من مذكّرات حكيم الثورة [3/4]: حركة القوميين العرب: امتدادها ونشاطها في الأردن [١]

في الذكرى الحادية عشرة لرحيل المناضل والقائد الفلسطيني والعربي جورج حبش (26 كانون الثاني/ يناير 2008)، أحد أبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، والأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يُصدر «مركز دراسات الوحدة العربية»، مذكّرات جورج حبش في كتاب بعنوان «صفحات من مسيرتي النضالية»، في تغطية لأبرز محطات تجربته النضالية. خصّ المركز «الأخبار» ببعض فصول الكتاب، تولّى تقديمها ومراجعتها الكاتب سيف دعنا وستُنشر تباعاً في حلقات.

تمكّنتُ عن طريق الأهل والأصدقاء من حل المشكلة الأمنية التي كانت تواجهني في الأردن، بسبب اتهامي بالإعداد لاغتيال الملك عبد الله. هكذا سافرت إلى الأردن لنبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من العمل عام 1952. في عمّان، بدأت أولاً بالإعداد لفتح عيادة أعمل فيها أنا والدكتور وديع بعد تخرجه، ويمكن أن تكون هذه العيادة مكان إقامة لحامد الجبوري الذي كان من المقرر أن يلتحق بنا؛ فضلاً عن جعلها مركزاً لاجتماعاتنا وأنشطتنا؛ وقد حصلت على ترخيص لمزاولة مهنة الطب هناك. وبدأت الاتصال بأصدقاء كانوا معي في الجامعة في فترة النكبة وما تلاها، وتحديداً علي منكو ونزار جردانة وحمد الفرحان، ومن خلالهم بدأت أتعرف إلى مجموعة أوسع من الشباب العربي والشباب الفلسطيني في مدينة عمان وفي الأردن بوجه عام انتظاراً لمجيء وديع وحامد كي نبدأ العمل بصفة جماعية. كما أود أن أذكر أصدقاء لي في الجامعة من الأردن، وخصوصاً الأخ علي منكو ونزار جردانة اللذين كان لهما دور في بداية عملنا في الأردن.

في هذه الأثناء، بدأت أمارس مهنة الطب. وفي ضوء محبتي لهذه المهنة، من ناحية، والمستوى الطبي للجامعة الأميركية وتفوقي في الدراسة فيها من ناحية ثانية، نجحت في علاج الكثير من الحالات الصعبة، وهو ما بنى لي سمعة طيبة. وفي هذه الأثناء، كان والدي ووالدتي وأهلي في عمان، وهو ما أتاح لي أن أعيش في جو عائلي نسبياً بعد انقطاع طويل عن مثل هذا الجو.

بعد أشهر قليلة بدأت تجربتنا الجماعية في الأردن، إذ حضر الدكتور وديع وحامد وبدأنا العمل النشط. كنا أولاً نتابع اجتماعاتنا نحن الثلاثة للمطالعة والبحث السياسي واستعراض ما نقوم به من أنشطة تنظيمية وغيرها. وفي الوقت نفسه كنا نعمل في الميدان الجماهيري كالاتصال بالناس ومحاولة تعبئتهم وتجنيدهم للتيار السياسي الذي نؤمن به: القومية العربية، والوحدة العربية، والتحرر، وتحديداً تحرير الأرض الفلسطينية المحتلة. أعتقد أننا قمنا بتجربة خاصة على هذا الصعيد تتمثل بتعبئة الناس من خلال تقديم خدمات إليهم. ساعدنا ذلك في العمل كثيراً، وكنا نقدم عليه بحيوية وحماسة، فذلك يتمشى مع طباعنا وأخلاقياتنا. هنا، على وجه التحديد، أسسنا مدرسة لمكافحة الأمية في نادٍ اجتماعي اسمه «المنتدى العربي» كان قائماً قبل حضورنا إلى الأردن، فانتسبنا إليه عن طريق علي منكو ونزار جردانة، وبدأنا نتخذه مسرحاً لبعض الأنشطة. وإلى جانب مدرسة مكافحة الأمية، نظمنا في المنتدى نفسه يوماً للعلاج المجاني. وكنا من خلال العيادة نجتذب الكثير من الناس إلينا من خلال معالجتهم مجاناً ومحاولة الحصول على أدوية مجانية لهم أيضاً، إضافة إلى زيارة المرضى وأهاليهم في بيوتهم.

كنا في غاية السعادة والانسجام ونحن نرى نتائج مثل هذه الأنشطة عن طريق التفاف الناس حولنا، وبسرعة نسجنا علاقات في المخيمات، كمخيم الوحدات، في ضواحي عمّان، ومخيم الحسين. لم يكن المناخ السياسي في تلك الفترة مناخاً قمعياً، وهو ما مكننا من القيام بكل هذه الأنشطة من دون مطاردة أو ملاحقة تجعل الناس يتهيّبون من التعاطي معنا. لم يكن حامد قادراً على مشاركتنا بكل هذه الأنشطة نظراً إلى طبيعته، إذ إن العمل بالطب كان هو المدخل لي ولوديع للاتصال بالناس، فلم يكن حامد قادراً على المشاركة في ذلك لأن دراسته الجامعية كانت في مجال العلوم السياسية.

في موسكو عام 1980

هذه الدائرة من العمل التي كنت أقودها، والتي تشمل الدكتور وديع وحامد الجبوري، كانت تستهدف تجسيد ما كنا نطمح إليه من إيجاد تنظيم متين وحديدي يختلف عن التنظيمات السياسية القائمة في ذلك الوقت، بما في ذلك حزب البعث، وذلك بجديته ومستوى متطلباته من الأعضاء واستعدادهم للتضحية والسعي للقتال ضد إسرائيل التي اغتصبت أرضنا وأذلت الأمة العربية. لكنْ، إلى جانب هذه الدائرة وجدنا أنفسنا نعمل في الوقت نفسه في دائرة أخرى تنسجم مع الوضع السياسي الذي أصبحت تعيشه ساحة الأردن بعد اغتيال الملك عبد الله. فقد جاء الملك طلال الذي كان انطباع الناس عنه أنه يختلف كثيراً عن والده من حيث كراهيته للمستعمر البريطاني ورغبته في بناء بلد حديث، بحيث كان الانطباع العام لدى الناس حين مرض الملك طلال بأن هذا المرض مؤامرة رتّبها رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى بالاتفاق مع غلوب باشا، القائد البريطاني للجيش الأردني في ذلك الوقت.

تسلم الملك طلال العرش فترة قصيرة جداً، نحو سنة تقريباً، وبعد ذلك أُعلن عن مرضه رسمياً، ونُصِّب ولي العهد الأمير حسين ملكاً للبلاد. ويبدو أن الحكم كان حريصاً على أن يبدأ الملك حسين عهده بنوع من الديموقراطية الليبرالية التي تبعث الارتياح في النفوس. فجيء برئيس جديد للوزراء هو فوزي المُلقي، وسُمح بالحياة الحزبية والحريات بما في ذلك حرية الصحافة. وفي هذه الأثناء، وجدت نفسي، كما أشرت سابقاً، أعمل في دائرة أخرى من النشاط الذي يصب في إطار إيجاد حزبٍ ثوريٍّ عالي المتطلبات. فمن خلال معرفتي بعلي منكو ونزار جردانة تعرفت أيضاً إلى مجموعة من الشباب الأردني والفلسطيني المثقف والوطني الراغب في الإفادة من هذا الوضع السياسي الجديد الذي يعيشه الأردن. ومن بين هؤلاء الأخ حمد الفرحان الذي تعرفت إليه أول مرة في صيدلية نزار جردانة، وكان في منصب وكيل وزارة الاقتصاد واسمه معروف على مستوى الأردن ولديه من يحبه بقوة، وفي المقابل من يكرهه بشدة. وقد وجدت فيه مع الوقت إنساناً على درجة عالية من الكفاءة والإخلاص ويترك أثراً قوياً في سامعيه. ومن هؤلاء أيضاً محمد طوقان الذي كان قاضياً، وهو صديق حميم لحمد، إلى درجة أنهما لا يفترق أحدهما عن الآخر. ومن خلال حمد، تعرفت إلى مجموعة أخرى من الرجال من الأردن، وبخاصة محمد الرشدان، الذي كان يحتل مرتبة عالية في سلك القضاء الأردني، والدكتور أحمد طوالبة، الذي كان يعمل طبيباً في مدينة إربد. إلى جانب هذه المجموعة من الضفة الشرقية، كانت هناك مجموعة أخرى من المثقفين الفلسطينيين، منهم الدكتور صلاح العنبتاوي ومحمد العمد وممدوح السخن وآخرون من ذوي الكفاءات والسمعة الطيبة والاستعداد للعمل الوطني.

في هذا الجو العام، وفي ضوء الظرف السياسي الذي أشرت إليه، طرحت بقوة فكرة تأسيس حزب عربي. هنا وجدت نفسي مع وديع حداد في وضع صعب. فهذه المجموعة لا ترتقي إلى مستوى الانضباط والفاعلية والانصهار في العمل والتضحية التي تتجاوز أي تفكير بالذات، لكنها في الوقت نفسه مجموعة وطنية، ومخلصة، ومستعدة إلى حد معين للعمل على مستوى ما كان يؤديه على سبيل المثال قياديو حزب البعث وكوادرهم. وقد وجدت في النهاية أن عملنا، أي أنا ووديع، من خلال هذه المجموعة، يُسهِّل علينا أموراً كثيرة ويوفر لنا إطاراً نستطيع من خلاله أن نسرع في تثبيت وجودنا السياسي ونجد مدخلاً لعملنا على صعيد وطني. كان القرار بيني وبين نفسي، ثم مع وديع وحامد، ألا نترك الإخوة خارج الأردن، أعني اتفقت معهم على عملية التأسيس لتنظيم سياسي جديد، وأقصد هنا هاني الهندي، والدكتور أحمد الخطيب، وصالح شبل. كنت شبه واثق من أنه سيكون بإمكاني إقناعهم بسلامة القرار والخيار الذي اتخذناه نحن في الأردن.

وبالتالي يمكن القول إن عملنا في الأردن أصبح في إطار أوسع يضم كل هذه الأسماء الكبيرة التي ذكرتها، إضافة إلى أسماء أخرى مثل الشيخ إبراهيم قطان. في وسط هذه المجموعة، طُرحت فكرة إصدار مجلة أسبوعية، فرحبتُ بتلك الفكرة بقوة وشعرتُ بأنها تشكل بداية جيدة لعمل سياسي شعبي في الأردن. وقد كان واضحاً أنني، من الناحية العملية، سأكون أنا والدكتور وديع المسؤولين عن هذه المجلة وأنها ستشغل الكثير من وقتي. المعادلة بوجه عام كانت مريحة بالنسبة إلى المشروع الذي جئنا إلى الأردن من أجله. ونتيجةً للجو الليبرالي الذي رافق مجيء الملك حسين إلى الحكم، سُمح لنا بإصدار مثل هذه المجلة، التي أطلقنا عليها اسم الرأي، والتي أصدرناها باسم الدكتور أحمد الطوالبة، الذي كان على استعداد للانضمام والمشاركة في العمل الوطني. وراحت افتتاحياتها تلهب المشاعر الوطنية، وشعاراتها تحرير الأردن من السيطرة البريطانية، وهو ما جعل الإقبال عليها رائعاً منذ أعدادها الأولى. بدأت الرأي تصدر عام 1953. كانت مجلة أسبوعية تصدر كل يوم اثنين، فأصبح يوم الاثنين حدثاً بالنسبة إلينا وإلى والمحيطين بنا وكذلك بالنسبة إلى الجماهير، أو هكذا كنا نشعر على الأقل. وذكريات مجلة الرأي ذكريات حبيبة إلى القلب. لا أزال أذكر الصعوبة التي كان يعانيها علي منكو لدى كتابته موضوعاً للمجلة، ولكن حين ينجز الموضوع أشعر بأني أمام إنتاج ممتاز. كذلك أذكر مظهر النابلسي، الذي كان يأتينا بمجموعة من الأخبار المثيرة كانت سبباً في رواج المجلة، كما كان حمد الفرحان يكتب بعض الافتتاحيات بأسلوب جذاب جداً. ولا أزال أذكر سهرة ليلة الأحد التي كنا ننجز فيها العدد ونرسل آخر الموضوعات للطباعة. وفي هذه الليالي، كنا نسهر حتى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، وحين أعود، وبرفقتي الدكتور وديع حداد، إلى العيادة للنوم، كنت أشعر بأنني غفوت وأنا ما زلت في طريقي إلى الفراش، لأستيقظ صباحاً وأسأل عن صدور العدد وعن أي تعليقات سريعة من جانب الناس حول المانشيت الرئيسي.

هذه الدائرة من العمل التي كنت أقودها، والتي تشمل الدكتور وديع وحامد الجبوري، تستهدف تجسيد ما كنا نطمح إليه من إيجاد تنظيم متين يختلف عن التنظيمات السياسية القائمة

لا أزالُ أحتضن ذكريات هذه الأيام بحب شديد لأنها تثير في نفسي أسعد اللحظات. صداقات حميمة صادقة ومخلصة، جمهور من الناس يقدّر عملنا ويلتف حولنا، ونشاطنا في أوساط الجماهير وحد أدنى من الحياة العائلية، حيث كنت في بعض الأوقات أترك وديع وحده ينام في العيادة وأذهب أنا للنوم في البيت، حيث ألقى من والدتي كل العناية والترحاب.

بدأنا نعمل في هذه الفترة ضمن إطارين محددين: إطار أول يتخذ شكل خلايا وحلقات حزبية في أوساط مخيمات النازحين أو الفقراء خارج المخيمات؛ ومثل هذه الحلقات والخلايا كنا نحرص على أن نقودها أنا ووديع بأنفسنا، حتى ندربهم على مستوى من الانضباط والاستعداد للتضحية والجرأة في القيام بكل الواجبات المطلوبة. كنا نحرص على أن نعيش معهم ونأكل معهم في حياة تحمل الكثير من المساواة والتفاني. أما الإطار الثاني من العمل، فكان يضم المثقفين والموظفين الكبار والأطباء والصيادلة. كان هذان الإطاران متشابكين ومترابطين حيناً ومتنافرين حيناً آخر. وكانت تقع على عاتقي مهمة التوفيق بين هذين الإطارين، فكنت صلة الوصل بينهما. لم يستطع حامد أن يبقى معنا في هذه التجربة، فقد كان أهله في العراق ينتظرون لحظة تخرجه، فلم يكن من السهل أن يبتعد عن أهله إلى هذا الحد الذي أردناه. يضاف إلى ذلك أنه لم يكن منهمكاً في العمل كما كنا أنا ووديع. بالنسبة إليّ، كانت هناك العيادة والأهل والمعارف والعمل الوطني والتنظيمي، أما بالنسبة إلى حامد، فلم يكن أمامه فرصة للعمل إلا من خلال المطالعة والاجتماعات التي كنا نعقدها، فأصبح هذا ينعكس سلباً على نفسيته. سألته مرة عن الموضوع فصارحني بشعوره وعدم قدرته على الاستمرار؛ فاتفقنا على أن يترك ويعود إلى العراق، إذ إن عملنا في أساسه يقوم على الاختيار الحر لا على الإكراه.

في هذه الفترة نفسها، أذكر أننا بدأنا نؤدي دوراً في تحريك الشارع في بعض المناسبات القومية. ففي تظاهرة تضامن، وكانت المناسبة تتعلق بالاحتلال الفرنسي للمغرب وما كان قائماً هناك بين عامي 1953 و1954، نظمنا تظاهرة تضامن في وسط عمان، اعتقلت في إثرها. لكن اعتقالي لم يزد على يوم أو يومين حسبما أذكر. ففترة الديموقراطية التي كان يعيشها الأردن في ذلك الوقت جعلت بعض المحامين، منهم راتب دروزة، يتطوعون للدفاع عني، فأفرج عني إما بدون محاكمة وإما نتيجة محاكمة حكمت عليّ ببضعة أيام فقط. في ذلك الوقت الذي أشير إليه، كانت هناك ثلاث قوى أساسية تُحرك الشارع في الأردن: حزب البعث، والشيوعيون، ونحن، وكنا نسمي أنفسنا في ذلك الوقت «الشباب القومي العربي».

وفي مناسبة أخرى عام 1954، لم أعد أذكر ما هي بالضبط، وكان قد حصل تغيير حكومي، قُدتُ تظاهرة، فاعتقلنا في إثرها، وكانت حصتي من السجن هذه المرة تزيد على أربعين يوماً، وكان مدير السجن يعاملني بلطف شديد. أذكر بعض الذين سجنوا معي في تلك الفترة وفي المناسبة نفسها. كان يسمح بزيارة المساجين يوم الجمعة؛ فكان يزورني عدد من الأصدقاء. أما وجبات الطعام التي كانت تصلني من مطعم جبري وأحياناً من البيت، فكان ينتظرها زملائي من المساجين ممن كانوا معي في الغرفة بشوق ونهم.

إلى جانب هذه الأنشطة السياسية والجماهيرية والتنظيمية، لم أنس ذلك العدو الجاثم على الصدور وضرورة إيجاد عمل مسلح داخل فلسطين المحتلة. فأحضرت صديقاً لي كان يعمل قبل النزوح مع الهيئة العربية العليا والحاج أمين الحسيني، وكنت قد تعرفت إليه في بيروت أثناء اعتنائي بالشهيد إبراهيم أبو دية، وهو يُدعى محمد خليفة، وكنا نسميه أبو عبد الله. حضر محمد إلى عمان ووجد مكاناً للإقامة في العيادة، التي كان يسميها والدي، رحمه الله، «القيادة». كان هذا الصديق يعرف أناساً وطنيين كانوا يتعاملون مع الحاج أمين الحسيني؛ وقد طلبت منه أن يجدد معرفته بهؤلاء الناس وبخاصة الذين يسكنون قرى حدودية أصبحت تفصل بين الضفة الغربية والمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948. وقد بدأت بالتعرف إلى هؤلاء الذين لا أزال أذكر منهم مختاراً من مخاتير قرى رام الله اسمه أبو إسماعيل الذي زار العيادة أكثر من مرة، وأصبحت أتصل به وبأبي عبد الله مباشرة، وأحثّه على إيجاد مجموعات قادرة على النزول إلى الأرض المحتلة والقيام بأعمال ضد إسرائيل؛ أذكر منهم أيضاً شاباً اسمه نمر، كان يسكن قرية من قرى نابلس أو في المخيمات القريبة من نابلس. وقد أخذت أبحث معه تلك الفكرة. وفي بداية التجربة، كانت هذه المجموعات تنجح في الدخول إلى الأرض المحتلة وتقوم ببعض العمليات البسيطة نسبياً ضد الصهاينة، لكنها، على بساطتها، كانت تنعشنا كثيراً وتشعرنا بأننا نفعل شيئاً ضد العدو الذي اغتصب أرضنا، لكنْ بعد مضيّ بضعة أشهر أصبحت هذه العمليات أصعب وأكثر وتعقيداً، فلم تعد عمليات التسلل إلى المناطق المحتلة عام 1948 سهلة كما كانت في بداية التجربة، وذلك بسبب تشديد الحراسة التي كان يقوم بها الجيش الأردني على تلك المناطق الحدودية. وعند نجاح شخص ما أو مجموعة ما في التسلل إلى داخل مناطق الكيان الصهيوني ونجاحها في توجيه ضربة، كانت عملية العودة إلى الضفة الغربية أصعب كثيراً مما كانت عليه سابقاً. وهو ما جعلنا نعتقد بأن هناك تنسيقاً بين دولة العدو وقيادة الجيش الأردني، ممثلة بغلوب باشا، بحيث يخبر العدو قيادة الجيش بحدوث عملية ما في منطقة محددة فيتخذ الجيش الأردني الإجراءات المشددة لإلقاء القبض على الفدائيين في طريق عودتهم إلى الأردن .

مع إبنته ميساء

ويوماً بعد يوم ازدادت هذه العمليات تعقيداً، وهو ما عمّق إيماننا بأن تحرير فلسطين لا بد من أن تسبقه عمليات تحررية ووحدوية في الوطن العربي. كنا نكتشف بعد فترة أن البعض ممن يبدون استعدادهم للانخراط في مثل هذا العمل كانت لديهم دوافع نفعية ومادية. وإذ لم نكن نمتلك في تلك الفترة آلاف الدنانير، ولا حتى مئاتها، كانت عشرات الدنانير، بل أقل منها، تغري البعض للعمل لمصلحة نفعية. المهم أن عدم نجاحنا في مثل هذه التجربة بسبب سياسة الأردن الرسمية، وبخاصة قائد الجيش غلوب باشا في ذلك الوقت، جعلنا نركز عملنا على النشاط التنظيمي والجماهيري والسياسي الذي كنا نقوم به بنجاح كبير في عامي 1952 و1953 وبداية عام 1954 في الأردن.

لقد رأيت أن لمصلحة وجودنا وانتشارنا بين أوساط الجماهير ولمصلحة عملنا التنظيمي، كان علينا ألا نبقى أنا ووديع في عمّان معاً؛ فخطرت في بالنا فكرة هي أن يعمل وديع في عيادات الأونروا (وكالة الغوث)، حيث اكتظاظ الجماهير وهمومهم ومشاكلهم. وكنا نفضل ألا يكون عمل وديع في الأونروا في عمان لأني موجود فيها. فسعينا ليعمل في عياداتها في الضفة الغربية وعلى وجه التحديد في مخيمات أريحا. كنت أزوره أحياناً وكان يأتي هو إلى عمان كل أسبوع تقريباً لكي ننسق العمل معاً. أخذ عملنا التنظيمي يمتد ويتسع؛ فإضافة إلى وجودنا في عمان، أصبح لدينا امتداد تنظيمي في إربد وقرى الشمال، وكذلك في نابلس وقضائها، وفي طولكرم. وفي الواقع لم أعد أذكر المناطق كافة التي استطعنا الامتداد إليها في ذلك العام، أي عام 1953.

لقد رتبنا أيضاً، إضافة إلى صدور مجلة الرأي، وصول نشرة الثأر (التي كانت لا تزال تصدر في بيروت إلى ذلك الحين والتي كانت تتناول الموضوع الفلسطيني تحديداً والكيان الصهيوني وتستهدف تحريض الجماهير العربية على ضرورة مقاومة الكيان الصهيوني واقتلاعه، تلك النشرة التي أدت دوراً في الحماسة والتعبئة والتنظيم، وكنت أشعر بعد توقفها عن الصدور في عام 1958 كم كان يتشوق قراؤها إلى إعادة صدورها. في هذه النشرة، كنا نتبنى شعار الوحدة طريقاً لتحرير فلسطين (كان هذا الشعار أبرز من شعار الكفاح المسلح)، وكانت الثأر تتناول كل قضايا الأمة العربية التحررية، وبخاصة قضايا المغرب وثورة الجزائر. لا أزال أذكر تلك الزوايا في النشرة التي تهدف إلى تعريف القارئ بفلسطين، قراها، ومدنها، وتراثها العربي، وبالمعارك البطولية التي خاضها العرب في تاريخهم. في تلك الأيام، كنا نشدد على أن كلَّ يهوديٍّ إنما هو صهيوني، وأن التمييز بين اليهودية والصهيونية خرافة، وأن معركتنا موجهة ضد كل يهود العالم. وكانت لدينا بعض الأرقام والدراسات التي نحاول من خلالها إثبات هذا المفهوم الذي بقي من صلب مفاهيمنا حتى عام 1959، حين طرأ تغيير وتعديل على هذا المفهوم، إذ إنه ليس بالضرورة أن يكون كل يهودي صهيونياً وإن كان أغلبية اليهود يلتفون حول الصهيونية ويؤمنون بها ويساندونها. إن الدور الذي أدته مجلة الثأر هو الذي استوجب مني الحديث عنها ببعض الإسهاب.

رغم انغماسي مع الدكتور وديع في التأسيس لعملنا في ساحة الأردن، إلا أني كنت أصرف قسطاً من الوقت في الاهتمام والاطلاع على سير عملنا في الأقاليم العربية الأخرى، ولا سيما في لبنان، حيث كان يقود التجربة صالح شبل، وفي سوريا هاني الهندي، وفي الكويت الدكتور أحمد الخطيب، ولم أعد أذكر بالضبط التاريخ الذي انتقل فيه صالح شبل إلى بغداد (ليبدأ تجربتنا في العراق) بعدما تسلم مسؤولية لبنان الأخ عدنان فرج، رحمه الله.

عقدنا بضعة اجتماعات دورية في عمان للإشراف على فروع عملنا في البلدان العربية، وقد اغتنمت الفرصة في أحد هذه اللقاءات لأذهب مع الدكتور أحمد الخطيب إلى الضفة الغربية، حيث زرنا مدينة القدس، كما زرت أهلي وأقاربي هناك، إذ كان عمي عيسى يسكن ويعمل في مدينة القدس في التجارة، وهو والد هيلدا، التي أصبحت في ما بعد زوجتي وشريكتي في ذلك الدرب الطويل من النضال والتضحيات.

كانت تلك اللقاءات تتناول دوماً ما كنا نسميه البعد النظري والفكري. وكنا دائماً نطرح على أنفسنا أسئلة من نوع: ما هي فلسفتنا، وما هي نظريتنا؟ وهل نرفع الاشتراكية كشعار أم أن هذا الشعار يُرفع بعد مرحلة التحرر الوطني؟ ثمة مجموعة كبيرة من الأسئلة من هذا النوع. وكنا نحدد لأنفسنا برامج مطالعة ننجزها بين وقت وآخر. كما كنا أحياناً في هذه اللقاءات نستعرض كتاباً معيناً ونناقشه. كنا نحث أنفسنا على مطالعة تراثنا وتاريخنا والإلمام بتجارب العالم التحررية والوحدوية. ونظراً إلى أن ألمانيا وإيطاليا كانتا مجزأتين ومقسمتين إلى دويلات، ثم قامت الوحدة في كل منهما، كنا نرى أن دراسة هاتين التجربتين هي موضوع أساسي من الضروري الإلمام به. وعلى هذا الصعيد، كان يتضح لي كفاءة صالح شبل وهاني الهندي ورغبتهما في تناول هذه الموضوعات النظرية وشعورهما بأهميتها. في المقابل، كان رفاق آخرون يميلون إلى الاهتمام بالجانب العملي الكفاحي والنضالي. في هذه اللقاءات، كنا نستعرض كيفية سير تجربتنا التنظيمية في لبنان وسوريا والكويت، كما نُطلع بقية الإخوة على سير تجربتنا في الأردن. من الجدير بالذكر أن الرفاق الذين كانوا يقودون العمل في المخيمات آنذاك كانوا حمدي مطر وعلي سرحان وأبو علي مصطفى الزبري (مصطفى علي الزبري) وأحمد محمود إبراهيم (أبو عيسى).

كانت تجربتنا في الأردن فريدة في نوعها، تبدو غريبة بالنسبة إلى بقية الإخوة المسؤولين عن الفروع الأخرى للتنظيم. ففي الفروع الأخرى، كان معظم عملنا التنظيمي في القطاع الطلابي، إضافة إلى المخيمات الفلسطينية. لقد كان مستوى المتطلبات من العضو عالياً جداً، أي كان يتطلب مستوى عالياً من الانضباط. فكنا نستعمل تعبير «تنظيم حديدي»، إذ كان تنظيماً نخبوياً بطبيعة الحال. أما في الأردن، فقد توسعنا بسرعة وانضمت إلينا مجموعة من المثقفين والموظفين الكبار كانت مستعدة للعمل وتريد أن تؤسس تنظيماً سياسياً تقوده بنفسها؛ وكان الإخوة الذين يأتون من سوريا ولبنان والكويت يشككون في نجاح مثل هذه التجربة وقدرتنا على السيطرة عليها، أو الارتقاء بها إلى مستوى البناء الحزبي الذي اتفقنا عليه حين كنا معاً في بيروت. بينما كنت أنا ووديع نراهن على هذه التجربة ونرى أهميتها وضرورتها في ذلك الوقت. كنا مشدودين إلى ما تفرزه هذه التجربة من امتداد وإمكانيات وفعل وطني بالمعنى العام.

مع ابو جهاد

أصبحت المشكلة أن النواة المؤسسة التي عملت معاً في بيروت، قبل أن تتوزع في البلدان العربية، تعتبر نفسها هي التي تشكل القيادة المؤسسة لهذا العمل، بما فيها قيادة تجربة الأردن. وهذا بطبيعة الحال كان رأيي ورأي الدكتور وديع. أما المجموعة التي عملنا معها في الأردن من المثقفين والموظفين، فكانت تنظر إلى نفسها على أنها هي الأساس وأن العمل القومي العربي القائم في لبنان وسوريا والكويت يمكن أن ينضم إليها في المستقبل، كوننا أنا ووديع وهم الأساس لهذا العمل والتنظيم في الأردن وأن العمل القومي في المناطق الأخرى تابع لتجربة الأردن. كان هذا الوضع يسبب نوعاً من الإحراج لي ولوديع، بوجه خاص، ولكننا كنا قادرين على تجاوزه وضبطه.
لم يدم طويلاً شهر عسل الحريات الليبرالية التي عاشتها ساحة الأردن، على مستوى مجلة الرأي على الأقل، فلم تعد السلطات قادرة على تحمل موضوعات ومقالات وتحريضات المجلة، فبدأت الدولة بإجراءات من نوع إيقاف عدد من الأعداد، أو إيقاف المجلة لمدة شهر، ومحاكمات ترفعها الدولة على المجلة، وقضايا نرفعها نحن ضد الدولة، إلى أن صدر قرار بمنع الرأي من الصدور. كان السبب المباشر لإغلاق المجلة يومها مانشيت تقول «فليعد الجيش إلى ثكناته».

كان هناك إصرار على استمرار صدور الرأي نظراً إلى الدور الذي بدأت تؤديه في التعبئة الجماهيرية باتجاه أفكارنا وخطنا السياسي. وكان تأثير المجلة في الساحة الأردنية كبيراً، بل أكبر مما كنا نتوقع، لذلك حرصنا على استمرار صدورها. وحين تم إغلاقها من جانب السلطات الأردنية، كان لا بد من البحث عن سبل أخرى لاستمرارها، فكانت الساحة السورية مهيأة لذلك. فبعد إطاحة نظام الشيشكلي في شباط/ فبراير 1954 وعودة هاشم الأتاسي إلى الحكم، توافر جو ليبرالي أفسح مجالاً لعمل الأحزاب. وكانت أحزاب سوريا الرئيسية في تلك الفترة هي الحزب الوطني بقيادة صبري العسلي، وحزب الشعب بقيادة رشدي الكيخيا وناظم القدسي، كذلك حزب البعث والحزب الشيوعي. كان النهج السياسي العام للدولة في تلك الفترة، بحكم وجود العسكريين الوطنيين يحمل بذور المعاداة لمشاريع الأحلاف التي كانت تشكل العنوان الرئيسي في تلك المرحلة. فقد كان مطروحاً في ذلك الوقت مشروع حلف بغداد الذي كانت تسعى بريطانيا من خلاله إلى ضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية وغير العربية إليه بهدف منع النفوذ السوفياتي من الامتداد.

انتقلت عام 1954 إلى سوريا بعدما رتبت مع الرفاق، ولا سيما الدكتور وديع، كيفية استمرار عملنا في الأردن والشؤون الأخرى كافة، وبذلك استمر إصدار المجلة من سوريا باسم الرأي؛ ولا أزال أذكر كيفية إرسالها إلى الأردن عن طريق التهريب.

* الحلقة السابقة:

«الأخبار» تنشر فصولاً من مذكّرات حكيم الثورة [2/4] 

من ملف : مذكّرات حكيم الثورة

Advertisements

من مذكّرات حكيم الثورة [1/4] جورج حبش: الاشتباك الأخير

سيف دعنا

  • في الذكرى الحادية عشرة لرحيل المناضل والقائد الفلسطيني والعربي جورج حبش (26 كانون الثاني/ يناير 2008)، أحد أبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، والأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يُصدر «مركز دراسات الوحدة العربية»، مذكّرات جورج حبش في كتاب بعنوان «صفحات من مسيرتي النضالية»، في تغطية لأبرز محطات تجربته النضالية. خصّ المركز «الأخبار» ببعض فصول الكتاب، تولّى تقديمها ومراجعتها الكاتب سيف دعنا وستُنشر تباعاً في حلقات.

    «سوف أذهب إلى أرض وطني وأقول:
    عانقيني بلا أي خوف،
    وإذا كان كل ما أعرف القيام به هو أن أتكلم، فأنني لن أتكلم إلا من أجلك
    وسأقول لها أيضاً:
    فمي سوف يكون صوت كل تلك المآسي التي ليس لها فم،
    وصوتي سوف يكون صوت حرية كل الذين يقبعون في زنازين القهر
    وعلى الطريق سوف أظل أردد لنفسي
    وقبل أي شيء، لجسدي وكذلك لروحي:
    حذارِ حذارِ
    من القبول بموقف المتفرج العقيم، لأن الحياة ليست مشهداً،
    ولأن بحراً من المآسي ليس مجرد مقدمة مسرحية،
    ولأن إنساناً يصرخ من العذاب ليس مجرد دباً راقصاً»
    إيميه سيزير «مذكرات العودة إلى أرض الوطن»

    «إلّا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم، بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم، بل أحلى، وهممهم عند الثريا، بل أعلى، إن عُرفوا تنكروا، وإن رُئيت لهم كرامة أنكروا. فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أفلاك السماء».
    ابن الجوزي في وصف الأبدال

    «الأبدال» أو «البدلاء» في التقليد الصوفي، كما جاء في «لسان العرب»، هم «قوم من الصالحين، بهم يقيم الله الأرض، أربعون في الشام وثلاثون في سائر البلاد، لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر فلذلك سُمّوا أبدالاً». ويذكر ابن عربي في «الفتوحات المكية» أن «ثم رجالاً سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات»‏i. وينقل هادي العلوي عن ابن شميل: أن «الأبدال خيار بدل من خيار»، وعن ابن السكيت: «سمي المبرزون في الصلاح أبدالاً لأنهم أبدلوا من السلف الصالح (أي قاموا مقامهم بعد ذهابهم). والأبدال هم الأولياء والعباد، سُموا بذلك لأنهم كلما مات منهم أحد أبدل بآخر». أما علامتهم، كما نقل الزبيدي في تاج العروس أنه لا يولد لهم، أو «لا يولد لهم ولدا ذكراً»، كما جاء في ترجمة صاحب «مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات»، محمد المهدي الفاسي (وهو من الأبدال، كما ينقل البعض)ii. وإذا وقفنا عند قول الزبيدي أنه لا يولد لهم ولد ذكر، يقول هادي العلوي: فـ «هذه حال المسيح الذي لم يتزوج أصـلاً. وحال محمد الذي لم يكن له ولد ذكر. وكذلك حال معظم الصوفية من الأقطاب. ومن المعاصرين لم يكن لكارل ماركس ولد ذكر ولم يولد للينين»iii.

    رسم سحر برهان

    أما «الأوتاد»، «الذين يحفز الله بهم العالم»، فهم كما يذكر ابن عربي «أخص من الأبدال»iv. أو أخص الأبدال، في المذاهب الصوفية، وهم أيضاً «أضنان الله». والأضنان، كما يشير هادي العلوي، من الضن، «أي البخل الشديد»، و«ضنائن الله» هم الذين يضن الله بهم عن الفساد. وفي «لسان العرب» هم «الخصائص من أهل الله تعالى الذين يضنّ بهم لنفاستهم عنده تعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام»: «إنّ لله ضنائن من خلقه ألبسهم النور الساطع يحييهم في عافية ويميتهم في عافية». والأوتاد من الأبدال، كما جاء عند ابن عربي في «الفتوحات». والقول «إن الله يقيم بهم الأرض هو ما يعطيهم اسم الأوتاد»، وهذا «مأخوذ من الفلك القرآني حيث اعتبرت الجبال أوتاداً للأرض تمنع ميلانها وتثبتها في مستقرها، واستعيرت للأبدال الأوتاد لأن وجودهم على الأرض يمنع أهلها من الفساد ويبقيهم على حال الصلاح والاستقامة فلا تنخسف بهم»‏v.

    لهذا، فالأبدال، في مذهب الصوفية، هم قوة الخير المضادة، في هذا الكون، لقوة الشر والخراب التي يمثلها الفاسدون والخونة وأصحاب السلطة والمال والجشع. وهم قوة الإنسانية وروحها التي تعطي الحياة معناها وتوازنها وتحميها من خراب قوى الخراب في هذه الأرض. لذلك هم أيضاً كالأوتاد (الجبال) التي تحمي الأرض من الميلان وتحفظ لها توازنها بموازنتها للفساد والخراب الذي يمثله جشع أهل الدولة ورأس المال ورجال الدين.

    هكذا كان جورج حبش، من ضنائن الله، ومن أوتاد هذه الأرض. أفنى عمره ثائراً يقاوم العدو، وأفناه يُقَوِّم زيغَ المتنفذين الغارقين في الفساد والخيانة والشر والخراب، ليجعل منا بشراً أفضل، وليعطي لهذه الحياة توازناً يجعل العيش فيها ممكناً ويبقي الأمل حياً. تقرأ كلمات هذا الثائر غير المهزوم، رغم كل الهزائم، وغير المقهور، رغم كل القهر، فلا تطلب ولا تتمنى إلا أن يكون لدى كل منا شيء قليـل من هذه القناعة التي لا تتزعزع، وحظ قليـل من هذه الشجاعة الفائقة التي لا تهزم، ونصيب صغير من تلك القوة الروحية العظيمة غير القابلة للكسر. تقرأ جورج حبش فتعرف أنه هكذا فقط يكون الثوار الحقيقيون. تقرأ جورج حبش فتتأكد أن هناك طريقاً واحداً ووحيداً للنصر وطريقاً واحداً ووحيداً لتحرير فلسطين هو طريق جورج حبش. تقرأ جورج حبش فتعرف أن هناك تعريفاً واحداً ووحيداً فقط للحرية الحقيقية وتعريفاً واحداً ووحيداً للكرامة هو تعريف جورج حبش. تقرأ جورج حبش فتعرف أن هناك معنىً واحداً ووحيداً للوطن ومعنىً واحداً ووحيداً لفلسطين هو معنى الوطن ومعنى فلسطين عند جورج حبش.

    لقد بدا لي صائباً أول الأمر، قبل أن تبدأوا بقراءة النص الأخير لحكيم الثورة الفلسطينية، أن أتكلم قليـلاً (وسأتجرأ لأقول باسم الجميع)، في مديح ذلك الرجل الشجاع، الذي سعى، بأكثر مما يستطيع أي إنسان آخر، إلى صوغ الفكرة وصناعة الأمل الذي لا يزال يعيش فينا ويعطينا القدرة على العيش والاستمرار رغم كل شيء. لقد بدا لي الأمر صائباً جداً ونحن نقف أمام كلماته الأخيرة، أن أكتب متحدثاً، ولو قليـلاً، باسم جيل جديد أعيد بناؤه في عقيدة الجبهة الشعبية وعقيدة فلسطين الأصلية والأصيلة التي أسس لها وأسسها جورج حبش، تلك العقيدة العروبية الأصيلة التي لا تعرف أي مهادنة مع العدو، ولا تعرف أي مساومة حتى على حبة رمل واحدة من أرض فلسطين. لهذا، فإذا كان هناك أي شيء يجعل من المناسب أن أكتب أنا، أو أي رفيق من جيلي هذا النص، بدلاً من أحد آخر من الرجال ذوي الشعر الأبيض الآن، أولئك الذين كانوا مع الحكيم منذ البداية، وشاركوه في المقاومة وفي المعاناة والتفاني في مشروع تحرير فلسطين لعقود، فهو فقط الأمل بأن تكون هذه مناسبة لنا جميعاً لنجدد التزامنا ووفاءنا مرة جديدة لهذا الرجل العظيم، ولنهجه، ولطريقه الذي اختطه منذ خسارتنا فلسطين وحتى اللحظة الأخيرة من حياته.

    تقرأ جورج حبش فتعرف أنه هكذا فقط يكون الثوار الحقيقيون

    لا أكتب مدخلاً لهذا الكتاب الذي يصدر في الذكرى الحادية عشرة لرحيله خضوعاً للحزن، أو للوعة المشتاق المصاب بفقدان الحبيب والقدوة، بل من أجل تمجيد هذه الروح العظيمة التي أعطيت لنا، ولكي ندخل مجدداً في شراكة وثيقة وعهد جديد وقَسَم جديد مع هذا الرجل الشجاع والمثال. فالكثيرون منا يشعرون بهذه الشراكة، ويشعرون بحاجتهم إليها الآن أكثر من أي وقت مضى. فلقد كان جورج حبش قائداً ومقاوماً ومثالاً؛ كان مثالاً في نعمة البطولة الفريدة، والتفاني اللامحدود، التي كانت طريق حياة وطريقة عيش واحدة ووحيدة له. كان مثالاً في قوة روحه ووضوحه وصدقه وتفانيه وصلابته وشجاعته التي فضحت كل أولئك «القادة» المزورين بضعف روحهم وكذبهم واستسلامهم وخنوعهم وجبنهم. وكل هذه الروعة والعظمة والقوة كانت متوافقة تماماً، رغم كل ذلك، مع التواضع المذهل لرجل مثله وبمقامه، وببساطة التفاني اللامتناهي حتى اللحظة الأخيرة من أجل فلسطين وأهلها والوطن العربي وأهله. وشراكتنا مع الحكيم وعهدنا له هما شراكة وعهد، كذلك، مع كل الذين أفنوا أعمارهم يقاومون على طريق تحرير كل الوطن المسلوب. شراكة وعهد حتى النهاية مع كل الذين أفنوا أعمارهم يقارعون الصهيونية في الزنازين أو في ساحات القتال. شراكة وعهد مع كل الذين أصبحت فلسطين قضيتهم الأولى والأخيرة، قضيتهم العامة وقضيتهم الخاصة، وأعطوها، مستلهمين القليل من نموذج القائد جورج حبش، كلَّ ثانية من أعمارهم الفانية. أكتب باسمنا جميعاً لنتعهد للحكيم، ونتعهد لكل هؤلاء الأبطال، بالوفاء والقسم والعهد، وأن نتعهد أولاً وقبل أي شيء لفلسطين حبنا إلى الأبد، واستعدادنا للتضحية من أجلها وفي سبيلها بكل شيء وبأي شيء، وأن نتعهد للصهاينة الأعداء كرهنا وحقدنا وعزمنا على مقاومتهم حتى النهاية.

    عن النص

    «ولادة القارئ ستكون حتماً على حساب الكاتب»، جادل رولاند بارث في «موت الكاتب». فعلى القارئ، يقول، تقع مسؤولية الإمساك بالمعنى النهائي للنص، وبالتالي، فالقارئ، بكل مواصفاته وخلفيته وإمكانياته وهوياته، وليس الكاتب، هو المسؤول الأول والأخير عن فهم النص (وبالتالي عن نجاح هذا النص أو فشله). لهذا يجادل بارث، أيضاً، بأنه ينبغي فصل النص عن صاحبه لتحريره من «طغيان التفسير». وفي مخالفة ظاهرية (ظاهرية فقط في رأيي) لهذه الرؤية، يركز ميشيل فوكو، في نص يقصد منه، كما فهمه كثيرون، مخالفة زعم بارث، على «وظيفة الكاتب» التي تتمحور حول دوره التصنيفي للنص في سياق خطابي معين. يبدو في نص فوكو، ما هو الكاتب، دورٌ ما للكاتب (ظاهرياً في الحقيقة لا أكثر)، وهو ممكن فقط في سياق خطابي. بصورة أدق، تضيء رؤية فوكو، بتركيزه على الخطاب، على مجالات وإمكانيات السيطرة والتحكم بالمعنى الذي تحدد معه وتحد بدورها بالضرورة دور الكاتب. هذا الجدال الباريسي – الباريسي ما بعد الحداثي، بالشكل والجوهر، لم ينتهِ حتى رغم التدخل الساخر لجاك دريدا لاحقاً في «ميتات رولاند بارث». هو جدال باريسي – باريسي يشوبه الكثير من الترف الذي لا يعرفه ولا حتى يهتم به الكثير من الكتاب (والنصوص) الذين تأخذ الكتابة عندهم معنىً وهدفاً ودوراً ووظيفة مختلفة.
    فالكتابة «فعل تاريخي» لدى من يرى نفسه منخرطاً جدياً في واقع عصره. وفي حالة العرب، وخصوصاً بعد هزيمة عام 1967، أصبحت الكتابة «فعـلاً مقاوماً» بامتياز، كما جادل الناقد المصري غالي شكري. ففي حين شكلت النكبة سؤال العرب الوجودي، وسؤال إمكان استمرارهم التاريخي كشعب وثقافة، وسؤال تحولهم من أمة في طور عملية تاريخية من التشكل أصابتها النكبة بحالة قطع عنيفة إلى أمة تدخل مسرح التاريخ، أصبح على الكاتب العربي «إنتاج فكر ولغة يجسدان إرادة الدفاع عما هو مهدد بالانقراض في الحياة العربية»‏vi.

    الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. لهذا بالضبط لا يزال الشهيد غسان كنفاني يحتل مكانة فريدة ومتميزة بين كل الكتاب العرب والفلسطينيين. فهو لم يكن مسكوناً في كتاباته بتصوير الحاضر القادم من ماضي النكبة فقط، بل، وربما أهم من ذلك، كان مهموماً باستتباع ذلك بفتح آفاق للمستقبل. لهذا كان كل نص لكنفاني، أدبياً كان أم سياسياً، أشبه ببيان ثوري. فكنفاني كان نموذجاً لكاتب من نوع خاص جداً اقتضت وجوده الحالة العربية الجديدة. فما بعد النكبة، وتحديداً ما بعد ثورة 1952 في مصر، التي ساهمت في التأسيس لنشوء حركات التحرر، «تفاقم دور الكاتب»، كما جادل إدوارد سعيد في «تأملات في المنفى». هكذا كانت الدعوة إلى الثورة «دقوا جدران الخزان» في «رجال في الشمس». ولهذا ذكر الحكيم في رسالة التعزية لآني كنفاني «إننا تلقينا (باستشهاد غسان) ضربة موجعة جداً»‏vii.

    الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. فأهم ما قام به قسطنطين زريق، صاحب معنى النكبة، وأحد ملهمي الحكيم، في كتابه عن النكبة، غير تعريفه للحدث وحفره للمصطلح، هو «إلقاؤه الضوء على مشكلة الحاضر، موقع المعاصرة الإشكالي، الذي يشغله العرب ويعملون على إعاقته». فلقد أدرك مبكراً أن ما ينبغي على «الكتَّاب» العرب القيام به بمعرفة ودراية هو خلق الحاضر تمهيداً لمعركة استعادة الاستمرارية التاريخية، ورأب الصدع الذي تسببت به النكبة، والأهم من كل ذلك إطلاق إمكان تاريخي للتغيير.

    الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. لهذا بالضبط علق باولو فريري في كتابه «تعليم المقهورين» أن «أسلوب [تشي] غيفارا الواضح في سرد تجاربه هو ورفاقه، ووصف علاقته بالفلاحين الفقراء الموالين لهم بلغة إنجيلية تقريباً، يكشف القدرة الكبيرة لهذا الرجل المدهش على الحب والتواصل مع الناس»viii.
    الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. هكذا يتوجب قراءة النص الأخير، وفهم الفعل الأخير، لجورج حبش وإدراك الهدف منه. فهذا النص ليس سرداً بلا غاية، أو هذا ليس سرداً أراد له صاحبه أن يكون نوعاً من التاريخانية أو السرديات الأكاديمية أو المذكرات الذاتية. ليس سرداً أراد له صاحبه أن يكون مجرد أرشفة أخرى للتاريخ بلا غاية أو لمجرد الأرشفة. فالتاريخ يجب أن يُقرأ أولاً وأخيراً كحالة أيديولوجية. يجب أن يُقرأ كتحفيز لعمل مستقبلي. يجب أن يُقرأ كخارطة طريق للمقاومة والتغيير والثورة. ففي نهاية الأمر، كل الحقائق التي يختارها مؤرخو أي مرحلة من بين آلاف الحقائق الأخرى، هي (لذلك) ذاتية وسياسية أولاً وأخيراً، كما جادل مؤرخ الثورة البلشفية إدوارد هاليت كار. لهذا، فجوهر التأريخ ليس النص وحده أو بحد ذاته (على أهميته)، بقدر ما هو الاستشراف والأفق الذي يفتحه أمامنا، فيضع السرد أو النص نفسه في حيز المقاومة وسياقها في المستقبل، وحتى يمكن أن يعمل على تأسيس مسارها بفتحه آفاقاً من الإمكانات التحويلية – هذا هو المعنى الحقيقي لفكرة أن «الناس تموت والفكرة لا تموت».
    الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك، لأن الفعل والاشتباك المقصودين هنا بالذات هما اشتباك وفعل من أجل تكوين الوعي وخلق الإنسان من جهة، وإسقاط الخرافات (من خرافة «إسرائيل» نفسها إلى كل الخرافات التي يسوقها المهزومون)، من جهة أخرى. الكتابة فعل مقاومة واشتباك، لأن الكتابة عمل، ولأن العمل نفسه (والفعل المشتبك نفسه) هو الشيء الحقيقي الوحيد في التاريخ، والشيء الحقيقي الوحيد في هذه الحياة، وما عداه هو الخرافة والتزوير. لهذا، فالكتابة كـ «فعل مقاومة وفعل اشتباك» هي أكثر توصيف مناسب للنص الأخير الذي تركه لنا جورج حبش، ويُنشر بعد أحد عشر عاماً على رحيله. فهذه ليست محاولة للتأريخ بقدر ما هي أحدى محاولات الحكيم المتعددة للاشتباك مرة أخرى مع الأسئلة الكبرى التي أرَّقته منذ اتفاقيات أوسلو، وتحديداً مع انعقاد المؤتمر الخامس للجبهة الشعبية (1993) حين أرسل الحكيم أول إشارات العزم على التخلي عن الأمانة العامة، وأصر عليها ونفذها في المؤتمر السادس (2000) من أجل خوض مرحلة جديدة من النضال تتمثل، كما كتب، بالعمل «على إنشاء مركز [الغد] الذي يُعنى بدراسة تجربة حركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية والأحزاب القومية الأخرى، وكذلك تجربة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأيضاً العمل القومي منذ النكبة، بحيث تكون تجربة الجبهة والحركة والأحزاب والتجارب الأخرى درساً مفيداً لمتابعة النضال الوطني والقومي، من دون أن يعني ذلك ابتعادي من ساحة النضال الوطني والقومي»ix.

    في ثنايا هذا النص لا توجد فقط الكثير من الأسئلة التي كانت تؤرق حبش وكان يرى في التصدي لها والإجابة عنها مسؤولية ثورية ووطنية وقومية وإنسانية، وليس في هذا النص فقط الكثير من الحديث في التاريخ وعن التاريخ والأحداث والتجارب الفردية والجمعية، بل يوجد أيضاً الكثير مما يمكن أن نفهمه ونعرفه عن شخصية صاحب هذا النص وروحه وقلبه، والنموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الثائر الحقيقي والقائد الحقيقي والمقاوم الحقيقي، ما دفعني إلى البحث عميقاً في نصوصنا التراثية لاستلهام توصيف لهذه الروح الفذة والفريدة. فعقب النكبة مباشرة، يكتب الحكيم، «حصلت عملية الاندماج الكلي والصادق بيني وبين العمل الكلي من أجل قضية شعبي ووطني»x. وهذا النص يؤكد أن هذا الاندماج الكلي رافق الحكيم حتى اللحظة الأخيرة من حياته، فقد رحل هذا المقاوم العظيم مبتسماً وهو يسمع أخبار أبطال غزة يكسرون الحدود بين فلسطين ومصر، فتأكد أن المراهنة على الناس التي أفنى عمره من أجلها لا يمكن أن تخيب أبداً.

    في ثنايا هذا النص صدق ووضوح وشجاعة نادرة في زمن يدعي فيه «البطولة» و«الصراحة» و«الوضوح» كل من أراد ذلك فقط لتبرير تخاذله وعجزه وكذبه واستسلامه. «إنني عادة أحدد موقفي السياسي وموقف الجبهة بعد تأنٍ وتفكير، ولكنني أعترف أنه في سياق الثورة تأتي لحظات أفكر فيها بعقلي وقلبي ووجداني معاً»xi. هذا ما قاله الحكيم، في سياق تفسيره لمقولة «سادات فلسطين» التي نعت بها عرفات عقب زيارته نظام كامب دايفيد، وظل يرددها لاحقاً رغم عتب البعض من رفاقه عليه لخروجه عن «حدود اللياقة السياسية». لهذا فنص الحكيم الأخير يصلح أن يكون بياناً ثورياً حقيقياً يؤسس لمراجعة حقيقية لمرحلة سابقة مليئة بالبطولات، وحتى مليئة بالمعجزات، ولكنها مليئة أيضاً بالمآسي والهزائم والخداع.

    في ثنايا هذا النص أيضاً حديث عن التاريخ وفي التاريخ، ولكن بإيقاع ثوري فريد يعيد إلى الذاكرة الخطاب الثوري الفلسطيني الأصلي والأصيل، ويعيد إلى الذاكرة بيانات الجبهة الشعبية ووثائقها الأولى ونصوص الميثاق الوطني غير المعدل، وكأنها محاولة لبث الحياة من جديد في روحنا: «كانت وجهة نظر أبو عمار وفتح وعدد كبير من أعضاء المجلس الوطني وبعض الفصائل هي قيام دولة فلسطينية إلى جانب «إسرائيل»، أي قيام دولتين على الأرض، بينما كانت الجبهة الشعبية تريد دولة على الأرض مع الاستمرار في النضال من أجل إزالة هذا الكيان الصهيوني البغيض»‏xii. هكذا يذكرنا الحكيم، بما قاله مرة الشهيد عماد مغنية، عن الهدف الذي علينا ألّا ننساه أبداً وأن نعمل من أجله كل لحظة، وأن نضحي في سبيله بكل شيء: «الهدف واضح ومحدد ودقيق: إزالة «إسرائيل» من الوجود».

    الخروج من اللد: ولادة الثائر جورج حبش

    يوم الإثنين الموافق 24 أيار/مايو 1948، دَوَّنَ دايفيد بن غوريون في مذكراته: «علينا تنظيم مجموعة الألوية الجديدة وتعزيز [الألوية] القديمة. وينبغي إقامة لواء من أفراد «كرياتي» بقيادة لرر [تسادوك]. لدى تسلم المدافع، يجب تدمير الرملة واللد فوراً»xiii. بعدها بأسبوع، في 30 أيار/مايو 1948، سَيَرِدُ ذِكر اللد والرملة مرتين في تدوينات بن غويون لذلك اليوم: «أثرت مسألة الرملة – اللد، إذ إن هاتين النقطتين خطرتان من جميع النواحي، ومن شأنهما أن تشكلا قاعدة للهجوم على تل أبيب والمستوطنات و[الطريق] إلى القدس. وفي مقابل ذلك، فإن احتلالهما يحرر مناطق وقوات ويعزل خطوط المواصلات العربية. أليس من المجدي خفض قسم من القوة الناشطة في الشمال «البعيد»؟ بموجب الخطة – المفروض على «كرياتي» أن ينشط ضد اللد هذه الليلة، علاوة على القليل من الإزعاج [المدفعي] للرملة»‏xiv. وفي مساء ذلك اليوم (30 أيار/مايو 1948)، خرج بن غوريون مسرعاً من جلسة الحكومة قبل أن تنتهي متوجهاً إلى «رامات غان» حيث القيادة العامة (الساعة السابعة مساءً) عقب وصول برقية في شأن قرار مجلس الأمن المتعلق بوقف إطلاق النار في اليوم التالي، واستدعى «يغئيل [يادين]، ويوحنان [راتنر]، ويسرائيل [غاليلي]، واقترح[ت] عليهم أن نرسل إلى ييغال [آلون] فوراً أمراً بأن ينزل مع كتيبة واحدة غداً فجراً كأقصى حد، كي نتمكن من احتلال اللد والرملة، إذا تمكنوا من احتلال اللطرون، وأن ينقلوا كتيبة أخرى إلى القدس هذه الليلة من أجل ضمان صمود القدس والسعي لإزعاج المثلث من جنين وطولكرم [كي] يحين موعد بدء وقف إطلاق النار – إذا انصاع له العرب هذه المرة ـ ونكون في وضع أفضل مما نحن عليه الآن»‏xv.

    نص الحكيم الأخير يصلح أن يكون بياناً ثورياً يؤسس لمراجعة حقيقية لمرحلة سابقة

    ورغم انشغال بن غوريون بجبهتي الشمال والجنوب المشتعلتين بشدة حينها، إلا أن جبهة الوسط (حيث اللد والرملة) كانت الأكثر إثارة للقلق لديه، كما تشير مذكراته. وكما يتضح من يوميات الحرب التي تركها. فالحرب على اللد والرملة كانت جزءاً أساسياً من حرب القدس، و«حرب القدس هي حرب أرض إسرائيل»، يقول بن غوريون، «لا بسبب أهميتها التاريخية فحسب، بل لأسباب استراتيجية أيضاً، والحرب ليست من أجل طريق القدس فحسب. لا يكفي طريق بين تل أبيب والقدس من أجل إحكام سيطرتنا على القدس. هناك حاجة إلى امتداد جغرافي. وقد ثبت في هذه الحرب أنه لن تقوم للقدس اليهودية قائمة من دون ارتباط ما بالدولة اليهودية ذي امتداد إقليمي»xvi. لهذا بالضبط أثار بن غوريون قضية اللد والرملة منذ البداية في إحدى جلسات «القيادة» في 11 أيار/مايو 1948: «أبديت ملاحظتين: (1) تدمير الجزر العربية في المستوطنات [في المناطق] اليهودية (الرملة – اللد، وبيسان، وزرعين) التي تشكل خطراً خاصاً في حال الغزو، ومن شأنها أن تفرض إشغال قوات؛ (2) تسليح القدس بصورة متزايدة – حتى لو استمرت الهدنة، [وذلك بسبب] أهمية القدس في حد ذاتها»‏xvii.

    اللافت للنظر في تدوينات بن غوريون هذه، وغيرها الكثير، ليس الحديث الواضح عن «التدمير» و«التدمير الفوري» و«تهجير العرب»، بل إنهم قاموا بذلك فعـلاً. لهذا كانت المجازر أولاً، كما حدث في مسجد اللد حيث احتمى المدنيون العزَّل قبل أن تقوم العصابات الصهيونية بقتلهم في مجزرة رهيبة أصبحت موثقة في الأرشيفات الصهيونية رغم أننا لا نحتاج إلى ذلك لنعرف أن أهلنا قد ذبحوا هناك بلا رحمة (500 مدني تقريباً، برغم الاعتراف الصهيوني بما بين 200 و300)‏xviii ، وكان كذلك القتل العشوائي أيضاً وإطلاق النار على أي شيء وكل شيء أثناء محاولة احتلال اللد والرملة. في ذلك اليوم (11 تموز/يوليو 1948) فشلت الكتيبة الثالثة للبلماح من اقتحام دفاعات اللد التي أقامها أهلها والمتطوعون من القوات الشعبية، فقام ييغال آلون بإرسال اللواء الثامن (الكتيبة الثامنة والتاسعة) بقيادة موشي ديان. فدخلت، كما تروي الأرشيفات الصهيونية نفسها، «عرباتهم نصف المجنزرة، عربة مدرعة، وسيارات جيب عسكرية يعتليها مدافع رشاشة، مسرعة جنوباً من طريق بن شيمين باتجاه اللد ووصلت أطراف الرملة – ثم استدارت عائدة حول اللد إلى بن شيمين. استغرقت الغارة سبعاً وأربعين دقيقة. ويظهر أن القوات كانت تطلق النار على أي شخص في طريقها»‏xix. ويذكر أحد أفراد العصابات الصهيونية ويدعى «جدعون» في شهادته: «كانت سيارة الجيب العسكرية التي أركب فيها تقوم بالدوران أمام مدخل أحد المنازل، وفي المقابل كانت طفلة تقف وتصرخ وعيونها مليئة بالخوف والفزع. كان جسدها ممزقاً وينقط دماً، وحولها كانت جثث أفراد عائلتها ملقاة على الأرض. [ثم تساءلت] هل أطلقت أنا النار عليها؟ ولكن لماذا هذه الأفكار، فنحن في أوج معركة، في أوج احتلال مدينة. العدو في كل زاوية. الجميع أعداء. اقتل! دمر! اذبح! وإلا سوف تُقتل أنت ولن تستطيع احتلال المدينة»‏xx.

    عقب سقوط اللد والرملة وطرد من بقي حياً من أهلها العرب بالقوة، بدأت مسيرة طويلة وصعبة في أشد أيام العام حرارة على الأقدام باتجاه رام الله – تشبه إلى حد بعيد «مسيرة الدموع» التي سارها سكان أمريكا الأصليون المطرودون من وطنهم في جنوب شرق الولايات المتحدة باتجاه الشمال الغربي. وفي أثناء المسيرة سقط العشرات من سكان اللد الصغيرة من الأطفال والعجائز من العطش والجوع والحر وكانت جثثهم ملقاة على جوانب الطريق إلى رام الله – يذكر الحكيم الذي عاش كل تلك الأيام بتفاصيلها المؤلمة أن كتاب «الطريق إلى بئر السبع» للإنكليزية إيثيل مانين‏xxi التي تصف رحلة الخروج المؤلمة من اللد والمسيرة إلى رام الله وعذاباتها، ليس فيه «أي مبالغة، بل أستطيع القول إن المأساة كما عشتها كانت أكثر حدة مما أظهرته تلك الرواية»‏xxii.

  • لكن من يقرأ الرواية يعرف أن أكثر ما شد الحكيم إليها، ربما، ليس التفاصيل المؤلمة لسقوط اللد أولاً ثم الترحيل القسري لأهلها، فتلك تجربة عاشها حبش لحظة بلحظة. لكن في كتاب مانين ما يلفت الانتباه من إصرار على التمسك بالوطن وعدم اليأس رغم كل ما حصل، ويبدو أنها كانت فعـلاً تدور في خاطر الحكيم حينها. فتقرأ على لسان بطرس منصور: «لم يستطيعوا أن يقتلونا. لم يقتلوا منا إلا الطاعنين في السن فقط والصغار جداً. لقد أخرجونا إلى البرية لنموت كالكلاب ولكننا لم نمت. إننا لم نزل هنا. معظمنا على الأقل»‏xxiii. والأهم، تقرأ على لسان وليد، أحد الشخصيات الرئيسية التي انتهت بالتسلل إلى بئر السبع للتأسيس للمقاومة في رفضه لكل مبررات الاستسلام والإصرار على المقاومة: «وإسرائيل؟ ألم تبدأ فكرتها بحلم أشد من هذا الحلم (تحرير فلسطين) إمعاناً في الخيال؟ لو سيطر هذا الحلم على قلوب مليون فلسطيني شاب فلا بد من أن يحفزهم على تحويل الحلم إلى حقيقة، بالإصرار والكفاح»‏xxiv.

    لكن الدمار، والمجازر، والتهجير القسري التي حلت باللد، وكان الحكيم شاهداً حيَّاً عليها وعاش مآسيها لحظة بلحظة مع أهله وأبناء بلدته، لم تشكل لحظة الولادة الحقيقية فقط لثائر حقيقي ومقاوم عنيد لا يتعب ولا يعرف التعب، ولا يهزم ولا يعرف الهزيمة، كما تدل على ذلك مذكراته. لكن تلك الظروف وتلك المآسي كانت مناسبة لتكشف الجوهر الحقيقي لجورج حبش وروحه الثائرة. ليس ذلك فقط لأن الحكيم عرف منذ البداية أن الهدف من هذه الحرب ومن هذا المشروع الصهيوني هو «اقتلاعنا من الجذور»‏xxv لذلك لم يتردد في حمل السلاح منذ البداية حين انضم إلى «كتائب الفداء العربي»‏xxvi. وليس ذلك فقط لأن الحكيم قاوم لأكثر من ستين عاماً بعدها من دون أن ينال منه اليأس أو الهزيمة للحظة واحدة. بل لأن هذا المقاوم العنيد، جورج حبش، كان معداً أصـلاً لأن يكون إنساناً من نوع خاص جداً وثائراً من نوع خاص جداً عرفنا القليل مثله في تاريخنا العربي كما في تاريخ الشرق. وفي هذه الأيام، الأسابيع الأولى من تموز/يوليو 1948، تكشفت الأحداث التي حلت باللد وفلسطين عن ثائر عربي من نوع خاص جداً أفنى عمره حتى اللحظة الأخيرة يقاوم من أجل استعادة وطنه المسلوب والعودة إليه. ثائر من نوع خاص لم يكن ليقبل أقل من تحرير حقيقي وكريم لكل فلسطين، وعودة كريمة لكل أهلها علها تمسح قليـلاً من عار الهزيمة وذل الشتات. لهذا رفض أن يعود بالشروط التي عاد بها الآخرون جازماً أن عودته ستكون فقط مع عودة آخر لاجئ من الشتات. في تلك الأيام تكشفت الأحداث عن ثائر عربي حقيقي هو امتداد لتقليد ثوري إنساني فريد عرفه تاريخ العرب وتاريخ الشرق فكان خير سليل لهذا التقليد الثوري العظيمxxvii. ما يلي هو بعض من سيرة هذا القائد العظيم، ونشرها في الذكرى الحادية عشرة لرحيله يعني أنه، برغم كل شيء، لا يزال حياً بيننا. فـ «أن تعيش في قلوب من تركت خلفك، يعني أنك لن تموت أبدا.»xxviii

    ** هذا النص هو جزء من مقدمة أطول لكتاب مذكرات جورج حبش، «صفحات من مسيرتي النضالية: جورج حبش»، الذي يصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في الذكرى الحادية عشرة لرحيله.

    المراجع:

    i محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية (بيروت: دار الكتب العلمية، 2006)، ج 1، ص 236.

    ii «مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات» هو شرح الفاسي لـ «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار» لأبي عبد الله الجزولي.

    iii هادي العلوي، مدارات صوفية (دمشق: دار النهج للثقافة والنشر، 1997)، ص 112.

    iv ابن عربي، المصدر نفسه، ص 345.

    v العلوي، المصدر نفسه، ص 112.

    vi Edward Said, Reflections on Exile and Other Essays (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000), p. 48.

    vii انظر صفحة ٢١٩ من الكتاب

    viii Paulo Freire, Pedagogy of the Oppressed (New York: Bloomsbury, 2012), p. 171

    ix انظر صفحة ٣٠٥ من الكتاب

    x انظر صفحة ٦٢ من الكتاب

    xi انظر صفحة ٢٧٤ من الكتاب

    xii انظر صفحة ٢٩١ من الكتاب.

    xiii ديفيد بن – غوريون، يوميات الحرب: 1947 – 1949 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1993)، ص 359.

    xiv المصدر نفسه، ص 369.

    xv المصدر نفسه، ص 371 (30 أيار/مايو 1948).

    xvi المصدر نفسه، ص 414.

    xvii المصدر نفسه، ص 316.

    xviii Benny Morris, 1948:A History of the First Arab-Israeli War (New Haven, CT: Yale University Press, 2008), p. 290.

    xix Ibid., p. 289.

    xx Ibid., p. 289.

    xxi إيثيلمانين، الطريق إلى بئر السبع (دمشق: طلاس للدراسات والنشر، 1985).

    xxii انظر صفحة ٥٩ من الكتاب

    xxiii الطريق الى بئر السبع، صفحة ٨٢

    xxiv المصدر نفسه، ص 207

    xxv انظر صفحة ٣٤ من الكتاب

    xxvi انظر صفحة ٦٥ من الكتاب

    xxvii سيف دعنا. جورج حبش: سليل المشاعية الثورية. الأخبار. ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٨
    https://al-akhbar.com/Opinion/243874

    xxviii من قصيدة توماس كامبل “الأرض المقدسة”

مذكرات حكيم الثورة: يوم حلمنا بأن الوحدة العربية ستتحقق في حياتنا

في الذكرى الحادية عشرة لرحيل المناضل والقائد الفلسطيني والعربي جورج حبش (26 كانون الثاني/ يناير 2008)، أحد أبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، والأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يُصدر «مركز دراسات الوحدة العربية»، مذكّرات جورج حبش في كتاب بعنوان «صفحات من مسيرتي النضالية»، في تغطية لأبرز محطات تجربته النضالية. خصّ المركز «الأخبار» ببعض فصول الكتاب، تولّى تقديمها ومراجعتها الكاتب سيف دعنا وستُنشر تباعاً في حلقات.

حبش: يوم حلمنا بأن الوحدة العربية ستتحقق في حياتنا

حبش: يوم حلمنا بأن الوحدة العربية ستتحقق في حياتنا

في دمشق تعرّفتُ إلى مجموعة من الشبان الفلسطينيين صغيري السن في تلك الفترة، الذين شقوا طريقهم في ما بعد في الحقل الأدبي والصحافي والعلمي؛ أذكر منهم بوجه خاص عصام النقيب الذي لمستُ فيه منذ تلك الفترة مواهب فذّة. كان رغم بدايته في كتابة المقالات الصحافية، يكتب بأسلوب رائع، وكنت عادة أرسل ما يكتبه فوراً إلى المطبعة من دون أيّ تصحيح. وقد تابع دراسته في أمريكا وحصل على الدكتوراه في العلوم النووية. تعرفت أيضاً إلى فضل النقيب والشهيد غسان كنفاني، وهو أغنى من أن يُعرَّف؛ كما تعرفت إلى بلال الحسن، وأحمد خليفة، ومحمود فلاحة، وغيرهم من الشبان الفلسطينيين. وما زلت حتى هذه اللحظة أذكر تلك الأيام بلهفة وحنين، وبخاصّة الليالي التي كنت أقضيها قبيل صدور العدد استعداداً لإرساله إلى الأردن. ومع أن الجزء الرئيسي والأساسي من وقتي كان يستغرقه عملي في الرأي، إلّا أن قسماً من وقتي بطبيعة الحال كان ينصرف لقيادة عمل الحركة بوصفي عملياً المسؤول الأول عن هذا التنظيم؛ فقد كنت بين وقت وآخر أذهب إلى لبنان، وأجتمع إلى قيادة العمل في تلك الساحة، وأناقش ما لديّ من ملاحظات بالنسبة إلى نشرة الثأر التي كان يشرف عليها في الدرجة الأولى الإخوة في لبنان، ولا سيما صالح شبل، وبعده مصطفى بيضون وبعد ذلك محسن إبراهيم. وكنت أراسل الإخوة في الأردن. أما في سورية فقد كان عمل فرع الحركة محصوراً جداً، وقد يكون ذلك بسبب وجود حزب البعث الذي كان ناشطاً في تلك الفترة، وكذلك وجود الحزب الشيوعي، وكان عددنا في سورية لا يزيد على العشرات. لكنني، رغم كل ذلك، ما زلت أذكر بل من واجبي أن أذكر مجدداً الأخت أسماء الموقّع، التي كانت قد وهبت نفسها كلياً للعمل بصورة رائعة ومثيرة للإعجاب والتقدير. وهذا لم يكن مألوفاً في مجتمعنا في ذلك الوقت.

بعد زيارة الوزير البريطاني تمبلر الأردن في كانون الأول/ديسمبر 1955 وانتفاضة الجماهير ضد مشاريعه التي كانت تستهدف ضمّ الأردن إلى حلف بغداد، وإفشال هذه المشاريع، وانتصار إرادة الجماهير، وإقالة وزارة هزاع المجالي، ساد الأردن جوّ ليبرالي بدأ يبشّر بانتعاش حركة الجماهير أكثر كثيراً من السابق، وهنا شعرت بأنّ من واجبي أن أذهب إلى الأردن، وأجتمع إلى القيادة، وأضع البرامج التي تمكننا من الإفادة من تلك اللحظة السياسية.

ذهبت إلى الأردن عن طريق البرّ تهريباً، واجتمعت بالإخوة في ذلك الوقت، واقترحت عليهم أن أبقى في عمّان بوضع سريّ، ولكنّهم شدّدوا على ضرورة عودتي إلى سورية لشعورهم بأنّ استمرار صدور الرأي يفيد كثيراً في ما يتعلق بالإفادة من الجو الذي نشأ بعد فشل زيارة تمبلر. حينها عدت إلى سورية كي أستمرّ في إصدار المجلة.

بعد بضعة أشهر، أي في 1 آذار/مارس 1956، قامت حركة الضباط الأحرار في الأردن بطرد غلوب باشا‏ قائد الجيش الأردني، ولم يكن الملك حسين بعيداً من هذه الخطوة، فساد جو ديمقراطي عميق في الأردن الذي كنت أعتبره ساحة عملي الرئيسية. ولم يكن الرفاق يعارضون ذلك بعد أن طرد غلوب باشا.

في نيسان 1957 فُرضت الأحكام العرفية في الأردن، فكان هاجسي ضرورة استمرار العمل والتحدّي. وفكّرت في الاختفاء، فاختفيتُ فعلاً في عمّان

لكنّنا حرصنا بطبيعة الحال على الاستمرار في إصدار مجلة الرأي وكان الرفيق هاني الهندي قد تولى هذه المسؤولية.

كان الأردن في عام 1956، أي بعد طرد غلوب باشا، ساحة نشاط جماهيري رئيسية، وقد قمتُ خلالها بأنشطة جماهيرية على صعيد الندوات والمحاضرات والمهرجانات في عمّان بالدرجة الأولى، وفي بعض المدن الرئيسية في المملكة في الدرجة الثانية.

في هذا العام، كان المسؤولون في الأردن من شبان الحركة قد طرحوا فكرة الاشتراك في البرلمان وخوض غمار الانتخابات. هنا شعرنا نحن، أي حركة القوميين العرب، بأنّها فرصة سانحة لخوض هذه الانتخابات. ولم يكن في ذهننا أن نفوز فيها بقدر ما كان في ذهننا أن نكون أمام فرصة للاحتكاك بالناس وتوعيتهم، ووضعهم أمام مسؤوليّاتهم، والتبشير بشعاراتنا ومفاهيمنا. ما زلت أذكر أنني نزلتُ في هذه الانتخابات عن دائرة عمان مع الأخ نزار جردانة، كما نزل الدكتور أحمد طوالبة، ورفيق آخر عن إربد، والدكتور صلاح العنبتاوي، ومحمد العمد، عن نابلس. ومع أنّني لم أنجح في تلك الانتخابات، إلّا أنها كانت تجربة رائعة، فقد حصلتُ على عدد من الأصوات لم أكن أتوقّعه (ما يزيد على ثلاثة آلاف صوت)، مع أنّنا لاحظنا أن نسبة عالية من الذين صوّتوا لي كانوا من أبناء البلد، أي اللد، ومن المسيحيين في عمان. وكان من الطبيعي ألّا أكسب معركة الانتخابات، أولاً بحكم صغر السن، من ناحية، ولعدم معرفة الناس بي على نحوٍ واسع من ناحية ثانية، ولوجود عدد من الزعامات التقليدية وتأثيرها في المجتمع من ناحية ثالثة. كان ذلك في عهد سليمان النابلسي رئيس وزراء الأردن في ذلك الوقت.

تم عقد مؤتمر لحركة القوميين العرب سنة 1956 ضم أكثر من 14 عضواً من مختلف الأقطار العربية، منهم: جورج حبش، وديع حداد، محسن إبراهيم، مصطفى بيضون، أحمد ستيتية، ثابت مهاينة، الحكم دروزة، هاني الهندي، عدنان فرج، صالح شبل، أحمد الخطيب وحامد جبوري. وفي هذا المؤتمر تمّ إطلاق اسم «حركة القوميين العرب» على التنظيم الذي كان يُعرف باسم «الشباب القومي العربي».

وفي 25 نيسان/أبريل 1957 فُرضت الأحكام العرفية في الأردن، فكان هاجسي ضرورة استمرار العمل والتحدّي. وفكّرت في الاختفاء، فاختفيتُ فعلاً في عمان. لم يكن لدى الإخوة كافة الاستعدادُ نفسه لتحدّي الأحكام العرفية والنظام؛ لكن بعضهم، وبخاصة أبناء المخيمات وبعض الكوادر، كان يلحّ على ضرورة العمل والنشاط من خلال إصدار بيانات، وتوزيع المنشورات، وبعضهم الآخر كان يفكّر بضرورة ممارسة العنف ضد النظام. لكن قيادة العمل في الأردن كانت متردّدة جداً إن لم أقُل خائفة من ممارسة أيّ أنشطة عنيفة. وقد حاولتُ في بداية الأمر أن أصبر قليلاً، ولكنني وجدت بعد بضعة أسابيع أن استمرار الوضع على هذا النحو، وعدم القيام بأيّ أنشطة، سيخسرنا قاعدتنا الجماهيرية، وبخاصة في المخيمات. فبدأتُ بالنشاط، وشكّلت قيادة ميدانية لتمارس التحدي. ومع أوّل الأنشطة التي تجلّت بتوزيع منشورات، جاءتني اعتراضات وانتقادات من بعض الإخوة الذين كانوا متردّدين وقالوا: إن هذا سيسيء إلينا كثيراً، وصوّروا لي الأمور بأننا سنكون أمام كارثة. ولكنني استمريت في العمل، وبخاصّة أن الجماهير كانت تتلقّى هذه المنشورات بحماسة شديدة.

كانت سورية في ذلك الوقت تشكّل ساحة وطنية، وقد لجأ إليها بعض القادة الوطنيين الأردنيين ليتابعوا معارضة النظام من الخارج. أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: عبد الله الريماوي، ممثل فرع البعث في الأردن، والدكتور عبد الرحمن شقير، وهو صديق حميم لحزب البعث، وغيرَهما كُثُراً؛ وكذلك بعض الضباط الأحرار‏ في الأردن الذين لجأوا إلى سورية. لذلك نشأت فكرة تشكيل جبهة وطنية تقود العمل الوطني وتسندها سورية (جبهة معارضة وطنية للنظام الأردني)‏. وكان عبد الحميد السراج وزير الداخلية آنذاك يدفع بهذا الاتّجاه. وكان ممثلنا في هذه الجبهة الرفيق هاني الهندي، إذ لم يغادر أحدنا إلى سورية؛ فالرفيق وديع حداد كان في سجن الجفر، وكنت أنا مختفياً في ظروف معقّدة وشديدة الصعوبة لمتابعة النشاط الحزبي، واكتفينا بأن يمثلنا الرفيق هاني رغم أنه ليس أردنياً أو فلسطينياً.

الحكيم مع أحمد بن بيلا

اتّخذت القيادة الخلفية لمساندة العمل الوطني، أي تلك الجبهة التي تشكلت في سورية. هنا كان دورنا في الأردن فاعلاً جداً بالمعنى النسبي على الأقل، أي مقارنة بما فعلته التنظيمات الأخرى. إلا أننا، بعد ممارسة بضعة أنشطة عنيفة، تم القبض على إحدى المجموعات، التي كنّا نسميها في ما بعد «مجموعة ناديا السلطي»‏، تلك الفتاة التي نجحنا في تنظيمها في الجامعة الأمريكية مع إسطفان إسطفان خطيبها. ونتيجة التعذيب والضرب والتهديد التي تعرض لها أفراد هذه المجموعة تم إلقاء القبض على مجموعة أخرى من الشباب، أذكر منهم حالياً المرحوم عبد الحميد شرف وأخاه فواز اللذين انضما إلى التنظيم من الجامعة الأمريكية في بيروت. كذلك تم إلقاء القبض على مجموعة من شباب المخيمات، أذكر منهم أحمد عيسى وغيره. ونتيجة خوفنا من تتالي الاعتقالات أرسلنا إلى سورية مجموعة من الإخوة الذين كنا نخشى أن يلحقهم الدور في الاعتقالات، ولم أعد أذكر إذا كنا قد أرسلنا الرفاق إلى سورية نتيجة اعتقال نادية ومجموعتها، ولكنني ما زلت أذكر أنه نتيجة مجمل الأنشطة، سواء العنيفة منها أو الجماهيرية، تم إرسال عددٍ كبيرٍ نسبياً من الرفاق أذكر منهم الآن: فايز قدورة، الدكتور أحمد الطوالبة، إبراهيم قبعة، ونايف حواتمة وآخرين.

قلت إن القيادة السابقة في الأردن لم تكن بمستوى التصدّي بحكم تكوينها وخصوصيتها، لكنني بعد ذلك شكلت قيادة جديدة أذكر منها في بداية الأمر: محمد ربيع، وأحمد العسعس، وفي ما بعد أضيف إليها حسبما أذكر إبراهيم قبعة ونايف حواتمة.

لقد سجّلنا أنشطتنا كافة، سواء الطلابية أو الجماهيرية أو الإعلامية، في كراس بعد مرور عام، لم أعد أذكر اسم ذلك الكراس بالضبط، ولكن المحتوى كان تسجيل الأنشطة كافة التي قمنا بها خلال عام. وكنا نصدر نشرة سرية، أعتقد أننا سمّيناها «ما لا تنشره الصحف». فقد كنا نسجّل كل ما تقوم به السلطة من إجراءات قمعية، وكل ما تقوم به الجماهير من أنشطة في هذه النشرة التي كان ينتظرها الناس بشوق. وأعتقد أننا كنا في تلك الفترة الفصيل الوطني الأول في مجمل الأنشطة والتحريض.
أثناء فترة الاختفاء هذه، حدث ما أعتقد أنه أهم حدث سياسي بالنسبة إلى الثورة العربية والنضال العربي، وهو قيام الوحدة بين مصر وسورية في شباط/فبراير 1958، أي قيام دولة عربية جديدة هي الجمهورية العربية المتحدة. وقد أحدث هذا الحدث الكبير والمهمُّ تفاعلات جماهيرية لا توصف، وبخاصة في المشرق العربي.

بدأت أحلام الجماهير العربية تتصور أن دولة الوحدة العربية الشاملة يمكن أن تتم خلال حياة هذا الجيل العربي الراهن. كذلك بدأت جماهيرنا تحلم بإمكان القضاء على إسرائيل، وبغير ذلك من الأحلام الكبيرة. وكان انعكاس هذا الحدث كبيراً حتى في الساحة الأردنية، سواء لدى السلطة أو لدى الجماهير. فمن ناحية السلطة أقبلت على خطوة توحيدية شكلية من خلال قيام الوحدة بين العراق والأردن، حيث سميت هذه الوحدة بالاتحاد الهاشمي.

أما بالنسبة إلى الجماهير، فقد ارتفعت معنوياتها واشتدت مقاومتها للنظام. وما زلت أذكر تلك الأيام السعيدة التي عشتها وعاشتها جماهيرنا كلها ليس في الأردن فقط، بل في أرجاء الوطن العربي كافة، وبخاصة في بلدان المشرق، حيث كانت الجماهير العربية في لبنان تزحف نحو قصر الضيافة في دمشق عند حضور الرئيس عبد الناصر، وكان المنظر كما خُيّل لي مذهلاً.

في هذه الأثناء حضر رفيق من دمشق أُرسل من جانب قيادة عملنا، يحمل اقتراحاً بحلّ «حركة القوميين العرب» ما دام عبد الناصر قد تولّى قيادة النضال لتحقيق الأهداف القومية نفسها التي كنا نناضل من أجلها. ورغم تقديري العميق والكبير للقيادة الناصرية، ورغم تفكيري بضرورة التنسيق والعمل المشترك مع هذه القيادة، إلا أنني بصراحة ذُهلت لهذا الاقتراح، ولم أتردّد بأي صورة من الصور في رفضه كما طُرح لي من جانب الرفيق مصطفى بيضون.

كنت أدرك أن الوحدة العربية الثابتة والمتطوّرة يجب أن تقوم على عاتق الجماهير، والقيادة الناصرية كانت تخاطب الجماهير؛ لكن يوجد فرق بين المخاطبة والتعبئة والتنظيم. وما زلت أذكر التعبير الذي استندتُ إليه في تلك الفترة في إبداء وجهة نظري، إذ قلت:

إن عبد الناصر يشكل القيادة الرسمية للثورة العربية، أما حركة القوميين العرب فيجب أن تبقى لتشكل القيادة الشعبية للثورة العربية.

تركت الزيارة تأثيراً كبيراً في نفسي، وبدأت أتساءل عن قدرة الرفاق في دمشق على مواجهة تلك المرحلة. فقد كان هناك تيار جارف ضد العمل الحزبي، وعلى رأسه عبد الناصر نفسه، ولم يكن سهلاً أن نصمد في وجه مثل هذا التيار. فبدأتُ أفكر في الذهاب إلى سورية فترة من الوقت، أو فترة طويلة، كون العمل في ساحة الأردن جزءاً لا يتجزأ من العمل الكبير الذي نطمح إليه كحركة قوميين عرب. وقد زاد من رغبتي في الانتقال إلى سورية أنني شعرت بأن في الأردن عدداً من الرفاق الذين يمكن الاعتماد عليهم بعدما أثبتوا من خلال التجربة قدرة كافية على تحمّل المسؤولية وبالتالي على تولّي الأمور القيادية هناك.

بدأت جماهيرنا تحلم بإمكان القضاء على إسرائيل، وبغير ذلك من الأحلام الكبيرة

وفي ضوء ذهابي إلى سورية بدأت مرحلة جديدة في عملي امتدت من عام 1959 حتى نهاية عام 1963.

تبقى نقطة تتناول حياتي الشخصية أثناء الاختفاء في الأردن. هنا أذكر أنه توافرت لي فرصة جيدة للقراءة، وكان في البيت الذي اختفيت فيه غرفتان فقط، غرفة كنت أشغلها أنا، والغرفة الأخرى لأصحاب البيت. وحين يحضر ضيوف كانت ربة المنزل تقول لهم إنها قامت بتأجير الغرفة الثانية لممرضة تعمل في أحد المستشفيات، وكان علي أن أمنع نفسي عن السعال أو العطس وألا أقوم بأي حركة طوال وجود الضيوف. لكن وجودي عند هذه العائلة كان يخفّف عني الكثير، نظراً إلى ما كان يربطني بها من علاقات حميمة. وكان يتردد على البيت عدد قليل من أصدقائي المؤتمنين جداً الذين كانت تربطني بهم علاقات عمل. كانوا صلة الوصل بيني وبين الإخوة في الخارج. من بين الذين زاروا هذا المكان كضيوف كانت هيلدا، الإنسانة التي أصبحت زوجتي في ما بعد، كما سبق أن ذكرت. وكنت أعرفها منذ الصغر، لكنني انقطعت عن رؤيتها فترة طويلة بسبب ظروفي الخاصة. كان أحد أصدقائي قد سألني أثناء وجودي في الأردن خلال إحدى زياراته لي في العيادة: «لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ وأشار إلى هيلدا وقال: عندك ابنة عم جمعت العلم إلى جمال الخُلق، لقد التقيتها صدفة عند أحد الأصدقاء».

وحين رأيتها من ثقب الباب أثناء زيارتها لأهل البيت فترة الاختفاء، أدركت أن المرحوم رؤوف حلبي كان على حق، وبدأت منذ ذلك الحين أفكر جدياً في الزواج منها، لكن الظروف السياسية ووضعي الخاص أثناء الاختفاء كانا يحولان دون الاتصال بها.

ومن وقت إلى آخر كنت أشعر أنه يتوجب عليّ أن أغيّر مكان إقامتي لأسباب أمنية، إذ كثُر عدد الرفاق الذين يأتون إلي، فانتقلت إلى بيت آخر مشياً على الأقدام متخفياً.

وفي إحدى الليالي أثناء وجودي في ذلك البيت قُرع الباب، وحين فتح أهل البيت دخل رجال الأمن على الفور، ولما لمحت ذلك أدركت أنهم قادمون لإلقاء القبض عليّ، ولم يخطر ببالي أنهم يمكن أن يكونوا قادمين لأي غرض آخر، وبخاصة أننا كنا قد وزعنا منشوراً قبل بضعة أيام ضد النظام. وفي الحال خرجت من الباب الخلفي، وقفزت من على السور وأصبحت خارج نطاق البيت، وبدأت أتدحرج بسرعة فوق الحجارة والأشواك إلى أن وصلت إلى سور مدرسة راهبات الناصرة، حيث مكثت هناك إلى حين رأيت أحد أفراد البيت يطل يبحث عني يميناً ويساراً ليعلمني أن رجال الأمن قد خرجوا. عدت إلى البيت لأجد أن هدف رجال الأمن لم يكن إلقاء القبض علي، إذ إنهم لم يكونوا على علم باختفائي، وإنما كان هدفهم إلقاء القبض على شاب هو ابن صاحب المنزل الذي اقتادوه للتحقيق بتهمة توزيع منشورات ضد النظام.

* الحلقة السابقة:

«الأخبار» تنشر فصولاً من مذكّرات حكيم الثورة [3/4]

من ملف : مذكّرات حكيم الثورة

%d bloggers like this: