قمة النذالة!

ابراهيم الأمين

لم يغيّر النذل دونالد ترامب فاصلة في كل ما يقوله. لم يدخل تعديلاً على ابتسامته، ولا على مصافحته، ولا على ضحكته، ولا على قول ما لا يضمر. حتى سيداته، استبدلن لباسهن بما لا يخفي المجون المرافق دائماً للمرابي والسارق.

وكذلك هي حال الأنذال الآخرين. لم يعدّلوا في ابتسامة الأبله المسرور بسرقته أمام عينيه. لم يغيّروا أبداً في سلوك مراضاة السيد الابيض منذ تعرفوا عليه عبيداً قبل قرون، وتركوا خزائن الذهب والزخرف تسبقهم الى السيد الذي ينتظرون منه ابتسامة الرضى فقط. ولم يجدوا كاتباً أو فقيهاً من أهل البلاط يدخل مفردة جديدة على خطاب التسليم. وفوق كل ذلك، ها هم يصطفون مثل عبيد القرون القديمة الذين ينالهم الرضى إن رمقهم السيد الابيض بنظرة فقط.

لا يهمّهم كم سيدفعون من ثرواتنا، ولا يهمّهم كم سيصرفون من دمائنا، ولا يهمّهم حجم اللهيب الذي يوقدون فيه نارهم. كل ما يهمّهم البقاء لصيقين بكراس عفنة ولو طليت بالذهب، وكل ما يهمّهم مراضاة من يغطّي عجزهم وكسلهم وفقر أنفسهم، وهم يستعدون لدفع كل ما يتوجب، من ثروة وأنفس وكرامات، لقتل من تجرّأ ورفع ا

لصوت سائلاً عن حقه وأرضه وعرضه…

الصور الآتية من مملكة القهر ليس فيها غير نار الجحيم التي تنتظر بلادنا بفعل هلوسات أمراء الموت والعدم.
الأخبار الواردة من هناك ليس فيها سوى نذير الشؤم، بأن علينا الاستعداد لسماع أنين وصراخ أطفال وإخوة وأبناء ونساء ورجال يصيبهم رصاص طاغية العالم.

لكن، هل هو قدرنا؟

زماننا، وسنواتنا السابقة والحاضرة، المليئة بالدماء النقية، والرؤوس المرفوعة على الأشهاد، تقول لنا، وتقول لهؤلاء المجانين، إن الغزو إن حصل، لن تفتح له الأبواب، ولن تترك له الأرض والسماء، بل سيكون فوق كل غيمة، وتحت كل حبة رمل، من يحمل خنجره، الذي يسعى الى مسكنه في نحور هؤلاء الأنذال وأسيادهم، المجتمعين في قمة النذالة…

ولأن حال هؤلاء القذرين لم يتغيّر، فلا بأس من إسماعهم، مجدداً، ما قاله الكبير مظفر النواب قبل عقود:

أولاد القحبة…
من باع فلسطين/ سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام/ ومائدة الدول الكبرى
أولاد القحبة/ لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم/ إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
الآن أعريكم
في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي/ في كل زقاق أجد الأزلام أمامي
أصبحت أحاذر حتى الهاتف/ حتى الحيطان وحتى الأطفال
أعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذيء كهزيمتكم.
يا شرفاء المهزومين/ ويا حكام المهزومين/
ما أوسخنا… ما أوسخنا… ما أوسخنا ونكابر
ما أوسخنا/ لا أستثني أحدا.
هل وطن تحكمه الأفخاذ الملكية… هذا وطن أم مبغى/
ماذا يدعى استمناء الوضع العربي أمام مشاريع السلم/ وشرب الأنخاب مع السافل (من فورد الى ترامب)؟
أصرخ فيكم
إن كنتم عربا… بشرا… حيوانات/ فالذئبة… حتى الذئبة تحرس نطفتها/ والكلبة تحرس نطفتها/ والنملة تعتز بثقب الأرض
لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية
يا أمراء الغزو موتوا
سيكون خرابا… سيكون خرابا… سيكون خرابا!

Related Videos

Related Articles

سليم الحص، ضميرنا الذي يصرخ بنا… أفيقوا

 jamila_x2

سليم الحص، ضميرنا الذي يصرخ بنا… أفيقوا!

ابراهيم الأمين

من أطلق على الرئيس سليم الحص لقب ضمير لبنان، لم يخطئ أبداً. هو ليس الرجل صاحب الضمير الذي يرفض الفعل الحرام وحسب، بل هو الضمير الذي يؤنّب كلّ من أمضى نهاره وهو يرتكب الفعل الحرام أو يسكت عنه.

سليم الحص هو الضمير الذي نحتاج إليه جميعاً في حياتنا اليومية. هو من يقول لنا كل يوم إن العيش ممكن من دون مدّ اليد الى جيوب الآخرين. وهو من يقول لنا كل يوم إن العيش جميل من دون أقنعة وقفازات. وهو من يقول لنا كل يوم إن الحياة الكريمة تتطلب نفساً كريمة لا تقبل الذل ولا الهوان. وهو من يقول لنا كل يوم إن تجاوز حقوق الآخرين، أكانوا دولة أم مؤسسات أم أفراداً، إنما هو رجس من عمل الشيطان يجب تجنّبه. ومن يقول لنا كل يوم إن الصمت عن فاعلي الشر هو مشاركة في فعل الشر نفسه.

سليم الحص، هو الضمير الذي لا يتعب، وهو الذي يقول لنا كل يوم إن الإنسان، في أي وقت من حياته، وفي أي مكان يعيش فيه، لا مبرر له لقبول الضعف أمام متجبّر طاغية. وهو الذي يقول لنا كل يوم إن السنوات مهما كانت طويلة أو قصيرة، لا معنى لها إن لم يكن صاحبها واقفاً حيث يجب أن يكون، أي حيث الحق.

سليم الحص هو الضمير الذي يعذبنا جميعاً، عندما نقف متخاذلين أمام جبروت ظالم لا نحرّك ساكناً. وهو الذي يقول لنا كل يوم ان أفيقوا، واصرخوا في وجه الجلاد رفضاً، وافهموا أن الظلم اللاحق بكم، وبقريبين منكم بصلة الدم، إنما هو نفسه الظلم الذي يلحق بإخوة لكم بصلة الهوية والثقافة، وهو نفسه الظلم الذي يلحق ببني البشر المواجهين لقهر الظالمين أينما وُجِدوا على هذه الأرض.

أمس، أعلن سليم الحص، الذي فاق عمره 87 عاماً، الإضراب عن الطعام، تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو الإسرائيلي. صرخ بنا جميعاً، بصوت يتفوّق على صراخ القاهرين، بأن تنبّهوا الى عدو حاقد لم يتوقف يوماً عن قتلنا وقهرنا، ولن يتوقف حتى ولو انخرطنا في نهش لحوم بعضنا. وهو يصرخ بكل من يعتقد نفسه ناطقاً أو معنياً أو منتمياً الى هذه الأمة، أن في هذه المنطقة أرضاً اسمها فلسطين، وفوقها يعيش شعب مظلوم اسمه شعب فلسطين، ويحتلها قاهر اسمه مغتصب فلسطين، وفي سجونه، يحشر الأبناء الإخوة من أسرى فلسطين، وأن هؤلاء يحتاجون منا إلى كل فعل يساعد في خلاصهم وخلاص فلسطين.

ليس مثلك أيها الإنسان الرائع، ليس مثلك بيننا اليوم مَن يجعل آمالنا تتفوّق على خيباتنا، وليس مثلك من نسعى للتماثل مع ظله إذا أمكن، علّ الضمير الذي يسكننا يبقى يقظاً، حياً، مثل روحك الطيبة التي لا هواء يتّسع لها.

سليم الحص وشوقي يونس

ناصر قنديل

مايو 3, 2017

– في بادرتين منفصلتين أقدم كلّ من الرئيس الدكتور سليم الحص والدكتور الطبيب شوقي يونس على مبادرتين، تستدرج كلّ منهما دمعة من العين ورفّة في القلب لشفافية الروح الإنسانية التي تسكن كلاً من هذين الرجلين العظيمين، وتشكّل من كلّ منهما مثالاً لرجل الشأن العام، والرئيس الحص ضمير العرب ورئيس رجال الدولة بينهم لا حزب ولا طائفة ولا ميليشيا وراءه، بل عقله وضميره وحدهما وراءه وقلبه أمامه. وقف أمام زلزال يصيب الضمير يتمثل بالإضراب المفتوح عن الطعام حتى الموت الذي أعلنه الأسرى في سجون الاحتلال، في ظلّ صمت مطبق عربياً وإسلامياً وعالمياً، فما وجد إلا جسده النحيل والمتعَب يقدّم عبره كلمة التآخي التي اشتاق إليها المُضربون من أبناء أمّتهم، معلناً صيامه ليوم تضامناً معه، واليوم كافٍ مع الحال الصحية للرئيس الحص لتعريض حياته للخطر. أما الدكتور شوقي يونس الذي سمع به اللبنانيون حديثاً، فهو طبيب من بلدة الصرفند الجنوبية يحمل فكر والتزام الحزب السوري القومي الاجتماعي، أقدم على التبرّع بكليته لمريض يحتاجها ولا تربطه به مصلحة، مُخاطراً بحياته وما سيرتّبه التبرّع من إرباك لنمط عيشه، وخلفيّته الوحيدة، القيام بما يشعر ضميره بالراحة ويمنح الحياة الإنسانية معنى التشارك، والتضحية، حيث يمكن إنقاذ حياة أخرى بقدر من المخاطرة الطوعية والتطوّعية.

– الرجلان ينتميان إلى مدرسة واحدة تترفّع عن الجسد ومتطلباته، وعن الـ«أنا» وعقدها وأمراضها، لكنهما ليسا مجرّد فاعلَي خير، بل هما ناشطان منتميان فكرياً بقوة لخيار المقاومة والوحدة الاجتماعية والقيم الإنسانية في ممارسة ومقاربة الشأن العام، وخطوة كلّ منهما تقول بقوة إنّ هذه النماذج تنضح عفوياً وتلقائياً بما يفيض عن قدرات البشر العاديين، لأنّ النفوس والأرواح التي تسكن أجساد المؤمنين بفكر إنساني كبير والذين يعبّرون عن التزام على هذا القدر من الصدق والأخلاق والجدّيّة، يسقط فيه أيّ فاصل ولو افتراضي بين القول والفعل. هي النفوس التي يليق بها تعاطي الشأن العام تنحني لها مواقع القيادة، وتشعر مَن ينتمي معها للمنهج والفكر ذاتهما بالسمو والفخر، وتطرح التساؤلات الجدية حول العلاقة بين السياسة والأخلاق، وحول الإنسان السياسي، الذي كثر ربطه بالكذب والنفعية والرخص الأخلاقي، لتأتينا نماذج تقول السياسة، بما هي أعلى مراتب المسؤولية في المجتمع لا تستقيم إلا لرجال ونساء من هذا الطراز. طراز لا مكان للسياسة فيه إلا بصفتها فعل أخلاق وإنسانية وترفّع وكبر وتضحيات وصدق وشفافية في الروح قبل اللسان.

– أوسمة على صدور أمتنا وبلادنا هذه النماذج وفخر لمن ينتمون لمفاهيم يتشاطرونها معهم، والذين يرونهم مثالاً يُحتذى لمريدي عقيدة المقاومة وفكر الحرية والتحرير.

(Visited 1٬238 times, 65 visits today)

The Story of Trump’s Letter to Assad – Al-Akhbar قصة رسالة ترامب الى الأسد

Syrian President Bashar al-Assad

US envoy to Damascus: We are ready to cooperate against ISIL
Syrian President gives the envoy documents verifying US security officials’ involvement in terrorism

The White House’s announcement that Syria’s President Bashar Assad’s fate shall be decided by the Syrian people was not a surprise. It was being introduced since the early fall, on the eve of (and after) the election of Donald Trump as the US President and the successor of President Barack Obama who once showed readiness to conduct a military strike against the Syrian government in the summer of 2013

Ibrahim Al-Amine

Since two years or even more, the west raised the voice against policies applied in Syria. The issue is not only about what is going on in Europe. Unlike the prevailing impression that the US majority doesn’t care for what is taking place in Syria and that the political, military and security administrations are forbidding any argument, some information and circulations appeared to show that the discussion is going tougher day by day, but there are parties closing the doors and shutting the eyes. What the presidential elections had uncovered, about the professional crisis which all US media outlets are suffering from, also reflected the deep ethical crisis of those outlets being controlled by authoritative powers on both administrative and economic levels. Even the media elites show greater superiority than that among the decision makers. Such superiority became popular in several countries. The US presidential elections’ results made clear that the media is not able to stick all the time with the course of their audiences.

Tulsi Gabbard, former Democratic Representative for Hawaii in the US Congress, had previously declared controversial opinions on what is going on in our countries. She is the woman whose voice rises in institutions and media outlets, and she represented one of the undesired voices of the administration’s powers. She decided to closely learn the truth of what is happening in our region, namely Syria. In the mid of last summer, Gabbard’s idea to make a fact-finding visit to Syria matured. All preparations indicated that the visit might be made in last October. The matter required some measures, starting with providing the required money for the trip, to prepare the agenda and then to obtain the visit permission from the House Committee on Ethics.

Things were done in late summer. However, what happened is that Gabbard, known by strong candidate Donald Trump’s team, was involved in the elections. She didn’t like Hillary Clinton at all, and she frankly supported Democratic candidate Bernie Sanders, grabbing Trump’s electoral team’s attention. And as Trump won the elections, he discussed with his team the possibility of convincing Gabbard with taking a prominent governmental rank in his new administration. Meanwhile, Trump learned of her intention to visit Syria, and in turn asked her to delay the visit until he takes power because he has something to tell her.

Gabbard agreed with him. On October 21, 2016, President-elect Donald Trump received Gabbard for more than two hours and a half. She told him she couldn’t delay the visit more, and her program is scheduled to mid January between Syria and Lebanon, and that she will be there when he will officially takes office. So she congratulated him ahead, and apologized for not being able to attend the inauguration.

During the meeting, Trump asked Gabbard to explain her viewpoint on the situation in Syria and Iraq. After he heard her, he expressed his agreement on her analysis. She told him that she is preparing data to enact a law that forbids US citizens from cooperating with any person who has direct or indirect ties with terrorist groups around the world, especially ISIL.

Trump asked her: Are you going to meet Assad in Damascus?

Gabbard: Probably!

Trump: Well, ask him if he is ready to communicate with us, and I’m ready to call him by phone. But let it be known from now that the cooperation will be entitled fighting ISIL. He will find that overthrowing him is outside the circle of my interests. The issue will stop circulating gradually. As for the direct contact and canceling sanctions, both issues need time; the important thing is that we know how he will act and how much he is ready to cooperate with us away from the Russians and the Iranians. We must change our policy towards Assad. The direct containment could be good. The man stayed in his position. The reality says that we have to deal with him in case we wanted to confront ISIL indeed.

The pragmatic virtual Trump finds that Obama’s policy had damaged the American power in the Middle East. He holds his predecessor responsible for keeping the region open in front of the Russian power, considering that his administration has to return and participate in directing the region, especially with respect to Syria and Iraq. In this regard, Trump wants to change all of the administration’s policies, whether internally or abroad. He pledges not to stand face to face with Russia, and he wants to besiege Iran and end the nuclear deal’s effects, even without giving up on it. He believes that Syria is the place where understandings could be made with the Russians and others.

Trump sees that ISIL is the main threat to everybody. He is pretty sure that Saudi Arabia, Qatar and Turkey have role in supporting ISIL as well as all al-Qaeda branches. Despite his hatred of Iran, he believes it is more serious in fighting ISIL. He doesn’t want to only make a core political change, but also wants to change the strategy. Thus, he believes that the important issue right now is to focus on ISIL and ignore all other goals, including overthrowing Assad.

Trump knows he has many rivals in the US, starting with parties, media and intelligence to reach part of the army. However, he doesn’t want to retreat.

After Gabbard’s meeting with Trump was over, she asked to intensify the preparations for the trip. Yet what happened is that a campaign to hamper Gabbard was launched inside the US through the CIA and the FBI agents. All those who were concerned with the visit were contacted in an attempt to convince them to change their minds. Later on, the State Department started its efforts to confront Gabbard’s trip.

The US ambassador to Lebanon, Elizabeth Richard, received a sort of “instruction” that she has to hinder the visit. Richard had previously announced to the Congress, then when she arrived in Lebanon, that her mission is limited with confronting Hezbollah and the Syrian government. She even didn’t welcome the Congress member’s visit, yet she doesn’t know -officially- the goal of the visit. She assumed that she will definitely be the reference who would adjust the visit, set the dates and list the prohibitions.

It wasn’t too late before the ambassador was surprised with a message that went against her desire. She has been already confused with her administration’s decision to freeze her job along with other diplomats across the world. She wasn’t into setting a serious schedule. But Gabbard herself asked her aides to notify the US embassy in Beirut that they don’t want them to make any preparations or arrangements. She told her team: “I don’t want anything from the embassy there. No security protection, no logistic measures, no hospitality, no dates organization and not even participating in my visits.” The US ambassador was informed about that.

The ambassador thought that she has to act quickly. As Gabbard’s aides arrived in Beirut a couple of days before she did. Richard immediately asked to meet with them in the embassy’s headquarters, in the presence of the security official to explain details on the dangerous situation in Lebanon with certain recommendations. The security chief offered that Gabbard stays at the embassy. But once again, the ambassador, deprived from Lebanon’s blessings, was shocked. Gabbard’s aides told her that it is none of her business and that nobody wants something from her, adding that Gabbard prefers that her visit remains out of any protocol. She wants to select with whom she will meet, where and how.

The embassy’s security staff pressed to set conditions starting with the name of the Lebanese official security figure that will accompany Gabbard in her visit, with an explanation of the areas she cannot visit at all (the red zone) or the area that she is preferred to visit only in the day (the yellow zone) and the area open in day and night (the green zone). The embassy’s security official gave Gabbard’s aides phone numbers to be contacted when necessary, saying confidently: “We have units spread all over Lebanon that are ready to intervene when necessary.”

On January 14, Gabbard took off from Washington heading towards Beirut Airport. She arrived with her husband, the movie director and the rich man of Indian origins Abraham Williams, and the accompanying delegation on Sunday. Her aides were waiting for her, along with a force from the Embassies Security Apparatus of the Lebanese Internal Security Forces. They were delegated after contacting Interior Minister Nouhad al-Mashnouq. Leaving the airport, the delegation headed directly to al-Yarzeh to obtain visa to enter Syria from the Syrian embassy in Lebanon. Syria’s ambassador to Lebanon, Ali Abdul Karim Ali, was there. And he received them until the visas were issued.

What happened is that the American guest’s delegation chose a short way to reach al-Yarzeh, which means that she passed through Beirut’s southern suburb, classified within the red zone. Thereat, Gabbard asked: Where we are?

Answer: We are in the Hezbollah zone.

Gabbard: But where are the military bases and the militants?

Answer: Such things do not exist at all.

Gabbard: Are you sure we are passing through a zone that is fully controlled by Hezbollah?

Answer: Yes! And within minutes we will be in a zone that is under the Lebanese army’s full control, where the office and house of the Syrian ambassador are located.

There, the Black Panthers Force of the Internal Security Forces was waiting. It appeared later that the US embassy’s security officials weren’t pleased by the help of the Embassies Security Apparatus. Their information provides that it is influenced by Hezbollah, and that they prefer the “Black Panthers”. Gabbard’s aides accepted it, but as she arrived at her room in one of Beirut’s hotels, the US ambassador called asking to meet with her. Gabbard apologized reiterating: I want nothing from the embassy.

On Monday, at 8 in the morning, the convoy left the hotel heading directly to the Syrian borders. On the Lebanese border checkpoint, the convoy headed towards a security team that facilitated their entrance to the top visitors lounge. There, they were awaited by members of the protocol team in the presidential palace, headed by a Syrian presidential envoy. As the Lebanese security personnel remained on the border point, Gabbard and her delegation headed straight away to meet with President Bashar Assad.

President Assad received her with his familiar smile. He shook hands with the delegation members and asked Gabbard about her trip, who in turn started the conversation at once: “I am here on a fact-finding visit. I want to visit several areas in Syria if I could, and I want to meet with people on the ground. I need help in presenting documented and certain data on who is sponsoring the terrorist organizations, namely ISIL and al-Qaeda. I am here under a congressional permission. I wanted to come a month earlier but the delay happened due to President Trump’s demand.”

Gabbard later talked with Assad about her vision on the stance in Syria and the region. She said: “I met with President Trump before I came here. I am carrying his letter for you. He asked me to reflect to you his vision and thoughts regarding the region, and he demanded something else straightly.”

As Assad continued listening to her, Gabbard went on to expose her viewpoint and what she heard from the US President-elect. She reiterated to him the US administration’s remarks on its allies’ policies in Syria, counting Saudi Arabia, Turkey and Gulf States. She said that Trump’s ultimate priority is fighting ISIL, and that when approaching the Iranian issue, he will take into consideration that it is a very serious country in fighting ISIL. President Trump wants radical shift in the US policy towards Syria and the region.

Assad asked her: Is this the impression you made after meeting with Trump?

Gabbard replied: No, they are his thoughts, he asked me to reflect them to you. We, in short, want to cooperate with you on fighting ISIL. Trump is impressed with Russia’s brilliance in dealing with the Syrian issue, and he wants to make understandings with the Russians in Syria.

Gabbard suddenly asked Assad: If President Trump called you, would you respond?

Assad smiled: Is it hypothetical or a suggestion?

Gabbard: It is not hypothetical.

Assad: Is it your suggestion?

Gabbard: No, it is a question for you from President Trump. He told me to ask you. And I am repeating: If he called you would you respond?’

Gabbard was stunned with Assad’s fast reply: Of course, and I will give you a phone number through which I can be easily reached.

At that point, Gabbard seemed a bit surprised, as if she assumed that Assad won’t respond on the spot and he will ask for some time before he replies. Later, it appeared that the Trump administration believed that Assad will ask for some time before he replies to discuss the issue with his Russian and Iranian allies. The Americans frankly thought that Assad “won’t dare to contact them without Moscow’s permission.”

Before the end of the meeting, Gabbard explained to Assad once again that she needs to make a tour inside Syria to prepare her report on what is going on there. She asked if she could visit Aleppo after the Syrian army and its allies had regained full control of it.

In some two hours, Assad listened to Gabbard’s offer and then presented his viewpoint and information on what is happening, and the US direct or indirect role in supporting terrorist groups. After that, Gabbard entered another office where she met for extra two hours with Syria’s First Lady Asmaa Assad, in which they discussed social issues and the negative aspects of the war on Syria’s people. She went after to meet with Syria’s Mufti Badreddine Hassoun, visit Damascus Grand Mosque and then meet Patriarch Ignatius Aphrem. After all, she met with businessmen and academics who displayed the consequences of the war on Syria.

The delegation spent their night in an official hospitality headquarter. On that night, Gabbard accepted Assad’s Counselor Bouthaina Shaaban’s dinner invitation, in the presence of Syria’s UN Envoy Bashar al-Jaafari. Later, a meeting with Foreign Minister Walid al-Moallem was organized.

In the next morning, an official political and security team from the Presidential Palace accompanied the American guest onboard a presidential plane off to Aleppo. Thereat, another team was waiting, and Gabbard made a two-hour tour in which she met with the Governor of Aleppo, MPs, clerics, activists and citizens. She also visited a migrant camp.

Before leaving Aleppo, Gabbard’s aides received a call that President Assad decided to receive her Wednesday all day, and that he made preparations to hold detailed meetings, including a business lunch, and that he will provide her with invulnerable documents confirming direct involvement of US security personnel, under a request of former President Barack Obama, in supporting terrorists in Syria. This is what happened, and Gabbard decided to delay its return from Wednesday to Thursday. On Wednesday, Gabbard met Assad twice in the presence of Syrian government officials who carried with them documents and files. He showed her what not only surprised her, but rather shocked her. She was given enough evidence to examine when she returns to the US.

Gabbard returned to Beirut on Thursday, in which her agenda was supposed to be full of previously scheduled meetings with respect to a list that for the first time didn’t include the figures the US embassy obliges any American visitor to meet with. The suggestions came along with Gabbard’s desire. Her agenda included visits for the three primates, the Army Commander, Director General of General Security, former President Emil Lahhoud and Maronite Patriarch Bechara al-Rahi, stressing that the meetings won’t be attended by any of the embassy’s staff. She had assigned a date to meet with Ambassador Richard in a quick and sneak meeting.

The surprise was that the office of the Parliament Speaker refused to organize a meeting with Speaker Nabih Berri. Soon after, Gabbard’s team learned that the US Embassy intervened, informing the Speaker’s office, as well as those concerned in the presidential and governmental palaces, and even the security leaderships that the visit was not coordinated with the State Department.

Gabbard learned the issue, and asked her aides to inform the ambassador that what she is doing is illegal and that the White House will be informed about the issue, in which the ambassador will be held accountable for doing what contradicts with the US interests.

Before leaving Beirut, Gabbard held a non-scheduled meeting with Iraqi Foreign Minister Ibrahim al-Jaafari who happened to be in Beirut. She then traveled to the US, where she was awaited by a crowd of rivals who launched against her a media campaign that lasted several weeks. Gabbard, however, was waiting a date to meet with President Trump to inform him with her visit’s results, and in the meantime she started preparing her special report on Syria… which has its own long story as well!

Al-Akhbar Newspaper, Translated by website team

Source: Al-Akhbar Newspaper

وفد أميركي في دمشق: مستعدون للتعاون معكم ضد داعش
الرئيس السوري يسلم الموفد وثائق تؤكد تورّط أمنيين أميركيين في الإرهاب
 
نقلت غابارد عن ترامب: أنا تخليت عن مطلب إسقاط الأسد بالقوة (أرشيف)
ابراهيم الأمين
علان البيت الأبيض أن مصير الرئيس السوري بشار الاسد يقرره الشعب السوري لم يكن مفاجئاً. له مقدمات تعود الى مطلع الخريف الماضي، عشية (وبعد) انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الاميركية خلفاً للرئيس باراك أوباما، الذي وصل به الأمر حدّ الاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية الى الحكومة السورية صيف عام 2013

منذ عامين وأكثر، ارتفعت الاصوات في الغرب احتجاجاً على السياسات المتّبعة في سوريا. الأمر لا يقتصر على ما يجري في أوروبا. وبخلاف الانطباع السائد أن الغالبية الاميركية غير مهتمة لما يدور في بلاد الشام، وأن الادارات السياسية والعسكرية والامنية مانعة لأي نقاش، تظهر معطيات ومداولات أن النقاش صار يحتدم يوماً بعد يوم، لكن هناك من يغلق الابواب والأعين. وما كشفته الانتخابات الرئاسية عن الازمة المهنية التي يعانيها الاعلام الاميركي بكل تنوّعاته، عكس أيضاً الازمة الاخلاقية العميقة التي تصيب هذا الاعلام الممسوك من قوى نافذة في الادارة والاقتصاد. حتى النخب الثقافية فيه، تُظهر فوقية أكبر من تلك الموجودة عند أهل القرار. وهي فوقية صارت معمّمة في كثير من دول العالم. وأظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية عجز الميديا عن الامساك كل الوقت باتجاهات الجمهور.
تولسي غابارد، عضو في الكونغرس عن ولاية هاواي، ومن فريق الحزب الديموقراطي. سبق لها أن أدلت بآراء بدت سجالية حول ما يجري في بلادنا. والمرأة التي يبرز صوتها في المؤسسات وفي الاعلام، مثّلت أحد الاصوات غير المرغوبة من قوى النفوذ في الادارة. قررت التعرّف عن قرب على حقيقة ما يجري عندنا، وتحديداً في سوريا.
منتصف الصيف الماضي، نضجت عند غابارد فكرة زيارة سوريا في رحلة تقصّي حقائق. الترتيبات كان تشير الى إمكانية حصول الزيارة في تشرين الاول الماضي. احتاج الامر إلى بعض الإجراءات، من توفير تمويل الرحلة، الى ترتيب جدول الاعمال، الى الحصول على موافقة لجنة الاخلاقيات في الكونغرس على الزيارة.
الامور أنجزت أواخر الصيف. لكن الذي حصل أن غابارد التي يعرفها فريق المرشح القوي دونالد ترامب، كانت منخرطة في الانتخابات. لم تكن معجبة أبداً بهيلاري كلينتون، وأيّدت صراحة المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز، وهو أمر لفت انتباه فريق ترامب الانتخابي. وبعد فوز الاخير في الانتخابات، بحث مع فريقه إمكانية إقناع غابارد بتولي منصب حكومي بارز في إدارته الجديدة. وأثناء التواصل والبحث، علم ترامب بنيتها زيارة سوريا، فطلب إليها تأخير الزيارة ريثما يتسلم مهماته، لأن لديه ما يقوله لها.

وافقت غابارد على التأجيل. وفي 21 تشرين الثاني عام 2016، استقبلها الرئيس المنتخب دونالد ترامب لأكثر من ساعتين ونصف ساعة. أبلغته أنها لا تقدر على تأجيل الزيارة أكثر، وأن برنامجها محدد منتصف كانون الثاني بين سوريا ولبنان، وأنها ستكون هناك يوم تولّيه الحكم رسمياً. فقدمت له التهاني مسبقاً، واعتذرت عن عدم قدرتها على حضور حفل التنصيب.

خلال اللقاء سألها أن تشرح له وجهة نظرها حول الوضع في سوريا والعراق. وبعد سماعها، أبلغها أنه موافق على تحليلها. وقالت له إنها تعمل على إعداد معطيات لأجل سنّ قانون يمنع الاميركيين من أي تعاون مع أي شخص يكون له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالمجموعات الارهابية في العالم، وخصوصاً تنظيم داعش.
سألها ترامب: هل ستلتقين الأسد في دمشق؟
قالت له: على الأرجح!

قال لها: حسناً، اسأليه إن كان مستعداً للتواصل معنا، وأنا مستعد للاتصال به هاتفياً. ولكن، ليكن معلوماً منذ الآن أن التعاون سيكون عنوانه قتال «داعش». سيجد أن مطلب إطاحته من منصبه ليس في دائرة اهتماماتي. وهو عنوان سيختفي من التداول تدريجياً. أما التواصل المباشر وإلغاء العقوبات، فهما أمران يحتاجان الى وقت، والمهم أن نعرف كيفية تصرفه، ومدى استعداده للتعاون معنا بمعزل عن الروس والإيرانيين. نحن يجب أن نغيّر سياستنا تجاه الأسد. الاحتواء المباشر قد يكون مفيداً. الرجل صمد في موقعه. الواقع يقول لنا إنه يجب أن نتعامل معه إذا كنا نريد مواجهة داعش فعلياً.

ترامب، البراغماتي والعملاني، يرى أن سياسة أوباما خرّبت النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، ويحمّل سلفَه مسؤولية ترك المنطقة مفتوحة أمام النفوذ الروسي، معتبراً أن على إدارته العودة والمشاركة في إدارة المنطقة، ولا سيما ملفي سوريا والعراق. وفي هذا السياق، يريد ترامب تغيير كل سياسات الادارة، خارجياً كما داخلياً. وهو يتعهد بعدم المواجهة مع روسيا، ويريد محاصرة إيران وإنهاء مفاعيل الاتفاق النووي، ولو من دون التخلي عنه. ويعتقد أن سوريا هي ساحة التفاهمات مع الروس والآخرين.
يرى ترامب أن داعش هو الخطر الاساس على الجميع. هو متأكد من دور السعودية وقطر وتركيا في دعم داعش وكل فروع القاعدة. ورغم كرهه لإيران، يعتقد أنها الأكثر جدية في قتال داعش. وهو لا يريد إجراء تغيير سياسي جوهري وحسب، بل يريد تغيير الاستراتيجية، ولذلك يعتقد أن المهم الآن التركيز على داعش وتجاهل كل الاهداف الاخرى، بما في ذلك هدف إطاحة الأسد.
يعرف أن لديه خصوماً كثراً في أميركا، من الاحزاب الى الاعلام والمخابرات، وصولاً حتى قسم من الجيش. لكنه لا يريد التراجع.

بعد انتهاء اجتماعها مع ترامب، طلبت غابارد تكثيف الاستعدادت للسفر. لكن الذي حصل هو انطلاقة حملة لتعطيلها، داخل الولايات المتحدة، من خلال رجال الاستخبارات «سي. آي. إيه.» و«أف. بي. آي.». وحصلت اتصالات مع كل المعنيين بالزيارة لأجل إقناعهم بالعدول عنها. ومن ثم بوشرت المساعي من وزارة الخارجية أيضاً لمواجهة رحلة غابارد.

السفيرة الاميركية في بيروت، اليزابيث ريتشارد، تلقّت ما يشبه «التعليمة» بأن عليها عرقة الزيارة. سبق لها أن أعلنت أمام الكونغرس، ثم لدى وصولها الى لبنان، أن مهمتها محصورة في مواجهة حزب الله والحكومة السورية. وهي لم تكن مرحّبة أصلاً بزيارة عضو الكونغرس، لكنها لا تعرف ــ رسمياً ــ هدف الزيارة. وافترضت أنها ستكون حكماً المرجع الذي يضبط الزيارة، ويحدد المواعيد، ويضع المحظورات.

لم يتأخر الوقت حتى فوجئت السفيرة برسالة معاكسة لرغباتها. هي تعيش أصلاً حالة من التوتر الكبير جرّاء قرار إدارتها تجميد أعمالها مع دبلوماسيين آخرين في العالم. هي لم تكن في وارد وضع برنامج جدّي. لكن غابارد نفسها طلبت من مساعديها إبلاغ السفارة الاميركية في بيروت أنها لا تريد منهم المشاركة في التحضيرات ولا حتى في الترتيبات. وقالت لفريقها: لا أريد من السفارة هناك أي شيء. لا حماية أمنية، ولا إجراءات لوجستية، ولا استضافة، ولا ترتيب مواعيد، ولا مشاركتي في الزيارات. وتم إبلاغ السفيرة الاميركية بالأمر.

فكرت السفيرة في أن عليها التحرك سريعاً. ومع وصول مساعدي عضو الكونغرس الى بيروت، قبلها بأيام، سارعت السفيرة ريتشارد الى طلب الاجتماع بهم، في مقر السفارة، وأحضرت المسؤول الأمني لكي يشرح تفاصيل عن الوضع الخطير في لبنان، مع توصيات معينة. وعرض المسؤول الأمني أن تبيت غابارد في بيت الضيافة في مقر السفارة. ومرة جديدة، صدمت السفيرة المحرومة من نِعَم لبنان. فقد أبلغها مساعدو غابارد أنها غير معنية، ولا أحد يريد شيئاً منها، وأن غابارد تفضّل أن تكون زيارتها بعيدة عن كل أشكال البروتوكول، وهي تريد أن تختار من تقابل وأين وكيف.

الأمنيون في السفارة ضغطوا لأجل وضع شروط، من اسم الجهة الأمنية الرسمية اللبنانية التي ستواكب النائبة الأميركية أثناء وجودها في لبنان، مع شرح توضيحي للمناطق التي لا يمكنها زيارتها أبداً (المنطقة الحمراء) أو تلك المفضّل زيارتها نهاراً فقط (المنطقة الصفراء) وتلك المفتوحة ليلاً ونهاراً (المنطقة الخضراء). ثم أودَع المسوؤل الأمني في السفارة مساعدي غابارد أرقام هواتف للاتصال عند الضرورة، قائلاً بلغة الواثق: لدينا وحدات منتشرة في كل لبنان جاهزة للتدخل متى تطلب الأمر.
في الرابع عشر من كانون الثاني غادرت غابارد العاصمة الاميركية متوجهة الى مطار بيروت. وصلت غابارد برفقة زوجها المخرج السينمائي، الرجل الثري من أصول هندية ابراهام وليامز، والوفد المرافق، يوم الاحد. كان مساعدون لها في انتظارها، برفقة قوة من جهاز أمن السفارات في قوى الامن الداخلي، كانت قد توافرت بعد اتصال مع وزير الداخلية نهاد المشنوق. ومن المطار توجه الموكب مباشرة صوب منطقة اليرزة، للحصول على تأشيرة دخول الى سوريا من السفارة السورية هناك. وكان السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم الذي استضافهم ريثما تنجز أوراق التأشيرات.

ما حصل هو أن موكب الضيفة الاميركية اختار طريقاً قصيرة للوصول الى منطقة اليرزة. وهذا يعني أنها عبرت منطقة الضاحية الجنوبية، المصنّفة ضمن المنطقة الحمراء.

وأثناء مرورها هناك، سألت: أين نحن؟

الجواب: نحن في منطقة حزب الله.
سألت: لكن أين هي القواعد العسكرية والمسلحون؟
الجواب: لا وجود لهذه الأشياء أصلاً.
سألت: هل أنتم متأكدون من أننا نمرّ في منطقة يسيطر عليها حزب الله بصورة كاملة؟

الجواب: نعم! وخلال دقائق نكون في منطقة تخضع تماماً لسيطرة الجيش اللبناني، وهناك يقع مكتب السفير السوري ومنزله.

هناك، كانت قوة من فرقة «الفهود» التابعة لقوى الامن الداخلي قد وصلت. تبيّن أن المسؤولين الأمنيين في السفارة الاميركية غير راضين عن الاستعانة بجهاز أمن السفارات. فمعلوماتهم تفيد بأنه يقع تحت تأثير حزب الله، وأنهم يفضّلون «الفهود». قَبِل مساعدو غابارد بالأمر، لكن عند وصولها الى غرفتها في أحد فنادق العاصمة، اتصلت السفيرة الاميركية طالبة مقابلتها، لكن غاربارد اعتذرت، مكررة القول: لا أريد أي شيء من السفارة.

الثامنة من صباح الاثنين ينطلق الموكب من الفندق مباشرة باتجاه الحدود السورية. وعند نقطة المصنع، يتوجه الموكب صوب نقطة يوجد فيها فريق أمني يسهّل الوصول الى صالة كبار الزوار، حيث كان أفراد من تشريفات القصر الجمهوري، برئاسة موفد رئاسي سوري، في الانتظار مع سيارات الموكب. وبينما بقي الأمن اللبناني عند الحدود، توجهت غابارد والوفد مباشرة الى لقاء الرئيس بشار الأسد.
استقبلها الأسد بابتسامته المعهودة. صافح أعضاء الوفد، وسألها عن الرحلة، ثم دخلت هي مباشرة في الحديث:

«أنا هنا في زيارة تقصّي حقائق. أريد أن أزور أكثر من منطقة في سوريا إن استطعت، وأن أجتمع بأشخاص على الارض. وأريد مساعدتي في تقديم معطيات موثقة ومؤكدة حول من يدعم المنظمات الإرهابية، وخصوصاً داعش والقاعدة. أنا هنا بموافقة من الكونغرس، وكنت أنوي الحضور قبل أشهر، لكن التأجيل حصل بطلب من الرئيس ترامب نفسه».

ثم عرضت غابارد للأسد تصوّرها للموقف في سوريا والمنطقة. وقالت له: «أنا التقيت الرئيس ترامب قبل مجيئي الى هنا. وأنا أحمل لك رسالة منه. لقد طلب مني أن أنقل لك تصوّره وأفكاره بشأن المنطقة، وطلب أمراً آخر بصورة مباشرة».

واصل الاسد الاستماع، وأفاضت غابارد في عرض وجهة نظرها وما سمعته من الرئيس الاميركي المنتخب. وكررت أمامه ملاحظات الادارة الاميركية على سياسات حلفائها في سوريا، من السعودية الى تركيا الى بقية دول الخليج. وقالت له إن الاولوية المطلقة عند ترامب هي محاربة داعش. وهو سيأخذ بعين الاعتبار في مقاربته ملف ايران. إنها دولة جدية جداً في محاربة داعش. الرئيس ترامب يريد تغييراً جذرياً في سياسة أميركا حيال سوريا والمنطقة.

سألها الاسد: هل هذا هو انطباعك بعد الاجتماع مع ترامب؟
ردّت غابارد: لا، هذه هي أفكاره، وهو طلب مني أن أنقلها إليك. نحن باختصار، نريد التعاون معك في محاربة داعش. ترامب معجب بذكاء روسيا في إدارة الملف السوري، وهو يريد بناء تفاهم مع الروس في سوريا.
ثم فجأة سألت غابارد الأسد: إذا اتصل بك الرئيس ترامب، هل تردّ على المكالمة؟
ابتسم الأسد وسألها: هذا سؤال افتراضي، أم هو اقتراح؟
قالت له: ليس افتراضياً.
الأسد: هذا اقتراح منك؟

ردّت: لا، هذا سؤال لك من الرئيس ترامب، وهو طلب مني أن أنقله إليك، وسأعيد طرح السؤال: إذا اتصل بك هل ستردّ على المكالمة؟

فوجئت غابارد بردّ سريع من الأسد: بالطبع، وسوف أعطيك رقم هاتف يمكن الوصول إليّ عبره سريعاً.
في هذه النقطة،

بدت غابارد متفاجئة بعض الشيء، وكأنها كانت تحت تأثير تشويش، بأن الأسد لن يجيب مباشرة، وأنه سيطلب وقتاً للتفكير. لاحقاً، تبيّن أن إدارة ترامب كانت تعتقد أن الأسد سيطلب الوقت قبل الإجابة، لأجل التشاور مع حلفائه الروس والايرانيين. الاميركيون فكّروا بصراحة أن الأسد «لن يجرؤ على التواصل معهم من دون إذن موسكو».

قبل نهاية الاجتماع، عادت غابارد وشرحت للأسد حاجتها الى جولة في سوريا من أجل إعداد تقريرها حول ما يجري. وسألت إن كان بمقدورها زيارة حلب، بعدما كان الجيش السوري قد استعاد مع حلفائه السيطرة عليها كاملة.

في غضون نحو ساعتين، سمع الاسد عرض غابارد، ثم قدم وجهة نظره ومعطيات حول ما يجري ودور الولايات المتحدة الاميركية المباشر أو غير المباشر في دعم المجموعات الإرهابية. بعد ذلك، انتقلت غابارد الى مكتب آخر، حيث اجتمعت لساعتين أيضاً مع زوجة الرئيس السوري أسماء الأسد، ودار الحديث حول الجوانب الاجتماعية والآثار السلبية للحرب القائمة على الناس في سوريا. بعدها انتقلت للقاء مفتي سوريا بدر الدين حسون، وزيارة الجامع الكبير في دمشق، ثم التقت البطريرك أغناطيوس افرام، وبعده حصل اجتماع مع رجال أعمال وأكاديميين عرضوا لآثار الحرب على سوريا.

بات الوفد ليلته في مقر رسمي للضيافة، وفي ذلك المساء، لبّت غابارد دعوة مستشارة الاسد الدكتورة بثينة شعبان الى العشاء، بحضور مندوب سوريا في الامم المتحدة بشار الجعفري، ثم جرت ترتيبات لاجتماع مع وزير الخارجية وليد المعلم.

صباح اليوم التالي، واكب فريق رسمي سياسي وأمني من القصر الجمهوري الضيفة الاميركية، وغادر الجميع على متن طائرة رئاسية الى حلب. وهناك، كان فريق آخر في الانتظار، وقامت بجولة استمرت لساعات طويلة، التقت خلالها المحافظ وأعضاءً في البرلمان ورجال دين
وناشطين ومواطنين، وتفقدت مخيّماً للنازحين.

قبل مغاردتها حلب، تلقّى مساعدوها اتصالاً يفيد بأن الرئيس الأسد قرر استضافتها الأربعاء، طوال اليوم، وأنه أجرى الترتيبات لعقد لقاءات مفصّلة، يتخللها غداء عملأ وأنه سيزوّدها بوثائق دامغة تؤكد التورط المباشر لأمنيين أميركيين، بطلب من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، في دعم الإرهابيين في سوريا. وهذا ما حصل، فكان قرار تأجيل مغادرتها دمشق من الأربعاء إلى الخميس. وخلال نهار الاربعاء، التقت غابارد الأسد مرتين بحضور مسؤولين في الدولة السورية من الذين أحضروا معهم الوثائق والملفات. وعرض عليها ما مثّل بالنسبة إليها الصدمة وليس المفاجأة فقط. وأعطيت من الأدلة ما يتيح لها التثبّت من صحتها عند عودتها الى الولايات المتحدة الاميركية.

عادت غابارد الخميس الى بيروت، حيث كان من المفترض أن يكون جدول أعمالها مليئاً بمواعيد مقررة مسبقاً، وفق لائحة لم تشمل لأول مرة الشخصيات التي تلزم السفارة الاميركية كل زائر أميركي بمقابلتهم. وجاءت المقترحات تلبية لرغبة غابارد. وضمّ الجدول لقاء الرؤساء الثلاثة وقائد الجيش والمدير العام للأمن العام والرئيس السابق إميل لحود والبطريرك الماروني بشارة الراعي، مع التشديد على أن لا يحضر اللقاءات أيّ موظف من السفارة الاميركية في بيروت. وهي كانت قد حددت موعداً لمقابلة السفيرة ريشارد في لقاء عاجل وعابر.

الذي حصل، والذي شكل مفاجأة، كان رفض مكتب رئيس المجلس النيابي ترتيب لقاء مع الرئيس نبيه بري، ليتبيّن لفريق غابارد سريعاً أن السفارة الاميركية تدخلت، وهي أبلغت مكتب رئيس المجلس، وأيضاً المعنيين في القصرين الجمهوري والحكومي، وحتى القيادات الأمنية، أن الزيارة غير منسّقة مع وزارة الخارجية.

علمت غابارد بالأمر، وطلبت من مساعديها إبلاغ السفيرة أن ما تقوم به هو عمل غير قانوني، وسوف يتم إبلاغ البيت الأبيض به، وسوف تتم محاسبة السفيرة على عمل يناقض مصلحة الولايات المتحدة الاميركية.

قبل مغادرتها بيروت، عقدت غابارد اجتماعاً لم يكن مقرراً مع وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري الذي صودف وجوده في بيروت، ثم سافرت في وقت لاحق عائدة الى الولايات المتحدة، ليكون في انتظارها حشد من خصومها الذين شنّوا عليها حملة إعلامية استمرت لعدة أسابيع. كانت هي تنتظر موعداً للاجتماع بالرئيس ترامب لإطلاعه على نتائج الزيارة، بينما باشرت العمل على إعداد تقريرها الخاص عن سوريا… ولهذه المرحلة حكايتها الطويلة أيضاً!

من هي؟

تولسي غابارد (Tulsi Gabarad) مواليد 12 نيسان 1981. ملامحها السمراء تعود الى والدتها التي تعود أصولها الى السكان الأصليين، وقبيلة أمها من الهنود، كانت قد أبيدت في حرب عام 1800. تربّت في عائلة مرتاحة مادياً. توقفت غابارد عن متابعة تحصيلها العلمي بعدما نالت شهادة في الادارة العامة من إحدى جامعات هاواي، وانخرطت في العمل السياسي العام. وأول ما قامت به المشاركة ضمن فرق طبية تابعة للجيش الاميركي خدمت في العراق عام 2004. غابارد ناشطة في هاواي. انتسبت الى الحزب الديموقراطي، وانتخبت لتكون أول عضو كونغرس من الاصول الهندية. معروفة في الاوساط الشبابية، والإعلام يقدمها كمناضلة جريئة. معارضة معروفة للتغيير بواسطة الحرب، كما يحصل في ليبيا والعراق وسوريا. وهي تقود النقاش الساخن حول دعم غير مباشر لداعش وفروع القاعدة

جنون ترامب قادم إلى الشرق

ابراهيم الأمين

«دونالد ترامب غبيّ، فنّان في بيع الهواء، ومصدر حرج لأميركا»

روبرت دي نيرو

الحراك الشعبي في قلب الولايات المتحدة الأميركية ليس من النوع الذي يشبه الحراك عندنا. نحتاج إلى صبر لنعرف ما إذا كان الشعب الأميركي قادراً على إحداث تغيير حقيقي.

 في انتظار ذلك، علينا، نحن أبناء هذه المنطقة المجبولة بالدم والنار، التدرّب على تلقّي فنون أكثر رؤساء أميركا جنوناً.

دونالد ترامب يريد إنعاش أميركا، والفهم المبسّط للرأسمالية الأميركية يفيدنا بأنه يريد المزيد من الأموال. وهو، في مراجعته الحالية لموازنة حكومته، يفكّر في إلغاء معظم نفقات الإدارة الأميركية خارج البلاد والتي ترد ضمن «برامج الدعم». وقد يصل به الأمر الى تعديل خريطة الانتشار الدبلوماسي لبلاده. وهو عندما يفعل ذلك، يقول للعالم إنه لا يريد أن تنفق بلاده قرشاً واحداً على أي برنامج لمساعدة أحد من غير الشعب الأميركي. كما يريد رفع مستوى التحصيل المالي من الخارج، ما يؤدي الى استنتاج بسيط: كل خدمة تقوم بها أميركا تريد مقابلها الواضح والمباشر والمضمون.

محاولة جديدة لاحتواء الأسد ومقايضته:

اترك إيران وخذ سوريا

في الطريق الى تحقيق ذلك، يحتاج برنامج ترامب الى نسف القواعد التقليدية في بناء علاقات أميركا مع العالم. وعندها، قد لا يجد ترامب حاجة الى أوروبا كما هي اليوم. وفي حال تقرر تعزيز حلف الناتو، فعلى الجميع دفع الأموال.

إلا أن كل تراجع أميركي عن أدوار قائمة في أكثر من منطقة عالمية لا يعني أن الأمور ستكون بخير. فليس محسوماً أن المؤسسات القابضة على القرار في الولايات المتحدة ستترك الرجل يفعل ما يريد. كما أن ما يسمى المصالح القومية الأميركية يفترض الانتقال الى الخارج، لا الانزواء في الداخل تحت شعار «أميركا أولاً». وهذا يقودنا، من جديد، الى التركيز على المصالح الجوهرية للولايات المتحدة في منطقتنا، وسط تعاظم الخشية من أن يكون ترامب أكثر عنفاً وجنوناً من كل أسلافه. وهنا بيت القصيد.

من هم أعداء القيم التي يمثلها ترامب في منطقتنا؟

بالتأكيد، للرجل ولرجاله نظرة مختلفة تجاه السعودية ودول الخليج، وحتى تركيا. ولكن، ليس في اتجاه التخلي عن هؤلاء. وكل شكوى من خلل في النظام الصهيوني لا تعني استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن إسرائيل. ولا يجب توقع تعديلات على لائحة الأعداء، حتى عندما يظهر الرئيس الأميركي حماسة إضافية لمواجهة تنظيم «داعش» وإخوته، إذ لن يكون ذلك بالطريقة التي تفيد الخصوم الأساسيين.

الجبهة التي يريد ترامب مواجهتها تضم، اليوم، روسيا وإيران والعراق وسوريا وحزب الله، وكل قوة تمثل خطراً على إسرائيل. وعندما يقرر المواجهة مع هذا المحور، سيعمل على جمع كل حلفاء أميركا التقليديين، ومن بينهم إسرائيل، استعداداً لهذه المواجهة. ولأن الأمور لا تتم دفعة واحدة، فإن ما يجري منذ فترة في منطقتنا هو جزء من المسار الذي تعمل عليه كل الإدارات الأميركية. أما التعديلات، فهي المناورات التي بإمكان الرئيس الجديد القيام بها. وفي هذا السياق يمكن إيراد الآتي:

أولاً: في ملف روسيا، لا يسعى ترامب الى مواجهة شاملة مع موسكو، ولا إلى مصالحة تمنحها الأدوار الكبرى التي تريدها. لكنه مستعد لتسوية تعطيها مساحات وهوامش إضافية، شرط أن تبقى الإمرة في يد واشنطن. وهذا يستلزم إبقاء الضغوط على روسيا، بكل الأشكال، ومنعها من توسيع دائرة نفوذها في فضائها الجغرافي، وفي المساحات الأبعد، وخصوصاً في منطقتنا. وترامب كان صريحاً مع كثيرين التقاهم بعد انتخابه، عندما قال إن ما يجري في سوريا وعلى حدودها الشرقية يمثل النقطة التي تخيّرنا بين التفاهم أو الاشتباك مع روسيا. وهذا يعني أن واشنطن تريد العمل بقوة في هذه المنطقة.

 عودة إلى عزل إيران وعمل ميداني

لقطع طريق البر إلى دمشق

ثانياً: في ملف إيران، يعرف الرئيس الأميركي الجديد أن بلاده لم تربح شيئاً من اتفاقها النووي مع إيران. فلا هي ضمنت عدم لجوء طهران الى إعادة تفعيل البرنامج، ولا هي حصلت على أي تغيير في سياسات إيران الخارجية، وخصوصاً في المنطقة المشتعلة من العراق وسوريا، إلى اليمن، وسط قلق على مصير الجزيرة العربية وإسرائيل. واليوم، يريد ترامب العودة الى المواجهة مع إيران، لإجبارها على التفاوض على ما رفضت البحث به أثناء التفاوض على البرنامج النووي.

ترامب معني، هنا، بالعمل بقوة على عزل إيران. وتسعى أميركا إلى توسيع دائرة انتشارها ونفوذها في العراق، لا لامتلاك حق الفيتو سياسياً، بل أكثر من ذلك. فكيف عندما يصل عدد الأميركيين في العراق الى أكثر من 15 ألف شخص، بين عسكر وأمن وموظفين ودبلوماسيين. وبالتزامن، يجري بناء قواعد عسكرية برية وجوية أميركية في مناطق عراقية، يصدف أنها تشرف على طول الطريق الذي يوصل إيران بسوريا من خلال العراق. وهو ما يترافق مع شروط وتعقيدات تضعها الولايات المتحدة على معركة إطاحة «داعش» في غرب العراق.

ثالثاً، في ملف سوريا، الجديد الوحيد بالنسبة الى إدارة ترامب هو استعداده العملي للتعامل علناً مع الوقائع القائمة، مثل تحضير نفسه والعالم للتخلي عن شعار إسقاط الرئيس بشار الأسد. وربما يذهب الى أبعد من ذلك، تحت شعار التعاون مع القيادة السورية في مواجهة «داعش» وإخوته. لكن، في هذه النقطة، لا يتصرف ترامب كممثل لجمعية خيرية، بل إن هاجسه الوحيد رسم إطار للنفوذ الروسي في سوريا للتفرغ لطموحه بإخراج إيران من سوريا، ما يدفع الى الاعتقاد، بقوة، بأننا سنكون أمام محاولة احتواء جديدة للقيادة السورية، تقوم على مقايضة: يستعيد الأسد حكمه على كل سوريا وتلقي الدعم لإعادة الإعمار، مقابل التخلي عن تحالفه مع إيران.

وبالتالي، فإن تعاظم التهديد الإرهابي للغرب بقيادة الولايات المتحدة، لا يعني حكماً ذهاب أميركا نحو معركة مع «داعش» تكون نتيجتها لمصلحة الأسد وحلفائه في إيران وحزب الله. وهي خطة تقتضي تعاملاً مختلفاً مع تركيا والأكراد، والتعجيل في محاولة إنتاج قوة عسكرية موالية تماماً للإدارة الأميركية، كالتي يجري العمل عليها بين عشائر شرق سوريا.

رابعاً، في ملف حزب الله والعدو الإسرائيلي، سيكون من الغباء توقع تبدّلات جوهرية ــــ أو حتى شكلية ــــ في التعامل مع هذا الملف. فواشنطن لا تزال مقتنعة بأن إسرائيل تمثل الحليف الاستراتيجي، فيما يمثّل حزب الله العدو الاستراتيجي. وقد أضافت الولايات المتحدة على هواجسها التوسع والنفوذ الإضافيين لحزب الله خارج لبنان وفلسطين، وحيث تشعر به أميركا بوضوح في العراق واليمن، إضافة الى دوره المركزي في سوريا.

حزب الله عدو استراتيجي، ومواجهته

تتطلّب عملاً سياسياً وعسكرياً

ولأن محاولة الاحتواء المحتملة مع الحكم في سوريا ستفشل حتماً، فإن السلاح الوحيد بيد واشنطن وإسرائيل هو رفع مستوى مشاركة أطراف وحكومات عربية، في معركة آتية حكماً مع الحزب، سواء في لبنان فقط، أو في لبنان وسوريا وأماكن أخرى. وهذا يوجب إبقاء الاستنفار السياسي والإعلامي ضد الحزب، والعمل أكثر على إعادة تفعيل الفتنة السنية ــــ الشيعية، وربما العمل على فتنة شيعية ــــ شيعية حيث يمكن القيام بذلك. لكن الأساس هو توفير الجاهزية الضامنة لشن حرب رابحة ضد الحزب من قبل إسرائيل.

خامساً، في اليمن، تشعر الولايات المتحدة بأن الفشل السعودي في تحقيق نصر قد ينعكس تراجعاً متسارعاً في قدرات السعودية داخل حدودها، وعلى مستوى المنطقة. فكيف إذا ترافق مع تراجع إضافي في قدرة الإمارات العربية المتحدة على تثبيت الوضع في جنوب اليمن، حيث ليس متوقعاً أبداً ترتيب الوضع هناك، بطريقة تصلح لاستخدام الجنوب منصّة فعّالة للحرب ضد صنعاء والشمال.

لكن الهاجس الإضافي الأميركي، والإسرائيلي، يتصل بكون الحكم القائم شعبياً وعسكرياً في مناطق واسعة من اليمن، إنما هو في الحقيقة جزء من التحالف الذي تقوده إيران. وبالتالي، فإن أي نجاح لهذا الفريق يعني، بالنسبة إلى الأميركيين، مدخلاً لتغييرات كبيرة في الجزيرة العربية. وهو الأمر الذي لا تتحمّله واشنطن ولا أوروبا ولا إسرائيل. فماذا عن موقف واشنطن بعد إعلان الجيش اليمني أمس نجاح تجربة إطلاق صاروخ باليستي يصيب العاصمة السعودية؟

في هذا السياق، يظهر الأميركيون اهتماماً عملانياً بإعادة تكوين تحالف سياسي وعسكري، يكون عنوانه «مواجهة النفوذ الإيراني»، لكن غايته توجيه الضربات لكل أطراف المحور الذي تقوده إيران. وفي هذه الحالة، يجب التدقيق في الحوار القائم اليوم بين إدارة ترامب والقيادة المصرية، التي بات الغرب مقتنعاً بأنها صاحبة الدور العملي الوحيد في أي حلف يراد قيامه في مواجهة إيران.

العدوّ في مواجهة المأزق: الهروب نحو الحرب!


كانت المقاومة قوة محلية فقط، فصارت قوة إقليمية تنتشر في سوريا والعراق واليمن وأماكن أخرى (هيثم الموسوي)
بصمت كامل، تدور هذه الفترة أكثر الحروب تعقيداً بين إسرائيل وحزب الله. ليست «معركة بين حروب». بل هي حالة استنفار واستعداد، خشية حصول خطأ في التقدير أو استعجال في أمر ما من جانب العدو، ما يقود حتماً الى مواجهة ليس بإمكان أحد منع تدحرجها إلى حرب شاملة. وهي احتمالات تعززت مع مرور الوقت، ومع الفشل الذي يصيب مشاريع الغرب وحلفائه بين العرب وإسرائيل… لكن، لماذا الآن؟
ابراهيم الأمين
منذ توقف العمليات العسكرية في آب 2006، كان لدى اسرائيل، ولا يزال، ما يكفيها من أسباب لشن حرب جديدة ضد المقاومة في لبنان. لكن الفشل في «الحرب الثانية»، ترافق مع تراجع في الجاهزية العسكرية وأزمة ثقة سياسية لدى العدو. وخلص التقييم الاجمالي لنتائج الحرب الى ضرورة البحث عن سبل افضل لمواجهة المقاومة.
كل ذلك أدّى الى هدوء الجبهة العسكرية. وهو هدوء استغلته المقاومة، ساعة بساعة، لاعادة بناء قدراتها بأكبر وأوسع مما كانت قيادة المقاومة تعتقد، الأمر الذي دفع بالعدو الى اعتماد استراتيجية جديدة عنوانها: اعاقة نمو قدرات المقاومة. ومن لا يؤمن بوجود مؤامرات ليس مضطرا لاكمال قراءة هذه المقالة.
الإخفاق في محاصرة المقاومة بعد اغتيال رفيق الحريري وخروج سوريا من لبنان، وفشل عدوان 2006، فرضا على العدو وحلفاءئه في الغرب، كما في العالم العربي، الى استعجال خيارات اخرى، اعتقاداً بأنها توفر الخدمة نفسها، لا بل اكثر. فجرى العمل على تعزيز التيار المعادي للمقاومة في لبنان، وتوفير ما يسمح بقيام انقسام اهلي وسياسي داخلي، يتناغم مع الفتنة المذهبية التي أشعلها الغرب واسرائيل بالتعاون مع السعودية ودول اخرى، في العراق والمنطقة. وكان يؤمل من هذه الخيارات، ليس محاصرة حزب الله فحسب، بل كل التيار الداعم للمقاومة. لكن ما حصل بين ايار 2008 واطاحة حكومة سعد الحريري في 2011، اقفل ــــ من دون اضرار هائلة ــــ باب الفتنة الكاملة في لبنان، وإن ابقى على الانقسام السياسي حاداً، ليصبح اكثر قساوة بعد إندلاع الازمة السورية.

 على الخط الاقليمي، كان الدعم غير العادي الذي قدمته السعودية، ومعها مخابرات غربية، الى أدوات الفتنة في العراق، قد قطعت شوطاً في تحويل هذا البلد الى مصدر قلق لكل دول محور المقاومة، لا سيما ايران وسوريا ومعهما حزب الله. وبالتزامن، نشطت عملية الاحتواء الاميركية لسوريا، من خلال المسار التركي – القطري، بغية تغيير سلوك النظام وفك تحالفه مع ايران. وجرت محاولات حقيقية لفتح كوة في التحالف بين ايران وسوريا في العراق، عندما حاول الاتراك والقطريون والسعوديون اقناع الرئيس بشار الاسد بدعم وصول رجل اميركا والسعودية اياد علاوي الى رئاسة الحكومة بدلا من نوري المالكي. اما في لبنان، فكانت الذروة محاولة إقناع الاسد بدعم بقاء سعد الحريري في رئاسة الحكومة اللبنانية خلافا لارادة حزب الله.
مع انتهاء هذا كله الى الفشل، لجأ خصوم ايران وسوريا وحزب الله وقوى المقاومة الى حيلة اخرى تقوم على استغلال حالة الغليان الشعبي ضد الانظمة الحاكمة في العالم العربي. فتم خطف احتجاجات اهلية في سوريا، واخذها سريعاً نحو عملية منظمة لتدمير هذا البلد، على امل توجيه ضربة لنظام الاسد بسبب رفضه الاستسلام لضغوط الغرب وجماعته في الاقليم. وسرعان ما تحولت الفتنة الداخلية في سوريا والعراق الى عنصر تعب لايران، ومصدر تهديد رئيسي للمقاومة في لبنان. سيما ان قوى المؤامرة نجحت، الى حد بعيد، في توجيه ضربة قوية لتيار المقاومة، من خلال قيام «الاخوان المسلمين» بنقل ابرز حركات المقاومة الفلسطينية، اي حماس، الى موقع المختلف مع محور ايران ــــ سوريا ــــ حزب الله.
وخلال السنوات الخمس الماضية، لم يترك تحالف الغرب ــــ اسرائيل ــــ السعودية – تركيا، شيئاً لم يفعله لتحقيق هذا الهدف. فجأة، تحوّل تنظيم «القاعدة»، بكل فروعه، الى مركز استقطاب الشباب العربي والمسلم. وجرى اعتماد خيار التطرف والجنون لتدمير دول عربية كثيرة، من مصر وليبيا الى اليمن. لكن الشعار المركزي الذي رفعه هؤلاء في بلاد الشام ظل، على الدوام، تسعير الفتنة مع الشيعة والفرس، بقصد انهاك ايران والعراق وسوريا وحزب الله. ثم جاءت نسخة «داعش» لتتويج الصورة. وهو أمر لم يكن ليكون لولا دعم، ستظهر ادلته اكثر في المرحلة المقبلة، ومن قلب الولايات المتحدة واوروبا على وجه الخصوص.
كان الاعتقاد قوياً لدى العدو، المهتم اصلا بانهاك قوى المقاومة، بأن الازمة السورية ستعني انتهاء عصر الانتصارات بين 2000 و2006. وهو راهن، بقوة، على ان إخراج سوريا من محور المقاومة أو تدميرها وجيشها سيقفل الابواب امام كل نفوذ لتيار المقاومة، وسيقطع سلسلة المقاومة من وسطها. لذلك كان العدو، بالتعاون مع اوروبا والسعودية واميركا وتركيا، في قلب الحرب على الدولة السورية. وتم توفير كل ما تحتاجه المجموعات الارهابية لمنع قيام دولة مستقرة في العراق، وتدمير النظام والدولة في سوريا، ومحاصرة المقاومة في لبنان. وهي مهمة لا تزال مفعّلة منذ نحو ست سنوات. وما استجدّ عليها، رفع مستوى نفوذ السعودية، وذهابها الى حرب مجنونة في اليمن، بغية الامساك ببحر العرب وباب المندب، ووقوف كل ارهابيي العالم الى جانب آل سعود في معركة مستمرة لتدمير هذا البلد وسحق اهله.

 

النتائج المعاكسة
 الدمار الكبير الذي لحق ببنية الدولة والمجتمع في كل من العراق وسوريا واليمن ليس بالامر السهل. لكن نقل هذه الدول الى ضفة المحور الأميركي ــــ الاسرائيلي ــــ السعودي لم يحصل. بل على العكس، ثمة تطورات غير عادية جرت في العامين الماضيين، ادت الى محاصرة هذا المشروع ومنعه من التوسع. وانتقل محور المقاومة، بعد انضمام روسيا الى معركة منع سقوط الشرق بيد الغرب، الى مرحلة الهجوم. وانتهى ذلك الى نتائج مخالفة تماما للتوجه الآخر، منها:
ــــ في لبنان، أدت النتائج السياسية وغير السياسية، خلال العامين الماضيين، الى محاصرة المجموعات الارهابية، ومنعت قيام قاعدة شعبية وسياسية لها في اكثر من منطقة لبنانية. وتوسّع التعاون بين الجيش والمقاومة من ساحة المواجهة مع العدو، الى تعاون مكثف في مواجهة الحالة التكفيرية، ما اضطر قوى سياسية واجهزة امنية لبنانية، على صلة بالغرب والسعودية، الى التراجع والانضمام، ولو مضطرة، الى هذه المعركة.
ــــ في لبنان أيضاً، فشلت محاولة فرض المشروع السياسي لفريق 14 اذار. ومُنعت القوى البارزة فيه من التحكم بالدولة ومرافقها ومؤسساتها. ورغم استقطاب هذا الفريق لرئيس كان يفترض ان يكون على مسافة منها، انتهى الامر الى منع الفريق الاميركي – السعودي من فرض شروطه كافة، وصولا الى انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، بدعم غير مسبوق من جانب حزب الله، ليدخل لبنان مرحلة انهيار قوى 14 اذار، وتعديل سلوك ابرز قواه، من تيار «المستقبل» الى «القوات اللبنانية» والنائب وليد جنبلاط.

ــــ في العراق، لم يؤد اخراج المالكي من الحكم، بحجة موالاته لايران، الى تغييرات كبيرة. بل اضطر العالم كله الى مواكبة «القرار الشعبي»، المدعوم من ايران وسوريا وحزب الله، بفتح المعركة الحاسمة ضد «داعش». ولمن لا يتذكر، فان سلاح الجو السوري، في عز انشغاله بملاحقة الارهابيين في سوريا، وجّه ضربات قاسية لمجموعات هذا التنظيم الارهابي خلال مرحلة توسعه في الموصل ومحافظات اخرى. اما حزب الله الذي وجه جزءاً من قدراته لمساعدة الجيش السوري، فقد ارسل خبراء وكوادر الى العراق. بينما تولت ايران توفير كل مستلزمات بناء الحشد الشعبي ودعم عملياته.

ــــ في العراق ايضا، اضطر الغرب الى تغيير سياساته. الخشية من خسارة سوريا وتركها لروسيا دفعت بالولايات المتحدة، قبل غيرها، الى ادخال تعديلات جوهرية على سياستها. فكان لا بد من الدخول في معركة التخلص من «داعش» في العراق. وهي معركة لم تنجح واشنطن في جعلها تسير وفق مخططاتها، بل يمكن الحديث، اليوم، عن مرحلة جديدة ستشهدها الساحة العراقية في القريب العاجل، وستتوّج بمحاصرة «داعش» في اكثر الاماكن ضيقا، وطرد التنظيم من غالبية مناطق غرب العراق، وتحديداً من مناطق الحدود مع سوريا.
ــــ في ايران، لم تكن اسرائيل، ومعها السعودية وعواصم كثيرة، تعتقد ان في الامكان التوصل الى تفاهم سمي «الاتفاق النووي»، فرض على الغرب التعامل بطريقة جديدة مع طهران، والقبول بها لاعبا مركزيا في اكثر من ساحة اقليمية. وهو امر تم من دون فرض اي تعديلات على سياسات ايران الخارجية، خصوصا لجهة دعمها المستمر والمفتوح لحركات المقاومة، ولنظام الاسد في سوريا، والحشد الشعبي في العراق، وانصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان.
ــــ في اليمن، اصيب الغرب بصدمة كبيرة جراء فشل الحرب السعودية على انصار الله. وبعد مرور نحو عامين، تبدو الرياض في نفق مظلم، وهي ــــ على تعنّتها ــــ تنشد حلا يخفف من خسائرها، بينما جرى اغراق جنوب اليمن بحروب اهلية، وانتشار كثيف لمجموعات «القاعدة». ولم يمنع ذلك كله توسع النفوذ العسكري لانصار الله داخل الاراضي السعودية نفسها، كما لم يحل دون توفير كل اشكال الدعم لهذه القوة من جانب قوى المقاومة في المنطقة. ومع كل التعتيم الاعلامي المغيّب لمشهد الجريمة البشعة المستمرة في اليمن، فان العالم يقترب من لحظة «ضبط» ايقاع الجنون السعودي.
ــــ في سوريا، حيث كان الجميع يتوقع انهياراً سريعاً للدولة وسقوط النظام، تراجعت الطموحات من إسقاط النظام الى محاولة إجباره على تنازلات سياسية. فخلال عامين فقط، سيطرت فروع «القاعدة» على كل المجموعات المقاتلة ضد النظام. ورغم الدعم العالمي، بالبشر والمال والعتاد والتدريب والمعلومات الامنية، وبمشاركة دول العالم كافة، عدّل صمود الاسد وجيشه، والدور الكبير الذي لعبته روسيا وايران وحزب الله، المشهد الميداني والسياسي بقوة. وتكفي مراجعة الخريطة العسكرية التي ينشرها داعمو الارهابيين لإدراك حجم استعادة الدولة لنقاط سيطرتها، وحجم الانهيار الذي يصيب خصومها، من الجنوب الى العاصمة فالساحل والشمال. وما الاستدارة الاضطرارية التركية الحالية، سوى اولى الاشارات على تغييرات ستقود الى نتيجة واحدة، وهي فشل مشروع الفتنة بواسطة التكفيريين.
اكثر من ذلك، فان عالم الدبلوماسية الصامتة، يعكس مؤشرات على تحولات كبيرة في الموقف الغربي، من الولايات المتحدة الى فرنسا ودول اوروبية وعربية. وهو امر سينعكس، ليس ثباتا للدولة السورية وحكومتها فحسب، بل تعزيزا لوجهة، لا تزال قاعدتها، مواجهة الاستعمار ولا سيما اسرائيل.
في مواجهة حزب الله
اما اذا عدنا الى ساحة المواجهة المباشرة مع حزب الله، فسنلاحظ ما هو اهم، وما يشكل مصدر القلق الابرز لقيادة العدو:
ــ لقد فشلت محاولات حثيثة من جانب العدو لتعديل قواعد الاشتباك مع المقاومة على طول الجبهة الحدودية. وجاءت عمليات الاغتيال لقادة وكوادر من المقاومة، لتفرض على قيادة حزب الله اعتماد مسار تصاعدي في الرد، وصولا الى الاستعداد للدخول في مواجهة شاملة. وهو ما أجبر على العدو عدم القيام بأي عمل عسكري مباشر على الاراضي اللبنانية، بما في ذلك العمليات الموضعية.
ــــ قرر العدو الانتقال الى الساحة السورية، واستغلال الازمة هناك، لتوجيه ضربات الى قدرات المقاومة، بعدما لمس سريعاً ان دخول حزب الله على خط الأزمة السورية، فتح الحدود اللبنانية ــــ السورية، ومعها مخازن الجيش السوري، على مصاريعها أمامه، ما وفر تغذية هائلة لمستودعات حزب الله من مختلف انواع الاسلحة المتطورة والحديثة بما في ذلك الاسلحة المنقولة من ايران.
ــــ قرر العدو شن غارات ضد قوافل عسكرية، او مخازن مفترضة للمقاومة داخل سوريا. ومع ان ما حصل، وما اعلن عنه او لم يعلن، لا يتجاوز معدل الخمس ضربات سنوياً منذ 2011. الا ان العدو يعرف ان عشرات، ان لم يكن المئات، من القوافل قد نجحت في ايصال المطلوب الى قواعد المقاومة في لبنان. اكثر من ذلك، فان رفع مستوى التهديد من جانب المقاومة ضد اي عمل يؤدي الى سقوط مجاهدين على يد العدو، حتى في سوريا، دفعه الى مراجعة حساباته، حتى وصل الامر في أحد الاعتداءات الى إطلاق صواريح تحذيرية لدفع المقاومين الى مغادرة شاحنات، ثم قصفها بعد ضمان عدم اسالة دماء.
ــــ عمليا، تنظر اسرائيل اليوم الى المشهد، فتجد ان ترسانة حزب الله باتت اكبر، من حيث الكم، بمئات المرات عما كانت عليه في 2006، كما أنها باتت تتوفر، من حيث النوع، على كل ما سعى العدو ويسعى إلى منع المقاومة من الحصول عليه ، وهو ذاك النوع من الأسلحة الذي تطلق عليه إسرائيل «الأسلحة الكاسرة للتوازن». اكثر من ذلك، يراقب العدو كيف ان حزب الله الذي كان نشاطه محصوراً في جبهة قائمة على طول الحدود مع لبنان، بات موجوداً على طول الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، ويملك مساحات مناورة لم تكن متوافرة قبلا، اضافة الى الخبرات الاستثنائية التي وفرتها الحرب في سوريا، ولو لم يكن هذا الأمر مقصوداً.
ــــ ولمزيد من البحث، لمس الغرب، ومعه السعودية واسرائيل، ان حزب الله خرج من دائرة القلق لبنانياً. بل صار في موقع الطرف ــــ المحور، لجميع الاحداث اللبنانية. وجاءت الحرب الامنية مع التيارات التكفيرية، لتوفر لأجهزة المقاومة خبرات هائلة في العمل الاستخباري، اضافة الى قدرات لم تكن متوافرة قبل عشر سنوات. وهو امر ترافق مع تطور استخبارات المقاومة العسكرية بما يؤدي الى خشية اكبر لدى العدو.
ــــ يلمس العدو، اليوم، تعاظم دور حزب الله الاقليمي بعدما بات لاعباً أساسياً في سوريا والعراق واليمن، وصاحب نفوذ كبير في أماكن اخرى من العالمين العربي والاسلامي. وبات في مقدور الحزب التأثير على ساحات تشكل حساسية اكبر للمحور الآخر، بأطرافه العربية والاسرائيلية والغربية. عدا، عن أن كل اشكال الفتن المذهبية، لم تعطل قدرات حزب الله في التعاون مع قوى المقاومة في فلسطين، بما في ذلك كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

 

الآن، ماذا نفعل؟
هذا هو السؤال المركزي المطروح لدى كل القيادات العسكرية والامنية والسياسية في اسرائيل. والاجوبة عليه باتت تحتاج الى قرار يتجاوز حكومة العدو لوحدها، والى مبادرات عملانية محصورة بخيارات ضيقة للغاية، بل يمكن القول انها بين خيارين، اول لا ضرورة لذكره، وآخر، يتمثل في القيام بمغامرة، أساسها عسكري، لكنها تقود حتماً الى الحرب الثالثة التي بات العدو يعتبر نفسه جاهزا لخوضها… فهل يكون الهروب مرة جديدة نحو الحرب الشاملة؟ في هذا السياق، من الافضل لفت انتباه العدو والصديق، الى ان اسرائيل تواظب على تقديم تقديرات حول حجم القوة الصاروخية للمقاومة. وبعد كل مواجهة تأتي النتائج معاكسة.
في حرب تموز 2006، أطلقت المقاومة، خلال 33 يوماً، نحو 4300 صاروخ على كيان العدو. اليوم، يتحدث الاسرائيليون عن أن حزب الله سيطلق نحو 1500 صاروخ يومياً… هذه تقديرات العدو، وهي، حتماً، خاطئة!

River to Sea Uprooted Palestinian   

The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

الى العماد عون… رئيساً للجمهورية

ابراهيم الأمين

انتهت الانتخابات الرئاسية، وأنا شخصياً، كما كثيرون في هذه البلاد، حققنا انتصاراً كبيراً بوصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية. ولأن البلاد ترقص على بركان، وجبت هذه الرسالة:

ــ الرئاسة والتغيير

لن يبقى من توصيفات ما حصل عند انتخاب العماد ميشال عون، إلا حقيقة واحدة، وهي أن تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله نجح في تحقيق هذه الخطوة المخالفة لمسارات لبنان خلال عقود طويلة. وهذا الإنجاز فيه من الفوائض ما يسمح لكل راغب بأن ينسب لنفسه حصة فيه، من الأقربين والأبعدين.
لكن الأمر لا يستوي من دون مقاربة واقعية. ليس هدفها الحد من اندفاعة التغيير لدى أحد، وخصوصاً لدى العماد عون. إنما تساعد الواقعية على فهم الواقع المستجد بعد حصول الانتخابات، وبشأن الخطوات المساعدة على فتح أبواب واسعة للتغيير.

يعرف العماد عون والجميع أن انتخابه رئيساً للجمهورية تم خلافاً لإرادة الطبقة السياسية الحاكمة والمستبدة في لبنان، والمستولية على جميع أموره السياسية والاقتصادية والامنية والاعلامية وغير ذلك. وما قبولهم إلا إقرار من جميع هؤلاء بفشل خططهم التي أُعدّت وعُمل على إنجاحها طوال عشر سنوات على الاقل. وتقدّم معارضي العماد صوبه يوم الانتخاب، لن يغيّر من واقع أنهم هزموا.
لكن خسارة هؤلاء لهذه الجولة، لا تعني خسارتهم للحرب، وهم سيبدون أكثر تشدداً وشراسة في المرحلة المقبلة. والاختبار الأصعب أمامهم ليس تأليف الحكومة، بل اختبار الانتخابات النيابية المقبلة. وهذا يقود ببساطة الى استنتاج يفترض أن العماد عون يفكر فيه، وهو: هل نشتّت الجهود في معارك لن تجدي نفعاً، أم نركّز على معركة الانتخابات فقط؟

الأكيد، أن مصلحة الرئيس عون هي في استخدام الزخم الذي جاء به، ودعم الجمهور له، في معركة إقرار قانون جديد للانتخابات وإلزام الجميع بحصولها، وربما يكون من الافضل لو تتم قبل موعدها المقرر في أيار المقبل.

مصلحة العماد عون، اليوم، تكمن في ترك خصومه يشكلون الحكومة، وليأخذ منها ما يجب أن يكون معه في هذه الفترة، أي وزارات الدفاع والداخلية والعدلية، وليترك للجميع التنارع على بقية الحكومة. وليعلن في أول جلسة لها أن المهمة الوحيدة أمامها هي العمل مع المجلس النيابي لإقرار قانون جديد للانتخابات، يعتمد النسبية وسيلة للاقتراع. وعند هذا الحد، على العماد عون العودة الى الشارع لجذب كل التيارات الشعبية الراغبة في تغيير حقيقي، وأن يكون الشارع وسيلته القوية في مواجهة نفوذ الطبقة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وعندها يكون قد فتح باب التغيير… وكل ما عدا ذلك، معارك لن تفيد سوى في تشويه صورة العهد وانطلاقته.

قبل الانتخابات المقبلة، لا معنى لأي معركة مع القابضين على الدولة والناشرين للفساد فيها طولاً وعرضاً. المعركة الضرورية والإلزامية هي بعد الانتخابات. وعندها، يجب أن يكون العماد عون في مواجهة معركة تأليف الحكومة الاولى عملياً في عهده.

 ــ الحلفاء والتحالفات

منطقي القول إن صورة التحالفات التي رافقت الانتخابات الرئاسية لم تبق على ما كانت عليه بعد حصول الاستحقاق، بينما المنطق يقول إن الحلفاء الذين خاضوا المعركة الرئاسية منذ اليوم الاول، هم الذين يبقون في مقدمة المشهد. وفي هذا السياق، لا يمكن بناء علاقات أو وضع خطة تواصل سياسي على أساس التحالفات التي قامت على خلفية الاستحقاق الرئاسي.

إن «القوات اللبنانية» جاءت مضطرة الى مربع العماد عون. لم يكن لديها الخيار. ربما كان لدى قيادتها الشجاعة للإقرار بالأمر قبل الآخرين، وتحديداً قبل الرئيس سعد الحريري. لكن فعل «القوات» لا يخرج عن إطار حفظ المصلحة المباشرة، والحد من الخسائر، بمعزل عن كل أوهام الحالمين بوراثة هنا وتركة هناك. وخطوة «القوات» هذه، وكونها محصورة في المصلحة المباشرة، لم تأخذ أي طابع سياسي، ولم تلزم «القوات» بأي تغيير حقيقي في خطابها أو موقفها السياسي. وما فعلته، هو أنها تملك بعض الاصوات في المجلس النيابي، ولها حيثية معتبرة في الشارع المسيحي، وهي أدوات يحتاج إليها العماد عون في معركته الرئاسية. لكن لا يمكن أن يكون ثمنها شبيهاً بما يفترض أن يناله حلفاء خاضوا المعركة من اليوم الاول، وقدموا أكثر مما يعتقد كثيرون لأجل الوصول الى النتيجة. وهذا لا يعني أن على عون تقديم مقابل لفريق مثل «حزب الله»، لكن على العماد عون أن لا يخضع لابتزاز «القوات اللبنانية»، وهو يعرف أن ما تريده «القوات» من حقائب في هذه الحكومة، إنما تريد استخدامه مبكراً في المعركة الانتخابية.

لذلك، فإن مبدأ «دفع المقابل» يلزم العماد عون الأخذ في الاعتبار البيئة التي نشط حزب الله على تعزيز موقع العماد عون فيها. وهي بيئة على خلاف حقيقي وجوهري مع «القوات اللبنانية». ومثلما لم يترك «حزب الله» المجال لشريكه الشيعي، أي الرئيس نبيه بري، لممارسة أي ضغط بما خصّ المعركة الرئاسية، فمن المنطقي ألا يسمح العماد عون لمن يرغب في أن يكون شريكه المسيحي، أي «القوات»، بأي لعبة ابتزاز أو ضغط في الملف الحكومي.

إن حساباً بسيطاً يفرض أن تحصل كتلة التغيير والاصلاح ــ التي تضم أكثر من 20 نائباً ــ على ضعف حصة «القوات اللبنانية» التي تضم كتلتها 8 نواب. وكل محاولة للمبالغة، أو الوهم، بقيام ثنائية مسيحية شبيهة بالثنائية الشيعية، هي خطأ قاتل.

 ــ سليمان فرنجية

مع وصول العماد الى قصر بعبدا، انطلقت معركة التغيير. ولم تنطلق معركة الرئاسة المقبلة. وبالتالي، وجب قول كلمة واضحة وصريحة ومباشرة: لا يمكن لأحد، وخصوصاً الوزير النشيط والفعال جبران باسيل، أن يتصرف على أساس أنه بدأ معركة الرئاسة المقبلة. قول هذا الكلام ضروري الآن، لأن هناك مسألة عالقة يجب حسمها. ولن يقدر على فعل ذلك غير العماد ميشال عون. وهي تتعلق بالنائب سليمان فرنجية.

عندما رشّح الخبثاء سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، إنما فعلوا ذلك لضرب ترشيح العماد عون. وعندما قبل فرنجية الأمر، وقرر خوض المعركة، ارتكب الخطأ الكبير، لأنه لم يحسن ــ أو لم يكن الى جانبه من يحسن ــ قراءة الوقائع. وتراكمت كمية من الأحقاد على الحسابات المناطقية، على حسابات ومصالح متنوعة، ما أشعل حرباً ليس هناك ما يوجب استمرارها. في النهاية، رضخ فرنجية للواقع، وخسر الانتخابات الرئاسية. ومشكلته الحقيقية ربما كانت ليس مع العماد عون أساساً، بل ربما كانت مع حزب الله ومع الرئيس السوري بشار الاسد اللذين أبلغاه رفضهما الأخذ بمقترح الخبثاء. ومع ذلك، حافظ فرنجية على علاقته الوطيدة مع حزب الله ومع دمشق. لكن طبيعة السجالات، ربما أشعلت توتراً جعل العلاقة المباشرة بينه وبين العماد عون وقيادة وجمهور التيار الوطني الحر في حالة تحتاج الى إصلاح.

يروى أن رجلاً مريضاً أدخل الى المستشفى. وفي الليل كان يصدر أصوات أنين، فتأتيه الممرضة وتسأله إن كان يحتاج شيئاً، فكان يجيب سلباً، ثم يعاود الأنين بعد قليل، فتعود الممرضة إليه وتسأله ويجيبها كالسابق، واستمر الأمر على هذه الحال، الى أن استدعت الممرضة الطبيب المناوب لفهم ما يقوم به المريض. فجاء الطبيب وسأل المريض: هل تشعر بوجع حاد؟ هل تحتاج الى مساعدة ما؟ ردّ المريض: لا. فقال له الطبيب: لماذا تصرّ على إصدار الاصوات؟ فردّ الرجل: في البيت فهمنا أن النق ممنوع بحجة عدم إزعاج أحد، وفي العيادة كذلك، حتى نقلونا الى المستشفى. وأثناء العملية تعرّضنا لتخدير أسكتنا، ثم تقولون لنا بعد كل ذلك إنه لا يحق لنا حتى الأنين؟

يا جماعة، بمعزل عن كل القراءات. سليمان فرنجية مقتنع بأنه خسر الرئاسة التي كانت قريبة جداً من التحقق. هو يتصرف، وربما معه الحق، على أساس أنه جرى انتزاع اللقمة من فمه… وفوق كل ذلك، ممنوع عليه الصراخ وإطلاق بعض المواقف التي لن تغيّر شيئاً في واقع الحال؟
هذا في الشكل. لكن هناك ما هو أهم، ويتعلق بجوهر الموقف، إذ إن إصرار التيار الوطني، ومن خلفه الحريري، على منح «القوات اللبنانية» حصة منفوخة في الحكومة، فقط لأنها سارت بترشيح عون، وتعويضاً عن عدم دخولها الحكومة الماضية، هو أمر في غاية الغرابة. فكيف يحصل، وفي الوقت نفسه يرفض التيار الوطني الحر و»القوات اللبنانية» منح الوزير فرنجية موقعاً واضحاً في الحكومة؟ هل هناك من قرر معاقبة فرنجية لأنه خاض الانتخابات الرئاسية؟

لقد انتصر العماد عون وخياره في الانتخابات الرئاسية. ولم ينتصر سمير جعجع وخياره. ولقد انتصر خيار سليمان فرنجية وخسر هو شخصياً. وإن الحد الأدنى من المنطق والادارة الحكيمة، يوجب أن يبادر العماد عون شخصياً، وقبل التيار الوطني وقيادته، الى معالجة الامر. ألستَ أنت «بيّ الكل»؟ لنفترض أن سليمان فرنجية واحد من الأبناء المشاغبين. هل تتركه يذهب الى حيث لا ينبغي أن يكون؟ ثم ما الذي يمكن فهمه من معركة عزل فرنجية أو تهشيمه لا تهميشه فقط؟ هل هي رسالة سياسية؟ وإذا كانت كذلك، فهي موجهة لمن؟ هل لحزب الله ودمشق، أم لمن؟ وإذا لم تكن سياسية، وكانت ببعد حزبي، فإذا اعتقد جبران باسيل أن سمير جعجع سيكون حليفاً حقيقياً له في الشمال، فيكون كمن يكرر خطأ داني شمعون مع بشير الجميّل…

 ــ القصر ورجالاته

ليس بيننا من يقدر على رسم خارطة طريق للرئيس عون في إدارته القصر الجمهوري، وموقع الرئاسة الاولى. لكن الأكيد أن هناك قلقاً عميقاً من إمكانية أن يعتقد البعض، من أهل الجوار، بأن تحويل القصر الى قلعة مسيحية يتطلب أن يكون رجالات القصر الأقوياء من المسيحيين حصراً. وإذا سارت الامور على هذا النحو، نكون قد عدنا فعلاً الى عام 1988.

ميشال عون… نثق بك، ونحبك!

Related Articles

سوريا وهدنة أيلول ــ تحوّل تركيا محوري… كيف يتغيّر الأتراك… ولماذا ترفض أميركا نشر بنود الاتفاق؟

سوريا وهدنة أيلول ــ 1: تحوّل تركيا محوري… والإنهاك نال من الجميع

ابراهيم الأمين

منذ انطلاق المفاوضات الأميركية ــ الروسية الأخيرة، كان القلق ينتاب الجميع.

الولايات المتحدة الاميركية لم تعد تثق بجميع حلفائها على الارض، وهي تجاوزت مستوى التوبيخ الى حدود إملاء القرارات عليهم، حتى ولو لم يعجبهم الأمر، وصولاً الى قول دبلوماسي بريطاني إن الأميركيين قالوا لمسؤول خليجي يحتج على التفاهم مع الروس: لقد أخذتم أكثر مما تحتاجون إليه من وقت وإمكانات، وها هو بشار الاسد يتجول في بلاده، وإيران صارت في قلب سوريا، والروس عادوا الى الشرق الأوسط!
روسيا لديها قلق من نوع مختلف.

هي قررت عن وعي كامل الدخول طرفاً مباشراً في الأزمة، لكنها لا تريد أزمة مفتوحة ومن دون أفق. كذلك فإن تجربة ما يقارب عاماً من العمل العسكري والميداني، أسقطت ما تبقى من نظريات حول فكرة الحسم العسكري. وتبين لموسكو أكثر من ذي قبل واقع الدولة السورية ومؤسساتها وتوازنات الميدان وتعقيداته.

تركيا متهمة من قبل كثيرين بأن «محاولة الانقلاب» فيها لم تكن جدية، وأن الاستخبارات العسكرية التركية كانت على علم، وكانت تدرك حجم المتورطين فيه، لكن الرئيس رجب طيب أردوغان فضّل هذا السيناريو الذي يسمح له بتعديلات جوهرية على الادارة الداخلية، العسكرية والامنية والسياسية والاقتصادية أيضاً، وأن ما حصل يعطيه زخماً لقرار بالتحول في ملف سوريا كان قد قرره قبل مدة. ويروي الروس والإيرانيون أن رئيس الحكومة السابق أحمد داوود أوغلو، وقبل أن يغادر منصبه بطلب من أردوغان، تولى تنفيذ مهمة أخيرة، إذ طلب اليه العمل على «تنظيف الملف» السوري. قصد داوود أوغلو موسكو وطهران، يرافقه رئيس المخابرات حقان فيدان. وقال هناك كلاماً واضحاً: نريد الحل، نريد حفظ مصالحنا، ولم نعد نهتم لبقاء الأسد أو رحيله. لكننا لا نريد التورط في الأمر أكثر.

بعد إزاحة داوود أوغلو ووصول بن علي يلدريم، بادر الأخير الى التواصل مع الجانبين الروسي والايراني قائلاً: ما نقله اليكم سلفي لا يزال سارياً. ثم تحدث رئيس الحكومة الجديد عن أنه غير متورط شخصياً كداوود أوغلو في مواقف حادة، وبإمكانه البدء بعملية التسريب التي تشير الى قرار بلاده تعديل الوجهة في سوريا.

قطر ليس لديها حول ولا قوة. قيادتها لا تزال تعيش هاجس الاستنفار السعودي الذي يكبّلها، وهي تجد في أنقرة سلم النجاة. وقد بادر أمير قطر الى إبلاغ زوار عرب بأن حكومته سوف تقوم بوساطة مع روسيا وإيران لأجل ترتيب اتفاق ينهي الحرب في سوريا. لكن أمير قطر تقدم في البحث، طارحاً مشروعاً لحل يرضي المعارضة السورية، ومقترحاً تشكيل مجلس حكم انتقالي في سوريا، يرأسه قاض مستقل مقبول من الطرفين، ويضم أربعة أعضاء يمثلون النظام والمعارضة مناصفة، وأن الأسد يبقى لمدة زمنية يحددها المجلس الانتقالي.

طبعاً، لم يستمع أحد الى مقترح قطر. حتى الأتراك أنفسهم نأوا بأنفسهم عن هذه التصورات. وللمرة الأولى يسمع القطريون، كما أطراف خليجية، نبرة قلق تركية من المجموعات المتشددة الموجودة قرب الحدود مع تركيا، وأن هذه الجماعات قد تنقلب إذا ما وجدت الفرصة مناسبة، إضافة الى كون أنقرة أوضحت الى من يهمه الامر، أن الهاجس الكردي عاد ليحتل الصدارة.

في المقلب الآخر، لم يبق غير السعودية في دائرة التوتر الأقصى. خسائرها في العراق تتجاوز ما توقعته. وفي اليمن خشية جدية من إقدام أنصار الله على احتلال نجران والتقدم صوب الطرقات الدولية التي تقود الى جدة والى الرياض. ثم جاء إعلان المجلس الرئاسي في اليمن ليفتح الباب أمام مستوى جديد من التنسيق بين أنصار الله والرئيس السابق على عبدالله صالح، كانت أبرز إشاراته فتح صالح لمستودعات الصواريخ الباليستية التي يجرى تطويرها وتحديثها، كذلك جرى استخدام بعضها لقصف مناطق جديدة في العمق السعودي. أما في سوريا، فلم يبق للسعودية سوى بعض المجموعات المنهكة في جنوب سوريا وجنوب دمشق، ولا تملك الادعاء أنها تقدر على قلب الطاولة.

من الجانب الآخر، لا تتصرف إيران وحزب الله على أساس أن الامور سهلة. خبرة خمس سنوات من القتال في سوريا تتيح للجانبين ملاحظة التعب والإعياء اللذين أصابا سوريا وأصابا أيضاً الدولة السورية. ورغم أن القرار حاسم وواضح من جانب إيران والحزب بالوقوف الى جانب الأسد مهما كانت الكلفة، ومنع أي إشارة الى مستقبله السياسي، فإن لهذين الطرفين حسابات تتعلق أيضاً بما يجري في المنطقة، انطلاقاً من ترابط الجبهات. وبعد التثبت من إفشال عملية إسقاط النظام، وتأمين نقاط دفاع قوية ومتقدمة، وتعرض المشروع الآخر للإنهاك، فإن إيران والحزب لا يمانعان السير نحو تهدئة تتيح حلاً سياسياً. ويعرف الجانبان أنه في ظروف سوريا والمنطقة اليوم، ليس هناك من إمكانية لفرض حل لا يناسب مصلحة النظام أو حتى مصالحهما في سوريا.

أضف الى ذلك، فإن حزب الله دخل في مرحلة الإعداد لاحتمال حصول مواجهة جنوب سوريا، خصوصاً بعد ورود معلومات عن نية السعودية، بالتعاون مع الاميركيين والفرنسيين والاردنيين، إطلاق عملية في الجنوب تعويضاً عن خسائر الشمال. وفي هذه الحالة، يقرأ الحزب جيداً الدور الاسرائيلي، خصوصاً أن أطراف غرفة الموك لا يمانعون، بل يفضّلون لو أن إسرائيل تتورط في الأزمة وتساعد على ضرب قواعد ومقار قوات النظام وحلفائه. وهو ما استدعى استراتيجيات من النوع الذي يمهّد لخطوة كالتي قام بها الجيش السوري بالأمس، حيث أعلن نيته التصدي لأي عدوان إسرائيلي.

والى جانب حسابات اللاعبين الخارجيين، فإن الحساب الأكبر يتصل بالأزمة التي يعاني منها الجمهور في سوريا، والتي تفرض التصرف بطريقة تتيح تجنّب إراقة المزيد من الدماء. وبمعزل عن أي نقاش حول مستقبل الحل السياسي وكيفية إنجازه، فإن وقفاً لإطلاق النار، وإتاحة الفرصة لاستعادة التواصل والهدوء وبعض مظاهر الحياة، يمثلان الخدمة الأكبر للشعب السوري المنهك، علماً بأن في جانب النظام من لا يريد تكرار تجربة «هدنة شباط» التي انتهت الى إعادة تجهيز الإرهابيين للقيام بمزيد من أعمال القتل والتدمير.

غداً: تركيا والتنسيق وملفات حلب

سوريا وهدنة أيلول ـ 2: كيف يتغيّر الأتراك… ولماذا ترفض أميركا نشر بنود الاتفاق؟

ابراهيم الأمين

يمكن لمن يرغب، أن يذهب إلى أبعد الحدود في توصيف الموقف التركي. لكن لمن يريد الامر ببساطة شديدة، يمكن التوضيح أن حكومة رجب طيب اردوغان، ومنذ عام 2011، سعت بكل ما تملك من قوة إلى الامساك بكل سوريا.

فاوضت بشار الأسد على إدخال حلفائها من الإخوان المسلمين في دائرة القرار، ثم أطلقت العنان لكل قدراتها الامنية والعسكرية والاعلامية واللوجستية، لتوفير رعاية مباشرة لعشرات المجموعات المسلحة، قبل أن تتبلور الأطر العسكرية في شكلها الحالي. تغاضى الاتراك عن نموّ أكثر المجموعات تشدداً، ما دام الهدف هو إسقاط الأسد. ولكن، بعد خمس سنوات، أقرّت تركيا أردوغان، غصباً أو طوعاً لا فرق، بأن المهمة لم تتحقق… وأن الأسد نفسه لا يزال يتمتع بدعم قسم لا بأس به من الشعب السوري، وأن حلفاءه في لبنان والعراق وإيران، ثم روسيا، يعطون الأدلة يوماً بعد آخر على أنهم لن يتركوه يسقط، بل هم فعلوا أكثر من ذلك في خلال سنوات القتال. حتى وصل الامر الى تشكّل اقتناع لدى أنقرة بأن المجموعات الحليفة لها داخل سوريا ليست قادرة وغير مؤهلة، لا سياسياً ولا عسكرياً ولا غير ذلك، للقيام بالمهمة.

طبعاً، يتصرف الاتراك بواقعية كبيرة. لا يوبّخون المعارضة السورية كما تفعل القيادات القطرية والسعودية والإماراتية والاردنية، التي باتت تخصّص نصف حديثها عن سوريا لشتم المعارضين المتلهين بالأموال والنفوذ، فقط كي تلقي عليهم مسؤولية الفشل.

في أنقرة، يتصرف الجميع وفق منظور مختلف حيث الحسابات المباشرة، السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية، لا تقول إن مشروع إسقاط الأسد قد فشل فحسب، بل إن الازمات تنعكس سلباً، وبقوة، على تركيا. فها هم الاكراد يتقدمون، بدعم سوري – إيراني – روسي، أو أميركي – عراقي. وهم باتوا على وشك إقامة حزامهم الذي يمتد على قسم كبير من الحدود التركية – السورية. وهو عنوان يكفي لقلب كل المفاهيم لدى حكام أنقرة. فكيف إذا أضيفت اليه الأزمة مع روسيا وإيران والعراق، وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية المباشرة على تركيا؟ كذلك فإن هناك عنصراً آخر، يتمثل في الاجواء الداخلية، حيث توسعت دائرة المعترضين على السياسة المتبعة تجاه سوريا، وصار الأمر محل نقاش حتى داخل دوائر الحزب الحاكم، وليس بين معارضيه فقط. وبدأت حكومة أردوغان تشعر بأن تركيا لن تكون بمنأى عن الفرز الطائفي.

وحتى بعد انقلاب 15 تموز، ظهرت لاحقاً عناوين خافتة، عن قلق من كون جماعات طائفية عرقية أيّدت ضمناً الانقلاب، ليس حبّاً بالذين يقفون خلفه… لكن كرهاً بحكومة أردوغان وحزبه.

كل ذلك جعل تركيا تقترب من لحظة اتخاذ قرار له بعده الاستراتيجي. ومهما جرى الحديث عن مصالح هنا أو هناك، وأن أنقرة تحاول كسب الوقت لحصر الخسائر، إلا أن التحول حصل: لم يعد الهدف الإمساك بسوريا، بل الإمساك بجزء منها. ولم يعد الهدف ربط نزاع من حلفاء الأسد، بل تسوية معهم في المنطقة. وكل ذلك دفع الى ما حصل مؤخراً. وفي هذا السياق، بدأت الرحلة التركية الجديدة.

صحيح أن تقاطعاً كبيراً للمصالح نشأ بين تركيا وإيران والعراق وحكومة الأسد، حيال رفض الدولة أو الكانتون الكردي. وهذا تقاطع كاف لبلورة أشكال من التعاون. لكن الجديد أن تركيا لم تعد تثق بأن الغرب سيحفظ لها مصالحها. وها هي تشاهد الاميركيين، ومعهم الأوروبيون، يدعمون التمدد الكردي. فصار لزاماً عليها القيام بأمر عملي. وتركيا تدرك أنها غير قادرة على القيام بخطوة من شأنها أن تضعها في مواجهة مع الاميركيين، ولا على إعادة تسخين جبهتها مع إيران وروسيا. وهذا ما دفعها الى ترتيب «إطار تسوية»، مكّنها من الحصول على «غضّ طرف» للقيام بعملية عسكرية تعطل بموجبها عملية التمدد الكردي، لكن من دون أن توجه ضربة الى مصالح روسيا وإيران، وحتى إلى النظام في سوريا. وهو ما يعني عملياً أن المقايضة الممكنة هي أن تركيا حصلت على موافقة ضمنية من جانب إيران وروسيا، وحتى الولايات المتحدة، لتحصيل ضماناتها الحدودية بيدها، مقابل أن لا تكون هناك أي خطوة إضافية يمكن أن تؤثر على المصالح الاستراتيجية لبقية الأطراف. كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟

يمكن من خلال وضع سقف زمني، وإطار جغرافي للعملية العسكرية، بما يمنع قيام كانتون كردي. ويكون ممكناً، من خلال عملية لا توجب ضرب الفصائل المسلحة الحليفة للولايات المتحدة. ويكون ممكناً، من خلال عدم خلق قواعد اشتباك جديدة تؤثر على حركة السلاح الروسي جواً وبحراً وحتى على الأرض. ويكون ممكناً من خلال ضبط معيّن للحدود التركية ــ السورية، بما لا يجعل التدخل التركي عائقاً أمام المشروع السوري ــ الإيراني ــ الروسي لاستعادة الدولة السورية للسيطرة على حلب وأريافها الشرقية والشمالية والجنوبية، على أن تبقي الارياف الغربية محل نزاع يصعب على أحد توقع نهايته من دون حل سياسي.

على هذا الوقع، انتقلت المفاوضات الروسية – الاميركية حول سوريا الى مستوى جديد. وإصرار الولايات المتحدة على عدم كشف تفاصيل التفاهم مع الروس، ليس هدفه حمايه الاتفاق، بل عدم الظهور بمظهر من هو مستعد لبيع عدد غير قليل من حلفائه. ويكفي أن ينشر الروس تفاصيل الخرائط العسكرية للمناطق الواقعة تحت سيطرة المسلحين، حتى يكتشف العالم أن «جبهة النصرة» هي الطرف الأكثر نفوذاً. وبالتالي فإن مواجهة هذا الفريق، ومعه المجموعات المتصلة به، ستدفع بالولايات المتحدة إلى أن تكون شريكاً مع روسيا وإيران والنظام السوري في تنفيذ المهمات العسكرية والأمنية. حتى التفاصيل الخاصة بنقاط المراقبة والمعابر وكيفية التصرف، ستكشف أن الجانب السوري ــ الروسي ــ الإيراني تعلم من هدنة شباط الماضية، ولم يوقّع على اتفاق عام من دون الدخول في تفاصيل مملة. وهو الأمر الذي أدركه الاميركيون خلال ساعات التفاوض الشاقة، وخصوصاً في المراحل الاخيرة، عندما كان الروس يغادرون الاجتماعات للتشاور مع السوريين والايرانيين حول تفاصيل كثيرة. ولم يكن ممكناً لروسيا السير في أي اتفاق لا يحظى بموافقة دمشق.

ومع ذلك، فإن أحداً من جبهة حلفاء سوريا لا يتعامل مع الامر كأنّه إنجاز كبير. بل إن الروس، هذه المرة، وقبل الإيرانيين والسوريين، لا يثقون بالجانب الاميركي. وهم قلقون بصورة دائمة من عدم ضمان الولايات المتحدة لتنفيذ الاتفاق. وصار الروس يستمعون جيداً الى الجانب الايراني الذي لديه مسلسلات طويلة حول الغدر الاميركي في العراق وسوريا واليمن وأفغانستان، وحتى بما خصّ الاتفاق النووي.

كذلك فإن جبهة حلفاء سوريا لا تلغي احتمال أن يلجأ الاتراك الى تجاوز ما هو متفق عليه. لذلك تتردد بقوة عبارة «الخطوط الحمر» خلال التواصل المباشر بين المسؤولين الروس والايرانيين من جهة والمسؤولين الاتراك من جهة ثانية. والأهم من كل ذلك أنّ الولايات المتحدة حاولت، على هامش هذه المفاوضات، فتح ثغرة للتواصل المباشر مع الايرانيين، وهو ما جاء عليه الرد سلبياً وبصور قاطعة: اذهبوا وتحدثوا مع الروس، أو اذهبوا وفاوضوا الأسد مباشرة. وغير ذلك، يفهم الاميركيون، ومن خلالهم حكام الخليج، أن إيران التي رفضت ضمّ ملفات المنطقة الى ملف المفاوضات النووية، لن تقحم أي ملف آخر في تفاصيل الملف السوري.

المهم أن الهدنة اليوم تمثّل اختباراً جدياً للجانبين التركي والاميركي. أما من جانب دمشق والحلفاء، فالاقتناع كبير بأنه في حال حصلت عملية غدر جديدة، فإن برنامج المواجهة الشاملة سيظل الممر الإلزامي نحو استعادة كامل سوريا.

%d bloggers like this: