أميركا في مواجهة إيران: ماذا بعد الفشل الأوّلي؟

مايو 21, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

يكاد العالم يحبس أنفاسه وهو ينتظر أحد صوتين: صوت جرس هاتف ترامب يرنّ ويكون المتصل من المسؤولين الإيرانيين ليسجل ترامب انتصاراً في استراتيجية الضغط التصاعدي المرغِم للخصم على الخضوع والإذعان، أو صوت القذائف الأميركية المتعددة الأنواع والعيارات والأحجام تنهار على إيران لتدمير إرادتها قبل تدمير حجرها وقتل بشرها. فأميركا التي منّت النفس بإرغام إيران على الإذعان نتيجة الحرب الاقتصادية الظالمة والخانقة التي بدأتها ضدّها منذ سنة تقريباً تشعر الآن بالضيق لأنّ إيران استمرّت صامدة متمسكة بحقوقها وكرامتها الوطنية لا يرهبها تهويل أو أكثر منه.

لقد باتت أميركا بحاجة لأحد هذين الصوتين هاتف او مدفع وما سيترتب عليهما من سلوك إيراني يصبّ في مصلحتها في معرض سعيها إلى تهيئة البيئة الاستراتيجية والعملانية والسياسية في المنطقة للإعلان عن تصفية القرن التي تتحضّر أميركا لإطلاقها والإعلان عن مضمونها في النصف الثاني من حزيران/ يونيو المقبل، والتي ترى أميركا أنّ سكوت إيران أو تعطيل معارضتها لها شرط لا بدّ منه لنجاحها. وفضلاً عن ذلك فإنّ أميركا تحمّل إيران ومحور المقاومة مسؤولية مساندة سورية للصمود وهزيمة العدوان الكوني الذي استهدفها، والذي كانت أميركا تعوّل عليه لاستباحة غربي آسيا وشمالي أفريقيا والسيطرة بعد ذلك على العالم كله في إطار نظام أحادي القطبيّة تسعى إليه.

إذن… خضوع إيران واستسلامها للإرادة الأميركية بات مهمّاً للغاية في الحساب الأميركي خاصة بعد أن توصلت أميركا في الحقبة الأخيرة الى حصر أعدائها الأساسيين بثلاثة وتشكلت لديها قناعة نهائية انّ هؤلاء الثلاثة يعتمدون سياسات ومواقف تعطّل عليها سعيها الى قيادة العالم والتحكم بثرواته، وصنفتهم بالترتيب التالي: الصين أولاً ثم روسيا وإيران، وترى أميركا انّ البدء في مواجهة إيران وإخضاعها سيشكل قفزة نوعية لها في مواجهتها لكلّ من روسيا والصين، وترى أنّ سقوط إيران سيُغنيها عن مواجهة روسيا لأنّ هذا الأمر سيمكّنها من إكمال حلقة الحصار على روسيا وعزلها وجعلها واهنة استراتيجياً. من هنا تأتي أهمية حرب أميركا على إيران، الحرب التي تتمنّى أميركا أن تبقى في الإطار الاقتصادي على حدّ ما قال ترامب مؤخراً، وأن تحقق لها ما تريد دون الحاجة الى الحديد والنار.

فالمواجهة الحالية بين أميركا وإيران ليست شأناً عابراً، أو خلافاً نشأ عفواً أو صدفة، بل هو صراع تمتدّ جذوره إلى يوم نجاح الثورة الإسلامية في إيران وتتصاعد أهميته ربطاً بالمتغيّرات الدولية وتصنيف دول العالم بين عدوّ او تابع لأميركا، ونكاد نقول إنّ المواجهة مع إيران باتت في ذهن غلاة الصقور الأميركيين اليوم مسألة استراتيجية عليا لا تعلوها مسألة، وإنها قضية يترتب على نتائجها تحديد وجهة العلاقات الدولية وموقع أميركا فيها مستقبلاً.

لكن المأزق الأميركي يبدو اليوم أكبر مما توقعت أو ظنّت الفئة المسؤولة التي دفعت بالأمور الى هذا الحدّ، مأزق يتمثل بأمرين اثنين:

ـ الأول فشل الحرب الاقتصادية حتى الآن في اقتياد إيران الى طاولة الإذعان لأميركا والاستسلام لمشيئتها، وبالتالي فإنّ صوت جرس الهاتف كما يبدو ويؤكد المسؤولون الإيرانيون، لم ولن يأتي مهما طال انتظار ترامب ومعاونيه، فإيران تملك من العنفوان والكرامة الوطنية والثقة بالحق وبالنفس وبقوّتها ما يمنعها من الاتصال والذهاب الى تفاوض الإذعان.

ـ أما الثاني فيتمثل في خشية أميركا من الدخول في حرب مع إيران لا تحقق النتائج المرجوّة في مهلة معقولة، خاصة أنّ هناك عناصر رئيسية تبرّر هذه الخشية وتلزم أميركا بالحدّ من الاندفاع في الحرب النفسية التي بدأتها وجعلت الأمور عبرها تتحرك على حافة الهاوية، دون أن تكون هناك ضمانات أكيدة لإبقاء الوضع تحت السيطرة ومنع الانزلاق الى الحرب الحقيقة الواسعة.

فأميركا رغم كلّ ما تملك من قدرات عسكرية هائلة، ورغم ما يظنّ أنها قادرة على زجّه في الميدان ضدّ إيران في أيّ حرب تشنّها عليها، أميركا هذه تعلم حقائق مرعبة عن القدرات الإيرانية العسكرية الذاتية والتحالفية، كما أنها تعلم أنّ مسألة حسم الحرب وفرض الاستسلام على إيران أمر ليس سهلاً او مؤكداً، لا بل قد يكون المؤكد غرق أميركا وأتباعها في المنطقة في وحول حرب استنزاف لا تتوقف ولا تنتهي إلا باقتلاع المصالح الغربية من المنطقة.

وإضافة الى ذلك فإنّ أميركا تعلم أنّ احتمال تساقط أتباعها في المنطقة إذا لم تحسم الحرب في مهلة قصيرة، هو احتمال مرجّح حيث سيكون أشبه بتساقط أحجار الدومينو، ثم أنّ أميركا تعلم أنّ صيغة التحالفات الدولية القوية التي استندت اليها في حروبها الأخيرة في الخليج وأفغانستان والى حدّ ما في العراق، انّ هذه الصيغة ليست في متناول يدها بعد أن أبدت أوروبا رفضها للسياسة الأميركية حيال إيران وعدم استعدادها لحرب مع إيران، وانسحبت مصر من الناتو العربي ووهن مَن تبقى معها جاهز للحرب.

لكلّ ما تقدّم، باتت فكرة الحرب كابوساً لأميركا وليس كما يروّج البعض ممن يشتهونها ويقولون بأنها باتت الحلّ الوحيد والسريع الذي ستلجأ إليه أميركا للسيطرة على المنطقة برمّتها.

وعليه… نرى انّ أميركا التي تهدّد وتزبد وترعد هي في الحقيقة تخشى الحرب أكثر من أيّ وقت مضى، لأنها غير واثقة من تحقيق المطلوب فيها، لا بل إنها قد تذهب هيبتها وتوقع فيها خسائر لا تقدّر الآن أحجامها، وتعطل مفاعيل الحرب الاقتصادية التي تشنها على أعدائها دون هوادة خاصة الصين وروسيا ومحور المقاومة حرباً لا يمكن التكهّن بنهايتها نظراً لعجز أميركا عن حسمها مهما امتلكت من قوة لأنها حرب من أجيال مركبة بين الثالث والخامس مروراً بالرابع وهي تعلم أنّ التأخر في حسمها سيفاقم من خسائرها الى الحدّ الذي يجعلنا نقول إنّ حجمها سيكون في حجم أكبر من أيّ حرب سبقت، ثم لا ننسى انّ هذه الحرب اذا وقعت فستكون متزامنة مع مواجهات أخرى تنخرط فيها أميركا مع كلّ من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، مواجهات لم تستطع أميركا أن تحقق في أيّ منها شيئاً مما تطلبه ما يمكن من القول بأنها حتى الآن فاشلة على تلك الجبهات.

ومن جهة أخرى ستجد أميركا أنّ التراجع عن الحرب سيكون فيه خسارة أيضاً خاصة أنه يكشف الثغرات في الوضع الأميركي ما يمكّن الأعداء من استغلال هذه الثغرات والتشدد في مواجهتها مستقبلاً، ما يعني أنّ قرار التراجع عن الحرب هو كقرار مؤلم لا يخلو من خسائر. وهنا يطرح السؤال أيّ السبل ستسلك أميركا؟

لقد أدركت أميركا الآن انّ إخضاع إيران ليس بالأمر السهل وأنه غير ممكن الآن وعلى أيّ من السبيلين حرب اقتصادية او حرب نارية ، وعليها أن لا تراهن او تنتظر سماع أيّ من الصوتين اللذين تنتظر!؟ وأنها ليست في موقع تختار فيه أيّاً من الأرباح تحقق، بل هي في موقع ونقولها بكلّ ثقة، باتت في موقع يفرض عليها اعتماد سياسة تحديد الخسائر وهي السياسة التي يلجأ اليها كلّ من فاته سوق الربح الأكيد ودخل في مرحلة العجز والكساد وتشتّت الحلفاء والأصدقاء عنه، والحرب تفاقم الخسارة طبعاً لذا فإنها في المنطق السليم تعتبر حتى اللحظة مستبعدة رغم قرع طبولها والصخب والقمم والتحشيدات التي تجري من أجلها.

وهكذا نجد أنّ إيران ببراعتها في إدارة المواجهة مع أميركا منذ أن انسحب ترامب من الاتفاق النووي معها، ربحت حتى الآن بما اظهرته من قوة وعنفوان وجنّبت المنطقة والعالم حتى الان حرباً تدميرية كبرى فكان أداؤها مصداقاً للقاعدة الشهيرة «اذا أردت السلام فاستعدّ للحرب»، أما دعاة الضعف والارتهان كما والذين لا زالوا يلهثون وراء حروبهم الفاشلة فإنهم لن يجنوا من الأمر إلا الخسائر المادية والمعنوية وعلى شتى الصعد والأشكال ولن تسعفهم قمم تعقد للتحشيد للحروب فهم وقممهم أعجز من أن يدخلوا حرباً ينتصرون فيها.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

مقالات مشابهة

Advertisements

معاني البدء بتحرير إدلب على وقع طبول الحرب الأميركية

مايو 14, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت الجماعات المسلحة والجهات التي تقودها أو تدعمها، تعمل في محيط إدلب ضدّ الجيش السوري مطمئنة الى نجاحها في جرّه الى حرب استنزاف مرهقة، وإحراجه ميدانياً وسياسياً ومعنوياً ووضعه في وضع لا يستطيع الانطلاق الى عمل ميداني يكسر رتابة المشهد او يغيّر من واقع امتلاك الإرهابيين زمام المبادرة في ظلّ تقيد الجيش السوري بمخرجات استانة ومضمون اتفاق سوتشي وقيود منظومة مناطق خفض التصعيد.

في ظل هذا التصور تطور الاستفزاز الإرهابي للجيش والمدنيين السوريين في ريف حماة الشمالي وريف حلب الجنوبي الغربي الى الحد الذي ألحق بالجيش خسائر مؤثرة وبالمدنيين ضربات مؤلمة ومعطلة للحياة الطبيعية في أكثر من مرة. خسائر كانت تقع على مرأى ومسمع قيادة معسكر العدوان على سورية التي كانت تطرب بكل مكوناتها لما تحدثه عمليات حرب الاستنزاف الإرهابية ضد السوريين مدنيين عسكريين.

تحت وطأة هذا الوضع المرفوض لا بل المستحيل القبول به أصلاً والقبول باستمراره استطراداً كان اجتماع استانة الأخير الذي ووجهت فيه تركيا بالحقيقة التي لا يمكن السكوت عليها ووضعت بين خيارين إما التنفيذ السريع والجدي لكلّ التزاماتها في سوتشي وأستانة، ووضع حدّ لحرب الاستنزاف التي بدأها المسلحون منذ أربعة أشهر تقريباً، او التزام الصمت امام قيام الجيش العربي السوري في معالجة الوضع ورسم خريطة جديدة في الميدان تفتح الطريق أمام إنهاء الوضع الشاذ في ادلب في مرحلة لاحقة لا بد آتية.

وإظهاراً للجدية في مواقف الثنائي الروسي الإيراني المتبني للموقف السوري، ولتأكيد انّ صبر سورية قد نفد وانّ قواتها المسلحة هي على أهبة الاستعداد للعمل في الميدان بصرف النظر عمّن سيواجهها، كان يوم قصف الطيران الطويل المنفذ من قبل سلاح الجو السوري والطائرات الروسية العاملة في سورية واستهدف فيه أكثر من 45 قاعدة نارية للمسلحين كما كانت الرسالة الصاروخية التي وجهتها المدفعية السورية لإحدى النقاط العسكرية التركية في محيط ادلب وأدت الى خسائر بشرية تركية في الموقع.

بهذا العمل المتكامل سياسياً وعسكرياً وميدانياً، فهمت تركيا بان قرار وقف حرب الاستنزاف اتخذ ولا رجعة عنه وأن هناك مرحلة عمل عسكري سوري في المحيط ستبدأ مهما كانت العوائق، وفهمت بأن لا طائل من المكابرة، لذا التزمت الصمت واكتفت بمراقبة حركة قوات الجيش العربي السوري التي انطلقت لتنفيذ عمليات المرحلة الأولى من مراحل تحرير منطقة ادلب، التحرير الذي سيتم وفقاً لعملية مركبة من عناصر ثلاثة ويتم على مراحل متتابعة تفرضها الظروف المعقدة التي تقوم في المنطقة أو التي تحيط بها محلياً وإقليمياً ودولياً.

وبالتالي فإن الصمت التركي لم يكن نتيجة لما يريد أن يروج له المرجفون والمشككون الذين صنعوا من انفسهم ابواقاً للتشكيك بكل ما يتصل بالأداء الوطني للحكومة السورية او التخفيف من قوة قراراتها الاستراتيجية والادعاء بأن سورية اشترت صمت تركيا بالتساهل في مستقبل تل رفعت، بل إن الصمت التركي كان نتيجة الموقف السوري الموسوم بالحزم والقوة مدعوماً بموقف إيران ومحور المقاومة وروسيا. موقف أظهر لتركيا أن عهد المناورات لكسب الوقت وتمرير المشاريع المعادية الخاصة ولى وأن هناك مرحلة جديدة في الميدان والسياسة عليها أن تسلم بها، ففهمت وسلمت وصمتت.

إذن ركبت سورية عمليتها من عناصر ثلاثة كما ذكرنا، بحيث تتكامل جميعها في خدمة الهدف الأساس والكبير المتمثل بتحرير ادلب ومنطقتها واستعادتها الى حضن الوطن والسيادة السورية بأقل كلفة ممكنة، لذا ركبت العملية من عناصر كان أولها ضغطاً متعدد العناوين هدفه إخراج العدد الأكبر من المدنيين من ميدان المعركة لتجنيبهم أهوال الحرب، والثاني عقد مصالحات مع الفصائل المسلحة بعد ممارسة عمليات الترغيب والترهيب بوجهها حتى يستجيبوا لدعوة الحكومة بالخروج من الميدان مقابل ضمان مستقبلهم في الوطن رغم أن شروط المصالحات هنا تبدو أكثر شدة وتعقيداً مما مضى لأنه بعد ادلب لن يكون هناك محل يتوجه إليه رافضو المصالحة، أما العنصر الأخير فهو كما يوصف بانه آخر الدواء الكي أي العمل العسكري الذي شاهد المتابع جزءاً بسيطاً منه مورس فأدى الى تحرير مناطق هامة في المنطقة، حيث دخلت قوى الجيش إلى الحدود الإدارية لإدلب.

ومن جهة أخرى اعتمد لعملية التحرير، ولأسباب إنسانية وعملانية استراتيجية، باعتماد أسلوب المراحل ذات الأهداف المرنة المتدحرجة وهو نهج ألفه الميدان السوري خلال عمليات التحرير السابقة، وجاءت المرحلة الأولى من اجل تحقيق أربعة اهداف رئيسية هي:

كسر خطة الإرهابيين ومشغليهم، الرامية الى إدارة حرب استنزاف يجرّ الجيش الغربي السوري اليها ووضع حد نهائي لهذا الامر.

إجهاض المناورات التركية الرامية للتسويف ومنع تحرير إدلب وكسب الوقت لتنفيذ المشروع التركي في المنطقة المتمثل باقتطاع الأرض والتدخل في مستقبل النظام السياسي السوري.

ضرب معنويات المسلحين وإجهاض آمالهم بطول البقاء في المنطقة مستندين على الوعود بحماية مشغليهم.

تهيئة منطقة العمليات وتسوية خطوط التماس بما يسهل الانطلاق في المرحلة الثانية من العملية والتي ستركز على تحرير مساحات أوسع وتخليص أعداد أكبر من المدنيين المتخذين شبه رهائن لدى المسلحين.

ومستفيدة من التحضيرات الميدانية العسكرية، ومن الإنجازات الاستخبارية الهامة التي حققتها المخابرات في ادلب في صفوف المسلحين، ومن الارباك الغربي والإقليمي والأميركي بشكل خاص في ما يتعلق بالمواجهة مع ايران، وإشاعة فكرة اقتراب الحرب في المنطقة بعد دخول القرارات الأميركية «صفر تصدير نفط إيراني» حيز التنفيذ. ومن نتائج اجتماعات استانة الأخيرة، مستفيدة من كل ذلك نفذت قوى الجيش العربي السوري المنتشرة في محيط المنطقة، المرحلة الأولى من العملية بنجاح باهر وبسرعة اختصرت التوقيت الموضوع لها الى النصف او أقل واقتصدت بالجهود والتضحيات بشكل فاق التوقع.

وعليه يمكن القول إن تنفيذ المرحلة الأولى من عملية تحرير إدلب جاءت بنتائج تخطت ما حدد لها ولهذا تدحرجت أهدافها الى أبعد ما خطط لها أصلاً وسيكون لها من المفاعيل العملانية والاستراتيجية ما يؤثر على مجمل المواجهة في سورية بين معسكري العدوان والدفاع عن سورية، أولاً وينسحب تأثيرها بشكل عام على المواجهة القائمة في الإقليم بين محور المقاومة وقوى العدوان عليه بقيادة اميركا، ولن تجد أميركا مجدياً لها قرع طبول الحرب ضد ايران وحزب الله ولن يكون لها بالتهويل والحرب النفسية ما تحلم به من إذعان وخضوع، فالحرب لن تكون نزهة لأميركا وحلفائها، ومحور المقاومة ماضٍ قدماً في المواجهة المدروسة والواقعية غير الاستفزازية، وواثق من النتائج التي لن تكون إلا في مصلحة شعوب المنطقة التي تطمح الى بناء منطقة لأهلها لا يكون لمستعمر فيها مقر أو نفوذ.

وبالخلاصة نقول إن عمليات ادلب في سقفها المرسوم وأسلوب تنفيذها المخطط وفي ظرفها المدروس تستجمع من المعاني والدلالات ما يمكن إجماله بالقول بان:

ان سورية ومعها محور المقاومة لا تتراجع عن القرارات الاستراتيجية مهما كانت كلفتها.

ان التهويل بالحرب ومناورات الحرب النفسية لن تثني سورية ومحور المقاومة عن أداء المهام الدفاعية مهما كانت الكلفة.

ان من انتصر في مراحل الحرب الدفاعية التي استهدفت سورية ومحور المقاومة خلال العقد المنصرم لن يفرط بانتصاره مهما كانت الظروف.

إذا استوجب الظرف والحال مرونة وليونة في التنفيذ فإن الامر ممكن شرط ان لا يمس بالصلابة والثبات على المبادئ.

مقالات مشابهة

مخاطر مرحلة ما قبل الإعلان عن «صفقة القرن» ومواجهتها

مايو 8, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

كما بات معلوماً تستعدّ أميركا للإعلان عن صفقة القرن الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وتثبيت «إسرائيل» في المنطقة بموقع ريادي قيادي. وهذه تذكّر بما كان طرحه شمعون بيرس منذ 4 عقود ضمن «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الذي قال فيه للعرب «بمالكم وثرواتكم مع فكرنا وقيادتنا ينهض الشرق الأوسط ونسيطر على العالم». واليوم وكما أعلن كوشنر عرّاب ما أسمي صفقة القرن هذه، تحضر أميركا للإعلان عن هذه الخطة الجهنمية في حزيران المقبل بخطوطها العريضة الأساسية وببعض عناوينها التفصيلية.

والجدير ذكره، أنّ هذه الخطة وحتى من غير إعلان مضمونها بشكل رسمي وضعت موضع التنفيذ في بعض جزئياتها، وشرعت أميركا بالقيام بما التزمت به في هذه الخطة حيال «إسرائيل» خاصة لجهة فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلة في فلسطين والجولان وإسقاط حق العودة المنصوص عليه بالقرار 194، لكن الإعلان الرسمي عن الخطة والحصول على قبول الأطراف المعنيين تراه أميركا أمراً لا بد منه لضمان نجاح هذه الصفقة وتنفيذها كما أراد واضعوها.

لقد كان مقرّراً في التخطيط الأميركي أن تطلع القوى المعنية بالتنفيذ على الخطة ويُستحصل على قبولها قبل أن تعلن الخطة رسمياً، لكن ما رشح من مواقف بعض المعنيين من رفض مطلق لهذه الخطة التصفوية جعل أميركا تتراجع وتعتمد سياسة الفرض بالأمر الواقع لبعض عناصر الخطة، والضغط المتعدد الوجوه على الأطراف الرافضة بما يفرض عليها الإذعان، ويحرمها من فرص العرقلة او التعطيل. ومن هذا الباب تطل مخاطر مرحلة ما قبل الإعلان عن صفقة القرن في حزيران المقبل، ويمكن القول إنّ الفترة التي تفصلنا عن تاريخ هذا الإعلان في حزيران المقبل ستكون مرحلة خاصة وقاسية تضغط فيها أميركا على القوى الرافضة لتصفية القضية الفلسطينية وتأتي في طليعتها مكونات محور المقاومة بدءاً بإيران وسورية وصولاً الى حزب الله والفصائل الفلسطينية في غزة، خاصة حماس والجهاد الإسلامي والفصائل الفلسطينية المقاومة في غزة وخارجها، وشاملاً العراق أيضاً.

وبمراقبة السلوك الأميركي معطوفاً على دراسة تحليلية للواقع الخاص بكلّ من تلك الكيانات الرافضة لتصفية القضية الفلسطينية، نتوصّل الى توقع او تحديد مواطن العمل العدواني الأميركي الإسرائيلي ومعه أداء خليجي عربي مساعد لضمان نجاح أميركا و»إسرائيل» في تصفية القضية الفلسطينية، ونرى التالي:

أولاً: في سورية، يسجل إمعان أميركا في تنفيذ استراتيجية إطالة أمد الصراع والتصعيد الميداني في إطار حرب استنزاف بدأتها الجماعات الإرهابية التي ترعاها تركيا بتنسيق مستتر مع أميركا، مترافقاً مع تدابير انفصالية تقوم بها الجماعات الكردية شرقي الفرات وحجب ما كانت أعلنت عنه أميركا من سحب القوات الأميركية في سورية وسحبه من التداول، فضلا عن إعادة تنظيم عمل داعش في المنطقة والانتقال بها من استراتيجية الاحتلال والسيطرة المساحية الى استراتيجية الخلايا والأعمال الإرهابية الموجعة دون أن تكون لها قواعد ثابتة. كل هذا يجري مترافقاً مع ضغط أميركي وتهديد بالتدخل العسكري في حال انطلقت سورية في تنفيذ عملية عسكرية لتحرير ادلب والتفرّغ للمنطقة الشرقية.

ثانياُ: في العراق. تسعى أميركا لإعادة إنتاج وإحياء خلايا داعش دون العودة الى السيطرة المناطقية أو تكوين ما أسمي «دولة إسلامية» بل خلق تهديد أمني فاعل ومتواصل من شأنه إرباك الحكومة والشعب في العراق ودفعهما للتمسك والاستعانة بالقوات الأميركية والاستجابة للإملاءات الأميركية في مجال تركيز القواعد العسكرية خلافاً لاتفاقية الإطار الأمني والضغط لوضع اليد على نفط العراق «تسديداً لنفقات الحرب» العدوان على العراق ومنع العراق من التدخل أو الانخراط في أي شأن إقليمي أو تعاون مع محور المقاومة.

ثالثاً في غزة. التصعيد الميداني المترافق مع تشديد الحصار على القطاع وصولاً إلى ما يمكن تسميته بحالة الاختناق العام، لإجبار القطاع على القبول بما سيُلقى إليه من فتات في خطة تصفية القرن، وإشغاله بشؤونه الذاتية خاصة الحياتية معطوفة على الوضع الأمني المتفجر لمنعه من التصدي لتلك الخطة الإجرامية.

رابعاً في لبنان: تسعير عملية الضغط المالي من باب التهويل بخطورة هذا الوضع، مترافقاً مع إعادة الجدل حول شرعية المقاومة ووجوب نزع سلاحها. ومن هنا تأتي إعادة طرح مسألة مزارع شبعا والتشكيك في لبنانيتها او التهويل بالحرب المدمرة الساحقة كما التهويل بإفلاس لبنان والتخويف من إلغاء ما قدمه مؤتمر سيدر لصالح لبنان من أموال.

خامساً إيران: تصعيد الضغوط عليها وحصارها بشكل خانق في كل المجالات الاقتصادية المؤثرة على معيشة الشعب وأداء الحكومة مترافقاً مع التهديد بالمواجهة العسكرية لإنتاج بيئة إشغال ذاتي تصرف إيران عن همومها الإقليمية خاصة في فلسطين وتجعلها تمرّر صفقة القرن من غير أي تدخل يعطلها.

باختصار يمكن القول إن فترة ما قبل الإعلان عن صفقة القرن ستكون فترة قاسية موسومة بعنوان: «النار والحصار للإشغال والترويع وفرض الإذعان» لتمكين أميركا من تصفية القضية الفلسطينية على طريقتها خدمة لـ«إسرائيل» واستباحة للحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية، حيث إن أميركا تخيّر المنطقة بين أمرين: إما الاستسلام والإذعان لإرادتها في تصفية القضية الفلسطينية وإقامة شرق أوسط مستعمر أميركياً بإدارة إسرائيلية أو الحرب المستمرة والتجويع للتركيع. فهل تنجح الخطة؟

اعتقد أن الردّ على استراتيجية أميركا هذه الرامية لإنتاج بيئة التسليم بمخططها، لم يتأخر وقد جاء من قبل المعنيين كل وفقاً لموقعه وقدراته ومجاله وبشكل ينبئ أن الفشل سيكون حليف أميركا أولاً في تهيئة بيئة إطلاق الصفقة، وثانياً في الصفقة ذاتها. وهنا ننوّه بما صدر عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من مواقف قاطعة تقول إن التهويل بالحرب لن يجدي وإن الحرب التي تهوّلون بها سترتدّ عليكم عاراً ودماراً، أما إيران فقد صاغت منظومتها العسكرية الاقتصادية وعلاقاتها بشكل يُحبط الخطة الأميركية ويسقطها ويعطل كل أهدافها، ومن جهة أخرى كان التنسيق السوري العراقي في الميدان الحدودي من جهة وعمليات الجيش السوري في منطقة إدلب كافيين للقول إن خطة أميركا لن تمرّ ولن تنجح، وأخيراً شكل مشهد النار المرتدّة من غزة وحولها جواباً قاطعاً بأن القطاع لن يخضع وبأن قرار الصمود والمواجهة لا تراجع عنه مطلقاً.

وباختصار نستطيع القول بأن أميركا وأتباعها المعنيين بصفقة القرن سيحاولون بالنار والحصار إنتاج بيئة الخضوع والإذعان لخطة ما يُسمّى «صفقة القرن» بكل وحشية ولا أخلاقية وبأعمال لا شرعية ولا قانونية من أجل تمرير الصفقة وحمل الأطراف على الإذعان لها، لكن محور المقاومة وبكل مكوّناته وكل وفقاً لدائرة عمله عازم على التصدي وإفشال المسعى ومنع تصفية القضية.

إنها مواجهة مركبة قاسية خلال فترة ستكون حامية خلال الشهر المقبل وتتطلّب مزيداً من التحمل في المجال الاقتصادي واستمراراً في الحزم والقوة في الميدان.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

 

مقالات مشابهة

لمَ إنكار لبنانية مزارع شبعا الآن؟

مايو 1, 2019

العميـد د. أمين محمد حطيـط

لا يمكن بعد ما يناهز الـ 20 عاماً ان نعود الى فتح ملف هوية مزارع شبعا ومناقشة مسألة السيادة الوطنية عليها. فالأمر أصلاً حسم منذ العام 2000 وكان موقف الأمين العام للأمم المتحدة قاطعاً في هذا الشأن وعبر عنه في تقريره المؤرخ في 22/5/2000 والمرفوع الى مجلس الأمن. فالموقف كان واضحاً بما ذكره في الفقرة 16 من التقرير وما نصه الحرفي: «و قد قامت حكومة لبنان… بتزويد الأمم المتحدة بشهادات الملكية اللبنانية لأراضٍ زراعية وبوثائق تبين أن المؤسسات الحكومة والدينية اللبنانية مارست سلطت قضائية… على هذه المزارع وقامت حكومة لبنان بإبلاغ الأمم المتحدة بوجود تفاهم مشترك بين لبنان والجمهورية العربية السورية بأنّ هذه المزارع لبنانية وشمل ذلك قرار للجنة لبنانية سورية خلص في العام 1964 الى انّ المنطقة لبنانية… وفي حديث هاتفي معي أي مع كوفي انان جرى في 16 أيار/ مايو 2000 ذكر وزير الخارجية السوري السيد الشرع انّ الجمهورية العربية السورية تؤيد المطالبة اللبنانية».

أما في عملنا مع اللجنة الدولية للتحقق من الاندحار الإسرائيلي عن لبنان في العام 2000 وقد كنت رئيساً للجنة العسكرية اللبنانية التي كلفت بالتحقق فقد سجلت المبادئ والوقائع والمواقف التالية:

تسليم تامّ بأنّ مزارع شبعا لا علاقة لها بفلسطين المحتلة. وهي أرض خارج فلسطين التاريخية وأنّ هذه المزارع هي منطقة على الحدود اللبنانية السورية.

انّ من يحدّد الحدود بين الدول هي الدول ذاتها لأنّ الحدود هي في الأصل عمل اتفاقي توافقي رضائي، الا في حال الانتداب والاستعمار فإنّ «ما يحدّده المنتدب والمستعمر من الحدود فهي الحدود».

إنّ سورية تؤكد وبحزم تأييدها للبنانية مزارع شبعا. وهذا ما أورده الأمين العام للأمم المتحد في النص أعلاه.

اننا في عمل لبنان مع الأمم المتحدة هو التحقق من الانسحاب وليس ترسيم و/أو ابتداع حدود، فالحدود قائمة والمطلوب احترامها.

وكان منطقياً بعد هذا التوافق القانوني والميداني والسياسي أن تبادر الأمم المتحدة للطلب من إسرائيل بإخلاء المزارع، لكن لارسن رئيس البعثة الدولية الذي سلّم بكلّ ما قلنا واعترف بأحقية لبنان بالمزارع وبهويتها اللبنانية فاجأنا بموقف يعاكس المنطق والحق، وقال إنّ المزارع احتلت قبل القرار 425 وأخضعت في العام 1974 بعد اتفاق فضّ الاشتباك بين سورية و»إسرائيل» وإنشاء قوة الأمم المتحدة في الجولان اندوف للصلاحية العملانية لهذه القوات، وبالتالي لا صلاحية لقوات الأمم المتحدة «يونيفيل» بها. فرفض لبنان هذا التبرير وهذا المنطق المعكوس وتحفّظ عليه فهو بعد ان يقرّ بلبنانية المزارع ثم يدعو الى استمرار احتلالها خلافاً للقرار 425 الذي ينص على تحرير كلّ الأرض اللبنانية.

أما في المواقف اللبنانية الداخلية، فقد سجلنا في العام 2000 إجماعاً لبنانياً تأييداً للموقف الرسمي اللبناني المؤكد للبنانية المزارع ولم يعكر صفو هذا الإجماع بحرف واحد، كما ولم يُطرح جدل او نقاش مطلقاً. لكن الأمر تغيّر في العام 2005 بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من انقسام عمودي في لبنان، حيث إنّ فريقاً ممن اطلق عليهم تسمية «قوى 14 آذار» واستجابة لأوامر أميركية معادية للمقاومة، أنكر لبنانية مزارع شبعا لينفي وجود أرض لبنانية محتلة وليسقط ذريعة وجود مقاومة في لبنان وكلّ القصد تجريد حزب الله اللبناني المقاوم من سلاحه كما تطلب «إسرائيل» وأميركا خاصة أنّ قوى 14 آذار تماهت في سياستها مع الموقف الإسرائيلي الأميركي من المقاومة التي حرّرت جنوب لبنان. هذا الانقسام حمل الرئيس نبيه بري الذي كان دعا الى حوار وطني حول المسائل الوطنية الخلافية حمله على وضع موضوع المزارع على جدول أعمال هيئة الحوار.

هنا ونظراً لصلتي الوثيقة بالموضوع، طلب الرئيس بري مني إعداد دراسة وخرائط توضيحية، لعرضها على طاولة الحوار وإظهار حقيقة هوية المزارع هذه، فاستجبت للتمنّي وذهبت الى مجلس النواب حيث اجتماع الهيئة وقدّمت للرئيس بري ما طلب، حيث تولى هو عرضه داخل الهيئة وما هي إلا ساعات حتى خرجت الهيئة بموقف إجماعي تؤكد فيه انّ المزارع لبنانية وتطلب من الحكومة السعي لتحريرها، واعتبرنا أنّ الموقف اللبناني الإجماعي هذا سحب الموضوع من التداول، لأنّ حجة الرافضين للبنانية المزارع دحضت وذرائعهم سقطت ومواقفهم الأميركية انكشفت ولم يعد بيدهم إلا ان يسلموا بالحقيقة وحق لبنان بأرضه، وترتبت على ذلك الأمر سلوكيات بالغة الأهمية في السياسة في لبنان حيث تشكل الإجماع وسحب ملف هوية المزارع من التداول وأقرّ ذكرها في كلّ بيان وزاري صدر بعد العام 2006 باعتبارها أرضاً لبنانية محتلة من قبل العدو الإسرائيلي وأنّ للبنان الحق بممارسة كلّ الوسائل المتاحة لتحريرها عبر ثلاثية القوة اللبنانية «الجيش والشعب والمقاومة».

و فجأة ينبري أحد السياسيين اللبنانيين الذي ظنّ المتابعون بأنه تقاعد وورّث منصبه النيابي لابنه، ينبري هذا السياسي وإثر خلاف حول موقف إداري متصل بتصرف وزير ينتمي إليه، ضدّ وزير ينتمي الى حزب الله، وبعد لقاءات «معمّقة» مع وزير الخارجية الأميركي، وفي حمأة التصعيد الأميركي ضدّ حزب الله وسورية وإيران وفي أجواء التهيئة الأميركية للبيئة المناسبة لإطلاق صفقة تصفية القضية القسطنطينية، المسمّاة «صفقة القرن»، ينبري هذا السياسي ودون سابق إنذار، ويعود الى فتح ملف سبق إغلاقه وختم بالشمع الوطني الأحمر وينكر لبنانية مزارع شبعا في موقف مثير للغرابة أنكره كلّ وطني واستهجنه كلّ متابع ورفضه كلّ شريف. فلماذا هذه الإثارة اليوم بعد صمت وسكون دام 13 عاماً؟

بداية نقول إنّ إنكار لبنانية مزارع شبعا أمر لا علاقة له مطلقاً بالمسائل الحقوقية والسيادية والعقارية، وإنّ موقف هذا السياسي الذي ظنّ انه تقاعد لا يقدّم ولا يؤخر في مسألة الموقف اللبناني الرسمي من القضية، اذ لن يجد لبنانياً وطنياً واحداً يصغي اليه، لكن خطورة الموقف تتمثل في تماهي هذا الإنكار مع ما تخطط له أميركا و»إسرائيل» ضدّ لبنان. ففي بنود صفقة القرن بند ينص على «سيادة إسرائيل على كلّ الأرض التي تحتلها الآن، شاملة الجولان والضفة الغربية. وقد أسقطت أميركا صفة الاحتلال عن الجولان والضفة الغربية وأقرّت بـ «السيادة الإسرائيلية» على الجولان، ومسألة السيادة على الضفة في الطريق لإعلانها ولم تذكر مزارع شبعا، ويأتي هذا السياسي المتقاعد، ليقدم الخدمة المأمورة المأجورة لأميركا و»إسرائيل» ويشرح ويوضح ما امتنعوا عن التعبير عنه لفظاً واعتبار المزارع غير لبنانية وبالتالي إلحاقها بالجولان، ما يعني اعتبارها مشمولة بالموقف الأميركي المذكور أعلاه.

إنّ إنكار لبنانية مزارع شبعا هو عمل فيه خيانة للوطن وتفريط بأرضه وخدمة للعدو، ويرتب على مرتكبه مسؤولية مركبة متعددة الوجوه، ولا يندرج مطلقاً في مجال حرية التعبير والرأي بل يمسّ المصالح الوطنية العليا، ما يعني أنّ الردّ عليه لا يمكن ان يقتصر على السياسة والإعلام، بل إنّ المؤسسات القضائية اللبنانية ذات دور واضح في المعالجة خاصة أنّ هذا الموقف ليس فيه تفريط بحقوق سيادية وحقوق ملكية لبنانية فحسب بل أيضاً هو موقف يهدّد الاستقرار الداخلي ويُسدي الخدمات الجلى لأعداء لبنان فهل يتمّ التحرك على هذا الأساس؟

إنّ دماء شهداء التحرير تنتظر الجواب مع كلّ الوطنيين اللبنانيين…

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

لمَ العودة للتهويل بالحرب… وعلى لسان قادة المقاومة؟

أبريل 23, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

قبل شهرين من الآن خرج مسؤول عسكري «إسرائيلي» رفيع معني مباشرة بالتحقق من أوضاع الجيش وجهوزيته، خرج بتقرير يؤكد فيه أنّ الجيش «الإسرائيلي» غير جاهز للقتال، وأنّ الجبهة الداخلية غير جاهزة لتلقي الضربات في أيّ حرب قادمة، وانّ سلاح المظليين في وضع من الانحدار المعنوي لا يمكنه من القيام بأيّ مهمة مهما كان حجمها خلف خطوط العدو. وقد كان هذا التقرير بمثابة النعي لطموحات بعض السياسيين «الإسرائيليين» أصحاب الرؤوس الحامية الذين يرون أنّ الحرب هي الحلّ لكلّ مآزق «إسرائيل». ومع هذا تلقى الشارع «الإسرائيلي» الخبر وصمت بعد أن تأكد بأنّ الزمن تغيّر وانّ أيام القول بأنّ «إسرائيل تملك الجيش الذي لا يُقهر» باتت من الماضي السحيق الذي لا رجعة إليه أقله في المدى المنظور.

ولكن فجأة… وبعد أقلّ من شهرين على صدور التقرير الآنف الذكر خرج كوخافي رئيس الأركان «الإسرائيلي» الجديد، والذي لم يمض على توليه المسؤولية أربعة أشهر، خرج ليفاخر بقدرات الجيش الإسرائيلي «الفائقة الفاعلية» والهائلة في مفاعيلها التدميرية، توصيف يرمي منه المسؤول العسكري «الإسرائيلي» الى رفع المعنويات في صفوف جنده والحصول على ثقة دولته به وبقدراته من جهة كما يهدف إلى إلقاء الرعب والهلع في صفوف الأعداء الذين إذا صدّقوه سيجدون أنفسهم في دوائر الخطر الذي يصعب ردّه.

وحتى تتكامل فصول الحرب النفسية ضدّ أعداء «إسرائيل»، تنطحت جريدة عربية في الكويت جريدة الراي ولفّقت حديثاً نسبته الى السيد حسن نصرالله زعمت أنه قاله في اجتماع داخلي مغلق، وادّعت بأنّ السيد يرجح الحرب قريباً في الصيف وينتظر ان تكون تدميرية بشدّة، لا بل انّ دمارها سيكون فظيعاً، وستؤدّي الى اغتيال معظم قادة الصف الأول من المقاومة في لبنان.

من البديهي ان لا نصدّق ما ورد في كلام الصحيفة خاصة انّ قيادة المقاومة التي عوّدتنا على الصدق في الموقف والممارسة دائماً نفته جملة وفصيلاً، كما أنه منتفٍ أصلاً قبل نفي المقاومة له، منتفٍ ذاتياً وموضوعياً. فمن الناحية الذاتية المتصلة بالسيد حسن نصرالله المشهود له في قيادة وإدارة الحرب النفسية فإنّ القول لا ينسجم مطلقاً مع سلوك السيد وممارسته، إذ انّ السيد حتى ولو كان يرى ما ذكر أو كان يعتقد به فإنه من المستحيل ان يتلفظ به ويتركه يتسرّب إلى الإعلام وهو يعلم مقدار ما يؤثر على معنويات المقاتلين وجمهور المقاومة والوضع اللبناني المترنّح اقتصادياً، اما موضوعياً فإنّ الموضوع المنشور مناقض كلياً لمواقف المقاومة وتحضيراتها للحرب وهي التي انتقلت من استراتيجية دفاعية مقيّدة الى استراتيجية مفتوحة مركبة من دفاع وهجوم في معرض الدفاع، وباتت تمتلك من القدرات ما يمكنها من خوض حرب مفتوحة لا تستطيع «إسرائيل» مجاراتها فيها. لكلّ ذلك نقول انّ ما نشر ونسب للسيد نصر الله هو نوع من الاختلاق الذي يجعل النشر وجهاً من وجوه الحرب النفسية لضرب معنويات المقاومة… إذن لماذا هذا الفعل الآن؟

من المفيد ان نذكر بأنّ الأطراف العاملة لتصفية القضية الفلسطينية وبقيادة أميركا، تتحضر لإعلان صفقة القرن في حزيران المقبل وهي تعلم في قرارة نفسها انّ هذا المشروع التصفوي لن يمرّ إلا في حالين… إما قبول الجميع به خاصة من يملكون القوة الميدانية، او عبر توجيه ضربة ساحقة لكلّ من يعترض واقتياده الى خانة الاستسلام. ثم انهم يعلمون بأنّ الحرب الفعلية الميدانية هي امر غير مضمون النتائج مع القدرات الهامة التي تملكها المقاومة وتستعدّ لزجّها في الميدان.

كما انّ تلك الأطراف تعاني الآن من الخيبات التي انتهت اليها الحرب الإرهابية التي استهدفت سورية ومحور المقاومة طيلة السنوات الثماني السابقة، وأنها أيضاً تجد المرارة في عدم تحقيق الحرب الاقتصادية على المقاومة ومحورها بكلّ مكوناته عدم تحقيق أهدافها مع إبداء المستهدفين بها إرادة فولاذية بالتحمّل والصبر والتكيّف مع المصاعب.

لكلّ ذلك ومن أجل توفير فرص النجاح لصفقة القرن يرى أصحابها انّ الحرب النفسية التي قد تقود المستهدفين بها الى الانهيار الإدراكي والانحدار المعنوي وتثوير الشعب عل قيادته، انّ هذه الحرب قد تكون بديلاً للحرب الإرهابية وللحرب الاقتصادية في تحقيق الأهداف وصنع البيئة التي تجعل صفقة القرن قابلة للحياة والنجاح.

ولكن نسي هؤلاء انّ 500 مليون دولار أنفقت في السابق على مثل هذه الحرب ضدّ حزب الله وحده لم تعط النتائج المرجوة لا بل لم تمسّ حزب الله في أيّ أثر سلبي فاعل، وانّ المقاومة العقائدية التي ينظمها ويقودها حزب الله، تمتلك من المناعة ما يجعل الاختلاق عاجزاً عن اختراق صفوفها، كما أنّ جمهور المقاومة لديه من الثقة بمن وعده بالنصر دائماً، وبمن وعده بأنّ الحرب المقبلة ستغيّر وجه المنطقة إيجابياً لصالح محور المقاومة، لديه من الثقة به وبقيادته بمستوى لا تصل اليه ولا تفعل فيه التلفيقات، وسينفقون أموالهم على تلفيقاتهم ثم لا يجنون إلا الحسرات.

نقول هذا مع التأكيد بأنّ المقاومة لم تخرج من توقعاتها يوماً احتمال الحرب، لا بل انها انتظرتها دائماً لأنها تعرف انّ العدو المغتصب للحقوق يعتبر الحرب وسيلته للمحافظة على ما اغتصب، لكنها تعرف أيضاً انّ العدو لا يُقدم على حرب ينتحر بها ولا يشنّ حرباً انْ لم يضمن الانتصار ويضمن القدرة على احتواء ردّة الفعل ويطمئن الى قدرته على إنهائها في توقيت هو يحدّده، وكلها أمور غير متحققة الآن، فـ «إسرائيل» قادرة على إطلاق الطلقة الأولى لكنها عاجزة عن التحكم بالميدان وعن تحديد نطاق الحرب ومدّتها، لذلك لا نعتقد أنها ستقدم في القريب على حرب لا تضمن نتائجها.

إذن فالحرب النارية حتى اللحظة تبقى في دائرة الاحتمال المستبعد، مع بقاء حيّز للحظة جنون وسوء تقدير، لكن مع أشخاص مثل ترامب ونتنياهو يشتدّ استبعاد الاحتكام الى النار الميدانية وتكون الحروب غير النارية مثل الحروب الاقتصادية والسياسية والنفسية هي الأكثر استعمالاً كما يحصل الآن، حروب يريد منها أصحابها تمرير صفقة القرن في الأشهر المقبلة… لكنهم كما نتصوّر سيفشلون.

Related Articles

«ثنائية الجيش والدفاع الشعبي» تعمّق مأزق العدوان الأميركي

أبريل 16, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد إيران ولبنان والعراق وسورية، ها هي فنزويلا تخطو خطوة مماثلة وتعتمد نظرية «الدفاع الشعبي» الرديف للجيش الرسمي، حيث أعلن الرئيس مادورو هذا القرار معتبراً «قوات الدفاع الشعبي في البلاد، ستصبح جزءاً من القوات المسلحة الفنزويلية». قرار جاء ليشكل ضربة قاسية لما تخطط له أميركا من غزو لفنزويلا، وتجعل كلّ سلوكيات التهويل والتهديد الأميركي جوفاء لا يكترث بها، فأميركا تعلم جيداً ما معنى أن يكون كلّ الشعب مقاوماً وما معنى أن تواجه القوات المحتلة حركة مقاومة شعبية تنطلق ضدّ الاحتلال ولا تتوقف حتى زواله. وللوقوف على أهمية اعتماد هذه النظرية نعود إلى ما سبق واعتمدته الدول الاستعمارية من سياسة في مجال بناء الجيوش للدول الأخرى. وكيف جاءت هذه النظرية رداً عليها وأفشلتها.

ففي سياق الإمساك بالدول في العالم الثالث اعتمد الغرب عامة وأميركا بشكل خاص سياسة الإمساك بالقدرات العسكرية والتحكم بالجيوش وبسياسة التسلح في تلك الدول. وكان واضحاً أن جيوش دول العالم الثالث تلتزم بالإطار التنظيمي الذي تضعه لها احدى دول الغرب، كما أنها تلتزم بالعقيدة القتالية ومستوى ومصدر التسليح وأنظمة القتال التي توضع لها من قبلها وكان ذلك يبعث الطمأنينة لدى الغرب بأن تلك الجيوش التي لا تملك مصادر تسليحها والتي تخضع مباشرة أو مداورة لإملاءات الخبراء الأجانب، أن تلك الجيوش لن تجازف في القيام بأيّ مهمة عسكرية لا تكون محلّ رضا او قبول او تشجيع دول الغرب، وبهذه الصيغة معطوفة على الصيغة السياسية للحكم تكون دول الغرب حافظت على الإمساك بقرار تلك الدول واطمأنت لانصياعها وعدم الخروج عن سيطرتها.

لكن دولاً في المنطقة خرجت عن السياسة الأميركية وتملّصت من قيودها واستطاعت في حقبة من الزمن أن تحقق إنجازات وطنية هامة كما هو الحال مثلاً في مصر وسورية اللتين استطاعتا تنظيم جيش لكلّ منهما امتلك القدرة على تحقيق انتصارات في الميدان على «إسرائيل» كما حصل في العام 1973، لكن أميركا والغرب كانت تتنبّه للثغرات في سياستها التضييقية وتسارع إلى سدّها بشكل يمكنها من العودة للتحكم بمسار الأمور وتمنع عن مثل هذه الدول التي لا تخضع لقرارها السياسي الوصول إلى مصادر القوة.

أما الشيء الذي لم تستطع دول الغرب إيجاد حلّ له، فهو ما بات يُعرف بنظرية الثنائية العسكرية لقوى الدفاع الوطني في الدول التي تحفظ استقلالها الوطني وتمتنع عن الدخول في دائرة التبعية للقرار الوطني، فكرة عرفتها إيران ونفذتها تحت عنوان الحرس الثوري والجيش الرسمي ومعهم قوات الباسيج. ثم بدأت الفكرة تنتشر في المنطقة، فشهد للبنان المقاومة إلى جانب الجيش وأرسى معادلة القوة القائمة على الجيش والشعب والمقاومة، وشهد العراق الحشد الشعبي إلى جانب الجيش وفي سورية كانت قوات الدفاع الوطني إلى جانب الجيش السوري ثم كانت الضربة الكبرى التي تتلقاها أميركا اليوم هو ما تشهده فنزويلا من الاتجاه إلى تشكيل قوى الدفاع الشعبي التي ينتظم فيها ملايين من الفنزويليين ليرفدوا الجيش في مهام الدفاع عن الوطن ويفشلوا أي مخطط أميركي لغزو فنزويلا وإسقاط حكومتها الشرعية برئاسة مادورو وتنصيب حكومة انقلابية عميلة لأميركا بدلاً منها.

إن الفكر العسكري المقاوم الذي ابتدع فكرة الدفاع الوطني القائم على الثنائية المؤسسية، حول المواجهة مع العدوان والاستعمار الاحتلالي من مواجهة مع الجيش يقود فرد إلى مواجهة مع الشعب لا يمكن أن يصادر قراره حاكم واعتمد للمواجهة أساليب قتال تجعل سلاح الخصم المتطوّر والفتاك، سلاحاً محدود الفعالية في مواجهة خلايا تتقن القتال من الجيل الرابع، أو تشحن نفسها لتتحوّل قنابل بشرية ترعب العدو وتفتك بمراكزه وتحشداته.

لقد وقفت أميركا عاجزة عند المشهد الجديد في دفاعات من لا يرضخ لحكمها وقرارها، ما جعلها تتجه أيضاً إلى اعتماد الثنائية المعاكسة فلجأت إلى استراتيجية القوة الناعمة وابتدعت منظمات إرهابية تواجه بها قوى المقاومة والدفاع الوطني الشعبي من جهة أولى، واعتمدت سياسة التجويع للتركيع عبر اللجوء إلى التدابير الكيديّة والحرب الاقتصاديّة التي أسمتها عقوبات بحق الخارجين عن إرادتها.

وباتت المواجهة بين أميركا وبين الآخرين المتمرّدين على قراراتها وسياستها الاستعمارية تشمل اليوم حرباً إرهابية وحرباً اقتصادية مع تلويح بالحرب العسكرية التي تشنّها الجيوش التقليدية، وقد أثبتت السنوات الماضية من هذا العقد انّ الحرب الإرهابية قادرة على التدمير والتشريد، لكنها غير قادرة على فرض الإرادة الأميركية على الدول المستهدفة إذا توفرت إرادة المقاومة لدى حكامها واعتمدت الثنائية الدفاعية المتمثلة بالجيش وقوى الدفاع الشعبي المتعدّد التسميات حرس ثوري – مقاومة حشد شعبي دفاع وطني الخ… أما العقوبات الاقتصادية فرغم أنها أحدثت بعض الأثر في حياة الشعوب وعرّضت رفاهيتهم لأضرار شتى فإنها ومع وجود الإرادة والصلابة والوطنية تبقى عجزة عن الوصول إلى الأثر الذي تتوخاه أميركا.

ومع هذا المشهد ونتائج المواجهة، ترى أميركا أنّ التهديد والتهويل بالحرب لا يجدي نفعاً مع وضوح الرؤية لدى الأطراف التي يوجه إليها التهديد مع وجود إرادة الدفاع لديها ووجود قوة قتالية متنوّعة مستعدة للمواجهة وقادرة على خوض الدفاع والقتال الدفاعي المتعدّد الأشكال والأجيال، وهذا ما حصل في غربي آسيا ووضع أميركا أمام حالة العجز الميداني الذي ألجأها إلى قرارات استراتيجية علاجية برأيها، كان أولها قرار تجميد الوضع السوري مع اللجوء إلى حرب استنزاف منخفضة السقف، وقرار الانزياح إلى أفريقيا وتفجير الوضع مجدّداً في بعض دولها العربية الجزائر والسودان فضلاً عن ليبيا وقرار تصنيف مؤسسة رسمية إيرانية منظمة إرهابية الحرس الثوري .

لكن أميركا تدرك أنّ الغرض الأساسي من سياستها وهو تركيع دول مركزية في منطقة الشرق الأوسط وفي طليعتها ايران وسورية أمر لن يتمّ بالعقوبات والحرب الاقتصادية ولم تنجح في تحقيقه الحرب الإرهابية، وأنّ الحرب العسكرية أمر ليس مضمون النتائج في ظلّ إرادة وطنية فولاذية لدى الأنظمة الحاكمة واحتضان شعبي لها وخاصة مع وجود تلك الثنائية الفذّة في تنظيم القوى المدافعة القائمة على جيش رسمي وتشكيلات شعبية، لذلك تشدّد أميركا على سياسة العقوبات الاقتصادية التي هي أيضاً باتت محلّ شكوك في إحداث الآثار المطلوبة مع الخشية إلى انقلاب السحر على الساحر فيها والاضطرار في تطبيقها إلى عمل عسكري ما لا يضمن أن يبقى محدوداً، او القبول بارتفاع جنوني لأسعار النفط واكتواء أميركا بناره.

إذن… وخلافاً لما تريد أميركا إشاعته إعلامياً ودبلوماسياً، فإنّ أميركا ليست طليقة اليد في فعل ما تشاء ضدّ الدول التي تستهدفها بقراراتها العدوانية، وليس لأميركا هامش واسع للمناورة فيه ضدّ هذه الدول خاصة مع تلك التي عرفت كيف تنظم دفاعها على الفرعين من التشكيلات وأن تحصّن قرارها بإيلائه إلى حكام وطنيين غير مرتهنين للاستعمار، ولهذا لا يكون مستغرباً أن تشنّ أميركا هذه الحملات العدوانية الشعواء على مثل هؤلاء الحكام وتعمل على تغيير أنظمة الحكم التي يعتمدونها كما وتعمل بكلّ جهدها لحلّ التنظيمات الدفاعية الرديفة للجيوش بعد أن تصنّفها إرهابية وتحشد أوسع الطاقات لمحاربتها والضغط لتصفيتها وأن تمنع عن الجيوش الرسمية أيّ عمل تدريبي او تسليحي يمكّن هذه الجيوش من امتلاك القوة الوطنية المستقلة… ويبقى المستقبل للشعوب التي عرفت كيف تدافع عن حريتها واستقلالها وسيادتها…

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

Related News

حدود المقبول والمرفوض في الصداقات من باب صفقة رفات القتيل «الإسرائيلي»

أبريل 9, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

لم يكن وقع العمل الذي قامت به روسيا وسلّمت بمقتضاه رفات العسكري «الإسرائيلي» القتيل في معركة السلطان يعقوب إلى العدو «الإسرائيلي»، لم يكن وقع هذا العمل سهلاً لدى المعنيين بالشأن من محور المقاومة عامة ومن سورية خاصة، حيث نظروا اليه بسلبية كبرى جعلت البعض في حال الصدمة والذهول والتساؤل عن خلفية ما جرى وكيف انّ روسيا «لم تقم وزناً لمشاعر السوريين ومكونات محور المقاومة»، وجعلت آخرين يطرحون الأسئلة حول الثمن الذي تقاضته روسيا في مقابل فعلتها، أما البعض الآخر فقد تطرّف ليطرح السؤال عن مستقبل العلاقة بين محور المقاومة وروسيا؟

بموضوعية نقول انّ مقاربة هذا الشأن يجب أن تتمّ انطلاقاً من طبيعة العلاقة بين روسيا ومحور المقاومة من جهة و»إسرائيل» من جهة ثانية، ثم يجب ان نفهم هذه الطبيعة انطلاقاً من فهم سابق مفروض يتصل بطبيعة العلاقات الدولية وكيفية إرسائها وممارستها، فروسيا ليست جزءاً من محور المقاومة، وليست عدواً لـ «إسرائيل»، وليست معنية في علاقتها مع الطرفين إلا بالقدر الذي يحفظ لها هذه العلاقة بما يخدم مصالحها الوطنية، فأمر العلاقات بين الدول يختلف عن طبيعتها بين البشر والعلاقات الإنسانية، وعبارة صديق عدوي عدوي لا تستقيم في فهم العلاقات الدولية…

ويكون مخطئاً برأينا من يحاول ان يفسّر العلاقات الدولية على ضوء العلاقات الإنسانية الفردية والشخصية أو حتى الاجتماعية العامة، ويستسهل إسقاط تلك المفاهيم الإنسانية خاصة ما يتصل بقواعد المبادئ والأخلاق وفيه الحب والكره والمثل العليا ومن يحاول إسقاطه على العلاقات بين الدول وعلى سلوكيات الدول وتعاملها في ما بينها، ويكون أمره في منتهى الغرابة والبعد عن الواقعية.

فالحقيقة وطبيعة الأمور هي انّ هناك خلافاً جوهرياً بين المنظومتين: منظومة العلاقات الدولية ومنظومة العلاقات الإنسانية ومردّ ذلك عائد إلى مسألة جوهرية انّ الإنسان يملك نفسه وأحاسيسه ومشاعره وهو حر في كيفية ممارستها وتوجيهها، بينما لا يملك الحاكم أو المسؤول الدولة بل يديرها ويقلب أمورها من أجل أن يحفظها ويؤمّن مصالحها بصرف النظر عن الجهة التي تكون لديها تلك المصلحة.

وفي العلاقات الإنسانية يكون التصرف تصرف المالك بملكه، وفي العلاقات الدولية يكون التصرف تصرف الأمين أو المدير المؤتمن على ما وضع بتصرفه وأنيطت به إدارته أو ائتُمن عليه، وفي الأولى يكون الإنسان حراً في التنازل والقبول أو الرفض وفقاً لما تمليه عليه مشاعره ورغباته الشخصية، بينما لا يملك رجل الدولة والمسؤول في العلاقات الدولية هامش حركة واسع في أعمال مشاعره وأحاسيسه ومبادئ الأخلاق بشكل عام إذا كانت المسألة تمسّ مصلحة وطنية، ولهذا قيل لا عداوة دائمة بين الدول ولا صداقات دائمة بينها بل مصالح دائمة، بينما نجد في العلاقات الإنسانية إمكانية أبدية العداء أو الصداقة بصرف النظر عن المصلحة والخسارة، وانّ أكبر خطر يحدق بالدولة يتجلى في المزج بين المصالح الوطنية والمشاعر الشخصية وهو السلوك المألوف لدى الدول المتخلفة حيث يدمج المسؤول مصالح الدولة الوطنية بمشاعره وأحاسيسه الخاصة ويجعل عدواً للدولة الشخص الذي يحكم الدولة الأخرى الذي هو على عداء معه ثم تنسحب العداوة لتشمل الدولتين، والمثل الأقرب لنا هو ما جرى بين لبنان وسورية منذ العام 2005 وما استتبع هذا من إهدار للمصالح الوطنية اللبنانية لا يزال مستمراً نظراً لتعنّت بعض من هو مسؤول في لبنان ومزجه لمشاعره وأهوائه بالمصالح الوطنية.

أما لدى الدول المتقدّمة فالأمر على خلاف ذلك كلياً، حيث ينظر إلى العلاقة بين الدول من باب جملة المصالح الوطنية التي تؤثر فيها تلك العلاقات سلباً أو إيجاباً فمشاعر الحاكم وعلاقاته الشخصية يجب أن تبقى بعيدة عن المصالح الوطنية، ولهذا أرسيت في العلاقات الدولية نظرية إلزام الخلف بما يعقده السلف من اتفاقات لأنّ الشخص يتغيّر والمصلحة الوطنية تستمرّ، قاعدة فرضتها نظرية أصولية سبقتها تقوم على وجوب الاستقرار في العلاقات الدولية استقراراً يلزم الدولة بكلّ ما التزمت به رغم تغيّر أشخاص الحكام او حتى تغيّر الأنظمة برمّتها او تغيّر الوضع القانوني للدولة كلياً.

بعد هذا التوضيح نطلّ على علاقة روسيا بسورية وكامل محور المقاومة حيث نجد انّ روسيا ليست عضواً من مكونات هذا المحور بل انّ هناك مصالح مشتركة جمعت بين روسيا من جهة وكلّ من سورية وإيران وحزب الله من جهة أخرى، مصالح أمكن تلخيصها يومها بأمور ثلاثة: الأول مواجهة الإرهاب الدولي الذي هدّد الجميع انطلاقاً من سورية هدّدهم في الأمن والمصالح الذاتية حيث رأت روسيا ولا زالت انّ مفتاح الأمن في موسكو قائم في خزائن دمشق، أما الثاني فكان مصلحة مشتركة في المحافظة على وحدة الدول واستقرار أنظمتها ومنع التغيير السياسي بالقوة، والمصلحة الثالثة كانت ولا زالت تتمثل في كسر احتكار أميركا للقيادة العالمية ومنع تشكل النظام العالمي الأحادي القطبية الذي يطيح بالحريات والسيادة والقرار المستقلّ للدول.

هذه المصالح هي التي جعلت محور المقاومة وخاصة سورية تلتمس المساعدة من روسيا لتعزز قدراتها في مواجهة العدوان الذي شنّ عليها بقيادة أميركا وتوسل الإرهاب الدولي وتوخى إسقاط الدولة واستباحة المنطقة لتكون النواة التي يبنى عليها النظام الأحادي القطبية بقيادة أميركية.

وعندما استجابت روسيا للطلب السوري فإنها أيضاً كانت تبتغي تحقيق مصالحها الثلاث تلك ولكن مصالح روسية الوطنية والدولية والاستراتيجية لا تنحصر في ما تقدّم بل هناك مصالح تجمعها مع «إسرائيل» كما هناك مصالح تجمعها مع تركيا، وهما الدولتان المنخرطتان في العدوان على سورية بشكل متعدّد الوجوه والأساليب، وهنا لم يكن وعد من روسيا ولم يكن توقع من سورية ان تقدم روسيا على معاداة «إسرائيل» أو القطيعة معها أو مع تركيا بحجة انّ الدولتين تمارسان العدوان على الدولة التي جاءت لنجدتها، فروسيا مع سورية لتحقيق جزء من مصالحها، وروسيا تحفظ العلاقة مع آخرين ومنهم «إسرائيل» لتحقيق جزء آخر من المصالح، واذا أبقت على العلاقة مع الطرفين فإنّ حجم المصالح المتحققة تكون أكبر بكثير من حجم المصالح التي تؤمّن من باب إحدى الدولتين. لكن المحظور في هذا النطاق هو أن تتحقق المصالح مع طرف ما على حساب الحقوق مادية كانت او معنوية للطرف الآخر، الذي يعتبر عدواً للطرف الأول، وهنا يكون الوجه المعترض عليه.

إذن بمنطق المصالح كماً ونوعاً يجب ان نفهم السلوكيات الدولية، ولا يمكن ان نخيّر الدولة بيننا وبين عدونا خاصة إذا كنا في وضع يلزمنا بالإبقاء على علاقة مع هذه الدولة لتأمين بعض مصالحنا التي لا تؤمّن من طريق آخر. فروسيا توفر الآن لسورية غطاءً دولياً في مجلس الأمن، ودعماً عسكرياً قتالياً ونارياً في الميدان في مواجهة الإرهاب، فضلاً عن كونها أحد مصادر الأسلحة لتسليح الجيش السوري، لا نقول هذا من أجل التخفيف من وقع «الهدية الروسية لإسرائيل»، الهدية التي كنا نتمنى ألا تحصل نظراً لما أحدثته من ألم، ولكن حصولها يجب ان لا يوتر العلاقات مع روسيا ولا يضع علامات استفهام حول العلاقة معها. فروسيا حليف في ملفات لنا وصديق او أكثر لـ «إسرائيل» في ملفات أخرى، وإذا كنا نريد ان نبعد روسيا عن «إسرائيل» فيجب ان نوفر لها في دوائرنا البديل من المصالح، والتي منها سيطرة اليهود الروس على قطاعي المال والإعلام في روسيا وقدرة اللوبي اليهودي في أميركا على التأثير على العلاقة بين روسيا وأميركا، وهي العلاقة التي تحتاجها روسيا من أجل اقتصادها، فضلاً عن انّ روسيا الساعية لاستعادة موقعها كدولة عظمى من الصف الأول تحتاج اليوم لتحقيق هدفها إلى أكبر قدر من التحالفات والصداقات القائمة على مصالح عميقة، فالهدية المشكو منها لا يمكن ان تكون من غير مقابل فالمنطق يقول إنها جزء من صفقة أعلن بعضها وستر الباقي. صفقة يكون مبرّر لروسيا عقدها لتأمين مصالح لها، لكن غير المقبول فيها يتجسّد في كونها تتمّ على حساب مصلحة الحليف، وهنا الوجه المرفوض منها، فلروسيا ان تتصرف كما تشاء دون المسّ بحقوق الآخرين وهنا نتحدث عن حق مركب وليس مجرد إحساس وشعور.

اننا نقول انّ صداقتنا مع روسيا او غيرها من الدول العظمى او أقل من ذلك، لا تعني مصادرة القرار الروسي أو قرار الأخرين، لكن يجب ان يكون التعامل بالمثل ونقول انّ صداقة روسيا او غيرها لنا يجب ان لا تعطي أحداً الحق بتجاوز حقوقنا وقرارنا المستقلّ او كرامتنا الوطنية، فإذا حصل شيء من هذا ووقع تجاوز فتجب ان تكون المعالجة انطلاقاً من أمرين، الأول الحرص على الحقوق والسيادة والثاني الحرص على الصداقة والعلاقة والعمل المشترك لتحقيق المصالح المشتركة التي تجمعنا، وأعتقد انّ ما صدر من إعلان رافق الصفقة او تبعها يفسّر هذا الأمر.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: