جعجع… قاطع الطرق

فراس الشوفي

الجمعة 21 أيار 2021

جعجع... قاطع الطرق
(هيثم الموسوي)

يمتهن سمير جعجع قطع الطرقات، ولذلك هو قاطع طرق. قطع في الماضي الطريق على السلم الأهلي، واليوم يحاول قطع الطريق على التغيّرات الإقليمية وانعكاساتها في لبنان، كما قطع قبل عام ونصف العام الطريق على اللبنانيين وبالأمس على السوريين بهراوات من الحقد، وحجارة من الجهل، اعتدى عددٌ من أنصار حزب القوات اللبنانية في منطقتي نهر الكلب وجل الديب، على سياراتٍ وحافلات تقلّ ناخبين سوريين أثناء توجّههم للمشاركة في الانتخابات الرئاسية السورية، في مقرّ السفارة في اليرزة.

BBC

وبالتوازي، كانت مجموعات أخرى، تضمّ خليطاً من «متعصّبين» في بلدتي سعدنايل وتعلبايا، وعلى خط الساحل الجنوبي في خلدة والناعمة من بقايا مجموعات أحمد الأسير، تعترض أيضاً طريق السوريين، في عملٍ هجين من العنف والجهل، أنتج ما لا يقل عن عشرين جريحاً تعرّضوا للضرب بآلات حادة.

هذا المشهد، لم يأت من فراغ، إنّما من قرار تخريبي اتخذه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع قبل يومين، وعبّر عنه أول من أمس بسلسلة تغريدات دعا فيها إلى طرد الناخبين الذين يقترعون لصالح الرئيس بشّار الأسد في الانتخابات، معطياً الضوء الأخضر لمجموعات الشغب للاعتداء على الأبرياء لمجرّد أنّهم يمارسون حقّهم في التعبير عن موقفهم السياسي. كلام جعجع، سرعان ما لاقاه بيانٌ تحريضي آخر من النائب السابق خالد الضاهر، صاحب بطولات التحريض على القوميين الاجتماعيين في حلبا، والتي أنتجت مجزرةً بحقّ 11 شهيداً عام 2008. الضاهر لم يتكف بالتحريض، إنّما لفّق موقفاً عن لسان مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة، إذ ذكر في بيانه أن المفوضيّة تطالب بقائمة أسماء الناخبين لتزيلهم من لوائح النازحين الخاصة بها، في محاولة لثنيهم عن الاقتراع. في المقابل، أكّدت الناطقة باسم المفوضية ليزا أبو خالد لـ«الأخبار» أن كلام الضاهر عارٍ من الصّحة، وأن «التصويت لن يؤدّي إلى فقدان صفة اللاجئ».

لا يمكن قراءة حركة جعجع، إلّا من ضمن سياق الخيبات السياسيّة التي تعرّض لها مشروعه في الآونة الأخيرة، محليّاً وإقليمياً ودولياً. ومن التأثير النفسي لمشهد الناخبين السوريين وما يعنيه الأمر من إعلان استفتاء على الشرعيّة الشعبية والدولية للرئيس بشّار الأسد، التي ظهرت من خلال فتح السفارات السورية مقراتها في العديد من دول العالم للناخبين، لا سيّما في دول الخليج وعلى رأسها الإمارات.

لطالما استند جعجع منذ خروجه من السجن في 2003، إلى تطرّف الموقف الخليجي، لكي يبني موقفه الهجومي على سوريا والمقاومة وإيران، مستفيداً من الرغبة الأميركية في التصعيد بالداخل اللبناني. ثم لاحقاً، تسلّح جعجع بالنازحين لابتزاز الدولة السورية بمواطنيها، وسعى، مع آخرين، إلى تخريب كل جهود عودتهم بالمواقف المتطرّفة كجزء من حملة الاستغلال الدولية بالسوريين في آتون الحرب. وهو أيضاً اشترك في دعم المجموعات الإرهابية، على الأقل إعلامياً، فيما يملك أكثر من طرف لبناني، معطيات عن علاقات ربطت أمنيين (سابقين؟) في القوات بمقاتلين من «جبهة النصرة»، لتمرير الأسلحة وتأمين أماكن آمنة لهم في عددٍ من المناطق الجبلية.

ليس تشبيهاً قاسياً مقارنة موقف «إسرائيل» من المتغيّرات الدولية والإقليمية وموقف جعجع

See the source image


صحيح أن جعجع يمثّل ما تبقّى من تيار شوفيني لبناني – مسيحي متطرّف في الشكل ضد «الغريب»، لكنّه في المضمون يختار «الغريب» على هواه. فإذا كان الغريب معادياً لسوريا والمقاومة، فهو محلّ ترحيب، أمّا إن كان القريب مؤيّداً للمقاومة، فهو غريبٌ وخصمٌ وجب مهاجمته والتحريض عليه. تماماً، كما كانت علاقة جعجع بياسر عرفات نهاية الثمانينات: عداء للمقاومة الفلسطينية، ثم علاقات مفتوحة وتلقّي الأموال من حركة فتح عندما اشتعل الخلاف بين أبو عمار ودمشق.

ومن لا يذكر دعوات جعجع لـ«حكم الإخوان»، ودفاعه عن «غزوة الأشرفية» وكلام مي شدياق عن أن «عودة النازحين السوريين لن تتمّ ولو على دمائنا»؟

بكل الأحوال، إن الأجواء الدولية والإقليمية، تجعل جعجع في موقفٍ متوتّر. فالاندفاعة العربية نحو سوريا بعد انتصارها على الإرهاب وثبات الدولة وتوسّع الغول التركي، يصيب جعجع بخسارةٍ كبيرة. كما أن الحوار الإيراني – السعودي المستمر بمعزلٍ عن مفاوضات الملفّ النووي الإيراني، والغضب السعودي على الرئيس سعد الحريري، تعني أيضاً سقوطاً لخطاب جعجع التحريضي ضد إيران وحزب الله، وتعني مستقبلاً تهدئةً في لبنان أو تسويةً بالحدّ الأدنى، لا مكان لجعجع فيها، لا سيّما في ظلّ خطوط الاتصال الجديدة بين الرئيس ميشال عون والمملكة العربية السعودية، بعد أن راهن جعجع على سقوط العهد في الشارع.

أما على أرض فلسطين المحتلة، فإن التحوّلات التي واكبت انتفاضة الفلسطينيين على كامل التراب الفلسطيني، والقلق الوجودي الذي تعيشه «إسرائيل» الآن، يعني أن كل الخطط التي بنيت على مرحلة ما بعد إعلان يهودية الدولة، قد تعرضّت لانتكاسة كبرى، فسقطت صفقة القرن بالضربة القاضية.

See the source image

ليس تشبيهاً قاسياً، إن جرت مقارنة موقف «إسرائيل» من سلسلة المتغيّرات الدولية والإقليمية، وموقف جعجع، بحيث تبدو إسرائيل أكبر الخاسرين في الإقليم، ويبدو جعجع أكبر الخاسرين في لبنان.

من هنا، يمكن تفكيك سلوك جعجع أمس، وفي الأيام والأسابيع المقبلة، والنزعة التخريبية عنده. فلا شيء يمكن أن يوقف التحوّلات سوى فتنةً كبرى في لبنان، لا يبدو أن أحداً مستعداً لها غير جعجع، تماماً كما كان موقفه في العام 1994، عندما حاول قطع الطريق على مشهد استقرار ما بعد الحرب. ربّما برّأ المجلس العدلي جعجع من جريمة تفجير كنيسة سيّدة النجاة، التي اعترف العميل اللحدي جريس الخوري بوضع المتفجّرة فيها، لكنّه أدان رئيس القوّات بـ«تأليف عصابة أشرار».

اليوم أيضاً، جعجع ألّف عصابة أشرار هدفها قطع الطرقات، قطع الطرقات على الناس وقطع الطرقت على التهدئة وقطع الطرقات لمنع التحوّلات الإقليمية من أن تنعكس على لبنان. وهي مارست أيضاً قطع الطرقات على مدى العامين الأخيرين مستغلةً حالة الغضب الشعبي. قد تردّ القوات اليوم بنفي علاقتها بما حصل بالأمس، إلّا أنها فعلت الأمر عينه طوال العامين الماضين بالتبرؤ من قطع الطرقات، حتى خرج قبل أيام الوزير ملحم رياشي وأكّد المؤكّد. فهل ننتظر رياشي بعد عام أو عامين ليكشف عن دور القوات في الاعتداء على السوريين الآمنين أمس؟


إخبار بالقتل الجماعي

شوقي عواضة

لم تكنِ المرّة الأولى التي يهدّد فيها رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع بإعلان الحرب في لبنان، وما نقله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النّائب السابق وليد جنبلاط عن جعجع في مقابلته على قناة «الجديد» أول أمس كشف عن مخطّطٍ كبيرٍ وخطيرٍ يُعدُّ للبنان، وفضح مدى ارتباط جعجع بالأجندة الأميركيّة السعوديّة الإماراتيّة، إنْ لم نضف إليها الاسرائيليّة، في ظلّ سياسة المحاور التي نشهدها.

أول تهديدات جعجع السابقة كان في التاسع من أيار سنة 2008 حيث كشف موقع «ويكيليكس» عن برقية تحمل الرقم 08BEIRUT642 موجّهة من السّفارة الأميركية في بيروت إلى واشنطن على أثر زيارة جعجع المفاجئة حينها للسّفارة الأميركية في بيروت واجتماعه بميشيل سيسون القائمة بالأعمال في السفارة. ورد في مضمون البرقية «طرح جعجع لفكرة نشر قوات عربيّةٍ لحفظ السلام في لبنان، وهي فكرة، كما فهمنا، كان السعوديون أول من طرحها. وأبلغنا جعجع أنّ لديه بين 7000 إلى 10000 مقاتل مستعدين للتحرّك». وفي العام نفسه كشف موقع «ويكيليكس» عن برقيةٍ أخرى صادرة عن السفارة الأميركيّة في بيروت بعد لقائه أيضاً بميشيل سيسون، أعلن جعجع عن «وجود حاجة لتغييرٍ جذري في طبيعة النّظام الأمني في لبنان»، (هذا هو مستوى التخطيط الاستراتيجي الذي يرى أنّه ضروريٌّ جداً للحفاظ على لبنان)، مشيراً إلى «فشل الجيش في حماية الشعب»، وطالب جعجع بـ «أسلحةٍ لخمسة آلاف مقاتل تابعين له. قال لنا أنّه بإمكانه زيادة 5000 مقاتل إضافي سريعاً. (هذه عمليّة كبيرة، ولها اعتباراتٌ لوجستية عديدة. يجب أن ترسلوا شخصاً ما لإجراء تقويم معي من أجل تحريك هذه الخطة قدماً).

ذلك هو (السّيادي) الذي ينظّر على الجميع ويملي دروساً في الوطنية، يتهم حزب الله بالانقلاب على الدولة وهو أوّل المنقلبين عليها تاريخيّاً، يصوّب سهامه على المقاومة وسلاحها ويتهمها بارتباطها بأجندةٍ ايرانيّةٍ وهو ينفذ أجندات أميركا والكيان الصّهيوني ونظام آل سعود والإمارات. وكأنّه لم يرتوِ من الدم الذي سفكه ولم تمتلئ صفحاته السّوداء بأسماء ضحاياه حتى من المقرّبين. لا سيما أنّ تاريخ الرجل حافلٌ بالاتهامات والتهديد بالقتل وتقديم العروض الارتزاقيّة للأميركيين وغيرهم واستباحة لبنان وسفك دم أبنائه. وجِّهت له تهمٌ كثيرةٌ حوكم بها منها تفجير كنيسة سيدة النّجاة عام 1994 التي أدين بها أقرب المقرّبين إليه وحُفظ ملفها لعدم كفاية الأدلة التي تدينه، وحوكم بتهمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي ورئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وارتكابه مجزرة إهدن التي أدّت إلى قتل النائب طوني فرنجيّة ابن الرئيس الأسبق سليمان فرنجيّة وعائلته. ولم تردعه سنوات سجنه الـ 11 التي قضاها في زنزانته في وزارة الدّفاع عن الاستمرار في سياسته العدوانيّة وتمسّكه بمشروعه التقسيمي وولائه للخارج. وبالرغم من ذلك يصرّ على جرّ لبنان نحو حربٍ أهليّةٍ مدمّرة لم يخرج منها أيُّ فريقٍ منتصراً بل كانت هزيمة للبنان بكلّ أحزابه وأطيافه الدّينية والسياسية وكانت انتصاراً للكيان الصهيوني وأعداء لبنان. فجعجع القوي أكثر من بشير هو أكثر خبرةً في استثمار أنقاض لبنان وأرواح البشر وهو أكثر إجراماً منه وأكثر إصراراً على مشروعه التقسيمي، ينبئنا أمير الحرب بضعف حزب الله الذي لا يزال يرعب أسياده الذين يستجديهم طلباً للمساعدة من أميركيين وسعوديين وإماراتيين وهزم أدواتهم من داعش وغيرها في لبنان وسورية والعراق واليمن.

لم يخبرنا جعجع أين كانت قوّاته حين كانت القرى المسيحيّة رهينة إرهاب داعش في البقاع الشرقي وأين كانت قوّته حين كان يهاجم الجيش اللبناني الذي يتهمه بالفشل في الدّفاع عن الشعب كما ورد في إحدى البرقيات، ويعلن عن استعداده لمواجهة حزب الله بخمسة عشر ألف عنصر (مقاتل) وكأنّ غشاوة الغباء على عينيه منعته أن يرى أو يقرأ هزائم داعش وأخواتها الذين فاق تعدادهم الثلاثين ألف مقاتل، وحرمته من مشهد العزة في تحرير القلمون والجرود على يد الجيش والمقاومة.

لم يدرك جعجع أنّ حزب الله عندما يقدّم تنازلات على المستوى الدّاخلي إنّما يقدّمها من أجل الحفاظ على لبنان وقوّته، ولأنّ ثقافته هي ثقافة إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق والوطن، وهذا ليس ضعفاً من الحزب كما يتوهّم، بل هو أرقى مستوى لقوّة الحزب وديمقراطيته وإصراره على التمسّك بلبنان وطناً واحداً لجميع أبنائه، أمّا التآمر على حزب الله وسياسة الاستجداء والعودة إلى تاريخك الأسود فهو مؤامرة على لبنان وشعبه قبل أن يكون مؤامرة على حزب الله والمقاومة التي كان لها دور أساسي ومحوري في حماية المسيحيين في لبنان وسورية والعراق بسلاحها الذي حمى الكنائس ولم يفجّرها وبإنسانيتها التي اجتازتِ الحدود وهزمت داعش وحالت دون أن يصبح لبنان إماراتٍ داعشيةٍ.

تلك المقاومة التي لم تتبنَ سوى قضيّة حماية لبنان ليس لديها أجندة خارجية لا سورية ولا إيرانية ولا لديها التزامات كالتزاماتك الأميركيّة أو تعهّدات كتعهّداتك الدّموية للسعوديّة والإمارات والكيان الصهيوني.

وبالعودة إلى ما نقله جنبلاط عن جعجع فإنّ الإعلان عن استعداده لمواجهة حزب الله هو قرار إعلان حربٍ وفتنة بين اللبنانيين، وعليه فإنّ ذلك يستدعي من القضاء استدعاء جعجع ومحاكمته بتهمة التحريض الطائفي والمذهبي والتحريض على تدمير الوطن ومؤسّسات الدولة وارتكاب القتل الجماعي بحقّ أبناء الوطن.

ختاماً ليدرك جعجع تماماً أنّ من قهر الجيش الذي قيل بأنّه لا يقهر، ومن سحق داعش بكافّة فصائله ليس بحاجة لأن يثبت قوّته بالعودة إلى الوراء وتدمير الوطن الذي سيّجته ثلاثية الانتصار بدماء أبنائه من الجيش والشّعب والمقاومة

Related

%d bloggers like this: