خطة أميركا من العراق الى سورية الى الفشل

سبتمبر 11, 2018

العميد د. محمد أمين حطيط

رفضاً للهزيمة الاستراتيجية التي تُكتب سطورها الأخيرة الآن وبشكل خاص في الميدان العراقي السوري، أقدمت أميركا على خطة مركبة من شأنها في حال نجاحها أن تعالج آثار الهزيمة وتمنع المنتصر من استثمار إنجازاته في كل من الدولتين. خطة موضوعها في العراق التحكم بتشكيل الحكومة ومجالها في سورية بشكل خاص التحكم بمنطقة إدلب ومنع تحريرها لمنع سورية من الانصراف الى العمل السياسي الذي يرسي الأمن والسلام الشامل في كامل البلاد ويؤمن خروج أي محتلّ، بما في ذلك المحتل الأميركي والتركي.

لقد ركزت أميركا في مواجهة ما آلت إليه سياستها العدوانية على المنطقة من فشل، بشكل خاص على سورية والعراق، لأنها اعتبرت ان العودة الفاعلة الى العراق من شأنها أن تقطع تواصل محور المقاومة من شرقه الى غربه، كما وتمكن من امتلاك السيطرة على احتياط نفطي عالمي طالما حلم الغرب بالقبض عليه. اما في سورية فقد نظرت أميركا الى استمرار الحرب فيها وفقاً لما تسميه «إطالة أمد الصراع « فرصة ثمينة هي بأمس الحاجة اليها لتمرير واستكمال تنفيذ ما أسمته «صفقة القرن» الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية وادخال «إسرائيل» في نهائية الوجود وفعالية الدور والتأثير في كامل المنطقة العربية بدءاً من الخليج.

في العراق وجدت أميركا المدخل الملائم من باب تشكيل الحكومة بعد الانتخابات النيابية، حيث رأت أن نتائج هذه الانتخابات تمكنها من التدخل وتحقيق السيطرة عبر الحكومة، طالما أن تشكيل الكتلة التي تأتي برئيس الوزراء خاضع للأخذ والرد، إذ أن جمع 165 نائباً لتكوين الكتلة الأكبر يقتضي اتفاق 5 كتل كبرى على الأقل من الكتل التي حازت على الحجم الأكبر في الانتخابات، والذي لا يتعدى لأفضلها الـ 54 نائباً ويتدنى عند بعضها الى 14 نائباً. وهنا كان المجال المفتوح أمام أميركا التي عيّنت مبعوثاً للعراق مهمته الأولى تشكيل الكتلة الأكبر المناهضة لمحور المقاومة والموالية لكل من السعودية وأميركا لتنفذ السياسة التي رسمتها الأخيرة للعراق وتؤمن استعماراً مقنعاً يتجلّى بمراجعة اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا والتي رفض فيها نور المالكي يومها منح أميركا أيّ مكسب يمسّ بسيادة العراق واستقلاله وحقه الحصري بالسيطرة على سمائه وثرواته، خاصة النفطية.

هنا وجدت أميركا في حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالي ضالتها المنشودة بعد أن جاهر بمناهضة إيران وأبدى استعداده لتلبية مطالب أميركا والسعودية، فعملت على تحشيد القوى اللازمة له ليعود الى الحكم في ولاية جديدة رئيساً لوزراء العراق الذي يُعتبر هو الحاكم الفعلي ذو الصلاحية الواسعة في السياسة والإدارة والجيش حتى والقضاء. وتوصلت في الأسابيع الأخيرة الى تركيب كتلة تؤيّد العبادي كادت أن تلامس الـ 150 نائباً، لكن بقيت الكتلة بحاجة الى أصوات ترتقي بها الى 165، لكن بقيت الحاجة قائمة لمنع من يؤمنون بحسن العلاقة والجوار مع إيران وسورية ومحور المقاومة عامة من المنافسة.

ولأجل تحقيق الغرض عمل المبعوث الأميركي الى العراق ماكغورك على ثلاثة خطوط الأول باتجاه رؤساء الكتل، مهما كان حجمها لطلب دعمها، والثاني باتجاه النواب لتحذيرهم من تأييد كتلة فيها الحشد الشعبي «الواجب الحل»، حسب تعبيره ، والخط الثالث في الميدان والشارع لإظهار «حجم الرفض الشعبي» لما اسماه «النفوذ الإيراني في العراق «. وكانت أحداث البصرة التي انطلقت لأسباب خدمية تتصل بالماء والكهرباء ثم تحوّلت موجة عنف ضد إيران وضد القوى التي تتمسّك بحسن العلاقات معها. كانت هذه الأحداث بمثابة الفضيحة لكل الخطة الأميركية التي انتهت الى نتائج معاكسة لما أراده مبعوثها ماكغورك. وفي هذا الإطار ننوّه بما قامت به المرجعية الدينية لجهة تأمين محطات المياه لمدينة البصرة وسحب فتيل الفوضى أمنتها على نفقتها الخاصة وهي المحطات التي امتنع العبادي عبر حكومته من توفيرها طيلة مدة حكمه، وكانت سبباً مباشراً في اندلاع الاحتجاجات واستشراء الفوضى في المدينة التي أدّت الى إحراق مراكز ذات رمزية ودلالة على علاقة إيران والعراق ومنها القنصلية الإيرانية في البصرة.

لقد شاءت أميركا من إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة، ومعها مراكز الحشد الشعبي والقوى المؤيدة لإيران، إظهار الرفض الشعبي للوجود والدور الإيراني في العراق والإجهاز على أي أمل لإيجاد شخصية منافسة للعبادي او مؤيدة لمحور المقاومة، لكن النتيجة جاءت وبعد ان افتضح الامر المكيدة، لتطيح تقريباً بحظوظ العبادي للعودة الى الحكم، وتكاد تقطع الطريق على أي شخصية بديلة تكون موالية لأميركا والسعودية. وبالتالي تكون الخطة الأميركية فشلت حتى الآن في إعادة تمكين قبضتها على السلطة في العراق وهيأت الظروف لتشكيل حكومة يؤمل أن تكون قادرة على حماية مكتسبات العراق في السيادة والاستقلال والثروة والدور الإقليمي الاستراتيجي الذي يتناغم مع محور المقاومة.

اما في سورية فقد حاولت أميركا ولا زالت تحاول منع سورية من إطلاق عملية تحرير إدلب لتطهيرها من الإرهاب، والانتقال بعدها لمعالجة الملف الميداني الأخير المتمثل بشرق الفرات، وما فيه من قواعد عسكرية أميركية تعدت الـ 13 قاعدة وتجاوز العسكريون الأميركيون فيها الـ 9 آلاف بعد عمليات التعزيز الأخيرة التي تمت في التنف.

لقد بنت أميركا خطتها لمنع إطلاق عملية تحرير إدلب على خطوط ثلاثة أيضاً: أولها التهويل والتهديد بالتدخل العسكري إذا دخلت سورية بجيشها وحلفائها الى إدلب. تهديد مرفق بطلب الامتناع عن العملية العسكرية وتفعيل مناطق خفض التصعيد بمهل مفتوحة. وقد استثمرت هنا الدور التركي السلبي في قمة طهران الذي سعى الى هذه هدنة ورفض العمل العسكري، والثاني القيام باستعراضات وتعزيزات عسكرية وتحشيد القوى والتهويل بجهوزية 220 صاروخ توماهوك لقصف أهداف واسعة في سورية رداً على «استعمال محتمل للأسلحة الكيماوية»، كما تدّعي زوراً وتلفيقاً الدوائر الأميركية والغربية، وأخيراً المناورات العسكرية التي أجريت في التنف وسواها للإيحاء بجهوزية عسكرية أميركية عالية للتدخل العسكري المباشر مرفقة بتسريب من البيت الأبيض بأن ترامب يدرس جدياً توجيه ضربة للقوات الروسية في سورية.

ولكن ومرة أخرى نرى فشلاً في المسعى الأميركي، حيث رفضت الهدنة واستبعد تأجيل معركة إدلب، التي بات إطلاقها قاب قوسين أو أدنى لا بل إن بعض أعمالها التمهيدية بدأ فعلاً من خلال القصف الانتقائي التدميري الواسع الذي تنفذه القوات الجوية الروسية والسورية منذ يومين ضد مراكز الإرهابيين مع تحييد تام للمدنيين. أما الرد على الخط الثاني فقد كان من قبل روسيا بشكل أساس من خلال عمليات التحشيد البحري الواسعة التي أجرتها في المتوسط لقواتها التي حشدت فيها قطعاً بحرية خاصة ومحترفة بالاستطلاع والتعقب لتعطيل فعالية التوماهوك، ثم القيام بمناورات هي الأضخم خلال السنوات الـ 40 الماضية. وعلى الخط الثالث فإن أميركا تعلم أن أحداً لا يأخذ على محمل الجد قراراً أميركياً بمواجهة برية بين الأميركيين وخصومهم على الأرض السورية، حيث إن هذه المواجهة لن تكون لمصلحة أميركا على كل الصعد.

وفي خلاصة القول نرى أن أميركا التي منّت النفس بالقبض على العراق من خلال القبض على حكومته، هي على عتبة الفشل في تحقيق أمنيتها، وان أميركا لن تقدر على منع سورية من استكمال تحرير ارتهان الإرهاب مهما هدّدت وهولت، وإن ما قالت به مؤخراً من أنها لن تسمح لسورية وحلفائها إيران وحزب الله دخول إدلب، فأميركا تعلم قبل سواها أنه غير قابل للتطبيق. فسورية هي صاحبة السيادة على أرضها وأميركا هي التي عليها أن تخرج منها وإن لم تفعل اختياراً فستجبر على الخروج قسراً، كما ستخرج من العراق ليرسم العراق وسورية مشهداً سياسياً وميدانياً لا يكون فيه للأميركي نصيب.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

Advertisements

فشل العدوان في الحرب فلجأ إلى منع تحقيق السلام: كيف؟

سبتمبر 5, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

كانت أميركا ومَن معها مَن مكوّنات المعسكر الاستعماري الذي يشن حروباً متتالية ومتنوّعة الأشكال على المنطقة تأمل الوصول لحلمها ببناء شرق أوسط أميركي يكون بمثابة المستعمرة الاستراتيجية الكبرى التي تثبّت دعائم النظام العالمي الأحادي القطبية بقيادة أميركية. ولم تكن أميركا ومَن معها من القوى الرئيسية في الحلف الأطلسي تتصور أن أحداً يستطيع وقف هذا المشروع أو حتى عرقلته وتأخيره.

بيد أن الميدان كذّب توقّعات وخطط الرأس المدبّر لهذا المشروع الاستعماري الكارثي، حيث برزت في المنطقة قوى تدافع عنها باليسير من السلاح والوسائل، دفاعاً نجح في المرحلة الأولى في منع المستعمر من تنفيذ خطته بالشكل الذي وضعت، ثم تطوّر دفاعه إلى أن لامس اليوم عتبة مرحلة فقد فيها المعسكر الاستعماري زمام المبادرة في الميدان وانتقل هو الى دور العرقلة والتسويف لمنع أهل المنطقة وشعوبها ومكوّناتها السياسية الشرعية من استثمار نتائج الانتصار في الحرب الدفاعية التي خاضوها ضد المستعمِر والمحتل والمعتدي المتعدّد الوجوه والأشكال والوسائل والمحدّد جوهرياً بأميركا ومَن يتبعها من أوروبيين.

ولأن الهجوم الاستعماري المتعدّد الجبهات والوسائل هو في الأصل وفي جوهره واحد محدّد الهدف، كما ذكرنا يرمي الى وضع اليد على المنطقة ومصادرة ثرواتها ومنعها من إقامة الكيانات السياسية المستقلة السيدة التي توفر الحرية والأمن والرفاه لشعوبها، لأن هذه هي طبيعته وهدفه، فقد كان من المنطقي مواجهة الخطر والتهديد بفكرة جبهة الدفاع الواحدة المتماسكة، على أساس أن العدو واحد ومسرح العمليات واحد والهدف من الهجوم واحد. وهنا يكون من الخطأ الكبير والشنيع اللجوء الى التجزئة في الدفاع وشرذمة القوى والوقوع بما يخطّط من قبل المعتدي تحت شعار «فلان أولاً». والكل يذكر هنا كيف خرجت ولازالت أصوات المرتهنين لأميركا بالقول «لبنان أولا» او « العراق أولاً» او «غزة اولاً» الخ… هذا فضلاً عن الصيغ الغبية الخبيثة المعبر عنها بسياسة «الناي بالنفس» أو «الحياد» او «عدم التدخل بشؤون الغير» الخ …

والذي يؤسف له في هذا المجال أن المعتدي المنتهك للحقوق والمستبيح للكرامات والثروات يعطي لنفسه الحق بالاعتداء والتدخل وتشكيل التحالفات لتنفيذ عدوانه، بينما يُمنع على المعتدى عليه أن يبحث في هذه المعمورة عن حليف أو صديق يمدّ له يد العون للدفاع عن نفسه. والمثل الصارخ والمنفّر نجده في ما يقوم به معسكر العدوان على سورية حيث تجيز أميركا لنفسها إنشاء «تحالف دولي» تشارك فيه دول من أقاصي الأرض وعلى بعد عشرات آلاف الكيلومترات عن سورية للاعتداء على هذه الدولة واحتلال بعض أراضيها بحجة محاربة داعش التي أنشأتها وتتعهدها وتحميها، وترفض اميركا وتدين لجوء الحكومة السورية لطلب المساعدة من قوى كيانات تجاورها في المنطقة وتجمعها بها الأهداف والمصير المشترك والاستهداف العدواني ذاته.

بيد أن سورية، ومن يرى نظرتها الاستراتيجية الى الأمور لم تأبه لمواقف المعتدي، ولا لحجم العدوان والمشاركين به، وقرّرت المواجهة التي نفذتها هي في البداية ثم عبر محور المقاومة الذي يضمها الى إيران وحزب الله وانتهاء بمعسكر الدفاع عن سورية الذي انتظمت فيه بجدارة وفعالية روسيا، وتشكلت المواجهة في ذلك بين محورين: محور عدوان تقوده أميركا ومحور دفاع عن سورية.

والآن وصل الصراع إلى مرحلة نستطيع أن نصفها بأن المدافع عن نفسه نجح في الصمود وربح المعركة العسكرية في الميدان. وهذا ما يشهد به المعتدي ذاته قبل سواه. فبعد أن أكدت «إسرائيل» على لسان أكثر من مسؤول ومركز دراسات فيها بأن سورية انتصرت بقيادة الرئيس الأسد وأن أحداً لا يستطيع أن ينحي الأسد عن قيادته فيها، ها هو ماكرون الرئيس الفرنسي وقبله مسؤولون بريطانيون وأميركيون يقرون بل يؤكدون بأن سورية ربحت الحرب … لكنهم يضيفون وهنا الخبث والخطر وبيت القصيد، بأنها «لم تربح السلام». وما ينطبق على سورية ينطبق على حلفائها الاستراتيجيين أو حتى العرضيين.

إن قولهم «لم تربح السلام» فيه من المعاني ويبطن من الأهداف فوق ما يظهره النص بالدلالة البسيطة، حيث إن للسلام قواعد ومناهج وأسس تتبع للعودة الى الحال الطبيعية ويظهر في هذا المجال 5 ملفات أساسية لا بدّ من معالجتها للقول بأن الدولة خرجت من الحرب ودخلت «جنة السلام». أولها الملف الإنساني المتمثل بعودة النازحين إلى ديارهم التي أخلوها قسراً خلال الحرب، ثانيها بناء السلطة السياسية القادرة على جمع الكلمة وإدارة البلاد والسير فيها بما يناسب مصالح شعبها، ثالثها إطلاق ورشة إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، رابعها إعادة ترميم وتنظيم مؤسسات الدولة الوطنية العسكرية والمدنية ومعالجة الندوب التي أصابتها خلال الحرب مع تفعيل دورها لضمان حقوق المواطن وأمنه، وخامسها إطلاق عجلة الاقتصاد الذي يؤمن للمواطن والشعب حاجاته ورفاهه.

فالسلام ليس كلمة تطلق جزافاً من غير أسس، بل هو منظومة قواعد وحياة وسلوك وتصرف تشعر المعنيين به بأنهم خرجوا من دائرة التهديد المتعدّد الوجوه ودخلوا في دائرة الطمأنينة على الوجود وتأمين الحاجات.

ولأن السلام هكذا، ولأن اميركا ومَن معها خسروا الحرب، فإننا نجدهم يخوضون الآن معركة منع إرساء السلام في كل نطاق وجبهة كان لها من عدوانهم نصيب. وبهذا يفسّر ما يجري في المنطقة من سلوكهم على كل الصعد، حيث إننا نراهم:

في سورية وبعد فشله في الميدان يجهد معسكر العدوان بقيادة أميركية، ومؤازرة من الأمم المتحدة والبيئات الدولية التي تدور في الفلك الأميركي وللأسف، يجهدون في منع عودة النازحين السوريين والذين يشكلون 1 5 خمس السوريين لأن في بقائهم حيث هم الآن خارج ديارهم إقفال لمعبر من معابر السلام السوري الذي تعرقله قوى العدوان. وكذلك نجد الوثيقة الأممية الفضيحة التي تشترط لإعادة الإعمار في سورية رضوخ سورية لمتطلبات معسكر العدوان في إقامة السلطة الدمية التي تلبي أوامرهم فيقومون بهذا من دون أن يلقوا بسلاحهم في الميدان. ومن هنا نفهم موقف ترامب الأخير الذي حذّر فيه سورية من خوض معركة إدلب وإنهاء الإرهاب فيها استكمالاً لحرب الدفاع والتطهير والتحرير.

وفي إيران التي تعتبر ركناً رئيسياً من أركان معسكر الدفاع عن المنطقة واستقلالها، فإن أميركا تلقي بكل قدراتها «غير العسكرية» لمحاصرتها والتضييق عليها وتفجيرها مدنياً من الداخل، لمنعها من استثمار انتصارها في الإقليم.

أما في العراق الذي تمكن من تطهير أرضه من المنظمة الإرهابية «داعش» التي جاءت بها اميركا الى العراق للسيطرة مجدداً عليه، فإن أميركا اليوم تتدخل وبكل فجور ووقاحة لعرقلة تشكيل حكومة وطنية مستقلة تقيم علاقات الاخوة والصداقة وحسن الجوار بين سورية والعراق وتصرّ أميركا على حكومة دمية بيدها وإلا فلا تكون حكومة.

والأمر ذاته يتكرّر في لبنان حيث إن القوى الرافضة للهيمنة الأميركية على لبنان وفي طليعتها حزب الله وحلفاؤه تمكنت من الحصول في الانتخابات النيابية الأخيرة على الأكثرية المطلقة في مجلس النواب ما يمكنها دستورياً من تشكيل حكومة تحكم بكل يقين، لكن أميركا ومستعملة أدوات محلية وإقليمية تمنع تشكيل هذه الحكومة، وتدفع لبنان والوطنيين فيه للخيار بين أمرين: إما التسليم بشروطها وجعل من يوالونها يمسكون بزمام الأمور، رغم أنهم لا يشكلون ثلث المجلس النيابي او إبقاء الدولة بلا حكومة فاعلة، رغم عظيم المخاطر التي تحدق بلبنان في هذا الفترة على أكثر من صعيد.

وهكذا نرى أن المنطقة التي أفشلت الغزو الغربي، هي عرضة اليوم لعدوان آخر عنوانه «منع تحقيق السلام». وهنا يكمن التحدي الكبير الذي لا يقلّ عن تحدي الحرب العسكرية والإرهابية التي شنت عليها، لا بل قد يفوقه أهمية وخطورة. ونرى مسؤولية بناء السلام مسؤولية يجب أن يضطلع بأعبائها الجميع تحت شعار تقديم المصلحة الوطنية والإقليمية على أي مصلحة ذاتية او فردية، شعار تستبدل فيها عبارة «الأنا أولاً» بعبارة «معاً نبني الوطن والمنطقة» القوية المستقلة. وبهذا الشعار نواجه ونبني السلام الذي فيه مصلحة الجميع.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

سيناريوهات العدوان لوقف عملية تحرير ادلب؟!…والرد؟

أغسطس 28, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

بات واضحاً أن عملية تحرير ادلب ستكون العمل الميداني الاستراتيجي الأخير بهذا الحجم وبتلك التداعيات، وأن إنجاز هذه العملية بنجاح على يد القوات العربية السورية وحلفائها يعني وضع حدّ نهائي للحرب العدوانية على سورية التي تجاوزت السنين السبع ببضعة أشهر. ولأن لعملية تحرير ادلب هذه الأهمية والخصوصية التي تتجاوز كل ما سبقها من معارك تحرير مناطق سورية أخرى على أهميتها، فإن معسكر العدوان على سورية يلقي بثقله الآن في المواجهة مستبيحاً كل المحرمات من اجل منع سورية من تحقيق الأهداف الوطنية الاستراتيجية من هذه العملية.

وفي سياق أعمال التحضير العدواني لمواجهة الموقف المرتقب في إدلب فقد سجلت في الساعات الأخيرة المواقف السياسية التهديدية الحادة التي انطلقت من أكثر من موقع من مواقع معسكر العدوان على سورية، وترافقت تلك المواقف مع أعمال عسكرية ميدانية توحي وبشكل واضح ان هذا المعسكر العدواني عازم ويحضر بشكل أكيد لفعل شيء كبير يتصل بسورية انطلاقاً من ادلب وما يتعلق بمعركة تحريرها حيث سجل حتى الآن:

توجه مدمرة اميركية مع قطعة بحرية أخرى الى الخليج على متنها 45 صاروخ كروز لتجهز للاستعمال لقصف مناطق في سورية.

نشر 3 قطع حربية من الاسطول الأميركي السادس مقابل الشاطئ السوري والتحضير لقصف في أهداف في سورية.

نقل جبهة النصرة الإرهابية 8 حاويات من الكلور الى جسر الشغور لتكون جاهزة في تمثيل مسرحية استخدام الأسلحة الكيماوية واتهام الحكومة السورية به.

انتشار عدد من فرق جماعات الخوذ البيضاء الإرهابية في مثلث ادلب سهل الغاب جسر الشغور تمهيداً للمشاركة في تمثيل وتلفيق مسرحية الكيماوي في مهمة «الإنقاذ» المزعوم والتوثيق المطلوب.

تحذير فرنسي أميركي بريطاني منفرد وجماعي بالتدخل العسكري في سورية «إذا» استعملت الحكومة السورية الأسلحة الكيماوية. وكان التصريح الأخير لجون بولتون واضحاً بأن اميركا تحضر لعمل عسكري عنيف ضد سورية «إذا« استعملت السلاح الكيماوي.

التهويل من قبل الأمم المتحدة وآخرين يدورون في الفلك الأميركي بوقوع كارثة إنسانية بين المدنيين إذا نفذت عملية تحرير ادلب عسكرياً. ويدّعي المهولون كذباً بأن في ادلب 3 ملايين شخص وهو رقم غير صحيح. ويناشدون القوى «المحبة للسلام» لمنع العمل العسكري في المنطقة لحماية المدنيين هؤلاء.

التدخل العدواني الفظ لمنع أي نوع من المصالحات تجريه بعض الفصائل المسلحة مع الدولة السورية، كما وقمع الشرائح الشعبية التي تعمل للعودة الى حضن الدولة والوطن.

إن تصرّفات معسكر العدوان على سورية بقيادة أميركا توحي بأن هذا المعسكر عازم على فعل شيء ما قبل انطلاق عملية تحرير ادلب لمنع الانطلاق بها، او بعد انطلاقها لوقفها خاصة إذا تبين له أن الجماعات الإرهابية لن تكون قادرة على الثبات في مواقعها، ولن تكون قادرة على منع العملية بذاتها، وأنها بحاجة لدعم عسكري مؤثر يحول دون سقوطها ويمنع الحكومة السورية من استعادة المنطقة. وعليه فإننا نرى أن المسالك الممكنة او المحتمل أن تقوم بها قوى معسكر العدوان هي واحد من السيناريوات الأربعة التالية التي نرى ان لكل منها قدراً من الاحتمال يجعلها قابلاً للتنفيذ:

السيناريو الأول: شنّ الحرب نفسية الصاخبة لمنع العملية. قد يكتفي معسكر العدوان بالإعلان عن المواقف السياسية والتحضيرات والاستعداد الميدانية العسكرية لاتخاذها عوامل ضغط على الحكومة السورية للتراجع عن عملية تحرير ادلب وفقاً لاستراتيجيتها المركبة من عمل تصالحي وعمل ميداني. وهو يعول على الحرب النفسية هذه من أجل الحؤول دون تنفيذ التحرير لإبقاء ورقة ادلب مع تضخيم وزنها وأهميتها، بيد القوى المناهضة للدولة لاستعمالها في البحث في الحل سياسي المرتقب.

السيناريو الثاني: ارتكاب جريمة استعمال الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في ادلب واتهام الجيش العربي السوري بها والمبادرة الى تنفيذ التهديدات الغربية السابقة بقصف تحشيدات الجيش والحلفاء مع تحييد المواقع الروسية على ان تكون الضربة ذات وظيفتين رئيستين، وظيفة تحذيرية إنذارية تتوخى منها أميركا والغرب إظهار الجدية في المواجهة العسكرية إذا استمرت سورية في قرارها بالعمل على تحرير ادلب ميدانياً، ووظيفة عسكرية لتدمير بعض القطعات والتشكيلات التي حشدتها سورية للانطلاق في معركة ادلب ما يؤثر على انطلاقها ويعرقله ويؤخر ساعة الصفر.

السيناريو الثالث: يبدأ كالثاني ولكن يتقدّم عليه بحيث ان المجموعات الإرهابية البالغ حجمها ما يصل الى 65 ألف مسلح، وبتخطيط وتنسيق مع قوى العدوان، تستفيد من الضربة العسكرية التي يشنها العدوان ضد الجيش العربي السوري والحلفاء وتنفذ هجوماً واسعاً باتجاه حماه وحلب. وهنا تستفيد تركيا من الوضع الميداني المستجدّ وتظن هي والقوى الأخرى بأنهم قادرون على تحقيق شيء من توازن في الميدان يمكنهم من كسب مواقع متقدمة في الحل السياسي بصيغة جنيف الأولى.

السيناريو الربع: انتظار العدوان لانطلاق عملية التحرير وتقدير الموقف وفقاً لأيامها الأولى، مع تقديم الدعم غير المنظور للمجموعات الإرهابية، فإذا تبين للعدوان قدرة الإرهاب على الصمود بوجه سورية استفادت منه للقول بوجود التوازن الذي يحيي مواقعها في الحل السياسي الذي تريد، وإذا انهارت هذه المجموعات الإرهابية، تقوم قوى العدوان سريعاً بلعب مسرحية الكيماوي ثم التدخل عسكرياً على أحد مستويين: الأول منخفض الشدة والتأثير ويكون من قبيل تنفيذ التهديد والإيذاء دون أن يحقق وقفاً للعملية ويترجم بقصف أهداف مختارة بعناية. والثاني عالي التأثير والشدة ويكون أوسع وأشمل ويستهدف التشكيلات العسكرية المشاركة بالعملية ويرمي الى منعها من متابعة التقدم.

على ضوء ما يمكن للعدوان القيام به، يبدو أن سورية وحلفاءها ماضون قدماً في العمل لتنفيذ القرار الاستراتيجي الكبير الذي أعلنه بنفسه الرئيس الأسد لجهة تحرير ادلب ومنطقتها وهم مع مراقبتهم ما يحضره معسكر العدوان من تحشيد وتلفيق ويمارسه من حرب نفسية، ماضون قدماً أيضاً في التحشيد والتحضير للانطلاق في عملية التحرير، وكما أن في أحد السيناريوات حرباً نفسية فإن معسكر الدفاع لا يفوّت فرصة هذه الحرب، ويدخل فيها باحتراف عالي كما يظهر حتى الآن. وفي هذا الإطار يسجل ما تقوم به الأجهزة المختصة في سورية وروسيا خاصة من فضح ما يخطط وما يحضر له معسكر العدوان والتحذير من مغبة الحماقات التي قد يرتكبها. أما الرد العسكري والميداني على العمل المسرحي والتحشيد القتالي فإن له عند معسكر الدفاع من الردود والمواجهة التي تبقى خططها أوراقاً مستورة لا تظهر إلا وقت الاستعمال حتى لا تفقد عنصر المفاجأة.

إن ما يحيط بإدلب وما يحتمل من مواجهة بين معسكري العدوان والدفاع عن سورية هو جدي وهام نظراً لخطورة ملف ادلب وتداعياته على مجمل نتائج الحرب العدوان على سورية. وليس بإمكان معسكر الدفاع أن يتراجع. اما معسكر العدوان فعليه أن يعرف أن من صمد وانتصر طيلة ما يزيد عن 90 شهراً بإمكانه ان يخوض معارك قاسية لتثبيت إنجازاته حتى ولو تطلّب ذلك تسعين يوماً أو تسعين أسبوعاً إضافياً من القتال، وهو لن يتراخى ولن يضيّع مكتسباته وأن معظم ما في المشهد الميداني يشهد لصالح انتصار سورية وحلفائها.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

مناورات تركيا في إدلب ومصيرها

أغسطس 21, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

بعد أن تقلّصت ميادين التدخّل الخارجي في القتال العدواني ضد سورية وتقلّصت معها قوى هذا التدخّل، حتى بات في الإمكان وبكل سهولة، تحديد هذه القوى ومناطق تدخّلها وإلى حد بعيد الأهداف التي ترمي اليها من هذا التدخل، برزت تركيا في طليعة القوى الأجنبية التي لا زالت تطمح أو تمني النفس بكسب جائزة ما من مشاركتها في العدوان على سورية، لا بل من تشكيلها رأس حربة هذا العدوان في أيامه الأولى وقيادتها له في الخطة الأولى التي استهدفت سورية والتي أسميت «خطة الإخوان المسلمين» والتي كانت تطمح لإقامة «إمبراطورية إخوانية عثمانية» بقيادة تركيا تمتد من تونس إلى سورية عبر مصر وغزة والضفة والأردن.

بيد أن فشل «خطة الإخوان» أدّى إلى تراجع الدور التركي إلى ان وصل اليوم إلى سقف «متواضع» جداً قياساً على «السقف الإمبراطوري» السابق، سقف ليس فيه أكثر من السعي لإدخال او ضمان دخول الإخوان المسلمين في الحكومة السورية المركزية التي ستنشأ برأيهم نتيجة للحل السياسي الذي يعمل لإنتاجه ويقود إلى توزع السلطة بين القوى التي شاركت في الحرب والتي بقيت في الميدان حتى اللحظات الأخيرة واشتركت في إنتاج هذا الحل. فإن لم تصل الأمور حد الطمأنينة واليقين فإن الحل البديل الذي يراه التركي اليوم يتمثل في الإمساك الميداني بمنطقة سورية يقيم فيها نوعاً من الحكم الذاتي بقيادة الإخوان المسلمين تحت سيطرة الحكومة التركية. حكم ليس له من الارتباط بالدولة السورية إلا الرباط الواهن الذي يخدع البعض من المطالبين بوحدة سورية ورفض تقسيمها.

إذن وصلت تركيا اليوم في موقفها من سورية والعدوان عليها إلى وضع تعمل فيه على خطين علّها تنجح في أحد منهما فتعتمده. الأول ضمان الشراكة الإخوانية في الحكم المركزي بصرف النظر عن الإرادة الشعبية أحد الأعضاء في القيادة العالمية للإخوان يقول: لن يكون حلّ في سورية إن لم يكن للإخوان المسلمين في الحكم نصف القرار على الأقل ، أما الثاني فيتمثل بإقامة إقليم حكم ذاتي للإخوان على أرض تكاد تعادل مساحة لبنان وتمتد من شمالي حلب إلى شمالي اللاذقية شاملاً إدلب وجسر الشغور وعفرين.

بيد أن الطموح التركي يصطدم بحدة بالقرار السوري الاستراتيجي الكبير القائم على التمسك بوحدة سورية، واستقلالية قرار الشعب السوري المعبر عنه في انتخابات حرة ونزيهة. وبالتالي عدم إمكانية الالتزام المسبق بتمكين الإخوان من الإمساك بنصف الحكومة، إن لم يكن لهم في مجلس الشعب نصف النواب، وتركيا تعرف بشكل يقيني بأن الإخوان لا يملكون قوة تجييرية شعبية تصل إلى هذا النصف بل إن حجمهم أقل بكثير من ذلك. وبالتالي تعرف تركيا أن أياً من خياراتها مستحيل القبول من قبل حكومة يقودها الرئيس بشار الأسد الذي خاض وانتصر في حرب الدفاع عن سورية وموقعها واستقلالها ودورها الاستراتيجي. وليس منطقياً ولا يمكن أن يكون مقبولاً أن يتنازل المنتصر عن انتصاره ليُرضي المهزوم ويعوّضه عن هزيمته.

ورغم هذه الحقيقة تمضي تركيا في رهاناتها، وتنظر إلى عملية تحرير إدلب نظرة ريبة ورفض، لأنها تخشى أن تخسر الورقة الأخيرة التي تُمني النفس عبرها بتحقيق شيء ما في سورية، ففيها الأرض التي يمكن أن تقيم عليها الإقليم الإخواني المزعوم ومن بابها تتصور أنها قادرة على إدخال الإخوان في السلطة. ولهذا تعمل الآن على الخيارين معاً. فمن جهة تعزز ما تسمّيه حكومة الإخوان وتحضرها للانتقال من تركيا إلى عفرين أو إدلب، ومن جهة ثانية تريد من الفصائل الإرهابية المسلحة كلها بما فيها جبهة النصرة مبايعة حكومة الإخوان أو مواجهة عسكرية تجتثها.

تقدم تركيا على ذلك وهي تعلم حجم الدور التركي وقدرات ومكانة تركيا في تسهيل او عرقلة عملية التحرير السوري لإدلب، كما أنّها تظن أن الجيش العربي السوري وحلفاءه بحاجة إلى هذا الدور لإنجاز عملية التحرير بكلفة ومدة معقولة. فتركيا قادرة على قطع طرق إمداد المسلحين عبرها أو فعل العكس، وقادرة على المساهمة السلبية في حصارهم إن لم تصل إلى درجة قتالهم، او فعل العكس الخ… وإلى جانب هذا الظن أو التصور حتى واليقين، فإن تركيا على يقين أيضاً بأن سورية ماضية حتماً في عملية تحرير إدلب وبشروطها وأن مبدأ التحرير وقراره نهائي لا رجعة عنه وجلّ ما يمكن أن يدور بحث او تفاوض عليه هو الآلية والتوقيت والوسائل من دون أن يمس ذلك بالجوهر.

أما عن ظروف العملية، فإن تركيا تدرك أنها ليست الظروف المثالية لها، في ظل الحرب الاقتصادية التي تشنها أميركا عليها في هذه الأيام. الحرب التي تسبّبت بخسارة الليرة التركية نصف قيمتها في أقل من عام والمرشحة للاستمرار بما يرفع مستوى التضخم إلى 25 في العام المقبل. وهو ما قد يشكل كارثة تنزل بالاقتصاد التركي وتجبر تركيا على الالتصاق أكثر بكل من روسيا وإيران والحرص على عدم إغضابهما في هذه الفترة.

لكل ذلك نرى أن تركيا ليست طليقة اليدين في وضع الخطط والمناورات المعرقلة لعملية تحرير إدلب، في مقابل قرار استراتيجي سوري نهائي بالمضي قدماً في التنفيذ مهما كانت الكلفة والصعوبات، فقد بات من مصلحة سورية الإنجاز السريع للمهمة هناك للتفرّغ بعدها لوضع شرق الفرات الذي يتطلّب عملاً خاصاً يُجهض الخطط الأميركية الرامية إلى إحياء فكرة التقسيم بعد أن كادت تدفن إثر الاتصالات المعمقة التي أجرتها «مسد» مجلس سورية الديمقراطية مع الحكومة في دمشق، وقد رشح منها تراجع كردي صريح عن كل ما يمتّ إلى التقسيم بصلة مباشرة أو غير مباشرة، تراجع تسعى أميركا اليوم لمنعه والعودة عنه.

في ظل هذه الوقائع والحقائق تسعى تركيا التي تعرف أن مواجهة عسكرية مباشرة بينها وبين الجيش العربي السوري لن تكون مطلقاً في مصلحتها على أكثر من صعيد. وهنا يتقدم السياسي والشرعي على العسكري والميداني، ولذلك تعمل بكل ما لديها لتجنّبها، تسعى تركيا لمنع انطلاق سورية في التنفيذ لتجنّب الخيارات الصعبة تلك، ولأجل ذلك طلبت تركيا عبر روسيا تأجيل العملية 3 أشهر على الأقل تتوخى منها ترتيب أوضاعها في الميدان والسياسة، ومعالجة علاقاتها مع أميركا لتكون أكثر قدرة على المناورة والمواجهة.

بيد أن سورية لن تجد مصلحة لها في تأخير عملية تحرير إدلب حتى لأسبوع واحد، وهي ترى ان الانطلاق المبكر يوفر فرصاً أعلى للنجاح مع كلفة أقل. ولهذا بات شبه مقطوع به أن تبدأ عملية التحرير فور اكتمال التحضيرات على كل الصعد وهي باتت في مراحلها الأخيرة . فسورية لن تتعجل الأمر قبل أوانه، ولن تتخطى الزمن المعقول لتنفيذه، ويكون على تركيا أن تسلم بهذه الحقيقة وتدرك أن سورية التي دافعت نيّفاً وسبع سنين عن نفسها ووجودها لن تجهض انتصاراتها بأي تنازل مهما كانت طبيعته، وأن الظرف ليس في صالح تركيا حتى تناور لأخذ ما ليس لها حق به. وبالتالي ستفشل مناورتها الراهنة كما فشلت خطتها التي بدأت العدوان بها.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي – لبنان

Related Articles

Related Articles

تصفية القرن تترنّح على إيقاع انتصارات سورية

يوليو 31, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

كثير قيل ويُقال حول ما أسمي «صفقة القرن» التي لم يُعلَن من تفاصيلها شيء مؤكد، ولكن مضمونها او القصد منها تسرّب إلى الاعلام وعرفت تقريباً الجهات والدوائر المعنية بالتنفيذ معرفة تخضع لقاعدة أمنية شهيرة هي قاعدة «العلم بقدر الحاجة». وإذا جمعنا ما تسرّب وما نسب إلى هذه الجهة أو تلك لوصلنا إلى صورة تشي بأن هذه المسماة «صفقة القرن» ليست أكثر من منظومة من السلوكيات والتدابير التي تفرض تنازل العرب عن حقوقهم بفلسطين كلياً، والإقرار للكيان الصهيوني بالحق بإقامة الدولة القومية لليهود فيها تماماً كما جاء في وعد بلفور 2017 وتجاوزاً لما نصّ عليه في قرار التقسيم رقم 181 القرار الوحيد الذي تستند «إسرائيل» في شرعيتها المزعومة اليه.

وإن هذه التي تدّعي اميركا و«إسرائيل» بأنها صفقة بين العرب والفلسطينيين من جهة وأميركا و«إسرائيل» من جهة أخرى هي في الواقع عملية تخلٍّ عن الحقوق لا تعطي العرب شيئاً، بل كلها تنازل وإذعان للصهيوني المحتل الغاصب، ولأن هذا هو حال العملية فعلياً فمن الصواب واحتراماً للحقيقة وتأكيداً على طبيعة الأمور وتسمية للأشياء بأسمائها، أن تكون لازمة تسمية هذه العملية بأنها «تصفية القرن» وليس صفقة القرن كما يروج إعلامهم. ففيها تصفية للقضية الفلسطينية بالشروط والمعايير الإسرائيلية من دونم مراعاة لحق طبيعي او قانوني او قاعدة من قواعد القانون الدولي.

ومَن يتابع ويدقق في ما تسرّب أو ظهر من تدابير تنسب إلى «صفقة القرن» المزعومة يجد أن هذه العملية تقوم على مرتكزات أساسية أولها اعتبار فلسطين كلها دولة لليهود ولا يخرج منها إلا قطاع غزة، الذي يكون في إبقائه خارجها مصلحة إسرائيلية للتمكن من تطبيق «قومية الدولة» على النحو الذي سنبيّنه. والثاني اعتبار القدس كلها ومن غير تمييز بين شرقية وغربية هي لـ«إسرائيل» عاصمة أبدية، والثالث إسقاط حق العودة للفلسطينيين وتوطينهم، حيث هم في البلاد العربية خاصة لبنان وسورية والأردن ومصر، مع الإقرار لـ«إسرائيل» بحق سحب الجنسية من كل من ليس يهودياً وموجوداً في فلسطين التي احتلت في العام 1948 وترك الخيار لها في منحه الإقامة المؤقتة او الدائمة على «أراضيها» أو طرده منها بعد حرمانه من حقوق المواطنة، وأخيراً إدخال «إسرائيل» في النسيج العضوي للنظام الإقليمي في المنطقة خاصة من الوجهتين الأمنية والاقتصادية لتكون هي في الموقع الطليعي الذي يقود المنطقة بإشراف وتوجيه أميركيين.

أما في التنفيذ فقد شرعت أميركا بأول خطوة على هذا الصعيد، باعترافها بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» ونقل السفارة الأميركية اليها، ثم كان اصدار الكنيست الإسرائيلي «قانون القومية» الذي مضى عليه عقود يناقش من دون أن يجرؤ أحد على اعتماده، لكنه بعد إطلاق «تصفية القرن» بموافقة عربية بخاصة من السعودية، اعتمد من دون خشية من أحد رغم أنه يجاهر بإقامة نظام تمييز عنصري على وجه أبشع بكثير مما كان قائماً في جنوب افريقيا في القرن الماضي.

وإضافة إلى ما ذكر تحضّر أميركا و«إسرائيل» أمرين لإخراجهما من الجعبة العدوانية على فلسطين والمنطقة أولهما الدعوة لإنشاء «حلف عسكري« بين «إسرائيل اليهودية» ودول عربية إسلامية تحت اسم الناتو العربي الإسرائيلي من أجل حماية مشروع التصفية في مواجهة المقاومة ومحور المقاومة عامة وإيران بشكل خاص حلف يجمع «إسرائيل» مع دول الخليج ومصر والأردن الموقعتين معاهدات صلح معها، والثاني طرح ما أسمي مبادرة نتنياهو حول قطاع غزة. المبادرة التي يبتغي منها العدو تسليم قطاع غزة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو التفريطي، لتطبق عليها النظام الأمني الساري في الضفة أي جعله ميداناً للتنسيق الأمني مع «إسرائيل» بما يقود إلى تصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة نهائياً، والتحضير لإعلان القطاع دولة فلسطين المنزوعة السلاح واعتبار كل فلسطيني في العالم مواطناً في هذه الدولة حتى ولو لم يكن مقيماً فيها. وذلك من أجل إلغاء المبررات القانونية للمطالبة بحق العودة. إنها مبادرة تقزيم القضية الفلسطينية وحصرها بقطاع غزة من أجل التمكن من خنقها وتصفيتها.

لا شك في أن هذه الخطة الشيطانية الخبيثة المسماة «صفقة القرن» هي خطة أعدّ لها بعناية وأرفدت بالكثير من مواقع ومصادر القوة لضمان نجاحها بيد أن ذلك يتطلّب توفر شروط أساسية لا يمكن تجاوزها. أولها موافقة الشعب الفلسطيني عليها، والثاني سكوت محور المقاومة وعدم مواجهتها. والثالث ضمان وقف المقاومة الفلسطينية والرابع ضمان تفكيك محور المقاومة وامتلاك السيطرة بشكل خاص على ما تسمّيه «إسرائيل» الجبهة الشمالية لمنع أي انفجار في المنطقة يعيد الأمور إلى نقطة الصفر ويقود إلى حرب إقليمية مفتوحة لا تملك أميركا و«إسرائيل» القدرة على إنهائها.

إن مَن يدقق في الشروط المطلوبة لنجاح عملية تصفية القرن هذه يجد أن تحقق هذه الشروط أمرٌ فيه من الصعوبة ما يكاد يجعله يقترب من الاستحالة. ونبدأ مع الشرط الأول إذ إننا لا ننكر وجود فلسطينيين يوافقون على هذه الصفقة ويشكّلون في موافقتهم امتداداً لما جرى في أوسلو وما استتبعها من تنازلات وطعن للقضية الفلسطينية، إلا أن المزاج الفلسطيني الراجح والمؤيد من الموقف الشعبي العربي الغالب، يتمسك بكل فلسطين وبمبدأ استعادتها من البحر إلى النهر المبدأ الذي تؤكده كل المواقف العربية والفلسطينية دونما شك او التباس، كما تزداد ثقة الفلسطينيين بالمستقبل ويزداد تمسكهم بحقهم بوطنهم فلسطين على وقع الهزائم التي يتجرّعها المعتدون في الإقليم عامة وفي سورية خاصة.

اما في الثاني فإن لمحور المقاومة مشروعه لحل القضية الفلسطينية. وهو المشروع الذي طرحه الأمام علي الخامنئي منذ سنوات ويقوم على مبدأ قيام الدولة الفلسطينية الواحدة التي يكون مواطناً فيها مَن كان من أهلها او تحدّر منهم، أما من جاء إليها فعليه الرحيل وترك البلاد لأهلها يختارون نظام دولتهم من دون أي غصب او ضغط. وبالتالي لن يكون لتصفية القرن الأميركية الصهيونية محل في قاموس محور المقاومة الذي سيستمرّ في دعم الشعب الفلسطيني وسيستمر بالمطالبة بكل فلسطين ويعمل من اجل ذلك مؤمناً بانها ستستعاد.

وعن وقف المقاومة الفلسطينية نجد الرد الناجع وببساطة كلية بإبداعات الشعب الفلسطيني الأخيرة الذي تخطى مَن يعتبر نفسه قيادات فلسطينية وأطلق سابقاً الانتفاضة تلو الانتفاضة ثم ينظم اليوم مسيرات العودة التي أرهقت «إسرائيل» نفسياً ومعنوياً قبل ان تلحق بها الاضرار المادية التي يحسب لها اليوم أكثر من حساب.

فمقاومة فلسطين مستمرة وبكل تأكيد وعلى مَن يريد التحقق أكثر عليه أن يُصغي إلى ما قالته المناضلة عهد التيمي ذات الـ 17 ربيعاً متوعّدة «إسرائيل» بمواصلة المقاومة واستمرارها. موقف أطلقته وهي تخرج من السجن الإسرائيلي بعد ثمانية أشهر من الاعتقال.

أما الضربة القاضية لمشروع «تصفية القرن» فيتمثل في ما يجري في سورية من انهيار منظومة العدوان وجماعات لإرهاب امام الجيش العربي السوري وحلفائه في محور المقاومة ومعهم روسيا، حيث استطاعت سورية وعلى مدار نيف وسبع سنوات أن تصمد أولاً ثم تحتوي العدوان الكوني عليها ثم تتحوّل إلى الهجوم ثم تطهّر الأرض السورية وتستعيدها تباعاً إلى كتف الدولة وباتت في الأشهر الأخيرة لإنجاز مهمة التحرير والتطهير والعودة إلى الموقع الجيوسي الذي كانت فيه قبل العدوان لتلعب وبفعالية أكبر الدور الاستراتيجي الذي احترفته خدمة لفلسطين وللقضايا العربية .

إن انتصار محور المقاومة في سورية أجهض مشروع تقسيم المنطقة ومنع تركيبها على أساس عرقي وطائفي ومذهبي، وحال بالتالي دون تمرير أي من مشاريع التصفية لقضية فلسطين. ففي سورية لم تكن مواجهة المؤامرة الكونية دفاعاً عن سورية، فحسب بل كانت للدفاع عن فلسطين وعن كل المنطقة كما هي دفاعاً عن سورية. وبالتالي إن مَن انتصر في المعركة الدفاعية الرئيسية لن يسمح للعدو التسلّل لفرض ما يريد عبر البوابات الخلفية مهما سخر من طاقات وبذل من جهود، وإذا ذهبت «إسرائيل» للمواجهة، وفتحت جبهة الشمال عندها ستكون الكارثة الاستراتيجية عليها، لأنها تستطيع أن تبدأ الحرب، لكنها لن تستطيع أن تنهيها، بل سينهيها محور المقاومة وسيغيّر وجه المنطقة، كما توعّدها السيد حسن نصر الله. لذا، فالمطلوب الآن الثقة بالنفس، الثقة بأننا نحن مَن انتصر ونحن مَن يقرّر مصير المنطقة وليس للمهزومين وأتباعهم من العملاء والأدوات أي دور في صنع هذا المستقبل.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

أميركا في سورية: تراجع فعلي أم مناورة خادعة؟

يونيو 26, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

كثيرة هي الأسئلة التي طرحت عندما سرّبت المخابرات الأميركية موقفاً اتخذته القيادة الأميركية تجاه الجماعات المسلحة في الجنوب السوري، مفاده أنّ «على هذه الجماعات أن لا تعوّل على دعم أميركي لها في الميدان جنوب سورية في مواجهة الجيش السوري»، الذي شرع باتخاذ ما يلزم من تدابير تصالحية أو عسكرية لاستعادة الجنوب وتطهيره من الإرهاب والعودة الفاعلة الى خط فضّ الاشتباك في الجولان المحتلّ خط العام 1974 .

والسؤال الأساسي الذي طُرح: هل أميركا سلّمت فعلياً بأنّ مواقفها الهادفة إلى منع سورية من استعادة الجنوب لن تثني سورية عن تنفيذ قرارها الذي أعلنه بصراحة ووضوح الرئيس الأسد في أكثر من محطة، وأكد عليه مؤخراً بأنّ الجنوب سيُستعاد بالمصالحة أو بالقتال العسكري؟ وبالتالي هل رأت أنّ الانكفاء هو أسلم عاقبة وأقلّ خسائر، خاصة أنّ التلطي خلف مقولة وجوب احترام «مناطق خفض التصعيد» قد فقد قيمته وسقطت فعاليته بعد أن خرقت الجماعات المسلحة التي ترعاها أميركا، هذه المنظومة واعتدت على مراكز الجيش العربي السوري وحلفائه في الجنوب؟

أما الفرض الثاني أو السؤال، هل أميركا تريد أن تفصل الجنوب الغربي السوري عن الجنوب الشرقي، وتترك الأول لقرار الدولة السورية مهما كانت النتيجة حتى ولو كانت تحريراً كاملاً وعودة الى خطوط الجولان، وفتحاً للحدود مع الأردن، مقابل السكوت أو تأجيل أو تحييد القاعدة الأميركية في التنف لتبقى ورقة مساومة وضغط على سورية لدى البحث الجدي في مخرج سياسي للأزمة؟

ويبقى افتراض أو سؤال آخر لا يمكن تغييبه عن البال وينسجم عادة مع الطبيعة الأميركية في مواجهة الأحداث من وراء قناع، عندما لا تريد أن تتحمّل مسؤولية عمل ما ونتائجه، ويكون التنصّل الأميركي لفظياً وإعلامياً وتبقى أميركا في الميدان هي وأدواتها، بدعم مباشر للإرهابيين وعمل لإفساد المصالحات أو عرقلتها من دون أن تتهم بشيء من هذا التدخل العدواني.

إنّ الاختيار بين أيّ من هذه الفرضيات او الأسئلة حول الموقف الأميركي لا يمكن أن يحصل بمعزل عن عوامل أساسية هي التي تفرض على معسكر العدوان على سورية مواقفه. وأوّل هذه العوامل هو المشهد الأخير للميدان السوري على ضوء ما توصّلت إليه عمليات تطهير ريف دمشق وحمص وحماه والاتجاه للعمل في القطاعات الحدودية الأربعة المتبقية. وثانيها القرار السوري الحاسم والمدعوم من الحلفاء في محور المقاومة وروسيا لاستعادة السيطرة على تلك القطاعات، بخاصة في الجنوب لتعطيل العامل الإسرائيلي، لا بل وبتر اليد الإسرائيلية في الداخل السوري. وثالثها اعتبارات أميركية ذاتية تتصل بمسار السياسة الأميركية الترامبية في الشرق الأوسط.

ونبدأ من العامل الثالث، حيث إنّ ترامب أعلن عن انسحاب أميركي وشيك من سورية، وتتحضّر أميركا للإعلان عن «صفقة القرن» التي تصفّي عبرها القضية الفلسطينية وتثبّت «إسرائيل» في المنطقة في إطار حلف عربي صهيوني بقيادة أميركية لمواجهة إيران ومحور المقاومة. وبالتالي قد تكون هذه الحاجات الأميركية دافعاً للتراجع الأميركي عن مواجهة الجيش العربي السوري في الجنوب مع الاحتفاظ بقاعدة التنف كما أسلفنا وتجنّب مرحلي لأيّ احتكاك يُفسد على أميركا خططها المتصلة بأمن «إسرائيل».

أما في العاملين المتعلقين بسورية مباشرة، فإنّ أميركا تدرك ومن خلال ما حصل في السنوات السبع السابقة من المواجهة أنّ سورية لم تتراجع عن قرار دفاعي اتخذته مهما كانت الكلفة في التنفيذ، ثم أنّ سورية حشدت لتنفيذ قرارها ما يلزم من القدرات والوسائل التي تجعل قرارها في التنفيذ آمناً ومؤكد النجاح، ولا يمكن لأميركا أن تنسى حالات جوهرية محدّدة حصلت في شمال التنف أو في الغوطة الشرقية أو في منطقة الشرق من دير الزور إلى البوكمال وقبلها في حلب، حيث إنّ التهويل ثم التدخل الأميركي وإقحام مسرحية استعمال الكيماوي الملفّقة، كلّ هذا لم يثن سورية عن تنفيذ قرارها، ثم جعل النجاح السوري في الميدان، يمتدّ سلبياً على الموقف الأميركي وجعل أميركا في طليعة الخاسرين.

هذه الاعتبارات منفردة أو متكاملة مكّنت روسيا من استغلال الفرصة ومقاربة ملف الجنوب مع أميركا بشكل جعل الأخيرة تخطو خطوتين متتابعتين تصبّان في مصلحة عودة القوى الشرعية إلى الجنوب وإنهاء الوجود الإرهابي المسلح في المنطقة، تمثّلت الخطوة الأولى بموقف أميركي «ينصح الجماعات المسلحة بعدم استفزاز الجيش السوري» وإعطائه الذريعة للهجوم عليها وتكرار ما حصل في الغوطة، والخطوة الثانية كانت الموقف المفاجأة الذي بدأنا الحديث به. وهو الإعلان عن إحجام أميركا عن دعم هذه الجماعات في وجه الجيش السوري.

على ضوء ما تقدّم من حجج واعتبارات، فإننا نرى أو لنقل إننا نميل إلى القول بأنّ أميركا الآن جادّة فعلاً في الإحجام الظرفي عن دعم الجماعات المسلحة في الجنوب، لكننا لا نعتبر هذا الموقف هو الموقف النهائي القاطع، ويجب أن لا نفاجأ إذا تراجعت أميركا عنه وانخرطت في دعم الجماعات تلك مباشرة أو بشكل غير مباشر. وهنا نقول طالما أنّ أميركا لم تقلع حتى الآن عن سياسة إطالة أمد الصراع في سورية، ولم تسهّل العمل في الحلّ السياسي، فإنها تبقى في موقع السلبية الواجب الحذر منها، سلبية يؤكدها وجود غرفة الموك في الأردن التي تخطّط وتقود عمليات العدوان على سورية من الجنوب، وطبعاً بحضور أميركي «إسرائيلي» فاعل.

اذن لا ننفي أهمية القرار الأميركي بإبلاغ الجماعات المسلحة عدم المراهنة على الدعم الأميركي. وهو قرار أملته كما أوضحنا اعتبارات موضوعية وذاتية، وجاء في ظلّ متغيّرات ميدانية وقرارات سياسية وعسكرية سورية هامة كان فيها الإعلان عن التوجّه إلى الجنوب لتحريره وتحديد موعد انتخاب المجالس المحلية في أيلول المقبل. وهي اعتبارات وقرارات ما كانت لتكون لو لم تكن سورية تستشعر انتصارها على العدوان الذي استهدفها منذ نيّف وسبع سنين، إلا أنه ينبغي الحذر من الركون الى الموقف هذا. ولنتذكر دائماً انّ أميركا لا تعطي طوعاً. فهي لا تؤمن بحق سوى حق القوة، ومن فرض عليها بقوته شيئاً رضخت له، وإلا تبقى في غطرسة وعدوان ينتهك حقوق من رأت ضعفه وهوانه.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

Related Videos

Related Articles

ما جدوى حديث الغرب عن الحلّ السياسي في سورية؟

أبريل 24, 2018

العميد د. أمين محمد حطيط

ظنّ من ارتكب العدوان الثلاثي على سورية أنه سيرهبها وحلفاءها في محور المقاومة وروسيا، وأنه بالتهويل السابق للعدوان وبـ «الصواريخ الذكية واللطيفة والحديثة» على حدّ زعم ترامب، قادر على انتزاع ما عجز عن تحقيقه طيلة سنوات سبع من عمر العدوان على سورية.

بيد أنّ نتائج العدوان المبتدأ بتلفيق كيماوي والمنفذ بضربة صاروخية إجرامية وما بينهما من حرب نفسية، جاءت عكسية تماماً، لأنها بعد إخفاقها في تحقيق أيّ هدف في الميدان، عقدت الأمر سياسياً وجعلت قوى العدوان في موقع الطرف المنعدم الثقة به كلياً والمرفوض في المشاركة بأيّ عمل سياسي يتصل بالبحث عن حلّ في الأزمة وحملت أو أتاحت لسورية وحلفائها الانتقال الى استراتيجية تطهير وتحرير شاملة تنفذ وفقاً لجدول أولويات يوضع في رأسه الفضاء الأمني اللصيق بدمشق وبشعاع يصل إلى 50 كلم على الأقلّ ويليه الفضاء الأمني الأوسط الذي يتركّز بشكل خاص على ريفي حمص وحماة، وسواه من المناطق الوسطى في البادية وانتهاء بالفضاء الاستراتيجي الحدودي على اتجاهاته الأربعة شاملاً الاحتلالات الأجنبية من أميركية وتركية وإسرائيلية وأيّ وجود أجنبي وإرهابي معلن أو مضمر.

ونستطيع القول الآن وبعد الإنجاز الاستراتيجي الهامّ الذي حققته سورية في الغوطة الشرقية أنّ المشهد السوري تغيّر جذرياً وأنّ عملية التطهير والتحرير التامّ الناجز ستنطلق من محيط دمشق لتصلَ إلى الحدود من دون أن توقفها أو تعيقها صعوبة، وتعتمد مبدأ الحسم الميداني بأيّ شكل من الأشكال سواء تطلّب الأمر قتالاً وعملاً عسكرياً عالي الشدة، أو اكتُفي فيه بالعمل التفاوضي التصالحي المستند إلى منظومة العفو والمصالحة التي أرست أسسها واعتمدتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس الأسد منذ بدء الأزمة أملاً منها باستعادة من ضلّ عن الجادة لإنقاذه من موقع كارثي أدخل نفسه فيه.

وعلى هذا الأساس بات لكلّ منطقة أسلوب تحريرها المناسب بقتال أو من غير قتال، وفقاً لما يختار المسلحون فيها، وهذا ما يسجّل اليوم وفي الآن معاً في كلّ من الحجر الأسود والقلمون الشرقي. ففي حين أنّ صراع الإرهابيين في ما بينهم عطل الاتفاق والمصالحة في المكان الأول، كان الإذعان من قبل مسلحي القلمون الشرقي طريقاً للتحرير من غير قتال وإجلاء مَن رفض البقاء في بيته والانخراط بمقتضيات المصالحة بإجلائه الى موقع تكديس الإرهابيين بانتظار موعد هم ملاقوه في مواجهة الجيش العربي السوري قريباً، هذا إذا استمروا هناك حتى وصوله.

أما في العملية السياسية فإنّ شأنها اليوم اختلف عما كان قائماً جذرياً أيضاً، فإذا انطلقنا من فكرة أنّ الحلّ السياسي سيكون نتيجة حوار بين السوريين، فإنّ هناك فئة من السوريين الذين خرجوا على وطنهم ويُراد لهم ان يكونوا جزءاً من الحلّ رغم استمرارهم أداة بيد معسكر العدوان على سورية. وهنا التعقيد في الأمر، لأنّ هذا المعسكر بمستوياته المقرّرة فقد أوراق الضغط الأساسية التي كان يعوّل عليها لتمكّنه من فرض شروط وحصد مكتسبات شاءها منذ أن أطلق عدوانه. ولهذا سيحاول هذا المعسكر استعمال الأوراق الباقية على وهنها في وظيفة تفوق قدرتها على الإنتاج. وهو في موضع المرفوض أصلاً. وهنا ترسم صورة فيها أنّ معسكر العدوان لديه أوراق لا تناسب طموحه، ومعسكر الدفاع يتمسّك بحقوق لا يتنازل عنها أو يسلّم بشيء منها الى المعتدي.

ويزيد المسألة تعقيداً أنّ أوراق معسكر العدوان في طريقها للتعطيل او للإلغاء مع تقدّم العمل السوري في الميدان، رغم المحاولات المستميتة التي يبذلها المعتدون للاحتفاظ بها بيدهم او نقلها إلى يد أخرى برعايتهم، وهنا نطلّ على ما لدى المعتدي من أوراق فنتوقف عند التالي:

1 ـ ورقة النازحين واللاجئين السوريين الى الخارج، إن استمرار هؤلاء في أماكن لجوئهم خارج سورية يجسّد شاهداً على استمرار الأزمة، ويشكّل برأي المعتدي ضغطاً على الحكومة السورية، ولذلك يعملون كلّ ما يستطيعون لمنع حلّ مشكلة النازحين أو تسهيل عودتهم الى منازلهم، رغم ما توفّره الحكومة السورية من تسهيلات على شتّى الصعد. كلّ مَن يعرقل عودة نازح إنما يخدم أعداء سورية إن لم يكن أصلاً خصماً أو عدواً لسورية وللشعب السوري أياً كان وأياً كانت خلفيته .

2 ـ ورقة الضغط الاقتصادي وما يسمّونه عقوبات على النظام السوري. صحيح أن هذه الورقة تؤلم. وتضرّر منها الشعب السوري كثيراً، لكن سورية تكيّفت مع الوضع وها هو سعر صرف الليرة السورية شاهد بتحسّنه على ذلك.

3 ـ ورقة ما تبقى من مجموعات إرهابية في ادلب وخارجها. تبذل أميركا ومعها أتباعها الإقليميون الدوليون ما في وسعها لمنع الجيش العربي السوري من متابعة تصفية الإرهاب، في ما تبقى من أرض سورية يقيم عليها وهي لا تتجاوز الـ 15 في المئة من المساحة السورية التي كان يسيطر عليها، لكن القرار السوري الحاسم كما قدمنا واضح في متابعة الحرب على الإرهاب وليس مثل الغوطة الشرقية ببعيد.

4 ـ ورقة الاحتلال خاصة الاحتلال الأميركي والتركي واليد الإسرائيلية في منطقة الجنوب الغربي، احتلالات قائمة مع التلويح بمشاريع تقسيمية بأشكال متعددة تبدأ بالقول بالحكم الذاتي وتمرّ بالفيدرالية وصولا الى الانفصال الناجز. وفي المقابل بات لدى سورية من القوة والقدرات ما يجعل كل هذه المشاريع ساقطة على أصلها غير قابلة للولادة على قيد الحياة.

هذه الأوراق التي يتمسك بها العدوان من أجل الضغط على سورية وإجبارها على القبول ببيان جنيف الأول بيان 2012 الانتدابي الاستعماري ، تحت طائلة منع تسهيل الحل على أساس أي وثيقة أخرى بما فيها القرار 2254 . هذا البيان الانتدابي الذي احتشدوا في السويد لإحيائه بالأمس ويهمون للاجتماع في بروكسل غداً لإعطائه شحنة تحرّكه، هو بيان عفا عليه الزمن وبات المعتدون أمام خيارين الآن: إما القبول ببيان سوتشي الاستقلالي والعمل بموجبه بصرف النظر عن المكان الذي يستأنف فيه التفاوض، والانتظار حتى تتآكل الأوراق التي بيدهم الواحدة تلو الأخرى وعندها لن يكون الأمر بحاجة الى بيانات ومواقف ويكون الوضع مستجيباً لبيت الشعر العربي «السيف أصدق إنباء من الكتب»، وعلى العاقل أن يفهم أن مسار الأزمة السورية بعد تحرير الغوطة اختلف جذرياً عما قبله وعليه أن يأخذ بهذا على أقصى محمل الجدّ.

ومع هذا القرار السوري التحريري الموضوع موضع التنفيذ الجدّي والصارم والمدعوم من قبل حلفاء أقوياء صادقين لن يكون قلق أو خشية أو خوف من كلّ ما يروّج العدو والخصم من قول بفصل درعا أو إحلال قوات عربية مكان قوات أميركية تهمّ بالرحيل قبل أن تنفجر المقاومة بوجهها، أو استعداد تركي للتوسّع الاحتلالي نحو تل رفعت أو إدلب أو سعي غربي للمحافظة على داعش في شرق سورية. فكلّ هذه الأهداف أدرجت في لائحة الأولويات السورية للعمل العسكري الذي لا يخرج في بعض المناطق عن ضرورة الأخذ بعنصر المفاجأة.

أستاذ جامعي وباحث استراتيجي

مقالات مشابهة

%d bloggers like this: