يا شعب لبنان العظيم… تباً لنا!

 ابراهيم الأمين

 السبت 3 آب 2019

يقف اللبنانيون مشدوهين أمام من انتخبوهم وهم يقوّضون ما بقي من البلاد. محاضرات العفة تملأ الأرجاء. لم يبقَ من القتلة واحد إلا وقدّم لنا على مدى أربعة عقود شهادات في حسن تخريب كل شيء. العائلة والقبيلة والطائفة والدولة. وها هم اليوم، يرقصون على جثث ضحاياهم، ويبتسمون لعائلاتهم ويعدون الجميع بموت أفضل. لكن الجمهور لا يبدو أنه ملّ منهم ومن ألاعيبهم، ولذلك، سيكون على الناس الاستعداد لموجة موت جديدة، وهذه المرة الخيارات ستكون واسعة: بالرصاص أو الذبح لمن يرغب، بالمرض والسموم لهواة الصنف، وبالاكتئاب والسأم لمن بقي صامداً. أما الهجرة، فلا يبدو أنها علّمت الناس شيئاً. لأن الانقسامات القائمة خارج البحار لا تقلّ قساوة عمّا هو موجود هنا. والفارق، أنّ شرور اللبنانيين في الخارج يجري التعامل معها بقسوة من قبل مجتمعات لا تعترف بأمراض هذا الشعب المجنون الذي يسميه البعض «الشعبَ الجبّار والخلّاق والعظيم»!

ولأنّ الجميع يرفض فكرة المؤامرة، لا يمكن الحديث عن تلاعب بالمسرح اللبناني. في لبنان، لا يزال من يقول بحروب الآخرين على أرضنا. وفي لبنان، لا يزال من يقول إنها شرارات الإقليم التي تصيب جسدنا. وفي لبنان أيضاً، من يعتقد أنّ العالم ينام ويعيش على أخبار هذه القبيلة اللبنانية، ويتسلى بها، ولذلك لا يريد لها الفناء. ولذلك، من الجنون توهُّم تغييرات جدية على المشهد القائم. حتى ولو قتل الآلاف يومياً، لأنّ الزعران الذين يتحكمون بالبلاد، يعيشون اطمئناناً غير مسبوق. وهذا مهرّجهم الأول وليد جنبلاط يعطي المثال:

Related image

سأقتل من أبناء جلدتي مَن أرغب، وسأرفع الصوت والسلاح بوجه الآخرين، وسيلحق بي أنصاري، لا أحد منهم يسألني ماذا أفعل، أو يلومني على شيء، وهم سيثقون بما أقوله. ولا ضير من أن يقول الخصوم كل ما يقولونه. لقد نجحت وربطت مصير هذه القبيلة بي، وبأفراد عائلتي، ولن يجرؤ أحد على معارضتي، وهاكم الدليل، ما يحصل الآن!

هذه حقيقة. قاسية جداً، لكنها حقيقة. وهذا الحال موجود عند الآخرين:

هل يتوقع أحد أن يخسر حزب الله المقعد النيابي في صور؟

أو هل ينتظر أحد اعتذاراً شاملاً من حركة أمل وابتعاداً عن السلطة؟

أم هل تتصورون أنّ سمير جعجع سيترك مقعده لأحد قبل أن يقرر الله ما يريد؟

أم أن جبران باسيل سيترك أحداً يناقشه داخل التيار الوطني، قبل أن يجبر المسيحيين على استعادة شعور الخوف من الآخر، أي آخر لا يهم؟

أم هناك من يعتقد أن سعد الحريري سيخرج من القمقم ويعيد الأموال التي جمعها كل أركان تياره على مدى ربع قرن ولا يزالون؟

أم ستتوقعون أن يتبرع رياض سلامة وصحبه من كبار المصرفيين بفوائد ودائعهم لمعالجة ملف النفايات؟

نحن عنوان التفاهة الكاملة، حكومةً وشعباً ومؤسسات، زعامات وقيادات وجماهير

ماذا ينتظر الناس من هذه المجموعة التي لم تترك شيئاً إلا وقصدته بهدف الاستيلاء أو المصادرة أو الاستخدام؟ هل منكم من يعتقد أنّ المراجع الدينية التي نصبتها الزعامات السياسية هنا وهناك، سترفع الصوت دفاعاً عن وصايا الله؟ هل تسألون الكنيسة المارونية عن هذا العشق الإلهي لتملّك الأراضي ثم التوجه بعظات إلى الناس لئلا يتبادلوا أملاكهم مع غير المسيحيين؟ ومن تعثّر، سيجد الكنيسة وكل منتجاتها الرهبانية في الانتظار لتولي الأمر. أم يوجد بينكم من لا يعرف حال المجلس الشيعي الأعلى، الذي لم يبقَ منه شيء إلا يافطة، يقف تحتها رجال دين يريدون تقرير مصير العائلات باسم الإله الحكيم. وهل منكم من يعرف ماذا يفعل الدروز بأوقافهم، بينما يكاد يموت الناس في الجبل ووادي التيم جوعاً، وينتظرون يوم العطلة ليقصدوا هذا أو ذاك من الزعماء بحثاً عن صدقة آخر النهار؟ أم ترون في دار الفتوى معمل التفكير لمواجهة كل الأفكار النتنة التي نطقت باسم أهل السُّنة والجماعة، فكفّرت وسبَت وقتلت، ولم يخرج من الدار صوت يسأل عن أصل هذا الكلام؟ ثم ترى هذا الجمع من العمامات يقفز إن تعرض مسؤول سياسي لنقد من صحافي أو سياسي آخر؟

ماذا ينتظر الناس بعد؟

هل لأحد فيكم أن يجيبنا ماذا فعلت كل هذه المنظمات غير الحكومية، غير إيواء أفراد باسم الكفاءة ثم تعطيلهم وتحويلهم أدوات لا تنتج غير بيانات وشعارات، ولم يحصل قَطّ، على الإطلاق، إن حظي الناس بمشروع واحد منهم؟ ثم من منكم يسأل عن جيوش المنظمات الدولية المنتشرة في الوزارات والمؤسسات العامة، تغرقنا بالاستشارات التافهة ثم يقبض جنودها من جيوبنا الأموال المكدسة؟ وما بال الناس في حالة دهشة عندما يتجول دبلوماسي غربي، من أقذر خلق الله، موزعاً علينا نصائحه حول الإصلاح والقانون وحقوق الإنسان، بينما لا تترك طائراتهم وجواسيسهم مكاناً هادئاً في العالم؟ هل تصدّقون فعلاً، أنه يمكن العثور على خير في أميركا أو فرنسا أو بريطانيا؟ أم تراكم تتطلعون إلى الثورات العالمية الصادرة من آبار النفط والغاز في السعودية والإمارات والكويت وقطر، أم تصلّون الليل والنهار علّ مصر تستفيق من غفوتها لساعات… هاكم المنظر الجميل من حولكم: فلسطين لم يبقَ منها شيء، والدمار أتى على سوريا والعراق واليمن وليبيا، والأردن يعيش على حافة القبر، بينما يغلي المغرب العربي في انتظار انفجار عسى أن يتأخر.

أيها اللبنانيون، نحن عنوان التفاهة الكاملة. حكومةً وشعباً ومؤسسات. زعامات وقيادات وجماهير. نحن اللاشيء الذي لا يراه أحد بعين الغيرة أو الحسد. نحن لا نستحق الشفقة… تباً لنا!

Related Articles

Advertisements

لا أمل من النقاش معكم!

ابراهيم الأمين 

Related image

الإثنين 15 تموز 2019

يشكو خصوم المقاومة أنّ السيد حسن نصرالله يتحدث بلغة صاحب القرار، وأنه عندما يطلق مواقف من قضايا داخلية وخارجية، يتصرف كأنه هو الدولة ويحلّ مكانها في تحديد السياسات الاستراتيجية. ويقيس هؤلاء أقوال حزب الله وأفعاله من زاوية اتهامه الدائم بتصدير أزماته أو أزمات حلفائه في الإقليم.

الواقعيون من السياسيين والناشطين والمناصرين لجبهة أعداء المقاومة يمارسون الصمت حيال ذلك. هذا ليس دليلاً على موافقتهم على ما يجري، ولكن على عجزهم عن القيام بشيء. والعجز، هنا، ليس عن إطلاق المواقف الرافضة لخطّ المقاومة ومواقف قياداتها، بل العجز عن إقناع الناس بوجهة نظرهم، وتحريضهم على خطوات عملانية ضد المقاومة، والعجز حتى عن إقناع العدو بالتحرك لمناصرتهم. وأكثر من ذلك، العجز عن ابتداع موقف يمكنه أن يؤثر في النقاش العام. إذ ليس في الجعبة البالية لهؤلاء سوى شعارات بلهاء عن سيادة وحرية واستقلال كالتي يتغنون بها منذ عام 1943.

أما غير الواقعيين، فهم في الأغلب الأعمّ فئة مهملة تشعر بالغبن نتيجة وجودها خارج المشهد السياسي. لا يضمّهم إطار، ولا تجمعهم جمعية، ويشتركون في كونهم من ضيوف مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يحدث – منذ سنوات طويلة – أن قال أحدهم جملة مفيدة، أو فوجئ أحد بما يقولونه. حتى صاروا مثل المبرمجين مسبقاً: ما إن يخرج موقف من حزب الله، حتى يخرج من عندهم موقف مقابل. أما كيف ولماذا، فهم أنفسهم لا يعرفون السبب. كل ما يعرفونه أن الصمت الكامل يلغي كل أثر لهم. علماً أن حراكهم ليس فيه بركة لهم أو لغيرهم.

البارزون من معارضي المقاومة ينتشرون في مواقع السلطة والمؤسسات العامة والخاصة. هؤلاء يتوزعون بين قوى وشخصيات ومؤسسات. لا يطلقون علناً المواقف التي من شأنها تهديد التسوية التي عقدوها مع حزب الله لبقائهم في السلطة. لكنهم يضطرون، بين وقت وآخر، إلى إطلاق مواقف حادة، تسجَّل في دفاتر حساباتهم الإقليمية، وفي الوقت نفسه يرسلون – بعيداً من الأضواء – من يشرح لحزب الله حقيقة الأمر. لذلك، يتصرف الحزب بشيء من اللامبالاة إزاء ما يقولونه.

أما للمهتمين بالصورة الحقيقية، فلهم أن يقرأوا الوقائع كما هي. وحتى لو قالوا إن قيادة المقاومة وأنصارها يتصرفون بفوقية ولغة استفزازية، فهذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً.

يعرف هؤلاء أنهم لا يضيفون شيئاً إلى المشهد الأساسي المتعلق بمصير المنطقة

قبل 13 عاماً، مارس أعداء المقاومة الداخليون، الذين تجمعوا في إطار 14 آذار، أعلى درجات التآمر ضد المقاومة وناسها. اشتغلوا علناً مع العدو على ضرب المقاومة وسحقها. مارسوا كل الأفعال القذرة لتحقيق هذا الهدف. دفعتهم وقاحتهم وعمالتهم إلى الضرب على ناس المقاومة في اللحظات الأولى لسريان وقف إطلاق النار. لكنهم استفادوا، مرة جديدة، من العقلنة التي تتسم بها قيادة المقاومة. وهم يجب أن يعرفوا الحقيقة القاسية، وهي أن قيادة المقاومة منعت محاسبتهم.

خلال الأعوام الماضية، انتقل هؤلاء إلى مستويات مختلفة من التآمر. صاروا شركاء في كل الألعاب الشيطانية ضد المقاومة وضد كل ما تحتاجه أو تقوم به. أمنياً، لم يتوقف العمل ضد كوادرها ومقارّها وحركتها وانتشارها وتسليحها. وسياسياً، لم يتوقف العمل على حجب التغطية الرسمية المنطقية لعمل وطني بهذا الحجم. واقتصادياً، يتصرفون مع المقاومة على قاعدة الطلبات الأميركية المباشرة. وإعلامياً، لم يتوقفوا عن الحملات المحرضة المبنية على كره مذهبي وطائفي. مع ذلك، فقد تراجعت حظوظهم، والفضل، هنا، لجمهور عريض ملّ منهم ومن خطاباتهم ومشاريعهم، ولم يعد مستعداً للسير خلفهم في مغامرات لا طائل منها.

اليوم، يعرف هؤلاء أنهم لا يضيفون شيئاً إلى المشهد الأساسي المتعلق بمصير المنطقة. هم ليسوا في حسابات أحد من الكبار، ولو أن قيادة المقاومة تخلت قليلاً عن تواضعها لحذفتهم هي أيضاً من الحسابات الجدية. بناءً عليه، لا بأس من واقعية قهرية تلزم كل هؤلاء بالتوقف عن «النق» و«القدّ» و«الشدّ». لأنهم، ببساطة، لا يؤثرون في شيء. وحتى استعدادهم لاثارة فتن دموية، كالتي حصلت في الجبل، يبقى عملاً أحمق، وأقرب إلى تمرين على انتحار أكيد لا يشعر به أحد. ومهما علا الصراخ وارتفعت المنابر، فليس بمقدور هؤلاء، كلهم من دون استثناء، فعل شيء في مواجهة مسيرة لم ولن تنتظر إذنهم أو رضاهم للقيام بما يجب أن تقوم به، دفاعاً عن نفسها وأهلها وناسها، وعن قيم إنسانية تتجاوز كل هذه الجغرافيا.

هي لغة فوقية كما سيبدو لكثيرين، لكنها تبدو كذلك، نظراً إلى دونية غير مسبوقة يعيشها هؤلاء، حيث هم وحيث سيذهبون… إذ لا أمل من نقاش معهم.

Related Videos

Related News

 

 

عندما يُربَك القوي

ابراهيم الأمين

الجمعة 21 حزيران 2019

لم يعد من يملك التفوق العسكري والتكنولوجي، بالضرورة، صاحب الكلمة الفصل. التحولات التي يشهدها العالم، في مفهوم القوة وعناصرها، سمحت بفرض معادلات من نوع آخر. فبات الأقوياء مضطرين إلى إجراء حسابات دقيقة للكلفة قبل المبادرة إلى خيارات عملانية، وخصوصاً عندما يكون في الطرف المقابل من هو مستعد للتضحية.

مرة جديدة، الرغبة لا تكفي. القدرة والكلفة، وحدهما، اللتان تحدّدان مسار الحروب في عالم اليوم. هذه هي قاعدة الحسابات لدى الأقوياء قبل الضعفاء. وهذا، بالضبط، ما تفعله واشنطن اليوم مع طهران.

المستويات المدنية والسياسية والاقتصادية والإعلامية من الحرب الأميركية على إيران قائمة من دون توقف. لكن تعقيدات المسألة جعلت المستوى العسكري يحضر بقوة على الطاولة. وهو، هذه المرة، لم يحضر بفرض أميركي، بل استدعته إيران نفسها التي تعرف أن ليس لمصارفها القدرة على تجميد حسابات الرئيس الأميركي وصحبه، وأن لا قدرة لدى اقتصادها على فرض آليات عمل على الشركات العالمية. لكنها تريد إشعار الأميركيين والأوروبيين، وبقية العالم، بأن لديها أوراق قوة قادرة على تحويلها الى أدوات انتقام مما تقوم به أميركا.

إيران ليست في وضع تقبل فيه التفاوض تحت النار ولا بأي ثمن. وهي التي خبرت الحصار والعقوبات، ترى نفسها قادرة على المواجهة. لا تريد البقاء في موقع المتلقي للضربات فقط لأنها ترفض مماشاة الجنون الأميركي. بل تريد القول، للأميركيين والأوروبيين العاجزين عن كبح جنون واشنطن وبقية العالم، إنها صمدت واستعدّت وبذلت تضحيات كبيرة حتى باتت قادرة على مواجهة القهر الأميركي.

التخبط في خطاب البيت الأبيض لا يعني أن الأمور متجهة إلى الهدوء

إيران التي تملك حلفاء وأصدقاء وأنصاراً، وحتى أتباعاً، لديها القدرة على اللعب في أكثر من ساحة. لكنها، اليوم، لا تظهر بمظهر الهارب من المواجهة. بل تعمد الى الرد التصاعدي على حدودها وفي مياهها وداخل أجوائها. صحيح أن ذلك يتزامن مع ضربات توجه في بعض الساحات للمصالح الأميركية. لكن الأساس، هو أن طهران تريد إفهام أميركا والعالم بأنها مستعدة لمواجهة مباشرة وشاملة، من دون حاجة الى أحد. وهي لا تريد توجيه الضربات في الظلام، بل في إمكانها فعل الأمر صراحة متى تطلب الأمر. وهذا ما حصل أمس.

إسقاط القوات الإيرانية طائرة تجسس أميركية، جاء ليؤكد استعداد إيران للدفاع عن نفسها مهما كان الثمن. فهي لم تعمد الى إسقاط الطائرة، وتوجيه رسالة مكتومة المصدر، بل بادرت إلى إعلان المسؤولية، وسط ذهول ونفي أميركيين. وهو إعلان يضاهي، بقوته، عملية الإسقاط نفسها. فعلت طهران ذلك كي لا تترك لواشنطن فرصة التنصل من إسقاط الطائرة، ولا حتى فرصة الهروب نحو الادعاء بأنها سقطت في ظروف مجهولة. أرادت إعلام الأميركي بأنها قادرة، عسكرياً وتقنياً واستخبارياً، على إسقاط طائراته. وأرادت، عبر إعلانها مسؤوليتها، إعلامه أيضاً باستعدادها لتحمل نتائج هذه الخطوة، وانتظار الرد حتى ولو كان حرباً. حتى يبدو، في لحظة ما، كأنها تستدرجه الى الحرب، أو تضيق خياراته بغية دفعه الى ارتكاب الخطأ الكبير بإشعال المنطقة. بهذا المعنى، تقول إيران للأميركيين: توقفوا عن الألاعيب والمناورات، وتعالوا مباشرة الى المواجهة الشاملة. وهي رسالة من شأنها تضييق هامش المناورة الأميركية، ودفع واشنطن الى خيارات حاسمة: إما الذهاب نحو تسوية تعود فيها عن كل قراراتها، وإما الى المواجهة الشاملة وانتظار الحصاد.

الخطوة الإيرانية أدخلت الأميركي في مرحلة حرجة. ما من أحد يشكّك بقدرة واشنطن على شن حرب قاسية ومجنونة. وما من أحد ينكر أن في مركز القرار الأميركي من لديه الحافزية الكافية لخطوة بهذا الحجم. لكن السؤال الأول الذي يطرح على طاولة القرار الأميركي يعود بالجميع الى القاعدة ــــ المفتاح: ما هي القدرة وما هي الكلفة؟ وهنا أصل الحكاية!

حصاد الأسابيع الماضية يشير بوضوح الى أن لدى طهران إرادة سياسية للمواجهة الشاملة، من دون الركون الى أي وسيط أو طرف ثالث. وهي حددت هدفها بانتزاع حقوقها من دون أي تنازلات، في ظروف تتيح لها استعراض عناصر القوة السياسية والاقتصادية والذاتية، واستعراض القوة العسكرية القادرة على الدخول في مواجهة شاملة. ناهيك عن امتلاكها نفوذاً كبيراً وقوياً جداً في المنطقة، يسمح لها بإرباك كل حلفاء أميركا من حكومات وجهات ومجموعات. وهو نفوذ قابل للترجمة خطوات عملية متى تطلب الأمر.

إيران ليست في وضع تقبل فيه التفاوض تحت النار ولا بأي ثمن

في المقابل، تبدو أميركا المتفوقة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً في حالة إرباك. فهي غير قادرة على الركون الى أي من حلفائها في المنطقة. بل باتت مضطرة إلى الدفاع عن جنودها المنتشرين هنا، وعن أنظمة أقرب المقربين إليها، من إسرائيل الى آل سعود. كما أنها مضطرة ــــ في حال قررت المواجهة ــــ إلى القيام بخطوات عملانية، وإعداد موازنات تتجاوز أضعاف ما أنفقته في حروبها المفتوحة منذ عام 2001. لذلك، فإن من يجلس الى طاولة الرئيس الأميركي ليس مدعواً الى إلقاء خطب حماسية، بل الى تقديم عرض عملاني لحجم القدرة المفترض استخدامها في الحرب، ولحجم الكلفة المتوقعة، وهما أمران غير سهلين في ظل انعدام معرفة مدى قدرة الطرف الآخر على الحركة.

ما حصل أمس، والتخبط الواضح في خطاب البيت الأبيض وسيده، لا يعني أن الأمور متجهة الى الهدوء. على العكس من ذلك، نحن وسط مناخات توتر تفتح المجال أمام أخطاء تقود الى حروب كبيرة. لكن المؤكد، الآن، أن في أميركا صاحب قرار يذرع مكتبه جيئة وذهاباً وهو يستمع الى الخيارات المفتوحة، بين رد موضعي وحرب قاسية وشاملة، لكنه شارد في محاولة الإجابة عن سؤال: هل أفعلها؟ وكيف؟

على الهامش: عندما يستمع الصحافي منا الى كلام الرئيس الأميركي، أمس، ستصعب عليه متابعة التصريحات والحملات القائمة في إسرائيل والسعودية. وفي لحظة ما، يمكننا أن نفهم أن ما يجري بين أميركا وإيران اليوم، يفتح الباب جدياً على سؤال ليس قائماً الآن، لكنه بات متاحاً، يتعلق بمصير نظامي إسرائيل وآل سعود معاً!

من ملف : حيرة ترامب

Related Videos

Related News

‫«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

«المستقبل» يستخدم سلاح المذهبية لمنع المحاسبة: السنيورة هو الطائفة!

اتهم «المستقبل» التيار الوطني الحر بتقديم أوراق اعتماد جديدة لحزب الله (هيثم الموسوي)

في معركة «الدفاع» عن نهج «الحريرية السياسية»، يبدو تيار المستقبل مُستعدّاً لأن يُحرق كلّ الأوراق. بنى سور حماية حول فؤاد السنيورة، مانعاً أي تدقيق في حسابات الدولة، ومُخفياً عن اللبنانيين مصير أموالهم المفقودة والمسروقة. مستعيناً بمحطته التلفزيونية، للردّ على التيار الوطني الحرّ، رفع «المستقبل» الفيتو المذهبي: السنيورة هو الطائفة!

الإسفين الذي لم يتمكّن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة من دقّه سياسياً بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، منذ التسوية الرئاسية وحتى يوم الجمعة الماضي، نجح به من الباب المالي. انطلقت مواجهة بين التيارين الحليفين، قادتها المحطتان التلفزيونيتان التابعتان لهما. ومن غير المعلوم إن كان الخلاف سيُطوق، أم ستكون له ارتدادات أكبر من ساحته الإعلامية. افتتحت قناة «أو تي في» جولة الخلاف، بمقدمة اعتبرت فيها أنّ السنيورة «يخوض معركة استباقية بأسلحة الماضي ورجالات الماضي الغابر والربيع العابر الذين أضحوا في خريف المسيرة وسن اليأس السياسي. السنيورة يخشى سوء العاقبة وفتح الأوراق القديمة في عهد الأب بعدما تخلّى عنه الابن وأفرد من النيابة والوزارة ورئاسة الوزارة واستفرد في الفساد من دون سائر العباد (…) حزب الله الذي لم ينسَ دور السنيورة في حرب تموز وما تلاها من انهيار حكومي و7 أيار وما سبقها من تلاعب بالخيار وتوجيه القرار». فأتى الردّ أمس من مقدمة «المستقبل»، بالقول إنّ «الإبراء المستحيل، فيمكنهم أن يبلّوه ويشربوا المياه الآسنة التي نشأت عنه. تقديمٌ لحزب الله أوراق اعتماد جديدة للمعارك السياسية المقبلة. هذا شأنكم». أما الأخطر في مقدمة التلفزيون الأزرق، فهو اللعب على الوتر الطائفي، الطريق الأسهل للتجييش وشدّ العصب الشعبي وتحوير القضية عن مسارها الصحيح: «فؤاد السنيورة اليوم هو تيار المستقبل، وهو الحزب والموقع، وهو رئاسة الحكومة وهو الطائفة التي يمثلها إذا شئتم».

مقالات مرتبطة

يُصرّ تيار المستقبل وفؤاد السنيورة، على تحويل قضية الحسابات المالية للدولة، إلى معركة شخصية موجّهة ضدّهما. يُركّزان على مبلغ الـ11 مليار دولار التي أنفقتها حكومة الـ2005 – 2008 متجاوزة القاعدة الاثني عشرية، ويتجاهلان أن القضية هي قضية حسابات الدولة، منذ العام 1993. يريدان لهذه القضية الخطيرة أن تبقى في إطار «المناكفات الإعلامية»، أما حين تجهز الأوراق الرسمية ويُصبح بالإمكان تحويله إلى القضاء من أجل كشف الثغرات التي واجهت الحسابات منذ الـ1993 حتى الـ2013، فينبري «المستقبل» لمنع أي «إصلاح» و«مكافحة فساد».

وكان عضو المجلس المركزي في حزب الله الشيخ نبيل قاووق، قد أكّد أمس إن هدف حزب الله «التدقيق في الحسابات المالية، وليس تصفية الحسابات السياسية، فضلاً عن حماية المال العام، ونحن لسنا بوارد الانتقام من أحد». ولفت إلى أنّ حزب الله أعلن مشروعه في مكافحة الفساد «وهو يتوقع مسبقاً أنّ هناك متضررين سيحاولون أن يحرضوا ليحجبوا الحقيقة، ونحن نتوقع المزيد من الافتراءات لأجل حماية المفسدين».

من ناحية أخرى، قرّرت «القوات» استلحاق نفسها، بإطلاق مبادرة لعودة النازحين السوريين إلى أرضهم. طيلة سنتين في الحكومة السابقة، لم تُبادر «القوات» إلى أي خطوة من أجل حلّ هذه المسألة، بل على العكس من ذلك، تصرّفت بطريقة «تُرضي» المجتمع الغربي، معارضة نهج رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والمغتربين وفريق 8 آذار السياسي، القائم على فصل العودة عن الحلّ السياسي في سوريا، وتشجيع العودة الآمنة وإعطاء المساعدات للنازحين في أرضهم وليس في البلدان المضيفة. وصلت «القوات» متأخرة، بعد أن عُيّن في وزارة الدولة لشؤون النازحين وزيرٌ من خلفية سياسية حليفة لسوريا، ويريد العمل مباشرةً معها لحلّ الملّف، مدعوماً من القصر الجمهوري. أعلن عن التوجه القواتي الجديد وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، مُوضحاً بأنّ المبادرة أُطلقت «لأنّ موضوع النازحين السوريين بات يشكل أزمة وطنية كبرى، ولأنّ الخلاف السياسي على التطبيع والعلاقة مع النظام الحاكم في سوريا يجب ألا ينعكس على إرادتنا المشتركة لإيجاد الحلول الآيلة لعودة النازحين إلى بلادهم». وقد تضمنت المبادرة الآتي: «المكان الوحيد لبحث حلّ العودة هو مجلس الوزراء، تشكيل لجنة وزارية لمتابعة الموضوع، الإناطة بهذه اللجنة الوزارية بحث عودة النازحين بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، لتحفيز السوريين على العودة عبر إمدادهم بالمساعدة داخل سوريا، كما التنسيق مع الدول الكبرى ولا سيما روسيا، صاحبة المبادرة، على الحكومة أن تطلب من المجتمع الدولي مزيداً من الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة (تسمح «القوات» لنفسها بالتدخل في شؤون دولة أخرى، و«نصح» المجتمع الدولي بالضغط لإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وإعادة النظر بقوانين إثبات ملكية العقارات…)، الأمن العام اللبناني هو الجهاز الصالح لتنسيق عودتهم عبر الحدود. ولتحفيز العودة، تلغي الحكومة اللبنانية كل رسوم تسوية أوضاع الإقامة للسوريين العائدين، ستكون وزارة الشؤون الاجتماعية على استعداد، وفق الخطة التي ستقرها الحكومة، للطلب من الفرق العاملة في خطة الاستجابة للأزمة السورية، المساهمة أولاً في حث النازحين على العودة وثانياً أخذ أسماء العائلات الراغبة بذلك».

تقول مصادر القوات إنها ضدّ موقف الحريري المؤيد للعودة الطوعية

اللافت للنظر، أنّه في 3 شباط 2019، كان نائب القوات اللبنانية بيار بو عاصي، يختتم مسيرته كوزيرٍ للشؤون الاجتماعية، بالمشاركة في مؤتمر «خطة الاستجابة للنزوح السوري للعام 2019»، التي تهدف بشكل واضح إلى منع النازحين السوريين من العودة إلى بلدهم، وتوفير كلّ المُساعدات النقدية والعينية لهم وللبلدان المضيفة، من أجل أن يؤسّسوا لحياتهم خارج سوريا. فماذا فعلت وزارة الشؤون الاجتماعية، لمواجهة هذا المُخطّط؟ وهل حاولت «فرض هيبة» الدولة، برفضها دخول الأموال الغربية إلى البلد من دون المرور أولاً بالمؤسسات الرسمية، الواجب عليها أن تُشرف على كيفية إنفاق هذه المبالغ؟ «لا عمل» وزارة الشؤون الاجتماعية مع بو عاصي، لمواجهة مشكلة النزوح، كان جزءاً من سياسة القوات اللبنانية العامة، التي بدت مُتماهية إلى حدّ بعيد مع الرغبات الدولية في منع عودة النازحين إلى أرضهم، تحت ستار «عدم التواصل مع النظام السوري»، واختلاق أعذارٍ شتّى بدءاً من غياب الأمان في سوريا، وصولاً إلى نظرية أنّ الرئيس بشار الأسد لا يريد للنازحين أن يعودوا. كان ذلك، قبل أن تعتبر «القوات» أنّ العودة الطوعية للنازحين السوريين، «قرار غير سيادي». وترى ضرورة في عودتهم السريعة، فأفضل مئة مرّة أن يسكن المرء داخل خيمة في بلده من أن يسكن بخيمة خارجه، على حدّ قول نائب «القوات» فادي سعد خلال مناسبة حزبية يوم السبت. تُصرّ مصادر «القوات» على أنّها من أول المُتحدثين عن عودة آمنة، «إلى المناطق التي يغيب عنها النزاع المُسلّح»، فأتى القرار بأن تبدأ حملة «لتوضيح موقفنا حتى لا يستمرّ أحد في غشّ الرأي العام، ولنشنّ حملة ضدّ التطبيع مع النظام السوري، بعد أن ارتفع في الآونة الأخيرة الحديث عن ربط العودة بالتطبيع». دولتان تتبادلان البعثات الدبلوماسية، تتواصلان وزارياً، وتربطهما علاقات اقتصادية وتجارية، ولا تزال «القوات» تتحدّث عن رفض لـ«التطبيع»؟ تردّ المصادر بالقول: «فلتبقَ هذه حدود التواصل. نحن غير موافقين على تبادل السفراء وزيارات الوزراء، ولكن القرار ليس بيدنا. خلاف ذلك، سنواجه محاولات تعويم النظام السوري». مبادرة «القوات» فيها تناقض أساسي، وهو استنجادها من جهة بـ«المجتمع الدولي» للضغط على النظام السوري، وفي المقابل مطالبتها بتقديم المساعدات للنازحين في سوريا وتشجيع عودتهم غير الطوعية (حديث فادي سعد). تردّ المصادر بالقول: «لا نستنجد بالمجتمع الدولي، بل نُقدّم له رؤيتنا، وسنضغط من أجل إقناعه بها. كما أنّنا سنتحاور مع سعد الحريري، لأنّنا ضدّ موقفه المؤيد للعودة الطوعية، ليكون موضوع العودة مُتفق عليه داخل الحكومة».

Related Videos

Related Articles

من «سلامة الجليل» الى «درع الشمال»: قتال المهزوم

ابراهيم الأمين

من «سلامة الجليل» الى «درع الشمال»: قتال المهزوم

ماذا في مقدور العدو أن يفعل، إذا كان عاجزاً عن تحمل كلفة حرب مفتوحة مع حزب الله؟ (أ ف ب )

سألت ضابطاً في المقاومة الإسلامية: هل ضعف عدوّنا الى هذه الدرجة؟ أجابني: لا لم يضعف، لكن الواقف قبالته صار قوياً!

السؤال فرضته إجراءات العدو القائمة منذ اسبوع، تحت عنوان «درع الشمال». والمسألة، هنا، ليست التنمّر على عدو قوي وحاقد، حقق نقطة استخباراتية في كشف ما اعلن عنه، لكنها تكمن في المتغيرات الجوهرية التي طرأت على معركة تقترب من مفترق اساسي في سياق مشروع ازالة اسرائيل من الوجود. وكل ما علينا، ليس التحديق إلى صورة اسرائيل التي عرفناها قوية جداً، بل التركيز على الثقب الكبير في روحها، حيث باتت خطواتها العملانية، عسكرياً وأمنياً وإعلامياً ودبلوماسياً، تشبه بعض العرب في زمن الهزيمة الذي أفل الى غير رجعة.

منذ توقف العمليات العسكرية في 14 آب 2006، واسرائيل تعاين، يومياً، استثماراً غير مسبوق من جانب حزب الله لنصره الكبير. والاستثمار بالنسبة الى الجهات الحرفية في تل ابيب، لا يتعلق بموجة التعاطف والتأييد الشعبي له، ولا في تقدمه سياسياً داخل لبنان، بل في كيفية انتقاله، مرة واحدة، من هيكل القوة المنظّمة التي تقوم عقيدتها على الدفاع وافشال خطط العدو، الى هيكل القوة المنظّمة والقوية أكثر، والتي تضم عقيدتها بند القتال الهجومي، ونقل المعركة الى ارض العدو. وخلال السنوات الـ12 الماضية، كان العدو يقوم بكل ما يقدر عليه، لمنع تراكم القوة لدى المقاومة. لكن يأسه من تحقيق الهدف، جعله يعمل على توظيف قدرات غيره في معارك مختلفة مع المقاومة. ومع كل استحقاق، كان العدو يعود ليدرك ان مشكلته لا تعالج بواسطة الغير. وها هي حرب سوريا وأزمات العراق واليمن، وكل مشاكل لبنان الداخلية، لم تأت للعدو بما يأمله، بل على العكس، صار لزاماً عليه التعامل بنفسه مع قوة، يقول هو، إنها اقرب الى جيش يملك القدرة على الصمود والإيلام.

لسنا نحن من يريد معالجة ازمة الخيارات عند العدو. لكن، يمكن تلبّس عقل العدو في هذه الاثناء، في محاولة لفهم ما يقوم به.

«متى توافرت القدرة والارادة للقيام بعمل عسكري كبير، فإن اسرائيل لن تحتاج الى ذريعة لشن عدوان جديد على لبنان»! هذه قاعدة ثابتة في عقل كل من ينخرط فعلياً في الصراع العربي – الاسرائيلي. لكن، متى تتوافر هذه القدرة والارادة؟ ليس في اسرائيل، اليوم، من يجرؤ على الاجابة. لا يقدر سياسيوها ولا عسكريوها ولا أمنيّوها، ولا كل من هو في موقع القرار ومطّلع على المعطيات، على ادعاء معرفة الجواب. لكن كل من في اسرائيل يعرف انه لا يمكن الركون الى هذا الاحباط، وانه يجب القيام بأي شيء، في سياق ما يفترضونه معركة احتواء قوة حزب الله.

دلّت حرب عام 2006 على نقطة جوهرية في الصراع الاستخباراتي مع العدو. في تلك الايام، أعلن دان حالوتس، رئيس الاركان، عن عملية الوزن النوعي، التي قام بها سلاح الجو ضد ما اعتقد العدو انها مخازن الصواريخ الاساسية للمقاومة. لم تمض ايام قليلة، حتى تيقن العدو ان تقديره لم يكن دقيقاً. والخلاصة التي توصل اليها الحرفيون لدى العدو تقول: يبدو ان عدونا يعلم ما نعلمه عنه. بل قد يكون عدونا ضللنا بأن أعلمنا بما أراد لنا ان نعتقده الكنز الثمين، ووقعنا في الفخ!

اليوم، يتصرف جيش الاحتلال وقيادته استناداً الى معطيات استخباراتية حول تموضع المقاومة على طول الحدود مع فلسطين. قرّر العدو، فجأة، أن يوافق المستوطنين على وجود أنفاق. يقول موشي يعلون، وزير الحرب الاسبق، إن الكذب ليس فيه مشكلة. لقد نفيت وجود أنفاق قبل عامين، رغم أنني كنت أعلم بوجودها. بنيامين نتنياهو لا يريد أن يكذب هذه المرة، لكنه قرر التخلي عما يفترض أنه «سر استخباراتي ثمين» بالكشف عن الانفاق وتدميرها من الناحية الجنوبية. لكن لا نتنياهو، ولا قيادته العسكرية، يجيبان عن اسئلة الجمهور: هل ان ما تعرفونه هو كل شيء عند الطرف المقابل؟ وماذا لو كان حزب الله يعلم بأنكم تعرفون بوجود هذه الانفاق؟ وكيف لنا ان نتأكد من عدم وجود المئات من هذه الانفاق على طول الحدود؟ ثم لماذا لم تتركوا هذه المعلومات للاستخدام في الحرب المقبلة، مثل ان تفخخوا النفق، وتفجروه في حالة استخدامه من قبل حزب الله؟…

إذا كان مبدأ حفر الانفاق صار واقعاً في عقل العدو إزاء طريقة عمل حزب الله، فكيف سيكون العمل على مسح الحدود متراً متراً من اجل ضمان عدم وجود أنفاق مخفية؟ ومن قال إن حفر نفق قبل عشرة اعوام، يشبه حفر نفق قبل بضعة أعوام فقط، أو قبل بضعة شهور، أو قبل بضعة اسابيع؟ ومن قال إن الانفاق يشبه بعضها بعضاً، كما هي التربة وطبيعة الارض التي لا تتطابق في كل الامكنة؟ وكم من الوقت تحتاج اسرائيل للخروج الى شعبها معلنة انجاز المهمة؟ وكيف سيعيش المستوطنون مع اسابيع واشهر طويلة من الحياة الخاضعة تماماً لمزاج ضابط عسكري؟ وكم ستصرف موازنات من الجيش ومن المؤسسات المدنية لمواجهة هذا الاستحقاق؟ وفي النهاية، فإن في قيادة العدو الحقيقية من يقول، عن وعي، إن الانفاق، على اهميتها الاستراتيجية أو التكتيكية، ليست هي الخطر الحقيقي الذي تخشاه اسرائيل.

هاجس العدو المركزي الحصول على موقف عالمي ضد حزب الله ومحاولة تعديل القرار 1701 واستئناف الخلاف بين اللبنانيين

لكن بعيداً عن الضجيج، والى جانب الحذر القائم من احتمال ارتكاب العدو حماقة على شكل خطأ، ينتج عنه ما لا يريده احد اليوم، فان تل ابيب تسعى الى مكاسب سياسية مباشرة من خلف هذه العملية، وهي تريد النتائج السياسية، لانها ببساطة باتت تعلم علم اليقين انه لا يوجد في الجهة المقابلة لها، من يقدر على إدخال اي تعديل، شكلي او هامشي او ثانوي، في برنامج عمل المقاومة العسكري والامني العامل من دون توقف. وقد لاحظت استخبارات العدو، خلال الاسبوع الماضي، كيف تصرف حزب الله على الحدود، لكنهم، لن يتحدثوا لشعبهم عن الامر!

والثمن السياسي المتاح الان، هو منع اللبنانيين أولاً، ودول المنطقة ثانياً، وعواصم القرار العالمي ثالثاً، من التصرف وكأن حزب الله بات قدراً لا قدرة عليه. العدو هنا، يسعى بكل قوته لأن يعيد المقاومة بنداً خلافياً داخل لبنان. صار العدو يقبل بأن يخرج سياسي أو اعلامي فقط، ويعترض على سلاح المقاومة. هو يريد ضجة في لبنان، لكنه لا يحصل عليها. وهو في المقابل يريد من حلفائه في فلسطين وسوريا والدول العربية البقاء في حالة استنفار، على خلفية ان حزب الله يشكل عنصر تهديد لهم قبل ان يكون عنصر تهديد لاسرائيل. والعدو يريد من اوروبا ودول العالم التصرف مع حزب الله على انه جسم منبوذ، لا فائدة من الحوار معه أو التعامل معه حتى كأمر واقع. العدو يريد ان تساعده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في موجة ادانة عالمية لحزب الله. يريد ان يعيد النقاش في الامم المتحدة حول القرار 1701، وما اذا كان بالامكان تعديل القرار واضافة بنود تجعل القوة الدولية قادرة على تولي حماية الحدود. والعدو يسعى الى إقناع اوروبا بأن تصنف الحزب كله كمنظمة ارهابية، ومن ثم منظمة اجرامية. والعدو يسعى الى جعل العرب المتحالفين معه يقومون بالامر نفسه، وان يجعلوا حزب الله عدواً لشعوبهم، وان يحظروا التعامل معه او النطق باسمه او الدفاع عنه. وهم يسعون مع الغرب لأن يفرضوا حظراً عالمياً على حزب الله، لاعتقادهم ان ذلك يفيدهم في لحظة المواجهة الكبرى، وهم يدركون انه جهد لا طائل منه.

لكن، ماذا في مقدور العدو أن يفعل، إذا كان عاجزاً عن تحمل كلفة حرب مفتوحة مع حزب الله؟ وماذا بمقدوره أن يفعل إذا كان جيشه لا يضمن نصراً، لا سريعاً حاسماً ولا ناصعاً، إن فتحت النار على جانبي الحدود.

الذين لم يتعرّفوا على اسرائيل الجديدة، يمكنهم العودة الى الخلف مسافة ست وثلاثين سنة. عام 1982، قامت اسرائيل بأكبر عملية عسكرية تحت عنوان «سلامة الجليل». هذه «السلامة» جعلت العدو يتذرع بجروح أصابت دبلوماسياً اسرائيلياً، لشن حرب قادت الى احتلال بيروت، وسعي الى طرق ابواب الشام يومها. أما اليوم، فإن هذه «السلامة» تحتاج الى كل أنوار العالم للإضاءة على مشهد اكتشاف نفق، يمتد بضعة امتار داخل فلسطين المحتلة، وفي مكان منبسط، يعرف العدو أنه ليس فيه أي مانع طبيعي، أو بشري، لقيام عشرات المقاتلين بالتقدم، سيراً أو بدراجاتهم أو بسياراتهم العسكرية او المدنية نحو قلب الجليل. والمخيال لدى العدو، ليس فقيراً الى درجة أن يقنع نفسه بأن تدمير نفق كفركلا، يقفل بوابة تحرير فلسطين!

Related Videos

Related Articles

والله إنك طولت بالك عليهم كتير

والله إنك طولت بالك عليهم كتير!

 ابراهيم الأمين

  الإثنين 12 تشرين الثاني 2018

مشكلة القوى السياسية الآتية من رحم 14 آذار، أنها رهينة عقلية دونية. مشكلة هؤلاء، ادعاء الاستقلالية وحق التعبير وتقرير المصير وحق التمثيل السياسي الحقيقي. أما في واقع التجربة، فإن دونية تسكنهم أمام من يعتقدون انه يوفر لهم الحماية. وللأسف، صار لزاماً على الناس معرفة كيف يعيش هؤلاء. من أين يحصلون على دخلهم الشهري، وكيف يتمكنون من العيش برفاهية كل الوقت وفي كل الامكنة؟ ومن يحصل على الجواب الحقيقي، يفهم بأي عقلية ونفسية يتصرفون. ولذلك، فإن فكرة التعامل معهم بندية طبيعية، أي بعلاقة متوازنة بين مواطن ومواطن، هي فكرة غير واقعية. ولذلك، تأخر السيد حسن نصرالله في الاعلان ـــ لان اقتناعه واضح ـــ أن مشكلة هؤلاء لا تعالَج بالتواضع وما سمّاه الآدمية.

يعني، ومن دون الحاجة الى سرد تاريخي

هل يقول لنا الدكتور سمير جعجع ونواب «القوات اللبنانية» ووزراؤها، ومرشحوه للمناصب الوزارية الجديدة، ما هي إنجازات دولة نائب رئيس الحكومة في وزارة الصحة، الحقيبة الأكثر أهمية التي تولاها وزير من «القوات» بعد عقود من الحرمان من جنة السلطة؟

ثم باعتبار أن «القوات» تمثل قدر الأحرار في لبنان والعالم، هل لهم أن يشرحوا لنا موقفهم من جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي؟ أم انهم ينتظرون نتائج التحقيق، أو لم يسمعوا رواية رسمية، أو أنهم يشككون في ما يقوله الاعلام المناهض للسعودية؟

هل يشرح لنا «الزعيم المفدى» وليد جنبلاط، كيف تجري إدارة المشاريع العامة والخاصة في مناطق سيطرته، بين الشوف وعالية ووطى المصيطبة؟ وكم ربح من قطاع النفط الشرعي وغير الشرعي طوال ثلاثة عقود؟

ثم، هل يتابع بن جنبلاط ما الذين يفعله بن سلمان في اليمن وبقية العالم العربي؟
هل يمكن للرئيس سعد الحريري، ومعه قيادات «المستقبل» بكل أشكالها وولاءاتها، أن يقدموا لنا شرحاً عن حقيقة ما حصل معه في السعودية قبل عام، ولماذا قرر الحاكم بأمر المنشار حرمانه من دوره السياسي، وكيف أعيد الاعتبار إليه؟ وهلّا أخبرنا الحريري كيف سيتصرف وفريقه مع حاجاته المالية ونفقاته بعدما أقفلت أبواب التمويل التجارية والسياسية من السعودية والامارات العربية المتحدة؟
هل يحتاج أحد الى شرح واقع حركة «أمل» بعد 35 عاماً من الحضور داخل الدولة، وكيف تراجعت القوة السياسية والشعبية لمصلحة الزعامة الشخصية للرئيس نبيه بري، الذي يواجه صعوبات كبيرة في معالجة معارك أهل البيت السياسي الضيق منه والأوسع، ولماذا لا يزال الشيعة في حالة إنهاك عام، رغم كل ظواهر التحدي القائمة في الشارع؟

هل راجع العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل تاريخ لبنان القصير، وكيف أن الحكم المطلق بيد المسيحيين، منذ الانتداب حتى نهاية الحرب الاهلية، كانت نتيجته هجرة المسيحيين من لبنان، وزيادة معدلات الفقر عندهم، والفوضى في المناطق التي يعيشون فيها، حيث توجد نسبة عالية من مخالفات قوانين البناء والاعتداء على الاملاك العمومية، وكيف أن تجربة المسلمين من بعدهم لم تأت لقبائل الشيعة والسنّة والدروز والعلويين إلا بمزيد من الفقر… ثم نراهم اليوم يرفعون شعار: استعادة الحقوق؟

ليس للحريري الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة، ولا في مقايضة عون بمقعد سنّي من حصة غيره

كيف يحصل كل ذلك، بينما يستكثر كل هؤلاء على مجموعة من سياسيي لبنان (تطال الانتقادات اداءهم وسلوكهم كبقية السياسيين في البلاد) ان يتمثلوا بوزير واحد في حكومة ليس معلوما اذا كانت ستحل مشاكل لبنان او تزيدها تعقيدا؟

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة، غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار «وحدي لا شريك لي» الذي رفعه محمد بن سلمان في الرابع من تشرين العام الماضي، عندما قرر إقصاء جميع اهل بيته؟

ولأن القواعد العلمية لا تحتاج الى تفسيرات سياسية، فالامر هنا يقف عند معادلة بسيطة، وهي أن هذه المجموعة من السياسيين الذين ينتمون الى الطائفة السنية المحتكرة قيادتها لآل الحريري منذ 25 سنة، لها الحق في أن تتمثل أسوة ببقية القوى والمجموعات السياسية اللبنانية، وهي تمثل شريحة من اللبنانيين يفوق حجمها من يتمثل في اللقاء التشاوري نفسه. وهي تمثل السنّة الذين خسروا في الانتخابات (وهؤلاء مواطنون) وتمثل السنّة الذين صوّتوا لمرشحين من غير طوائف، لكنهم في نفس الخط السياسي لهذه المجموعة، وهي تمثل القواعد الاجتماعية لفريق من سنّة لبنان الذي لا يقبل بزعامة آل الحريري، حتى ولو ذهبت أصوات هذه القواعد لنواب يقولون اليوم إنهم مستقلون.

تُظهر أرقام الانتخابات أنه يحق للحريري بأربعة وزراء من السنّة على أبعد تقدير. أما الحصة الباقية، وهي وزيران، فيجب أن تذهب الى خصومه الذين فازوا بعشرة مقاعد نيابية. وبالتالي، ليس له الحق في المطالبة بالمقاعد السنّية الستة. وليس له الحق حتى في مقايضة الرئيس ميشال عون بمقعد سنّي من حصة غيره. وما كان يجب على الرئيس عون أن يقبل هذه المقايضة. بل كان الاحرى برئيس الجمهورية أن يدافع عن حقوق بقية المجموعات اللبنانية كما دافع عن حقوق جماعته. لأنه رئيس الجمهورية، ولانه الرئيس الذي كان خصوم الحريري الى جانب معركته في الوصول الى رئاسة الجمهورية، ما كان عليه أن يقبل بهذه المقايضة. ولذلك، فهو مسؤول بنفس قدر مسؤولية الحريري عن إيجاد حل لهذه المشكلة. ولو أراد البعض من حوله أن يروه رئيساً ممثلاً للمسيحيين، فنحن سنظل نراه رئيساً يأمل اللبنانيون أن يكون رئيسهم جميعاً. ولذلك بيده الحل.

ذات مرة، سعى السعوديون الى إقناع أحد أصحاب وسائل الاعلام بالعمل لمصلحتهم مقابل توفير دعم مالي له. قبِل الرجل، لكنه قال إنه لا يقدر على تبنّي الخط السياسي للسعودية، ومهاجمة سوريا والمقاومة. فقيل له: حسناً، لا نريد منك أن تدافع عنا، نريد منك مهاجمة منتقدينا. فوجد الرجل ضالته بأن اختار بعض خصوم السعودية وصار يجلدهم صباحاً ومساءً.

هل من تفسير لموقف الرافضين لتوزير هذه المجموعة غير عقلية الإقصاء والبلطجة وشعار محمد بن سلمان؟

الآن، ثمة مرتزقة بين سياسيي لبنان وإعلامييه، من الذين يعيشون على «خير أهل الخير في الجزيرة»، لكنهم عبّروا عن صعوبة استمرار الدفاع عن السعودية. فقال لهم وكيل المملكة في لبنان: «لا نريد منكم الدفاع عنا، نريد منكم مهاجمة خصومنا»… وقد وجدوا ضالتهم اليوم في تولّي الرد على كلام السيد حسن…

حسناً أيها الشجعان. بما أنكم أهل الاستقلال والسيادة والموقف الحر، والكرامة التي ما بعدها كرامة، وأن البطون التي حملتكم هي غير البطون التي حملت الآخرين، وبما أنكم تعتقدون أنكم من مواطني الدرجة الاولى «أيها البيض»، وانه لا يمكن مقارنتكم بمواطني الدرجة الثانية «هوليك اللي ما بعرف منين جايين»… فما عليكم إلا الاستعانة بوليّ نعمتكم، وسيدكم، أبو المنشار ما غيره، وبالتعاون مع شبكة عوكر للدعارة بكل أنواعها، وأن تقرروا مستقبل البلاد… يللا الأمر بأيديكم!

انت يا سيد حسن، شو بيعرفك بإدارة البلاد والمؤسسات، وانت أصلاً شو خصك بالقرار الحر والسيادة والاستقلال، وانت منين لوين بتعرف حق التمثيل وحقوق الناس… انت شو خصك لتحكي أصلاً؟
والله إنك لطويل البال!

وفق الأرقام الواردة في كتاب الانتخابات النيابية لعام 2018 الصادر عن «الدولية للمعلومات» ودار «كتب»، يمكن الوصول الى النتائج الخاصة بالمقاعد النيابية الـ27 التي يشغلها نواب ترشّحوا عن الطائفة السنية.

يشرح الجدول أدناه كيفية توزيع الأصوات التفضيلية للناخبين السنّة على النواب الفائزين من الطائفة السنية، وليس على كل النواب الناجحين عن بقية الطوائف.
يشار الى أن تيار المستقبل عمد خلال الايام القليلة الماضية الى تعميم جدول يورد فيه النتائج، لكنه يقول في الخلاصة إن نواب اللقاء التشاوري حصلوا على 43300 صوتاً تفضيلياً سنّياً، من أصل 481680 صوتاً تفضيلياً سنّياً، ليصل جهابذة “المستقبل” الى القول إن نسبة ما ناله نواب “اللقاء التشاوري” هو 8.9 في المئة من إجمالي الاصوات.

وإذا أخذنا بقاعدة «المستقبل» هذه، فإن النواب السنّة الـ17، المنضوين في كتلة الرئيس سعد الحريري، قد حازوا 168332 صوتاً تفضيلياً، وبالتالي فإن نسبتها من إجمالي الاصوات التفضيلية السنيّة هي 34.9 في المئة. وبالتالي، سيكون هناك 270 ألف صوت تفضيليّ سنّي غير ممثلين، لا في المجلس النيابي ولا في الحكومة.
الجدول التالي، يفترض أن يوضح الصورة لمن لا يريد المكابرة ولا الزعبرة، فاقتضى التوضيح:

من ملف : معركة العدالة

Related Videos

Related Articles

وتبقى القصة… فلسطين

Image result for ‫ابراهيم الأمين الخميس‬‎ابراهيم الأمين

الخميس 25 تشرين الأول 2018

القصة ليست قلّة احترام لمن قتله آل سعود بما بقي عندهم من دم بارد. القصة ليست تمرّداً على المشهد العام المنقسم بين تمنيات بأن «يضرب الله الظالمين بالظالمين» انتقاماً لقهرهم شعوب الأرض، وبين وقائع تقول بأن أهل الجريمة، وإن اختلفوا، فذلك على طريقة القيام بالقتل فقط. كاد دونالد ترامب أن يقول لآل سعود: ما هكذا تكون عمليات التخلّص من المعارضين… كان يمكن أن تكونوا أقل غباءً وأكثر فطنة في التستّر على فعلتكم!

أما السلطان أردوغان، فيريد إدخالنا في لعبة أحجية تخفي كلمات سر تخصّ مصالح دولته وحكمه وديكتاتوريته وجرائمه بحق معارضيه، والصحافيين منهم على وجه الخصوص. لعبة تؤدي الوظيفة ذاتها، أي إسكاتهم بألف طريقة، وإيذاءهم بما يثبت القول إنّ الصمت أشد إيلاماً من القتل!

في أوروبا الغارقة في كهولةٍ تأتي على كل شيء فيها، يرتفع الصوت «احتراماً» لمزاج عام لا أكثر. لكن الجمهور نفسه صار يريد الدولارات والأعمال، ولا يأبه كيف السبيل إلى ذلك. أليست فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا هم أهل الاستعمار الأصليين؟ ألم تُبنَ المدن الساحرة في هذه الدول على أكتاف المقهورين، وبخيرات المستعمرات القريبة والبعيدة؟

ولأن الحكاية الأصلية هي حكايتنا نحن. حكاية القهر التي تُمثّل الظلم بعينه والقتل بعينه، فلا شيء مهما كبر أو جرى تكبيره، ومهما أُبرز أو تمّ تلميعه، يحجب الشمس عن فلسطين. أليست هي أم البدايات وأم النهايات؟

لو اهتم العالم بفلسطين، ونطق وكتب وغرّد وعلّق بعُشر ما قام به خلال الأسابيع الثلاثة، لكان العدو المجبول بفكرة القتل تراجع قليلاً. لَكان أنين الناس خفّ ولو قليلاً، لكان المحاربون أخذوا استراحة قبل استئناف أكبر وأطول عملية تحرّر وطني في تاريخنا المعاصر…

لكن، اللسان الوحيد الذي ينطق والصوت الوحيد الذي يرفع اسم فلسطين وعلمها ولفظها، يأتي من أهل الأرض نفسها، من الشباب الذين يمتهنون الاستشهاد جيلاً بعد جيل!

لا صوت يعلو فوق صوت فلسطين.

الفلسطينيون يواصلون المقاومة: إسرائيل لا تنعم بالهدوء

عبد القادر عقل

الفلسطينيون يواصلون المقاومة: إسرائيل لا تنعم بالهدوء

شارك حشد كبير في تشييع الشهيد بشارات أمس في بلدة طمّون، شمالي الضفة المحتلة (الأناضول)

  الخميس 25 تشرين الأول 2018

لم تنجح المحاولات الإسرائيلية لعزل الضفة عن واقع المواجهة المستمرة، تماماً كما لم تنجح في عزل غزة أو المقدسيين. صحيح أن الكلّ يواجه بما أمكن، لكن المعادلة الثابتة أن الفلسطينيين لم تتوقف مقاومتهم، وأن العدوّ لا ينعم بالهدوء… ولعل مشاهد تشييع الشهيد محمد بشارات أمس، والاحتضان للمطارد أشرف نعالوة، ومشاهد البطولة المتوالية في غزة، خير دليل على ذلك

رام الله: يمكن الحديث بإحباط كبير عن الواقع الفلسطيني حالياً: سلطتا أمر واقع تتنازعان، واحدة لا تملك قرارها، والأخرى محاصرة. مقدسيون يخسرون بلدتهم القديمة بسبب غياب رادع لمسربي العقارات. غزة تئنّ تحت حصار شديد لم يُخفَّف منه شيء رغم كل الوعود. والضفة ساحة مفتوحة لجيش ينظّم ألوية للبحث عن مطلوب مختفٍ في كيلومترات محدودة منذ ثلاثة أسابيع. رغم ما سبق وأكثر، ثمة من يقرر أن يحمل سكينه ويطعن جندياً مدججاً بالسلاح، وآخر يصبر سبعة أشهر وهو يعمل تحت إدارة المستوطنين في أحد المصانع ليخطط لعمليته بنجاح، ويختفي بعدها.

بعبارة أخرى: إنها معركة الإرادة التي قرر الفلسطينيون أن يخوضوها، والمستمرة يومياً بدلالة العمليات الفدائية الفردية التي لم يستطع أي أمني أو عسكري أو سياسي إسرائيلي تحمّل شجاعة القرار والقول إنها انتهت. أكثر من ذلك، لا يزال هناك من يعرف أنه رغم الضريبة العالية التي يمكن أن يدفعها، هو وذووه، يصرّ على المقاومة. حتى حينما تتخلى السلطة والفصائل عن دورها، يتصدى الشبان للجنود والقوات الخاصة المتسللين في جنح الليل، بل يحاصرونهم ويضطرونهم إلى طلب التعزيزات والنجدة.

في الجهة المقابلة، يتواصل النزف البشري في غزة، حيث قرر المحاصَرون أن ينقلوا معركة الاستنزاف إلى الجهة الثانية من الحدود، بعدما ابتكروا وسائل لم تكن لتخطر ببال عدو، أو حتى مقاوم. وبينما تنبئ الساعات المقبلة بأن اتفاقاً ما يُصاغ ويُعدّل منذ أكثر من سنتين، فإن المقاومة لا تزال تستشعر رائحة غدر إسرائيلي، مقررة مواصلة الاستنفار والاستعداد لأي مواجهة، في وقت لم تخفض فيه الجماهير مشاركتها على الحدود، ضاربة نماذج تعجز الكاميرات عن ملاحقتها.

شهيد في استنفار شعبي

بالعودة إلى الضفة، شهدت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة استشهاد شاب برصاص العدو خلال مواجهات في طوباس (شمال) بحثاً عن أحد المطلوبين، علماً أنه على بُعد نحو 45 كيلومتراً، كانت قوات العدو تواصل في الوقت نفسه البحث عن مطلوب آخر منذ ثلاثة أسابيع، وتحديداً داخل المنطقة الشرقية في طولكرم. وخلال هذه الاقتحامات، يُصّر الفلسطينيون على مواجهتها بأدوات المقاومة التقليدية، كما أعلن العدو ليلة أمس أن مركبة مسرعة تجاوزت حاجزاً قرب مدينة حلحول (شمال الخليل) وأطلقت النار على مجموعة من الجنود.

Related Videos

Related Posts

%d bloggers like this: