آمال إسرائيلية مفرطة: احتمالات «اتفاق السلام» مع لبنان تتعزّز

يحيى دبوق

السبت 10 تشرين الأول 2020

بدأت «إسرائيل»، منذ الآن، وقبل بدء المفاوضات البحرية مع لبنان، الترويج لـ«مؤامرة» حزب الله على التفاوض، إن لم يؤدّ هذا الأخير إلى النتائج التي تترقّبها وتعمل عليها. والمعادلة التي بدأ العدو يروّج لها هي أن «نجاح المفاوضات خطوة نحو التطبيع و«السلام» بين الجانبين، أما الفشل، فسببه حزب الله، حصراً.

الواضح أن شهية تل أبيب مفرطة تجاه المفاوضات، أقله لجهة النيات والمساعي، سواء منها ما يتعلق بالمفاوضات نفسها ومجرياتها ونتائجها، المرتبطة بالفائدة الاقتصادية عبر تسوية تؤمّن لها الاستحواذ على جزء من حقوق لبنان في غازه ونفطه، أم ما يتعلق بإمكانيات نظرية يمكن البناء عليها لتحقيق مروحة واسعة من المصالح، التي لا تقتصر على التفاوض الحدودي. تبدو «إسرائيل» أنها تتعامل مع المفاوضات بوصفها أيضاً وسيلة قتالية تستخدمها في الحرب التي تخوضها ضد المقاومة للإضرار بها.

واحدٌ من التعبيرات العبرية الصادرة أمس وذات دلالة، ما ورد في صحيفة «يديعوت أحرونوت؛ في سياق مقابلة رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، درور شالوم، الذي أكد أن احتمالات التوصل إلى «اتفاق سلام» مع لبنان، زادت عمّا كانت عليه بعد الاتفاق على المفاوضات بين الجانبين حول المياه الاقتصادية، «لكن يمكن حزب الله أن يحبط هذا الاحتمال إذا اتخذ قرارات خاطئة من شأنها نسفُه».

هذا «التحذير» الصادر عن شخصية استخبارية تُعد «المُقَدِّر القومي» في «إسرائيل»، يُعبّر عن إرادة تحصيل فائدة في اتجاهين اثنين: الأول، التطلع إلى المفاوضات نفسها على أنها مقدمة لمستوى متقدم من التطبيع اللبناني مع «إسرائيل»، بل وأيضاً التطلع إلى معاهدة واتفاق سلام بين الجانبين. والثاني، استغلال المفاوضات وتسخير أصل وجودها وما تقول تل أبيب إنه حاجة اللبنانيين اقتصادياً إليها، بهدف تقليص حدّة «وجع الرأس» الإسرائيلي الحالي على الحدود، وترقُّب تل أبيب ردّ حزب الله الموعود على استهداف المقاوم علي محسن في سوريا قبل أسابيع، ما يبقيها مشغولة استخبارياً وإجرائياً في «تموضع» دفاعي – انكفائي لم تعتَدْ عليه.

في المنحى الأول، برزت في اليومين الماضيين جملة تعليقات إسرائيلية أكدت نية تسخير التفاوض، سواء أكانت نتيجته الفشل أم النجاح، في المعركة الإسرائيلية المستمرة وبكل الأساليب ضد حزب الله، ومن بينها ما تسميه «المعركة على الوعي»، والمقصود هنا الجمهور اللبناني العريض.

تكرار عبارة «المفاوضات المباشرة»، ورفع مستوى الوفد الإسرائيلي المفاوض، بما يشمل مشاركة رئيس القسم الاستراتيجي في شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى رئيس التخطيط السياسي الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي (مستشار رئيس حكومة العدو لشؤون السياسة الخارجية)، وكذلك شخصية اقتصادية تدير الشأن التقني في المفاوضات، بل وأيضاً الحديث عن إمكان مشاركة وزير الطاقة يوفال شتاينتس لاحقاً في جولات مقبلة من المفاوضات، كل ذلك إشارة واضحة إلى إرادة تظهير التفاوض، وربما إرادة توجيهه، إلى ما يتجاوز الخلاف التقني على الحدود البحرية، الذي يُعد بطبيعته امتداداً لتحديد خط الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 برعاية من الأمم المتحدة، والمعروف بالخط الأزرق.

برز في التعليقات أمس، تقرير صحيفة «زمان إسرائيل»، التي شدّدت على أن «التوصل إلى حل ما للخلاف عبر المفاوضات المنوي مباشرتها الأسبوع المقبل، يؤدي إلى إتاحة الفرصة أمام الجانب اللبناني لبدء التنقيب في منطقة يُرجح أن تحوي كميات كبيرة من الغاز الطبيعي». وهذا هو المقصود والهدف في السياق الإسرائيلي: «حقول الغاز في لبنان فيها بُعدٌ كابِح. إيجاد الغاز سيُنتج تعلّقاً اقتصادياً لبنانياً بهذا المورد، ما سيجعله ثروة استراتيجية يمكن لإسرائيل ضربها. من هنا سينشأ ميزان ردعي (متعادل)، وعندها لن تكون منصات التنقيب ومنشآت التسييل الإسرائيلية وحدها هدفاً استراتيجياً، بل أيضاً المنشآت في لبنان».

تل أبيب: حزب الله هو السبب… إنْ فشلت المفاوضات مع لبنان


التقرير وإن كان يُظهر أن «إسرائيل» ستجني فائدة أمنية عبر تلقّف منشآت الغاز اللبنانية المقبلة في عرض المتوسط بوصفها عامل ردع لحزب الله، فإنه يقرّ في الموازاة أن ردع حزب الله نفسه ضد «إسرائيل» موجود ومحقَّق وتَلزمها موازنته، ما يعني أن تل ابيب تسعى إلى تعزيز تبادلية الردع، وهو ما لا يتعارض بالمطلق مع الموقف الدفاعي لحزب الله.

في التقرير نفسه، يظهر أن «إسرائيل» تبدأ مفاوضاتها مع لبنان متسلّحة بمطبّعيها الجدد في الخليج: المفاوضات بين «إسرائيل» ولبنان، المفترض أن تبدأ قريباً برعاية أميركية، لها أهمية إقليمية كبيرة تتجاوز «التفاوض المباشر» بين الطرفين. العدو يأتي إلى المفاوضات ليس بوصفه «دولة معزولة»، بل كحليف لمصر والإمارات والبحرين والسعودية. ويَرد أيضاً في التقرير، بهدف التحريض المبكر على حزب الله، أن «اللبنانيين يفهمون جيداً خريطة المصالح الجديدة في الشرق الأوسط، وسيكون عليهم قطع شوط طويل، من المشكوك فيه أن يمرّ بهدوء من دون تدخل مانع من جانب حزب الله».

مع ذلك، برزت أمس دعوة صحيفة «جيروزاليم بوست» إلى الامتناع عن تصدير التفاؤل المفرط للجمهور الإسرائيلي، إذ شدّدت على أن «المحادثات هي خطوة في الاتجاه الصحيح وذات تداعيات مهمة، لكنها بعيدة كلّ البعد عن تطبيع العلاقات».

في المحصلة، تدير إسرائيل، كما يبدو من عينات المقاربة العبرية المعلنة لموضوع مفاوضات الترسيم، حرباً في أكثر من اتجاه لتحصيل فوائد متعددة. الجامع المشترك بين معارك هذه الحرب هو حزب الله، الذي دفع إسرائيل في الأساس للامتناع عن استخدام القوة العسكرية لفرض إراداتها والسيطرة على ما تدّعيه حقاً مائياً لها. وكذلك هو الذي دفعها لقبول منطق التفاوض المُفضي ربما إلى تسويات، فيما تأمل من الحل، إن جرى التوصل إليه وبات للبنان منشآت غازية، إلى تقليص ردع حزب الله عبر تهديده منشآتها الغازية. أما فشل المفاوضات، إن حصل، فستلقي اللوم فيه على الحزب نفسه، حيث جزء من الداخل اللبناني ينتظر إلى جانب تل أبيب، للتصويب على المقاومة كونها مسبّبة فشل المفاوضات، تماماً كما صوّب عليها، لأنها «سمحت» للمفاوضات نفسها أن تبدأ.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلفة

Demarcation between Legality and Legitimacy: A Discussion نقاش الترسيم بين الشرعيّة والمشروعيّة

Demarcation between Legality and Legitimacy: A Discussion

by Nasser Kandil

This image has an empty alt attribute; its file name is Untitled-189.png

Several issues were raised following the announcement of the agreement about the framework for Lebanon’s maritime border demarcation and are worthy of discussion irrespective of the identities, agendas, or concerns of those raising them. Many raising those issues belong to a camp known for its enmity towards

Al Mukawama, and under the pretense of holding on to what they accuse

Al Mukawama of squandering, they aim to cast doubt on the agreement’s legality and legitimacy as well as that of Al Mukawama and her mission. They raise apprehensions about embedded risks including the acknowledgment of the Occupation’s legitimacy and normalization, isolation of Al Mukawama from the Palestinian Cause, and a discussion about Al Mukawama’s legality and legitimacy as a precursor for the disposal of her arms. Those belonging to that camp who bring up these concerns raise dust for the sole purpose of distortion. Others who have raised identical issues, and who cannot be classified as belonging to that camp, possibly raise them from standpoints of enquiry, safeguarding, or apprehension.

The first set of points raised pertain to the text read by the Speaker of Parliament, Nabih Berri, in announcing the agreement, and his use of terms such as “Israel’s Government” and other similar terms inconsistent with Al Mukawama’s culture and her unrecognition of the Occupation, and her rejection of anything which grants or suggests of granting legitimacy to the occupation of Palestine. What should be clarified is that the statement was not a personal expression by Speaker Berri, but rather a statement drafted in agreement between the relevant parties, namely Lebanon, the Occupation, the American Administration, and the United Nations. An only similar precedent to this agreement is the Ceasefire Understanding of April 1996 which gave birth to a Committee of Five composed of the United Nations and representatives from Washington, Paris, Lebanon, and the Occupation. In that agreement, indirect negations took place between Lebanon and the Occupation with their delegates in separate rooms meeting with representatives from the other three committee constituents. This April 1996 Understanding is the prototype for the current agreement in which all the precedent procedures will be followed by the military teams negotiating border demarcation, and is what Speaker Berri, in his allusion to the April 1996 Understanding, implied.

Any reviewer of the April 1996 Understanding will read:

“The United States understands, that after discussions with the governments of Israel and Lebanon and in consultation with Syria, that Lebanon and “Israel” will ensure the following:

  • Armed groups in Lebanon will not carry out attacks by Katyusha rocket or by any kind of weapon into Israel.
  • Israel and those cooperating with it will not fire any kind of weapon at civilian or civilian targets in Lebanon.
  • Beyond this, the two parties commit to ensuring that under no circumstances will civilians be the target of attack and that civilian populated areas and industrial and electrical installations will not be used as launching grounds for attacks.
  • Without violating this understanding, nothing herein shall preclude any party from exercising the right of self-defense.
  • A Monitoring Group is established consisting of the United States, France, Syria, Lebanon, and Israel. Its task will be to monitor the application of the understanding stated above. Complaints will be submitted to the Monitoring Group.”

Critics’ opinions aside, the April 1996 Understanding came about under very different circumstances from current ones in terms of the big differential in

Al Mukawama’s military and political strength and in the strength of the Axis which supports her compared to 1996. Despite such differential, the 1996 Understanding did not lead to normalization, acknowledgement, or a threat to her arms. Rather, it gave legitimacy to Al Mukawama and protection for civilians, and  facilitated the tasks for Al Mukawama fighters by providing them with better opportunities to target the Occupation’s soldiers and agents leading up to the Liberation of 2000.

Those critics of the terminology in the 1996 Understanding, which was being repeated in Berri’s reading from the text of the multi-party agreement reached, should admit that the real source of their anxiety is not in the terms used but in their awareness that Al Mukawama has changed. Anyone worried that

Al Mukawama, with the exponential growth in her strength and influence, has become ready for normalization and to recognize the enemy and its usurping entity, and who believe that the border demarcation agreement is but an expression of such a transformation, are called on to openly express such apprehensions rather than crouching behind terminology abundant in understandings between enemies in particular stages of confrontation.

The second set of raised points pertains to a grossly false hypothesis that border demarcation implies an acceptance of the border of the enemy and thereby a recognition of the Occupation. Al Mukawama acknowledges Lebanon’s border with Palestine, and considers the enemy’s entity an illegal occupation of Palestinian land. Lebanon’s international borders have given Al Mukawama international legitimacy during the stages of liberation. All this stems from

Al Mukawama, similar to any other resistance movement, distinguishing between resistance as a national undertaking seeking national legitimacy and international legitimization to reinforce its legality, and her commitment to her stance towards the Palestinian Cause without its imposition on any other of the Lebanese entities.

Al Mukawama has held fast to her belief and commitment to struggle and to the belief in Palestine from the Sea to the River, irrespective of changes in conditions and forms this struggle takes, in a popular and political climate, which at its best, had as ceiling, the concept of peace based on international decisions and the Arab Peace Initiative. The transformation of her belief into a national Lebanese project is beyond Al Mukawama’s ability, and depends on Arab and International conditions, which are absent. Al Mukawama’s position here is clear, in that she is not bounded by any national and Lebanese State ceiling to abandon Palestine – all of Palestine, and her ideological ceiling is her exclusive commitment, and imposes no commitment from any other Lebanese entity, and is not part of any undertaking by the Lebanese State.

The focus here is on the Lebanese State in the demarcation of borders and not on Al Mukawama.  Al Mukawama’s commitment in this context is the deterrence of any aggression on Lebanon’s resources, and to be vigilant about all that is related to defining this wealth in order to prevent any squandering by those who might make that choice to avoid confrontation.  And just like Mazarii’ Shibaa’, one of the headlines for Al Mukawama, is protected by the legality and legitimacy accorded to it by the demarcation of borders based on maps of 1923, there is a maritime Mazarii’ Shibaa’ needing demarcation devoid of any hint of recognition, normalization, and legitimization of the Occupation. This is what the framework agreement contains, regardless of negotiation outcomes.

The third set of raised points relates to the fate of Al Mukawama’s arms, and the opportunities embeded in this agreement for putting it on the table, which invites a discussion about hypotheticals. Reaching an agreement satisfactory to Lebanon in which she gains her rights will be an accomplishment attributed to

Al Mukawama and her strength. Assuming a failure of the negotiations,

Al Mukawama having popular and official legitimacy will maintain the right to protect Lebanon’s maritime wealth from Israeli designs. Attention should be drawn here to the fact that an accomplishment regarding national rights which have been collectively defined and agreed upon can be achieved unilaterally, whereas the relinquishment of a single pence from those rights requires a consensus. This is a rule bigger than Lebanon, giving no one the ability to surrender rights or to dare to.

Furthermore the legitimacy of Al Mukawama’s arms was never tied to Mazarii’ Shibaa’ or to maritime wealth, but was rather part of the requirements of the defense of Lebanon which exceeded the capabilities of her army. This brings us to the importance for Al Mukawama to place her larger project of the liberation of Palestine within a framework which always preserves her national Lebanese legitimacy. Any loss in national legitimacy exposes her to both political and moral losses which will manifest in disintegration in the front which sees her as a national Lebanese option to protect rights and defend the nation, and gives her popular and political protection.

Those who say that what is new is Al Mukawama’s acceptance of the framework agreement stand far from the facts related to the course negotiations take and their content. What is new, in fact, is the American and “Israeli” acceptance of Al Mukawama’s conditions after having exhausted exerted  pressures and themselves became subject to political, economic, and media counter-pressures. In juxtaposition, Al Mukawama, amidst targeting campaigns, gained an opportunity to prove her role in the achievement of national gains for the Lebanese, and to reveal her importance as an element of strength in the protection of Lebanon and her resources.

Those who hold on to their view that the border demarcation constitutes a demarcation of the enemy’s borders ignore that the Occupation refuses a demarcation of its borders, and considers as its border anywhere the feet of its soldiers land on. As for those who assume that the Occupation plans to set a trap through a land and sea withdrawal from areas of Lebanese sovereignty, they should remember the reality of the struggle over geography, in that whoever possesses the land possesses victory in future confrontations.  Wasn’t UN Security Council Resolution 1701 an attempt to erect a legal and security barrier to protect the Occupation, and wasn’t Al Mukawama accused of protecting and guarding the Occupation’s border, and selling Palestine along with the principle of resistance?

At the time, a great deal of what was read into the resolution and its context by Al Mukawama’s enemies, antagonists, and friends was that it weakened her and gave the enemy, backed by its International and Arab allies, the opportunity to continue exerting pressure to besiege and weaken her further. Yet, was not the result of that experiment an American and Israeli admission that under the shadow of 1701, Al Mukawama became stronger and more empowered, and more strongly proclaiming her identification with Palestine, and her commitment to the Palestinian cause?  Science, logic, and jurisprudence maintain that occurrence is the proof of possibility. This calls on doubters and those who are apprehensive for self-examination with depth matching the magnitude of that experiment.

The reality told by the history of the struggle with the Occupation on all fronts, and for the span of the past decades, and with the changes in place and time, is that any undertaking in the nature of a radical confrontation within a principled view of uprooting the Occupation is governed by a delicate balance between nationalistic identification and national positon. The endeavor aimed at uprooting the Occupation by any nation and its people on each of the fronts of confrontation, gains credibility to the extent that it becomes a national endeavor and succeeds in maintaining this critical balance. Any disequilibrium will result in the risk of loss of both national positon and nationalistic identification.

Egypt in the time of President Jamal Abdel Nasser and Syria in the time of both Hafez Al-Assad and Bashar Al-Assad succeeded in holding on to their commitment towards the Palestinian cause and to their national positon in the open confrontation with Palestine’s Occupier, through their success in approaching the confrontation under the ceiling of their Egyptian and Syrian nationalities.

In our case, Al Mukawama will not be able to succeed in proving her credibility towards Palestine unless she succeeds in having the Lebanese see such credibility as a Lebanese national project. The measure of creativity and success lies in the ability to hold fast to both. Those raising doubts and concerns should remember the reason Al Mukawama always tied its participation in the defense of Syria to Lebanese national reasons related to the protection of Lebanon from terrorism, even though it is well known that more fundamentally, her reasons for participation had wider considerations connected to her perspective on all the elements of the conflict and their strategic balance.

نقاش الترسيم بين الشرعيّة والمشروعيّة

ناصر قنديل

طُرحت على طاولة النقاش التي أعقبت الإعلان عن اتفاق الإطار الخاص بترسيم الحدود البحرية للبنان مجموعة من القضايا والنقاط التي تستحق النقاش بمعزل عن أهداف أصحابها، الذين ينتمي كثيرون منهم إلى معسكر معروف بعدائه للمقاومة ويريد من خلال التشكيك بشرعية ومشروعية الفعل، التشكيك بشرعية ومشروعية المقاومة ومشروعها، وليس التمسك بما يتهم المقاومة بالتفريط به، كالحديث عن خطر تضمين التفاوض ما يندرج في إطار الاعتراف بشرعية كيان الاحتلال أو التطبيع معه، أو عزل المقاومة عن القضية الفلسطينية، أو التورط بسياق ينتهي بمنح كيان الاحتلال والمتربصين بالمقاومة باستحضار قضية سلاحه من باب طرح شرعيته ومشروعيته على بساط البحث. وهؤلاء المنتمون لفئة المتنمرين يتمنون أن يحدث كل ذلك ويفجعهم ألا يحدث، فيطرحون ما يطرحون من باب إثارة الغبار المتعمّد للتشويش ليس إلا، إلا أن فئة من الذين لا يمكن تصنيفهم تحت هذا العنوان تثير العناوين ذاتها، من باب التساؤل وربما الحرص وربما القلق، ما يستحق نقاشاً، جدياً للأفكار كأفكار بمعزل عن هوية أصحابها ومرادهم.

أول التساؤلات جاء حول نص البيان الذي تلاه رئيس مجلس النواب نبيه بري كإعلان عن التوصل للاتفاق، وما تضمّنه من عبارات «حكومة إسرائيل» وسواها من عبارات لا تتسق مع ثقافة المقاومة ورفض الاعتراف بكيان الاحتلال، ورفض كل ما يكرّس أو يوحي بتكريس شرعية اغتصابه لفلسطين المحتلة. وهنا لا بد من التوضيح ان النص ليس بياناً خاصاً بالرئيس بري، بل هو بيان تمّت صياغته بموافقة الأطراف المعنية، لبنان وكيان الاحتلال والإدارة الأميركية والأمم المتحدة، ولا يشبهه كسابقة إلا تفاهم نيسان عام 1996، الذي انبثقت عنه لجنة خماسية تضمّ الأمم المتحدة وكل مِن ممثلي واشنطن وباريس ولبنان وكيان الاحتلال، بحيث يجلس وفدا لبنان والكيان كل في غرفة مع مندوبي الأطراف الثلاثة وتدور المفاوضات غير المباشرة بينهما على هذا الأساس، وستكون اللجنة وصيغة التفاوض نموذجاً يُحتذى في اللجان العسكرية للتفاوض في لجان الترسيم. وهذا مغزى الإشارة الخاصة لتفاهم نيسان واللجان المنبثقة عنه من قبل رئيس المجلس، ومن يعود لنص تفاهم نيسان سيقرأ «تفهم الولايات المتحدة أن بعد محادثات مع حكومتي «إسرائيل» ولبنان وبالتشاور مع سورية يضمن لبنان و»إسرائيل» الآتي:

ألا تنفذ الجماعات المسلحة في لبنان هجمات بصواريخ الكاتيوشا أو بأي نوع من الأسلحة على «إسرائيل».
ألا تطلق «إسرائيل» والمتعاونون معها النار بأي نوع من الأسلحة على مدنيين أو أهداف مدنية في لبنان.
إضافة إلى ذلك، يلتزم الطرفان ضمان ألا يكون المدنيون في أي حال من الأحوال هدفاً لهجوم وألا تُستَخدم المناطق المأهولة بالمدنيين والمنشآت الصناعيّة والكهربائيّة كمناطق لشنّ هجمات منها.
ومع عدم انتهاك هذا التفاهم فليس هناك ما يمنع أي طرف من ممارسة حق الدفاع عن النفس.
– إنشاء مجموعة رصد تتألف من الولايات المتحدة، وفرنسا، وسورية ولبنان و»إسرائيل». ستكون مهمتها مراقبة تطبيق التفاهم المذكور أعلاه. الشكاوى ستقدم إلى مجموعة الرصد».

بمعزل عن آراء المنتقدين بتفاهم نيسان، إذا كان لهم انتقادات، إلا أن ما نتج عن التفاهم لا يقول بأن نتيجته هي التطبيع والاعتراف والتفريط بالسلاح، وقد جاء التفاهم في ظروف لم تكن المقاومة بالقوة التي تملكها اليوم سياسياً وعسكرياً، ولا كان محور المقاومة الذي يسندها بما هو عليه اليوم، ورغم الفوارق، فيومها تحوّل التفاهم إلى مصدر لتشريع المقاومة وحماية المدنيين، كجزء من عملية تسهيل عمل المقاومين ومنحهم فرصاً أفضل لاصطياد جنود الاحتلال والعملاء وصولاً إلى التحرير عام 2000، وإذا كان البعض قلقاً مما سينجم اليوم، فعليه القول إن سبب القلق ليس التعابير التي وردت يومها وترد اليوم في نص تفاهم متعدّد الأطراف، بل إنه قلق من أن تكون المقاومة قد تغيّرت، وباتت بعدما اشتدّ ساعدها وزادت قوة ونفوذاً، وصارت مستعدة للسير بالتطبيع والاعتراف بالعدو وكيانه الغاصب، وعندها لا يكون اتفاق الترسيم إلا المناسبة للتعبير عن هذا التحول، ومَن لديه هذا القلق مطالب بالمجاهرة بأسبابه من دون الاختباء وراء عبارات تزخر بها كل التفاهمات التي تجمع الأعداء في مراحل ظرفيّة.

ثاني التساؤلات طال فرضية الاعتراف بكيان الاحتلال على قاعدة أن ترسيم الحدود هو موافقة على حدود الكيان وتلك مغالطة كبرى. فالمقاومة تعترف بحدود فلسطين مع لبنان وتعتبر الكيان احتلالاً غير شرعي للتراب الفلسطيني، والحدود الدولية للبنان كانت عنوان الشرعية الدولية للمقاومة في مراحل التحرير، وهذا نابع من تمييز المقاومة كأي مقاومة بين كونها مشروعاً وطنياً يسعى لشرعية وطنية ودولية تكرس مشروعيته، وبين التزامها من دون إلزام سائر المكونات اللبنانية بموقفها من القضية الفلسطينية، في ظل موقف سياسي وشعبي كان في أحسن أيامه مسقوفاً بمفهوم السلام على قاعدة القرارات الدولية، وفقاً للمبادرة العربية للسلام، بينما المقاومة تؤمن وتلتزم بالنضال مهما تغيّرت الظروف وأشكال النضال بفلسطين من البحر الى النهر، لكن قدرتها على تحويل هذا الالتزام الى مشروع وطني لبناني يفوق طاقة المقاومة، ويرتبط بشروط عربية ودولية غير متوافرة. وموقع المقاومة هنا واضح، لا يلزمها السقف الوطني للدولة والمجتمع بالتخلي عن فلسطين كل فلسطين، ولا يلزم موقفها بسقفه المبدئي سواها من اللبنانيين ولا يشكل مشروعاً للدولة اللبنانية. ونحن نتحدث هنا عن الدولة اللبنانية وليس عن المقاومة في ملف الترسيم. فالمقاومة الملتزمة بردع اي عدوان على ثروات لبنان معنية بفتح العين على كل ما يتصل بتحديد هذه الثروات ومنع التفريط بها، تفادياً من البعض لخيار المواجهة. وكما مزارع شبعا عنوان من عناوين المقاومة تحميه الشرعية القانونية للحدود المرسمة وفقاً لخرائط 1923، ثمة مزارع شبعا بحرية تحتاج للترسيم، من دون أي ايحاء بالاعتراف والتطبيع وتشريع كيان الاحتلال، وهذا ما يضمنه اتفاق الإطار، مهما كانت نتائج التفاوض لاحقاً.

ثالث التساؤلات يطال مصير سلاح المقاومة، وما يفتحه التفاوض من فرص لجعله على الطاولة. وهنا فلنناقش الفرضيات، فالتوصل الى اتفاق يرضي لبنان بنيل حقوقه، سيكتب للمقاومة وقوتها فرض تحقيق هذا الإنجاز، وستبقى للمقاومة شرعية سلاحها بحماية لبنان من العدوان، وإن فشل التفاوض سيكون للمقاومة حق حماية الثروات البحرية من الأطماع الإسرائيلية بمشروعيّة رسميّة وشعبيّة، ويجب لفت النظر الى أن تحقيق الإنجاز المجمع على تشخيصه من الحقوق الوطنية يحتمل الانفراد، أم التنازل عن بنس واحد من الحقوق فيحتاج للإجماع. وهذا قانون أكبر من لبنان، فمن يستطيع التفريط بالحقوق ومَن يجرؤ، وشرعية سلاح المقاومة لم تكن يوماً مربوطة بمزارع شبعا ولا بالثروات البحرية، بل هي جزء من ضرورات الدفاع الوطني التي تفوق قدرات الجيش اللبناني، وفي هذا ربّما أيضاً ما يُعيدنا إلى أهمية ان توضع المقاومة دائماً مشروعها الكبير نحو فلسطين بما يحفظ لها دائماً مشروعيّتها الوطنية اللبنانية، التي يؤدي فقدانها الى تعريض المقاومة لخسائر سياسيّة ومعنويّة، لا تلبث أن تتحول تفككاً في الجبهة التي تحميها سياسياً وشعبياً كخيار وطني لبناني لحماية الحقوق والدفاع عن الوطن.

الذين يعتقدون أن الجديد هو قبول المقاومة بعيدون عن وقائع المسار التفاوضي ومضمونه، خلال عشر سنوات. فالجديد هو القبول الأميركي و»الإسرائيلي» بشروط المقاومة، بعد استنفاد الضغوط وتحت ضغط عكسي للحاجة الاقتصادية والحاجة السياسية والإعلامية. وبالمقابل نيل المقاومة فرصة إثبات موقعها في تحقيق مكاسب وطنية للبنانيين في زمن الحملات التي تستهدفها، وإظهار أهميتها كعامل قوة لحماية لبنان وثرواته، والذين يرون في الأمر رسماً لحدود الكيان يتجاهلون أن الكيان يتمسّك برفض ترسيم حدود، لأنه يراها حيث تصل أقدام جنوده، أما الذين يفترضون ان الكيان قد ينصب فخاً يتمثل بالاستعداد للانسحاب براً وبحراً من المناطق السيادية اللبنانية لإقفال ملف الصراع عليهم أن يتذكروا حقيقة الصراع على الجغرافيا، وان من يملك الأرض يملك التفوق في جولات الصراع اللاحقة، الم يكن القرار 1701 محاولة لإقامة سور قانوني أمني لحماية الكيان اتهمت المقاومة بالتورط بحماية الكيان وحراسة حدوده، وبيع فلسطين ومعها مبدئية المقاومة، وبدا في وقته وفيما كتب من قراءات في القرار وسياقه من الكثيرين من أعداء ومن خصوم ومن أصدقاء المقاومة، بصفته إضعافاً لها، وجرى وصف قبول المقاومة به بأنه منح العدو ومن خلفه الداعمين الدوليين والعرب فرصة مواصلة الضغط على المقاومة لإضعافها ومحاصرتها. لكن ماذا كانت حصيلة التجربة، ألم تكن اعترافاً أميركياً وإسرائيلياً بأن المقاومة في ظل إقرار 1701 صارت أشد قوة واقتداراً، وأشد مجاهرة بانتمائها لفلسطين والتزامها بقضيتها. وهنا في العلم والفقه والمنطق، دليل الإمكان هو الوقوع، فليراجع المشككون والقلقون أنفسهم بقياس التجربة التي وقعت.

الحقيقة التي يقولها تاريخ الصراع مع كيان الاحتلال على كل الجبهات وعلى مدى العقود الماضية، أي بتغير الزمان والمكان، أن مشروع المواجهة الجذرية للكيان ضمن رؤية مبدئية لاقتلاعه يستمدّ صدقيته بقدر نجاح كل مكوّن من مكوّناته على كل جبهة من جبهات الصراع مع الكيان بصفته مشروعاً وطنياً لشعبه وبلده، ونجاحه بالجمع بين التزامه القومي وموقعه الوطني، وكل تغليب لكفة من الكفتين على الأخرى من دون هذا التوازن الدقيق هو تهديد بضياع القومي والوطني معاً، فلا مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر ولا سورية مع الرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد، نجحت بالتمسك بالتزامها بالقضية الفلسطينية، وبموقعها من الصراع المفتوح مع الكيان الغاصب لفلسطين الا بمقدار نجاحها بصياغة مقاربتها للصراع تحت سقف وطنيّتها المصرية او السورية. وفي حالتنا هذه لا نجاح للمقاومة في إثبات صدقيتها نحو فلسطين الا بالنجاح بإثبات صدقيتها نحو اللبنانيين كمشروع وطني لبناني، والإبداع والنجاح هو بمقدار القدرة على هذا الجمع، ليتذكر المتسائلون لماذا ربطت المقاومة دائماً مشاركتها في الدفاع عن سورية بأسباب وطنية لبنانية تتصل بحماية لبنان من الإرهاب بينما في عمق الأسباب يدرك الجميع أن منطلقاتها أبعد مدى، وترتبط برؤيتها لكل عناصر الصراع وتوازناته الاستراتيجية.

الملف الحكوميّ وملف الترسيم وأصوات النشاز

من المحيّر رسم طريقة للتعاطي مع الذين لا يرون أمامهم سوى كيفية التهجم على حزب الله وكيف يمكن لمخاطبتهم أن تجد طريقاً لوضع منطقة وسط للتفاهم؛ فعندما يتسبّب رباعي رؤساء الحكومات السابقين بتخريب مسار تأليف حكومة الرئيس المكلف مصطفى أديب عبر الزج بمفردة المداورة في المناصب الوزارية والتفرّد في تسمية الوزراء من الرئيس المكلف الذي يقفون خلفه بكل تفصيل ويقول الرئيس الفرنسي ذلك، يتمسّكون بقول الرئيس الفرنسي إن الثنائي ومن خلفه حزب الله لم يتعامل مع محاولة التصحيح التي قدّمها الرئيس سعد الحريري، كما توقع الفرنسيون وتكون الخلاصة أن حزب الله أطاح بنظرهم فرصة ذهبية لمنع انهيار الاقتصاد.

عندما تعود فرنسا للحوار مع حزب الله وتعتبر انتقاداته بناءة وترتضي التداول بمبادرات جديدة لإطلاق المسار الحكومي تحت عنوان أقرب للصيغة الأولى للمبادرة أي حكومة فيها توازن سياسي، طالما ان رئيس الحكومة المكلف سيكون من كنف الغالبية النيابية في طائفته فيكون الوزراء من كنف غالبيات نيابية في طوائفهم، وإلا فاعتماد الديمقراطية. والمشكلة هنا ان الرئيس المكلف يكون مصيره إذا اعتمدت اللعبة الديمقراطية بقيام الغالبية النيابية بتسمية رئيس الحكومة من خارج الغالبية النيابية لطائفته العزل والحصار كما حدث مع الرئيس حسان دياب. عندما يسلم الفرنسيون بذلك يخرج هؤلاء باتهام حزب الله بالعودة الى المحاصصة التي خربت البلاد.

عندما يوافق حزب الله على اتفاق إطار لترسيم الحدود يحقق شروط لبنان بالمفاوضات غير المباشرة والرعاية الأممية واشتراط ربط الخط البحري بنقاط البر لضمان المصلحة الاقتصادية العليا للبنان يصير دعاة الحياد ونزع السلاح والسير وراء الأميركي دعاة رفض للترسيم، لأنهم يرون فيه شبهة اعتراف بالعدو وتطبيع معه ويصيرون مقاومة أكثر من المقاومة.

ربما عندما يظهر أن الذي تحقق بعد سنوات من الصمود على مستوى اتفاق إطار التفاوض حول الترسيم يفسح مجالاً أوسع للحركة الفرنسية لاستئناف المبادرة على المسار الحكومي سيخرج هؤلاء يلعنون فرنسا وأميركا والحكومة لأنهم يعترفون بقوة المقاومة ومكانتها من موقع العجز عن مقارعتها وحصارها وترويضها، لأن بعض اللبنانيين آخر همّه لبنان ومصلحة لبنان أمام أحقاد تجعله صديقاً لكل عدو للمقاومة وعدواً لكل من يعترف بقوتها فكيف لمن يصادقها.

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

هل للترسيم علاقة بمزارع شبعا… وماذا يقول فيلتمان؟

ناصر قنديل

مع الإعلان عن اتفاق إطار التفاوض لترسيم الحدود قفزت الى الواجهة قضية مزارع شبعا المحتلة من مصدرين لا يبدوان على اطلاع بالملف رغم مواقعهما العالية في السياسة والإعلام، المصدر الأول هو من مناوئين للمقاومة واستطراداً لعلاقتها بسورية، طرح فوراً قضية مزارع شبعا داعياً لتسريع ترسيم حدودها مع سورية كي يتسنى استرجاعها ضمن أطر التفاوض الحدودي المقبل. والمصدر الثاني من مناصرين للمقاومة أبدى خشيته من فخ في التفاوض فلم يجد الا القلق من أن يتم الانسحاب من مزارع شبعا لإخراج المقاومة وطرح مصير سلاحها بناء على ذلك. وبالرغم من أن المطالبين بالترسيم مع سورية يدركون أن القرار الإسرائيلي بالانسحاب منها أكبر من مجرد القناعة بكونها لبنانية لأن الحسابات الإسرائيلية للبقاء في المزارع استراتيجية وعسكرية، كما يدرك القلقون على مستقبل السلاح من الانسحاب أن له مهام ووظائف لا ينهيها الانسحاب بل يؤكدها طالما أن الانسحاب ما كان ليتم لولا هذا السلاح؛ يبدو أن نقاش النظريتين حول فرضيات علاقة مفاوضات الترسيم بمزارع شبعا باتت ضرورية.

القضية التي يتجاهلها او يجهلها الفريقان، هي أن رفض الأمم المتحدة الأخذ بالوثائق والخرائط اللبنانية التي تثبت لبنانية المزارع، لضمها إلى ولاية القرار 425 الذي ينص على انسحاب الفوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية للبنان، لم يقم على تشكيك أممي بلبنانية المزارع، ولا بعدم تعاون سورية مع لبنان في تقديم الإثباتات اللازمة للبنانية المزارع، والموقف الإسرائيلي الرافض للانسحاب من المزارع كان مشابهاً للموقف الأممي ان لم يكن سبباً له. فالرفض الأممي والإسرائيلي ينطلقان من معادلة مختلفة، هي ربط مصير مزارع شبعا التي احتلت عام 1967 مع احتلال الجولان السوري بولاية القرار الأممي 242 ووقوعها تحت مهام الأندوف الذي يشكل قوة المراقبين الأمميين لفك الاشتباك في الجولان، وليس القرار 425 الذي صدر عام 1978، ولا ضمن مهام قوة اليونيفيل التي تشرف على تطبيقه في جنوب لبنان، ولذلك فإن كل المراسلات الأممية والإسرائيلية متطابقة لجهة أن ملف الانسحاب من مزارع شبعا المحتلة لن يفتح إلا مع البحث بتطبيق القرار 242 وعندها سيكون للوثائق اللبنانية والتأكيدات السورية عليها معنى ودور في تسهيل استعادتها من قبل لبنان.

الموقف الإسرائيلي لم يخض أي جدال حول لبنانية المزارع والتشكيك بوثائق وخرائط قدّمها لبنان مدعومة بتأييد سوري، بل كان ينطلق دائماً من ربط مصير المزارع بمصير القرار 242، وفي خلفية الموقف حسابات عسكرية استراتيجية تجعل الانسحاب من المزارع من الزاوية العسكرية إضعافا للانتشار العسكري في الجولان، وإخلالاً بتوازنات القوة العسكرية، حيث الترابط الجغرافي بين الجولان والمزارع، يجعل احتلالها ضرورة عسكرية لتثبيت احتلال الجولان، والانسحاب منها خلخلة للقدرة العسكرية على الاحتفاظ بالجولان، أما في الاعتبار الاستراتيجي وهو الأهم، فإن الإسرائيلي عندما ينسحب من المزارع يسلم بأن تطبيق القرار 242 قد فتح من بابه الواسع، فنص القرار واضح لجهة الدعوة للانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها إلى خلف خط الرابع من حزيران عام 67، والمزارع تقع ضمن هذه الأراضي، وكل الوثائق الإسرائيلية في المراسلات الأممية تؤكد هذا المنطلق الإسرائيلي، ما يحول دون أي تراجع قانوني، عن الترابط بين المزارع والجولان، ولذلك سورية التي أيدت وثائق لبنان للمطالبة بالمزارع كانت تقوم بما تستدعيه علاقات الأخوة، خصوصاً أن ترسيم الحدود في المزارع خلافاً لما يعتقده الكثيرون خطأ هو ترسيم قائم وخرائطه موثقة لبنانياً وسورياً، ونقاط تحديده على الأرض قائمة قبل وقوع الاحتلال، وسورية تعرف انها مستفيد رئيسي من الانسحاب الإسرائيلي من المزارع لأنه يفتح الباب واسعاً لطرح القرار 242 على الطاولة، ويضع الإسرائيلي في وضع حرج، بالنسبة للجولان، ويذهب بعض المحللين الإسرائيليين للقول إن الانسحاب الإسرائيلي من المزارع مطلب سوري لإسقاط قرارات ضمّ الجولان وفتح باب إحياء القرار 242.

الكلام الصادر عن الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان خلال حوار مع قناة الحرة الأميركية حول مفاوضات لا ترسيم له قيمة استثنائية، لأن فيلتمان الذي كان سفيراً أميركياً في لبنان خلال طرح قضية المزارع غداة التحرير عام 2000، وأصبح معاوناً للأمين العام للأمم المتحدة، تابع الملف من زواياه المختلفة، ولذلك فهو يجيب عن مصير المزارع من جهة، وعن سياق التفاوض وموازين القوى المحيطة به من جهة أخرى، فيقول «المزارع احتلت عام 1967 وعندما احتلت «إسرائيل» هضبة الجولان فقد شملت هذه المنطقة مزارع شبعا واللبنانيون لم يثيروا مسألة احتلال المزارع في الأمم المتحدة أو غيرها، إلا بعد وقت طويل جداً بعد عام 2000، على إثر انسحاب الإسرائيليين، وهي ليست جزءاً من الخط الأزرق بعد عام 1967 بين لبنان و»إسرائيل»، إنها جزء من الخطوط السورية الإسرائيلية، وأتساءل ما إذا كان حزب الله يتطلع إلى أن يحتفظ بكعكته ويأكلها في الوقت نفسه، كما يقال باللغة الإنجليزية. يعني أن يسمح بحل قضية الحدود البحرية من خلال اتفاق الإطار الذي رعاه الأميركيون، فيمكن للبنان أن يستفيد من احتياطات الغاز وربما يحل أيضاً الخلافات البرية بعد عام 1967، إذ هناك فقط 13 نقطة أحد الأطراف لديه تحفظات عليها، وقد يكون ممكناً حل هذه المسائل الحدودية، ولكن هذا لا يحل مسألة مزارع شبعا. ما يبقي لحزب الله عذر وحجة للحفاظ على ترسانته التي تشكل خطراً على لبنان».

قلق فيلتمان يفسّر قلق جماعته في لبنان ويطمئننا، ولعله لم يرد أن يقلها بالفم الملآن، لكنها تسربت بين شفاهه، أن المقاومة رابح رابح في هذا التفاوض، فهي أسقطت معادلة لا تفاوض ولا حلول في ظل السلاح، وفتحت باب حلول مالية واعدة للبنان، كما يقول فيلتمان، ونعلم ويعلم فيلتمان أن السلاح الحاضر في خلفية التفاوض سيفرض ربط أي استثمار إسرائيلي للثروات البحرية برضا المقاومة، اي بحصول لبنان على حقوقه، ووضعت «إسرائيل» في مأزق الانسحاب من مزارع شبعا وليس المقاومة، التي يحزن فيلتمان ومعه جماعته لأن السلاح باق ويتمدّد.

حقيقة وواقع حدود لبنان مع فلسطين المحتلة وهوية مزارع شبعا

العميد د. أمين محمد حطيط

مع إعلان اتفاق إطار التفاوض مع العدو «الإسرائيلي» لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية للبنان مع فلسطين المحتلة، أثيرت مجدّداً مسألة حدود لبنان البرية وتمّ اللجوء إلى عبارات ومصطلحات تستعمل في غير محلها، وحفاظاً على حقنا في الأرض والثروة صوناً لسيادة لبنان على إقليمه نجد من الضروري التأكيد على حقائق ووقائع يجب التمسك بها بشكل لا يحتمل التأويل أو الشبهة أو التنازل أو التفريط، حقائق ووقائع نثبتها كالتالي:

أولاً: حدود لبنان البرية مع فلسطين المحتلة

انّ أخطر ما يمسّ حقّ لبنان في حدوده البرية مع فلسطين المحتلة هو القول إنها بحاجة إلى ترسيم، وهو قول باطل وخاطئ ويشكل جريمة بحق لبنان وحقوقه في أرضه. وهنا نؤكد على ما يلي:

1

ـ في العام 1920 أعلن لبنان الكبير وحدّد المنتدب الفرنسي حدوده، ثم اتفق مع المنتدب الإنكليزي على فلسطين على ترسيم الحدود بين فلسطين من جهة ولبنان وسورية من جهة ثانية، وشكلا لجنة عسكرية للتنفيذ برئاسة ضابط فرنسي (بولييه) وضابط إنكليزي (نيوكمب) وفرغت الجنة من عملها وأفرغته في اتفاقية أسميت اتفاقية «بولييه نيوكمب» أقرّتها الحكومتان المنتدبتان وأودعت لدى عصبة الأمم التي صادقت عليها في العام 1932، وبات للبنان منذ ذاك التاريخ حدود نهائية مع فلسطين.

2

ـ في العام 1949 وبعد أن احتلّت فلسطين وإثر حرب الإنقاذ وقّع لبنان مع «إسرائيل» اتفاقية الهدنة عملاً بقرار مجلس الأمن المتخذ تحت الفصل السابع، ونصّت الاتفاقية على أنّ خط الهدنة يتطابق مع الحدود الدولية للبنان المحدّد باتفاقية «بولييه نيوكمب»، وأنشئت هيئة مراقبي الهدنة (OGL) لمتابعة الوضع في الميدان وتسوية النزاعات ومنع الاحتكاك. ولكن «إسرائيل» ألغت اتفاقية الهدنة في العام 1967 من جانب واحد وتمسّك لبنان بها ولم تعترف الأمم المتحدة بالسلوك «الإسرائيلي» الأحادي الجانب.

3

ـ في العام 1978 اجتاحت «إسرائيل» جنوب لبنان وأصدر مجلس الأمن القرار 425 الذي ألزم «إسرائيل» بالانسحاب الى الحدود الدولية دون قيد أو شرط ودون الحاجة إلى تفاوض، وعهد إلى قوة عسكرية أممية (اليونيفيل) استلام الأرض التي يخليها العدو وتسليمها للبنان دون أن يكون هناك اتصال مباشر بين الطرفين. لكن «إسرائيل» لم تنفذ القرار، لا بل احتلّت مزيداً من الأراضي في العام 1982 مما اضطر مجلس الأمن إلى التأكيد على قراره 425 مجدّداً بموجب سلسلة من القرارات تلت.

4

ـ في العام 2000 وتحت ضغط المقاومة اضطرت «إسرائيل» للخروج من لبنان وعرضت التفاوض لتنظيم الانسحاب وتوقيع اتفاقية إجراءات أمنية مع لبنان، فرفض لبنان العرض وتمسك بالقرار 425. وبعد انتظار 22 سنة تصدّت الأمم المتحدة لمهمتها المحدّدة بالقرارين 425 و426، وشكل لبنان لجنة عسكرية للتحقق من الانسحاب.

5

ـ حاول الفريق الدولي المواكب لعملية الانسحاب ان يبتدع خطاً يتخذه أساساً للتحقق من الانسحاب متجاوزاً الحدود الدولية المعترف بها، ورفض لبنان المحاولة الدولية لأنه رأى فيها التفافاً على الحقوق اللبنانية وإسقاط ما هو ثابت وابتداع ما هو خلافي بدلاً منها. ولما قدّم الوفد الدولي مشروعه للخط العتيد، تبيّن للبنان أنه يقتطع 13 منطقة لبنانية لصالح «إسرائيل» كما بضمّ إليها مزارع شبعا وتلال كفر شوبا. فرفض لبنان المقترح الدولي وناقشه به حتى تراجع عنه في 10 مناطق وتمسّك بـ 3 نقاط هي رميش والعديسة والمطلة التي تحفظ لبنان عليها ونشأ بذلك مصطلحان: مصطلح الخط الأزرق وهو خط الأمم المتحدة الذي يختلف عن خط الحدود الدولية، ومصطلح المناطق المتحفظ عليها وهي ثلاث.

6

ـ في آب العام 2000 اكتمل خروج «إسرائيل» من الأرض اللبنانية بما في ذلك ثلاثة أخماس بلدة الغجر والمناطق العشر التي حاولت الأمم المتحدة إبقاءها بيدها، وبقيت في مزارع شبعا ومنطقة العديسة مسكاف عام، لكنها في العام 2006 عادت واحتلّت جميع المناطق التي حاولت الأمم المتحدة منحها لها، وأضافت إليها نقاط أخرى أهمّها وأخطرها منطقة الناقورة في (B1) وتكون «إسرائيل» قد نفذت عدواناً على الحدود الدولية وأطلقت مصطلح النقاط المتنازع عليها الـ 13 واعتبرت أنّ التحفظ يشملها جميعاً، ثم أطلقت عبارة «ترسيم الحدود البرية» ثم جاءت خريطة ترامب المرفقة برؤيته للسلام (صفقة القرن) ورسمت كامل حدود لبنان مع فلسطين المحتلة بخط متقطع أيّ جعلتها مؤقتة تستوجب التفاوض لتصبح نهائية.

7

ـ وعليه نرى خطأ القول أو التمسك بـ «الخط الأزرق» لأنه يحجب الحدود الدولية، وخطأ القول بـ «ترسيم الحدود البرية مع فلسطين المحتلة»، لأنّ هذا القول يعني الاستجابة لمسعى العدو بإسقاط حدودنا الدولية، وخطأ القول «المناطق الـ 13 المتحفظ عليها» لأنّ التحفظ واقع على 3 نقاط فقط أما الباقي فهو معتدى عليه من قبل «إسرائيل»، وبالتالي نستنتج بأنّ لبنان ليس بحاجة إلى ترسيم حدود برية مع فلسطين المحتلة، فحدودنا ثابتة ونهائية منذ العام 1923، إنما هو بحاجة الى إزالة الاعتداء عليها ووضع حدّ للعبث بها وإعادة المعالم الحدودية الى مكانها بدءاً من النقطة ب1

ثانياً: حدود المنطقة الاقتصادية الجنوبية للبنان

حتى العام 2007 لم يكن لبنان قد تعاطى مع حدود منطقته الاقتصادية في البحر، وأول محاولة للترسيم كانت مع قبرص من خلال وفد انتدبه فؤاد السنيورة رئيس الحكومة آنذاك ومن غير إطلاع رئيس الجمهورية على المهمّة، وقد ارتكب الوفد خطأ قاتلاً في تحديد موقع النقطة (1) وهي النقطة الأساس في الجنوب الغربي للمنطقة الاقتصادية، لكن الجيش اللبناني اكتشف الخطأ عندما عرض الملف عليه وصحّحه ورسم خريطة المنطقة الاقتصادية اللبنانية الصحيحة، وأضاف إلى الخريطة السابقة النقطة (23) جنوبي النقطة (1) ونشأ مثلث من النقطتين السابقتين والنقطة B1 عند رأس الناقورة وهي النقطة الأولى لحدود لبنان المرسّمة بموجب اتفاقية «بولييه نيوكمب». وقد بلغت مساحة هذا المثلث 860 كلم2. رفضت «إسرائيل» الاعتراف للبنان بها وتمسّكت بمشروع الاتفاق اللبناني مع قبرص، وهي ليست طرفاً فيه أصلاً. وعليه سيكون الترسيم البحري مجسّداً في الواقع على حسم هوية هذا المثلث الذي كان المندوب الأميركي هوف قد اقترح على لبنان تقاسمه مع «إسرائيل» بنسبة 55% للبنان و45% لـ «إسرائيل»، ورفض لبنان العرض لأنّ فيه تنازلاً عن حقّ ثابت مكرّس بموجب قانون البحار. إذن مهمة الوفد اللبناني للتفاوض هي العمل على تأكيد حقّ لبنان بكامل هذا المثلث.

ثالثاً: مزارع شبعا

هي منطقة حدودية بين لبنان وسورية ولا علاقة لها باتفاقية «بولييه نيوكمب». هي منطقة لبنانية احتلتها «إسرائيل» بشكل متدرّج بدءاً من العام 1967، واكتمل احتلالها في العام 1974. وقد تقلّب ملفها كالتالي:

1

ـ في العام 1920 أعلن لبنان الكبير وحدّدت حدوده بشكل وصفي بذكر حدود قضائي حاصبيا ومرجعيون، وبما أنّ فرنسا كانت منتدبة على لبنان وسورية فإنها لم تبادر إلى ترسيم الحدود وتعليمها ميدانياً بينهما كما فعلت مع بريطانيا تجاه الحدود مع فلسطين، واكتفت بالسرد الوصفي لها، واعتبر انّ كلّ ما هو لسكان لبنانيين أرض لبنانية وما كان لسوريين اعتبر أرضا سورية، دون أن توضع علامات حدودية تؤشر إلى حدود الدولتين، وهنا نشأ التداخل الفظيع.

2

ـ في العام 1946 وإثر نزاعات حدودية زراعية واحتكاكات بين الأهالي، أنشئت لجنة لبنانية عقارية قضائية لترسيم الحدود في الجنوب برئاسة القاضي اللبناني غزواي، والقاضي السوري خطيب، وفرغت اللجنة من أعمالها ورسمت خط الحدود في المنطقة من شمال جسر وادي العسل الى النخيلة وجعلت وادي العسل هو الحدّ الطبيعي بين لبنان وسورية، ما وضع مزارع شبعا وهي غربي هذا الوادي في لبنان، وباتت المنطقة وباعتراف الدولتين منطقة لبنانية غير متنازع عليها.

3

ـ في العام 2000 وفي معرض التحقق من الانسحاب «الإسرائيلي» نظم لبنان ملفاً كاملاً بهذا الشأن يؤكد فيه هذه الحقائق والوقائع القانونية والاتفاقية وأرسله الى الأمم المتحدة، وبعد الاطلاع عرض الأمين العام هذا الملف على سورية وتلقى موافقة صريحة منها عليه بجواب من الوزير فاروق الشرع أثبته الأمين العام في تقريره المرفوع إلى مجلس الأمن بتاريخ 22\5\2000.

4

ـ لدى مناقشة الموضوع مع الوفد الدولي في حزيران 2000 أقرّ لارسن بلبنانية المزارع، لكنه تذرّع بأنّ الصلاحية العملانية عليها هي للأندوف (القوات الدولية في الجولان المنشأة في العام 1974) وليست لـ «اليونيفيل» فرفضنا منطقه الذي يخالف القرار 425، لكنه أجاب بأنه لن يقدر على إخراج «إسرائيل» منها وهي حاجة دولية لإدخال لبنان في القرار 242. وتحفظ لبنان على هذا الموقف وأكد أنّ مزارع شبعا أرض لبنانية محتلة.

بعد هذا العرض نؤكد على الحقائق التالية:

ـ الحدود البرية اللبنانية مع فلسطين المحتلة هي حدود نهائية لا يجوز المسّ بها أو التشكيك بنهائيتها أو استعمال مصطلحات تحجبها كالقول بالخط الأزرق، وهي ليست بحاجة الى ترسيم جديد وجلّ ما تتطلبه هو إزالة العدوان «الإسرائيلي» عليها.

ـ الحدود البحرية يجب ترسيمها بعد إزالة العدوان عن الحدود البرية وإعادة النقطة ب1 إلى مكانها حسب «بولييه نيوكمب»، ويعتمد في ترسيمها ما جاء من قواعد في قانون البحار.

ـ مزارع شبعا هي أرض لبنانية محتلة ولا نزاع على لبنانيتها وتحتلها «إسرائيل» بدون وجه حق وتتلطى خلف قيل وقال وتشكيك من هنا وهنالك من أجل البقاء فيها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا استعجلت أميركا و«إسرائيل» ترسيم الحدود مع لبنان؟

 د. عصام نعمان

أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري منتصفَ الأسبوع الماضي عن إتفاق إطار لبدء مفاوضات بين لبنان و«إسرائيل» بشأن ترسيم الحدود البرية والبحرية بينهما تحت رعاية الأمم المتحدة وبوساطة الولايات المتحدة، مؤكداً انه ليس اتفاقاً نهائياً، وانّ الجيش اللبناني سيتولى المفاوضات برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وأي حكومة عتيدة.

ملف المفاوضات بين لبنان ودولة العدو فُتح سنة 2010، وتواصلت بشأنه اتصالات متقطعة نحو عشر سنوات الى أن وافق الطرفان، بفعل وساطة أميركية، على اتفاق إطار في 9/7/2020 يُحدّد الأسس التي تبدأ بموجبها المفاوضات في 14 الشهر الحالي تحت علم الأمم المتحدة في مقرّ قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في بلدة الناقورة الحدودية اللبنانية.

أسئلة كثيرة طُرحت حول الدوافع والمرامي التي حملت أميركا، ومن ورائها «إسرائيل»، على تعجيل البدء بالمفاوضات قبل نحو شهر من موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي غمرة جائحةٍ كورونية عاتية ضربت كِلا الدولتين وتسبّبت باضطرابات سياسية وأمنية وبخسائر اقتصادية.

لعلّ أبرز الدوافع والمرامي ثمانية:

أولاً، فشلُ الضغوط التي مارستها أميركا لحمل لبنان على اعتماد خطةٍ طرحها مبعوثها فريدريك هوف سنة 2012 لقسمة المنطقة البحرية المتنازع عليها ومساحتها 860 كيلومتراً مربعاً على أساس أن تكون حصة لبنان منها 500 كيلومتر و«إسرائيل» 360 كيلومتر، لكن لبنان رفض الخطة لكون كامل المساحة المذكورة واقعة برمّتها ضمن مياهه الإقليمية.

ثانياً، فشلُ الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية طوال السنوات العشر الماضية، لا سيما حرب 2006، في حمل لبنان على تغيير موقفه الرافض لمطامع «إسرائيل» وضغوطها.

ثالثاً، مباشرةُ «إسرائيل» في التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الفلسطينية المحاذية لحدود لبنان الجنوبية، وإقامة منشآت لاستثمار الإنتاج، والتلويح بتمديد عمليات التنقيب الى المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية ما أدّى إلى إعلان السيد حسن نصرالله موقفاً صارماً بعزم المقاومة على الردّ بقوة ساحقة على العدوان الإسرائيلي ما يعني تدمير المنشآت البحرية التي أقامها العدو.

رابعاً، إقدامُ العدو، بعد إنجازه إقامة منشآته النفطية البحرية، على عقد اتفاق مع قبرص واليونان ومصر لإنشاء أنبوب بحري لنقل الغاز الى اليونان ومن ثم الى إيطاليا لتموين دول أوروبا بهذه المادة الاستراتيجية الأمر الذي يستدعي توفير حماية كاملة لمنشآنه البحرية وذلك بحلّ الخلاف على ترسيم الحدود مع لبنان تفادياً لتدمير منشآته من قِبل حزب الله.

خامساً، تأكّد العدو الصهيوني من تعاظم قدرات حزب الله إذ أصبح في مقدور صواريخه الدقيقة ضرب العمق الإسرائيلي بما يحتويه من مرافق حيوية كالموانئ والمطارات والمصانع والقواعد العسكرية. وكان لافتاً في هذا السياق تصريح لوزير الأمن بني غانتس محذراً من فعالية قدرات حزب الله العسكرية وضرورة عدم الاستخفاف بها.

سادساً، لاحظ العدو أنّ لبنان يعاني منذ مطالع العام الحالي انهياراً اقتصادياً واضطرابات سياسية ما ينعكس سلباً على مركزه التفاوضي ويتيح لـِ «إسرائيل» فرصة نادرة لاستغلالها في سياق محاولاتها المتواصلة للاستيلاء على مساحة واسعة من المياه الإقليمية اللبنانية حيث كميات هائلة من الغاز والنفط.

سابعاً، تُدرك «إسرائيل» أنّ دونالد ترامب هو أقوى وأفضل رئيس أميركي ساندها وموّلها وسلّحها بسخاء منقطع النظير، لكن بقاءه في البيت الأبيض غير مضمون إذ قد يخسر أمام منافسه الديمقراطي جو بايدن. لذا فالأفضل لها انتهاز وجوده في البيت الأبيض واستغلال شبقه للبقاء فيه بإغرائه بتحقيق «انتصارات» خارجية لتوظيفها في الانتخابات الرئاسية، وبأنّ لبنان هو أحد المواقع المتاحة – في ظنّهاــ لتحقيق «انتصار مضمون». من هنا يمكن تفسير تدخل إدارة ترامب مع المسؤولين اللبنانيين لإقناعهم بالقبول بإطارٍ للمفاوضات يبدو مراعياً مصالح بلادهم.

ثامناً، يصعب على المنظومة الحاكمة في لبنان، وسط الانهيار الاقتصادي والمالي الذي تعانيه البلاد، ان ترفض عرضاً للبدء بمفاوضات أولية مع «إسرائيل» وفق إطار يراعي شروط لبنان وقد يؤدّي إلى تمكينه من مباشرة التنقيب عن الغاز والنفط في منطقة غنية بهما، مع العلم أنّ المفاوضات قد تطول وميزان القوى المائل حالياً لمصلحة خصوم أميركا في المنطقة قد يميل أكثر لمصلحة أطراف محور المقاومة ما يؤدّي إلى تعزيز مركز لبنان التفاوضي حيال «إسرائيل».

غير أنّ إعلان الرئيس بري، حليف حزب الله، للاتفاق –الإطار حمل خصوم الحزب على انتقاد بري من جهة والتحذير من تداعيات الاتفاق على حقوق لبنان في أرضه المحتلة من جهة أخرى وذلك على النحو الآتي:

ــ جرى انتقاد بري لاستعماله مصطلح «إسرائيل» بدلاً من العدو او الكيان الصهيوني ما يوحي – في ظنّ الناقدين – أنّ رئيس مجلس النواب بات متهاوناً حيال عدوانيتها. والحال أنّ بري كشف أسس الاتفاق – الإطار الذي يضمّ أطرافاً عدةً، بينها «إسرائيل»، فلا يُعقل تضمينه مصطلحات عدائية ضدّ أحدها.

ــ أشار منتقدون إلى تصريحٍ لوزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتش حول التوصل الى إجراء «مفاوضات مباشرة» مع لبنان الأمر الذي يتعارض مع واقع أنّ لبنان ما زال في حال حرب مع «إسرائيل» وانه يعتبرها عدواً مغتصباً لفلسطين. والحال انّ الاتفاق – الإطار الذي أعلنه بري يشير الى مفاوضات غير مباشرة وليس إلى مفاوضات مباشرة.

ــ أشار منتقدون آخرون الى انّ الاتفاق – الإطار يشير الى التفاوض حول خلافات على حدود بحرية في حين انّ الخلافات تتعلق بالحدود البرية أيضاً. والحال انّ بري شدّد على التلازم في المفاوضات بين الحدود البرية والبحرية. هذا مع العلم انّ الاتفاق المعلن تضمّن إشارة إلى تفاهم نيسان/ ابريل وإلى قرار مجلس الامن 1701 سنة 2006 اللذين يتعلّقان اصلاً وفصلاً بالحدود البرية وبالنقاط التي تحفّظ بشأنها لبنان كونها أراض لبنانية ما زالت «إسرائيل» تحتلها وما زال لبنان يصرّ على إنهاء احتلالها.

ــ غير أنّ أبرز الملاحظات والتساؤلات انصبّت على مسألة تعهّد حزب الله بالردّ على الاعتداءين الإسرائيليين الأخيرين اللذين أدّيا إلى ارتقاء شهداء من المقاومة. فهل سينفذ حزب الله وعده ووعيده بعد بدء المفاوضات غير المباشرة ما يؤدي الى تعطيلها؟ أم أنه سيستنكف عن ذلك ما يشي بوجود «صفقة» مع أميركا لإنجاح المفاوضات؟

قياديون في حزب الله أكدوا أنه ليس طرفاً في المفاوضات وانّ المقاومة ما زالت في حال حرب مع العدو، وانّ تعهّد السيد نصرالله بالردّ على الاعتداءات الإسرائيلية ما زال قائماً ومُلزماً وسينفذ في الوقت الذي تراه القيادة مناسباً.

باختصار، الاتفاق – الإطار هو مجرد تحديد للأسس التي ستجري المفاوضات بموجبها. فلا شيء تحقق حتى الآن على صعيد المضمون، ولا حدود جرى التفاهم على ترسيمها في البرّ أو البحر. الإعداد للمفاوضات استغرق أكثر من عشر سنوات، ولا ينتظر المتابعون والمراقبون ان تنتهي الى نتائج إيجابية في المستقبل المنظور، ولا بالتأكيد قبل مغادرة ترامب البيت الأبيض.

وزير ونائب سابق

فيديوات متعلقة

مقالات متعلقة

لماذا لا يسأل البطريرك قيادة الجيش؟

المصدر

عندما تصدر عن رأس الكنيسة الأهم في لبنان الذي يمثله البطريرك بشارة الراعي دعوة لترسيم الحدود في مزارع شبعا، يقع كلامه عند حسني النيات في دائرة تصوير وجود عقدة سورية في طريق استعادة لبنان أرضه المحتلة، وبالتالي تبرئة كيان الاحتلال من مسؤوليته كمحتل، بذريعة أن سورية لم تساعد لبنان ومنحت كيان الاحتلال الفرصة للاختباء وراء ذلك، ويذهب سوء النيات بالبعض إلى القول إن البطريرك يقصد أن سورية كحليف للمقاومة تفعل ذلك للإبقاء على ذريعة المقاومة للحفاظ على سلاحها، بالاستناد إلى كلام البطريرك المعلوم حول هذا السلاح، رغم صلة سلاح المقاومة بقضيتي رد العدوان ومصير اللاجئين الفلسطينيين، كقضيتين يعرف البطريرك أن مشروعه للحياد لا يقدّم لهما حلاً.

المشكلة أن كثيراً من اللبنانيين يقعون تحت تأثير عملية غسل دماغ منتظمة ومبرمجة منذ العام 2000 تجد الأعذار لكيان الاحتلال للبقاء في مزارع شبعا، جوهرها ربط تثبيت الحق اللبناني بالمزارع بموقف سوري، ولذلك يمكن فهم أن يظنّ الكثير من اللبنانيين أن ذلك صحيح، أما أن يصدر الكلام عن البطريرك الذي لا يتكلم دون مراجعة وثائق والعودة لمعطيات مدققة. فالأمر مختلف.

لن نتحدّث هنا عن مواقف سوريّة تؤيد لبنانية مزارع شبعا ومطالبة الدولة اللبنانية بها وفقاً لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في 22 أيار عام 2000 عن تلقيه تأكيداً سورياً في 16 أيار عام 2000 يؤكد حق لبنان بمزارع شبعا، فقد يُقال هذا الكلام سياسي، ونريد ما هو موثق قانونياً وتقنياً والجواب هنا منعاً لكل تأويل وإلتباس عند الجيش اللبناني الذي يفترض أنه المرجع الأول عن حماية الحدود، وبالتالي معرفتها، ومعرفة المرسّم منها من غير المرسّم، ولا كلام بعد كلام الجيش الذي يفترض أيضا انه فوق الشبهات عند بكركي، بل المطلب الذي تحمله نداءات بكركي بوجه سلاح المقاومة، فماذا يقول الجيش، خصوصاً ماذا تقول مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش المعني الأول والأخير بملف الترسيم والخرائط؟

في العدد 250 من مجلة الجيش الصادرة بتاريخ نيسان 2006، مقالة أقرب للوثيقة المرجعية بتوقيع مدير الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني العميد الركن مارون خريش، ينصح بأن يقرأها كل مسؤول لبناني قبل التحدث عن ترسيم الحدود في مزارع شبعا، وفي وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش التي وقعها العميد خريش إشارات موثقة ومؤرخة لما يوجد في أرشيف المديرية من وثائق وخرائط تتصل بترسيم مزارع شبعا بين لبنان وسورية، لا تحتاج إلى تثبيت ولا إلى تأكيد ولا تحتمل التأويل والالتباس، وتقول إن هناك مشاكل عالقة حدودياً في عدد من المناطق بين لبنان وسورية لكن منطقة المزارع ليست منها إطلاقاً.

في وثيقة الشؤون الجغرافية للجيش اتفاقات وقرارات ومذكرات وخرائط أعوام 1934 و1938 و1939 في عهد الانتداب، وما هو أهم وأشد وضوحاً بعده خصوصاً أعوام 1946 و1954 و1956 و1961 و1963 و1966، وقد ورد في الوثيقة المرجعية لمديرية الشؤون الجغرافية بتوقيع مديرها العميد الركن مارون خريش، ما نصّه «جرت عدة اتفاقات ومحاولات ترسيم بعد الاستقلال بين لبنان وسورية، وتشكلت لجان عامة وضعت المبادئ، ولجان فرعية وفنية وعقارية للبت بالإشكالات ووضع التخوم ورسمها على الخرائط تمهيداً لنقلها على الأرض، بعد تصديق الخريطة السياسية العامة من قبل السلطات المختصة في البلدين. ومن هذه المحاولات والاتفاقات:1- – اتفاق الحدود العام 1946 بين شبعا ومغر شبعا (سورية) الذي وضعته لجنة عقارية لبنانية سورية برئاسة القاضيين العقاريين اللبناني رفيق الغزاوي والسوري عدنان الخطيب. وقد رُسمت الحدود على خريطة 5000/1، ونقلت العلامات على الأرض. وهذه الحدود تمتد من شمال جسر وادي العسل إلى شمال بلدة النخيلة اللبنانية…».

تختم الوثيقة بالقول «إن عمليتي رسم الحدود العام 1934 والعام 1946 بين شبعا من جهة وجباتا الزيت ومغر شبعا من جهة ثانية، واللتين رسمتا حدود لبنان وسورية بين القرى الثلاث، هما دليلان قاطعان وكافيان لرسم الخريطة الفعلية للحدود اللبنانية السورية. وأصبح هذان القراران نافذين استناداً الى نص القرار RL 27 العام 1935».

نأمل أن يقرأ غبطة البطريرك هذه الوثيقة كاملة لأهميتها وأن يلفت انتباهه مستشاروه إلى خطورة ما يصدر عنه بخصوص مسألة حساسة مثل قضية هوية أرض لبنانية تقع تحت الاحتلال، قبل الاطلاع على موقف الجيش اللبناني، الذي ربما يكون اليوم آخر مؤسسة تحظى بإجماع اللبنانيين، خصوصاً أن الجيش هو المعني الأول بهذا الملف الحساس، ولا كلام بعد كلامه.

آبار الغاز اللبنانيّة في رعاية الله والصواريخ

د. وفيق إبراهيم

تمارسُ فئات لبنانية تقليدية من أهل السياسة والإعلام تشكيكاً بالاتفاق الذي أعلن عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري مع الأميركيين للبدء بمفاوضات لترسيم حدود لبنان البحريّة مع الكيان الاسرائيلي.

هذه الفئات تفسّر هذا التطوّر بأنه استسلام لضغوط اميركية اقتصادية شديدة القسوة على لبنان، الذي يشهد بدوره انهياراً اقتصادياً لا يقلّ قسوة ومأساويّة.

فتعتبر أن هذا الاستسلام هو اذاً محصلة “سيناريو” متفقٍ عليه بين ثلاثة اطراف داخليين: رئيس المجلس نبيه بري الذي له الحق بالإعلان عن الاتفاق، والرئيس ميشال عون الذي يمثل الدولة اللبنانية والفريق المسيحي الأكثر قوة في البلاد وهو صاحب الحق الحصري بتشكيل وفد للمفاوضات بالاتفاق مع حكومة حسان دياب التي لا تزال تؤدي دوراً في ادارة الاعمال الحكومية.

يتبقى حزب الله، فتقول تلك الفئات المشككة إنه انكفأ بتعمد عن الصورة الإعلامية حتى لا يبدو منهزماً، فهناك انهيار اقتصادي لبناني أدرك حالة جوع تستشري في اوساط الطبقتين الوسطى والفقيرة، واذا اعترض الحزب على عملية الترسيم فإن تذمراً شعبياً كبيراً قابلاً للتراكم على شكل احتجاجات واسعة على منع عمليات ترسيم الحدود قد تنال من شعبية الحزب حتى بين الفئات الأقرب اليه. الأمر الذي لجم أي ردود علنية منه على اتفاق إطار الترسيم، ذاهباً عن الغياب المتعمّد وصولاً الى حدود التجاهل.

بالمقابل بدأ الإعلام المضاد بتصوير الاتفاق على انه إذعان من الحزب الى حدود المطالبة بإلغاء دوره في مجابهة “اسرائيل”.

يكفي أن واحدة من كبريات الصحف اللبنانية نشرت في المانشيت الأساسي لصفحتها الأولى، عنواناً ساخراً يقول انه “اتفاق تاريخي على مفاوضات في زمن الانهيار”.

بالإضافة الى عشرات الصحف اليومية الأخرى، هناك ثلاث محطات تلفزة شديدة الصلة بالمشاهدين (الجديد- أم تي في – أل بي سي) لا تنفك منذ ثلاثة أيام في الربط بين الانهيار الاقتصادي والاستسلام للضغوط الأميركية – الإسرائيلية مع التعريج بخفة على انكفاء ما لحزب الله.

لا بدّ أولاً من تأكيد أن هذه الفئات اللبنانية السياسية والإعلامية تؤدي هذا الدور التشكيكي منذ إعلان تشكيل الدولة 1943، فلا تؤمن إلا بأهمية السياسات الغربية وتوالي محاورها بالانتقال من نفوذ فرنسي – بريطاني، أميركي حسب التوازنات وكادت لولا الضغوط الوطنية الداخلية تمارس تطبيعاً كاملاً مع “اسرائيل” وما منعها تاريخياً هي المقاومات الوطنية حتى الثمانينيات وجهادية حزب الله المفتوحة منذ 1982 حتى اليوم.

هي اذاً موازنات القوى التي ضبطت الانحرافات الداخلية، التي تختبئ خلف الانتماء اللبناني في معظم الأوقات ولا تتفلت عواطفها الجياشة نحو العدو الاسرائيلي إلا في مرحلة صعود النفوذ الأميركي – الإسرائيلي إقليمياً او عودته للعب في لبنان داخلياً.

يجب اذاً الربط بين الضغط الأميركي على لبنان والمبادرة الفرنسية وتهديدات “اسرائيل” وعودة الفئات المحسوبة عليها الى تصعيد سياسي وإعلامي وتحشيد طائفي ومذهبي وصل الى حدود تحريض رجال دين مسيحيين ومسلمين وتشكيل كتل سياسية تابعة لهم من نواب مستقلين وإعلاميين وسياسيين.

هذا يعني أنه لا يجوز ربط هذا التحريض الأميركي باستسلام ما لحلف المقاومة. بل بإعادة نصب قوى لبنانية موالية للغرب وتشهد حالياً انهياراً كبيراً.

لذلك فإن ما يمكن استنتاجه بشكل إضافي يتعلق بحاجة أميركية الى ترسيم بحري بين لبنان والكيان المحتل، لتحرير خط غاز بحري يجب أن يمر بموازاة آبار غاز لبنانية في البلوكين الثامن والتاسع.

وسبب هذه الحاجة وجود إصرار أميركي على نقل غاز تحالفها الإقليمي المتشكل من مصر و”اسرائيل” واليونان وقبرص والأردن وايطاليا والسلطة الفلسطينية التي لم توقع حتى الآن على الاتفاق النهائي، وفرنسا المرشحة للانضمام.

هناك اذاً حاجة اميركية لتنظيم توريد هذا الغاز الشرق أوسطي لمنافسة الغاز الروسي. وهذا لا يمكن ان يحدث مع وجود خلاف لبناني – إسرائيلي على نحو 860 كيلومتراً من اعماق الحدود البحرية.

والأميركيون متأكدون أن تمرير الانابيب الاسرائيلية مسألة مستحيلة من دون تراجع “اسرائيل” عن مطامعها في آبار لبنان، وذلك لان صواريخ حزب الله تقف لها بالمرصاد ولن تسمح للكيان الإسرائيلي وتحالفاته العربية بتمرير الغاز الخاص بها على مقربة من بحر لبنان من دون الاعتراف بلبنانية 860 كيلومتراً مربعاً وبدء لبنان التنقيب عن الغاز الخاص به.

هذا هو دور صواريخ حزب الله الحامية للأرض والبحر والإنسان والثروات من الطاقة وخلافها.

يكفي هنا أن تنظر هذه الفئات كيف سطت “اسرائيل” على الغاز في سيناء المصرية وبعض انحاء فلسطين والجولان السوري حتى تتبين أهمية صواريخ الحزب في تأمين الاستقرار الوطني اللبناني بأبعاده الشعبية والسياسية والاقتصادية، وما على الجميع إلا انتظار بدء المفاوضات لكي يتأكدوا أن لبنان بعناية الله وصواريخ حزبه.

Speaker Berri: Demarcation of Maritime Borders Will Allow Lebanon to Repay Debts

 October 1, 2020

Lebanon's House Speaker Nabih Berri

Lebanon’s House Speaker Nabih Berri announced Thursday in a press conference the framework agreement representing the basis for the launch of indirect negotiations between Lebanon and the Zionist entity on demarcating the land and maritime borders.

Speaker Berri stressed that the negotiations will take place at the UNIFIL headquarters in Naqoura in southern Lebanon, adding that the United Nations will sponsor the “indirect talks” in accordance with April 1996 Understanding and the UN Security Council Resolution 1701.

The House Speaker pointed out that the United States will play the role of the mediator in the negotiations, adding that the approved version of the agreement would be handed to the United Nations in accordance with the international laws and the related treaties.

The demarcation of the maritime borders will allow Lebanon to repay all the debts in light of benefiting from the gas resources in blocks 8 and 9, Speaker Berri said.

“The demarcation will help Lebanon economically, and the French oil giant, Total, has promised to begin exploration operations before the end of the year.”

Meanwhile, Speaker Berri clarified that the framework agreement was concluded on September 7, 2020, before the US treasury imposed sanctions on the two Lebanese ministers Ali Hasan Khalil and Youssef Finianos, stressing that the two issues are not related.

Source: Al-Manar English Website

لبنان لن ينهار مسيو ماكرون وأميركا هي المرشّحة للانفجار

محمد صادق الحسيني

تقول الحكاية مع هذا الأوروبي صاحب التجارب المليئة بالمجازر المباشرة وغير المباشرة ضدّ شعوب منطقتنا العربيّة والإسلامية إنّ: طعن الخديعة أخطر من عدو بلا خرطوش…!

أميركا لم يعد لديها ولا رصاصة في جعبتها لتطلقها ضدّ إيران…!

لكن خديعة أوروبا أخطر من هذا الموقف الأميركي العاجز…!

ظريف الأكثر تفاؤلاً يقول إنها لم تنفذ 11 تعهّداً لها تجاه إيران…!

تتظاهر أوروبا كذباً أنها لا تزال ملتزمة بالاتفاق النووي،

لكن لم يعد أحد في إيران يصدّق أوروبا حتى أكثر المراهنين عليها.

ولما كان المؤمن كيّساً فطناً، وليس كيسَ قطن، فإنّ على لبنان أن يأخذ الدرس مما حصل معه في ما بات يسمّى بالمبادرة الفرنسية أو خريطة طريق قصر الصنوبر…

ها هو ماكرون ينحاز عملياً وبشكل لا لبس فيه لصالح أميركا وينضمّ الى فريق ترامب الانتخابي…

إطلاق النار السياسية على حزب الله وتحميله مسؤولية فشل مبادرته والتلويح بالخيار «الإسرائيلي» السعودي الذي أبطنه عندما قال:

لا يستطيع حزب الله أن يكون جيشاً لمحاربة «إسرائيل» و»ميليشيا» في سورية وحزباً سياسياً «محترماً» في لبنان…!

وسنصبر 4 الى 6 أسابيع لنرى، هل سيختارون الخيار الديمقراطي أم الخيار الآخر…!؟

وهو الذي ضمّنه شروحه وهو يتحدث عن الكيانين «الإسرائيلي» والسعودي اللذين قال إنهما يطالبان بإعلان الحرب على حزب الله…

والذي وصفه في بداية المؤتمر الصحافي بأنه مغامرة…

بينما لوّح به في نهاية المؤتمر الصحافي…!

لكن ما لم يقله ماكرون في المؤتمر الصحافي هو المهمّ والأخطر، فما هو:

إنني، أي ماكرون، كلفت من قبل الإدارة الأميركية بتجريب فكرة المبادرة لحشر الحزب والمقاومة، فإنْ نجحت بها أكون قد أدخلت لبنان بنفق الحرب الناعمة التي تأخذ لبنان من خلال «حكومة المهمة»‏ الى الصلح والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، من بوابة ترسيم الحدود البحرية وووو…

وإنْ لم أنجح في ذلك، حمّلت الحزب وسلاح المقاومة المسؤولية، وعندها أترك المجال للأصيل الأميركيّ أن يخوض المعركة المباشرة وأنا ذيلٌ مراوغ له، كما فعلت مع الحالة الإيرانية في غمار لعبة البوليس السيّئ والبوليس الجيد التي يلعبونها هو وسيّده الأميركي مع إيران منذ انسحاب الرئيس المهرّج دونالد ترامب من الاتفاق النووي…!

وعودة إلى لبنان من جديد، فإنّ ما لا يعرفه ماكرون المدّعي، عن لبنان هو أنّ هذا البلد أكبر مما يتصوّر ولا تلخصه سلطة فاسدة ولا أحزاب تخون وطنها، كما قال وكلاهما اصلاً من صناعته وصناعة أسياده، بل إنّ لبنان بات راشداً وكبيراً وذا همّة عالية ومنغرسة أوتاده في أرض تطهّرت بدماء عشرات ومئات وألوف الشهداء القادة، ولم يعُد أحد، أيّ أحد، مهما تجبّر واستعلى أن يحرّك فيه حجراً عن حجرـ من دون إرادة سيد لبنان وسياج لبنان المحصّن بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة…

ولبنان هذا غير قابل للانفجار ولا الانهيار أبداً…

تهويلكم مردود عليه إذ لدينا من خزائن المفاجآت ما سيجعلكم تنبهرون وتبلعون ألسنتكم…!

مَن سينفجر وينهار هي الولايات المتحدة الأميركية التي باتت كتلة ميليشيات متعدّدة بمئات الألوف تهدّد وحدة الاتحاد الأميركي وأمن أميركا القومي والحرب الأهلية على الأبواب مباشرة بعد الانتخاب فاز ترامب أم بايدن. فالأوّل سيأتي بالتقسيم والانفصال والتجزئة وصولاً الى الحرب، بينما الثاني سيقود مباشرة الى الحرب الأهلية كما يقرّ، ويعترف كبار محللي وكتاب الأعمدة الأميركيين ومنهم توماس فريدمان على سبيل المثال لا الحصر…

وسيّدك ترامب هذا يا مسيو ماكرون هو بعظمة لسانه قال إنه لن يسلم السلطة اذا فاز منافسه، ما يعني انّ كذبكم وخداعكم حول ديمقراطية الغرب باتت على المحكّ وبالمباشر على التلفاز وهو ما سنحضره جميعاً على الهواء مباشرة بعد الثالث من تشرين الثاني نوفمبر المقبل مجدّداً بكلّ شفافية ووضوح…!

فعلى مَن تكذب ولماذا تراوغ وعلى مَن تتحايل عندما تقول إنك تحبّ لبنان وتحبّ مساعدة لبنان..!؟

انت لا تحبّ إلا نفسك وعائلة روتشيلد، وما أنت إلا مدير بنك في هذه المجموعة، تصرّفت هكذا حتى في المؤتمر الصحافي وأنت تعامل طبقتك اللبنانية الفاسدة والخائنة كزبائن مفلسين تريد تغييرهم حسب هندسة مالية دولية جديدة صدرت تعليماتها إليك، ولم تكن رئيس جمهورية فرنسا أبداً…!

الآتي من الأيام والأسابيع سيبيّن للناس مَن هو الصادق ومَن هو الكذاب مع أول آذان بعد يوم نصر مبين آتٍ سنشهده نحن الممهّدون لجغرافيا آخر الزمان!

بعدنا طيّبين قولوا الله…

المواجهة بين الأوهام الأميركيّة والحقائق الميدانيّة…

العميد د. أمين محمد حطيط

ابتغت أميركا مما أسمته «الربيع العربي» عموماً، ومن الحرب الكونية على سورية ومحور المقاومة خصوصاً، إعادة صياغة الشرق الأوسط وفقاً لخرائط استراتيجية جديدة تحصّن الأحادية القطبية التي عملت من أجلها وتزيل أيّ عقبة من أمامها في هذا السياق، شجعها على ذلك أنّ العالم بشكل عام والدول التي تخشى من عرقلتها للمهمة بشكل خاص موزعة بين تابع تملكه (دول الخليج) وحليف تملك قراره (أوروبا بشكل عام) أو مترنّح أزيح من الخطوط الأمامية دولياً (روسيا) أو حذر يخشى على اقتصاده من أيّ مواجهة ذات طبيعة أو بعد عسكري (الصين) أو محاصر يئنّ تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي والتهديد العسكري (إيران وسورية).

أما الخريطة التي توخّت أميركا الوصول إليها فهي صورة لمنطقة تكون «إسرائيل» مديرتها الإقليمية بعد أن تكتمل عمليات «التطبيع» مع جميع البلدان العربية، وبعد أن تضع أيّ دولة بين خيارين أما التطبيع والاستسلام الكلي للمشيئة الأميركية او الحصار والعزل وصولاً الى الانهيار والتدمير الداخلي. فأميركا لا تتقبّل فكرة قيام رأي معارض لمشيئتها أياً كان صاحب هذا الرأي ـ لأنّ أميركا تتصرّف وللأسف وفقاً لنظرية «الحق الإلهي» التي تعتمدها والتي عبّر عنها بوش الابن في لحظة زهو في أوائل القرن الحالي، حيث قال «أرسلني الله لأنقذ البشرية» وإن «العناية الإلهية جعلت من أميركا قائدة للعالم».

وبعد نيّف وعقد من الزمن وبعد المآسي والدمار والقتل والتشريد الذي أحدثته الحرب الإرهابية الأميركية في المنطقة من تونس وليبيا غرباً الى سورية والعراق شرقاً مروراً باليمن طبعاً، اعتبرت أميركا انها حققت ما تريد وأنها أنهكت او دمّرت عدوّها وباتت قادرة على الاستثمار والانطلاق الى جني النتائج التي خططت للوصول اليها وهنا تكمن الخطيئة وسوء التقدير الأميركي الذي إنْ لم يعالج قبل فوات الأوان فإنه سيقود الى مرحلة دموية خطيرة في العالم تتقدّم في مستواها وشراستها عما سبق في العقد الأخير الماضي وتنقلب على أميركا سوءاً بدرجة لا تتصوّرها.

ولانّ أميركا تعتقد او تتصوّر بانّ حربها على العرب حققت نتائجها، فإنها أطلقت «صفقة القرن» في مطلع العام الحالي وراحت تسارع الخطى الى التطبيع بين العرب و«إسرائيل»، وتتوعّد إيران بعقوبات متجدّدة عليها وكأنّ الاتفاق النووي لم يحصل او أنها تمكّنت من الإمساك بقرار العالم كما كانت تمني النفس يوم أطلقت فكرة النظام العالمي القائم على الأحادية لقطبيّة بقيادتها.

تريد أميركا وبكلّ صلف وغرور أن تحمّل كلّ الدول العربية على التطبيع، وبعد أن كان لها تطبيع من دولتين خليجيتين، يروّج ترامب انّ 6 دول أخرى قيد الانتظار وانّ الباقي لن يطول تردّده في الالتحاق بالركب. اما الممانعون وبشكل خاص إيران وسورية ولبنان فقد أعدّت لكلّ منهم نوعاً من الضغوط تقود بالظنّ الأميركي الى الخضوع. وهنا يكمن سوء التقدير الأميركي لا بل الخطيئة الاستراتيجية الكبرى ايضاً.

تظنّ أميركا انّ ضغوطاً على إيران وحزب الله، قد تحملهما على مواجهة عسكرية تبرّر لأميركا استعراض قوتها العسكرية ضدّهما تحت عنوان دفاعي، ما يجعل ترامب يحصد مع كلّ صاروخ يطلقه الجيش الأميركي على «أعدائه» يحصد أصواتاً إضافية في الانتخابات وقد يكون بومبيو ومعه صقور الجمهوريين قد أقنعوا ترامب انّ السبيل الأقصر لربح الانتخابات التي يتأرجح المصير فيها الآن هو حرب محدودة مع إيران وحزب الله يقوم خلالها بضربة سريعة خاطفة ثم يتفرّغ للانتخابات التي ستكون نتائجها حتماً في صالحه.

بيد أنّ التقدير الأميركي يبسط الأمور الى حدّ الخفة والسطحية تقريباً ويتناسى المتغيّرات الدولية التي جعلت من عالم 2020 مختلفاً كلياً عن عالم 2010، وإذا كان المفهوم الاستراتيجي للحلف الأطلسي الذي وضع للعقد الماضي قد حقق شيئاً من أغراضه فإنّ النتائج الاستراتيجية التي كان يرمي إليها بقيت بعيدة المنال. وها هو الحلف الأطلسي يُخفق في اعتماد مفهوم استراتيجي جديد يلتفّ حوله الجميع من الأعضاء كما انّ كيان الحلف بذاته واستمراره بات في الأشهر الأخيرة تحت علامات استفهام ما يعني أنّ الحلف لن يكون شريكاً لأميركا في خططها.

اما أوروبا فإنها وجدت بعد العقد الماضي وعملها العسكري خارج نطاقها الإقليمي، كم هو التباين بينها وبين أميركا في المصالح بخاصة في الشرق الأوسط، ما جعل الدول الأساسية فيها تفكر بسياسة أوروبية مستقلة لا تغضب أميركا في بداياتها، ولكنها ستتمايز عنها في جوهرها ما يجعل أيّ حرب تشنّها أميركا على أحد حرباً أميركية فقط ليس لأوروبا ضلع فيها. وما الموقف الأوروبي في مجلس الأمن في معرض الطلب الأميركي لاستئناف العقوبات على إيران ربطاً بالملف النووي إلا أول الغيث.

وعلى الاتجاه الروسي، فنعتقد انّ أميركا تعاني من المرارة الكبرى فقبل «الربيع العربي» والحرب الكونية كانت روسيا دولة داخلية بعيدة عن مسارح التأثير العالمي، أما اليوم فقد باتت ركناً أساسياً في النظام الدولي قيد التشكل وفاعلاً رئيسياً في الشرق الأوسط لا يقتصر وجودها وتأثيرها على سورية فقط بل يتعدّاها الى أفريقيا (ليبيا) وتستعدّ ليكون لها كلمة في اليمن أيضاً. وبهذا يكون العدوان الأميركي على المنطقة شكّل بطاقة دعوة او استدعاء ذهبياً لروسيا لتخرج من عزلتها وتحتلّ مقعداً أمامياً ينافسها على الصعيد الدولي العام.

اما الصين التي تؤرق أميركا بشكل عميق فقد جعلت من اقتصادها متقدماً على الاقتصاد الأميركي ولم تنفع كل تدابير الإرهاب والحصار الاقتصادي في كبحه، فاجأتها الصين أيضاً حيث قدمت جديداً في مجال الصراع هو ايحاؤها الاستعداد لاستعمال القوة لحماية نفسها واقتصادها وتحضيرها مع حلفائها للاستغناء عن الدولار أيضاً.

وفي إيران التي تعوّل أميركا اليوم عليها لتكون الحقل التي تزرعه قذائف تحصدها أصواتاً انتخابية تثبت ترامب في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى، نرى أنها تتبع سياسة مركبة تهدف الى حرمان ترامب من الأوراق التي يريدها من المواجهة، وحرمان ترامب من إحكام الحصار عليها، وصيانة علاقتها مع الأوروبيين من دون تراخٍ أمامهم وتمتين علاقاتها مع روسيا والصين وتجنب الصدام مع تركيا، هذا من جهة؛ اما من جهة أُخرى فإنها تستمرّ في تحشيد القوة العسكرية الدفاعية التي تفشل أيّ عدوان عليها وتستمر في خوض الحرب النفسية المرتكزة الى عوامل ميدانية مؤكدة التأثير وما مناوراتها العسكرية الأخيرة إلا وجهاً من وجوه عرض القوة الدفاعية المستندة الى فكرة الهجوم بوجه أميركا.

وبالعودة الى سورية، نجد وبشكل يقيني انّ كلّ ما حلمت به أميركا هناك بات في غياهب التاريخ، وأننا ننتظر في الأشهر المقبلة معالجة متدرجة لملفي إدلب والجزيرة (شرقي الفرات) بشكل لا يبقي للمحتلّ الأميركي أو التركي إثراً في الميدان يعيق تثبيت سيادة سورية على كلّ أرضها، معالجة نراها منطلقة من عمل عسكري لا بدّ منه أولاً وتستكمل بتفاهمات وتسويات يضطر اليها الفريق المعتدي وتحرم الأميركي مما يتوخاه.

ونختم بلبنان ونجد أنّ المؤامرة الأميركية لعزل المقاومة وحصار لبنان ودفعه لتفاوض مباشر مع «إسرائيل» بضغط أميركي يقود للتنازل عن المناطق المحتلة في البر وعددها 13 بالإضافة الى الغجر ومزارع شبعا، والتسليم لـ «إسرائيل» بما تريد في المنطقة الاقتصادية في البحر واقتطاع ما يناهز الـ 400 كلم2 من أصل 862 كلم2 متنازع عليها، كلّ ذلك لن يحصل لأن المقاومة لن تتخلى عن حقها في التمثيل الحكومي ولأن قرار لبنان لن يكون كما تشتهي أميركا حتى ولو اشتدّ الحصار وتعاظم الانهيار الذي تصنعه أميركا للبنان.

وعليه نقول إنّ العالم في حقيقته ليس كما تراه أميركا بعينها، وإنّ تطبيع دولتين خليجيتين واهنتين لا يعني نجاح صفقة القرن، وإن وجود 800 جندي أميركي الآن في سورية و3000 في العراق لا يعني انّ الدولتين في القبضة الأميركية، وإن النطق بغير حق باسم مجلس الأمن ضدّ إيران والقول باستئناف العقوبات الأممية عليها لا يعني انّ العالم انصاع للقرار الأميركي. فأميركا توهِم نفسها أنها تربح أو انّ بإمكانها اختزال إرادة العالم، ولكن الحلم الأميركي يصطدم بصخور الحقيقة فيتكسّر وتبقى الحقيقة صارخة لمن يريدها، فأميركا اليوم ليست أميركا 1990 وزمن الطموح لحكم العالم ولّى الى غير رجعة مع اشتداد بأس خصومها وأعدائها وتراخي وضعف أتباعها وابتعاد وتفكك حلفائها عنها.

Zionists Got Talent? Resistance Spots ‘Weak Performance’ Along Lebanese Border

Zionists Got Talent? Resistance Spots ‘Weak Performance’ Along Lebanese Border

By Staff

The ‘Israeli’ military owes whoever came up with this ‘genius’ thought a prize!

Hezbollah’s military media spotted the latest worth-mocking achievement the ‘Israeli’ occupation military has scored along the occupied Palestinian border with Lebanon.

It seems that the nightmare stalking the ‘Israeli’ establishment’s existence started looping into a continuous show. The anticipated Hezbollah retaliation to the ‘Israeli’ assassination of one of its fighters in Syria is more of which turning into a Hezbollahmania.

Added to its one year-old using of mannequins inside an ‘Israeli’ military vehicle to pretend that its soldiers are watching along the South Lebanon border, the enemy fixed a soldier-like robot in an exposed attempt to allure the resistance to a military action, that perhaps it wanted to try if it serves as the much awaited anytime possible offensive.

Poor Zionists! Maybe their fear has turned into a sickness. Sometime they imagine ghosts and start a war with their own personnel, and they think that the resistance is shallow enough to mistake a goal to another.

The satirical performance the ‘Israeli’ military presented -entre nous- will make the viewer laugh out loud. It is recommended to replay it time and again.

‘Israel’s’ sickness, pretending that it is undefeatable, had pushed it so far to commit embarrassing and unfixable actions. It, however, has been viewed in all levels as an icon of defeat and failure. It actually doesn’t even master performing in a sketch it already authored, or at the best case, wanted.

The question now is what would come next? Would the Zionists’ talent improve or they will -most probably- lose the final show?

Related Videos

Related articles

بين الترسيم واليونيفيل

المصدر

ثلاث معادلات تحكم ملف ترسيم الحدود الجنوبية وتحدّد إطاره، الأولى استئناف التفاوض من موقع أقرب للشروط اللبنانية، والثاني الحاجة لوقت يقاس بالشهور لا بالأسابيع حتى يبلغ التفاوض مرحلة حاسمة، والثالث العلاقة الحكميّة بين نتائج الترسيم وقضايا الصراع الإقليمي سواء ما يتصل بالمقاومة او بسورية، وبالتالي استحالة الحديث عن نجاح التفاوض خارج إطار مفهوم للتسوية الإقليمية او ربط النزاع بالحد الأدنى.

بالتوازي يجري ضخ تقارير ومعلومات عن تعديل بمهام اليونيفيل لصالح مناخ عدائيّ مع المقاومة او التلويح بسحبها. وهنا أيضاً ثلاث معادلات تحكم هذه المهمة، أولاً أن لا حكومة لبنانية تملك صلاحيات الجواب على أي مفاوضات حول مهمة جديدة لليونيفيل بعد استقالة الحكومة وثانياً لا تستقيم عملية التعديل مع إيجابيات التفاوض حول الترسيم، وثالثاً لم يعد للتهويل بالانسحاب قيمة الا بالضغط على «اسرائيل»، وليس على المقاومة بعد اعلان السيد حسن نصرالله عن عدم الاهتمام برحيل اليونيفيل التي لا يمكن الحديث عن سحبها من دون تعريض أمن «اسرائيل» للمجازفة والتي يرتبط تعديل مهمتها بتوافق ينتظر نتائج مفاوضات الترسيم.

في مسار الوضع الجنوبي الأمور ليست ببساطة التحدث عن تسويات لترابط قضايا الأمن بمستقبل المقاومة والصراع مع كيان الاحتلال ومستقبل أمن هذا الكيان ومستقبل سورية والجولان ووجود المقاومة في سورية، وبالتالي كل ازمات المنطقة؛ ولهذا يجب الانطلاق من اعتبار ما يجري إطاراً لهدنة قابل للتحول الى فرصة تسوية ترتبط بالانسحاب الأميركي من المنطقة بعد الاستحقاق الرئاسي الأميركي وقابل للانهيار نحو خيارات المواجهة أيضاً.

واشنطن والمراوحة نحو خطوة إلى الأمام أو إلى الوراء؟

ناصر قنديل

الثابت هو أن هناك تبدلاً في النبرة الأميركية تجاه لبنان والوضع الاقتصادي فيه، ونسبة من التبدل في سلوك دول تقيم حساباً للموقف الأميركي توحي بالتحوّل إلى خطوات إيجابية لا تزال في طور الترقب، وتحريكاً لمسار ترسيم الحدود البحرية بما لا يضع الأمور ضمن الثنائية التقليدية، هذه خطة فريدريك هوف فاقبلوها أو لا بحث بالترسيم. والثابت أيضاً أن هذا التبدل جاء عقب نبرة تصعيدية عالية في خطاب المقاومة عبر عنه بوضوح كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بمعادلة القتل ثلاثاً. والثابت أيضاً وأيضاً أن مؤشرات ترجمة التوجه شرقاً، المعادلة التي دعا إليها نصرالله نحو تبادل المشتقات النفطية مع إيران بالليرة اللبنانية، وفتح الباب لتعاون كبير مع الصين، وإقامة تبادلات واسعة عبر الحدود مع سورية والعراق، بالتوازي مع الجهاد الإنتاجي الذي دعا إليه، قد جعلت القلق الأميركي من خسارة استراتيجية كبرى، سبق وحذر منها الدبلوماسي السابق جيفري فيلتمان، يترجم بالتحرك لتجميد ما أمكن من الاندفاعة الحكومية بهذه الاتجاهات، عبر الإيحاء بالاستعداد للمساعدة، وفقاً لكلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وهو ما نقلته بوضوح وتفاصيل السفيرة الأميركية دوروتي شيا لرئيس الحكومة حسان دياب، وصولاً لتحريك ملف التفاوض على ترسيم الحدود في لقائها برئيس مجلس النواب نبيه بري.

لم تكن الأمور بالأصل، كما يتخيّلها البعض، بين تسليم أميركي بنتائج انتصارات محور المقاومة أو هجوم أميركي عنوانه الضغط المالي وصولاً لفتح ملف نزع سلاح المقاومة، ولو أدى للانهيار الشامل في لبنان، ومثله في سورية وصولاً لاستعادة زمام المبادرة في رسم مستقبل سورية، بعدما فشلت الحروب المتغيرة والمتعددة في فرض ذلك، فالأميركيّون يعرفون ويعترفون بأن مثل هذه الأهداف تفوق قدرة الضغوط المالية على تحقيقها، ولذلك فهم رغم تحريض جماعاتهم على التحرّك تحت عنوان طرح مستقبل سلاح المقاومة، ومشاركتهم بتحميله مسؤولية الأزمات، كانوا واضحين في رسم الأهداف التفاوضيّة لحملة الضغط المالي على لبنان وسورية، وهي من جهة أولى كما قال معاون وزير الخارجية ديفيد شنكر، في لبنان الدعوة لقبول ترسيم الحدود البحرية وفقاً لخط فريديريك هوف الذي يغلّب مصالح كيان الاحتلال على مصالح لبنان، وصولاً لفتح ملف الترسيم البري وفقاً لنتائج البحر، وربما تمهيداً لتعديل مهمة اليونيفيل لتوفير شبكة متعددة الطبقات من الأمن الاقتصادي والعسكري لكيان الاحتلال. ومن جهة ثانية كما قال المبعوث الأميركي إلى سورية جيمس جيفري، العودة بسورية إلى معادلة 2011، تسليم باستعادة الدولة السورية ورئيسها وجيشها للسيطرة حتى الحدود كما كانت يومها، مقابل مقايضة انسحاب أميركي بانسحاب إيران وقوى المقاومة، والتمهيد لتعزيز ترتيبات فك الاشتباك في الجولان، بما يشبه 1701 سوريّ يضمن شبكة أمان إضافية لكيان الاحتلال. والأجوبة العملية التي تلقتها واشنطن، هي أن العرضين مرفوضان، وأن مواصلة الضغط ستغير قواعد الاشتباك، وتنشئ وضعاً أشدّ صعوبة على المصالح والخطط الأميركيّة.

المرونة الأميركيّة حتى الآن هي التقاط أنفاس لإعادة التقييم، ورسم البدائل، حيث الخيارات مرّة أخرى، ليست بين التسليم بالأمر الواقع الناتج عن انتصارات محور المقاومة، أو الهجوم لإسقاط قوى هذا المحور. فالبدائل هي عرض مشاريع تفاوضية بسقوف جديدة، يعتقد الأميركي أنها تملك حظوظاً أفضل من الذي كان مطروحاً، ويضمن أنها ستجمّد مفاعيل الكثير من الخطوات الراديكالية والتصعيدية، التي تمثلت بتفاهم سوري إيراني على نشر منظومات صاروخية متطورة للدفاع الجوي، وبمضمون ما ورد في تهديدات السيد نصرالله، والخطوات التي دعا إليها، والسؤال حول البدائل سيبقى مربوطاً بحجم قدرة الأميركي على الفرض وقدرة كيان الاحتلال على التحمّل والتقبّل، واستعداد قوى محور المقاومة للقبول، في العناوين ذاتها، حدود أمن الكيان عبر الحدود مع لبنان بحراً وبراً، وحدود استثناء لبنان من العقوبات على سورية، وعبر الحدود مع سورية وعمقها في الجغرافيا السورية لجهة تواجد قوى المقاومة والحضور الإيراني كمصدر للقلق الدائم من وجود نيات سورية بفتح جبهة الجولان في توقيت مناسب، رداً على القرار الأميركي بتغطية قرارات حكومة الاحتلال بضمّ الجولان، فهل يفتح الباب لبحث انسحابات لجيش الاحتلال مما تبقى في جنوب لبنان وفتح التفاوض حول الجولان كسقف جديد، أم لما هو أقل عبر قبول خط ترسيم حدودي يرضي لبنان نسبياً واستثناء لبنان نسبياً من العقوبات على سورية وتقبل نسبي لبقاء إيران والمقاومة في سورية ضمن تموضع يبتعد عن خطوط الاشتباك، أم أن كل شيء بات معلقاً على التسويات الكبرى أو الحرب الكبرى؟

فيديوات متعلقة

مع الحدث – النائب حسين الحاج حسن

مع الحدث – العميد أمين حطيط & بيار أبي صعب & النائب عبد الرحيم مراد

مع الحدث – قاسم حدرج

مقالات متعلقة

هل نجح الحريري في رحلة الحج الأميركية؟

 صديق لبنان “العظيم”مع السعد الحريري

أغسطس 17, 2019

د.وفيق إبراهيم

الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة سعد الحريري الى الولايات المتحدة الأميركية خلطت بين أهداف عائلية «حريرية»، شكلت مناسبة إضافية لصاحبها لربطها بالأبعاد السياسية.

فليس ممكناً لمن يزور مكة موسم الحج أن يكتفي بمرافقة قريب له، يريد الإقامة فيها، فهي مناسبة استثنائية لربطها بأداء مناسك الحج ما يؤمن له الهدفين في آن معاً.

هذا ما يفعله السعد، الذي رافق كريمته التي تريد مواصلة تعليمها في الولايات المتحدة، مجرياً لقاءات سياسية واقتصادية تندرج في إطار الاستعلام عن السياسة الأميركية بعد قبرشمون، وأين السعد منها وفيها؟

فباع على جاري عادة السياسيين اللبنانيين مواقف سياسية موالية للنفوذ الأميركي وثروات اقتصادية لبنانية، داعياً الشركات الأميركية ودولتها الى الاستثمار في النفط والغاز، مؤيداً الوزير السابق وليد جنبلاط في موقف بدا وكأنه مطلوب أميركياً، انما على شكل أمر مبرم بل كنصيحة من كاوبوي لا يعترف باللياقات.

وباع أيضاً السيادة اللبنانية والتوازن الداخلي المرتكزة عليه باستماعه الى هجوم عنيف شنه وزير الخارجية الأميركية بومبيو على حزب الله متجاهلاً ان هذا الحزب مع تحالفاته يشكل معظم اللبنانيين وله نواب ووزراء في الدولة، يتيحون للحريري الاستمتاع بلقب رئيس حكومة مصاب بتورّم لا علاقة له بالقوة الفعلية.

إن هذا التهذيب الحريري في السكوت للهجمات الأميركية الضارية على لبنان، وقبولهم «بكبرياء» المشاركة في سرقة النفط والغاز اللبنانيين التي دعاهم اليها السعد، جلبت للحريري تأييداً أميركياً لسياساته الخارقة، لكنهم لم يحددوا أين؟ وفتحت له تأييداً أميركياً لمؤتمر سيدر الرنّان، وأبواب البنك الدولي الذي أبدى موافقته «اللفظية» على تمويل مشاريع في لبنان في إطار سياسة «الوعود الكمونِّية» للزوم دعم السياسات الأميركية بإغراءات «البنك الدولي».

فهل يُصدِّق أحد أن الأميركيين لا يعرفون أسباب تأخر لبنان العظيم عن الاستثمار في نفطه وغازه؟ ويجهلون أن قسماً منها، يتعلّق بالخلاف مع الكيان المحتل على ترسيم الحدود البرية والبحرية فيما تتحمّل الطبقة السياسية اللبنانية وزر القسم الأكبر من التأخر، وصولاً الى حدود عجزها عن تعيين المناطق التي يجب أن يبدأ منها الاستثمار إلى حدود ان بعض تيارات هذه الطبقة طالبت باتفاق تحاصص متوازن يشمل كل فئاتها حتى ولو لم تجد نفطاً وغازاً في مناطقها.

فهل كان السعد بحاجة لمدير البنك الدولي لتنبيهه لتأخر لبنان عن استثمار ثرواته مقابل قبرص واليونان والكيان الإسرائيلي الذين بدأوا باستخراج ثرواتهم منذ أربع سنوات على الأقل.

كان بإمكان رئيس الحكومة ان يجيبه بأن قدرة الدولة على الاستدانة جعلتها تتلكأ عن الاستثمار او بشكل أدق، ترجئ صراعاتها الداخلية من النزاع حول الحصص الكبرى في عائدات الطاقة يتبين بالنتيجة أن السعد باع واشترى، وكأنه في «أسواق الحسبة» في البلدات اللبنانية الكبرى باع مواقف سياسية سيادية واقتصادية. وهذا ما يريده الأميركيون دائماً، مستجلباً دعماً أميركياً لثلاث قوى لبنانية حصرية: الاولى ما يمثله وليد جنبلاط الذي يرى الأميركيون فيه حالياً، ما يريدونه من قوة مشاغبة على حزب الله، ولديه إمكانية قيادة حركة لبنانية، مناهضة للحزب على منوال 14 آذار المتهاوية التي شكل جنبلاط في مراحلها الاولى رأس حربة الهجوم على سورية وحزب الله وإيران. وهذا ما يريده الأميركيون وحليفتهم «إسرائيل».

أما الدعم الثاني فللقوات اللبنانية وملهمها جعجع الذي سارع الى الفصل بين لبنان الحريري ـ جعجع ـ جنبلاط وبين لبنان حزب الله ـ التيار الوطني الحر وإيران، على حد زعمه.

وتلقى الحريري إسناداً كبيراً بصفته الفريق الثالث في المعادلة الأميركية الجديدة التي تستطيع أن تضّم عشرات الشخصيات السياسية المنتهية الصلاحية ريفي ـ سعيد ـ الخ ومثلها من الاحزاب المحدودة المتهالكة.

ماذا يعني انغماس الحريري في هذا المشروع؟ يعتقد السعد أن هذه الوجهة ليست جديدة، ولا تتطلب منه انسحاباً من تسوياته على التحاصص في مرافق الدولة مع الوزير جبران باسيل في السياسة والاقتصاد والولاءات، كما انها لا تزيده تورطاً في استعداء حزب الله وذلك عبر رجل الدولة الحريص على رعاية الحدود الدنيا في العلاقات بين القوى السياسية وهو رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

فالسعد في خاتمة المطاف يعرف أن الأميركيين لن يستعملوه إلا لعدادات اعلامية تزيد من انقسام المجتمع اللبناني، ويأمل أن تعيد له قوته في الشارع والحزب المتراجع وإعلامه المفلس كما يعتقد ان اندفاعته الأميركية لن تستجلب غضب اركان حزب الله عليه، مؤمناً بأن لا بديل مقبول له عندهم.

لذلك يراهن الحريري على عقلانية بري رجل المؤسسات والاتفاقات وحذر حزب الله من «الجديد» في عدم مجابهته، كلما وجد نفسه مضطراً لكسب تأييد الأميركيين والسعوديين بالمزيد من الصراخ ضد إيران ودورها «التخريبي الإرهابي»، على حد زعمه، وإلا فإن التحالف الأميركي قد يتخلى عنه، وهذا يعني بداية تفجير لبنان لأن بدلاءه غير مقبولين عند الحزب وحلفائه.

فهل استنتاجات الحريري منطقية؟

يصيب السعد في مسألة أساسية وهي أن بديلاً للمعادلة السياسية اللبنانية، ليس موجوداً حالياً لا عند الحزب وتحالفاته ولا عند الفريق السعودي ـ الأميركي وولاداته. وهذا يعني انسداداً كاملاً، ولأن هذه الوضعية تتطلب تقت من دون خسائر، فإن الحريري قيادة متواضعة، اضمحلت احلامها السياسية، وباتت منوعة بتصريف الاعمال، بانتظار تغييرات خارجية تعيد لها رصيدها المندثر، بما يفرض عليها تطبيق سياسات رمزية لا تخلف أثراً وتعتمد على تصريحات إعلامية لا تترك اثراً.

بذلك يمكن القول ان الحريري حمى قيادته بائعاً مواقف غير قابلة للتصريف في اسواق القرى الصغيرة ونجاحه الوحيد هو في التحاق كريمته بالجامعات الأميركية.. الف مبروك.

Related Articles

كوشنر يُرجئ ترسيم الحدود الجنوبية؟

يوليو 5, 2019

د. وفيق إبراهيم

بعد أشهر من التفاؤل اللبناني بوساطة أميركية كانت تزعم أن «الكيان الإسرائيلي المحتل» موافقٌ على وجهة النظر اللبنانية بترسيم الحدود مع فلسطين المحتلة براً وبحراً، عاد الوسيط الأميركي ديفيد ساترفيلد في زيارته الأخيرة لرئيس مجلس النواب نبيه بري الى تبني وجهة نظر إسرائيلية معدّلة نسبياً وهو العارف مسبقاً بالرفض اللبناني للتسويات التي لا تنال إلا من حقوق لبنان في بحره وارضه.

فلماذا يعطّل الأميركيون ترسيماً سعوا إليه بإصرار قبل أشهر عدة؟ منقلبين عليه منذ أيام عدة فقط؟

توقفت اذاً وحتى إشعار آخر جولات ساترفيلد ما يدلّ على استنفاد الحاجة الأميركية اليها حالياً وتوجّههم لتلبية مواضيع أكثر إلحاحاً. وهذا لا يكون إلا بالتوافق مع الطرف الإسرائيلي الذي لا يمتلك حالياً إمكانية إصدار قرار بحجّة الترسيم، فالكيان الإسرائيلي في مرحلة انتخابات جديدة لا يريد أي من قواها المتنافسة ان يؤثر هذا الترسيم عليه عند الناخبين الذي ينتمي معظمهم الى فئات المتشددين.

وكان الأميركيون أوفدوا ساترفيلد في وساطة بين لبنان والكيان المحتل، تحت تأثير ما أسمي «حرب الغاز في شرقي المتوسط» وصفقة القرن التي كان صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر يعمل على عقدها في المنامة عاصمة البحرين، لذلك اعتقد الأمن القومي الأميركي أن جذب لبنان الى محوره، يؤدي تلقائياً الى انضمام لبنان الى الحلف الأميركي في حرب الغاز وصفقة القرن ما دفع بالأميركيين الى الضغط على «إسرائيل» للتراجع عن ادعاءاتها الحدودية في آبار غاز ونقاط حدودية تثبت ترسيمات فرنسية وأخرى حديثة انها للبنان. وبالفعل استسلم الكيان الإسرائيلي لصمت كامل في مرحلة جولات ساترفيلد وحمّله موافقته على وجهة النظر اللبنانية مع شيء من التحفظ واللبس.

إلا أن محادثات الوسيط مع الرؤساء اللبنانيين لم تكن تستقر على خاتمة مفيدة، لأن ساترفيلد لم يكشف عن كل ما في جعبته.

فبدا ان هناك رهاناً أميركياً على حضور لبنان لقمة صفقة القرن ومفاوضات مباشرة لبنانية إسرائيلية برعاية أميركية مع جذبه نحو محور الغاز المتشكل من مصر و»إسرائيل» والاردن وقبرص واليونان، المراد منه أميركياً مجابهة الغاز الروسي عبر تركيا وبحر الباسفيك وتقليص حظوظ سورية بإيجاد منافذ لتصدير «غازها» والحدّ من حركة إيران في هذا الاتجاه.

هناك ايضاً رغبة أميركية جارفة في تأمين حصص وازنة لشركات نفط وغاز أميركية في آبار لبنان بما يحدّ من حركة الشركات الروسية والفرنسية والايطالية التي لديها حقوق تنقيب كبيرة فيها.

لقد ظهر مستجدّان اثنان أربكا مهمة ساترفيلد. وهما عودة «إسرائيل» الى انتخابات جديدة، وغياب لبنان عن حضور صفقة القرن في البحرين، مع إعلانه مواقف تصعيدية منها، اقلها رفضه المطلق لتوطين الفلسطينيين على أراضيه.

فظهر مشروع ساترفيلد على حقيقته وهو الغاز مقابل الاعتراف اللبناني بالكيان الإسرائيلي، وتطبيع العلاقة معه على كل المستويات وكان طبيعياً أن يؤكد الرئيس بري على لبنانية الآبار والنقاط الحدودية المختلف عليها ورفض كامل لأي اعتراف او لقاءات ثنائية مباشرة لا تجري بوساطة ورعاية الأمم المتحدة، وسط إجماع كامل القوى السياسية اللبنانية على هذا الموقف ورفض تقديم أي تنازلات مهما كانت بسيطة.

عند هذا الحد توقف دور ساترفيلد وبدأ دور جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب وعراب صفقة القرن، بمعنى أنه انتقال من خلافات حدودية مع الكيان الإسرائيلي الى مستوى إدراج لبنان في المشروع الأميركي الأكبر وهو تصفية القضية الفلسطينية وهذا يدفع بلبنان الى الحلف السعودي الإسرائيلي بشكل مباشر.

فجاء تصريح كوشنر الجديد حول ضرورة قبول لبنان بتوطين الفلسطينيين على أراضيه مثابة شرط أساسي للسماح بحل الخلافات الحدودية، وبالتالي التنقيب عن الغاز في الآبار الحدودية – يجري ذلك على وقع تسريب معلومات من مصادر أميركية عن احتواء الآبار اللبنانية المتنازع عليها مع «إسرائيل» على كميات يصل ثمنها الى 600 مليار دولار. وهذا إغراء اضافي للبنان الذي ينوء بديون تزيدُ عن المئة مليار دولار ووصل اقتصاده الى مرحلة إعلان الافلاس كما أن العلاقات بين قواه السياسية تتهاوى وتصل الى حدود الاشتباكات المسلحة والاغتيالات.

فيصبح المشهد كالآتي: كوشنر يريد تصفية قضية فلسطين وسط انهيار الأوضاع الوطنية والسياسية والاقتصادية في لبنان وإعلان ولادة حلف سعودي إسرائيلي أميركي يرعى هذه التصفية بقيادة مباشرة من كوشنر ويحضّر في الوقت لعمليات اعتداء واسعة على أعالي اليمن في صعدة الجبلية والساحل الغربي عند مدينة الحديدة باستعمال مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي.

وهناك معلومات أن مناطق السعودية المطلة على البحر الاحمر تستعد لإعداد مدارج لطائرات إسرائيلية تتحضّر للإغارة على اليمن.

فهل يستدرج كوشنر لبنان الى مشروعه؟

لا شك في أنه قادر على نسف التسوية الحدودية مع لبنان وبوسعه المراهنة على حلف إسرائيلي – سعودي إماراتي مصري أردني، ولكن تطويع لبنان مسألة متعذرة لارتباطها بتوازنه الداخلي المرتكز على العداء لـ»إسرائيل» ولبنانية الآبار والمتحالف مع مد إقليمي كبير يُعِينهُ على مقاومة كل انواع الضغوط.

هذا الى جانب أن حزب الله لن يتسامح مع اي عدوان إسرائيلي عسكري أو تحريض أميركي سياسي في الداخل، والكل يعرف أن مثل هذه الأمور، تستنفر حزب الله نحو حرب مفتوحة تضع كامل الكيان المحتل تحت مرمى صواريخه، وتصبحُ مناطق لبنان كمائن لمجابهة أي تقدم للجيش الإسرائيلي بطريقة أكثر احترافاً من ذي قبل.

كوشنر إلى أين؟ يسقط مشروعَه لبنانياً وفلسطينياً وسورياً متلقياً ضربة مميتة فيعود ساترفيلد في مراحل لاحقة وتحت وطأة المنافسة الأميركية للغاز الروسي لعرض تسوية تشبه الموقف اللبناني المصرّ على الثروة والسيادة من دون استرهان وشروط مسبقة.

%d bloggers like this: