الانسحاب الأميركي من وسط آسيا بين الفوضى والاستقرار

Visual search query image

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم ،.

 الأربعاء 28 تموز 2021

المصدر

عمرو علان

كما كان دخول أميركا عسكرياً إلى قلب آسيا، من خلال احتلال أفغانستان قبل 20 عاماً، تبدّلاً نوعياً في وضع الجغرافيا السياسية الذي كان قائماً في وسط آسيا آنذاك، فإنَّ انسحابها اليوم لا يقلّ أهميّة كذلك من هذا المنظور.

لم يكن دخول أميركا إلى آسيا الوسطى – قبل 20 عاماً من خلال احتلال أفغانستان – نقلة هامشية في لعبتي الشطرنج الجغرافيتين، السياسية والاقتصادية، فكما يقول الأستاذ المساعد البروفيسور برياني تود في مركز البحوث الاستراتيجية “Near East South Asia Center for Strategic Studies” في جامعة ” National Defense University” الأميركية: “إذا ما كنّا – يقصد الأميركيين – خلال التسعينيات ننظر إلى منطقة وسط آسيا من خلال البعد الروسي، فإننا صرنا في الألفية الثانية ننظر إلى تلك المنطقة من خلال البعد الأفغاني”.

Visual search query image
كان الدخول العسكري الأميركي إلى قلب آسيا تحولاً استراتيجياً إذ جعل منها المهيمن الرئيس في عموم منطقة أوراسيا

إنَّ وجود أفغانستان في قلب آسيا يجعل منها عقدة مواصلات برية في حركتي نقل البضائع والأفراد، ولا سيما أنَّ لها حدوداً مشتركة مع 6 دول آسيوية، 3 منها تعد دولاً محورية، هي الصين شرقاً، وباكستان جنوباً، وإيران غرباً. يضاف إلى ذلك وقوع أفغانستان في حيّز اهتمام جمهورية روسيا الاتحادية ضمن عقيدة “الخارج القريب” أو استراتيجية “سياسة الوصول جنوباً” في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي؛ فمن خلال البرّ الأفغاني يمكن لروسيا الوصول إلى باكستان، ومنها إلى المحيط الهندي.

لهذا، كان الدخول العسكري الأميركي إلى قلب آسيا تحولاً استراتيجياً، إذ جعل منها المهيمن الرئيس في عموم منطقة أوراسيا، ومؤثراً أساسياً في سياسات دول تلك المنطقة ونُظُمِها، ما شكَّل مصدر إزعاج لكلٍ من روسيا والصين وإيران؛ فبالنسبة إلى روسيا، صار الوجود العسكري الأميركي في حديقتها الخلفية، علاوة على قطع الطريق عليها للوصول إلى المحيط الهندي. بالنسبة إلى إيران، شكَّل تموضع قوة عسكرية عدوانية على حدودها تهديداً استراتيجياً دائماً، ولا سيما بعد تمدد هذا الوجود إلى الساحة العراقية في غرب آسيا، ليضع إيران بين فكّي كماشة.

أما صينياً، فشكَّل الوجود الأميركي في أفغانستان حاجزاً أمام طريق الصين التجاري للوصول إلى الغرب؛ هذا الطريق الذي تحوّل في ما بعد إلى استراتيجية “مبادرة الحزام والطريق” الصينية. وازدادت أهمية الممر الأفغاني في “مبادرة الحزام والطريق” بعد بناء الصين ميناء “جوادر” على بحر العرب في باكستان، وبعد تَبَلْور اتفاقيات “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” الذي يعد درَّة التاج في “مبادرة الحزام والطريق”.

يظهر هذا الاهتمام الصيني المتزايد في أفغانستان في زيادة حجم المساعدات النقدية لهذا البلد، وفي اتفاقيات الاستثمار الصيني الموقَّعة حديثاً في قطاع التعدين واستغلال مناجم النحاس، إضافةً إلى مشاريع بنى تحتية أخرى من سكك حديد وغيرها.

ورغم أنَّ العديد من المشاريع الاقتصاديّة الاستراتيجيّة التي تم الاتفاق عليها بين الصين وأفغانستان ما زالت تنتظر الدخول حيز التنفيذ، ورغم أنَّ عدد الشركات الصينية التي دخلت فعلاً إلى السوق الأفغاني لم يتجاوز الـ300، وهي تقتصر حالياً على كبريات الشركات الصينية، كشركة “هواوي” مثلاً، فإنَّ المصالح “الجيو-سياسية” و”الجيو-اقتصادية” الصينية باتت واضحة في الساحة الأفغانية. كل هذه الاستثمارات الاقتصادية لا تنتظر سوى زوال العائقين الرئيسين أمام البدء بها، وهما الوجود الأميركي واستعادة الاستقرار السياسي في هذا البلد الذي أنهكه الاحتلال والحروب البينية.

إذاً، كما كان دخول أميركا عسكرياً إلى قلب آسيا تبدّلاً نوعياً في وضع الجغرافيا السياسية الذي كان قائماً في وسط آسيا آنذاك، فإنَّ انسحابها اليوم لا يقلّ أهميّة كذلك من هذا المنظور. 

وهنا، نلحظ أنَّ انسحاب الاحتلال السوفياتي أواخر الثمانينيات عقب فشله في أفغانستان، كان قد حصل ضمن استراتيجية وخطة منظمة، ما ساعد في صمود حكومة نجيب الله التي كانت مدعومة سوفياتياً حتى تفكك الاتحاد السوفياتي ذاته، بينما نجد أن الانسحاب الأميركي تم بطريقة عشوائية، ومن دون استراتيجية واضحة، ما يطرح احتمالات دخول أفغانستان في حالة عدم استقرار سياسي ودورة عنف داخلي متجدّد، حتى إنَّ صحيفة “وول ستريت جورنال” كانت قد كشفت مؤخراً عن تقديرات استخبارية أميركية جديدة تتنبأ بسقوط حكومة كابول المدعومة أميركياً خلال 6 أشهر بعد استكمال الانسحاب الأميركي.

لهذا، صدرت تقديرات في كلٍّ من روسيا والصين تُخمِّن أن طريقة الانسحاب الأميركية غير المدروسة تهدف عن عمد إلى إدخال الساحة الأفغانية في حالتي فوضى وعدم استقرار، ما يضرب الاستراتيجيتين الروسية والصينية في منطقة وسط آسيا، اللتين يعدّ استقرار أفغانستان عنصراً مهماً فيهما.

بمعنى آخر، إنَّ الأميركي يسعى إلى إشعال كرة نار ليلقي بها في الحضن الروسي والصيني، وحتى الباكستاني والإيراني، ويمكن لعدم الاستقرار في أفغانستان أن يؤثر في ساحتي باكستان وإيران الداخليتين، ولا سيّما الساحة الباكستانية. وبهذا، يترك الأميركي على عاتق هذه الدول عبء ترتيب الفوضى التي خلقها بنفسه. ولعل هذا ما يفسر رؤية الصين وروسيا للانسحاب الأميركي من أفغانستان على أنّه فرصة وتحدٍّ في آنٍ واحد.

وقد عبَّرت الصين صراحةً عن توجُّسها من طريقة الانسحاب الأميركي غير المنظم، وذلك في كلمة مندوب الصين في جلسة “مجلس الأمن الدولي” في 22 حزيران/يونيو 2021، التي خُصِّصَت لنقاش الوضع في أفغانستان، كما أكّد هذا التوجُّس وزير خارجيتها وانغ يي خلال افتتاح “منتدى السلام العالمي” التاسع الذي عُقِد في بكين في 3 تموز/يوليو 2021.

لكنْ مهما كان الحال، سواء كان انسحاب أميركا، كما وصفه بدقّة ديمتري ترنين مدير “مركز كارنيغي موسكو”، حين كتب أنَّ الانتشار الأميركي خارج العالم الغربي يتضمّن مشكلتين؛ أولهما أن الأميركي عندما يدخل منطقة بالقوة يُحدِث اضطراباً في “جغرافيّتها السياسية” السائدة، والأخرى تكون عند انسحابه، إذ يُخلِّف وراءه فوضى، أو أنَّ الانسحاب الأميركي جاء فوضوياً بشكلٍ متعمّد؛ ففي الحالتين، لا يغير ذلك من حقيقة الأمر ومما يترتّب عليه.

وحتى إن عددنا الانسحاب الأميركي تحولاً إلى استراتيجية “التحكّم في الفوضى عن بُعد” في محاولةٍ لضرب مصالح الصين وروسيا في منطقة وسط آسيا بكلفة أقل، يظل هذا انكفاءً على وقْع فشَلٍ لاحتلال دام 20 عاماً، إذ أخفق الاحتلال في تحقيق هدفه الاستراتيجي بتثبيت سيطرةٍ مستتبةٍ للأميركي وحلفائه على قلب آسيا، وعلى عقدة المواصلات البرية عبر أفغانستان.

ولا ننسى أن الهدف المعلن الأميركي عند احتلال أفغانستان كان القضاء على حركة “طالبان” نهائياً، بينما نجد اليوم أن احتمال عودة “طالبان” إلى الحكم صار كبيراً، بعد أن باتت التقارير المتواترة تشير إلى تَمكُنها من استعادة السيطرة على نحو 80% من مساحة أفغانستان في فترة زمنية قياسية، وبعد أن باتت كلّ الدول المجاورة لأفغانستان، إضافة إلى روسيا، تتعاطى مع الحركة على أنها اللاعب الرئيس في المشهد الأفغاني. وبدأت الهند أيضاً مؤخراً بفتح خطوط تواصل معها، رغم الموقف العدائي للهند تجاهها، بسبب ديناميات التحالفات في ذلك الإقليم وتعقيداتها، بين الصين وباكستان من ناحية، والهند من ناحية مقابِلة.

وفي المحصّلة، تفرض المرحلة القادمة تحدياً على الدول الفاعلة في ذاك الإقليم، ولا سيما الصين وروسيا، بالتعاون مع إيران وباكستان والهند، من أجل ترتيب الوضع الداخلي الأفغاني واستعادة هذا البلد استقراره السياسي الذي يتوقف عليه انطلاق حركة إعادة الإعمار والتنمية، بما يخدم الشعب الأفغاني بداية، ويصب تبعاً في مصلحة الاستراتيجيات الكبرى لمركزي القوى العالميين الصاعدَين، الصين ومبادرتها “الحزام والطريق”، وروسيا واستراتيجيتها “الأوراسية”؛ هذه الاستراتيجيات التي تمهّد لولادة عالَم ما بعد الهيمنة الغربية.

من أجل هذا الهدف، توجد عدة اتحادات وتحالفات إقليمية يمكن البناء عليها من أجل إعادة رسم الجغرافيتين السياسية والاقتصادية في منطقة وسط آسيا، وامتداداً غرب آسيا، لكن من دون الخوض في التفاصيل، يرى البعض أن تكون “منظمة شانغهاي للتعاون” هي الأكثر قدرة على القيام بهذه المهمة الكبرى التي لا تخلو من الفخاخ والمصاعب.

أما بالنسبة إلى آثار هذه التحولات في المنطقة العربية، فنوجزها بالمعادَلة الآتية: كل صعود للشرق، وأفول للغرب، وتراجع للإمبريالية والهيمنة الغربية، هو مصلحة محققة لـ”دول الأطراف” عموماً، ما يوجِد فرص وبيئة جديدة مؤاتية في المنطقة العربية، يبقى على عاتق العرب حُسن استثمارها وتوظيفها في مصلحة الإقليم.إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

«هندسة احتلال»

كاتب وباحث سياسي في العديد من المنافذ الإخبارية العربية ، ومنها جريدة الأخبار ، وقناة الميادين الإخبارية الفضائية ، وعربي 21 ، وراي اليوم ،.

السبت 17 تموز 2021

عمرو علان

تطرّق معلقون كثر، بينهم كاتب هذه السطور، إلى أبعاد اغتيال الشهيد نزار بنات. حاولنا في ما يخصنا وضع جريمة في سياقها الصحيح، إذ جاءت كنتيجةٍ طبيعيةٍ لفلسفة السلطة الفلسطينية المبنية على «التنسيق الأمني»… ناهيك بإمكانية وضع تلك الجريمة ضمن ردود السلطة الفلسطينية على منجزات معركة «سيف القدس »الأخيرة، التي شكلت تحدياً لمسار أوسلو سيّء الذكر، ولمفهوم «عملية السلام» الكاذبة برمّتها… فمنجزات المقاومة في معركة «سيف القدس» مثلت هزيمةً لكلٍّ من الاحتلال والسلطة الفلسطينية على حدٍ سواء.

بناءً على تلك الخلاصات يرد في السياق تساؤلان مهمان: ماذا لو لم تتجاوب السلطة الفلسطينية مع المطالب الوطنية بحل ذاتها؟ وما هو مصير المصالحة الوطنية؟

إنّ ما انتهت إليه السلطة الفلسطينية من «تنسيقٍ أمنيٍ مقدسٍ» مع قوات الاحتلال – بما يتعارض وأبسط الثوابت الوطنية – لا يأتي خارج السياق، بل مصيرٌ شبه حتميٍّ لأي سلطة حكمٍ ذاتيٍّ تنشأ في ظل وجود إحتلالٍ، وذلك نتيجةً للعلاقة الجدلية التي تقوم بين الإحتلال وسلطة الحكم الذاتي، حيث تُوجِد هذه العلاقة طبقةً برجوازيةً حاكمةً ترتبط اقتصادياً وعضوياً بالإحتلال ذاته، فيصير بقاؤها مرهوناً ببقائه، وبذلك تتحوَّل سلطة الحكم الذاتي تلقائياً إلى أحد الأدوات الرئيسة والفعالة ضمن إستراتيجيات الإحتلال، من أجل قمع ذاك الشعب المحتل وحركات تحرره الوطنية، وهذا ما تدلل عليه التجارب التاريخية في الحالات المشابهة؛ لهذا ففرص تغيير السلطة الفلسطينية لنهجها تعدّ من شبه المستحيلات؛ إن لم تكن خارج الحسابات السياسية المنطقية بالمطلَق.

إذا ما أُخِذت هذه الحقيقة بعين الإعتبار، يسهل الخلوص إلى أن التعويل على حلّ السلطة الفلسطينية لنفسها من تلقاء ذاتها يُعدّ على الأرجح أمرًا غير واردٍ، كذلك يصير عدم تحقق الوحدة الوطنية بين حركتي «حماس» و»فتح» مفهوماً ومبرراً رغم مرور قرابة 15 عاماً على الإنقسام، ورغم كثرة المحاولات السابقة لإنهائه، فالحديث هنا عن مشروعين متضادين يلغي أحدهما الآخر، وينطبق عليهما «البرهان العقلي» في «إستحالة الجمع بين الأضداد»، فهما لن يجتمعا إلا إذا غيَّر أحدُهما خَصائصَهُ، وهذا محمودٌ في حالة السلطة الفلسطينية، لكنه مستبعدٌ لما ذُكر سابقاً، وممكنٌ في حالة حركة «حماس» بصفتها حركة مقاومة، لكنه سيكون مذموماً من الناحية الوطنية، فإذا ما حصل واجتمع هذان المشروعان فلن يكون هذا إلا ضمن احتمالين اثنين لا ثالثً لهما: فإما أن أحدهما قد غير في خصائصه الجذرية، وإما أن يكون أحدهما قد هيمن على الآخر بشكلٍ فعليٍّ بما يجعل من خصائص هذا الأخير في حكم اللاغية.

وعليه في الحالة الفلسطينية، يصير من الأجدى لفصائل المقاومة الفلسطينية صرف النظر عن مسارات المصالحة العقيمة السابقة، وذلك إذا ما كانت تنوي الالتزام بعقيدتها وبخطها المقاوم، والبحث عن مسارٍ جديدٍ يمكن أن يفضي إلى مصالحةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ واضحة المعالم، تكون مؤسسةً على أهدافٍ منسجِمةٍ، تتَّسق مع الثوابت الوطنية دون تفريطٍ.

ولقد منحتنا معركة «سيف القدس» مثالاً عملياً لمسارٍ واقعيٍ، يمكن البناء عليه لتشكيل وحدةٍ وطنيةٍ مضبوطةٍ، فبالإضافة إلى كون معركة سيف القدس قد مثلت نقلةً نوعيةً في مسار مكافحة الكيان الصهيوني، فقد طرحت أيضاً صيغة «غرفة العمليات المشتركة»، التي شكلتها «كتائب الشهيد عز الدين القسام» في قطاع غزة، بناءً على أهدافٍ وطنيةٍ واضحةٍ، وقادت من خلالها المواجهة الأخيرة بكل تفاصيلها بالتشاور والتشارك مع جميع فصائل «غرفة العمليات المشتركة» الأخرى، وقد شملت هذه الغرفة كافة الفصائل الفلسطينية المسلحة قاطبةً، بما فيها فصيلان مسلَّحان تابعان لحركة «فتح»، وحقَّقت بذلك معركة سيف القدس نصراً للشعب الفلسطيني بأكمله دون استثناءٍ، ناهيك عن الإنجاز الذي تجاوز حدوده القُطْرية الفلسطينية ليصب في طاحونة خط المقاومة والتحرير في عموم الإقليم.
ولعل من أهم منجزات «غرفة العمليات المشتركة»، الوحدة الوطنية التي تشكلت حولها في الشارع الفلسطيني، والتي شملت السواد الأعظم من أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 وعام 1967 بالإضافة إلى فلسطينيي الشتات، وهذا ليس بالأمر الثانوي في الديناميكيات الصالحة لتأسيس وحدةٍ وطنيةٍ، فهو يدلِّل على كون الإنجازات الميدانية في مواجهة الاحتلال مازالت العامل الأساس لدعم قيام وحدة صفٍ فلسطينيةٍ حقيقيةٍ ونافعةٍ.

نجد إذاً في التفاهمات الميدانية مساراً ناجعاً للوصول إلى الوحدة الوطنية يمكن التأسيس عليها، ويمكن بعد ذلك تطويرها لإنشاء جبهة تحريرٍ شاملةٍ، فالميدان يَفرِز بين الوطني والمتخاذل إن لم نقُل العميل، ويُغلِّب أولوية المعركة على خلافات الحكم، وهذا هو المطلوب، حيث إن الفلسطينيين مازالوا يعيشون مرحلة التحرير، وبعد ذلك فليخوضوا في خلافات الحكم كما يشاؤون.
في مثل هذه الوحدةٍ الوطنيةٍ، يكون لدى كل الفصائل في الساحة الفلسطينية خيار اللحاق برَكْب التحرير، وإلا تجاوزهم الزمن كما تجاوز غيرهم في تجارب شعوبٍ أخرى خاضت معركة التحرير.

وأخيراً، من نافلة القول إن المحازبين كأفراد هم أيضاً مخيَّرون كما الفصائل التي ينتمون إليها، إما بين اللحاق برَكْب التحرير وإما بين الإصرار على الاستمرار في جريمة التخابر مع العدو المسماة زوراً «التنسيق الأمني»، وحينها لا ملامة إن نُعِتوا بما يستحقون وعوملوا على أساسه.

Red Alert in Iraq… Time for the U.S. to Decide

Visual search query image
amro@amrobilal.net), is an independent Palestinian writer and Political researcher. He writes for various Arabic news outlets, some of which are Al-Akhbar newspaperAl-Mayadeen Satellite News ChannelArabi 21, and Rai Al-Youm, and UPROOTED PALESTINIANS

July 15, 2021

By Amro Allan

‘President Joe Biden may be nearly done with America’s two-decade military involvement in Afghanistan, but another nearby war zone, where U.S. troops have been based for almost as long, is threatening to become a major thorn in the White House’s side: Iraq’, says Foreign Policy in its Situation Report on July 8, 2021, entitled ‘Red Alert in Iraq’. This comes after two fairly heated weeks in Iraq and Syria, where an escalation in the resistance groups operations against American troops was noticeable, both in frequency and in nature.

For instance, on Wednesday, July 7, 14 rockets hit Ain al-Assad Air Base, the largest military installation in Iraq housing U.S. troops, wounding at least two American soldiers. Another suicide drone attack, a day before, targeted U.S. forces based in Erbil airport, not far from where the U.S. consulate is located. Also, there were multiple improvised explosive device (IED) attacks against convoys transporting U.S. military logistic supplies, that took place in various Iraqi towns and cities in recent weeks.

Meanwhile, in Eastern Syria, U.S. occupation forces were busy fending off suicide drone and rocket attacks targeting al-Omar oilfield and nearby areas. Al-Omar oilfield is the largest in the country, and It is invested with both the U.S. forces and their collaborators  the Syrian Democratic Forces (SDF).

No American soldiers have been killed in these recent intense activities in Iraq and Syria. However, Michael Knights, a fellow at the Washington Institute for Near East Policy, explains ‘It’s already very intense. The strikes aren’t killing people, but they could, easily, if they want them to’, and he adds ‘The missile defences are quietly working quite well. But what we haven’t seen is determined efforts to kill Americans’.

Many analysts consider this escalation a retaliation for the second round of U.S. airstrikes under Biden’s administration on June 27. Those airstrikes used the pretext ‘Iran-backed militia’, although in reality, they targeted a static Iraqi-Syrian border position of the Iraqi security forces (Popular Mobilisation Forces) under Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi, killing four members of brigade 14 of the PMF.

While agreeing with this analysis in principle, I believe widening the scope would put the latest events in the broader context they deserve.

It is quite clear that Biden’s administration’s main foreign policy strategy, and indeed the U.S. establishment’s attitude in general of late, is to concentrate its overseas efforts on opposing the rise of China and Russia:  what Biden dubbed defending and strengthening democracy. This focus shift first took shape during Obama’s days in 2012 with his (unsuccessful) ‘Pivot to Asia’ policy and it has remained in principal a U.S. foreign policy objective since. But this shift naturally requires an improved allocation of U.S. resources.

Thus, when Biden came to power, he followed in the steps of his two predecessors in aiming to disengage from the ‘Middle East’ and West Asia in general as much as possible.

As the QUINCY Paper No. 7 entitled ‘Nothing Much to Do: Why America Can Bring All Troops Home From the Middle East’, published on June 24, 2021, poses the question ‘Three successive American Presidents — Barack Obama, Donald Trump, and Joe Biden — have pledged to end the post 9/11 wars and reunite U.S. soldiers with their families.

Yet, fulfilling that pledge has proven tougher than expected. Do U.S. interests in the region require so much of the U.S. military that full-scale withdrawals are not feasible?’. The paper argued that ‘the United States has no compelling military need to keep a permanent troop presence in the Middle East.

The two core U.S. interests in the region — preventing a hostile hegemony and ensuring the free flow of oil through the Straits of Hormuz — can be achieved without a permanent military presence. There are no plausible paths for an adversary, regional or extra-regional, to achieve a situation that would harm these core U.S. interests. No country can plausibly establish hegemony in the Middle East, nor can a regional power close the Strait of Hormuz and strangle the flow of oil. To the extent that the United States might need to intervene militarily, it would not need a permanent military presence in the region to do so’.

The U.S. withdrawal from Afghanistan, to be presumably fully completed by September 2021, was the first manifestation of Biden’s drawdown policy from West Asia. However, when it came to Iraq and Syria, the equations were quite different.

Despite Biden’s pledge to return to the JCPOA in his election campaign, there was an assessment that was widely spread between Iranian officials which says that the Biden administration would capitalise on Trump’s ‘maximum pressure’ policy to extract concessions from Iran, before re-joining the JCPOA. Those concessions are related to two aspects:

  • Change in Iran’s foreign policy, especially its support for resistance groups in the region. This is to  the benefit of the Zionist entity, which remains a core influence on U.S. foreign policy.
  • Imposing restrictions on Iran’s ballistic missiles programme.

This American approach became apparent after Biden took office, and during the latest Vienna talks to salvage the nuclear deal. However, contrary to Biden’s false assumptions, the Americans found out that Iran will not give them any concessions, and that it meant what it said when Ayatollah Sayyid Ali Khamenei stated back in 2015 ‘We negotiated with the U.S. on the nuclear issue for specific reasons. The Americans performed well in the talks, but we didn’t and we won’t allow negotiation with the Americans on other issues’.

This has put the Americans in a quandary. Biden found that he could not withdraw from Iraq and Syria without getting guarantees from Iran and the Axis of Resistance related to the security of the Zionist entity, as the Axis of Resistance will never offer any guarantees at the expense of the Palestinians’ inalienable rights. Nor could Biden maintain the same level of American involvement in the ‘Middle East’ indefinitely. As this would be at the expense of the main U.S. foreign policy strategy, “Facing the Chinese challenge”, according to the terminology the  U.S. uses.

Furthermore, this American quandary has deepened after the battle of the ‘Sword of Jerusalem’ exposed many of the Zionist Entity’s [Israel]  weaknesses tactically and strategically in the face of the Axis of Resistance.

Based on this overview, we can expect a fairly heated summer for the U.S. occupation forces in the region, as from the Axis of Resistance point of view, the negotiations for the American withdrawal from the ‘Middle East’ and West Asia in general are not open-ended.

And it seems that the U.S. needs a nudge to decide whether: to start a meaningful and peaceful drawdown, with minimal losses; or risk a new ‘Middle East’ all-out war by trying to impose its sovereign will on the whole region.

And I believe, based on the Americans’ experience of the past two decades, that the consensus within the U.S. institutes is that the latter option would be highly costly. Not to mention that based on the current balance of powers in the region, as we read them, the outcome is not guaranteed to be in the favour of the U.S., nor in the favour of  “Israel” its closest ally.

“الإنذار الأحمر” وفشل الرهان الأميركي

11/07/2021

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

لا يأتي التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا مفاجئاً لبعض متتبّعي السياسة الأميركية في المنطقة.

قالت مجلة “فورين بوليسي”، في “تقرير الوضع” ليوم الخميس، 8 تموز/يوليو 2021، إن العراق دخل في حالة “الإنذار الأحمر”. وأضاف التقرير أنه ربما يكون الرئيس جو بايدن على وشك التخلص من أعباء الانخراط العسكري الأميركي في أفغانستان، والذي امتد إلى قرابة عقدين من الزمن، إلاّ أن هناك ساحة حربٍ أخرى توجد فيها قواتٌ أميركيةٌ، وتُنذر بأن تتحوّل إلى شوكةٍ في خاصرة “البيت الأبيض”، في إشارةٍ إلى الساحة العراقية. 

Visual search query image

يأتي إعلان “الإنذار الأحمر” بعد تصاعد العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في الساحة العراقية، وتوأمها الساحة السورية، بحيث قامت قوى المقاومة المسلَّحة، خلال الأسبوعين الأخيرين، باستهداف عدة مواقع في العراق وسوريا توجد فيها قواتٌ أميركيةٌ، كان بينها – على سبيل المثال لا الحصر – استهداف “قاعدة الأسد” الجوية في العراق بأربعة عشر صاروخاً، أدَّت إلى وقوع إصابات في صفوف الأميركيين. وتمّ أيضاً استهداف مطار أربيل، الذي تتمركز في داخله قوات أميركية – والذي يقع بالقرب منه مبنى القنصلية الأميركية – بعدة مُسَيَّرات مفخَّخ.، وبالإضافة إلى تلك الهجمات، تعرَّضت عدة قوافل دعمٍ لوجستيٍّ للقوات الأميركية لهجماتٍ عبر عبواتٍ ناسفةٍ في أكثر من مدينةٍ عراقيةٍ.

أمّا الساحة السورية فشهدت، في الأيام القليلة الماضية، عدةَ هجمات بالمُسَيَّرات المفخَّخة على مواقع لقوات الاحتلال الأميركي الموجودة في حقل العمر النفطي.

لا يأتي هذا التصعيد العسكري ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا مفاجئاً لبعض متتبّعي السياسة الأميركية في المنطقة. لعلّ القراءة الأدقّ تضع هذه الهجمات في سياق المعركة المستمرة من أجل إنهاء الوجود العسكري الأميركي في منطقة الهلال الخصيب، لا لمجرد كونها ردّاً ظرفياً على العدوان الجوي الأميركي الأخير في 27 حزيران/يونيو، والذي استهدف مواقع الحشد الشعبي العراقي المرابطة عند الحدود العراقية السورية. 

من خلال متابعة أداء إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لبضعة شهور، منذ تولّيه دفّة الحكم، يبدو أنها جاءت، وفي مخيِّلتها مقارَبة لوضع المنطقة، تقوم في جزءٍ من جوانبها على أساس الاستثمار في سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب السابقة، والمتعارَف عليها بـ”سياسة الضغوط القصوى” تجاه إيران، بحيث بات واضحاً في السياسة الأميركية الخارجية الميل إلى محاولة التَّخفُّف من أعباء منطقة غربي آسيا العسكرية قدر المستطاع، بهدف التركيز على منافسة صعود جمهورية الصين الشعبية في الساحة الدولية. ويبدو أن رؤية التخفُّف هذه كانت تقوم على تصوُّرين اثنين:

– التصور الأول يقوم على الانسحاب العسكري من أفغانستان، كما يجري الآن فعلاً، في محاولةٍ لإقفال باب الاستنزاف في هذه الساحة، ولاسيما أن الانسحاب الأميركي مِن أفغانستان لا يؤدّي إلى زيادة التهديدات على أمن الكيان الصهيوني. 

– أمّا التصور الثاني فيقوم على العودة السريعة إلى الاتفاق النووي الإيراني، على أساس قراءةٍ تقول بوصول إيران إلى مرحلة الإنهاك التامّ، بفعل “سياسة الضغوط القصوى”. وعليه، صارت اليوم إيران جاهزةً لتقديم التنازلات المطلوبة أميركياً في سياساتها الخارجية في الحد الأدنى، ولاسيما تلك التي تتعلق بمنطقة غربيّ آسيا ودعم حركات المقاومة في الإقليم، الامر الذي يجعل استمرار الوجود العسكري الأميركي – ولو في حدوده الدنيا – في العراق وسوريا، غير ذي تكلفةٍ تذكر. وكذلك، من الممكن إجبار إيران على تقديم تنازلاتٍ في برنامجها الصاروخي الساعي لتطوير الصواريخ الباليستية في الحد الأقصى، بحسب الفهم الأميركي.

إلاّ أن التصور الثاني اصطدم بمعطيين، أحدهما قديمٌ والآخرُ مستجدّ. أمّا المعطى القديم، فيتمثّل بأن إيران كانت قد رفضت، على نحو حاسمٍ، مناقشة برنامجها الصاروخي في أثناء جولات التفاوض التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في عام 2015، ناهيك برفض إيران القاطع المساومةَ خلال جولات التفاوض تلك على سياساتها الخارجية ودعم حركات المقاومة في الإقليم. فدعم حركات قوى المقاومة، ضمن السياسة الخارجية الإيرانية، مبنيٌّ على رؤيةٍ استراتيجيةٍ، تندرج ضمن مشروعها الأشمل في الإقليم الذي يقضي بمجابهة القوى الإمبريالية العالمية، بالإضافة إلى التأصيل الشرعي لهذا الالتزام الأخلاقي بدعم المستضعَفين ضمن نظام حكم الجمهورية الإسلامية.

ويضاف إلى هذا وذاك أمرٌ رئيسٌ، يتمثّل بأنَّ حركة قوى المقاومة في الإقليم تنطلق من إرادةٍ ذاتيةٍ لطرد المحتل عن أراضيها، وهي لا تأتمر بإرادة أيّ قوى إقليميةٍ، بل إن المسألة تكمن في تكامل أهداف قوى المقاومة ومصالحها مع المشروع الإيراني الأشمل في المنطقة، والذي يرمي إلى التخلص من هيمنة القوى الإمبريالية العالمية على عموم منطقتنا.

بعد الخروج الأميركي الأحادي الجانب من الاتفاق النووي، عبر قرارٍ من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أكّد المرشد الإيراني السيد علي خامنئي في عدة تصريحاتٍ، أنه في حال العودة إلى الاتفاق النووي، يجب على الحكومة الإيرانية التزام هذه الضوابط التي تمنع التفاوض على كلٍّ مِن برنامج إيران الصاروخي وسياساتها الخارجية. وعلى ما يبدو، فإن إدارة الرئيس جو بايدن أخطأت عند تصنيف هذه التصريحات على أنها تصريحاتٌ تفاوضيةٌ، ليتبيّن لها بعد ذلك، في محادثات جنيف، أنها كانت مواقف مبدئية لا يمكن لأيّ حكومةٍ إيرانيةٍ تجاوزها، فخاب رهان إدارة جو بايدن على لجم حركات المقاومة في كلٍّ مِن العراق وسوريا، من خلال محاولة الضغط على إيران.

أمّا المعطى المستجدّ، فكان معركة “سيف القدس” التي كشفت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية المسلّحة في غزة هشاشةَ الكيان الصهيوني، وأظهرت بوضوحٍ مدى التهديد الذي تمثّله حركات المقاومة المسلّحة في فلسطين وفي الإقليم على أمن الكيان الصهيوني ومستقبله، ولاسيّما في ظلّ فشَل الرهان الأميركي على انتزاع ضماناتٍ من إيران وسائر أركان محور المقاومة، ترتبط بحفظ أمن الكيان الصهيوني في مقابل العودة إلى الاتفاق النووي، بحيث كان رهاناً مبنياً في الأصل على قراءةٍ خاطئةٍ لحقيقة موقفَي حركات المقاومة وإيران كما أسلفنا.

لهذا، نجد الأميركي اليوم كمن “بلع المنجل”، فلا هو قادرٌ على الانسحاب من سوريا وتخفيف حضوره العسكري في العراق، ليتفرّغ لمواجهة الصين قبل تأمين ضمانات لأمن الكيان الصهيوني ومستقبله، ولا هو قادرٌ على البقاء أبداً بالزَّخَم نفسه في المنطقة لحماية أمن الكيان الصهيوني، بسبب ما لهذا من آثار سلبية فيما بات يعدّها معركته الرئيسة ضدّ الصين، وتِباعاً روسيا.

يمكن التنبّؤ بكون محور المقاومة يقرأ هذا المأزق الأميركي. فإن صحّت هذه النبوءة، وأظنها صحيحة، فعندها يمكن فهم سياق التصعيد العسكري في وجه القوات الأميركية في الأسبوعين الأخيرين. وهذا يُبشِّر باستمرار هذا التصعيد، وبصيفٍ ساخنٍ نسبياً للقوات الأميركية، لإفهام الأميركي أن استحقاق الانسحاب من المنطقة هو استحقاقٌ جديٌّ، وأن عملية التفاوض على سحب قواته لن تستمر إلى ما لا نهاية.

عمرو علان: “نزار بنات” يعري وظيفية السلطة.. فما هي الآفاق؟

عمرو علان

مِن أين يمكننا البدءُ بشكلٍ صحيحٍ؟ فهل نبدأ مِن توصيف جريمة اغتيال الشهيد نزار بنات على أنها جريمةٌ ضد حرية التعبير؟ أم ننطلق مِن كونها جريمة ضد حرية الرأي؟ أم من كونها جريمة فسادٍ أو تجاوزٍ لحدود الصلاحيات داخل جهازٍ أمنيٍّ في ظل دولةٍ ناجزةٍ؟ أم من كونها جريمة ضد “حقوق الإنسان” بمعناها الفضفاض والقابل للتأويل كيفما اتَّفَق؟

يجزم البعض أن هذه المنطلَقات سالفة الذكر تُغيِّب – بقصد أو بدونه – حقيقة توصيف ما جرى وتسلخه عن سياقاته، فما جرى كان في الواقع جريمةٌ ضد خَيارات نزار بنات في الأصل، وذلك بصفته جزء من نهجٍ يقاوم أو يدعو لمقاومة الاحتلال.

لقد جاءت هذه الجريمة المروِّعة لتثبت مجدداً صواب عموم ما طرحه الشهيد وآخرون في توصيف ما انتهت إليه السلطة الفلسطينية، التي يصح فيها ما صح في سائر التجارب السابقة لسلطات الحكم الذاتي تحت ظل الاحتلال في تجارب شعوبٍ أخرى، والتي لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى خلق مصالحٍ اقتصاديةٍ لطبقةٍ برجوازيةٍ متسلطة، تملك زمام الأمر في مجتمع شعبها الواقع تحت الاحتلال، وعلى ضوء التجارب التاريخية فإن هذه الطبقة البرجوازية تستمدّ “شرعية” وجودها من الاحتلال ذاته، ويصير بقاؤها مرتبطاً ببقاء الاحتلال ومرهوناً باستمراريته.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن الطبيعة الوظيفية للكيان الصهيوني تدعم حتمية قيام هذه العلاقة الجدلية بين الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي، فأي “دولةٍ” تقام على جزءٍ من الأرض الفلسطينية المحتلة، لا تضع في حساباتها حقيقة أن وجود الكيان الصهيوني يشكل حاجزا أمام أي تكامل عربي أو إسلامي، وهذا منسجم مع طبيعة هذا الكيان بصفته امتداداً للقوى الاستعمارية الغربية وحامي مصالحها، فلابد من أن ينتهي الحال بتلك “الدولة” كجزءٍ من إستراتيجية إدامة هذا الكيان بغض النظر عمن يتولى زمام الحكم فيها، فكيف بسلطة حكمٍ ذاتيٍ كما هو حال السلطة الفلسطينية أو بالأصح سلطة أوسلو؟

حقيقة الصهيوني رئيس فلسطين محمود عباس

لهذا فلا أمل يرجى من حدوث تحوّلٍ في مسار السلطة الفلسطينية، فالمسألة ليست خطأً في التقدير يمكن معالجته بالحوار، أو مسألة وجود إستراتيجية تحرير لدى السلطة الفلسطينية تختلف عن إستراتيجيات فصائل المقاومة، بل إن مكمن القضية يعود إلى الخيارات التي اتخذتها “م.ت.ف” في مرحلةٍ سابقةٍ وأفضت إلى إنشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، تلك الخيارات التي – بالطبيعة – أوصلت السلطة الفلسطينية إلى ما انتهت إليه كأحد الأدوات التي يستخدمها الاحتلال الصهيوني لإدامة احتلاله، وهذه مسألةٌ بنيويةٌ، ترتبط بالظروف الموضوعية لوجود هذه السلطة واستمرار بقائها.

هذه الرواية لم تَعُد تنظيراً، بل باتت واقعاً ملموساً، وإلا فما هو مسوغ عدّ السلطة الفلسطينية “التنسيق الأمني” مقدساً رغم وصول “عملية السلام” إلى طريقٍ مسدودٍ بإقرار الجميع؟ هذا إذا ما تجاهلنا كون “التنسيق الأمني” هو تعريف العمالة بحد ذاتها، ونتمنى لو يشرح أحدٌ لنا الفرق بين جيش لحد اللبناني ومعتقل الخيام وبين السلطة الفلسطينية ومعتقلاتها.

وعليه فإن البعض يرى وجوب وضع جريمة اغتيال نزار بنات في هذا السياق، حالها في ذلك حال الجرائم التي سبقتها ضد مقاومين آخرين، تلك الجرائم التي لعبت فيها السلطة الفلسطينية دوراً رئيسًا بالتعاون مع قوات الاحتلال، إما ليصفِّيهم جسديًا أو ليتم اعتقالهم، فمثلًا ألم يكن الشهيد باسل الأعرج مطلوباً من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية؟

تعيد جريمة اغتيال نزار بنات طرح القضية الجدلية في الشارع الفلسطيني عما إذا كان قد حان الوقت للفصائل الفلسطينية الإسلامية والوطنية – وفي طليعتهم حركة “فتح” وباقي فصائل “م.ت.ف” – أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وترفع الغطاء الوطني عن سلطة التنسيق الأمني الذي تمنحه إياه، أم أن حالة التكاذب الوطني ستستمر لفترةٍ أطول؟

لعلنا نستطيع أن نستشف الجواب من أحد فيديوهات نزار بنات التي دفع حياته ثمناً لها، والتي قال فيها إن وصف الخلاف بين حركة “فتح” وحركة “حماس” بصفتها حركة مقاومةٍ بالانقسام يجانب الصواب، ولعل الأصح وصفه بالفرز بين مشروعين لا يمكن الجمع بينهما، هذا في النظرة للمشروع الوطني، أما بالنسبة للخلاف على الحكم فهي مسألةٌ أخرى.

وفي الختام، يظل التعويل في الطليعة على أن يُغلِّب أبناء حركة “فتح” المصلحة الوطنية على الخلافات الأخرى المرتبطة بالحكم، ويجروا عملية مراجعة حقيقية للخيارات السياسية السابقة التي ثبت عقمها، ويقوموا بعملية تَقييم موضوعيٍ ومنصفٍ لتجربة سلطة الحكم الذاتي، وأي وضع انتهت إليه، وهي بهذا لم تشذ عن تجارب شعوبٍ أخرى مع سلطات الحكم الذاتي تحت سياط الاحتلال، ويبقى الرهان والأمل الكبيران معقودين على وطنية أبناء حركة “فتح” لتفادي الأسوأ.

لقد آن الأوان لأصلاء حركة “فتح” طيّ صفحة الماضي، ونزع الشرعية عن عملاء “التنسيق الأمني” وسلطتهم، الذين استنزفوا كل رصيد حركة “فتح” النضالي أو كادوا، وليتذكر الفلسطيني أنه مازال يعيش مرحلة التحرير، وفعلياً لا دولة لديه أو كيان ليحكمه، فلينجز الفلسطينيون التحرير أولاً وبعدها ليخوضوا في خلافات الحكم وطبيعته وشكله كما يحلوا لهم.

كاتب وباحث سياسي

فوز إبراهيم رئيسي… قراءة في المشهديْن الداخلي والخارجي

فوز إبراهيم رئيسي... قراءة في المشهديْن الداخلي والخارجي
This image has an empty alt attribute; its file name is 2021-03-03_12-47-07_966596.jpg

 الخميس 24 حزيران 2021

الاخبار

عمرو علان

أتمَّت إيران استحقاقها الانتخابي الرئاسي الثالث عشر في ظل ظروفٍ داخليةٍ معقدةٍ، فالإيرانيون يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة بسبب الحصار الخانق والجائر المفروض عليهم منذ أربعة أعوامٍ ونيِّفٍ، فيما سُمي «سياسة الضغوط القصوى» التي بدأها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ناهيكم بظروف وباء «كوفيد-19» وآثارها السلبية على كلٍّ من الاقتصاد والحياة الاجتماعية على حدٍّ سواء.

ومن ناحيةٍ أخرى، فقد كانت حالة الاستقطاب بين المعسكرين «المحافظ» و»الإصلاحي» في هذه الانتخابات على أشدّها، وزادت بعض قرارات «مجلس صيانة الدستور» الطين بلة، إذ رفضت ترشيح شخصيات إيرانية مرموقة على غرار علي لاريجاني من «التيار المحافظ» وأسماءٍ أخرى بارزة من «التيار الإصلاحي»، تلك القرارات التي لم تلقَ شعبيةً واسعةً بين العديد من الناخبين، حتى إن المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي أبدى في كلمةٍ علنيةٍ شيئاً من الانتقاد لتلك القرارات، ولا سيما قرار استبعاد علي لاريجاني من السباق الرئاسي رغم عدم تسميته صراحةً.

ويضاف إلى كل هذه الأجواء ما صاحَب الانتخابات من حملاتٍ عدائيةٍ معتادةٍ ترمي إلى تشويه الانتخابات الإيرانية، حملات يشنها معسكر أعداء الشعب الإيراني من القوى الغربية بالتعاون مع أدواتِها الإقليمية، حيث سُخِّرَت – حسب بعض الإحصاءات – قرابة 250 قناة ناطقة باللغة الفارسية للتحريض على مقاطعة الانتخابات على مدى الستة أشهر الماضية، ناهيكم بعديد المواقع الإلكترونية التي واظبت على بث الرسالة ذاتها، وقد تساوقت مع هذه الدعوات بعض الأسماء ذات الحيثية في المشهد السياسي الإيراني مثل الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي دعا الجمهور صراحةً لمقاطعة الانتخابات الرئاسية.

برغم كل هذه الظروف المعقّدة مجتمعةً، وبرغم مراهنة الخارج على انخفاض نسبة الإقبال الشعبي، حيث راهن الغرب على انخفاض نسبة الإقبال إلى مستويات تُراوح بين 23% فقط و37% في أكثر المراهنات سخاءً. لقد تم إجراء الانتخابات بنجاحٍ، ووصلت نسبة المشاركة الشعبية إلى قرابة الـ 50%، صحيحٌ أن هذه النسبة أقل من المعدل الإجمالي للانتخابات السابقة التي تُقدر بنحو 73%، لكنّ هذه النتيجة تظل جيدةً جداً ضمن الظروف المذكورة، ولقد عدَّتْها الجمهورية الإسلامية بحقٍ انتصاراً ولو كان بشقّ الأنفس، وقال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي فيها: «لقد شكَّلت مشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات صفحةً مشرقةً أخرى لأمجاد الشعب الإيراني»، وعَدّ المرشد الأعلى هذا فوزاً «للأمة الإيرانية» التي استطاعت مواجهة «الدعاية الإعلامية للأعداء».

وأما الأمر الأهم في نتيجة هذه الانتخابات – بعيداً عن كل هذا الجدل – فيتمثل في ما يعنيه فوز رئيس السلطة القضائية السيد إبراهيم رئيسي، وفي نسبة توزيع الأصوات بين المتنافسِين نجد أن رئيسي قد حصل على 17،926،345 صوتاً بفارقٍ كبيرٍ عن باقي المرشحِين، تلاه قائد حرس الثورة الإسلامية السابق، اللواء محسن رضائي من معسكر «المحافظين»، الذي حصل على 3،4 ملايين صوت، يليه عبد الناصر همتي من معسكر «الإصلاحيين» الذي حصل على 2،4 مليون صوت، وجاء في نهاية السباق السيد أمير حسين غازي زاده الهاشمي من «المحافظين» الذي حصل على نحو مليون صوت، وبهذا يكون معسكر «المحافظين» بمُرشَّحيه الثلاثة: رئيسي ورضائي والهاشمي قد حصد بالمجمل أصوات السواد الأعظم من الناخبين.

يمكننا الخُلوص من نسبة توزيع الأصوات إلى تأكيد الناخب الإيراني على تمسكه بأسس ومبادئ الثورة الإسلامية وخط الولي الفقيه السيد علي الخامنئي، وكذلك إشاحة غالبية الناخبين الإيرانيين وجوههم عن «الإصلاحيين» بعد تجربة الرئيس المنتهية ولايته الشيخ حسن روحاني، وبحسب مطلعين على الشأن الإيراني، فإن الخط الذي يمثله السيد إبراهيم رئيسي هو خطٌّ جديدٌ يسمى تيار «حزب الله الثوري» في الداخل الإيراني، وهذا التيار يمثل امتداداً لمدرسة المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، الذي يشكِّل «خطاً واصلاً بين إيران الداخل وبين الامتداد العقائدي الخارجي»، ونشير هنا إلى أن النشرة التي تصدر عن «مؤسسة الثورة الإسلامية للثقافة والأبحاث» التابعة للسيد علي الخامنئي تُعنوَن «خط حزب الله». ويطرح هذا تساؤلاً في ما إذا كان وصول إبراهيم رئيسي إلى منصب رئاسة الجمهورية يؤذن بميلاد تيارٍ جديدٍ في المشهد السياسي الإيراني، يكون أكثر راديكاليةً وتمسكاً بثوابت الثورة الإسلامية، ويعتمد على وجوهٍ شابةٍ يمكن أن تجد فيها شريحة الشباب الإيراني نفَساً أكثر ثوريةً وحيويةً من المعسكرين التقليدييْن «المحافظ» و»الإصلاحي»، ولعل هذا ما قصده السيد علي الخامنئي حينما قال: «إن حكومة حزب الله الفَتِيَّة هي العلاج لمشاكل البلاد، أنا كما أكدت من قبل في العام الماضي، وقد ذكرت مراراً وتكراراً من قبل، أنا أؤمن بالحكومة الفَتِيَّة وحزب الله، وآمل في ذلك» في كلمةٍ متلفزةٍ ألقاها في 17 آذار 2021.

هذا في المشهد الإيراني الداخلي، أما في السياسة الخارجية، فكون إبراهيم رئيسي يُعد من صقور الثورة الإسلامية وقريباً من المرشد الأعلى، فيُعتقَد أنه على إدارة الرئيس جو بايدن عدم الرهان على تنازلات في المحدِّدات التي وضعها المرشد الأعلى للعودة إلى الاتفاق النووي، والتي تنص على وجوب رفع الولايات المتحدة الأميركية كلَّ العقوبات الجائرة التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على إيران – لا مجرد تعليقها – قبل العودة إلى الاتفاق النووي، فعلى الأميركي الاختيار بين القبول بالمحدِّدات الإيرانية المشروعة، أو ستكون إيران حينها في حلٍّ من التزاماتها النووية المنصوص عليها في «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ولا سيما في غياب أي مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة الأميركية للإقدام على مغامرةٍ عسكريةٍ في منطقة غرب آسيا تجبر بها إيران على الرضوخ عنوةً، وذلك بسبب ميزان القوى الحاكم الراهن، بالإضافة إلى الوضع الدولي والإقليمي المختلف نوعياً عما كان عليه مطلع القرن الحالي.

أما حلفاء إيران في الإقليم، فلا شك أنهم يشعرون بالارتياح لنتائج الانتخابات الإيرانية، كون إبراهيم رئيسي على الراجح سيكون أشد جذريةً في دعم حركات المقاومة في منطقتنا، وذلك بما يتسق مع تاريخه وعقيدتِه السياسية المنسجمة مع فكر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ومع فلسفة حكومة «حزب الله الثورية»، ولا سيما أن انتخاب إبراهيم رئيسي جاء غداة إعادة انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد لدورةٍ رئاسيةٍ جديدةٍ.

ولكن طبعاً لا نُغفِل حجم التحديات الداخلية الكبيرة التي تنتظر حكومة إبراهيم رئيسي، سواءً أكانت العمل على تخطي الوضع الاقتصادي الضاغط في الداخل، أم التعامل مع تبعات جائحة «كوفيد-19»، أم تلبية طموحات الشباب الإيراني الذي بات يعاني نسب بطالةٍ مرتفعة.

وفي الخُلاصة، يبدو أن تولي الخط الذي مثَّلَه الرئيس الإيراني السابق الشيخ حسن روحاني لمقاليد الحكم كان في مرحلةٍ تقتضي الكثير من الدبلوماسية، حينما كان يتصدر المشهد التعويل على عقد اتفاقيةٍ نوويةٍ مع الولايات المتحدة الأميركية، أما اليوم فإيران والعالم يعيشان مرحلةً مغايرةً، وذلك على وقع الإخفاقات الأميركية في العَقْد المنصرم في عدة ساحات في منطقتنا والعالم، وما يعانيه الاقتصاد الأميركي من أزماتٍ بفعل العامل المسَرِّع «كوفيد-19»، وهناك الصعود الصيني كَـ «مركز قوة» عالمي جديد ذي اقتصادٍ متنامٍ باطّراد، وتثبيت روسيا لمركزها بصفتها دولةً ندّاً للولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية، ناهيكم بالآثار الجيوسياسية المترتبة على دخول إيران مع الصين في اتفاقية إطار شراكة استراتيجية للـ25 سنةً القادمة، وهذا الوضع المغاير إقليمياً ودولياً يلزمه وجوهٌ جديدةٌ وسياساتٌ مختلفةٌ، تكون أكثر استعداداً للمواجهة وأقل تطلعاً نحو الغرب، فهل يشكِّل إبراهيم رئيسي حكومة «حزب الله الثورية» من أجل مقارعة القوى الاستعمارية إقليمياً ودولياً؟

يبدو ذلك، ففريق إبراهيم رئيسي من أولئك الذين لا يؤمنون بالتفاوض مع أميركا ولا يجدون فيه أي مصلحةٍ تُرجى، ويُفَضلون توثيق العلاقات مع الدول التي تُشاطِر إيران النزعة الاستقلالية كالصين وروسيا، ويكفي النظر إلى المرشح المنسحب من السباق الرئاسي سعيد محمد الذي يُتوقع أن يَشغَل منصب نائب الرئيس في حكومة إبراهيم رئيسي، والذي يدعو إلى تخصيب اليورانيوم على نسبة نقاء 90% رداً على التعنّت الأميركي، ولا ننسَ أنّ من أهم إستراتيجيات المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي التي أعلن عنها هي إخراج أميركا من منطقة غرب آسيا، وتعزيز فكرة الاقتصاد المقاوم، ولا بد أن هذين الأمرين سيشغلان حيزاً رئيسياً في سياسات رئيسي وحكومته حسب ما نعلم من توجهاته.

لعلها إذاً مرحلة مواجهاتٍ مقبلةٍ إقليمياً ودولياً مع قوى الاستكبار العالمي من موقع قوةٍ، وربما كان الكيان الصهيوني أول المستشعرين لهذه المرحلة عندما قال: «انتخاب رئيسي لا يُبقي أمام «إسرائيل» سوى إعداد خططٍ لمهاجمة النووي الإيراني».
* كاتب وباحث سياسي

مقالات سابقة

الكيان الصهيوني: من طور التأسيس إلى طور النَّزْع الأخير

12/06/2021

Visual search query image
This image has an empty alt attribute; its file name is 2021-03-03_12-47-07_966596.jpg

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على المنطقة العربية، بصفتها قلب العالم الإسلامي، كما أنه كِيانٌ توسعيٌّ في أصل نشأته.

حصيلة معركة “سيف القدس” تمثَّلت باضطرار كيان الاحتلال إلى الرضوخ لقواعد الاشتباك الجديدة

المتأمِّل المشهد الصهيوني أن يرى الأزمات المتعدِّدة التي يمرّ الكيان فيها، في أكثر من صعيد. وبينها، على سبيل المثال لا الحصر، أزماته السياسية، وأبرزها الاستعصاء الحكومي الممتد منذ شهور.

يُعَد هذا الكيان، في أصل وجوده جيشاً استيطانيّاً متستِّراً في ظل “دولة”. لذا، فإن معضلته الكبرى تتمثّل بفقدان قواته البرِّية فعاليتَها القتالية، الأمر الذي أفقدها القدرة على إنجاز المهمات المَنوطة بها، ولاسيما في مواجهة الحركات المقاوِمة، التي تُعَدّ منظمات غيرَ حكوميةٍ ذات قدراتٍ تسليحيةٍ تفوق في بعض النواحي القدرات التي تمتلكها دولٌ وازنةٌ في العالم، كما هي حال القدرة الصاروخية التي يحوزها حزب الله، على سبيل المثال، والتي تفوق القدرة النارية للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي مجتمعةً، وذلك بحسب تقارير مراكز أبحاث صهيو- أميركية.

ناهيكم عن الفارق الواضح بين معنويات مقاتلي محور المقاومة المرتفعة، ومعنويات جنود الاحتلال شبه المنهارة.

بدأ هذا العجز لدى جيش الكيان في الظهور في إثر انسحابه من جنوبي لبنان في أيار/مايو 2000، وتجلّى في حرب تموز/يوليو 2006، ليزداد بعد ذلك عمقُ مأزق سلاح البر لديه، في حروبه الثلاث اللاحقة، والتي شنّها على قطاع غزة في الفترات 2008-2009 و2012 و2014، وصولاً إلى معركة “سيف القدس” الأخيرة، والتي لم يجرؤ فيها على استخدام قواته البرِّية للقيام بعمليةٍ برِّيةٍ على الأرض تواكب عمليات سلاحه الجوي. ويؤكد هذا الفهمَ الكاتبُ الصهيوني يوآف ليمور عقب انتهاء معركة “سيف القدس”، بحيث قال “هذا الخط الخطير – الذي سيطر على الجيش منذ انتهاء وجوده في جنوبي لبنان، وفي جوهره الخوف من القتلى والمخطوفين – يقود باستمرار إلى مخطَّطات تضخّم الجو على البر، وبالتالي قلة الاستثمار في الجيش البرِّي، وانعدام الثقة، وعدم العمل به في الوقت الحقيقي”.

من الضرورة بمكان أن نلتفت إلى ما يشير إليه هذا العجز من محدودية نتائج عملية المراجعة وتطوير استراتيجياتٍ قتاليةٍ جديدةٍ، والتي عكف عليها رئيس أركان جيش الكيان أفيف كوخافي خلال العامين الماضيين، والتي تهدف إلى إعادة صَوغ مفهوم “تصوُّر النصر” لدى جيش الاحتلال. 

وفي هذا الخصوص، صدر مؤخراً، عقب معركة “سيف القدس”، مقالٌ مهمّ وتفصيليٌّ عن “معهد القدس للاستراتيجيات والأمن”، في كيان الاحتلال، بعنوان “تصور النصر: الحاجة إلى مفهوم مُحَدَّث للحرب”، بحيث شرح المقال الأفكار الأساسية للأمن القوميّ “الإسرائيليّ”، والتي قام عليها مفهوم “تصوُّر النصر” لدى الكيان الصهيوني منذ بداياته، والتي صاغها رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ديفيد بن غوريون؛ تلك الأفكار الأساسية التي تم تحويلها بعد ذلك إلى قدراتٍ عمليةٍ وعقيدةٍ عسكريةٍ، نجح من خلالها جيش الكيان الصهيوني – في حقبةٍ خلت – في تحقيق انتصاراتٍ حاسمةٍ ضد الجيوش العربية، على أساس الحرب السريعة، والتي اعتمدت، بالإضافة إلى تفوّق سلاح الجوّ على قوةٍ برِّيةٍ ضاربةٍ وقادرةٍ على القيام بمناوراتٍ برِّيةٍ خاطفةٍ، بهدف الاقتحام السريع لأراضي العدوّ، وتحييد قوته العسكرية. 

لكننا نجد، من خلال دراسة نتائج الحروب التي خاضها كيان الاحتلال منذ عام 2006 – في أقلّ تقدير – أن هذه القوة البرِّية لم تَعُدْ موجودة في الصيغة نفسها التي كانت عليها. ويقرّ بهذا المقال المذكور ضمن ثنايا النقاش، إذ قال: “مفهوم النصر” لا يحلّ الخلل القائم بين الذراعين الاستراتيجيتين، الجويّة والأرضيّة فحسب، بل يديمه أيضاً، ويصبح مبدعاً في الواقع”. ويضيف المقال إلى ذلك، من خلال انتقاد “مفهوم النصر” المحَدَّث، والذي يعكف الكيان الصهيوني على صياغته، بالقول “يستمر مفهوم النصر في الواقع، سواء أكان بطريقةٍ معقدةٍ، أم وفق الأفكار نفسها التي تمت تجربتها مراراً وتكراراً، من دون نجاحٍ، طوال العقود الأربعة الماضية”. 

وتوضح خلاصة النقاش التفصيلي، والذي أتى عليه المقال، أن جيش الاحتلال اعتَمَد، خلال العقود الأربعة الماضية، على نحو متصاعدٍ، على سلاح الجوّ، في مقابل تراجع مكانة القوة البرِّية لديه، على الرغم من الالتزام اللفظي في الكيان بالأفكار الأساسية للأمن القومي “الإسرائيلي”. ويستنتج المقال أن هذا الالتزام اللفظي ينسحب على “تصور النصر” المستجدّ، والذي تغنَّى به كثيراً أفيف كوخافي، ويعمل مع فريقه على صياغته، الأمر الذي يطرخ تساؤلات بشأن مدى نجاعة “تصور النصر” الجديد هذا.

وهنا، يبرز سؤالٌ جانبيٌّ، على قدرٍ بالغٍ من الأهمية، إذ كيف ستكون الحال إذا أخذنا في الحسبان أنه في أيّ حربٍ مقبلةٍ مع حزب الله سيكون من الوارد تعرض سلاح الجوّ الصهيوني لأضرارٍ تحدّ فعاليته بقدر ما؟ فلا يمكن تجاهل حقيقة تطوير إيران أنظمة دفاعٍ جويٍّ فعالةً ومحلية الصنع، يمكن أن تكون قد نُقِلت فعلاً إلى حزب الله. ولا يمكن إغفال عملية إعادة تأهيل أنظمة الدفاعات الجوية لدى الجيش العربي السوري، بالتعاون مع القوات الروسية المسلّحة، بعد أن كانت المجموعات المسلّحة، المسماة “معارضةً سوريةً”، خرَّبت تلك الأنظمة لحساب كيان العدو الإسرائيلي في بدايات الحرب على سوريا.

وإمعاناً في انتقاد جيش الاحتلال بعد معركة “سيف القدس”، تتالت الانتقادات في داخل أوساط الكيان الصهيوني، سواء أكانت “المدنية” منها، أم داخل بعض القطاعات العسكرية، تجاه قيادة جيش الاحتلال، في إثر عدم توظيفه سلاحَ البر في أثناء المعركة. حتى إن يوآف ليمور ذهب، في صحيفة “إسرائيل اليوم”، إلى حد القول إن “النتيجة هي عكسٌ للمعادلة: الجبهة الداخلية تحمي الجيش، وليس العكس. وبدلاً من تعريض جنودها للخطر لحماية المدنيين، يُعرِّض المواطنون أنفسهم للخطر من أجل حماية الجنود”.

وفي مقالٍ مهمّ آخر، نُشِر قبل معركة “سيف القدس”، في مجلة “الأنظمة” الصهيونية، ذهب كلٌّ من نائب رئيس أركان جيش العدوّ الأسبق، يائير غولان، والباحث العسكري غال بيرل فينكل من “معهد دراسات الأمن القومي” الصهيوني، إلى أنه لا يوجد بديلٌ عن قيام جيش الاحتلال بمناورةٍ برِّيةٍ لتحقيق النصر في أيّ حربٍ مقبلةٍ مع حزب الله. ويضيف المقال أن الوضع الراهن لجيش الكيان، والذي يجعل المناورة البرِّية مكملاً للقوة النارية الجوية، هو وضعٌ غيرُ صحيحٍ.

يرى البعض أنه على الرغم من دقة الانتقادات، التي ساقها المقالان المهمَّان الآنِفا الذكر لأداء جيش الاحتلال الصهيوني، فإنهما تجاهلا أمرين جوهريين. الأول: العطب البنيوي الذي أصاب الروح القتالية للجندي الصهيوني. عطبٌ لا يبدو أنه قابل للترميم، بدليل فشَل المناورات العسكرية التي يقوم بها جيش الاحتلال منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، بغية استعادة الروح القتالية لجنوده، التي لم تعطِ أيّ نتائجَ ملموسةٍ. وندَّعي القول إن لا قوة برِّيةً فاعلةً من دون جنديٍ عقْديٍ مستعدٍّ لبذل الدماء، ولاسيما في مواجهة مقاتلٍ صاحب حقٍ، مؤمنٍ، ذي عقيدةٍ صلبةٍ، ومستعدّ للشهادة في سبيل عقيدته وقضيته المحقة، كما هي حال المقاوم المجاهد ضمن صفوف قوى محور المقاومة.

أما الأمر الثاني، فيتمثّل بالسِّياق الذي أفضى بجيش الاحتلال إلى الاعتماد المتزايد على سلاح الجوّ. ويرى البعض، في هذا السياق، أمراً أساسياً في قراءة الطَّور الذي وصل إليه الكيان الصهيوني من دورة حياته، كما سنجادل.

الكيان الصهيوني كيانٌ وظيفيٌ، أُنشئ بالتعاون مع قوى الاستعمار القديم من أجل إدامة السيطرة على المنطقة العربية، بصفتها قلب العالم الإسلامي، كما أنه كِيانٌ توسعيٌّ في أصل نشأته. فمنذ بداياته، كان قادراً على التوسع جغرافياً على حساب شعوب المنطقة، وكان يفعل من دون ترددٍ، معتمداً على قوتِه البرِّية.

وكانت تلك حِقبته الطامحة إلى إقامة “إسرائيل الكبرى”. لكن هذه الحقبة انقضت بعد أن أُجبر على الانسحابين الأُحاديي الجانب من جنوبيّ لبنان في أيار/مايو 2000، ثم من قطاع غزة في أيلول/سبتمبر 2005. وبهذا، ثَبُت للعدو أنه ربما يكون قادراً على دخول أراضٍ عربيةٍ جديدة واحتلالها، لكنه لن يكون في استطاعته إدامة وجوده فيها، إذا جوبه بمقاومةٍ جادةٍ ومصممةٍ، وذات نفَسٍ طويل.

وهنا، دخل كيان الاحتلال في طورٍ جديدٍ، يعتمد، في صورة رئيسية، على تفوُّقه الجويّ وقدرتيه، النارية والتدميرية، الكبيرتين، من السماء، وذلك بهدف إنفاذ إرادته السياسية على دول المنطقة، إمّا بالحرب من الجوّ على نحو أساسي، وإمّا حتى بمجرد التهديد بحربٍ مدمِّرةٍ، يبتزّ بها دول الإقليم. وبهذا، يستمر في تلبية متطلبات أصل وجوده ككيانٍ وظيفيٍ، وكذراعٍ ضاربةٍ بالنيابة عن القوى الإمبريالية، ضمن استراتيجيات تلك القوى.

إلاّ أن هذه النظرية كُسِرت في حرب تموز/يوليو 2006، عندما أخفق الكيان في تحقيق أيٍّ من أهدافه في تلك الحرب. فلا استطاع القضاء على حزب الله في الميدان، بفعل تفوقه العسكري: جويّاً ونارياً. ولا قدِر على فرض إرادته السياسية على حزب الله، وإجباره على إعادة الجنود الصهاينة الأسرى لديه عبر تلك الحرب، التي اعتمدت، في الأصل، على قوة سلاح الجوّ، قبل أن يُضطر الكيان إلى محاولة تنفيذ مناورةٍ برِّيةٍ داخل الأراضي اللبنانية من أجل تحقيق أي مكسبٍ – ولو شكليٍّ – من أجل حفظ ماء الوجه.

وتتالت بعد ذلك إخفاقات نظرية الكيان هذه في حروب غزة، في الفترات 2008-2009 و2012 و2014، ناهيكم عن إخفاقه المستمر في إجبار سوريا على الدخول في اتفاقيات تطبيع، أو إرهابها لدفعها إلى التخلي عن عقيدتها الراسخة في دعم حركات المقاومة، أو التنازل عن ثوابتها القومية والعربية.

ثمّ جاءت معركة “سيف القدس”، التي رسَّخت، بما لا يدع مجالاً للشكّ، عجزَ سلاح الجوّ الصهيوني عن تحقيق النصر، عبر تحييد قدرات العدوّ  من الجوّ، أو عبر إنفاذ كيان الاحتلال إرادتَه السياسية على الفلسطينيين، عبر قَبول انتهاكات الاحتلال الممارَسة في المسجد الأقصى والقدس المحتلة، وتبعاً المقدسات المسيحية في فلسطين.

أما في البر، فمجدداً، لم يجرؤ كيان الاحتلال على تنفيذ أي مناورةٍ برِّيةٍ جديةٍ داخل قطاع غزة، مُثبتاً مرةٍ أخرى عدم جهوزية جيشه لتحمل الخسائر البشرية، أو قدرته على القيام بمناوراتٍ برِّيةٍ حاسمةٍ.

بل قام، في المقابل، باللجوء إلى مناورةٍ برِّيةٍ وهميةٍ فاشلةٍ، سُمّيت “مترو حماس”. وكتب تال ليف رام في “معاريف” العبرية، مقالاً بعنوان “مسؤولون أمنيون بشأن هجوم (المترو): كان يجب إدخال القوات البرية للقطاع”، قال فيه: “هناك انتقاداتٌ متزايدةٌ من القادة الميدانيين للجيش الإسرائيلي، وعلامات استفهامٍ بشأن استعداده لاستخدام القوات البرية في أثناء القتال”. وأشار، في المقال ذاته، إلى وجود ادعاءاتٍ مفادها أن جيش الاحتلال لم يفكّر حتى في إمكان إدخال قواتٍ برِّيةٍ لقطاع غزة، مؤكداً بذلك الفكرتين الرئيسيتين، واللتين خلص إليهما استراتيجيو كيان الاحتلال في المقالين المذكورين في مطلع نقاشنا هنا، وهما تراجع فعالية سلاح البر الصهيوني، وأن سلاح الجوّ لا يمكنه تحقيق النصر مهما كان “مفهوم النصر” المعتمَد.

لذا، فإن حصيلة معركة “سيف القدس” تمثَّلت باضطرار كيان الاحتلال إلى الرضوخ لقواعد الاشتباك الجديدة، التي فرضتها عليه قوى المقاومة الفلسطينية في الميدان، وعنوانها “إن عُدتم عدنا”، طلباً للهدوء وتفادياً لمزيد من الخسائر، بدلاً من نجاحه في تلبية متطلبات أصل وجوده التي ذُكِرت سابقاً، بصفته كياناً وظيفيّاً.

لعلّ هذا المستجِدّ هو ما جعل نتائج معركة “سيف القدس” تحولاً استراتيجياً، يوازي أو يفوق التحول الاستراتيجي الذي فرضته حرب تموز/يوليو 2006، بحيث يمكن القول بشأنها إنها كانت خاتمة الطَّور الثاني في دورة حياة الكيان الصهيوني، وباكورة الطَّور الثالث من عمره، والذي يبحث فيه الكيان الصهيوني عن تحقيق الأمن لمستوطنيه، ولعله يكون الأخير في دورة حياة هذا الكيان المصطنَع.

لقد أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في كلمته يوم 25 أيار/مايو 2021، في معرض تقييم نتائج معركة “سيف القدس”، أن أهم الإنجازات العسكرية والأمنية والميدانية، كانت في شلّ الكيان وأمنه ومجتمعه. ففي كثير من الدول القديمة والحقيقية، يمكن أن تحدث اختلالاتٌ أمنيةٌ أو حروبٌ أهليةٌ، لكن تبقى الدولة ولا تنهار. أمّا في الكيانات المصطنَعة – كما هي حال الكيان الإسرائيلي – فالأمن بالنسبة إليها هو شرط وجودٍ، وليس شرط كمالٍ. فإنِ انتفى الأمن تَنْهَر الدولة. الإسرائيلي، إذا أحس بضياع الاقتصاد وذهاب الأمن وفقدان رفاهية العيش، فأهونُ ما عليه هو العودة من حيث أتى. وهذا هو الفارق بين كيان “إسرائيل” وأيّ دولةٍ أخرى. وكان هذا إنجازاً لمعركة “سيف القدس”، لا سابق له. وهذا التقييم ورد على لسان أحد أهم قادة عصرنا الحالي واستراتيجييه، بشهادة العدوّ قبل الصديق.

مقالات سابقة

عن الانقسام الفلسطيني في زمن «سيف القدس»

الأخبار

عمرو علان

الخميس 10 حزيران 2021

صنَّفت غالبية قادة المقاومة الفلسطينية معركة سيف القدس على أنها تطور إستراتيجي في مسار الصراع مع العدو الصهيوني، وقد أكّد على هذه القراءة قادة أركان محور المقاومة عندما وصفوها بالتحوّل النوعي، ولعل وصف السيد حسن نصرالله لنتائج المعركة كان الأبلغ، حينما قال إن نتائج معركة سيف القدس تفوق ما تحقّق في حرب تموز 2006، مع العلم أن حرب تموز تُعد نصراً إستراتيجياً موصوفاً، وأحد أهم التحولات في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني.

إذا ما سلّمنا بهذا التوصيف ـــ وهو بلا شك توصيف دقيق لواقع الأمر ـــ يصير لزاماً على فصائل المقاومة الفلسطينية مواكبة الحدث عبر وضع إستراتيجية جديدة للمرحلة القادمة، تبني على المكتسبات التي تحقّقت وعلى ميزان القوى بين فصائل المقاومة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني الذي رسّخته المواجهة الأخيرة، لأنه دون ذلك يمكن للعدو تفريغ الإنجاز من محتواه، وتقزيمه ليصبح نصراً تكتيكياً عوضاً عن كونه تحولاً نوعياً في مسار المواجهة المستمرة، ولعل إحدى المقاربات في هذا الخصوص كانت الدعوة التي أطلقها السيد حسن نصرالله إلى ترسيخ معادلةٍ جديدةٍ تجعل المساس بالمسجد الأقصى والقدس في مقابل حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ، حرب متعددة الجبهات تضع استمرارية بقاء الكيان الصهيوني على المحكّ، هذه المعادلة التي أكد زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي على أن اليمن سيكون جزءاً منها، مدشِّنين بهذا صفحةً جديدةً في مسار الصراع العربي-الإسلامي الصهيوني.

يطرح هذا المنظور لنتائج معركة سيف القدس عدة محاورَ جديرةٍ بالنقاش، لكن سيكتفي هذا المقال بالتعريج فقط على قضية الانقسام الفلسطيني وبناءِ الوحدة الوطنية الفلسطينية.

أبرزت معركة سيف القدس حالةً وحدويةً بين كلّ الفصائل الفلسطينية قاطبةً، تَمثلت في «غرفة العمليات المشتركة» في قطاع غزة، فبدايةً كان قرار الذهاب إلى الصدام العسكري مع المحتل رداً على تجاوزاته في القدس والمسجد الأقصى قراراً مشتركاً بين كلّ فصائل «غرفة العمليات المشتركة»، وكان التنسيق العسكري أثناء المعركة في أعلى درجاته بين كل أجنحة الفصائل العسكرية، سواءً أكان في توقيت الضربات الصاروخية أم في طبيعتها، وظهر التناغم الواضح بين فصائل «غرفة العمليات المشتركة» في التنسيق على المستوى السياسي أيضاً، وهكذا تحقّقت الوحدة بين الفصائل على أساس هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ وبناءً على خطةٍ مشتركةٍ، ما عكس وحدةً وطنيةً في سائر قطاعات الشعب الفلسطيني في كامل أراضي الوطن السليب من النهر إلى البحر، وامتد ليشمل كذلك فلسطينيي الشتات حيثما وجدوا.

ومن المهم الإشارة إلى كون «غرفة العمليات المشتركة» قد جمعت بين كلٍّ من حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبين فصائل (م. ت. ف.) بمن فيهم كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة «فتح» في إطار موحد، وكذلك الإشارة إلى كون هذه الغرفة لم تأتِ وليدة الصدفة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ طويلٍ امتد لسنواتٍ أقلها منذ الحرب على قطاع غزة في عام 2014.
ويرى العديد في صيغة الوحدة هذه «ديناميكية» صالحةً يمكن البناء عليها لإنهاء الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية منذ قرابة خمس عشرة سنةً، فهي بُنيت على أساس مشروعٍ موحدٍ ومن أجل أهدافٍ واضحةٍ، على عكس المسارات التي كانت مقترحةً سابقاً والتي كانت تتجاهل حقيقة كون الانقسام الفلسطيني منشؤه الاختلاف في الرؤى تجاه المشروع الوطني، والتي كانت تقفز عن هذه القضية الجوهرية لتغوص في قضايا شكليةٍ من أجل تكريس تحاصصٍ في سلطةٍ منتهية الصلاحية أصلاً، وذلك عبر تنظيم انتخاباتٍ أقل ما يقال فيها بأنها تندرج تحت سقف أوسلو، ناهيكم بعبثية فكرة تنظيم انتخابات مجلسٍ تشريعيٍّ في ظل احتلالٍ يتحكّم بكل تفاصيل الحياة في الضفة والقدس، فحقيقة الأمر أن الفلسطيني ما زال يعيش تحت سطوة احتلالٍ فعليٍّ، وكل حديثٍ عن دولةٍ فلسطينيةٍ ما هو إلى «فانتازيا» ومحض وهمٍ.

وأما الحديث المستجد عن إنهاء الانقسام من خلال الذهاب إلى حكومة وحدةٍ وطنيةٍ، يقبلها المجتمع الدولي وتلتزم بشروط «الرباعية الدولية»، فهذه محاولاتٌ بائسةٌ من قبل سلطة محمود عباس والولايات المتحدة الأميركية لتفريغ نتائج معركة سيف القدس من مضمونها، وذلك عبر جرّ الفلسطينيين إلى المربع الذي كانوا فيه قبل 21 أيار مايو 2021، وإدخاله مجدداً في دوامة أوسلو والمفاوضات العبثية التي باتت مجرد غطاءٍ للاحتلال كي يستمر في مشاريع الاستيطان وضم ما تبقّى من أراضي الضفة الغربية.

لقد تمكنت الوحدة التي تشكّلت في الميدان في ما بين الفصائل من تجاوز بعض أخطاء (م. ت. ف.) السابقة، التي كان أفظعها التنازل عن قرابة 80 في المئة من فلسطين للمحتل، لذلك ينبغي على الفصائل الفلسطينية البناء على قواعد وحدة غرفة العمليات المشتركة في أي مسعى مستقبلي لإصلاح (م.ت.ف)، فالهدف المنشود فلسطينياً يتمثل في إصلاح (م. ت. ف.)، لا إفساد حركتي حماس والجهاد الإسلامي وإلزامهما بسقوف (م. ت. ف.) وتنازلاتها التي لم تؤدِّ إلا إلى ترسيخ نكبة عام 1948، وتهديد حقوق اللاجئين في العودة، وجعل مستقبل بقاء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في مهب الريح بعد إقرار الكيان الصهيوني لقوانين يهودية دولته المزعومة.

لقد أثبتت نتائج معركة سيف القدس مجدداً تحول موازين القوى لغير مصلحة الكيان الصهيوني، وكانت حجةً أخرى على من لا يزال يصر على رؤية اليوم بعيون الأمس، ويصرّ على تجاهل التحولات في واقع المقاومة الفلسطينية، وفي واقع حركات المقاومة في عموم الإقليم، بالإضافة إلى حالة السيولة التي يعيشها الوضع العالمي وتراجع السطوة الأميركية على المسرح الدولي، ذلك الذي لا يزال ينظر إلى الكيان الصهيوني على أنه تلك القوة الصاعدة التي تستطيع هزيمة العرب في ستة أيام كما كان حاله في حقبة خلت، لا كما هو في عام 2021؛ كيانٌ هشّ، وفي حالة تراجعٍ، باتت حتى بعض الأصوات الوازنة في الولايات المتحدة الأميركية ترى فيه «عبئاً استراتيجياً» لا قيمةً مضافةً كما كان حاله سابقاً.

يمكن الخلوص بعد هذا العرض، إذاً، إلى أن «غرفة العمليات المشتركة» قد أعطت مثالاً حياً على كيفية الوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ مبنيةٍ على هدفٍ وطنيٍّ واضحٍ، يأخذ في الاعتبار ميزان القوى الحاكم حالياً لا ميزان القوى الذي كان سارياً في الماضي، وهذان المعطيان ـــ «غرفة العمليات المشتركة» وميزان القوى الراهن ـــ صالحان ليكونا نواةً للوصول إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ، ومبنيةٍ على مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ واضحٍ، وعلى استراتيجيةٍ فلسطينيةٍ جديدةٍ تحاكي تغيرات الواقع يكون عمادها التحرير.
* كاتب وباحث سياسي

مقالات ذات صلة

ماذا بعد “سيف القدس”؟

عمرو علان

عمرو علان

المصدر: الميادين نت

25/5/2021

يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس”، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه الجولة الأخيرة، باتت في مصاف اللاعبين الإقليميين.

لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة
لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة

“بأمرٍ من قائد هيئة الأركان أبو خالد محمد الضيف، رُفع حظر التجول عن تل أبيب ومحيطها لمدة ساعتين، من الساعة العاشرة وحتى الساعة الثانية عشرة ليلاً. وبعد ذلك، أمر بعودتهم إلى الوقوف على رجل واحدة”. 15 أيار/مايو 2021.

يختزل هذا البيان الّذي أصدرته كتائب “القسام” المستوى الذي وصلت إليه المقاومة الفلسطينية في توازن الرعب مع العدو الصهيوني خلال معركة “سيف القدس”، لكن نتائج الجولة الأخيرة في الحقيقة تتجاوز بشكل كبير معادلات الردع المتبادل التي أفرزتها هذه المواجهة، لكون دوافعها ونتائجها، إضافة إلى استحقاقاتها، تتمايز عن المواجهات السابقة في عدة نواحٍ.

انطلقت معركة “سيف القدس” من أجل تحقيق هدفين؛ أولهما تأمين الدعم لانتفاضة القدس عبر رسم خطوطٍ حمر أمام قمع الاحتلال للمنتفضين. أما الهدف الآخر، فكان فرض قواعد اشتباك جديدة مع العدو، مقتضاها أنّ المسّ بالمقدَّسَات أو محاولات تهويد القدس، من خلال الاستيلاء على بيوت المقدسيين وتهجيرهم، سيستدعي رداً عسكرياً من قبل فصائل المقاومة المسلحة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام.

إذاً، كانت معركة “سيف القدس” معركةً وطنيةً وعقديةً بامتياز، خلافاً لسابقاتها في 2008-2009 و2012 و2014، والتي يمكن إدراجها في سياق الصمود والحفاظ على إنجازات المقاومة.

يشكّل تحقيق المقاومة الفلسطينيّة أهدافها، وتثبيت قواعد الاشتباك الجديدة بعد 11 يوماً من النّزال، تحولاً جوهرياً بحد ذاته على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني، لكن التحوّل الآخر الذي لم يكن متوقعاً، والذي ربما يُعدّ أكثر عمقاً، تمثل في دخول كل الأرض الفلسطينية، من رأس الناقورة إلى أم الرشراش، على خط انتفاضة القدس وتوحُّد كل الشعب الفلسطيني في معركةٍ واحدةٍ، فلطالما سعى الكيان الصهيوني إلى تقسيم الأراضي الفلسطينية، وفك الترابط بينها، في محاولةٍ منه لخلق هوياتٍ فلسطينيةٍ فرعيةٍ، وزّعها بين “عرب 48″ و”ضفّاويين” و”غزاويين”. 

إضافة إلى ما تَقدَّم، يمكن ملاحظة التبدُّل في الوعي الفلسطيني الذي واكب هذين التحوّلين، إذ سقطت فكرة حل الدولتين غير القابلة للحياة أصلاً، وعادت الفكرة الأُم والأكثر واقعيةٍ بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر لتتصدر المشهد الفلسطيني، وحتى العربي، وسقطت كذلك أكذوبة إمكانية التعايش مع كيانٍ استيطانيٍّ إحلاليٍّ يقوم على أساس اقتلاع شعب وإحلال مجاميع سكانيةٍ غريبةٍ أخرى مكانه.

وعليه، يمكن أن نخلص إلى أنّ تحقيق المقاومة الفلسطينية الأهداف التي وضعتها لمعركة “سيف القدس”، وما صاحبها من تحولات في الشارع الفلسطيني، رفع إنجازات المعركة، لتصبح تحولاً استراتيجياً مكتمل الأركان، يُبشِّر بمرحلةٍ جديدةٍ مغايرةٍ.

من الناحية المادية، ما كان لهذا التحول الاستراتيجي أن يتحقق لولا القدرة التسليحية النوعية والتكتيكات العسكرية الإبداعية التي ظهرت لدى قوى المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب “القسام”، إضافةً إلى الدعم العسكري والاستراتيجي الذي تتلقاه المقاومة الفلسطينية من محور المقاومة، ناهيك بما كشفت عنه هذه الجولة من هشاشةٍ في معسكر العدوّ، سواء كان في الجبهة الداخلية أو في القدرات الاستخبارية أو في القدرة القتالية لـ”جيش” الكيان الذي لم يستطِع تقديم أيَّ إنجازٍ، ولو كان صورة نصرٍ وهميٍ لمستوطنيه.

بناءً على ذلك، يمكن القول إنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة “حماس”، بعد أن ألحقت الهزيمة بالعدو في هذه الجولة الأخيرة، باتت في مصاف اللاعبين الإقليميين، وصارت القوة الحقيقية الفاعلة في المشهد الفلسطيني من دون منازعٍ، لكن ماذا عن معسكر الأعداء؟

لا بدَّ من أن المعسكر الصهيو-أميركي برمته في المنطقة يشعر اليوم بالهزيمة، كما الكيان الصهيوني. لذلك، على المقاومة الفلسطينية، ولا سيما حركة “حماس”، بصفتها الفصيل الرئيس بين فصائل المقاومة، أن تستعدّ للمزيد من الضغوط في المرحلة القادمة، ولكن لأن الميدان العسكري أفرز توازناً جديداً للردع بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني، فعلى الأرجح أن يلجأ الخصوم إلى محاولة تفريغ النصر الأخير من مضمونه عبر الأدوات السياسية. 

وقد تجلى ذلك في كلمة الرئيس جو بايدن التي عقَّب فيها على وقف إطلاق النار المتبادل، إذ برز فيها محوران؛ الأوّل ربط إعادة الإعمار والمساعدات المالية بسلطة الرئيس المنتهية ولايته محمود عباس، وهو الربط الذي يهدف إلى إعادة تعويم السلطة الفلسطينية، بعد أن فقدت كل تأييدٍ لدى غالبية الفلسطينيين، نتيجةً للفشل والعجز اللذين وصلت إليهما، ونتيجةً لنظرة الشّارع الفلسطيني إلى هذه السلطة بأنها باتت أداة في يد المحتلّ، بإصرارها على مواصلة التعاون الأمنيّ مع قوات الاحتلال من أجل حراسة أمن المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية، ومنع أيّ شكلٍ ذي معنى في مقاومة الاحتلال، ولو كان سلمياً.

من ناحية ثانية، يهدف هذا الربط إلى محاولة تحصيل تنازلات سياسية من حركة “حماس”، مقابل تسهيل إعادة إعمار قطاع غزة، ناهيك بنقله المواجهة حول إعادة الإعمار إلى مواجهة بين السلطة و”حماس”، عوضاً من أن تكون بين فصائل المقاومة والصهيوني أو الأميركي. 

أما المحور الآخر الذي يمكن استخلاصه من كلمة الرئيس جو بايدن، فكان التلميح إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ستعود لتولّي الملف الفلسطيني بنفسها. يأتي هذا كنتيجةٍ لفشَل الصهيوني في فرض إرادته بالقوة على الفلسطينيين. وهنا يتجلّى خطر الفخاخ السياسية، فمِن الوارد أن تضغط الولايات المتحدة الأميركية على الكيان الصهيوني في هذه المرحلة لتقديم تنازلات ملموسة، لكن ليست ذات معنى حقيقي للجانب الفلسطيني، سعياً إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قَبْل معركة “سيف القدس”، عبر إحياء مسار ما يسمى “مفاوضات السلام” وحل الدولتين الذي بات مرفوضاً جملةً وتفصيلاً في الشارع الفلسطيني، ولا سيما بين أوساط فلسطينيي الأراضي المحتلة العام 48، وهو ما من شأنه، إذا ما تم، تقزيم الإنجاز الإستراتيجي الأخير وتحويله إلى مجرد نقلةٍ تكتيكيةٍ، وبذلك يفرغه من معناه الحقيقي.

ظهر هذا التوجّه في التصريحات الأميركية الأخيرة التي استعادت الخطاب الأميركي التقليدي الَّذي كان سائداً قبل فترة دونالد ترامب تجاه الاستيطان والقدس، وهو خطابٌ معسولٌ، لكننا خبرنا نتائجه الكارثية على القضية الفلسطينية على مدى العقود الثلاثة الماضية.

يُعزِّز هذا الاستنتاج حول نيَّة الولايات المتحدة الأميركية، ما قاله مؤخراً مفوض الأمن والسياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في بيانٍ نشره الاتحاد الأوروبي. وقد جاء فيه أنَّ الاتفاقيات التي توصَّلت إليها “إسرائيل” مع عدة دولٍ عربيةٍ في السنوات الأخيرة التي توسّطت فيها إدارة ترامب، ولّدت انطباعاً لدى البعض في “إسرائيل” بأن القضية الفلسطينية تمت تسويتها، وأن الوضع الراهن يمكن أن يستمر إلى أجلٍ غير مسمى.

وشدَّد بوريل على أنَّ مفاوضات “عملية السلام” لم تحلّ النزاع، ولم توقف توسيع المستوطنات التي تقوض من الناحية العملية الحل الذي يدعمه المجتمع الدولي، ونجد في هذا الكلام توبيخاً شبه صريحٍ للكيان الصهيوني، يدغدغ عواطف محمود عباس ورجالات التنسيق الأمني الذين ما زالوا يراهنون على المفاوضات العبثية خلافاً لكل منطقٍ، وهي مفاوضاتٌ تتنازل عن 78% من أرض فلسطين مقدماً. وكان بوريل أكثر وضوحاً عندما تابع قائلاً إنَّ الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يستمرّ في تمويل إعادة إعمار غزة من دون وجود احتمال إطلاق مسارٍ سياسيٍ بين “إسرائيل” والفلسطينيين.

إذاً، المقاومة الفلسطينية مقبلةٌ على مرحلة فخاخٍ سياسية على شكل مغرياتٍ فارغة المضمون وضغوطٍ صريحةٍ، لانتزاع تنازلات من الفلسطينيين تعيدهم إلى حالة المراوحة التي كانت سائدة خلال العقود الثلاثة الماضية، لكن ما دامت موازين القوى في غير مصلحة الاحتلال، كما أظهرت المواجهة الأخيرة، وما دامت الانتفاضة مستمرة في الضفة والقدس، وما دام ظهْر المنتفضين محمياً بصواريخ كتائب “القسام” مع باقي الفصائل، كما تعهدت المقاومة على لسان أبو عُبَيْدة، فمن الممكن انتزاع المزيد من الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين من دون قيدٍ أو شرطٍ، ومن دون تقديم جوائز ترضيةٍ للاحتلال، على طريق تحرير كامل التراب الفلسطيني واقتلاع هذا الكيان الصهيوني المصطنع. ولذلك، باتت القدس اليوم حقاً أقرب.

هَبَّة باب العمود طريق لتصويب المسار

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter

عمرو علان

الأحد، 02 مايو 2021 07:31 م بتوقيت غرينتش

بناءً على تقدير موقف واقعي، وقراءة متكاملة للمشهد الفلسطيني بكافة أبعاده، كان قد استشرف البعض منذ بدايات مسار الانتخابات التشريعية الفلسطينية الجديدة بأن يقوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيلها كما حصل فعلاً. ولسنا هنا بصدد العودة إلى النقاش الذي دار قبل قرار الفصائل الفلسطينية خلا حركة الجهاد الإسلامي حول خوض مغامرة انتخابية جديدة، لا سيما أننا في حضرة هبَّةٍ مقدسيةٍ عظيمة، قد أنجزت في الميدان وتُبشِّر بالمزيد إذا ما استفاقت الفصائل الفلسطينية لا سيما في الضفة والقدس من غفوتها، وتجاوزت ملهاة انتخابات مجلس تشريعي لدولة تخيُّلية؛ ما هي – في حقيقة الأمر – إلا جزءٌ صغير من كلٍ مغتصَب، يرزح تحت سلطة احتلال تتحكم بكل مفاصل حيات ذاك الفلسطيني الذي مازال صامداً على أرضه يقاوم، بما في ذلك انتخاباته وباعتراف رئيس السلطة الفلسطينية، بغض النظر عن وجاهة التبرير الذي ساقه هذا الأخير لتأجيل أو بالأصح لإلغاء الانتخابات التشريعية.

ما شهدته ساحات الأقصى وأزقة القدس العتيقة في الأيام القليلة الماضية يعيد التأكيد على معادلتين: أولاهما كون الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس وحتى في أراضي 48 جاهزاً وحاضراً للقيام بحركة شعبية قابلة لأن تتطور وتتصاعد حتى تصل إلى العصيان المدني وانتفاضة ثالثة طال انتظارها. فبمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره، ويفهم أكثر من غيره مسؤولياته التي لا يتردد في القيام بها، وكان هذا شاخصاً في مدى رقعة امتداد الاحتجاجات التي شملت بالإضافة إلى القدس أراضي الضفة الغربية ومناطق 48. وقد تجلى الوعي الفلسطيني في طبيعة الهتافات التي صدرت من قبيل “سامع يا صهيوني سامع.. جاي تسكير الشوارع..”، و”مِن أم الفحم تحية.. لقدسنا الأبية..”، و”بلا سلمية بلا بطّيخ.. بدنا أحجار وصواريخ.. يا أقصى إحنا جينا.. والشرطة ما تثنينا..”. ولعل الهتاف الأكثر بلاغة كان “حط السيف قبال السيف.. إحنا رجال محمد ضيف..”، فكان لافتاً أنه لم يُهتف باسم أيٍ من السياسيين سواءً أكانوا من “حماس” أم من “فتح”، بل هُتِف باسم القادة العسكريين والشهداء.

بمجرد إقدام الاحتلال على المساس بالمقدّسات تراجعت الهموم الحياتية للمواطن الفلسطيني لتأخذ مرتبة ثانية بعد الهم الوطني، فهذا الصامد في أرضه الذي يرى بأُم العين تغوّل الاستيطان، سواءً في الضفة أو عبر المحاولات المستمرة لتهويد القدس، أثبت أنه يدرك طبيعة الصراع وجوهره


أما المعادلة الثانية التي أكدت عليها هبّة باب العمود فكانت الخشية الكبيرة لدى العدو من تفاقم الوضع في الأراضي المحتلة، وظهر ذلك جلياً في طريقة تعاطيه مع الأحداث، سواءً أكان مع صواريخ المقاومة التي انطلقت من غزة بشكل محسوب دعماً لهبّة القدس، أو في تعامل شرطة الاحتلال مع المتظاهرين المقدسيين التي على ما يبدو تفادت سقوط شهداء بين المتظاهرين خوفاً من التصعيد.

وتمكن قراءة القلق الأمريكي أيضاً من انزلاق الوضع إلى انتفاضة ثالثة في لغة التصريح غير المألوفة الصادر عن المتحدث باسم الإدارة الأمريكية نيد برايس، حيث أبدى قلق الإدارة الأمريكية من تصاعد العنف في القدس، وطالب بوقف شعارات الكراهية مع الدعوة إلى الهدوء، بالإضافة إلى مطالبة السلطات بحفظ أمن وسلامة جميع من في القدس، على عكس الموقف الأمريكي التقليدي الذي ما انفك عن تحميل الفلسطينيين مسؤولية جرائم الاحتلال مشفوعاً بعبارته الممجوجة بأن لدى “إسرائيل” حق الدفاع عن النفس. ولم تكن هذه صحوة ضمير، بل مؤشرا على إدراكه للنتائج الوخيمة على كيان الاحتلال إذا ما تطورت الاحتجاجات لتصل إلى انتفاضة ثالثة، يُحتمَل أن تعم هذه المرة كل الأراضي المحتلة في القدس والضفة وأراضي 48، ويكون ظهرها محمياً بمقاومة مسلحة قادرة في غزة يدعمها محور مقاومة صاعد بات يغير المعادلات على الأرض، ويمكنه رسم الخطوط الحمر أمام كيان الاحتلال في طريقة تعاطيه مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، خطوط حمر وقواعد اشتباك لن يجرؤ الاحتلال على تجاوزها كما بات واضحاً في سلوكه خلال الأعوام القليلة الماضية.

هاتان المعادلتان كانتا الحاكمتين خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة على أقل تقدير وما تزالان، ونُذكّر بهبّة كاميرات الأقصى التي خسرها الاحتلال، والعمليات الفردية وعمليات الطعن والدهس المتكررة ضد المستوطنين، وتراجع نتنياهو عن تنفيذ خطة الضم في الأول من تموز الفائت خوفاً من اشتعال الأراضي المحتلة حسب تقارير أجهزته الأمنية والعسكرية، ناهيكم عن الحذر الشديد لدى الاحتلال من الانزلاق إلى مواجهة جديدة مفتوحة مع المقاومة في غزة، وتوازن الرعب الذي يعيشه المحتل على جبهة جنوب لبنان المحرر أمام حزب الله.

وعليه يصير السؤال المطروح بإلحاح على الفصائل الفلسطينية: أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟

أما حان الوقت للبناء على معادلات القوة هذه في الميدان بشكل منظم، مما يؤدي إلى انتزاع تنازلات حقيقية من العدو من قبيل تفكيك المستوطنات في الضفة أو وقف تهويد القدس على أقل تقدير؟


لدى الشعب الفلسطيني وفصائله اليوم فرصة جديدة واقعية تتمثل بهبّة مقدسية مباركة يمكن تطويرها وتأطيرها، ويمكن من خلالها استعادة وحدة وطنية حقيقية في الميدان بين كل من يؤمن بمقاومة الاحتلال، عوضاً عن اللهث وراء مشاريع لن تؤدي إلا إلى زيادة التشظي في الساحة الفلسطينية كما حصل عقب القرار البائس في التوجه إلى انتخابات تشريعية في ظل الاحتلال وتحت سقف “أوسلو”.

وإذا ما سلمنا بأنه قد ثبُت بالدليل الحسي انقطاع الأمل في قيام السلطة الفلسطينية ورموز التنسيق الأمني بتعديل مسلكهم، عندها يصبح على عاتق الفصائل مع الذين ما زالوا يؤمنون في “فتح” الرصاصة الأولى لا “فتح” القبيلة؛ اجتراح السبل لتفعيل العمل الميداني، لمواكبة تحركات الشارع الفلسطيني المنتفض، وعلى السلطة حينها الاختيار بين أن تكون جزءاً من الشعب الفلسطيني الثائر أو الوقوف على الحياد، وإما أن تستمر بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، وعندها لا ملامة على شعبنا إن عاملها معاملة العملاء في الانتفاضتين السابقتين.

وختاماً نُذكِّر بأن تفعيل المقاومة الشعبية الجادة والعصيان المدني كانا من أهم مخرجات اجتماع أمناء الفصائل الأخير المنعقد في أيلول الماضي، فماذا إذن هم منتظرون؟

عمرو علان: موقع المحادثات السعودية الإيرانية المستجِدّة من الإعراب

This image has an empty alt attribute; its file name is 2021-04-24_11-10-39_057262-371x320.jpg

عمرو علان

يتسارع تتالي الأحداث في منطقتنا مؤخرا بعد ما دخلت أغلب مشاريع المحور الصهيوأميركي – العسكرية منها والسياسية – في مرحلة استعصاء أو وصلت إلى طريق مسدود، فباتت تعطي نتائج عكسية لما كانت تهدف إليه، ومن بين هذه الأحداث المتتالية توقيع اتفاقية إطار الشراكة الإستراتيجية الصينية الإيرانية، وسعي إدارة الرئيس بايدن الأمريكية إلى العودة إلى الاتفاقية النووية الإيرانية، ولعل آخر تلك الأحداث كان ما رشح عن لقاءات سعودية إيرانية في العراق من أجل تخفيض الاحتقان في المنطقة.

ليست هذه المرة الأولى التي تحصل فيها لقاءات سعودية إيرانية من هذا القبيل، لكن المختلف هذه المرة هو السياق الذي تأتي فيه هذه اللقاءات، فالسعودية اليوم تواجه استعصاء حقيقي في حربها على اليمن، إذا لم نقُل أنها على وشك خسارة الحرب، والحرب على سوريا باتت شبه محسومة لصالح الدولة السورية وحلفائها، والأميركي يتحضّر للتخفيف من أعباء منطقة غرب آسيا عموماً عبر إعادة تموضعه في الإقليم من أجل تركيز جهوده وموارده على مواجهة الصين وروسيا، وقد كان أشار لذلك صراحةً أنتوني بلينكن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية في معرض حديثه عن قرار إدارة بايدن سحب القوات الأميركية من أفغانستان بحلول أيلول المقبل، ويمكن وضع رغبة الإدارة الأميركية الجديدة بالعودة إلى الالتزام بالاتفاقية النووية مع إيران ضمن هذه الفلسفة أيضا، ناهيكم عن فشل سياسة الضغط القصوى التي اتبعها دونالد ترامب في مواجهة إيران، ويضاف إلى كل هذا التراجع الملموس لكلِّ من القدرتين الأميركية والصهيونية على شن حروب عسكرية جديدة، حروب لم تعد مضمونة النتائج قياساً على نتائج الحروب الأخيرة التي خاضها هذان الطرفان بدءً من احتلال العراق 2003، مروراً بالهزيمة الإستراتيجية التي ألحقها حزب الله بالعدو الصهيوني في حرب تموز 2006. وصولاً إلى العدوان على غزة في 2014.

تأتي هذه المتغيرات الأساسية بعد كباش امتد لعقد ونصف من الزمن على أقل تقدير، وهي – أي المتغيرات – تعيد بالضرورة رسم خريطة موازين القوى في المنطقة لغير صالح المحور الصهيوأميركي، مما يفرض على حلفاء أميركا في المنطقة إعادة النظر في حساباتهم في محاولة منهم للخروج بأقل الخسائر، ويضع البعض القبول السعودي بفتح حوار جدي مع إيران – الذي طالما دعت إليه تلك الأخيرة – ضمن سياق المتغيرات آنفة الذكر، وهذا من شأنه منح هذه المحادثات فرصة أكبر للنجاح في تخفيف الاحتقان الإقليمي، لا سيما أنه من المرجح رضى الأميركي عنها بعكس المرات السابقة. ويبدو مما رشح لغاية الآن عن تلك المحادثات أنها حصلت في أجواء إيجابية رغم كون الطريق مازال في أوله، ورغم عدم خلوه من الأفخاخ الكثيرة بسبب تعقيد وتشابك الملفات الإقليمية، وبسبب طيش القرارات السعودية التي باتت سمة ولاية عهد محمد بن سلمان، لكن تفادي طرفي المحادثات تسريب أخبار عن هذه اللقاءات لغاية هذه اللحظة، وإنكارهما لحدوثها بدرجات متفاوتة يمكن عدّه مؤشرا على جديتهما في الوصول إلى نتائج ملموسة عوضاً عن مجرد تسجيل مواقف ونقاط إعلامية.

تقترب المنطقة مسرعة من لحظة الحقيقة، فإما أن تفضي المحادثات الإيرانية السعودية المستجدة في العراق، ومفاوضات جنيفا – الأهم – بين إيران وأميركا إلى توافقات تخفف من الاحتقان الإقليمي، وإلا فالإقليم متجه نحو جولات تصعيد خطيرة.

انقلاب في الأردن أم في أميركا؟

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*كاتب وباحث سياسي

الأخبار

عمرو علان

الثلاثاء 13 نيسان 2021

تتميّز المملكة الأردنية الهاشمية بموقع جغرافي مميّز، فهي تشكل فاصلاً جغرافياً وحاجزاً بشرياً بين الكيان الصهيوني وبين العراق والسعودية، وبصورة ما أيضاً بين سوريا والكيان الغاصب، إذا ما أخذنا في الحسبان الحدود الأردنية السورية المشتركة، بالإضافة إلى كون الحدود بين الأردن وفلسطين المحتلة هي الأطول من بين دول الطوق.

أما سياسياً، فالمَلَكية في الأردن وأجهزة الدولة تربطهما مع المملكة المتحدة البريطانية والولايات المتحدة الأميركية علاقات وثيقة وقديمة أمنياً واستخبارياً وعسكرياً، ناهيكم بالعلاقات المميزة بين الحكم الأردني وبين الكيان الصهيوني، تتضافر كل هذه العوامل لتجعل الأردن ذا أهمية خاصة في الإستراتيجية الأميركية تُجاه العالم العربي، لذلك تُعد ديمومة الحكم في الأردن واستقراره من المسلّمات في العقيدة الأميركية، وبناءً عليه يُستبعد حصول أي تغيير أو محاولات تغيير في الحكم الأردني دون أن تكون لها ارتباطات دولية وإقليمية، أو دون أن تكون محكومة بسقف أميركي لا يسمح بانزلاق الساحة الأردنية إلى فوضى غير منضبطة، تُفضي إلى انعكاسات أمنية خطيرة على كيان العدو. إذن كيف يمكن تفسير إجهاض ما بات مرجّحاً أنه كان محاولة لاستبدال رأس الحكم الأردني عبر إحلال الأمير حمزة بن الحسين وليّ العهد السابق محل أخيه غير الشقيق الملك عبدالله الثاني؟
بدايةً نستذكر «صفقة القرن» التي طرحها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والتي كانت ترتكز على ثلاثي ترامب وابن سلمان ونتنياهو، وكان واضحاً عدم رضى الأردن الرسمي عن تلك الصفقة بما تشكّله من تهديد مباشر للوصاية الهاشمية على المقدّسات في القدس المحتلة، ومن حيث كونها مقدمة لتنفيذ مخطط الوطن البديل في الأردن، وكان حضور الملك عبدالله الثاني لقمة القدس الاستثنائية التي عُقدت في إسطنبول في كانون الأول/ ديسمبر 2017 برغم الضغوط الإقليمية التي تعرّض لها آنذاك مع محمود عباس لثنيهما عن الحضور علامة فارقة في العلاقات السعودية الأردنية، حيث ظهرت للعلن بعدها آثار توتر العلاقات عبر وقف المساعدات السعودية للأردن وعبر ضغوط أخرى، لكن ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية يشير إلى أن تأزّم العلاقات هو أكثر عمقاً مما كان ظاهراً، وأنه مذّاك الحين بدأت السعودية والإمارات بالتعاون مع نتنياهو بالإعداد إلى استبدال رأس الحكم في الأردن ضمن مسعى تنفيذ «صفقة القرن»، وعلى الأرجح أن ذلك كان بعلم ورضى أميركيين لما يشكّله الأردن من أهمية في الاستراتيجية الأميركية.

ما موقع الأردن من الإستراتيجية الجديدة لإدارة بايدن؟ هل تقرر تحويل المملكة الهاشميّة إلى ما يشبه قاعدة عسكرية أمريكية؟


لكن تعثر تطبيق «صفقة القرن»، وصعود الديمقراطيين إلى سدة الحكم الذين جاؤوا باستراتيجية مغايرة لتلك التي اتّبعها ترامب، يبدو أنهما فرضا تبديلاً في الأولويات الأميركية وتغييراً في طريقة التعاطي الأميركي مع ملفات المنطقة، ولقد كان لافتاً إبرام الاتفاقية العسكرية الأميركية الأردنية أخيراً، التي لاقت استياءً كبيراً في الأوساط الأردنية لما تتضمنه من تنازل عن السيادة الأردنية لمصلحة القوات العسكرية الأميركية، والتي تُحوِّل الأردن على امتداد أراضيه إلى قاعدة عسكرية أميركية، وقد تزامن توقيع هذه الاتفاقية مع الإعلان عن إحباط محاولة إطاحة العاهل الأردني عبدالله الثاني، لذلك يصير من المشروع ربط الخطوتين، إحداهما بالأخرى.
إذا ما صحّت هذه القراءة، فنحن نشهد انقلاباً في الإستراتيجية الأميركية تُجاه المنطقة العربية اقتضى طيّ صفحة مشروع سابق لمصلحة مسار جديد يتم العمل به، ويصير معه البعد الداخلي الأردني للأحداث تفصيلاً، ويصبح السؤالان الأهم: ما الذي ترسمه إدارة جو بايدن للمستقبل؟ وما هو موقع الأردن في هذه الإستراتيجية الجديدة الذي يلزمه معها تحويل الأردن إلى ما يشبه القاعدة العسكرية الأميركية؟
من المبكر الإجابة عن هذين التساؤلين بشكل قطعي، فنحن في انتظار تكشُّف المزيد من المعطيات، لكن من المفروغ منه أن احتمالية الانسحاب الأميركي من العراق، ومصير التوصل إلى تفاهم في الملف النووي الإيراني من عدمه، وما يخفيه الأميركي لسوريا في قابل الأيام، هي قضايا لعبت كلها أو بعضها دوراً في الهزة غير المسبوقة التي شهدها الأردن في هذه الأيام القليلة، وفي تحويل الأردن إلى منصة عسكرية أميركية يمكن استعمالها بصورة أو بأخرى.

مقالات سابقة للكاتب


What Is in Store for Iraq and the Broader Middle East?

What Is in Store for Iraq and the Broader Middle East?

Amro Allan, Global Research 14 Mar 2021

It is still early to be certain what strategy the new US administration will adopt in the Levant. Yet the recent actions of the US and its allies can give a good indication of what is in store for the region. Especially when those actions reinforce the validity of some intelligence obtained from a well-informed source, and when they fit the facts on the ground.

For the past ten years, the US and its allies have been engaged in a war against Syria. However, this war did not achieve its main strategic objective. On the contrary, Syria has become involved with the Axis of Resistance more than ever. And despite the pitfalls in some places, and slow achievements in others, the Axis of Resistance has gained more influence in the Levant overall. One aspect of this is that the route from Tehran to Beirut, through Baghdad and Damascus, is solidifying every day. Securing this route can greatly facilitate trade and economic collaboration between those four capitals- something that will enhance the living situation of the people of those countries and fortify their resilience.

The US understands the strategic challenge that this poses to its influence in the Levant and indeed in West Asia in general; as it has been expressed in many pro-US-articles.

A vital result of securing this route is the leverage it provides to the Axis of Resistance to overcome the ‘maximum pressure’ policy which the US has been pursuing of late, not just against Iran, but also against Syria using the ‘Caesar Act’. And because the events of the past few years exposed the unreadiness of the US to engage in an all-out war against Iran and its allies, that leaves the ‘maximum pressure’ policy as the only cost-effective card for the US to play against the Axis of Resistance.

Another result of the events of the last ten years in the Levant is that the Iraqi and Syrian arenas have become more interconnected. Hence, the aftershocks of any change in the political balance in one domain will be felt in the other. And because of the Russian presence in Syria, as well as the strategic alliance between Russia and the Syrian government, the US margin of manoeuvre within Syria is more constrained than it is in Iraq. Thus, it appears that the new strategy of Joe Biden’s administration is to work towards changing the status quo within Iraq to the advantage of the US, through targeted assassinations and special operations. It seems that the end goal is to strengthen the US allies within the Iraqi ruling class, benefiting from the volatile Iraqi political situation, so as to align Iraq with the US stance in the region.

This strategy, if it succeeds, will achieve two objectives for the US: breaking the Baghdad link in the afore-mentioned route chain, and tightening the economic sanctions imposed on Syria. The latter objective can then be used to force the Syrian government to make political concessions in the upcoming presidential elections and in the negotiations with the ‘separatists Kurdish factions’ in the east of the Euphrates, where the Syrian oil and wheat fields lie.

The latest US airstrike on the Iraqi security forces, the ‘Popular Mobilization Forces’ (PMF), is believed to be in this context despite the US pretexted justification. Choosing to bomb a position on the Syrian Iraqi borders and in the vicinity of a vital Syrian Iraqi crossing point cannot be at random.

Another sign of the US intent to change the political balance in Iraq is the recent 

lengthy interview with Raghad Saddam Hussein on the Saudi-owned news channel Al-Arabiya (the Saudis are a strategic US ally). In this interview, she spoke about internal Iraqi affairs, attacked what she called Iranian influence in Iraq, and refused to rule out a possible future role in Iraqi politics.

A well-informed source confirmed the existence of such a plan: ‘The US has put into action a new plan to shift the balance in Iraq to their advantage through targeted assassinations and inciting strife within Iraq. This plan is to be carried out in collaboration with some top positions in the current Iraqi government, and the Iraqi Ba’ath party’ the source added. On this question, it is worth noting the since-retracted statement by Pentagon Press Secretary John F. Kirby that Iraqi authorities helped the US to carry out ‘successful strikes’ on Syria’s territory in February, and in spite of the Iraqi Defence Ministry denying any knowledge of this airstrike beforehand.

If the next few weeks prove this analysis to be true, then it would be logical to assume that the Axis of Resistance will take countermeasures, and this would very likely raise the stakes in an already heightened situation in a volatile region.

Amro Allan, Palestinian writer and Political researcher

Amro Allan ( amro@amrobilal.net), is an independent Palestinian writer and Political researcher. He publishes in various Arabic news outlets, some of which are Al-Akhbar newspaperRai Al-Youm, and Arabi 21.

ما الذي يُعَدّ للعراق؟

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
كاتب فلسطيني

الأخبار

عمرو علان

الثلاثاء 9 آذار 2021

يعكف عادةً ساكن البيت الأبيض الجديد في المئة يوم الأولى بعد تنصيبه على رسم الخطوط العريضة التي ستحكم سياسات إدارته خلال فترته الرئاسية، لكن يبدو أنه بات من الممكن تلمّس معالم استراتيجيات جو بايدن تجاه منطقة المشرق العربي، في قراءة أولية معتمدين بشكل رئيسي على ما أقدم عليه الأميركي أخيراً وتحركات بعض حلفائه الإقليميين، ولا سيما أن هذه المعطيات تتقاطع مع بعض المعلومات المتوافرة من مصادر مطلعة.

لم تفلح إدارتا باراك أوباما ودونالد ترامب في حسم الحرب على سوريا لمصلحتَي الولايات المتحدة الأميركية وربيبها الكيان الصهيوني من الناحية الإستراتيجية، وحقّقت سوريا ومحور المقاومة عموماً إنجازات متتالية خلال السنوات الماضية، وبات نفوذ المحور في تصاعد على مساحة الإقليم بشكل عام، رغم العثرات في مواضع، وبطء الإنجازات في مواضع أخرى، وبدأ طريق طهران بيروت مروراً ببغداد ودمشق بالرسوخ رويداً رويداً، ويدرك الأميركي ما لهذا الأمر من تهديد على نفوذه، ليس من الناحية العسكرية وحسب، بل الأهم هو ما يتيحه ترسيخ هذا الخط لأطراف محور المقاومة من فرص تبادل اقتصادي وفرص إنمائية، ما يمثّل تحدياً جدياً لسياسات الضغوط الاقتصادية القصوى التي باتت تتَّبِعُها الولايات المتحدة الأميركية في ظل انحسار خيارات الانخراط العسكري المباشر لديها.

وكان من المتوقّع أن ينصرف الأميركي إلى التركيز على التحدّيين الصيني والروسي بناءً على اللهجة العدائية الأميركية المتصاعدة تجاه هاتين القوتين العظميين، لكن يظهر أن الأجنحة الصهيونية داخل الإدارة الأميركية نجحت فيوضع ملفات المنطقة – بما تمثّل من تحديات حقيقية للكيان الصهيوني – ضمن سلم أولويات إدارة جو بايدن الكثيرة.

تُعدّ زيادة ترابط الساحتين العراقية والسورية أحد إفرازات أحداث العشرية الأخيرة، حيث باتت تؤثر إحداهما على الأخرى بشكل مباشر، وبالتالي على عموم محور المقاومة، وكون الروسي حاضراً في الساحة السورية، وما لهذا الحضور من تأثير على هامش المناورة الأميركية في تلك الساحة، يبدو أن الأميركي يتجه إلى محاولة كسر حلقة التواصل بين أطراف محور المقاومة عبر إحداث تطورات على الساحة العراقية تصبّ في مصلحته، لكون هامش الحركة لديه في العراق أوسع، ونظراً إلى خصوبة الساحة العراقية بسبب التناقضات في الداخل العراقي، ويبدو أن الغارة الجوية الأميركية الأخيرة على فصائل الحشد الشعبي العراقي تأتي في سياق رسم ملامح المرحلة القادمة وفي سياق تحضير ساحة العمليات الأميركية، سيّما أن اختيار منطقة الحدود العراقية السورية لتنفيذ هذه الغارة له دلالاته، وكان لافتاً أيضاً ظهور رغد صدام حسين على قناة العربية المملوكة سعودياً في سلسلة حلقات تلفزيونية، ورفضها في تلك المقابلة استبعاد احتمالية أن يكون لها دور مستقبلي في العراق، ما يمكن قراءته كإشارة أخرى على وجود هكذا توجُّه لدى المحور الصهيوأميركي.

تشير المصادر المطّلعة إلى وجود خطة أميركية لإحداث بلبلة أمنية في الداخل العراقي، والقيام بعمليات تصفية لمفاصل فاعلة قريبة من محور المقاومة من خلال قوات خاصة وعمليات أمنية، أملاً في قلب التوازنات الحاكمة في العراق حالياً لمصلحة الأميركي، ونقله من موقع إلى آخر، ويرجّح أن يكون هذا بالتوافق مع شخصيات تشغل مناصب عليا في الحكومة العراقية الراهنة، وبرغم النفي الصادر عن وزارة الدفاع العراقية، فلقد كان لافتاً تصريح الناطق باسم البنتاغون جون كيربي عن تنسيق الغارة الجوية الأخيرة ضد الحشد الشعبي مع الحكومة العراقية قبل أن يتراجع ويسحب هذا التصريح.

انتقال العراق من تموضعه الحالي إلى تموضع أقرب للسياسات الأميركية يُفضي إلى تشديد الخناق الاقتصادي المفروض على الدولة السورية، إضافة إلى كسر حلقة التواصل بين أطراف محور المقاومة كما أسلفنا، ويأمل الأميركي من الحصار الخانق المفروض على الدولة السورية تحقيق مكاسب في الانتخابات السورية المقبلة، وانتزاع تنازلات من القيادة السورية في قضية استقلال الأكراد في الجزيرة السورية، حيث آبار النفط وحقول القمح السورية.
إذا صحّت هذه التوقعات، فهذا يفرض على محور المقاومة رسم خطوط حمر أمام العبث الأميركي، وهذا متاح لأن المبادرة في الإقليم لا تزال بيد محور المقاومة، بعد تجاوز كل أشكال الضغوط في السنوات الأربع المنصرمة.

* كاتب فلسطيني

عمرو علان: رواية الصلاة في القدس وأنيس فلسطين

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
كاتب سياسي فلسطيني

عمرو علان

كان آخر ما كتب أنيس فلسطين، الراحل أنيس النقاش، رفيق أبو جهاد وخليل العِماد: “أنا انتهيت” نفهم من هذه العبارة الصادمة أن أجَله قد حان ولن يشهد الفصل الأخير من رواية الصلاة في القدس، لكن روحه المناضلة لن تفوّت المشهد، تلك الرواية التي نذر أنيس النقاش حياته لها بكل جِدٍ وإخلاص. وكان مشروع “التشبيك” من أجل “المشرقية” الذي أمضى النَّقاش سنواته الأخيرة فيه، أحد الركائز على طريق القدس، وهذا المشروع منسجم مع وعي الراحل السياسي المبكر وخطه النضالي، فيقول النَّقاش: “في سياق التحالف مع القوى الثورية – ومنذ البداية – قمتُ بمطالعات ودراسات معمقة عن حلف شمال الأطلسي وحلف “السنتو” وفهمت مخاطر الدور التركي والدور الإيراني، وكتبت يومها تقريراً للأخ أبو جهاد أقول فيه: الإمبريالية تخطط بشمول وعلى الثورة أن ترد بشمول، وكنت أعتقد أن للولايات المتحدة الأمريكية حليفين كبيرين في المنطقة هما تركيا وإيران، ونحن إذا أردنا أن نغير الموازين في المنطقة علينا أن نعمل على التغيير في هاتين الدولتين”، وقد وافق أبو جهاد على السير قدما في هذه الرؤية.

يُعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية فيها، وتبدل موقع إيران الجيوسياسي من حليف للاستكبار العالمي إلى نصير لحقوق الأمة الإسلامية والمستضعفين المدماك الأول على هذا الطريق، ولقد كان النَّقاش ممن ساهموا في إنجاز هذا الانتصار.

يتقاطع مشروع “التشبيك عوضاً عن الاشتباك” في العديد من جوانبه مع مشاريع مشابهة تبنتها شخصيات أخرى فاعلة ومخلصة في المنطقة {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}، ولكن المهم أن فلسفة هذا المشروع تنبع من نظرة وحدوية شاملة لبلاد المشرق العربي والإسلامي، وتميّز النَّقاش بعمله الدؤوب على أرض الواقع وفي الميادين من أجل إتمام هذا المشروع، لا سيما في العشرية الأخيرة من عمر الحرب – الإمبريالية بأيادي محلية – المفروضة على الدولة السورية.

لكن الراحل كان يدرك أن هكذا مشوار هو أطول من عمر الجسد، وأن بذور المشروع الوحدوي كامنة في الظروف الموضوعية الراسخة أصلاً في أرضنا ضمن حقائق التاريخ والجغرافيا، ويمكن هنا الاستئناس بما قاله عن نشْأت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، حيث كان دوره في العمل ضمن مشروع تأسيسها قد انقطع نتيجة اعتقاله في فرنسا مما ساهم في تأخير بزوغ فجرها، حيث قال: ” لكن الأمور تجري بنا ومن دوننا، وهذا درس سياسي مضمونه أن الظروف الموضوعية هي الأقوى دائماً من الظروف الذاتية، أي أن الإنسان جزء من آلة كبيرة، ربما تستفيق على فكرة اليوم وتكون السبّاق إليها والرائد فيها، لكن عدم تنفيذك الفكرة لا يعني أن هذه الفكرة لن تنبت في مكان آخر أو لدى شخص آخر”.

لهذا بعد رحيل أحد فرسان المشاريع الوحدوية البارزين ينتقل عبء إتمام المسيرة إلينا، فهم روَّوا بالدم والحِبْر والعرق بذور الوحدة المزروعة في أرضنا، وعلينا إكمال المشوار كي تُزهِر هذه البذور تعاوناً إقليمياً في الأمن والاقتصاد والثقافة، مما سَيُعَبِّد الطريق واسعاً نحو الصلاة في المسجد الأقصى وكنائس القدس بلا أدنى شك.

ولعل المشيئة الإلهية قدّرت أن يكون أجَل أنيس النقاش المكتوب بسبب “الكورونا” اللعينة، مما يضيف إليه بعداً إنسانياً وعاطفياً يحاكي أثَر رحيل الشهداء، ونحسبه بإذن الله كذلك على ما قدم، ويُجزئ في هذا ما كتبه المفكر العربي منير شفيق – أحد أقطاب الفكر الوحدوي ومن المنظّرين لفكرة تحديد التناقض الرئيسي – في نعي الفقيد المنشور على جريدة الأخبار، ولعله بهذا يتحقق في رحيل أنيس النقاش مقولة الشيخ راغب حرب: “دمُ الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله فإنه ينمو”.

رحمة الله عليك يا أنيس فلسطين وأنيس المقاومين، فالقدس اليوم فقدت أحد فرسانها المخلصين.

كاتب سياسي فلسطيني

Palestinian Resistance running in the New Legislative Elections Simulates Insanity,إستراتيجية فلسطينية واقعية في مقابل انتخابات تحاكي الجنون

**Please scroll down for the Arabic original version **

Palestinian Resistance running in the New Legislative Elections Simulates Insanity

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
* Palestinian writer and Political researcher

Amro Allan

First published in Global Research

“Insanity is doing the same thing over and over again and expecting different results:” this quote is wrongly attributed to Einstein, but regardless of who said it, this is what best describes the Palestinian resistance participation in the new Palestinian legislative elections. The new elections are being sold as the way for reconciliation between Fatah and Hamas. However, the Palestinian division occurred in the light of the results of the 2006 legislative elections, and as a direct result of the contrast between Hamas and Fatah strategies towards the Palestinian cause. 

The strategies of the Palestinian factions have not changed since the previous elections. On the contrary, the Palestinian Authority (which in fact represents Fatah) has become entrenched further with the occupation, and the foreign actors’ stance against the Palestinian resistance has become more rigid. And it is stands to reason that a significant change in at least one of these two factors is a prerequisite to expect different outcome of any new elections 

So, away from the slogans of the reconciliation between Palestinian factions and the accompanied PR campaigns, what does each of the Palestinian factions hope to achieve from these elections?  And more importantly, what is the solution to break the siege imposed on the Palestinian resistance in Gaza?

The Palestinian Authority (PA)

In January 2020, the former U.S. administration announced the ‘deal of the century’; this deal in fact exposed the hidden intention of the successive U.S. administrations. This announcement was preceded by the Zionist Entity revealing its intention to annex the West Bank. Add to this, the ‘Jewish nation-state’  laws which the Zionist Entity passed in 2018 that may lead to transportation of the Palestinians in the 1948 territories out of their homes. After all these developments, Mahmoud Abbas declared Oslo Accords dead and the end of the security coordination with the occupation. With this, a glimmer of hope within the Palestinian factions that the PA had finally benefited from its disastrous experience over the past 30 years has emerged. It was said at the time that it was possible for Fatah to agree with the other Palestinian factions on the basis of civil resistance to the occupation. And a meeting of the Secretaries-Generals of the Palestinian factions was held in Beirut on this basis. However, soon the hope of any change in the performance of the PA evaporated. The PA continued to coordinate fully with the ‘Israelis’ forces in order to thwart any attempt to resist the occupation and continued to suppress any popular movement on the ground, no matter how peaceful it was. The PA relentlessly suppressed Even the peaceful popular demonstration of solidarity with the hunger-striking detainee Maher al-Akhras at the time. Then came the shocking statement of Hussein al-Sheikh, the PA Civil Affairs Minister, when he announced the return of the PA diplomatic relations with ‘Israel’ to how it was, including the security coordination- which in truth never ceased. 

It has become clear to most observers that the PA function has become limited to two tasks: first, collecting financial aid; and second, paving the way (knowingly or unknowingly) for the occupation to accomplish its aims of annexing what little that remains of the West Bank. 

By stifling any form of Palestinian movements, peaceful or otherwise, to resist the occupation’s changing the facts on the ground, the Pa has become de-facto complicit of the occupation. Hence, all PA talk still possessing a Palestinian national project becomes no more than empty rhetoric. Because even he who believes in the negotiations as the only path to attain Palestinian rights does not strip himself of all negotiation leverages as the PA has indeed done. The PA has become a mockery of itself. It now mimics the French government of Vichy or the South Lebanon Army; with the difference that the last two had a project, regardless of our view of their projects, whereas the PA no longer has a task to speak of. These are not labels that can be given lightly or as a matter of populism, nor it is a call for internal fighting which must be avoided at all cost, especially in the presence of the occupation. But this is a description of the current situation that must be taken into account when assessing any future Palestinian strategy.

Thus, it can be reasoned that the goal of Mahmoud Abbas and the PA from the elections is to renew their legitimacy, or more precisely to take allegiance from Hamas and the rest of the Palestinian factions, and then to return to the vortex of what they call peace process and with no horizons in sight, of course. 

Hamas and the Palestinian resistance factions

Hamas and the Palestinian resistance are going through an evident crisis, because of their limited options and their failure to lift the 15-year siege imposed on the Gaza Strip. It can be argued that the origins of the blockade were Hamas’s strategic miscalculations to run in the 2006 legislative elections- which did not secure Hamas any immunity nor protected it as it had hoped. Notwithstanding this argument, the occupation remains the prime source of the blockade. The Zionist Entity is the holder of the blockade keys and no one else. This is the primary fact and must not be ignored when formulating any   strategy to dismantle the blockade.

It is not a secret that Hamas is hoping that running in the upcoming elections will lead to lifting the blockade or at the very least easing it. This presents two assumptions: either Hamas competes against Fatah to win the majority in the legislative elections or runs with Fatah on the same party list. Suppose it is the former, and Hamas wins the election. In that case, Hamas will face a repeat of the 2006 scenario if there is no change in the Palestinian faction’s policies nor any change in the key international players’ stance towards the Palestinian resistance. 

But if Hamas runs in the elections on a party list with Fatah, and it agrees to be a minority in the legislative elections, it will become an opposition party within the Oslo system. At which point, they will be obliged to play according to the Oslo rules. We observe the emergence of two parallel lines on the Palestinian scene- that can never converge. One represents the PA which has become linked to the occupation (and part of it, in reality), and which does not believe in any form of confrontation with the occupation, even a peaceful one; whilst the other believes in Resistance to restore Palestinian rights. As a result, the resistance factions will find themselves facing the same current dilemma. With the difference that this time they will have given to the opposite side new ammunition to use against them. The Palestinian resistance will be required internally and internationally to respect the elections’ results and hand over the Gaza Strip to the PA before any easing of the blockade takes place.  And because the blockade keys are with the occupation, the Palestinian resistance will have to follow the Zionist Entity’s definition of handing over control of the Gaza Strip. And that means the disarmament of the Palestinian resistance and nothing else.

The solution to break the siege on the Palestinian resistance

It must be recognized first that finding a solution to the Gaza crisis is not a simple task, because the blockade is linked first and foremost to the occupation itself and is only one of its   symptoms. Nevertheless, what deserves attention is that the Occupation Entity has allowed a lot of financial aid to the PA in Ramallah and even to the Gaza Strip, whenever the status quo nears the point of collapse in the West Bank or Gaza. This indicates that the Zionist Entity fears an explosion in either of these arenas. For instance, Netanyahu retreated from his decision to announce the West Bank’s annexation fearing the break of a third intifada based on the estimates of his security advisers and nothing else. This casts doubt on the idea that the West Bank    is not ready for a popular movement and a third intifada. It is true that starting a popular movement is not without many obstacles, first of which   is the presence of the PA intelligence services, who are now directly coordinating with the Shin Bet. Nevertheless, is it really possible that the Palestinian factions are short of the means to motivate people and move onto the street if they put their mind to it?

In addition to what has been said, if we put the blockade imposed on the Palestinian resistance in its broader context as part of the economic war imposed on all resistance forces in the region, movements and states alike, the lifting of the siege on Gaza clearly becomes a common interest for all these actors. And this calls for the Palestinian factions to try to formulate a unified strategy with all the resistance forces in the region (i.e. the Axis of Resistance) to lift the blockade. It is, of course, obvious that this requires rounds and rounds of discussion, and that any strategy to break the siege with the support of the Axis of Resistance will be a medium-term strategy, but this remains the more productive option. Engaging in uncalculated adventures such as new elections will only lead to more time-wasting, even according to the most optimistic estimates.

Conclusion

The siege imposed on the Palestinian resistance in the Gaza Strip is a vital component in the overall strategy of the Zionist Entity, and any counter plan to break the siege that does not take in account this fact is bound to fail. Therefore, steps that can change the equations on the ground and the development of a comprehensive national Palestinian strategy are paramount for dismantling the siege. Today the Palestinians have a realistic opportunity to impose withdrawal of the occupation from the 1967 territories through a   third intifada. This would undoubtedly change all the existing equations on the ground. 

What is put forward in this article are only thoughts for deliberation. The formulation of a complete future Palestinian strategy needs the participation of many minds. But what this article has tried to avoid is sugar-coating the reality, simplifying the status quo, and providing solutions that appear attractive on the outside but bear the seeds of their own failure in the inside.

* Palestinian writer and Political researcher

إستراتيجية فلسطينية واقعية في مقابل انتخابات تحاكي الجنون

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*كاتب فلسطيني وباحث سياسي

عمرو علان

First published in Arabic in Al-Akhbar Fri 5 Feb 2021

الأخبار الجمعة 5 شباط 2021

«الجنون هو أن تكرّر الفعل نفسه أكثر من مرّة وتتوقّع نتائج مغايرة». يُنسب هذا الاقتباس خطأ إلى آينشتاين، لكن بغضّ النظر عمّن كان قائله الحقيقي، لعلّه أفضل ما يُوَصِّف حالة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المزمع إجراؤها قريباً. لقد وقع الانقسام الفلسطيني، أصلاً، على ضوء نتائج انتخابات عام 2006 التشريعية، وكنتيجة لتباين النظرة بشأن الاستراتيجيات بين حركتَي «حماس» و«فتح»، ومنذ ذلك الحين، لم يطرأ أيّ تغيير على الظروف الداخلية الفلسطينية من ناحية المواقف، ولا الرؤى تجاه المشروع الوطني الفلسطيني، ولا الموقفان الخارجيان الدولي والعربي قد تبدّلا بشيء. بل على العكس، زاد انحدار السلطة الفلسطينية وارتباطها بالاحتلال داخلياً، وزاد الموقفان الدولي والعربي نكراناً للحق الفلسطيني وصلفاً تجاه القوى الفلسطينية عموماً، فكيف إذن يمكن توقّع أن تكون نتائج الانتخابات الجديدة أفضل من سابقتها، وأن تؤدّي إلى مصالحة فلسطينية؟ فما الذي يبتغيه، إذن، كلّ طرف من هذه الانتخابات بعيداً عن الشعارات المعلنة وحملات العلاقات العامّة؟ وما هو الحل للخروج من حالتَي المراوحة والتيه الواضحتين في الوضع الفلسطيني؟

السلطة الفلسطينية

مع إعلان الإدارة الأميركية السابقة عن صفقة القرن، هذه الصفقة التي تمثل التوجه الحقيقي للإدارات الأميركية المتعاقبة، وما تلاها من إفصاح الكيان الصهيوني عن مسعاه لضمّ أراضي الضفّة الغربية، ناهيك بسَنّ قوانين يهودية الدولة التي تهدّد أصل وجود فلسطينيّي أراضي الـ48 في ديارهم، ظهر بصيص أمل ولو كان ضئيلاً عن احتمالية كون السلطة قد استفادت من تجربتها الكارثية، خلال الأعوام الثلاثين الماضية، عندما أعلن محمود عباس عدم الالتزام بمخرجات أوسلو ووقف التنسيق الأمني، وقيل حينها إنّه يمكن التوافق بين سائر القوى الفلسطينية على أرضية الحدّ الأدنى في مقاومة الاحتلال على أساس المقاومة الشعبية. وعلى وقْع ذلك، تمّ عقد اجتماع أمناء الفصائل في بيروت، لكن سرعان ما تبدّد الأمل في أي تبدّل ولو كان طفيفاً في أداء السلطة، فقد استمرت السلطة في التعاون الكامل مع قوات الاحتلال بهدف إحباط أيّ محاولة لمقاومة الاحتلال، وتابعت قمع أيّ حراك شعبي على الأرض مهما كان سلمياً، وحتى مجرّد التظاهرة الشعبية السلمية للتضامن مع الأسير المضرب عن الطعام آنذاك، ماهر الأخرس، تمّ قمعها دون هوادة. وتبع ذلك تصريح حسين الشيخ مستهزِئاً بعقول كلّ الشعب الفلسطيني بلا استثناء، عندما أعلن ما أسماه «انتصار الشعب الفلسطيني» وعودة التنسيق الأمني رسمياً (ويا دار ما دخلك شر).

لقد بات جلياً من طريقة تعاطي السلطة الفلسطينية مع الواقع الفلسطيني، أنّ وظيفتها صارت محصورة بأمرين لا ثالث لهما؛ الأول: تحصيل المخصّصات، والآخر: تمهيد الأرضية في الضفة الغربية – بعلم أو بدون علم – كي يُنجِز الاحتلال مشروعه بابتلاع ما بقي من أراضي الضفة عبر منعها لأيّ شكل من أشكال المقاومة أو الحراك من أجل التصدّي لخطوات الاحتلال التي يستمر بتنفيذها على أرض الواقع. وكلّ حديث عن مشروع وطني فلسطيني لدى السلطة ما هو إلا صرخات في البرّية، فحتى من كان يؤمن بطريق المفاوضات لتحصيل حقوقه لا يعمد إلى تجريد نفسه من كلّ ما لديه من أوراق ضغط أو تفاوض من تلقاء ذاته. وعلى هذا، صارت السلطة الفلسطينية تحاكي حكومة فيشي الفرنسية أو جيش لحد الجنوبي مع فارق أنّه كان لهذين الأخيرين مشروع، بغضّ النظر عن رأينا في مشروعيهما، بينما لا يوجد أي أفق مستقبلي أو مشروع للسلطة الفلسطينية، هذه ليست توصيفات يمكن إطلاقها بِخِفّة أو من باب الشعبوية، ولا هي دعوة إلى الاقتتال الداخلي الذي يجب اجتنابه بأيّ ثمن، ولا سيما في ظلّ وجود الاحتلال، لكن هذا توصيف لواقع حال يجب أن يؤخذ في الحسبان عند تقدير أيّ موقف.

وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة، نجد أنّ السلطة فعلياً باتت تمثّل مشروع الفلسطيني المهزوم. لذلك، نجد محمود عباس يقول إنّه سيفاوض ويستمر بالمفاوضات والاستجداء عساه يُحصِّل شيئاً من الحقوق الفلسطينية، ويُعلّل ذلك بكون الفلسطيني جرّب الطرق الأخرى ولم يحصل على مراده لأنّ الظروف الدولية والإقليمية والداخلية في غير مصلحته، بحسب فهمه غير الدقيق ولا الواقعي. لكن يغيب عن هذا التصوّر أنّه حتى خيار الاستسلام غير متاح للفلسطيني الموجود في الضفة وأراضي الـ48، فالكيان الصهيوني لم يَعُد يخفي مشروعه في هضم أراضي الضفة وترحيل سكانها عاجلاً أم آجلاً، وربما يكون مردّ التشويش في هذا التصوّر تجاهل أصل المشروع الصهيوني الذي هو مشروع إحلالي يقوم على اقتلاع السكان الأصليين للأرض وإحلال المستوطنين مكانهم، وقد ساعد في ظهور هذا التصوّر بروز بعض الأطروحات المشوِّهة لحقيقة الصراع من قبيل نظريات الفصل العنصري (الأبارتايد)، أو أنّ القضية الفلسطينية هي قضية كرامة أو مساواة. لكنّ المفارقة، هنا، أنّ خيار الاستسلام ربما يكون متاحاً لأهالي غزّة إذا ارتضوا العيش بذلّة تحت سيطرة الصهيوني، وليس لباقي سكّان المناطق الأخرى في أرض فلسطين. نكتفي بهذا القدر كي لا نستطرد عن أصل النقاش الحالي أكثر.

بناءً على هذا العرض، يمكن الخلوص إلى كون هدف محمود عباس والسلطة عموماً من إجراء الانتخابات هو تجديد شرعيتها، أو أخذ البيعة من حركة «حماس» وباقي الفصائل، بتأييد خطّها السياسي إن صحّ وصفه بالخط سياسي، ومن ثم لتعود إلى دوّامة ما يسمونه مفاوضات سلام وبلا أيّ أفق طبعاً، بينما تواصل تأدية دورها الوظيفي في تأمين الحماية لقوات الاحتلال والمستوطنين، ريثما يُجْهِز الكيان الصهيوني على باقي أراضي الضفة وعلى الوجود السكاني لأهالي الضفة وأراضي الـ48.

«حماس» وفصائل المقاومة

تمرّ «حماس» بأزمة خيارات واضحة وحقيقية، بسبب إخفاقها في فكّ الحصار عن قطاع غزة، هذا الحصار الذي تشارك فيه السلطة ذاتها وبعض الدول العربية المتواطئة، والذي بات يشكّل عبئاً على أهالي القطاع ويتسبّب في عجز الحكم في غزة عن تأمين الكثير من الحاجيات الأولية للغزّيين، ناهيكم بتعطيل حركة الدخول والخروج من وإلى القطاع، ما حوَّل قطاع غزة إلى سجن مفتوح بكل معنى الكلمة. ويمكن المحاجّة بأنّ منشأ الحصار كان بسبب تقدير «حماس» الاستراتيجي الخاطئ الذي خاضت بموجبه الانتخابات التشريعية في عام 2006، التي لم تؤمّن للحركة أي حصانة ولا هي حمت ظهرها كما كان مرجواً، لكن بعيداً عن كلّ هذا النقاش يبقى الاحتلال هو مصدر الحصار الأول والأخير، ومفتاح فكّه ليس مع أحد سواه، لا مع السلطة ولا مع تلك الدول العربية المتواطئة، وهذا أمر أساسي لا يصحّ تجاهله عند صياغة أي استراتيجية لفكّ الحصار.

بناءً على ما سلف، يمكن استنتاج أنّ «حماس» تأمل من دخول الانتخابات فكّ الحصار أو تخفيفه على أقلّ تقدير، وهذا بالتالي يطرح فرضيّتين: إما دخول «حماس» الانتخابات على أساس المغالبة، وإمّا خوضها على أساس المشاركة بصيغة قائمة مشتركة مع «فتح» أو بصيغة أخرى يُتّفَق عليها.

فإذا كانت الانتخابات مغالبة، واستطاعت «حماس» الفوز بالأكثرية، عندها نكون أمام تكرار سيناريو عام 2006 بحذافيره، طالما لا تغيير في المواقف الداخلية للأطراف ولا تبديل للمواقف الدولية كما ذكرنا. وأما إذا كانت الانتخابات بالمشاركة وارتضت «حماس» أن تكون أقلية، أو إذا ما فشلت في تحقيق الأغلبية بالمغالبة ففي الحالتين ستتحوّل إلى معارضة ضمن منظومة أوسلو، وعندها ستكون ملزمة باللعب وفق قواعدِه، وفي ظلّ وجود خطّين متوازيين على الساحة الفلسطينية لا يتقاطعان، أحدهما بات مرتبطاً بالاحتلال عضوياً وبالطبيعة لا يؤمِن بأيّ شكل من أشكال مجابهة الاحتلال حتى ولو كانت سلمية، والآخر يؤمِن بالمقاومة كسبيل لاستعادة الحقوق.

فستجد «حماس» وسائر فصائل المقاومة نفسها أمام ذات المعضلة الحالية، لكن هذه المرة ستكون قد منحت للطرف المقابل ذخيرة جديدة للاستقواء عليها، فهي ستكون مطالبة داخلياً ودولياً باحترام نتائج الانتخابات وتسليم قطاع غزة قبل أيّ تخفيف للحصار. وهنا لن ينفع التذاكي فالحصار مفتاحه مع الاحتلال والآخرون هم مجرد تفصيل كما جادلنا، وتسليم القطاع لدى الكيان الصهيوني يعني تسليم كلّ فصائل المقاومة لسلاحها الموجود فوق الأرض وتحت الأرض ولا شيء دون ذلك.

لكن يردُّ البعض بأنّ دخول الانتخابات يمكن أن يمنح «حماس» وسائر فصائل المقاومة وضعاً في الداخل الفلسطيني يماثل وضع حزب الله في لبنان، وهنا يمكن قول الآتي: من الصعب مقارنة وضع قطاع غزة وحال فصائله بالحالة اللبنانية، لا من ناحية وجود سوريا على الحدود اللبنانية التي لا تشارك في حصار لبنان، والتي فوق ذلك تشكّل خطّ إمداد لحزب الله منها وعبرها، ولا من ناحية قوة حزب الله الذي بلغ مرحلة من القدرة التسليحية يستطيع معها تبديل معادلات إقليمية. ومع هذا، يجب الانتباه إلى أنّ من يطْبِق الحصار على غزّة هو الكيان الصهيوني بشكل مباشر، بينما يعدّ الأميركي الوحيد الذي لديه قدرة على ممارسة أشكال من الحصار على لبنان. وكان الأميركي يتَّبِع في الفترات الماضية استراتيجية المساكنة في لبنان لحسابات معقّدة ومخاوف لديه لا مجال لذكرها هنا، بينما تخلّى اليوم عن فكرة المساكنة، وهذا ما يفسر الضغط الاقتصادي الذي يمرّ به لبنان بالأساس، بالإضافة إلى عوامل داخلية لبنانية أخرى مساعِدة. وخلاصة القول أنّ جميع قوى المقاومة في الإقليم تتعرّض، اليوم، لحصار مالي واقتصادي تتفاوت فعاليته وآثاره تبَعاً لظروف كلّ فصيل وجغرافياً موقع تواجده.

الخروج من حالة المراوحة

استعرضنا في ما سبق كيف أنّ دخول «حماس» الانتخابات لن يفضي إلى حلٍّ لحصار غزة، بل يرجّح أن يؤدّي إلى نتائج عكسية تعود بالضرر على المقاومة الفلسطينية. هذا ولم نفصل في المخاطر على المشروع الوطني الفلسطيني وثوابته وأهدافه لضيق المساحة. وقبل الخوض في الحلول، يجب الاعتراف بداية بأنّ إيجاد حلّ لأزمة غزة ليس بالأمر الهيّن كون الحصار مرتبطاً أولاً وأخيراً بالاحتلال ذاته وما هو إلّا أحد أعراضه، وهو ضريبة تدفعها قوى المقاومة إلى جانب ضرائب أخرى كثيرة يتحمّلها كلّ من يسعى إلى التحرير كما جادلنا. لكن يجب أيضاً الإشارة إلى أمر آخر جدير بالانتباه، وهو سماح كيان الاحتلال لقدر من المساعدات المالية بالوصول إلى سلطة رام الله، وحتى قطاع غزّة، كلّما أوشك الوضع على الانهيار، سواءً في الضفة أو قطاع غزة. وهذا يشير بوضوح إلى أنّ ما يخشاه العدو هو حصول انفجار في أيٍّ من هاتين الساحتين، ويبدو أنّ العدو بات مدركاً لمكامن ضعفه واختلال موازين القوى لغير مصلحته أكثر من إدراك بعض الفلسطينيين لهذه الوقائع، فنجد بنيامين نتنياهو يتراجع عن قراره الذي استثمر فيه كثيراً بإعلان ضمّ أراضي الضفة الغربية تحسّباً لانفجار الانتفاضة في أراضي الـ67، بناءً على تقديرات أجهزته الأمنية ولا شيء سوى ذلك، وهذا يدحض الفكرة القائلة بكون الضفة مترهّلة وغير حاضرة للتحرّك شعبياً. صحيح أنّ الحراك الشعبي دونه صعاب عديدة، أوّلها وجود جيش من مخبري أجهزة السلطة الذين باتوا يأتمرون بأمر الشاباك مباشرة، لكن هل يُعقل أن تعدم الفصائل الوسيلة في تحريك الشارع؟

وفي المقابل، فليس مردّ التذمّر الشعبي ضيق الحال المعيشي فقط، لكنّ حالتَي السكون والمراوحة اللتين يعيشهما الوضع الفلسطيني هما سببان لا يمكن تجاهلهما، حيث كون هذا الوضع يوحي بانسداد الأفق على الصعيد الوطني، وفي هذه الحالة تطفو المصاعب المعيشية على السطح لتأخذ موقع الصدارة على القضايا الوطنية الأخرى. وهذه ليست دعوة للهروب إلى الأمام كما ربما سيحاجج البعض، فأيّ حراك شعبي في الضفة هذه المرة ستكون حظوظه في فرض الانسحاب على كيان الاحتلال من أراضي الـ67 مرتفعة للغاية، بناءً على استقراء التوازنات الدولية والإقليمية وحالة التراجع التي يعيشها الكيان الصهيوني. ولا تغرّنكم حالة انهيار بعض الأعراب أمام هذا الكيان، فهؤلاء مصيرهم مرتبط بهذه المنظومة الاستعمارية وليس بمقدورهم تعديل موازين القوى بشكل حقيقي، ويصحّ فيهم القول الشعبي: «عصفور يسند زرزور».

بالإضافة إلى ما تَقدَّم، إذا ما وضعنا الحصار المفروض على قوى المقاومة الفلسطينية في إطاره الأوسع كجزء من الحرب المفروضة على كلّ قوى المقاومة في الإقليم أحزاباً ودولاً، كما نوّهنا في الفقرة السابقة، يصير فكّ الحصار عن غزة مصلحة مشتركة لكلّ هذه الأطراف مجتمعة، ويستدعي العمل من جهة الفصائل الإسلامية والوطنية الفلسطينية على محاولة صياغة استراتيجية موحّدة مع كلّ قوى المقاومة في الإقليم. ندرك كون هذا الأمر يلزمه جولات وجولات من التباحث، وكون أيّ استراتيجية لفكّ الحصار بالتوافق مع القوى الداعمة ستكون من طبيعة الاستراتيجيات المتوسّطة المدى، لكن هذا يظلّ أجدى من الدخول في مغامرات غير محسوبة العواقب كالانتخابات، التي لن تؤدي إلّا إلى المزيد من إضاعة الوقت بحسب أكثر التقديرات تفاؤلاً.

خاتمة

حصار قوى المقاومة في غزة ليس بالأمر الثانوي ضمن استراتيجية العدو، لهذا لا يُتوقع أن تفلح الخطوات الملتوية ولا الهروب من حقيقة الأمر في فكّه، ويلزم لذلك خطوات من شأنها تبديل المعادلات على الأرض، ومشروع وطني متكامل. واليوم، أمام الشعب الفلسطيني فرصة واقعية لفرض الانسحاب على الكيان الصهيوني من أراضي الـ67 عبر انتفاضة ثالثة، وهذا من شأنه بلا شك تبديل كل التوازنات القائمة، وما تمّ طرحه في هذا المقال هو عبارة عن أفكار للنقاش والتداول كون الأمر يحتاج إلى العديد من العقول للخروج باستراتيجية مجدية. يقول المثل الإنكليزي: «يُغَلِّف الموت بالسُّكَّر»، كناية عن عدم مواجهة الأمور على حقيقتها، وهذا ما حاول هذا المقال تفاديه بدلاً من تبسيط الوضع القائم وتقديم حلول ظاهرها سهل وباطنها فشل، وتبقى هذه هي ضريبة التحرير والمقاومة التي لا مناص من دفعها.

* كاتب فلسطيني وباحث سياسي

انتخابات فلسطينيّة تحاكي الجنون

انتخابات فلسطينيّة تحاكي الجنون
فلسطيني يستخدم المقلاع لرشق الحجارة خلال مواجهات بين المتظاهرين وقوات الاحتلال في الضفة الغربية ضدّ مصادرة الأراضي (أ ف ب )
عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter

رأي عمرو علان 

الجمعة 5 شباط 2021

«الجنون هو أن تكرّر الفعل نفسه أكثر من مرّة وتتوقّع نتائج مغايرة». يُنسب هذا الاقتباس خطأ إلى آينشتاين، لكن بغضّ النظر عمّن كان قائله الحقيقي، لعلّه أفضل ما يُوَصِّف حالة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المزمع إجراؤها قريباً. لقد وقع الانقسام الفلسطيني، أصلاً، على ضوء نتائج انتخابات عام 2006 التشريعية، وكنتيجة لتباين النظرة بشأن الاستراتيجيات بين حركتَي «حماس» و«فتح»، ومنذ ذلك الحين، لم يطرأ أيّ تغيير على الظروف الداخلية الفلسطينية من ناحية المواقف، ولا الرؤى تجاه المشروع الوطني الفلسطيني، ولا الموقفان الخارجيان الدولي والعربي قد تبدّلا بشيء. بل على العكس، زاد انحدار السلطة الفلسطينية وارتباطها بالاحتلال داخلياً، وزاد الموقفان الدولي والعربي نكراناً للحق الفلسطيني وصلفاً تجاه القوى الفلسطينية عموماً، فكيف إذن يمكن توقّع أن تكون نتائج الانتخابات الجديدة أفضل من سابقتها، وأن تؤدّي إلى مصالحة فلسطينية؟ فما الذي يبتغيه، إذن، كلّ طرف من هذه الانتخابات بعيداً عن الشعارات المعلنة وحملات العلاقات العامّة؟ وما هو الحل للخروج من حالتَي المراوحة والتيه الواضحتين في الوضع الفلسطيني؟


السلطة الفلسطينية

مع إعلان الإدارة الأميركية السابقة عن صفقة القرن، هذه الصفقة التي تمثل التوجه الحقيقي للإدارات الأميركية المتعاقبة، وما تلاها من إفصاح الكيان الصهيوني عن مسعاه لضمّ أراضي الضفّة الغربية، ناهيك بسَنّ قوانين يهودية الدولة التي تهدّد أصل وجود فلسطينيّي أراضي الـ48 في ديارهم، ظهر بصيص أمل ولو كان ضئيلاً عن احتمالية كون السلطة قد استفادت من تجربتها الكارثية، خلال الأعوام الثلاثين الماضية، عندما أعلن محمود عباس عدم الالتزام بمخرجات أوسلو ووقف التنسيق الأمني، وقيل حينها إنّه يمكن التوافق بين سائر القوى الفلسطينية على أرضية الحدّ الأدنى في مقاومة الاحتلال على أساس المقاومة الشعبية. وعلى وقْع ذلك، تمّ عقد اجتماع أمناء الفصائل في بيروت، لكن سرعان ما تبدّد الأمل في أي تبدّل ولو كان طفيفاً في أداء السلطة، فقد استمرت السلطة في التعاون الكامل مع قوات الاحتلال بهدف إحباط أيّ محاولة لمقاومة الاحتلال، وتابعت قمع أيّ حراك شعبي على الأرض مهما كان سلمياً، وحتى مجرّد التظاهرة الشعبية السلمية للتضامن مع الأسير المضرب عن الطعام آنذاك، ماهر الأخرس، تمّ قمعها دون هوادة. وتبع ذلك تصريح حسين الشيخ مستهزِئاً بعقول كلّ الشعب الفلسطيني بلا استثناء، عندما أعلن ما أسماه «انتصار الشعب الفلسطيني» وعودة التنسيق الأمني رسمياً (ويا دار ما دخلك شر).
لقد بات جلياً من طريقة تعاطي السلطة الفلسطينية مع الواقع الفلسطيني، أنّ وظيفتها صارت محصورة بأمرين لا ثالث لهما؛ الأول: تحصيل المخصّصات، والآخر: تمهيد الأرضية في الضفة الغربية – بعلم أو بدون علم – كي يُنجِز الاحتلال مشروعه بابتلاع ما بقي من أراضي الضفة عبر منعها لأيّ شكل من أشكال المقاومة أو الحراك من أجل التصدّي لخطوات الاحتلال التي يستمر بتنفيذها على أرض الواقع. وكلّ حديث عن مشروع وطني فلسطيني لدى السلطة ما هو إلا صرخات في البرّية، فحتى من كان يؤمن بطريق المفاوضات لتحصيل حقوقه لا يعمد إلى تجريد نفسه من كلّ ما لديه من أوراق ضغط أو تفاوض من تلقاء ذاته. وعلى هذا، صارت السلطة الفلسطينية تحاكي حكومة فيشي الفرنسية أو جيش لحد الجنوبي مع فارق أنّه كان لهذين الأخيرين مشروع، بغضّ النظر عن رأينا في مشروعيهما، بينما لا يوجد أي أفق مستقبلي أو مشروع للسلطة الفلسطينية، هذه ليست توصيفات يمكن إطلاقها بِخِفّة أو من باب الشعبوية، ولا هي دعوة إلى الاقتتال الداخلي الذي يجب اجتنابه بأيّ ثمن، ولا سيما في ظلّ وجود الاحتلال، لكن هذا توصيف لواقع حال يجب أن يؤخذ في الحسبان عند تقدير أيّ موقف.
وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة، نجد أنّ السلطة فعلياً باتت تمثّل مشروع الفلسطيني المهزوم. لذلك، نجد محمود عباس يقول إنّه سيفاوض ويستمر بالمفاوضات والاستجداء عساه يُحصِّل شيئاً من الحقوق الفلسطينية، ويُعلّل ذلك بكون الفلسطيني جرّب الطرق الأخرى ولم يحصل على مراده لأنّ الظروف الدولية والإقليمية والداخلية في غير مصلحته، بحسب فهمه غير الدقيق ولا الواقعي. لكن يغيب عن هذا التصوّر أنّه حتى خيار الاستسلام غير متاح للفلسطيني الموجود في الضفة وأراضي الـ48، فالكيان الصهيوني لم يَعُد يخفي مشروعه في هضم أراضي الضفة وترحيل سكانها عاجلاً أم آجلاً، وربما يكون مردّ التشويش في هذا التصوّر تجاهل أصل المشروع الصهيوني الذي هو مشروع إحلالي يقوم على اقتلاع السكان الأصليين للأرض وإحلال المستوطنين مكانهم، وقد ساعد في ظهور هذا التصوّر بروز بعض الأطروحات المشوِّهة لحقيقة الصراع من قبيل نظريات الفصل العنصري (الأبارتايد)، أو أنّ القضية الفلسطينية هي قضية كرامة أو مساواة. لكنّ المفارقة، هنا، أنّ خيار الاستسلام ربما يكون متاحاً لأهالي غزّة إذا ارتضوا العيش بذلّة تحت سيطرة الصهيوني، وليس لباقي سكّان المناطق الأخرى في أرض فلسطين. نكتفي بهذا القدر كي لا نستطرد عن أصل النقاش الحالي أكثر.

بناءً على هذا العرض، يمكن الخلوص إلى كون هدف محمود عباس والسلطة عموماً من إجراء الانتخابات هو تجديد شرعيتها، أو أخذ البيعة من حركة «حماس» وباقي الفصائل، بتأييد خطّها السياسي إن صحّ وصفه بالخط سياسي، ومن ثم لتعود إلى دوّامة ما يسمونه مفاوضات سلام وبلا أيّ أفق طبعاً، بينما تواصل تأدية دورها الوظيفي في تأمين الحماية لقوات الاحتلال والمستوطنين، ريثما يُجْهِز الكيان الصهيوني على باقي أراضي الضفة وعلى الوجود السكاني لأهالي الضفة وأراضي الـ48.

«حماس» وفصائل المقاومة

تمرّ «حماس» بأزمة خيارات واضحة وحقيقية، بسبب إخفاقها في فكّ الحصار عن قطاع غزة، هذا الحصار الذي تشارك فيه السلطة ذاتها وبعض الدول العربية المتواطئة، والذي بات يشكّل عبئاً على أهالي القطاع ويتسبّب في عجز الحكم في غزة عن تأمين الكثير من الحاجيات الأولية للغزّيين، ناهيكم بتعطيل حركة الدخول والخروج من وإلى القطاع، ما حوَّل قطاع غزة إلى سجن مفتوح بكل معنى الكلمة. ويمكن المحاجّة بأنّ منشأ الحصار كان بسبب تقدير «حماس» الاستراتيجي الخاطئ الذي خاضت بموجبه الانتخابات التشريعية في عام 2006، التي لم تؤمّن للحركة أي حصانة ولا هي حمت ظهرها كما كان مرجواً، لكن بعيداً عن كلّ هذا النقاش يبقى الاحتلال هو مصدر الحصار الأول والأخير، ومفتاح فكّه ليس مع أحد سواه، لا مع السلطة ولا مع تلك الدول العربية المتواطئة، وهذا أمر أساسي لا يصحّ تجاهله عند صياغة أي استراتيجية لفكّ الحصار.

بناءً على ما سلف، يمكن استنتاج أنّ «حماس» تأمل من دخول الانتخابات فكّ الحصار أو تخفيفه على أقلّ تقدير، وهذا بالتالي يطرح فرضيّتين: إما دخول «حماس» الانتخابات على أساس المغالبة، وإمّا خوضها على أساس المشاركة بصيغة قائمة مشتركة مع «فتح» أو بصيغة أخرى يُتّفَق عليها.

فإذا كانت الانتخابات مغالبة، واستطاعت «حماس» الفوز بالأكثرية، عندها نكون أمام تكرار سيناريو عام 2006 بحذافيره، طالما لا تغيير في المواقف الداخلية للأطراف ولا تبديل للمواقف الدولية كما ذكرنا. وأما إذا كانت الانتخابات بالمشاركة وارتضت «حماس» أن تكون أقلية، أو إذا ما فشلت في تحقيق الأغلبية بالمغالبة ففي الحالتين ستتحوّل إلى معارضة ضمن منظومة أوسلو، وعندها ستكون ملزمة باللعب وفق قواعدِه، وفي ظلّ وجود خطّين متوازيين على الساحة الفلسطينية لا يتقاطعان، أحدهما بات مرتبطاً بالاحتلال عضوياً وبالطبيعة لا يؤمِن بأيّ شكل من أشكال مجابهة الاحتلال حتى ولو كانت سلمية، والآخر يؤمِن بالمقاومة كسبيل لاستعادة الحقوق.

فستجد «حماس» وسائر فصائل المقاومة نفسها أمام ذات المعضلة الحالية، لكن هذه المرة ستكون قد منحت للطرف المقابل ذخيرة جديدة للاستقواء عليها، فهي ستكون مطالبة داخلياً ودولياً باحترام نتائج الانتخابات وتسليم قطاع غزة قبل أيّ تخفيف للحصار. وهنا لن ينفع التذاكي فالحصار مفتاحه مع الاحتلال والآخرون هم مجرد تفصيل كما جادلنا، وتسليم القطاع لدى الكيان الصهيوني يعني تسليم كلّ فصائل المقاومة لسلاحها الموجود فوق الأرض وتحت الأرض ولا شيء دون ذلك.

لكن يردُّ البعض بأنّ دخول الانتخابات يمكن أن يمنح «حماس» وسائر فصائل المقاومة وضعاً في الداخل الفلسطيني يماثل وضع حزب الله في لبنان، وهنا يمكن قول الآتي: من الصعب مقارنة وضع قطاع غزة وحال فصائله بالحالة اللبنانية، لا من ناحية وجود سوريا على الحدود اللبنانية التي لا تشارك في حصار لبنان، والتي فوق ذلك تشكّل خطّ إمداد لحزب الله منها وعبرها، ولا من ناحية قوة حزب الله الذي بلغ مرحلة من القدرة التسليحية يستطيع معها تبديل معادلات إقليمية. ومع هذا، يجب الانتباه إلى أنّ من يطْبِق الحصار على غزّة هو الكيان الصهيوني بشكل مباشر، بينما يعدّ الأميركي الوحيد الذي لديه قدرة على ممارسة أشكال من الحصار على لبنان. وكان الأميركي يتَّبِع في الفترات الماضية استراتيجية المساكنة في لبنان لحسابات معقّدة ومخاوف لديه لا مجال لذكرها هنا، بينما تخلّى اليوم عن فكرة المساكنة، وهذا ما يفسر الضغط الاقتصادي الذي يمرّ به لبنان بالأساس، بالإضافة إلى عوامل داخلية لبنانية أخرى مساعِدة. وخلاصة القول أنّ جميع قوى المقاومة في الإقليم تتعرّض، اليوم، لحصار مالي واقتصادي تتفاوت فعاليته وآثاره تبَعاً لظروف كلّ فصيل وجغرافياً موقع تواجده.

الخروج من حالة المراوحة

استعرضنا في ما سبق كيف أنّ دخول «حماس» الانتخابات لن يفضي إلى حلٍّ لحصار غزة، بل يرجّح أن يؤدّي إلى نتائج عكسية تعود بالضرر على المقاومة الفلسطينية. هذا ولم نفصل في المخاطر على المشروع الوطني الفلسطيني وثوابته وأهدافه لضيق المساحة. وقبل الخوض في الحلول، يجب الاعتراف بداية بأنّ إيجاد حلّ لأزمة غزة ليس بالأمر الهيّن كون الحصار مرتبطاً أولاً وأخيراً بالاحتلال ذاته وما هو إلّا أحد أعراضه، وهو ضريبة تدفعها قوى المقاومة إلى جانب ضرائب أخرى كثيرة يتحمّلها كلّ من يسعى إلى التحرير كما جادلنا. لكن يجب أيضاً الإشارة إلى أمر آخر جدير بالانتباه، وهو سماح كيان الاحتلال لقدر من المساعدات المالية بالوصول إلى سلطة رام الله، وحتى قطاع غزّة، كلّما أوشك الوضع على الانهيار، سواءً في الضفة أو قطاع غزة. وهذا يشير بوضوح إلى أنّ ما يخشاه العدو هو حصول انفجار في أيٍّ من هاتين الساحتين، ويبدو أنّ العدو بات مدركاً لمكامن ضعفه واختلال موازين القوى لغير مصلحته أكثر من إدراك بعض الفلسطينيين لهذه الوقائع، فنجد بنيامين نتنياهو يتراجع عن قراره الذي استثمر فيه كثيراً بإعلان ضمّ أراضي الضفة الغربية تحسّباً لانفجار الانتفاضة في أراضي الـ67، بناءً على تقديرات أجهزته الأمنية ولا شيء سوى ذلك، وهذا يدحض الفكرة القائلة بكون الضفة مترهّلة وغير حاضرة للتحرّك شعبياً. صحيح أنّ الحراك الشعبي دونه صعاب عديدة، أوّلها وجود جيش من مخبري أجهزة السلطة الذين باتوا يأتمرون بأمر الشاباك مباشرة، لكن هل يُعقل أن تعدم الفصائل الوسيلة في تحريك الشارع؟

وفي المقابل، فليس مردّ التذمّر الشعبي ضيق الحال المعيشي فقط، لكنّ حالتَي السكون والمراوحة اللتين يعيشهما الوضع الفلسطيني هما سببان لا يمكن تجاهلهما، حيث كون هذا الوضع يوحي بانسداد الأفق على الصعيد الوطني، وفي هذه الحالة تطفو المصاعب المعيشية على السطح لتأخذ موقع الصدارة على القضايا الوطنية الأخرى. وهذه ليست دعوة للهروب إلى الأمام كما ربما سيحاجج البعض، فأيّ حراك شعبي في الضفة هذه المرة ستكون حظوظه في فرض الانسحاب على كيان الاحتلال من أراضي الـ67 مرتفعة للغاية، بناءً على استقراء التوازنات الدولية والإقليمية وحالة التراجع التي يعيشها الكيان الصهيوني. ولا تغرّنكم حالة انهيار بعض الأعراب أمام هذا الكيان، فهؤلاء مصيرهم مرتبط بهذه المنظومة الاستعمارية وليس بمقدورهم تعديل موازين القوى بشكل حقيقي، ويصحّ فيهم القول الشعبي: «عصفور يسند زرزور».
بالإضافة إلى ما تَقدَّم، إذا ما وضعنا الحصار المفروض على قوى المقاومة الفلسطينية في إطاره الأوسع كجزء من الحرب المفروضة على كلّ قوى المقاومة في الإقليم أحزاباً ودولاً، كما نوّهنا في الفقرة السابقة، يصير فكّ الحصار عن غزة مصلحة مشتركة لكلّ هذه الأطراف مجتمعة، ويستدعي العمل من جهة الفصائل الإسلامية والوطنية الفلسطينية على محاولة صياغة استراتيجية موحّدة مع كلّ قوى المقاومة في الإقليم. ندرك كون هذا الأمر يلزمه جولات وجولات من التباحث، وكون أيّ استراتيجية لفكّ الحصار بالتوافق مع القوى الداعمة ستكون من طبيعة الاستراتيجيات المتوسّطة المدى، لكن هذا يظلّ أجدى من الدخول في مغامرات غير محسوبة العواقب كالانتخابات، التي لن تؤدي إلّا إلى المزيد من إضاعة الوقت بحسب أكثر التقديرات تفاؤلاً.

خاتمة

حصار قوى المقاومة في غزة ليس بالأمر الثانوي ضمن استراتيجية العدو، لهذا لا يُتوقع أن تفلح الخطوات الملتوية ولا الهروب من حقيقة الأمر في فكّه، ويلزم لذلك خطوات من شأنها تبديل المعادلات على الأرض، ومشروع وطني متكامل. واليوم، أمام الشعب الفلسطيني فرصة واقعية لفرض الانسحاب على الكيان الصهيوني من أراضي الـ67 عبر انتفاضة ثالثة، وهذا من شأنه بلا شك تبديل كل التوازنات القائمة، وما تمّ طرحه في هذا المقال هو عبارة عن أفكار للنقاش والتداول كون الأمر يحتاج إلى العديد من العقول للخروج باستراتيجية مجدية. يقول المثل الإنكليزي: «يُغَلِّف الموت بالسُّكَّر»، كناية عن عدم مواجهة الأمور على حقيقتها، وهذا ما حاول هذا المقال تفاديه بدلاً من تبسيط الوضع القائم وتقديم حلول ظاهرها سهل وباطنها فشل، وتبقى هذه هي ضريبة التحرير والمقاومة التي لا مناص من دفعها.

مقالات ذات صلة



⁨إصلاح “حماس”، عمرو علان يساجل أحمد يوسف

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*كاتب فلسطيني وباحث سياسي

إصلاح “حماس”، عمرو علان يساجل أحمد يوسف

عمرو علان

 عربي 21، الخميس 31 كانون الأول\ديسمبر 2020

نشر د. أحمد يوسف مؤخرا مقالا بعنوان “لأخي خالد مشعل، حماس وجدلية الإصلاح والتغيير”، وجاء المقال على صيغة نصيحة لحركة “حماس” ولرئيس مكتبها السياسي السابق السيد خالد مشعل بهدف تقويم المسار وسد الثغرات وتقوية الحركة حسب تصور د. أحمد. 

لكن جل ما عدَّه د. أحمد نصائح إصلاحية كانت في الحقيقة تساعد على زيادة اعوجاج المسار – إن كان مسار الحركة شابه اعوجاج – وتفتح الباب على مصراعيه للتنازلات في الثوابت عوضا عن سد الثغرات، وفيها مما يهدم قوة الحركة الحقيقية إذا ما استصاغتها قيادة الحركة.

ويبدو أن ما ورد في المقال المذكور يتجاوز كونه حالة فردية إلى كونه يمثل وجهة نظر شريحة معينة من أبناء حركة المقاومة الإسلامية “حماس”. 

ولا يدّعي كاتب هذه السطور أنه أحد أبناء هذه الحركة، لكن منطلقا من الحرص على كل فصائل المقاومة الفلسطينية، التي تعد حماس عمودها الفقري، والتي باتت تشكل يد الشعب الفلسطيني الطولى وسنده الصلب، هو ما اقتضى هذا الرد.

حماس” والمعترك السياسي

يقول د. أحمد إنه كان من أوائل من دعوا إلى دخول معترك السياسة والحُكْم، ويتحسر على تأخر حركة حماس في اتخاذ هذه الخطوة، لكنه في الوقت نفسه يختلف مع السيد خالد مشعل على كون خوض حماس لانتخابات 2006 ودخولها معترك السلطة والحُكْم قد حمى ظهر المقاومة كما كان مرجوا، وهو محق في هذا التقييم، فكيف إذن لا تؤخذ هذه التجربة ونتائجها بالحسبان عند الدعوة إلى الغوص أكثر في دهاليز السياسة والحُكْم؟ 

وهنا يجدر التذكير بكون أول من عد انتخابات 2006 غير شرعية كانت أمريكا ومن لف لفها من دعاة الديمقراطية، رغم شهادة الجميع بنزاهة تلك الانتخابات بما في ذلك حركة فتح ذاتها. أليس في هذا عبرة لمن يَعدّ أن تلك الدول التي يرجى مخاطبتها في السياسة كخصم سياسي لن تعترف بحركات المقاومة كندّ سياسي حتى تتخلى عن الثوابت؟ ناهيك عن تخليها عن المقاومة المسلحة كمنهج وطريق للتحرير؟

وفي الواقع – ومع تقديرنا لكلام السيد خالد مشعل – فإن دخول حركة حماس انتخابات 2006 كان خطأ في التقدير، فهو أولا: لم يؤمّن للمقاومة وحركة حماس عموما أي حصانة، وثانيا: كان بمعنى أو بآخر اعترافا ضمنيا بأوسلو رغم تصريحات حماس بعكس ذلك، ورغم عدم رغبة حماس بالاعتراف بمسار أوسلو، فالسياسة ممارسة، لا مجرد مواقف تفقد قيمتها إذا ما اقترنت بالفعل، وعلى المرء أن يعترف بأن رفض مخرجات أوسلو ومن ثم دخول انتخابات للمشاركة في سلطة هي أحد مخرجات أوسلو فيه من التناقض ما لا يمكن تجاهله.

ومن ثم يذكر د. أحمد فيما ذَكَر لدعم وجهة نظره خذلان بعض الحركات الإسلامية والعروبية التي كانت حماس تعول عليها بما نراه من انبطاح واتفاقيات تطبيع مخزية. 

حسنا، أليس أحد أهداف هذه الاتفاقيات بث الوهن في عَضُد حركات المقاومة والضغط عليها نفسيا؟ وإيهامها بأنه لم يعد لها سند ولا نصيرعلها ترضخ للمسارات السياسية طريقا عوضا عن طريق المقاومة والكفاح المسلح؟ 

نعم يألم الجميع لما نراه من هرولة للارتماء في أحضان العدو، لكن هذا لا يغير شيئا على الأرض وفي الميدان، فلقد طورت حماس في ظل السنوات العجاف التي مرت من قدراتها التسليحية أضعافا، وحفرت عشرات الكيلومترات من الأنفاق، وتحولت المقاومة إلى جيش يحسب له ألف حساب، ولكم في المناورات المشتركة الأخيرة “الركن الشديد” مثالا، وإن هذا الطريق هو الذي يحبط أهداف العدو من إسقاط بعض الأنظمة والحركات في براثن التطبيع، وأما الغرق أكثر في بحور السلطة فلن يكون مصيره أفضل مما وصلت إليه السلطة الوطنية الفلسطينية، التي لم تصمد على قرار وقف التنسيق الأمني الشكلي سوى أسابيع، حتى خرج علينا حسين الشيخ ليعلن انتصار الشعب الفلسطيني وعودة الحال لما كان عليه بعد استلامه ورقة من مجرد ضابط مخابرات صهيوني، وبالمناسبة كان شح الأموال وضيق الحال الاقتصادي من أهم دوافع السلطة لإعلان عودة التنسيق الأمني والخروج علينا بتصريح حسين الشيخ المخزي بكل المعايير، وهذه نفس الظروف التي أشار إليها د. أحمد في مطلع مقاله، ولعله بهذا يقرأ في كتاب الرئيس محمود عباس.

النظام الداخلي لحماس وحديث الهدنة

ويمضي د. أحمد في مقاله بعد ذلك لتعداد بعض النقاط التي يرى فيها خللا، ومن بينها على سبيل المثال: دعوته إلى تطوير النظام الداخلي لحركة حماس، ولعملية اختيار القيادات فيها، وهذا أمر مشروع ومحمود بالتأكيد، لكن مع مراعات منهج التطوير السليم، وإدراك كون حركة حماس حركة مقاومة وتحرير لا دولة، فصحيح أنه يجب بث الدماء الجديدة في صفوف القيادات والاستفادة من طاقات أبناء حركة حماس المخضرمين، لكن من الصحيح أيضا أن معيار اختيار القيادات الأساسي في حركات التحرير يبقى سِجِل تلك القيادات الجهادي والنضالي، وهذا نهج كل حركات المقاومة والتحرير عبر التاريخ، فلا تقاد حركات المقاومة (بالتكنوقراط) والاختصاصيين، ويُذكِّر هذا بما كانت تتداوله بعض قيادات فتح عن أبو عمار – رحمة الله عليه – بعد إنشاء السلطة، وبعد تصديقهم لأكذوبة أنه بات لنا دولة، فكانوا يتهامسون بأن أبا عمار ليس رجل المرحلة، حيث مقتضيات إدارة الدولة تختلف عن متطلبات إدارة حركة نضال وطني، والكل يعرف بقية القصة، وما آلت إليه حركة فتح بعد إقصاء كل من كان له تاريخ نضالي من صفوفها لصالح (التكنوقراط) على شاكلة سلام فياض وغيره.

ثم يقول د. أحمد إنه قد آن الأوان لعقد هدنة أو استراحة محارب، وليته وضح لنا مفهوم الهدنة التي يقترحها، ألم تعقد حماس عدة اتفاقيات تهدئة؟ لكن دائما كان العدو من يخرقها ولا ينفّذ ما التزم به، فالهدنة المقبولة من وجهة نظر العدو هي تلك التي تسلم المقاومة بمقتضاها سلاحها أو تتوقف عن الإعداد من زيادة السلاح كما ونوعا وحفر الأنفاق وغير ذلك، فهل هذا هو الثمن الذي يُقترَح على حركات المقاومة وحماس دفعه؟

المقاومة السلمية

 وفي نقطة أخرى متصلة يدعو د. أحمد إلى تبنّي منهج مقاوم يردع العدو ويكشف جرائمه، ملمحا إلى المقاومة السلمية، ويتعجب المرء من هكذا كلام وكأن المقاومة السلمية تردع عدوا أو تكبح مغتصبا، نعم المقاومة السلمية تعد أحد أشكال المقاومة لكن لا يجوز بحال تبنيها كمنهج وأساس للمقاومة، فالكفاح المسلح وحده من يردع العدو، ولو كانت مقاومة الشموع تردع محتلا لفلحت مقاومة من اتخذها نهجا من قبْل، فأي نصيحة هذه التي تؤدي إلى تسليم رقاب المقاومين للصهيوني كي يذبحهم على مذبح تجربة المجرب؟ وأما فضح جرائم الاحتلال، فليكن د. أحمد متأكدا بأن أولئك الذين يرغب بفضح العدو أمامهم هم ذاتهم شركاء حتى أخمص قدميهم في جرائم هذا العدو، ولا يلزمهم شرح ولا توضيح.

حزب سياسي للإسلاميين!


أما الطامة فكانت في قول د. أحمد “لقد آن الأوان لإنشاء حزب سياسي يتحدث باسم الإسلاميين في فلسطين، ويمثل رأس جسر لهم، بعيداً عن اتهامات التطرف والإرهاب”، عذرا لكن أيما تشويش في الأفكار هذا؟ هل يرضى د. أحمد وصول الحال بحماس بأن تشجب وتدين العمل المقاوم ليرضى عنها هؤلاء الذين يريد شرح جرائم الاحتلال لهم؟ ونربأ بالدكتور أحمد عن ذلك، وأيضا هل وصف حركة حماس وسائر حركات المقاومة بالإرهاب والتشدد لأنهم فعلا كذلك أم لكونهم متمسكين بحقهم وحق كل الشعب الفلسطيني في المقاومة والتحرير؟ 

وعليه ليس مفهوما ما المقصود من هذه النصيحة، وما هي طبيعة تلك الحركات الإسلامية “غير المتشددة”، ولعل مرد التشويش في الأفكار عند د. أحمد هو الإيمان بطريق السلطة والحُكْم، وإعلاء السياسة كأولوية على القوة والمقاومة اللتين تعدان مصدري صناعة السياسة ومرتكزاتها الأساسية، وبدونهما يصير العمل السياسي مجرد استجداء وحبر على ورق.

ويدعو د. أحمد إلى ضرورة إعطاء أولوية الإنفاق للمحتاجين، ولتوجيه دعم الدول العربية والإسلامية لوكالة الأونروا، مجددا القصد غير واضح تماما من هذه النصيحة ومن استخدام كلمة “أولوية” في هذا المقام،بالطبع يقع على عاتق حركة حماس مسؤولية اتجاه المحتاجين من شعبنا، كونها أحد الفصيلين الأكبرين في الساحة الفلسطينية، وكونها ارتضت تسلم السلطة في قطاع غزة، فإن كان القصد هو إيلاء هذه المسؤولية المزيد من الاهتمام عبر سد أبواب الهدر التي باتت وبصراحة كثيرة في نشاطات فروع حركة حماس في خارج فلسطين، عبر كثرة المؤتمرات الخطابية التي لا تقدم ولا تؤخر كثيرا، والتي تتسم في الكثير من الأحيان بالبذخ غير المقبول نهائيا، وصارت مصدر استرزاق للبعض وللزبائنية، وحيث صار جزء لا يستهان به من كوادر حركة حماس في الخارج عبء على كاهل الحركة بدلا من أن يكونوا رافدا لها.

فإذا كان المقصود هو سد هذا الباب وتحويل جزء من هذا الهدر لدعم المحتاجين من شعبنا فلا غبار على ذلك، وأما إن كان المقصود تحويل حركة حماس لجمعية خيرية، وتقزيم القضية الفلسطينية لتصبح قضية محتاجين ففي هذا انحراف كبير، فمسؤولية حركة حماس الأساسية مع باقي حركات المقاومة العمل على تحرير الأرض، والتحرير له أولوياته المعروفة، وهذا ما يحل مشكلة المحتاجين من أصلها التي ما هي إلا أحد أعراض الاحتلال وضياع الأرض، وإلا سيظل شعبنا محتاجا ومحروما إلى ما شاء الله، ومع الفوارق في الفداحة وقدر المعاناة، يظل حال الشعب الفلسطيني كحال غيره من شعوب المنطقة التي اتخذت من المقاومة والصمود طريقا، فها هي الجمهورية الإسلامية في إيران ترزح تحت حصار خانق منذ قرابة الأربعين عاما، ولبنان يتحمل من الحصار والضغوط الأمريكيين بسبب تمسك حزب الله بالثوابت الدينية والوطنية وحقوق لبنان في أرضه وثرواته من غاز وغيره، وتتعرض سوريا لحرب كونية ضروس منذ عشر سنوات بسبب مواقفها الوطنية والقومية الداعمة للمقاومات في لبنان وفلسطين على حد سواء، واليوم جاؤوها بقانون قيصر الظالم ليستكمل الحصار الاقتصادي على شعبها الصامد، فهذا هو حال شعبنا وهذه هي ضريبة التحرير، وإلا فلنرتضي أن تصير حركة حماس تنتظر الفتات من تحويلات مالية “إسرائيلية” كما السلطة الوطنية الفلسطينية العتيدة.

خاتمة


الحديث يطول فيما ورد في المقال من نقاط “ونصائح”، لكن ملخص القول إن د. أحمد دعا في غير موضع من مقاله إلى استخلاص العبر والدروس من تجارب الماضي، لكن الظاهر أن د. أحمد لم يستخلص العبر من المثال الشاخص أمامنا ممثلا في مسار منظمة التحرير وما وصلت إليه، ناهيكم عن مسارات المتخاذلين الآخرين من حركات ونظام عربي متهالك، فإذا كان هذا هو المنهج فلا لوم على الذين سقطوا سقوطا مدويا في عامنا هذا الذي يصح وصفه بعام الخيانات.

*كاتب فلسطيني وباحث سياسي

إصلاح “حماس”، عمرو علان يساجل أحمد يوسف

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*كاتب فلسطيني وباحث سياسي

عمرو علان

 عربي 21، الخميس 31 كانون الأول\ديسمبر 2020

نشر د. أحمد يوسف مؤخرا مقالا بعنوان “لأخي خالد مشعل، حماس وجدلية الإصلاح والتغيير”، وجاء المقال على صيغة نصيحة لحركة “حماس” ولرئيس مكتبها السياسي السابق السيد خالد مشعل بهدف تقويم المسار وسد الثغرات وتقوية الحركة حسب تصور د. أحمد. 

لكن جل ما عدَّه د. أحمد نصائح إصلاحية كانت في الحقيقة تساعد على زيادة اعوجاج المسار – إن كان مسار الحركة شابه اعوجاج – وتفتح الباب على مصراعيه للتنازلات في الثوابت عوضا عن سد الثغرات، وفيها مما يهدم قوة الحركة الحقيقية إذا ما استصاغتها قيادة الحركة.

ويبدو أن ما ورد في المقال المذكور يتجاوز كونه حالة فردية إلى كونه يمثل وجهة نظر شريحة معينة من أبناء حركة المقاومة الإسلامية “حماس”. 

ولا يدّعي كاتب هذه السطور أنه أحد أبناء هذه الحركة، لكن منطلقا من الحرص على كل فصائل المقاومة الفلسطينية، التي تعد حماس عمودها الفقري، والتي باتت تشكل يد الشعب الفلسطيني الطولى وسنده الصلب، هو ما اقتضى هذا الرد.

حماس” والمعترك السياسي

يقول د. أحمد إنه كان من أوائل من دعوا إلى دخول معترك السياسة والحُكْم، ويتحسر على تأخر حركة حماس في اتخاذ هذه الخطوة، لكنه في الوقت نفسه يختلف مع السيد خالد مشعل على كون خوض حماس لانتخابات 2006 ودخولها معترك السلطة والحُكْم قد حمى ظهر المقاومة كما كان مرجوا، وهو محق في هذا التقييم، فكيف إذن لا تؤخذ هذه التجربة ونتائجها بالحسبان عند الدعوة إلى الغوص أكثر في دهاليز السياسة والحُكْم؟ 

وهنا يجدر التذكير بكون أول من عد انتخابات 2006 غير شرعية كانت أمريكا ومن لف لفها من دعاة الديمقراطية، رغم شهادة الجميع بنزاهة تلك الانتخابات بما في ذلك حركة فتح ذاتها. أليس في هذا عبرة لمن يَعدّ أن تلك الدول التي يرجى مخاطبتها في السياسة كخصم سياسي لن تعترف بحركات المقاومة كندّ سياسي حتى تتخلى عن الثوابت؟ ناهيك عن تخليها عن المقاومة المسلحة كمنهج وطريق للتحرير؟

وفي الواقع – ومع تقديرنا لكلام السيد خالد مشعل – فإن دخول حركة حماس انتخابات 2006 كان خطأ في التقدير، فهو أولا: لم يؤمّن للمقاومة وحركة حماس عموما أي حصانة، وثانيا: كان بمعنى أو بآخر اعترافا ضمنيا بأوسلو رغم تصريحات حماس بعكس ذلك، ورغم عدم رغبة حماس بالاعتراف بمسار أوسلو، فالسياسة ممارسة، لا مجرد مواقف تفقد قيمتها إذا ما اقترنت بالفعل، وعلى المرء أن يعترف بأن رفض مخرجات أوسلو ومن ثم دخول انتخابات للمشاركة في سلطة هي أحد مخرجات أوسلو فيه من التناقض ما لا يمكن تجاهله.

ومن ثم يذكر د. أحمد فيما ذَكَر لدعم وجهة نظره خذلان بعض الحركات الإسلامية والعروبية التي كانت حماس تعول عليها بما نراه من انبطاح واتفاقيات تطبيع مخزية. 

حسنا، أليس أحد أهداف هذه الاتفاقيات بث الوهن في عَضُد حركات المقاومة والضغط عليها نفسيا؟ وإيهامها بأنه لم يعد لها سند ولا نصيرعلها ترضخ للمسارات السياسية طريقا عوضا عن طريق المقاومة والكفاح المسلح؟ 

نعم يألم الجميع لما نراه من هرولة للارتماء في أحضان العدو، لكن هذا لا يغير شيئا على الأرض وفي الميدان، فلقد طورت حماس في ظل السنوات العجاف التي مرت من قدراتها التسليحية أضعافا، وحفرت عشرات الكيلومترات من الأنفاق، وتحولت المقاومة إلى جيش يحسب له ألف حساب، ولكم في المناورات المشتركة الأخيرة “الركن الشديد” مثالا، وإن هذا الطريق هو الذي يحبط أهداف العدو من إسقاط بعض الأنظمة والحركات في براثن التطبيع، وأما الغرق أكثر في بحور السلطة فلن يكون مصيره أفضل مما وصلت إليه السلطة الوطنية الفلسطينية، التي لم تصمد على قرار وقف التنسيق الأمني الشكلي سوى أسابيع، حتى خرج علينا حسين الشيخ ليعلن انتصار الشعب الفلسطيني وعودة الحال لما كان عليه بعد استلامه ورقة من مجرد ضابط مخابرات صهيوني، وبالمناسبة كان شح الأموال وضيق الحال الاقتصادي من أهم دوافع السلطة لإعلان عودة التنسيق الأمني والخروج علينا بتصريح حسين الشيخ المخزي بكل المعايير، وهذه نفس الظروف التي أشار إليها د. أحمد في مطلع مقاله، ولعله بهذا يقرأ في كتاب الرئيس محمود عباس.

النظام الداخلي لحماس وحديث الهدنة

ويمضي د. أحمد في مقاله بعد ذلك لتعداد بعض النقاط التي يرى فيها خللا، ومن بينها على سبيل المثال: دعوته إلى تطوير النظام الداخلي لحركة حماس، ولعملية اختيار القيادات فيها، وهذا أمر مشروع ومحمود بالتأكيد، لكن مع مراعات منهج التطوير السليم، وإدراك كون حركة حماس حركة مقاومة وتحرير لا دولة، فصحيح أنه يجب بث الدماء الجديدة في صفوف القيادات والاستفادة من طاقات أبناء حركة حماس المخضرمين، لكن من الصحيح أيضا أن معيار اختيار القيادات الأساسي في حركات التحرير يبقى سِجِل تلك القيادات الجهادي والنضالي، وهذا نهج كل حركات المقاومة والتحرير عبر التاريخ، فلا تقاد حركات المقاومة (بالتكنوقراط) والاختصاصيين، ويُذكِّر هذا بما كانت تتداوله بعض قيادات فتح عن أبو عمار – رحمة الله عليه – بعد إنشاء السلطة، وبعد تصديقهم لأكذوبة أنه بات لنا دولة، فكانوا يتهامسون بأن أبا عمار ليس رجل المرحلة، حيث مقتضيات إدارة الدولة تختلف عن متطلبات إدارة حركة نضال وطني، والكل يعرف بقية القصة، وما آلت إليه حركة فتح بعد إقصاء كل من كان له تاريخ نضالي من صفوفها لصالح (التكنوقراط) على شاكلة سلام فياض وغيره.

ثم يقول د. أحمد إنه قد آن الأوان لعقد هدنة أو استراحة محارب، وليته وضح لنا مفهوم الهدنة التي يقترحها، ألم تعقد حماس عدة اتفاقيات تهدئة؟ لكن دائما كان العدو من يخرقها ولا ينفّذ ما التزم به، فالهدنة المقبولة من وجهة نظر العدو هي تلك التي تسلم المقاومة بمقتضاها سلاحها أو تتوقف عن الإعداد من زيادة السلاح كما ونوعا وحفر الأنفاق وغير ذلك، فهل هذا هو الثمن الذي يُقترَح على حركات المقاومة وحماس دفعه؟

المقاومة السلمية

 وفي نقطة أخرى متصلة يدعو د. أحمد إلى تبنّي منهج مقاوم يردع العدو ويكشف جرائمه، ملمحا إلى المقاومة السلمية، ويتعجب المرء من هكذا كلام وكأن المقاومة السلمية تردع عدوا أو تكبح مغتصبا، نعم المقاومة السلمية تعد أحد أشكال المقاومة لكن لا يجوز بحال تبنيها كمنهج وأساس للمقاومة، فالكفاح المسلح وحده من يردع العدو، ولو كانت مقاومة الشموع تردع محتلا لفلحت مقاومة من اتخذها نهجا من قبْل، فأي نصيحة هذه التي تؤدي إلى تسليم رقاب المقاومين للصهيوني كي يذبحهم على مذبح تجربة المجرب؟ وأما فضح جرائم الاحتلال، فليكن د. أحمد متأكدا بأن أولئك الذين يرغب بفضح العدو أمامهم هم ذاتهم شركاء حتى أخمص قدميهم في جرائم هذا العدو، ولا يلزمهم شرح ولا توضيح.

حزب سياسي للإسلاميين!

خاتمة


أما الطامة فكانت في قول د. أحمد “لقد آن الأوان لإنشاء حزب سياسي يتحدث باسم الإسلاميين في فلسطين، ويمثل رأس جسر لهم، بعيداً عن اتهامات التطرف والإرهاب”، عذرا لكن أيما تشويش في الأفكار هذا؟ هل يرضى د. أحمد وصول الحال بحماس بأن تشجب وتدين العمل المقاوم ليرضى عنها هؤلاء الذين يريد شرح جرائم الاحتلال لهم؟ ونربأ بالدكتور أحمد عن ذلك، وأيضا هل وصف حركة حماس وسائر حركات المقاومة بالإرهاب والتشدد لأنهم فعلا كذلك أم لكونهم متمسكين بحقهم وحق كل الشعب الفلسطيني في المقاومة والتحرير؟ 

وعليه ليس مفهوما ما المقصود من هذه النصيحة، وما هي طبيعة تلك الحركات الإسلامية “غير المتشددة”، ولعل مرد التشويش في الأفكار عند د. أحمد هو الإيمان بطريق السلطة والحُكْم، وإعلاء السياسة كأولوية على القوة والمقاومة اللتين تعدان مصدري صناعة السياسة ومرتكزاتها الأساسية، وبدونهما يصير العمل السياسي مجرد استجداء وحبر على ورق.

ويدعو د. أحمد إلى ضرورة إعطاء أولوية الإنفاق للمحتاجين، ولتوجيه دعم الدول العربية والإسلامية لوكالة الأونروا، مجددا القصد غير واضح تماما من هذه النصيحة ومن استخدام كلمة “أولوية” في هذا المقام،بالطبع يقع على عاتق حركة حماس مسؤولية اتجاه المحتاجين من شعبنا، كونها أحد الفصيلين الأكبرين في الساحة الفلسطينية، وكونها ارتضت تسلم السلطة في قطاع غزة، فإن كان القصد هو إيلاء هذه المسؤولية المزيد من الاهتمام عبر سد أبواب الهدر التي باتت وبصراحة كثيرة في نشاطات فروع حركة حماس في خارج فلسطين، عبر كثرة المؤتمرات الخطابية التي لا تقدم ولا تؤخر كثيرا، والتي تتسم في الكثير من الأحيان بالبذخ غير المقبول نهائيا، وصارت مصدر استرزاق للبعض وللزبائنية، وحيث صار جزء لا يستهان به من كوادر حركة حماس في الخارج عبء على كاهل الحركة بدلا من أن يكونوا رافدا لها.

فإذا كان المقصود هو سد هذا الباب وتحويل جزء من هذا الهدر لدعم المحتاجين من شعبنا فلا غبار على ذلك، وأما إن كان المقصود تحويل حركة حماس لجمعية خيرية، وتقزيم القضية الفلسطينية لتصبح قضية محتاجين ففي هذا انحراف كبير، فمسؤولية حركة حماس الأساسية مع باقي حركات المقاومة العمل على تحرير الأرض، والتحرير له أولوياته المعروفة، وهذا ما يحل مشكلة المحتاجين من أصلها التي ما هي إلا أحد أعراض الاحتلال وضياع الأرض، وإلا سيظل شعبنا محتاجا ومحروما إلى ما شاء الله، ومع الفوارق في الفداحة وقدر المعاناة، يظل حال الشعب الفلسطيني كحال غيره من شعوب المنطقة التي اتخذت من المقاومة والصمود طريقا، فها هي الجمهورية الإسلامية في إيران ترزح تحت حصار خانق منذ قرابة الأربعين عاما، ولبنان يتحمل من الحصار والضغوط الأمريكيين بسبب تمسك حزب الله بالثوابت الدينية والوطنية وحقوق لبنان في أرضه وثرواته من غاز وغيره، وتتعرض سوريا لحرب كونية ضروس منذ عشر سنوات بسبب مواقفها الوطنية والقومية الداعمة للمقاومات في لبنان وفلسطين على حد سواء، واليوم جاؤوها بقانون قيصر الظالم ليستكمل الحصار الاقتصادي على شعبها الصامد، فهذا هو حال شعبنا وهذه هي ضريبة التحرير، وإلا فلنرتضي أن تصير حركة حماس تنتظر الفتات من تحويلات مالية “إسرائيلية” كما السلطة الوطنية الفلسطينية العتيدة.


الحديث يطول فيما ورد في المقال من نقاط “ونصائح”، لكن ملخص القول إن د. أحمد دعا في غير موضع من مقاله إلى استخلاص العبر والدروس من تجارب الماضي، لكن الظاهر أن د. أحمد لم يستخلص العبر من المثال الشاخص أمامنا ممثلا في مسار منظمة التحرير وما وصلت إليه، ناهيكم عن مسارات المتخاذلين الآخرين من حركات ونظام عربي متهالك، فإذا كان هذا هو المنهج فلا لوم على الذين سقطوا سقوطا مدويا في عامنا هذا الذي يصح وصفه بعام الخيانات.

⁨انتخابات كلٌ يغني على ليلاه – New Elections or a Third Intifada?⁩

** Please scroll down for the English machine translation **

انتخابات كلٌ يغني على ليلاه

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*كاتب فلسطيني وباحث سياسي

عمرو علان

عربي 21، الجمعة 29 يناير\كانون الثاني 2021

تدخل القوى الفلسطينية معترك انتخابات المجلس التشريعي التي تم التوافق على إجرائها وكلٌ يغني على ليلاه، فمحمود عباس يسعى من وراء هذه الانتخابات إلى الحصول على إقرار بكونه الممثل الشرعي لكل الفصائل الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة، وعينه على طاولة مفاوضات جديدة تُعْقَد بمباركة إدارة جو بايدن الأمريكية، وعلى استئناف تلقي المخصصات من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، فهو لم يَعُدْ عنده أي شيء آخر ليقدمه للفلسطينيين، سوى ربما المزيد من تنسيقه الأمني “المقدس” مع قوات الاحتلال وبلا أدنى خجل، ولا يحتاج الإنسان إلى الكثير من العناء لتوقُّع مصير هذه المفاوضات، فيكفي النظر إلى تجربة الثلاثة عقود المنصرمة، وإذا كان هذا غير كافٍ فيمكن الاستئناس بما قاله جو بايدن مؤخرا عندما بشّرنا بأن التوافق بين أطراف النزاع يحتاج إلى المزيد من الوقت، وطبعا الكيان الصهيوني مستمر أثناء ذلك في تنفيذ مشروعه بقضم القليل المتبقي من أراضي الضفة عبر زيادة الاستيطان، وصولا إلى تهجير من تبقّى من سكان الضفة لأن الصهيوني يريد الأرض دون البشر الذين عليها، ويقدر أحد أصحاب الرأي بأنه لن يمضي الكثير من الوقت قبل أن يبدأ المستوطنون بحملات الإرهاب ضد سكان الضفة، حملات بدأت بوادرها بالظهور من خلال القتل الاعتباطي لبعض سكان أراضي 67، ولِما لا والسلطة الفلسطينية صارت وظيفتها الوحيدة حفظ أمن المستوطنين موفرةً بذلك للكيان الغاصب أرخص احتلال عرفه التاريخ، هذا ولم نتحدث عن الانتشار المريب للسلاح غير المنضبط بين أيادي بعض المشبوهين من أهالي 48، الذي أدى إلى حصول عدة جرائم في الشهور الماضية.

إن كل ما شهدناه من سياسة الحرد التي اتبعها محمود عباس فترة حكم دونالد ترامب، وصولا إلى اجتماع أمناء الفصائل الفلسطينية في بيروت لم يكن إلا مجرد مناورات تكتيكية، والمضحك المبكي أنه كان يُصرّح طيلة تلك الفترة عن تمسكه باستراتيجية المفاوضات العقيمة، لكن هناك على الساحة الفلسطينية من لا يريد أن  يسمع.

أما حركة حماس فهي تأمل من وراء هذه الانتخابات الخروج من المأزق الذي وضعت نفسها فيه بعد خوضها انتخابات عام 2006، لعلها تستطيع تخفيف وطأة الحصار الظالم على قطاع غزة، وهنا يُطرح السؤال الوجيه الذي يرِدْ على لسان الكثيرين: كيف لانتخابات جديدة أن تؤدي إلى انهاء الانقسام بينما كان منشأ الانقسام انتخابات 2006 بالأصل؟

واهمٌ من يظن أن حصار فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة سببه الانقسام، الحصار يا سادة سببه تمسك المقاومة الفلسطينية بالحقوق والثوابت الوطنية، وحملها عبء قضية فلسطين المقدسة، ومربط فرس الحصار عند كيان الاحتلال لا عند سواه، لذلك أي محاولات لفك الحصار أو تخفيفه لا تمر عبر الاشتباك مع العدو الذي يفرض الحصار لن تكون ذات جدوى، ولن تفضي إلا إلى المزيد من تعمق الأزمة وإضاعة الوقت والجهود.

تشهد الضفة هذه الفترة حالة غليان لا يمكن تجاهلها، والعمليات الفردية والبطولية المستمرة تدلل عل أن النار تحت الرماد، فلا يمر أسبوع دون حصول عملية أو اثنتين، فأيهما أجدى؟ تأطير هذه الطاقات وتفعيل الحراك الشعبي وصولا إلى الانتفاضة، أم تنفيس هذا الغضب الشعبي الكامن عبر دخول انتخابات غير مقتنع بجدواها غالبية الشعب الفلسطيني؟

شعبنا بعمومه مدرك لكون فكرة انتخابات تحت حراب الاحتلال الذي يتحكم بكل مفاصل الحياة في الضفة الغربية ما هي إلا مزحة سمجة، لكن أحد أخطر عواقب هذه المزحة السمجة إدخال الإحباط في نفوس الشباب الغاضب في الضفة وتثبيط هممه.

خروج المقاومة الفلسطينية من أزمتها وتخفيف الحصار الظالم المفروض عليها لن يكون عبر سلوك الطريق الأسهل غير المجدي بل من خلال الطريق الأنجع حتى ولو كان الأصعب، والانتفاضة الثالثة سيكون من شأنها قلب المعادلات وتغيير الوقائع، ناهيكم عن فرصتها الحقيقية في دحر الاحتلال عن أراضي 67 دون قيد أو شرط في ظل حالة التراجع التي يعيشها العدو الصهيوني، والتي باتت تتحدث عنها مراكز دراسات العدو ذاته، ولا يغرنكم حالة التذمر الشعبي من صلافة العيش وضيق الحال، فلتبدأ الخطوات الجدية اتجاه حراك شعبي منظم وانتفاضة جديدة وستجدون خلفكم مارد اسمه الشعب الفلسطيني، يعض على الجراح ويربط الحجَر على المَعِدة لكتم الجوع – متمثلا بالرسول الأعظم – في سبيل الهدف الوطني الأسمى. 

New Elections or a Third Intifada?

Amro Allan

عمرو علان - Amro 🇵🇸 (@amrobilal77) | Twitter
*Palestinian writer and Political researcher

Arabi 21, Friday January 29 2021

On the 15th of January Mahmoud Abbas called for new elections to be held in the next couple of months in the occupied territories. But let us ignore the fundamental contradiction of holding a poll in an occupied territory under the watch of the occupation forces for now, and try to look in the motives behind this step.

We believe that each of the Palestinian factions is planning to run in this elections with a different ulterior motive.

First, Mahmoud Abbas is seeking  recognition as the legitimate representative of all Palestinian factions in the West Bank and Gaza Strip. And all he has in mind is a new negotiating table held with the blessing of the new Joe Biden administration, and to resume receiving financial support from the United States of America and the Zionist Entity.  That is because he no longer has anything else to offer  to the Palestinians, except perhaps more security coordination with the occupation forces without any hint of shame. 

The outcome of this new negotiations is predictable, at least from the experience of the last three decades. And if this is not enough, we can draw on what Joe Biden has said recently when he warned that a consensus between the parties to the conflict needs more time. Of course, the Zionist Entity will continue to implement its project of annexing the little that remains from the West Bank lands by increasing settlement activities, with the aim to displace the remaining Palestinians in the West Bank. The Zionist Entity wants the land without the people on it. One expert envisages that it will not be long before the settlers start a campaigns of terror against the inhabitants of the West Bank; campaigns that began to appear through the arbitrary killing of some of the inhabitants of the territories occupied in 1967. And why not, when the Palestinian Authority sole function has become to maintain the security of the settlers. Thus, providing  the usurped entity the cheapest  occupation  in  history.

And we have not mentioned the suspicious appearance of uncontrolled weapons in the hands of some shady individuals in the territories occupied in 1948, which led to several homicides in the past few months alone.

All the steps that we witnessed from Mahmoud Abbas hinting to the withdrawal from the Oslo Accord during the days of Donald Trump was nothing but   a tactical maneuver. And the irony is that he was openly reaffirming all along his adherence to his futile strategy of negotiations.

Turning to Hamas, we find that it hopes that the new elections will break the deadlock in which they set themselves up after the last elections in 2006. Also, they hope to ease the unjust blockade on the Gaza Strip as they believe that a new elections will lead to unity between Hamas and Fatah. But here the valid question arises: how can new elections lead to an end to the division between Hamas and Fatah, when the elections of 2006 was what caused the current division in the first place?

In any case,, all who think that the siege of the Palestinian  resistance  factions in the Gaza Strip is because of the current division are deluded. The siege, gentlemen, is because of the Palestinian resistance’s adherence to the Palestinian’s national rights and principles, as well as carrying the burden of the holy cause of liberating Palestine.

The siege locks are in the hands of the Occupation Entity and not in Abbas’s hands nor any one else. Thus, any attempts to dismantle or ease the siege do not pass through the clash with the occupation which imposes the blockade will be sterile, and will only lead to further deepening of the crisis and wasting more time and efforts.

We have been witnessing a boiling situation over the passed year or two in the West Bank that cannot be ignored, and the continuous individual and heroic operations almost on a weekly bases clearly indicate that the fire is under the ashes. So which is more useful then, Framing  these energies and activating the popular movement to the intifada, or venting this underlying popular anger by running a new elections? 

The Palestinians in their majority are not convinced of the usefulness of this new elections. Our people in general are aware that the idea of elections under the bayonets of the occupation, which controls every detail of the life in the West Bank, is nothing but a joke. But one of the most serious consequences of this silly joke is to introduce dismay in the hearts of angry youth in the West Bank and discourage them.

The Palestinian resistance’s exit from its crisis, and the easing of the unjust siege imposed on it will not be through the easier and useless way, but through the most effective way, even if it is the more difficult one. And a third intifada will change the status-quo and the facts on the ground. Not to mention its real chance to force the occupation withdrawal from the 1967 territories without conditions.

Today the Zionist Entity is witnessing a real deterioration due to many reasons. Even ‘Israel’ thinktanks and strategic  centers acknowledge this deterioration , and it would be wise of the Palestinians to build on these new conditions. 

Finally, to the Palestinian resistance factions we say, do not be fooled by the discontent displayed by many Palestinians because of the present harsh economic situation in Palestine, let the serious steps towards an organised popular movement and a new intifada begin, and you will find behind you a giant called the Palestinian people, who will bear their wounds, and tie the stone on the stomach to bate the hunger as Prophet Muhammad, peace be on him, once did, for the sake of the supreme Palestinian national goal.

%d bloggers like this: