغيلية العامة ورواتب موظفين معظمهم لا يعمل والمكرمات لزعماء القبائل والرأي العام والرشى وتغطية نفقات جيش كبير غير فاعل وحرس وطني متخصص بالقمع الداخلي واجهزة مخابرات ونفقات تسليح وصيانة ومدربين أجانب ومرتزقة من دول آسيوية وعربية وتوزيع اموال على الإعلام الداخلي والعربي والعالمي.

هذا جزء داخلي من انفاقات آل سعود، اما القسم الخارجي فخطير جداً لأنه ينفق اموال السعودية على هدي الاجتياح الجيوبوليتيكي الاميركي للعالم، فتحضر السعودية كأمين خزنة يوزع المال حسب اوامر البيت الابيض واجهزته العميقة، لشراء حكومات الدول الاسلامية والافريقية خصوصاً مع ارضاء الدول الغربية بشراء سلع وسلاح لا تحتاجها السعودية كثيراً وبأسعار مرتفعة عن أثمانها الحقيقية. بالإضافة الى تمويل الإعلام العالمي لهدفين: تأييد السياسات الاميركية والنفطية على الأداء الهمجي لآل سعود في الاغتيالات الداخلية والخارجية.

يكفي أن هذا الاعلام المرتشي يتجاهل ان حقوق الانسان غائبة بشكل كامل عن دولة سعودية تصرّ على التموضع في القرون الوسطى. فلا نقابات فيها ولا جمعيات ومنظمات والاحزاب مجهولة في هذا الجزء من العالم، ووسائل الإعلام فيها المكتوبة والمسموعة والتلفزيونية لا تعرض إلا لما تصفه بانجازات آل سعود في بلادها والخارج!

هناك جانب أخطر يتعلق بتمويل الحروب السعودية على اليمن وتمويل منظمات الإرهاب استناداً الى اعترافات رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم الذي أقرّ أن الأميركيين كلفوا قطر والسعودية بتمويل منظمات سورية وعراقية، مضيفاً بأنه لم يكن يعرف أنها إرهابية على علاقة بالقاعدة!

هاتان الدولتان تواصلان حتى الآن توفير دعم كبير للإرهاب في ليبيا والسودان والجزائر مع الاستمرار بدعم داعش وحواملها في بلاد الشام والعراق.

للمزيد من الإضاءة فإن تمويل حربها على اليمن سواء بالمباشر على قواتها وجيش رجلها الرئيس المخلوع منصور هادي والمشاركات المصرية والسودانية والأميركية والبريطانية منذ خمس سنوات متواصلة، هذا الدور استنزف موازنة آل سعود ولم ينجحوا بتثبيت نفوذهم اليمني بل خسروه، مع اندلاع صراع عسكري بينهم وبين حلفائهم الإماراتيين على النفوذ في جنوبي اليمن.

هذا الوضع ذاهب الى تفجير كبير نتيجة للانخفاض الهائل بمعدل أكثر من 50 في المئة من موازنة السعودية مع عجزها عن اقتطاع أي قسم من احتياطاتها المالية الخارجية بسبب الرفض الاميركي والغربي المتراجع بدوره.

لذلك فإن الداخل السعودي لن يبقى مستقراً على مستوى العلاقة بين أمراء آل سعود أنفسهم وعلاقتهم بسكان دولتهم الذين نم يرضخوا لتقشف لم يعتادوا عليه.

كما أن هذا الخفض ينسحب على تراجع الدور السعودي في زعامة الخليج والى حدود الانقطاع مع دول عربية اعتادت على مساعداتها كمصر والأردن ولبنان والسودان، الى جانب تضعضع ادوارها في دول الاسلام الآسيوي والأفريقي. الأمر الذي يقلص الى حدود كبيرة دورها التاريخي الواسع.

فهل نحن عشية تحوّل السعودية دولة خليجية متواضعة؟

انها كذلك لفقدانها الجزء الأهم من أدوات تأثيرها، لكن هناك مَن يعتقد ان مملكة آل سعود لن تبقى حتى دولة متواضعة لأن الصراعات بين أجنحة الأمراء فيها خطيرة جداً، هذا بالإضافة الى ان حرمان سكان المملكة من الرعاية والخدمات يعمم الفقر ويؤدي الى انتفاضات واعدة.

هناك نقطة إضافية وهي ان الاسباب التي كانت تجعل الغرب الأميركي والأوروبي يوفر غطاء سياسياً كاملاً لحماية المملكة، لم يعد الآن مضطراً لتأمينها بسبب غياب المؤتمر المالي.

هذا يبرهن أن مستقبل السعودية كدولة كبيرة انتهى الى غير رجعة، ومسألة محافظتها على كيانها السياسي مرهونة بمدى الاندماج في سبيل بناء تحالف إسلامي يصبح جزءاً من القرن الحالي.

فيديوات متعلقة

«القرار الألماني بحق حزب الله جزء من الحرب الأميركية الإسرائيلية على المقاومة» نصرالله: لا نقبل تسليم رقابنا لصندوق النقد الدولي والخطة الحكومية بحاجة إلى تحصين وطني لتحقيق إنجاز

الحكومة اللبنانية مسؤولة عن اللبنانيين وما يتعرضون له في ألمانيا سنشارك في لقاء بعبدا وندعو إلى أوسع مشاركة فيه لا ننقل الدولار إلى إيران وسورية بل نجلبه إلى لبنان

اعتبر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن القرار الألماني بحق الحزب «هو جزء من الحرب الأميركية الإسرائيلية على المقاومة في المنطقة، لأنها ضد الإحتلال الصهيوني»، مؤكداً أن «حزب الله ليس له أي تنظيمات في أي بلد أوروبي أو في أي من دول العالم»، ورأى أن «الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة بحاجة إلى تحصين وطني لتحقيق إنجاز قريباً». وأوضح «أننا لسنا ضد مبدأ طلب لبنان مساعدة من أي جهة في العالم لكن لا نقبل تسليم رقابنا لصندوق النقد الدولي».

جاء ذلك في كلمة متلفزة للسيد نصرالله أمس، اعتبر فيها أن القرار الألماني بحق حزب الله كان متوقعاً وهو عبارة عن خضوع للإدارة الأميركية، بل هو جزء من الحرب الأميركية «الإسرائيلية» على المقاومة في المنطقة، لأنها ضد الإحتلال الصهيوني.

وأشار إلى أن «الالمان لم يقدموا أي دليل على وجود أنشطة في المانيا»، مؤكداً أن «القرار هو خضوع لأميركا وارضاء لاسرائيل، إضافة إلى ما يقال عن أن له خلفيات تنافس سياسي في الانتخابات الألمانية». ودان «إقدام الالمان على مداهمة بعض المساجد، والتضييق على بعض الأفراد»، واصفاً إياها بـ»المتوحشة».

وقال «لم يكن هناك أي داع لهذه الممارسات المتوحشة سوى تقديم أوراق الاعتماد للأميركيين»، ولفت إلى أنّ «حزب الله ليس له أي تنظيمات في أي بلد أوروبي أو في أي من دول العالم»، مضيفاً «اللبنانيون في ألمانيا أو في أي بلد هم من المؤيدين لمقاومة الإحتلال وهؤلاء ليس لهم أي علاقة تنظيمية مع حزب الله، وقد يكون لهم نشاطات دينية أو غيرها ضمن ما يقره القانون وهذا أمر آخر»، ولفت إلى أنه «منذ سنوات طويلة أدركنا أنه يجب ألاّ نضع أي لبناني في الخارج بعلاقة معنا كي لا نعرضه للخطر».

وقال «لا داعي للبنانيين في ألمانيا أن يقلقوا لأنهم لم يخالفوا القانون ويجب مواجهة هذه الإجراءات بالسبل القانونية»، معتبراً أن «الحكومة اللبنانية وفي مقدمها وزارة الخارجية، مسؤولة عن اللبنانيين وما يتعرضون له».

الخطة الإصلاحية نقطة للحكومة

من جهة ثانية، رأى السيد نصر الله أن «الخطة الإصلاحية للحكومة ورغم الإنشغالات الحالية تشكل نقطة تُحسب لصالحها»، مشيراً إلى أن «الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة خطوة أولى على الطريق»، وأضاف «الخطة بحاجة إلى تحصين وطني وهذا يمكّن الحكومة ومؤسسات الدولة من تحقيق إنجاز قريباّ».

وقال «سنشارك في اللقاء الذي دعا اليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وندعو إلى أوسع مشاركة فيه»، لافتاً إلى أن «لا مانع من نقاش الخطة بعد إقرارها والحكومة منفتحة على ذلك»، ودعا إلى «الابتعاد عن الكمائن السياسية من أجل مصلحة البلد».

وأوضح السيد نصر الله «أننا لسنا ضد مبدأ طلب لبنان مساعدة من أي جهة في العالم لكن لا نقبل تسليم رقابنا لصندوق النقد الدولي». وأضاف «لم يتم إعطاء تفويض لأحد بطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي ويجب مراجعة الشروط والخطوات المطلوبة»، مؤكداً أن «الحكومة لا تسلم البلد إلى صندوق النقد الدولي وهناك نقاش حول الخطوات والشروط».

لا نريد السيطرة على المصارف

وشدد على «رفض الاتهامات التي وجهت إلى حزب الله بالنسبة للقطاع المصرفي»، مؤكداً أنها «تهدف إلى التعمية». وقال «نحن لا نريد لا تدمير ولا إسقاط ولا السيطرة ولا الإنتقام من القطاع المصرفي ولم نقترب منه أبداً»، ورأى أن «القطاع المصرفي بالغ في الإجراءات بحقنا بالنسبة للمطالب الأميركية ووصل إلى حد العدوان علينا».

وقال السيد نصر الله إن «تصرف البنوك المذل مع المودعين هو من أسباب رفضنا لسياسة هذا القطاع»، لافتاً إلى أنه «في ظل الأزمة المالية والنقدية الحادة التي نواجهها فإن القطاع المصرفي لم يساعد الحكومة في مواجهتها».

وأشار إلى أن «القطاع المصرفي هو من أكبر المستفيدين من السياسات النقدية المتبعة في لبنان منذ سنوات» موضحاً أن «هناك أفكاراً أخرى مطروحة إذا لم يبادر القطاع المصرفي إلى مساعدة الحكومة في مواجهة الأزمة الحالية»، وأكد أن «الكلام عن أن حزب الله يريد السيطرة على حاكمية مصرف لبنان، مسخرة».

لا نغطي أحداً

وعن سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، قال السيد نصر الله «ليس لدى حزب الله أي نشاط صيرفة ولم نكلف أي مؤسسة أو فرد في الحزب ممارسة هذا النشاط»، ودعا الصرافين «إلى الالتزام بالقانون وإلى أن لا يكونوا جزءاً من لعبة لرفع سعر الدولار على حساب مجتمعهم ولا نغطي أحداً»، وأضاف «لا نقوم بجمع الدولار ولا نقوم بنقله لا إلى إيران ولا إلى سورية، ونحن نجلب الدولار إلى البلد ولا نسحبه».

وشدّد السيد نصر الله على أن «غلاء الأسعار والاحتكار مسؤولية الحكومة ووزارة الاقصاد وحدها غير قادرة على تحمل هذا العبء»، موضحاً أن «هناك تجاراً يمارسون الاحتكار والجشع ما يؤدي إلى غلاء الأسعار بالاضافة إلى فقد المواد وعدم ضبط الأسعار»، وأكد أنه «يجب أن تضع الحكومة خطة طوارئ لمواجهة غلاء الأسعار»، لافتاً إلى أنه «يمكن استدعاء موظفين لمساعدة وزارة الاقتصاد في ضبط الأسعار والاستعانة بالبلديات والتطوع ونحن جاهزون، ولا حجة لدى الحكومة ألاّ تكون جدية بضبط الأسعار».

وشدد على أن «موضوع الأسعار بات لا يطاق ولا يحتمل، والمترفون قد لا يحسون بأزمة غلاء الأسعار لكن كل البلد يصرخ منها ويجب أن يكون لها الأولوية المطلقة في عمل الحكومة والوزراء والمسؤولين»، وأضاف «حق الناس علينا أن يعرفوا ماذا فعلنا بملف الفساد وهذا سيُعرض بمؤتمر صحفي قريب»، وتمنى على «الكتل النيباية والقوى السياسية والناس إعطاء الوقت للحكومة ومهلة الـ100 يوم لا تكفي».

وأكد أن «العلاقة بين حزب الله وحركة أمل متينة وممتازة ونحن على تواصل دائم»، وقال «هناك أطراف داخلية وخارجية تسعى إلى ايجاد وسائل للشقاق بين حركة أمل وحزب الله وهذا الأمر لن يحصل»، معتبراً أن «على جمهور حركة أمل وحزب الله تقبّل أن الإختلاف في بعض القضايا وارد وعليه الحذر من أيادي الفتنة».

وقال «لو وافقنا على قانون زراعة القنب الهندي لكانت الصحف قالت حزب الله يشرّع الحشيشة في لبنان»، مشيراً إلى أن البلد يحتاج الى الهدوء والتعاون، وأضاف «نحن حريصون ألاّ يكون هناك توتر في البلد وندعو للهدوء في العلاقات الثنائية وإذا من كان من الممكن أن نساعد في أي موضوع فنحن جاهزون. لدينا الكثير لانجازه في الداخل وذلك يحتاج إلى أيادي ممدودة وعقول مفتوحة».

خطة الحكومة المالية الاقتصادية: ما لها وما عليها

ناصر قنديل

مقدّمة حول المنهجيّة والمحاور

تثير الخطة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية النقاش على الأصعدة السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية والاستراتيجية، ولا تأتي نتائج تقييم الاستقطابات التي تنشأ عنها في اتجاه واحد ما يجعل الموقف منها أشد تعقيداً، مما لو كانت تعبر عن وجهة منسجمة وعن سياق واحد في حركتها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والنقدية والاستراتيجية. فالواضح أن الخطة على الصعيد السياسي اللبناني ترجّح كفة الحكومة على معارضيها من القيادات السياسية التي توالت على الحكم ورسم خططه السياسية والاقتصادية والمالية لعقود مضت وأسست للانهيار، فهي تسقط الشعار المحوري لوصفتهم للحل الذي يواجهون الحكومة من ورائه، وهو الدعوة للتوجّه لصندوق النقد الدولي. وجاءت الخطة مفاجئة لهم في هذه الوجهة بعد اعتقاد طويل لديهم بأن حزب الله، على الأقل، لن يوافق على خطة هذه وجهتها، وليس مجرد التوجه للصندوق لعرض الخطة، بل اعتبار وجهة الخطة هي توفير شروط العمل مع صندوق النقد الدولي، بينما على الصعيد الاقتصادي فالخطة غامضة رغم تضمنها الكثير من العناوين التي تتحدث عن وجهات اقتصادية محددة، تركز على الطابع الإنتاجي، لأن الخطة كما هو واضح من بنيتها ومن سياق ولادتها التراكمي، تم بناؤها في خدمة وجهة محددة، هي مخاطبة صندوق النقد الدولي، وجرى إلحاق بنود اقتصادية بها جاءت انتقائيّة وغامضة، ويتوقف السير بها على حاصل المواجهات التي افتتحتها، وترتبط فعاليتها وحجم تظهيرها على تداعيات التفاوض مع صندوق النقد الدولي والصيغة النهائية للبيئة المالية والضرائبية والقطاعية والحمائية التي ستنتج عن حاصل هذا التفاوض، بينما على الصعيد المالي فقد عبرت الخطة عن توجهات واضحة في السعي لتوزيع الخسائر المباشرة للمرحلة السابقة بصيغة وضعت الأعباء الأساسية على الذين راكموا أموالهم بالاستفادة غير المشروعة من المال العام، سواء عبر أقنية الفساد السياسي أو المصرفي من خلال الصفقات المشبوهة أو من خلال الفوائد المرتفعة والهندسات المالية، ومنحت حيزاً مهماً لاستعادة الأموال المنهوبة والأموال المهرّبة، بينما بقيت الخسائر غير المباشرة وبعض من الخسائر المباشرة تصيب الفئات ذات الدخل المحدود سواء عبر ما تضمنته من سعي لتثبيت سعر للصرف يعادل ضعف السعر الرسمي لصرف الدولار، وصولاً لتحرير سعر الصرف، مع تثبيت الرواتب في القطاعين العام والخاص، واستمرار الغموض حول مستقبل تصرف المودعين بودائعهم، وجملة من الإجراءات التي تطال هذه الفئات في الصناديق التقاعدية وسواها، وهذا ما جعل مضمونها الاجتماعي تفقيرياً للبنانيين، رغم عدالة الإفقار، الذي سيصيب أصحاب الودائع المتوسطة والصغيرة، كما سيصيب أصحاب الرواتب، والقدرة الشرائية لليرة اللبنانية، ويرفع نسبة المستفيدين من صناديق المعونة الاجتماعية، أما على الصعيد النقدي ففي الخطة من جهة مسعى واضح لتحجيم الدور المتغوّل لمصرف لبنان، ومن جهة سعي مرتبك في التعامل مع سعر الصرف وكيفية التفاعل مع كل سيناريو مفترض، لتحرير تدريجي في سوق الصرف، ويبقى أن الوجهة الاستراتيجية للخطة هي إبقاء لبنان خط اشتباك حول مفهوم السيادة مع تسجيل نقاط تراجع واضحة على هذا الصعيد، لأن الخطة من جهة جعلت نجاحها وفشلها مرتبطين بالتفاهم مع صندوق النقد الدولي، وما يعنيه من الوقوع تحت الوصاية المالية الخارجية مهما قمنا بتلطيف المصطلحات، ومن جهة مقابلة حددت ثوابت سيادية ستكون موضوع تفاوض مع صندوق النقد، ولا نعلم الحصيلة لجهة القدرة على الثبات في رفض المساس بالثروات السيادية التي تحدثت الخطة عن تجميعها في صندوق سيادي، ليس معلوماً كيف ستنتهي وجهته في نهاية الطريق، عندما يصير القبول بالتعاون من طرف الصندوق الدولي مشروطاً بوجهة تقتضي التنازل عن هذه الثروات وبيع أصولها، تحت شعار الخصخصة الشاملة التي يتمسك بها الصندوق، كمثل الكثير من القضايا التي يتوقف عليها سيادياً مستقبل الحديث النظري عن تطوير قطاعات الإنتاج، سواء دعم القمح ولاحقاً العودة للشمندر السكري وحماية المنتجات الوطنية وتخفيض الاعتماد على المستوردات، وهي قضايا منهجية معاكسة لوجهة تعامل الصندوق معها.

الاقتصاد أولاً ثم المال والنقد

ترتكز الخطة على منهجية تقلب الأولويات، فجعلت الميدان المالي مسرحاً لعملها، وجاء الاقتصاد ليشكل بنوداً تجميلية، ومقتطفات انتقائية تكميلية، بينما لا حاجة للشرح بأن الاقتصاد يشكل الأساس الذي تبنى عليه الخطط المالية، فالخطة لم تجب على السؤال الرئيسي الذي تبنى عليه كل محاولات النهوض أو الترميم بعد الأزمات في كل دول العالم، أسوة بما فعلته بعثة إيرفيد في مطلع الستينيات في عهد الرئيس فؤاد شهاب وبعثة باكتيل في مطلع التسعينيات ورسم السياسات التي بقيت حتى اليوم بعدما أطلقها الرئيس رفيق الحريري، والسؤال هو ما هي الوظيفة الاستراتيجية اقتصادياً للبنان في الاقتصادين الإقليمي والدولي، وفقاً للمعطيات القائمة، بعد تشريح عناصر الخلل التي أصابت الوظيفة السابقة والتي نشأت الأزمة وتفاقمت بفعلها في ظل النظام الاقتصادي والمالي الذي كان قائماً وقادراً على تخطي أزماته من داخله قبلها، ومن خلال هذا البحث العلمي إعادة ترتيب القطاعات والأولويات، فأن يكون اقتصاد البلد قائماً على تخديم الاقتصاد الخليجي ليس نقيصة، عندما يكون ذلك كفيلاً بخلق فرص العمل وتأمين تدفق الأموال، وتحقيق التوازن المطلوب في ميزان المدفوعات، ولو استدعى ذلك تضخماً في القطاعات الريعية على حساب القطاعات الإنتاجية، وجعل المصارف أكبر من الدولة والاقتصاد، وطبيعي عندها أن تكون السياسة الضرائبية للدولة في خدمة هذه الوظيفة، ومثلها السياسات الجمركية، وطبيعي أيضاً أن ترتبط بهذه الوظيفة حركة الأوزان بين القطاعات وأهميتها من جهة، وبين الكتل السياسية وأدوارها وأحجامها من جهة موازية، والخطة لم تقارب هذه المسألة لا من قريب ولا من بعيد. فلبنان الذي لعب هذا الدور اقتصادياً قبل الحرب الأهلية ودخل المرحلة الانفجارية اقتصادياً واجتماعياً في ظل تداعيات خسارة هذا الدور مع نمو كل مفاصل قطاع الخدمات الخليجي المنافس والموازي، مصرفياً وتجارياً، أعاد تعويم هذا الدور بعد الحرب وعلى مدى عقدين حتى عام 2010، بقوة تبادل ريعيّ بين تعويم قطاع الخدمات والمصارف والعقارات في لبنان، مقابل دور سياسيّ وأمنيّ للخليج، بات مهماً إقليمياً ودولياً بنظر أصحابه ويستحق هذا الاستثمار المنخفض السعر مقارنة بعائداته، للمخاطر التي كشفتها الحرب لانفلات الوضع في لبنان من جهة، ولصعود المقاومة كقوة إقليمية يجب العمل على احتواء حركتها من جهة موازية. والواضح أن خلاصات التجارب والتطورات الإقليمية قد أدت إلى إعادة النظر بهذا التوظيف، بعدما صارت كلفته مرتفعة بفعل تراكم الديون وارتفاع الفوائد ومحدودية النتائج، وظهور نظريات العقوبات والعزل كبديل دولي وإقليمي لفرض السياسات بدلاً من سياسات الانخراط والتسويات والاحتواء، وبالتوازي ضمور القدرة الخليجية على التمويل بفعل الأزمات المتلاحقة لسوق النفط والاقتصادات العالمية، وفي عالم ما بعد كورونا سيكون الأمر بحاجة لمزيد من التدقيق حول جدوى إعادة الاستثمار على إحياء الدور التبادليّ ذاته، ولو تم تخفيض الكلفة وتحجيم التضخم في أحجام قطاعات كالمصارف والعقارات، ومعها تخفيض مستوى المعيشة من بوابة تحرير سعر الصرف، وعرض قطاعات اقتصادية سيادية في السوق، وإذا كانت هذه هي الوجهة المضمرة للخطة فيمكن مناقشتها من هذه الزاوية، ومقاربة درجات الجدوى والمخاطر. وهو أفضل من أن تكون الخطة قد تجاهلت هذا الأمر الحيوي والتأسيسي لأي خطة، وما يجب أن يجيب عليه واضعو الخطة هنا هو: هل يقومون بترشيق أرقام الدولة والاقتصاد لعرض تبادلي جديد مع الاقتصاد الخليجي والدولي، من بوابة الرهان على أن الاستقرار في لبنان حاجة دولية وإقليمية، ما يستدعي تمويل لبنان لمنع الفوضى، ويعتقدون أن المشكلة هي في الكلفة المرتفعة بسبب تراكمات العقدين الماضيين، حتى عام 2010، عندما بدأ ميزان المدفوعات يدخل الاختلال السلبي التراكمي؟ وفي هذه الحالة يجب التحدّث في السياسة عن ماهية شروط هذا الدور، سواء بنظر الخارج الغربي والخليجي، أو بنظر القوى المعنيّة في الداخل، وفي طليعتها المقاومة، واللافت أن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يشكل نقطة تقاطع مصلحية مع الغرب يبدأ من مستقبل وجود النازحين السوريين، وقد غاب كلياً عن الخطة إلا لجهة تظهير أرقام كلفة النزوح السوري على الاقتصاد. وهو ما كان يستدعي جعل التركيز على طلب تمويل موازٍ لهذه الكلفة وفتح الباب لتعاون دولي إقليمي مع لبنان لتسهيل عودة النازحين وتمويل هذه العودة، بما يتضمنه ذلك من تمويل وتغطية لتعاون حكومي لبنان سوري، خصوصاً أن الأبعاد السياسية الأخرى ذات المترتبات الأمنية لا تبدو مواضيع تفاوضية تنتج التسويات، خصوصاً ما يتصل بدور المقاومة، على الأقل في ظل التوازنات والسياسات الراهنة لكل من دول الخليج والدول الغربية.

إذا لم تكن الخطة قد أجابت افتراضياً على سؤال الوظيفة الاستراتيجية للاقتصاد اللبناني في الإقليم والعالم، بالسعي لتجديد الدور التبادلي المالي السياسي، بكلفة أقل، فهي مجرد ورقة مالية بنيات اقتصادية طيبة بلا خطة، تتكرّر فيها كلمات الريعي والإنتاجي بعيداً عن أي تصور عملي مدرك، لنتائج تغييب الإجابة عن سؤال الدور والوظيفة، المفترضين للاقتصاد اللبناني في الإقليم والمنطقة، وإذا كان الدور الريعي السابق قد تراجع كثيراً وظروف إعادة إنتاجه معقدة ومؤجلة، والتفكير جدّي برسم دور مختلف، فقد وقع أصحاب الخطة بهندسة مالية عكسية لهندسات مصرف لبنان التراكمية، لكن لحساب الدور الريعي نفسه، فغاب كلياً عن الخطة أي توصيف لدور اقتصادي جديد يلعبه لبنان في المنطقة والعالم ترتكز عليه الخطة وأولوياتها وتخدم تحقيقه أرقامها، وربما لو حضر هذا الفهم بالحجم والقوة اللازمين، لتغيرت معه الكثير من معالم الخطة وتوجهاتها، ولن يكون صعباً وضع اليد على عناوينه الرئيسية بمجرد مقاربة الجغرافيا الاقتصادية، التي تضع لبنان في قلب حضن سوري عراقي مفتوح على خطط إعادة الإعمار ومتطلباتها، وخطط نهوض اقتصادي يملك لبنان الكثير لملاقاتها، وساحتا العراق وسورية تملكان مقدرات نفطية وإنتاجية تتيح تبادلاً عالي القدرة على تحقيق فوائض وسد احتياجات، يكفي التذكير من بينها بأنبوب النفط الذي يربط كركوك العراقية بطرابلس اللبنانية عبر الأراضي السورية، وبخط عصري لسكك الحديد الافتراضي بين مرفأ بيروت وبغداد، ونتائج اعتماد تسعير ثنائي للعملات الوطنية بين المصارف المركزية وما سينتج عنه من تبادل هائل لا يؤثر على ميزان المدفوعات، ولم يكن غياب هذه الرؤية التي يرتبط بها كل حديث عن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، مجرد صدفة أو نتيجة عدم انتباه.

في السياق المنهجي ذاته لأولوية الاقتصاد والبحث بمحاوره وعناوينه، يرد خلل الميزان التجاري كعامل ضغط على ميزان المدفوعات. وقد تحدثت عنه الخطة كثابت يفسر مصادر الضغط على العملة الوطنية، لكنها تجنبت الخوض في الأهم، وهو كيفية خفض تأثيراته السلبية وتحويلها إلى إيجابية. فتخفيض فاتورة الاستيراد يبدأ من الفاتورة النفطية المتضخمة باعتماد اتفاقات تبادل النفط الخام بالمشتقات المكررة، عبر الاستثمار على موقع لبنان الجغرافي على البحر المتوسط، وهو ما أدركه العالم مبكراً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أنشأ خط التابلاين الآتي من السعودية وخط الآي بي سي الآتي من العراق، وإنشاء مصفاتي الزهراني وطرابلس في نهاية كل منهما، وفي فاتورة الاستيراد المتضخمة، ما كانت تنتجه الصناعة اللبنانية من ملابس ومواد غذائيّة واستهلاكية، فلبنان يستهلك من الألبان والأجبان والعصائر التي كان يصدرها في الماضي مستوردات من الخليج تزيد عن مئتي مليون دولار سنوياً، وكل الصناعات الوطنية تقريباً تمّ تدميرها خلال العقود الماضية بفعل السياسات الريعية كأولوية، ولا تعيد إحياءها إلا سياسات جمركية وتسهيلات ائتمانية. وبالمناسبة يلفت كل خبير اقتصاديّ كيف لم يلتفت من وضعوا الخطة إلى أن الدور الذي لعبه لبنان واقتصاده بالنسبة للخليج في الستينيات والسبعينيات، ولاحقاً في عقدي ما بعد الطائف، هو الدور الواعد ذاته للبنان تجاه سورية والعراق، بما في ذلك كسوق للمنتجات والخدمات والسياحة والمصارف والعقارات والمستشفيات والجامعات وسواها.

تضخيم الخسائر أم إعادة الرسملة

ثمة أكثر من وجهة علمية لقراءة أرقام المالية اللبنانية، سواء مالية الدولة، أو مالية مصرف لبنان ومالية المصارف، وفي بعضها المتطرف، والخطة تنتمي لهذا البعض، تكون عملية احتساب الخسائر، هي الغالبة، فيصير إسقاط الخسائر بمبادلتها محاسبياً بالموجودات، فتبدأ الخطة بموجودات المصارف وهي راسمالها وعقاراتها، ثم موجودات مصرف لبنان، وهي رأسماله وسنداته وصولاً للذهب في النهاية حتى لو تجاهلته الخطة، وانتهاء بالدولة التي تنشئ لها الخطة صندوقاً سيادياً يضم موجوداتها، بقي الغموض يلف مصيرها فيه. ويبقى السؤال عن موجودات المودعين الذين تعرض عليهم الخطة أسهماً في ملكيات المصارف التي تقارب حال الإفلاس بديلاً عن ودائع لا ينتمي أغلب أصحابها إلى نادي الذين استفادوا بشكل غير مشروع من المال العام، ومن طرائف الخطة هنا احتساب الخسائر بالليرة اللبنانية فتصل إلى أكثر من مئتي تريليون، واحتساب المطلوب بالدولار، ليظهر أنه عشرة مليارات فقط، وعدا طرافة وحدتي الاحتساب ليظهر تريليون مقابل مليار يصير السؤال، إذا صح الرقم الأول فكيف للرقم الثاني أن يصح والعكس صحيح، وهذا ما تهربت الخطة من شرحه اعترافاً ضمنياً بهذا التناقض، بينما وفقاً لتطرف معاكس نؤمن بصحته، يمكن لحساب الخسائر أن يصل إلى أقل من ربع الرقم المحتسب للخسائر، إذا بدأ بالعكس، أي من ترسمل الدولة بتثبيت عدم الاستعداد لوضع ملكيتها لأصولها وموجوداتها قيد البحث والتفاوض، والانتقال إلى تحويل استثمار حقوق الدولة بما فيها تلك غير المستثمرة إلى شركات رأسمالية تمنح بموجب قوانين امتيازات استثمار لا تمسّ الملكية، لمدد زمنية تتراوح بين 10 سنوات و25 سنة و49 سنة، وتقييم أسعار أسهمها وفقاً لمداخيل محققة في المعدل الوسطي لدخل السنوات العشر الماضية، بالنسبة لشركات الحقوق المستثمرة كالاتصالات والمرافئ والمطار وشركتي الميدل إيست والكازينو، وتصويب وضع شركة الكهرباء قبل إعادة تقييمها، وتقييم القيمة التأجيريّة لشركة استثمار الأملاك العقارية للدولة بالأسعار الرائجة، كعائد سنوي محقّق يفترض أن يعادل 10% من رأسمالها إذا منحت حق الاستثمار لـ 49 سنة، والتفاوض مع شركاء استراتيجيين في كل من هذه الشركات لتولي إدارتها لقاء نسبة مئوية من عائداتها، بعد تقييمها من شركات متخصصة، ومن ثم مبادلة نسبة من الأسهم تعادل نسبة من ديون مصرف لبنان على الدولة، بعد شطب ما يجب شطبه من هذه الديون الدفترية التضخمية، ليتولى مصرف لبنان مبادلة موازية للأسهم لقاء السندات وودائع المصارف، مع هذه المصارف بعد إعادة تقييم للفوائد المستحقة والمدفوعة لعشر سنوات مضت على الأقل وبعد إعادة الأموال المهرّبة وضمها، لتقوم المصارف بدورها بوضع هذه الأسهم التي حصلت عليها وموجوداتها العقارية ورأسمالها وأسهمها في سلة موازية أمام كبار المودعين لمبادلة نسبة من ودائعهم، بعد حسم ما يلحق بهم من فوائد، على أن تجري كامل هذه العملية بإشراف لجنة مختصة مالية قضائية، خلال مدة سنة، تنتهي بترسمل ماليّ للقطاع المصرفي، وبتحرير الودائع، وتنتهي معها عملية التحقيق والتدقيق في الحسابات المشكوك بعلاقتها بالفساد والحصول على المال العام بطريقة غير مشروعة على يد لجنة موازية، فنصل إلى معادلات مالية لقيمة الخسائر الصافية فيها لا تتعدى 20 مليار دولار، يمكن استيعابها في عملية إعادة الترسمل خلال سنوات قليلة، يتم توزيعها على عملية هيكلة الديون المتبقية بسندات جديدة، يتحمل وجودها الاقتصاد، وتتحملها المالية العامة، بالتوازي مع هيكلة الديون الخارجية بأسعار شراء جديدة وأسعار فوائد جديدة، ربما يكون قيام المصارف التجارية بها هو الأنسب بدلاً من الدولة. ومن المفيد لفت النظر إلى أن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي يبدأ بدفع المصارف للانتقال من الاستثمار في مداخيل ريعية مع الدولة إلى الاستثمار الإنتاجي في قطاعاتها. وهذا معنى التشركة القائمة على حفظ ملكية الدولة لأصولها وموجوداتها، ونقل الضوابط المصرفية إلى إدارة هذه الاستثمارات.

إن مالية الدولة المحملة بديون لا تتعدّى 20 مليار دولار بفائدة لا تتعدّى وسطياً الـ 5% بين سندات الليرة والدولار، ستكون قادرة على سداد خدمة دين تبدأ استحقاقاتها بعد خمس سنوات، قيمتها لا تتعدّى مليار دولار سنوياً، يكون الاقتصاد خلالها قد انطلق في محاوره الجديدة، وتكون فاتورة الاستيراد قد تقلصت إلى النصف، وفاتورة النفط قد تمّ تدويرها في عملية إنتاجية ترتبط بالنفط الخام والمصافي، وتكون مستوردات العراق وحدها تكفلت بمضاعفة عائدات مرفأي بيروت وطرابلس، وخطوط سكك الحديد بين لبنان وسورية والعراق قد تكفّلت بتحقيق ديناميكية تسويقية تبادلية للبضائع والخدمات من خارج التأثير على ميزان المدفوعات سلباً، وغير هذا الكثير الكثير ما يمكن قوله ويجب قوله.

أولويّة الرواتب وفرص العمل والصحة اجتماعيّاً

على الصعيد الاجتماعيّ ركزت الخطة على عاملين: واحد إيجابي وهو الابتعاد عن التفكير بزيادات ضرائبية على الطبقات الفقيرة، وواحد سلبي وهو استبدال التفكير بمصير الرواتب وفرص العمل بالتركيز على صناديق المساعدات، خصوصاً أن السياسة النقدية التي تجاهر بالسعي لتحرير سعر الصرف، رغم تأجيل الأمر في القرار التنفيذي، ستتكفل بزيادة نسبة البطالة وتآكل القدرة الشرائية، ما يجعل الغائب الأكبر عن الأرقام الكثيرة التي وردت في الخطة، هو الإجابة عن سؤال حول نسبة البطالة المتوقعة للسنوات الخمس للخطة بمؤشر قياس مرافق لما تضمنته من مؤشرات موازية، ومثله مؤشر لمتوسط الدخل وقدرته الشرائية بالأسعار الجارية مقارنة بخط الفقر. وقد تفادت الخطة بغير وجه حق الحاجة لتصحيح تدريجي للأجور سنوياً على الأقل بنسبة 25% لخمس سنوات ستكون حصيلته تعويض طويل الأجل لانخفاض فوري في القدرة الشرائية في السنة الأولى بـ 100%، وهذا ما يؤكد الطابع المالي الطاغي على الخطة، وافتقارها لمنهج اجتماعي يقف في خلفية تفكير واضعيها، يعتبر أن الأصل في كل خطة هو المواطن اللبناني، وليس النجاح في تقديم عمل محاسبي فقط، فتلك مهمة المدقق المالي بعد أن ترسم الحكومة خطتها المبنية على استهداف رئيسي هو الإنسان. ومعلوم أن البعد الاجتماعي للخطط الاقتصادية يرتسم بمعادلات ومؤشرات، أولها نسبة البطالة وثانيها مستوى الدخل والقدرة الشرائية وثالثها الضمانات وفي مقدمتها الصحة، خصوصاً أن تجربة الحكومة أظهرت أهمية القطاع الحكومي الاستشفائي مقارنة بالقطاع الخاص في مواجهة كورونا، كما أظهرت حجم التضخم المفتعل في الإنفاق الصحيّ وما يرتبه على الدولة، عبر فوضى القطاع الخاص وفساد بعضه الكثير سواء في سوق الدواء أوالاستشفاء.

ديناميكيّة الخطة مؤشر إيجابيّ

تمتاز الخطة بديناميكيّة ستنجم عن إطلاقها، تمنحها الحق بطلب فرصة، فهي ستفتح مواجهة بموازين قوى جديدة مع القوى السياسية المعارضة التي تشكل المسؤول الرئيسيّ عن بلوغ لبنان مرحلة الانهيار، وتتعهّد بفتح ملفات الفساد، وستفتح مواجهة واضحة مع المصارف التي تتحمل مسؤولية كبرى في تفضيل الجشع الريعي على المسؤولية المهنية عن الودائع وعناصر أمان استثماراتها، وتضع مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي أمام اختبارات، وتتيح استكشاف حجم التمسك الدولي والإقليمي بالاستقرار اللبناني، ومن خلال ذلك تظهير حجم الاستعداد لتمويل هذا الاستقرار وبأي شروط. وهنا سيكون لحجم التمويل المعروض ونوعية الشروط قيمة أساسية اختبارية، لكن سيبقى موضوع الصندوق السياديّ لموجودات الدولة موضوع معركة كبرى، ستظهر خلاله نيات وتوجهات مكوّنات الحكومة في التعامل مع هذه القضية السيادية المركزية. وهذا يدعو لفتح العين من موقع القبول بمنح الفرصة للحكومة وخطتها لاختبار الفرص والخيارات، ورسم التوازنات السياسية والمالية داخلياً وخارجياً، لكن على قاعدة الحذر والتحسب الدائمين، والاستعداد لجعل البعد السيادي لملكية الدولة لأصولها الخط الأحمر الذي يجب أن تسقط عنده أي إيجابية واستعداد تجاه التعامل مع صندوق النقد الدولي، سواء داخل الحكومة أو في مجلس النواب أو في الشارع.

سيناريوات دياب الافتراضيّة والخطة الاقتصاديّة

ناصر قنديل

غالباً ما يرغب المحللون والمعلقون بربط ميزات وأساليب القادة السياسيين بعادات اكتسبوها من تخصص علمي أو هواية أو نشأة ثقافية واجتماعية، كما يحاول علماء علم النفس الاجتماعي ربط منظومة قيم الشعوب وذاكرتها الجمعية بتاريخها الثقافي والاقتصادي، كالحديث عن علاقة الأسلوب الإيراني في إدارة الوقت والسياسة والحرب على طريق حائك السجاد، وعلاقة المنظومة الأميركية المقابلة بذهنية وقيم لاعب البوكر والبورصة، ومثلها صار سائداً في حديث الصالونات السياسية اللبنانية ربط صرامة وعناد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بنشأته العسكرية، وربط نظرته لإدارة الموارد والمناورات وتحديد الخيارات بتمرّسه بمواقع قيادية عسكرية ميدانية وصولاً لقيادة الجيش في زمن الحرب. وهكذا لا يمكن فصل نهج الرئيس سعد الحريري ومثله الرئيس نجيب ميقاتي عن تاريخهما وحاضرهما كرجلي أعمال، وارتباط أسلوب كل منهما في التفكير بمعادلات ربح وخسارة، واختلافهما بين ذهنية المقاول ورجل البورصة، كذلك لا استبعاد تأثير عقلية المصرفي عن خلفيات الرئيس فؤاد السنيورة ومقارباته، وأساليبه المتعددة الطبقات، كدفاتر المحاسبة المتعددة، مقابل تشبّع أسلوب الرئيس تمام سلام بالخلفية البيروتية التقليدية التي اختصرها والده الراحل صائب سلام بشعار التفهّم والتفاهم.

المثال الذي يروج استعماله في توصيفات السياسة أكثر من سواه، يطال الرئيس نبيه بري كلاعب سنوكر، وطريقته في توجيه الرسائل بضرب طابة ليصيب طابة أخرى، ويريد المثال أكثر من اختصار نباهته وذكائه من خلال هذا التوصيف، لشرح تقنيات تعبيره عن هذا الذكاء وهذه النباهة. ومثله سيحضر في مقاربات قادمة كثيرة الحديث عن تأثير أستاذية الدكتور حسان دياب في علوم البرمجيات والكمبيوتر، على أدائه السياسيّ، وإدارته للملفات، وتعامله مع الأزمات، وهو قد كشف بعضاً منها في لغته المستخدمة لدى حديثه عن وباء كورونا يوم أمس، عندما قال إن برنامجاً تنبؤياً روبوتياً متطوراً قد تم اعتماده في رسم السيناريوهات الافتراضية المختلفة لحالات تفشي الوباء، ومن يقرأ الخطة الاقتصادية والمالية سيجد فيها إشارة واضحة لأكثر من سيناريو، يعرف الذي يعرفون أساتذة علوم الكمبيوتر والبرمجيات أنها عندهم ثقافة ونمط سلوك، فيستغرب البعض مثلاً كيف ينتقل الرئيس دياب في موقفه المتشدّد من شروط عودة المغتربين حتى حدود الإيحاء بمعارضته للمبدأ، إلى مشرف دقيق ومتحمّس على العودة، وفقاً للشروط المتشددة. وهو قام بالأمر بطريقة باردة، بحيث إنه لم يكن يمانع بالتوصل لتفاهم على تأجيل الملف، وفقاً لسيناريو رقم واحد، والسير بالعودة ضمن شروط متشددة وفقاً لسيناريو رقم إثنين وربما هناك سيناريو رقم ثلاثة لم يحتج لبحثه وتظهيره. كذلك في قضية التعيينات المالية، فقد تنقل بين سيناريو رقم واحد وهو آلية متقدّمة للتعيينات، وسيناريو رقم إثنين لتعيينات واقعية تلبي الشروط المعقولة ويمكن تمريرها، وربما انتقل إلى السيناريو رقم أربعة وهو سحب البند عن جدول الأعمال، عندما اجتمع التعسر مع مواصفات دون المقبول، وبقدر ما يشهد مفاوضوه لعناده عند وضع أي سيناريو على الطاولة، يستغربون سرعة انتقاله لسيناريو جديد عند التيقن من الطريق المسدود، وقد حدث هذا بوضوح في مفاوضات تشكيل الحكومة وعدد الوزراء.

سيكون من الصعب مناقشة الخطة الاقتصادية المالية للحكومة دون فهم ذهنية أستاذ البرمجيات والكمبيوتر، وروبوتات التنبؤية المستقبلية للفرضيات، كبرمجيات حديثة في علوم الإدارة. فالواضح من الصيغة التفصيلية للخطة، أنها تضمنت مبادئ وأهدافاً وقواعد، مبنية وفقاً لغرضية بلوغ نقطة التوازن بين معادلتين، الأولى مراعاة الضوابط والشروط للمتحفظين على التوجه لصندوق النقد الدولي وفي مقدمتهم حزب الله، والثانية الحرص على جعل هذا التوجّه نحو الصندوق مقصد السيناريو الأول، والتمسك بالشروط والضوابط لا يستطيع أحد الاعتراض عليه، لا في الداخل ولا في الخارج، رغم وضع مقاربات قاسية لملفات أخرى مالية ومصرفية ومقاربات نوعية لملفات اقتصادية واجتماعية، علماً أن أسلافه في رئاسة الحكومة كانوا سيتخلّون عنها سلفاً تحت شعار أنها لن تحظى بقبول الصندوق، لكن الرئيس دياب يقارب هذا الخيار كسيناريو أول، محققاً نتائج فورية من خلاله قبل ظهور النتائج بقبوله أو رفضه أو طلب تعديله من قبل الصندوق، والسيناريو مصوغ بطريقة تضعه بين القبول وطلب بعض التعديلات، وأبرز نتائج مخاطبة صندوق النقد وفق الخطة ستكون فتح الباب لمفاوضات جانبية ملحّة مع ثلاث جهات، الأولى هي الدائنون، والثانية هي فرنسا المتحمّسة لفتح ملف سيدر، لكن بعد مخاطبة الصندوق، والثالثة هي جهات عربية أعربت عن رغبتها بالمساعدة وطلبت البدء بمخاطبة الصندوق بخطة مهنية وجدية.

النتيجة السياسية أن الخطة ستسقط الكثير من أوراق الخصوم السياسيين للحكومة، من دون إسقاط روحية الضوابط التي ترفض بيع أصول الدولة، وترفض فرض ضرائب جديدة وأعباء إضافية على الفقراء، وتحمل المصارف ومصرف لبنان وكبار المودعين الذين استفادوا من الفوائد المرتفعة، والسياسيين والمقاولين الذين أثروا بطريقة غير مشروعة من المال العام، أعباء أساسيّة في عملية توزيع الخسائر. وسيشهد اجتماع بعبدا الذي دعا إليه رئيس الجمهورية لمناقشة الخطة صعوبة صياغة خطاب معارض من قيادات دأبت على الدعوة للتوجّه نحو صندوق النقد الدولي، وربما سيدعوهم دياب لمساعدته في إقناع الجهات المانحة بعدم إسقاط التوجّه للصندوق وفقاً للخطة، لأن السيناريو رقم إثنين أشدّ قسوة، وهم خلال شهور يخوضون حرباً افتراضية عنوانها أن حكومة دياب لن تجرؤ على التوجّه للصندوق، وها هي تفعل ذلك فماذا عساهم يقولون؟

ربما سيتكفل الفرنسيون بشرح الموقف لحلفائهم الأميركيين ومن خلالهم لصندوق النقد، ولحلفائهم اللبنانيين، بأن ثمّة سيناريو مرعباً ينتظر الانهيار كفرضية ومعها تعميم الفوضى التي تطل برأسها شمالاً، في ظل ضعف محقق ومؤكد في نفوذ القيادات التقليدية على الشارع، ونمو مجموعات جديدة ذات خلفيات تتيح عودة ظهور تشكيلات مشابهة لفتح الإسلام، وداعش والنصرة، وتراجع قبضة الدولة وأجهزتها، وصولاً لشبه خروج الوضع عن السيطرة، وبعض المتشائمين الغربيين بدأ بالحديث عن إمارة لتنظيم القاعدة شمالاً خلال سنتين، واستحالة القيام بعملية تأمين لاحقة من دون الاستعانة بالجيش السوري، وما يعنيه ذلك في السياسة، ربما يكفي ذكر سورية كي تكون وسائل الإقناع قوية وفعالة.

فيديوات متعلقة

بعد الميادين جاء دور النفط والغاز وتسقط مملكة آل سعود

محمد صادق الحسيني

عندما قرّرت الدول الأوروبية سنة 2003، وبضغط أميركي، إطلاق مبادرة لإنشاء خط أنابيب غاز، منافس لخطوط الغاز الروسية، التي تزوّد أوروبا بالغاز، وقامت، سنة 2004 بتأسيس شركة أوروبية، لتنفيذ هذا المشروع، أسمتها: Nabucco Gas Pipeline international، وسجلتها في النمسا كشركة مساهمة نمساوية، بمشاركة كل من النمسا وألمانيا والمجر وبلغاريا ورومانيا وتركيا، لم يكن النظام السعودي يدرك أن هذه الخطوة هي الحجر الأساس في انهيار مملكة آل سعود وباقي مشيخات النفط الخليجى.

فعلى الرغم من ان هدف المشروع الاستراتيجي تمثل في محاولة أميركية لتوجيه ضربة لسوق الغاز الروسي، ضمن محاولات واشنطن إضعاف النفوذ الروسي في القارة الأوروبية، فإنّ جهات التمويل الخفية لهذا المشروع العملاق، أوروبية وأميركية، قد هدفت الى تحقيق الهيمنة التامة، ليس فقط على جزء من أسواق الطاقة / الغاز / الاوروبية، وانما على مصادر الغاز الطبيعي ايضاً. وذلك عن طريق دمج كل من تركمنستان وكازاخستان وأذربيجان وإيران والعراق وسورية وكذلك مصر و»إسرائيل» في هذا المشروع. وهي دول تملك احتياطات كبرى من الغاز.

شكلت سورية وإيران مشكلة أساسية وعقبة كأداء في وجه تنفيذ هذا المشروع وذلك لرفضهما المشاركة في تنفيذ ما اعتبروه مشروع هيمنة واستعمار، وكذلك لكونه مؤامرة تستهدف إلحاق الأذى بالدولة الصديقة لهما، وهي روسيا، فكان لا بد من البدء بالعمل على ترويض الدولتين تمهيداً لعملية الدمج.

وهو ما تطلب اولاً احداث ما عرف بفتنة العام 2009، الشهيرة التي اعقبت انتخابات الرئاسة الإيرانية والتي أفرزت جدلاً واسعاً حول نتائجها، فعملت القوى الاستعمارية على تصعيد الوضع الداخلي الإيراني لعلّ ذلك يؤدي الى اسقاط النظام كما كانوا يتمنون وتزول العقبة الأهم في طريق تنفيذ المشروع، بحجمه الكامل.

لكن حكمة القيادة الإيرانية والالتفاف الشعبي حولها قد أسقطا تلك المحاولة، الأمر الذي عجل بدفع القوى الاستعمارية (القوى الخفية التي موّلت بدايات المشروع)، بتكليف مشيخة قطر بتولي موضوع فك الارتباط بين الدولة السورية والجمهورية الاسلامية في إيران. حيث قام أمير قطر آنذاك، حمد بن خليفة، بزيارة لدمشق والتقى الرئيس بشار الأسد في صيف عام 2010، وعرض عليه تقديم مساعدات مالية، تصل الى 150 مليار دولار، مقابل فك ارتباط سورية مع إيران والموافقة على الدخول في مشروع انابيب نابوكو، المذكور اعلاه.

ولكن رفض القيادة السورية المطلق لتلك المؤامرة أدى بمديريها الى الانتقال للمرحلة الثانية منها، الا وهي معاقبة الدولة الوطنية السورية على رفضها هذا، وإشعال فتنة داخلية تمهيداً لشن الحرب العالمية المعروفة ضدها. وقد قامت مشيخة قطر، وفِي اطار الدور الذي كلفت به كما أشرنا اعلاه، ومنذ شهر ايلول 2010 بإطلاق عملية تسليح واسع لعناصر خارجة عن القانون في سورية. كما أرفقت عمليات التسليح بعملية تمويل وشراء ذمم واسعة النطاق في الداخل السوري. وبحلول نهاية عام 2010 كانت قطر، وبمساعدة مخابرات دول عربية اخرى، قد ادخلت الى سورية ما يكفي لتسليح فرقة عسكرية كاملة (1800 جندي) الى جانب 500 مليون دولار، دفعت لشراء ذمم مجموعات كبيرة من ضعفاء النفوس، الذين شاركوا في تحريك الفتنة.

وقد اعترف شيخ قطر، خلال زيارته لإيران ولقائه الرئيس محمود أحمدي نجاد، وخلال تصريح صحافي يوم 26/8/2011، بأنه « قدّم النصح للاخوة في سورية بالتوجه نحو التغيير». وتابع قائلاً: «إن الشعب السوري لن يتراجع عن انتفاضته…».

وكما هي غلطة ذاك الأمير القطري، سنة 2011، فها هو اليوم محمد بن سلمان وعلى سيرة من سبقوه من ملوك آل سعود، يخطئون في تقييم الدول التاريخية، مثل روسيا وسورية وإيران، ويسقطون سقطات مميتة. فبعد فشل مشروع إسقاط الدولة السورية وتفتيت محور المقاومة، ها هو بن سلمان يدخل حرباً جديدة، بعد جريمة حرب اليمن، وهي حرب أسعار النفط، مع الدولة العظمى روسيا الاتحادية، التي لا قدرة لديه على حتى مناكفتها. علماً أن سياسته هذه قد أسست، فعلياً وموضوعياً، لسقوط مملكة آل سعود وانهيارها من الداخل.

ولأسباب محددة وواضحة، نورد أهمها، للإضاءة على عوامل داخلية وإقليمية ودولية في هذا السياق:

ان دخول اي معركة حول النفط سيؤدي الى خسارة محتمة وذلك لانعدام القيمة السوقية للنفط في العالم. وهو الأمر الذي يميِّز روسيا عن مملكة آل سعود، حيث تعتمد الموازنة الروسية بنسبة 16% فقط على عائدات النفط بينما يعتمد بن سلمان بنسبة 95% على عائدات النفط.
ان مستقبل قطاع الطاقة في العالم سيكون قائماً على الغاز، الطبيعي والمسال، وذلك لأسباب بيئية واقتصادية. وهذا هو السبب الذي دعا روسيا، وقبيل بدء العشرية الثانية من هذا القرن، بالعمل على إفشال مشروع انابيب نابوكو للغاز، الذي كان يفترض ان يضارب على الغاز الروسي في الاسواق الأوروبية، اذ قامت روسيا بخطوات استراتيجية عدة أهمها:
شراء كامل مخزون الغاز الذي تملكه جمهورية تركمنستان، التي تملك ثاني أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا، والبدء بإنشاء خط أنابيب غاز باتجاه الشرق، من غالكينيش ( Galkynysh )، في بحر قزوين، الى هرات ثم قندهار في افغانستان، ومن هناك الى كويتا ( Quetta ) ومولتان ( Multan ) في باكستان، وصولًا الى فازيلكا ( Fazilka ) في الهند. وهو ما يعتبر خطوة هامة على طريق تحقيق المشروع الصيني العملاق حزام واحد / طريق واحد.
قيام روسيا بتنفيذ مشروعين استراتيجيين، في قطاع الغاز، هما مشروع السيل التركي مع تركيا والسيل الشمالي مع المانيا. وهما مشروعان يعزّزان الحضور الروسي في قطاع الغاز، وبالتالي قطاع الطاقة بشكل عام، في أوروبا والعالم.
مواصلة روسيا تقديم الدعم السياسي الضروري لجمهورية إيران الإسلامية، للمحافظة على قاعدة التعاون الصلبة بين البلدين، وكذلك الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للجمهورية العربية السورية، منعاً لسيطرة الولايات المتحدة وأذنابها عليها، وتمهيداً لإنشاء سيل غاز روسي إيراني عراقي سوري ( لدى سورية احتياط غاز هائل في القطاع البحري المقابل لسواحل اللاذقية طرطوس ) جديد، لضخ الغاز من السواحل السورية، عبر اليونان، الى أوروبا مستقبلاً.
أما عن أسباب الدور المتصاعد للغاز في أسواق الطاقة الدولية فيعود الى ثبوت عدم إمكانية الاستمرار في الاعتماد على النفط، سواءً في تشغيل وسائل النقل الجوية والبرية والبحرية او في تشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية. يضاف الى ذلك فشل مشروع التحول الى السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية، وذلك بسبب استحالة التخلص من بطاريات الليثيوم بطريقة غير ضارة بالبيئة. وهذا يعني أن من يمتلك الغاز هو من يمتلك المستقبل، في عملية التطور الصناعي والتجاري، وبالتالي المشاركة في قيادة العالم، وليس من يغرق الأسواق بالنفط كما يظن إبن سلمان ذلك النفط الذي لم يعد يهتم به احد ولم تعد له أي قيمة مباشرة، علاوة على فقدانه قيمته كسلعة استراتيجية.
وبناءً على ما تقدم فانه يجب طرح السؤال، حول مستقبل السعودية بلا نفط. ففي ظل استمرار هبوط أسعار النفط واستمرار تآكل ارصدة الصندوق السيادي السعودي، الذي كان رصيده 732 مليار دولار، عندما تسلم الملك سلمان وابنه محمد الحكم بتاريخ 23/1/2015 ، وتراجع هذا الرصيد بمقدار 233 مليار دولار خلال السنوات الماضية، حسب بيانات مؤسسة النقد السعودية الرسمية، نتيجة لعبث بن سلمان بأموال وأرزاق الأجيال السعودية القادمة، وفي ظل عدم وجود بديل للنفط لتمويل الموازنة السعودية السنوية، الأمر الذي دفع البنك الدولي الاعلان عن ان دول الخليج، وليس السعودية فقط، ستتحول الى دول مفلسة بحلول سنة 2034. البنك الدولي الذي عاد واستدرك تقريره مؤكداً قبل ايام بان هذا الموعد سيحل قبل العام ٢٠٣٤ بكثير، وذلك لأن المحافظة على مستوى الحياة الحالي في السعودية لا يمكن تأمينه بأسعار نفط تقل عن 65 دولاراً للبرميل. وهذا عدا عن أن أرصدة الصندوق السيادي السعودي (بقي منها 499 مليار فقط، بينما يبلغ رصيد صندوق الإمارات السيادي تريليوناً ومئتين وثلاثين مليار دولار)، المشار اليها اعلاه، لن تكون كافية، بالمطلق، لتأمين استثمارات تدر على الدولة السعودية من المال ما يكفي لتمويل الموازنة السنوية.
وعندما يقول الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست، في مقال له نشره على موقع ميدل ايست آي بتاريخ 22/4/2020، يقول إنه وبالرغم من المرسوم الملكي السعودي حول ان الحكومة السعودية ستدفع 60% من معاشات الموظفين، طوال فترة الإغلاق التي تطبقها البلاد في ظل كورونا، الا ان موظفي مؤسسة الاتصالات السعودية لا يتقاضون سوى 19% فقط من مستحقاتهم، كما أبلغوني، يقول الكاتب.
والى جانب ذلك فإنّ وزارة الصحة السعودية، التي حوّلت عدداً من الفنادق الى مراكز صحية لمعالجة المصابين بوباء الكورونا، لم تكتف بعدم دفع أية مستحقات لأصحاب تلك الفنادق فحسب، بل طلبت منهم تحمل تكاليف عمليات التعقيم والتطهير لفنادقهم قبل تسليمها لوزارة الصحة.

اما ما يعزز أقوال الصحافي البريطاني، ديفيد هيرست، الشهير بالموضوعية والمهنية الصحافية، فهو ما نشرته وكالة بلومبيرغ، حول تقرير للبنك الدولي نهاية العام الماضي 2019، جاء فيه ان جميع احتياطات السعودية النقدية، سواء ارصدة الصندوق السيادي او البنك المركزي السعودي او مبلغ المئة وثلاثة وثمانين مليار دولار، الذي تحتفظ به السعودية في وزارة الخزانة الأميركية، لن تكون كافية، سنة 2024، سوى لتغطية المستوردات السعودية لمدة خمسة أشهر فقط، هذا اذا ما تراوح سعر برميل النفط بين 50 – 55 دولاراً، كما يقول الكاتب ديفيد فيكلينغ ( David Fickling )، في مقال له على موقع وكالة بلومبيرغ الالكتروني بعنوان: إن تراجع وسقوط امبراطورية النفط في الخليج بات يقترب / أو يلوح في الأفق.
وهذا يعني، وبكل موضوعية، ودون تحيُّز أن حرب اسعار النفط، الدائرة حالياً، والتي أشعلها محمد بن سلمان، لن تنقذه من مصيره المحتوم، وكذلك بقية دول الخليج النفطية، ولو بشكل متفاوت، لأن احتياطاتها النقدية سوف تواصل التآكل، مع اضطرار الحكومات المعنية لمواصلة السحب منها، لتغطية عجز الموازنات السنوية الناجم عن تدهور اسعار النفط وتراجع المداخيل المالية. هذا الى جانب ان تلك الصناديق او الاموال الاحتياطية لم تستثمر في مجالات تدر أرباحاً عالية لتكون قادرة على تغطية نفقات الدولة صاحبة الاموال، في حال انهيار اسعار النفط او نضوبه. اي ان تلك الدول ولأسباب سوء الادارة الاستثمارية قد فشلت في الاستفادة من تلك الأموال وتحويلها الى شبكة أمان لمستقبل أجيالها القادمة.
وهو الامر الذي سيؤدي حتمًا الى انهيار ثروات دول الخليج، واضطرار حكوماتها الى فرض ضرائب عالية على مواطنيها، وبالتالي حرمانهم من مستوى الحياة التي عاشوها حتى الآن، مما سيسفر عن زلازل اجتماعية، لا قدرة لحكومات تلك الدول على احتوائها، وبالتالي فإن نتيجتها الحتمية ستكون انهيار تلك الحكومات والدول وزوالها من الوجود. وهو الأمر الذي لن يأسف عليه حتى صانعي تلك المحميات، من الدول الاستعمارية الغربية، وذلك لانتهاء الحاجة لوجود الدول الوظيفية في المنطقة، ومن بينها الكيان الصهيوني، ذلك لأن مبررات وجود تلك الدول، مثل النفط والقواعد العسكرية، قد انتهت لأسباب عديدة، ليس هنا مقام التوسع فيها، بينما يكفي القول إن نهاية انتشار وباء الكورونا سيشكل ايضاً نقطة النهاية لسياسة الهيمنة الأحادية القطبية على العالم، مما سيضطر جميع الدول الغربية، دون استثناء، الى سحب قواعدها من دول المنطقة وترك شعوب المنطقة تقرر مصيرها بنفسها وتقيم نظاماً أمنياً اقليمياً، يضمن استقرارها واستكمال تحررها، في إطار النظام الدولي الجديد المرتقب، والذي لن يكون فيه مكان لقوى الاستعمار التي نعرفها.

عالم ينهار، عالم ينهض…

بعدنا طيبين، قولوا الله…

Strengthening the US Dollar: Comments on Ramin Mazaheri

Source

April 19, 2020

Strengthening the US Dollar: Comments on Ramin Mazaheri

by Gary Littlejohn for The Saker Blog

Implications of Recent Changes in US Monetary Policy

Ramzin Mazaheri’s excellent article of 16th April attracted some very interesting comments:

This supportive response aims to provide recent relevant evidence that many of the likely changes Mazaheri describes are already happening very quickly. Over the past few months since December, it has become clear that the US Federal Reserve (the Fed, which has actually been privately owned since 1913 but is allowed unconstitutionally to act as the US Government’s central bank) has been grappling with serious problems of liquidity in various US financial markets. This included the ‘repo’ market which handles overnight lending between financial institutions, especially commercial banks, but also other very large financial markets, many of which did not have the funds to pay off debts that were due at the ‘year end’ of their contracts. Depending on the contract, the 2019 ‘year end’ could be at any time between 14 December 2019 and 16 January 2020, but it turned out that the problems did not end in mid-January. All of these problems have been made worse by the COVID-19 pandemic.

This link below times the start of the acute liquidity crisis to September 2019, before I had personally noticed it, and argues that the COVID-19 pandemic only triggered the current crisis, rather than caused it:

https://www.zerohedge.com/economics/how-think-about-fed-now

The author concludes that monetary policy as we know it is as dead as a doornail and that the Fed is, in effect, a lawless economic government unto itself. This deep crisis has recently led to the development of a new strategy to strengthen the US Dollar by new means that have effectively eliminated any safeguarding constraints on US monetary policy. These new measures are reported to have the implicit backing of the Bank of International Settlements [BIS]. This backing by the BIS is said to include backing for the new Fed policy of buying corporate bonds, which effectively means that the Fed controls which companies survive and which do not, and could probably do this internationally. If this BIS backing is true, then that confirms Ramin Mazaheri’s view that the USA would not be acting alone to retain the global dominance of the US Dollar. I think that time will also confirm Mazaheri’s view that such subaltern countries as the UK and the EU Member States will not oppose these new measures, even though they break the already stretched/broken conventions on monetary policy.

The recent outcome of this has been that a version of Quantitative Easing [QE, or electronic ‘printing’ of money] has been being run by the Fed without the usual requirement to buy US Treasury debts to avoid all that money going straight into the everyday economy and fuelling inflation.  Very recently, the Fed started to break its own rules and buy corporate bonds, which are private companies’ debt. This effectively means that the Fed is taking a stake in large private companies. Something very similar has happened with the European Central Bank (ECB, based in Frankfurt) but in the EU the Competition Commissioner has very recently changed the competition rules to allow but also to regulate this crisis-driven behaviour (see The Guardian newspaper recently). That has had the intention (if not the guaranteed effect) of trying to avoid one EU Member State supporting its own companies at the expense of other Member States.

Yet what seems to be happening in the USA is that Steve Mnuchin (US Secretary of the Treasury) has formed an alliance with head of the Fed Jerome Powell to permit the Fed to issue unlimited quantities of money but with no safeguards in corporate bond buying.  (Remember that corporate bond buying is itself against the Fed’s own rules.) This seems to allow the development of a possible strategy that discriminates against foreign-owned companies (such as Chinese-owned Huawei) to be starved of Fed funds. Indeed it may well become a lot easier to sanction both companies and countries that the US Government sees as a threat or merely a strong competitor. This approach seems to have influenced what looks like a recent change of attitude towards the IMF by Steve Mnuchin, and he has recently appointed a close ally as the No. 2 in the IMF. IMF policy is now especially important because the present crisis has meant that over half of the world’s countries have asked for IMF support.

https://www.zerohedge.com/economics/over-half-world-has-asked-imf-emergency-bailout

This seems to give the USA enormous leverage in placing any company it dislikes in a difficult position, at a time when US Dollars [USD] remain the means of payment for at least 80 per cent of all international trade.  I will later refer to a link that shows how much USD is being held by various countries, compared to an estimate of how much they need to carry on trading as normal. The largest EU economies such as France and Germany have only a few per cent of USD in their foreign exchange [FX] reserves, and the same applies to the UK. So Mnuchin is now apparently in a position to inform Trump that he could cause very serious damage to the EU, China and Iran such that the USA could come out of this incipient global depression ahead of its main economic competitors. They may also think the same about Russia but in my view that would be more difficult, because Russia’s economy is inherently more resilient these days. And as indicated above, the USA could also target individual companies. [Incidentally, there is a lot of lobbying going on in Congress right now to gain access to the Fed’s largesse and other emergency funding, and so such preferential treatment could be applied within the USA in a Presidential election year.]

Before providing links to show this situation as it has emerged very recently, it is important to show that the non-financial sectors of the US economy have been in real and accelerating trouble, despite Trump’s claims to the contrary. These illustrative indicators make it clear that the problem is not only financial and so any recovery will probably be very slow because the ‘real’ US economy was heading for a deep recession anyway. Doubtless an awareness of this underlying situation has helped drive the desperate financial measures that we now witness, measures attempting to prop up the US Dollar and ensure that it fully recovers its global dominance.

The following indicators of the contraction of the US economy illustrate a process which started months before the COVID-19 pandemic. There were other earlier indicators – this list is just to give a flavour of the developing trends. The first shows that the Fed has been fully aware of all this:

https://www.zerohedge.com/economics/fed-beige-book-economic-activity-contracted-sharply-and-abruptly-across-all-regions

https://www.zerohedge.com/economics/us-industrial-production-crashes-most-1946

https://www.zerohedge.com/personal-finance/us-retail-sales-crash-most-ever-march-despite-hoarding

https://www.zerohedge.com/markets/ford-scrambles-raise-money-dwindling-cash-balance-becomes-focus

https://www.zerohedge.com/economics/us-leading-economic-indicators-crash-most-over-60-years

Now for the evidence of the apparent policy changes described above:

https://www.wsj.com/articles/imf-approves-top-mnuchin-ally-geoffrey-okamoto-as-no-2-official-11584625344

[19 Mar 2020.]

https://mediacenter.imf.org/news/imf-mnuchin/s/55573d05-c9d0-4a20-835d-f2d40c8fa59c

[10 Apr 2020.] Mnuchin says IMF and World Bank are important partners in addressing global issues. So this is before the public change of heart.

https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-04-15/imf-warning-fed-partnership-20-unemployment-eco-day

Here is a crucial quote from the above link:

“In the U.S., Treasury Secretary Steven Mnuchin has forged a crisis partnership with Federal Reserve Chairman Jerome Powell, giving the central bank a bigger role in fiscal policy.”

Now for the public change of position on the IMF:

https://www.marketwatch.com/story/mnuchin-says-he-opposes-imf-special-issuance-of-sdrs-2020-04-16

Also on the 16th April various reports covered the reasons that Mnuchin gave for not supporting the IMF issuance of Special Drawing Rights [SDRs] to support a whole series of countries: he basically suggested the use of much more limited IMF funds for developing countries on the grounds that 70 per cent of the IMF SDRs would go mostly to stronger economies, and developing countries would only get 3 per cent. But some commentators think that the real reason for this change of approach to the IMF is that SDRs would give China and Iran funding without any strings.

The Latent Demand for US Dollars at a Time of Serious Economic Contraction

The link below by Michael Every of Rabobank estimates the impact of the sudden global economic contraction on the demand by various countries for US Dollars:

https://www.zerohedge.com/markets/down-rabbit-hole-euroDollar-market-matrix-behind-it-all

It treats the global market for Dollars under a single label, namely Eurodollars, but if one adopts that approach then it tends to downplay the historical significance of the rise of the petrodollar after Nixon took the Dollar off its fixed exchange rate to gold in 1971. Following that major policy change, Saudi Arabia was quietly given permission to raise the price of oil in 1973 in exchange for US guarantees of its military security. What the US got out of this deal was a guaranteed demand for Dollars because Saudi Arabia agreed to insist that oil had to be traded internationally in Dollars. There was a repeat oil price shock in 1979, further strengthening the dominance of the US Dollar.

The article linked above in part uses The Matrix movie to make some of its points, but the argument is still understandable if you have not seen that movie. The BIS is often described as the central bankers’ central bank, but in my view there is a power hierarchy there. The article claims that the origins of the EuroDollar market are mysterious but in fact it was mainly the US Dollars that arrived in Western Europe as funding for the Marshall Plan for post-war reconstruction of Western Europe that created the market. One part of the argument slightly overstates its case, although it is historically true:

“However, there is a cost involved for the US. Running a persistent current-account deficit implies a net outflow of industry, manufacturing and related jobs. The US has obviously experienced this for a generation, and it has led to both structural inequality and, more recently, a backlash of political populism wanting to Make America Great Again.”

Yet while running a persistent current account deficit implies such a net outflow, it does not entail it. A more judicious policy promoting industrial investment and innovation could have fostered a greater resilience of US industry. Despite its reputation for innovation, in fact most post-war US innovation has either come from the military-industrial complex (increasingly feeble at creating new products owing to the political gravy train that reduced incentives to innovate) or was actually imported, mainly from Nazi Germany or the UK.

The important point now is that few countries can manage to trade without access to US Dollars [USD]. China has reduced its USD holdings for over $2 trillion a few years ago to less than $1.8 trillion now, judging by Table 1 in the link above. That Table highlights in red those countries that are most vulnerable to a US Dollar shortage. Yet it seems that China will need about double its current US Dollar reserves to avoid serious trading difficulties, according to the above article. China has been buying US Dollars and US Treasury Bills [T-bills] again recently, as Mazaheri would expect in the present circumstances:

https://www.zerohedge.com/markets/japanese-holdings-us-treasuries-hit-record-highs-china-big-buyer-too

No other country has anything like the absolute amount of US Dollar holdings as China, and few have as good a ratio of holdings to required US Dollar finance demands (0.52. for China, or 52 per cent).  Switzerland has 0.48, Russia has 0.36 and Saudi Arabia has 0.69. (Taiwan with 0.51 is too small an economy to have that much global impact.)  Russia has far greater resilience in my view than most other countries, because it also holds Euros and Gold, and has swap arrangements with various countries. It is also able to source most of its raw materials within its own borders, can feed its own population and has sufficient reserves to pay off all government and corporate debt immediately on demand – or did until the COVID-19 pandemic and the oil price war with Saudi Arabia and the USA forced it to start selling foreign exchange within the last few weeks. (The amount of such recent sales is not known.) But the currency swap deals will make it easier for it to keep its international trade going better than most countries.

However, such Russian currency swap deals must pale into insignificance in relation to the easy swap deals that the Fed has engaged in, and these have been ramped up in volume and now include additional countries. As Michael Every explains:

“The Fed has, of course, stepped up. It has reduced the cost of accessing existing USD swap lines–where USD are exchanged for other currencies for a period of time–for the Bank of Canada, Bank of England, European Central Bank, and Swiss National Bank; and another nine countries were given access to Fed swap lines with Australia, Brazil, South Korea, Mexico, Singapore, and Sweden all able to tap up to USD60bn, and USD30bn available to Denmark, Norway, and New Zealand. This alleviates some pressure for some markets – but is a drop in the ocean compared to the level of Eurodollar liabilities.”

He goes on later:

“Yet despite all the Fed’s actions so far, USD keeps going up vs. EM FX. Again, this is as clear an example as one could ask for of structural underlying Eurodollar demand.”

He shows this with a graph of the US Dollar holdings within European Markets’ Foreign Exchange holdings [EM FX]:

https://www.zerohedge.com/s3/files/inline-images/USD%20vs%20EM%20FX.jpg?itok=k7qkcjpM

He then quotes the Bank of International Settlements [BIS] where in a recent report the BIS argued that:

“…today’s crisis differs from the 2008 GFC [Global Financial Crisis], and requires policies that reach beyond the banking sector to final users. These businesses, particularly those enmeshed in global supply chains, are in constant need of working capital, much of it in dollars. Preserving the flow of payments along these chains is essential if we are to avoid further economic meltdown.”

Every comments:

“In other words, the BIS is making clear that somebody (i.e., the Fed) must ensure that Eurodollars are made available on massive scale, not just to foreign central banks, but right down global USD supply chains. As they note, there are many practical issues associated with doing that – and huge downsides if we do not do so. Yet they overlook that there are huge geopolitical problems linked to this step too.”

This clearly implies that the Fed has had a green light from the BIS to lend to companies, as I suggested near the beginning of my commentary on Mazaheri above. I mentioned some of the possible geopolitical problems then. But Michael Every spells out the logical endpoint of such an approach. He had earlier mentioned this as one of three outcomes that were possible in principle, while now pointing out that recent policy changes make this outcome the logical one, even if we have not yet reached it:

“Notably, if the Fed does so then we move rapidly towards logical end-game #2 of the three possible Eurodollar outcomes we have listed previously, where the Fed de facto takes over the global financial system. Yet if the Fed does not do so then we move towards end-game #3, a partial Eurodollar collapse.”

Even a partial Eurodollar collapse would do serious damage to those countries (more than half) which have sought emergency IMF support, and so this new power gives the Fed enormous political leverage over most major economies and over multilateral agencies such as the IMF, the World Bank or even the European Union [EU]. Given that Trump sees the EU as a potential competitor to the USA, and given the low proportion of US Dollars that its major economies have in relation to their trading needs, the EU is very vulnerable to US economic pressure in the present circumstances.

Since the US Dollar is used for about 80 per cent of global trade, then even the fact that the Euro is a fairly substantial international trading currency and forms part of the FX holdings of various non-EU governments such as Russia counts for relatively little. All it could be used for is to buy some time to trade when the global economy slowly pulls out of the COVID-19 recession/depression. A similar argument applies to non-Dollar currency swap arrangements between, for example China and Iran or Russia and Venezuela. All four countries could be potential targets, given that China is seen as the major economic competitor to the USA and the others have important oil and/or gas reserves while the US shale industry is now in deep trouble and will cost billions to keep in business. It should not be surprising that the USA is keeping up the military pressure on Venezuela:

https://www.zerohedge.com/geopolitical/us-builds-naval-forces-caribbean-pressure-campaign-against-maduro

Turning to the EU in more detail, it is clear that the Euro currency itself is under stress as it has led to increased economic inequalities between EU Member States. In addition, political solidarity with the EU has declined partly owing to these growing differences and the austerity policies of the European Commission [EC] and the European Central Bank [ECB]. The ‘bailout’ of Greece was really a bailout of French and Italian banks that had made loans to Greece, and the Greek economy has shrunk enormously since 2008. Now Italy is feeling the pinch as it finds itself constrained by EC/ECB policies in its attempts to kick start economic growth. A recent opinion poll shows that 49 per cent of Italians favour leaving the EU and only 40 per cent want to remain in it. Budgetary problems for the EU will increase after the UK leaves it since the UK is only one of about three net contributors to the EU budget and the tensions over the next EU budget are very visible.

The EU has again very recently failed to agree to ‘debt mutualisation’ whereby the richer economies such as Germany and the Netherlands would also take responsibility for the debts of others, mainly the southern European economies, especially the debts of Italy which is the third largest Eurozone economy. The latest attempt to reach this agreement though the issuance of common EU bonds meant that these proposed EU bonds were relabelled ‘coronabonds’ in the hope that the COVID-19 pandemic would concentrate minds. Despite a public apology from the head of the European commission for the EU’s failure to help Italy after the coronavirus outbreak there, the electorates of the northern EU countries will not accept what amounts to a fiscal union within the EU. No wonder the Italian Prime minister stated that the EU now faces an “existential crisis”. Trump (advised by Mnuchin) may see this as an ideal opportunity to undermine a competitor. It is not at all certain that the EU institutions themselves would survive the collapse of the Euro currency, even though some Member States still have their own currencies.

It may not be well-known worldwide, but it is well understood within the EU that most of the global trading in the Euro currency takes place in London, even though the UK stayed outside of the Eurozone when it was created. Paris, Frankfurt and Amsterdam would love to take over this trading market which amounts to trillions of Euros daily, but for practical reasons (well-established institutional expertise and even sheer amount of office space) this cannot happen in the near future, even though the UK is scheduled to leave the EU at the end of this year. Because of the importance of the Euro trading to the UK economy, the UK government is keeping a very close detailed eye on global financial flows, and is increasing its capacity to do so.

So if the Euro collapses as a currency in the coming depression, apart from causing a further bout of economic contraction in the EU, it would cause serious damage to the UK economy, thereby rendering the UK even more subservient to US interests than it is now. Doubtless the Fed and the Trump administration would take full advantage of this in any trade deal negotiations. [These have already being going on behind the scenes and it does not look good for important sectors of the UK economy including farming.]

So could the EU turn to the Eurasian Economic Union [EAEU] to retain some measure of independence from the USA and keep its economy growing? This would require a major cultural change within the European Commission and in some Member States which harbour hostility to Russia, and which may not see Central Asian markets as having much growth potential. Even China has not invested as much in Central Asia as those countries would like. That might change if economic relations between China and the USA become even worse, and China decides to invest more in countries where the Belt and Road Initiative has already provided infrastructure that is less susceptible to foreign military intervention. Yet the population sizes of the Central Asian countries place a limit on how quickly demand for Chinese and other foreign products can be fostered.

Conclusion

While the standoff between Russia and Saudi Arabia would have sounded the death knell for the US shale oil industry in normal circumstances (and it was dying anyway because US capital markets had effectively stopped lending to this sector) there is now a distinct possibility that it will be kept going by the Fed as part of a strategy to keep up pressure on economic competitors. Whereas I recently saw the declining price of oil as loosening US dominance of the global economy by reducing its means of influencing the price of oil, it now appears that giving the Fed unlimited powers to finance companies as well as financial institutions has so changed the global economic landscape that the USA may well emerge from the incipient global depression in a position whereby it remains dominant, albeit in a much smaller global economy.

In such a scenario, and given the inevitably increased dependence of developing countries on the US via the IMF, then the policy options for the Russia-China ‘helix’ will become more constricted as the BRICS group (Brazil, Russia, India, China and South Africa) becomes weaker owing to the probable increased dependence of India, Brazil and South Africa on USD funding. This inevitably raises the profile of the EAEU as a possible source of continued growth despite the fairly limited consumer power within this bloc at the moment. While Russia has managed more or less to stabilise its population and has reduced inflation, thereby easing pressure on living standards, China has been unable to turn round the effects of its earlier policy of limiting child birth. While China has been moving from an export-oriented growth strategy to one promoting rising living standards within its own borders, the ageing population (which like that of Japan has a high propensity to save) means that this strategy will run into limits if China cannot rely on exports to maintain its growth rates through what was intended to be a transition period to the new growth strategy. This implies that the EAEU becomes much more important to both Russia and China, although it would be prudent for China to use institutions such as the Asia Infrastructure Investment Bank to try to sustain the EU as a source of demand for its exports. It will have to do this at a time when it is possibly going to be under legal attack from the USA for what some in the USA are claiming is China’s legal responsibility for the COVID-19 pandemic.

حسان دياب رجل دولة… طلب أخير

التعليق السياسي

ليس رجل الدولة هو الذي يملك عصاً سحريّة لحل المشاكل والذي يملك علماً موسوعيّاً شاملاً لكل مجالات عمل الدولة ويستطيع أن يقدّم حلولاً ناجزة لكل مشاكلها، ولا هو المسؤول الذي لا يخطئ، إنه ببساطة المسؤول الذي لا تتحكم بخياراته إلا القناعات والضمير بقياس كيف يمكن أن يخدم فكرة الدولة ويعبر عن مصالح المواطن، غير متأثر بمصلحة خاصة، أو بمحسوبية، أو بعصبية لطائفة أو منطقة.

قد يكون المسؤول غير مرتبط بمصلحة شخصية خاصة في ممارسة مسؤوليته، لكنه يقيم حساباً لمن لهم مصالح مع الدولة في قراراته ويعتبر ذلك جزءاً من مسؤوليته، وقد لا يكون متعصباً لطائفة أو مذهب أو منطقة لكنه يقيم حساباً لمواقف الذين يعبرون عن هذه العصبيات، وقد يكون مؤمناً بخدمة فكرة الدولة ومصلحة المواطن، لكنه يراها من خلال نظرة تضع في حسبانها المصالح الشخصيّة للبعض والعصبيات الطائفية لبعض آخر.

يمتاز رئيس الحكومة بما قاله أمس، أنه ظهر كرجل دولة لا يقيم حساباً لهذه المصالح وتلك العصبيات، أي أنه بصراحة لا يتطلع لتزعم طائفة معينة تحجز له مقعداً في السياسة، بل يمارس السياسة بمفهومها الراقي كمسوؤلية عن المواطنين. وهنا معركة كبرى مع عقليات معاكسة لهذا المفهوم موجودة في الموالاة والمعارضة، لكن الشعب يبدو في حال تعطش لقيادة مترفعة كما ظهر دياب ليسندها ويدعمها ويمنحها الثقة.

بقوة هذه الثقة ننتظر المزيد من الرئيس دياب، وبمناسبة إعلان البنك الدولي عن الاستعداد لتأجيل مشروع سد بسري وسواه من القروض، وفتح الباب لإنفاق مخصصاتها على إنعاش العائلات الفقيرة والشركات الصغيرة ومواجهة تداعيات كورونا، ننتظر قراراً شجاعاً من دولة الرئيس بالتفاوض مع البنك الدولي لتعديل وجهة القروض المخصصة للبنان، وتأجيل مشاريع البنى التحتية لحين الخروج من المحنة التي تعصف بلبنان. فالأولويّة كما حدّدها الرئيس دياب للبشر وليس للحجر، على أهمية توفير المياه التي يعد بها مؤيدو مشروع بسري.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

Towards A New World Order? The Global Debt Crisis and the Privatization of the State

By Prof Michel Chossudovsky

Global Research, April 17, 2020

There is a serious health crisis which must be duly resolved. And this is a number one priority.

But there is another important dimension which has to be addressed. 

Millions of people have lost their jobs, and their lifelong savings. In developing countries, poverty and despair prevail. 

While the lockdown is presented to public opinion as  the sole means to resolving a global public health crisis,  its devastating economic and social impacts are casually ignored.  

The unspoken truth is that the novel coronavirus provides a pretext to powerful financial interests and corrupt politicians to precipitate the entire World into a spiral of  mass unemployment, bankruptcy and extreme poverty. 

This is the true picture of what is happening.  Poverty is Worldwide. While famines are erupting in Third World countries, closer to home,  in the richest country on earth,

millions of desperate Americans wait in long crowded lines for handouts”

“Miles-long lines formed at food banks and unemployment offices across the US over the past week”   

In India:

food is disappearing, ….  in shanty towns, too scared to go out, walking home or trapped in the street crackdowns,

In India there have been 106 coronavirus deaths as of today, to put things in perspective 3,000 Indian children starve to death each day” 

From Mumbai to New York City. It’s the “Globalization of Poverty”.

Production is at a standstill. 

Starvation in Asia and Africa. Famine in the U.S. 

All countries are now Third World countries. It’s the “Thirdworldisation” of the so-called high income “developed countries”.  

And what is happening in Italy?

People are running out of food. Reports confirm that the Mafia rather than the government “is gaining local support by distributing free food to poor families in quarantine who have run out of cash”. (The Guardian)

This crisis combines fear and panic concerning the COVID-19 together with a sophisticated process of economic manipulation.

Let us first examine the impacts pertaining to the developing countries.

Developing Countries. The IMF’s “Economic Medicine” and the Globalization of Poverty

Is the coronavirus crisis part of a broader macro-economic agenda?

First some historical background.

I spent more than ten years undertaking field research on the impacts of IMF-World Bank economic reforms in Africa, Asia, Latin America, Eastern Europe and the Balkans.

Since the early 1980s, “strong economic medicine” was imposed on indebted developing countries under what was called the “structural adjustment program” (SAP).

From 1992 to 1995, I undertook field research in India, Bangladesh and Vietnam and returned to Latin America to complete my study on Brazil. In all the countries I visited, including Kenya, Nigeria, Egypt, Morocco and The Philippines, I observed the same pattern of economic manipulation and political interference by the Washington-based institutions. In India, directly resulting from the IMF reforms, millions of people had been driven into starvation. In Vietnam – which constitutes among the world’s most prosperous rice producing economies – local-level famines had erupted resulting directly from the lifting of price controls and the deregulation of the grain market. (Preface to the Second Edition of the Globalization of Poverty, 2003)

 The hegemony of the dollar was imposed. With mounting dollar denominated debt, eventually in most developing countries the entire national monetary system was “dollarized”.

Massive austerity measures were conducive to the collapse in real wages. Sweeping privatization programs were imposed. These deadly economic reforms -applied on behalf the creditors- invariably triggered economic collapse, poverty and mass unemployment.

In Nigeria starting in the 1980s, the entire public health system had been dismantled. Public hospitals were driven into bankruptcy. The medical doctors with whom I spoke described the infamous structural adjustment program (SAP) with a touch of humor:

“we’ve been sapped by the SAP”, they said, our hospitals have literally been destroyed courtesy of the IMF-World Bank.

From Structural Adjustment to Global Adjustment

Today, the mechanism for triggering poverty and economic collapse is fundamentally different and increasingly sophisticated.

The ongoing 2020 Economic Crisis is tied into the logic of the COVID-19 pandemic: No need for the IMF-World Bank to negotiate a structural adjustment loan with national governments.

What has occurred under the COVID-19 crisis is a “Global Adjustment” in the structure of the World economy. In one fell swoop this Global Adjustment (GA) triggers a Worldwide process of bankruptcy, unemployment, poverty and total despair.

How is it implemented? The lockdown is presented to national governments as the sole solution to resolve the COVID-19 pandemic. It becomes a political consensus, irrespective of the devastating economic and social consequences.A Global People’s Bailout for the Coming Financial Crash

No need to reflect or analyze the likely impacts. Corrupt national governments are pressured to comply.

The partial or complete closing down of a national economy is triggered through the enforcement of  so-called “WHO guidelines” pertaining to the lockdown, as well as to trade, immigration and transportation restrictions, etc.

Powerful financial institutions and lobby groups including Wall Street, Big Pharma, the World Economic Forum (WEF) and the Bill and Melinda Gates Foundation were involved in shaping the actions of the WHO pertaining to the COVID-19 pandemic.

The lockdown together with the curtailment of trade and air travel had set the stage. This closing down of national economies was undertaken Worldwide starting in the month of  March,  affecting simultaneously a large of number of countries in all major regions of the World.  It is unprecedented in World history.

Why did leaders in high office let it happen? The consequences were obvious.

This closing down operation affects production and supply lines of goods and services, investment activities, exports and imports, wholesale and retail trade, consumer spending, the closing down of schools, colleges and universities, research institutions, etc.

In turn it leads almost immediately to mass unemployment, bankruptcies of small and medium sized enterprises, a collapse in purchasing power, widespread poverty and famine.

What is the underlying objective of this restructuring of the global economy?  What are the consequences? Cui Bono? 

  • A massive concentration of wealth,
  • the destabilization of small and middle sized enterprises in all major areas of economic activity including the services economy, agriculture and manufacturing.
  • It derogates the rights of workers. It destabilizes labor markets.
  • It compresses wages (and labor costs) in the so-called high income “developed countries” as well as in the impoverished developing countries.

Needless to say this Global Adjustment (GA) operation is far more detrimental than the country-level IMF-WB structural adjustment program (SAP).

It is neoliberalism to the nth degree.

In one fell swoop (in the course of the last months) the COVID-19 crisis has contributed to impoverishing a large sector of the World population.

And Guess who comes to the rescue? The IMF and the World Bank:

The IMF Managing Director Kristalina Georgieva has casually acknowledged that the World economy has come to a standstill, without addressing the causes of economic collapse.

“The WHO is there to protect the Health of the People, The IMF is there to protect the health of the World economy” says Georgieva.

 How does she intend to “protect the World economy”?

At the expense of the national economy?

What’s her “magic solution”?

 “We rely on $1 trillion in overall lending capacity.” (IMF M-D Georgieva, Press Conference in early March)

At first sight this appears to be “generous”, a lot money. But ultimately it’s what we might call “fictitious money”, what it means is:

“We will lend you the money and with the money we lend you, you will pay us back”.(paraphrase).

The ultimate objective is to make the external (dollar denominated) debt go fly high.

The IMF is explicit. In one of its lending windows, the Catastrophe Containment and Relief Trust, which applies to pandemics, generously,

“provides grants for debt relief to our poorest and most vulnerable members.”

Nonsensical statement: it is there to replenish the coffers of the creditors, the money is allocated to debt servicing.

“For low-income countries and for emerging middle-income countries we have … up to $50 billion that does not require a full-fledged IMF program.”

No conditions on how you spend the money. But this money increases the debt stock and requires reimbursement.

The countries are already in a straight-jacket. And the objective is that they comply with the demands of the creditors.

That’s the neoliberal solution applied at a global level: No real economic recovery, more poverty and unemployment Worldwide. The “solution” becomes the “cause”. It initiates a new process of indebtedness. It contributes to an escalation of the debt.

The more you lend, the more you squeeze the developing countries into political compliance. And ultimately that is the objective of the failing American Empire.

The unspoken truth is that this one trillion dollars ++ of the Bretton Woods institutions is intended to drive up the external debt.

In recent developments, the G20 Finance ministers decided to “put on hold”,  the repayment of debt servicing obligations of the World’s poorest countries.

The cancellation of debt has not been envisaged. Quite the opposite. The strategy consists in building up the debt.

It is important that the governments of developing countries take a firm stance against the IMF-World Bank “rescue operation”. 

The Global Debt Crisis in the Developed Countries

An unprecedented fiscal crisis is unfolding at all levels of government. With high levels of unemployment, incoming tax revenues in developed countries are almost at a standstill.  In the course of the last 2 months, national governments have become increasingly indebted.

In turn, Western governments as well as political parties are increasingly under the control of  the creditors, who ultimately call the shots.

All levels of governments have been precipitated into a debt stranglehold. The debt cannot be repaid. In the US, the federal deficit “has increased by 26% to $984 billion for fiscal 2019, highest in 7 years”.  And that is just the beginning.

In Western countries, a colossal expansion of the public debt has occurred. It is being used to finance the “bailouts”, the “handouts” to corporations as well as “the social safety nets” to the unemployed.

The logic of the bailouts is in some regards similar to that of the 2008 economic crisis, but on a much larger scale. Ironically, in 2008, US banks were both the creditors of the US federal government as well as the lucky recipients: the rescue operation was funded by the banks with a view to  “bailing out the banks”. Sounds contradictory?

The Privatization of the State

This crisis will  eventually precipitate the privatization of the state. Increasingly, national governments will be under the stranglehold of Big Money.

Crippled by mounting debts, what is at stake is the eventual de facto privatization of the entire state structure, in different countries, at all levels of government, under the surveillance of powerful financial interests. The fiction of  “sovereign governments” serving the interests of the electors will nonetheless be maintained.

The first level of government up for privatization will be the municipalities (many of which are already partially or fully privatized, e.g. Detroit in 2013). America’s billionaires will be enticed to buy up an entire city.

Several major cities are already on the verge of bankruptcy. (This is nothing new).

Is the city of Vancouver up for privatization?: “the mayor of Vancouver has already indicated that he feared the bankruptcy of his city.” (Le Devoir, April 15, 2020)

In America’s largest cities, people are simply unable to pay their taxes: The debt of New York City for fiscal 2019 is a staggering $91.56 billion (FY 2019) an increase of 132% since FY 2000. In turn personal debts across America have skyrocketed.

“U.S. households collectively carry about $1 trillion in credit card debt”. No measures are being taken in the US to reduce the interest rates on credit card debt.

The New World Order?

The lockdown impoverishes both the developed and developing countries and literally destroys national economies.

It destabilizes the entire economic landscape. It undermines social institutions including schools and universities. It spearheads small and medium sized enterprises into bankruptcy.

What kind of World awaits us?

A diabolical “New World Order” in the making as suggested by Henry Kissinger? (WSJ Opinion, April 3, 2020):

“The Coronavirus Pandemic Will Forever Alter the World Order”

Recall Kissinger’s historic 1974 statement: “Depopulation should be the highest priority of US foreign policy towards the Third World.” (1974 National Security Council Memorandum)

The political implications are far-reaching.

 What kind of government will we have in the wake of the crisis?

Concluding Remarks

There is a lot of misunderstanding regarding the nature of this crisis.

Several progressive intellectuals are now saying that this crisis constitutues a defeat of neoliberalism. “It opens up a new beginning”.

Some people see it as a “potential turning point”, which opens up an opportunity to “build socialism” or “restore social democracy” in the wake of the lockdown.

The evidence amply confirms that neoliberalism has not been defeated. Quite the opposite.

Global capitalism has consolidated its clutch. Fear and panic prevail. The State is being privatized. The tendency is towards authoritarian forms of government.

These are the issues which we must address.

That historical opportunity to confront the power structures of global capitalism, –including the US-NATO military apparatus– remains to be firmly established in wake of the lockdown.


The Globalization of Poverty and the New World Order

In this expanded edition of Prof. Michel Chossudovsky’s international best-seller, the author outlines the contours of a New World Order which feeds on human poverty and the destruction of the environment, generates social apartheid, encourages racism and ethnic strife and undermines the rights of women. The result as his detailed examples from all parts of the world show so convincingly, is a globalization of poverty.

This book is a skillful combination of lucid explanation and cogently argued critique of the fundamental directions in which our world is moving financially and economically.

In this updated and enlarged edition – which includes ten additional chapters and a new introduction – the author reviews the causes and consequences of famine in Sub-Saharan Africa, the dramatic meltdown of financial markets, the demise of State social programs and the devastation resulting from corporate downsizing and trade liberalization.

“This concise, provocative book reveals the negative effects of imposed economic structural reform, privatization, deregulation and competition. It deserves to be read carefully and widely.”
– Choice, American Library Association (ALA)

“The current system, Chossudovsky argues, is one of capital creation through destruction. The author confronts head on the links between civil violence, social and environmental stress, with the modalities of market expansion.”
– Michele Stoddard, Covert Action Quarterly

Global Research Price: $19.00
CLICK TO BUY

PDF Version: $9.50
Sent directly to your email – cut on mailing expenses!
CLICK TO BUY
The original source of this article is Global ResearchCopyright © Prof Michel Chossudovsky, Global Research, 2020


<span>%d</span> bloggers like this: