سورية واستراتيجية استكمال التحرير والتطهير

يوليو 9, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

في خريف العام الفائت كان المراقبون جميعاً ينتظرون إطلاق عملية تحرير إدلب على يد الجيش السوري وحلفائه ويتوقعون دعماً نارياً روسياً ملائماً لهذه العملية المعقدة والتي يعترضها الكثير من العوائق والصعوبات الناتجة عن ظروف شتى عملانية وسياسية واستراتيجية وحتى ديمغرافية.

لكن روسيا التي وقفت على هذه العقبات وما يرافقها أيضاً من مخاطر التدخل الأميركي والغربي ومع ما تستلزمه من تضحيات وحاجة إلى تحشيد قدر كبير من القوى والطاقات للتنفيذ، روسيا هذه رأت ان تبحث في خيار أخر يؤمّن تحقيق الغاية السورية من جهة، ولا يمسّ بالسعي الروسي إلى تهيئة الظروف المسهّلة لاستعادة دورها الدولي في عداد الصف الأول من القوى الدولية الفاعلة من جهة أخرى.

وقد رمى الخيار الروسي إلى تجنّب التحرير بالعمل العسكري الصاخب والوصول اليه بعملية متدرّجة مركبة تعتمد على تركيا في بعض وجوهها دون إسقاط الدور المركزي للجيش العربي السوري، ولأجل ذلك استبقت روسيا إطلاق عملية تحرير إدلب بعقد اتفاق سوتشي مع تركيا، الاتفاق الذي شاءته بديلاً مرحلياً للعمل العسكري وتوطئة له في نهاية المطاف لكن في ظروف وبيئة مختلفة.

هنا أدركت تركيا حاجة روسيا إليها لتجنّب العمل العسكري، فأبرمت الاتفاق مع نية الانقلاب عليه او إفراغه من مضمونه منذ لحظة توقيعه، ورغم انّ روسيا أدركت هذا الانقلاب والغدر التركي فإنها ولأسباب ذاتية وإقليمية ودولية امتنعت عن مواجهة تركيا وراهنت على إمكانية إعادتها إلى الاتفاق بالقدر المتيسّر لانّ لروسيا مصالح استراتيجية مع تركيا ترى انّ عدم تحقيقها الآن قد يعني استحالة تحقيقها مطلقاً في المستقبل.

فروسيا تدرك انّ فشل تركيا في مشروعها الإقليمي العام المتضمّن سيطرة الإخوان المسلمين بقيادتها على كامل المنطقة، وانّ برودة العلاقة مع الغرب الأوروبي حتى وجفافها انْ لم نقل أكثر، وانّ شبه العزلة الإقليمية التي تعاني منها تركيا نتيجة تشكل العداوات التي تصبغ علاقاتها مع كلّ دول المنطقة إلا القليل منها قطر مثلاً روسيا تدرك ظروف تركيا هذه وتتصوّر أنها اللحظة المناسبة لجذب تركيا اليها وتجميد موقعها في الحلف الأطلسي وتحييدها في الصراع بين الشرق والغرب، أهداف إذا تحققت تكون قد أحدثت انقلاباً استراتيجياً في العلاقات الدولية ومستقبل النظام العالمي برمّته، انقلاب يكون طبعاً لصالح روسيا على حساب أوروبا وأميركا.

لهذه الأسباب رأت روسيا انّ مسايرة تركيا او ممالأتها وغضّ النظر عن تراجعها في تنفيذ الاتفاقات حول إدلب وسواها في سورية هو أمر متسامَح به إذا تمّ النظر اليه من باب المصالح الاستراتيجية الروسية الكبرى التي يحققها هذا التسامح او التساهل، وفي الوقت نفسه رأت تركيا انّ بإمكانها استثمار الحاجة الروسية تلك إلى الحدّ الأقصى من أجل منع عملية تحرير إدلب ومنحها الوقت اللازم لفرض مشروعها الخاص او تحقيق أكبر قدر من المكاسب في سورية، مكاسب تعوّل عليها لحجب أو تخفيف مفاعيل فشلها الاستراتيجي الإقليمي العام الذي لم يبق لها تقريب سوى الميدان التونسي محلاً لتحقيق الربح والميدان الليبي محلاً للمناورة.

في ظلّ هذا الوضع، ومع توجه الإرهابيين في إدلب وبدعم تركي لجرّ الجيش السوري إلى حرب استنزاف في أرياف حماة وحلب وإدلب، لحرفه عن عملية التحرير وإشغاله عن الخطة العدوانية التركية، اتخذت سورية قراراً ترجمت به استقلالية القرار السوري وعملت وفقاً لجدول الأولويات العسكرية السورية مع مراعاتها للإمكانات الميدانية والظروف الإقليمية والدولية، واعتمدت في ذلك استراتيجية مطوّرة تقوم على مقومات أربعة هي:

1 ـ الحركة الدائمة والمتواصلة والمدروسة في الميدان وتجنّب الوقوع في فخ حرب الاستنزاف كما تجنّب إعطاء الذرائع للقوى المعادية ومكوّنات معسكر العدوان بقيادة أميركية، الذرائع التي تستغلّ من أجل العدوان المباشر على قوات وتشكيلات ومراكز الجيش العربي السوري.

2 ـ اقتياد التجمّعات الإرهابية إلى حرب تستنزفها وتضعفها وتشتّت قواها وتدمّر مراكزها النارية والقيادية بما يمنعها عن شنّ عمليات عسكرية واسعة تمكّنها من احتلال أرض وإفساد أمنها.

3 ـ تحرير الأرض بالقضم المتتابع المتدرّج وإنتاج بيئة عملانية ملائمة لإطلاق عملية التحرير الإلزامية النهائية التي لا يمكن إغفالها في مسيرة استعادة إدلب إلى حضن الدولة والوصول إلى الحدود الدولية مع تركيا بعد إجهاض المشروع التركي في سورية.

4 ـ تحييد القدر الأكبر من المدنيين في المنطقة وإتاحة الفرص لهم للانتقال إلى مناطق آمنة وتجنيبهم مخاطر الحرب.

لقد انطلقت سورية في تنفيذ خطتها تلك مع علمها الكامل باهتمامات الآخرين ومصالحهم، ووقوفها على وجهتي النظر القائمتين حول تحرير إدلب… وجهة النظر الداعية إلى الحلول السياسية مع ضغط عسكري ووجهة النظر الرامية إلى العمل العسكري المنتج لحلول سياسية، في مواجهة خطط معسكر العدوان المتمثلة في الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى إطالة أمد الصراع ومنع تحرير إدلب وشرقي الفرات في الوقت الراهن، والخطة التركية الرامية إلى إنشاء مناطق نفوذ في الأرض السورية تحت تسميات متعدّدة تتقاطع كلها عند فكرة السيطرة التركية الميدانية على قطاع من الأرض يمكن تركيا من التأثير في القرار السوري المركزي.

لكن سورية التي عرفت كيف تخوض المواجهة وأخذت بعين النظر ما يشتمل عليه الميدان والإقليم من مؤثرات، واختارت ما يناسبها، حيث أثبتت الوقائع القائمة أنها نجحت في خيارها الاستراتيجي وحققت حتى الآن مكاسب لا بأس بها تستطيع ان تبني عليها خلال الأسابيع المقبلة لتتوسّع في عملية التحرير بالقضم المتتابع، وتفكيك فصائل الإرهاب وإعاقة لا بل منع المشروع التركي من تحقيق أهدافه، ويبدو أنّ هناك محطة مهمة في شهر آب المقبل تتمثل في الاجتماع الثلاثي الروسي الإيراني التركي، اجتماع قد يعوّل عليه من أجل مزيد من كشف الخطط التركية العدوانية وللتأكيد على انّ الوقت شارف على النفاذ ولن يكون بوسع تركيا أن تناور بشكل إضافي.

وعليه نرى وربطاً بين ملفي تحرير ما تبقى في سورية، وإنقاد الاتفاق النووي الإيراني، نرى انّ مطلع أيلول المقبل سيكون تاريخاً للخيارات الاستراتيجية الهامة، فإما تكيّف دولي مع إرادة سورية في التحرير وإيرانية في ممارسة الحقوق الوطنية المتصلة بملفها النووي ورفض الحرب الاقتصادية، أو تصعيد ومواجهة ستكون منطقة إدلب محلاً لها لانطلاق التحرير عسكرياً، مع احتمال احتكاك محدود مسيطر عليه بين إيران ومن يستهدفها يكون الخليج بشكل خاص ميدانه الأكثر احتمالاً وبهذا سيؤكد مجدّداً نجاح الصبر الاستراتيجي الذي مارسته إيران في استراتيجية النقطة نقطة ومارسته سورية باستراتيجية القضم المتتابع.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Advertisements

صفقة القرن: سقوط يتهيّأ وتداعيات تعقبها؟

يونيو 11, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

قد يكون تراءى للبعض خاصة من أولئك الذين يؤمنون ويتصرفون على أساس انّ إرادة اميركا وقرارها قدر لا يُردّ، ان يكون تراءى لهم انّ سعي اميركا لتصفية القرار الفلسطينية عبر ما اسمي «صفقة القرن» بات امراً نهائياً مؤكداً، وانّ مواجهته ستكون عقيمة فاشلة. وقد غاب عن هؤلاء انّ إرادة الشعوب إذا فعلت تبقى هي الأقوى، غاب عنهم انّ مساعي كثيرة لطمس جريمة اغتصاب فلسطين خلال الأعوام السبعين الماضية لم تنجح في تحقيق المُراد، وبقيت القضية الفلسطينية عند الأمتين العربية والإسلامية وأحرار العالم القضية المركزية الأولى التي يتمّ التمسك بها ويرفض تصفيتها مع سعي دائم الى إعادة الحقوق الى أصحابها، ولا يغيّر من هذه الحقيقة خيانة بعض الأنظمة الرسمية لهذه القضية وارتهانها للعدو الإسرائيلي وأميركا.

اليوم ومنذ ان صعد ترامب الى كرسي رئاسة الولايات المتحدة الأميركية ويتصاعد الحديث عن قضية فلسطين وتصفيتها الى ان عبّر عنه بعنوان «صفقة القرن» التي تختصر بإعطاء فلسطين كلها لـ «إسرائيل» واعتبارها وطناً قومياً لليهود، وتوطين الفلسطينيين المهجّرين من أرضهم حيث هم خارجها وبخاصة في سيناء والأردن ولبنان وإقامة نظام إقليمي ذي طبيعة مركبة سياسية أمنية اقتصادية بإدارة «إسرائيلية» وقيادة ورعاية أميركية، عملية تتمّ بتمويل عربي مع بعض الدعم الطفيف من أميركا وأوروبا واليابان.

وفي التنفيذ، تمّ اعتماد سياسة القضم المتدرّج والابتلاع لقمة لقمة، فكانت مواقف أميركا من مسألة القدس وإعلانها عاصمة للكيان الصهيوني ثم مسألة إسقاط صفة المحتلّ عن كلّ أرض تحتلها «إسرائيل» الآن، ثم اعتبار الجولان جزءا من «إسرائيل»، ثم التضييق على وكالة غوث اللاجئين لتصفيتها وإسقاط مصطلح لاجئ فلسطيني من التداول لإسقاط حق العودة، ووصل قطار التنفيذ الآن الى بناء النظام الدولي لتمويل الصفقة، ولأجل هذا كانت الدعوة الى ما اسمي «ورشة البحرين»، من أجل «الازدهار والسلام» أيّ ازدهار «إسرائيل» وسلامها.

هذه المشهدية والتسلسل المتتابع للخطوات التنفيذية أقنعت البعض كما سبق القول، بانّ صفقة القرن في طريقها الواثق للنجاح الأكيد… فهل هذا الظنّ أو الاعتقاد في محله؟ وهل يمكن الركون الى هذه العناصر للقول بنجاح القرار الأميركي بتصفية القضية الفلسطينية، وتنفيذ الخطة المسماة صفقة القرن؟

انّ البحث في المقلب الآخر، وتجميع العناصر وتحليلها، يؤدّي الى نتيجة مغايرة للتسليم المتقدّم ذاك ويقودنا الى القول بأنّ أميركا تعمل للتصفية مع «إسرائيل» ومعها بعض أنظمة العرب الرسمية، لكن هناك كتلة كبرى مقاومة لهذه الصفقة تملك من القدرات والمكانة وتتمتع بمزايا من شأنها ان تعرقل التنفيذ أولاً وان تسقط الصفقة ثانية، وقد بدأت هذه الكتلة الممانعة المقاومة باتخاذ المواقف التي تنبئ بأنّ تهيئة بيئة إسقاط صفقة القرن قائمة على قدم وساق، لا بل انّ الاعتقاد بسقوط الصفقة بات أقوى بكثير من الظنّ بإمكان نجاحها، ويمكن ان يبرّر هذا الاعتقاد بفشل أميركا الأكيد في خطتها الإجرامية بما يلي:

1 ـ إجماع فلسطيني محكم وشامل على رفض التنازل عن الحقوق الوطنية في فلسطين بشتى وجوهها بما في ذلك حق العودة وحق تقرير المصير وحق إقامة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة والناجزة الاستقلال، هذا الرفض يعني بكلّ بساطة: الزواج لن يحصل إذا كان رفض من العريس او من العروس. فالفلسطينيون هم الطرف الأول والأساسي في الصفقة لأنهم هم أصلاً أصحاب الحقوق المنوي تصفيتها وشطبها.

2 ـ رفض دولي وإقليمي للصفقة مع تمسك بما نصّت عليه القرارات والمبادرات السابقة بحلّ الدولتين. اذ رغم كلّ ما يُقال عن سيطرة أميركية على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها فإنّ هناك متغيّرات دولية جعلت مجلس الأمن يتفلت من هذه السيطرة نوعاً ما مع وجود فيتو صيني روسي فاعل بوجه أميركا، وقد رفضت كلّ من روسيا والصين الخروج على الشرعية الدولية في مسألة فلسطين، ما يعني عدم السير بصفقة القرن، والأمر ذاته ظهر في منظمة التعاون الإسلامي التي أكدت على هذه الشرعية ورفضت التنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية ثم كانت أغلبية المواقف الدولية بما في ذلك الأوروبية التي تختصر بعبارة وجوب احترام الشرعية الدولة او قول الآخرين «لا نقبل بما يرفضه الفلسطينيون» عبارة كافية للقول بانّ هناك عقبة دولية كبرى أمام الصفقة.

3 ـ الوهن والضعف المستشري في بنية أطراف الصفقة: من المعروف انّ الصفقة أرسيت على قوائم ثلاث ترامب ونتنياهو ومحمد بن سلمان، وهؤلاء الثلاثة يعانون اليوم من حالة وهن تستشري في أوضاعهم وتمنعهم من التحرك الآمن لتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى بحجم صفقة القرن، حيث نجد ترامب في وضع مهتزّ داخل أميركا مع شحذ وشهر سيف العزل بوجهه إضافة الى انه أصلاً يستعدّ للدخول في السنة الأخيرة لولايته وهي سنة الانتخابات، ونتنياهو تعثر في تشكيل الحكومة ما اضطره للذهاب الى انتخابات مبكرة غير مضمونة النتائج، والأخير ابن سلمان يغرق في وحول اليمن ويخسر المواقع في العسكرية في جيزان وتتعرّض مرافقه النفطية لتهديدات جدية تجعله في وضع يتنافى مع مستلزمات إطلاق صفقة استراتيجية كبرى.

4 ـ عجز معسكر العدوان على سورية من احتواء الخسارة فيها وتحييد سورية عن الهمّ الإقليمي العربي الأساسي. حيث انّ سورية استطاعت بعد عظيم الإنجازات التي تحققت في معركة الدفاع عن نفسها، استطاعت مؤخراً ان تفشل حرب الاستنزاف التي جرت إليها، وان تنطلق وبثبات واضح في معركة تحرير إدلب، المعركة التي تجهض استراتيجية أميركا إطالة امد الصراع وتسرع في استعادة سورية دورها الاستراتيجي العربي والإقليمي في المحافظة على حقوق الأمة عامة والفلسطينيين خاصة، وقد أثبتت التجارب السابقة ان لا حلّ ولا سلام ولا هدوء في المنطقة انْ لم يقترن بتوقيع سوري، وسورية ترفض صفقة القرن علانية ووضوحاً.

5 ـ اشتداد التماسك في محور المقاومة وتنامي قدراته المختلفة بما في ذلك العسكرية والسياسية، وعلى هذا الصعيد يسجل أمران… الأول بنيوي وفيه عودة بعض الفصائل الفلسطينية التي اختارت الطريق الخطأ خارج المحور، والثاني التوسع الجغرافي والعسكري لمحور المقاومة وقدرته على ممارسة الحرب الشاملة الواسعة التي يعجز العدو عن إنهائها، والمعروف المؤكد عليه انّ محور المقاومة وفي ظلّ إجماع فلسطيني على رفض الصفقة سيكون في خدمة هذا الإجماع لمنع تمرير الصفقة.

ـ إحجام مصري أردني عن منح التسهيلات التنفيذية التي تتطلبها الصفقة ومن المعروف انّ على الدولتين أعباء يشترط القيام بها لإنجاز الصفقة، فعلى مصر ان تعطي أرضاً في سيناء وعلى الأردن ان يفتح باب التوطين لمليوني فلسطيني وان يراجع نظامه السياسي ليصبح الأردن بمثابة الوطن البديل. وكلا الأمرين مرفوضان من قبل أصحاب العلاقة كما يبدو.

لكلّ ما تقدّم نكاد نقول انّ المشهد بات محبطاً لأميركا واتباعها، ولا يشجع على القول بانّ نجاح الصفقة أمر مضمون، لا بل العكس تماماً نقول انّ المشهد يكاد يقطع بفشل الصفقة، قول يعززه أيضاً ان وقت صاحب المشروع وأطرافه قد ضاق كثيراً، فترامب يستعدّ في الخريف المقبل لإطلاق سنة الانتخابات الرئاسية مع ما يستلزم انشغاله بها ونتنياهو مضطر لخوض انتخابات مبكرة في أيلول أيضاً ما سيحرمه من بذل الجهد والقدرة على القرار للعمل من أجل الصفقة المترنّحة ولهذا نرى انه من المجدي النظر الى المستقبل وفيه فشل الصفقة المرتقب، وتوقع بعض التداعيات لفشلها خاصة في:

أ ـ الأردن: الذي سيضطر الى إعادة النظر في الكثير من المواقف والسياسيات الخارجية والداخلية وان يكون أقلّ تبعية لدول الخليج التي دعمت الصفقة على حساب الكيان الأردني ومصالحه.

ب ـ لبنان الذي سيؤدّي به فشل الصفقة الى إعادة النظر بخطة التجويع للتركيع ثم المقايضة مع التوطين وقد تكون خطة سيدر وموازنة التقشف المبحوث المطروحتين من ضحايا فشل صفقة القرن.

ج ـ سورية التي سيرتدّ فيها فشل الصفقة على خطة أميركا الرامية الى إطالة الحرب والتمهيد للتقسيم وإذا عطف الأمر على العناوين الأخرى المتقدّمة الذكر أمكن القول بانّ تسارع عمليات إنهاء الازمة السورية سيكون منطقياً.

د ـ فلسطين وهي الأساس، وانّ اهمّ ما سيسجل فها تبريد في العلاقات الداخلية بين الأطراف الفلسطينية مع تعثر ضمّ الضفة وسقوط خطة تهجير فلسطيني 48، ومراجعة لبعض سياسات السلطة تجاه «إسرائيل».

متغيّرات الميدان السوري والسيناريوات المحتملة

يونيو 4, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية أحداثاً هامة في الميدان السوري بشكل عام وفي الشمال الغربي بشكل خاص، ترافقت مع تكثيف للتدخل العدواني «الإسرائيلي» جاء نتيجة المتغيّرات المختلفة التي نتجت، وهي متغيّرات لم يكن معسكر العدوان على سورية ينتظر شيئاً منها.

ونستطيع القول بأنّ ما سجل على الأرض فاجأ العدو بفروعه وصنوفه وأدواته منفذين ومشغلين وقيادة، ما دفعهم الى مراجعة ما وضعوه من خطط وما اعتمدوه من مناورات إشغال وإلهاء واستنزاف اعتمدت خدمة لاستراتيجية أميركا بإطالة أمد الصراع ولتمكين تركيا من السير الحثيث نحو تنفيذ مشروعها الخاص في سورية والذي باتت عناوينه واضحة وتقوم على أمرين أساسيّين: قضم أرض سورية جديدة لإلحاقها بالإسكندرون كما يحصل في عفرين وامتلاك السيطرة والنفوذ على جزء من الأرض والشعب السوري للإمساك بأوراق تمكن تركيا من التأثير في القرار السوري المركزي.

لكن سورية التي وعت جيداً أخطار تلك الخطط والمناورات التركية الأميركية الإرهابية، ردّت على استفزازات الإرهابيين واعتداءاتهم بعملية عسكرية سريعة ومحدودة أدّت الى استعادة كفرنبودة ومنطقتها مع توسع مدروس شرقاً وغرباً ما مكّنها وبمهل قصيرة وكلفة معقولة من تحقيق 3 أهداف رئيسية عملانية واستراتيجية فاجأت بها العدوان وقيادته وأدّت الى:

1 ـ تحرير قطاع واسع من الأرض واقع بين حماة وإدلب ما وضع الجيش السوري على مشارف سهل الغاب ومكّنه من تحضير المسرح والبيئة العملانية للانطلاق مستقبلاً الى تنفيذ عملية تحرير إدلب ومنطقتها كلها.

2 ـ توجيه ضربة قاسمة لخطة الإرهابيين ومشغليهم والمتمثلة بإدارة حرب استنزاف خطط لها من أجل ان ترهق الجيش السوري وتقود الى تآكل قدرته المادية والمعنوية وتشغله عن التركي الذي يتجه الى تنفيذ مشروعه الخاص بشكل متدرّج وآمن.

3 ـ توجيه ضربات موجعة للإرهابيين في قواعدهم ومراكزهم وقواعدهم النارية ما أدّى الى نوع من التضعضع في صفوفهم وخطوطهم الأمامية وتدني في معنوياتهم، حمل البعض منهم على مغادرة الميدان وفتح كوة في الحصار المضروب على المدنيين لمنعهم من الخروج من المنطقة.

هذه النتائج الباهرة دفعت بالتركي الى العودة مجدّداً الى روسيا عارضاً تنفيذ اتفاق سوتشي بعد التيويم والمراجعة التي فرضتها التطورات، تنفيذ يكون مسبوقاً كما يتردّد بنوع من تهدئة وتبريد الميدان، تهدئة وتبريد يروّج التركي لهما علي أساس أنها هدنة بين الدولة السورية والجماعات الإرهابية برعاية تركية روسية مشتركة. كما أنه يسرّب انّ هناك احتمالاً لاستقدام قوات أجنبية إضافية ونشرها في مناطق خفض التصعيد الى جانب القوات التركية بما يوحي بأنّ مسالة تحرير إدلب وإعادتها الى سورية باتت بعيدة جداً.

ويبدو أنّ التركي في ادّعاءاته تلك يريد ان يتجاوز إنجازات الجيش العربي السوري، وان يحتوي مفاعيلها بما يخدم مشروعه وهنا ينبغي الحذر والتنبّه من المحاولة التركية تلك او التفسير التركي للمسعى الروسي، فروسيا وافقت على تفعيل اتفاقات استانة وخاصة منها منظومة خفض التصعيد، ومنحت تركيا فرصة أخرى للتنفيذ، وسكتت سورية على هذا الامر رغم انعدام ثقتها بتركيا كلياً، سكوت أملته رغبة سورية في الوصول الى هدف التحرير دون ان تلزم بحرب وخسائر، لكن تركيا التي اعتادت مجانبة الحقيقة في سلوكها والانقلاب على الاتفاقات أرادت من ترويج فكرة الهدنة ان تلحق الأذى المعنوي والمادي بالحكومة السورية وتضعها على قدم المساواة مع الجماعات الإرهابية وتجعل نفسها حكماً بينهما وهو أمر يجافي الحقيقة ولا يتناسق مطلقاً مع السياسة السورية المعلنة والمنفذة في كلّ الأطر والوجوه.

اما على المقلب الآخر ومع الانتصارات التي تحققت في الشمال الغربي السوري وغيّرت من طبيعة المشهد الميداني كما أشرنا، مع هذه المتغيّرات استأنفت «إسرائيل» تدخلها ونفذت اعتداءات على منطقة دمشق وحمص، وكان واضحاً انّ «إسرائيل» شاءت من اعتداءاتها هذه تحقيق 4 أهداف:

ـ الأول تحقيق حاجة انتخابية شخصية لنتنياهو ليثبت انه الرجل القوي الممسك بالأمور الدفاعية وانه يتابع ما يجري في الشمال لحظة بلحظة ولأجل ذلك ادّعى، وهي من المرات النادرة التي يخرج فيها رئيس حكومة العدو، ويدّعي انه هو شخصياً أعطى الأمر بالغارات.

ـ الثاني إثبات استمرار وجود «إسرائيل» وفعاليتها في الميدان السوري وكسر الصورة التي رسمت بعد تحرير الجنوب السوري والتي مضمونها انّ اليد الإسرائيلية بترت ومنعت من التدخل في الميدان السوري.

ـ الثالث تحويل اهتمام الجيش العربي السوري وإشغاله عن معركة إدلب ودفعه الى تخصيص جزء من قواه لمواجهة العدوان الإسرائيلي في الجنوب.

ـ الرابع رفع معنويات الإرهابيين المتهالكة عبر توجيه رسالة لهم بانّ «إسرائيل» معهم وأنها لن تتخلى عنهم ولن تغادر الميدان وعليهم ان يصمدوا في مواجهة الجيش العربي السوري.

ـ ويمكن أيضاً إضافة هدف خامس هنا أيضاً يتصل برغبة «إسرائيل» في جسّ النبض حول ما إذا كانت منظومة «أس 300» التي نشرت حول دمشق قد فعّلت وعما إذا كان هناك قرار باستعمالها حتى الآن.

وبالمجمل نرى تكاملاً بين الدور التركي الإرهابي في الشمال الغربي ودور العدوان الإسرائيلي انطلاقاً من الجنوب الغربي، والإشراف الأميركي العام على الدورين، تكامل يهدف منه أصحابه الى منع تحرير إدلب وإدارة حرب استنزاف حولها، وتجويف اتفاقات استانة وسوتشي من محتواها، ما يضع الروسي والإيراني في حال إحراج في التعامل مع التركي. فكيف ستتصرف سورية على ضوء هذا المشهد؟

نعتقد بانّ سورية اعتمدت سياسة لتحرير أرضها وأرستها على مبادئ وعناصر ثلاثة أولها مبدأ التحرير الكامل للأرض مبدأ لا رجعة عنه، ثانيها اعتماد المرونة والليونة في المناورة والتنفيذ، وثالثها الحرص ما أمكن على أرواح المدنيين والعسكريين على السواء، ولذلك فسورية لن تفوّت فرصة تخدم سياستها تلك الا وتستغلها، ولأجل ذلك فإنها ستواجه او ستكون أمام احتمال مواجهة السناريوات الثلاثة التالية:

الأول: نجاح التهدئة وتبريد الميدان في الشمال الغربي وإقدام تركيا على تنفيذ ما التزمت في سوتشي واستانة وهنا تكون عودة الى المسار الذي اعتمد في استانة وهو التحرير على المراحل مع الضغط العسكري دون اللجوء الى المواجهة العميقة. وقد تدّعي تركيا انّ الهدنة التي طلبتها كانت في محلها ومكّنتها من تنفيذ موجباتها. هو السناريو الأضعف والأقلّ احتمالاً .

الثاني: فشل ما تسمّيه تركيا هدنة، وعودة الإرهابيين بدعم من مشغليهم في معسكر العدوان الى حرب الاستنزاف والقفز فوق خسائرهم التي نزلت بهم في الشهر الماضي، مع محاولات التوسع في المنطقة، واستفادة التركي من الوضع للتسريع في تنفيذ مشروعه الخاص.

الثالث: مبادرة الجيش العربي السوري على ضوء فشل التهدئة ونكول تركيا وتراجعها عن تعهّداتها، مبادرته الى إطلاق عملية عسكرية على مراحل متتالية من أجل تحرير إدلب وفقاً للسياسة المعتمدة لديها كما ذكرنا أعلاه ومن الأرجح ان تشهد الأسابيع المقبلة تنفيذاً لهذا السيناريو الذي نراه الأرجح والأكثر احتمالاً.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

أميركا في مواجهة إيران: ماذا بعد الفشل الأوّلي؟

مايو 21, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

يكاد العالم يحبس أنفاسه وهو ينتظر أحد صوتين: صوت جرس هاتف ترامب يرنّ ويكون المتصل من المسؤولين الإيرانيين ليسجل ترامب انتصاراً في استراتيجية الضغط التصاعدي المرغِم للخصم على الخضوع والإذعان، أو صوت القذائف الأميركية المتعددة الأنواع والعيارات والأحجام تنهار على إيران لتدمير إرادتها قبل تدمير حجرها وقتل بشرها. فأميركا التي منّت النفس بإرغام إيران على الإذعان نتيجة الحرب الاقتصادية الظالمة والخانقة التي بدأتها ضدّها منذ سنة تقريباً تشعر الآن بالضيق لأنّ إيران استمرّت صامدة متمسكة بحقوقها وكرامتها الوطنية لا يرهبها تهويل أو أكثر منه.

لقد باتت أميركا بحاجة لأحد هذين الصوتين هاتف او مدفع وما سيترتب عليهما من سلوك إيراني يصبّ في مصلحتها في معرض سعيها إلى تهيئة البيئة الاستراتيجية والعملانية والسياسية في المنطقة للإعلان عن تصفية القرن التي تتحضّر أميركا لإطلاقها والإعلان عن مضمونها في النصف الثاني من حزيران/ يونيو المقبل، والتي ترى أميركا أنّ سكوت إيران أو تعطيل معارضتها لها شرط لا بدّ منه لنجاحها. وفضلاً عن ذلك فإنّ أميركا تحمّل إيران ومحور المقاومة مسؤولية مساندة سورية للصمود وهزيمة العدوان الكوني الذي استهدفها، والذي كانت أميركا تعوّل عليه لاستباحة غربي آسيا وشمالي أفريقيا والسيطرة بعد ذلك على العالم كله في إطار نظام أحادي القطبيّة تسعى إليه.

إذن… خضوع إيران واستسلامها للإرادة الأميركية بات مهمّاً للغاية في الحساب الأميركي خاصة بعد أن توصلت أميركا في الحقبة الأخيرة الى حصر أعدائها الأساسيين بثلاثة وتشكلت لديها قناعة نهائية انّ هؤلاء الثلاثة يعتمدون سياسات ومواقف تعطّل عليها سعيها الى قيادة العالم والتحكم بثرواته، وصنفتهم بالترتيب التالي: الصين أولاً ثم روسيا وإيران، وترى أميركا انّ البدء في مواجهة إيران وإخضاعها سيشكل قفزة نوعية لها في مواجهتها لكلّ من روسيا والصين، وترى أنّ سقوط إيران سيُغنيها عن مواجهة روسيا لأنّ هذا الأمر سيمكّنها من إكمال حلقة الحصار على روسيا وعزلها وجعلها واهنة استراتيجياً. من هنا تأتي أهمية حرب أميركا على إيران، الحرب التي تتمنّى أميركا أن تبقى في الإطار الاقتصادي على حدّ ما قال ترامب مؤخراً، وأن تحقق لها ما تريد دون الحاجة الى الحديد والنار.

فالمواجهة الحالية بين أميركا وإيران ليست شأناً عابراً، أو خلافاً نشأ عفواً أو صدفة، بل هو صراع تمتدّ جذوره إلى يوم نجاح الثورة الإسلامية في إيران وتتصاعد أهميته ربطاً بالمتغيّرات الدولية وتصنيف دول العالم بين عدوّ او تابع لأميركا، ونكاد نقول إنّ المواجهة مع إيران باتت في ذهن غلاة الصقور الأميركيين اليوم مسألة استراتيجية عليا لا تعلوها مسألة، وإنها قضية يترتب على نتائجها تحديد وجهة العلاقات الدولية وموقع أميركا فيها مستقبلاً.

لكن المأزق الأميركي يبدو اليوم أكبر مما توقعت أو ظنّت الفئة المسؤولة التي دفعت بالأمور الى هذا الحدّ، مأزق يتمثل بأمرين اثنين:

ـ الأول فشل الحرب الاقتصادية حتى الآن في اقتياد إيران الى طاولة الإذعان لأميركا والاستسلام لمشيئتها، وبالتالي فإنّ صوت جرس الهاتف كما يبدو ويؤكد المسؤولون الإيرانيون، لم ولن يأتي مهما طال انتظار ترامب ومعاونيه، فإيران تملك من العنفوان والكرامة الوطنية والثقة بالحق وبالنفس وبقوّتها ما يمنعها من الاتصال والذهاب الى تفاوض الإذعان.

ـ أما الثاني فيتمثل في خشية أميركا من الدخول في حرب مع إيران لا تحقق النتائج المرجوّة في مهلة معقولة، خاصة أنّ هناك عناصر رئيسية تبرّر هذه الخشية وتلزم أميركا بالحدّ من الاندفاع في الحرب النفسية التي بدأتها وجعلت الأمور عبرها تتحرك على حافة الهاوية، دون أن تكون هناك ضمانات أكيدة لإبقاء الوضع تحت السيطرة ومنع الانزلاق الى الحرب الحقيقة الواسعة.

فأميركا رغم كلّ ما تملك من قدرات عسكرية هائلة، ورغم ما يظنّ أنها قادرة على زجّه في الميدان ضدّ إيران في أيّ حرب تشنّها عليها، أميركا هذه تعلم حقائق مرعبة عن القدرات الإيرانية العسكرية الذاتية والتحالفية، كما أنها تعلم أنّ مسألة حسم الحرب وفرض الاستسلام على إيران أمر ليس سهلاً او مؤكداً، لا بل قد يكون المؤكد غرق أميركا وأتباعها في المنطقة في وحول حرب استنزاف لا تتوقف ولا تنتهي إلا باقتلاع المصالح الغربية من المنطقة.

وإضافة الى ذلك فإنّ أميركا تعلم أنّ احتمال تساقط أتباعها في المنطقة إذا لم تحسم الحرب في مهلة قصيرة، هو احتمال مرجّح حيث سيكون أشبه بتساقط أحجار الدومينو، ثم أنّ أميركا تعلم أنّ صيغة التحالفات الدولية القوية التي استندت اليها في حروبها الأخيرة في الخليج وأفغانستان والى حدّ ما في العراق، انّ هذه الصيغة ليست في متناول يدها بعد أن أبدت أوروبا رفضها للسياسة الأميركية حيال إيران وعدم استعدادها لحرب مع إيران، وانسحبت مصر من الناتو العربي ووهن مَن تبقى معها جاهز للحرب.

لكلّ ما تقدّم، باتت فكرة الحرب كابوساً لأميركا وليس كما يروّج البعض ممن يشتهونها ويقولون بأنها باتت الحلّ الوحيد والسريع الذي ستلجأ إليه أميركا للسيطرة على المنطقة برمّتها.

وعليه… نرى انّ أميركا التي تهدّد وتزبد وترعد هي في الحقيقة تخشى الحرب أكثر من أيّ وقت مضى، لأنها غير واثقة من تحقيق المطلوب فيها، لا بل إنها قد تذهب هيبتها وتوقع فيها خسائر لا تقدّر الآن أحجامها، وتعطل مفاعيل الحرب الاقتصادية التي تشنها على أعدائها دون هوادة خاصة الصين وروسيا ومحور المقاومة حرباً لا يمكن التكهّن بنهايتها نظراً لعجز أميركا عن حسمها مهما امتلكت من قوة لأنها حرب من أجيال مركبة بين الثالث والخامس مروراً بالرابع وهي تعلم أنّ التأخر في حسمها سيفاقم من خسائرها الى الحدّ الذي يجعلنا نقول إنّ حجمها سيكون في حجم أكبر من أيّ حرب سبقت، ثم لا ننسى انّ هذه الحرب اذا وقعت فستكون متزامنة مع مواجهات أخرى تنخرط فيها أميركا مع كلّ من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، مواجهات لم تستطع أميركا أن تحقق في أيّ منها شيئاً مما تطلبه ما يمكن من القول بأنها حتى الآن فاشلة على تلك الجبهات.

ومن جهة أخرى ستجد أميركا أنّ التراجع عن الحرب سيكون فيه خسارة أيضاً خاصة أنه يكشف الثغرات في الوضع الأميركي ما يمكّن الأعداء من استغلال هذه الثغرات والتشدد في مواجهتها مستقبلاً، ما يعني أنّ قرار التراجع عن الحرب هو كقرار مؤلم لا يخلو من خسائر. وهنا يطرح السؤال أيّ السبل ستسلك أميركا؟

لقد أدركت أميركا الآن انّ إخضاع إيران ليس بالأمر السهل وأنه غير ممكن الآن وعلى أيّ من السبيلين حرب اقتصادية او حرب نارية ، وعليها أن لا تراهن او تنتظر سماع أيّ من الصوتين اللذين تنتظر!؟ وأنها ليست في موقع تختار فيه أيّاً من الأرباح تحقق، بل هي في موقع ونقولها بكلّ ثقة، باتت في موقع يفرض عليها اعتماد سياسة تحديد الخسائر وهي السياسة التي يلجأ اليها كلّ من فاته سوق الربح الأكيد ودخل في مرحلة العجز والكساد وتشتّت الحلفاء والأصدقاء عنه، والحرب تفاقم الخسارة طبعاً لذا فإنها في المنطق السليم تعتبر حتى اللحظة مستبعدة رغم قرع طبولها والصخب والقمم والتحشيدات التي تجري من أجلها.

وهكذا نجد أنّ إيران ببراعتها في إدارة المواجهة مع أميركا منذ أن انسحب ترامب من الاتفاق النووي معها، ربحت حتى الآن بما اظهرته من قوة وعنفوان وجنّبت المنطقة والعالم حتى الان حرباً تدميرية كبرى فكان أداؤها مصداقاً للقاعدة الشهيرة «اذا أردت السلام فاستعدّ للحرب»، أما دعاة الضعف والارتهان كما والذين لا زالوا يلهثون وراء حروبهم الفاشلة فإنهم لن يجنوا من الأمر إلا الخسائر المادية والمعنوية وعلى شتى الصعد والأشكال ولن تسعفهم قمم تعقد للتحشيد للحروب فهم وقممهم أعجز من أن يدخلوا حرباً ينتصرون فيها.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

مقالات مشابهة

معاني البدء بتحرير إدلب على وقع طبول الحرب الأميركية

مايو 14, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت الجماعات المسلحة والجهات التي تقودها أو تدعمها، تعمل في محيط إدلب ضدّ الجيش السوري مطمئنة الى نجاحها في جرّه الى حرب استنزاف مرهقة، وإحراجه ميدانياً وسياسياً ومعنوياً ووضعه في وضع لا يستطيع الانطلاق الى عمل ميداني يكسر رتابة المشهد او يغيّر من واقع امتلاك الإرهابيين زمام المبادرة في ظلّ تقيد الجيش السوري بمخرجات استانة ومضمون اتفاق سوتشي وقيود منظومة مناطق خفض التصعيد.

في ظل هذا التصور تطور الاستفزاز الإرهابي للجيش والمدنيين السوريين في ريف حماة الشمالي وريف حلب الجنوبي الغربي الى الحد الذي ألحق بالجيش خسائر مؤثرة وبالمدنيين ضربات مؤلمة ومعطلة للحياة الطبيعية في أكثر من مرة. خسائر كانت تقع على مرأى ومسمع قيادة معسكر العدوان على سورية التي كانت تطرب بكل مكوناتها لما تحدثه عمليات حرب الاستنزاف الإرهابية ضد السوريين مدنيين عسكريين.

تحت وطأة هذا الوضع المرفوض لا بل المستحيل القبول به أصلاً والقبول باستمراره استطراداً كان اجتماع استانة الأخير الذي ووجهت فيه تركيا بالحقيقة التي لا يمكن السكوت عليها ووضعت بين خيارين إما التنفيذ السريع والجدي لكلّ التزاماتها في سوتشي وأستانة، ووضع حدّ لحرب الاستنزاف التي بدأها المسلحون منذ أربعة أشهر تقريباً، او التزام الصمت امام قيام الجيش العربي السوري في معالجة الوضع ورسم خريطة جديدة في الميدان تفتح الطريق أمام إنهاء الوضع الشاذ في ادلب في مرحلة لاحقة لا بد آتية.

وإظهاراً للجدية في مواقف الثنائي الروسي الإيراني المتبني للموقف السوري، ولتأكيد انّ صبر سورية قد نفد وانّ قواتها المسلحة هي على أهبة الاستعداد للعمل في الميدان بصرف النظر عمّن سيواجهها، كان يوم قصف الطيران الطويل المنفذ من قبل سلاح الجو السوري والطائرات الروسية العاملة في سورية واستهدف فيه أكثر من 45 قاعدة نارية للمسلحين كما كانت الرسالة الصاروخية التي وجهتها المدفعية السورية لإحدى النقاط العسكرية التركية في محيط ادلب وأدت الى خسائر بشرية تركية في الموقع.

بهذا العمل المتكامل سياسياً وعسكرياً وميدانياً، فهمت تركيا بان قرار وقف حرب الاستنزاف اتخذ ولا رجعة عنه وأن هناك مرحلة عمل عسكري سوري في المحيط ستبدأ مهما كانت العوائق، وفهمت بأن لا طائل من المكابرة، لذا التزمت الصمت واكتفت بمراقبة حركة قوات الجيش العربي السوري التي انطلقت لتنفيذ عمليات المرحلة الأولى من مراحل تحرير منطقة ادلب، التحرير الذي سيتم وفقاً لعملية مركبة من عناصر ثلاثة ويتم على مراحل متتابعة تفرضها الظروف المعقدة التي تقوم في المنطقة أو التي تحيط بها محلياً وإقليمياً ودولياً.

وبالتالي فإن الصمت التركي لم يكن نتيجة لما يريد أن يروج له المرجفون والمشككون الذين صنعوا من انفسهم ابواقاً للتشكيك بكل ما يتصل بالأداء الوطني للحكومة السورية او التخفيف من قوة قراراتها الاستراتيجية والادعاء بأن سورية اشترت صمت تركيا بالتساهل في مستقبل تل رفعت، بل إن الصمت التركي كان نتيجة الموقف السوري الموسوم بالحزم والقوة مدعوماً بموقف إيران ومحور المقاومة وروسيا. موقف أظهر لتركيا أن عهد المناورات لكسب الوقت وتمرير المشاريع المعادية الخاصة ولى وأن هناك مرحلة جديدة في الميدان والسياسة عليها أن تسلم بها، ففهمت وسلمت وصمتت.

إذن ركبت سورية عمليتها من عناصر ثلاثة كما ذكرنا، بحيث تتكامل جميعها في خدمة الهدف الأساس والكبير المتمثل بتحرير ادلب ومنطقتها واستعادتها الى حضن الوطن والسيادة السورية بأقل كلفة ممكنة، لذا ركبت العملية من عناصر كان أولها ضغطاً متعدد العناوين هدفه إخراج العدد الأكبر من المدنيين من ميدان المعركة لتجنيبهم أهوال الحرب، والثاني عقد مصالحات مع الفصائل المسلحة بعد ممارسة عمليات الترغيب والترهيب بوجهها حتى يستجيبوا لدعوة الحكومة بالخروج من الميدان مقابل ضمان مستقبلهم في الوطن رغم أن شروط المصالحات هنا تبدو أكثر شدة وتعقيداً مما مضى لأنه بعد ادلب لن يكون هناك محل يتوجه إليه رافضو المصالحة، أما العنصر الأخير فهو كما يوصف بانه آخر الدواء الكي أي العمل العسكري الذي شاهد المتابع جزءاً بسيطاً منه مورس فأدى الى تحرير مناطق هامة في المنطقة، حيث دخلت قوى الجيش إلى الحدود الإدارية لإدلب.

ومن جهة أخرى اعتمد لعملية التحرير، ولأسباب إنسانية وعملانية استراتيجية، باعتماد أسلوب المراحل ذات الأهداف المرنة المتدحرجة وهو نهج ألفه الميدان السوري خلال عمليات التحرير السابقة، وجاءت المرحلة الأولى من اجل تحقيق أربعة اهداف رئيسية هي:

كسر خطة الإرهابيين ومشغليهم، الرامية الى إدارة حرب استنزاف يجرّ الجيش الغربي السوري اليها ووضع حد نهائي لهذا الامر.

إجهاض المناورات التركية الرامية للتسويف ومنع تحرير إدلب وكسب الوقت لتنفيذ المشروع التركي في المنطقة المتمثل باقتطاع الأرض والتدخل في مستقبل النظام السياسي السوري.

ضرب معنويات المسلحين وإجهاض آمالهم بطول البقاء في المنطقة مستندين على الوعود بحماية مشغليهم.

تهيئة منطقة العمليات وتسوية خطوط التماس بما يسهل الانطلاق في المرحلة الثانية من العملية والتي ستركز على تحرير مساحات أوسع وتخليص أعداد أكبر من المدنيين المتخذين شبه رهائن لدى المسلحين.

ومستفيدة من التحضيرات الميدانية العسكرية، ومن الإنجازات الاستخبارية الهامة التي حققتها المخابرات في ادلب في صفوف المسلحين، ومن الارباك الغربي والإقليمي والأميركي بشكل خاص في ما يتعلق بالمواجهة مع ايران، وإشاعة فكرة اقتراب الحرب في المنطقة بعد دخول القرارات الأميركية «صفر تصدير نفط إيراني» حيز التنفيذ. ومن نتائج اجتماعات استانة الأخيرة، مستفيدة من كل ذلك نفذت قوى الجيش العربي السوري المنتشرة في محيط المنطقة، المرحلة الأولى من العملية بنجاح باهر وبسرعة اختصرت التوقيت الموضوع لها الى النصف او أقل واقتصدت بالجهود والتضحيات بشكل فاق التوقع.

وعليه يمكن القول إن تنفيذ المرحلة الأولى من عملية تحرير إدلب جاءت بنتائج تخطت ما حدد لها ولهذا تدحرجت أهدافها الى أبعد ما خطط لها أصلاً وسيكون لها من المفاعيل العملانية والاستراتيجية ما يؤثر على مجمل المواجهة في سورية بين معسكري العدوان والدفاع عن سورية، أولاً وينسحب تأثيرها بشكل عام على المواجهة القائمة في الإقليم بين محور المقاومة وقوى العدوان عليه بقيادة اميركا، ولن تجد أميركا مجدياً لها قرع طبول الحرب ضد ايران وحزب الله ولن يكون لها بالتهويل والحرب النفسية ما تحلم به من إذعان وخضوع، فالحرب لن تكون نزهة لأميركا وحلفائها، ومحور المقاومة ماضٍ قدماً في المواجهة المدروسة والواقعية غير الاستفزازية، وواثق من النتائج التي لن تكون إلا في مصلحة شعوب المنطقة التي تطمح الى بناء منطقة لأهلها لا يكون لمستعمر فيها مقر أو نفوذ.

وبالخلاصة نقول إن عمليات ادلب في سقفها المرسوم وأسلوب تنفيذها المخطط وفي ظرفها المدروس تستجمع من المعاني والدلالات ما يمكن إجماله بالقول بان:

ان سورية ومعها محور المقاومة لا تتراجع عن القرارات الاستراتيجية مهما كانت كلفتها.

ان التهويل بالحرب ومناورات الحرب النفسية لن تثني سورية ومحور المقاومة عن أداء المهام الدفاعية مهما كانت الكلفة.

ان من انتصر في مراحل الحرب الدفاعية التي استهدفت سورية ومحور المقاومة خلال العقد المنصرم لن يفرط بانتصاره مهما كانت الظروف.

إذا استوجب الظرف والحال مرونة وليونة في التنفيذ فإن الامر ممكن شرط ان لا يمس بالصلابة والثبات على المبادئ.

مقالات مشابهة

مخاطر مرحلة ما قبل الإعلان عن «صفقة القرن» ومواجهتها

مايو 8, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

كما بات معلوماً تستعدّ أميركا للإعلان عن صفقة القرن الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وتثبيت «إسرائيل» في المنطقة بموقع ريادي قيادي. وهذه تذكّر بما كان طرحه شمعون بيرس منذ 4 عقود ضمن «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الذي قال فيه للعرب «بمالكم وثرواتكم مع فكرنا وقيادتنا ينهض الشرق الأوسط ونسيطر على العالم». واليوم وكما أعلن كوشنر عرّاب ما أسمي صفقة القرن هذه، تحضر أميركا للإعلان عن هذه الخطة الجهنمية في حزيران المقبل بخطوطها العريضة الأساسية وببعض عناوينها التفصيلية.

والجدير ذكره، أنّ هذه الخطة وحتى من غير إعلان مضمونها بشكل رسمي وضعت موضع التنفيذ في بعض جزئياتها، وشرعت أميركا بالقيام بما التزمت به في هذه الخطة حيال «إسرائيل» خاصة لجهة فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلة في فلسطين والجولان وإسقاط حق العودة المنصوص عليه بالقرار 194، لكن الإعلان الرسمي عن الخطة والحصول على قبول الأطراف المعنيين تراه أميركا أمراً لا بد منه لضمان نجاح هذه الصفقة وتنفيذها كما أراد واضعوها.

لقد كان مقرّراً في التخطيط الأميركي أن تطلع القوى المعنية بالتنفيذ على الخطة ويُستحصل على قبولها قبل أن تعلن الخطة رسمياً، لكن ما رشح من مواقف بعض المعنيين من رفض مطلق لهذه الخطة التصفوية جعل أميركا تتراجع وتعتمد سياسة الفرض بالأمر الواقع لبعض عناصر الخطة، والضغط المتعدد الوجوه على الأطراف الرافضة بما يفرض عليها الإذعان، ويحرمها من فرص العرقلة او التعطيل. ومن هذا الباب تطل مخاطر مرحلة ما قبل الإعلان عن صفقة القرن في حزيران المقبل، ويمكن القول إنّ الفترة التي تفصلنا عن تاريخ هذا الإعلان في حزيران المقبل ستكون مرحلة خاصة وقاسية تضغط فيها أميركا على القوى الرافضة لتصفية القضية الفلسطينية وتأتي في طليعتها مكونات محور المقاومة بدءاً بإيران وسورية وصولاً الى حزب الله والفصائل الفلسطينية في غزة، خاصة حماس والجهاد الإسلامي والفصائل الفلسطينية المقاومة في غزة وخارجها، وشاملاً العراق أيضاً.

وبمراقبة السلوك الأميركي معطوفاً على دراسة تحليلية للواقع الخاص بكلّ من تلك الكيانات الرافضة لتصفية القضية الفلسطينية، نتوصّل الى توقع او تحديد مواطن العمل العدواني الأميركي الإسرائيلي ومعه أداء خليجي عربي مساعد لضمان نجاح أميركا و»إسرائيل» في تصفية القضية الفلسطينية، ونرى التالي:

أولاً: في سورية، يسجل إمعان أميركا في تنفيذ استراتيجية إطالة أمد الصراع والتصعيد الميداني في إطار حرب استنزاف بدأتها الجماعات الإرهابية التي ترعاها تركيا بتنسيق مستتر مع أميركا، مترافقاً مع تدابير انفصالية تقوم بها الجماعات الكردية شرقي الفرات وحجب ما كانت أعلنت عنه أميركا من سحب القوات الأميركية في سورية وسحبه من التداول، فضلا عن إعادة تنظيم عمل داعش في المنطقة والانتقال بها من استراتيجية الاحتلال والسيطرة المساحية الى استراتيجية الخلايا والأعمال الإرهابية الموجعة دون أن تكون لها قواعد ثابتة. كل هذا يجري مترافقاً مع ضغط أميركي وتهديد بالتدخل العسكري في حال انطلقت سورية في تنفيذ عملية عسكرية لتحرير ادلب والتفرّغ للمنطقة الشرقية.

ثانياُ: في العراق. تسعى أميركا لإعادة إنتاج وإحياء خلايا داعش دون العودة الى السيطرة المناطقية أو تكوين ما أسمي «دولة إسلامية» بل خلق تهديد أمني فاعل ومتواصل من شأنه إرباك الحكومة والشعب في العراق ودفعهما للتمسك والاستعانة بالقوات الأميركية والاستجابة للإملاءات الأميركية في مجال تركيز القواعد العسكرية خلافاً لاتفاقية الإطار الأمني والضغط لوضع اليد على نفط العراق «تسديداً لنفقات الحرب» العدوان على العراق ومنع العراق من التدخل أو الانخراط في أي شأن إقليمي أو تعاون مع محور المقاومة.

ثالثاً في غزة. التصعيد الميداني المترافق مع تشديد الحصار على القطاع وصولاً إلى ما يمكن تسميته بحالة الاختناق العام، لإجبار القطاع على القبول بما سيُلقى إليه من فتات في خطة تصفية القرن، وإشغاله بشؤونه الذاتية خاصة الحياتية معطوفة على الوضع الأمني المتفجر لمنعه من التصدي لتلك الخطة الإجرامية.

رابعاً في لبنان: تسعير عملية الضغط المالي من باب التهويل بخطورة هذا الوضع، مترافقاً مع إعادة الجدل حول شرعية المقاومة ووجوب نزع سلاحها. ومن هنا تأتي إعادة طرح مسألة مزارع شبعا والتشكيك في لبنانيتها او التهويل بالحرب المدمرة الساحقة كما التهويل بإفلاس لبنان والتخويف من إلغاء ما قدمه مؤتمر سيدر لصالح لبنان من أموال.

خامساً إيران: تصعيد الضغوط عليها وحصارها بشكل خانق في كل المجالات الاقتصادية المؤثرة على معيشة الشعب وأداء الحكومة مترافقاً مع التهديد بالمواجهة العسكرية لإنتاج بيئة إشغال ذاتي تصرف إيران عن همومها الإقليمية خاصة في فلسطين وتجعلها تمرّر صفقة القرن من غير أي تدخل يعطلها.

باختصار يمكن القول إن فترة ما قبل الإعلان عن صفقة القرن ستكون فترة قاسية موسومة بعنوان: «النار والحصار للإشغال والترويع وفرض الإذعان» لتمكين أميركا من تصفية القضية الفلسطينية على طريقتها خدمة لـ«إسرائيل» واستباحة للحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية، حيث إن أميركا تخيّر المنطقة بين أمرين: إما الاستسلام والإذعان لإرادتها في تصفية القضية الفلسطينية وإقامة شرق أوسط مستعمر أميركياً بإدارة إسرائيلية أو الحرب المستمرة والتجويع للتركيع. فهل تنجح الخطة؟

اعتقد أن الردّ على استراتيجية أميركا هذه الرامية لإنتاج بيئة التسليم بمخططها، لم يتأخر وقد جاء من قبل المعنيين كل وفقاً لموقعه وقدراته ومجاله وبشكل ينبئ أن الفشل سيكون حليف أميركا أولاً في تهيئة بيئة إطلاق الصفقة، وثانياً في الصفقة ذاتها. وهنا ننوّه بما صدر عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من مواقف قاطعة تقول إن التهويل بالحرب لن يجدي وإن الحرب التي تهوّلون بها سترتدّ عليكم عاراً ودماراً، أما إيران فقد صاغت منظومتها العسكرية الاقتصادية وعلاقاتها بشكل يُحبط الخطة الأميركية ويسقطها ويعطل كل أهدافها، ومن جهة أخرى كان التنسيق السوري العراقي في الميدان الحدودي من جهة وعمليات الجيش السوري في منطقة إدلب كافيين للقول إن خطة أميركا لن تمرّ ولن تنجح، وأخيراً شكل مشهد النار المرتدّة من غزة وحولها جواباً قاطعاً بأن القطاع لن يخضع وبأن قرار الصمود والمواجهة لا تراجع عنه مطلقاً.

وباختصار نستطيع القول بأن أميركا وأتباعها المعنيين بصفقة القرن سيحاولون بالنار والحصار إنتاج بيئة الخضوع والإذعان لخطة ما يُسمّى «صفقة القرن» بكل وحشية ولا أخلاقية وبأعمال لا شرعية ولا قانونية من أجل تمرير الصفقة وحمل الأطراف على الإذعان لها، لكن محور المقاومة وبكل مكوّناته وكل وفقاً لدائرة عمله عازم على التصدي وإفشال المسعى ومنع تصفية القضية.

إنها مواجهة مركبة قاسية خلال فترة ستكون حامية خلال الشهر المقبل وتتطلّب مزيداً من التحمل في المجال الاقتصادي واستمراراً في الحزم والقوة في الميدان.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

 

مقالات مشابهة

لمَ إنكار لبنانية مزارع شبعا الآن؟

مايو 1, 2019

العميـد د. أمين محمد حطيـط

لا يمكن بعد ما يناهز الـ 20 عاماً ان نعود الى فتح ملف هوية مزارع شبعا ومناقشة مسألة السيادة الوطنية عليها. فالأمر أصلاً حسم منذ العام 2000 وكان موقف الأمين العام للأمم المتحدة قاطعاً في هذا الشأن وعبر عنه في تقريره المؤرخ في 22/5/2000 والمرفوع الى مجلس الأمن. فالموقف كان واضحاً بما ذكره في الفقرة 16 من التقرير وما نصه الحرفي: «و قد قامت حكومة لبنان… بتزويد الأمم المتحدة بشهادات الملكية اللبنانية لأراضٍ زراعية وبوثائق تبين أن المؤسسات الحكومة والدينية اللبنانية مارست سلطت قضائية… على هذه المزارع وقامت حكومة لبنان بإبلاغ الأمم المتحدة بوجود تفاهم مشترك بين لبنان والجمهورية العربية السورية بأنّ هذه المزارع لبنانية وشمل ذلك قرار للجنة لبنانية سورية خلص في العام 1964 الى انّ المنطقة لبنانية… وفي حديث هاتفي معي أي مع كوفي انان جرى في 16 أيار/ مايو 2000 ذكر وزير الخارجية السوري السيد الشرع انّ الجمهورية العربية السورية تؤيد المطالبة اللبنانية».

أما في عملنا مع اللجنة الدولية للتحقق من الاندحار الإسرائيلي عن لبنان في العام 2000 وقد كنت رئيساً للجنة العسكرية اللبنانية التي كلفت بالتحقق فقد سجلت المبادئ والوقائع والمواقف التالية:

تسليم تامّ بأنّ مزارع شبعا لا علاقة لها بفلسطين المحتلة. وهي أرض خارج فلسطين التاريخية وأنّ هذه المزارع هي منطقة على الحدود اللبنانية السورية.

انّ من يحدّد الحدود بين الدول هي الدول ذاتها لأنّ الحدود هي في الأصل عمل اتفاقي توافقي رضائي، الا في حال الانتداب والاستعمار فإنّ «ما يحدّده المنتدب والمستعمر من الحدود فهي الحدود».

إنّ سورية تؤكد وبحزم تأييدها للبنانية مزارع شبعا. وهذا ما أورده الأمين العام للأمم المتحد في النص أعلاه.

اننا في عمل لبنان مع الأمم المتحدة هو التحقق من الانسحاب وليس ترسيم و/أو ابتداع حدود، فالحدود قائمة والمطلوب احترامها.

وكان منطقياً بعد هذا التوافق القانوني والميداني والسياسي أن تبادر الأمم المتحدة للطلب من إسرائيل بإخلاء المزارع، لكن لارسن رئيس البعثة الدولية الذي سلّم بكلّ ما قلنا واعترف بأحقية لبنان بالمزارع وبهويتها اللبنانية فاجأنا بموقف يعاكس المنطق والحق، وقال إنّ المزارع احتلت قبل القرار 425 وأخضعت في العام 1974 بعد اتفاق فضّ الاشتباك بين سورية و»إسرائيل» وإنشاء قوة الأمم المتحدة في الجولان اندوف للصلاحية العملانية لهذه القوات، وبالتالي لا صلاحية لقوات الأمم المتحدة «يونيفيل» بها. فرفض لبنان هذا التبرير وهذا المنطق المعكوس وتحفّظ عليه فهو بعد ان يقرّ بلبنانية المزارع ثم يدعو الى استمرار احتلالها خلافاً للقرار 425 الذي ينص على تحرير كلّ الأرض اللبنانية.

أما في المواقف اللبنانية الداخلية، فقد سجلنا في العام 2000 إجماعاً لبنانياً تأييداً للموقف الرسمي اللبناني المؤكد للبنانية المزارع ولم يعكر صفو هذا الإجماع بحرف واحد، كما ولم يُطرح جدل او نقاش مطلقاً. لكن الأمر تغيّر في العام 2005 بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري وما تبعه من انقسام عمودي في لبنان، حيث إنّ فريقاً ممن اطلق عليهم تسمية «قوى 14 آذار» واستجابة لأوامر أميركية معادية للمقاومة، أنكر لبنانية مزارع شبعا لينفي وجود أرض لبنانية محتلة وليسقط ذريعة وجود مقاومة في لبنان وكلّ القصد تجريد حزب الله اللبناني المقاوم من سلاحه كما تطلب «إسرائيل» وأميركا خاصة أنّ قوى 14 آذار تماهت في سياستها مع الموقف الإسرائيلي الأميركي من المقاومة التي حرّرت جنوب لبنان. هذا الانقسام حمل الرئيس نبيه بري الذي كان دعا الى حوار وطني حول المسائل الوطنية الخلافية حمله على وضع موضوع المزارع على جدول أعمال هيئة الحوار.

هنا ونظراً لصلتي الوثيقة بالموضوع، طلب الرئيس بري مني إعداد دراسة وخرائط توضيحية، لعرضها على طاولة الحوار وإظهار حقيقة هوية المزارع هذه، فاستجبت للتمنّي وذهبت الى مجلس النواب حيث اجتماع الهيئة وقدّمت للرئيس بري ما طلب، حيث تولى هو عرضه داخل الهيئة وما هي إلا ساعات حتى خرجت الهيئة بموقف إجماعي تؤكد فيه انّ المزارع لبنانية وتطلب من الحكومة السعي لتحريرها، واعتبرنا أنّ الموقف اللبناني الإجماعي هذا سحب الموضوع من التداول، لأنّ حجة الرافضين للبنانية المزارع دحضت وذرائعهم سقطت ومواقفهم الأميركية انكشفت ولم يعد بيدهم إلا ان يسلموا بالحقيقة وحق لبنان بأرضه، وترتبت على ذلك الأمر سلوكيات بالغة الأهمية في السياسة في لبنان حيث تشكل الإجماع وسحب ملف هوية المزارع من التداول وأقرّ ذكرها في كلّ بيان وزاري صدر بعد العام 2006 باعتبارها أرضاً لبنانية محتلة من قبل العدو الإسرائيلي وأنّ للبنان الحق بممارسة كلّ الوسائل المتاحة لتحريرها عبر ثلاثية القوة اللبنانية «الجيش والشعب والمقاومة».

و فجأة ينبري أحد السياسيين اللبنانيين الذي ظنّ المتابعون بأنه تقاعد وورّث منصبه النيابي لابنه، ينبري هذا السياسي وإثر خلاف حول موقف إداري متصل بتصرف وزير ينتمي إليه، ضدّ وزير ينتمي الى حزب الله، وبعد لقاءات «معمّقة» مع وزير الخارجية الأميركي، وفي حمأة التصعيد الأميركي ضدّ حزب الله وسورية وإيران وفي أجواء التهيئة الأميركية للبيئة المناسبة لإطلاق صفقة تصفية القضية القسطنطينية، المسمّاة «صفقة القرن»، ينبري هذا السياسي ودون سابق إنذار، ويعود الى فتح ملف سبق إغلاقه وختم بالشمع الوطني الأحمر وينكر لبنانية مزارع شبعا في موقف مثير للغرابة أنكره كلّ وطني واستهجنه كلّ متابع ورفضه كلّ شريف. فلماذا هذه الإثارة اليوم بعد صمت وسكون دام 13 عاماً؟

بداية نقول إنّ إنكار لبنانية مزارع شبعا أمر لا علاقة له مطلقاً بالمسائل الحقوقية والسيادية والعقارية، وإنّ موقف هذا السياسي الذي ظنّ انه تقاعد لا يقدّم ولا يؤخر في مسألة الموقف اللبناني الرسمي من القضية، اذ لن يجد لبنانياً وطنياً واحداً يصغي اليه، لكن خطورة الموقف تتمثل في تماهي هذا الإنكار مع ما تخطط له أميركا و»إسرائيل» ضدّ لبنان. ففي بنود صفقة القرن بند ينص على «سيادة إسرائيل على كلّ الأرض التي تحتلها الآن، شاملة الجولان والضفة الغربية. وقد أسقطت أميركا صفة الاحتلال عن الجولان والضفة الغربية وأقرّت بـ «السيادة الإسرائيلية» على الجولان، ومسألة السيادة على الضفة في الطريق لإعلانها ولم تذكر مزارع شبعا، ويأتي هذا السياسي المتقاعد، ليقدم الخدمة المأمورة المأجورة لأميركا و»إسرائيل» ويشرح ويوضح ما امتنعوا عن التعبير عنه لفظاً واعتبار المزارع غير لبنانية وبالتالي إلحاقها بالجولان، ما يعني اعتبارها مشمولة بالموقف الأميركي المذكور أعلاه.

إنّ إنكار لبنانية مزارع شبعا هو عمل فيه خيانة للوطن وتفريط بأرضه وخدمة للعدو، ويرتب على مرتكبه مسؤولية مركبة متعددة الوجوه، ولا يندرج مطلقاً في مجال حرية التعبير والرأي بل يمسّ المصالح الوطنية العليا، ما يعني أنّ الردّ عليه لا يمكن ان يقتصر على السياسة والإعلام، بل إنّ المؤسسات القضائية اللبنانية ذات دور واضح في المعالجة خاصة أنّ هذا الموقف ليس فيه تفريط بحقوق سيادية وحقوق ملكية لبنانية فحسب بل أيضاً هو موقف يهدّد الاستقرار الداخلي ويُسدي الخدمات الجلى لأعداء لبنان فهل يتمّ التحرك على هذا الأساس؟

إنّ دماء شهداء التحرير تنتظر الجواب مع كلّ الوطنيين اللبنانيين…

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

%d bloggers like this: