محور المقاومة وأوكرانيا والحرب العالمية الهجينة

الثلاثاء 5 نيسان 2022

 عمرو علان 

لقد بات جليّاً، كون المعركة في أوكرانيا جزءاً من حربٍ أميركيةٍ روسيةٍ أشمل، أن رحى المعركة العسكرية تدور في أوروبا بينما تمتد الحرب الأشمل لتشمل ساحاتٍ وصوراً أخرى، كالعقوبات التجارية الغربية التي تعاظمت وتوسَّعت بعد بدء إطلاق النار. ولقد انقسمت الأطراف الدولية في هذا الاشتباك العالميّ إلى ثلاث مجموعات: حلفاءٍ مباشرين، إمّا لروسيا أو لأميركا، وحلفاءٍ آخرين غير مباشرين لأحد المعسكَرَين، وأطرافٍ أخرى ما زالت تحاول المحافظة على موقع وسطٍ بين الحلفين المتقابلين.

منذ نهاية الثنائية القطبية، سعت أميركا حثيثاً إلى فرض هيمنتها على كل دول المعمورة، ونهب ثروات شعوبها، ومحو حضاراتها وثقافاتها. ولقد وظَّفت في مسعاها هذا عدة أدواتٍ: الحرب المباشرة بشقيها العسكري والاقتصادي، والحرب الناعمة بكل وسائلها من ثوراتٍ ملوَّنةٍ وهيئات «مجتمعٍ دوليٍ» ومنظمات «مجتمعٍ مدنيٍ» وإعلامٍ،… إلخ. وكانت العولمة والأيديولوجية الليبرالية الفكر المحرّك لهذه الأدوات، ولقد أقر ستيفن وولت في «فورن بوليسي» بكون الفكر الليبرالي، الذي تبناه الغرب و«الناتو» في العلاقات الدولية، قد ساهم بشكلٍ رئيسيٍّ في وصول الأمور في أوكرانيا إلى ما وصلت إليه. وفي سبيل المسعى الأميركي لتثبيت هيمنتها على العالم، قامت منذ مطلع القرن بعدة حروب ومؤامرات في منطقتي المشرق العربي ووسط آسيا، لكن باءت كلها بفشل استراتيجي على ما يقر به جل المنظِّرين والساسة الأميركيين.

وفي غضون هذا، ترسخت قناعةٌ لدى روسيا والصين بكون أميركا تسعى لتحجيمهما، إن لم يكن تفكيكهما، كي تستمر هيمنتها على العالم، وتنهي التاريخ على النحو الذي تراه! ولكن، في غمرة انشغال أميركا بمخططاتها في منطقتي قلب آسيا وغربها، استغلت الصين الفرصة وبنَتْ قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، وقامت روسيا باستعادة التوازن لاقتصادها، وأعادت بناء جيشها وطورت أسلحته التكتيكية والإستراتيجية. وبالتوازي، كانت روسيا والصّين تُطوِّران علاقاتهما البينية ضمن «منظمة شانغهاي» وأطرٍ أخرى، بالإضافة إلى الاتفاقيات الثنائية بينهما التي تُوِّجَت بالقمَّة الصينية الروسية الأخيرة. ومع مطلع العشرية الثانية من هذا القرن، نضجت أغلب عناصر الاشتباك الكبير من أجل رسم عالم ما بعد الأحادية القطبية، حيث كانت الصّين وروسيا قد استعدتا للمواجهة، وكانتا قد وصلتا إلى مستوى متقدمٍ في تنسيق المواقف، بما فيه التوافق على التصدي لسياسة أميركا لتغيير أنظمة الدول.
كانت المعركة في سوريا أول تجلِّيات هذا الاشتباك الأوسع، بين المعسكر الروسي- الصيني الشرقي والمعسكر الأميركي الغربي، وهذا ما ظهر في استخدام روسيا والصين «الفيتو» لعدة مرات في مجلس الأمن، منهيتين بذلك مرحلة الهيمنة الأميركية على المجلس، التي سادت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. لذلك، شكَّلت الحرب على سوريا المعركة التمهيدية في الاشتباك العالمي الأشمل، ويصح وصف ما تشهده أوكرانيا اليوم بالمعركة الثانية ضمن هذا الاشتباك. ومن المبكر حالياً التنبؤ في ما إذا كانت معركة أوكرانيا آخر المعارك العسكرية فيه، لكن من الواضح أن الاشتباك العالمي مستمرٌ في صيغته الاقتصادية، وربما السيبرانية، حتى إلحاق أحد المعسكرين هزيمةً إستراتيجيةً بالخصم. من المستبعد توقُّف الحرب الاقتصادية التي بدأها الغرب على روسيا عقب حسم المعركة العسكرية في أوكرانيا. وهذا، بدوره، يستجلب حرباً اقتصاديةً مضادة من المعسكر الشرقي على ركيزتي حروب أميركا الاقتصادية: هيمنة الدولار والنظام المالي العالمي الراهن. وقد بدأ هذا بالفعل؛ فقرار روسيا تحصيل أثمان صادرات الطاقة إلى أوروبا بالروبل، والسعي لإصدار الروبل الرقمي، تعدَّان خطوتين متقدمتين في الحرب الاقتصادية المضادة.

توصيف الوضع بكونه اشتباكاً عالمياً مصيرياً للقوى الكبرى، يفيد بتبلور مساراتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ كانت قد ظهرت ملامحها منذ حين


وعليه، يمكن القول بأنّ العالم يشهد، منذ نحو عقدٍ من الزمن، حالةً تشبه الحرب العالمية؛ حرباً يمكن وصفها بالهجينة، لا هي حرب باردةٌ بالكامل، ولا ساخنةٌ بالكامل، وذلك نظراً لتفادي القوى الكبرى الدخول في صدامٍ عسكريٍ مباشرٍ بسبب الردع النوويّ المتبادل، مع الأخذ في الاعتبار أنه يصعب القطع بعدم تدهور الاشتباك العالميّ الراهن إلى الأسوأ، ولكن يبقى هذا الاحتمال الأقل ترجيحاً.
يصف ألكسندر دوغين ما يحصل في أوكرانيا بأنه حربُ استقلالٍ من هيمنة العولمة الليبرالية الغربية. الاشتباك العالميّ الراهن لا ينحصر فقط برغبة الدول الصاعدة بكسر الأحادية القطبية، بل، كما يقول، إن الحرب الراهنة في حقيقتها تدور ضد الأيديولوجية الليبرالية، التي تسعى لمحو حضارات شعوب الأرض وثقافاتها، والتي تدمّر الأسرة والمجتمع، وتنحدر بالإنسان إلى كائنٍ مسخٍ ورغائبيٍّ، متحررٍ من أية ضوابط اجتماعيةٍ أو أخلاقيةٍ.

ولا يبدو أن أميركا والغرب بعيدان من هذه القراءة لمصيرية الحرب الراهنة. فتشير طريقة تعاطي قادة الغرب مع المعركة الأوكرانية إلى أنهم يهدفون لإلحاق هزيمةٍ إستراتيجيةٍ بروسيا والمعسكر الشرقي، ولهذا فالأرجح تصاعد الضغوط الأميركية على حلفائها لحسم موقعهم في المعركة الأوكرانية، كحال الكيان المؤقت، الذي ما زال يتجنب الانحياز الكامل للجبهة الأميركية، وذلك لعدم رغبته في إغضاب روسيا، لا سيما أنه بات لروسيا حضورٌ فاعلٌ في المنطقة العربية. لكن، مع تعمُّق انقسام الأطراف بين معسكرين على وقع احتدام وطيس المعارك ومرور الزمن، يصير السؤال إلى أي مدىً سيستطيع الكيان المؤقت الاستمرار في لعبة موقفه الضبابيّ؟ ورغم العلاقات الأمنية والتجارية التي تربط الكيان المؤقت بروسيا، وعدم رغبته في استعدائها، يبقى تموضع الكيان المؤقت في المعسكر الغربي أكثر ترجيحاً، لكونه:
– في أصل وجوده صنيعةٌ غربيةٌ.
– مرتبطٌ وجودياً بالهيمنة الغربية.
– غير قادرٍ على مقاومة الضغوط الأميركية حال اشتدادها.
وهنا يُفتح بابٌ لقوى المقاومة في الإقليم، عبر استغلال تناقض المصالح الناشئ بين روسيا والكيان المؤقت. ففي المحصلة، تخوُّف الكيان المؤقت في محلّه من ردّ فعل روسيا حال تموضعه كلياً في المعسكر الغربي.
وفي الخلاصة، توصيف الوضع بكونه اشتباكاً عالمياً مصيرياً للقوى الكبرى، يفيد بتبلور مساراتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ كانت قد ظهرت ملامحها منذ حينٍ، وظهور مساراتٍ جديدةٍ يمكن لقوى المقاومة البناء عليها، لا سيما كون هذه القوى باتت لاعباً حاسماً في رسم مستقبل الإقليم، ففي نهاية المطاف، كان محور المقاومة مَن أفشل أهداف حروب أميركا الاستراتيجية في منطقتي المشرق العربي ووسط آسيا.

دولة الاحتلال وحركات المقاومة في ظل الهزّة الأوكرانية.. تقدير موقف

الخميس، 24 مارس 2022

تدور الحرب في أوكرانيا كما بات واضحًا بين معسكرين، أحدهما روسيٌ مدعوم صينيًا بشكلٍ أساسيٍ، وبدعمٍ غير مباشرٍ من دولٍ أخرى تسعى لكسر الهيمنة الأمريكية والأحادية القطبية. وفي المقابل، معسكرٌ غربيٌ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مع بعض الدول التي تخضع كليًا للنفوذ الأمريكي كاليابان مثلًا، لكن في وضع حلفاء أمريكا تفصيلٌ على ما سيأتي لاحقًا.

ويمكن قراءة أهداف كل معسكرٍ على النحو الآتي:

ـ تسعى روسيا بدايةً إلى هدفٍ مباشرٍ يتمثل في تحييد الخطر الأوكراني،الذي باتت تُشكِّله أوكرانيا عليها بعد أحداث “الثورة الملونة” في 2014، التي تم هندستها أمريكيًا، والتي أفضت إلى تنصيب نظامٍ عميلٍ للغرب، حيث باشر هذا النظام بدعمٍ وتوجيهٍ أمريكيين مساعي الانضمام لحلف شمال الأطلسي بصورة فعلية، في خطوةٍ تصب في مصلحة الأمريكي، لكنها تتعارض والمصالح القومية الأوكرانية بصفتها دولة جارة لروسيا، وتربطها بها علاقات تاريخية مميزة.

وأما الهدف الروسي الصيني الأبعد، فيتمثل في إلحاق هزيمةٍ إستراتيجيةٍ بالولايات المتحدة الأمريكية عبر إحباط خطتها في أوكرانيا، مما يثبِّت: أولًا، تراجع القدرة الأمريكية على الساحة الدولية. وثانيًا، فتح الباب أمام دينامية بعيدة المدى يمكن أن تفضي إلى إعادة تموضع دول الاتحاد السوفييتي السابقة خارج نفوذ حلف شمال الأطلسي، ويكون هذا حال حصل إعادة لعقارب الساعة إلى 1997.

ـ أما الأهداف الأمريكية المباشرة في هذه الحرب، فتتمثل في محاولة إنهاك روسيا عسكريًا قدر المستطاع في أوكرانيا كهدفٍ تكتيكيٍ، مما سيضعف من مكانة روسيا العسكرية إذا ما نجحت في ذلك أمريكا وحلف شمال الأطلسي. وأما إستراتيجيًا، فتسعى أمريكا إلى تدمير الاقتصاد الروسي وانهياره بشكلٍ كاملٍ، وذلك من خلال الحرب الاقتصادية الشرسة التي تشنها بالشراكة مع حلفائها ضد روسيا، في محاولةٍ لإنهاء الدور الروسي تمامًا، مما يمكن أن يفضي إلى تفكك روسيا الاتحادية لاحقًا، وتعي روسيا أن الحرب الاقتصادية التي بدأها الغرب عليها مستمرةٌ حتى بعد انتهاء المعركة العسكرية في أوكرانيا، ولا أدل على ذلك من تصريح رئيس وزراء بريطانيا حينما قال: إن إعادة تطبيع العلاقات مع بوتين كما حصل بعد 2014 سيكون خطأ، وكذلك تلك الدعوات التي خرجت من بعض الأوساط الغربية والتي تدعو إلى محاكمة الرئيس فلاديمير بوتين كمجرم حرب!

وأما على المدى المتوسط أو البعيد حسب تطورات الحرب ضد روسيا، فتهدف أمريكا من وراء تحييد روسيا عن ساحة التنافس الدولي إلى التفرغ لمواجهة الصين لاحقًا، بعد أن تكون قد أفقدت الصين حليفًا إستراتيجيًا، يعد وجوده عاملًا حاسمًا في المواجهة الأمريكية الصينية، وبعد أن بات الأمريكي يعتقد بصعوبة تكرار تجربة هنري كيسنجر مع الصين في حقبة الحرب الباردة.

إذن، فنحن أمام حربٍ دوليةٍ حاسمةٍ، يسعى كل طرفٍ فيها إلى تحقيق نصرٍ إستراتيجيٍ، لذلك الراجح أن تطول هذه الحرب وتزداد تعقيدًا مع مرور الزمن، وبات هذا المسار يتجلى في تصاعد حدة الخطاب الصيني في مواجهة الضغوط الأمريكية عليها، وفي المقابل في التصاعد التدريجي للضغوط الأمريكية على الصين، وذلك في محاولةٍ لإجبارها على الابتعاد عن روسيا في هذا الاشتباك، وتأتي العقوبات التي فرضتها أمريكا مؤخرًا على مسؤولين صينيين من خارج سياق الأحداث في هذا الاطار.

وتبرز هنا القضية التي يود تقدير الموقف هذا التركيز عليها، فلقد كان لافتًا موقف بعض حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التقليديين اتجاه الحرب الدائرة، حيث مازالت دولٌ كالإمارات والسعودية وتركيا ومعهم دولة الاحتلال تتململ في اتخاذ موقفٍ واضحٍ، يساند بشكلٍ كاملٍ وعمليٍ الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا، وتتباين التقديرات حول خلفيات هذا التململ، فمنها ما يضع موقفيّ الإمارات والسعودية ضمن مناوراتٍ سياسيةٍ بهدف تحصيل مكاسب من الولايات المتحدة الأمريكية في ملفاتٍ إقليميةٍ، كملف العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران وملف الحرب على اليمن، وأخرى تضع موقف تركيا ودولة الاحتلال في سياق حساباتٍ لدى هذين الأخيرين، تتعلق بعدم رغبتهما في إغضاب روسيا، لا سيما بعد أن بات لروسيا حضورٌ حاسمٌ في منطقتنا.

لكن أيً كان الحال، فالراجح أمران: 

ـ أن هذا التململ ما كان ليكون لولا تراجع سطوة الولايات المتحدة الأمريكية على حلفائها وفي العالم عمومًا، بغض النظر عن دوافع كل طرف لموقفه الضبابي اتجاه المعركة الراهنة.

ـ أنه نتيجةً لطبيعة المعركة الإستراتيجية كما تبين آنفًا، وارتفاع احتمالية أن تطول وتزداد تعقيدًا مع مرور الزمن، فمن الطبيعي أن يزداد الضغط الأمريكي على حلفائه لاتخاذ موقفٍ واضحٍ ضمن أحد المعسكرين المتقابلين، وهذا ما بدأت تظهر مؤشراته بالفعل.

وعليه، ستجد دولة الاحتلال نفسها مضطرًة للاختيار عاجلًا أم آجلًا، وعلى الأغلب لن تتمكن من المراوغة في مواقفه كثيرًا مع احتدام المعارك، وستكون من عجائب الدنيا إن اختارت التموضع في المعسكر الشرقي ضد المعسكر الغربي، فدولة الاحتلال ليست حليفًا للغرب وحسب، بل هي صنيعته بالكامل، ومرتبطٌة به عضويًا ووجوديًا، وتظل هذه الحقائق أمرًا حاسمًا في خياراتها، مهما تعددت علاقات دولة الاحتلال بدولٍ أخرى حول العالم كبيرةً كانت أم صغيرةً، ويشار هنا إلى الأنباء التي تم تداولها عن بدء الترتيبات لزيارةٍ محتملةٍ لرئيس وزراء دولة الاحتلال قريبًا للعاصمة الأوكرانية كييف.

توصيف “العملية العسكرية الخاصة” الروسية في أوكرانيا على أنها احتلال، ليس بالأمر الأبيض والأسود حسب القانون الدولي كما يحاول الغرب الترويج، فنجد مثلًا أن دولتين كبيرتين وأساسيتين كالصين والهند قد رفضتا إدانة “العملية العسكرية الخاصة” الروسية في أوكرانيا،


وكون هذه المعركة المحتدمة حاليًا تعد معركةً مصيريةً لروسيا وحتى للصين، فلابد أن يكون لتموضع دولة الاحتلال في المعسكر الغربي ـ كما هو متوقعٌ ـ أثرٌ بالغٌ على علاقاتها بروسيا وبالصين كذلك.

ويفتح هذا لحركات المقاومة لا سيما الفلسطينية منها، بابًا واسعًا للعب على تناقض المصالح بين روسيا والصين وبين الكيان المؤقت إذا ما أحسنت اقتناص الفرصة، ففي نهاية المطاف، الكثير من السلاح النوعي والكاسر للتوازن الذي حصلت عليه حركات المقاومة كان روسيًا وصينيًا.

ويبقى أخيرًا الإشارة إلى كون توصيف “العملية العسكرية الخاصة” الروسية في أوكرانيا على أنها احتلال، ليس بالأمر الأبيض والأسود حسب القانون الدولي كما يحاول الغرب الترويج، فنجد مثلًا أن دولتين كبيرتين وأساسيتين كالصين والهند قد رفضتا إدانة “العملية العسكرية الخاصة” الروسية في أوكرانيا، هذا ناهيك عن أنه لا خلاف على كون العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب، التي فرضها الغرب على روسيا، تعد خرقًا سافرًا لقواعد التجارة الدولية، وقوانين حرية التجارة حسب منظمة التجارة العالمية “WTO”.

وأما بخصوص الموقف الذي تم وصفه من البعض بموقفٍ “أخلاقي”، والذي قالت به بعض الهيئات العربية التي باتت لبرالية الهوى في جل مواقفها، ومنسجمةً مع الدعاية الغربية في تَقييم غالبية الأحداث الدولية والإقليمية، بغض النظر عن توجه تلك الهيئات سواءً أكانت إسلاميةً أم علمانيةً أم يساريةً، فبإمكانهم مراجعة كلمة الرئيس الأوكراني أمام “كنيست” الكيان المؤقت، حينما ادعى أن ما تتعرض له أوكرانيا من “خطر وعدوان” روسي، يماثل ما يتعرض له الكيان المؤقت من حركات المقاومة، ويحق لنا توقع أن يعتمد الغرب هذه الرواية كونها تدغدغ مشاعره العنصرية وتنسجم مع مصالحه الاستعمارية.


*كاتب وباحث سياسي

هل يمكن التنبؤ بطول الحرب الأوكرانية ومداها؟

الثلاثاء، 08 مارس 2022

عمرو علان

باتت محاولة قراءة مسار الأحداث وأهداف الأحلاف المتقابلة في أوكرانيا أكثر واقعيةً، وذلك بعد مرور عدة أيامٍ على بدء العملية العسكرية الخاصة الروسية في أوكرانيا، وعلى ضوء الأفعال وردود الفعل المضادة، وتصريحات الفرقاء وباقي الأطراف الدولية، فصار جلياً أن الحرب رغم كونها محصورةً في الجغرافيا الأوكرانية، إلا أنها في حقيقة الأمر تدور بين حلفين متقابلين؛ حلف روسي وآخر أمريكيّ، في مشهدٍ اكتملت فيه معظم عناصر الحرب العالمية، وما عاد ينقصه سوى امتداد شرارة الحرب المشتعلة حالياً إلى خارج الجغرافيا الأوكرانية لا قدر الله، لتتحول إلى حربٍ عالميةٍ ثالثةٍ ساخنةٍ مكتملة الأركان.

فبناءً على تصريحات الكرملين المتعاقبة، وبناءً على ما جاء في تصريحات وزارة الخارجية الروسية خلال هذه الأيام، نفهم أن روسيا قد اتخذت القرار للتدخل العسكري المباشر في أوكرانيا، عقب معطياتٍ توفرت لديها عن نشاطٍ أمريكيٍّ عسكريٍّ متزايدٍ في الساحة الأوكرانية، نشاطاتٍ تتعلق بتفعيل المنشآت النووية الأوكرانية، التي ما زالت أوكرانيا تملكها منذ حقبة الاتحاد السوفييتي، ونشاطاتٍ أخرى تتعلق بإنشاء معامل سلاحٍ بيولوجيٍّ وكيماويٍّ، ذلك بالإضافة إلى قناعةٍ تشكلت لدى روسيا، مفادها أن الغرب لم يتخلّ يوماً عن “سياسة احتواء روسيا”، التي اتبعها ضد الاتحاد السوفييتي، وذلك عبر استمرار زحف حلف شمال الأطلسي شرقاً، على عكس ما كان قد وعد به الغرب الاتحاد السوفييتي قبل نحو ثلاثة عقود. لذلك جاء في طليعة أهداف العملية العسكرية الروسية، انتزاع التزامٍ من أوكرانيا بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ونزع السلاح الأوكراني، الذي هو في الحقيقة سلاحٌ أطلسيٌّ، ويُشكِّل خطراً على الأمن القومي الروسي.

قناعةٍ تشكلت لدى روسيا، مفادها أن الغرب لم يتخلّ يوماً عن “سياسة احتواء روسيا”، التي اتبعها ضد الاتحاد السوفييتي، وذلك عبر استمرار زحف حلف شمال الأطلسي شرقاً، على عكس ما كان قد وعد به الغرب الاتحاد السوفييتي قبل نحو ثلاثة عقود


لكن كان من بين ما قالته وزارة الخارجية الروسية أيضاً، أنه قد آن الأوان لإزالة الأسلحة النووية الأمريكية، التي ما انفكت هذه الأخيرة عن نشرها في القارة الأوروبية، وعلى مقربةٍ من الحدود الروسية. وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى أن الأهداف الروسية تتخطى الهدف المباشر لعمليتها العسكرية، الذي يتمثل في إزالة تهديد نشوء “روسيا مضادةٍ” على الحدود الروسية في أوكرانيا، ليظهر أن الأهداف الروسية بعيدة الأمد تشمل محاولة معالجة الواقع الأمني الذي استحدثه حلف شمال الأطلسي في أوروبا خلال العقود الثلاث الماضية، والذي يمثل تهديداً جدياً لأمن روسيا الاتحادية القومي واستقرارها.

ولا يمكن قراءة الخطوة العسكرية الروسية في أوكرانيا بمعزلٍ عن نتائج القمة الصينية الروسية الأخيرة وبيانها الختامي، الذي جاء فيه تصورٌ صينيٌّ روسيٌّ مشتركٌ لشكل النظام العالميّ الجديد، والذي رافقه توقيع صفقاتٍ صينيةٍ روسيةٍ استراتيجيةٍ في مجالات الطاقة والفضاء وغيرهما، مما انعكس على روسيا مزيداً من القوة في مواجهة الغرب، وزاد من اختلال موازين القوى لصالح روسيا وتبعاً الصين، كونهما قد دخلتا في ما يشبه الشراكة في مواجهة الهيمنة الأمريكية الغربية على العالم، وبالتالي يجعل هذا المعطى من الصين شريكاً غير مباشرٍ في الاشتباك الحاصل بين روسيا وأمريكا في أوكرانيا، ويجعل منها ظهيراً رئيساً لروسيا في معركتها ضد حلف شمال الأطلسي.

أما على المقلب الآخر، فكان لافتاً حجم وسرعة الإجراءات غير المسبوقة، التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حليفها الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين ضد روسيا. ففي غضون أيامٍ معدوداتٍ فقط، بلغت العقوبات الاقتصادية من طرفٍ واحدٍ، التي فرضها الغرب وحلفاؤه ضد روسيا، مدى يحاكي العقوبات الأمريكية على إيران، وبين ليلةٍ وضحاها قاموا برصد مبالغ طائلةٍ من أجل إمداد أوكرانيا بالسلاح.

يمكن الاستخلاص من مجموع هذه التصريحات، التي صدرت عن كلا الطرفين، أنهما يريان في الحرب الأوكرانية معركةً أولى ضمن اشتباكٍ أوسع مدى، وأطول زمناً، حول مستقبل ونفوذ حلف شمال الأطلسي في أوروبا، وبالتالي حول النفوذ الأمريكي وهيمنته العالمية، وتباعاً حول شكل وطبيعة النظام العالمي ما بعد الأحادية القطبية


وكان من جملة ما قاله الرئيس الأمريكي بخصوص الحرب الأوكرانية أنهم كانوا قد حضّروا لهذه العقوبات الاقتصادية على روسيا منذ أشهرٍ، وبأن بوتين ربما يكون قادراً على تحقيق إنجازٍ عسكريٍ في أوكرانيا، لكن العقوبات الاقتصادية التي فرضوها على روسيا ستؤدي إلى شلّ الاقتصاد الروسي على المدى المتوسط. وفي هذا الكلام إشارةٌ إلى أن الأمريكي كان يعد العدة لشن حربٍ اقتصاديةٍ ممتدةٍ على روسيا، على غرار الحرب التي يخوضها ضد إيران وكوريا الشمالية، وفيه أيضاً إشارةٌ إلى كون أمريكا تتعامل مع سقوط أوكرانيا على أنه احتمالٌ مرجحٌ، فما معنى قول بايدن بأن بوتين ربما يكون قادراً على تحقيق إنجازٍ عسكريٍ في أوكرانيا؟

ويمكن الاستخلاص من مجموع هذه التصريحات، التي صدرت عن كلا الطرفين، أنهما يريان في الحرب الأوكرانية معركةً أولى ضمن اشتباكٍ أوسع مدى، وأطول زمناً، حول مستقبل ونفوذ حلف شمال الأطلسي في أوروبا، وبالتالي حول النفوذ الأمريكي وهيمنته العالمية، وتباعاً حول شكل وطبيعة النظام العالمي ما بعد الأحادية القطبية.

يبدو أن الغرب يدرك في العمق معنى الاشتباك الذي بدأ من أوكرانيا، ومدى عمق التحولات التي يمكن أن يشهدها العالم بناءً على نتائج هذه المواجهة التي ستكون طويلة نسبياً. فلعلّ هذا ما يفسر تكتل كل المنظومة الغربية في الحرب الدائرة اليوم


لكنه من الممكن أيضاً النظر إلى الاشتباك الذي بدأ من أوكرانيا، على أنه اشتباكٌ بين الشرق الصاعد، وبين المنظومة الغربية التي بدأت بالأفول في كُلِّيَتها. فعلى عكس الحرب الباردة إبان حقبة الاتحاد السوفييتي، نجد اليوم الصين وروسيا تتوضعان في جبهةٍ واحدةٍ، بالإضافة إلى وجود لاعبٍ إقليميٍ رئيس في المعادلة، يتمثل في إيران وحركات المقاومة العربية والإسلامية، هذا المحور الذي أنهك بحقٍ الولايات المتحدة الأمريكية في منطقتيّ المشرق العربي ووسط آسيا، وأفشل مشاريعها على طوال العقود الثلاثة الماضية منذ احتلال العراق.

ويبدو أن الغرب يدرك في العمق معنى الاشتباك الذي بدأ من أوكرانيا، ومدى عمق التحولات التي يمكن أن يشهدها العالم بناءً على نتائج هذه المواجهة التي ستكون طويلة نسبياً. فلعلّ هذا ما يفسر تكتل كل المنظومة الغربية في الحرب الدائرة اليوم، حتى أننا وجدنا دولاً كفنلندا والسويد وحتى سويسرا، تنضم للمعركة الدائرة، على عكس ما كانت عليه في حقبة الحرب الباردة، هذا ناهيك عن ردة الفعل الغربية الهستيرية في مواجهة روسيا، التي لم توفر حتى القطط والشجر وكُتُب الأدب الروسي!

فهل دار الزمان دورته؟ وهل بدأ بالفعل انتقال مركز القوة من الغرب إلى الشرق كما كان عليه الحال حتى القرن السادس عشر؟

كثيرةٌ هي المعطيات التي تشير إلى هذا بالفعل.

مراهنةٌ صهيونيةٌ خاسرةٌ على المركزي الفلسطيني


الاربعاء 23 شباط 2022

المصدر: الميادين نت

عمرو علان 

جاء اجتماع المركزي ليُرتِّب مرحلة ما بعد محمود عباس، وليُسهِّل وصول رموز التعاون مع الاحتلال – على شاكلة ماجد فرج وحسين الشيخ – إلى قمَّة الهرم في سلطة أوسلو بعد غيابه.

في البدء، كان القرار الفلسطيني المستقل. حُكي آنذاك: يحصل هذا الأمر حتى لا يقدّم النظام الرسمي العربي تنازلاتٍ للكيان الصهيوني من دون اعتبارٍ لأصحاب الحق الأصيل، فصار بعد ذلك شعار النظام الرسمي العربي: نقبل بما يقبل به الفلسطينيون. 

يَخشَى الكيان الصهيوني على استقرار سلطة أوسلو بعد غياب عباس

ومن دون الدخول في نقاشٍ حول وجاهة نظر من قال بفكرة القرار الفلسطيني المستقل، قامت بعد ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، “الممثل الشرعي والوحيد” للشعب الفلسطيني، بالتوقيع على أوسلو، معترفةً بالكيان الغاصب، ومتنازلةً عن 87% من الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، وتاركةً في مهب الريح مصير ذاك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي هُجِّر من دياره في العام 1948، وهي تنازلاتٌ ما كان ليجرؤ النظام الرسمي العربي على تقديمها، لتتوالى بعد ذلك حفلات الاعتراف العربية الرسمية بالكيان الغاصب، ولسان حالهم يقول: لن نكون ملكيين أكثر من الملك.

وفي خضمّ هذا كلّه، كانت مساعي الهيمنة على قرار منظمة التحرير الفلسطينية مستمرةً من قبل حركة “فتح”، وكانت تُحقِّق تقدماً، لتُختزَل منظمة التحرير الفلسطينية في فصيلٍ فلسطينيٍ واحدٍ بدلاً من أن تكون ممثلاً للكلِّ الفلسطيني.

وفي إثر دخول منظمة التحرير الفلسطينية مرحلة أوسلو – المقيتة الذكر – أُنشئت سلطة الحكم الذاتي المسماة السلطة الفلسطينية، ليدخل الوضع الفلسطيني مرحلة أخرى من الانحدار، حتى وصلنا إلى أن يتآمر على أبو عمار، زعيم حركة “فتح” ومؤسّسها، بعضٌ من بطانته، كي يغتاله الإسرائيلي بالسمّ، في جريمة اغتيالٍ تجاهلتها السلطة، مبرّئةً بذلك الإسرائيلي منها.

بعدها، تولى محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية، ليبدأ باختزال كلٍّ من منظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح” ذاتها بسلطة أوسلو. وقد نجح في ذلك نجاحاً تحسده عليه كل الأنظمة العربية! فقد أجهز على ما كان قد بقي من منظمة التحرير الفلسطينية، وحوَّله فعلياً إلى مجرد اسمٍ ليس له كيانٌ حقيقيٌ في أرض الواقع، يستحضره كختمٍ متى احتاج إليه.

ليس هذا فحسب، فقد نجح عباس في الانحدار بسلطة أوسلو إلى دركٍ تفوَّق فيه على فصائل السلام وروابط القرى مجتمعين، فما معنى أن يصير التخابر مع العدو من أجل حراسة المستوطنات في الضفة، وتأمين المغتصَبات في فلسطين 48، والسهر على أمن قُطعان المستوطنين فيهما وراحتهم، واجباً “مقدَّساً” عند محمود عباس وسلطة أوسلو؟

واليوم، جاء اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الأخير الذي عُقِد في 6 شباط/فبراير 2022، ليشكّل سقطةً جديدةً في مسار هذا التدهور المستمر، فطامة الشعب الفلسطيني لا تنحصر في إصرار عباس على عقد اجتماع المركزي فحسب، رغم مقاطعة الأغلبية الفلسطينية له، إذ قاطعه كلٌ من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، إضافةً إلى عدم رضا أجنحةٍ من حركة “فتح” ذاتها، بل كانت الطامة الكبرى في المغزى من عقد هذا الاجتماع، وفي مخرجاته التي كانت معروفةً مسبقاً.

يَخشَى الكيان الصهيوني على استقرار سلطة أوسلو بعد غياب عباس، بسبب التجاذبات الحادة في أوساط حركة “فتح”، ولا سيّما بعد فقدان السلطة وفريق التنسيق الأمني فيها الكثير من شعبيتهما عقب معركة “سيف القدس”، وبسبب تغول السلطة في التعاون مع الاحتلال ضد المقاومين الفلسطينيين ومصالح الشعب الفلسطيني، ففي استمرار التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني مصلحةٌ عليا للاحتلال وحفظٌ لأمن المستوطنات والمستوطنين.

وقد جاء اجتماع المركزي ليُرتِّب مرحلة ما بعد محمود عباس، وليُسهِّل وصول رموز التعاون مع الاحتلال – على شاكلة ماجد فرج وحسين الشيخ – إلى قمَّة الهرم في سلطة أوسلو بعد غيابه. حصل كل هذا برضا الاحتلال ومباركته، إذ عُيَّن حسين الشيخ، الأكثر التزاماً بنهج التنسيق الأمني، في منصب أمين سر اللجنة التنفيذية، ما يمهد الطريق أمامه لرئاسة سلطة أوسلو مستقبلاً. وهكذا، وصلنا إلى اختزال سلطة أوسلو أيضاً بفريق التنسيق الأمني، وتم ترتيب القيادة لمرحلة ما بعد محمود عباس برضا الاحتلال ومباركته!

لكن ما غاب عن حسابات الصهاينة في رهانهم على مجموعة التنسيق الأمني هو وجود شعبٍ فلسطينيٍ حيّ ضاق ذرعاً بسلطةٍ باتت نسخةً مكررةً من جيش “لحد” بصورةٍ مفضوحةٍ. ولا أدلّ على وصول الشارع الفلسطيني إلى هذه الحالة إلا عمليات إطلاق النار التي قام بها مؤخراً مقاومون من كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة “فتح” ذاتها، ناهيك بفصائل المقاومة الفلسطينية المتمسكة بخيار المقاومة في الأساس.

وكان البيان المشترك الَّذي صدر عقب اجتماع المجلس المركزي عن حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، والذي رفض الاعتراف بشرعية انعقاد المجلس المركزي وقراراته، ودعا إلى تشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية، مؤشراً على شكل المرحلة القادمة.

وغاب كذلك عن حسابات الصهاينة تبدُل أحوال الإقليم، واختلال موازين القوى فيه لمصلحة حركات المقاومة العربية والإسلامية في عدة ساحاتٍ، وتراجع السطوة الأميركية في الإقليم والعالم عموماً، ما يشكِّل رافعةً لحركات المقاومة في الداخل الفلسطيني، ويجعل الرهان الإسرائيلي على استمرار سلطة أوسلو بما وصلت إليه رهاناً خاسراً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

القمة الصينية الروسية.. ولادة عالَمٍ جديدٍ

الثلاثاء 14شباط 2021

عمرو علان

القمّة الصينية الروسية الأخيرة جاءت استثنائيةً في توقيتها ومضامينها وبيانها الختامي، وهي تشير بما نتج عنها إلى تبلور معسكرٍ في مقابل معسكرٍ غربيٍ استعماريٍ تقليديٍ.

البيان الختامي للقمة تناول في 5000 كلمةٍ العديد من القضايا

عقب قمة الرئيسين الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين الثنائية، التي عُقِدت في 4 شباط/فبراير 2022، على هامش دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها الصين هذا الشهر، صدر بيانٌ ختاميٌ مشتركٌ، كما جرت العادة في القمم، لكنْ تميَّز هذا البيان الختامي في كونه جاء مفصلاً وشاملاً، إذ إنه أسَّس لمرحلة تعاونٍ صينيٍ روسيٍ مستقبليةٍ تمتدّ لسنواتٍ أو ربما لعقودٍ، فقد تناول في 5000 كلمةٍ عدة قضايا، كان من بينها:

صفقات استراتيجية في عدة حقول رئيسية، كالطاقة وتكنولوجيا الفضاء.

تنسيق مواقف البلدين تجاه قضايا الأمن الإقليمي الراهنة والمستقبلية في أوروبا ومنطقة الإندو باسيفيك.

أفكار وإشارات حول مرتكزات النظام العالمي ومستقبله، بحسب الرؤية الصينية الروسية.

صفقات استراتيجية

كشف الرئيس بوتين عن عدة مشاريع روسيةٍ صينيةٍ جديدةٍ في مجال الطاقة، من بينها صفقة تزود بموجبها روسيا الصين بعشرة بليون مترٍ مكعبٍ من الغاز سنوياً، وذلك عبر خطّ أنابيبَ جديد، ما يجعل الصين المستورد الأكبر للغاز الروسي، إضافة إلى تواتر أنباء عن أنّ شركة الطاقة الروسية العملاقة “روسنيفت” المملوكة للحكومة، ستصدّر 25% من مجمل إنتاجها النفطي للصين. 

من شأن هذه الاتفاقيات الطويلة الأمد والاستراتيجية تأمين الاستقرار في سوق الطاقة لكلا البلدين، الصين وروسيا على حدٍ سواء، وذلك في مواجهة تقلّبات سوق الطاقة العالمي التي تهدد أوروبا وآسيا. وفي هذا كلّه تدعيمٌ للتكامل الروسي الصيني في مجال الطاقة، الذي يعدّ أحد أهم المجالات الحيوية لدى الدول.

أما في مجال الفضاء، فقد وقَّعت كلٌ من الشركتين الصينية “بيدو” والروسية “جلوناسس” اللتين تديران “أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية” الصينية والروسية، على اتفاقيةٍ جديدةٍ تزيد مدى التعاون بين النظامين الصيني والروسي، ليصل إلى حدّ التكامل بينهما.

تأتي هذه الاتفاقية الجديدة لتبني على الاتفاقية المسماة “التعاون للأغراض السلمية لنظامي بيدو وجلوناسس” والتي وقَّعت عليها الصين وروسيا في العام 2018.

وتتيح الاتفاقية الجديدة للنظامين الصيني والروسي مزيداً من التكامل والاستمرارية في حالتي السلم والحرب، إذ سيتمّ استخدام النظام المتكامل للأغراض العسكرية والمدنية على حدٍّ سواء، ناهيك بكون التكامل بين النظامين الصيني والروسي يعطي دقّة لا يتجاوز فيها هامش الخطأ 1.2 متر فقط، على عكس نظام التموضع العالمي “<ج بي أس” الأميركي الذي يتراوح هامش الخطأ فيه بين 5 و10 أمتار.

تنسيق المواقف

أما تنسيق المواقف بين البلدين تجاه القضايا الأمنيّة، كما جاء في البيان الختامي، فكان أبرزه يتمثل برفض روسيا القاطع استقلالَ جزيرة تايوان عن جمهورية الصين الشعبية. في المقابل، رفضت الصين مساعي حلف شمال الأطلسي التوسع في أوروبا من دون مراعاة المخاوف الأمنية الروسية، وذلك في إشارةٍ إلى تأييد الموقف الروسي في الأزمة الروسية الأميركية الراهنة حول أوكرانيا. 

كما نسَّق البيان الختامي مواقف البلدين تجاه قضايا أمنيةٍ أساسيةٍ أخرى في منطقة الإندو باسيفيك والقارة الأوروبية، كالمواقف من حلف “أوكوس” ، والحوار الأمني الرباعي المسمى “كواد” (Quad)، وقضايا أخرى.

رؤية الصين وروسيا إلى النظام العالمي

ما تَقدَّم من أمثلةٍ على بعض ما جاء في بيان القمة الختامي من صفقات استراتيجية وتنسيق لرؤى البلدين حول قضايا أساسيةٍ راهنةٍ في الجغرافيا السياسية، يعطي فكرةً عن الخطوات العملية والملموسة التي اتفق عليها العملاق الاقتصادي الصيني مع شريكه العملاق العسكري الروسي، للدفع نحو تطبيق رؤيتهما للنظام العالمي، والتي تقوم على فكرة أنّ العالم يخرج من مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية الجانب وتسلُّط فكر العولمة الليبرالية على العلاقات الدولية، ليدخل مرحلة التعددية القطبية، واحترام سيادة الدول، وحقّها بتقرير مصيرها وصياغة نُظُمِها السياسية والاقتصادية بما يتماشى مع موروث شعوبها الحضاري، إذ ترى الصين وروسيا أنَّ العلاقات الدولية تدخل حقبة جديدة. وكانت هذه الرؤية واضحةً في عدة فقراتٍ في البيان، وفي روح اللغة المستخدمة فيه عموماً.

جاء في مقدِّمة البيان: “يمرّ العالم اليوم بتغيراتٍ بالغة الأهمية، فالبشرية تدخل مرحلةً جديدةً من التقدم السريع والتحولات العميقة، وترى هذه الظواهر في التعددية القطبية، وعولمة الاقتصاد، وحلول عصر المجتمع المعلوماتي، وتنوع الثقافات، وتحوّل بنية إدارة الشؤون العالمية والنظام العالمي، ويشهد العالم زيادةً في مستوى الترابط والتكامل بين الدول، وتوجهاً لإعادة توزيع القوة حول العالم”. وتبرز جلياً في هذه المقدِّمة الإشارة الواضحة إلى نظام عالمي يقوم على التعددية القطبية وإعادة توزيع القوة بين الدول على رقعة العالم. 

وتمضي مقدِّمة البيان ليتّضح المعنى أكثر، إذ يشير بعد ذلك إلى زيادة التحديات والمخاطر الأمنية على المستويين الدولي والإقليمي، ويضيف: “يستمرّ بعض اللاعبين الذين لا يمثلون سوى الأقلية على مستوى المجتمع الدولي بالتسويق للنهج الأحادي في معالجة القضايا الدولية، عبر اللجوء إلى القوة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، منتهكين بذلك حقوق تلك الدول ومصالحها المشروعة، ومثيرين القلاقل والخلافات، ما يعرقل تطور البشرية، في تحدٍ للمجتمع الدولي”، وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى الولايات المتحدة الأميركية ونهجها الذي يرتكز على الأحادية القطبية، لكن من دون ذكر اسمها صراحةً. 

وتتكرّر هذه الإشارات إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإلى سعيها للهيمنة على دول العالم في عدة مواضعَ من البيان، فيشير البيان في إحدى الفقرات إلى عدم وجود وصفة واحدة لتطبيق الديمقراطية، بل إنَّ الشعوب وحدها تملك الحق بالحكم على نظامها السياسي إذا ما كان ديمقراطياً، ويعود لكلِّ شعبٍ حقّ اجتراح الطرق الأصلح له من أجل تطبيق الديمقراطية، بما يتماشى ونظامه السياسي والاجتماعي وخلفيته التاريخية وتقاليده وثقافته المميزة.

في المحصّلة، جاءت القمّة الصينية الروسية الثنائية استثنائيةً في توقيتها ومضامينها وبيانها الختامي، فكما عبَّر الرئيس بوتين عن أنَّ روسيا والصين تمران بمرحلة غير مسبوقة من الصداقة والتعاون في كلِّ المجالات من دون سقوف، يشير حجم الصفقات الموقعة وطبيعتها الاستراتيجية، إضافة إلى التصور الذي قدمته القمة حول مستقبل النظام العالمي الذي يتم العمل على ترسيخه، إلى تبلور معسكرٍ في مقابل معسكرٍ غربيٍ استعماريٍ تقليديٍ يضمّ “لاعبين لا يمثلون سوى أقليةٍ على مستوى المجتمع الدولي”، بحسب وصف البيان.

وغالب الظنّ أنَّ هذا المعسكر الناشئ سيكون جاذباً لأعضاء جددٍ، سواء أكانوا من العالم الإسلامي التواق إلى التخلص من الهيمنة الغربية، أم من بعض دول أميركا اللاتينية، أم من دولٍ أفريقيةٍ، حيث توسَّع النفوذ الصيني، كما الروسي، لكن بدرجةٍ أقل.

لكن لا يجب الخلط بين طبيعة هذا المعسكر الناشئ وما كان عليه حال المعسكر الاشتراكي إبان حقبة الاتحاد السوفياتي، فدينامية العلاقات الدولية وبُنية إدارة الشؤون العالمية الحاكمة لهذا المعسكر تنبثق من ركيزتين أساسيتين: تعددية الأقطاب، واحترام خصوصية كلّ شعب في تقرير شكل نظامه السياسي والاقتصادي بما يراه مناسباً.

إذاً، شيّدت الصين وروسيا الهيكلية لمعسكرٍ ناشئٍ وواعدٍ، وتبقى العِبرة في حُسْن التطبيق، وفي عدم تضارب المصالح بين القطبين الشريكين، جراء تبايناتٍ محتملةٍ في بعض الساحات، ولا سيما في منطقتي وسط آسيا وشرق أوروبا، لأنَّ روسيا تستمد حضورها الدولي من كونها عملاقاً عسكرياً، ما يمكن أن يجعلها تستخدم القوة لتثبيت موقعها الدولي في بعض الساحات، بما يتعارض ومصالح الصين التي ترتكز على كونها عملاقاً اقتصادياً.

ورغم هذه التخوفات، ولمحاولة استشراف مستقبل كِلَا المعسكرين، يكفي النظر إلى حجم مخرجات القمة الصينية الروسية وطبيعتها، ومقارنتها بنتائج قمة جو بايدن “من أجل الديمقراطية”، التي جاءت باهتةً وهزيلةً بكل المعايير، ولا سيما بعد نفور الكثيرين حول العالم من الأيديولوجية الليبرالية التي ما انفكت تروج لكلِّ أشكال الموبقات، من ترويجٍ للشذوذ الذي يضرب المجتمعات عبر هدم مفهوم العلاقات الإنسانيّة والأسرة السويَّة، إلى استنزاف موارد كوكب الأرض، إلى الحدّ الذي باتت معه استمرارية الحياة البشرية موضع تساؤلٍ. يلخّص الفيلسوف ألكسندر دوغين نتائج القمة الصينية الروسية بالقول: “المستقبل بالتأكيد للتعددية القطبية… عالَمٌ جديدٌ قد وُلِد”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

ديمقراطية أميركا بمثابة سلاح دمارٍ شاملٍ

الخميس 16 كانون الأول

المصدر: الميادين نت

لقد بشَّر بايدن الأميركيين والعالم بأنَّ “أميركا عائدة” في فترته الرئاسية

عمرو علان

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم

في ظلِّ انشغال الأوروبيين بقضاياهم الداخلية الضّاغطة، إضافةً إلى تزامن قمة بايدن “للديمقراطية” مع المؤتمر الشعبي المؤتمر عن مستقبل أوروبا، تراجَع بشكلٍ عام الاهتمام الأوروبي بالقمة.

في مقاله الشَّهير “لماذا يجب على أميركا أن تقود مجدداً؟”، الذي نُشِر في آذار/مارس 2020 قبيل خوضه السباق الرئاسي، والذي رسم فيه جو بايدن معالم سياسته الخارجية في حال انتخابه، كان بايدن قد ركّز على فكرة كون العالم يخوض معركة “الديمقراطية” ضد “الأوتوقراطية”، بحسب فهمه. وكان من أبرز ما طرحه في مقاله ذاك، عزمه على عقد مؤتمر دولي بقيادة أميركا لدعم “الديمقراطية” وتعزيزها حول العالم.

ولعلّ القمة من أجل “الديمقراطية” التي عقدها في 9 و10 كانون الأول/ديسمبر 2021 هي ذاك المؤتمر الذي بشَّر به في مقاله المذكور، فهل جاءت قمة “الديمقراطية” ونتائجها كما بشَّر بها العالم إبان انتخابه؟

دعت الإدارة الأميركية أكثر من 100 دولة إلى قمة بايدن، لكننا نجد غياباً كاملاً لأي معايير في توجيه الدعوات، فحتى لو سلَّمنا للأميركي بمعاييره المفترضة وشهادات حسن السلوك التي خوّل نفسه توزيعها في “الديمقراطية” والحُكْم الرشيد من خلال مؤسسة “فريدام هاوس”، فإننا نجد تناقضاً واضحاً في قائمة المدعوين، فقد تمت دعوة العراق وباكستان والهند وأكرانيا مثلاً، بينما لم تتم دعوة سنغافورة، ولا تركيا وهنغاريا الأطلسيتين، ناهيك بعدم دعوة روسيا وإيران، رغم تنظيمهما انتخابات دورية وحقيقية. 

ولهذا، كان واضحاً من قائمة المدعوّين أنَّ الأميركي يتغطّى مجدداً بقضية “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” من أجل أهدافٍ جيوسياسيةٍ تتعلق بمواجهة الصين. أكّد هذا الاستنتاج الذي ذهب إليه غالبية المتابعين، دعوة تايوان إلى القمة، رغم أنها ليست دولةً مستقلةً. 

على الأرجح، كان هذا الاستنتاج هو ما دفع باكستان إلى الاعتذار عن حضور قمة بايدن، إذ قال رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، في 9 كانون الأول/ديسمبر 2021، إنَّ باكستان غير راغبةٍ في الانضمام إلى أيّ تجمعٍ سياسيٍ ضد أحدٍ، وإنَّ العالم عانى الكثير من الحرب الباردة، وإن دولته لا ترغب في أن تجد نفسها جزءاً من حربٍ باردةٍ جديدةٍ. 

وجاء موقف روسيا والصين حازماً تجاه قمة بايدن، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: “تقوم الولايات المتحدة بتدمير نظام العلاقات الدولية المؤسسة على القانون الدولي والدور المركزي للأمم المتحدة، وذلك من أجل إنشاء منطقة راحة خاصة بها تنوي واشنطن أن تهيمن فيها بانفراد…”. ولهذا السبب بالذات، تنظّم الولايات المتحدة هذه الفعالية الجماعية في شكل “قمة الديمقراطية”، التي ستمنح المشاركين فيها شرف حق خدمة المصالح الأميركية.

أما الصين، فقال المتحدث باسم وزارة خارجيتها إن الديمقراطية أصبحت منذ فترةٍ طويلةٍ سلاح دمارٍ شاملٍ تستخدمه الولايات المتحدة للتدخل في الدول الأخرى، مشيراً إلى الثورات الملونة التي أثارتها أميركا في الخارج، وتابع كلامه بالقول: “إن القمّة نُظّمت لرسم خطوط تحاملٍ أيديولوجيةٍ، واستغلال الديمقراطية… والتحريض على الانقسام والمواجهة”.

إذاً، ما كان الهدف الحقيقي من قمة بايدن – كما بات واضحاً للقاصي والداني في دول العالم – إلا مواجهة صعود الصين في الدرجة الأولى، والتصدي لعودة روسيا إلى الساحة الدولية في الدرجة الثانية. 

عندها، لا حرج إذا قيل إنَّ القمة لم تحقق الكثير على هذا الصعيد، فاستبعاد دول مثل سنغافورة، التي تقع في المجال الحيوي للصين، والتي يمكن أن يكون لها دور كبير ضمن استراتيجية أميركا لمواجهة الصين، لا يبدو خطوةً أميركيةً في الاتجاه الصحيح.

ولعلَّ استبعاد سنغافورة كان في الأساس بسبب رفض رئيس الوزراء السنغافوري الدخول في تحالف من أجل “الديمقراطية”، يكون الهدف الحقيقي منه الدخول في حربٍ باردةٍ جديدةٍ ضد الصين، ولا يبدو كذلك استبعاد تركيا ومصر، الدولتين الإقليميتين المهمتين، خطوة أميركية محسوبة، فكما قال ستيفن وولت في مقاله بعنوان “قمة بايدن للديمقراطية يمكن أن تأتي بنتائج عكسية”: “إذا ما كانت الصين تعدّ التحدي المركزي للولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة، فإن التركيز على الديمقراطية يمكن ألّا يكون الطريق الأمثل لمواجهة هذا التحدي”.

أما عن حضور أوروبا في هذه القمة، فرغم تصريحات ممثل السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوسيب بوريل، التي حثَّت الدول الأوروبية على المشاركة البنَّاءة في قمة بايدن، فإنَّ مصالح أوروبا لا تبدو متطابقة مع الولايات المتحدة الأميركية تجاه الصين في هذه المرحلة، ولا سيما في ظل جائحة “كوفيد-19” والتغيّر المناخي، إضافة إلى صعود الصين كقطب اقتصادي مهم لدول العالم، فكما أوضحت إيرين جونز وإليسا ليدو في مؤسسة كارنيغي للأبحاث: “تسود أوروبا تحفّظات على عودة أميركا لقيادة العالم، إذ يشير مصطلح “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يُعد الأكثر رواجاً في أوروبا في هذه الحقبة إلى مَنحى أوروبيّ للخلاص من الخيار بين قيادة واشنطن أو بكين”.

وأضافت جونز وليدو أنَّ البعض في أوروبا يرى أنَّ تقسيم بايدن لدول العالم بين دول “ديمقراطية” يمكن التعامل معها، وأخرى “غير ديمقراطية” لا تصلح للتعامل معها، لا يأخذ بالحسبان تعقيدات العالم في هذه الحقبة.

وفي ظلِّ انشغال الأوروبيين بقضاياهم الداخلية الضّاغطة، إضافةً إلى تزامن قمة بايدن “للديمقراطية” مع المؤتمر الشعبي المؤتمر عن مستقبل أوروبا، تراجَع بشكلٍ عام الاهتمام الأوروبي بالقمة، في إشارةٍ إلى تراجع أهمية هذه القمة على المستوى العالمي.

لقد بشَّر بايدن الأميركيين والعالم بأنَّ “أميركا عائدة” في فترته الرئاسية، وكان العمل على تعزيز ما سمّاه “الديمقراطية” في العالم ومواجهة “الأوتوقراطية”، من خلال عقد قمّة عالمية لهذا الغرض، بحيث تكون فاتحةً لمسار جديد تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وكلنا يدرك أنَّ هذه العبارات تخفي وراءها هدف مواجهة صعود الصين كقطب عالميّ، واستعادة روسيا مكانتها كقطب دولي آخر، فإذا بنا نجد بايدن يعقد قمة عن بُعد، رأى فيها الكثيرون مجرد استعراض لقيادةٍ أميركيةٍ عالميةٍ لم تَعُدْ موجودةً بالفعل، وظهر أنها كانت موجهةً إلى الداخل الأميركي أكثر من الخارج، وذلك، كما يبدو، في محاولةٍ لطمأنة الداخل الأميركي إلى موقع أميركا العالمي.

ولكنَّ المفارقة كانت في عقد أميركا مؤتمراً من أجل “الديمقراطية” عقب شهورٍ قليلةٍ فقط على إعلانها فشل مشروعها المزعوم لترسيخ ديمقراطيتها في أفغانستان، وعقب تزايد الحديث عن تراجع “الديمقراطية” في الداخل الأميركي ذاته، وذلك في ظلِّ عدم اعتراف قطاعٍ واسعٍ من بين الجمهوريين بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.

في ظلِّ تراجع الإمبراطوريات، يبدو أنَّنا سنبدأ بسماع الكثير من الجعجعة من دون رؤية الطحين. ولا أريد المبالغة كثيراً، لكنَّ قمة بايدن الأخيرة هذه تذكِّر بالقمم العربية التي لم يكن ينتج منها سوى البيانات، من دون أية نتائج عمليةٍ على أرض الواقع.إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

“حماس” في قائمة الإرهاب البريطانية.. فلماذا الآن؟

السبت 27 تشرين ثاني 2021

المصدر: الميادين نت

عمرو علان

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم

يُثبت الغرب أنه في تعاطيه مع المنظمات الفلسطينية ينطلق من ثابتة مفادها محاولة تجريد الفلسطينيين من أيّ أوراق قوةٍ يتيسّر لهم الحصول عليها في مواجهة الكيان الغاصب.

جاء إعلان الحكومة البريطانية عزمها على تصنيف حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بكاملها “منظمةً إرهابيةً” أمراً مستغرباً وخارج السياق، في نظرة أوّلية. فرغم السياسات البريطانية المعادية عموماً للقضايا العربية، تاريخياً وحاضراً، ورغم كون بريطانيا قد صنّفت منذ حين الذراع العسكرية لحركة “حماس”، “منظمةً إرهابيةً”، جاء إعلان وزيرة الداخلية البريطانية، بريتي باتل، عن سعيها لصبغ حركة “حماس” بكاملها بصبغة الإرهاب من دون أيّ مقدمات، فماذا إذن وراء الأكمة؟ وكيف ينبغي لحركة “حماس” وسائر فصائل المقاومة الفلسطينية عموماً التعامل مع هذه المسألة وشبيهاتها؟ 

يُعَدّ الإجماع الذي تَشكَّل فلسطينياً على إدانة المسعى البريطاني أمراً مبشّراً 

لنستذكر بدايةً المسعى الذي قاده رئيس الوزراء البريطاني الأسبق – السيّئ الذكر – توني بلير أواسط العَقْد الماضي مع حركة “حماس”، ذاك المسعى الذي حاول من خلاله انتزاع تنازلاتٍ من حركة “حماس” في الثوابت الفلسطينية، وإقناعها بإدخال تغييرات في نهجها المقاوم، وكان ذلك من خلال تقديم مغرياتٍ للحركة على شاكلة وعودٍ بفتح قنوات تواصلٍ مع مؤسساتٍ وشخصياتٍ برلمانيةٍ أوروبيةٍ، تفضي إلى فتح قنوات تواصلٍ مع الحكومات الأوروبية وحصول الحركة على اعترافٍ غربيٍ بها. 

وعلى إثر مسعى بلير ذاك، كانت الحركة قد أصدرت ما بات يُعرف “بوثيقة حماس”، التي رغم تخفيف الحركة من حدّة لهجتها التقليدية فيها، واستخدامها في المقابل لغةً حمّالةَ أوجهٍ، لم تتضمن الوثيقة تعديلاً جوهرياً في مبادئ الحركة، وبهذا فشل مسعى بلير وجزَرتُه في تحقيق المراد الغربي والصهيوني منهما، ومن ثم عاد بعد ذلك الاحتلال إلى أسلوب العصا من أجل كسر شوكة المقاومة الفلسطينية، حتى جاءت معركة “سيف القدس” التي فاجأت فيها المقاومة الفلسطينية – وفي طليعتها كتائب الشهيد عز الدين القسام – العالم بمدى الاقتدار الذي وصلت إليه تسليحاً وتنظيماً وتكتيكاً، وحققت فيها المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس” نقلةً نوعيةً في مسار مجابهة المحتل، وفرضت فيها حركة “حماس” نفسها لاعباً رئيساً في الساحة الفلسطينية – وحتى في الإقليم بقدرٍ ما – لكونها الفصيل المقاوم الأكبر والأكثر انتشاراً في الشارع الفلسطيني. 

ويضع البعض مسعى الحكومة البريطانية المستجد في سياق معاقبة حركة “حماس” على هذا الإنجاز، وفي سياق المحاولات الصهيونية لتفريغ الإنجاز الاستراتيجي الذي تحقق في “سيف القدس” من محتواه؛ فما رشح من مسار المباحثات الراهنة حول إعادة إعمار قطاع غزة المحاصر، يشي بزيادة الضغوط على حركة “حماس” من ناحية، وبتقديم المغريات المادية لها في إطار إعادة الإعمار من ناحية مقابِلة، وذلك بالتنسيق مع بريطانيا وأميركا وبعض الدول العربية بكل أسف. فالمطروح اليوم على الشعب الفلسطيني وفصائله المقاوِمة لا يعدو كونه مقايضة الأرض والحقوق الفلسطينية المغتصبة بالغذاء والمساعدات المادية، وهذا أمرٌ جُرِّب مع الفلسطينيين في الماضي ولم ينجح، فهل ينجح اليوم بعدما بات للفلسطينيين سيفٌ ودرعٌ، كما ثبت عملياً في معركة “سيف القدس”؟

لكن في العموم، سواء أكانت دوافع بريطانيا من وراء مسعاها تصنيف حركة “حماس” بكليتها “منظمةً إرهابيةً” الالتفاف على نتائج “سيف القدس” الاستراتيجية كما سلف، أم كانت دوافع أخرى بريطانيةً داخليةً محضةً، ففي كل الأحوال فإنّ الخُلاصات والنتائج سيّان. 

مع كل منعطفٍ، يُثبت الغرب أنه في تعاطيه مع المنظمات الفلسطينية ينطلق من ثابتة مفادها محاولة تجريد الفلسطينيين من أيّ أوراق قوةٍ يتيسّر لهم الحصول عليها في مواجهة الكيان الغاصب، وتأتي المقاومة المسلحة المشروعة في رأس قائمة أوراق القوة الناجعة التي يمكن أن تمتلكها الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ويجيء المسعى البريطاني المستجد ضمن هذه الثابتة، واستمراراً لمساعي توني بلير السابقة، لكن بطريقة التهويل ورفع العصا هذه المرة، لذلك ينبغي على أي فصيل فلسطيني أخذ العبرة، وإدراك حقيقة أن الاعتراف الغربي لن يكون إلا بالتخلي عن نهج المقاومة سبيلاً للتحرير، وأن أيّ أثمانٍ أخرى يعرضها الفلسطيني لن تؤدي إلى قبول الغرب به، وهذه تجربة “م.ت.ف.” الكارثية على القضية الفلسطينية شاخصة أمامنا.

وبناءً عليه، تصير زيادة مراكمة القوة – كما حصل في “سيف القدس” – الطريق المفيد الوحيد أمام حركة “حماس” وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية لانتزاع حضورها في المعادلات الدولية، فمن يمسك بالأرض يفرض الشروط، بمعزل عن رضى الغرب عنه من عدمه، وهذه تجربة حركة طالبان التي حاربتها أميركا عقدين من الزمن، لتعود بعد ذلك إلى التفاوض معها بحسب معطيات الميدان، هذا بغض النظر عن تقييمنا لمسيرة حركة طالبان سلباً أو إيجاباً، وأيضاً أخذ العبرة ممّا جرى مع حركة المقاومة الإسلامية في لبنان، حزب الله، الذي يصنّفه الغرب “منظمةً إرهابيةً”، ولكن مع هذا وجدنا مبعوث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مرغماً على لقاء ممثل الحزب، حينما أرادت فرنسا التوسط في تأليف الحكومة اللبنانية، وجرى اللقاء داخل حرم السفارة الفرنسية ذاتها في لبنان.

يُعَدّ الإجماع الذي تَشكَّل فلسطينياً على إدانة المسعى البريطاني أمراً مبشّراً يمكن البناء عليه، ولا ضير في التحرك الدبلوماسي الموسع الذي أعلن عنه رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية من أجل الحد من مفاعيل هذا التوجه البريطاني، لكن الردّ الناجع كان في عملية “باب السلسلة” الأخيرة، التي نفّذها الشهيد فادي أبو شخيدم، القيادي في حركة “حماس”، والتي كانت استمراراً لمعركة “سيف القدس”، كما وصفتها فصائل المقاومة الفلسطينية.

حماس تنعى الشهيد فادي أبو شخيدم منفذ عملية القدس المسلحة | البوابة

صحيحٌ أن هذه العملية لم تكن رداً مباشراً على مساعي بريطانيا مؤخّراً، إلا أن تصعيد العمل المقاوم في القدس والضفة الغربية، وتعزيز مفاعيل “سيف القدس” والبناء عليها، حتى الوصول إلى إشعال الانتفاضة الثالثة، بهدف إجبار الاحتلال على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 من دون قيدٍ أو شرطٍ، تُعَدّ الطريق الأقصر إلى استعادة بعض من الحقوق الفلسطينية المسلوبة، وإبطال مفاعيل مثل هذه المساعي، من بريطانيا وغيرها. 

هذا كان على صعيد الداخل الفلسطيني، أما على مستوى الخارج، فعلينا الإقرار بأنَّ هذه الخطوة البريطانية الجائرة ستضيف تعقيدات جديدة أمام التحركات الشعبية البريطانية المناصرة للحق الفلسطيني، على غرار التحركات التي شهدناها خلال معركة “سيف القدس”، وذلك إذا ما أخذنا في الحسبان التعقيدات القائمة فعلاً بسبب قوانين “معاداة السامية”، تلك القوانين التي يجري استغلالها بصورة فاضحة لحماية كيان الاحتلال من أيّ انتقادات أو محاسبة عن جرائمه ضد الفلسطينيين. فهل يُعقَل التفريق بين أيّ دعمٍ ذي معنى لحقوق شعبٍ تحت الاحتلال، وبين دعم حقه المشروع والأصيل في مقاومة هذا الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، وعلى رأسها المقاومة المسلحة؟

لكن في المحصّلة، يمكن للخارج تقديم ما يستطيع من دعم للداخل الفلسطيني ضمن المتاح في بيئته، وضمن مدى استعداد كل فرد للتضحية، شريطة أن لا يطلب الخارج من الداخل الفلسطيني الالتزام بالسقوف المنخفضة، فتبقى مواجهة المحتل على أرض فلسطين المحتلة وعلى باقي الأراضي العربية المحتلة هي الأصل، سواء أكان الاحتلال صهيونياً أم أميركياً. 

روسيا والصّين وخطاب قوى المقاومة

الصين تتريَّث حالياً في دخول معترك ملفات المشرق العربي السياسية وتعقيداتها

الجمعة 26 نوفمبر 2021

المصدر: الميادين نت

عمرو علان

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم

أُجبِر الكيان الصهيوني سابقاً على الانسحاب من قطاع غزة في العام 2005، وقبل ذلك من جنوب لبنان في العام 2000. وفي كلتا الحالتين، كان انسحابه من دون قيدٍ أو شرطٍ.

لعلَّ من أبرز تجلِّيات حقبة “القطب الواحد” التي عاشها العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي يشارف العالم على الخروج منها إلى “نظام عالمي” جديد ما زالت ملامحه قيد التشكل، حيث تجلَّت ملامح “القطب الواحد” باستفراد الولايات المتحدة الأميركية بالتأثير في قضايا منطقتنا العربية، إذ كانت روسيا مشغولة بعملية استعادة توازنها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكانت الصين في مرحلة بدايات بناء قوتها الاقتصادية العالمية، أما أوروبا، فكان تأثيرها قد بدأ بالتراجع في ملفات السياسة الدولية لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية منذ مشروع “مارشال”. 

أما اليوم، ونظراً إلى التحولات العميقة التي تجري في “النظام العالمي”، والتي تتمثل بعودة روسيا لتكون لاعباً دولياً رئيساً في الساحة الدولية من جهة، ولا سيما في منطقة المشرق العربي، وأيضاً في صعود الصين المطرد كعملاق اقتصادي دولي من جهة أخرى، نجد أنَّ الباب يُفتح مجدداً لهذه القوى الدولية للانخراط بشكل أكبر في ملفات المنطقة العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، القضية الأم والأكثر تعقيداً من بين قضايا المنطقة، إذ يفرض عليها التواجد الروسي العسكري في منطقتنا التعامل مع مسألة الصراع العربي الصهيوني، فكما صرَّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً: “روسيا عملت وستعمل كوسيط نزيه لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط ولتحقيق الاستقرار في المنطقة… من أجل تطبيع الوضع في الشرق الأوسط. من المهم مبدئياً دفع عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية”.

أما الصين التي يظهر أنها تتريَّث حالياً في دخول معترك ملفات المشرق العربي السياسية وتعقيداتها، فعلى الأرجح أن تجد نفسها مضطرة إلى الانخراط في هذه الملفات بقدرٍ أو بآخر، إما عاجلاً وإما آجلاً، ولا سيما أنها تسعى بشكل حثيث للاستثمار الاقتصادي في المنطقة الشرقية لحوض المتوسط، لكونها حلقة وصل رئيسية في مشروعها الاستراتيجي “الحزام والطريق”.

تطرح هذه المستجدات سؤالاً على فصائل المقاومة الفلسطينية حول الكيفية الأنسب للتعامل مع دول بحجم روسيا والصين العائدتين لأداء أدوار في قضايا منطقتنا، ولا سيما أنَّ منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد ارتضت الدخول في خديعة “عملية السلام” التي أفضت إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني المزعوم، وقبلت التنازل عن الحق العربي والإسلامي الأصيل في الأراضي المحتلة العام 1948، وما تبع ذلك من القبول بتقسيم القدس إلى شرقيةٍ وغربيةٍ، وتمييع حق العودة المقدس للاجئين الفلسطينيين، إلى درجةٍ توازي التنازل عنه عملياً، وباتت دول العالم اليوم – اللهم إلا الجمهورية الإسلامية في إيران – تنظر إلى تنازلات المنظمة على أنها السقف المقبول فلسطينياً. 

الصين مثلاً، التي كانت ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، والتي كانت من أواخر دول العالم التي اعترفت بهذا الكيان المصطنع، لم تقْدِم على الاعتراف به إلا بعدما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية به أولاً، وكان حال الصين في ذلك حال العديد من دول العالم الأخرى التي كانت تناصر الحقوق العربية والفلسطينية.

لكن قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية، مع باقي قوى المقاومة الحية في وطننا العربي والإسلامي، على عكس منظمة التحرير الفلسطينية، ما زالت ترفع لواء تحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل، بصفته الحل العادل والمنطقي للقضية الفلسطينية، ناهيك بكونه الحل الوحيد الحقيقي المتاح للصراع العربي الصهيوني، وذلك إذا ما وُضع أصل فكرة نشأت ووظيفة الكيان الصهيوني في سياقه الصحيح والأشمل ضمن الصراع مع قوى الاستعمار الغربي.

لذلك، يمكن لفصائل المقاومة الفلسطينية بناء خطابها مع هذه الدول على أساس فكرة وجوب انسحاب الاحتلال من الأراضي التي احتلها في العام 1967 من دون قيدٍ أو شرطٍ، فكل قرارات الأمم المتحدة تؤكد أن هذه الأراضي هي أراضٍ محتلة، وعلى أي احتلال الانسحاب من الأراضي التي احتلها من دون قيدٍ أو شرطٍ، ومن دون منحه أية مكافآت مقابل انسحابه هذا، وهي مسألة لا يستطيع أحدٌ المحاججة فيها بالقانون الدولي أو بغيره.

 أما الاحتلال الصهيوني، فهو حرٌ بأن يسمي هذا الانسحاب “إعادة انتشار” أو “فك ارتباط من طرف واحد” أو أي شيء آخر يريحه، فالجوهري هنا أن يكون هذا الانسحاب من دون قيدٍ أو شرطٍ، ومن دون أي تفاهماتٍ مع هذا المغتصب، وبعدها يكون لكل حادثٍ حديثٌ. 

لقد أُجبِر الكيان الصهيوني سابقاً على الانسحاب من قطاع غزة في العام 2005، وقبل ذلك من جنوب لبنان في العام 2000. وفي كلتا الحالتين، كان انسحابه من دون قيدٍ أو شرطٍ، ومن دون أن يحصل على أية تفاهمات مع المقاومة التي دحرته عن الأراضي التي كان يحتلها، وهذه التجربة يمكن تكرارها في الأراضي المحتلة العام 1967. 

أما عقيدة حركات المقاومة القائمة على تحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل من رأس الناقورة إلى أم الرشراش، فهذا أمرٌ لا شأن للقوى الدولية به، ولا تجب مناقشته مع أيٍّ من هذه الدول، فإن أرادوا التضامن مع الشعب العربي ومساعدته على استعادة حقوقه، فعليهم الضغط على المحتلّ كي ينسحب من دون قيدٍ أو شرطٍ من الأراضي التي يحتلّها باعتراف القانون الدولي، وحجّة فصائل المقاومة في هذا قوية، فتكفي الإشارة إلى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية على مدى العقود الثلاثة الماضية، وما سمي بـ”عملية السلام” وما انتهت إليه.

يرى البعض هذا الخطاب خطاباً متماسكاً، ويَصلح لمحاججة القوى الدولية الصاعدة به، فهو يضع الكرة في ملعبها، ولا يقدم في المقابل أي تنازلات عن الثوابت العربية والإسلامية في القضية الفلسطينية، ناهيك بكونه يتجاوز التنازلات التي قدّمتها منظمة التحرير الفلسطينية، والتي بات العالم يطالب الفلسطينيين بالالتزام بها، عوضاً عن مطالبة الاحتلال بالانسحاب دون قيدٍ أو شرطٍ من الأراضي التي احتلها العام 1967، بناءً على الشرعية الدولية التي تؤمن بها هذه القوى.

ويمكن القول ختاماً إنّ أيّ خطابٍ آخر تتبناه فصائل المقاومة الفلسطينية لا يلحظ فكرة وجوب انسحاب الاحتلال من دون قيدٍ أو شرطٍ، لا بد من أن يُدخِل الفصائل الفلسطينية في دوامةٍ تشبه دوامة خديعة “السلام”، إن لم تكن أسوأ. إذاً، ليخرج الاحتلال من الأراضي التي يحتلّها من دون قيدٍ أو شرطٍ أولاً. وعندها، يخلق الله ما لا تعلمون.إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

حلف «أوكوس» وأبعاده الإستراتيجيّة…

الجمعة 19 تشرين الثاني 2021

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم ،.

عمرو علان

أعلنت كلٌّ من أميركا وبريطانيا وأستراليا في 15 أيلول 2021 عن إقامتها لحلفٍ أمنيٍ باسم «أوكوس»، ودارت عقب هذا الإعلان نقاشات موسّعة حول مدى ما يمثل هذا الحلف من تحول في «الجغرافيا السياسية»، ودارت تباعاً لذلك نقاشات حول قيمة هذه الخطوة من الناحية الإستراتيجية. وقد تَشكَّل شبه إجماع على كون هذه الخطوة تُعد بمثابة تبدلٍ رئيسٍ في «الجغرافيا السياسية» العالمية، فهي تمثل تحولاً عملياً في أولوية السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة «الإندو باسيفيك»، التي تُعد المجال الحيوي للصين، ناهيك عن كونها خطوةً أميركية ملموسة ضمن محاولاتها لعرقلة تقدم الصين في المجالات الاقتصادية والتقنية والتنموية عموماً. تطرّقت عدة مقالات بارزة إلى أهمية هذا الحلف وإلى ما يمثله في «الجغرافيا السياسية»، فمثلاً أكد أستاذ العلاقات الدولية البروفيسور «ستيفن والت» على أن سبب نشوء هذا الحلف وطريقة تشكيله يكشفان عما يتجه إليه العالم في قابل الأيام، وقالت مجلة «ذي إيكونوميست» في غير مقال بأن إقامة هذا الحلف تحاكي محطات تاريخية من قبيل زيارة الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون إلى الصين في سبعينيات القرن الماضي، وبأن حلف «أوكوس» يعيد تشكيل المشهد الإستراتيجي في منطقة «الإندو باسيفيك» برمّته.

لكن، رغم إجماع الآراء على أهمية ما يمثله هذا التحالف الأمني الثلاثي في السياسة الدولية، يبقى النقاش مفتوحاً حول ثقل هذا الحلف في الميزان الإستراتيجي، وإذا ما كان يُعد تبدلاً حقيقياً في ميزان القوى في مواجهة الصين في منطقة «الإندو باسيفيك». كان أبرز ما تمخّض عن حلف «أوكوس» توقيع أستراليا على عقد شراء ثماني غواصات حربية أميركية الصنع تعمل بالدفع النووي، وذلك عوضاً عن اثنتي عشرة غواصة حربية تعمل بالوقود التقليدي، كانت أستراليا قد تعاقدت على شرائها من فرنسا سابقاً، قبل إلغاء العَقْد لمصلحة عَقْد «أوكوس» الأميركي.

وتتميز الغواصات النووية الدفع عن نظيراتها التقليدية بأنها أسرع بنحو خمسة أضعافٍ، أي بنحو عشرين عُقدة بحرية للغواصات النووية الدفع في مقابل أربع عُقَد بحرية للغواصات التقليدية الدفع، وكذلك تتميز الغواصات النووية بأنها ذات قدرة عالية على الإبحار لمسافاتٍ بعيدةٍ، ومددٍ زمنيةٍ طويلةٍ، دون الحاجة إلى التزوُّد بالوقود، فمن الممكن القول بأن الغواصات النووية قادرةٌ عملياً على مواصلة العمل طالما توفّر لطاقمها الغذاء، ما يجعل من هذه الغواصات أداةً مثاليةً في عمليات فرض الحصار البحري على الدول، علماً بأن كلاً من مخزون الغذاء على متن الغواصة، وعدد الأيام التي يستطيع الطاقم قضاءها قبل أن يعتريهم الإرهاق، هما أمران ثابتان بمعزل عن نوع الوقود الذي تستخدمه الغواصة.

وتُعد الغواصات النووية أداةً فعالةً في عمليات الرصد والتجسّس أيضاً، وذلك بسبب قدرتها على الإبحار بصمت، ما يُصعِّب عملية اكتشافها وتعقبها من قبل الخصم. لكن في المقابل، وبناءً على معايير «برنامج ترايدنت النووي» البريطاني، تحتاج القوات البحرية إلى ثلاث غواصاتٍ بالحد الأدنى لضمان وجود غواصةٍ واحدةٍ في عمق البحر، وهذا يخفض القدرة العملانية للبحرية الأسترالية من ثلاث إلى أربع غواصات ، كانت لتحققها الصفقة الفرنسية، لتصير غواصتين أو ثلاثاً في أفضل الحالات حسب ما تُؤمِّنه صفقة «أوكوس» الأميركية، ونستذكر هنا جملة الأدميرال «هوراشيو نيلسون» حينما قال: الكثرة فقط هي التي تُبيد. ويجادل البروفيسور هيو وايت، أستاذ الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الوطنية الأسترالية، في مقال عن صفقة غواصات «أوكوس» النووية، بالقول إذا ما كان هدف أستراليا الانضمام إلى أميركا في حرب عسكرية ضد الصين، فعندها يكون خيار الغواصات النووية منطقياً، ويتابع، لكن أستراليا ليست قادرة على خوض حرب ضد جيش التحرير الشعبي الصيني وحيدةً، وبدون تواجد أميركي عسكري في منطقة «الإندو باسيفيك»، أما في حال وجود أميركا في المنطقة، فلا فرق عندها بين إذا ما كانت الغواصات الأسترالية نووية أم تقليدية، ويُفهم من حديثه بأنه في هكذا حرب ضد دولة نووية كبرى كالصين، يقع العبء الأكبر على عاتق أميركا، فهل من شأن غواصتين – أو ثلاث في أحسن الحالات – قلب موازين القوى بشكل جوهري في بحر الصين الجنوبي؟

وزيادةً على ذلك، كان يفترض أن تتسلّم أستراليا الغواصات الفرنسية بحلول عام 2030، بينما تحتاج الغواصات النووية الأميركية حتى عام 2040 على أقل تقدير لتكون جاهزة، وحتى ذاك الحين، على الأرجح أن تكون الصين قد حسمت لمصلحتها قضية تايوان، التي تعدها أميركا أمراً رئيساً في مشروع مناهضتها للصين، ناهيك عن أنها ستكون قد عزّزت تواجدها بشكل واسع بالفعل ضمن مجالها الحيوي.

أما إذا كان الحديث عن حلف «أوكوس» الأمني بصفته الشق العسكري من إستراتيجية أميركية أوسع لمناهضة الصين، فهكذا إستراتيجية يلزمها بالضرورة أولاً جانب اقتصادي، ولا سيما كون المنافسة الأميركية مع الصين تتركز على صعود هذه الأخيرة كعملاق اقتصادي عالمي، وثانياً، يلزمها تحالفات أميركية صلبة ذات مغزى وفعالية. ونجد بأن أول تداعيات حلف «أوكوس» كان إغضاب فرنسا، أحد حلفاء أميركا في «الناتو»، ووصف وزير الخارجية الفرنسي سياسة الرئيس الأميركي جو بايدن بالسياسة «الترامبية»، لكن بدون «تويتر»، وعدَّها «طعنة في الظهر» ممن يفترض كونهم حلفاء لفرنسا، ووصل الأمر إلى استدعاء فرنسا لسفيرَيها في أميركا وأستراليا للتشاور. وكانت ردة فعل الفرنسيين مفهومة، سيما أن صفقة الغواصات التي خسرتها كانت تُقدر بأكثر من 65 مليار دولار أميركي.

وأثار إقامة حلف «أوكوس» تساؤلاتٍ جدية لدى أعضاء حلف شمال الأطلسي عن موقع «الناتو» في الإستراتيجية الأميركية في مرحلة مناهضة الصين، حيث أقام الأميركيون هذا الحلف الثلاثي من وراء ظهر الأوروبيين، ذلك خلا بريطانيا التي كانت شريكة أميركا في تحالفها الجديد، ولا سيما أن الإعلان عن تحالف «أوكوس» جاء مباشرةً عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي لم تنسّق فيه أميركا مع شركائها لا من أوروبيين ولا من غيرهم.

وأما في الجانب الاقتصادي، فكان معبِّراً ما كتبته مجلة «ذي إيكونوميست»، حيث عنونت: وأخيراً أميركا تُبدي جديةً في مناهضة الصين في آسيا، لكنّ تقوية التحالفات العسكرية ليست وحدها أمراً كافياً، لتمضي بالقول إن علاقة أميركا بالصين يلزمها أكثر من مجرد استعراضٍ للقوة، وإنه ينبغي على أميركا تضمين إستراتيجيتها جوانب أخرى، من قبيل التعاون مع الصين حول التغيّر المناخي ضمن قواعد للتنافس الاقتصادي، وهنا فالسياسة الأميركية لا تزال تعاني. وقد كان لافتًا قيام الصين بتقديم طلب انضمامٍ إلى «اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ» بعد يوم واحد فقط على إعلان إقامة حلف «أوكوس»، هذا الاتفاق التجاري الذي يمثل المنطقة التجارية الحرة الكبرى في العالم، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2017، ما أشار إلى عقليةٍ أميركيةٍ تجاريةٍ انعزاليةٍ، ولا يبدو أن أياً في أميركا يخطط إلى العودة إلى هذا الاتفاق بما في ذلك إدارة الديمقراطيين الراهنة، رغم تصريحات جو بايدن الانتخابية عن «تصحيح» ما قامت به إدارة دونالد ترامب، وعن نيته إعادة تقوية الشراكات الأميركية مع دول العالم. ويُعد تقديم الصين لطلب الانضمام هذا تعبيراً عن توجهاتها الاقتصادية، ويمكن إدراجه في سياق مناكفة أميركا، رغم الشكوك حول إمكانية قبول طلب الصين في هذه المرحلة من قبل الدول الأعضاء في «الشراكة عبر المحيط الهادئ».

إذاً، بنظرةٍ شاملةٍ لحلف «أوكوس» من جميع زواياه، نجد أنه يمثل تبدلاً عميقاً في «الجغرافيا السياسية»، كونه يعبر عن احتلال مناهضة الصين لرأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية لسنوات قادمة، لكنه يظل خطوة عسكرية منقوصة «نصف إستراتيجية» كما وصفته مجلة «ذي إيكونوميست»، فعزّزت أميركا بهذه الخطوة العسكرية التحالف القائم أصلًا مع أستراليا، التي تُعد قزماً إذا ما قورنت بالصين سواءً أكان بعدد السكان أم بالقوة العسكرية، ناهيك عن كون أستراليا تعتمد بشكلٍ رئيسٍ على الصين في الجانب التجاري.

مما لا شك فيه أن أميركا قد حقّقت ربحاً تجارياً من بيع الغواصات النووية الباهظة الثمن، لكنه يبدو قصير الأمد في مقابل تعثرٍ إستراتيجيٍّ طويل الأمد، نتيجة إثارتها مجدداً للشكوك حول مصداقيتها، وعن مراعاتها لمصالح حلفائها، سواءً أكانوا من «الناتو» أم من الدول الأخرى. فهل كانت إذاً أستراليا «بقرةً حلوباً» أخرى تم ابتزازها في حلف «أوكوس»؟ حيث استبدلت أستراليا صفقة فرنسية بأخرى أميركية تفوقها مرة ونصف مرة في القيمة، من أجل حيازة عتادٍ عسكريٍ مشكوك في حاجتها إليه، حسب ما خلص إليه البروفيسور «هيو وايت» بالقول: عند الأخذ في الحسبان مجموع العوامل المرافقة لتشغيل الغواصات النووية، تفوز الغواصات تقليدية الدفع بكل تأكيد، فيا ليت أدارت أستراليا تعاقداتها بقليل من المنطق.

وهل خضعت حكومة «موريسون» إلى تهديد البروفيسور الأميركي المعروف وأستاذ العلوم السياسية «جون ميرشايمر»، حيث كان قد خاطب نخبة من الإستراتيجيين الأستراليين خلال ندوة بعنوان «هل تستطيع الصين النهوض بسلام»، أقيمت في عام 2019 في أستراليا، قائلاً: يرى البعض أنه يوجد هناك بديل، السير مع الصين عوضاً عن أميركا، وفي هذا الخيار أقول – إذا قرّرتم السير مع الصين فعليكم فهم أنكم ستغدون أعداء لنا، وبأنكم تختارون العداء مع الولايات المتحدة الأميركية، فالحديث هنا يخصّ منافسةً أمنيةً حادةً، فإما أن تكونوا معنا وإما أن تكونوا ضدّنا، فإذا اخترتم الصداقة مع الصين، فهذا لن يجعلنا سعداء، وعليكم عدم الاستهانة بغضبنا حينما لا نكون سعداء، وما عليكم إلا سؤال فيديل كاسترو عن ذلك.


صعود الصين، عودة روسيا ونهاية فكرة تصدير الديمقراطية الأمريكية – البروفيسور جون ميرشايمر

مقالات سابقة


ضرب ناقلة النفط الإسرائيلية.. خارج الحسابات

السبت6 اب

الميادين نت

عمرو علان

حتى لو حاول العدو الإسرائيلي الاعتماد على البحرية الأميركية من أجل حماية سفنه التي تَعبُر تلك المنطقة، فلن يكون هذا بالأمر الهيّن، ناهيك بالتكلفة المادية التي ستترتب على إجراءات كهذه.

استُهدِفت يوم الجمعة، 30 تموز/يوليو ناقلة النفط “م/ت ميرسير ستريت”

في محاولة لقراءة ما بين السطور فيما ورد في الصحافة الإسرائيلية، يمكن أن نستنبط عدم توقُّع العدو الصهيوني الهجومَ الأخير على ناقلة النفط الإسرائيلية، من خلال ثلاثة أوجه على الأقل، بحيث تَمَثَّل الوجه الأول بالتِّقْنية المستخدمة، وتجسّد الهدف الثاني في نتيجة الهجوم. أمّا الهدف الثالث والأخير فيكمن في ساحة الاستهداف. ولعل في هذه الأوجه الثلاثة ما يضيف إلى هذه الضربة أبعاداً مغايرة لسابقاتها استهدفت سفناً إسرائيلية، كما سيأتي. وسيتبنى هذا المقال، جدلاً، الرواية الإسرائيلية الأميركية البريطانية، والتي مفادها أن إيران هي التي تقف وراء هذه الضربة الهجومية.

استُهدِفت يوم الجمعة، 30 تموز/يوليو ناقلة النفط “م/ت ميرسير ستريت” ي أثناء مرورها في بحر عُمان خلال رحلتها من تنزانيا إلى الإمارات، وكانت ترفع العَلَم الليبيري، إلاّ أن الشركة التي تتولّى تشغيلها هي شركة “مجموعة زودياك”، المسجلة في مدينة لندن، والتي تعود ملكيتها إلى الملياردير الإسرائيلي إيال عوفر. ونُفِّذ الاستهداف المزدوج بواسطة طائرتين مسيَّرتين انتحاريتين، بحيث ضربت المُسيَّرة الأولى جسم الناقلة، الأمر الذي أدّى إلى أضرار مادية في الناقلة. وبعد الضربة الأولى، جاءت المُسيَّرة الثانية لتضرب برج المراقبة، على نحو مباشر، مُوْقِعَةً قتيلين من طاقم الناقلة.

من هنا، نجد أن الوجه الأول، المتمثّل بتِقْنية الاستهداف، جاء مغايراً، إذ كان ضد هدف بحري متحرِك، وليس ثابتاً. ويلزم المُسيَّرات حتى تتمكن من إصابة هدف، من مثل هذه الشاكلة، أن تكون قابلة للتحكم فيها وتوجيهها بعد إطلاقها، على عكس الأهداف الثابتة التي يكفي معها برمجة المُسيَّرة بإحداثيات الهدف مسبَّقاً، الأمر الذي يكشف امتلاك إيران تِقْنيات تحكُّم في المُسيَّرات وتوجيهٍ لها، وهو لم يكن لدى الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية علمٌ به، كما صرّحا عقب الهجوم. وقالا إنهما الآن يعكفان على تحليل طبيعة هذه التقنية المستخدَمة. فهذا الاستهداف الأخير يُرجِّح، إلى حدّ كبير، صحةَ التصريحات الإيرانية بشأن قدرات طهران البحرية الفعلية، بحيث دار جدال بشأن هذه القضية عقب مناورات “الرسول الأعظم 15″، في كانون الثاني/يناير من هذا العام، فجادل تايلر روجوواي، على سبيل المثال، في مقال نُشر في 17 كانون الثاني/يناير 2021، في أن وصول صواريخ “أرض بحر” الإيرانية إلى مسافة 1000 ميل في عمق المحيط الهندي، وسقوطها على مسافة لا تتجاوز 100 ميل من الأسطول البحري لحاملة الطائرات الأميركية “يو أس أس نيميتز” ( USS Nimitz)، لا يتعدى عن كونه استعراضاً إيرانياً فارغ المضمون، بحيث إن مجرد إيصال مقذوف بحري إلى مسافة قريبة من هدف بحري متحرّك، لا يعني مطلقاً امتلاك القدرة الفعلية على إصابة أهداف من هذه الطبيعة، نتيجةً للتعقيدات المرتبطة بتقنيات التحكم والتوجيه.

أمّا الوجه الثاني، فيتمثّل بتعمُّد إسقاط قتلى في الهجوم، أو على أقل تقدير عدم الاكتراث لسقوط قتلى. ففي هذا الهجوم الأخير، استهدفت المُسيَّرة الثانية، على نحو مباشِر، برجَ المراقبة في الناقلة، بينما نجد أن الهجمات المماثلة السابقة كانت تتجنب بصورة واضحة إسقاط قتلى. وفي هذا رفعٌ لمستوى التحدي، ومؤشّر على كون إيران مستعدة للتصعيد إذا أقدم العدو على ردة انتقامية، وهو ما يعني محاولة لتغيير قواعد الاشتباك الراهنة.

ويبقى الوجه الثالث والمتمثّل بساحة الاستهداف، والذي لعلّه مربطَ الفرس في هذه الحادثة، ولاسيما إذا ما قُرِن بالوجه الثاني الآنف الذكر، بحيث يمكن البناء عليه في السياسة. فإدخال بحر عُمان ضمن ساحات الاشتباك كان مفاجئاً للعدو الصهيوني، على نحو واضح، وجغرافياً. فإنّ هذه الساحة تقع ضمن مجال إيران الحيوي، ويسهل عليها العمل فيها، على عكس العدو الصهيوني الذي سيكون من الصعب عليه مواجهة هجمات كهذه بالمُسيَّرات، في تلك المنطقة البحرية. وحتى لو حاول العدو الإسرائيلي الاعتماد على البحرية الأميركية من أجل حماية سفنه التي تَعبُر تلك المنطقة، فلن يكون هذا بالأمر الهيّن، ناهيك بالتكلفة المادية التي ستترتب على إجراءات كهذه، الأمر الذي سيرفع قيمة النقل البحري بصورة ملموسة على الكيان الصهيوني. وتدرك إيران حيوية ممرات النقل البحري هذه للكيان الصهيوني، كون 90% من البضائع المنقولة بحراً له تمرُّ في هذه الممرات المائية، التي باتت ضمن دائرة الاستهداف.

يقرأ البعض هذا الهجوم الأخير في خانة الردّ على العدوان الإسرائيلي، الذي استهدف مطار الضبعة السوري، والذي قالت تقارير غير مؤكَّدة إنه “سقط فيه شهداء لإيران وحزب الله”. وتستنتج هذه القراءة أن إيران قرّرت بدء الرد على الاعتداءات الصهيونية المتكررة على مواقع إيرانية في سوريا، لكن من دون أن تُحمِّل الدولة السورية عبء تبعات هذا الرد، كونه جاء من خارج الأراضي السورية.

لكن، علاوة على هذه القراءة، يمكن وضع هذا الهجوم في سياقٍ أوسع. فلقد تعرّضت في الماضي ناقلات نفط إيرانية لاعتداءات إسرائيلية في أثناء نقلها مشتقات نفطيةً إلى سوريا، الأمر الذي حدا بالبحرية الروسية إلى أن تشرع في تأمين خط هذه الناقلات. أمّا اليوم فأعلن حزب الله، غيرَ مرة، وجودَ أفكار جدية لحل أزمة الوقود اللبنانية، عبر استيراده من إيران، الأمر الذي أثار موجة قلق ورفض لدى الصهيوني ظهرت في معظم التصريحات الصادرة من داخل الكيان. وهنا، إذا أخذنا في الاعتبار طُولَ الفترة الزمنية نسبياً بين الاعتداء على مطار الضبعة السوري والهجومِ على ناقلة النفط الإسرائيلية – علماً بأن توجيه ضربة بحرية كهذه لا يلزمه كثيرٌ من الإعداد، الأمر الذي قد يُطيل مدة الردّ – علاوة على عدم تأكيد سقوط شهداء في العدوان على مطار الضبعة، يصير مستساغاً وضع هذه الهجمة في دائرة الردود على الاعتداءات الإسرائيلية السابقة على ناقلات النفط الإيرانية، في محاولة لتعديل قواعد الاشتباك، وعلى نحو يؤمِّن حماية للسفن الإيرانية المتّجهة إلى سوريا، وأيضاً لتلك المحتمل أن تتوجه إلى لبنان في المستقبل القريب، ولاسيّما أن الروسي لن يكون مهتماً بتقديم الحماية لأي سفن إيرانية متّجهة إلى لبنان.

هذا الهجوم هو الأول من نوعه، من حيث كيفيته ومكانه وطبيعته، التي أسقطت قتلى. وإذا كانت إيران تسعى لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتوسيعها، كما جادل هذا المقال، فربما يلزمها القيام بعمليات نوعية أخرى تكون على شاكلة الهجوم الأخير، ولاسيما أن العدو الصهيوني وداعميه الأميركيين لن يسلّموا بقواعد الاشتباك الجديدة بعد أول حادثة، بحيث صرَّحا بأنهما يدرسان الحادثة وكيفية الرد عليها. لكنّ الحاكم في تحديد مآلات هذه الجولة يبقى عدم استعداد كل من الإسرائيلي والأميركي للذهاب إلى صِدام عسكري مباشِر مع إيران ومحور المقاومة. وهذا يُضيِّق، إلى حدّ بعيد، الخيارات المتاحة للصهيوأميركي، بينما يظل لدى محور المقاومة عددٌ من الخطوات التكتيكية التصعيدية، والتي يمكن استخدامها وقت الحاجة.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

الانسحاب الأميركي من وسط آسيا بين الفوضى والاستقرار

Visual search query image

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم ،.

 الأربعاء 28 تموز 2021

المصدر

عمرو علان

كما كان دخول أميركا عسكرياً إلى قلب آسيا، من خلال احتلال أفغانستان قبل 20 عاماً، تبدّلاً نوعياً في وضع الجغرافيا السياسية الذي كان قائماً في وسط آسيا آنذاك، فإنَّ انسحابها اليوم لا يقلّ أهميّة كذلك من هذا المنظور.

لم يكن دخول أميركا إلى آسيا الوسطى – قبل 20 عاماً من خلال احتلال أفغانستان – نقلة هامشية في لعبتي الشطرنج الجغرافيتين، السياسية والاقتصادية، فكما يقول الأستاذ المساعد البروفيسور برياني تود في مركز البحوث الاستراتيجية “Near East South Asia Center for Strategic Studies” في جامعة ” National Defense University” الأميركية: “إذا ما كنّا – يقصد الأميركيين – خلال التسعينيات ننظر إلى منطقة وسط آسيا من خلال البعد الروسي، فإننا صرنا في الألفية الثانية ننظر إلى تلك المنطقة من خلال البعد الأفغاني”.

Visual search query image
كان الدخول العسكري الأميركي إلى قلب آسيا تحولاً استراتيجياً إذ جعل منها المهيمن الرئيس في عموم منطقة أوراسيا

إنَّ وجود أفغانستان في قلب آسيا يجعل منها عقدة مواصلات برية في حركتي نقل البضائع والأفراد، ولا سيما أنَّ لها حدوداً مشتركة مع 6 دول آسيوية، 3 منها تعد دولاً محورية، هي الصين شرقاً، وباكستان جنوباً، وإيران غرباً. يضاف إلى ذلك وقوع أفغانستان في حيّز اهتمام جمهورية روسيا الاتحادية ضمن عقيدة “الخارج القريب” أو استراتيجية “سياسة الوصول جنوباً” في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي؛ فمن خلال البرّ الأفغاني يمكن لروسيا الوصول إلى باكستان، ومنها إلى المحيط الهندي.

لهذا، كان الدخول العسكري الأميركي إلى قلب آسيا تحولاً استراتيجياً، إذ جعل منها المهيمن الرئيس في عموم منطقة أوراسيا، ومؤثراً أساسياً في سياسات دول تلك المنطقة ونُظُمِها، ما شكَّل مصدر إزعاج لكلٍ من روسيا والصين وإيران؛ فبالنسبة إلى روسيا، صار الوجود العسكري الأميركي في حديقتها الخلفية، علاوة على قطع الطريق عليها للوصول إلى المحيط الهندي. بالنسبة إلى إيران، شكَّل تموضع قوة عسكرية عدوانية على حدودها تهديداً استراتيجياً دائماً، ولا سيما بعد تمدد هذا الوجود إلى الساحة العراقية في غرب آسيا، ليضع إيران بين فكّي كماشة.

أما صينياً، فشكَّل الوجود الأميركي في أفغانستان حاجزاً أمام طريق الصين التجاري للوصول إلى الغرب؛ هذا الطريق الذي تحوّل في ما بعد إلى استراتيجية “مبادرة الحزام والطريق” الصينية. وازدادت أهمية الممر الأفغاني في “مبادرة الحزام والطريق” بعد بناء الصين ميناء “جوادر” على بحر العرب في باكستان، وبعد تَبَلْور اتفاقيات “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” الذي يعد درَّة التاج في “مبادرة الحزام والطريق”.

يظهر هذا الاهتمام الصيني المتزايد في أفغانستان في زيادة حجم المساعدات النقدية لهذا البلد، وفي اتفاقيات الاستثمار الصيني الموقَّعة حديثاً في قطاع التعدين واستغلال مناجم النحاس، إضافةً إلى مشاريع بنى تحتية أخرى من سكك حديد وغيرها.

ورغم أنَّ العديد من المشاريع الاقتصاديّة الاستراتيجيّة التي تم الاتفاق عليها بين الصين وأفغانستان ما زالت تنتظر الدخول حيز التنفيذ، ورغم أنَّ عدد الشركات الصينية التي دخلت فعلاً إلى السوق الأفغاني لم يتجاوز الـ300، وهي تقتصر حالياً على كبريات الشركات الصينية، كشركة “هواوي” مثلاً، فإنَّ المصالح “الجيو-سياسية” و”الجيو-اقتصادية” الصينية باتت واضحة في الساحة الأفغانية. كل هذه الاستثمارات الاقتصادية لا تنتظر سوى زوال العائقين الرئيسين أمام البدء بها، وهما الوجود الأميركي واستعادة الاستقرار السياسي في هذا البلد الذي أنهكه الاحتلال والحروب البينية.

إذاً، كما كان دخول أميركا عسكرياً إلى قلب آسيا تبدّلاً نوعياً في وضع الجغرافيا السياسية الذي كان قائماً في وسط آسيا آنذاك، فإنَّ انسحابها اليوم لا يقلّ أهميّة كذلك من هذا المنظور. 

وهنا، نلحظ أنَّ انسحاب الاحتلال السوفياتي أواخر الثمانينيات عقب فشله في أفغانستان، كان قد حصل ضمن استراتيجية وخطة منظمة، ما ساعد في صمود حكومة نجيب الله التي كانت مدعومة سوفياتياً حتى تفكك الاتحاد السوفياتي ذاته، بينما نجد أن الانسحاب الأميركي تم بطريقة عشوائية، ومن دون استراتيجية واضحة، ما يطرح احتمالات دخول أفغانستان في حالة عدم استقرار سياسي ودورة عنف داخلي متجدّد، حتى إنَّ صحيفة “وول ستريت جورنال” كانت قد كشفت مؤخراً عن تقديرات استخبارية أميركية جديدة تتنبأ بسقوط حكومة كابول المدعومة أميركياً خلال 6 أشهر بعد استكمال الانسحاب الأميركي.

لهذا، صدرت تقديرات في كلٍّ من روسيا والصين تُخمِّن أن طريقة الانسحاب الأميركية غير المدروسة تهدف عن عمد إلى إدخال الساحة الأفغانية في حالتي فوضى وعدم استقرار، ما يضرب الاستراتيجيتين الروسية والصينية في منطقة وسط آسيا، اللتين يعدّ استقرار أفغانستان عنصراً مهماً فيهما.

بمعنى آخر، إنَّ الأميركي يسعى إلى إشعال كرة نار ليلقي بها في الحضن الروسي والصيني، وحتى الباكستاني والإيراني، ويمكن لعدم الاستقرار في أفغانستان أن يؤثر في ساحتي باكستان وإيران الداخليتين، ولا سيّما الساحة الباكستانية. وبهذا، يترك الأميركي على عاتق هذه الدول عبء ترتيب الفوضى التي خلقها بنفسه. ولعل هذا ما يفسر رؤية الصين وروسيا للانسحاب الأميركي من أفغانستان على أنّه فرصة وتحدٍّ في آنٍ واحد.

وقد عبَّرت الصين صراحةً عن توجُّسها من طريقة الانسحاب الأميركي غير المنظم، وذلك في كلمة مندوب الصين في جلسة “مجلس الأمن الدولي” في 22 حزيران/يونيو 2021، التي خُصِّصَت لنقاش الوضع في أفغانستان، كما أكّد هذا التوجُّس وزير خارجيتها وانغ يي خلال افتتاح “منتدى السلام العالمي” التاسع الذي عُقِد في بكين في 3 تموز/يوليو 2021.

لكنْ مهما كان الحال، سواء كان انسحاب أميركا، كما وصفه بدقّة ديمتري ترنين مدير “مركز كارنيغي موسكو”، حين كتب أنَّ الانتشار الأميركي خارج العالم الغربي يتضمّن مشكلتين؛ أولهما أن الأميركي عندما يدخل منطقة بالقوة يُحدِث اضطراباً في “جغرافيّتها السياسية” السائدة، والأخرى تكون عند انسحابه، إذ يُخلِّف وراءه فوضى، أو أنَّ الانسحاب الأميركي جاء فوضوياً بشكلٍ متعمّد؛ ففي الحالتين، لا يغير ذلك من حقيقة الأمر ومما يترتّب عليه.

وحتى إن عددنا الانسحاب الأميركي تحولاً إلى استراتيجية “التحكّم في الفوضى عن بُعد” في محاولةٍ لضرب مصالح الصين وروسيا في منطقة وسط آسيا بكلفة أقل، يظل هذا انكفاءً على وقْع فشَلٍ لاحتلال دام 20 عاماً، إذ أخفق الاحتلال في تحقيق هدفه الاستراتيجي بتثبيت سيطرةٍ مستتبةٍ للأميركي وحلفائه على قلب آسيا، وعلى عقدة المواصلات البرية عبر أفغانستان.

ولا ننسى أن الهدف المعلن الأميركي عند احتلال أفغانستان كان القضاء على حركة “طالبان” نهائياً، بينما نجد اليوم أن احتمال عودة “طالبان” إلى الحكم صار كبيراً، بعد أن باتت التقارير المتواترة تشير إلى تَمكُنها من استعادة السيطرة على نحو 80% من مساحة أفغانستان في فترة زمنية قياسية، وبعد أن باتت كلّ الدول المجاورة لأفغانستان، إضافة إلى روسيا، تتعاطى مع الحركة على أنها اللاعب الرئيس في المشهد الأفغاني. وبدأت الهند أيضاً مؤخراً بفتح خطوط تواصل معها، رغم الموقف العدائي للهند تجاهها، بسبب ديناميات التحالفات في ذلك الإقليم وتعقيداتها، بين الصين وباكستان من ناحية، والهند من ناحية مقابِلة.

وفي المحصّلة، تفرض المرحلة القادمة تحدياً على الدول الفاعلة في ذاك الإقليم، ولا سيما الصين وروسيا، بالتعاون مع إيران وباكستان والهند، من أجل ترتيب الوضع الداخلي الأفغاني واستعادة هذا البلد استقراره السياسي الذي يتوقف عليه انطلاق حركة إعادة الإعمار والتنمية، بما يخدم الشعب الأفغاني بداية، ويصب تبعاً في مصلحة الاستراتيجيات الكبرى لمركزي القوى العالميين الصاعدَين، الصين ومبادرتها “الحزام والطريق”، وروسيا واستراتيجيتها “الأوراسية”؛ هذه الاستراتيجيات التي تمهّد لولادة عالَم ما بعد الهيمنة الغربية.

من أجل هذا الهدف، توجد عدة اتحادات وتحالفات إقليمية يمكن البناء عليها من أجل إعادة رسم الجغرافيتين السياسية والاقتصادية في منطقة وسط آسيا، وامتداداً غرب آسيا، لكن من دون الخوض في التفاصيل، يرى البعض أن تكون “منظمة شانغهاي للتعاون” هي الأكثر قدرة على القيام بهذه المهمة الكبرى التي لا تخلو من الفخاخ والمصاعب.

أما بالنسبة إلى آثار هذه التحولات في المنطقة العربية، فنوجزها بالمعادَلة الآتية: كل صعود للشرق، وأفول للغرب، وتراجع للإمبريالية والهيمنة الغربية، هو مصلحة محققة لـ”دول الأطراف” عموماً، ما يوجِد فرص وبيئة جديدة مؤاتية في المنطقة العربية، يبقى على عاتق العرب حُسن استثمارها وتوظيفها في مصلحة الإقليم.إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

«هندسة احتلال»

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم ،.

السبت 17 تموز 2021

عمرو علان

تطرّق معلقون كثر، بينهم كاتب هذه السطور، إلى أبعاد اغتيال الشهيد نزار بنات. حاولنا في ما يخصنا وضع جريمة في سياقها الصحيح، إذ جاءت كنتيجةٍ طبيعيةٍ لفلسفة السلطة الفلسطينية المبنية على «التنسيق الأمني»… ناهيك بإمكانية وضع تلك الجريمة ضمن ردود السلطة الفلسطينية على منجزات معركة «سيف القدس »الأخيرة، التي شكلت تحدياً لمسار أوسلو سيّء الذكر، ولمفهوم «عملية السلام» الكاذبة برمّتها… فمنجزات المقاومة في معركة «سيف القدس» مثلت هزيمةً لكلٍّ من الاحتلال والسلطة الفلسطينية على حدٍ سواء.

بناءً على تلك الخلاصات يرد في السياق تساؤلان مهمان: ماذا لو لم تتجاوب السلطة الفلسطينية مع المطالب الوطنية بحل ذاتها؟ وما هو مصير المصالحة الوطنية؟

إنّ ما انتهت إليه السلطة الفلسطينية من «تنسيقٍ أمنيٍ مقدسٍ» مع قوات الاحتلال – بما يتعارض وأبسط الثوابت الوطنية – لا يأتي خارج السياق، بل مصيرٌ شبه حتميٍّ لأي سلطة حكمٍ ذاتيٍّ تنشأ في ظل وجود إحتلالٍ، وذلك نتيجةً للعلاقة الجدلية التي تقوم بين الإحتلال وسلطة الحكم الذاتي، حيث تُوجِد هذه العلاقة طبقةً برجوازيةً حاكمةً ترتبط اقتصادياً وعضوياً بالإحتلال ذاته، فيصير بقاؤها مرهوناً ببقائه، وبذلك تتحوَّل سلطة الحكم الذاتي تلقائياً إلى أحد الأدوات الرئيسة والفعالة ضمن إستراتيجيات الإحتلال، من أجل قمع ذاك الشعب المحتل وحركات تحرره الوطنية، وهذا ما تدلل عليه التجارب التاريخية في الحالات المشابهة؛ لهذا ففرص تغيير السلطة الفلسطينية لنهجها تعدّ من شبه المستحيلات؛ إن لم تكن خارج الحسابات السياسية المنطقية بالمطلَق.

إذا ما أُخِذت هذه الحقيقة بعين الإعتبار، يسهل الخلوص إلى أن التعويل على حلّ السلطة الفلسطينية لنفسها من تلقاء ذاتها يُعدّ على الأرجح أمرًا غير واردٍ، كذلك يصير عدم تحقق الوحدة الوطنية بين حركتي «حماس» و»فتح» مفهوماً ومبرراً رغم مرور قرابة 15 عاماً على الإنقسام، ورغم كثرة المحاولات السابقة لإنهائه، فالحديث هنا عن مشروعين متضادين يلغي أحدهما الآخر، وينطبق عليهما «البرهان العقلي» في «إستحالة الجمع بين الأضداد»، فهما لن يجتمعا إلا إذا غيَّر أحدُهما خَصائصَهُ، وهذا محمودٌ في حالة السلطة الفلسطينية، لكنه مستبعدٌ لما ذُكر سابقاً، وممكنٌ في حالة حركة «حماس» بصفتها حركة مقاومة، لكنه سيكون مذموماً من الناحية الوطنية، فإذا ما حصل واجتمع هذان المشروعان فلن يكون هذا إلا ضمن احتمالين اثنين لا ثالثً لهما: فإما أن أحدهما قد غير في خصائصه الجذرية، وإما أن يكون أحدهما قد هيمن على الآخر بشكلٍ فعليٍّ بما يجعل من خصائص هذا الأخير في حكم اللاغية.

وعليه في الحالة الفلسطينية، يصير من الأجدى لفصائل المقاومة الفلسطينية صرف النظر عن مسارات المصالحة العقيمة السابقة، وذلك إذا ما كانت تنوي الالتزام بعقيدتها وبخطها المقاوم، والبحث عن مسارٍ جديدٍ يمكن أن يفضي إلى مصالحةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ واضحة المعالم، تكون مؤسسةً على أهدافٍ منسجِمةٍ، تتَّسق مع الثوابت الوطنية دون تفريطٍ.

ولقد منحتنا معركة «سيف القدس» مثالاً عملياً لمسارٍ واقعيٍ، يمكن البناء عليه لتشكيل وحدةٍ وطنيةٍ مضبوطةٍ، فبالإضافة إلى كون معركة سيف القدس قد مثلت نقلةً نوعيةً في مسار مكافحة الكيان الصهيوني، فقد طرحت أيضاً صيغة «غرفة العمليات المشتركة»، التي شكلتها «كتائب الشهيد عز الدين القسام» في قطاع غزة، بناءً على أهدافٍ وطنيةٍ واضحةٍ، وقادت من خلالها المواجهة الأخيرة بكل تفاصيلها بالتشاور والتشارك مع جميع فصائل «غرفة العمليات المشتركة» الأخرى، وقد شملت هذه الغرفة كافة الفصائل الفلسطينية المسلحة قاطبةً، بما فيها فصيلان مسلَّحان تابعان لحركة «فتح»، وحقَّقت بذلك معركة سيف القدس نصراً للشعب الفلسطيني بأكمله دون استثناءٍ، ناهيك عن الإنجاز الذي تجاوز حدوده القُطْرية الفلسطينية ليصب في طاحونة خط المقاومة والتحرير في عموم الإقليم.
ولعل من أهم منجزات «غرفة العمليات المشتركة»، الوحدة الوطنية التي تشكلت حولها في الشارع الفلسطيني، والتي شملت السواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 وعام 1967 بالإضافة إلى فلسطينيي الشتات، وهذا ليس بالأمر الثانوي في الديناميكيات الصالحة لتأسيس وحدةٍ وطنيةٍ، فهو يدلِّل على كون الإنجازات الميدانية في مواجهة الاحتلال مازالت العامل الأساس لدعم قيام وحدة صفٍ فلسطينيةٍ حقيقيةٍ ونافعةٍ.

نجد إذاً في التفاهمات الميدانية مساراً ناجعاً للوصول إلى الوحدة الوطنية يمكن التأسيس عليها، ويمكن بعد ذلك تطويرها لإنشاء جبهة تحريرٍ شاملةٍ، فالميدان يَفرِز بين الوطني والمتخاذل إن لم نقُل العميل، ويُغلِّب أولوية المعركة على خلافات الحكم، وهذا هو المطلوب، حيث إن الفلسطينيين مازالوا يعيشون مرحلة التحرير، وبعد ذلك فليخوضوا في خلافات الحكم كما يشاؤون.
في مثل هذه الوحدةٍ الوطنيةٍ، يكون لدى كل الفصائل في الساحة الفلسطينية خيار اللحاق برَكْب التحرير، وإلا تجاوزهم الزمن كما تجاوز غيرهم في تجارب شعوبٍ أخرى خاضت معركة التحرير.

وأخيراً، من نافلة القول إن المحازبين كأفراد هم أيضاً مخيَّرون كما الفصائل التي ينتمون إليها، إما بين اللحاق برَكْب التحرير وإما بين الإصرار على الاستمرار في جريمة التخابر مع العدو المسماة زوراً «التنسيق الأمني»، وحينها لا ملامة إن نُعِتوا بما يستحقون وعوملوا على أساسه.

Red Alert in Iraq… Time for the U.S. to Decide

Visual search query image
amro@amrobilal.net), is an independent Palestinian writer and Political researcher. He writes for various Arabic news outlets, some of which are Al-Akhbar newspaperAl-Mayadeen Satellite News ChannelArabi 21, and Rai Al-Youm, and UPROOTED PALESTINIANS

July 15, 2021

By Amro Allan

‘President Joe Biden may be nearly done with America’s two-decade military involvement in Afghanistan, but another nearby war zone, where U.S. troops have been based for almost as long, is threatening to become a major thorn in the White House’s side: Iraq’, says Foreign Policy in its Situation Report on July 8, 2021, entitled ‘Red Alert in Iraq’. This comes after two fairly heated weeks in Iraq and Syria, where an escalation in the resistance groups operations against American troops was noticeable, both in frequency and in nature.

For instance, on Wednesday, July 7, 14 rockets hit Ain al-Assad Air Base, the largest military installation in Iraq housing U.S. troops, wounding at least two American soldiers. Another suicide drone attack, a day before, targeted U.S. forces based in Erbil airport, not far from where the U.S. consulate is located. Also, there were multiple improvised explosive device (IED) attacks against convoys transporting U.S. military logistic supplies, that took place in various Iraqi towns and cities in recent weeks.

Meanwhile, in Eastern Syria, U.S. occupation forces were busy fending off suicide drone and rocket attacks targeting al-Omar oilfield and nearby areas. Al-Omar oilfield is the largest in the country, and It is invested with both the U.S. forces and their collaborators  the Syrian Democratic Forces (SDF).

No American soldiers have been killed in these recent intense activities in Iraq and Syria. However, Michael Knights, a fellow at the Washington Institute for Near East Policy, explains ‘It’s already very intense. The strikes aren’t killing people, but they could, easily, if they want them to’, and he adds ‘The missile defences are quietly working quite well. But what we haven’t seen is determined efforts to kill Americans’.

Many analysts consider this escalation a retaliation for the second round of U.S. airstrikes under Biden’s administration on June 27. Those airstrikes used the pretext ‘Iran-backed militia’, although in reality, they targeted a static Iraqi-Syrian border position of the Iraqi security forces (Popular Mobilisation Forces) under Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi, killing four members of brigade 14 of the PMF.

While agreeing with this analysis in principle, I believe widening the scope would put the latest events in the broader context they deserve.

It is quite clear that Biden’s administration’s main foreign policy strategy, and indeed the U.S. establishment’s attitude in general of late, is to concentrate its overseas efforts on opposing the rise of China and Russia:  what Biden dubbed defending and strengthening democracy. This focus shift first took shape during Obama’s days in 2012 with his (unsuccessful) ‘Pivot to Asia’ policy and it has remained in principal a U.S. foreign policy objective since. But this shift naturally requires an improved allocation of U.S. resources.

Thus, when Biden came to power, he followed in the steps of his two predecessors in aiming to disengage from the ‘Middle East’ and West Asia in general as much as possible.

As the QUINCY Paper No. 7 entitled ‘Nothing Much to Do: Why America Can Bring All Troops Home From the Middle East’, published on June 24, 2021, poses the question ‘Three successive American Presidents — Barack Obama, Donald Trump, and Joe Biden — have pledged to end the post 9/11 wars and reunite U.S. soldiers with their families.

Yet, fulfilling that pledge has proven tougher than expected. Do U.S. interests in the region require so much of the U.S. military that full-scale withdrawals are not feasible?’. The paper argued that ‘the United States has no compelling military need to keep a permanent troop presence in the Middle East.

The two core U.S. interests in the region — preventing a hostile hegemony and ensuring the free flow of oil through the Straits of Hormuz — can be achieved without a permanent military presence. There are no plausible paths for an adversary, regional or extra-regional, to achieve a situation that would harm these core U.S. interests. No country can plausibly establish hegemony in the Middle East, nor can a regional power close the Strait of Hormuz and strangle the flow of oil. To the extent that the United States might need to intervene militarily, it would not need a permanent military presence in the region to do so’.

The U.S. withdrawal from Afghanistan, to be presumably fully completed by September 2021, was the first manifestation of Biden’s drawdown policy from West Asia. However, when it came to Iraq and Syria, the equations were quite different.

Despite Biden’s pledge to return to the JCPOA in his election campaign, there was an assessment that was widely spread between Iranian officials which says that the Biden administration would capitalise on Trump’s ‘maximum pressure’ policy to extract concessions from Iran, before re-joining the JCPOA. Those concessions are related to two aspects:

  • Change in Iran’s foreign policy, especially its support for resistance groups in the region. This is to  the benefit of the Zionist entity, which remains a core influence on U.S. foreign policy.
  • Imposing restrictions on Iran’s ballistic missiles programme.

This American approach became apparent after Biden took office, and during the latest Vienna talks to salvage the nuclear deal. However, contrary to Biden’s false assumptions, the Americans found out that Iran will not give them any concessions, and that it meant what it said when Ayatollah Sayyid Ali Khamenei stated back in 2015 ‘We negotiated with the U.S. on the nuclear issue for specific reasons. The Americans performed well in the talks, but we didn’t and we won’t allow negotiation with the Americans on other issues’.

This has put the Americans in a quandary. Biden found that he could not withdraw from Iraq and Syria without getting guarantees from Iran and the Axis of Resistance related to the security of the Zionist entity, as the Axis of Resistance will never offer any guarantees at the expense of the Palestinians’ inalienable rights. Nor could Biden maintain the same level of American involvement in the ‘Middle East’ indefinitely. As this would be at the expense of the main U.S. foreign policy strategy, “Facing the Chinese challenge”, according to the terminology the  U.S. uses.

Furthermore, this American quandary has deepened after the battle of the ‘Sword of Jerusalem’ exposed many of the Zionist Entity’s [Israel]  weaknesses tactically and strategically in the face of the Axis of Resistance.

Based on this overview, we can expect a fairly heated summer for the U.S. occupation forces in the region, as from the Axis of Resistance point of view, the negotiations for the American withdrawal from the ‘Middle East’ and West Asia in general are not open-ended.

And it seems that the U.S. needs a nudge to decide whether: to start a meaningful and peaceful drawdown, with minimal losses; or risk a new ‘Middle East’ all-out war by trying to impose its sovereign will on the whole region.

And I believe, based on the Americans’ experience of the past two decades, that the consensus within the U.S. institutes is that the latter option would be highly costly. Not to mention that based on the current balance of powers in the region, as we read them, the outcome is not guaranteed to be in the favour of the U.S., nor in the favour of  “Israel” its closest ally.

“الإنذار الأحمر” وفشل الرهان الأميركي

11/07/2021

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

لا يأتي التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا مفاجئاً لبعض متتبّعي السياسة الأميركية في المنطقة.

قالت مجلة “فورين بوليسي”، في “تقرير الوضع” ليوم الخميس، 8 تموز/يوليو 2021، إن العراق دخل في حالة “الإنذار الأحمر”. وأضاف التقرير أنه ربما يكون الرئيس جو بايدن على وشك التخلص من أعباء الانخراط العسكري الأميركي في أفغانستان، والذي امتد إلى قرابة عقدين من الزمن، إلاّ أن هناك ساحة حربٍ أخرى توجد فيها قواتٌ أميركيةٌ، وتُنذر بأن تتحوّل إلى شوكةٍ في خاصرة “البيت الأبيض”، في إشارةٍ إلى الساحة العراقية. 

Visual search query image

يأتي إعلان “الإنذار الأحمر” بعد تصاعد العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في الساحة العراقية، وتوأمها الساحة السورية، بحيث قامت قوى المقاومة المسلَّحة، خلال الأسبوعين الأخيرين، باستهداف عدة مواقع في العراق وسوريا توجد فيها قواتٌ أميركيةٌ، كان بينها – على سبيل المثال لا الحصر – استهداف “قاعدة الأسد” الجوية في العراق بأربعة عشر صاروخاً، أدَّت إلى وقوع إصابات في صفوف الأميركيين. وتمّ أيضاً استهداف مطار أربيل، الذي تتمركز في داخله قوات أميركية – والذي يقع بالقرب منه مبنى القنصلية الأميركية – بعدة مُسَيَّرات مفخَّخ.، وبالإضافة إلى تلك الهجمات، تعرَّضت عدة قوافل دعمٍ لوجستيٍّ للقوات الأميركية لهجماتٍ عبر عبواتٍ ناسفةٍ في أكثر من مدينةٍ عراقيةٍ.

أمّا الساحة السورية فشهدت، في الأيام القليلة الماضية، عدةَ هجمات بالمُسَيَّرات المفخَّخة على مواقع لقوات الاحتلال الأميركي الموجودة في حقل العمر النفطي.

لا يأتي هذا التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا مفاجئاً لبعض متتبّعي السياسة الأميركية في المنطقة. لعلّ القراءة الأدقّ تضع هذه الهجمات في سياق المعركة المستمرة من أجل إنهاء الوجود العسكري الأميركي في منطقة الهلال الخصيب، لا لمجرد كونها ردّاً ظرفياً على العدوان الجوي الأميركي الأخير في 27 حزيران/يونيو، والذي استهدف مواقع الحشد الشعبي العراقي المرابطة عند الحدود العراقية السورية. 

من خلال متابعة أداء إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لبضعة شهور، منذ تولّيه دفّة الحكم، يبدو أنها جاءت، وفي مخيِّلتها مقارَبة لوضع المنطقة، تقوم في جزءٍ من جوانبها على أساس الاستثمار في سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب السابقة، والمتعارَف عليها بـ”سياسة الضغوط القصوى” تجاه إيران، بحيث بات واضحاً في السياسة الأميركية الخارجية الميل إلى محاولة التَّخفُّف من أعباء منطقة غربي آسيا العسكرية قدر المستطاع، بهدف التركيز على منافسة صعود جمهورية الصين الشعبية في الساحة الدولية. ويبدو أن رؤية التخفُّف هذه كانت تقوم على تصوُّرين اثنين:

– التصور الأول يقوم على الانسحاب العسكري من أفغانستان، كما يجري الآن فعلاً، في محاولةٍ لإقفال باب الاستنزاف في هذه الساحة، ولاسيما أن الانسحاب الأميركي مِن أفغانستان لا يؤدّي إلى زيادة التهديدات على أمن الكيان الصهيوني. 

– أمّا التصور الثاني فيقوم على العودة السريعة إلى الاتفاق النووي الإيراني، على أساس قراءةٍ تقول بوصول إيران إلى مرحلة الإنهاك التامّ، بفعل “سياسة الضغوط القصوى”. وعليه، صارت اليوم إيران جاهزةً لتقديم التنازلات المطلوبة أميركياً في سياساتها الخارجية في الحد الأدنى، ولاسيما تلك التي تتعلق بمنطقة غربيّ آسيا ودعم حركات المقاومة في الإقليم، الامر الذي يجعل استمرار الوجود العسكري الأميركي – ولو في حدوده الدنيا – في العراق وسوريا، غير ذي تكلفةٍ تذكر. وكذلك، من الممكن إجبار إيران على تقديم تنازلاتٍ في برنامجها الصاروخي الساعي لتطوير الصواريخ الباليستية في الحد الأقصى، بحسب الفهم الأميركي.

إلاّ أن التصور الثاني اصطدم بمعطيين، أحدهما قديمٌ والآخرُ مستجدّ. أمّا المعطى القديم، فيتمثّل بأن إيران كانت قد رفضت، على نحو حاسمٍ، مناقشة برنامجها الصاروخي في أثناء جولات التفاوض التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في عام 2015، ناهيك برفض إيران القاطع المساومةَ خلال جولات التفاوض تلك على سياساتها الخارجية ودعم حركات المقاومة في الإقليم. فدعم حركات قوى المقاومة، ضمن السياسة الخارجية الإيرانية، مبنيٌّ على رؤيةٍ استراتيجيةٍ، تندرج ضمن مشروعها الأشمل في الإقليم الذي يقضي بمجابهة القوى الإمبريالية العالمية، بالإضافة إلى التأصيل الشرعي لهذا الالتزام الأخلاقي بدعم المستضعَفين ضمن نظام حكم الجمهورية الإسلامية.

ويضاف إلى هذا وذاك أمرٌ رئيسٌ، يتمثّل بأنَّ حركة قوى المقاومة في الإقليم تنطلق من إرادةٍ ذاتيةٍ لطرد المحتل عن أراضيها، وهي لا تأتمر بإرادة أيّ قوى إقليميةٍ، بل إن المسألة تكمن في تكامل أهداف قوى المقاومة ومصالحها مع المشروع الإيراني الأشمل في المنطقة، والذي يرمي إلى التخلص من هيمنة القوى الإمبريالية العالمية على عموم منطقتنا.

بعد الخروج الأميركي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي، عبر قرارٍ من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أكّد المرشد الإيراني السيد علي خامنئي في عدة تصريحاتٍ، أنه في حال العودة إلى الاتفاق النووي، يجب على الحكومة الإيرانية التزام هذه الضوابط التي تمنع التفاوض على كلٍّ مِن برنامج إيران الصاروخي وسياساتها الخارجية. وعلى ما يبدو، فإن إدارة الرئيس جو بايدن أخطأت عند تصنيف هذه التصريحات على أنها تصريحاتٌ تفاوضيةٌ، ليتبيّن لها بعد ذلك، في محادثات جنيف، أنها كانت مواقف مبدئية لا يمكن لأيّ حكومةٍ إيرانيةٍ تجاوزها، فخاب رهان إدارة جو بايدن على لجم حركات المقاومة في كلٍّ مِن العراق وسوريا، من خلال محاولة الضغط على إيران.

أمّا المعطى المستجدّ، فكان معركة “سيف القدس” التي كشفت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية المسلّحة في غزة هشاشةَ الكيان الصهيوني، وأظهرت بوضوحٍ مدى التهديد الذي تمثّله حركات المقاومة المسلّحة في فلسطين وفي الإقليم على أمن الكيان الصهيوني ومستقبله، ولاسيّما في ظلّ فشَل الرهان الأميركي على انتزاع ضماناتٍ من إيران وسائر أركان محور المقاومة، ترتبط بحفظ أمن الكيان الصهيوني في مقابل العودة إلى الاتفاق النووي، بحيث كان رهاناً مبنياً في الأصل على قراءةٍ خاطئةٍ لحقيقة موقفَي حركات المقاومة وإيران كما أسلفنا.

لهذا، نجد الأميركي اليوم كمن “بلع المنجل”، فلا هو قادرٌ على الانسحاب من سوريا وتخفيف حضوره العسكري في العراق، ليتفرّغ لمواجهة الصين قبل تأمين ضمانات لأمن الكيان الصهيوني ومستقبله، ولا هو قادرٌ على البقاء أبداً بالزَّخَم نفسه في المنطقة لحماية أمن الكيان الصهيوني، بسبب ما لهذا من آثار سلبية فيما بات يعدّها معركته الرئيسة ضدّ الصين، وتِباعاً روسيا.

يمكن التنبّؤ بكون محور المقاومة يقرأ هذا المأزق الأميركي. فإن صحّت هذه النبوءة، وأظنها صحيحة، فعندها يمكن فهم سياق التصعيد العسكري في وجه القوات الأميركية في الأسبوعين الأخيرين. وهذا يُبشِّر باستمرار هذا التصعيد، وبصيفٍ ساخنٍ نسبياً للقوات الأميركية، لإفهام الأميركي أن استحقاق الانسحاب من المنطقة هو استحقاقٌ جديٌّ، وأن عملية التفاوض على سحب قواته لن تستمر إلى ما لا نهاية.

عمرو علان: “نزار بنات” يعري وظيفية السلطة.. فما هي الآفاق؟

عمرو علان

مِن أين يمكننا البدءُ بشكلٍ صحيحٍ؟ فهل نبدأ مِن توصيف جريمة اغتيال الشهيد نزار بنات على أنها جريمةٌ ضد حرية التعبير؟ أم ننطلق مِن كونها جريمة ضد حرية الرأي؟ أم من كونها جريمة فسادٍ أو تجاوزٍ لحدود الصلاحيات داخل جهازٍ أمنيٍّ في ظل دولةٍ ناجزةٍ؟ أم من كونها جريمة ضد “حقوق الإنسان” بمعناها الفضفاض والقابل للتأويل كيفما اتَّفَق؟

يجزم البعض أن هذه المنطلَقات سالفة الذكر تُغيِّب – بقصد أو بدونه – حقيقة توصيف ما جرى وتسلخه عن سياقاته، فما جرى كان في الواقع جريمةٌ ضد خَيارات نزار بنات في الأصل، وذلك بصفته جزء من نهجٍ يقاوم أو يدعو لمقاومة الاحتلال.

لقد جاءت هذه الجريمة المروِّعة لتثبت مجدداً صواب عموم ما طرحه الشهيد وآخرون في توصيف ما انتهت إليه السلطة الفلسطينية، التي يصح فيها ما صح في سائر التجارب السابقة لسلطات الحكم الذاتي تحت ظل الاحتلال في تجارب شعوبٍ أخرى، والتي لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى خلق مصالحٍ اقتصاديةٍ لطبقةٍ برجوازيةٍ متسلطة، تملك زمام الأمر في مجتمع شعبها الواقع تحت الاحتلال، وعلى ضوء التجارب التاريخية فإن هذه الطبقة البرجوازية تستمدّ “شرعية” وجودها من الاحتلال ذاته، ويصير بقاؤها مرتبطاً ببقاء الاحتلال ومرهوناً باستمراريته.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن الطبيعة الوظيفية للكيان الصهيوني تدعم حتمية قيام هذه العلاقة الجدلية بين الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي، فأي “دولةٍ” تقام على جزءٍ من الأرض الفلسطينية المحتلة، لا تضع في حساباتها حقيقة أن وجود الكيان الصهيوني يشكل حاجزا أمام أي تكامل عربي أو إسلامي، وهذا منسجم مع طبيعة هذا الكيان بصفته امتداداً للقوى الاستعمارية الغربية وحامي مصالحها، فلابد من أن ينتهي الحال بتلك “الدولة” كجزءٍ من إستراتيجية إدامة هذا الكيان بغض النظر عمن يتولى زمام الحكم فيها، فكيف بسلطة حكمٍ ذاتيٍ كما هو حال السلطة الفلسطينية أو بالأصح سلطة أوسلو؟

حقيقة الصهيوني رئيس فلسطين محمود عباس

لهذا فلا أمل يرجى من حدوث تحوّلٍ في مسار السلطة الفلسطينية، فالمسألة ليست خطأً في التقدير يمكن معالجته بالحوار، أو مسألة وجود إستراتيجية تحرير لدى السلطة الفلسطينية تختلف عن إستراتيجيات فصائل المقاومة، بل إن مكمن القضية يعود إلى الخيارات التي اتخذتها “م.ت.ف” في مرحلةٍ سابقةٍ وأفضت إلى إنشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، تلك الخيارات التي – بالطبيعة – أوصلت السلطة الفلسطينية إلى ما انتهت إليه كأحد الأدوات التي يستخدمها الاحتلال الصهيوني لإدامة احتلاله، وهذه مسألةٌ بنيويةٌ، ترتبط بالظروف الموضوعية لوجود هذه السلطة واستمرار بقائها.

هذه الرواية لم تَعُد تنظيراً، بل باتت واقعاً ملموساً، وإلا فما هو مسوغ عدّ السلطة الفلسطينية “التنسيق الأمني” مقدساً رغم وصول “عملية السلام” إلى طريقٍ مسدودٍ بإقرار الجميع؟ هذا إذا ما تجاهلنا كون “التنسيق الأمني” هو تعريف العمالة بحد ذاتها، ونتمنى لو يشرح أحدٌ لنا الفرق بين جيش لحد اللبناني ومعتقل الخيام وبين السلطة الفلسطينية ومعتقلاتها.

وعليه فإن البعض يرى وجوب وضع جريمة اغتيال نزار بنات في هذا السياق، حالها في ذلك حال الجرائم التي سبقتها ضد مقاومين آخرين، تلك الجرائم التي لعبت فيها السلطة الفلسطينية دوراً رئيسًا بالتعاون مع قوات الاحتلال، إما ليصفِّيهم جسديًا أو ليتم اعتقالهم، فمثلًا ألم يكن الشهيد باسل الأعرج مطلوباً من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية؟

تعيد جريمة اغتيال نزار بنات طرح القضية الجدلية في الشارع الفلسطيني عما إذا كان قد حان الوقت للفصائل الفلسطينية الإسلامية والوطنية – وفي طليعتهم حركة “فتح” وباقي فصائل “م.ت.ف” – أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وترفع الغطاء الوطني عن سلطة التنسيق الأمني الذي تمنحه إياه، أم أن حالة التكاذب الوطني ستستمر لفترةٍ أطول؟

لعلنا نستطيع أن نستشف الجواب من أحد فيديوهات نزار بنات التي دفع حياته ثمناً لها، والتي قال فيها إن وصف الخلاف بين حركة “فتح” وحركة “حماس” بصفتها حركة مقاومةٍ بالانقسام يجانب الصواب، ولعل الأصح وصفه بالفرز بين مشروعين لا يمكن الجمع بينهما، هذا في النظرة للمشروع الوطني، أما بالنسبة للخلاف على الحكم فهي مسألةٌ أخرى.

وفي الختام، يظل التعويل في الطليعة على أن يُغلِّب أبناء حركة “فتح” المصلحة الوطنية على الخلافات الأخرى المرتبطة بالحكم، ويجروا عملية مراجعة حقيقية للخيارات السياسية السابقة التي ثبت عقمها، ويقوموا بعملية تَقييم موضوعيٍ ومنصفٍ لتجربة سلطة الحكم الذاتي، وأي وضع انتهت إليه، وهي بهذا لم تشذ عن تجارب شعوبٍ أخرى مع سلطات الحكم الذاتي تحت سياط الاحتلال، ويبقى الرهان والأمل الكبيران معقودين على وطنية أبناء حركة “فتح” لتفادي الأسوأ.

لقد آن الأوان لأصلاء حركة “فتح” طيّ صفحة الماضي، ونزع الشرعية عن عملاء “التنسيق الأمني” وسلطتهم، الذين استنزفوا كل رصيد حركة “فتح” النضالي أو كادوا، وليتذكر الفلسطيني أنه مازال يعيش مرحلة التحرير، وفعلياً لا دولة لديه أو كيان ليحكمه، فلينجز الفلسطينيون التحرير أولاً وبعدها ليخوضوا في خلافات الحكم وطبيعته وشكله كما يحلوا لهم.

كاتب وباحث سياسي

فوز إبراهيم رئيسي… قراءة في المشهديْن الداخلي والخارجي

فوز إبراهيم رئيسي... قراءة في المشهديْن الداخلي والخارجي
This image has an empty alt attribute; its file name is 2021-03-03_12-47-07_966596.jpg

 الخميس 24 حزيران 2021

الاخبار

عمرو علان

أتمَّت إيران استحقاقها الانتخابي الرئاسي الثالث عشر في ظل ظروفٍ داخليةٍ معقدةٍ، فالإيرانيون يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة بسبب الحصار الخانق والجائر المفروض عليهم منذ أربعة أعوامٍ ونيِّفٍ، فيما سُمي «سياسة الضغوط القصوى» التي بدأها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ناهيكم بظروف وباء «كوفيد-19» وآثارها السلبية على كلٍّ من الاقتصاد والحياة الاجتماعية على حدٍّ سواء.

ومن ناحيةٍ أخرى، فقد كانت حالة الاستقطاب بين المعسكرين «المحافظ» و»الإصلاحي» في هذه الانتخابات على أشدّها، وزادت بعض قرارات «مجلس صيانة الدستور» الطين بلة، إذ رفضت ترشيح شخصيات إيرانية مرموقة على غرار علي لاريجاني من «التيار المحافظ» وأسماءٍ أخرى بارزة من «التيار الإصلاحي»، تلك القرارات التي لم تلقَ شعبيةً واسعةً بين العديد من الناخبين، حتى إن المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي أبدى في كلمةٍ علنيةٍ شيئاً من الانتقاد لتلك القرارات، ولا سيما قرار استبعاد علي لاريجاني من السباق الرئاسي رغم عدم تسميته صراحةً.

ويضاف إلى كل هذه الأجواء ما صاحَب الانتخابات من حملاتٍ عدائيةٍ معتادةٍ ترمي إلى تشويه الانتخابات الإيرانية، حملات يشنها معسكر أعداء الشعب الإيراني من القوى الغربية بالتعاون مع أدواتِها الإقليمية، حيث سُخِّرَت – حسب بعض الإحصاءات – قرابة 250 قناة ناطقة باللغة الفارسية للتحريض على مقاطعة الانتخابات على مدى الستة أشهر الماضية، ناهيكم بعديد المواقع الإلكترونية التي واظبت على بث الرسالة ذاتها، وقد تساوقت مع هذه الدعوات بعض الأسماء ذات الحيثية في المشهد السياسي الإيراني مثل الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي دعا الجمهور صراحةً لمقاطعة الانتخابات الرئاسية.

برغم كل هذه الظروف المعقّدة مجتمعةً، وبرغم مراهنة الخارج على انخفاض نسبة الإقبال الشعبي، حيث راهن الغرب على انخفاض نسبة الإقبال إلى مستويات تُراوح بين 23% فقط و37% في أكثر المراهنات سخاءً. لقد تم إجراء الانتخابات بنجاحٍ، ووصلت نسبة المشاركة الشعبية إلى قرابة الـ 50%، صحيحٌ أن هذه النسبة أقل من المعدل الإجمالي للانتخابات السابقة التي تُقدر بنحو 73%، لكنّ هذه النتيجة تظل جيدةً جداً ضمن الظروف المذكورة، ولقد عدَّتْها الجمهورية الإسلامية بحقٍ انتصاراً ولو كان بشقّ الأنفس، وقال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي فيها: «لقد شكَّلت مشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات صفحةً مشرقةً أخرى لأمجاد الشعب الإيراني»، وعَدّ المرشد الأعلى هذا فوزاً «للأمة الإيرانية» التي استطاعت مواجهة «الدعاية الإعلامية للأعداء».

وأما الأمر الأهم في نتيجة هذه الانتخابات – بعيداً عن كل هذا الجدل – فيتمثل في ما يعنيه فوز رئيس السلطة القضائية السيد إبراهيم رئيسي، وفي نسبة توزيع الأصوات بين المتنافسِين نجد أن رئيسي قد حصل على 17،926،345 صوتاً بفارقٍ كبيرٍ عن باقي المرشحِين، تلاه قائد حرس الثورة الإسلامية السابق، اللواء محسن رضائي من معسكر «المحافظين»، الذي حصل على 3،4 ملايين صوت، يليه عبد الناصر همتي من معسكر «الإصلاحيين» الذي حصل على 2،4 مليون صوت، وجاء في نهاية السباق السيد أمير حسين غازي زاده الهاشمي من «المحافظين» الذي حصل على نحو مليون صوت، وبهذا يكون معسكر «المحافظين» بمُرشَّحيه الثلاثة: رئيسي ورضائي والهاشمي قد حصد بالمجمل أصوات السواد الأعظم من الناخبين.

يمكننا الخُلوص من نسبة توزيع الأصوات إلى تأكيد الناخب الإيراني على تمسكه بأسس ومبادئ الثورة الإسلامية وخط الولي الفقيه السيد علي الخامنئي، وكذلك إشاحة غالبية الناخبين الإيرانيين وجوههم عن «الإصلاحيين» بعد تجربة الرئيس المنتهية ولايته الشيخ حسن روحاني، وبحسب مطلعين على الشأن الإيراني، فإن الخط الذي يمثله السيد إبراهيم رئيسي هو خطٌّ جديدٌ يسمى تيار «حزب الله الثوري» في الداخل الإيراني، وهذا التيار يمثل امتداداً لمدرسة المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، الذي يشكِّل «خطاً واصلاً بين إيران الداخل وبين الامتداد العقائدي الخارجي»، ونشير هنا إلى أن النشرة التي تصدر عن «مؤسسة الثورة الإسلامية للثقافة والأبحاث» التابعة للسيد علي الخامنئي تُعنوَن «خط حزب الله». ويطرح هذا تساؤلاً في ما إذا كان وصول إبراهيم رئيسي إلى منصب رئاسة الجمهورية يؤذن بميلاد تيارٍ جديدٍ في المشهد السياسي الإيراني، يكون أكثر راديكاليةً وتمسكاً بثوابت الثورة الإسلامية، ويعتمد على وجوهٍ شابةٍ يمكن أن تجد فيها شريحة الشباب الإيراني نفَساً أكثر ثوريةً وحيويةً من المعسكرين التقليدييْن «المحافظ» و»الإصلاحي»، ولعل هذا ما قصده السيد علي الخامنئي حينما قال: «إن حكومة حزب الله الفَتِيَّة هي العلاج لمشاكل البلاد، أنا كما أكدت من قبل في العام الماضي، وقد ذكرت مراراً وتكراراً من قبل، أنا أؤمن بالحكومة الفَتِيَّة وحزب الله، وآمل في ذلك» في كلمةٍ متلفزةٍ ألقاها في 17 آذار 2021.

هذا في المشهد الإيراني الداخلي، أما في السياسة الخارجية، فكون إبراهيم رئيسي يُعد من صقور الثورة الإسلامية وقريباً من المرشد الأعلى، فيُعتقَد أنه على إدارة الرئيس جو بايدن عدم الرهان على تنازلات في المحدِّدات التي وضعها المرشد الأعلى للعودة إلى الاتفاق النووي، والتي تنص على وجوب رفع الولايات المتحدة الأميركية كلَّ العقوبات الجائرة التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على إيران – لا مجرد تعليقها – قبل العودة إلى الاتفاق النووي، فعلى الأميركي الاختيار بين القبول بالمحدِّدات الإيرانية المشروعة، أو ستكون إيران حينها في حلٍّ من التزاماتها النووية المنصوص عليها في «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ولا سيما في غياب أي مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة الأميركية للإقدام على مغامرةٍ عسكريةٍ في منطقة غرب آسيا تجبر بها إيران على الرضوخ عنوةً، وذلك بسبب ميزان القوى الحاكم الراهن، بالإضافة إلى الوضع الدولي والإقليمي المختلف نوعياً عما كان عليه مطلع القرن الحالي.

أما حلفاء إيران في الإقليم، فلا شك أنهم يشعرون بالارتياح لنتائج الانتخابات الإيرانية، كون إبراهيم رئيسي على الراجح سيكون أشد جذريةً في دعم حركات المقاومة في منطقتنا، وذلك بما يتسق مع تاريخه وعقيدتِه السياسية المنسجمة مع فكر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ومع فلسفة حكومة «حزب الله الثورية»، ولا سيما أن انتخاب إبراهيم رئيسي جاء غداة إعادة انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد لدورةٍ رئاسيةٍ جديدةٍ.

ولكن طبعاً لا نُغفِل حجم التحديات الداخلية الكبيرة التي تنتظر حكومة إبراهيم رئيسي، سواءً أكانت العمل على تخطي الوضع الاقتصادي الضاغط في الداخل، أم التعامل مع تبعات جائحة «كوفيد-19»، أم تلبية طموحات الشباب الإيراني الذي بات يعاني نسب بطالةٍ مرتفعة.

وفي الخُلاصة، يبدو أن تولي الخط الذي مثَّلَه الرئيس الإيراني السابق الشيخ حسن روحاني لمقاليد الحكم كان في مرحلةٍ تقتضي الكثير من الدبلوماسية، حينما كان يتصدر المشهد التعويل على عقد اتفاقيةٍ نوويةٍ مع الولايات المتحدة الأميركية، أما اليوم فإيران والعالم يعيشان مرحلةً مغايرةً، وذلك على وقع الإخفاقات الأميركية في العَقْد المنصرم في عدة ساحات في منطقتنا والعالم، وما يعانيه الاقتصاد الأميركي من أزماتٍ بفعل العامل المسَرِّع «كوفيد-19»، وهناك الصعود الصيني كَـ «مركز قوة» عالمي جديد ذي اقتصادٍ متنامٍ باطّراد، وتثبيت روسيا لمركزها بصفتها دولةً ندّاً للولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية، ناهيكم بالآثار الجيوسياسية المترتبة على دخول إيران مع الصين في اتفاقية إطار شراكة استراتيجية للـ25 سنةً القادمة، وهذا الوضع المغاير إقليمياً ودولياً يلزمه وجوهٌ جديدةٌ وسياساتٌ مختلفةٌ، تكون أكثر استعداداً للمواجهة وأقل تطلعاً نحو الغرب، فهل يشكِّل إبراهيم رئيسي حكومة «حزب الله الثورية» من أجل مقارعة القوى الاستعمارية إقليمياً ودولياً؟

يبدو ذلك، ففريق إبراهيم رئيسي من أولئك الذين لا يؤمنون بالتفاوض مع أميركا ولا يجدون فيه أي مصلحةٍ تُرجى، ويُفَضلون توثيق العلاقات مع الدول التي تُشاطِر إيران النزعة الاستقلالية كالصين وروسيا، ويكفي النظر إلى المرشح المنسحب من السباق الرئاسي سعيد محمد الذي يُتوقع أن يَشغَل منصب نائب الرئيس في حكومة إبراهيم رئيسي، والذي يدعو إلى تخصيب اليورانيوم على نسبة نقاء 90% رداً على التعنّت الأميركي، ولا ننسَ أنّ من أهم إستراتيجيات المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي التي أعلن عنها هي إخراج أميركا من منطقة غرب آسيا، وتعزيز فكرة الاقتصاد المقاوم، ولا بد أن هذين الأمرين سيشغلان حيزاً رئيسياً في سياسات رئيسي وحكومته حسب ما نعلم من توجهاته.

لعلها إذاً مرحلة مواجهاتٍ مقبلةٍ إقليمياً ودولياً مع قوى الاستكبار العالمي من موقع قوةٍ، وربما كان الكيان الصهيوني أول المستشعرين لهذه المرحلة عندما قال: «انتخاب رئيسي لا يُبقي أمام «إسرائيل» سوى إعداد خططٍ لمهاجمة النووي الإيراني».
* كاتب وباحث سياسي

مقالات سابقة

الكيان الصهيوني: من طور التأسيس إلى طور النَّزْع الأخير

12/06/2021

Visual search query image
This image has an empty alt attribute; its file name is 2021-03-03_12-47-07_966596.jpg

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على المنطقة العربية، بصفتها قلب العالم الإسلامي، كما أنه كِيانٌ توسعيٌّ في أصل نشأته.

حصيلة معركة “سيف القدس” تمثَّلت باضطرار كيان الاحتلال إلى الرضوخ لقواعد الاشتباك الجديدة

المتأمِّل المشهد الصهيوني أن يرى الأزمات المتعدِّدة التي يمرّ الكيان فيها، في أكثر من صعيد. وبينها، على سبيل المثال لا الحصر، أزماته السياسية، وأبرزها الاستعصاء الحكومي الممتد منذ شهور.

يُعَد هذا الكيان، في أصل وجوده جيشاً استيطانيّاً متستِّراً في ظل “دولة”. لذا، فإن معضلته الكبرى تتمثّل بفقدان قواته البرِّية فعاليتَها القتالية، الأمر الذي أفقدها القدرة على إنجاز المهمات المَنوطة بها، ولاسيما في مواجهة الحركات المقاوِمة، التي تُعَدّ منظمات غيرَ حكوميةٍ ذات قدراتٍ تسليحيةٍ تفوق في بعض النواحي القدرات التي تمتلكها دولٌ وازنةٌ في العالم، كما هي حال القدرة الصاروخية التي يحوزها حزب الله، على سبيل المثال، والتي تفوق القدرة النارية للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي مجتمعةً، وذلك بحسب تقارير مراكز أبحاث صهيو- أميركية.

ناهيكم عن الفارق الواضح بين معنويات مقاتلي محور المقاومة المرتفعة، ومعنويات جنود الاحتلال شبه المنهارة.

بدأ هذا العجز لدى جيش الكيان في الظهور في إثر انسحابه من جنوبي لبنان في أيار/مايو 2000، وتجلّى في حرب تموز/يوليو 2006، ليزداد بعد ذلك عمقُ مأزق سلاح البر لديه، في حروبه الثلاث اللاحقة، والتي شنّها على قطاع غزة في الفترات 2008-2009 و2012 و2014، وصولاً إلى معركة “سيف القدس” الأخيرة، والتي لم يجرؤ فيها على استخدام قواته البرِّية للقيام بعمليةٍ برِّيةٍ على الأرض تواكب عمليات سلاحه الجوي. ويؤكد هذا الفهمَ الكاتبُ الصهيوني يوآف ليمور عقب انتهاء معركة “سيف القدس”، بحيث قال “هذا الخط الخطير – الذي سيطر على الجيش منذ انتهاء وجوده في جنوبي لبنان، وفي جوهره الخوف من القتلى والمخطوفين – يقود باستمرار إلى مخطَّطات تضخّم الجو على البر، وبالتالي قلة الاستثمار في الجيش البرِّي، وانعدام الثقة، وعدم العمل به في الوقت الحقيقي”.

من الضرورة بمكان أن نلتفت إلى ما يشير إليه هذا العجز من محدودية نتائج عملية المراجعة وتطوير استراتيجياتٍ قتاليةٍ جديدةٍ، والتي عكف عليها رئيس أركان جيش الكيان أفيف كوخافي خلال العامين الماضيين، والتي تهدف إلى إعادة صَوغ مفهوم “تصوُّر النصر” لدى جيش الاحتلال. 

وفي هذا الخصوص، صدر مؤخراً، عقب معركة “سيف القدس”، مقالٌ مهمّ وتفصيليٌّ عن “معهد القدس للاستراتيجيات والأمن”، في كيان الاحتلال، بعنوان “تصور النصر: الحاجة إلى مفهوم مُحَدَّث للحرب”، بحيث شرح المقال الأفكار الأساسية للأمن القوميّ “الإسرائيليّ”، والتي قام عليها مفهوم “تصوُّر النصر” لدى الكيان الصهيوني منذ بداياته، والتي صاغها رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ديفيد بن غوريون؛ تلك الأفكار الأساسية التي تم تحويلها بعد ذلك إلى قدراتٍ عمليةٍ وعقيدةٍ عسكريةٍ، نجح من خلالها جيش الكيان الصهيوني – في حقبةٍ خلت – في تحقيق انتصاراتٍ حاسمةٍ ضد الجيوش العربية، على أساس الحرب السريعة، والتي اعتمدت، بالإضافة إلى تفوّق سلاح الجوّ على قوةٍ برِّيةٍ ضاربةٍ وقادرةٍ على القيام بمناوراتٍ برِّيةٍ خاطفةٍ، بهدف الاقتحام السريع لأراضي العدوّ، وتحييد قوته العسكرية. 

لكننا نجد، من خلال دراسة نتائج الحروب التي خاضها كيان الاحتلال منذ عام 2006 – في أقلّ تقدير – أن هذه القوة البرِّية لم تَعُدْ موجودة في الصيغة نفسها التي كانت عليها. ويقرّ بهذا المقال المذكور ضمن ثنايا النقاش، إذ قال: “مفهوم النصر” لا يحلّ الخلل القائم بين الذراعين الاستراتيجيتين، الجويّة والأرضيّة فحسب، بل يديمه أيضاً، ويصبح مبدعاً في الواقع”. ويضيف المقال إلى ذلك، من خلال انتقاد “مفهوم النصر” المحَدَّث، والذي يعكف الكيان الصهيوني على صياغته، بالقول “يستمر مفهوم النصر في الواقع، سواء أكان بطريقةٍ معقدةٍ، أم وفق الأفكار نفسها التي تمت تجربتها مراراً وتكراراً، من دون نجاحٍ، طوال العقود الأربعة الماضية”. 

وتوضح خلاصة النقاش التفصيلي، والذي أتى عليه المقال، أن جيش الاحتلال اعتَمَد، خلال العقود الأربعة الماضية، على نحو متصاعدٍ، على سلاح الجوّ، في مقابل تراجع مكانة القوة البرِّية لديه، على الرغم من الالتزام اللفظي في الكيان بالأفكار الأساسية للأمن القومي “الإسرائيلي”. ويستنتج المقال أن هذا الالتزام اللفظي ينسحب على “تصور النصر” المستجدّ، والذي تغنَّى به كثيراً أفيف كوخافي، ويعمل مع فريقه على صياغته، الأمر الذي يطرخ تساؤلات بشأن مدى نجاعة “تصور النصر” الجديد هذا.

وهنا، يبرز سؤالٌ جانبيٌّ، على قدرٍ بالغٍ من الأهمية، إذ كيف ستكون الحال إذا أخذنا في الحسبان أنه في أيّ حربٍ مقبلةٍ مع حزب الله سيكون من الوارد تعرض سلاح الجوّ الصهيوني لأضرارٍ تحدّ فعاليته بقدر ما؟ فلا يمكن تجاهل حقيقة تطوير إيران أنظمة دفاعٍ جويٍّ فعالةً ومحلية الصنع، يمكن أن تكون قد نُقِلت فعلاً إلى حزب الله. ولا يمكن إغفال عملية إعادة تأهيل أنظمة الدفاعات الجوية لدى الجيش العربي السوري، بالتعاون مع القوات الروسية المسلّحة، بعد أن كانت المجموعات المسلّحة، المسماة “معارضةً سوريةً”، خرَّبت تلك الأنظمة لحساب كيان العدو الإسرائيلي في بدايات الحرب على سوريا.

وإمعاناً في انتقاد جيش الاحتلال بعد معركة “سيف القدس”، تتالت الانتقادات في داخل أوساط الكيان الصهيوني، سواء أكانت “المدنية” منها، أم داخل بعض القطاعات العسكرية، تجاه قيادة جيش الاحتلال، في إثر عدم توظيفه سلاحَ البر في أثناء المعركة. حتى إن يوآف ليمور ذهب، في صحيفة “إسرائيل اليوم”، إلى حد القول إن “النتيجة هي عكسٌ للمعادلة: الجبهة الداخلية تحمي الجيش، وليس العكس. وبدلاً من تعريض جنودها للخطر لحماية المدنيين، يُعرِّض المواطنون أنفسهم للخطر من أجل حماية الجنود”.

وفي مقالٍ مهمّ آخر، نُشِر قبل معركة “سيف القدس”، في مجلة “الأنظمة” الصهيونية، ذهب كلٌّ من نائب رئيس أركان جيش العدوّ الأسبق، يائير غولان، والباحث العسكري غال بيرل فينكل من “معهد دراسات الأمن القومي” الصهيوني، إلى أنه لا يوجد بديلٌ عن قيام جيش الاحتلال بمناورةٍ برِّيةٍ لتحقيق النصر في أيّ حربٍ مقبلةٍ مع حزب الله. ويضيف المقال أن الوضع الراهن لجيش الكيان، والذي يجعل المناورة البرِّية مكملاً للقوة النارية الجوية، هو وضعٌ غيرُ صحيحٍ.

يرى البعض أنه على الرغم من دقة الانتقادات، التي ساقها المقالان المهمَّان الآنِفا الذكر لأداء جيش الاحتلال الصهيوني، فإنهما تجاهلا أمرين جوهريين. الأول: العطب البنيوي الذي أصاب الروح القتالية للجندي الصهيوني. عطبٌ لا يبدو أنه قابل للترميم، بدليل فشَل المناورات العسكرية التي يقوم بها جيش الاحتلال منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، بغية استعادة الروح القتالية لجنوده، التي لم تعطِ أيّ نتائجَ ملموسةٍ. وندَّعي القول إن لا قوة برِّيةً فاعلةً من دون جنديٍ عقْديٍ مستعدٍّ لبذل الدماء، ولاسيما في مواجهة مقاتلٍ صاحب حقٍ، مؤمنٍ، ذي عقيدةٍ صلبةٍ، ومستعدّ للشهادة في سبيل عقيدته وقضيته المحقة، كما هي حال المقاوم المجاهد ضمن صفوف قوى محور المقاومة.

أما الأمر الثاني، فيتمثّل بالسِّياق الذي أفضى بجيش الاحتلال إلى الاعتماد المتزايد على سلاح الجوّ. ويرى البعض، في هذا السياق، أمراً أساسياً في قراءة الطَّور الذي وصل إليه الكيان الصهيوني من دورة حياته، كما سنجادل.

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على المنطقة العربية، بصفتها قلب العالم الإسلامي، كما أنه كِيانٌ توسعيٌّ في أصل نشأته. فمنذ بداياته، كان قادراً على التوسع جغرافياً على حساب شعوب المنطقة، وكان يفعل من دون ترددٍ، معتمداً على قوتِه البرِّية.

وكانت تلك حِقبته الطامحة إلى إقامة “إسرائيل الكبرى”. لكن هذه الحقبة انقضت بعد أن أُجبر على الانسحابين الأُحاديي الجانب من جنوبيّ لبنان في أيار/مايو 2000، ثم من قطاع غزة في أيلول/سبتمبر 2005. وبهذا، ثَبُت للعدو أنه ربما يكون قادراً على دخول أراضٍ عربيةٍ جديدة واحتلالها، لكنه لن يكون في استطاعته إدامة وجوده فيها، إذا جوبه بمقاومةٍ جادةٍ ومصممةٍ، وذات نفَسٍ طويل.

وهنا، دخل كيان الاحتلال في طورٍ جديدٍ، يعتمد، في صورة رئيسية، على تفوُّقه الجويّ وقدرتيه، النارية والتدميرية، الكبيرتين، من السماء، وذلك بهدف إنفاذ إرادته السياسية على دول المنطقة، إمّا بالحرب من الجوّ على نحو أساسي، وإمّا حتى بمجرد التهديد بحربٍ مدمِّرةٍ، يبتزّ بها دول الإقليم. وبهذا، يستمر في تلبية متطلبات أصل وجوده ككيانٍ وظيفيٍ، وكذراعٍ ضاربةٍ بالنيابة عن القوى الإمبريالية، ضمن استراتيجيات تلك القوى.

إلاّ أن هذه النظرية كُسِرت في حرب تموز/يوليو 2006، عندما أخفق الكيان في تحقيق أيٍّ من أهدافه في تلك الحرب. فلا استطاع القضاء على حزب الله في الميدان، بفعل تفوقه العسكري: جويّاً ونارياً. ولا قدِر على فرض إرادته السياسية على حزب الله، وإجباره على إعادة الجنود الصهاينة الأسرى لديه عبر تلك الحرب، التي اعتمدت، في الأصل، على قوة سلاح الجوّ، قبل أن يُضطر الكيان إلى محاولة تنفيذ مناورةٍ برِّيةٍ داخل الأراضي اللبنانية من أجل تحقيق أي مكسبٍ – ولو شكليٍّ – من أجل حفظ ماء الوجه.

وتتالت بعد ذلك إخفاقات نظرية الكيان هذه في حروب غزة، في الفترات 2008-2009 و2012 و2014، ناهيكم عن إخفاقه المستمر في إجبار سوريا على الدخول في اتفاقيات تطبيع، أو إرهابها لدفعها إلى التخلي عن عقيدتها الراسخة في دعم حركات المقاومة، أو التنازل عن ثوابتها القومية والعربية.

ثمّ جاءت معركة “سيف القدس”، التي رسَّخت، بما لا يدع مجالاً للشكّ، عجزَ سلاح الجوّ الصهيوني عن تحقيق النصر، عبر تحييد قدرات العدوّ  من الجوّ، أو عبر إنفاذ كيان الاحتلال إرادتَه السياسية على الفلسطينيين، عبر قَبول انتهاكات الاحتلال الممارَسة في المسجد الأقصى والقدس المحتلة، وتبعاً المقدسات المسيحية في فلسطين.

أما في البر، فمجدداً، لم يجرؤ كيان الاحتلال على تنفيذ أي مناورةٍ برِّيةٍ جديةٍ داخل قطاع غزة، مُثبتاً مرةٍ أخرى عدم جهوزية جيشه لتحمل الخسائر البشرية، أو قدرته على القيام بمناوراتٍ برِّيةٍ حاسمةٍ.

بل قام، في المقابل، باللجوء إلى مناورةٍ برِّيةٍ وهميةٍ فاشلةٍ، سُمّيت “مترو حماس”. وكتب تال ليف رام في “معاريف” العبرية، مقالاً بعنوان “مسؤولون أمنيون بشأن هجوم (المترو): كان يجب إدخال القوات البرية للقطاع”، قال فيه: “هناك انتقاداتٌ متزايدةٌ من القادة الميدانيين للجيش الإسرائيلي، وعلامات استفهامٍ بشأن استعداده لاستخدام القوات البرية في أثناء القتال”. وأشار، في المقال ذاته، إلى وجود ادعاءاتٍ مفادها أن جيش الاحتلال لم يفكّر حتى في إمكان إدخال قواتٍ برِّيةٍ لقطاع غزة، مؤكداً بذلك الفكرتين الرئيسيتين، واللتين خلص إليهما استراتيجيو كيان الاحتلال في المقالين المذكورين في مطلع نقاشنا هنا، وهما تراجع فعالية سلاح البر الصهيوني، وأن سلاح الجوّ لا يمكنه تحقيق النصر مهما كان “مفهوم النصر” المعتمَد.

لذا، فإن حصيلة معركة “سيف القدس” تمثَّلت باضطرار كيان الاحتلال إلى الرضوخ لقواعد الاشتباك الجديدة، التي فرضتها عليه قوى المقاومة الفلسطينية في الميدان، وعنوانها “إن عُدتم عدنا”، طلباً للهدوء وتفادياً لمزيد من الخسائر، بدلاً من نجاحه في تلبية متطلبات أصل وجوده التي ذُكِرت سابقاً، بصفته كياناً وظيفيّاً.

لعلّ هذا المستجِدّ هو ما جعل نتائج معركة “سيف القدس” تحولاً استراتيجياً، يوازي أو يفوق التحول الاستراتيجي الذي فرضته حرب تموز/يوليو 2006، بحيث يمكن القول بشأنها إنها كانت خاتمة الطَّور الثاني في دورة حياة الكيان الصهيوني، وباكورة الطَّور الثالث من عمره، والذي يبحث فيه الكيان الصهيوني عن تحقيق الأمن لمستوطنيه، ولعله يكون الأخير في دورة حياة هذا الكيان المصطنَع.

لقد أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في كلمته يوم 25 أيار/مايو 2021، في معرض تقييم نتائج معركة “سيف القدس”، أن أهم الإنجازات العسكرية والأمنية والميدانية، كانت في شلّ الكيان وأمنه ومجتمعه. ففي كثير من الدول القديمة والحقيقية، يمكن أن تحدث اختلالاتٌ أمنيةٌ أو حروبٌ أهليةٌ، لكن تبقى الدولة ولا تنهار. أمّا في الكيانات المصطنَعة – كما هي حال الكيان الإسرائيلي – فالأمن بالنسبة إليها هو شرط وجودٍ، وليس شرط كمالٍ. فإنِ انتفى الأمن تَنْهَر الدولة. الإسرائيلي، إذا أحس بضياع الاقتصاد وذهاب الأمن وفقدان رفاهية العيش، فأهونُ ما عليه هو العودة من حيث أتى. وهذا هو الفارق بين كيان “إسرائيل” وأيّ دولةٍ أخرى. وكان هذا إنجازاً لمعركة “سيف القدس”، لا سابق له. وهذا التقييم ورد على لسان أحد أهم قادة عصرنا الحالي واستراتيجييه، بشهادة العدوّ قبل الصديق.

مقالات سابقة

عن الانقسام الفلسطيني في زمن «سيف القدس»

الأخبار

عمرو علان

الخميس 10 حزيران 2021

صنَّفت غالبية قادة المقاومة الفلسطينية معركة سيف القدس على أنها تطور إستراتيجي في مسار الصراع مع العدو الصهيوني، وقد أكّد على هذه القراءة قادة أركان محور المقاومة عندما وصفوها بالتحوّل النوعي، ولعل وصف السيد حسن نصرالله لنتائج المعركة كان الأبلغ، حينما قال إن نتائج معركة سيف القدس تفوق ما تحقّق في حرب تموز 2006، مع العلم أن حرب تموز تُعد نصراً إستراتيجياً موصوفاً، وأحد أهم التحولات في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني.

إذا ما سلّمنا بهذا التوصيف ـــ وهو بلا شك توصيف دقيق لواقع الأمر ـــ يصير لزاماً على فصائل المقاومة الفلسطينية مواكبة الحدث عبر وضع إستراتيجية جديدة للمرحلة القادمة، تبني على المكتسبات التي تحقّقت وعلى ميزان القوى بين فصائل المقاومة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني الذي رسّخته المواجهة الأخيرة، لأنه دون ذلك يمكن للعدو تفريغ الإنجاز من محتواه، وتقزيمه ليصبح نصراً تكتيكياً عوضاً عن كونه تحولاً نوعياً في مسار المواجهة المستمرة، ولعل إحدى المقاربات في هذا الخصوص كانت الدعوة التي أطلقها السيد حسن نصرالله إلى ترسيخ معادلةٍ جديدةٍ تجعل المساس بالمسجد الأقصى والقدس في مقابل حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ، حرب متعددة الجبهات تضع استمرارية بقاء الكيان الصهيوني على المحكّ، هذه المعادلة التي أكد زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي على أن اليمن سيكون جزءاً منها، مدشِّنين بهذا صفحةً جديدةً في مسار الصراع العربي-الإسلامي الصهيوني.

يطرح هذا المنظور لنتائج معركة سيف القدس عدة محاورَ جديرةٍ بالنقاش، لكن سيكتفي هذا المقال بالتعريج فقط على قضية الانقسام الفلسطيني وبناءِ الوحدة الوطنية الفلسطينية.

أبرزت معركة سيف القدس حالةً وحدويةً بين كلّ الفصائل الفلسطينية قاطبةً، تَمثلت في «غرفة العمليات المشتركة» في قطاع غزة، فبدايةً كان قرار الذهاب إلى الصدام العسكري مع المحتل رداً على تجاوزاته في القدس والمسجد الأقصى قراراً مشتركاً بين كلّ فصائل «غرفة العمليات المشتركة»، وكان التنسيق العسكري أثناء المعركة في أعلى درجاته بين كل أجنحة الفصائل العسكرية، سواءً أكان في توقيت الضربات الصاروخية أم في طبيعتها، وظهر التناغم الواضح بين فصائل «غرفة العمليات المشتركة» في التنسيق على المستوى السياسي أيضاً، وهكذا تحقّقت الوحدة بين الفصائل على أساس هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ وبناءً على خطةٍ مشتركةٍ، ما عكس وحدةً وطنيةً في سائر قطاعات الشعب الفلسطيني في كامل أراضي الوطن السليب من النهر إلى البحر، وامتد ليشمل كذلك فلسطينيي الشتات حيثما وجدوا.

ومن المهم الإشارة إلى كون «غرفة العمليات المشتركة» قد جمعت بين كلٍّ من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبين فصائل (م. ت. ف.) بمن فيهم كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة «فتح» في إطار موحد، وكذلك الإشارة إلى كون هذه الغرفة لم تأتِ وليدة الصدفة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ طويلٍ امتد لسنواتٍ أقلها منذ الحرب على قطاع غزة في عام 2014.
ويرى العديد في صيغة الوحدة هذه «ديناميكية» صالحةً يمكن البناء عليها لإنهاء الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية منذ قرابة خمس عشرة سنةً، فهي بُنيت على أساس مشروعٍ موحدٍ ومن أجل أهدافٍ واضحةٍ، على عكس المسارات التي كانت مقترحةً سابقاً والتي كانت تتجاهل حقيقة كون الانقسام الفلسطيني منشؤه الاختلاف في الرؤى تجاه المشروع الوطني، والتي كانت تقفز عن هذه القضية الجوهرية لتغوص في قضايا شكليةٍ من أجل تكريس تحاصصٍ في سلطةٍ منتهية الصلاحية أصلاً، وذلك عبر تنظيم انتخاباتٍ أقل ما يقال فيها بأنها تندرج تحت سقف أوسلو، ناهيكم بعبثية فكرة تنظيم انتخابات مجلسٍ تشريعيٍّ في ظل احتلالٍ يتحكّم بكل تفاصيل الحياة في الضفة والقدس، فحقيقة الأمر أن الفلسطيني ما زال يعيش تحت سطوة احتلالٍ فعليٍّ، وكل حديثٍ عن دولةٍ فلسطينيةٍ ما هو إلى «فانتازيا» ومحض وهمٍ.

وأما الحديث المستجد عن إنهاء الانقسام من خلال الذهاب إلى حكومة وحدةٍ وطنيةٍ، يقبلها المجتمع الدولي وتلتزم بشروط «الرباعية الدولية»، فهذه محاولاتٌ بائسةٌ من قبل سلطة محمود عباس والولايات المتحدة الأميركية لتفريغ نتائج معركة سيف القدس من مضمونها، وذلك عبر جرّ الفلسطينيين إلى المربع الذي كانوا فيه قبل 21 أيار مايو 2021، وإدخاله مجدداً في دوامة أوسلو والمفاوضات العبثية التي باتت مجرد غطاءٍ للاحتلال كي يستمر في مشاريع الاستيطان وضم ما تبقّى من أراضي الضفة الغربية.

لقد تمكنت الوحدة التي تشكّلت في الميدان في ما بين الفصائل من تجاوز بعض أخطاء (م. ت. ف.) السابقة، التي كان أفظعها التنازل عن قرابة 80 في المئة من فلسطين للمحتل، لذلك ينبغي على الفصائل الفلسطينية البناء على قواعد وحدة غرفة العمليات المشتركة في أي مسعى مستقبلي لإصلاح (م.ت.ف)، فالهدف المنشود فلسطينياً يتمثل في إصلاح (م. ت. ف.)، لا إفساد حركتي حماس والجهاد الإسلامي وإلزامهما بسقوف (م. ت. ف.) وتنازلاتها التي لم تؤدِّ إلا إلى ترسيخ نكبة عام 1948، وتهديد حقوق اللاجئين في العودة، وجعل مستقبل بقاء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في مهب الريح بعد إقرار الكيان الصهيوني لقوانين يهودية دولته المزعومة.

لقد أثبتت نتائج معركة سيف القدس مجدداً تحول موازين القوى لغير مصلحة الكيان الصهيوني، وكانت حجةً أخرى على من لا يزال يصر على رؤية اليوم بعيون الأمس، ويصرّ على تجاهل التحولات في واقع المقاومة الفلسطينية، وفي واقع حركات المقاومة في عموم الإقليم، بالإضافة إلى حالة السيولة التي يعيشها الوضع العالمي وتراجع السطوة الأميركية على المسرح الدولي، ذلك الذي لا يزال ينظر إلى الكيان الصهيوني على أنه تلك القوة الصاعدة التي تستطيع هزيمة العرب في ستة أيام كما كان حاله في حقبة خلت، لا كما هو في عام 2021؛ كيانٌ هشّ، وفي حالة تراجعٍ، باتت حتى بعض الأصوات الوازنة في الولايات المتحدة الأميركية ترى فيه «عبئاً استراتيجياً» لا قيمةً مضافةً كما كان حاله سابقاً.

يمكن الخلوص بعد هذا العرض، إذاً، إلى أن «غرفة العمليات المشتركة» قد أعطت مثالاً حياً على كيفية الوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ مبنيةٍ على هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ، يأخذ في الاعتبار ميزان القوى الحاكم حالياً لا ميزان القوى الذي كان سارياً في الماضي، وهذان المعطيان ـــ «غرفة العمليات المشتركة» وميزان القوى الراهن ـــ صالحان ليكونا نواةً للوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ، ومبنيةٍ على مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ واضحٍ، وعلى استراتيجيةٍ فلسطينيةٍ جديدةٍ تحاكي تغيرات الواقع يكون عمادها التحرير.
* كاتب وباحث سياسي

مقالات ذات صلة

ماذا بعد “سيف القدس”؟

عمرو علان

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

25/5/2021

يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس”، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه الجولة الأخيرة، باتت في مصاف اللاعبين الإقليميين.

لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة
لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة

“بأمرٍ من قائد هيئة الأركان أبو خالد محمد الضيف، رُفع حظر التجول عن تل أبيب ومحيطها لمدة ساعتين، من الساعة العاشرة وحتى الساعة الثانية عشرة ليلاً. وبعد ذلك، أمر بعودتهم إلى الوقوف على رجل واحدة”. 15 أيار/مايو 2021.

يختزل هذا البيان الّذي أصدرته كتائب “القسام” المستوى الذي وصلت إليه المقاومة الفلسطينية في توازن الرعب مع العدو الصهيوني خلال معركة “سيف القدس”، لكن نتائج الجولة الأخيرة في الحقيقة تتجاوز بشكل كبير معادلات الردع المتبادل التي أفرزتها هذه المواجهة، لكون دوافعها ونتائجها، إضافة إلى استحقاقاتها، تتمايز عن المواجهات السابقة في عدة نواحٍ.

انطلقت معركة “سيف القدس” من أجل تحقيق هدفين؛ أولهما تأمين الدعم لانتفاضة القدس عبر رسم خطوطٍ حمر أمام قمع الاحتلال للمنتفضين. أما الهدف الآخر، فكان فرض قواعد اشتباك جديدة مع العدو، مقتضاها أنّ المسّ بالمقدَّسَات أو محاولات تهويد القدس، من خلال الاستيلاء على بيوت المقدسيين وتهجيرهم، سيستدعي رداً عسكرياً من قبل فصائل المقاومة المسلحة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام.

إذاً، كانت معركة “سيف القدس” معركةً وطنيةً وعقديةً بامتياز، خلافاً لسابقاتها في 2008-2009 و2012 و2014، والتي يمكن إدراجها في سياق الصمود والحفاظ على إنجازات المقاومة.

يشكّل تحقيق المقاومة الفلسطينيّة أهدافها، وتثبيت قواعد الاشتباك الجديدة بعد 11 يوماً من النّزال، تحولاً جوهرياً بحد ذاته على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني، لكن التحوّل الآخر الذي لم يكن متوقعاً، والذي ربما يُعدّ أكثر عمقاً، تمثل في دخول كل الأرض الفلسطينية، من رأس الناقورة إلى أم الرشراش، على خط انتفاضة القدس وتوحُّد كل الشعب الفلسطيني في معركةٍ واحدةٍ، فلطالما سعى الكيان الصهيوني إلى تقسيم الأراضي الفلسطينية، وفك الترابط بينها، في محاولةٍ منه لخلق هوياتٍ فلسطينيةٍ فرعيةٍ، وزّعها بين “عرب 48″ و”ضفّاويين” و”غزاويين”. 

إضافة إلى ما تَقدَّم، يمكن ملاحظة التبدُّل في الوعي الفلسطيني الذي واكب هذين التحوّلين، إذ سقطت فكرة حل الدولتين غير القابلة للحياة أصلاً، وعادت الفكرة الأُم والأكثر واقعيةٍ بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر لتتصدر المشهد الفلسطيني، وحتى العربي، وسقطت كذلك أكذوبة إمكانية التعايش مع كيانٍ استيطانيٍّ إحلاليٍّ يقوم على أساس اقتلاع شعب وإحلال مجاميع سكانيةٍ غريبةٍ أخرى مكانه.

وعليه، يمكن أن نخلص إلى أنّ تحقيق المقاومة الفلسطينية الأهداف التي وضعتها لمعركة “سيف القدس”، وما صاحبها من تحولات في الشارع الفلسطيني، رفع إنجازات المعركة، لتصبح تحولاً استراتيجياً مكتمل الأركان، يُبشِّر بمرحلةٍ جديدةٍ مغايرةٍ.

من الناحية المادية، ما كان لهذا التحول الاستراتيجي أن يتحقق لولا القدرة التسليحية النوعية والتكتيكات العسكرية الإبداعية التي ظهرت لدى قوى المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب “القسام”، إضافةً إلى الدعم العسكري والاستراتيجي الذي تتلقاه المقاومة الفلسطينية من محور المقاومة، ناهيك بما كشفت عنه هذه الجولة من هشاشةٍ في معسكر العدوّ، سواء كان في الجبهة الداخلية أو في القدرات الاستخبارية أو في القدرة القتالية لـ”جيش” الكيان الذي لم يستطِع تقديم أيَّ إنجازٍ، ولو كان صورة نصرٍ وهميٍ لمستوطنيه.

بناءً على ذلك، يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس”، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه الجولة الأخيرة، باتت في مصاف اللاعبين الإقليميين، وصارت القوة الحقيقية الفاعلة في المشهد الفلسطيني من دون منازعٍ، لكن ماذا عن معسكر الأعداء؟

لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة، كما الكيان الصهيوني. لذلك، على المقاومة الفلسطينية، ولا سيما حركة “حماس”، بصفتها الفصيل الرئيس بين فصائل المقاومة، أن تستعدّ للمزيد من الضغوط في المرحلة القادمة، ولكن لأن الميدان العسكري أفرز توازناً جديداً للردع بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني، فعلى الأرجح أن يلجأ الخصوم إلى محاولة تفريغ النصر الأخير من مضمونه عبر الأدوات السياسية. 

وقد تجلى ذلك في كلمة الرئيس جو بايدن التي عقَّب فيها على وقف إطلاق النار المتبادل، إذ برز فيها محوران؛ الأوّل ربط إعادة الإعمار والمساعدات المالية بسلطة الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس، وهو الربط الذي يهدف إلى إعادة تعويم السلطة الفلسطينية، بعد أن فقدت كل تأييدٍ لدى غالبية الفلسطينيين، نتيجةً للفشل والعجز اللذين وصلت إليهما، ونتيجةً لنظرة الشّارع الفلسطيني إلى هذه السلطة بأنها باتت أداة في يد المحتلّ، بإصرارها على مواصلة التعاون الأمنيّ مع قوات الاحتلال من أجل حراسة أمن المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية، ومنع أيّ شكلٍ ذي معنى في مقاومة الاحتلال، ولو كان سلمياً.

من ناحية ثانية، يهدف هذا الربط إلى محاولة تحصيل تنازلات سياسية من حركة “حماس”، مقابل تسهيل إعادة إعمار قطاع غزة، ناهيك بنقله المواجهة حول إعادة الإعمار إلى مواجهة بين السلطة و”حماس”، عوضاً من أن تكون بين فصائل المقاومة والصهيوني أو الأميركي. 

أما المحور الآخر الذي يمكن استخلاصه من كلمة الرئيس جو بايدن، فكان التلميح إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ستعود لتولّي الملف الفلسطيني بنفسها. يأتي هذا كنتيجةٍ لفشَل الصهيوني في فرض إرادته بالقوة على الفلسطينيين. وهنا يتجلّى خطر الفخاخ السياسية، فمِن الوارد أن تضغط الولايات المتحدة الأميركية على الكيان الصهيوني في هذه المرحلة لتقديم تنازلات ملموسة، لكن ليست ذات معنى حقيقي للجانب الفلسطيني، سعياً إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قَبْل معركة “سيف القدس”، عبر إحياء مسار ما يسمى “مفاوضات السلام” وحل الدولتين الذي بات مرفوضاً جملةً وتفصيلاً في الشارع الفلسطيني، ولا سيما بين أوساط فلسطينيي الأراضي المحتلة العام 48، وهو ما من شأنه، إذا ما تم، تقزيم الإنجاز الإستراتيجي الأخير وتحويله إلى مجرد نقلةٍ تكتيكيةٍ، وبذلك يفرغه من معناه الحقيقي.

ظهر هذا التوجّه في التصريحات الأميركية الأخيرة التي استعادت الخطاب الأميركي التقليدي الَّذي كان سائداً قبل فترة دونالد ترامب تجاه الاستيطان والقدس، وهو خطابٌ معسولٌ، لكننا خبرنا نتائجه الكارثية على القضية الفلسطينية على مدى العقود الثلاثة الماضية.

يُعزِّز هذا الاستنتاج حول نيَّة الولايات المتحدة الأميركية، ما قاله مؤخراً مفوض الأمن والسياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في بيانٍ نشره الاتحاد الأوروبي. وقد جاء فيه أنَّ الاتفاقيات التي توصَّلت إليها “إسرائيل” مع عدة دولٍ عربيةٍ في السنوات الأخيرة التي توسّطت فيها إدارة ترامب، ولّدت انطباعاً لدى البعض في “إسرائيل” بأن القضية الفلسطينية تمت تسويتها، وأن الوضع الراهن يمكن أن يستمر إلى أجلٍ غير مسمى.

وشدَّد بوريل على أنَّ مفاوضات “عملية السلام” لم تحلّ النزاع، ولم توقف توسيع المستوطنات التي تقوض من الناحية العملية الحل الذي يدعمه المجتمع الدولي، ونجد في هذا الكلام توبيخاً شبه صريحٍ للكيان الصهيوني، يدغدغ عواطف محمود عباس ورجالات التنسيق الأمني الذين ما زالوا يراهنون على المفاوضات العبثية خلافاً لكل منطقٍ، وهي مفاوضاتٌ تتنازل عن 78% من أرض فلسطين مقدماً. وكان بوريل أكثر وضوحاً عندما تابع قائلاً إنَّ الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يستمرّ في تمويل إعادة إعمار غزة من دون وجود احتمال إطلاق مسارٍ سياسيٍ بين “إسرائيل” والفلسطينيين.

إذاً، المقاومة الفلسطينية مقبلةٌ على مرحلة فخاخٍ سياسية على شكل مغرياتٍ فارغة المضمون وضغوطٍ صريحةٍ، لانتزاع تنازلات من الفلسطينيين تعيدهم إلى حالة المراوحة التي كانت سائدة خلال العقود الثلاثة الماضية، لكن ما دامت موازين القوى في غير مصلحة الاحتلال، كما أظهرت المواجهة الأخيرة، وما دامت الانتفاضة مستمرة في الضفة والقدس، وما دام ظهْر المنتفضين محمياً بصواريخ كتائب “القسام” مع باقي الفصائل، كما تعهدت المقاومة على لسان أبو عُبَيْدة، فمن الممكن انتزاع المزيد من الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين من دون قيدٍ أو شرطٍ، ومن دون تقديم جوائز ترضيةٍ للاحتلال، على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني واقتلاع هذا الكيان الصهيوني المصطنع. ولذلك، باتت القدس اليوم حقاً أقرب.

هَبَّة باب العمود طريق لتصويب المسار

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter

عمرو علان

الأحد، 02 مايو 2021 07:31 م بتوقيت غرينتش

بناءً على تقدير موقف واقعي، وقراءة متكاملة للمشهد الفلسطيني بكافة أبعاده، كان قد استشرف البعض منذ بدايات مسار الانتخابات التشريعية الفلسطينية الجديدة بأن يقوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيلها كما حصل فعلاً. ولسنا هنا بصدد العودة إلى النقاش الذي دار قبل قرار الفصائل الفلسطينية خلا حركة الجهاد الإسلامي حول خوض مغامرة انتخابية جديدة، لا سيما أننا في حضرة هبَّةٍ مقدسيةٍ عظيمة، قد أنجزت في الميدان وتُبشِّر بالمزيد إذا ما استفاقت الفصائل الفلسطينية لا سيما في الضفة والقدس من غفوتها، وتجاوزت ملهاة انتخابات مجلس تشريعي لدولة تخيُّلية؛ ما هي – في حقيقة الأمر – إلا جزءٌ صغير من كلٍ مغتصَب، يرزح تحت سلطة احتلال تتحكم بكل مفاصل حيات ذاك الفلسطيني الذي مازال صامداً على أرضه يقاوم، بما في ذلك انتخاباته وباعتراف رئيس السلطة الفلسطينية، بغض النظر عن وجاهة التبرير الذي ساقه هذا الأخير لتأجيل أو بالأصح لإلغاء الانتخابات التشريعية.

ما شهدته ساحات الأقصى وأزقة القدس العتيقة في الأيام القليلة الماضية يعيد التأكيد على معادلتين: أولاهما كون الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس وحتى في أراضي 48 جاهزاً وحاضراً للقيام بحركة شعبية قابلة لأن تتطور وتتصاعد حتى تصل إلى العصيان المدني وانتفاضة ثالثة طال انتظارها. فبمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره، ويفهم أكثر من غيره مسؤولياته التي لا يتردد في القيام بها، وكان هذا شاخصاً في مدى رقعة امتداد الاحتجاجات التي شملت بالإضافة إلى القدس أراضي الضفة الغربية ومناطق 48. وقد تجلى الوعي الفلسطيني في طبيعة الهتافات التي صدرت من قبيل “سامع يا صهيوني سامع.. جاي تسكير الشوارع..”، و”مِن أم الفحم تحية.. لقدسنا الأبية..”، و”بلا سلمية بلا بطّيخ.. بدنا أحجار وصواريخ.. يا أقصى إحنا جينا.. والشرطة ما تثنينا..”. ولعل الهتاف الأكثر بلاغة كان “حط السيف قبال السيف.. إحنا رجال محمد ضيف..”، فكان لافتاً أنه لم يُهتف باسم أيٍ من السياسيين سواءً أكانوا من “حماس” أم من “فتح”، بل هُتِف باسم القادة العسكريين والشهداء.

بمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره


أما المعادلة الثانية التي أكدت عليها هبّة باب العمود فكانت الخشية الكبيرة لدى العدو من تفاقم الوضع في الأراضي المحتلة، وظهر ذلك جلياً في طريقة تعاطيه مع الأحداث، سواءً أكان مع صواريخ المقاومة التي انطلقت من غزة بشكل محسوب دعماً لهبّة القدس، أو في تعامل شرطة الاحتلال مع المتظاهرين المقدسيين التي على ما يبدو تفادت سقوط شهداء بين المتظاهرين خوفاً من التصعيد.

وتمكن قراءة القلق الأمريكي أيضاً من انزلاق الوضع إلى انتفاضة ثالثة في لغة التصريح غير المألوفة الصادر عن المتحدث باسم الإدارة الأمريكية نيد برايس، حيث أبدى قلق الإدارة الأمريكية من تصاعد العنف في القدس، وطالب بوقف شعارات الكراهية مع الدعوة إلى الهدوء، بالإضافة إلى مطالبة السلطات بحفظ أمن وسلامة جميع من في القدس، على عكس الموقف الأمريكي التقليدي الذي ما انفك عن تحميل الفلسطينيين مسؤولية جرائم الاحتلال مشفوعاً بعبارته الممجوجة بأن لدى “إسرائيل” حق الدفاع عن النفس. ولم تكن هذه صحوة ضمير، بل مؤشرا على إدراكه للنتائج الوخيمة على كيان الاحتلال إذا ما تطورت الاحتجاجات لتصل إلى انتفاضة ثالثة، يُحتمَل أن تعم هذه المرة كل الأراضي المحتلة في القدس والضفة وأراضي 48، ويكون ظهرها محمياً بمقاومة مسلحة قادرة في غزة يدعمها محور مقاومة صاعد بات يغير المعادلات على الأرض، ويمكنه رسم الخطوط الحمر أمام كيان الاحتلال في طريقة تعاطيه مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، خطوط حمر وقواعد اشتباك لن يجرؤ الاحتلال على تجاوزها كما بات واضحاً في سلوكه خلال الأعوام القليلة الماضية.

هاتان المعادلتان كانتا الحاكمتين خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة على أقل تقدير وما تزالان، ونُذكّر بهبّة كاميرات الأقصى التي خسرها الاحتلال، والعمليات الفردية وعمليات الطعن والدهس المتكررة ضد المستوطنين، وتراجع نتنياهو عن تنفيذ خطة الضم في الأول من تموز الفائت خوفاً من اشتعال الأراضي المحتلة حسب تقارير أجهزته الأمنية والعسكرية، ناهيكم عن الحذر الشديد لدى الاحتلال من الانزلاق إلى مواجهة جديدة مفتوحة مع المقاومة في غزة، وتوازن الرعب الذي يعيشه المحتل على جبهة جنوب لبنان المحرر أمام حزب الله.

وعليه يصير السؤال المطروح بإلحاح على الفصائل الفلسطينية: أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟

أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟


لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصة جديدة واقعية تتمثل بهبّة مقدسية مباركة يمكن تطويرها وتأطيرها، ويمكن من خلالها استعادة وحدة وطنية حقيقية في الميدان بين كل من يؤمن بمقاومة الاحتلال، عوضاً عن اللهث وراء مشاريع لن تؤدي إلا إلى زيادة التشظي في الساحة الفلسطينية كما حصل عقب القرار البائس في التوجه إلى انتخابات تشريعية في ظل الاحتلال وتحت سقف “أوسلو”.

وإذا ما سلمنا بأنه قد ثبُت بالدليل الحسي انقطاع الأمل في قيام السلطة الفلسطينية ورموز التنسيق الأمني بتعديل مسلكهم، عندها يصبح على عاتق الفصائل مع الذين ما زالوا يؤمنون في “فتح” الرصاصة الأولى لا “فتح” القبيلة؛ اجتراح السبل لتفعيل العمل الميداني، لمواكبة تحركات الشارع الفلسطيني المنتفض، وعلى السلطة حينها الاختيار بين أن تكون جزءاً من الشعب الفلسطيني الثائر أو الوقوف على الحياد، وإما أن تستمر بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، وعندها لا ملامة على شعبنا إن عاملها معاملة العملاء في الانتفاضتين السابقتين.

وختاماً نُذكِّر بأن تفعيل المقاومة الشعبية الجادة والعصيان المدني كانا من أهم مخرجات اجتماع أمناء الفصائل الأخير المنعقد في أيلول الماضي، فماذا إذن هم منتظرون؟

%d bloggers like this: