قواعد الدور التركي في سورية تتراجع

مارس 6, 2019

د. وفيق إبراهيم

دخول الأزمة السورية، في مرحلة حاسمة من الصراع الأخير بين قواها الأساسية المتورّطة، يفرض على تركيا، اختيار فريق من محاورها المتناقضة.

وبذلك تختم فصلاً طويلاً مستمرّاً من المراوغات بين عثمانيتها البائدة وأطلسيتها المتذبذبة وروسيتها الطارئة.

راكمت تركيا قواعد دورها السوري من سنين سبع من التدخل العسكري والسياسي المكشوف في الأراضي السورية، رعت خلاله عملية الإشراف على دخول مئات آلاف الإرهابيين من حدودها الى عموم الجغرافيا السورية، فاستفاد دورها من خمسة مصادر للقوة، منحته إمكانات عدوانية واسعة، تكاد تكون الأولى بين الدول الأجنبية المتورّطة.

استفادت أولاً من جوارها الجغرافي المباشر لسورية المبنية على علاقات تاريخية واسعة، تتجلى في استعمار عثماني لها دام أربعة قرون، وتركت في بعض أنحاء سورية مئات الآلاف من ذوي الأصول التركمانية.

اما تنظيمات الإرهاب من داعش والقاعدة والنصرة والأحزاب الأخرى فتمكنت أنقرة من الإمساك بها إلى حدود التوجيه والقيادة ورسم الخطط وكلذ الأعمال اللوجستية بموافقة أطلسية ـ خليجية.

بالإضافة إلى أنّ إخوانية الدولة التركية حزب العدالة والتنمية أتاحت لها قيادة الاخوان المسلمين في العالم وإدارة فرقهم الإرهابية في الميدان السوري.

في هذا المجال، لا يمكن أيضاً تجاهل قوة الجيش التركي التي استخدمها لاحتلال منطقة سورية حدودية سرعان ما تمدّد منها إلى عفرين وإدلب، داعماً انتشاراً إرهابياً في أرياف حلب وحماة واللاذقية.

و»لتعريب» دورها العدواني، استعملت تركيا دولة قطر لإسقاط الدور العربي للدولة السورية. والدخول إلى المنطقة العربية من بوابة الفتنة السنية ـ الشيعية على خطى «إسرائيل» والأميركيين والخطاب الطائفي للإرهاب.

للتوضيح فقطر التركية ـ الأميركية والسعودية الأميركية، أصرّتا على طرد سورية من جامعة الدول العربية، وترفضان اليوم عودتها إليها بذريعة عدم تقدّم الحلّ السياسي.

لكن الحقيقة في مكان آخر، وتتعلق بضرورة استمرار الحصار على سورية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية وفي مرحلة انتصار الدولة السورية وحلفائها، وذلك بالضغط الأميركي في شرق الفرات والشمال والدور التركي والجامعة العربية وإعادة الإعمار ومقاطعة الدولة السورية.

للتذكير فقط فإنّ إعلان الرئيس الأميركي ترامب عن بدء انسحاب قواته من سورية قبل شهرين، أدّى إلى عودة البحرين والإمارات والسودان وعمان والكويت إلى سورية، وكانت السعودية نفسها تتحضّر للعودة، لولا ولادة ضغط أميركي جديد أرغمها على التوقف.

وكادت تركيا تتضعضع في ذلك الوقت من احتمال عودة التضامن العربي، فرفعت وتيرة خطابها عن مقتل مئات آلاف «السنة» بيد «النظام العلوي»، وهو خطاب مستهلك لم يعد يصدّقه أحد، وبذلك يتساوى الدور التركي في إثارة الفتنة بين العرب مع الأميركيين و»الإسرائيليين».

ولهذا الدور مقوّمات أطلسية ويستفيد من التناقضات الروسية ـ الأميركية في الميدان السوري، فتركيا عضو أساسي في الحلف الاطلسي، أدّى دوراً في مواجهة لجم نفوذ الاتحاد السوفياتي من ناحية البحر الأسود لكنه تراجع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي 1989 حتى انّ الاتحاد الأوروبي رفض انتسابها إليه.

لكن الأهمية التركية في الميدان السوري جعلت الأميركيين لا يقطعون معها على الرغم من اختلاف أهداف مشروعهم مع طموحاتها.

فيتناقضون معها تارة ويجهدون للعثور على قواسم مشتركة جديدة ومرة أخرى وهكذا دواليك.

اما النقطة الأخيرة الداعمة للدور التركي فهي الصراع الأميركي ـ الروسي الحادّ الذي يتصاعد مرتدياً شكل تحوّل الأحادية الأميركية المتسلطة على العالم إلى ثنائية روسية ـ أميركية أقلّ ضرراً.

هذا ما منح الترك أهمية إضافية، فارضاً إفساح الطريق لهم ليصبحوا جزءاً من حلف أستانة وسوتشي مع الروس والإيرانيين.

فموسكو اعتقدت انّ «أستانة» من جهة وعلاقاتهم الاقتصادية مع أنقرة على قاعدة تصدير الغاز الروسي إليها عبر البحر الأسود فأوروبا مع تبادلات اقتصادية وسياحية اعتقدوا أنها عناصر كافية لجذب أنقرة نهائياً. لكن رفض تركيا تطبيق اتفاقيات خفض التوتر في إدلب وأرياف حماة واللاذقية وحلب، بذرائع ضعيفة، ترفع من مستوى تناقضها مع روسيا وإيران، هذا إلى جانب دعمها لهجمات تشنّها التنظيمات الإرهابية على الجيش السوري من خلال أرياف حماة وحلب إلى اللاذقية، تكشف عن محاولات تركية لتعقيد ما تخططه الدولة السورية لتحرير إدلب في وقت قريب وهي عمليات تشبه هجوماً كبيراً يريد بناء مواقع أمامية لصدّ الهجمات الوشيكة للجيش السوري على مواقع الإرهاب.

وهذا يضع تركيا في إطار محاولات أميركية مستجدة لإعادة نصب الأزمة السورية بآليات جديدة تجمع بين دعم أميركي للكرد في الشرق والشمال ورعاية تركية لمنظمات الإرهاب من النصرة إلى جيش العزة والتوحيد والتركمان ومنظمات الاخوان مع حضور مباشر للجيش التركي.

بالاضافة إلى قوات أميركية وأوروبية لها طابع معنوي، أما الأكثر خبثاً فهي تلك المحاولات الاميركية ـ السعودية لإضفاء طابع عربي على «قسد» التركية وذلك عبر ضخ كميات من أجنحة عشائر متورّطة بقيادة الجربا.

في المقابل، هناك تصميم من الدولة السورية على إنهاء إدلب أولاً ومواصلة التقدّم نحو كلّ متر من أراضيها، بتأييد مفتوح من حزب الله وروسيا وإيران، فإنهاء ما تبقى من إرهاب يقضي على معظم الدور التركي في سورية، فيصبح احتلال جيش أنقرة لمناطق حدودية وفي جهات عفرين مكشوفاً لا يمتلك وسائط حماية محلية ومتقدّمة، وكذلك من جهات الحدود.

انّ تحرير سورية بشكل كامل أصبح يتطلب إنهاء الدور التركي فيخسر الأميركيون ما تبقى من أوراقهم دافعاً الكرد نحو دولتهم السورية، الإطار الوحيد الضامن لحقوقهم.

Advertisements

حساب الأرباح والخسائر نتيجة القمة العربية في بيروت 2019

يناير 22, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

لم تكن التجاذبات والاشتباكات التي سبقت القمة العربية في بيروت ورافقتها خلال انعقادها لم تكن هذه الاشتباكات من الحجم والمستوى البسيط العادي، بل كانت في بعض وجوهها عميقة جدّية تؤكد حالة الانقسام الداخلي اللبناني والعربي الإقليمي وصولاً الى الدولي حول مسائل كبرى، يحاول البعض إلباسها أقنعة أو التلطّي وراء أقنعة تحجبها.

لقد ظهر أن محاصرة القمة العربية في بيروت جاءت من الداخل والخارج معاً، حصاراً رغب البعض بأن يكون حصاراً للعماد عون ولعهده، وشاء البعض الآخر بأن يكون حصاراً للبنان الذي يحتضن المقاومة او الذي يمتنع عن السير بإملاءات خارجية تحاصر المقاومة او تعزل لبنان عن سورية او تجعله طرفاً في الاشتباك العربي بين المحاور الخليجية التي تريد أن تتمدد لتكون محاور إقليمية برعاية غربية واضحة.

لكن لبنان وبقيادة من العماد عون شخصياً وبدعم مباشر او خفي من قوى وطنية وإقليمية، رفض الانصياع للإملاءات واختط لنفسه سياسة خارجية مضمونها الأساسي: كيف يحمي نفسه ويحفظ حقوقه أولاً ثم كيف يحفظ حقوق الآخرين وعلاقاته وصداقته الاستراتيجية معهم دون أن يتسبب ذلك في عداء او قطيعة مع الآخرين.

لم تكن مهمة لبنان سهلة، فقد كانت بصعوبة مَن يريد أن يجمع الجمر والماء في إناء واحد ويحفظ النار من دون أن تنطفئ كما يحفظ الماء دون أن تتبخّر، أي أن لبنان كان يعرف أن المهمة هذه هي في الحقيقة مهمة شبه مستحيلة إن لم نقل إنها مستحيلة بالمطلق، ومع ذلك قبل لبنان ورئيسه العماد عون التحدّي وسار في الإعداد للقمة تحت شعار قمة حتى بدون رؤساء او ملوك وأمراء، قمة بمن حضر مهما كان عدد الحاضرين ومهما كان مستواهم الوظيفي في بلدانهم، لأن لبنان فهم من الحصار والتضييق أن النجاح هنا يتمثل بالانعقاد بذاته قبل أي أمر آخر.

وهنا لا بدّ من التذكير بأنه عندما استحصل لبنان على موافقة عربية باستضافة القمة، لم يكن بهوية أو مواقف غير التي له اليوم، وبالتالي إن ذرائع الباحثين عن سبب لتعطيل القمة كلها مردودة عليهم، فكل ما يحاولون تسويقه من حجج انما كان قائماً قبل عرض الاستضافة وقبل قرار الموافقة العربية عليها، فلماذا إذن هذا الانقلاب على القمة وحشد الأسلحة لنحرها وتالياً الإساءة الى لبنان والإضرار به؟

ومن جهة أخرى نسأل هل طاقات المعرقلين اختصرت في الحجم الذي مارسوه ضد القمة؟ ام أن هناك محاذير خشيها هؤلاء فامتنعوا عن الذهاب إلى أبعد مما ذهبوا اليه في التقزيم والعرقلة والإفشال؟ فلماذا عرقلوا ولماذا امتنعوا عن الذهاب الى الأبعد؟

أما عن العرقلة والتحجيم فإننا نرى أن أسبابه تعود الى رغبة أميركية خليجية بالضغط على لبنان ليراجع سياسته تجاه المقاومة وتجاه سورية وأن يلتزم بإملاءات «النأي بالنفس» الخادعة التي تترجم حقيقة عداء ضد سورية والتحاقاً بالمحاور الأخرى التي عملت وتعمل ضد المقاومة ومحور المقاومة. وبالتالي كان مستوى الحضور والتراجع الدراماتيكي عن الوعود بحضور هذا الرئيس او ذاك الأمير غايته القول بأن على لبنان أن «يراجع سياسته ويحسن سلوكه» حتى يستحق التفافاً عربياً بمستوى القمة حوله وإلا فانه «لن ينال هذا الشرف». فالعرب لا يستسيغون لبنان العنفوان والمقاومة، ولا يتقبلون بسهولة لبنان المنتصر على «إسرائيل».

أما عن الامتناع عن الذهاب الى الأبعد وصولاً الى حد تطيير القمة أو تأجيلها، أو إفشالها كلياً، فإن سببه عائد الى أن ذلك لو حصل سيصيب الجامعة العربية ذاتها قبل أن يصيب لبنان. فالجامعة هي التي دعت والجامعة هي التي قرّرت ولبنان يتفضل على الجامعة بالضيافة والاستضافة. والجامعة اليوم تحت تأثير ضغط القوى الخاضعة للقرار الأميركي وأميركا بحاجة اليوم على الإبقاء ولو نظرياً على ورقة هذه الجامعة حتى تعود الى استعمالها عند الحاجة.

ومن جهة أخرى يعلم الجميع أن الذهاب الى الأبعد قد يدفع العماد عون وهو رجل كلمة وقرار وموقف ورجل شجاعة ورأي معاً، يدفعه للذهاب الى الأبعد أيضاً وبإمكانه أن يفعل سواء على الصعيد الداخلي او الصعيد الخارجي الإقليمي، وليس من مصلحة هؤلاء دفع العماد عون الى مواقف لا تريحهم. وهذا لا يعني ان العماد لن يقدم الآن، وفي ظل ما حصل من تضييق، على اتخاذ قرارات من هذا القبيل تشمل العلاقة مع سورية ومسالة تشكيل الحكومة وسواها مما قد يجد الرئيس مصلحة وطنية وصيغة انتقامية في اتخاذه.

أما عن حصيلة المواجهة حول القمة وفيها وبدون غوص في القرارات الـ 29 التي اتخذت والتي وفقاً لما نعتقد لن تكون أحسن حالاً من قرارات سبقتها في القمم العربية السالفة التي بقيت حبراً على ورق فإن أهم ما يعنينا من أمر القمة وما أحاط بها ما يلي:

إن مجرد انعقادها في الظروف التي سادت، كان فيها تحدٍّ ربحَهُ لبنان، صحيح أن التأجيل بسبب غياب سورية كان مفيداً في وجه من الوجوه وكان موقفنا واضحاً بهذا الصدد ، لكن الانعقاد مع تمسك لبنان بوجوب عودة سورية وكشف هزالة المواقف العربية من المسألة كان له قيمة سياسية يبنى عليها لاحقاً ويشكل نجاحاً للبنان في هذا المجال.

معالجة مسألة النزوح السوري وضرورة العودة الآمنة دونما ربط بالحل السياسي، كما تريد قوى العدوان على سورية أمر يشكل أيضاً نجاحاً للبنان ولسورية أيضاً، حيث شكل قرار النازحين واللاجئين أساساً يبنى عليه في المواقف الدولية مستقبلاً لمصلحة سورية ولبنان معاً وطبعاً لمصلحة النازحين السوريين الذين يريد الغرب اتخاذهم رهينة أو ورقة ضغط على سورية في إطار الحل السياسي.

أكد لبنان رغم الكثير من العوائق والظروف الذاتية والموضوعية أنه يتمتع بقدرات هامة في مجال الأمن والتنظيم وإدارة اجتماعات من هذا النوع وبهذا المستوى. وفي هذا أيضاً كسب وطني معنوي يحجب الى حد بعيد الخسائر والنفقات المادية التي تكبّدها لبنان في هذا السياق.

أما عن المقاطعين والمعرقلين وفي أي مكان او موقع وجدوا فقد كشفوا أنفسهم وفضحوا قدراتهم المحدودة في التأثير على أمر بحجم ما حصل. وقد يكون ذلك درساً يستفاد منه، ويبقى أن نقول كلمة لممتهني جلد الذات، إنه في المسائل الوطنية يجب أن تتقدم صورة الوطن ومصلحته على مصالح الشخص وذاتيته وأنانيته ولو لحظة واحدة…

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

ليس زمن العمل العربي المشترك… والحصاد مواقف

يناير 21, 2019

ناصر قنديل

– يكشف توقيت القمة العربية الاقتصادية بعيداً عن قضايا النقاش اللبناني حول دعوة سورية، والموقف من المشاركة الليبية، أنها لا تأتي في زمن العمل العربي المشترك، وأن الرهان على مبادرات يتقدم بها فريق عربي يفترض أن النأي بالنفس عن النزاعات التي تنتج الاهتراء في الوضع العربي، يمكّنه من تجسير الهوة والخروج بمقررات بناءة في مجال العربي المشترك، هو مجرد حلم أو وهم، وأن حضور قمة مخصصة لشأن اقتصادي تنموي يتحول قضية سياسية دولية تشكل قضية أساسية في زيارة وزير الخارجية الأميركية إلى المنطقة ولقاءاته مع حكامها. وتصير كل المقررات ذات الطابع الاقتصادي مجرد حبر على ورق لن تبصر النور لأنها تحتاج الإرادة السياسية التي تقرّر تمويلاً يبدو واضحاً أنه صار بغير يد أصحاب القرار العرب، في ظل التوجه الأميركي نحو إحصاء القرش الذي يخرج من أي صندوق عربي نحو البلدان التي تشتبه واشنطن بصلتها بقوى المقاومة، وربطه بشروط سياسية تتصل بالموقف من المقاومة نفسها. هذا هو حال الموقف من المصرف العربي لإعادة الإعمار سيكون، وخصوصاً في سورية، وهو حال المساهمات العربية في موازنة الأونروا.

– لبنان بعد القمة لا يستطيع التحدث عن حصاد عملي كمثل مصرف الإعمار أو تبني قضية النازحين السوريين وعودتهم إلى بلادهم، أو تمويل الأونروا التي قررت واشنطن منع التمويل عنها، والتعامل مع لبنان نفسه كافٍ ليقرأ اللبنانيون حال الوضع العربي، وأن يكتفوا بقراءة حصاد المواقف لا الأعمال والتوقعات، وفي المواقف لا يمكن إلا تسجيل مجموعة من النقاط سجلها لبنان والمعني بالقمة واحد وهو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، وقد نجحا بقوة في تثبيت موقف لبناني متميّز من موقع العلاقة بسورية، ودورها العربي وخطورة غيابها عن المشهد العربي الرسمي، وتربط الغياب والحضور بقرار يصدر من الخارج، لدرجة يمكن القول إن كلمة وزير الخارجية في هذا المجال كانت غاية في القوة والوضوح والتعبير عن الخيار الثابت مع سورية، بحيث امتصت مواقفه كل التباينات التي سبقت القمة والموقف من عقد القمة بغياب سورية، وجاء كلام رئيس الجمهورية عن عدم معرفة موقف سورية من العودة إلى الجامعة ليثبت من جهة أن موقف لبنان ليس تعبيراً عن طلب سوري، بل ليقول لهم ربما تقرّرون عودة سورية ويكون لها شروط للعودة، مكمّلاً للكلام الذي قاله وزير الخارجية.

– في شأن دعم وتمويل عودة النازحين السوريين إلى بلدهم خاض لبنان صراعاً مريراً وفشل في الحصول على موقف عربي داعم لفصل العودة عن مسارات الحل السياسي وشروطه، ما أكد أن بمستطاع لبنان أن يستخدم منبر القمة أكثر مما يستطيع انتزاع مواقف وقرارات تنسجم مع رؤيته للمصلحة العربية، لأن القرار العربي في القضايا الحساسة ليس عربياً بكل أسف، لكن لبنان نجح في حشر العرب في الزاوية في قضية اللاجئين الفلسطينيين، حيث نجح بسبب فشل مشروع صفقة القرن وقوة حضور الفلسطينيين في ساحات المواجهة، فتضمّن إعلان بيروت الصادر عن القمة الذي تفادى دعم عودة النازحين السوريين إلى بلدهم بمعزل عن الحل السياسي، نصاً صريحاً عن دعم تمويل الأنروا وصولاً لعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممي 194، وهو أمر بلا شك يشكل إصابة في مرمى كل أصحاب المشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.

– فريق الرابع عشر من آذار المراهن على تحويل الجدل حول حضور سورية ومشاركة ليبيا إلى مشروع ربح لخياراته السياسية يتجلى بانضباط رئيس الجمهورية ووزير الخارجية بالموقف السعودي أصيب بالإحباط، وزاده إحباطاً حضور أمير قطر والتعليق الرسمي على حضوره بالحديث عن حصار قطر وحصار القمة، وترميم العلاقة بين الحلفاء يحتل الأولوية طالما لا خسائر في جوهر المواقف.

ماذا لو كان نتنياهو ضيف العار؟

يناير 19, 2019

ناصر قنديل

– بالرغم من وجاهة النقاش اللبناني الداخلي حول القمة العربية والمسؤوليات التي يتبادلون الاتهامات بتوزيعها في ما بينهم، حول تفسير النتيجة الباهتة والهزيلة، إلا أن في هذه النقاشات عندما تصير شتائم وإهانات وتخويناً، براءة ذمة لحكام العرب الذين خذلوا لبنان الذي لم يخذلهم يوماً، فوق كونه لم يخذل قضية العرب ولا قضايا العرب يوماً. فأسباب الحكام العرب لمقاطعة قمة بيروت، ليست لبنانية، والمسؤولية اللبنانية هي بعدم قراءة هذه الحقيقة والانتباه إليها، والغياب العربي الذي تصاعد منسوب الاعتذارات المتأخرة فيه ليس ثمرة التزامات يتذرعون بها وموعد القمة معلوم ومحفوظ ومحجوز على جداول أعمال كل منهم قبل أي مستجدّ به يتذرعون.

– ببساطة جاء الأميركي ووزّع أمر العمليات، بيروت عاصمة المقاومة ومصدر قلق «إسرائيل»، فلا تمنحوا دولتها فرصة الاعتزاز بالإنجاز، عاقبوها وحاصروها ما استطعتم حتى يلتزم مَن على رأس الدولة بما هو أبعد من مجاملتنا بتخصيص الرياض بزيارته الأولى، واحترام رغبتنا بعدم ربط عقد القمة بحضور سورية. فالمطلوب من رئيس الجمهورية اللبنانية أن يلتزم معاقبة المقاومة كي لا يُعاقَب، وتعاقب الدولة اللبنانية من خلاله، بما هو أكثر من تعطيل الحكومة، ومن يظنّ أن بعض الكياسة التي يطلبها في التعامل مع حضور ليبيا كان سيغير من المشهد شيئاً فهو واهم ولا يعرف في السياسة ألفباءها. فالحكومة الليبية على لائحة أعداء حكام الخليج ومصر وكل الذين يقفون خارج التابعية التركية القطرية، ويتنافسون معها على الوكالة الأميركية لشؤون المنطقة والعالم الإسلامي، ولو كانت القمة في بلد من بلدان التابعية الأميركية وتم حظر حضور ليبيا فيها لتبسّموا وقالوا خيراً على خير.

– السؤال ببساطة ماذا لو كان بنيامين نتنياهو ضيف العار على القمة، ويسمّونه ضيف الشرف، وماذا لو كان لبنان يدعو لقمة في زمن الرهانات على الحرب على سورية، ويتعهد بتقديم الدولة ومؤسساتها منصة لهذه الحرب، وفي الحالتين بغياب ليبيا وحظر حضورها وإنزال علمها عن السارية، ورفع علم «إسرائيل» بين الأعلام العربية، وشطب كرسي سورية وإنزال علمها، هل كان سيجرؤ أحد على الغياب من حكام العرب، ربما باستثناء قلة قليلة تخجل أو يحرجها الحضور، أو لا تزال تحفظ لبعض القيم مكانة، كحال الجزائر والعراق وربما الكويت، لكن ماذا عن الآخرين، كل الآخرين وفي مقدّمتهم حكام الخليج الذي يريدون لبنان سوق عقار، وملهى ليلياً، لكنهم يتفادونه كعنوان للسياسة والمواقف والمؤتمرات، إلا بتوقيع ممهور بخاتم أميركي أسود.

– على اللبنانيين وهم يناقشون أين أخطأوا أن ينتبهوا أن خطأهم الجسيم هو في حسن الظن، وسوء الظن من حسن الفطن. لقد أحسنوا الظنّ بحكام لا قرار لهم، حكام صاروا رهائن لمفهوم الأمن الإسرائيلي، ولا مكان يشبههم في بلد المقاومة وعاصمتها، والمرتهنون لهؤلاء الحكام يعلمون جيداّ مهمتهم، التطبيل والتزمير لكل إساءة للمقاومة، وإعلان استعداد لكل مؤامرة تستهدفها، والابتسامة الصفراء بوجه رئيس للجمهورية مؤمن بالمقاومة حاول أن يحسن الظن بهم وبمرجعياتهم في دول الخليج، لكنه فخور بخياراته، وها هم يعايرونه بتمثيله الحكومي، لإضعافه ومماشاة الضغوط الأميركية عليه وعبره على المقاومة، كما يعطلون الحكومة يعطل مَن هو خلفهم القمة، والقرار تعطيل لبنان حتى يركع.

– لبنان الذي يرفض الركوع مدعوّ لأخذ العبرة، ورئيسه الذي لا يبيع ولا يشتري في المواقف والمواقع، أن يراجعوا مسيرة المسايرة والمجاملة والسير بين النقاط، فلون لبنان واضح لا يغيّره طلاء أو لا يحجبه حلو الكلام، لبنان معني بأن يسارع للقول، ألغيت القمة بانتظار المزيد من التشاور حتى تتوافر ظروف عقدها بحضور ومشاركة كل القادة العرب وفي مقدّمتهم الرئيس السوري، فلبنان يجمع الكلمة العربية، ولا ينطق بالعبرية، وفي الختام عليكم السلام، بئس القمة وبئس الحكام. فبيروت تحرجكم وبيروت تجرحكم وهي التي أخرجت المارينز الذي به تستنجدون، وقد أخرجت الإسرائيلي الذي إليه تتوقون، وبيروت مرفوعة الرأس أمام من أذلَّكم ويسرق مالكم وتؤدّون له الطاعة كلّ يوم، فوجب أن تعاقبوها لتنالوا البراءة من أنفسكم لأنفسكم، ومَن الذي يعاملكم كمعاملة السيد لعبيده بينما بيروت تعلّمكم أن تكونوا أسياداً ينتفضون على العبودية.

Related Videos

Related Articles

ما هو سبب القمة الهزيلة والباهتة؟

يناير 18, 2019

ناصر قنديل

– يتقاذف الجميع كرة الاتهامات بالتسبّب بجعل القمة الاقتصادية باهتة وهزيلة، ويغلب على التحليل والتفسير التهرّب من المسؤولية أو من الاعتراف بالحقيقة. فالقضية ليست بغياب ليبيا ولا القضية بقلق الحكام العرب على أمنهم، ولا القضية بصورة لبنان التي «قرف منها بعض المدعوّين»، كما قالت بعض مقدمات نشرات الأخبار التلفزيونية أمس، وليس عند العرب أنظمة حكم يحق لها التباهي بالديمقراطية والحرية، كي تقرف، ولا القرار العربي «عربياً» كي يتخذه العرب، ونحن مشكلتنا في لبنان أننا نصدق بسهولة أنّ بلدنا مجرد وجهة سياحية، أو أنه فعل لعبة سياسية، وننسى أنه بلد المقاومة التي تتسبّب بالقلق لـ«إسرائيل» التي تشكل بوصلة السياسات الأميركية، التي تحكم قرار العرب، وكلّ حدث يخصّ لبنان سيُقاس بهذا المقياس، إلا عندما يخرج لبنان قوياً فيفرض معادلاته، ولبنان القوي ليس الذي يستقوي بعضه على بعض، وأول شروط القوة حكومة وحدة وطنية، وثاني شروط القوة، علاقة لبنانية سورية متميّزة، كما قال اتفاق الطائف، الذي أكلناه وابتلعناه، وبقي منه ما يمسك به كلّ طرف ليرضي حساباته، المناصفة في جهة، وصلاحيات رئيس الحكومة في جهة مقابلة، والباقي إلى النسيان، لا مكان لتعهد بالسير نحو إلغاء الطائفية يظلل حكومة وحدة وطنية حقيقية، ولا مكان لعلاقة مميّزة مع سورية تشكل ركيزة هوية لبنان العربية، ومَن يعتقد بأسباب أخرى للقوة فليغير الطائف أو يرينا قمة ناجحة بدون هذه المصادر للقوة، التي وحدها تسببت بنجاح قمة سابقة وفي لبنان.

– زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو للمنطقة تناولت قمة بيروت في محادثاتها كما تناولت عودة العلاقات مع سورية، ولم تخف واشنطن «النصح» بعدم مكافأة لبنان بقمة ناجحة قبل رؤية سياسة لبنانية رسمية معادية للمقاومة ومطمئنة لـ«إسرائيل»، كما لم تخف «النصح» بفرملة الهرولة نحو دمشق لمنع ظهورها كمنتصر، و«النصح» بالانتباه لئلا يكون لبنان والعراق شريكين لسورية في محور ممتد في الجغرافيا من البحر المتوسط حتى إيران. وجاء معاون نائب وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل إلى بيروت يتلو الشروط العربية التي قال أصحابها لصاحب النصائح الأميركية، نصائحكم أوامر، والشروط في كلام هيل، حكومة لا يكون لحزب الله فيها دور فاعل، وحدود لا يكون فيها قلق لـ«إسرائيل»، وترسيم للحدود البرية يريح «إسرائيل» ويعفيها من الترسيم البحري لتتصرف بالثروات اللبنانية في النفط والغاز على هواها. وقد شكل من سمعوا النصائح لها منتدى إقليمي لشرعنة السطو على الغاز اللبناني، والقمة الناجحة بحضور المستمعين للنصائح الأميركية، مكافأة على حسن الالتزام اللبناني، وقد قال هيل حكومتكم هي لكن نوعها يعنينا، وإن عجزتم فحكومة تصريف الأعمال أفضل.

– في موقع لبنان الحساس ليس من مكان وسط لإرضاء أميركا وإغضابها، فأمن «إسرائيل» المذعورة يتقرّر في لبنان. هكذا يقول تقرير المستقبل الاستراتيجي الذي رسمته أجهزة الأمن الإسرائيلية للعام 2019، وإن كان قرار لبنان حفظ حدوده البرية من انتهاكات الجدران الإسمنتية، وحدوده المائية من نهب الثروات النفطية، وأجوائه من انتهاكات الغارات العدوانية، فعليه توقع الغضب الأميركي ومعه من يتبعون نصائح واشنطن، وأن يدرك أن فرض جدول أعماله عليهم وإجبارهم على الاعتراف لا يتحقق بدون لبنان قوي، قوي بحكومة وحدة وطنية، قوي بعلاقة مميزة مع سورية، قوي بالتزام شامل بمقررات اتفاق الطائف وفي مقدمتها السير السريع نحو المغفل من بنوده، وفي مقدمتها إلغاء الطائفية، وقد جرّب لبنان تفادي الغضب الأميركي ومقاطعة الأتباع عن طريق المجاملة ونظريات النأي بالنفس، ومنح عرب أميركا الأولوية على حساب سورية، وها هي النتيجة، فلم لا يجرّب الطريق الآخر؟

– عبرة القمة ليست بتقاذف المسؤوليات بل بالعودة للثوابت والمسلمات.

Related Videos

Related Articles

What if the Arab Summit in Beirut has been held without Syria? ماذا لو عُقدت القمة العربية في بيروت دون سورية؟

What if the Arab Summit in Beirut has been held without Syria?

يناير 15, 2019

Written by Nasser Kandil,

The question that must preoccupy all the Lebanese officials is what if the Arab Summit in Beirut has been held without Syria rather than the search for answers to questions such as the magnitude of the consent to invite Syria or to postpone the summit if the invitation was disabled. Those do not pay attention to the fact that if Syria was invited to participate, it may attend but not at a presidential level but only to meet a warm Lebanese desire that finds in the presence of the Syrian President a Lebanese gain offered by Syria rather than a Lebanese sacrifice for the sake of Syria. Now everything is clear, only stupid cannot pay attention that the time for Syria’s invitation to attend another Arab summit is not more than a few weeks. Therefore, it is not Syria’s opportunity to make use of any summit in Beirut to reconcile with the Arab rulers since it is not something that upsets Syria and its leadership, but to meet the calls to return needs too much thinking. It is something different from the return of the diplomatic relations between Syria and any concerned countries. Furthermore, there are fundamental questions about the future of the Arab League after the past years.

It is an additive value for any summit to be attended by Syria, Syria which emerged victorious from a fierce war in which more than half of the world and more than half of the region participated in. it is an additive exceptional value for Lebanon to succeed in making the summit which it hosts an opportunity for Syria’s presence, since the consequences of holding a summit without Syria in such Arab atmosphere will mean that Lebanon will be under the effect of hostile political considerations that prevent making any effort for getting the Arab consent for the return of Syria, and will mean formal Lebanese abandonment of the new status of Syria on one hand, and an abandonment of the Lebanese interests in the relation with Syria on the other hand, although they are mutual interests but for Lebanon more, whether in the Lebanese willingness to be a partner in the reconstruction of Syria or the status of Syria for Lebanon as an economic passage or a linkage to the region markets in addition to the Lebanese need to coordinate with Syria in the issue of the displaced, despite the fact that Syria has Jordanian proposals to play an open platform  to the outside for reconstruction and Turkish efforts. Both have interests in the issue of the displaced to end the pressures resulted from the displaced on their economy.

In addition to the interests, there are considerations that are related to the Lebanese National  Reconciliation which was represented in the Taif Accord, where the distinctive relations with Syria are the essence of its Arab identity, while the delay in dealing with Syria from the opportunity of the Arab League will mean exposing the Taif Accord to a serious danger whether in the other items of the Syrian-Lebanese relationships or the Lebanese- Lebanese relationships, because no one considers the Taif Accord a sacred agreement but its fall without a consensual alternative will mean unpredictable danger.

There is no debate in the ability of Lebanon to invite Syria, but the question is whether Lebanon is serious in turning the summit into an opportunity to invite Syria. Did the Lebanese make efforts in such issue in the Arab world, as resolving the internal dispute since it is a higher interest of the country and an issue that is subject to the criteria of the Lebanese National Reconciliation?  And who did communicate with the Arab officials to let them know that the higher interest of Lebanon is to host the first summit of reconciliation rather the last summits of boycotting, knowing that Lebanon has made the first presidential visit to the Arab axis against Syria represented by Riyadh, and its President did not made yet any visit to Syria while many Arab Presidents have preceded him. Therefore, the Arabs who boycotted Syria and want to reconcile with it have to treat it worthy and to grant it the opportunity to host the summits of reconciliation.

If the result was not positive whether after making every possible efforts or through ending the blame,  the question remains what is the benefit of Lebanon to hold the summit without Syria and why its postponement is the bitterest, to be postponed after the Arab reconciliations with Syria or to be held without Syria. Lebanon has the ability to postpone the summit if it fails to provide the opportunity for the presence of Syria.

Translated by Lina Shehadeh,

ماذا لو عُقدت القمة العربية في بيروت دون سورية؟

يناير 5, 2019

ناصر قنديل

– السؤال الذي يجب أن ينشغل بالبحث عن جواب عليه كل مسؤولي الدولة اللبنانية هو: ماذا لو عقدت القمة العربية في بيروت دون سورية؟ بدلاً من التلهي بالبحث عن أجوبة على أسئلة أخرى لا تقدّم ولا تؤخر، كالأسئلة الافتراضية عن مدى تمثيل المطالبات بدعوة سورية إلى القمة أو تأجيلها إذا تعذّرت الدعوة، طلباً سورياً ينقله أطراف لبنانيون، من دون أن ينتبه المتسائلون إلى أن سورية إذا تلقت الدعوة للمشاركة بالقمة قد لا تتمثل على مستوى رئاسي، إلا تلبية لرغبة لبنانية دافئة ترى في حضور الرئيس السوري إلى بيروت كسباً لبنانياً تقدمه سورية وليس تضحية لبنانية لأجل سورية. فكل شيء من حولنا واضح والأغبياء وحدهم لا ينتبهون إلى أن زمن دعوة سورية لحضور قمة عربية أخرى ليس أكثر من أسابيع. وبالتالي ليست قضية سورية توظيف مناسبة انعقاد قمة ما في بيروت لاعتبارها فرصة لكسر القطيعة بينها وبين الحكام العرب. وهي قطيعة لا تزعج سورية وقيادتها بالمعنى المصلحي والشعبي. بينما تلبية دعوات العودة تحتاج الكثير من التفكير بجدواها. وهي أمر مختلف عن عودة العلاقات الدبلوماسية كشأن ثنائي بين سورية والدولة المعنية. بينما تساؤلات جوهرية حول مستقبل الجامعة العربية وجدواها تطرح ذاتها بقوة بعد السنوات التي مضت.

– سورية التي ستحضر قمة ما وهي الخارجة منتصرة من حرب ضروس اشترك فيها عليها أكثر من نصف العالم وأكثر من نصف المنطقة. قيمة مضافة للقمة التي تحضرها. وقيمة استثنائية مضافة إلى أن ينجح لبنان بجعل القمة التي يستضيفها مناسبة لحضور سورية. والنتائج المترتبة ببساطة على انعقاد القمة بدون سورية في ظروف نضج الأجواء العربية لدعوتها سيعني وقوع لبنان تحت تأثير حسابات سياسية عدائية حالت دون بذل جهد جدي لنيل الموافقة العربية على دعوة سورية. وسيعني ذلك استهتاراً لبنانياً رسمياً بمكانة سورية الجديدة من جهة، وبأبعاد المصالح اللبنانية من العلاقة بسورية. وهي مصالح متبادلة لكن كفة لبنان فيها هي الراجحة. سواء في مجال الاستعداد اللبناني للشراكة في عملية إعادة إعمار سورية أو في ما تعنيه سورية للبنان من رئة يتنفس عبرها وحدها اقتصادياً وتربطه بأسواق المنطقة. إضافة إلى الحاجة اللبنانية للتنسيق مع سورية في ظل ضغط ملف النازحين بقوة على لبنان. بينما لدى سورية عروض أردنية في مجال لعب دور منصة مفتوحة على الخارج لإعادة الإعمار وحراك تركي، ولكليهما اهتمامات بملف النازحين ليكون صاحب الأولوية في إنهاء ضغوط قضية النازحين على اقتصاده.

– فوق لغة المصالح هناك حسابات تتصل بالوفاق الوطني اللبناني الذي يشكل اتفاق الطائف وثيقته الوحيدة. وفيه أن العلاقات المميزة مع سورية ركيزة هويته العربية. والتلكؤ في التعامل مع سورية من بوابة فرصة القمة العربية وفقاً لهذا المفهوم سيعني تعريض اتفاق الطائف نفسه للاهتزاز. سواء في ما يتصل ببنود أخرى للعلاقات اللبنانية السورية. أو العلاقات اللبنانية اللبنانية. فليس اتفاق الطائف في الأمرين لائحة طعام يختار منها كل فريق ما يناسبه. وتعريض اتفاق الطائف للاهتزاز سيعني انكشافاً لبنانياً خطيراً. لأن لا أحد يعتبر اتفاق الطائف مقدساً. لكن إسقاطه دون بديل توافقي يعني الخطر. وكل الخطر من حيث ندري أو لا ندري.

– لا نقاش في حدود قدرة لبنان على التفرّد بدعوة سورية. لكن السؤال هو هل ظهر أن لبنان جادّ في تحويل فرصة القمة مناسبة لدعوة سورية؟ وهل بذل اللبنانيون جهوداً حقيقية في هذا الاتجاه عربياً بما يستدعيه من حسم الجدل الداخلي حول الأمر باعتباره مصلحة عليا للدولة وموضوعاً خاضعاً لمعايير ووثيقة الوفاق الوطني، ومن تواصل مع المراجع العربية المقررة، ومن إبلاغ للمدعوين العرب بأن المصلحة العليا تقتضي، طالما أن العرب ذاهبون لمصالحة سورية بأن يستضيف لبنان أولى قمم المصالحة لا آخر قمم المقاطعة. وأن لبنان راعى كثيراً المحور العربي المناوئ لسورية فخصه بأول زيارة رئاسية. كانت وجهتها إلى الرياض. ولم يقم رئيسه بعد بأي زيارة إلى سورية. وقد سبقه وسيسبقه رؤساء عرب آخرون. وأن على العرب المقاطعين لسورية والذاهبين لمصالحته أن يعاملوه بما يستحق فيمنحونه فرصة استضافة قمة المصالحات.

– ما لم تكن النتيجة إيجابية لدعوة سورية، سواء كانت الجهود المبذولة قد استنفدت كل الفرص الممكنة، أم تمّت من باب رفع العتب. يبقى السؤال: ما هي فائدة لبنان من عقد القمة دون سورية؟ ولماذا لا يكون تأجيلها هو أحلى الأمرين، أن لا تعقد ويتم تأجيلها لما بعد المصالحات العربية مع سورية، أو تعقد بدون سورية. والتأجيل بيد لبنان إذا عجز عن توفير فرصة حضور سورية للقمة؟

Related Videos

Related Articles

الحصاد اللبناني عشية القمة والجدار الحدودي وزيارة هيل

يناير 15, 2019

ناصر قنديل

– للحظة يكاد المرء أن يصدّق أن سورية في حال مأزومة وهي تنتصر، وأن لبنان كان فرصتها للخروج من أزمتها، وكانت تترقب لحظة بلحظة تطورات المشهد اللبناني، خصوصاً ما يتصل منه بمسار القمة العربية الاقتصادية وفرص توجيه الدعوة لدمشق للمشاركة في أعمالها، بل ربما كانت تدير لحظة بلحظة ما يصدر من مواقف وما يُقال من كلام وما يجري من اتصالات. والحقيقة التي ربما يصعب تقبلها مع الأنا القاتلة لدى الكثير من اللبنانيين هي أن شخصية لبنانية قريبة جداً من القيادة السورية كانت في زيارة لدمشق وفي لحظة حديث جانبي قالت سنرى ما سيحدث بعد القمة، فكان جواب المسؤول السوري البارز الشريك في الحوار، «أي قمّة؟»، ليس لأنه لا يعلم بوجود القمة العربية الاقتصادية في بيروت أو بموعدها، بل لأنه لا يعيشها هاجساً يحضر في بديهته عفوياً، ليستدرك بعدها بالقول، «حسناً إلى ما بعد خلاصكم بخير من القمة».

– سورية لا تعيش هاجس القمة ولا تشعر بها استحقاقاً، لا بل إن الكلام الأشد وضوحاً لدى الكثير من المعنيين بالملفات الدبلوماسية السورية هو، أن سورية تميّز بقوة بين أمرين مختلفين، الأول هو إعادة فتح سفارات الدول التي أغلقت سفاراتها دون أسباب تتصل بالعلاقات الثنائية مع سورية، بل كترجمة لقرار شاركت في تنفيذه لإسقاط سورية ودولتها وجيشها ورئيسها، وكترجمة للإعلان عن موقف طلبته واشنطن بالتعامل مع الحكومة السورية كحكومة غير شرعية، وما يعنيه القرار الذاتي لهذه الدول بإعادة فتح سفاراتها دون أي تطوّر في مسار العلاقة الثانية، خصوصاً في الموقف السياسي للدولة السورية، من اعتراف بالفشل في الحرب التي استهدفت سورية، ومن اعتراف بشرعية الحكومة السورية، دون مقابل تدفعه سورية، وهذا لا يخصّ السفارات العربية فقط بل كل الدول التي أقفلت سفاراتها في دمشق في قلب خطة الحرب عليها، وبدأت في طريق التراجع اعترافاً بنصر سورية، أما الأمر الثاني المختلف فهو مستقبل علاقة سورية بالجامعة العربية، وهو أمر لم تتمّ مناقشته في سورية بعد، وليس هناك من جواب كامل حول احتمالاته، ولن يكون هناك جواب إلا إذا تلقت سورية دعوة لمناقشة الأمر أو لحضور مستوى من مستويات عمل مؤسسات الجامعة، فعندها ستناقش ما يعرض عليها وتقرّر المناسب، علماً أنها تطعن بشرعية قرار تعليق عضويتها الذي خالف النظام الداخلي للجامعة، وتعتقد أن لها الحق في التفكير ملياً بمستقبل الجامعة ودورها، والإيجابيات والسلبيات للعودة من عدمها، لكن كل شيء في أوانه.

– من هنا نصل للقول إن النقاش اللبناني اللبناني حول دعوة سورية، ليس نقاشاً بين فريق لبناني مع سورية بالواسطة، فسورية ليست طرفاً في هذا النقاش، واللبنانيون الذين ينظرون للحاجة الملحة لدعوة سورية وتعليق مستقبل عقد قمة بيروت على المشاركة السورية ينطلقون مما يرونه مصلحة لبنانية، بعدم الاستجابة لما يرونه فخاخاً منصوبة للبنان، ليست القمة إلا واحدة منها. فالنصيحة الأميركية لكل العرب سارعوا بتحسين علاقتكم بسورية، وللبنان والعراق وحدهما النصيحة فرملوا أي اندفاعات في العلاقة بسورية، ومحاولة إغراق للبنان والعراق بالإيحاءات التي تؤسس لمناخات سلبية نحو سورية، وإلا ما معنى الرفض العربي لأن يكون لبنان الأكثر تأثراً بين العرب بالعلاقة مع سورية مَن يستضيف أول قمم المصالحات، ولو بعد حين، وإصرارهم على تلبيسه الثوب القبيح لآخر قمم المقاطعة؟

– الخشية هي من أن ينزلق لبنان من حيث لا يدري إلى الوقوع في فخ أولوية الاستقرار على الثوابت التي ترسم مصلحة لبنان العليا، وأن يكون وقع ضحية الابتزاز الأميركي بالعقوبات لتلبية النصائح، تحت شعار البراغماتية، والخوف مما يمكن لأميركا أن تفعله بالنظام المصرفي اللبناني، مع رئيس هائج كالرئيس دونالد ترامب لا يتورّع عن التهديد بتدمير الاقتصاد التركي، لكن دون أن ننتبه أن هذا الرئيس الأميركي نفسه هو الذي يتناسى كلامه عندما يجد أنه أمام رئيس تركي يطرد مستشار أمنه القومي جون بولتون، فيعود ليتصل بالرئيس التركي العضو في حلف الأطلسي أو يتلقى منه اتصالاً ويناقشان التعاون، ويذهب الرئيس العضو في الأطلسي لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية الـ»أس 400»، بينما لبنان دون كل دول العالم ممنوع أن يفكر بغير السلاح الأميركي، وقد بات للسيادة عند دول العالم تعريف يرتبط بتنويع مصادر تسليح جيوشها، ولبنان أشدّ حاجة من تركيا لما يحمي أجواءه ولا يجرؤ على مجرد التفكير بأقل مما يزعج «إسرائيل» من السلاح، فيعجز رئيس حكومته عن تأمين فتح اعتماد بعشرة ملايين دولار لصفقة ذخيرة كانت مقرّرة بمئة مليون دولار خلال زيارته لموسكو وتم تخفيضها خشية الغضب الأميركي، وهو غضب لا يرافقه الاستعداد لتقديم ما يحتاجه لبنان تحت شعار لا فيتو سياسي على أي سلاح نوعي للجيش، بل عقبات مالية، كما قال قائد الجيش، بل قيود حقيقية تتصل بطلب الموافقة الإسرائيلية المسبقة على كل سلاح نوعي تبيعه أميركا لأي دولة في المنطقة بما فيها السعودية، وفقاً لقرارات الكونغرس التي لم تتغير، والتي عطلت حصول السعودية على طائرات الـ»أواكس» منذ سنوات.

– الخشية أن يكون ديفيد هيل الذي حمل ترجمة كلام وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بالتهديدات بالنيل من لبنان ما لم ينخرط رسمياً في العمل ضد المقاومة، قد نجح عبر التهويل في نقل لبنان من مناخات مواقفه الصلبة في شباط العام الماضي عندما رفض أي بحث في نقاط الجدار الحدودي الذي يبنيه جيش الاحتلال على أراضٍ لبنانية، تحت شعار البحث عن تسوية وترسيم نهائي للحدود البرية والمائية، إلا إذا توقفت «إسرائيل» عن وضع أي قطعة من الجدار في النقاط التي يتمسك بها لبنان كجزء من أرضه، وما تبع ذلك في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع يومها، من إعلان إعطاء الأوامر للقوات المسلحة للتصدي بالقوة لكل محاولة إسرائيلية لفرض أمر واقع، إلى مناخ التراخي بقبول البحث، والإحجام عن التصدي الميداني لمنع فرض الأمر الواقع، وقبول التفاوض غير المباشر بوعود أميركية معلوم سلفاً تخديمها للمصالح الإسرائيلية، و«إسرائيل» تبني وتقوم بتركيب قطع الجدار على الأراضي اللبنانية، ويكتفي لبنان بتقديم الشكوى لمجلس الأمن الدولي، خشية أن يهتز الاستقرار، وهذا هو الاسترهان الخطير الذي يتسبب بالخشية.

– الخشية ألا يكون لبنان قد انتبه لكلام هيل عن «من غير المقبول وجود ميليشيا خارجة عن سيطرة الدولة، ولا تحاسب من كل أطياف الشعب اللبناني، وهي تقوم بحفر أنفاق هجومية عبر الخط الأزرق في «إسرائيل» أو تجميع أكثر من 100 ألف صاروخ تهدّد الاستقرار الإقليمي، والمجتمع الدولي يراقب عن كثب وضع الحكومة اللبنانية، لكن نوع الحكومة المختارة يهمنا جميعاً نحن المهتمين بلبنان مستقر ومزدهر، وكذلك هو الحال حيال عدم القدرة على الاختيار، ونشجع حكومة تصريف الأعمال على المضي قدماً حيث يمكنها، وخصوصاً على الصعيد الاقتصادي، لتجنب المزيد من الضرر والحفاظ على الثقة الدولية» ومعاني هذا الكلام لجهة الإعلان الوقح حول التدخل في الشؤون الداخلية، بكلام لو صدر عن سواه لقامت قيامة أدعياء السيادة ولم تقعد، والكلام الحكومي لديفيد هيل يمر، مع معرفة ما يعنيه من مسؤولية مباشرة عن تعطيل تشكيل الحكومة منعاً لحكومة «نوعها يهم المهتمين بلبنان» و«تشجيعاً لبقاء حكومة تصريف الأعمال»، والسبب الحرص على الاستقرار، فهل بتنا رهائن الوهم الخطير؟

ٌٌRelated Videos

ٌٌRelated Articles

%d bloggers like this: