بعض «اللبنانيين» ومرضهم المزمن مع أحفاد «سايكس» و«بيكو» !

السيد سامي خضرا


لا ينقضي العَجَب عندما نرى كلّ يوم مَن يتذمَّر ويُعْرب عن غضبه وقلقه من الحالة التي وصل إليها لبنان من جهةِ حضور مقاومتِه المُظفَّرة والتي استَطاعت حقيقةً وليس وهماً أن تُثْبت مكاناً له على الساحة الإقليمية بحيثُ أنّ هذه المقاومة أصبحت هي الوجود الأكثر ثِقْلاً على الكيان الاستعماري المُصطنَع.

فالغريبُ أنّ بعض اللبنانيين الذين لا يُحبّون لبنان إلا من خلال الأغاني والعنتريات والكِبَّة والدبكة عندما يُطرحُ أمامهم الاِستقلال الحقيقي عن كلّ التاريخ الاِستعماري السابق يُبادرون فوراً إلى الإنسلاخ عن مظهرهم «الإنساني» ذي النكهة اللبنانية ويَنكفئون إلى نفوسهم «الضَّبعيَّة» لأنّ طباعهم الأصلية غَلَبَت تطبُّعَهم المُتَصنَّع.

والمُتَتَبِّع لهؤلاء يلقى منهم عجباً:

ففئةٌ منهم تفضحهم مواقفهم وسقطاتُ ألسنتهم وقسماتُ وجوههم عندما يَنسونَ أحياناً أنّ ما يقولون ويُعلنون سوف يُنقل بوسائل مختلفة فيغوصون في ساعة تخلّ إلى أعماق نفوسهم ويغفلون عن الذي هم فيه من مكان وزمان ومحيط وظروف فينطقون بما يعتقدون حقيقة دون رتوش ويبُخُّون سمومهم من دون تكلُّف أو تصنُّع اعتادُوه.

لذلك نسمعُ أحياناً وعلناً كلماتٍ ومصطلحات لا يُمكن قَبولها بأيّ ميزانٍ من الموازين.

ومثال ذلك ذاك الذي يتحدثُ عن أهل وطنه وبعض محيطه على أنهم «غرباء» بحيثُ لا تُميِّز في خطابه بين صديقٍ وعدوّ:

فكلّ مَن جاراهم في أكاذيبهم ومهما كان أصله وفصله ومواقفه وتاريخه ومن أيّ جنسيةٍ أو قوميةٍ أو خلفية أو ثقافة… يُعتبرُ صديقاً!

بينما كلّ مَن خالفهم أعتُبِر من المنبوذين ولو كان من أهل الغيرة والأصالة ومن نفس الوطن أو المدينة أو القومية.

وها نحن اليوم نرى على وسائل التواصل كما نسمع من ذاك «الطبيب المُثقف» أنّ لقاحات الكورونا ينبغي أن تكون للبنانيين حصراً وليس للغرباء!

ولا ندري ألِهذا مرجعية سياسية ساكتة أم مُتغافلة أم مُتبَنِّية أم تقبل وتغضّ النظر؟!

وعلى كلّ حال فإنَّ مثل هذا «الطبيب المُتحضر والمُثقف الفينيقي» لا شك ولا ريب أنه أرعنٌ أحمق.

فلكلّ هؤلاء الذين يقفون على الأطلال التاريخية اللصيقة بوحشية الإستعمار نقول لِمن يفهم منهم أو يَعي:

إنّ الأحداث والأوطان لا تُقاس بالعقود الزمنية، فإذا كنتم تعتمدون على تاريخٍ أو وطن مُخترع ومُدعَّم بالأكاذيب والأضاليل فنتيجة ذلك إلى زوال لأنّ النصر يكون لِمن يعتمد على تاريخ الشعوب والحقائق والروابط الجغرافية والإنسانية الضاربة في عمق التاريخ.

فالذي اخترع «لبنان الكبير» وحدَّد بدايته هو ذاته وبيده وبإرادته وبقراره مع شركائه وطبقاً لمصلحته يُحدِّد نهاية لبنان الكبير لو استطاع!

فلبنان اليوم هو بالأصل جزء من «الشام الكبير» بعائلاته وعاداته واجتماعياته وجذوره وتاريخه وعلاقاته وسائر تفاصيل وجوده ومعيشته… وإنْ أنكر ذلك بعض مَن له أقارب وأرحام في كلّ بقاع الشام العزيز من أجل أن يبدو مُتميِّزاً مُتعالياً عن أهله وأصله وأصوله وإخوته وبني عمومته!

فَكُفُّوا عن نغمة الحدود النهائية للكيان، فالبدايةُ لم تكن بأيديكم والنهاية لا تكون بأيديكم.

لأنَّ الجديد الذي تتجاهلوه أنّ مقاومةً باسلةً جهاديةً مَنَّ الله بها على «بلاد الشام» فلم يعد للمستعمر فضلاً عن أذنابه وأبواقه صوتٌ مسموع، فالقرار ليس بيده والأمور تغيَّرت ويبقى أن تتغيّر عقولكم.

والذين اخترعوا سايكس بيكو بكلّ تفاصيله ليكون مع دولةٍ يهودية هي بمثابة حاملة طائرات للغرب ما زالوا أحياء مستمرّين في أحفاد «سايكس» كما أحفاد «بيكو»، ولكن الفرق أننا اليوم لدينا عصا غليظة تَضرب على رؤوسهم فينقلبُوا خائبين.

كفى تحاملا على الأخوة الفلسطينيّين والسوريّين

معن بشور 

خطاب التحريض العلني أو الضمني على الأخوة الفلسطينيين والسوريين، كما خطاب التحريض الطائفي والمذهبي ضد هذا المكوّن اللبناني أو ذاك، ليس مرفوضاً لأسباب وطنية وقومية وأخلاقية وإنسانية فحسب، بل مرفوض لأسباب تتصل بالاستقرار اللبناني، والاقتصاد اللبناني، أو ما تبقى من اقتصاد لبناني…

فالتحريض على أي جماعة لبنانية أو مقيمة في لبنان يؤدي إلى إثارة مخاوف وهواجس عدة تشكل بدورها التربة الخصبة لأي مشروع فتنوي أو إرهابي أو تقسيمي يهدد البلاد، بل إنّ التحريض نفسه هو عامل التفجير الأساسي الذي دفع لبنان، بأبنائه والمقيمين على أرضه أبهظ الأثمان بسببه..

فالجميع يعلم أنّ الفلسطينيين موجودون في لبنان، بغير إرادتهم، وأنهم يناضلون منذ عشرات السنين، ويقدّمون الشهداء بعشرات الآلاف، من أجل العودة إلى بلادهم، وما من أمر يعيق عودتهم إلى بلادهم سوى إدخالهم في حروب مع الشعوب المضيفة التي من المفترض أن تخوض إلى جانبهم معركة العودة والتحرير…

فإسقاط التوطين، الذي نص الدستور اللبناني في مقدّمته على رفضه، معركة مشتركة بين اللبناني الذي لا يتحمّل وجود هذا العدد البشري على أرضه المحدودة المساحة، والمحكومة بجملة اعتبارات معقدة، والفلسطيني الذي يؤكد، ولو كان يقيم في أغنى بلدان العالم، أن لا أرض عنده أغلى من أرض فلسطين، ولا وطن أعز من الوطن الفلسطيني.. ولا كرامة له إلا في وطنه الأمّ…

فهل التحريض بين يوم وآخر ضد الفلسطيني يؤدي إلى مقاومة التوطين، أم أنه يسهل من خلال الفتنة تحقيق مشروع التوطين نفسه، وقد قلت في بداية التسعينيات من القرن الماضي في ندوة عقدها المنتدى القومي العربي في دار الندوة إنّ “فتنة التوطين تؤدي إلى توطين الفتنة”، ولعل ما شهدناه في لبنان من حرب فتنويّة امتدت أكثر من 15 عاماً هو أكبر دليل على عبثية هذا التحريض وخطورته التفجيرية..

ولن ندخل هنا في تعداد إسهامات الأخوة الفلسطينيين “اللبنانية”، على صعيد العلم والثقافة والإبداع والاقتصاد والأعمال، ومساهمتهم عبر العاملين من أبنائهم في الخارج بإرسال تحويلات مالية كبيرة كانت أحد موارد لبنان من العملة الصعبة، فلقد كانت مقالة الأستاذ طلال سلمان “الفلسطينيون جوهرة الشرق الأوسط” رائعة في إبراز دور الفلسطينيين في النهضة اللبنانية العامة خير معبّر عن هذه الحقائق.

أما الأخوة السوريون، فهم أيضاً ضحايا حرب كونية لعينة استهدفت بلدهم، ودمّرت دولتهم، وحاصرت دور وطنهم وموقعه التاريخي والجغرافي معاً، وهم كانوا دائما شركاء مع اللبنانيين في مراحل نهوضهم، سواء كعمال كادحين أو كمتمولين كبار، كما أنّ سورية كانت تفتح ذراعيها لكل لبناني، وإلى أيّ جماعة انتمى، ممن كانت ظروف صعبة تدفعه إلى مغادرة بيته لأشهر أو سنوات.

وبدلاً من أن نكتفي بالحديث عن العبء الذي يشكله وجودهم في لبنان، وهو بالتأكيد عبء حقيقي رغم المليارات من الدولارات التي دخلت إلى الخزينة من الخارج لإغاثتهم، يجب أن نسعى لوضع اليد مع الحكومة السورية لتأمين العودة الآمنة والكريمة لهم، خاصة أنّ بلادهم الحمدلله قد نجحت في إعادة الأمن إلى الجزء الأكبر من ربوعها، وأن نضغط بكلّ الوسائل على القوى الخارجية، وهي معروفة للجميع، وفي مقدمها الولايات المتحدة وأدواتها، والتي تحول دون عودتهم إلى بلادهم في محاولة منها لاستخدامهم في أجندات “مواصلة الحرب” على سورية بأشكال جديدة، وزعزعة الاستقرار فيها، وهناك أكثر من سيناريو يجري تداوله بهذا الصدد..

ثم ألا يدرك أصحاب الخطاب التحريضي، على اختلاف مواقعهم، أنهم يزرعون أحقاداً بين شعوب تربطها عبر القرون وشائج قربى وروابط أخوة، ومصالح مشتركة، فتعيش المنطقة بأسرها أجواء توتر دائم وتفجر مستمر، يكون لبنان ضحيتها الأولى، لا سيما أنّ بوابته إلى العمق العربي والإقليمي هي البوابة السورية. وانّ مطامع العدو الصهيوني في أرضه وكيانه ونفطه ليست خافية على أحد.

إلا ان أخطر ما في الخطاب التحريضي، المنتشر هنا وهناك، هو حين يساوي أصحابه بين الوجود المدني الفلسطيني والسوري، وهو وجود اضطراري كما يعرف الجميع، وبين الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الإرهابي التدميري، وكلاهما ثمرة مشروع أكبر يستهدف وحدة مجتمعنا، واستقرار بلادنا، وتدمير مقومات نهوضنا.

وهذا الخطاب الذي لا يميّز بين الجلاد والضحية هو كما يعرف الجميع، خطاب غير أخلاقي وغير إنساني، وغير عادل في الوقت نفسه.

أما الذين يعتقدون أنّ الخطاب التحريضي، طائفياً كان أم مذهبياً أم عنصرياً، قد يحقق لهم مكاسب سياسية أو انتخابية، مشابهة لما كان يحصل في السابق، فهم مخطئون جداً، لأنّ ظروف اليوم هي غير ظروف الأمس، علماً أنّ نتائج خطاب الأمس التحريضيّ لم تأتِ سوى بالوبال على لبنان وعلى أصحاب هذا الخطاب نفسه.. وإلى الجماعات التي يدّعون حمايتها.

من المعروف أنّ “أول الحرب كلام” وأنّ من يطلق كلامه على عواهنه إرضاء لعصبية أو غريزة أو جماعة، إنما يسيء إلى نفسه أولا وإلى الجماعة التي ينتمي إليها ثانياً، وإلى وطننا الغالي لبنان دائماً…

قليلاً من التبصّر يا أولي الألباب، فالتبصّر وحده طريقنا لمنع التفجر.

الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

%d bloggers like this: