ما جدوى حديث الغرب عن الحلّ السياسي في سورية؟

أبريل 24, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

ظنّ من ارتكب العدوان الثلاثي على سورية أنه سيرهبها وحلفاءها في محور المقاومة وروسيا، وأنه بالتهويل السابق للعدوان وبـ «الصواريخ الذكية واللطيفة والحديثة» على حدّ زعم ترامب، قادر على انتزاع ما عجز عن تحقيقه طيلة سنوات سبع من عمر العدوان على سورية.

بيد أنّ نتائج العدوان المبتدأ بتلفيق كيماوي والمنفذ بضربة صاروخية إجرامية وما بينهما من حرب نفسية، جاءت عكسية تماماً، لأنها بعد إخفاقها في تحقيق أيّ هدف في الميدان، عقدت الأمر سياسياً وجعلت قوى العدوان في موقع الطرف المنعدم الثقة به كلياً والمرفوض في المشاركة بأيّ عمل سياسي يتصل بالبحث عن حلّ في الأزمة وحملت أو أتاحت لسورية وحلفائها الانتقال الى استراتيجية تطهير وتحرير شاملة تنفذ وفقاً لجدول أولويات يوضع في رأسه الفضاء الأمني اللصيق بدمشق وبشعاع يصل إلى 50 كلم على الأقلّ ويليه الفضاء الأمني الأوسط الذي يتركّز بشكل خاص على ريفي حمص وحماة، وسواه من المناطق الوسطى في البادية وانتهاء بالفضاء الاستراتيجي الحدودي على اتجاهاته الأربعة شاملاً الاحتلالات الأجنبية من أميركية وتركية وإسرائيلية وأيّ وجود أجنبي وإرهابي معلن أو مضمر.

ونستطيع القول الآن وبعد الإنجاز الاستراتيجي الهامّ الذي حققته سورية في الغوطة الشرقية أنّ المشهد السوري تغيّر جذرياً وأنّ عملية التطهير والتحرير التامّ الناجز ستنطلق من محيط دمشق لتصلَ إلى الحدود من دون أن توقفها أو تعيقها صعوبة، وتعتمد مبدأ الحسم الميداني بأيّ شكل من الأشكال سواء تطلّب الأمر قتالاً وعملاً عسكرياً عالي الشدة، أو اكتُفي فيه بالعمل التفاوضي التصالحي المستند إلى منظومة العفو والمصالحة التي أرست أسسها واعتمدتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس الأسد منذ بدء الأزمة أملاً منها باستعادة من ضلّ عن الجادة لإنقاذه من موقع كارثي أدخل نفسه فيه.

وعلى هذا الأساس بات لكلّ منطقة أسلوب تحريرها المناسب بقتال أو من غير قتال، وفقاً لما يختار المسلحون فيها، وهذا ما يسجّل اليوم وفي الآن معاً في كلّ من الحجر الأسود والقلمون الشرقي. ففي حين أنّ صراع الإرهابيين في ما بينهم عطل الاتفاق والمصالحة في المكان الأول، كان الإذعان من قبل مسلحي القلمون الشرقي طريقاً للتحرير من غير قتال وإجلاء مَن رفض البقاء في بيته والانخراط بمقتضيات المصالحة بإجلائه الى موقع تكديس الإرهابيين بانتظار موعد هم ملاقوه في مواجهة الجيش العربي السوري قريباً، هذا إذا استمروا هناك حتى وصوله.

أما في العملية السياسية فإنّ شأنها اليوم اختلف عما كان قائماً جذرياً أيضاً، فإذا انطلقنا من فكرة أنّ الحلّ السياسي سيكون نتيجة حوار بين السوريين، فإنّ هناك فئة من السوريين الذين خرجوا على وطنهم ويُراد لهم ان يكونوا جزءاً من الحلّ رغم استمرارهم أداة بيد معسكر العدوان على سورية. وهنا التعقيد في الأمر، لأنّ هذا المعسكر بمستوياته المقرّرة فقد أوراق الضغط الأساسية التي كان يعوّل عليها لتمكّنه من فرض شروط وحصد مكتسبات شاءها منذ أن أطلق عدوانه. ولهذا سيحاول هذا المعسكر استعمال الأوراق الباقية على وهنها في وظيفة تفوق قدرتها على الإنتاج. وهو في موضع المرفوض أصلاً. وهنا ترسم صورة فيها أنّ معسكر العدوان لديه أوراق لا تناسب طموحه، ومعسكر الدفاع يتمسّك بحقوق لا يتنازل عنها أو يسلّم بشيء منها الى المعتدي.

ويزيد المسألة تعقيداً أنّ أوراق معسكر العدوان في طريقها للتعطيل او للإلغاء مع تقدّم العمل السوري في الميدان، رغم المحاولات المستميتة التي يبذلها المعتدون للاحتفاظ بها بيدهم او نقلها إلى يد أخرى برعايتهم، وهنا نطلّ على ما لدى المعتدي من أوراق فنتوقف عند التالي:

1 ـ ورقة النازحين واللاجئين السوريين الى الخارج، إن استمرار هؤلاء في أماكن لجوئهم خارج سورية يجسّد شاهداً على استمرار الأزمة، ويشكّل برأي المعتدي ضغطاً على الحكومة السورية، ولذلك يعملون كلّ ما يستطيعون لمنع حلّ مشكلة النازحين أو تسهيل عودتهم الى منازلهم، رغم ما توفّره الحكومة السورية من تسهيلات على شتّى الصعد. كلّ مَن يعرقل عودة نازح إنما يخدم أعداء سورية إن لم يكن أصلاً خصماً أو عدواً لسورية وللشعب السوري أياً كان وأياً كانت خلفيته .

2 ـ ورقة الضغط الاقتصادي وما يسمّونه عقوبات على النظام السوري. صحيح أن هذه الورقة تؤلم. وتضرّر منها الشعب السوري كثيراً، لكن سورية تكيّفت مع الوضع وها هو سعر صرف الليرة السورية شاهد بتحسّنه على ذلك.

3 ـ ورقة ما تبقى من مجموعات إرهابية في ادلب وخارجها. تبذل أميركا ومعها أتباعها الإقليميون الدوليون ما في وسعها لمنع الجيش العربي السوري من متابعة تصفية الإرهاب، في ما تبقى من أرض سورية يقيم عليها وهي لا تتجاوز الـ 15 في المئة من المساحة السورية التي كان يسيطر عليها، لكن القرار السوري الحاسم كما قدمنا واضح في متابعة الحرب على الإرهاب وليس مثل الغوطة الشرقية ببعيد.

4 ـ ورقة الاحتلال خاصة الاحتلال الأميركي والتركي واليد الإسرائيلية في منطقة الجنوب الغربي، احتلالات قائمة مع التلويح بمشاريع تقسيمية بأشكال متعددة تبدأ بالقول بالحكم الذاتي وتمرّ بالفيدرالية وصولا الى الانفصال الناجز. وفي المقابل بات لدى سورية من القوة والقدرات ما يجعل كل هذه المشاريع ساقطة على أصلها غير قابلة للولادة على قيد الحياة.

هذه الأوراق التي يتمسك بها العدوان من أجل الضغط على سورية وإجبارها على القبول ببيان جنيف الأول بيان 2012 الانتدابي الاستعماري ، تحت طائلة منع تسهيل الحل على أساس أي وثيقة أخرى بما فيها القرار 2254 . هذا البيان الانتدابي الذي احتشدوا في السويد لإحيائه بالأمس ويهمون للاجتماع في بروكسل غداً لإعطائه شحنة تحرّكه، هو بيان عفا عليه الزمن وبات المعتدون أمام خيارين الآن: إما القبول ببيان سوتشي الاستقلالي والعمل بموجبه بصرف النظر عن المكان الذي يستأنف فيه التفاوض، والانتظار حتى تتآكل الأوراق التي بيدهم الواحدة تلو الأخرى وعندها لن يكون الأمر بحاجة الى بيانات ومواقف ويكون الوضع مستجيباً لبيت الشعر العربي «السيف أصدق إنباء من الكتب»، وعلى العاقل أن يفهم أن مسار الأزمة السورية بعد تحرير الغوطة اختلف جذرياً عما قبله وعليه أن يأخذ بهذا على أقصى محمل الجدّ.

ومع هذا القرار السوري التحريري الموضوع موضع التنفيذ الجدّي والصارم والمدعوم من قبل حلفاء أقوياء صادقين لن يكون قلق أو خشية أو خوف من كلّ ما يروّج العدو والخصم من قول بفصل درعا أو إحلال قوات عربية مكان قوات أميركية تهمّ بالرحيل قبل أن تنفجر المقاومة بوجهها، أو استعداد تركي للتوسّع الاحتلالي نحو تل رفعت أو إدلب أو سعي غربي للمحافظة على داعش في شرق سورية. فكلّ هذه الأهداف أدرجت في لائحة الأولويات السورية للعمل العسكري الذي لا يخرج في بعض المناطق عن ضرورة الأخذ بعنصر المفاجأة.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

مقالات مشابهة

Advertisements

ماذا بعد هزيمة العدوان الثلاثيّ الصاروخي الفاشل؟

أبريل 17, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

وضعاً للأمور في نصابها نقول إن قرار العدوان الثلاثي على سورية اتخذ في الأيام الأولى لنجاح الجيش العربي السوري في اختراق الغوطة وشقها الى جزءين ثم ثلاثة، في مشهد يؤكد أن منظومة الدفاع الإرهابي في المنطقة قد سقطت وأن المواقع الحصينة المحضّرة بإتقان فوق الأرض وتحتها لم تجدِ أصحابها نفعاً ولم تدفع عنهم خطر العمليات العسكرية التي ينفّذها الجيش العربي السوري وحلفاؤه وفقاً لاستراتيجية محكمة وخطة تنفيذية عالية الإتقان وأداء ميداني محترف قلّ نظيره.

لقد راهن معسكر العدوان بقيادة أميركا للاحتفاظ بالغوطة الشرقية كورقة استراتيجية هامة على أمرين:

الأول الوضع الميداني لمسرح العمليات، حيث تمّ ترتيبه وتعزيزه وتجهيزه وتحصينه بشكل مميّز يصعب على أي جيش مهما كانت قدراته اقتحامه من دون أن يتكبّد خسائر لا تُحتمل. ففي 120 كلم2 من الأرض المبنية التي تكاد تكون في معظمها غابة من الباطون من المسلح فوق الأرض وتحولّت مواقع قتال حصينة ثم جهّزت بالأنفاق ومراكز القتال على مساحة 80 كلم2 تحت الأرض وزوّد الإرهابيون الـ 25 ألفاً فيها بأفضل منظومات القيادة والسيطرة والأسلحة والذخائر، وتولّى إدارة العمليات العسكرية فيها 300 خبير أطلسي وإقليمي وكلّف الطيران الإسرائيلي بتقديم الإسناد الجوي عند الاقتضاء.

أما الثاني، فقد كان رهان على «الهيبة» الأميركية والقدرات السياسية والدبلوماسية التي ستمنع الجيش العربي السوري من اقتحام المنطقة وتطهيرها من الإرهاب حتى آخر شبر منها، لقد توقّعوا عمليات محدودة على حدود الغوطة لا تتجاوز الكلم من العمق. وظل رهانهم هذا قائماً بعد سقوط رهانهم الأول حتى وصلت طلائع الجيش العربي السوري الى دوما التي فيها 12 الفاً من إرهابيي منظمة جيش الإسلام الذين هم الأفضل تنظيماً وتسليحاً من باقي الإرهابيين ويعملون في مدينة يتطلّب قتال الشوارع فيها لتطهيرها أشهراً طويلة من غير شك.

بيد أن رهانات الغرب سقطت بوجهيها السياسي والعسكري وأكدت سورية وحلفاؤها امتلاكهم قدرة مركبة في الميدان والسياسة، فضلاً عن الاقتدار في الحرب النفسية وقرّروا المضيّ في العملية العسكرية لتطهير الغوطة من دون أن يكون في الأمر تراجع أو بديل.

هنا أدرك الغرب القرار السوري وهاله أن يُنفذ، ولأنه يعرف تداعياته الاستراتيجية على مسار الازمة السورية برمّتها بوجهيها العسكري والميداني، فإنه اتخذ القرار بالتدخل العسكري ليس لوقف تنفيذ القرار السوري وقد بات مستحيلاً، بل لمنع سورية وحلفائها من استثمار الانتصار الاستراتيجي هذا، ورسم مشهد يعيد التوازن الى الميدان ويفتح الطريق إلى عملية سياسية متكافئة بين المعتدي والمدافع المعتدى عليه تتجاوز مكتسبات سورية في السنوات الأخيرة.

وعلى هذا الأساس خطّط للعدوان العسكري الأطلسي ليحقق أهدافاً استراتيجية كبرى تمر عبر إنجازات عسكرية مؤكّدة أما الأهداف فقد كانت كما تسرّب صراحة أو مداورة أو من فلتات اللسان، تتضمّن إلزام إيران والقوى المقاومة المتحالفة معها بالخروج من سورية ووقف مسارات استنا وسوتشي والعودة إلى العملية السياسية، وفقاً لمسار جنيف بصيغته الأولى أي بيان 30 حزيران 2012 وهذا ما أكدت عليه القمة العربية في الظهران والتي لم تقرأ ما حصل وقرّرت كما كانت تتمنّى، وكما خططت أميركا على أساس أن العدوان حقق أهدافه . لقد خطّطوا للأمر على أساس تجاوز كل انتصارات سورية خلال السنوات الثلاث الماضية. وهو حمق لا يقاربه حمق، لكنهم كانوا يعوّلون على العمل العسكري الذي سيلزم سورية بالإذعان، حسب ظنهم.

اما العملية العسكرية التي كان مخططاً لها فقد كانت تشمل عمليات تدمير أهداف عسكرية وسياسية وإدارية تؤدي إلى شل قدرات الدولة السورية وتنفذ خلال أيام لا تقلّ عن أسبوع. وقد تتجاوز عشرة أيام بقليل، عملية تكون دون الحرب الشاملة المفتوحة وفوق العملية المحدودة السريعة. ولهذا أسميناها يومها بعملية متوسطة الشدّة.

ومع وضع القرار العدواني موضع التنفيذ بدأت الصعوبات تظهر وبدأت العوائق تتشكل بسبب المواقف الصلبة والحازمة التي اتخذتها سورية وحلفاؤها في محور المقاومة وروسيا، مواقف فرضت هذا التراجع على المخطط الى درجة حشر فيها في زاوية الإحراج الشديد.

كان التراجع الأول في التوقيت، فبعد أن كانت الخطة تقضي بشن شبه حرب نحتفظ بمصطلح الحرب للخيار الثالث تنطلق في مطلع الأسبوع وتستبق جلسة مجلس الأمن التي دعت اليها روسيا، اجل الامر لما بعد الجلسة والذي تابع مجريات جلسة الثلاثاء وإقفال باب الدبلوماسية فيها بعد إسقاط 3 مشاريع قرارات تتعلق بسورية خرج بانطباع أن بدء العمليات العسكرية سيكون خلال ساعات من إغلاق مجلس الامن في نهاية الجلسة، لكن الإطلاق لم يحصل. وهذا ما حاول تبريره ترامب عندما قال أنا لم أحدد موعداً لبدء العمليات بعد.

أما التراجع الثاني، وهو الأخطر والأهم، فقد كان في طبيعة العملية بذاتها، وهنا كان الانقلاب المفصلي وكانت الصفعة المدوية التي سفّهت أحلام بولتون في الشهر الأول لتوليه منصبه مستشاراً للأمن القومي الأميركي. فبعد أن كانت العملية مخططة لتكون من فئة العمليات الاستراتيجية المؤثرة على قدرات سورية العسكرية وتقلب موازين القوى تبدّلت لتصبح من طبيعة العمليات المنخفضة الشدة لا بل في الدرجة الأدنى من الانخفاض الأقرب الى الاستعراضية، وإلا كيف نفسّر اقتصار الأهداف على أربعة، فيها اثنان من الأهداف المدمّرة أو المقصوفة سابقاً. وبالتالي يمكن القول إن العملية التي هدد بها لم تنفذ، وان الضربة العدوانية التي لجئ اليها هي فعل ضرورة لحفظ ماء الوجه وتحديد الخسارة المعنوية والحدّ من تآكل الهيبة الأطلسية. ما يعني أن بإمكاننا القول إن تهديد أميركا بالضربة لم ينفذ، بل نفّذ عمل آخر لا صلة له به.

أما النتيجة فقد كانت مشرّفة لسورية وحلفائها وكارثية على حلف العدوان الثلاثي. ففي حين لم تحقق الضربة شيئاً على الإطلاق بما في ذلك الخسائر المادية ذات الأثر الموجع، رسمت عمليات التصدي وردود الفعل صورة مشرقة لسورية في أبعادها الأربعة، البعد العسكري وفيه الاقتدار والشجاعة والكفاءة العالية التي يتمتّع بها الجيش العربي السوري في تصديه للعدوان وإسقاط صواريخه كالفراش المبثوث، والبعد القيادي وتكفي فيه الصورة المزلزلة لأصحاب العدوان والتي ظهر فيها الرئيس الأسد يحمل حقيبته وفيها ملفاته، ويدخل صباحاً مكتبه ليبدأ العمل باكراً كالمعتاد،

والبعد السياسي وفيها التشبث بكل ثوابت سورية من دون الميل عنها قيد أنملة، كما عبر بيان الخارجية السورية، وأخيراً البعد الشعبي الذي يشكّل بحد ذاته صدمة تُذهل المعتدي. وهو يرى ساحات المدن السورية تغصّ منذ الصباح بالسوريين المبتهجين بالنصر والهازئين بصواريخ العدو.

هذه اللوحات من المشهد السوري أنتجت كارثة للثالوث المعتدي في كارثة سيُبنى عليها بدون أدني شك في ما تبقى من مواجهة خاصة، حيث إن هذه القوى تأكدت من خسارتها المتشعبة وعلى الشكل التالي:

ميدانياً: خسرت الغوطة وهي أخطر وأهم ورقة استراتيجية كانت تمسك بها للضغط الأمني والسياسي على دمشق وتحتاجها لخدمة استراتيجية إطالة امد النزاع الأميركية.

عسكرياً: خسرت الهيبة وورقة التهديد بالحرب الشاملة، حيث إن قوى العدوان لمست بالمحسوس الملموس أن التهديد بالحرب المفتوحة لم يعد مجدياً لأنها غير مستعدة لها أصلاً ولأنها لا تستطيع اتقاء مخاطرها مؤكداً.

سياسياً: خسرت في هذا الكثير وتكفي مراجعة جلسات مجلس الأمن والتعلق السوري والروسي فيها، مقابل المراوغة والعجز الغربي الذي لجأ أصحابه الى الكذب لنقول كم كانت الخسارة الغربية فادحة.

استراتيجياً: خسرت فرصة أو إمكانية استعادة التوازن الى المشهد السوري. وهو أمر تحتاج اليه لتدخل الى مفاوضات الحل السياسي النهائي للأزمة الذي يحفظ لها مكاسب ومصالح في سورية، كما تبتغي.

والآن نعود الى السؤال ماذا بعد هذه المواجهة، ونرى أن الرد بسيط، من هُزم وفشل لا يستطيع أن يملي شروطه، وبالتالي لا نرى أن ما طالبت به دول العدوان واتباعها من العودة إلى جنيف الآن ممكناً، لأن مسار جنيف أصيب بشظايا توماهوك أميركي فجّر بصاروخ أس 200 سوري من صنع روسي، فسدّ مسار جنيف ليبقى مفتوحاً مسارا استنه وسوتشي سياسياً وطرق الميدان عسكرياً لاستكمال استعادة الأرض مطهّرة بلا إرهاب.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

How will the axis of the resistance respond to Washington? Riyadh and the US bases in Syria and Iraq كيف سيردّ محور المقاومة على واشنطن؟ الرياض والقواعد الأميركية في سورية والعراق

How will the axis of the resistance respond to Washington? Riyadh and the US bases in Syria and Iraq

أبريل 15, 2018

Written by Nasser Kandil,

Despite the contradictory goals of the US words about the military operation foreshadowed by the US President Donald Trump against Syria, the axis of the resistance behaves as the war is imminent; it puts all the assumptions on the table and tries to draw their opposite virtual scenarios. The decisive battles which it waged and won, the great sacrifices, and the strategic superiority which it achieved will be crucial, if Washington carries out its threats. So there is no place to discuss the nature of the decision, since it is decisive, firm, and clear; the confrontation till ensuring the victories.

Those who are concerned with assessments, hypotheses, and the political consequences follow up what is issued by Washington and the capitals of its allies in detail, while those who are involved in the field preparations act as if the war has started and planned how to make it shorter and limiter through deterrent messages that consume its first hours and puts Washington and its allies in front of difficult choices, supported by the confidence of the occurred confusion that is reflected in the contradictory US objectives;  to paralyze Syria through a painful strike,  to avoid the collision with Russia and Iran, and to link it with the use of the chemical weapons which the Organization for the Prohibition of Chemical Weapons has already investigated about its occurrence and for the first time in the field not through the social media.

The expansion of the participated allies in the preparation for the military operation relieves the axis of the resistance rather than bothers it or confuses it. It expands the options and makes their targeting a lawful legitimate reaction not merely revenge that is built on assumptions and intentions. Just for that there is a detailed follow-up about what is issued by the regional allies in order to know who they are in order to list them, after Saudi Arabia announced officially its joining to the US campaign. Now the talk is about the accession of the UAE, and perhaps Jordan and whether the US bases will be put in Qatar and Turkey under the disposal of the campaign of not?

Till now the legitimate objectives seem to be distributed between Riyadh which announced that it is a partner in the war and the US bases deployed in Syria, Iraq, and Jordan which apparently are not objectives which the major forces in the axis of the resistance will take over them. The missiles which are falling on Riyadh will increase as long as the US operation seems more serious, the Syrian National Resistance in the northeast of Syria will attack the US bases there with explosive devices, small rockets and maybe with the martyrdom or intrusive operations, while Al Tanf base and the US bases in Iraq seem to be threatened by the fire of the Iraqi resistance factions.

According to the axis of the resistance the goals may expand to include French economic interests in the north of Syria and British intelligence sites in the south of Syria, furthermore the Israeli movement will be under observation to know how Israel will behave on one hand, and to see whether the time is good to transfer the battle to the Israeli depth on the other hand.

Some experts link the seriousness of the US decision with the transition from the negotiating escalation into a real war with two conditions; the evacuation of the US bases in Syria and Iraq in order not to make the begging of the confrontation an early transferring of dozens of coffins of US soldiers and officers on the aircraft which is supposed to deliver more of them, and the reduction of the number of the allies.

Translated by Lina Shehadeh,

 

كيف سيردّ محور المقاومة على واشنطن؟ 
الرياض والقواعد الأميركية في سورية والعراق

أبريل 12, 2018

ناصر قنديل

– رغم اللغة الأميركية المتناقضة الأهداف في الحديث عن العملية العسكرية التي بشّر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضدّ سورية، يتصرف محور المقاومة كأنّ الحرب قادمة ويضع كلّ الفرضيات على الطاولة، ويحاول رسم سيناريوات افتراضية ليضع مقابلاً موازياً لكلّ منها. فالمعارك المصيرية التي خاضها وانتصر فيها، ومثلها التضحيات الجسام التي بذلها، وصولاً للتفوّق الاستراتيجي الذي تمكّن من تحقيقه، كلها ستكون أمام استحقاق مصيري إذا نفذت واشنطن تهديداتها، لذلك لا مجال للنقاش في طبيعة القرار، فهو حاسم وحازم وواضح، خوض المواجهة حتى تثبيت نتائج الانتصارات.

– يتابع المعنيون بالتقديرات والفرضيات والأبعاد السياسية ما يصدر من واشنطن وعواصم حلفائها بالتفاصيل، لكن المعنيين بالتحضيرات الميدانية يتصرفون وكأنّ الحرب قد بدأت، ويخططون كيف يجعلونها أقصر زمناً وأضيق مساحة برسائل رادعة تستهلك ساعاتها الأولى وتضع واشنطن وحلفاءها أمام خيارات صعبة، ويزيدهم ثقة بالقدرة على ذلك ما يصلهم من ارتباك تعكسه الأهداف الأميركية المتناقضة، بين ضربة موجعة تهزّ الدولة السورية وتصيبها بالشلل، وتفادي التصادم مع روسيا وإيران، ومن ثمّ ربطها باستخدام السلاح الكيميائي الذي تبدأ للتوّ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقيقاً حول مبدأ حدوثه وللمرة الأولى في الميدان، وليس عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

– اتساع حجم الحلفاء المشاركين لواشنطن في التحضير عن الضربة العسكرية يريح محور المقاومة ولا يزعجه أو يربكه، فهذا يوسّع دائرة الخيارات، ويمنح استهداف هؤلاء الحلفاء ضمن دائرة الردّ، عملاً مشروعاً وقانونياً، وليس مجرد انتقام بالواسطة مبنيّ على الافتراض والنيات، ولذلك تتمّ متابعة تفصيلية للكلام عن حلفاء إقليميين، والتوقف أمام التفاصيل هنا لمعرفة من هم هؤلاء الحلفاء لإضافتهم إلى جداول الردود، بعدما حسمت السعودية بإعلانها رسمياً الانضمام إلى الحملة الأميركية، ويجري الحديث عن انضمام الإمارات، وربما الأردن، ومعرفة هل ستوضع القواعد الأميركية في قطر وتركيا بتصرّف الحملة أم لا؟

– الأهداف المشروعة تبدو حتى الآن موزعة بين الرياض التي أعلنت أنّها شريك في الحرب، والقواعد الأميركية المنتشرة في سورية والعراق والأردن، وهي كما يبدو ليست أهدافاً ستُضطر القوى الكبرى في محور المقاومة لتولي أمرها، فالصواريخ التي تتساقط على الرياض ستزداد وتيرتها تصاعداً كلما بدا أنّ العملية الأميركية أكثر جدية، والمقاومة الوطنية السورية في شمال شرق سورية تتكفّل بالقواعد الأميركية هناك بالعبوات والصواريخ الصغيرة وربما بالعمليات الاستشهادية أو الاقتحامية، بينما تبدو قاعدة التنف والقواعد الأميركية في العراق مهدّدة بقوة بنيران فصائل المقاومة العراقية.

– بنك الأهداف يتسع لدى محور المقاومة لمصالح فرنسية اقتصادية شمال سورية ومواقع بريطانية استخبارية جنوب سورية، وتوضع الحركة الإسرائيلية تحت الأنظار، لمعرفة كيفية التصرف الإسرائيلي من جهة، وملاءمة توقيت اعتبار المواجهة باتت تستدعي نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي.

– بعض الخبراء يربط جدية القرار الأميركي بالخروج من التصعيد التفاوضي إلى حرب فعلية، بإخلاء القواعد الأميركية في سورية والعراق، كي لا تكون فاتحة المواجهة نقل عشرات التوابيت للجنود والضباط الأميركيين مبكراً على متن الطائرات التي يفترض أنها جاءت لإيصال المزيد منهم، وبتخفيض عدد الحلفاء لا بزيادتهم.

Related Videos

Related Articles

 

الحقائق المتصلة بالخط الأزرق ومناطق التحفّظ والنزاع

فبراير 20, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

من غريب ما يحصل في لبنان هو الاختلاق في التاريخ والتنازل عن المكتسبات، واختلاق أحداث لا صلة لها بالحقيقة دون ان يكون هناك سبب أو مكسب في ذلك لأحد. وآخر ما يتم تداوله اليوم خلافاً للحقيقة هو مسألة الخط الأزرق ومناطق التحفّظ حوله وهنا ومن أجل وضع الأمور في نصابها نرى من الواجب تبيان التالي:

1 ـ لجهة رسم الخط الأزرق. رسم الخط الأزرق في العام 2000 من قبل الأمم المتحدة ومن خلال لجنتين منفصلتين كلياً الأولى لبنانية أممية مؤلفهما فريق لبناني قوامه 5 أعضاء برئاسة العميد الركن أمين حطيط، وفريق دولي من 7 أعضاء برئاسة الجنرال سرينن نائب قائد القوات الدولية في الجنوب اليونفيل، واللجنة الثانية إسرائيلية أممية مؤلفة من فريق دولي من 5 أعضاء برئاسة الجنرال سرينن أيضاً وفريق إسرائيلي مشكل من 6 أعضاء. وبقيت كل لجنة تعمل في نطاقها حيث رفضنا أن نجتمع بالإسرائيليين كلياً، سواء على أرض لبنانية أو على ارض فلسطين المحتلة. وكان الفريق الدولي هو الذي ينقل المواقف والطلبات دون أن يكون هناك أي اتصال بين الطرف الإسرائيلي واللبناني الذي أصر على ان لا تشكل أي لجنة مع العدو إلا في إطار لجنة الهدنة التي الغتها «إسرائيل» من جانب واحد وبشكل غير مشروع في العام 1969.

أما القول إنّ الخط الأزرق رسم من قبل لجنة ثلاثية انبثقت عن تفاهم نيسان، فهو بعيد كلياً عن حقيقة التاريخ. ففي تفاهم نيسان نشأت لجنة خماسية فيها سورية وفرنسا ولن تكون مهمتها لا من قريب ولا من بعيد رسم حدود أو خطوط، بل كانت مهمتها حصراً معالجة انتهاك وقف النار التي تستهدف المدنيين، وليس من مصلحة لبنان مطلقاً أن يشرع وجود لجان مع «إسرائيل» خارج اتفاقية الهدنة الملغاة من قبلها، بما في ذلك اللجنة الثلاثية القائمة اليوم والتي تجتمع في الناقورة خلافاً للقرارات الدولية ولاتفاقية الهدنة ذاتها.

ومن جهة أخرى يجب ان يعرف الجميع ان ليس للخط الأزرق أي قيمة قانونية أو حقوقية، وهو مجرد خط اعتمد ليشكل أداة للتحقق من خروج «إسرائيل» من الأرض اللبنانية وأن مفاعيله وصلاحيته انتفت عندما أعلن اكتمال الانسحاب، وان «إسرائيل» سعت لأن تتخذه حدوداً جديدة يتم التفاوض حولها، من اجل ان تسقط حق لبنان بحدوده الدولية المعترف بها منذ العام 1923 لكن لبنان رفض وبكل شدة هذا المسعى وألزم الفريق الدولي بأن يذكر على خريطة الخط الأزرق بأن هذا الخط ليس حدوداً وليس من شأنه أن يمس بالحقوق المكتسبة.

2 ـ لجهة مناطق النزاع، كانت الصيغة الأولى التي تقدّمت بها الأمم المتحدة للخط الأزرق متباينة مع الحدود الدولية في 13 منطقة يبلغ مجموع مساحتها ما يزيد قليلاً عن 18 مليون م2، وقد رفض لبنان عبر لجنته العسكرية برئاستي القبول بهذا الخط. وبعد نقاش مرير دام أياماً داخل اللجنة اللبنانية الأممية عقدت جلستها الأخيرة منه في اجتماع عقد في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد لحود أخذت الأمم المتحدة بملاحظاتنا وتراجعت عن خطها في 10 مناطق وتمسكت بـ 3 نقاط هي رميش والعديسة والمطلة، ومع تمسك لبنان بحقه في تلك المناطق اعتمد حلّ وسط يقضي بأن يعدّل الخط الدولي في المناطق الـ10 ويتحفظ لبنان على المناطق الـ 3 الباقية شرط أن يبقى الحال ميدانياً كما هو. وهذا ما حصل بالفعل ومنعت «إسرائيل» من التقدّم لقضم عديسه ورميش، ونشأت مقولة التحفّظات الثلاثة المذكورة.

لكن يفاجئنا البعض اليوم بالقول بالنزاع حول 13 منطقة. وفي هذا تنازل عما استحصلنا عليه في العام 2000 وعودة بالأمور الى نقطة الصفر. وفي هذا أيضاً مسّ بحقوق لبنانية ثابتة ووضعها موضع نزاع وجعل ملف الحدود موضع تفاوض كما تريد إسرائيل. وهذا خطر للغاية.

إنّ الموقف اللبناني الذي يجب أن يعتمد ليكون سليماً ويحفظ الحقوق يجب أن يقوم على ما يلي:

أ ـ وقف التداول بمصطلح الخط الأزرق. وهو خط انتفت فعاليته، والقول بالحدود الدولية فقط وبخط الهدنة المطابق لها والتمسك به وفقاً للإحداثيات المحددة باتفاقية بوليه نيوكمب، والمكرّسة بمعالم حدودية تترجم النقاط تلك.

ب ـ وقف العمل بأي لجنة لبنانية إسرائيلية لا تكون في إطار اتفاقية الهدنة، خاصة أن هذه الاتفاقية تؤكد أن خط الهدنة مطابق للحدود الدولية.

ج ـ رفض مقولة النقاط الـ 13 المتنازع عليها، لأن في ذلك تضييعاً وتنازلاً عن حقوق مكتسبة والقول بالمناطق الثلاث المتحفظ عليها.

أستاذ في كليات الحقوق اللبنانية

RELATED ARTICLES

ماذا أسقطت سورية مع إسقاط الـ «أف 16» «الإسرائيلية» المعادية؟

فبراير 13, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

كان واضحاً منذ أن تسارعت الإنجازات العسكرية السورية وتراكمت الانتصارات التي تصنعها مع حلفائها الاستراتيجيين الذين يعملون معها في إطار معسكر الدفاع عن سورية، أنّ معسكر العدوان بات يشعر أنه يُحشَر في الزواية الأخيرة من المسرح، وأنّ أوراقه تحترق الواحدة تلو الأخرى، حتى كان احتراق ورقته الاستراتيجية الرئيسية التنظيم الإرهابي «داعش» الذي دخل في إطار التصفية النهائية من الأرض السورية، وكانت عملية تطهير جيب الـ 1100 كلم في أرياف حلب وحماة وإدلب بمثابة الإشعار الأخير بأنّ «داعش» يودّع الميدان السوري، وأنّ شقيقتها جبهة النصرة تتحضّر لتلاقي المصير نفسه، وأنّ أميركا و«إسرائيل» وهما القيادة الحقيقية والفعلية لمعسكر العدوان باتتا أمام حقيقة مرّة مضمونها أنّ عليهما الاعتراف بالهزيمة في حرب الوكلاء والأدوات، وأنّ الخيارات أمامهما محصورة بين أمرين لا ثالث لهما… إما النزول بقواتهما الى الميدان أو البحث عن مخرج منه يحفظ لهما شيئاً من ماء الوجه ويفتح الطريق أمام سورية لاستعادة استقرارها على قاعدة «أن ليس للأجنبي مقرّ فيها»، وليس لعدو سيطرة أو نفوذ، ومَن يريد الصداقة ممن طبيعته تتناسب مع طبيعة سورية، فإنّ يد سورية ستكون ممدودة لملاقاته.

بين هذين الخيارين اختارت أميركا و«إسرائيل»، كما يبدو الخيار الأول، ورفضتا الاعتراف لسورية بالنجاح في إسقاط العدوان والمحافظة على ذاتها واستقلالها وسيادتها ودورها، وترجم الرفض مباشرة عبر أكثر من سلوك بدءاً بورقة الحلّ السياسي المقترح من قبل دول العدوان الخمسة، والتي تتضمّن ببساطة إعطاء المعتدي بالسياسة ما عجز عنه في الحرب، ثم كان التلفيق الأميركي الذي بمقتضاه اتهمت سورية باستعمال السلاح الكيماوي وهدّدت بـ «الملاحقة والمعاقبة» ثم ارتفعت وتيرة التهديات «الإسرائيلية» للمقاومة ولبنان بالحرب، ثم كان البدء بإرسال الرسائل التنفيذية النارية فقامت أميركا بعدوان جوي على مجموعات عسكرية سورية وحليفة تعمل ضدّ «داعش» مدّعية وبوقاحة كلية بحق مشروع للدفاع عن احتلالها للأرض السورية، حتى كان يوم الـ 10 شباط 2018 وقام الطيران «الإسرائيلي» بالعدوان على مراكز عسكرية سورية في الداخل السوري، وتحديداً في المنطقة الوسطى، في عدوان يرسل رسالة واضحة بأنّ «إسرائيل» بعد أميركا قرّرت التدخل في الميدان لوقف اندفاعة الجيش العربي السوري ومنعه من استكمال الإجهاز على الإرهابيين، كما ومنعه من استثمار إنجازته السابقة التي مكّنته من فتح الطريق الآمن الى الحلّ السياسي، كما أوحى بيان سوتشي.

وبالتالي، فإننا نفهم العدوان الجوي «الإسرائيلي» الأخير وقبله العدوان الجوي الأميركي بأنه عدوان يتعدّى هدفاً عسكرياً محدّداً وأنه من طبيعة استراتيجية أراد أصحابه القول لسورية إننا لن ندعك تستقرّين وأنّ بيدنا القوة التي يمكن اللجوء اليها بما في ذلك التهديد بالحرب المحدودة تخوضها «إسرائيل» وتدعمها أميركا، وكان هذا التهديد، او بات هذا التهديد، في الآونة الاخيرة بمثابة ورقة استراتيجية أساسية يعتمد العدوان عليها، ولهذا أعيد تحريك ملف الكيماوي مقروناً بإعطاء أميركا نفسها وبكل صلافة الحق بالعمل ضدّ الجيش العربي السوري لحماية الفئة الانفصالية في الشمال الشرقي السوري.

وفي ظلّ هذه البيئة قامت الطائرات «الإسرائيلية» من طراز «أف 16» بعدوانها وكانت «إسرائيل» تتصوّر أنّ العدوان سيمرّ كما خططت وعملت منذ بداية العدوان على سورية، حيث قام الإرهابيون يومها باستهداف منظومة الدفاع الجوي السوري بشكل ممنهج ما أدّى الى وضع معظمها خارج التأثير والفعالية إنْ لم نقل خارج العمل، ما جعل «إسرائيل» تعتقد أنّ السماء السورية أصبحت آمنة أمام طيرانها، ومأخوذة بغرورها وعنجهيتها وصلفها، لكن فاتها أن تدرك أنّ القيادة السورية تمارس دفاعها، بما يناسب المرحلة ولا تُستدرج الى ميدان ومعركة وضع العدو شروطها وأعدّها بما يخالف الخطط الدفاعية السورية. وهنا كان سوء التقدير الفظيع الذي ارتدّ اليوم على «إسرائيل» بأبشع ما يمكن أن تتصوّر، خيبة أحدثت الصدمة والذهول لديها. وبالتالي فإنّ «إسرائيل» أدركت وهي تراقب طائرتها تحترق وتهوي أمام أعين المستوطنين أنّ وضعاً جديداً تشكل في المنطقة، وأنّ أموراً هامة ينبغي أن تأخدها بعين الاعتبار، منها:

1 ـ أن سورية ليست واهنة عزلاء كما اعتقدت، بل لديها منظومة دفاع جوي فاعلة، وإذا كان القديم منها سام 5 أسقط أكثر من طائرة من الطائرات الأربع التي اعتدت، فكيف سيكون الحال مع استعمال المنظومة المتطوّرة التي تلقّتها مؤخراً؟

2 ـ إنّ القيادة السورية لديها القرار الاستراتيجي الواضح بالتصدّي للعدوان مع الاستعداد الكامل لتحمّل التبعات والتداعيات، أو بكلمة أخرى إذا كانت الأمور ستتدحرج وتنزلق إلى حرب، فإنّ القيادة مستعدّة لها. وهنا بيت القصيد الذي سيُبنى عليه بشكل دقيق. وهو أنّ الوضع العسكري السوري هو من السلامة والقوة ما يمكن سورية من المواجهة. وأنّ التهويل بالحرب والتدخّل «الإسرائيلي» المباشر في الميدان لم يعُد له قيمة ولم يعُد مجدياً أمام صلابة وشجاعة وإرادة القيادة السورية الحازمة والواضحة.

3 ـ إنّ الردّ السوري العنيف استعمال 25 صاروخاً لمواجهة 4 طائرات لا يمكن أن يكون قد حصل إلا بعد تقدير موقف عسكري واستراتيجي جرى مع الحلفاء في محور المقاومة وروسيا. وهذا الأمر يزيد من مخاوف «إسرائيل» وينسف مرة أخرى ورقة تهويلها بالحرب. وبمعنى آخر إنّ السحر انقلب على الساحر. ولذا رأينا «إسرائيل» كيف سارعت أولاً للاتصال بروسيا طلباً للتهدئة ثم وقبل أن تغيب شمس نهار العدوان المرتدّ عليها خيبة وحسرة سارعت الى القول بأنّ العملية انتهت وضاعت الطائرات الـ أف 16 في لعبة الخيبة وسوء التقدير.

اما ملخص النتائج التي ستحكم المرحلة الجديدة، فهي برأينا ستشكل انقلاباً في المشهد العام لقواعد الاشتباك بين «إسرائيل» وسورية ومعها محور المقاومة، حيث ستجد «إسرائيل» نفسها وقد خسرت الحرية في التحليق في السماء السورية، وخسرت ورقة التهديد بالحرب، وأُلزمت بمعادلة ردع استراتيجي توسّعت من لبنان براً الى سورية جواً مع البرّ طبعاً. وفي هذا خسائر استراتيجية كبرى لحقت بـ»إسرائيل» أولاً وبقيادة العدوان على سورية كلها، بما فيها أميركا ثانياً. واذا كانت أميركا تخطط لإطالة أمد الحرب، فإنّ سورية لديها الخطط الدفاعية التي تفعل في اتجاهين في الداخل لحسم المواجهة مع الإرهاب وتجاه دول العدوان التصدّي المباشر وإسقاط استراتيجية إطالة أمد الصراع التي يتمسّكون بها وإن أصرّت قيادة العدوان على المواجهة بعد سقوط الحرب البديلة، فعليها أن تتوقع مزيداً من أيام 10 شباط، حيث سقطت طائرات الـ أف 16 وسقطت معها هيبة سلاح الجو «الإسرائيلي» وصلف قيادة العدو على المستويين السياسي والعسكري، وسقطت ايضاً الورقة الاستراتجية المسماة «الحرب المقبلة» والتهويل بها، وسقطت أيضاً استراتيجيات العدوان الأخيرة مع أوراقه الأخيرة لتفتح سورية الباب واسعاً لإنهاء الأزمة بما يتوافق مع مبادئها وحقوقها الوطنية والسيادية… لقد أسقطت سورية أبعد من الطائرة… إنه وهم العدوان بتحقيق أو تعويض خسائره الاستراتيجية فيها. وهذا هو الأهمّ.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

يا عبدالباري هل تصدق ان الطائرة المسيرة انطلقت من تدمر؟ اليس اطلاقها من دمشق اسهل؟

Related Articles

جهوزية لبنان للردّ تمنع العدوان «الإسرائيلي» عليه

فبراير 8, 2018 أولى

العميد د. أمين محمد حطيط

تكثفت في الآونة الأخيرة التهديدات «الإسرائيلية» للبنان، كما والممارسات «الإسرائيلية» ميدانياً بشكل أوحى للكثير من المتابعين من المراقبين والخبراء أنّ «إسرائيل» بصدد التحضير لعدوان واسع على لبنان لتعوّض عبره ما فاتها في العام 2006 وما عجز عنه العدوان العالمي المركّب على سورية، واتجه البعض إلى القول بشبه يقين بأنّ العدوان واقع لا محالة إلى درجة التجرّؤ على القول بأنه بات منتظراً في الأيام القليلة المقبلة، فما مدى صحة التوقع وما مدى صحة القول بأنّ «إسرائيل» بصدد شنّ عدوان واسع على لبنان؟

قبل الإجابة، لا بدّ من التذكير بأنّ الكيان الصهيوني الذي لا يملك شيئاً من شرعية الوجود القانونية أو الأخلاقية حتى والإنسانية، وبأنه كيان قائم على فكرة القوة وحدها. وبالتالي فإنّ «إسرائيل» في وجودها وفي المحافظة على استمراريتها بحاجة إلى القوة التي تعطّل الشرعية. وهي بالتالي أيضاً تكون دائماً في حالة حرب، فإما أن تكون في الحرب فعلياً تخوضها وإما أن تكون في حالة التحضير للحرب التي تبتغي منها تحقيق هدف أو تحقيق مكسب أو فرض واقع فيه منفعة لها. وعلى هذا الأساس يقودنا المنطق التحليلي الى إعادة طرح السؤال فلا نقول هل تحارب «إسرائيل» وتعتدي، بل نقول متى ستقوم «إسرائيل» بحربها المقبلة وترتكب العدوان المتمادي؟

وتشتدّ أهمية السؤال اليوم ربطاً بما قامت به «إسرائيل» في الآونة الأخيرة وأطلقته من تهديدات بدأها الإعلام «الإسرائيلي» قبل المسؤولين، حيث طرح وناقش مسألة امتلاك حزب الله لأكثر من 170 ألف صاروخ موزّعة بين لبنان وسورية، وهو مخزون يمكّن الحزب من إمطار «إسرائيل» ولمدة 6 أشهر متواصلة بكمّ من الصواريخ يصل إلى ألف صاروخ يومياً ويتساءل خبراؤهم إذا كانت الـ 100 صاروخ يومياً في 33 يوماً في العام 2006 لجمت «إسرائيل» ومنعتها من تحقيق أيّ مكسب، فما سيكون حال «إسرائيل» مع الـ 1000 صاروخ ولمدة 170 يوماً؟

وتدقيقاً بالتوقيت الذي أطلق العدو تهديده فيه، نرى أنه فعل فعلته مع اقتراب تلزيم التنقيب عن الغاز اللبناني ومع نجاحات محور المقاومة في المنطقة، لذلك فعل مستغلاً حالة التنازع الداخلي اللبناني حول بعض المواقف والسلوكيات والعلاقات البينية، فأطلقت «إسرائيل» بعد الشروع براً في بناء الجدار الفاصل، حسب تسميتها، أطلقت موقفاً مفاجئاً في موضوعه مدّعية بأنّ البلوك رقم 9 الذي يقع في المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، هو لها وهي تعلم أنّها تطلق ادّعاء كاذباً لا تسنده الى حجة أو دليل، ولكنها كعادتها في غصب حقوق الغير وكلّ وجودها أصلاً قائم على هذه القاعدة السيئة، كعادتها في ذلك أدلت بما أدلت به وطالبت بشيء هو ملك غيرها، وتصوّرت «إسرائيل» أنّ لبنان المنشغل بنزاعاته سينشغل عن اعتداءاتها، ولكن ما حصل كان خلاف ما توقعت وأبدى لبنان وحدة وإجماعاً وطنياً في مواجهة التهديد «الإسرائيلي» لثروته النفطية والأهمّ في الردّ اللبناني ما تضمّنه من جهوزية لبنان للدفاع عن حقوقه بكلّ «الوسائل المتاحة»، وهي تعلم أنّ عبارة «الوسائل المتاحة» تعني في ما تعني حق لبنان بالمقاومة. وهنا بيت القصيد ويكون كلّ ما فعلته «إسرائيل» في السابق وبدعم واحتضان أميركي لتخلي لبنان عن مقاومته أو نزع شرعيتها، يكون كلّ ذلك قد ذهب سدى وضاع في الأودية السحيقة هو ومعه مواقف بعض اللبنانيين الذين يشهد تاريخهم بعلاقتهم بـ»إسرائيل» وعدائهم للمقاومة التي تواجهها منذ أن كانت المقاومة.

اذاً، فهمت «إسرائيل» انّ اعتداءها على لبنان سيواجه الردّ المناسب وأنّ لبنان جاهز بجيشه الذي وجّه لها الإنذار لثنيها عن العدوان في بناء ما تسمّيه الجدار الفاصل وحذرها من قضم أرض لبنانية تحت أيّ ذريعة، ولبنان جاهز بمقاومته التي تملك عشرات الآلاف من الصواريخ القادرة على الوصول الى كلّ نقطة وهدف في فلسطين المحتلة أكان هدفاً نفطياً أو مساحياً، هدفاً بسيطاً أم هدفاً محصّناً، هدفاً برياً أو هدفاً بحرياً. فالمقاومة تملك القوة الصاروخية النارية الدقيقة الإصابة وتملك القدرات القتالية البرية المحترفة الأداء وأنّ المقاومة ومع محورها مستعدّان لأيّ حرب تفرض عليها، مستعدّان لخوضها والاستمرار في الميدان الى ان يتحقق ما وصفه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بانها «ستغيّر وجه المنطقة» و»إسرائيل» تعلم جيداً ما يعنيه هذا التعبير.

ولأنّ لبنان جاهز للمواجهة دفاعاً عن حقوقه، ولأنّ «إسرائيل» غير جاهزة لحرب غامضة الآفاق وغير معلومة النهاية ومجهولة الحدّة في شدة الاشتباك وشدة القتال والمواجهة، ولأنّ «إسرائيل» لم تعالج بعد أو لنقل لم تطمئن بعد نتيجة ما قامت به من أجل معالجة اعورار الجبهة الداخلية التي يبدو يقيناً أنها لا تستطيع ان تحتمل ردة فعل المقاومة، وفضلاً عن انّ «إسرائيل» لم تصل الى حدّ الثقة بجيشها في الميدان في مواجهة المقاومة أو الثقة بقدرته على تحقيق الإنجاز العسكري في الميدان الذي تتحرّك فيه المقاومة، لكلّ ذلك نقول إنّ الحرب التي يهوّل بها البعض هي حرب مستبعدة حتى مع حالة جنون أو تخلٍّ يقع فيها المسؤول «الإسرائيلي»، اما المناورات التي تجري الآن أو التصريحات التهديدية التي تطلق أو الممارسات العدوانية على الأرض من قبيل بناء الجدار، فهي براينا أفعال من قبيل جسّ النبض وسبر الأغوار من جهة، ومن جهة أخرى فهي رسائل تريدها «إسرائيل» متعدّدة الاتجاهات للداخل «الإسرائيلي» أولاً وللخارج أيضاً مفادها القول إنّ «إسرائيل» قوية وتثبت وجودها على المسرح وإنها لم تتراجع في قدراتها العسكرية وإنها قادرة على التهديد وممارسة ما لديها من القوة وإنّ انتصارات محور المقاومة في سورية لم تؤثر على السلوك «الإسرائيلي».

وهي بذلك تريد طمأنة حلفائها الجدد في المنطقة وامتصاص خوفهم كما تريد أن تشوّش على الحال المعنوية التي يعيشها جمهور المقاومة ومحورها، ولذلك نرى أنه من الخطأ الوقوع في الفخ «الإسرائيلي» والترويج لقوّتها وقدرتها على الذهاب الى حرب تخشاها أكثر مما تطلبها. فلو كان لبنان ضعيفاً متفسّخاً كما كان في العام 1982 لشنّت «إسرائيل» الحرب العدوانية عليه، حتى من دون تحذير أو تهديد، أما لبنان القوي اليوم بشعبه وجيشه ومقاومته فهو منيع محصّن ضدّ العدوان، ما يؤكد ببساطة انّ هذه القوة تمنع وتردع «إسرائيل» عن ارتكاب أيّ حماقة ضدّه. وهنا نعود الى ما كنا نقول سابقاً ونؤكد عليه ان كلّ من يعادي المقاومة ويرميها بكلام سوء إنما هو يخدم «إسرائيل» ويستدعيها للعدوان على لبنان. فالمقاومة رافد من روافد القوة اللبنانية التي تؤرق العدو وتنسج في وجهه معادلة الردع وتمنع العدوان وتحمي الحقوق اللبنانية في الأرض والثروة، ويبقى على لبنان أن يحتفظ ويحصّن وحدته الوطنية ويقوّي جيشه بالعديد والعتاد ويتمسك بمقاومته التي صارت رقماً صعباً من معادلات المنطقة تستخدم قوّتها للدفاع عن الوطن.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

حوار سوتشي بين إرادة الحل وتآمر التعطيل..

بقلم: العميد د. أمين محمد حطيط 

تتنازع المسالة السورية اليوم مشيئتان واحدة سورية مدعومة من حلفاء صادقين في طليعتهم روسيا وإيران، وأخرى عدوانية اجرامية تقودها اميركا

معها فرقة الاجرام والتآمر على الدول والشعوب. ويلاحظ ان فريق العدوان مصر حتى الان ورغم كل ما مني به من هزائم في الميدان مصر على متابعة عدوانه بصيغ واستراتيجيات يعتمد الواحدة منها كلما فشل في تمرير او انفاذ سابقتها سواء في الميدان والمواجهة العسكرية او في السياسة والعمليات الحوارية او التفاوضية.‏

واليوم وبعد ما وصلت اليه الأمور في الميدان السوري وتبلور مشهد مؤكد في عمقه وابعاده لصالح الدولة السورية، لجات قوى العدوان على سورية الى استراتيجية التعطيل ومنع سورية وحلفائها من استثمار المنجزات المتحققة وصرفها على طاولة المفاوضات بحثا عن مخرج سياسي من الوضع الذي انتجه العدوان الأجنبي عليها.‏

و في هذه البيئة التي تشهد صراعا بين ارادتين ، إرادة الحل و إرادة التآمر و التسويف لمنع الحل ينعقد مؤتمر سوتشي برعاية و تنظيم و دفع روسي من اجل إرساء صيغة الحوار الوطني السوري السوري و تأكيد مقولة ان الحل ينبغي ان يكون ثمرة اتفاق السوريين فيما بينهم من دون املاء او اضغط او مصادرة قرار و هيمنة ،الامر الذي لم يرق لفريق العدوان الذي يرى ان نجاح روسيا في سوتشي و نجاح السوريين في حوارهم يعني نهاية اكيدة لمرحلة سبع سنوات من العدوان استهلكت فيها الخطط و الاستراتيجيات و الأموال و الجهود ، و انتهت بخروج المعتدي خالي الوفاض و لذلك ينظر فريق العدوان الى مؤتمر سوتشي بعين ريبة و قلق و خوف تفوق أي خوف من خسارته في الميدان بمدينة بحجم حلب او لمنطقة بحجم المنطقة الشرقية او لتنظيم إرهابي بحجم و مهما تنظيم داعش ، فالخسارة في سوتشي تعني نهاية الحرب بفشل العدوان .‏

ان اميركا و من معها من دول العدوان تنظر الى مؤتمر سوتشي و النجاح فيه على انه المكان الذي سيعلن فيه انهيار المشروع الصهيواميركي الذي اعد لسورية و تاليا للمنطقة ، لان المؤتمر في حال نجاحه ببلورة وحدة الكلمة السورية حول مسائل النظام السياسي في سورية و طبيعة و حجم الإصلاحات التي تحفظ لسورية وحدتها و استقلالها و سيادتها و ودورها الاستراتيجي في المنطقة باعتبارها رقما لا يمكن تجاوزه ، ان المؤتمر اذا نجح في ذلك فانه سيسحب الذرائع من كل القوى الأجنبية المتدخلة في الشأن السوري و يمنع تحقيق اهداف العدوان على سورية.‏

فسوتشي كما يفهمه الغرب بقيادة أميركية هو مكان الصرف السوري للانتصار الميداني ، و هو يشكل بصيغة او أخرى البديل المعاكس لعملية الصرف الأميركي للعدوان الذي شاءته اميركا صرفا يتم في جنيف ، فبنظر أميركا و خلفها الأمم المتحدة التي تملك اميركا قرارها الإداري و يمثلها الان سوريا دي مستورا ، بنظرها كان جنيف و لازال لتكريس نتائج العدوان في حال تحقيق أهدافه الميدانية او للتعويض عن الفشل في الميدان ان حصل ، فأميركا كما تعتمد في سياستها دائما تنهي أي ازمة او صراع اما بحسم ميداني يريحها او بضغط ساسي يجعل المنتصر في الميدان يتنازل عن انتصاره لصالحها ، لانها في غطرستها و عنايتها لا تقر و لا تعترف للخصم بانتصار مهما كان حجمه .وبهذا المنطق عملت اميركا وفريقها العدواني ضد مؤتمر سوتشي على أكثر من خط يمكن ذكر الأهم منها كما يلي:‏

1) الدعوة الى مؤتمر فيينا قبل أسبوع من مؤتمر سوتشي للقول بان مسار جنيف مستمر وانه هو الأساس في البحث عن حل سياسي، وطبعا تعني انه المسار الذي تحدد اميركا وجهته ونتائجه. وهنا لابد من الذكير بالطبيعة الكيدية التي اتسمت بها كل الدعوات الى جنيف منذ ان انطلق مسار استنه بقيادة روسية فكان دي مستورا يدعو الى جولة في جنيف في كل مرة تدعو روسيا الى جولة في استنه التي انطلقت بعد الانتصار الاستراتيجي الكبير في حلب.‏

2) وضع وثيقة سياسية من قبل مجموعة العدوان الخمسة ( اميركا ، بريطانيا ، فرنسا ، السعودية ، الأردن ) و ثقة تزامن طرحها مع جولة فيينا و استبقت مؤتمر سوتشي بأسبوع ، و اعتبرت ورقة غير رسمية او ” لا ورقة” non-paper و الغريب في الوثيقة هذه ليس توقيت طرحها فحسب بل ما تضمنته من طروحات تجعل الباحث فيها يظن ان العدوان الإرهابي الذي استهدف سورية حقق كل أهدافه و قضى على كل شيء في الدولة من مؤسسات و بنى و ثروة وقدرات و ارادات وطنية ، و ان بناء الدولة ينبغي ان ينطلق من الصفر وفقا لما تحدده مجموعة الخمسة العدوانية حتى و من غير دور للشعب السوري .‏

3) منع الدمى المسماة معارضة سورية في الرياض، من المشاركة في اعمال مؤتمر سوتشي والتنصل من نتائجه مسبقا وطرح عناوين تعجيزية بديلة تؤكد عدم جهوزية الفريق العدواني للحل.‏

4) إلزام الأمم المتحدة عبر الموفد الدولي الى سورية بعدم إعطاء جواب نهائي من حيث المشاركة في سوتشي وإبقاء وضعه ضبابيا مترددا للإيحاء بان الأمم المتحدة لا تنظر بعين الأهمية والجدية لهذا المؤتمر ولا ترى من الفائدة المشاركة فيه. طبعا ان هذا الموقف الاممي مدان وعدواني وفيه خروج عن المهمة التي كلف بها هذا الموظف الذي عليه ان يستغل أي فرصة مهما كان حجمها ضئيلا إذا كان من شانها المساعدة في توفير بيئة حل سياسي فكيف بك إذا كانت واعدة بإخراج الحل السياسي.‏

هذه السلوكيات العدوانية وغيرها تأتي ترجمة لاستراتيجية إطالة امد الصراع التي تعتمدها اميركا بعد ان فشلت في كل استراتيجياتها السابقة ولهذا يكون امام السوريين في مؤتمر سوتشي وتكون مهمة مؤتمر سوتشي بذاته اثبات قدرة الشعب السوري على القرار لنفسه، وقدرته مع حكومته الشرعية على صرف الإنجازات العسكرية وترجمتها في الحوار الذي يؤدي الى تطوير النظام السياسي بما يحقق امال وطموحات هذا الشعب بعيدا عن أي ضغط او املاء.‏

وفي هذا السياق نرى ان ما تحقق حتى الان من اعداد ومواقف صادرة عن المنظمين والمشاركين فضلا عن الصورة التي اظهرها الميدان السوري وقبلها وبعدها ما تتمسك به وتؤكد عليه الحكومة السورية بقيادة الرئيس الأسد، ان كل هذا يوحي بارتفاع احتمالات فرص النجاح في مؤتمر سوتشي لأكثر من سبب منها:‏

أ‌. حجم المشاركين في المؤتمر واتجاهاتهم المتنوعة (1100 من داخل سورية +400 سورية مقيمين في الخارج) ورغبة الجميع بالانطلاق من قاعدة رئيسية هي الصلب والأساس في أي حل وتتمثل بوحدة سورية وسيادتها وقرارها المستقل، وبالتالي ان مجرد التقاء هذا الحجم من القوى السورية على هذا المبدأ وحوارهم تحت سقفه يعتبر نجاحا.‏

ب‌. اتجاه المنظمين لوضع صيغة مؤسساتية لعمل المؤتمر تمكن من المتابعة وتوثيق المخرجات وبالتالي لا يظننن أحد ان الحل سيعلن يوم الأربعاء في اليوم الثاني المقرر للمؤتمر (علما ان المؤثر قد يختصر بيوم واحد لأنه يحقق الغاية المرجوة من الدعوة اليه بمجرد اختتام الجلسة الافتتاحية).‏

ت‌. اتجاه ذهن جميع المؤتمرين الى اعتماد صيغة التطوير والانطلاق من الواقع القائم خلافا لما يريده المتآمرون الذين يرفضون الاخذ باي شيء مما هو قائم ما يذكر بالحالة الليبية التي يرفضها كل عاقل كما انه يناقض القرار الدولي 2254 الذي أرسي أسس الحل السياسي انطلاقا من المؤسسات القائمة الواجب المحافظة عليها وتطويرها.‏

هذا الواقع يفرض على السوريين المشاركين في سوتشي تحمل مسؤوليات وطنية كبرى والظهور امام العالم بأنهم الوجه الاخر للدفاع عن سورية ومستقبلها، وانهم يكملون ويستثمرون ما قام به الجيش العربي السوري وحلفاؤه في الميدان وكما ان القوة العسكرية اسقطت المشروع العدواني ميدانيا، فعلى القوى السياسية ان تدفن جثة المشروع وأحلام اصحابه نهائيا.‏

*استاذ جامعي وباحث استراتيجي – لبنان‏‏‏

   ( الاثنين 2018/01/29 SyriaNow)

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: