والله إنك طولت بالك عليهم كتير

والله إنك طولت بالك عليهم كتير!

 ابراهيم الأمين

  الإثنين 12 تشرين الثاني 2018

مشكلة القوى السياسية الآتية من رحم 14 آذار، أنها رهينة عقلية دونية. مشكلة هؤلاء، ادعاء الاستقلالية وحق التعبير وتقرير المصير وحق التمثيل السياسي الحقيقي. أما في واقع التجربة، فإن دونية تسكنهم أمام من يعتقدون انه يوفر لهم الحماية. وللأسف، صار لزاماً على الناس معرفة كيف يعيش هؤلاء. من أين يحصلون على دخلهم الشهري، وكيف يتمكنون من العيش برفاهية كل الوقت وفي كل الامكنة؟ ومن يحصل على الجواب الحقيقي، يفهم بأي عقلية ونفسية يتصرفون. ولذلك، فإن فكرة التعامل معهم بندية طبيعية، أي بعلاقة متوازنة بين مواطن ومواطن، هي فكرة غير واقعية. ولذلك، تأخر السيد حسن نصرالله في الاعلان ـــ لان اقتناعه واضح ـــ أن مشكلة هؤلاء لا تعالَج بالتواضع وما سمّاه الآدمية.

يعني، ومن دون الحاجة الى سرد تاريخي

هل يقول لنا الدكتور سمير جعجع ونواب «القوات اللبنانية» ووزراؤها، ومرشحوه للمناصب الوزارية الجديدة، ما هي إنجازات دولة نائب رئيس الحكومة في وزارة الصحة، الحقيبة الأكثر أهمية التي تولاها وزير من «القوات» بعد عقود من الحرمان من جنة السلطة؟

ثم باعتبار أن «القوات» تمثل قدر الأحرار في لبنان والعالم، هل لهم أن يشرحوا لنا موقفهم من جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي؟ أم انهم ينتظرون نتائج التحقيق، أو لم يسمعوا رواية رسمية، أو أنهم يشككون في ما يقوله الاعلام المناهض للسعودية؟

هل يشرح لنا «الزعيم المفدى» وليد جنبلاط، كيف تجري إدارة المشاريع العامة والخاصة في مناطق سيطرته، بين الشوف وعالية ووطى المصيطبة؟ وكم ربح من قطاع النفط الشرعي وغير الشرعي طوال ثلاثة عقود؟

ثم، هل يتابع بن جنبلاط ما الذين يفعله بن سلمان في اليمن وبقية العالم العربي؟
هل يمكن للرئيس سعد الحريري، ومعه قيادات «المستقبل» بكل أشكالها وولاءاتها، أن يقدموا لنا شرحاً عن حقيقة ما حصل معه في السعودية قبل عام، ولماذا قرر الحاكم بأمر المنشار حرمانه من دوره السياسي، وكيف أعيد الاعتبار إليه؟ وهلّا أخبرنا الحريري كيف سيتصرف وفريقه مع حاجاته المالية ونفقاته بعدما أقفلت أبواب التمويل التجارية والسياسية من السعودية والامارات العربية المتحدة؟
هل يحتاج أحد الى شرح واقع حركة «أمل» بعد 35 عاماً من الحضور داخل الدولة، وكيف تراجعت القوة السياسية والشعبية لمصلحة الزعامة الشخصية للرئيس نبيه بري، الذي يواجه صعوبات كبيرة في معالجة معارك أهل البيت السياسي الضيق منه والأوسع، ولماذا لا يزال الشيعة في حالة إنهاك عام، رغم كل ظواهر التحدي القائمة في الشارع؟

هل راجع العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل تاريخ لبنان القصير، وكيف أن الحكم المطلق بيد المسيحيين، منذ الانتداب حتى نهاية الحرب الاهلية، كانت نتيجته هجرة المسيحيين من لبنان، وزيادة معدلات الفقر عندهم، والفوضى في المناطق التي يعيشون فيها، حيث توجد نسبة عالية من مخالفات قوانين البناء والاعتداء على الاملاك العمومية، وكيف أن تجربة المسلمين من بعدهم لم تأت لقبائل الشيعة والسنّة والدروز والعلويين إلا بمزيد من الفقر… ثم نراهم اليوم يرفعون شعار: استعادة الحقوق؟

ليس للحريري الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة، ولا في مقايضة عون بمقعد سنّي من حصة غيره

كيف يحصل كل ذلك، بينما يستكثر كل هؤلاء على مجموعة من سياسيي لبنان (تطال الانتقادات اداءهم وسلوكهم كبقية السياسيين في البلاد) ان يتمثلوا بوزير واحد في حكومة ليس معلوما اذا كانت ستحل مشاكل لبنان او تزيدها تعقيدا؟

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة، غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار «وحدي لا شريك لي» الذي رفعه محمد بن سلمان في الرابع من تشرين العام الماضي، عندما قرر إقصاء جميع اهل بيته؟

ولأن القواعد العلمية لا تحتاج الى تفسيرات سياسية، فالامر هنا يقف عند معادلة بسيطة، وهي أن هذه المجموعة من السياسيين الذين ينتمون الى الطائفة السنية المحتكرة قيادتها لآل الحريري منذ 25 سنة، لها الحق في أن تتمثل أسوة ببقية القوى والمجموعات السياسية اللبنانية، وهي تمثل شريحة من اللبنانيين يفوق حجمها من يتمثل في اللقاء التشاوري نفسه. وهي تمثل السنّة الذين خسروا في الانتخابات (وهؤلاء مواطنون) وتمثل السنّة الذين صوّتوا لمرشحين من غير طوائف، لكنهم في نفس الخط السياسي لهذه المجموعة، وهي تمثل القواعد الاجتماعية لفريق من سنّة لبنان الذي لا يقبل بزعامة آل الحريري، حتى ولو ذهبت أصوات هذه القواعد لنواب يقولون اليوم إنهم مستقلون.

تُظهر أرقام الانتخابات أنه يحق للحريري بأربعة وزراء من السنّة على أبعد تقدير. أما الحصة الباقية، وهي وزيران، فيجب أن تذهب الى خصومه الذين فازوا بعشرة مقاعد نيابية. وبالتالي، ليس له الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة. وليس له الحق حتى في مقايضة الرئيس ميشال عون بمقعد سنّي من حصة غيره. وما كان يجب على الرئيس عون أن يقبل هذه المقايضة. بل كان الاحرى برئيس الجمهورية أن يدافع عن حقوق بقية المجموعات اللبنانية كما دافع عن حقوق جماعته. لأنه رئيس الجمهورية، ولانه الرئيس الذي كان خصوم الحريري الى جانب معركته في الوصول الى رئاسة الجمهورية، ما كان عليه أن يقبل بهذه المقايضة. ولذلك، فهو مسؤول بنفس قدر مسؤولية الحريري عن إيجاد حل لهذه المشكلة. ولو أراد البعض من حوله أن يروه رئيساً ممثلاً للمسيحيين، فنحن سنظل نراه رئيساً يأمل اللبنانيون أن يكون رئيسهم جميعاً. ولذلك بيده الحل.

ذات مرة، سعى السعوديون الى إقناع أحد أصحاب وسائل الاعلام بالعمل لمصلحتهم مقابل توفير دعم مالي له. قبِل الرجل، لكنه قال إنه لا يقدر على تبنّي الخط السياسي للسعودية، ومهاجمة سوريا والمقاومة. فقيل له: حسناً، لا نريد منك أن تدافع عنا، نريد منك مهاجمة منتقدينا. فوجد الرجل ضالته بأن اختار بعض خصوم السعودية وصار يجلدهم صباحاً ومساءً.

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار محمد بن سلمان؟

الآن، ثمة مرتزقة بين سياسيي لبنان وإعلامييه، من الذين يعيشون على «خير أهل الخير في الجزيرة»، لكنهم عبّروا عن صعوبة استمرار الدفاع عن السعودية. فقال لهم وكيل المملكة في لبنان: «لا نريد منكم الدفاع عنا، نريد منكم مهاجمة خصومنا»… وقد وجدوا ضالتهم اليوم في تولّي الرد على كلام السيد حسن…

حسناً أيها الشجعان. بما أنكم أهل الاستقلال والسيادة والموقف الحر، والكرامة التي ما بعدها كرامة، وأن البطون التي حملتكم هي غير البطون التي حملت الآخرين، وبما أنكم تعتقدون أنكم من مواطني الدرجة الاولى «أيها البيض»، وانه لا يمكن مقارنتكم بمواطني الدرجة الثانية «هوليك اللي ما بعرف منين جايين»… فما عليكم إلا الاستعانة بوليّ نعمتكم، وسيدكم، أبو المنشار ما غيره، وبالتعاون مع شبكة عوكر للدعارة بكل أنواعها، وأن تقرروا مستقبل البلاد… يللا الأمر بأيديكم!

انت يا سيد حسن، شو بيعرفك بإدارة البلاد والمؤسسات، وانت أصلاً شو خصك بالقرار الحر والسيادة والاستقلال، وانت منين لوين بتعرف حق التمثيل وحقوق الناس… انت شو خصك لتحكي أصلاً؟
والله إنك لطويل البال!

وفق الأرقام الواردة في كتاب الانتخابات النيابية لعام 2018 الصادر عن «الدولية للمعلومات» ودار «كتب»، يمكن الوصول الى النتائج الخاصة بالمقاعد النيابية الـ27 التي يشغلها نواب ترشّحوا عن الطائفة السنية.

يشرح الجدول أدناه كيفية توزيع الأصوات التفضيلية للناخبين السنّة على النواب الفائزين من الطائفة السنية، وليس على كل النواب الناجحين عن بقية الطوائف.
يشار الى أن تيار المستقبل عمد خلال الايام القليلة الماضية الى تعميم جدول يورد فيه النتائج، لكنه يقول في الخلاصة إن نواب اللقاء التشاوري حصلوا على 43300 صوتاً تفضيلياً سنّياً، من أصل 481680 صوتاً تفضيلياً سنّياً، ليصل جهابذة “المستقبل” الى القول إن نسبة ما ناله نواب “اللقاء التشاوري” هو 8.9 في المئة من إجمالي الاصوات.

وإذا أخذنا بقاعدة «المستقبل» هذه، فإن النواب السنّة الـ17، المنضوين في كتلة الرئيس سعد الحريري، قد حازوا 168332 صوتاً تفضيلياً، وبالتالي فإن نسبتها من إجمالي الاصوات التفضيلية السنيّة هي 34.9 في المئة. وبالتالي، سيكون هناك 270 ألف صوت تفضيليّ سنّي غير ممثلين، لا في المجلس النيابي ولا في الحكومة.
الجدول التالي، يفترض أن يوضح الصورة لمن لا يريد المكابرة ولا الزعبرة، فاقتضى التوضيح:

من ملف : معركة العدالة

Related Videos

Related Articles

Advertisements

وتبقى القصة… فلسطين

Image result for ‫ابراهيم الأمين الخميس‬‎ابراهيم الأمين

الخميس 25 تشرين الأول 2018

القصة ليست قلّة احترام لمن قتله آل سعود بما بقي عندهم من دم بارد. القصة ليست تمرّداً على المشهد العام المنقسم بين تمنيات بأن «يضرب الله الظالمين بالظالمين» انتقاماً لقهرهم شعوب الأرض، وبين وقائع تقول بأن أهل الجريمة، وإن اختلفوا، فذلك على طريقة القيام بالقتل فقط. كاد دونالد ترامب أن يقول لآل سعود: ما هكذا تكون عمليات التخلّص من المعارضين… كان يمكن أن تكونوا أقل غباءً وأكثر فطنة في التستّر على فعلتكم!

أما السلطان أردوغان، فيريد إدخالنا في لعبة أحجية تخفي كلمات سر تخصّ مصالح دولته وحكمه وديكتاتوريته وجرائمه بحق معارضيه، والصحافيين منهم على وجه الخصوص. لعبة تؤدي الوظيفة ذاتها، أي إسكاتهم بألف طريقة، وإيذاءهم بما يثبت القول إنّ الصمت أشد إيلاماً من القتل!

في أوروبا الغارقة في كهولةٍ تأتي على كل شيء فيها، يرتفع الصوت «احتراماً» لمزاج عام لا أكثر. لكن الجمهور نفسه صار يريد الدولارات والأعمال، ولا يأبه كيف السبيل إلى ذلك. أليست فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا هم أهل الاستعمار الأصليين؟ ألم تُبنَ المدن الساحرة في هذه الدول على أكتاف المقهورين، وبخيرات المستعمرات القريبة والبعيدة؟

ولأن الحكاية الأصلية هي حكايتنا نحن. حكاية القهر التي تُمثّل الظلم بعينه والقتل بعينه، فلا شيء مهما كبر أو جرى تكبيره، ومهما أُبرز أو تمّ تلميعه، يحجب الشمس عن فلسطين. أليست هي أم البدايات وأم النهايات؟

لو اهتم العالم بفلسطين، ونطق وكتب وغرّد وعلّق بعُشر ما قام به خلال الأسابيع الثلاثة، لكان العدو المجبول بفكرة القتل تراجع قليلاً. لَكان أنين الناس خفّ ولو قليلاً، لكان المحاربون أخذوا استراحة قبل استئناف أكبر وأطول عملية تحرّر وطني في تاريخنا المعاصر…

لكن، اللسان الوحيد الذي ينطق والصوت الوحيد الذي يرفع اسم فلسطين وعلمها ولفظها، يأتي من أهل الأرض نفسها، من الشباب الذين يمتهنون الاستشهاد جيلاً بعد جيل!

لا صوت يعلو فوق صوت فلسطين.

الفلسطينيون يواصلون المقاومة: إسرائيل لا تنعم بالهدوء

عبد القادر عقل

الفلسطينيون يواصلون المقاومة: إسرائيل لا تنعم بالهدوء

شارك حشد كبير في تشييع الشهيد بشارات أمس في بلدة طمّون، شمالي الضفة المحتلة (الأناضول)

  الخميس 25 تشرين الأول 2018

لم تنجح المحاولات الإسرائيلية لعزل الضفة عن واقع المواجهة المستمرة، تماماً كما لم تنجح في عزل غزة أو المقدسيين. صحيح أن الكلّ يواجه بما أمكن، لكن المعادلة الثابتة أن الفلسطينيين لم تتوقف مقاومتهم، وأن العدوّ لا ينعم بالهدوء… ولعل مشاهد تشييع الشهيد محمد بشارات أمس، والاحتضان للمطارد أشرف نعالوة، ومشاهد البطولة المتوالية في غزة، خير دليل على ذلك

رام الله: يمكن الحديث بإحباط كبير عن الواقع الفلسطيني حالياً: سلطتا أمر واقع تتنازعان، واحدة لا تملك قرارها، والأخرى محاصرة. مقدسيون يخسرون بلدتهم القديمة بسبب غياب رادع لمسربي العقارات. غزة تئنّ تحت حصار شديد لم يُخفَّف منه شيء رغم كل الوعود. والضفة ساحة مفتوحة لجيش ينظّم ألوية للبحث عن مطلوب مختفٍ في كيلومترات محدودة منذ ثلاثة أسابيع. رغم ما سبق وأكثر، ثمة من يقرر أن يحمل سكينه ويطعن جندياً مدججاً بالسلاح، وآخر يصبر سبعة أشهر وهو يعمل تحت إدارة المستوطنين في أحد المصانع ليخطط لعمليته بنجاح، ويختفي بعدها.

بعبارة أخرى: إنها معركة الإرادة التي قرر الفلسطينيون أن يخوضوها، والمستمرة يومياً بدلالة العمليات الفدائية الفردية التي لم يستطع أي أمني أو عسكري أو سياسي إسرائيلي تحمّل شجاعة القرار والقول إنها انتهت. أكثر من ذلك، لا يزال هناك من يعرف أنه رغم الضريبة العالية التي يمكن أن يدفعها، هو وذووه، يصرّ على المقاومة. حتى حينما تتخلى السلطة والفصائل عن دورها، يتصدى الشبان للجنود والقوات الخاصة المتسللين في جنح الليل، بل يحاصرونهم ويضطرونهم إلى طلب التعزيزات والنجدة.

في الجهة المقابلة، يتواصل النزف البشري في غزة، حيث قرر المحاصَرون أن ينقلوا معركة الاستنزاف إلى الجهة الثانية من الحدود، بعدما ابتكروا وسائل لم تكن لتخطر ببال عدو، أو حتى مقاوم. وبينما تنبئ الساعات المقبلة بأن اتفاقاً ما يُصاغ ويُعدّل منذ أكثر من سنتين، فإن المقاومة لا تزال تستشعر رائحة غدر إسرائيلي، مقررة مواصلة الاستنفار والاستعداد لأي مواجهة، في وقت لم تخفض فيه الجماهير مشاركتها على الحدود، ضاربة نماذج تعجز الكاميرات عن ملاحقتها.

شهيد في استنفار شعبي

بالعودة إلى الضفة، شهدت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة استشهاد شاب برصاص العدو خلال مواجهات في طوباس (شمال) بحثاً عن أحد المطلوبين، علماً أنه على بُعد نحو 45 كيلومتراً، كانت قوات العدو تواصل في الوقت نفسه البحث عن مطلوب آخر منذ ثلاثة أسابيع، وتحديداً داخل المنطقة الشرقية في طولكرم. وخلال هذه الاقتحامات، يُصّر الفلسطينيون على مواجهتها بأدوات المقاومة التقليدية، كما أعلن العدو ليلة أمس أن مركبة مسرعة تجاوزت حاجزاً قرب مدينة حلحول (شمال الخليل) وأطلقت النار على مجموعة من الجنود.

Related Videos

Related Posts

التهديد بالانهيار… تهديد لمن؟

ابراهيم الأمين

كثيرون يتحدثون اليوم عن الصعوبات الاقتصادية والمالية التي يواجهها لبنان. الناس والخبراء يعرفون أن المشكلة في الحكام، الذين يجب عليهم جميعاً، مغادرة الحكم الآن قبل أي وقت آخر. لكن الخبراء يعرفون أن الأمر لن يحصل. أما الناس، فقد جددوا الثقة بهذه الطبقة في الانتخابات النيابية التي جرت قبل أشهر. ما يعني أنه قد يكون مناسباً نصح الجمهور بأن يتوقف عن «النق»، وأن يدرك أن هذا ما فعلته يداه. أما الخبراء، فهؤلاء من يجب التعويل عليهم في تقديم مشروع إدارة بديلة للدولة. لكن وجب فرز الغث من السمين بينهم. فبينهم مجموعة أظهرت الأيام أنها جزء من الأزمة، وجل عناصرها متورط ومستفيد وإن كان احتجاجه اليوم ناجماً عن إبعاده أو ابتعاده. وفئة ثانية تعمل عند الخارج المهيمن أو الساعي إلى الهيمنة على لبنان، وهؤلاء، يمكن أن تتعثر بهم في عجقة المنظمات غير الحكومية، واللوائح البلدية والنيابية الناطقة باسم المجتمع المدني وخلافه من المؤسسات. وهي فئة يفترض بوزارة الصحة حظرها لما تمثله من خطر على السلامة العامة. أما الفئة الثالثة، وهي متعلمة ومجربة في أعمال القطاعين العام والخاص، فإنها تعاني أزمة إطار. وضعف بنيتها التنظيمية يجعلها هدفاً سهلاً لسارقي البلاد والعباد.

وكثرة الحديث عن طبيعة الصعوبات لا تعني قرب العلاج. بل ربما تعني أن العلاج قد يكون أصعب من ذي قبل. وطالما أن الجميع لا يريدون توزيعاً عادلاً لكلفة الخسارة، فإن من الصعب توقع تبدلات جذرية، ما يجعل البحث عن أسباب إضافية للأزمة أمراً منطقياً ما دام الإصلاح صعب المنال. ولا يجب استغراب سماع المزيد من الأصوات التي تعتبر لبنان، حكومة وشعباً ومؤسسات، بلداً عاجزاً عن إدارة أموره بنفسه، وأنه يحتاج الى وصي.

المزعج اليوم هو الإشارات السياسية الكثيرة لعمل تقوده الولايات المتحدة وأوروبا، ومعهما السعودية وإسرائيل، هدفه دفع البلاد صوب مرحلة قاسية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً. هؤلاء يعتقدون ــــ وهذا صحيح ــــ أن فريقهم السياسي خسر معركة العقد الأخير. وهم بالتالي لا يقبلون استقرار لبنان إن خرج من تحت سيطرتهم. ويفضلون أن يكون بلداً منهكاً ومنكسراً ما دام هو تحت سيطرة الآخرين. وهذا عنوان استراتيجية يمكن قراءة عناصرها بـ :

ــــ تصاعد برامج العقوبات التي تجعل حصول لبنان على مساعدات مالية واقتصادية من الخارج أمراً صعباً ومعقداً للغاية.
ــــ رفع مستوى الإجراءات العقابية بحق مؤسسات كبيرة وشخصيات ومجموعات، بحجة أنها تخدم مباشرة أو غير مباشرة الإرهاب المتمثل بحزب الله.
ــــ رفض التعاون السياسي مع أي رئيس للجمهورية أو المجلس النيابي أو الحكومة إذا لم يكن رأس حربة في مواجهة حزب الله.
ــــ إدراج لبنان في خانة الدول الفاشلة التي لا يمكنها استقطاب مستثمرين في كل القطاعات، وجعل من يحمل جنسية هذا البلد ساعياً إلى التخلي عنها والانتقال للعيش في بلاد أخرى، من دون أن يبقى على صلة ببلده، ومنعه من تحويل مدخرات قليلة بحجة أنها ستذهب حكماً لخدمة حزب الله.

عون وحزب الله لا يتخلّيان عن الحريري ولا يستسلمان

ــــ وضع لبنان في موقع المستهدف أمنياً وعسكرياً إلى أن «يسرّح» المقاومة وينزع سلاحها ويعتقل المقاومين ويمنع أي موقف سياسي أو إعلامي من شأنه إغضاب أميركا وإسرائيل والسعودية.

كل هذه الضغوط ستتواصل، لكن ما يدعو الى القلق هو الضغط الكثيف من هذه العواصم لمنع قيام حكومة لا يحظى حلفاؤهم فيها بحق الفيتو الشامل. وقد انتقل هذا الفريق الى مستوى جديد من الضغط، من خلال القول إن على الحريري أن يبتعد معتذراً، وأن يترك للرئيس ميشال عون وحليفه حزب الله أمر إدارة الأزمة، وعندها سيكون الانهيار الكبير الذي يمهد لإعادة الإمساك بلبنان من خاصرته الاقتصادية. وفي هذا السياق، ترد الضغوط القائمة باسم التشكيلة الحكومية، وتراجع الواردات الى لبنان على أنواعها، والسعي لمنع قيام أي علاقة طبيعية مع سوريا، وتعطيل مشروع عودة سريعة وكثيفة للنازحين السوريين الى بلادهم، وفوق ذلك، برنامج تهويل فكاهي تقوده إسرائيل محذرة من مخاطر حرب تحطم ما تبقى من لبنان بسبب حزب الله.

صحيح أن عون وحزب الله ليس في مقدورهما الآن قلب الطاولة، لكن الأهم أنهما ليسا في هذا الوارد. بل على العكس، فإن الحريري نفسه سمع ما يريد وما يجب أن يسمعه، من أن عون وحزب الله يريدان أن يكون هو رئيس الحكومة، ولن يتخلّيا عنه إلا إذا قرر هو الابتعاد. ثم إن الطرفين غير راغبين ــــ وإن كانا قادرين ــــ في الذهاب نحو تشكيل حكومة لا تضم بقايا 14 آذار، وعلى العكس، فقد لا يكون مستبعداً حصول مفاجأة بتشكيل حكومة لا تناسبهما تماماً، وإن يكن الأمر مستبعداً. لكن الفكرة أن عون وحزب الله ليسا في وارد تسهيل مهمة القوى الخارجية والداخلية الساعية الى ابتزاز اللبنانيين وتهديدهم بالانهيار.

يبقى أمر أخير، وهو نصح القوى الخارجية ومن يعمل معها في لبنان، بعدم التصرف على أساس أن انهياراً مالياً أو اقتصادياً من شأنه إيقاع لبنان في أحضانهم. بل عليهم التفكير ملياً بأن للطرف الآخر رأيه الذي يقول إن كلفة مقاومة مشروع سيطرة الغرب على البلاد، مهما كانت قاسية، ستبقى أقل بكثير من كلفة حصول هذه السيطرة فعلياً.

Related Articles

رحلات الصواريخ الدقيقة

ابراهيم الأمين

رحلات الصواريخ الدقيقة

عندما بكى السيد حسن نصرالله على الشاشة، في إحدى ليالي عاشوراء، لم يكن بين مريديه وعارفيه من يشك في لحظته العاطفية. وإذا اهملنا التفّه من فريق 14 آذار، بأجنحته اللبنانية والسورية والخليجية، فان الاعداء الحقيقيين في الغرب واسرائيل يعرفون حقيقة الرجل!

الامر هنا يتعلق، ليس بصدق يمكن ان يتمتع به كثيرون في هذه الدنيا، وحتى بين قادة أحزاب وشعوب، بل بحقيقة ان الرجل بكى في ختام محاضرة تستهدف القول انه، ومن يمثل، انما يتصرفون على اساس أن ما يتصدّون له هو لخدمة هدف يتجاوز امتيازات الدنيا. فهو رجل دين يتولى موقعاً سياسياً وشعبياً، ومناضل محبّ للحياة الكريمة، لكنه مستعد لتضحية ترضي قناعاته العقائدية وتساعد في تحسين حياة البقية من الاحياء. ما يعني ان اعداءه يعرفون انه صادق، ليس فقط في مشاعره، بل في ما يقوله، وما يلتزم به، وما يفعله حين يقتضي الامر.

منذ تاريخ نشاته حتى عام 2006، تصرف حزب الله مع قدراته على انها سر الاسرار. ورغم النشاط الاستخباري الهائل للعدو، لم يلجأ الى الحديث عن بعض ما يملك من قدرات، الا بعدما وجد ان الكشف عن بعض التفاصيل سيجعل الاعداء يتراجعون عن القيام بمغامرات نتيجتها الوحيدة الموت والدمار .

هذه المقدمة، تساعد في فهم الكثير من التطورات التي حصل في الايام القليلة الماضية، من خطب السيد نصرالله الى الاشكال الروسي ــــ الاسرائيلي بعد سقوط طائرة «إيل» الروسية ومقتل من عليها.

لماذا؟

في اختصار سريع لسنوات طويلة من العمل والجهد في تدمير العراق والسعي لاطاحة النظام في سوريا وتفتيت مجتمعها، ومحاصرة المقاومة في لبنان وفلسطين، فان واقعنا اليوم يقول إن الدمار كبير والخسائر هائلة، لكن الهدف المركزي للمشروع المعادي فشل. وصار هدف اميركا والغرب واسرائيل والسعودية تقليص الخسائر، ومنع تعاظم قوة المحور المقابل الممتد من ايران حتى غزة مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، والموصول الى اليمن. وفي لبنان وسوريا، تتولى اسرائيل مهمة مركزية، هي القيام بأعمال امنية وعسكرية تقول هي ان هدفها «منع الاعداء من امتلاك قوة» من شأنها ان تشكل خطراً وجودياً على كيانها. حتى وصل الحديث الى الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، التي تحمل رؤوسا بكميات كبيرة جدا من المتفجرات. ثم جرت اضافة بعد تقني اكثر خطورة، يتمثل في ان هذه الصواريخ مزودة بنظام توجيه يتيح لها الاصابة الدقيقة، ويقلص هامش الخطأ الى امتار قليلة.

بناء عليه، سارعت اسرائيل، منذ دخول روسيا عسكريا في الحرب الدفاعية عن سوريا، الى سلسلة من الاجراءات والضغوط التي تواكب انتصارات الدولة السورية. فأعطت لنفسها حق القيام بعمليات عسكرية داخل سوريا، وصولا الى الحدود مع العراق، كما سعت مع روسيا الى انتزاع ضمانات تقلص حجم المخاطر عند حدود الجولان المحتل. وهي تواصل مساعيها مع عواصم غربية وقوى محلية لبنانية، لاعتبار امتلاك حزب الله هذه القدرات الصاروخية بمثابة عمل عدائي يهدد مصالح لبنان.

 

منذ تاريخ نشأته حتى عام 2006، تصرّف حزب الله مع قدراته على أنها سرّ الأسرار

ما حصل قبل شهور عدة، ان قيادة دول وقوى محور المقاومة، قررت الرد موضعيا على غارات العدو واعتداءاته، فكانت عملية اسقاط الطائرة العسكرية الصهيونية بعد غارة على سوريا في شباط الماضي، ثم كانت «ليلة الصواريخ» الشهيرة في ايار الماضي، حيث تعرضت مواقع العدو في الجولان المحتل لصليات من صواريخ قوية. لكن العدو، ليس بمقدوره الاستسلام، فواصل غاراته وعملياته العسكرية والامنية داخل سوريا، مقابل رفع سوريا وحلفائها من وتيرة استخدام منظومات الدفاع الجوي، وصولا الى الغارة الاخيرة على الساحل السوري، والتسبب بسقوط طائرة الاستطلاع الروسية ومقتل طاقمها.

نتيجة ما حصل هو نشوب ازمة حقيقية بين روسيا واسرائيل. فموسكو عملت بجد ــــ بمعزل عن رضى او عدم رضى ايران وحلفائها ــــ لتوفير ضمانات تجعل اسرائيل لا تخشى استهدافا عسكريا مباشرا من الاراضي السورية. وحصلت تفاهمات كبيرة بالتزامن مع استعادة الدولة السورية سيطرتها على كامل الجنوب السوري، بحدوده مع الاردن او مع الجولان المحتل. ووافقت ايران على اجراءات من شأنها تسهيل مهمة روسيا في حماية الدولة السورية. لكن روسيا ابلغت اسرائيل بان ايران وحزب الله لن يغادرا سوريا الان، ولا في وقت قريب، ولن تطلب دمشق منهما ذلك تلبية لطلبات اسرائيل.

تعرف اسرائيل، هنا، ان المسألة لا تتعلق بوجود عشرات المستشارين او بضع مئات من المقاتلين بالقرب من الجولان المحتل. وهي تدرك جيدا انه في اي مواجهة كبيرة، بات من الصعب الحديث عن محاصرة حركة المقاومة على الارض في سوريا كما في لبنان، كذلك بات صعبا منع حصولها على حاجاتها من السلاح.

وهذا يعني لتل ابيب انه في ظل تعطل القدرات الاميركية على القيام بعمل ميداني، وتعذر قيام روسيا بخطوات في هذا السياق، فما عليها الا العمل مباشرة على الارض. وذلك يكون من خلال اختيار اهداف وضربها عبر سلاح الجو. وتتكل اسرائيل، هنا، على ان تفاهماتها مع روسيا تتيح لها حرية الحركة في اجواء سوريا.

الى ماذا يقودنا ذلك؟

اولا: بات العدو يدرك انه، رغم كل التوضيحات الفنية، فان المؤسسة العسكرية الروسية تعرف ان اسرائيل مسؤولة عن الجريمة. واذا كانت الحكومة الروسية ليست في صدد معاقبة العدو بصورة قاسية، فان موسكو السياسية والعسكرية باتت بحاجة الى ضمانات لعدم تكرار الامر. وبالتالي، فان النتيجة الاولى لهذا الامر، هو تضييق هامش المناورة امام العدو، وان عليه ابتداع الوسائل الاضافية لمواصلة اعتداءاته على سوريا.

ثانيا: خلال السنوات الماضية، تعرّف الناس على توصيف «معركة بين الحروب». والمقصود به، ان الحرب لا تكون بالضرورة على شكل حرب كاملة. وان اطرافها يلجأون الى معارك تخدم مصالحهم وقدراتهم الخاصة بالحرب الشاملة. وهو تكتيك لجأ اليه العدو، من خلال العمل الامني ضد قيادات وكوادر المقاومة من جهة، ومن خلال الغارات الجوية ضد اهداف ثابتة او متحركة. ولان طبيعة التوازن على الساحة اللبنانية منعت العدو من القيام بعمل هنا، فانه قام بأعمال على الارض السورية حيث المعبر الرئيسي لسلاح المقاومة الاستراتيجي.

وبين العامين 2006 و2012 ظل العدو يتحدث عن سعيه لمنع «امتلاك حزب الله السلاح الكاسر للتوازن» الى ان باشر في نهاية تلك السنة وما تلاها بتنفيذ غارات جوية ضد اهداف في سوريا قال انها مصانع لتطوير القدرات التسليحية لحزب الله، وكان يفعل ذلك، في سياق مواجهة تراكم الكميات والنوعيات الموجودة من الصواريخ. لكنه، في فترة لاحقة، وعندما ايقن ان المهمة فشلت، لجأ الى استراتيجية جديدة طورها خلال السنوات الثلاث الماضية وهدفها منع حزب الله من امتلاك صواريخ دقيقة.

كان العدو هنا، يحسب ان امتلاك المقاومة مئة او مئة وخمسين الفاً من «الصواريخ الغبية» امر يجب التعايش معه، لكنه باشر بمعركة جديدة، حتى لا يتمكن حزب الله من مراكمة كمية كبيرة من «الصواريخ الذكية»، بما يجعل المعركة معه اكثر صعوبة. لذلك باشر حملة امنية ايضا، وحملة شارك فيها دبلوماسيون وامنيون من اوروبا في لبنان، ضد ما سماه «وصول تقنيات الى حزب الله تتيح له تطوير الصواريخ الغبية الى صواريخ ذكية»، بالاضافة الى امتلاكه كمية من الصواريخ الدقيقة اصلا.
عمليا، ما اعلنه نصرالله، في خطابه الاخير، هو فشل استراتيجية «المعارك بين الحروب»، واعلانه بوضوح ان المقاومة لم تمتلك فقط الصواريخ الدقيقة او التقنية التي تجعل الصواريخ دقيقة، بل تمتلك ما يكفيها من هذه الصواريخ. وبالتالي، قال للعدو ان كل ما تقومون به لن يؤثر على برنامج المقاومة المكتمل لناحية امتلاك ما يحتاجه. علما ان نصرالله يعلم ان العدو يعرف ان عملية مراكمة عناصر القوة عملية مستمرة طوال الوقت.

ثالثا: اشار نصرالله الى انضمام دول وقوى جديدة الى محور المقاومة. وهو كلام يفهمه العدو جيدا. فعندما قصفت اسرائيل مواقع لفصائل عراقية على الحدود مع سوريا، تلقت تحذيرات مباشرة من الجانب الاميركي الذي يعرف ان جنوده وقواته ونفوذه وشركاته في العراق ستدفع الثمن، بالاضافة الى ان اسرائيل نفسها قلقة للغاية من معطيات وصلتها عن وجود منظومة صواريخ «طويلة الامد ودقيقة الاصابة» في حوزة القوى العراقية الحليفة لحزب الله وايران وسوريا.

رابعا: صحيح ان الخيارات تضيق امام العدو، ما قد يدفعه الى الجنون، لكن توضيحات وتحذيرات كالتي قالها نصرالله، من شأنها مساعدة العدو على تبريد الرؤوس الحامية لديه. لأن خيار اللجوء الى عدوان كبير، او الى عمل امني كبير، ستكون نتيجته اندلاع حرب، تعرف اسرائيل جيدا، انها ستشهد خلالها العملية التطبيقية لكل ما قاله لها نصرالله خلال 12 عاما.

هل يحتاج العدو الى اختبار مصداقية دموع نصرالله؟

The Facts from Operation Truthful Promise وقائع من عملية «الوعد الصادق» ابراهيم الأمين

Ibrahim al-Amin

Less than 6 years on, the Shaba’a 2000 scenario was repeated – but with complete success! On July 12, the state of alert along the border seemed different than before. Hezbollah had noticed that “Israel” was thoroughly scrutinizing a lot of things. It was talking about “indications of Hezbollah’s intention to do something.” As far as the resistance was concerned, everything was ready: transportation vehicles, medical operations room, captivity room – and refrigerators for those killed in battle.

In the central operations room, Hajj (A. M.) sat beside the commander of the ground units Haj (M), the first sector officer Hajj (G) and others from the field intelligence unit in the resistance. A couple of cups of tea and summer fruits sat on a wooden table. (M) did not stop telling jokes. He recalled that he had survived an enemy surveillance operation for the 110th time along the border area. But in those days the burden of the task required a greater degree of movement.

(A. M.) said

“Sayyed  Hassan has once again fulfilled his promise to the public that a capture operation will take place. This requires additional work from us to achieve the objective and obtain the desired result: to capture soldiers that “Israel” cares about (that are not of Arab origin) while they are still alive.”

A while back, preparations for such an effort were unsuccessful. Sometimes, the target was moving in an area that needed complex operational arrangements. Other times, public warnings by the resistance imposed a constant alert on the part of the enemy soldiers. But this does not preclude scrutiny of the procedures to reach an accessible gap. These are the equations of the resistance: there is a gap in each of the enemy’s procedure. The most important thing is to diagnose it accurately and not to make any error in the estimation and timing.

There was a permanent review of past experiences by the leadership. One of the major missions took place in the town of Ghajar. The groups were prepared to execute a new kind of operation: storming fixed positions under unprecedented, centered and extensive artillery shelling of all points of the enemy’s movement. Hundreds of fighters were ready to carry out the largest incursion operation. Military-upgraded civilian cars were prepared near the location without anyone paying attention to the matter. The resistance imposed a routine movement for its fighters and cars until the scene began to look like a boring routine: the resistance fighters monotonously monitor the next scene. They whisper and then disappear.

When the decision came to launch the attack, the resistance needed only a few minutes to succeed in paralyzing the movement of all the “Israeli” positions in the area and the hills overlooking it. The shelling was very violent and intense. The anti-tank rocket launchers burned the military vehicles similar to the Atari, as Sayyed Nasrallah later described. Then the resistance fighters in four-wheel-drive vehicles and motorcycles stormed the place. For the first time in history, one of them carried a new weapon, the B-29. It was the new generation of the conventional Russian B7weapons. The machine guns did not stop firing in the direction of the bunkers and the ambushes. But there was a flaw in the monitoring process, which led to an unaccounted confrontation. A few minutes passed before a group of resistance fighter were ambushed, resulting in the martyrdom of four of them.

Communication with the central command pointed to the failure. Work was quickly done to pull the operations group from the battlefield. The special preparedness group assigned to confront any response from the enemy remained on high alert. Meanwhile, the “Israelis” were checking up on their soldiers through intensive radio communications. And as usual, the planes were late in reaching the area. When the Northern Command received news of the confrontations and the results, it made sure that no soldier went missing. The enemy’s leaders breathed a sigh of relief. They decided to respond. A few hours passed and calm returned to the place. A long time passed since the Ghajar Operation. The process of drawing lessons by the leadership of the resistance intensified. Sayyed Nasrallah, who has always faced situations of this kind, overlooked the errors of those responsible for the operation. In his own way, he praised God and asked Him to help make other missions successful. As for the leaders concerned, they were stressed for a long while. Silence prevailed, accompanied by a quick review and the start of work again.

After May 25, 2000, the resistance fighters began monitoring a new frontline. They spotted sizable gaps in the movement of the enemy soldiers. But public warnings from the leadership of the resistance regarding the capture the soldiers were more frequent, and precautionary measures were not enough to fill the gaps. After a few months of close monitoring, the famous operation point was identified at the Shabaa Gate near Naqqar pond. That day, a classic operation took place. A hostile vehicle passed. It was blown up by a large explosive device. The big bang unexpectedly destroyed the unarmed vehicle. The soldiers were killed, and their bodies were quickly loaded into a four-wheel-drive vehicle. In less than half an hour, everything was over.

Less than six years had passed since that operation. According to facts on the ground, after the Ghajar operation, the enemy’s alertness rose to unprecedented levels. The resistance fighters had to exhaust the enemy soldiers nonstop. Organized breaches of the electronic wire forced enemy patrols to carry out nonstop inspections. There was a great need to monitor the mechanism of action by the enemy: the type of vehicles used, the number of soldiers in each, routine or sudden movement, the margin of maneuver of the soldiers and the mechanism of communication between them and their leadership, the level of combat readiness and how to act towards what is happening at the fence. Many tests were carried out. When the resistance leadership found it necessary to expand the area of ??operation, nature was a facilitator in the western sector of the front. It took time for the resistance leadership to make sure that the area presented a serious opportunity to carry out a swift operation. It was clear that the work would be very similar to the famous Shebaa operation. No significant military action was required. What was required was an operation with a security dimension. This means that the monitoring unit should provide sufficient information to prevent any surprises. The fact that the objective is to capture living soldiers imposed on the mission a mechanism of military action. The resistance fighters did not have to shoot to kill, but they had to use mechanisms of action that would kill some and leave other soldiers alive. Thus, the theoretical lesson from the Shebaa process is important at this moment: the destruction of an armored vehicle without killing those inside and destroying the support vehicles and killing those who move to assist them.

Several weeks passed on the close monitoring of the point. One day, a high-ranking “Israeli” officer, Audi Adam, passed through the area. He was not alone. He was with his family. At that moment, he was not a serious target. The resistance fighters who were trained to carry out the attack and prepared weapons, offensive plans and tools, spent long days and nights keeping an eye out for the conditions of a successful attack.

The intelligence data of the resistance indicated that the brigades’ shift change was nearing. The operation site became more vulnerable. Relaxation appeared in the movement of the soldiers and their command. And the switch approached. But the resistance leadership received surprising information that the Druze battalion would take over within 48 hours. This means that the operation may succeed, but the soldiers who are supposed to be captured will be of Arab origin. The resistance was looking for a prey of another origin, calling for a different state of alert. On July 12, the state of alert along the border was not the same as before. Hezbollah noticed that “Israel” started to scrutinize many things. Each time the party intended to do something, it had to inform all the observation posts and known centers that they had to evacuate. The size of the resistance grew. And the movement was no longer unable to hide completely. The “Israelis” spoke a lot about “warnings or signs of Hezbollah’s intention to do something.” Some believed and still do that “Israel” depended on intelligence data, the kind which is usually classified as a breach. But “Israel’s” Northern Command was merely content in observing one of its locations for a sudden movement of resistance fighters for it to act on the grounds that something was going on.

On that day, the decision of the resistance was not the same as before. The resistance units deployed along the border and behind it did not receive advance warning or a unified operations order regarding what special groups could carry out near Aita al-Shaab or opposite to the Zarit settlement. Meanwhile, the assigned units were acting as if it was a battle:

Five groups of resistance fighters deployed across the operation site. One group directly attacked with rocket-propelled grenades. Another provided cover fire using light and medium machine guns. The third group bombarded the military points that were the direct focus of the operation. The fourth’s mission was to cross the border after the iron gate was bombed by a special explosive device and facilitate the entrance of the civilian car to transport the captives in addition to disabling the movement of “Israeli” soldiers and opening the doors of the military vehicles.

In a place where it is difficult to ascertain whether it is near or far away, the other teams were also ready. There were others in civilian vehicles prepared to provide first aid to anyone injured among the resistance or the prisoners. A special operating room equipped with all the necessary equipment to perform surgical operations for the “Israeli” soldiers in case of light or severe injury was also prepared. There were special refrigerators to keep the bodies of the soldiers in case they were killed. There were also rooms intended to accommodate the soldiers if they were captured alive.

When the patrol approached the point of attack, the plan was to surround it and fire at it away from the prying eyes of “Israeli” controls. The operation did not tolerate any kind of error or any kind of sluggishness. When it was confirmed that there were two armored vehicles transporting more than six soldiers, the field command was notified. The answer was not delayed and gave the order to prepare to execute. The order did not only include the groups that carried out the attack but also other units present, both at the frontline and at the border areas.

“The target has reached the point of death” as the resistance fighters say. The signal was given to start the attack. The second vehicle was hit with a direct missile attack that completely destroyed it and killed and injured those inside. There was no movement. There was a group taking care of it. Within three minutes, the Humvee turned into a broken child’s toy. The lead vehicle also came under fire. But the injuries were different. The resistance fighters had trained to hit an armored vehicle without burning it completely, and how to direct heavy fire towards heavily armed soldiers without fatally injuring them.

The main target of the attackers was the lead Humvee. The plan was to capture the soldiers inside. So the resistance fighters made sure that the missiles aimed at it were not lethal. The “Israeli” army later concluded that the resistance’s plan was aimed at targeting the Humvee in a way that would trap the soldiers inside.

The resistance fighters fired three RPGs at the Humvee. The rockets exploded on the side where Goldwasser and Regev were sitting, injuring them. At this moment, the other two soldiers, Maudi and Feinberg, managed to escape from the vehicle and headed toward a grove opposite the road and hid.

The rule entailed that the soldiers either get away from the vehicles and choose a suitable place for the confrontation or stay inside the vehicle and wait for help. The assault unit was armed with sharp tools intended to open closed doors. The four soldiers in the first Humvee did not have a chance to take a breath. Two soldiers got out of the vehicles towards a nearby forest in search of a safe place. They did not act as soldiers during a battle. Something happened in less than a minute. The other two soldiers suffered different injuries. A group of resistance fighters approached the burning vehicle and pulled out Goldwasser and Ragev. The others blew up the nearby border gate. The vehicle crossed and quickly disappeared into the “safe zone” where the enemy could not follow it. The resistance groups were withdrawing at an astonishing speed, leaving dead, wounded and bleeding soldiers behind. It was not too long, until the prisoners arrived where their trace would disappear until the day of the exchange.

Sayyed received the “gift” and watched the recording of the operation

Sayyed Hassan Nasrallah did not disclose what he was doing during the operation. But his aide did not lift his eyes from the phone. He did not know what Nasrallah wanted from him that day when he insisted on not neglecting any call from the military leadership. During work, this kind of communication must be curtailed. Despite all the special safety procedures, the enemy was still trying to catch up with him. How can Nasrallah speak from an unknown location in Greater Beirut with the existing border control point just one meter from occupied Palestine, and remain reassured that no one is eavesdropping?

Preparation for the operation took at least four months. Sayyed Nasrallah was exceptionally confident that the mission would succeed along the front line. Less than an hour after the start of the operation, Sayyed received the final call: the gift arrived! It was not possible to understand the content of the rest of the conversation because Nasrallah quickly asked a series of questions: were there martyrs? Did any of the brothers get hurt? Are the prisoners alive? Are things going according to plan? What are the field leadership’s estimates of the enemy’s reaction? What information is there from the enemy’s public or private monitoring room? What is the situation along the border now?

Certainly Nasrallah was not in his office at those moments. A few hours later, none of the resistance leaders remained in their offices or home. The combat units were preparing in the south for the possibility of the enemy’s response expanding. The instructions recommended that an all-out confrontation be avoided, pending the magnitude of the decision in Tel Aviv.

Later, a group of resistance leaders went to Sayyed Nasrallah’s office. The room was hastily prepared, and everyone watched a recording of the operation. The details were complete. Minutes later the recording was hidden. It has not been watched by anyone else including the person who filmed it.

Source: Al-Akhbar Newspaper, Translated by website team

وقائع من عملية «الوعد الصادق»

ابراهيم الأمين

بعـد أقلّ من 6 سنوات تكرر سـيناريو شبعا الـ2000… لكن بنجاح تام! يوم 12 تموز، لم يكن الاستنفار على الحدود شبيهاً بما سبقه. انتبه حزب الله إلى أن إسرائيل صارت تدقّق في أشياء كثيرة، وتتحدّث عن «إشارات إلى نية حزب الله القيام بشيء». أمّا من جهة المقاومة، فكان كلّ شيء جاهزاً: سيارات النقل وغرفة العمليات الطبية وغرفة الأسر… والثلاجات لمن يقتل في المعركة

في غرفة العمليات المركزية، جلس الحاج (ا. م) والى جانبه قائد الوحدات البرية الحاج (م) ومسؤول القطاع الأول الحاج (ج) وآخرون من وحدة الاستخبارات الميدانية في المقاومة. على الطاولة الخشبية كانت بضعة فناجين من الشاي وفاكهة صيفية. لم يتوقف (م) عن إطلاق النكات. كان عليه أن يتذكر أنه نجا للمرة العاشرة بعد المئة من عملية رصد يقوم بها العدو له في المنطقة الحدودية. لكن أعباء المهمة تفرض حركة مكثفة هذه الأيام.
قال ( ا.م): «لقد التزم السيد حسن مجدداً أمام الجمهور بأن عملية أسر سوف تحصل. هذا يلزمنا بعمل إضافي لتحقيق الهدف والحصول على النتيجة المطلوبة: أسر جنود تهتم إسرائيل لأمرهم (أي ليسوا من أصول عربية) وهم أحياء».

منذ وقت غير قصير والاستعدادات لعمل من هذا النوع لم تلامس النجاح الكامل. في بعض الأحيان، كان الهدف يتحرك في منطقة تحتاج الى ترتيبات عملانية معقدة. وفي أحيان أخرى، كانت التحذيرات العلنية من جانب المقاومة تفرض استنفاراً دائماً لجنود العدو. لكن ذلك لا يمنع من التدقيق في الإجراءات وصولاً الى الثغرة التي يمكن النفاذ منها. هكذا هي معادلات المقاومة: كل إجراء للعدو فيه ثغرة، والمهم تشخيصها بدقة وعدم ارتكاب أي خطأ في التقدير ولا في التوقيت.

في أذهان القادة تجري مراجعة دائمة بشأن التجارب السابقة. آخر المهمات الكبرى، كانت في بلدة الغجر. أعدت المجموعات لتنفيذ عملية من النوع الجديد. اقتحام صاعق لمواقع ثابتة، تحت تغطية غير مسبوقة من القصف المدفعي المركز والشامل لكل نقاط التحرك من جانب العدو. كان المئات من المقاتلين في وضعية استعداد لتنفيذ أضخم عمليات الاقتحام. سيارات مدنية ذات طابع عسكري جهزت بالقرب من المكان دون أن يلتفت أحد للأمر. فرضت المقاومة حركة روتينية لمقاومين وسيارات حتى صار المشهد مملاً: مقاومون يرصدون بصورة رتيبة المشهد المقبل، يتهامسون ثم يختفون.

يوم تقرر تنفيذ الهجوم، احتاج المقاومون لدقائق معدودة لكي ينجحوا في شل حركة كل المواقع الاسرائيلية في المنطقة والتلال المشرفة عليها. كان القصف عنيفاً وكثيفاً جداً. وكان رماة الصواريخ المضادة للدروع يحرقون الآليات العسكرية على شكل لعبة «أتاري» كما قال السيد نصر الله لاحقاً. ثم اقتحم مقاومون بسيارات رباعية الدفع وعلى دراجات نارية المكان. وحمل أحدهم للمرة الاولى في تاريخ المقاومة سلاحاً جديداً هو «ب ـ 29» وهو الجيل الجديد من السلاح الروسي التقليدي «ب ـ 7». الرشاشات لا تتوقف عن إطلاق النار في اتجاه الدشم والكمائن المفترضة. لكن خللاً برز في عملية الرصد. وأدى إلى نشوب مواجهة غير محسوبة. مرت دقائق قبل أن تقع مجموعة من المقاومين في كمين أدى الى استشهاد أربعة منهم.
الاتصالات مع القيادة المركزية أشارت الى الفشل. جرى العمل بسرعة على سحب مجموعة العمليات من أرض المعركة، فيما بقيت مجموعات الجهوزية الخاصة بمواجهة أي ردة فعل للعدو في حالة استنفار قصوى. في هذا الوقت، كان الإسرائيليون يتفقدون جنودهم عبر اتصالات لاسلكية مكثفة، وكعادته تأخر الطيران للوصول الى المنطقة. وعندما تلقت قيادة المنطقة الشمالية أنباء المواجهات والنتائج، تأكدت من أن أي جندي لم يفقد. تنفس قادة العدو الصعداء. وقرروا الرد موضعياً. مرت ساعات قليلة وعاد الهدوء الى المكانمر وقت طويل على عملية الغجر. عملية استخلاص العبر تكثفت لدى قيادة المقاومة. السيد نصر الله الذي لطالما واجه أوضاعاً من هذا النوع، وقف على خاطر المسؤولين عن العملية. وعلى طريقته، أكثر من «الحمد لله سائلاً إياه العون على إنجاح مهمة أخرى». أما القادة المعنيون فلم يفارقهم التوتر لأيام طويلة. كان الوجوم قائماً، وإن رافق مراجعة سريعة والبدء بالعمل من جديد.

بعد الخامس والعشرين من أيار عام 2000، باشر المقاومون عملية رصد للحافة الأمامية الجديدة. كانت الثغر كبيرة في حركة جنود العدو. لكن تحذيرات قيادة المقاومة العلنية إزاء الأسر كانت أكثر حضوراً، والإجراءات الاحترازية لم تكن كافية لسد الثغر. وبعد شهور قليلة من المراقبة اللصيقة، حددت نقطة العملية الشهيرة عند بوابة شبعا قرب بركة النقار. يومها جرت عملية كلاسيكية. مرت مركبة معادية وفجرت بها عبوة ناسفة كبيرة. الانفجار الكبير دمر السيارة غير المصفحة بخلاف ما هو متوقع. قتل الجنود لكن جثثهم حُملت على وجه السرعة في سيارة نقل رباعية الدفع. وخلال أقل من نصف ساعة، كان كل شيء قد انتهى.

أقل من ستّ سنوات مرت على تلك العملية. بدا من الوقائع الميدانية بعد عملية الغجر، أن استنفار العدو ارتفع الى مستويات غير مسبوقة. كان على المقاومين إنهاك جنود العدو دون توقف. عمليات التحرش المنظمة بالسلك الالكتروني فرضت على دوريات العدو عدم التوقف عن عمليات التفقد. كانت هناك حاجة كبيرة لمراقبة آلية العمل من جانب العدو: نوع السيارات المستخدمة، عدد الجنود في كل منها، الحركة الروتينية أو المفاجئة، هامش المناورة أمام الجنود وآلية الاتصال بينهم وبين قيادتهم، ومستوى الاستعداد القتالي. وكيفية التصرف إزاء ما يحصل على السياج. اختبارات كثيرة حصلت. وعندما وجدت قيادة المقاومة أنه لا مناص من توسيع رقعة العمل، كانت الطبيعة عاملاً مساعداً في القطاع الغربي من الجبهة. ومر وقت قبل أن تتأكد قيادة المقاومة من أن هناك فرصة جدية لتنفيذ عملية خاطفة. كانت الصورة واضحة في أن العمل سوف يكون مشابهاً بقوة لعملية شبعا الشهيرة. ليس مطلوباً القيام بعمل عسكري اقتحامي كبير. ولكن المطلوب عملية ذات بعد أمني. ما يعني أن على وحدة الرصد أن تقدم المعلومات الكافية التي تمنع أي نوع من المفاجآت. وحقيقة أن الهدف هو أسر جنود أحياء، فرضت آلية من العمل العسكري. لم يكن على المقاومين عدم إطلاق رصاصات قاتلة ضد الجنود، ولكن كان عليهم استخدام آليات من العمل التي تتيح قتل البعض وترك البعض الآخر على قيد الحياة. وبالتالي فإن درس عملية شبعا النظري مهم في هذه اللحظة: إعطاب آلية دون قتل من بداخلها، وتدمير آليات الدعم وقتل من يتحرك لنجدتها.

مرت أسابيع عدة على المراقبة اللصيقة للنقطة. ذات يوم عبر المنطقة ضابط إسرائيلي برتبة عالية،هو اودي ادم ، لم يكن وحده، بل كانت معه عائلته. ولم يكن هدفاً جدياً في تلك اللحظة. المقاومون الذين دربوا على تنفيذ الهجوم، وأعدوا له ما يجب من أسلحة وخطط هجومية وأدوات، باتوا لياليهم الطويلة وراقبوا لنهارات عدة قبل أن تظهر في الأفق ملامح الهجوم الناجح. كانت المعطيات الاستخبارية لدى المقاومة تشير الى اقتراب لحظة التبديل في عمل الكتائب المنتشرة هناك. كانت نقطة العملية قد تحولت الى نقطة أكثر ضعفاً من الفترة السابقة. الاسترخاء ظهر على حركة الجنود وقيادتهم، وموعد التبديل اقترب. لكن المفاجأة جاءت على شكل معلومة وردت الى قيادة المقاومة، بأن الكتيبة الدرزية سوف تتولى المهمات خلال 48 ساعة. وهذا يعني أن العملية قد تنجح، ولكن الجنود المفترض أن يقعوا في الأسر سوف يكونون من أصول عربية، كانت المقاومة تبحث عن صيد من صنف آخر. ما استدعى الاستنفار بطريقة مختلفةيوم 12 تموز، لم يكن الاستنفار على الحدود شبيهاً بما سبقه. انتبه حزب الله إلى أن إسرائيل صارت تدقّق في أشياء كثيرة. وفي كل مرة ينوي الحزب القيام بعمل ما، كان عليه إبلاغ جميع نقاط المراقبة والمراكز العلنية بوجوب الإخلاء، . كبر جسم المقاومة، وباتت الحركة غير قادرة على الإخفاء كلياً. وتحدث الاسرائيليون كثيراً عن «إنذارات أو إشارات الى نية حزب الله القيام بشيء». كان البعض يعتقد ولا يزال، بأن اسرائيل تستند الى معطيات استخبارية من النوع الذي يصنّف عادة في خانة الخرق. لكن قيادة المنطقة الشمالية، كانت تكتفي بملاحظة لأحد مواقعها عن تقلص مفاجئ في حركة المقاومة، حتى تتصرف على أساس أن هناك شيئاً ما يتحضر.

في ذلك اليوم لم يكن القرار على نفس المستوى، لم تتلق وحدات المقاومة المنتشرة على طول الحدود وخلفها إنذاراً مسبقاً أو أمر عمليات موحداً حيال ما يمكن أن تنفذه مجموعات خاصة قرب عيتا الشعب أو قبالة مستعمرة زرعيت، بينما كانت الوحدات المكلفة العمل تتصرف على أساس أنها المعركة:

في مسرح العملية، انتشرت خمس مجموعات من المقاومة، تولت واحدة أمر الهجوم المباشر بواسطة القذائف الصاروخية، وتولت أخرى توفير الغطاء الناري بواسطة الرشاشات الخفيفة والمتوسطة، بينما تولت ثالثة قصف النقاط العسكرية ذات الحساسية المباشرة بالعملية، وكانت مهمة الرابعة تجاوز الحدود بعد تفجير البوابة الحديدية بواسطة عبوة خاصة وتسهيل دخول بسيارة مدنية لنقل الأسرى. اضافة الى تعطيل حركة الجنود وفتح أبواب السيارات العسكرية،

وفي مكان يصعب التأكد ما إذا كان قريباً أو بعيداً عن المكان، كانت الفرق الأخرى جاهزة أيضاً. سيارات مدنية اخرى فيها من يقوم بعملية الاسعاف لاي جريح يسقط من المقاومة او من الاسرى. كذلك جهزت غرفة عمليات جراحية خاصة مجهزة بكل ما يتطلبه أمر إجراء عمليات جراحية للجنود الإسرائيليين إذا أصيبوا بجراح خفيفة أو قاسية. وبرادات خاصة لحفظ جثث الجنود إذا ما قتلوا. غرف مخصصة لإيواء ضيوف من هذا المستوى إذا ما تم أسر الجنود احياء.

عند اقتراب الدورية من نقطة الهجوم، كانت الخطة تقضي بمحاصرتها بالنيران في أكثر النقاط ابتعاداً عن أعين الرقابة الاسرائيلية. لم تكن العملية تحتمل أي نوع من الخطأ أو أي نوع من البطء. ولما تم التأكد من وجود سيارتين وأن تصفيحهما جيد، وأن بداخلها أكثر من ستة جنود، أُبلغت القيادة الميدانية بواقع الأمر. ولم يتأخر الجواب بإعلان الاستعداد للتنفيذ. وهو إعلان لا يشمل فقط المجموعات التي تولت الهجوم الصاعق، بل يشمل وحدات أخرى، سواء على مستوى الجبهة أو على مستوى المناطق الخلفية.

«وصل الهدف الى نقطة المقتل» كما يقول المقاومون. أعطيت الإشارة ببدء الهجوم. السيارة الخلفية تعرّضت لقصف صاروخي مباشر أدى الى تدميرها بالكامل وقتل وجرح من بداخلها. لم تصدر عنها أي حركة بينما كانت هناك مجموعة تتولى أمرها، لا توقف الصليات المباشرة في ما بقي من الهامر التي أضحت في أقل من 3 دقائق كلعبة أطفال محطمة. أما السيارة الأولى، فكانت هي أيضاً في مرمى النيران. لكن الإصابات أخذت شكلاً مختلفاً. كان المقاومون قد تدربوا على كيفية إصابة سيارة مصفحة دون إحراقها بالكامل، وكيفية توجيه الصليات الغزيرة من النيران باتجاه جنود مدججين بالسلاح دون إصابتهم إصابة قاتلة.

الهدف الرئيسي للمهاجمين كان الهامر الأمامي، كانت الخطة تقضي بأسر الجنود من داخله. لذلك حرص المقاومون على أن تكون صواريخهم الموجهة نحوه غير قاتلة في إصابتها. استنتج الجيش الإسرائيليلاحقا بان خطة المقاومة كانت ترمي إلى استهداف الهامر بطريقة تؤدي إلى احتجاز الجنود داخله.

أطلق المقاومون ثلاثة قذائف صاروخية من طراز “آر بي جي” باتجاه الهامر، فانفجرت في الجانب الذي يجلس فيه غولدفاسر وريغيف، وأدت إلى إصابتهما بجراح. في هذه اللحظة تمكن الجنديان الآخران، موعادي وفاينبرغ، من الفرار خارج الآلية وتوجها نحو حرش محاذ للطريق ليختبآ داخله.

كانت القاعدة تقول بأن الجنود إما يهربون من السيارة بعيداً حيث يأخذون مكاناً مناسباً للمواجهة، أو يبقون داخل المركبة بانتظار النجدة. كان تسليح وحدة الاقتحام يتضمن آلات حادة مخصصة لفتح أبواب مغلقة أو خلافه. لم يكن أمام الجنود الأربعة في سيارة الهامر الأولى فرصة لالتقاط الانفاس. خرج جنديان من السيارة باتجاه حرج قريب. بحثا عن مكان آمن ولم تظهر منهما أي حركة كما يفترض أن يبدر من جنود في معركة. شيء ما حصل خلال أقل من دقيقة. الجنديان الآخران أصيبا بجراح مختلفة. اقتربت مجموعة من المقاومين من الآلية المشتعلة وسحبوا منها الجنديين، غولدفاسر وريغيف، فيما كان آخرون يفجرون البوابة الحدودية القريبة، لتنْقض عبرها السيارة التي سرعان ما اختفت في «المنطقة الآمنة» حيث لا يمكن للعدو أن يلحق بها. وبينما كانت مجموعات المقاومة تعمل على الانسحاب بسرعة مذهلة مخلفة قتلى وجرحى ودماءً، كانت عمليات التبديل قائمة خلف الحدود بمسافة طويلة. ولم يمض وقت طويل جداً، حتى وصل الأسيران الى حيث تختفي آثارهما حتى يوم التبادل.


تلقّى السيّد «الهدية» وشاهد العملية مصورة


لا يقرّ السيّد حسن نصر الله بعد ما الذي كان يفعله أثناء تنفيذ العملية. لكنّ مساعده لم يرفع نظره عن الهاتف. لم يكن يعرف ما الذي يريده نصر الله منه اليوم، عندما ألحّ عليه عدم إهمال أي اتصال من جانب القيادة العسكرية. وفي لحظة العمل، يجب تقليص هذا النوع من الاتصالات، برغم كل شبكات الأمان الخاصة التي تتطلب جهداً لا يزال العدو حتى اللحظة يحاول الإحاطة به، حيث السؤال: كيف يتمكن نصر الله، من أن يتحدث من مكان مجهول في بيروت الكبرى مع نقطة المراقبة الحدودية الموجودة على بعد متر واحد من فلسطين المحتلة، وأن يكون هو ومن يتحدث معه على اطمئنان إلى أنه لا أحد يسترق السمع؟

استغرق الإعداد للعملية أربعة شهور على الأقلّ. كان السيد نصر الله على ثقة غير عادية بأن المهمة سوف تنجح في مكان على طول خط المواجهة. وبعد أقل من ساعة على بدء العملية، تلقى السيد الاتصال الأخير: الهدية وصلت! لم يكن ممكناً فهم فحوى بقية الحديث، لأن نصر الله أطلق رشقات سريعة من الأسئلة: هل سقط لنا شهداء وهل أصيب أحد من الاخوان، هل الأسيران على قيد الحياة. هل تسير الامور وفق ما هو مقرر. وما هي تقديرات القيادة الميدانية لردة فعل العدو. وما هو الوارد من غرفة الرصد الخاصة بإعلام العدو العام أو الخاص. وما هو الوضع على الحدود الآن؟

بالتأكيد لم يكن نصر الله في مكتبه في تلك اللحظات. وبعد ساعات لم يبق أحد من قيادات المقاومة لا في مكتبه ولا في منزله، فيما كانت الوحدات القتالية تستعد جنوباً لاحتمال توسع ردة فعل العدو. وكانت التعليمات توصي بعدم الانجرار الى مواجهة شاملة، بانتظار تبيان حجم القرار في تل أبيب.

لاحقا، حضرت الى مكتب السيد نصرالله مجموعة من قيادة المقاومة. اعدت الغرفة على عجل، وشاهد الجميع شريط فيديو خاصاً بالعملية. كانت التفاصيل كاملة، وبعد دقائق اخفي الشريط وحتى اللحظة، لم يشاهده احد حتى من قام بتصويره.

مخلفات دبابة الميركافا التي فجرها المقاومون قرب عيتا الشعب، وقد جمعت إلى جانب غنائم أخرى للعرض هذا الشهر
مخلفات دبابة الميركافا التي فجرها المقاومون قرب عيتا الشعب، وقد جمعت إلى جانب غنائم أخرى للعرض هذا الشهر

Related Articles

ليست ليلة رأس السنة

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎ابراهيم الأمين

الناس الخارجون من العاصمة باتجاه المناطق، يذهبون بغالبيتهم للمشاركة في الانتخابات النيابية. صحيح أن هواة الاستجمام لهم حصتهم. لكن الذين يريدون الاقتراع أو المقاطعة يعرفون أن غداً هو يوم مهم.

يوم مهم، لأن لبنان مقبل على تحديات غير مسبوقة. برضى أو بغير رضى أهله، وهي تحديات، لا تتصل هذه المرة بحجم الدين العام، أو بمصير مشروع إنمائي أو تشكيلات إدارية. بل هي، متصلة هذه المرة، وأكثر من أي مرة، بموقع لبنان في المعركة الإقليمية ــــ الدولية القائمة في المنطقة، والتي ترتفع فيها الأسقف إلى حيث لا شيء إلا السماء!

(مروان بوحيدر)

الأسئلة الكثيرة الخاصة بالعملية الانتخابية قد توحي بأن الناس لاهية عما يجري حولنا. وبرغم أن الشعارات الانتخابية تستخدم ملفات المنطقة كأداة للتعبئة، إلا أن القوى السياسية، كما جمهورها، تتصرف فعلياً بأن الخيارات الانتخابية هي حكماً جزء من الخيارات السياسية الكبرى. وهذا ما يسهّل فهم التدخلات الخارجية في هذه الانتخابات، وما يجب فهمه أن هذا البلد يقوم على قواعد عمل ليست كلها من بنات أفكار اللبنانيين، ولا من عضلاتهم ولا من جيوبهم. وإذا بقي الجميع في حالة إنكار، فإن ما نُقبل عليه قريباً جداً سوف يجعل انتخابات الغد، كأنها «صبحية» متأخرة في أول يوم من السنة الجديدة.

غداً، الجميع سيشاركون في العملية السياسية. المقترع والممتنع على حد سواء. ولكل فعل نتيجته المباشرة. لكن الحقيقة التي سيعيشها الناس بعد الأحد الكبير، هي أن الأزمة الداخلية لم تكن متصلة بهذا القدر مع أزمة المنطقة. تعقدت الأمور وتداخلت الى حدود صار معها بالإمكان القول، لا الادعاء أو الزعم، بأن اقتصاد لبنان رهن خياراته السياسية في المنطقة. وأن عيش الناس وأعمالهم رهن خياراتهم السياسية. وأن أحلامهم بالبقاء هنا، أو الهجرة والبحث عن فرص في بلاد الأحلام، هي أيضاً رهن خياراتهم السياسية. كما أن مستقبل الآباء قبل الأبناء، هو فعلياً رهن هذه الخيارات السياسية.

من قرر الاقتراع، سوف يدفع قريباً جداً ثمن ما اقترفت يداه. فلن تنفعه أبداً كل تبريرات تستند الى حكاية الزعبرة اللبنانية. سيعرف الذين رفضوا مساءلة من صوّتوا لهم قبل تسع سنوات، أنهم إذا أعادوا الكرّة، فسيحصدون المزيد. وهذا المزيد ليس إيجاباً في كل الأمكنة. سوف يحصل الملتصقون بالخيار الأميركي ـــ السعودي على نتائج قاسية تشمل الإحباط والتعب والنزف، إن هم اعتقدوا أن بالإمكان الاستمرار بهذه الحالة لعقد إضافي. وفي المقابل، سيحصل الملتصقون بخيار المقاومة على فرصة لحياة أفضل، لكنها تحتاج الى خوض معركة قاسية جديدة، فيها الكثير من الدم والدموع. والمشكلة التي تزعج قسماً غير قليل من اللبنانيين، أن محاولة تبني الحياد، والقول بخيار ثالث، هي محاولة خارج الواقع، وهي لا تتصل أبداً بما يجري في لبنان ومن حوله، وهي محاولة سخيفة تفترض أن هذا البلد لديه فائض بشري ومادي وسيادي يتيح له التنمّر على العالم، وهي محاولة مجنونة، تصب في خدمة أحد الفريقين الواضحين في خياراتهما. ومتى وقعت الواقعة، لن يبقى لهؤلاء حتى حائط للبكاء.

الساعات المتبقية ليوم غد هي للاستعداد لوقائع ستدهمنا جميعاً، ومن دون استثناء، ذات صباح قريب!

ما هو مهم غداً، أن غالبية كبيرة جداً من اللبنانيين المقيمين فعلياً في هذا البلد ستشارك في العملية الانتخابية. أما شعار الأغلبية الصامتة، فهو شبيه بكذبة الفرادة اللبنانية. هو شعار العاطلين من الفعل السياسي. وهو شعار الخاسرين غير القادرين على إقناع أنفسهم قبل الآخرين بقدرتهم على التغيير. ونتائج الأحد الكبير، ستكشف أن غالبية تلامس 85 بالمئة من العائلات اللبنانية المقيمة هنا، من مقترعين وأفراد عائلاتهم الممنوعين من الاقتراع بسبب القانون، هي التي وضعت أوراقها في صناديق الاقتراع. وأن خانة «لا أعرف» أو «لا أحد» التي ترد كثيراً في استطلاعات الرأي، ستكون «لا شيء» في حصيلة يوم الانتخاب.

صحيح أن من قرر الاقتراع قرر التعبير علناً عن موقفه، وأن من قرر المقاطعة قرر التعبير علناً عن قرفه، لكن، ليس هناك من لم يدل بصوته. الجميع سيكون مقترعاً غداً. ونتيجة الاقتراع التي تظهرعلى شكل توزيع لمقاعد نيابية، هي التي تمسك بمقاليد حياة الجميع، مقترعين ومقاطعين. ولذلك، فإن كل محاولات التغابي والإنكار، والهروب من السؤال الكبير حول موقع لبنان في الصراع الكبير من حولنا، هي محاولات لا تنفع في منع الناس من تحمّل النتيجة قريباً، وقريباً جداً…
ما قد يرفض البعض الإقرار به، هو أن اللبنانيين الذين تورطوا جميعاً في كل صراعات المنطقة سيكونون جميعاً على موعد قريب مع مواجهة، قد تكون الأخيرة من نوعها في المنطقة. وسيكون الجميع متورطاً فيها، وعندها لن تنفعهم كل قصائد «النأي بالنفس» و«العيش المشترك» و«المسافة الوحيدة من الجميع». وما يعدّ للمنطقة من مواجهة شاملة، تقع فجأة أو نتدحرج صوبها سريعاً، لن يعيد سؤال الناس عن رأيهم في أي خيار يفضلون، كما لن يكون بمقدور فريق منع الفريق الآخر من القيام بما يتوجب عليه من خطوات تعبّر ساعتها عن حقيقة التزامه السياسي…

الساعات المتبقية ليوم غد، ليست ساعات الاستعداد لسهرة رأس السنة، بل هي ساعات الاستعداد لوقائع ستدهمنا جميعاً، ومن دون استثناء، ذات صباح قريب!

صراخ إسرائيل: احموني أو أمسكوني!

 الثلاثاء 10 نيسان 2018

ابراهيم الأمين

تكفي مراجعة خارطة الجمهورية العربية السورية وتوزّع مناطق السيطرة والنفوذ على مختلف مناطقها، حتى يتيقّن المراقب بأن استعادة دمشق سيطرتها على أراضيها تقدمت بطريقة مذهلة خلال العامين الماضيين. في هذه الحال، يمكن فهم حال الذعر التي تسود القوى والدول المعادية لسوريا وحلفائها. إذ يمكن، خلال أسابيع قليلة، الحديث عن وجهة تقود إلى عنوان واحد: فشل مشروع السيطرة الأميركية ــــ الأوروبية ــــ الإسرائيلية ــــ الخليجية على سوريا، مقابل تعاظم نفوذ الدولة السورية، وإلى جانبها حليفاها المركزيان: إيران وحزب الله. فكيف في ظل استدارة روسية كبيرة تمثلت في توفير موسكو أضخم مظلة عسكرية للمعركة المفتوحة في وجه الارهاب؟

منذ أواخر الصيف الماضي تنشغل إسرائيل، مع الولايات المتحدة وعواصم أوروبية وخليجية، في كيفية احتواء الهجوم المضاد الذي تشنّه دمشق وحلفاؤها. الهاجس المركزي لم يعد في دعم المجموعات المسلحة، بل في جعل الساحة السورية غير قابلة للحياة، لا للدولة ولا للناس ولا للآخرين. ما يهم إسرائيل، هنا، يفوق بكثير ما يهم العواصم الأخرى. ذلك أن ما يسمى بالأمن القومي بات في دائرة الخطر الحقيقي، وبالتالي انتقلت تل أبيب إلى مرحلة البحث عن آليات عملانية تضمن أمنها، سواء من خلال التوجه إلى روسيا أو من خلال حثّ العواصم العربية المعادية لدمشق على إطالة أمد الحرب عبر تعزيز المجموعات المسلحة، أو عبر استغلال الوجود العسكري الأميركي المستجد لفرض توازنات تمنع تعرض إسرائيل للخطر.

عملياً، كل المحاولات الإسرائيلية باءت بالفشل، ما جعل قادة العدو يدركون أنّ تحقيق المصالح يتطلب المبادرة من دون الاتكال على أحد. هذه القناعة تعززت مع فشل الغرب في تحصيل ضمانات روسية، ومع فشل محاولات تعويم المجموعات المسلحة. وفي كل مرة عمد فيها العدو إلى الاعتداء على سوريا كانت الأمور تتعقد أكثر، إذ لا نتيجة سياسية لذلك. فلا روسيا قبلت التعهد بتوفير ضمانات لإسرائيل، ولا إيران اعتبرت نفسها معنية بالرسائل الإسرائيلية، بينما ذهبت دمشق ــــ بالتعاون مع حزب الله ــــ إلى تعزيز الواقع الميداني بما يسمح بالرد المباشر على تل أبيب متى أتيحت الفرصة. اتضّح ذلك، مثلاً، في العاشر من شباط الماضي، عندما أُسقطت طائرة إسرائيلية ما فرض على العدو تحدياً جديداً، بينما كانت الوقائع الميدانية تفرز المزيد من النجاحات للجيش السوري وحلفائه، بما في ذلك منع العدو من القيام بأي خطوة ذات فائدة في الجنوب السوري.

الهاجس المركزي أصبح في جعل الساحة السورية غير قابلة للحياة لا للدولة ولا للناس

اليوم، تشعر إسرائيل بأن الأمور قد تتخذ منحى خطيراً بالنسبة لها. فهي غير قادرة على البتّ في قرار شنّ حرب شاملة ضد الجبهة الشمالية التي تشمل سوريا ولبنان وحتى إيران. كما أنها لا تضمن مشاركة أميركية ــــ أوروبية ــــ عربية في مثل هذه الحرب. وبالتالي، تجد نفسها مضطرة للعمل بمفردها.

قبل أسابيع، يوم انطلقت معركة تحرير الغوطة الشرقية، راهنت تل أبيب على تحرك غربي من نوع مختلف. حينها حاول الأميركيون، بالتعاون مع الأوروبيين، «القيام بشيء ما»، وصدرت تهديدات كبيرة مترافقة مع استنفار عسكري غير مسبوق للقوات الأميركية في المنطقة. لكن الوقائع لم تقد إلى تحقيق الهدف الإسرائيلي بشن الحرب المعاكسة، بل خرج دونالد ترامب ليتحدث عن رغبته بسحب قواته من سوريا بصورة نهائية. وهي الخطوة غير الواقعية، بحسب المعادلات، لأنها تحمل في طياتها اعلان هزيمة كبرى لها في سوريا، وترك المنطقة أمام نفوذ مختلف نوعاً وكمّاً لخصوم إسرائيل.

ما الذي حصل؟

كان الجميع يتوقع أن يبادر الغرب إلى خطوة ما مستغلاً مسرحية السلاح الكيميائي في الغوطة. إلا أن الأمر كان سيبقى في إطار محدود. بمعنى أن أي ضربة أميركية ـــ أوروبية في سوريا لن تتخذ طابع الضربة الاستراتيجية التي تهدد النظام في دمشق، فموسكو أولاً لا تقبل بذلك، ما يعني احتمال حصول صدام أميركي ــــ روسي فوق سوريا، وهو أمر ليس مطروحاً على جدول أعمال البلدين. بالتالي، كان الجميع، حتى ساعة متقدمة من ليل أول من أمس، لا يستبعد حصول ضربة أميركية، لكن على نحو مشابه (ولو أكبر بقليل) لضربة الشعيرات التي تلت مسرحية «كيميائي خان شيخون». لكن، فجأة، خرجت طائرات العدو لتنفذ هجوماً مدروساً ومقرراً ضد قاعدة «شاهد» الإيرانية التي تشتمل على منظومة عمل الطائرات المسيرة في مطار «تي فور». إذاً، قالت إسرائيل إنها اختارت لحظة مناسبة، لتجاوز نتيجة ما حصل في 10 شباط الماضي ولدفع جميع اللاعبين على الساحة السورية، إلى طرق أبوابها بحثاً عن حلّ. وهي خطوة تستهدف تحقيق مجموعة من الأهداف.

عملياً، ينتظر الجميع الردّ على الغارة الإسرائيلية، وهناك ترقب للموقف الإيراني، مع العلم أن الجميع لا يزال ينتظر القرار الأميركي ــــ الأوروبي النهائي بشأن توجيه ضربة جديدة ضد الدولة السورية.

المنطقة أمام أيام حساسة للغاية. صحيح أن الجميع لا يريد الدخول في مواجهة شاملة. لكن مرور العدوان الإسرائيلي من دون نتائج سياسية مناسبة للعدو يدفع تل أبيب إلى تكرار الخطوة، وفي هذه الحال نكون أمام مزعج يطرق الباب مراراً وتكراراً… ما يوجب في لحظة ما أن يخرج من يردّ عليه!

من ملف : سوريا: من يرسم المعادلة الأخيرة؟

%d bloggers like this: