آل سعود يُطلقون النار على رؤوسهم

سبتمبر 21, 2019

د. وفيق إبراهيم

اعتقد آل سعود أنهم قادرون على احتلال اليمن وإلحاقه بنفوذهم بحربهم الضروس التي شنّوها قبل أربع سنوات ولا تزال متواصلة.

لكن النتائج انقلبت عليهم، بصمود أسطوريّ يكشف مدى إيمان شعب يمني متواضع الإمكانات، بقدرته على القتال ضدّ الغزاة حتى بالحجارة والأسنان. فهذا شعب له هوية تاريخية يتشبت بها وينقلها سليمة إلى الأحفاد.

لذلك فإنّ آل سعود في مأزق حقيقي متعدّد الأبعاد: الأول هو انتقال حربهم إلى داخل السعودية نفسها، والثاني أن اليمنيين بدأوا يستهدفون بطائراتهم المسيرة، نقاط القوة السعوديّة الوحيدة التي تؤمن لهم هذا الانجذاب الغربي ـ الأميركي إليهم. وهي مصافي النفط والمطارات والمواقع الإداريّة والعسكريّة. والنقطة الثالثة هي انكشاف عجزهم العسكريّ ضدّ هذه الهجمات اليمنية بما يدفع إلى الاعتقاد بأن مئات مليارات الدولارات التي دفعها السعوديّون ثمناً للأسلحة الأميركية ـ الأوروبية ليست أكثر من حديد أصيب بصدأ لندرة استعماله والعناية به والتدرب عليه.

أما النقطة الرابعة، فهو الإحباط الذي تتزايد درجاته عند السعوديين خصوصاً والخليجيين عموماً من البرودة الغربية في التعامل مع قصف مصفاتي أرامكو في بقيق وصريح، وهما أكبر مصفاتين سعوديتين تورّدان الذهب الأسود.

كان آل سعود يعتقدون أن هجوماً أميركياً أوروبياً، ينطلق آلياً بمجرد حدوث استهداف يمني كبير على مراكز نفطهم التي تشكل عصب الاقتصاد الغربي بالاستهلاك المباشر أو الاستثمار في ربوعها ببيع مختلف السلع الغربية أو بالاثنين معاً.

لقد أثارت ردود فعل الرئيس الأميركي ترامب، امتعاض الخليج الذي لا يتجرأ على التعبير عن نقمته. فليس معقولاً أن يبدأ سيد البيت الأبيض باتهام إيران متحولاً بسرعة مدهشة نحو التأكيد بأن بلاده مكتفية بنفطها وغازها الصخريين وليست بحاجة للسعودية بهذا الشأن، لذلك دعاها إلى تغطية تكاليف أي تحرك عسكري أميركي في المنطقة.

وعندما لمس صمتاً خليجياً، ابتدأ بالقول إنه لا يريد حرباً مع إيران، مضيفاً بأن الحرب هي آخر الحلول وليست مستبعَدة، مُسهباً بعد يومين فقط، بأن الحرب «مستبعدة وممكنة» بأسلوب بائع أسهم في بورصة الأحياء الشعبية في نيويورك.

المهم هنا، هو معرفة ما يريده الأميركيون بشكل دقيق، فهم يبتعدون عن أي إشارة لحرب اليمن وعلاقتها بقصف المصافي السعودية.

ما يوضح أن الحاجة الأميركية لهذه الحرب لم تنتهِ بعد، وإن على السعودية مواصلة عدوانها على اليمن: وأغراضها منها، فهي منع تشكل دولة يمنية مستقلة، والسيطرة على حدودها البحرية من عمان وحتى باب المندب وصولاً إلى الحدود في أعالي البحر الأحمر مع السعودية.

وللأميركيين اهتمامات غامضة بموارد طاقة يمنيّة تقول مصادر غربية إنها موجودة بكميات وازنة، وتجمع بين النفط والغاز.

هذه أسباب أميركية تمنع السعوديين من التخلي عن عدوانهم وفي طريقة لرفع مستوى الرعب السعودي، يتعمّد الأميركيون الربط بين إيران واليمن والعراق وسورية ولبنان، مع التركيز على محورية إيران في هذا الحلف، الأمر الذي يربط آل سعود بالسياسة الأميركية المعادية لإيران.

الجمهورية الإسلامية إذاً هي هدف أميركي أساسي يريد البيت الأبيض تفجير دولتها، لكنه يصطدم بقدرتها الدفاعية والهجومية، فيعمد إلى الاستثمار بهذه القوة الإيرانية بوسيلتين: عزلها عن الجوار الخليجي، وتحويل هذا الخليج إلى سوق كبيرة لشراء السلاح الأميركي إلى جانب حصر علاقاتها الاقتصادية بالسلع الأميركية والغربية، من خلال استبعاد السلع الصينية والآسيوية عموماً.

لكن، فالخطة الأميركية تركز على الأولويات المتحكمة حالياً بالعقل الخليجي الرسمي، وهو الخوف على الأنظمة السياسية، وبما أن السلاح الخليجي الموجود لم يتمكّن من صدّ الصواريخ والمسيَّرات اليمنية. فهذا يعني عجزه عن التعامل مع المستجدّات العسكرية لهذه المرحلة، فلا بأس إذاً بشراء أسلحة حديثة للزوم قمع الداخل من جهة والخارج الإيراني ـ العراقي ـ اليمني من جهة ثانية.

ألا تفترض هذه الأهداف تغييراً كاملاً للسلاح الموجود، يؤدي إلى تقليد خليجي متسارع من الكويت وحتى عمان مروراً بالإمارات والبحرين وقطر. وقد توزع السعودية صفقات أسلحة حديثة على الأردن ومصر والسودان لضرورات التعاون.

ماذا يعني هذا التجديد؟ تستلزم الأسلحة الحديثة وقتاً طويلاً للتعامل المفيد معها، الأمر الذي يستلزم إيفاد آلاف العسكريين الخليجيين للتدرب عليها في بلاد الإنتاج، وهذا يتطلب دفع أثمان السلاح وكلفة التدريب عليها، ونفقات آلاف المستشارين الغربيين الذي يعملون في جيوش الخليج، وتسديد ثمن أسلحة الدول الصديقة، المتحالفة.

إنها إذاً عملية مرهقة، تقول مصادر عسكرية روسية، إن نفقاتها قد تزيد عن ألف مليار دولار قابلة للتصاعد، وهي كافية لإنعاش الطبقات الوسطى في الغرب الصناعي، وإعادة تجديد معامل السلاح في بلدانه.

بالمقابل ليس أكيداً قدرة الخليج على استعمال هذا السلاح الذي قد يصبح قديماً بعد نصف عقد على شرائه والتدرب عليه وفي عالم ينتج أسبوعياً، أصنافاً جديدة من الأسلحة.

هناك نقطة إضافية وهي أن السلاح يحتاج إلى عقيدة قتال، ليست موجودة في الخليج الملتزم بالسياسة الأميركية وبالتالي الإسرائيلية، فيبدو آل سعود كمن يطلقون النار على رؤوسهم في حروب لا علاقة لهم بها، لتطوير طبقات غربية على حساب شعوبهم التي تحتاج إلى تطوير فعلي يمنعه عنهم الأميركيون ومعهم آل سعود الذين يخافون من السعوديين أكثر من إيران واليمن وحزب الله.

Related Videos

Related Articles

 

Advertisements

عملية أرامكو… ومقايضة ساحات الاشتباك

عملية أرامكو… ومقايضة ساحات الاشتباك

سبتمبر 17, 2019

ناصر قنديل

يكفي ما قدّمه الأميركيون والسعوديون من وصف لعملية أرامكو لمعرفة التطوّر النوعي الذي مثّلته في الاشتباك الكبير القائم بين واشنطن ومن خلفها كل جماعاتها من جهة، ومحور المقاومة من جهة مقابلة. فهي تعريض الأمن والسلم الدوليين للخطر، وتهديد للاقتصاد العالمي، ومصدر لخطر خراب خدمات أساسية في السعودية كتأمين الكهرباء والماء والغاز والمشتقات النفطية، وهي سبب لتدهور أسواق الأسهم وارتفاع أسعار النفط، ولعجز السعودية عن ضخ ما يلزم لاستقرار هذه السوق ما استدعى أوامر الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام الاحتياطي الاستراتيجي لمنع حدوث أزمة نفطيّة.

يمكن تفهم صعوبة تقبل الأميركيين والسعوديين لكون أنصار الله قد نجحوا بتنفيذ ضربتهم النوعية، وامتلكوا جرأة الإقدام عليها. فالضربة قاسية ومؤلمة ونوعية، وقبول أن أنصار الله وراءها يضع أميركا في موقع الفشل الكبير في حماية سوق الطاقة العالمي من الاضطراب، وقبول أن مَن أفشلهم هو بعض شعب محاصر منذ سنين يعني إتهامه بتهريب الأسلحة فشلاً في الحصار، والقبول بقدرته على التصنيع، تمجيداً لمكانته ومعنوياته ومقدراته. وقبول قدرته على خرق منظومات الرادار والصواريخ والمخابرات، إعلان هزيمة مدوّية لمنظومة تكلّف مئات مليارات الدولارات، يصعقها اليمنيون بمنظومة لا تكلّف إلا آلاف الدولارات، مضافاً إليها عامل تثقيل بستة أصفار هو الإرادة. والقبول بالتالي بأن إثارة قضية الأمن السعودي مشروطة بأمن اليمن وما يعنيه من وقف للعدوان والحصار.

الهروب الأميركي نحو اتهام إيران، لن يحسّن حال المعنويات الأميركية والسعودية إلا مؤقتاً باعتبار مَن استهدف أمنهم وقام بهزه وإفشاله، دولة كبرى في المنطقة وليست حركة فتيّة محاصرة، ويجنبهم ربط وقف الاستهدافات للأمن السعودي والنفطي بوقف العدوان والحصار على اليمن، لكنه سيطرح تحديات من نوع آخر، فهو يقول إن إيران أطلقت صواريخ كروز، وهذا يعني أن الحجة القديمة عن صعوبة ملاحقة الطائرات المسيّرة بالمنظومات الدفاعية الصاروخية يفقد معناه، طالما أن هذه المنظومة مصمّمة لمواجهة صواريخ الكروز، فماذا يعني فشلها؟ وهو يقول إن إيران تستفز واشنطن لاستدراجها إلى حرب، فماذا ستفعل واشنطن؟

الحقيقة أن محور المقاومة ككل، يدرك أن واشنطن وحلفاءها اختاروا ميداناً للمواجهة يملكون التفوق فيه وهو الحرب المالية، هرباً من ميدان قالت مواجهات السنوات الماضية إن محور المقاومة يتفوّق فيه وهو ميدان المواجهة العسكرية، لذلك يجب أن يعلم الأميركيون ومَن معهم أن محور المقاومة بكل مفرداته ومكوّناته، يذهب بوعي لإشعال ميدان المواجهة العسكرية، وصولاً للحظة مقايضة ساحات الاشتباك، وقف الحرب المالية مقابل وقف الحرب العسكرية، أو دخول الحربين معاً، فيربح المحور واحدة ويخسر واحدة، لكن خسارة واشنطن للحرب العسكرية ستسقط معها أشياء كثيرة سيكون مستحيلاً بعدها الحديث عن مكان لواشنطن وجماعاتها، ولتفادي ذلك عليها أن تصل لتسوية في الإثنتين، فتتفادى واشنطن وجماعاتها كأساً مرّة في الميدان العسكري، ويتخلص المحور من كأس مرّة في الميدان المالي، والآتي أعظم حتى تختار واشنطن، من إسقاط طائرة التجسس الأميركية العملاقة إلى أفيفيم إلى أرامكو.. وما بعد ما بعد أفيفيم وأرامكو!

Related Videos

Related Articles

حرب أم تسويات: المشهد المأزوم أم المنفرج؟

سبتمبر 16, 2019

زياد حافظ

سخونة الساحات العربية وفي عدد من بلدان المنطقة والعالم تنذر بأنّ مسار الأمور في الصراعات القائمة وصلت إلى طريق مسدود. والأزمة القائمة عند جميع الأطراف تشبه بالعقد الغوردية التي استوجبت إسكندر المقدوني على قطعها دون الاكتراث إلى حلحلتها بالطرق المعهودة أو المقبولة. فهل يوجد إسكندر مقدوني وهل هناك إمكانية من حلّ العقدة أو الأحرى العقد بتلك الطريقة؟

ما سنحاول مقاربته هو ربما محاولة صعبة ولكن غير مستحيلة، أيّ استشراف تجلّي الأمور في الوطن العربي وفي الإقليم وعلى الساحات الدولية. لقد أشرنا في مقاربات سابقة أنّ منطق الصراعات القائمة هو انعكاس لمنطق التحوّلات التي حصلت وما زالت تحصل على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي. فمن جهة هناك تراجع واضح بل أفول لمحور الغرب بقيادة الولايات المتحدة يقابله صعود محور تقوده ما نسمّيه بالكتلة الأوراسية. لكن المسارين لا يفسّران كلّ شيء أو المحطّات التي تشكّل أزمات سواء كانت من داخل المسار القائم أو من خارجه. أيّ بمعنى آخر صعود الكتلة الأوراسية ينعكس في صراعات في عدد من الأقاليم والبلدان بسبب معارضة الغرب من جهة، وبسبب التناقض مع مصالح محليّة لا يمكن التفوّق عليها بالسهولة المتوقعة خاصة إذا ما ارتبطت تلك المصالح بالمحاور العملاقة التي تتحكّم بمسار الأمور في المنطقة. كما أنّ القدرة على فرض حلّ ما من قبل الأطراف المتصارعة غير ممكن في ظلّ الموازين القائمة دون اللجوء إلى مجابهة مفتوحة في كلّ الساحات وبكلّ الوسائل، أيّ الحرب الشاملة.

العجز في التقدم بشكل كاسح بنسبة لمحور الصاعد يقابله عجز في المحور الغربي عن القبول بتغيير الموازين. والعجز في الغرب يعود إلى حالة إنكار بالإقرار بالواقع الجديد. وبما أنّ الغرب، والولايات المتحدة بشكل خاص، ما زال يملك أوراقاً يعتقد أنها رابحة فهو يحاول عبثاً تغيير المعادلات. لذلك وصلت الأمور في الساحات الملتهبة في الوطن العربي والإقليم والعالم إلى حالة مواجهة تتراوح بين منطق الحرب ومنطق رفض الحرب. فمن يريد الحرب لا يقدر عليها ومن يقدر عليها لا يريدها. ففي الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وبعض الدول الخليجية هناك من يسعى إلى الحرب مع محور المقاومة. وعلى الصعيد شرق آسيا هناك من يعمل على توتير الأجواء كمحاولة لردع الصين وإن أدّت الأمور إلى الحرب. لكن داخل ذلك المعسكر الغربي، وخاصة الأميركي، هناك من يعي أنّ القدرة على الحرب بالأساليب التقليدية محدودة جداً وأنّ اللجوء إلى الحرب بسلاح غير تقليدي قد يؤدّي إلى دمار العالم. ولكن هناك أيضاً داخل ذلك المعسكر أنّ الخسائر المرتقبة من حرب نووية شاملة قد تكون مقبولة معتقدين أنّ قدرة التحمّل عندهم أكبر من عند خصومهم.

مع خروج جون بولتون من أروقة الإدارة الأميركية يبدو أنّ معسكر المتشدّدين في الإدارة الأميركي تلقّى صفعة كبيرة. هذا لا يعني أبدأً أنه لا يوجد صقور بل العكس. فوجود نائب الرئيس مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو على قمة هرم الإدارة ووجود إسرائيليين صهاينة داخل البيت الأبيض كصهر الرئيس جارد كوشنر وصديقه اري بركوفيتز مضيّف القهوة في البيت الأبيض! كخلف لجاسون غرينبلاط، ووجود سيغال مندلكر الإسرائيلية المعروفة بتطرّفها لصالح المستعمرين في الضفّة الغربية كرئيسة وحدة مكافحة الإرهاب والمسؤولة عن العقوبات على الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله في لبنان، فجميع هذه الشخصيات ملتزمة بسياسات بنيامين نتنياهو الدافعة نحو مجابهة مباشرة أميركية عسكرياً مع الجمهورية الإسلامية في إيران.

لكن كلّ ذلك لا يخفي حقيقة الصراعات الداخلية في عدد من الدول المعنية في المواجهة الاستراتيجية بين المحورين. فكلّ من لبنان والعراق والأردن على سبيل المثال يعاني من صراعات داخلية لها امتداداتها الإقليمية والدولية إضافة إلى حيثياتها الذاتية. والحلول لتلك الصراعات التي تصل إلى حدّ الاستعصاء مرتبطة بالحلول أو التسويات في الصراع بين المحورين. لكن الصراع بين محور المقاومة المنخرط ضمن صراع المحورين الكبيرين، محور الكتلة الأوراسية وحلفاؤها ومحور الغرب وحلفاؤه، هو صراع وجودي وليس سياسياً. من هنا تكمن الصعوبة في استشراف حلول على قاعدة التسوية. هنا تكمن أبعاد اللعبة الصفرية. فوجود الكيان يعني إلغاء وجود محور المقاومة كما أنّ جوهر المقاومة لا يقتصر على تحرير أراضي محتلّة وعودة الحقوق لأصحابها، بل يعني إلغاء الكيان الصهيوني كما نعرفه اليوم. فكيف يمكن التوفيق بين من يسعى إلى إعادة تأهيل «الشرعية الدولية» والقانون الدولي وهذا يقين الموقف الروسي الذي انتهكه كلّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مع من يعتقد أنّ القانون الدولي لا يفي بغرض الحق والعدل؟ هنا جوهر العقدة الغوردية التي تكلّمنا عنها في مطلع هذه المطالعة فكيف يمكن قطعها؟ وهل «التسوية التاريخية» للصراع في المنطقة التي يدعو إليها بعض «الواقعيين» هي تسوية بين الحق والعدل من جهة والظلم من جهة أخرى؟

لذلك نعتقد أنّ الولايات المتحدة ومن يتحالف معها أصبحت في موقف العاجز عن صنع الحروب المباشرة وغير المباشرة وبالتالي ما عليها إلاّ القبول بالتسويات. لكن هذه التسويات فوق طاقتها لأنها في المدى المنظور مكبّلة بالالتزام بأمن الكيان الصهيوني. ومنطق التسويات الذي يمكن أن يكون هو في جوهره على حساب الكيان. ففي الحدّ الأادنى ينتفي دوره كشرطي للغرب، وفي الحدّ الأقصى يلغي قواعد وجوده. لكن لا نستبعد ان يستمرّ الوضع على ما هو عليه في الولايات المتحدة. فالأصوات التي بدأت تتساءل حول منطق ثم جدوى تلازم المصلحة الأميركية والمصلحة الصهيونية وترتفع يوماً بعد يوم، وحتى داخل الجالية اليهودية من بين الشباب اليهودي الأميركي. لم تصل إلى مستوى كتلة فاعلة تستطيع قلب الموازين الداخلية لكن نفوذ اللوبي الصهيوني يتراجع رغم الادّعاءات بالعكس. فرغم احتلال اللوبي الصهيوني للكونغرس إلاّ أنّ نفوذه لا يتجاوز منطقة ما يُسمّى بـ «البلتواي» أيّ الحزام الدائري لمنطقة واشنطن الكبرى. فلا ننسى أنّ اللوبي الصهيوني خسر معارك مفصلية على صعيد الولايات المتحدة ككلّ في انتخاب باراك أوباما في الولايتين وفي إخفاق إيصال هيلاري كلنتون إلى البيت الأبيض ضدّ ترامب.

صحيح أنّ الرئيس الأميركي ترامب أعطى للكيان ما لم يعطه أحد ولكن في آخر المطاف لم يعط من رأس ماله السياسي بل من التراكمات السابقة. فقرار نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس قرار اتخذه الكونغرس الأميركي عام 1995 وبالتالي لم يأت بجديد، بل «نفّذه» عندما بات واضحاً أنّ المفاوضات مع الطرف الفلسطيني لن تصل إلى أهدافها الصهيونية. من جهة أخرى المصادقة على سيادة الكيان على منطقة الجولان يكرّس أمراً واقعاً اتخذته حكومة الكيان عام 1982 وبالتالي ليس بالجديد. ومن مؤشرات تراجع النفوذ الصهيوني خروج بولتون من الإدارة وهو الابن المدلّل لشلدون ادلسون المموّل الصهيوني الأميركي الأكبر لحملة ترامب. وشلدون ادلسون لديه مرشح آخر أظهر فشله عبر استعداء المجتمع الدولي بأكمله وهي نيكي هالي السفيرة السابقة لدى الأمم المتحدة. لا يسعنا هنا تعداد محطّات التراجع الصهيوني في هذه المقاربة لضيق المساحة إلاّ أنّ النقطة الأساسية التي نشدّد عليها هي تكبيل الإدارة الأميركية الحالية من إقامة أيّ تسوية في المنطقة لا تكون في صالح الكيان، وخاصة طالما نفوذ الانجيليين الجدد على صنع القرار الخارجي ما زال قائماً. ولكن ملامح تراجع ذلك النفوذ بدأت بالظهور والتي تعطي الأولوية للمصلحة الأميركية العليا وليس للكيان. وقناعتنا أن هذا التكبيل لن يطول وقد يتزامن مع المزيد من التراجع الأميركي في العالم وحتى داخلياً. المسألة ليست مسألة إذا بل مسألة متى. ألا يلفت للنظر انّ في نفس الأسبوع الذي أقيل فيه بولتون تنشر وسائل الإعلام الأميركية الموالية تقليدياً للكيان الصهيوني خبراً حول تجسّس السفارة الصهيونية على البيت الأبيض؟

وإذا كانت الإدارة الأميركية عاجزة عن خوض حرب وعاجزة عن الدخول في تسوية فماذا تستطيع أن تقوم به؟ ليس هناك من حلّ إلاّ القبول بمنطق ربط النزاع في الملف الإيراني والملف السوري والملف اللبناني والملف اليمني. هذا يعني التغاضي عن سياسة فرض العقوبات وسياسة الضغوط القصوى على الجمهورية الإسلامية في إيران وعلى حلفائها دون التراجع عن مبدأ وجود العقوبات. فالتهويل بالحرب، والعقوبات الخانقة هي حرب لا تقلّ شراسة عن الحرب العسكرية التي قد تجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة هي عاجزة عن خوضها. فنحن في مرحلة لا حرب ولا تسويات ولكن مرحلة ربط نزاع إلى أن تنجلي الأمور.

لذلك في رأينا، الحليف الاستراتيجي لمحور المقاومة الذي يحمل قضية الحق والعدل يكمن في عامل الزمن. إنّ مسار الأمور منذ عدّة عقود يشير إلى تلاشي قدرة الكيان والولايات المتحدة على فرض إرادتهما على الفلسطينيين كما على جميع المقاومين. فالمقاومة في فلسطين التي بدأت مرحلة جديدة عبر انتفاضة الحجارة عام 1987 أصبحت اليوم تملك الصواريخ الدقيقة التي تطال كافة مناطق فلسطين المحتلة. والمقاومة في لبنان التي طردت المحتل الصهيوني من معظم جنوب لبنان دون قيد أو شرط استطاعت إلحاق الهزيمة به في حرب تموز استطاعت تطوير قدراتها القتالية أضعاف ما كانت عليه في تموز 2006. وسورية التي استهدفتها حرب كونية لدورها ومكانتها في الصراع العربي الصهيوني تحقّق الإنجازات تلو الإنجازات في استعادة الدولة لسيطرتها على الأراضي السورية التي خضعت لسطوة جماعات التعصّب والغلو والتوحّش المدعومة إقليمياً وعربياً ودولياً، وذلك بفضل جهود الجيش العربي السوري ومساعدة الحلفاء الإقليميين والدوليين. والعراق الذي احتلّته الولايات المتحدة وفرضت توجّهاً سياسياً معاكساً لموروثه السياسي الطبيعي المناهض للكيان الصهيوني يستعيد شيئاً فشيئاً دوره المحوري في التصدّي للكيان. هذه بعض التحوّلات التي حصلت في الدول العربية المعنية مباشرة في المواجهة. وهناك تصوّر أنّ الدول العربية التي اتصفت بـ «الاعتدالـ« تبدأ رحلة مراجعة سياساتها المنحرفة والمشينة بعد ما تبيّن لها عجز الولايات المتحدة وحتى الكيان الصهيوني في تغيير مسار الأمور في المواجهة مع معسكر المقاومة الذي أصبح جبهة واحدة متماسكة، ما يعنى أنّ استفراد أيّ من مكوّناته أصبح مستحيلاً.

إذاً التحوّلات الاستراتيجية التي حصلت خلال العقود الثلاث الماضية على الأقلّ تدلّ على أنّّ الوقت يعمل لصالح محور المقاومة. من هنا يأخذ مصطلح «الصبر الاستراتيجي» معناه الكامل. وإذا اضفنا إلى كلّ ذلك التحوّلات المتسارعة داخل الكيان التي تكلّمنا عنها في عدة مقالات ومقاربات استراتيجية والتي تكشف هشاشته وتنذر بأفوله ثم انهياره، فهذا يعني أنّ السلاح الاستراتيجي بيد المقاومة هو الوقت الذي يرافق الضغط المستمر على الكيان. فالانهيار من الداخل قد يحصل قبل الانهيار من الخارج إذا ما استمرّ الضغط العسكري على الكيان رغم ترسانته الواسعة والمتطوّرة، فتمّ تحييدها بالصواريخ الدقيقة التي جعلت فقدان العمق الجغرافي الاستراتيجي للكيان أمراً قاتلاً في أيّ مواجهة مع محور المقاومة. الحماقة الممكنة التي قد يقدم عليها الكيان لأغراض محليّة فقط سترتدّ عليه وتعجّل في انهياره ولكن هناك داخل الكيان من يعي ذلك ولن يسمح به. كما لم يُسمح لفلسفة اتفاقية أوسلو أن تثمر فكان اغتيال اسحاق رابين فهناك من لن يسمح بتكرار حماقة شارون في احتلال لبنان أو أولمرت في حرب تموز أو نتنياهو في معاركه الفاشلة في قطاع غزة.

تراجع نفوذ الولايات المتحدة والكيان في الحدّ الأدنى، وأفولهما إنْ لم نقل انهيارهما في الحدّ الأقصى، سيفسح المجال لنهضة كبيرة جدّاً في المشرق العربي وخاصة في بلاد الشام وبلاد الرافدين تمهيداً لتثبيت التشبيك التكاملي السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي. وهذا الأمر سينجرّ على سائر الدول العربية كالأردن ودول الجزيرة العربية حيث الوصاية الأميركية والغربية ستكون خارج المعادلة ما يفرض على هذه الدول الالتحاق بما تقوم به الكتلة العربية المشرقية. كما لا نستبعد سقوط معادلة كامب دافيد في مصر، وهناك مؤشرات لذلك لا مجال للتكلّم عنها في هذه المطالعة، فهي تنذر بعودة مصر إلى دورها الطبيعي في الصراع العربي الصهيوني من جهة وفي دورها في نهضة الأمة العربية. وكذلك الأمر بالنسبة لدول الاتحاد المغربي الذي سيأخذ دوره المفصلي في نهضة الأمة ويتجاوز رواسب الاستعمار الأوروبي والوصاية الغربية على مقدّراته.

قد يعتبر البعض، وهم كثر، أنّ هذه الرؤية تفاؤلية بل ربما رغبوية وليست واقعية. نقول لهم انظروا إلى الإنجازات التي تمّ تحقيقها والتي لم تستطع كلّ مؤامرات التفتيت والتجزئة ضربها أو إجهاضها أو تغييبها. فالإنجاز الذي يحقّقه المحور المعادي ليس إلاّ إنجازاً تكتيكياً ظرفياً في مسار استراتيجي متراجع له لا يلغي ولا يعدّل في مسار التقدّم الاستراتيجي الذي يحققه بكلفة عالية محور المقاومة.

Related Articles

في ثقافة المقاومة… وقضية العملاء

سبتمبر 16, 2019

ناصر قنديل

هذا الشهر من العام 1982 كان حافلاً بالشواهد على التحضيرات التي خاض غمارها تباعاً آلاف الرجال والنساء والشباب والصبايا من اللبنانيين وأحزابهم، لإطلاق أعظم حركة تاريخيّة وطنية في حياة لبنان، هي حركة المقاومة، التي يفتخر القوميون بأنهم كانوا في طليعتها منذ عملية الويمبي، وأنهم كانوا فيها نساكاً لا يبحثون عن توظيف دماء شهدائهم وتضحيات وعذابات أسراهم، أسوة بكل من كان صادقاً ومخلصاً لفكرة المقاومة، ولولا هذا الجمع المضحّي للمقاومين الذي كتب تاريخ لبنان الحديث، ما كان قيام لدولة، ولا للأمن فيها ولا للاقتصاد.

الأكيد عبر تاريخ هذه المقاومة أنها وهي تحتفل بالتحرير لم تربط هوية السلطة الناشئة ما بعد التحرير، بطبيعة مواقف مكوّناتها غداة انطلاق المقاومة أو أثناء مسيرتها، وتموضعهم على خطوط الاشتباك مع مشروع الاحتلال أو حيادهم في هذا الاشتباك، أو تلاعب بعضهم بين ضفتي الاحتلال وقوى المقاومة، بل وحتى مشاركة بعضهم علناً في الخريطة السياسية المرسومة لمشروع الاحتلال ورهانه عليه، فمواقف قوى المقاومة وثقافتها، كانت مؤسسة على التضحية بأي مكاسب سلطوية افتراضية، سعياً لضمان أوسع مساحة للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، لتكون دولة لكل اللبنانيين، تطوي زمن الاحتلال ومراراته، وتفتح صفحة جديدة في حياة لبنان واللبنانيين.

رغم هذا التنسّك والسعي للوصل والجمع، بقيت مشاريع القسمة والضرب والطرح، وكانت قضية العملاء واحدة من الملفات التي تعبر في طياتها عن طبيعة المواقف الفعلية للقوى السياسية والطائفية وقادتها، والمقاومة التي كانت قادرة على جعل الملف من اختصاصها في إنهاء هذا الملف بعد التحرير مباشرة، تصرّفت بمسؤولية وطنية ارتضت أن يكون في عهدة الدولة، لكن ما جرى منذ ذلك الوقت وما يجري حتى اليوم يؤكد أن التعامل الرسمي والحكومي والأمني والقضائي مع هذا الملف يحتاج اليوم في ضوء تداعيات قضية العميل عامر إلياس الفاخوري، إلى إعادة نظر ومناقشة صريحة لا مجاملات فيها. فمصطلح المبعَدين الذي تسلل إلى السياسة يحمل ضمناً معادلة براءة للعملاء، والتشريعات القانونية التي يعتمدها القضاء لم تشهد أي معالجة خصوصية تأخذ بالاعتبار ما شهده البلد من قضايا وتفاصيل تحتاج إلى تضمين تبعاتها وتداعياتها في خصوصيات الأحكام، واللجوء للبرقية 303 يُعَد بذاته، تقصيراً قانونياً وقصوراً تشريعياً، ومثله ثقافة المؤسسات الأمنية والعسكرية تجاه هذا الملف تحتاج إلى تقييم وتقدير موقف جديد.

الأكيد الذي يجب أن يتنبّه له المسؤولون هو أن قضية العميل المتسلل من ثقوب السياسة والقضاء والأمن، فتحت جروحاً لن تندمل بلا إعادة قراءة للكيفية التي تم اعتمادها منذ العام 2000، ورسم سياسة تترجم بتشريعات وإجراءات وثقافة فوق السياسة، تصل حدّ العقيدة، عنوانها، لا مكان لعملاء الاحتلال إلا في السجون، ولا عقوبة للقتلة منهم إلا الموت، ولا مكان لنظريات العفو والتبادل والمقايضة في هذه القضية فهي قضية أمن وطني وقضية وفاء لعذابات ودماء الآلاف، غير قابلة للصرف في السياسة، ولا يملك أحد التفويض للتصرف بخواتيمها بالنيابة عن الذين لا زالت أوجاعهم وجراحاتهم حيّة.

Related Videos

Hezbollah MP: Fakhoury’s Crimes Mothers of All Crimes

September 14, 2019

Ibrahim_mousawi

Hezbollah MP Ibrahim Mousawi on Saturday condemned the ease with which the former commander of al-Khiyam’s Israeli prison was able to enter Lebanon without arrest.

Amer al-Fakhoury, a member of the Israeli proxy militia in Lebanon, who oversaw the Khiam prison in south Lebanon that detained and tortured thousands of Lebanese, arrived at Rafik Hariri International Airport last week.

He was able to leave the airport without arrest, despite having been sentenced to 15 years in jail and having several arrest warrants against him.

“The crimes of high treason do not become obsolete over time,” Mousawi tweeted Saturday. “And Fakhoury’s crimes are the mothers of all crimes: collaboration with ‘Israel’, murder, torture, kidnap and rape,” he added. The Hezbollah MP called for the court to ensure Fakhoury was brought to justice “to protect Lebanon, preserve the blood of the martyrs and … even national dignity.”

Fakhoury was referred to the Military Tribunal Friday, having been arrested a day earlier. A statement released by General Security Friday morning said he had, during interrogations, confessed to working with the Zionist entity.

Related Videos

 

Government Bestows an Honor to the Butcher of Al Khiyam: Al-Akhbar الدولة تكرّم جزّار الخيام

Fakhoury2

Al-Akhbar Newspaper

September 14, 2019

Few days ago, Amer Elias Al Fakhoury, the former military commander of Al Khiyam detention center, arrived in Beirut through its airport.
Al Fakhoury was responsible for a battalion of Antoine Lahad militia agents who guarded Al Khiyam detention center, suppressed the detainees and tortured them brutally.

Al Fakhoury, 56, is from southern Lebanon. He claimed that after a dispute with his bosses, he left Lebanon to the United States in 1998 through Palestine. He was known for his abduction, incarceration and torturing at the Center. Al Fakhoury was the head of the Center with the Chief of Security and Investigation Jean Al Homsi (Abo Nabil) who were directly supervised by the Israeli Intelligence.

Last week, the General Security Commander, checking Beirut arrivals’ passports at Beirut-Rafic Hariri International Airport, observed that the American passport holder Amer Elias Al Fakhoury has been wanted for arrest. However, audits showed that the detention order was withdrawn. In a default judgment, Al Fakhoury was sentenced to 15 years in jail with hard labor, in addition to the arrest warrants in abduction and rape crimes and non-judicial arrest warrants issued by the Lebanese Army (in the cable no. 303). All the aforementioned provisions were withdrawn, which means that the General Security is unable to arrest Al Fakhoury since there’s no judicial decision. What should be done? The General Security chief has the power of anyone’s papers. Al Fakhoury was allowed to enter the country after keeping his passport.

Who mended Al Fakhoury’s status whom Al Khiyam detention center freed detainees say he’s responsible for all the torture they were subjected to at the center, not to mention their arrest. Who is the secret authority who allowed the withdrawal of all the arrest warrants issued against him? “Al Akhbar” newspaper was told yesterday that due to the passage of 20 years on issuing them, the verdicts against him had been dropped.

Well, what about the arrest warrants the Army issues? Who ordered annulling them? The answer may carry a scandal. Yesterday, Al Fakhoury was escorted with a Brigadier wearing his military uniform to the General Security office in Beirut!

Did the Brigadier volunteer by himself to help Al Fakhoury without the knowledge of his commanders? Why is they dealing with leniency with such security, humanitarian and legal dangerous issue? Despite of the inability to be issued by judicial decision, the cable number 303 forms an “above-legal” protection of national security in the issues of dealing with the Israeli enemy. So, why is the wavering when dealing with this case particularly?
Many questions are raised with no specific answers. An enough evidence that indicates the significance of Al Fakhoury is that when asking about the facts of his return to Beirut, a security official wanted to know his place to detain him, then discovered that the former agent returned legally by a ‘superior’ decision.

The law in Lebanon doesn’t allow the detention of Al Fakhoury 20 years after his sentence was issued. But, why couldn’t he been prevented from returning to the country he betrayed? Why wasn’t he expelled? This should be the least thing to be done in honor of his victims instead of the ‘honor’ he bestowed.

Source: Al-Akhbar Newspaper (Translated and edited by Al-Manar English Website Staff)

Related Videos

Related Articles

الإعدام للعملاء… ولكشف مَن يسوّق لهم

سبتمبر 13, 2019

ناصر قنديل

– تسقط السياسة عند أبواب الوطن، وتنتهي المجاملة وحملات العلاقات العامة عند دماء الشهداء. والعمالة لن تتحوّل إلى وجهة نظر. وما جرى في قضية تسهيل عودة جزار الخيام وجلاد المعتقل العميل الذي لا تزال صرخات الأسى ودماؤهم وأمراضهم وإعاقاتهم، شواهد على أفعاله، ليس مجرد خلل إداري بل هو عمل سياسي أمني خطير يكشف الوضع الهشّ للتعامل القضائي والأمني مع ملف العملاء، وسهولة التلاعب به، والنفاذ من بين ثقوب اللعبة السخيفة للطائفية المريضة، لجعله قابلاً للتساكن. وهذا ببساطة لن يحدث، لأن تلكؤ الدولة عن واجباتها سيعني شيئاً واحداً، أن تتشكل فرق الموت لملاحقة العملاء كما حدث في فرنسا بعد تحرّرها من النازيين قبل أن تتولى المحاكم القيام بواجبها. ومَن يريد أن تكون الدولة مرجعاً حصرياً للعقاب يجب أن يأخذ ذلك في الاعتبار.

عرض الصورة على تويتر

– القضية الآن في عهدة القضاء العسكري، الذي يستعدّ لتوجيه الاتهامات المناسبة للعميل عامر إلياس فاخوري، وستكون عيون الناس مفتوحة على كل تفصيل في القضية، وسيكون أهل المقاومة وأسراها المحررون مجندين قانونياً وإعلامياً كي لا تسهو عين عن سانحة، وصولاً للحكم العادل الذي لا يجب أن يكون دون الإعدام. فهذا العميل مجرم قاتل، سقط على يديه عشرات الأسرى مضرَجين بدمائهم، منهم مَن استشهد ومنهم من لا يزال يحمل ندوب جراحاته. والدعوة مفتوحة لمئات المحامين للتطوع للمرافعة في القضية التي يجب أن تشكل دعاوى مئات وآلاف الأسرى المحررين وأسر الشهداء منهم موضوعاً لها، والدعوة لكل الأحزاب والشخصيات المؤمنة بلبنان وطناً لا مكان فيه للعدو وعملائه للاستنفار لتصويب مسار الأداء القضائي والأمني الذي تقف وراء سقطاته السياسة بكل وضوح، لكشف الجهة التي حضرت ورتبت وسوقت لهذا الاختراق القذر والقبيح لصورتنا كوطن ودولة.

– الفارق كبير بين الحديث عن مبادرات لاستعادة الأسر التي فرت إلى فلسطين المحتلة خلال التحرير لاعتبار الخوف من حسابات طائفية، أو بعض الذين كانوا مجنّدين في جيش العملاء وليس في سجلهم ارتكابات، وبين الدعوة للصفح عن القتلة المأجورين من العملاء وعلى رأسهم جلاد سجن الخيام وجزار غرف التعذيب فيه، ومَن مثله من المرتكبين الذين لا يملك أحد لا في السياسة ولا في القانون حق الدعوة لاعتبار تجاهل تاريخهم، دعوة مشروعة تحت شعار استعادة الإبن الضال، أو منح فرصة ثانية للمخطئين، أو التلطي وراء قناع الطائفية والحديث عن الوحدة الوطنية في سياق تبرير العمالة وتقديمها كخطأ عابر، أو زلة قدم، أو تعبيراً عن انقسام أهلي. فالعمالة في عرف الوطن والقانون هي العمالة وليست لها شفاعة، لا طائفية ولا سياسية ولا حزبية ولا عائلية.

عرض الصورة على تويتر

– ما جرى خطير وخطير جداً، ولا يكفي لمسح سواده السير بمحاكمة الجلاد والجزار عامر فاخوري، فالمطلوب حملة متواصلة متصاعدة لكشف المستور في قضيته وجعل الحقيقة ملكاً للرأي العام، وجعل المحاكمة العلنية لهذا الخائن عبرة لسواه، تحت شعار الإعدام أقل القصاص للقتلة الذين باعوا وطنهم للعدو. ويبقى أن الأهم أن تصل بنا هذه الحملة لتأديب وردع من يظنّ أن هناك تبييضاً للعمالة، يشبه تبييض الأموال، ويمكن تمريره في ظل المنظومة الإجرامية المسماة قلب المفاهيم حيث يعاقب المقاومون بتهم الإرهاب والتبييض ويتم عبره تبييض صفحات العملاء.

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: