قرارات أستانة 13: هل تنفذ وتلتزم تركيا بها

أغسطس 6, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

في صيف العام الماضي وفي غمرة التحضيرات العسكرية السورية الجادّة لإطلاق عملية تحرير إدلب التي باتت إحدى المنطقتين المتبقيتين خارج سلطة الحكومة السورية الشرعية، في تلك الأثناء وخشية ان تنفذ العملية مع ما كان سيصاحبها أو يترتب عليها من تداعيات، سارع الرئيس التركي أردوغان إلى روسيا وعقد مع رئيسها بوتين اتفاقاً حول إدلب اسمي اتفاق سوتشي الذي اعتمد في 17 أيلول 2018، وقبلت به الحكومة السورية لأنها رأت فيه فرصة لتحرير إدلب على مراحل مع خفض الخسائر والتضحيات إلى الحدّ الأدنى، ومع سدّ باب الذرائع للتدخل الأجنبي، إضافة إلى كونه يعطي سورية وقتاً إضافياً لإنجاز مستلزمات التحرير بالوسائل العسكرية إذا اقتضى الأمر ذلك.

لكن تركيا وكعادتها، تملّصت من التنفيذ الصادق وراوغت وأعطت الفرص للإرهابيين لتنظيم أوضاعهم والبقاء في مواقع تعقد العملية العسكرية السورية في حال انطلقت وترفع مستوى الكلفة لها إذا نفذت، فاستفاد الإرهابيون من السلوك التركي ودخلوا في حرب استنزاف ضدّ الجيش السوري أدّت إلى خسائر في صفوفه، كما أنها أدّت إلى توسّع سيطرة الإرهابيين إلى بعض المناطق المحيطة بإدلب باتجاه ريفي حلب وحماة.

وعلى صعيد السلوك التركي الآخر واتصالاً بالمشروع الاستراتيجي التركي في سورية، استفادت تركيا من الاتفاق وعدم تنفيذه حيث أنها كسبت بعضاً من وقت للعمل في خطة تتريك المناطق التي تسيطر عليها في الشمال الغربي السوري لضمّها تدريجياً إليها وكانت وقاحتها العدوانية فاضحة عندما اتجهت إلى فرض مناهجها التعليمية والتربوية على المدراس في المناطق التي تسيطر عليها مع فرض العملة التركية بالتعامل الاقتصادي ورفع الأعلام التركية ومنع رقع العلم السوري.

في مواجهة ذلك، قام الجيش العربي السوري بعملية احتواء وتأديب ميداني فأنزل بالإرهابيين الخسائر الفادحة وأجهض خطتهم لحرب الاستنزاف وانطلق في عمليات احترافية مدروسة لتهيئة البيئة العملانية لإطلاق معركة التحرير الكبرى لإدلب، العملية التي تقود إلى إسقاط المشروع التركي المنتهك لوحدة الأراضي السورية وإلى الإجهاز على الحالة الإرهابية في كامل المنطقة.

في ظلّ هذه الظروف والمشهد انعقدت أستانة 13 بحضور الثلاثي الراعي روسيا وإيران وتركيا والتحاق أطراف جديدة بصفة مراقب، وتمّت مناقشة الوضع في إدلب بشكل خاص والمسألة السورية بشكل عام، مناقشة أخذت في الاعتبار توازنات الميدان التي عززها الجيش السوري في الأيام التي سبقت أستانة بعملية تل ملح والجبين، وساهم الطيران الحربي السوري والروسي في توجيه الرسائل النارية القاسية للمعنيين في الشأن العدواني هناك، كما كان تصريح السفير الأميركي الأخير في سورية فورد وكلامه للإرهابيين ولتركيا معهم وبوضوح: لا تنتظروا شيئاً من واشنطن، فالولايات المتحدة غير مستعدّة للمُخاطرة بحربٍ عالميّة ثالثة ولن تتدخّل لوقف القصف السوري الروسي لمدينة إدلب».

ولأنّ أرجحية الميزان السياسي والميداني في أستانة كانت لصالح سورية، فقد خرج المجتمعون فيها بقرارات ومواقف وصفها رئيس الوفد السوري إلى أستانة الدكتور بشار الجعفري بأنها الأفضل من كلّ ما سبقها حيث أنها انتزعت من تركيا توقيعاً صريحاً وتعهّداً واضحاً باحترام وحدة الأراضي السورية يعني سقوط المشروع الخاص باقتطاع أرض سورية وتتركيها وبالتزام تركي بالعودة إلى اتفاق سوتشي وتنفيذه بصدق وأمانة يعني إقامة المنطقة العازلة المنزوعة من السلاح بتراجع الإرهابيين 20 كلم بعيداً عن خطوط التماس مع الجيش العربي السوري الذي يستمرّ متمسكاً بمواقعه كما ونزع السلاح الثقيل من يد الإرهابيين في المنطقة وإقامة نقاط مراقبة تركية وروسية لضبط وقف إطلاق النار . وإضافة إلى ذلك كان القبول بالموقف السوري حول اللجنة الدستورية والاستجابة له بعد إجراء بعض التعديلات التي لا تغيّر من جوهر امتلاك سورية النسبة الراجحة في اللجنة والأكثرية المطلقة فيها.

هذا النجاح السوري في أستانة 13 أدّى إلى اعتراض الإرهابيين عليه، كما كان محلّ تشكيك من قبل بعض الخبراء والمحللين المشككين بصدقية الالتزام التركي، وجدية تركيا في التنفيذ. ففي موقف فوري رفض المسؤول عن جبهة النصرة الإرهابية في إدلب الجولاني الاتفاق قائلاً لن نسحب جندياً واحداً أو قطعة سلاح واحدة من أيّ موضع، ولن نتموضع في مكان حسب رغبة الأعداء أو الأصدقاء العدو لم يستطع أن يحتلّ الـ 20 كم التي يتحدّث عنها بقوة السلاح، فكيف نعطيه إياها سلمياً». أما من الناحية الموضوعية، فإننا نعتبر وبدون شك انّ قرارات أستانة 13 تستجيب للمصلحة السورية الوطنية العليا، وانّ تركيا ما كانت لتقبل بها لو لم يكن هناك ظروف ميدانية وإقليمية ودولية ملائمة لتلك المصلحة الوطنية السورية ما جعل قبولها من تركيا بعد ان فرضت عليها أمراً لا مفرّ منه.

لكن تركيا في قرارة نفسها تعلم أنها بموافقتها على الجانب الميداني والتزامها بالتنفيذ الأمين له وبموافقتها على الجانب السياسي وقبولها باللجنة الدستورية كما انتهت الأمور اليه، تعلم أنها ستخرج من سورية ويسقط مشروعها الخاص فيها الذي من أجله خاضت هذه الحرب ضدّ سورية فهل ستقبل بصفة المهزوم وتخرج هكذا؟

في الإجابة نقول انّ تركيا اليوم في وضع استراتيجي وسياسي وأمنى غير مريح لها، وانّ عليها ان تختار بين المزيد من المجازفات والرهانات الخاسرة بما في ذلك الرهان الأمني الذي قد يخترق الهدف الاستدراجي المتصل بوحدة الأراضي التركية، وبين اعتماد سياسة الدفاع وحماية المصالح الاستراتيجية والأمنية المشروعة التي يعتبر أمرها ربحاً مشروعاً يحجب الخسائر الاستراتيجية المحتملة. ويكون من مصلحة تركيا اختيار السلوك الثاني لأنه مشروع ومضمون النتائج ويمكنها ان تفسّره لشعبها بانه ربح لا خسارة وإنْ لم يكن ربحاً بالمنظور الأوّلي للأرباح التي سعت اليها.

وعليه نرى انّ من مصلحة تركيا هذه المرة وقف المراوغة والتسويف، ومن مصلحتها التعامل بصدق مع روسيا وإيران لتنفيذ قرارات أستانة 13 والفراغ من مسألة إدلب للتفرّغ للملف الأخير شرقي الفرات، فهل تتعقلن تركيا هذه المرة؟ نتمنّى… لكننا حتى اللحظة نشكّ بذلك ونرى انّ الجيش العربي السوري بحاجة للاستمرار في التحضير لمعركة تحرير إدلب التي ستفرض عليه إذا تراجعت تركيا عن تعهّداتها.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Advertisements

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

حلّوا خلافاتكم بتطبيق الدستور وإعمال المؤسسات الدستورية

يوليو 30, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

ملفان أدخلا لبنان في حالة من الشلل في الحكم والاضطراب، وأخلّا بالاستقرار في العلاقات السياسية، وأثرا على الانتظام العام في عمل الدولة، وجعلا هذا الطرف يصرخ وذاك يحتجب وغيرهما يحجم عن ممارسة صلاحياته، والنتيجة كانت شلل في الدولة وتعطل لمصالح الناس، ولو احتكم المسؤولون اللبنانيون الى الدستور والقانون والمؤسسات المعتمدة بموجبهما لكان أمر الحلول لكلّ ما يتوالد من مشاكل سهلاً وسريعاً، وحتى لكانت معظم المشاكل بمنأى عن الظهور أصلاً.

ولكن للأسف نجد أنّ معظم المسؤولين يرون أنفسهم فوق الدستور وفوق القانون وفوق المؤسسة، لا بل الأسوأ من هذا يرون في الدستور والقانون والمؤسسة مطية لنزواتهم وقيوداً يستعملونها لتقييد سواهم، أما هم فلهم الحصانة المطلقة التي على أعتابها تتوقف الدساتير وتتعطل القوانين وتشلّ المؤسسات، انها حصانتهم الطائفية التي هي فوق كلّ الحصانات وغرائزهم التي هي فوق كلّ الحقوق، فوق حقوق المواطن وفوق حقوق الإنسان بكلّ أنواعها السياسية والمدنية والوجودية معها.

فإذا عدنا الى الملفين اللذين يعطلان اليوم الدولة ويجمّدان مؤسساتها وينذران بأبشع العواقب لوجدنا انّ التفلت من الدستور والقانون هو ما أنتج المشكلة وهو ما يمنع الحلّ ويضع لبنان في حال القلق والاضطراب.

ولنبدأ بالملف الأول والمعروف باسم «الناجحين في مجلس الخدمة المدنية» بوظيفة من فئة ثالثة أو رابعة من الفئات الإدارية في الدولة، فنجد انّ السلطة السياسية امتنعت بحجة عدم التوازن الطائفي عن اعتماد ما صدر عن مجلس الخدمة المدنية الذي طبّق القانون الذي أناط به أن يتلقى حاجات الوزارات الى الموظفين وشروط الوظيفة ويعلن عنها وينظم مباريات مناسبة لاختيار من يملأ به الشواغر ثم يرفع النتائج الى المعنيين لتنظم مراسيم التعيين بالأخذ حرفياً بما أفرزته المباريات من نتائج دون التوقف عند أيّ معيار آخر، لأنّ المادة 95 من الدستور تحصر مراعاة التوازن الطائفي بوظائف الفئة الأولى حيث انّ نصها الحرفي يقول «… في المرحلة الانتقالية… تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين…» المرحلة هي التي تبدأ من تاريخ اعتماد الدستور وتنتهي بتاريخ إلغاء الطائفية السياسية .

هذه المادة واضحة في عناصرها الرئيسية لجهة عدم مراعاة الانتماء الطائفي في التوظيف إلا ضمن شرطين اثنين: شرط المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في وظائف الفئة الأولى دون تخصيص أيّ وظيفة لأيّ طائفة، والشرط الثاني مراعاة «مقتضيات الوفاق الوطني» في باقي الوظائف بما يعني عدم استبعاد أيّ طائفة أو أيّ مذهب من سلة التعيينات بشكل عام، دون ان يصل الأمر الى تطبيق نص المناصفة في كلّ شيء. وقد نكون بحاجة الى تحديد جزئيات وتفاصيل تطبيق هذا الأمر.

وفي هذا النطاق نستبعد مطلقاً فكرة القول بالمناصفة خارج الفئة الأولى كما نرفض فكرة الإقصاء الكلي لأيّ طائفة عن أيّ وظيفة، ويبقى ان نحدّد النسبة المقبولة في التعيين التي تدور بين الصفر والـ 50 وهنا يمكن اختيار أحد معياريين: إما معيار النسبة المئوية للطائفة الى مجموع السكان اللبنانيين او معيار الحدّ الأدنى المعقول كالقول مثلاً بنسبة 10 او 15 ، بما يعني انّ الدولة وعبر مؤسساتها الدستورية بحاجة الى تعيين هذا المعيار المقبول للمحافظة على مقتضيات الوفاق الوطني في التوظيف وبهذا ننهي الإشكال القائم ونمنع قيام إشكال جديد ونتجنّب خرق الدستور من هذا وذاك.

أما الموضوع الثاني فهو موضوع الملاحقة الجزائية للمسؤولين عن «جريمة البساتين» أو ما اصطلح على تسميته «حادثة قبرشمون«، وهي التي نجمت عن إقدام مسلحين على إطلاق نار أدّى الى مقتل اثنين من مرافقي الوزير صالح الغريب وجرح آخرين، وطالب حزب الوزير بإحالة الموضوع على المجلس العدلي ورفض «المشتبه به الظاهر» هذا الطلب، وجرى اصطفاف سياسي بينهما ما عطل اجتماعات مجلس الوزراء حيث يمتنع رئيس الحكومة عن الدعوة إليه، فهل من حق أحد ان يعطل مجلس الوزراء او يشترط عليه؟ وكيف تلاحق الجرائم أمام القضاء.

قبل الغوص في الموضوع نذكر بانّ الملاحقة الجزائية في لبنان تتمّ أمام قضاء من ثلاثة: القضاء العادي وهو قضاء ذو ولاية وصلاحية شاملة تقوم في إطار المنظومة القضائية المرتبطة بوزارة العدل، وقضاء استثنائي يتجسّد في القضاء العسكري والمتمثل بالمحكمة العسكرية المرتبطة بوزارة الدفاع، وأخيراً القضاء الخاص المتمثل بالمجلس العدلي الذي يشكل ويضع يده على قضية محدّدة بقرار من مجلس الوزراء الذي يتخذ قراره إذا كان من شأن الجريمة ووفقاً لاستنسابه أو ردة الفعل الأولية عليها أن تشكل مساساً بهيبة الدولة وبالأمن العام.

وانطلاقاً من هذا يكون منطقياً ان تبدأ الملاحقة الجزائية فور وقوع الجريمة بتحرك النيابة العامة التمييزية التي لها ان تبقي القضية في إطار القضاء العادي الشامل او تحيلها الى القضاء العسكري انْ وجدت في الجرم عناصر نص قانون القضاء العسكري على اعتبارها من صلاحية هذا القضاء.

اما الإحالة الى المجلس العدلي فهي حصرياً كما تقدّم من صلاحية مجلس الوزراء، وهنا نعود الى نظام هذا المجلس وصلاحية الدعوة الى انعقاده وصلاحية تنظيم جدول أعماله فنجد انّ الدستور أعطى هذه الصلاحية حصرياً لرئيس الوزراء يمارسها بالتنسيق مع رئيس الجمهورية والوزراء النص الدستوري: «يطلع رئيس الجمهورية والوزراء مسبقاً على المواضيع التي يتضمّنها جدول أعماله وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث» ، كما لحظ الدستور لرئيس الجمهورية صلاحية خاصة بترؤس الجلسة وطرح مواضيع من خارج جدول الأعمال إذا رأى انّ المصلحة الوطنية تفرض ذلك.

أما رئيس الحكومة ورغم انه المحدّد حصراً في الدستور بالدعوة الى مجلس الوزراء ووضع جدول أعماله، فإنه ليس مطلق الصلاحية بالتحكم بهذا المسار، فرئيس الحكومة ليس هو السلطة التنفيذية بل يمارس دور المدير وليس دور القائد، بمعنى انّ عليه ان يأخذ بالاعتبار ما يرد اليه من طلبات من الوزراء ويدرجها في الجدول او يؤخرها لكن ليس له ان يسقطها ويهملها كلياً، ولنقل بوضوح أكبر انّ روح الدستور تفرض ان يجد كلّ طلب من وزير طريقه الى جلسة مجلس الوزراء ولا يكون لرئيس الحكومة ان يمتنع عن الدعوة الى مجلس وزراء بحجة الطلبات التي ترده او طبيعتها، كما ليس لرئيس الحكومة ان يسقط طلبات الوزراء لأنه ليس رئيسهم بل هو رئيس مجلس الوزراء الذي له ان يناقش كلّ الطلبات ويقرّر بشأنها. وعليه نرى التالي ان:

1 ـ من حق أيّ وزير أن يطلب إدراج أيّ موضوع على جدول أعمال مجلس الوزراء، دون أن يكون له اشتراط إدراج طلبه في جدول إعمال هذه الجلسة او تلك.

2 ـ من حق رئيس الحكومة ان يدرج طلب الوزير في هذه الجلسة او تلك ولكن ليس من حقه ان يسقط الطلب كلياً او يمنع طرحه على مجلس الوزراء نهائياً او يؤخر طرحه دون مبرّر تعسفاً او تسويفاً.

3 ـ من حق رئيس الجمهورية ان يرأس أيّ جلسة لمجلس الوزراء وان يطرح أيّ موضوع من خارج جدول الأعمال دون ان يكون من حق أحد بما في ذلك رئيس الحكومة ان بمنع الرئيس او يحول دونه ودون ممارسته صلاحيته تلك.

4 ـ من حق مجلس الوزراء مجتمعاً وحصرياً أن يتخذ القرار بشأن أيّ موضوع ورد في جدول الأعمال او يطرح من خارجه، ويقرّر مجلس الوزراء إما بالتوافق أو بالتصويت وليس هناك سبيل آخر.

فإذا طبّقنا هذه القواعد على حادثة قبرشمون نجد الحلّ، ويكون على رئيس الحكومة أن يدعو إلى جلسة لمجلس الوزراء، وعليه أن يسمع لطلبات الوزراء دون فرض او إملاء، وله أن يضع جدول أعمال المجلس دون أن يفرض عليه هذا الموضوع أو ذاك، ويكون لرئيس الجمهورية أن يحضر الجلسة إذا اكتمل نصابها وأن يطرح من خارج جدول أعمالها ما يشاء، ويكون للمجلس أن يقرّر في كلّ شأن يعرض عليه، قراراً يعتمد بالتوافق او بالتصويت… هذا ما ينص عليه الدستور ببساطة فهل يطبّق؟

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

Related Videos

إيران في المواجهة… تفرض قواعد اشتباك ومعادلات ردع فاعلة

يوليو 23, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

ظنّ الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي انّ الساحة الدولية خلت له وأنه أيّ الغرب بشكل عام وأميركا بشكل خاص لهم الحق بأن يقيّدوا العالم بأوامرهم وقوانينهم وبما يفرضونه من قواعد سلوك أو قواعد اشتباك. وتصرّف الغرب بقيادة أميركية بذهنية «الأمر لنا وعلى العالم الطاعة». وبهذا «المنطق الذي يرفضه منطق العدالة والسيادة والاستقلال الوطني»، بهذا المنطق خاضت أميركا وأحلافها القائمة او التي ركبت غبّ الطلب خاضت منذ العام 1990 أربع حروب الكويت أفغانستان – العراق لبنان وألزمت مجلس الأمن إما بتفويضها ابتداء أو بالتسليم لاحقاً بالأمر الواقع الذي أنتجته حروبها العدوانية.

اما إيران التي أطلقت في ظلّ ثورتها الإسلامية نظرية «الاستقلال الفعلي المحصّن بالقوة القادرة على حمايته« فقد تصدّت للمنطق الاستعماري الأميركي ورفضت الخضوع لمقتضياته، وجاهرت برفضها له وتمسّكها بحقها في السيادة والاستقلال الوطني، ليس هذا فقط، بل وأيضاً جاهرت بنصرة القضايا العادلة ومدّ يد العون للمظلومين ضحايا الغزو الاستعماري بوجوهه المتعدّدة والتي يشكل الاستعمار الاحتلالي التهجيري الذي تمارسه «إسرائيل» في فلسطين، الوجه الأبشع والأكثر ظلماً في ممارسات الاستعمار.

ولأنّ إيران رفضت ان تنصاع للاستعمار بأيّ صيغة من صيغ الإذعان التي أعدّها لها فقد اتخذ القرار الغربي بإسقاطها وشنّت عليها الحرب في الأشهر الأولى لنجاح ثورتها وإقامة دولتها الإسلامية… ولما فشلت الحرب في تحقيق أهدافها اعتمد الغرب الاستعماري سياسة الاحتواء والمحاصرة أسلوباً لمواجهتها.

وبالتالي فإنّ إيران الاستقلالية هذه وضعت بين شرّين: شرّ الاستتباع والهيمنة كما هي حال جوارها في دول الخليج، وشرّ التضييق والحصار للتركيع عبر ما يسمّى العقوبات، وبينهما اختارت إيران الشرّ الأدنى لأنها توقن «انّ جوع مع كرامة وسيادة أفضل من عبودية وتبعية مع وعد بالتساهل الاقتصادي». ومع هذا الاختيار حوّلت التحدي الى فرصة استغلتها من أجل تنمية اقتصادها سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي الممكن.

استطاعت إيران ان تصمد طيلة الأربعين عاماً الماضية الى ان وصلت اليوم لموقع بالغ الحرج والخطورة حيث فرض عليها اختيار جديد، يخيّرها بين التنازل عن حقوقها استجابة لقرار أميركي ينتهك هذه الحقوق، او المواجهة المفتوحة مع ما يمكن ان تتطوّر فيه وصولاً الى الحرب. اختبار بدأه ترامب بالخروج من الاتفاق النووي وأكده موقف أوروبي متخاذل عن حماية هذا الاتفاق.

تدرك إيران انّ الخضوع للرئيس الأميركي ترامب في مطالبه يعني بكلّ بساطة التنكّر للثورة وتغيير طبيعة النظام الاستقلالي والعودة الى مقاعد الدول التي تفرض أميركا هيمنتها عليها، اما المواجهة فإنها مع مخاطرها تختزن آمالاً كبيرة بتحقيق النجاح وتثبيت المواقع الاستقلالية، ولهذا اختارت إيران ان تتمسك بحقوقها واستقلالها وان تعدّ لكلّ احتمال مقتضياته، وهذا القرار هو الأساس الذي تبني عليه إيران كلّ سياستها.

ويبدو انّ أميركا صُدمت بالقرار الإيراني فراحت تهوّل على إيران بالحرب وعملت على تشكيل أحلاف دولية للعدوان عليها بدءاً بـ «حلف الناتو العربي» واجتماع وارسو الذي دعت اليه للتحشيد ضدّ إيران، وصولاً الى فكرة الحلف البحري في الخليج لمحاصرة إيران، ثم شرعت بتحريك ونقل قوات عسكرية الى السعودية للإيحاء بأنّ الخيار العسكري لمواجهة إيران هو خيار جدي وقريب…

كلّ هذا لم يرعب إيران ولم يهزّ ثقتها بنفسها لا بل تعاملت مع المستجدات بموقف أذهل أميركا وحلفاءها حيث كان إسقاط إيران لطائرة التجسّس الأميركية ثم كان احتجازها لباخرة بريطانية انتهكت مقابل الشاطئ الإيراني قواعد الملاحة الدولية ثم كان اعتقال 17 جاسوس أميركي في إيران ومحاكمتهم…

قامت يران بكلّ ذلك في إطار تنفيذ استراتيجية دفاعية تثبت فيها أنها صحيح لا تسعى الى الحرب ولكنها أيضاً لا تتهيّب المواجهة إذا فرضت عليها، ولهذا أعدّت إيران نفسها للدفاع وأطلقت مع حلفائها «استراتيجية الحرب المفتوحة والمواجهة الشاملة على كلّ الجبهات» وحضرت نفسها للأكثر سوءاً. ما جعل أميركا تدرك انّ لعبتها على حافة الفشل والانهيار الأمر الذي جعلها تتراجع قليلاً وتأمر بريطانيا بفعل شيء ما ضدّ إيران فاستجابت ونفذت عملية قرصنة ضدّ باخرة نفط إيرانية كانت تعبر مضيق جبل طارق. وارتكبت بذلك عملاً غير مشروع ومخالف لأحكام القانون الدولي العام بما فيه أحكام الملاحة الدولية ويصنّف بأنه عدوان على إيران بكلّ المعايير.

تصوّرت أميركا وبريطانيا أنهما ستلويان ذراع إيران وتجبرانها على وقف تصدير نفطها، لكن الردّ الإيراني جاء معاكساً للتوقع الانكلوسكسوني، ردّ حصل على وفقاً لمبدأ «السن بالسن والعين بالعين والبادئ أظلم«، وترجم باحتجاز الباخرة البريطانية التي كاث تعبر مضيق هرمز.

انّ احتجاز إيران للباخرة البريطانية بعد أيام من إسقاط طائرة التجسّس الأميركية فوق النطاق الإقليمي الإيراني يشكل خطوة نوعيه في المواجهة من شأنها ان تفرض إيقاعها على الكثير من العلاقات الدولية التي يكون الغرب طرفاً فيها. وفيها من الدلالات فوق ما كان يتوقع او يتخيّل أحد من ساسة الغرب عامة وأميركا وبريطانيا خاصة دلالات يمكن ذكر بعضها كالتالي:

1 ـ رسم الفعل الإيراني قواعد اشتباك جديدة في العلاقة مع الخصوم والأعداء، قواعد قائمة على «الردّ المناسب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة»، ينفذ تطبيقاً لقاعدة أساسية في قانون الحرب هي «قاعدة التناسب والضرورة». فإيران وفقاً لهذا المبدأ لا تعتدي ولا تبادر الى عمل ميداني إنْ لم يكن مسبوقاً بعدوان عليها، كما انّ إيران لن تسكت عن أيّ عدوان يستهدفها.

2 ـ أسقطت إيران الهيبة الأميركية والبريطانية وهذا أمر بالغ الخطورة بالنسبة لاثنتين من مجموعة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. وأكدت أنها لا تخشى ما هم عليه من قوّة، وبأن عليهم اعتماد الحسابات الدقيقة في مواجهتها وإلا كانت الخسارة المؤكدة.

3 ـ أكدت إيران انها عصية على الحرب النفسية وأنها واثقة من قدراتها الدفاعية الذاتية وإنها أيضاً مطمئنة لتحالفاتها الإقليمية والدولية. وأنها لا تتهيّب مواجهة عسكرية مع انها لا تسعى اليها.

4 ـ أكدت إيران احترامها للقانون الدولي وفقاً للتفسير الموضوعي الصحيح، وترفض أيّ تفسير منحرف وعدواني على حقوق الغير.

5 ـ أرست إيران معادلة ردع متبادل فاعل في مواجهة الخارج عامة وأميركا ومن يتبعها خاصة، معادلة جديدة تقوم مكان مبدأ الردع الأحادي الذي تفرضه أميركا في العالم وتمنع أحداً من الدول من مواجهتها حتى ولو كانت المواجهة دفاعاً عن النفس.

انّ مفاعيل ما تقوم به إيران يتعدّى إطار العلاقة البينية مع أميركا وبريطانيا ويتمدّد ليصبغ العلاقات الدولية كلها وليفرض نمطاً جديداً فيها قائماً على الثقة بالنفس وكسر قيود الهيبة الغربية التي بها فرض الاستعمار إرادته وبها أخضعت الدول وبها سرقت أموال الشعوب وحقوقهم، وعندما تكسر الهيبة تلك ستخلع أنياب الغرب وسيظهر مدى عجز دوله عسكرياً عن القبض على قرارات الشعوب والدول. وعندها سيفتح الطريق واسعاً أمام من يريد الحرية الحقيقية والاستقلال الفعلي الناجز والتمتع الكامل بثرواته.

وبكلمة أخرى نقول انّ إيران اليوم ترسم مشهداً دولياً استراتيجياً هاماً يتعدّى القول بمعادلة الطائرة بالطائرة والباخرة بالباخرة وهي تواجه معسكر الاستعمار بالأصالة عن نفسها والنيابة عن أحرار العالم ومظلوميه، وهنا تكمن أهمية المواجهة التي ستكشف انّ الخوف من الغرب كان قائماً على وهم وخيال أكثر منه على حقيقة وواقع، فالغرب لا يملك الجيوش التي تمكّنه من السيطرة على الكرة الأرضية لكن ضعف الآخر وعدم أخلاقية الغرب مكّنه من السيطرة، والآن تقوم إيران بكسر هذه الهيبة وتشجع الآخرين على المواجهة بعد الإعداد الصحيح لها وامتلاك الثقة بالنفس… وليعلم الجميع انّ الغرب سيحجم عن الحرب عندما يلمس انّ الآخر مستعدّ لها وقادر على خوضها… كما هي حال إيران ومحور المقاومة اليوم… وبهذا نفهم ما قاله بومبيو لبريطانيا «احموا سفنكم بأنفسكم فلسنا مستعدّين للحرب مع إيران».

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

حرب 2006: السقوط الإسرائيلي مستمرّ والسيّد سيُصلّي في القدس

يوليو 16, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد 13 عاماً على العدوان الإسرائيلي على لبنان تستمر تداعيات السقوط الإسرائيلي وانتصار المقاومة، وتستمر هذه التداعيات على أكثر من صعيد وفي أكثر من اتجاه الى الحدّ الذي مكّن السيد حسن نصرالله من إطلاق وعد جديد مزلزل قال فيه «وفقاً للمنطق والتحليل السليم أنا سأصلّي في القدس». قال هذا علماً بأنّ عمره لامس الـ 59 عاماً، والسيد كما عوّد الجميع صديقاً كان أو عدواً لا ينطق إلا بما يراه واقعياً ممكن الحصول ولا يعد إلا بما يراه قابلاً للتنفيذ وفقاً للإمكانات المتوفرة. وقد أطلق السيد وعده هذا في معرض الحديث عن انتصار المقاومة ما يعني أنّ تحرير القدس الذي يعنيه هو التحرير الذي سيكون على يد المقاومة وفي العشرات القليلة الآتية من السنين، فلماذا قال السيد ما قاله ولمَ أو هل جازف بوعده؟

إنّ المتتبع لمجريات الأمور في المنطقة وفي كلّ ما يتصل بالصراع مع العدو الإسرائيلي وحوله يدرك وبكلّ موضوعية أنّ هناك فئتين من الحقائق تشكلتا في فترة حرب وما بعد حرب 2006. حقائق لا يتعامى عنها إلا حاقد موتور رافض للحقيقة او جاهل أعمى عاجز عن رؤية الحقيقة، وكما هو معلوم ليس لرأي أيّ من الطرفين وزن.اما الفئة الأولى من الحقائق تلك فهي ما نتج مباشرة عن حرب 2006 وفيها تحطّمت الأركان الرئيسيّة للعقيدة العسكرية الإسرائيلية واختلت استراتيجيتها الهجومية اختلالاً كبيراً، حيث خرجت «إسرائيل» من الحرب وقد فقدت «الحرية في قرار الحرب»، وخسرت عنصر «الحرب على أرض الخصم». وودّعت الى الأبد نظرية «الحرب الخاطفة» وسقطت من يدها «نظرية سلاح الطيران الحاسم«.

لقد، وضعت حرب 2006 حداً نهائياً لمقولة الحرب الخاطفة التي كانت تشكل الركن الأساس في تلك العقيدة، فقبل 2006 كانت «إسرائيل» تملك الجزئيات الثلاث في مسألة قرار الحرب وتوقيتها ونطاقها، فهي مَن يبدأ الحرب وهي مَن يحدّد نطاق الحرب زماناً وميداناً وهي مَن يوقف الحرب، أما بعد 2006 فلم يعد لـ «إسرائيل» إلا الجزئية الأولى أيّ من يبدأ الحرب فتستطيع أن تطلق هي الطلقة الأولى لكن النطاق الزمني والمكاني وتاريخ انتهاء الحرب باتت أموراً خارج يدها كلياً. وهذا ما شكل ولا يزال من أهمّ الخسائر الاستراتيجية للعدو التي قيّدت حريته في الذهاب للحرب، لأنه يخشى من مدتها وباتت للمرة الأولى في حياتها مردوعه بسلاح المقاومة.

كما أسقطت الحرب الركن الثاني في العقيدة العسكرية الإسرائيلية المتمثل بمقولة «الحرب على أرض الخصم». وهنا نذكر أنه قبل حرب 2006 كانت «إسرائيل» تخوض الحروب على الجبهات وشعبها يمارس السباحة والسياحة في المنتجعات والمرابع الترفيهية مطمئناً، لكنها مع حرب 2006 وبعدها تغيرت الصورة وباتت «إسرائيل» تخشى من أمرين يرعبانها. الأول: وضع «إسرائيل» كلها تحت النار وتهديد ما أسمي الجبهة الداخلية بنار شل وتدمير وفشل «إسرائيل» في تأمين الحماية والمناعة لشعبها كما فشلها في تطبيق مقولة «شعب يعمل تحت النار». أما الثاني فهو ما عبر عنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن «على المقاومين ان ينتظروا أمراً بالقتال في الجليل شمال فلسطين المحتلة». وهو عمل إذا حصل فسيكون الأول من نوعه منذ العام 1948 وسيتكامل مع الأمر الأول ويُسقط نهائياً مقولة «الحرب على أرض الخصم» لتتقدّم مقولة الحرب المفتوحة في الزمان والمكان وعلى جانبي الحدود.

أما العنصر الثالث الذي أسقطته حرب الـ 33 يوماً فكان سلاح الطيران الذي طالما فاخرت به «إسرائيل» واطمأنت اليه، وجعلته «السلاح الحاسم». فقبل 2006 كانت «إسرائيل» تحسم نتائج الحرب من الساعات أو الأيام الأولى بالعمل التدميري الواسع الذي ينفذه طيرانها الذي يمتلك تفوقاً كبيراً وسيطرة جوية تامة، اما في الـ 2006 فقد فشلت «إسرائيل» في تحقيق النتائج المتوخاة من طيرانها رغم أنها ارتكبت جرائم حرب بهذا الطيران وابتدعت «نظرية الضاحية» ونفذتها بتدمير مدينة بكاملها… فالطيران الإسرائيلي فشل في حسم الحرب وفشل في إسكات مصادر نيران المقاومة وفشل في ثني المقاومة عن العمل المؤثر في الميدان. وفي المقابل نجحت المقاومة في إجبار «إسرائيل» على القتال بنمط الجيل الرابع وأرغمتها على معارك الالتحام وووضعت الجندي الإسرائيلي أمام نفق مرعب لا يقوى على دخوله ووضعت بذلك حداً لمقولة «الانتقال الآمن في الميدان» أو «السيطرة والسيادة الإسرائيلية في الميدان». فكل هذا بات من الماضي وباتت المظلة الجوية عاجزة عن رد طلقة نار يرميها مقاوم من مسافة أمتار قليلة.

أما الأخطر من كل ما تقدّم فقد كان سقوط «الهيبة العسكرية الإسرائيلية» وثقة الصهاينة بجيشهم وسقوط مقولة الجيش الذي لا يُقهر، فحرب تموز 2006 فضحت هذا الجيش وسلّطت الأضواء على عناصر الضعف فيه ومكّنت السيد حسن نصر الله من وصف الكيان الإسرائيلي بـ «بيت العنكبوت» الذي هو أوهن البيوت بالوصف القرآني.

أما بعد الحرب وخاصة في السنوات العشر الأخيرة أي منذ بدء الحريق العربي وما جرى من قتال على أرض سورية وما تبعها من متغيرات دولية وتطورات عسكرية في جانب المقاومة ومحورها وعلى صعيد قدراتها وخبراتها فقد باتت «إسرائيل» في مواجهة مشهد عملاني واستراتيجي جديد لم تعرفه منذ اغتصابها لفلسطين، مشهد يقوم على ما يلي:

أولاً: إن الحرب المستقبلية ستكون حرباً إقليمية شاملة لكامل المنطقة مع تعدّد الجبهات ولن تستطيع «إسرائيل» أن تستفرد بأي من مكوّنات محور المقاومة وسقط عنصر آخر في عقيدتها العسكرية يتمثل بنظرية «القتال على جبهة واحدة وتجميد الجبهات الأخرى».

ثانياً: وهن البنية الإسرائيلية أمام فعالية النار التدميرية للمقاومة. وهو ما عرضه السيد حسن نصر الله في حديثه الأخير وحدد فيه البقعة الرئيسة التي تحتوي على الأساسيات في بنك اهداف المقاومة وكلها تقع في منطقة لا تتجاوز 1200 كل م2 وهي ما يمكن تسميته بـ «إسرائيل الحيوية» أو «قلب إسرائيل»، حيث تتجمّع كل مراكز القيادة والإدارة والإنتاج والعمل في السياسة والأمن والاقتصاد والمال حتى باتت تسميتها بأنها منطقة قلب «إسرائيل» هي تسمية موضوعية جداً، فإذا شلّت أو توقفت عن العمل ماتت «إسرائيل» وهو أمر باتت المقاومة قادرة على إنجازه لما تملك من أسلحة نار تدميرية فاعلة.

ثالثاً: فعالية القدرات الهجومية للقوات البرية التي باتت المقاومة تملكها ما يخيف «إسرائيل». وهو ما أكد عليه السيد حسن نصر الله بوضوح مشدداً على حجم هذه القوى والخبرات العالية التي اكتسبتها في الحرب الدفاعية التي خاضتها في سورية ما مكّنها من بناء عنصر قتالي اقتحامي فاعل في البر قادر على الهجوم والاقتحام في أصعب الظروف.

نقول هذا مع أننا لا نسقط من الحساب احتمال التدخل الغربي بقيادة أميركية، وامتلاك «إسرائيل» للسلاح النووي، لكننا نعرف أيضاً ان الغرب يقدم السلاح والذخائر ولا يقدم الدماء لحماية «إسرائيل» في حرب ستكون مفتوحة وستكون فيها مصالحه في خطر، أما عن السلاح النووي فإنه في الأصل سلاح ردع لا يُستعمل، وإذا استعملته «إسرائيل» فسيكون الدليل القاطع على نهايتها وأكتفي بهذه الإشارة دون تفصيل أكثر.

لكل ذلك أقول إن «إسرائيل» انكشفت الآن وظهرت الثغرات في بنيتها، ولهذا لا نتوقع أن تبادر هي في المدى المنظور الى حرب تهدد بها دائماً، وتبقى الحرب مستبعدة أيضاً لأن المقاومة لن تبدأ بها ولن تبادر اليها، اما إذا ارتكبت «إسرائيل» الخطأ المميت وذهبت الى الحرب… واعتقد أنها سترتكب هذا الخطأ يوماً… فإنها ستكون الحرب التي تفتح طريق السيد حسن نصر الله الى القدس ليصلي فيها، كما أعلن.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

Related Videos

Related News

سورية واستراتيجية استكمال التحرير والتطهير

يوليو 9, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

في خريف العام الفائت كان المراقبون جميعاً ينتظرون إطلاق عملية تحرير إدلب على يد الجيش السوري وحلفائه ويتوقعون دعماً نارياً روسياً ملائماً لهذه العملية المعقدة والتي يعترضها الكثير من العوائق والصعوبات الناتجة عن ظروف شتى عملانية وسياسية واستراتيجية وحتى ديمغرافية.

لكن روسيا التي وقفت على هذه العقبات وما يرافقها أيضاً من مخاطر التدخل الأميركي والغربي ومع ما تستلزمه من تضحيات وحاجة إلى تحشيد قدر كبير من القوى والطاقات للتنفيذ، روسيا هذه رأت ان تبحث في خيار أخر يؤمّن تحقيق الغاية السورية من جهة، ولا يمسّ بالسعي الروسي إلى تهيئة الظروف المسهّلة لاستعادة دورها الدولي في عداد الصف الأول من القوى الدولية الفاعلة من جهة أخرى.

وقد رمى الخيار الروسي إلى تجنّب التحرير بالعمل العسكري الصاخب والوصول اليه بعملية متدرّجة مركبة تعتمد على تركيا في بعض وجوهها دون إسقاط الدور المركزي للجيش العربي السوري، ولأجل ذلك استبقت روسيا إطلاق عملية تحرير إدلب بعقد اتفاق سوتشي مع تركيا، الاتفاق الذي شاءته بديلاً مرحلياً للعمل العسكري وتوطئة له في نهاية المطاف لكن في ظروف وبيئة مختلفة.

هنا أدركت تركيا حاجة روسيا إليها لتجنّب العمل العسكري، فأبرمت الاتفاق مع نية الانقلاب عليه او إفراغه من مضمونه منذ لحظة توقيعه، ورغم انّ روسيا أدركت هذا الانقلاب والغدر التركي فإنها ولأسباب ذاتية وإقليمية ودولية امتنعت عن مواجهة تركيا وراهنت على إمكانية إعادتها إلى الاتفاق بالقدر المتيسّر لانّ لروسيا مصالح استراتيجية مع تركيا ترى انّ عدم تحقيقها الآن قد يعني استحالة تحقيقها مطلقاً في المستقبل.

فروسيا تدرك انّ فشل تركيا في مشروعها الإقليمي العام المتضمّن سيطرة الإخوان المسلمين بقيادتها على كامل المنطقة، وانّ برودة العلاقة مع الغرب الأوروبي حتى وجفافها انْ لم نقل أكثر، وانّ شبه العزلة الإقليمية التي تعاني منها تركيا نتيجة تشكل العداوات التي تصبغ علاقاتها مع كلّ دول المنطقة إلا القليل منها قطر مثلاً روسيا تدرك ظروف تركيا هذه وتتصوّر أنها اللحظة المناسبة لجذب تركيا اليها وتجميد موقعها في الحلف الأطلسي وتحييدها في الصراع بين الشرق والغرب، أهداف إذا تحققت تكون قد أحدثت انقلاباً استراتيجياً في العلاقات الدولية ومستقبل النظام العالمي برمّته، انقلاب يكون طبعاً لصالح روسيا على حساب أوروبا وأميركا.

لهذه الأسباب رأت روسيا انّ مسايرة تركيا او ممالأتها وغضّ النظر عن تراجعها في تنفيذ الاتفاقات حول إدلب وسواها في سورية هو أمر متسامَح به إذا تمّ النظر اليه من باب المصالح الاستراتيجية الروسية الكبرى التي يحققها هذا التسامح او التساهل، وفي الوقت نفسه رأت تركيا انّ بإمكانها استثمار الحاجة الروسية تلك إلى الحدّ الأقصى من أجل منع عملية تحرير إدلب ومنحها الوقت اللازم لفرض مشروعها الخاص او تحقيق أكبر قدر من المكاسب في سورية، مكاسب تعوّل عليها لحجب أو تخفيف مفاعيل فشلها الاستراتيجي الإقليمي العام الذي لم يبق لها تقريب سوى الميدان التونسي محلاً لتحقيق الربح والميدان الليبي محلاً للمناورة.

في ظلّ هذا الوضع، ومع توجه الإرهابيين في إدلب وبدعم تركي لجرّ الجيش السوري إلى حرب استنزاف في أرياف حماة وحلب وإدلب، لحرفه عن عملية التحرير وإشغاله عن الخطة العدوانية التركية، اتخذت سورية قراراً ترجمت به استقلالية القرار السوري وعملت وفقاً لجدول الأولويات العسكرية السورية مع مراعاتها للإمكانات الميدانية والظروف الإقليمية والدولية، واعتمدت في ذلك استراتيجية مطوّرة تقوم على مقومات أربعة هي:

1 ـ الحركة الدائمة والمتواصلة والمدروسة في الميدان وتجنّب الوقوع في فخ حرب الاستنزاف كما تجنّب إعطاء الذرائع للقوى المعادية ومكوّنات معسكر العدوان بقيادة أميركية، الذرائع التي تستغلّ من أجل العدوان المباشر على قوات وتشكيلات ومراكز الجيش العربي السوري.

2 ـ اقتياد التجمّعات الإرهابية إلى حرب تستنزفها وتضعفها وتشتّت قواها وتدمّر مراكزها النارية والقيادية بما يمنعها عن شنّ عمليات عسكرية واسعة تمكّنها من احتلال أرض وإفساد أمنها.

3 ـ تحرير الأرض بالقضم المتتابع المتدرّج وإنتاج بيئة عملانية ملائمة لإطلاق عملية التحرير الإلزامية النهائية التي لا يمكن إغفالها في مسيرة استعادة إدلب إلى حضن الدولة والوصول إلى الحدود الدولية مع تركيا بعد إجهاض المشروع التركي في سورية.

4 ـ تحييد القدر الأكبر من المدنيين في المنطقة وإتاحة الفرص لهم للانتقال إلى مناطق آمنة وتجنيبهم مخاطر الحرب.

لقد انطلقت سورية في تنفيذ خطتها تلك مع علمها الكامل باهتمامات الآخرين ومصالحهم، ووقوفها على وجهتي النظر القائمتين حول تحرير إدلب… وجهة النظر الداعية إلى الحلول السياسية مع ضغط عسكري ووجهة النظر الرامية إلى العمل العسكري المنتج لحلول سياسية، في مواجهة خطط معسكر العدوان المتمثلة في الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى إطالة أمد الصراع ومنع تحرير إدلب وشرقي الفرات في الوقت الراهن، والخطة التركية الرامية إلى إنشاء مناطق نفوذ في الأرض السورية تحت تسميات متعدّدة تتقاطع كلها عند فكرة السيطرة التركية الميدانية على قطاع من الأرض يمكن تركيا من التأثير في القرار السوري المركزي.

لكن سورية التي عرفت كيف تخوض المواجهة وأخذت بعين النظر ما يشتمل عليه الميدان والإقليم من مؤثرات، واختارت ما يناسبها، حيث أثبتت الوقائع القائمة أنها نجحت في خيارها الاستراتيجي وحققت حتى الآن مكاسب لا بأس بها تستطيع ان تبني عليها خلال الأسابيع المقبلة لتتوسّع في عملية التحرير بالقضم المتتابع، وتفكيك فصائل الإرهاب وإعاقة لا بل منع المشروع التركي من تحقيق أهدافه، ويبدو أنّ هناك محطة مهمة في شهر آب المقبل تتمثل في الاجتماع الثلاثي الروسي الإيراني التركي، اجتماع قد يعوّل عليه من أجل مزيد من كشف الخطط التركية العدوانية وللتأكيد على انّ الوقت شارف على النفاذ ولن يكون بوسع تركيا أن تناور بشكل إضافي.

وعليه نرى وربطاً بين ملفي تحرير ما تبقى في سورية، وإنقاد الاتفاق النووي الإيراني، نرى انّ مطلع أيلول المقبل سيكون تاريخاً للخيارات الاستراتيجية الهامة، فإما تكيّف دولي مع إرادة سورية في التحرير وإيرانية في ممارسة الحقوق الوطنية المتصلة بملفها النووي ورفض الحرب الاقتصادية، أو تصعيد ومواجهة ستكون منطقة إدلب محلاً لها لانطلاق التحرير عسكرياً، مع احتمال احتكاك محدود مسيطر عليه بين إيران ومن يستهدفها يكون الخليج بشكل خاص ميدانه الأكثر احتمالاً وبهذا سيؤكد مجدّداً نجاح الصبر الاستراتيجي الذي مارسته إيران في استراتيجية النقطة نقطة ومارسته سورية باستراتيجية القضم المتتابع.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

صفقة القرن: سقوط يتهيّأ وتداعيات تعقبها؟

يونيو 11, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

قد يكون تراءى للبعض خاصة من أولئك الذين يؤمنون ويتصرفون على أساس انّ إرادة اميركا وقرارها قدر لا يُردّ، ان يكون تراءى لهم انّ سعي اميركا لتصفية القرار الفلسطينية عبر ما اسمي «صفقة القرن» بات امراً نهائياً مؤكداً، وانّ مواجهته ستكون عقيمة فاشلة. وقد غاب عن هؤلاء انّ إرادة الشعوب إذا فعلت تبقى هي الأقوى، غاب عنهم انّ مساعي كثيرة لطمس جريمة اغتصاب فلسطين خلال الأعوام السبعين الماضية لم تنجح في تحقيق المُراد، وبقيت القضية الفلسطينية عند الأمتين العربية والإسلامية وأحرار العالم القضية المركزية الأولى التي يتمّ التمسك بها ويرفض تصفيتها مع سعي دائم الى إعادة الحقوق الى أصحابها، ولا يغيّر من هذه الحقيقة خيانة بعض الأنظمة الرسمية لهذه القضية وارتهانها للعدو الإسرائيلي وأميركا.

اليوم ومنذ ان صعد ترامب الى كرسي رئاسة الولايات المتحدة الأميركية ويتصاعد الحديث عن قضية فلسطين وتصفيتها الى ان عبّر عنه بعنوان «صفقة القرن» التي تختصر بإعطاء فلسطين كلها لـ «إسرائيل» واعتبارها وطناً قومياً لليهود، وتوطين الفلسطينيين المهجّرين من أرضهم حيث هم خارجها وبخاصة في سيناء والأردن ولبنان وإقامة نظام إقليمي ذي طبيعة مركبة سياسية أمنية اقتصادية بإدارة «إسرائيلية» وقيادة ورعاية أميركية، عملية تتمّ بتمويل عربي مع بعض الدعم الطفيف من أميركا وأوروبا واليابان.

وفي التنفيذ، تمّ اعتماد سياسة القضم المتدرّج والابتلاع لقمة لقمة، فكانت مواقف أميركا من مسألة القدس وإعلانها عاصمة للكيان الصهيوني ثم مسألة إسقاط صفة المحتلّ عن كلّ أرض تحتلها «إسرائيل» الآن، ثم اعتبار الجولان جزءا من «إسرائيل»، ثم التضييق على وكالة غوث اللاجئين لتصفيتها وإسقاط مصطلح لاجئ فلسطيني من التداول لإسقاط حق العودة، ووصل قطار التنفيذ الآن الى بناء النظام الدولي لتمويل الصفقة، ولأجل هذا كانت الدعوة الى ما اسمي «ورشة البحرين»، من أجل «الازدهار والسلام» أيّ ازدهار «إسرائيل» وسلامها.

هذه المشهدية والتسلسل المتتابع للخطوات التنفيذية أقنعت البعض كما سبق القول، بانّ صفقة القرن في طريقها الواثق للنجاح الأكيد… فهل هذا الظنّ أو الاعتقاد في محله؟ وهل يمكن الركون الى هذه العناصر للقول بنجاح القرار الأميركي بتصفية القضية الفلسطينية، وتنفيذ الخطة المسماة صفقة القرن؟

انّ البحث في المقلب الآخر، وتجميع العناصر وتحليلها، يؤدّي الى نتيجة مغايرة للتسليم المتقدّم ذاك ويقودنا الى القول بأنّ أميركا تعمل للتصفية مع «إسرائيل» ومعها بعض أنظمة العرب الرسمية، لكن هناك كتلة كبرى مقاومة لهذه الصفقة تملك من القدرات والمكانة وتتمتع بمزايا من شأنها ان تعرقل التنفيذ أولاً وان تسقط الصفقة ثانية، وقد بدأت هذه الكتلة الممانعة المقاومة باتخاذ المواقف التي تنبئ بأنّ تهيئة بيئة إسقاط صفقة القرن قائمة على قدم وساق، لا بل انّ الاعتقاد بسقوط الصفقة بات أقوى بكثير من الظنّ بإمكان نجاحها، ويمكن ان يبرّر هذا الاعتقاد بفشل أميركا الأكيد في خطتها الإجرامية بما يلي:

1 ـ إجماع فلسطيني محكم وشامل على رفض التنازل عن الحقوق الوطنية في فلسطين بشتى وجوهها بما في ذلك حق العودة وحق تقرير المصير وحق إقامة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة والناجزة الاستقلال، هذا الرفض يعني بكلّ بساطة: الزواج لن يحصل إذا كان رفض من العريس او من العروس. فالفلسطينيون هم الطرف الأول والأساسي في الصفقة لأنهم هم أصلاً أصحاب الحقوق المنوي تصفيتها وشطبها.

2 ـ رفض دولي وإقليمي للصفقة مع تمسك بما نصّت عليه القرارات والمبادرات السابقة بحلّ الدولتين. اذ رغم كلّ ما يُقال عن سيطرة أميركية على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها فإنّ هناك متغيّرات دولية جعلت مجلس الأمن يتفلت من هذه السيطرة نوعاً ما مع وجود فيتو صيني روسي فاعل بوجه أميركا، وقد رفضت كلّ من روسيا والصين الخروج على الشرعية الدولية في مسألة فلسطين، ما يعني عدم السير بصفقة القرن، والأمر ذاته ظهر في منظمة التعاون الإسلامي التي أكدت على هذه الشرعية ورفضت التنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية ثم كانت أغلبية المواقف الدولية بما في ذلك الأوروبية التي تختصر بعبارة وجوب احترام الشرعية الدولة او قول الآخرين «لا نقبل بما يرفضه الفلسطينيون» عبارة كافية للقول بانّ هناك عقبة دولية كبرى أمام الصفقة.

3 ـ الوهن والضعف المستشري في بنية أطراف الصفقة: من المعروف انّ الصفقة أرسيت على قوائم ثلاث ترامب ونتنياهو ومحمد بن سلمان، وهؤلاء الثلاثة يعانون اليوم من حالة وهن تستشري في أوضاعهم وتمنعهم من التحرك الآمن لتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى بحجم صفقة القرن، حيث نجد ترامب في وضع مهتزّ داخل أميركا مع شحذ وشهر سيف العزل بوجهه إضافة الى انه أصلاً يستعدّ للدخول في السنة الأخيرة لولايته وهي سنة الانتخابات، ونتنياهو تعثر في تشكيل الحكومة ما اضطره للذهاب الى انتخابات مبكرة غير مضمونة النتائج، والأخير ابن سلمان يغرق في وحول اليمن ويخسر المواقع في العسكرية في جيزان وتتعرّض مرافقه النفطية لتهديدات جدية تجعله في وضع يتنافى مع مستلزمات إطلاق صفقة استراتيجية كبرى.

4 ـ عجز معسكر العدوان على سورية من احتواء الخسارة فيها وتحييد سورية عن الهمّ الإقليمي العربي الأساسي. حيث انّ سورية استطاعت بعد عظيم الإنجازات التي تحققت في معركة الدفاع عن نفسها، استطاعت مؤخراً ان تفشل حرب الاستنزاف التي جرت إليها، وان تنطلق وبثبات واضح في معركة تحرير إدلب، المعركة التي تجهض استراتيجية أميركا إطالة امد الصراع وتسرع في استعادة سورية دورها الاستراتيجي العربي والإقليمي في المحافظة على حقوق الأمة عامة والفلسطينيين خاصة، وقد أثبتت التجارب السابقة ان لا حلّ ولا سلام ولا هدوء في المنطقة انْ لم يقترن بتوقيع سوري، وسورية ترفض صفقة القرن علانية ووضوحاً.

5 ـ اشتداد التماسك في محور المقاومة وتنامي قدراته المختلفة بما في ذلك العسكرية والسياسية، وعلى هذا الصعيد يسجل أمران… الأول بنيوي وفيه عودة بعض الفصائل الفلسطينية التي اختارت الطريق الخطأ خارج المحور، والثاني التوسع الجغرافي والعسكري لمحور المقاومة وقدرته على ممارسة الحرب الشاملة الواسعة التي يعجز العدو عن إنهائها، والمعروف المؤكد عليه انّ محور المقاومة وفي ظلّ إجماع فلسطيني على رفض الصفقة سيكون في خدمة هذا الإجماع لمنع تمرير الصفقة.

ـ إحجام مصري أردني عن منح التسهيلات التنفيذية التي تتطلبها الصفقة ومن المعروف انّ على الدولتين أعباء يشترط القيام بها لإنجاز الصفقة، فعلى مصر ان تعطي أرضاً في سيناء وعلى الأردن ان يفتح باب التوطين لمليوني فلسطيني وان يراجع نظامه السياسي ليصبح الأردن بمثابة الوطن البديل. وكلا الأمرين مرفوضان من قبل أصحاب العلاقة كما يبدو.

لكلّ ما تقدّم نكاد نقول انّ المشهد بات محبطاً لأميركا واتباعها، ولا يشجع على القول بانّ نجاح الصفقة أمر مضمون، لا بل العكس تماماً نقول انّ المشهد يكاد يقطع بفشل الصفقة، قول يعززه أيضاً ان وقت صاحب المشروع وأطرافه قد ضاق كثيراً، فترامب يستعدّ في الخريف المقبل لإطلاق سنة الانتخابات الرئاسية مع ما يستلزم انشغاله بها ونتنياهو مضطر لخوض انتخابات مبكرة في أيلول أيضاً ما سيحرمه من بذل الجهد والقدرة على القرار للعمل من أجل الصفقة المترنّحة ولهذا نرى انه من المجدي النظر الى المستقبل وفيه فشل الصفقة المرتقب، وتوقع بعض التداعيات لفشلها خاصة في:

أ ـ الأردن: الذي سيضطر الى إعادة النظر في الكثير من المواقف والسياسيات الخارجية والداخلية وان يكون أقلّ تبعية لدول الخليج التي دعمت الصفقة على حساب الكيان الأردني ومصالحه.

ب ـ لبنان الذي سيؤدّي به فشل الصفقة الى إعادة النظر بخطة التجويع للتركيع ثم المقايضة مع التوطين وقد تكون خطة سيدر وموازنة التقشف المبحوث المطروحتين من ضحايا فشل صفقة القرن.

ج ـ سورية التي سيرتدّ فيها فشل الصفقة على خطة أميركا الرامية الى إطالة الحرب والتمهيد للتقسيم وإذا عطف الأمر على العناوين الأخرى المتقدّمة الذكر أمكن القول بانّ تسارع عمليات إنهاء الازمة السورية سيكون منطقياً.

د ـ فلسطين وهي الأساس، وانّ اهمّ ما سيسجل فها تبريد في العلاقات الداخلية بين الأطراف الفلسطينية مع تعثر ضمّ الضفة وسقوط خطة تهجير فلسطيني 48، ومراجعة لبعض سياسات السلطة تجاه «إسرائيل».

متغيّرات الميدان السوري والسيناريوات المحتملة

يونيو 4, 2019

العميد د. أمين محمد حطيط

شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية أحداثاً هامة في الميدان السوري بشكل عام وفي الشمال الغربي بشكل خاص، ترافقت مع تكثيف للتدخل العدواني «الإسرائيلي» جاء نتيجة المتغيّرات المختلفة التي نتجت، وهي متغيّرات لم يكن معسكر العدوان على سورية ينتظر شيئاً منها.

ونستطيع القول بأنّ ما سجل على الأرض فاجأ العدو بفروعه وصنوفه وأدواته منفذين ومشغلين وقيادة، ما دفعهم الى مراجعة ما وضعوه من خطط وما اعتمدوه من مناورات إشغال وإلهاء واستنزاف اعتمدت خدمة لاستراتيجية أميركا بإطالة أمد الصراع ولتمكين تركيا من السير الحثيث نحو تنفيذ مشروعها الخاص في سورية والذي باتت عناوينه واضحة وتقوم على أمرين أساسيّين: قضم أرض سورية جديدة لإلحاقها بالإسكندرون كما يحصل في عفرين وامتلاك السيطرة والنفوذ على جزء من الأرض والشعب السوري للإمساك بأوراق تمكن تركيا من التأثير في القرار السوري المركزي.

لكن سورية التي وعت جيداً أخطار تلك الخطط والمناورات التركية الأميركية الإرهابية، ردّت على استفزازات الإرهابيين واعتداءاتهم بعملية عسكرية سريعة ومحدودة أدّت الى استعادة كفرنبودة ومنطقتها مع توسع مدروس شرقاً وغرباً ما مكّنها وبمهل قصيرة وكلفة معقولة من تحقيق 3 أهداف رئيسية عملانية واستراتيجية فاجأت بها العدوان وقيادته وأدّت الى:

1 ـ تحرير قطاع واسع من الأرض واقع بين حماة وإدلب ما وضع الجيش السوري على مشارف سهل الغاب ومكّنه من تحضير المسرح والبيئة العملانية للانطلاق مستقبلاً الى تنفيذ عملية تحرير إدلب ومنطقتها كلها.

2 ـ توجيه ضربة قاسمة لخطة الإرهابيين ومشغليهم والمتمثلة بإدارة حرب استنزاف خطط لها من أجل ان ترهق الجيش السوري وتقود الى تآكل قدرته المادية والمعنوية وتشغله عن التركي الذي يتجه الى تنفيذ مشروعه الخاص بشكل متدرّج وآمن.

3 ـ توجيه ضربات موجعة للإرهابيين في قواعدهم ومراكزهم وقواعدهم النارية ما أدّى الى نوع من التضعضع في صفوفهم وخطوطهم الأمامية وتدني في معنوياتهم، حمل البعض منهم على مغادرة الميدان وفتح كوة في الحصار المضروب على المدنيين لمنعهم من الخروج من المنطقة.

هذه النتائج الباهرة دفعت بالتركي الى العودة مجدّداً الى روسيا عارضاً تنفيذ اتفاق سوتشي بعد التيويم والمراجعة التي فرضتها التطورات، تنفيذ يكون مسبوقاً كما يتردّد بنوع من تهدئة وتبريد الميدان، تهدئة وتبريد يروّج التركي لهما علي أساس أنها هدنة بين الدولة السورية والجماعات الإرهابية برعاية تركية روسية مشتركة. كما أنه يسرّب انّ هناك احتمالاً لاستقدام قوات أجنبية إضافية ونشرها في مناطق خفض التصعيد الى جانب القوات التركية بما يوحي بأنّ مسالة تحرير إدلب وإعادتها الى سورية باتت بعيدة جداً.

ويبدو أنّ التركي في ادّعاءاته تلك يريد ان يتجاوز إنجازات الجيش العربي السوري، وان يحتوي مفاعيلها بما يخدم مشروعه وهنا ينبغي الحذر والتنبّه من المحاولة التركية تلك او التفسير التركي للمسعى الروسي، فروسيا وافقت على تفعيل اتفاقات استانة وخاصة منها منظومة خفض التصعيد، ومنحت تركيا فرصة أخرى للتنفيذ، وسكتت سورية على هذا الامر رغم انعدام ثقتها بتركيا كلياً، سكوت أملته رغبة سورية في الوصول الى هدف التحرير دون ان تلزم بحرب وخسائر، لكن تركيا التي اعتادت مجانبة الحقيقة في سلوكها والانقلاب على الاتفاقات أرادت من ترويج فكرة الهدنة ان تلحق الأذى المعنوي والمادي بالحكومة السورية وتضعها على قدم المساواة مع الجماعات الإرهابية وتجعل نفسها حكماً بينهما وهو أمر يجافي الحقيقة ولا يتناسق مطلقاً مع السياسة السورية المعلنة والمنفذة في كلّ الأطر والوجوه.

اما على المقلب الآخر ومع الانتصارات التي تحققت في الشمال الغربي السوري وغيّرت من طبيعة المشهد الميداني كما أشرنا، مع هذه المتغيّرات استأنفت «إسرائيل» تدخلها ونفذت اعتداءات على منطقة دمشق وحمص، وكان واضحاً انّ «إسرائيل» شاءت من اعتداءاتها هذه تحقيق 4 أهداف:

ـ الأول تحقيق حاجة انتخابية شخصية لنتنياهو ليثبت انه الرجل القوي الممسك بالأمور الدفاعية وانه يتابع ما يجري في الشمال لحظة بلحظة ولأجل ذلك ادّعى، وهي من المرات النادرة التي يخرج فيها رئيس حكومة العدو، ويدّعي انه هو شخصياً أعطى الأمر بالغارات.

ـ الثاني إثبات استمرار وجود «إسرائيل» وفعاليتها في الميدان السوري وكسر الصورة التي رسمت بعد تحرير الجنوب السوري والتي مضمونها انّ اليد الإسرائيلية بترت ومنعت من التدخل في الميدان السوري.

ـ الثالث تحويل اهتمام الجيش العربي السوري وإشغاله عن معركة إدلب ودفعه الى تخصيص جزء من قواه لمواجهة العدوان الإسرائيلي في الجنوب.

ـ الرابع رفع معنويات الإرهابيين المتهالكة عبر توجيه رسالة لهم بانّ «إسرائيل» معهم وأنها لن تتخلى عنهم ولن تغادر الميدان وعليهم ان يصمدوا في مواجهة الجيش العربي السوري.

ـ ويمكن أيضاً إضافة هدف خامس هنا أيضاً يتصل برغبة «إسرائيل» في جسّ النبض حول ما إذا كانت منظومة «أس 300» التي نشرت حول دمشق قد فعّلت وعما إذا كان هناك قرار باستعمالها حتى الآن.

وبالمجمل نرى تكاملاً بين الدور التركي الإرهابي في الشمال الغربي ودور العدوان الإسرائيلي انطلاقاً من الجنوب الغربي، والإشراف الأميركي العام على الدورين، تكامل يهدف منه أصحابه الى منع تحرير إدلب وإدارة حرب استنزاف حولها، وتجويف اتفاقات استانة وسوتشي من محتواها، ما يضع الروسي والإيراني في حال إحراج في التعامل مع التركي. فكيف ستتصرف سورية على ضوء هذا المشهد؟

نعتقد بانّ سورية اعتمدت سياسة لتحرير أرضها وأرستها على مبادئ وعناصر ثلاثة أولها مبدأ التحرير الكامل للأرض مبدأ لا رجعة عنه، ثانيها اعتماد المرونة والليونة في المناورة والتنفيذ، وثالثها الحرص ما أمكن على أرواح المدنيين والعسكريين على السواء، ولذلك فسورية لن تفوّت فرصة تخدم سياستها تلك الا وتستغلها، ولأجل ذلك فإنها ستواجه او ستكون أمام احتمال مواجهة السناريوات الثلاثة التالية:

الأول: نجاح التهدئة وتبريد الميدان في الشمال الغربي وإقدام تركيا على تنفيذ ما التزمت في سوتشي واستانة وهنا تكون عودة الى المسار الذي اعتمد في استانة وهو التحرير على المراحل مع الضغط العسكري دون اللجوء الى المواجهة العميقة. وقد تدّعي تركيا انّ الهدنة التي طلبتها كانت في محلها ومكّنتها من تنفيذ موجباتها. هو السناريو الأضعف والأقلّ احتمالاً .

الثاني: فشل ما تسمّيه تركيا هدنة، وعودة الإرهابيين بدعم من مشغليهم في معسكر العدوان الى حرب الاستنزاف والقفز فوق خسائرهم التي نزلت بهم في الشهر الماضي، مع محاولات التوسع في المنطقة، واستفادة التركي من الوضع للتسريع في تنفيذ مشروعه الخاص.

الثالث: مبادرة الجيش العربي السوري على ضوء فشل التهدئة ونكول تركيا وتراجعها عن تعهّداتها، مبادرته الى إطلاق عملية عسكرية على مراحل متتالية من أجل تحرير إدلب وفقاً للسياسة المعتمدة لديها كما ذكرنا أعلاه ومن الأرجح ان تشهد الأسابيع المقبلة تنفيذاً لهذا السيناريو الذي نراه الأرجح والأكثر احتمالاً.

أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

%d bloggers like this: