بعد بادية السويداء… متى تبدأ عملية تحرير إدلب؟

نوفمبر 20, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

خلال الأشهر الأربعة الماضية شُغِل الجيش العربي السوري بمعركة تعتبر من أكثر العمليات العسكرية تعقيداً وخطورة، حيث دارت في ظروف وبيئة استجمعت مزايا وخصائص تجعل الكثير من القادة العسكريين يهابونها حتى تدفعهم الى تجنبها والبحث عن غير عسكري لمساءلته. وللإيضاح أكثر فإن أميركا التي توجد بشكل غير شرعي في قادة عسكرية أنشأتها على الحدود السورية الراقية قريباً من الحدود مع التنف، أميركا حشدت في محيط تلك القاعدة جمعاً من إرهابيي القاعدة يتجاوز الـ 6 آلاف إرهابي من داعش، وتم إمداده بكل ما يحتاجونه من عتاد ومعدات وسلاح وذخائر تلزمهم للقتال في الصحراء وفي أرض وعرة ـ قتال العصابات المحترفة ضد جيش نظامي.

أمام صعوبة الموقف كان على الجيش العربي السوري ان يختار بين سلوكين، القبول باستمرار الإرهابيين ممسكين بمنطقة واسعة يتخذونها قاعدة انطلاق «للغزو والإغارة» على أماكن آهلة في الجنوب كما فعلوا قبل أشهر ضد السويداء وأربع من قراها حيث قتلوا ودمروا وأحرقوا وخطفوا النساء، أو الذهاب الى عملية عسكرية معقدة لمواجهة الجيش الأميركي البديل مع احتمال مواجهة الجيش الأصيل في التنف، والعمل في منطقة توصف في تصنيف العمليات العسكرية «العمليات الخاصة للقتال في الصحراء» مع ما يتوقع من خسائر بسقف عالٍ.

وبين هذين الحلّين اختار الجيش الحلّ الأصعب والأشرف متقبّلاً حجم التضحيات التي سيقدّمها ثمناً لهذا الخيار، وبالفعل وما ارتكبت العصابات الإرهابية جريمتها في السويداء وقراها حتى أطلق الجيش العربي السوري عملية تطهير البادية شرق السويداء ضد داعش المتناثرة على مساحة تتجاوز 3 آلاف كلم وتتكئ على قاعدة عسكرية أميركية في التنف. ووضع الجيش لعمليته خطة تأخذ بالاعتبار تعقيدات الميدان. فالتزم العمليات المتروّية من دون دعسات ناقصة، معطوفة على قرار صارم بإنجاز المهمة، مهما طال الوقت وكانت التضحيات. وأثبتت خطة الجيش بأنها واقعية منطقية مجدية بدليل أنه وصل اليوم الى الوضع الذي يمكنه القول فيه بأن المهمة أنجزت وقاعدة التنف جردت من القناع ولن يجديها التمسك بمخيم الركبان حيث تتخذ ممن فيه من المدنيين السوريين بمثابة رهائن مختطفين خدمة لأهداف أميركا في احتلالها.

والآن وبعد إغلاق اجتثاث الإرهاب من الجنوب غرباً وشرقاً فإن المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة تنحصر في اثنتين، الأولى في إدلب و»ترعاها» تركيا الشريك في منظومة استانة مع روسيا وإيران فيما خصّ الوضع السوري والمكلفة بموجب اتفاق سوتشي بتسوية وضع إدلب، والثانية شرق الفرات وترعاها أميركا التي أنشأت التحالف الدولي غير الشرعي وزعمت أنه لمحاربة الإرهاب، الأمر الذي جعل البعض يقول إن الجيش العربي السوري أنجز ما هو مطلوب منه في حربه الدفاعية طاوياً صفحة الحرب وإن ما تبقى من ارض سورية خارج يد الدولة الآن لن يكون حله عسكرياً على يد الجيش العربي السوري لاعتبارات ميدانية وسياسية سورية ودولية. فهل هذا القول في محله؟

من الطبيعي أن تتلقف تركيا وأميركا هذا الرأي لكونه يبرر لهما استمرار وجودهما في سورية الوجود الذي نراه احتلالاً، بكل ما للكلمة من معنى. فأميركا دخلت الى سورية من دون اذن او من دون قبول من الحكومة السورية الشرعية وتنفذ عمليات عسكرية على الأرض السورية خارج الإرادة والقبول والتنسيق السوري، وتنفذ في سورية مشروعاً خطراً يرمي إلى إعادة التوزيع الديمغرافي والاتجاه إلى تقسيم البلاد بإقامة الكيان الكردي الانفصالي، وان احتمال الحل السياسي مع أميركا لوقف عدوانها والخروج من سورية وترك الشعب السوري يقوم بصياغة النظم التي تحفظ وحدته وسيادته واستقلاله، هو أمر مستبعَد لأنها تريد حصة في سورية من نفطها وثرواتها الطبيعية كما وفي قرارها السياسي. وكلها أمور لا يمكن لسورية المنتصرة في الحرب الكونية التي شنت عليها أن تتقبّلها بأي وجه من الوجوه.

أما تركية التي ناورت وداورت واستغلت هويتها القومية والدينية التي منحتها فرص الانضمام الى منظومة استانة الى ان وصل الامر في سوتشي الى تكليفها بمعالجة موضوع إدلب بتنسيق مع روسيا. ان تركيا هذه تعمل لمشروعها الخاص وتدّعي أنها تحاول تنفيذ اتفاق سوتشي وتدعي أن العبء كبير ويلزمها الوقت الكافي. ولكن الحقيقة ان الوقت الذي يلزم تركيا لتنفيذ مشروعها الخاص الهادف الى إقامة منطقة خالية من الإرهاب في شمال سورية وعلى ما يقارب ربع الأرض السورية من الغرب الى الشرق تحتاج الى سنة كاملة تنتهي في أواخر العام 2019 تقوم خلالها بإعادة هيكلة المجموعات الإرهابية بحيث لا يبقى في منطقة إدلب إلا مَن يأتمر مباشرة بإمرتها، ثم تتوجه للشرق باتفاق أو من غير اتفاق مع أميركا لتوسيع منطقة نفوذها عملاً بسياسة الامر الواقع.

على ضوء ما تقدّم لا نرى أن حل مسألة إدلب سيكون عن طريق اتفاق سوتشي، خاصة أن هذا الاتفاق بذاته يفتقر إلى آلية تنفيذية تضمن حسن التطبيق وأوكل أمر تنفيذه الى مَن لا يوثق به ويؤتمن على مهمة، وأن سورية سترى نفسها أمام واقع يؤكد ان لا تحرير لإدلب الا بالقوة العسكرية، وان لا تطهير لها من الإرهاب الا بالعملية التي جرى التحضير لها لتنطلق في بدء الخريف الحالي، واذا كانت الظروف الميدانية المحلية والظروف السياسية والاستراتيجية حملت على التأخير والقبول باتفاق سوتشي مرحلياً وبشكل مؤقت فان الأمور تغيرت اليوم مع التصدعات في الواقع الإقليمي والتعزيزات في الواقع العسكري السوري وكلها جاءت لمصلحة سورية التي تلمس باليقين القاطع ان الإرهابيين في إدلب ماضون في مشروع تركيا ضد المصلحة والسيادة السورية، وما الاعتداء الأخير على مواقع الجيش السوري في ريف حماه الشمالي ومحاولاتهم للاعتداء على مواقع الجيش في محيط سهل الغاب وريف اللاذقية الا نموذج من تلك الاعتداءات التي أودت في يوم واحد بحياة 18 عسكرياً سورياً في مواقعهم.

اما المنطقة الشرقية، وتحديداً شرق الفرات فإن سورية لا يمكن أن تسكت على تنفيذ الخطة الأميركية العدوانية وستجد نفسها وكما قال الوزير وليد المعلم وزير الخارجية السورية إن الجيش سيتوجّه الى شرق الفرات بعد إدلب «ستجد نفسها ملزمة أيضاً بعمل تحريري مركب من عمل عسكري تقليدي وغير تقليدي ومواجهة سياسية لإخراج أميركا من أراضيها واستعادة السيادة حتى الحدود مع تركيا والعراق».

وعليه ليس السؤال الآن كيف تحرّر إدلب وشرق الفرات / بل إنه في الحقيقة متى تبدأ عملية التحرير ووفقاً لأي برنامج أوليات. وفي هذا نرى أن التمهيد لمعركة إدلب انطلق فعلياً وينتظر استكمال بعض الشروط والظروف التي قد يكون منها اجتماع استانة في نهاية هذا الشهر لتنطلق عملية التحرير بكل زخمها. أما عملية استعادة شرق الفرات فإنها ستنتظر الانتهاء من عملية ادلب وستكون الملف الأخير الذي سيطويه الجيش العربي السوري وحلفاؤه لإعلان الانتصار النهائي على العدوان.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

Advertisements

إيران في مواجهة الحرب الاقتصادية الأميركية

نوفمبر 6, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

منذ نجاح ثورتها الإسلامية في العام 1979، وإيران عرضة لعدوان أميركي متواصل تتغيّر أشكاله ويستمرّ في جوهره وطبيعته مركزاً على هدف واحد هو إسقاط نظام سياسي تحرّري استقلالي قام على فكرة كسر التبعية والوصاية التي تمارسها القوى الاستعمارية بقيادة وتخطيط أميركي.

بيد أنّ إيران رغم تلك السلسلة من المواقف والاستهدافات العدوانية ضدّها، ورغم ما حشدته أميركا من قوى إقليمية ودولية في مواجهتها تمكّنت في العقود الأربعة الماضية من النجاح في بلوغ أربعة أهداف استراتيجية كبرى لم يكن المعتدي يتصوّر إمكانية تحقيق أيّ منها، فقد تمكّنت إيران من تثبيت ثورتها وحماية النظام الإسلامي الذي جاءت به هذه الثورة، كما تمكّنت من حماية الوحدة الوطنية والأمن الداخلي والسلام العام، كما حققت درجة متقدّمة من الاكتفاء الذاتي في المجالين العسكري والاقتصادي، ولكن الأهمّ والأخطر على سياسة الهيمنة الأميركية هوالنجاح الإيراني في إقامة الفضاء الحيوي الاستراتيجي الإقليمي ذي البعد الدولي العام والمصان بمنظومة مركبة معقدة من عناصر سياسية وعسكرية وتحالفات استراتيجية، ما يعني انّ العدوان الأميركي المتمادي فشل في ليّ ذراع إيران وعجز عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية خلال 40 عاماً.

اليوم وفي الذكرى 39 لقيام الطلاب الإيرانيين باحتلال السفارة الأميركية في طهران باعتبارها وكر تجسّس على الثورة تعمل على إسقاطها، في هذه الذكرى يعلن الرئيس الأميركي ترامب، وبعد طول تهديد وتوعّد، يعلن عن حزمة من التدابير الكيدية العدوانية ضدّ إيران، تدابير يهدف منها «خنق إيران» اقتصادياً الى درجة تؤدّي الى عزلها دولياً وقطع ايّ تعامل مالي او تجاري او اقتصادي معها خاصة في مجال النفط والتحويلات المالية، تدابير يقصد منها الأميركي دفع الشعب الإيراني للخروج إلى «الثورة» ضدّ النظام الإسلامي وتحقيق الهدف الاستراتيجي الأكبر لكلّ من أميركا و»إسرائيل» التي لا تجد لها عدواً يتقدّم على عدائها لإيران وحزب الله الذي تعتبره هي وأميركا ذراع إيران في كامل الإقليم.

ومع هذه التدابير الكيدية التي تسمّيها أميركا «عقوبات»، في حين انّ التسمية الموضوعية لها هي حرب اقتصادية عدوانية تشنّ على دولة مستقلة ذات سيادة، حرب تشنّ على أساس ذرائع واهية كاذبة لا تمتّ للحقيقة بصلة، حرب ترافقت انطلاقتها المشدّدة اليوم مع لائحة من الشروط تطلب أميركا من إيران تلبيتها إذا ارادت إعادة البحث والمراجعة لتلك المسماة «عقوبات»، شروط إذا تمّ تحليلها وتصنيفها والوقوف على القصد منها لأمكن القول بانّ أميركا تريد وبكلّ بساطة ان تقدم إيران على الانتحار وشطب نفسها عن الخريطة الاستراتيجية الإقليمية والدولية وتسليم قيادها الى أميركا، شروط تعدّد حتى بلغت الاثني عشر شرطاً يمكن ان تختصر بعناوين أربعة هي:

1 ـ تخلي إيران عن أيّ حق في المجال النووي مهما كانت طبيعته مدنية او عسكرية، بحثية او استثمارية.

2 ـ تخلي إيران عن أيّ حق بامتلاك القوة المناسبة للدفاع عن النفس وفقاً للأخطار القائمة وإسقاط معادلة الردع الاستراتيجي التي حمت إيران ومصالحها خلال السنوات الماضية وفتح الباب للوصاية الدولية الدائمة عليها.

3 ـ التخلي عن الثورة الإسلامية والتنكّر لمبادئها والتخلي عن قضية فلسطين وعن هدفها الاستدراجي بإقامة شرق أوسط لأهله.

4 ـ تخلي إيران عن فضائها الاستراتيجي الحيوي وشطب نفسها عن الخريطة الاستراتيجية الإقليمية، لتتمكّن أميركا من استباحة المنطقة دون أيّ تهديد او خطر يمنعها من السير قدُماً في «صفقة القرن».

ونظراً لخطورة الشروط الأميركية تلك على واقع إيران ومستقبلها وحق شعبها في السيادة والاستقلال، فإننا لا نرى مطلقاً أيّ فرصة للقبول بهذه الشروط او حتى مجرد مناقشتها، وأعتقد انّ من وضعها يعرف ذلك ويدرك بأنها مستحيلة التطبيق لأنه يعرف الطبيعة الإيرانية التي ترفض الذلّ والاستسلام وانْ كان يجهل او يتجاهل ذلك فعليه ان يتذكّر الأداء الإيراني خلال العقود الأربعة الماضية وكيف انّ إيران خرجت منتصرة من حروب بالحديد والنار او حروب اقتصادية بالتضييق والعزل والحصار.

ويبدو جلياً انّ إيران التي لا تسعى لعداء او مواجهة مع أحد لم يعتد عليها وتتمنّى أطيب العلاقات مع دول العالم باستثناء من يغتصب الحقوق ويعتدي على الآخرين كما هي حالها مع «إسرائيل». انّ إيران هذه لا تتهرّب من المواجهة إذا فرضت عليها كما هي الحال الآن مع أميركا التي تشنّ الحرب الاقتصادية القاسية واللئيمة عليها. ما يعني انّ إيران على عتبة مواجهة جديدة قد لا تكون سهلة، ولكن انطلاقاً من الأوراق التي قد تلعبها إيران في ميدان المواجهة الاقتصادية يطرح السؤال عن مصير المواجهة؟

وللإضاءة على ما يتوقع من نتائج المواجهة تلك يكون مفيداً ان نتوقف عند ما لدى إيران من مصادر القوة المؤثرة في المواجهة وهنا يمكن التوقف عند ما يلي:

أ ـ قوة النظام الإسلامي في إيران وشجاعة المسؤولين فيه، وقد كان مؤثراً جداً ان يتصدّى مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي بنفسه معلناً انّ إيران ستنتصر اليوم في الموقعة الجديدة كما انتصرت في المواقع السابقة خلال الأعوام الأربعين الماضية، وعد يسنده على طاقات تملكها إيران في الداخل وعلاقات دولية متينة مع الخارج، ثم تأتي رسالة التحدي الأخرى من رئيس الجمهورية حسن روحاني بقوله: «سنبيع النفط ونخرق العقوبات».

ب ـ الإرادة والقوة التي يبديها الشعب الإيراني المتماسك خلف قيادته حيث أثبت هذا الشعب قدرة فائقة على التحمّل والمواجهة والتمسك بنظامه الإسلامي وهو يعرف انّ الثبات هنا يشكل وجهاً من وجوه الدفاع عن الثورة والاستقلال والسيادة، وطبعاً يريد الشعب ان يحفظ النعمة التي يعيشها في الأمن والسيادة والاستقلال، ولهذا جاءت التظاهرات العارمة التي عمّت المدن الإيرانية يوم بدء العقوبات الأميركية لتؤكد على هذه القوة الشعبية في المواجهة.

ج ـ قوة الاقتصاد الإيراني المبني على فلسفة «الاقتصاد المقاوم» وهو الذي تمكّن من رفع درجة الكفاية الذاتية الى مستويات عليا، وقد ساعدت سنوات الحصار والتضييق السابقة على رفع مستوى القوة والصلابة في هذا الاقتصاد الى حدّ جعله يلامس الاكتفاء الذاتي بنسبة تصل الى 85 .

د ـ العلاقات الإيرانية مع الخارج وهي علاقات تبادلية متوازنة في كتير من الوجوه، وبالتالي انّ المحافظة على هذه العلاقات لن يكون في مصلحة إيران فقط بل هي مصلحة لكلّ أطرافها، ولهذا شاهدنا كيف انّ كثيراً من الدول أعلنت مسبقاً رفضها للانصياع لـ «الأوامر» الأميركية بمقاطعة إيران، ما اجبر أميركا على إعفاء 8 دول من تدابيرها، الأمر الذي أدّى الى فشل أميركا في تنفيذ مقولة «صفر صادرات نفطية إيرانية».

ه ـ اجتراح البدائل المالية والاقتصادية وفتح الأبواب أمام العملات الأجنبية لتكون النقد البديل المعتمد. وهنا نشهد توسع التجارة الدولية بالمقايضة او بالعملة الوطنية للدول، وفي هذا إلحاق الضرر بالدولار وبأميركا وفتح الطريق أمام نظام مالي عالمي جديد لا يعتمد الدولار عموداً فقرياً فيه.

و ـ التدابير الاحتياطية الاستباقية المعلنة او المستترة التي اتخذتها إيران وحلفاؤها للالتفاف على العقوبات الأميركية وللخروج من النظام المالي والاقتصادي الأميركي والتي ستشكل صدمة لأميركا عندما تشهر او يكشف عنها.

ز ـ موقف الدول ذات المصلحة بعدم نجاح أميركا في حربها الاقتصادية ضدّ إيران مثل روسيا والهند والصين والاتحاد الأوروبي، لانّ هذه الدول والكيانات السياسية تعلم جيداً انّ نجاح أميركا في قراراتها الكيدية القسرية الأحادية سيشكل لها حافزاً لتطبيق هذه التدابير على أيّ كان في العالم وتعيد الى الأذهان مفهوم النظام العالمي الأحادي القطبية الذي تتربّع فيه أميركا على عرش العالم وحيدة دون منازع. وبالتالي يجد العقلاء انّ فشل الحرب الاقتصادية الأميركية على إيران اليوم يشكل مصلحة دولية وخدمة للقانون الدولي العالم.

وعلى هذا الأساس، ورغم كلّ التهويل الأميركي فإننا نرى انّ حظوظ نجاح أميركا في تدابيرها الاجرامية القسرية الكيدية ضدّ إيران، انّ حظوظ نجاحها منخفضة جداً في ظلّ شبه استعداد دولي تبديه إيران ودول قوية أخرى للمواجهة وكسر القرار الأميركي، وإذا كانت أميركا العاجزة عن تكرار التجربة العسكرية في أفغانستان او العراق او ليبيا في إيران، اذا كانت تظنّ انّ حربها الاقتصادية هذه ستعوّض لها خسارتها الاستراتيجية في سورية والمنطقة، فانّ ظنها في غير محله في مواجهة قوى صاعدة ومتغيّرات دولية لن تستطيع أميركا وقفها او احتواءها او حجب مفاعيلها والتصدّي لها، وسيكون فشل أميركا في الحرب الاقتصادية ضدّ إيران مدوياً وسالباً منها ورقة طالما هدّدت بها فرجف من تهدّده وأذعن لها. ولهذا نرى انّ العالم كله سيكون مشدود الأنظار الى ميدان هذه الحرب ينتظر نتائجها التي لن تتأخر أكثر من ثلاثة أشهر على ما نعتقد، فتجاح إيران في هذه المواجهة هو نجاح للعالم في وجهة الغطرسة الاستعمارية الأميركية.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

كيف ستؤثر قضية الخاشقجي والمعاهدة النووية على ملفات المنطقة؟

أكتوبر 23, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

من البديهي القول إنّ الأيام الفائتة حملت من الأحداث والمواجهات الدولية ما لن ينحصر بتداعياته وآثاره في محلّ حدوثه أو بين أطراف الاشتباك فيه، لأنها أحداث جاءت من طبيعة تؤثر على المشهد الدولي ويتأثر بها أطراف أوسع من المشاركين والمعنيّين مباشرة بها، وتأتي في طليعة هذه الأحداث قضية قتل جمال خاشقجي في اسطنبول على يد السعودية، وقضية انسحاب أميركا من المعاهدة النووية مع موسكو، فما هي مفاعيل هذين الأمرين على المنطقة عامة وعلى الملفات الساخنة فيها خاصة؟

بالنسبة للحدث الأول، بات معلوماً أنّ الجريمة ارتكبت بقرار سعودي اتخذ من أعلى المستويات في المملكة، ولم تستطع كلّ المواقف والبيانات السعودية بشكل متناقض ومتواصل أن تحجب مسؤولية القيادة السعودية عن جريمة تحوّلت إلى قضية رأي عام دولي، ولم يعد بمقدور أحد مهما بلغت قدرته ان يتجنّبها او يحجبها. كذلك فإنّ التضحية برؤوس أمنية وسياسية هامة في الدولة السعودية لن يمكّن المسؤولين الحقيقيين عن الجريمة من الإفلات من المسؤولية التي وانْ لن تكون قضائية كما هو الأرجح، فهي قد تكون سياسية الى الحدّ بالمسّ بموقع محمد بن سلمان ولي العهد، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على ملفات في المنطقة تعتبر السعودية وتحديداً ابن سلمان صاحب اليد الطولى فيها لاعباً أو فاعلاً أو شريكاً، طبعاً فإننا لا ننضمّ هنا إلى من يغالي في القول بالمحاسبة الغربية للسعودية إلى حدّ القول بالقطيعة معها لأنّ مصالح الغرب في السعودية أكبر عندهم بكثير من حياة صحافي سعودي أو الآلاف من الناس.

أما بالنسبة للحدث الثاني والمتمثل بانسحاب أميركا من معاهدة الصواريخ النووية، فهي وانْ لم تكن من قبيل الإجراءات ذات المفاعيل والتأثير المباشر والفوري فإنها من طبيعة التصرفات ذات البعد الاستراتيجي، والتي من شأنها أن تحكم تصرفات واستراتيجيات الأطراف أولاً ثمّ سلوكيات من يرى انّ مصالحه الأمنية والعسكرية ستتأثر بها وتكون أوروبا والصين في طليعة هؤلاء.

وقبل الحديث عن المفاعيل لا بدّ من الإشارة الى الخطوط الرئيسية للمعاهدة النووية التي وقعها في العام 1987 ميخائيل غورباتشوف رئيس الاتحاد السوفياتي مع رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة، وقضت بوقف نشر وإنتاج الصواريخ النووية المتوسطة المدى بين 500 و5500 كلم، وهذا الأمر وفّر حماية في المنطقة القريبة لأوروبا والصين رغم أنهما ليسا طرفاً في المعاهدة، كما أنه هدف الى وقف السباق في التسلح النووي بين القطبين الموقعين، وأبعد إلى حدّ ما شبح خطر حرب نووية بين العملاقين الروسي والأميركي. ومع انسحاب أميركا من هذه الاتفاقية نتوقع أن تتحلّل روسيا من التزاماتها فيها، ما يعني عملياً سقوط الاتفاقية والعودة الى سباق محموم بين القطبين تعمل فيه موسكو على عدم تمكين أميركا من السيطرة النووية استراتيجياً، لأنّ مثل هذه السيطرة قد تكون تعويضاً عن الفشل الأميركي في إقامة النظام العالمي الأحادي القطبية، ولن يكون سهلاً على روسيا أن تجد مكتسباتها الدولية التي حققتها خلال الأعوام العشرة الماضية تجدها تتناثر وتضمحلّ من باب التسلح والانتشار النووي. وسيكون الردّ الروسي برأينا متمثلاً في اتجاهين: الأول في الملفات الخارجية والثاني في السياسة التسليحية والنووية.

فعلى صعيد التسليح والترسانة النووية ستجد روسيا نفسها ومن أجل المحافظة على التوازن النووي الاستراتيجي مع أميركا مضطرة للعودة إلى مجال التصنيع والنشر التي حظرتها المعاهدة، وبحاجة ايضاً إلى تفعيل علاقاتها الدولية أقله مع دول الجوار الروسي من أجل بلورة علاقات تحالفية تمكّنها من إقامة مناطق الحيطة والأمن النووي القريب والمتوسط، الأمر الذي سيدفعها أيضاً الى التشدّد في إدارة الملفات الإقليمية القريبة والمتوسطة البعد عن الحدود مع الاتحاد الروسي. وتأتي في طليعة ذلك منطقة الشرق الأوسط وسورية تحديداً التي سيكون التشدّد الروسي فيها في مستوى لم يعهد من قبل.

اما قضية الخاشقجي فهي ولا شك أضعفت الموقع السعودي راهناً على أكثر من صعيد دولي وإقليمي، وطبيعي القول إنّ المنطقة في ظلّ استراتيجية سعودية هجومية عدوانية تغطيها أميركا وأوروبا تغطية كاملة وتوفر لها كلّ مصادر القوة والدعم هي غير المنطقة في ظلّ ضغوطات ألزمت السعودية مؤقتاً للجوء إلى استراتيجية دفاعية هدفها الأوّل الدفاع عن موقع الحاكم سواء كان الملك أو ولي العهد الذي كان يخطط أو يطمح للاستيلاء على العرش في الأشهر القليلة المقبلة.

فإذا جمعنا مفاعيل الأمرين وأسقطناها على ملفات المنطقة الأساسية يمكننا ان نتوقع متغيّرات او تداعيات هامة، خاصة إذا عرف وأحسن الطرف الخصم أو العدو لأميركا والسعودية، انتهاز الفرص واستثمار الظروف، هذا دون ان نغفل إمكانية لجوء معسكر العدوان الى تصرفات فيها منسوب عال من الحمق والوحشية واللاأخلاقية اعمالاً لسياسته المعهودة «الغاية تبرّر الوسيلة»، وعليه نرى إمكانية او احتمال ما يلي:

1 ـ في سورية: سيكون من مصلحة المعسكر المدافع عن سورية أو ما اصطلح على تسميته محور مكافحي الإرهاب والمتشكل من محور المقاومة وروسيا، سيكون من مصلحته انتهاز فرصة انشغال معظم من يعتدون على سورية، بقضية الخاشقجي مع ما أدّت اليه من غبار وتجاذب بين مكونات هذا المعسكر العدواني في بحثه عن تسوية ومخرج من القضية التي أربكته، فمن مصلحة الدفاع عن سورية أن يبادر الى اطلاق عملية تحرير إدلب مستغلاً هذا الانشغال، وهذا ما يخشاه جدياً معسكر العدوان الذي وبسبب خشيته تلك عاد الى تحريك ملف الكيماوي الذي حُجب خلال الشهر الماضي الذي تلا اتفاق سوتشي، والذي ظنّ أنه استبعد العملية العسكرية. وهنا يجب ان تستثمر المتغيّرات التي أحدثت دفاعياً على الميدان السوري انْ لجهة تعزيز الدفاع الجوي، او لجهة تفكيك بعض الجماعات المسلحة او خروج بعضهم من الميدان، او لجهة حجم القوى البرية التي جهّزت لعملية إدلب، فضلا عن النشاط الاستخباري الهامّ الذي فعل فعلاً مشكوراً في منطقة إدلب، فمعركة تحرير إدلب اليوم أفضل بكثير عما كانت عليه قبل شهر. وهنا لا بدّ من لفت النظر إلى أهمية الاستفادة الاستراتيجية التي تجنيها روسيا من إنجاز عملية تحرير إدلب الآن وتوظيفها في مواجهة أميركا في هذا الظرف بالذات، خاصة بعد انسحابها من المعاهدة النووية معها. فتحرير إدلب والتوجه شرقاً كما أعلنت سورية وضوحاً سيضع أميركا وقواعدها العسكرية الـ 13 في مواجهة مباشرة مع الجيش العربي السوري مواجهة لا تستطيع أميركا ان تقدّم تبريراً واحداً لها.

2 ـ في اليمن: قد تكون المرحلة الآن فرصة للسعودية لتخفيف الأعباء التي تثقلها وأن تتخذ قراراً أحادي الجانب بوقف العدوان وتسهيل البحث عن حلّ سياسي ينتجه اليمنيون بأنفسهم برعاية أممية، ولكن قد يكون هناك رأي سعودي معاكس يطلقه بعض المتطرفين المحدودي البصر والبصيرة ويتمثل بالقول انّ تحقيق انتصار في اليمن قد يحدث شيئاً إيجابياً يحدّ من تداعيات قتل الخاشقجي. طبعاً هذا الرأي – انْ ظهر – سيكون تجسيداً للغباء الاستراتيجي المتمادي في السعودية. حيث انّ أحداً في العالم بمن فيهم ترامب – على ما أتصوّر – لن يستطيع أن يدعم السعودية أو يساندها في هذا الوقت بالذات، وبالتالي انّ التشدّد في اليمن سيرتدّ سلباً على المعتدي. ومن جهة أخرى فإنّ روسيا وفي سياق الواقع المستجدّ لن تكون قادرة على ممالأة السعودية في اليمن وذلك خدمة لمصالحها الاستراتيجية التي استجدّت بعد الانسحاب الأميركي من المعاهدة، اما الإمارات العربية الشريك والمنافس للسعودية في اليمن فلا أعتقد أنها صاحبة مصلحة للعمل في اليمن منفردة أو بشراكة مع طرف يكاد يغرق في وحوله. ولذلك نرى انّ الأرجح هو تراجع في العدوان على اليمن فإذا لم يصل إلى حدّ وقف العدوان اليوم فإنه سيؤسّس لذلك في الأشهر المقبلة، خاصة إذا انتهت قضية الخاشقجي بالإطاحة بمحمد بن سليمان وهو أمر غير مستبعد.

3 ـ في العراق ولبنان: يجب ان يستغلّ البلدان الانشغال السعودي الغربي بقضية الخاشقجي وسعي روسيا الى التوازن الاستراتيجي دولياً، وهو استغلال يوظف في تشكيل حكومة لا يكون لأميركا فيها الكلمة الفصل والأمر، وإذا كان العراق نجح في التفلّت من القيد الأميركي المُحكم لدى اختيار الرئاسات الثلاث فعليه الآن استكمال عملية التحرّر أو التلفت من القيود الأميركية في تشكيل الحكومة. أما لبنان الذي عانى من الثقل السعودي المانع من تشكيل الحكومة خلال الأشهر الخمسة المنصرمة فإنّ فرصته سانحة اليوم لتشكيل حكومة تعكس نتائج الانتخابات النيابية التي لم تعط الفريق السعودي حجماً يصل إلى ثلث عديد مجلس النواب.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

المسرحية الإسرائيلية ضد لبنان: الخلفية والقصد والنتيجة؟

أكتوبر 2, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

في عمل مسرحي سيّئ الإخراج والتمثيل قدّم نتنياهورئيس وزراء العدو الإسرائيلي صوراً ادّعى أنها لمواقع في لبنان يخزّن فيها حزب الله صواريخ عالية الدقة، وتقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى بعد عدة مئات من الأمتار من مطار بيروت الدولي، وحتى يستنفد الوقت المحدّد له على منبر الجمعية العامة للمتحدة أضاف إلى الفصل الأول من المسرحية الهزلية صوراً زعم أنها لمواقع تخزّن فيها إيران عناصر خطيرة من ملفها النووي قرب طهران.

طبعاً المسرحية كما قلت لا تستحق بذاتها النقاش لإظهار زيفها ووهنها وإسقاط أيّ عنصر من العناصر التي قد يتكئ عليها لتقريبها من المشهد المعقول القابل للنقاش، فالصور كما أظهرت بدا أنها التقطت لمكان عام يرتاده الناس بشكل عادي وعلى مدار الساعة ولا يمكن ان يكون له صلة بعملية تخزين صواريخ او شيء سري ذي صلة بعمق أو بعد أو طيف استراتيجي، ولذلك لن نهدر الوقت للرد ّعلى العدو وإظهار كذبه الفضائحي، لكن السؤال الذي لا بدّ من طرحه والاهتمام بمتعلقاته هو لماذا قام العدو بمسرحيته وهو يعرف أنها مثار السخرية والضحك وعصية على التصديق. فخلفية وسبب العرض المسرحي هو المهمّ في هذا النطاق فلماذا؟

قد يسارع البعض للقول بأنّ العدو في عرضه استكمل سياسة الاتهام بتحويل المناطق الآهلة المدنية الى مستودعات عسكرية، وهو اعتمد هذا الأمر في الأمم المتحدة ليبرّر لاحقاً العودة الى تطبيق نظرية الضاحية والاستراتيجية التدميرية التي تستهدف المدنيين وكامل البنى التحتية اللبنانية، خاصة أنه أكد في إعلانه أكثر من مرة انه لن يميّز بين جيش لبناني ومقاومة وشعب لبناني ومؤسسات رسمية وأهلية لبنانية فالكلّ في الحرب المقبلة أهداف لعدوانه، وبالتالي يختصر الموقف هنا بالقول بأنّ العرض هو تمهيد لعدوان لا يقيم وزناً او تمييزاً بين مرفق مدني ومنطقة آهلة وموقع عسكري.

لكننا هنا لن نتأخر في الردّ على هذا الرأي رغم وجاهته ونقول إنّ «إسرائيل» ليست عدواً كباقي البشر الذين لديهم شيء من حسّ إنساني، فـ «إسرائيل» أصلاً لا تنذر ولا تهدّد بل تذهب للقتل والتدمير مباشرة ولنذكر من يريد مثلاً مصداقاً لهذا القول، انّ «إسرائيل» دمّرت الأسطول الجوي المدني اللبناني في العام 1968 دون ان توجه كلمة إنذار او اتهام واحدة للبنان، وانّ «إسرائيل» اجتاحت لبنان في العام 1982 ووصلت الى بيروت دون ان تهدّد بشيء ودون ان تأبه لشيء، بل انها اخترعت مسرحية محاولة قتل سفيرها في لندن وقامت بالعدوان على لبنان. فالقاعدة لدى «إسرائيل» عندما تكون قادرة هي أن تفعل وتترك الآخرين يتحدثون عنها وعن أعمالها، اما إذا هدّدت فإنّ في الأمر كلاماً آخر فما هو.

قبل ان نفصّل في الأمر، لا بدّ من التأكيد هنا على أمر أساسي بأنّ «إسرائيل» وبسبب واقع القوة الدفاعية اللبنانية المشكلة من شعب وجيش ومقاومة، المعادلة التي فرضت معادلة ردع استراتيجي عليها، انّ «إسرائيل» هذه باتت مردوعة في مواجهة لبنان، وغير قادرة على الذهاب ضدّه إلى حرب، فللحرب شروطها الثلاثة وهي غير متحققة في الواقع «الإسرائيلي» الآن، فلا هي تملك القوة القادرة على تحقيق الإنجاز العسكري في ظلّ فقدان الحافزية العسكرية لدى جيشها وفي ظلّ قوة المقاومة بوجهها، ولا هي قادرة على استيعاب ردة فعل العدو على جبهتها الداخلية الواهنة، ولا هي قادرة على التحكم بالبيئة الاستراتيجية والسياسية الدولية لصرف الإنجاز فيها إذا تحقق، وهذه البيئة اليوم عرضة لتوازنات ليست في مصلحة «إسرائيل». لكلّ ذلك فإننا لا نربط مسرحية العدو الهزلية بالاستعداد للعدوان على لبنان وانْ كانت «إسرائيل» تشتهي العدوان على الدوام وتعمل للتحضير له على مدار فرضت عليها واقعاً حرمتها من الاستقلالية والحرية في اتخاذ قرار الحرب وجعلتها مردوعة عنها كما يصف حالها خبراؤها. وبعد هذا نسأل لما المسرحية «الإسرائيلية» اذن؟

انّ «إسرائيل» شاءت وفي ظلّ ظروف محدّدة ومستجدّة وضاغطة تتمثل في إغلاق الأجواء السورية بوجه طيرانها وصواريخها وقنابلها الذكية ما تسبّب بنكبة استراتيجية لها في وقت تتحضر فيه أميركا لاعتماد سياسة لـ «خنق إيران» في 4 تشرين الثاني المقبل مع الخشية «الإسرائيلية» من نجاح أحزمة النجاة التي تحضرها أوروبا وروسيا والصين والهند لإيران، ورداً على الموقف العلمي الاستراتيجي الكبير للعماد عون في الأمم المتحدة وقبلها في مقابلة مع جريدة «لو فيغارو» الفرنسية، شاءت «إسرائيل» ان تذهب الى حروب أخرى بديلة وتعويضية.

ولهذا كانت هذه المسرحية بمثابة التمهيد والانطلاق الى تلك الحروب التي نعتقد انّ «إسرائيل» تقترحها او تشارك فيها ضدّ لبنان وهي ثلاثة حروب غير الحرب النارية القتالية التي فرض عليها العجز عنها، فقد شاءت حرباً نفسية ترهق لبنان مستفيدة من واقع انقسام اللبنانيين حول المقاومة وهي تريد ان تغذي هذا الانقسام وتثير دخاناً في وجه المقاومة ويعيد الجدل حول وجودها واستمراريتها الى الواجهة، جدل يحجب انتصاراتها ويمنعها من الاستثمار في الداخل والإقليم. وهنا وللأسف وجدنا في لبنان من يواكبها لا بل من يتقدّم عليها لخدمتها في مواجهة المقاومة والإساءة اليها والى قوة لبنان الدفاعية.

اما الحرب الثانية التي شاءت «إسرائيل» تسعيرها بمسرحيتها فهي الحرب السياسية التي يعتبر تشكيل الحكومة المتعثر بعض وجوهها كما يشكل استهداف رئيس الجمهورية بشخصه ومواقفه جزءاً آخر منها. فالرئيس كما بات معلوماً اتخذ في رحلته الأخيرة الى الأمم المتحدة من المواقف الاستراتيجية والسياسية والعسكرية العلمية ما أكد على حق لبنان بالمقاومة وأوضح بشكل علمي انّ المقاومة وسلاحها هي نتيجة لسبب متمثل بالاحتلال التي تمارسه «إسرائيل»، وانّ هذا الاحتلال سبب مآسي للبنان والمنطقة، ومنها مسألة اللجوء والنزوح، وانّ معالجة هذه المسائل تبدأ بمعالجة الأصل. ومنطق الرئيس الذي يجسّد المنطق السليم لا يرضي «إسرائيل» المجافية لكلّ منطق والتي لا تؤمن إلا بمنطق القوة العدواني واغتصاب الحقوق، لذلك شاءت ان تساهم في حرب سياسية ضدّ لبنان ورئيسه يرفده ويواكبه أيضاً وللأسف لبنانيون يدّعون زوراً العمل لمصلحة لبنان.

أما الحرب الثالثة فهي الحرب الاقتصادية وهي الأخطر والأدهى، لأنّ لبنان في ظلّ هذه الحرب يعتبر أقلّ مناعة منه في الحروب الأخرى التي ذكرت، ولذلك كان التصويب على مطار بيروت من أجل حصار لبنان وخنقه بالقبض على رئته التي تصله بالعالم، وأيضاً وأيضاً ومن شديد الأسف نجد ان لبنانيين ومنهم مسؤولون رسميون يساهمون ويشاركون «إسرائيل» في حربها وما الذي شهده مطار بيروت مؤخراً من تصرفات لا يبرّرها منطق ولا قانون إلا تأكيد على هذه الشراكة عن قصد أو غير قصد.

إذن هي حروب نفسية وسياسية واقتصادية تريدها «إسرائيل» بدائل عن الحرب النارية القتالية العسكرية ضدّ لبنان، حروب تحوّلت اليها «إسرائيل» بعد ان أدركت عجزها عن الأخرى، وهنا يطرح التحدّي الكبير على اللبنانيين وبالأخصّ منهم المسؤولون فهل يحصّنون لبنان في وجه العدوان «الإسرائيلي» المثلث هذا والذي جاءت المسرحية الهزلية في الأمم المتحدة تمهيداً له، أم ينتفض كلّ لبنان بوجه العدوان البديل ويحمي لبنان؟

في الإجابة السريعة على السؤال نقول إننا نتمنى أن يدافع كلّ اللبنانيين عن وطنهم، ولكننا وللأسف لا نثق بتحقق هذا التمني إلا انّ ثقتنا قائمة في مكان آخر، نثق بأنّ من حرّر لبنان وكانت له المواقف الثابتة خدمة للحق اللبناني سيكون أيضاً هنا وبالمرصاد… وأنه اليوم وفي ظلّ المعادلات الدولية والإقليمية الجديدة سيكون أكثر قدرة على المواجهة وأكثر طمأنينة للانتصار.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Articles

 

كيف ستردّ روسيا وإيران على خسارتيهما؟

سبتمبر 25, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

حدثان بالغا الخطورة استهدفا روسيا وإيران في أسبوع واحد، الأول استهدف روسيا في الأجواء السورية، حيث تسبب اعتداء «إسرائيل» عل مواقع سورية بإسقاط طائرة ايل.20 الروسية وعلى متنها 15 ضابطاً وخبيراً روسياً لم ينجُ منهم أحد. والثاني تمثل بالعمل الإرهابي الفظيع الذي استهدف العرض العسكري للقوات المسلحة الإيرانية في الأهواز والذي أدى الى قتل 25 عسكرياً في وضح النهار. حدثان يضعان حلفاء سورية أمام تحدٍّ كبير تتوقف على ردة الفعل عليه مسائل كبرى تتصل بجوهر الصراع في المنطقة والعالم ربطاً بما تحقق في الميدان السوري وفشل العدوان على سورية.

ولا بدّ من التنويه بداية بأن هذين الأمرين هما من طبيعة لم يسبق حصول ما يشبههما ان لم نقل ما يوازيهما من حيث الحجم والخطورة، وحصلا في فترة واحدة عنوانها النجاح في معالجة الوضع السوري بما يؤكد هزيمة العدوان. وهذا ما يجعلهما وكل في مساره فاتحة أحداث أخرى مماثلة وقد تكون بحجم ابلغ ان لم يكن هناك ردّ رادع مؤلم ضد الجهات الي تسببت أو ساهمت بوقوعهما.

ونبدأ بالطائرة الروسية التي توصّل الجيش الروسي وبقناعة كلية مبنية على قواعد تقنية وعلمية وميدانية دقيقة الى القول بأن المسؤول عن إسقاطها هي «إسرائيل» التي تتحمل المسؤولية كاملة 100 ، قناعة نهائية غير قابلة للمراجعة او للتأويل والتحليل الإضافي الذي يخفف من أثرها. والسبب في ذلك كما تراه روسيا وفقاً لقناعتها الموضوعية النهائية المؤكدة المبنية على ما يلي:

إن «إسرائيل» قامت بعدوان جوي على منطقة تعلم هي أنها محل لممرات جوية للطيران الروسي العسكري والمدني. وتعلم ان في أجوائها طائرة روسية ولم تبلغ القيادة العملانية الروسية بالعدوان في مدة كافية لتتخذ التدابير اللازمة لحماية طائراتها. وكان عليها ان تفعل حسب الاتفاق الامني للتنسيق القائم منذ العام 2015 والذي التزمت به روسيا بدقة واستفادت منه «إسرائيل» لأقصى حد على حساب المصالح العسكرية والميدانية لمحور المقاومة.

إن الطائرة الحربية الإسرائيلية اتخذت من طائرة الايل 20 الروسية حجاباً او درعاً للتقرب والاحتماء وخلقت ظرفاً أكيداً لإسقاطها بصاروخ سوري لا يحمل جهاز التمييز بين الصديق والعدو الخاص بالأسلحة الروسية، وبالتالي إن مناورة الطائرة الإسرائيلية كانت السبب الرئيسي المنتج لإسقاط الطائرة الروسية.

إن الطيران الإسرائيلي لم يعبأ بالجريمة التي تسبب بها واستمر يحلق في الأجواء لمدة 33 دقيقة من دون المبادرة لإبلاغ روسيا بالكارثة او الانسحاب من الأجواء لفتح المجال امام محاولة القيام بعمليات الإنقاذ الواجبة في هذه الأحوال. وهذا يشكل استخفافاً فظيعاً بأرواح العسكريين الروس.

على ضوء ما تقدّم تجد القيادة الروسية نفسها قد وضعت في موضع صعب ومؤلم لا ينحصر فقط بخسارتها الفادحة لـ 15 ضابطاً من كبار الخبراء والقادة العسكريين، بل يتوسع لينتهك اتفاقات قائمة بين الجانبين الروسي والإسرائيلي نالت «إسرائيل» منها الكثير من المكاسب الميدانية والاستراتيجية في سورية بتسهيل من روسيا ويظهر أن «إسرائيل» لا تعبأ بالمصالح الروسية حتى ولو كانت متصلة بحياة عسكرييها. وهنا التحدي الكبير الذي تواجهه روسيا الآن في علاقتها مع «إسرائيل». التحدّي الذي يلزم روسيا بعمل ما يحفظ ماء وجهها أولاً ويؤسس لمستقبل لا تتكرر فيه الخسارة تلك او أي خسارة تشبهها وتتسبب بها «إسرائيل».

فما هي التصرفات التي يمكن ان تلجأ اليها روسيا وتشكل في الآن ذاته حماية لجنودها وعقابا لـ«إسرائيل» على جريمتها؟

في البدء لا بدّ من أن نتذكر بأن لـ«إسرائيل» في روسيا قوى ضغط لا يمكن تجاوزها او إغفال أثرها، لكن هذه القوى لن تكون هذه المرة قادرة في مثل الحالة القائمة على منع ردة الفعل الروسية، كما يروّج البعض ويقول «طوي ملف الطائرة، والوقت يداوي الجروح»، لأن القبول بهذا القول من شأنه ان يعرض روسيا لأفدح الخسائر المعنوية التي تراكم الخسائر المباشرة الناتجة عن سقوط الطائرة. وبالتالي نرى ان روسيا ملزمة برد ما يثبت هيبتها وإرادتها لتعزيز مكانتها الردعية من دون ان تصل في ردها الى الاضرار بمسيرة استعادة موقعها الخاص في الصف الأول دولياً. وهوالموقع الذي خسرته منذ 3 عقود وتعمل بجدارة على استعادته منذ بدء العدوان على سورية. وهي تعتقد ان الصداقة مع «إسرائيل» تساعدها في مسعاها هذا، ولذلك ارتبطت معها بأكثر من علاقة وتفاهم حول سورية وغيرها. وبالتالي نعتقد انها ستوازن في الردّ بين التدبير العملاني الحمائي والتصرف السياسي الذي يحفظ علاقة «الصداقة « مع «إسرائيل» بشكل أو بآخر.

وهنا نتصور ان يأتي الردّ شاملاً ما يلي:

انشاء منطقة حظر جوي روسي فوق المواقع العسكرية والأماكن التي يوجد او يتحرّك فيها الجنود الروس في سورية. وهذا سيقود الى إغلاق كامل للمنطقة الساحلية السورية بوجه الطيران الإسرائيلي.

التراخي في تطبيق تفاهمات التنسيق العملاني القائم حالياً مع «إسرائيل» دون الوصول الى الغائها كلياً. وهذا سيؤدي الى اعادة النظر بالمواقف الروسية من حركة حلفاء سورية على الأرض السورية.

الدرس الجدّي لتعزيز قدرات الدفاع الجوي السورية عبر تطوير المنظومة الحالية وتزويد سورية بشبكة رادارات حديثة للرصد والتعقب والإفراج عن منظومة الـ س 300 ، كما وعد لافروف سابقاً.

تزويد منظومة الدفاع الجوي السوري بقدرات تمييز الصديق من العدو التي تستعملها روسيا لحماية الطائرات الروسية فوق سورية.

نعتبر هذه التدابير هي الحد الأدنى الذي ينبغي القيام به من الجانب الروسي لحماية وحداته وجنوده وقطع الطريق على غدر او جحود «إسرائيل» ولتعزيز الهيبة الروسية عالمياً من دون الوصول الى قطيعة مع «إسرائيل» لا ترغب بها روسيا، أو لا تراها الآن في مصلحتها او في خدمة استراتيجيتها العامة.

اما عن إيران، فإن العمل الإرهابي الذي استهدفها في الأهواز فهو من حجم وطبيعة لا يمسّ أمن جنودها فحسب، بل له آثار ومفاعيل استراتيجية تمسّ وحدة إيران أرضاً وشعباً ويتصل مباشرة بأهداف الحركات الانفصالية التي تغذيها دول الخليج إقليمياً ودول الغرب بقيادة أميركا دولياً، ثم انه يأتي في ظرف بالغ الخطورة على الصعيد الإيراني ويقع على مقربة من الموعد الذي حددته اميركا لفرض حصار مؤلم متعدّد الوجوه على إيران تحت عنوان ما تسمّيه أميركا العقوبات ضد إيران.

لذلك نرى ان بقاء من ارتكب الجريمة الفظيعة، بمنأى عن العقاب المؤلم، سيجعله يتمادى في الفعل والتكرار وتوسيع دائرة أفعاله المماثلة، ولذلك ينبغي أن يكون الرد مؤلماً وموجهاً ضد الجهة الميدانية المنفذة. وهي تقيم في قواعد شبه معروفة في المنطقة وقريباً من الحدود الإيرانية، وضد الجهة الإقليمية والدولية المخططة والموجّهة والممولة. ويجب ان يأتي الرد ليحمل رسالة قاطعة بأن إيران ليست ضعيفة، ودون ان يتسبب بانزلاق الأمور الى مواجهة واسعة مع تلك القوى. وهنا نؤكد على وجوب اعتماد الرد المدروس الذي ترى إيران كيف ينتج الألم الشديد لتلك القوى. وهنا نرى أن يكون الرد مركباً من عمل أمني وعسكري ميداني وسياسي عام ومؤازراً بصوت عالٍ وحازم ينبئ الجميع بأن لا سكوت على اعتداء.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

 

Related Articles

خطة أميركا من العراق الى سورية الى الفشل

سبتمبر 11, 2018

العميد د. محمد أمين حطيط

رفضاً للهزيمة الاستراتيجية التي تُكتب سطورها الأخيرة الآن وبشكل خاص في الميدان العراقي السوري، أقدمت أميركا على خطة مركبة من شأنها في حال نجاحها أن تعالج آثار الهزيمة وتمنع المنتصر من استثمار إنجازاته في كل من الدولتين. خطة موضوعها في العراق التحكم بتشكيل الحكومة ومجالها في سورية بشكل خاص التحكم بمنطقة إدلب ومنع تحريرها لمنع سورية من الانصراف الى العمل السياسي الذي يرسي الأمن والسلام الشامل في كامل البلاد ويؤمن خروج أي محتلّ، بما في ذلك المحتل الأميركي والتركي.

لقد ركزت أميركا في مواجهة ما آلت إليه سياستها العدوانية على المنطقة من فشل، بشكل خاص على سورية والعراق، لأنها اعتبرت ان العودة الفاعلة الى العراق من شأنها أن تقطع تواصل محور المقاومة من شرقه الى غربه، كما وتمكن من امتلاك السيطرة على احتياط نفطي عالمي طالما حلم الغرب بالقبض عليه. اما في سورية فقد نظرت أميركا الى استمرار الحرب فيها وفقاً لما تسميه «إطالة أمد الصراع « فرصة ثمينة هي بأمس الحاجة اليها لتمرير واستكمال تنفيذ ما أسمته «صفقة القرن» الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية وادخال «إسرائيل» في نهائية الوجود وفعالية الدور والتأثير في كامل المنطقة العربية بدءاً من الخليج.

في العراق وجدت أميركا المدخل الملائم من باب تشكيل الحكومة بعد الانتخابات النيابية، حيث رأت أن نتائج هذه الانتخابات تمكنها من التدخل وتحقيق السيطرة عبر الحكومة، طالما أن تشكيل الكتلة التي تأتي برئيس الوزراء خاضع للأخذ والرد، إذ أن جمع 165 نائباً لتكوين الكتلة الأكبر يقتضي اتفاق 5 كتل كبرى على الأقل من الكتل التي حازت على الحجم الأكبر في الانتخابات، والذي لا يتعدى لأفضلها الـ 54 نائباً ويتدنى عند بعضها الى 14 نائباً. وهنا كان المجال المفتوح أمام أميركا التي عيّنت مبعوثاً للعراق مهمته الأولى تشكيل الكتلة الأكبر المناهضة لمحور المقاومة والموالية لكل من السعودية وأميركا لتنفذ السياسة التي رسمتها الأخيرة للعراق وتؤمن استعماراً مقنعاً يتجلّى بمراجعة اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا والتي رفض فيها نور المالكي يومها منح أميركا أيّ مكسب يمسّ بسيادة العراق واستقلاله وحقه الحصري بالسيطرة على سمائه وثرواته، خاصة النفطية.

هنا وجدت أميركا في حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالي ضالتها المنشودة بعد أن جاهر بمناهضة إيران وأبدى استعداده لتلبية مطالب أميركا والسعودية، فعملت على تحشيد القوى اللازمة له ليعود الى الحكم في ولاية جديدة رئيساً لوزراء العراق الذي يُعتبر هو الحاكم الفعلي ذو الصلاحية الواسعة في السياسة والإدارة والجيش حتى والقضاء. وتوصلت في الأسابيع الأخيرة الى تركيب كتلة تؤيّد العبادي كادت أن تلامس الـ 150 نائباً، لكن بقيت الكتلة بحاجة الى أصوات ترتقي بها الى 165، لكن بقيت الحاجة قائمة لمنع من يؤمنون بحسن العلاقة والجوار مع إيران وسورية ومحور المقاومة عامة من المنافسة.

ولأجل تحقيق الغرض عمل المبعوث الأميركي الى العراق ماكغورك على ثلاثة خطوط الأول باتجاه رؤساء الكتل، مهما كان حجمها لطلب دعمها، والثاني باتجاه النواب لتحذيرهم من تأييد كتلة فيها الحشد الشعبي «الواجب الحل»، حسب تعبيره ، والخط الثالث في الميدان والشارع لإظهار «حجم الرفض الشعبي» لما اسماه «النفوذ الإيراني في العراق «. وكانت أحداث البصرة التي انطلقت لأسباب خدمية تتصل بالماء والكهرباء ثم تحوّلت موجة عنف ضد إيران وضد القوى التي تتمسّك بحسن العلاقات معها. كانت هذه الأحداث بمثابة الفضيحة لكل الخطة الأميركية التي انتهت الى نتائج معاكسة لما أراده مبعوثها ماكغورك. وفي هذا الإطار ننوّه بما قامت به المرجعية الدينية لجهة تأمين محطات المياه لمدينة البصرة وسحب فتيل الفوضى أمنتها على نفقتها الخاصة وهي المحطات التي امتنع العبادي عبر حكومته من توفيرها طيلة مدة حكمه، وكانت سبباً مباشراً في اندلاع الاحتجاجات واستشراء الفوضى في المدينة التي أدّت الى إحراق مراكز ذات رمزية ودلالة على علاقة إيران والعراق ومنها القنصلية الإيرانية في البصرة.

لقد شاءت أميركا من إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة، ومعها مراكز الحشد الشعبي والقوى المؤيدة لإيران، إظهار الرفض الشعبي للوجود والدور الإيراني في العراق والإجهاز على أي أمل لإيجاد شخصية منافسة للعبادي او مؤيدة لمحور المقاومة، لكن النتيجة جاءت وبعد ان افتضح الامر المكيدة، لتطيح تقريباً بحظوظ العبادي للعودة الى الحكم، وتكاد تقطع الطريق على أي شخصية بديلة تكون موالية لأميركا والسعودية. وبالتالي تكون الخطة الأميركية فشلت حتى الآن في إعادة تمكين قبضتها على السلطة في العراق وهيأت الظروف لتشكيل حكومة يؤمل أن تكون قادرة على حماية مكتسبات العراق في السيادة والاستقلال والثروة والدور الإقليمي الاستراتيجي الذي يتناغم مع محور المقاومة.

اما في سورية فقد حاولت أميركا ولا زالت تحاول منع سورية من إطلاق عملية تحرير إدلب لتطهيرها من الإرهاب، والانتقال بعدها لمعالجة الملف الميداني الأخير المتمثل بشرق الفرات، وما فيه من قواعد عسكرية أميركية تعدت الـ 13 قاعدة وتجاوز العسكريون الأميركيون فيها الـ 9 آلاف بعد عمليات التعزيز الأخيرة التي تمت في التنف.

لقد بنت أميركا خطتها لمنع إطلاق عملية تحرير إدلب على خطوط ثلاثة أيضاً: أولها التهويل والتهديد بالتدخل العسكري إذا دخلت سورية بجيشها وحلفائها الى إدلب. تهديد مرفق بطلب الامتناع عن العملية العسكرية وتفعيل مناطق خفض التصعيد بمهل مفتوحة. وقد استثمرت هنا الدور التركي السلبي في قمة طهران الذي سعى الى هذه هدنة ورفض العمل العسكري، والثاني القيام باستعراضات وتعزيزات عسكرية وتحشيد القوى والتهويل بجهوزية 220 صاروخ توماهوك لقصف أهداف واسعة في سورية رداً على «استعمال محتمل للأسلحة الكيماوية»، كما تدّعي زوراً وتلفيقاً الدوائر الأميركية والغربية، وأخيراً المناورات العسكرية التي أجريت في التنف وسواها للإيحاء بجهوزية عسكرية أميركية عالية للتدخل العسكري المباشر مرفقة بتسريب من البيت الأبيض بأن ترامب يدرس جدياً توجيه ضربة للقوات الروسية في سورية.

ولكن ومرة أخرى نرى فشلاً في المسعى الأميركي، حيث رفضت الهدنة واستبعد تأجيل معركة إدلب، التي بات إطلاقها قاب قوسين أو أدنى لا بل إن بعض أعمالها التمهيدية بدأ فعلاً من خلال القصف الانتقائي التدميري الواسع الذي تنفذه القوات الجوية الروسية والسورية منذ يومين ضد مراكز الإرهابيين مع تحييد تام للمدنيين. أما الرد على الخط الثاني فقد كان من قبل روسيا بشكل أساس من خلال عمليات التحشيد البحري الواسعة التي أجرتها في المتوسط لقواتها التي حشدت فيها قطعاً بحرية خاصة ومحترفة بالاستطلاع والتعقب لتعطيل فعالية التوماهوك، ثم القيام بمناورات هي الأضخم خلال السنوات الـ 40 الماضية. وعلى الخط الثالث فإن أميركا تعلم أن أحداً لا يأخذ على محمل الجد قراراً أميركياً بمواجهة برية بين الأميركيين وخصومهم على الأرض السورية، حيث إن هذه المواجهة لن تكون لمصلحة أميركا على كل الصعد.

وفي خلاصة القول نرى أن أميركا التي منّت النفس بالقبض على العراق من خلال القبض على حكومته، هي على عتبة الفشل في تحقيق أمنيتها، وان أميركا لن تقدر على منع سورية من استكمال تحرير ارتهان الإرهاب مهما هدّدت وهولت، وإن ما قالت به مؤخراً من أنها لن تسمح لسورية وحلفائها إيران وحزب الله دخول إدلب، فأميركا تعلم قبل سواها أنه غير قابل للتطبيق. فسورية هي صاحبة السيادة على أرضها وأميركا هي التي عليها أن تخرج منها وإن لم تفعل اختياراً فستجبر على الخروج قسراً، كما ستخرج من العراق ليرسم العراق وسورية مشهداً سياسياً وميدانياً لا يكون فيه للأميركي نصيب.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

فشل العدوان في الحرب فلجأ إلى منع تحقيق السلام: كيف؟

سبتمبر 5, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت أميركا ومَن معها مَن مكوّنات المعسكر الاستعماري الذي يشن حروباً متتالية ومتنوّعة الأشكال على المنطقة تأمل الوصول لحلمها ببناء شرق أوسط أميركي يكون بمثابة المستعمرة الاستراتيجية الكبرى التي تثبّت دعائم النظام العالمي الأحادي القطبية بقيادة أميركية. ولم تكن أميركا ومَن معها من القوى الرئيسية في الحلف الأطلسي تتصور أن أحداً يستطيع وقف هذا المشروع أو حتى عرقلته وتأخيره.

بيد أن الميدان كذّب توقّعات وخطط الرأس المدبّر لهذا المشروع الاستعماري الكارثي، حيث برزت في المنطقة قوى تدافع عنها باليسير من السلاح والوسائل، دفاعاً نجح في المرحلة الأولى في منع المستعمر من تنفيذ خطته بالشكل الذي وضعت، ثم تطوّر دفاعه إلى أن لامس اليوم عتبة مرحلة فقد فيها المعسكر الاستعماري زمام المبادرة في الميدان وانتقل هو الى دور العرقلة والتسويف لمنع أهل المنطقة وشعوبها ومكوّناتها السياسية الشرعية من استثمار نتائج الانتصار في الحرب الدفاعية التي خاضوها ضد المستعمِر والمحتل والمعتدي المتعدّد الوجوه والأشكال والوسائل والمحدّد جوهرياً بأميركا ومَن يتبعها من أوروبيين.

ولأن الهجوم الاستعماري المتعدّد الجبهات والوسائل هو في الأصل وفي جوهره واحد محدّد الهدف، كما ذكرنا يرمي الى وضع اليد على المنطقة ومصادرة ثرواتها ومنعها من إقامة الكيانات السياسية المستقلة السيدة التي توفر الحرية والأمن والرفاه لشعوبها، لأن هذه هي طبيعته وهدفه، فقد كان من المنطقي مواجهة الخطر والتهديد بفكرة جبهة الدفاع الواحدة المتماسكة، على أساس أن العدو واحد ومسرح العمليات واحد والهدف من الهجوم واحد. وهنا يكون من الخطأ الكبير والشنيع اللجوء الى التجزئة في الدفاع وشرذمة القوى والوقوع بما يخطّط من قبل المعتدي تحت شعار «فلان أولاً». والكل يذكر هنا كيف خرجت ولازالت أصوات المرتهنين لأميركا بالقول «لبنان أولا» او « العراق أولاً» او «غزة اولاً» الخ… هذا فضلاً عن الصيغ الغبية الخبيثة المعبر عنها بسياسة «الناي بالنفس» أو «الحياد» او «عدم التدخل بشؤون الغير» الخ …

والذي يؤسف له في هذا المجال أن المعتدي المنتهك للحقوق والمستبيح للكرامات والثروات يعطي لنفسه الحق بالاعتداء والتدخل وتشكيل التحالفات لتنفيذ عدوانه، بينما يُمنع على المعتدى عليه أن يبحث في هذه المعمورة عن حليف أو صديق يمدّ له يد العون للدفاع عن نفسه. والمثل الصارخ والمنفّر نجده في ما يقوم به معسكر العدوان على سورية حيث تجيز أميركا لنفسها إنشاء «تحالف دولي» تشارك فيه دول من أقاصي الأرض وعلى بعد عشرات آلاف الكيلومترات عن سورية للاعتداء على هذه الدولة واحتلال بعض أراضيها بحجة محاربة داعش التي أنشأتها وتتعهدها وتحميها، وترفض اميركا وتدين لجوء الحكومة السورية لطلب المساعدة من قوى كيانات تجاورها في المنطقة وتجمعها بها الأهداف والمصير المشترك والاستهداف العدواني ذاته.

بيد أن سورية، ومن يرى نظرتها الاستراتيجية الى الأمور لم تأبه لمواقف المعتدي، ولا لحجم العدوان والمشاركين به، وقرّرت المواجهة التي نفذتها هي في البداية ثم عبر محور المقاومة الذي يضمها الى إيران وحزب الله وانتهاء بمعسكر الدفاع عن سورية الذي انتظمت فيه بجدارة وفعالية روسيا، وتشكلت المواجهة في ذلك بين محورين: محور عدوان تقوده أميركا ومحور دفاع عن سورية.

والآن وصل الصراع إلى مرحلة نستطيع أن نصفها بأن المدافع عن نفسه نجح في الصمود وربح المعركة العسكرية في الميدان. وهذا ما يشهد به المعتدي ذاته قبل سواه. فبعد أن أكدت «إسرائيل» على لسان أكثر من مسؤول ومركز دراسات فيها بأن سورية انتصرت بقيادة الرئيس الأسد وأن أحداً لا يستطيع أن ينحي الأسد عن قيادته فيها، ها هو ماكرون الرئيس الفرنسي وقبله مسؤولون بريطانيون وأميركيون يقرون بل يؤكدون بأن سورية ربحت الحرب … لكنهم يضيفون وهنا الخبث والخطر وبيت القصيد، بأنها «لم تربح السلام». وما ينطبق على سورية ينطبق على حلفائها الاستراتيجيين أو حتى العرضيين.

إن قولهم «لم تربح السلام» فيه من المعاني ويبطن من الأهداف فوق ما يظهره النص بالدلالة البسيطة، حيث إن للسلام قواعد ومناهج وأسس تتبع للعودة الى الحال الطبيعية ويظهر في هذا المجال 5 ملفات أساسية لا بدّ من معالجتها للقول بأن الدولة خرجت من الحرب ودخلت «جنة السلام». أولها الملف الإنساني المتمثل بعودة النازحين إلى ديارهم التي أخلوها قسراً خلال الحرب، ثانيها بناء السلطة السياسية القادرة على جمع الكلمة وإدارة البلاد والسير فيها بما يناسب مصالح شعبها، ثالثها إطلاق ورشة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، رابعها إعادة ترميم وتنظيم مؤسسات الدولة الوطنية العسكرية والمدنية ومعالجة الندوب التي أصابتها خلال الحرب مع تفعيل دورها لضمان حقوق المواطن وأمنه، وخامسها إطلاق عجلة الاقتصاد الذي يؤمن للمواطن والشعب حاجاته ورفاهه.

فالسلام ليس كلمة تطلق جزافاً من غير أسس، بل هو منظومة قواعد وحياة وسلوك وتصرف تشعر المعنيين به بأنهم خرجوا من دائرة التهديد المتعدّد الوجوه ودخلوا في دائرة الطمأنينة على الوجود وتأمين الحاجات.

ولأن السلام هكذا، ولأن اميركا ومَن معها خسروا الحرب، فإننا نجدهم يخوضون الآن معركة منع إرساء السلام في كل نطاق وجبهة كان لها من عدوانهم نصيب. وبهذا يفسّر ما يجري في المنطقة من سلوكهم على كل الصعد، حيث إننا نراهم:

في سورية وبعد فشله في الميدان يجهد معسكر العدوان بقيادة أميركية، ومؤازرة من الأمم المتحدة والبيئات الدولية التي تدور في الفلك الأميركي وللأسف، يجهدون في منع عودة النازحين السوريين والذين يشكلون 1 5 خمس السوريين لأن في بقائهم حيث هم الآن خارج ديارهم إقفال لمعبر من معابر السلام السوري الذي تعرقله قوى العدوان. وكذلك نجد الوثيقة الأممية الفضيحة التي تشترط لإعادة الإعمار في سورية رضوخ سورية لمتطلبات معسكر العدوان في إقامة السلطة الدمية التي تلبي أوامرهم فيقومون بهذا من دون أن يلقوا بسلاحهم في الميدان. ومن هنا نفهم موقف ترامب الأخير الذي حذّر فيه سورية من خوض معركة إدلب وإنهاء الإرهاب فيها استكمالاً لحرب الدفاع والتطهير والتحرير.

وفي إيران التي تعتبر ركناً رئيسياً من أركان معسكر الدفاع عن المنطقة واستقلالها، فإن أميركا تلقي بكل قدراتها «غير العسكرية» لمحاصرتها والتضييق عليها وتفجيرها مدنياً من الداخل، لمنعها من استثمار انتصارها في الإقليم.

أما في العراق الذي تمكن من تطهير أرضه من المنظمة الإرهابية «داعش» التي جاءت بها اميركا الى العراق للسيطرة مجدداً عليه، فإن أميركا اليوم تتدخل وبكل فجور ووقاحة لعرقلة تشكيل حكومة وطنية مستقلة تقيم علاقات الاخوة والصداقة وحسن الجوار بين سورية والعراق وتصرّ أميركا على حكومة دمية بيدها وإلا فلا تكون حكومة.

والأمر ذاته يتكرّر في لبنان حيث إن القوى الرافضة للهيمنة الأميركية على لبنان وفي طليعتها حزب الله وحلفاؤه تمكنت من الحصول في الانتخابات النيابية الأخيرة على الأكثرية المطلقة في مجلس النواب ما يمكنها دستورياً من تشكيل حكومة تحكم بكل يقين، لكن أميركا ومستعملة أدوات محلية وإقليمية تمنع تشكيل هذه الحكومة، وتدفع لبنان والوطنيين فيه للخيار بين أمرين: إما التسليم بشروطها وجعل من يوالونها يمسكون بزمام الأمور، رغم أنهم لا يشكلون ثلث المجلس النيابي او إبقاء الدولة بلا حكومة فاعلة، رغم عظيم المخاطر التي تحدق بلبنان في هذا الفترة على أكثر من صعيد.

وهكذا نرى أن المنطقة التي أفشلت الغزو الغربي، هي عرضة اليوم لعدوان آخر عنوانه «منع تحقيق السلام». وهنا يكمن التحدي الكبير الذي لا يقلّ عن تحدي الحرب العسكرية والإرهابية التي شنت عليها، لا بل قد يفوقه أهمية وخطورة. ونرى مسؤولية بناء السلام مسؤولية يجب أن يضطلع بأعبائها الجميع تحت شعار تقديم المصلحة الوطنية والإقليمية على أي مصلحة ذاتية او فردية، شعار تستبدل فيها عبارة «الأنا أولاً» بعبارة «معاً نبني الوطن والمنطقة» القوية المستقلة. وبهذا الشعار نواجه ونبني السلام الذي فيه مصلحة الجميع.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: