عن حيل الجبناء والمهزومين

عن حيل الجبناء والمهزومين

ابراهيم الأمين

ارتداء القفازات، كما الأقنعة، حيلة الجبناء. لكن جعل الخوف من تهمة الخيانة وكأنه خوف من رصاصة طائشة، فهذا والله حيلة البلهاء. أما التذرّع بالاختلاف الدائم حول الهوية الوطنية، فهو، في حدّ ذاته، المرض المستعصي مع حاملي فيروس “الانكار”. ومعهم لن يستقيم الحال ولا النقاش!

مشكلة أهل الانكار مزدوجة: فشل ذريع في التوقعات والتقديرات، وإلقاء اللوم على المنتصرين. هؤلاء ينفون عن الآخرين معرفة الحق والصواب. جلّهم لا يرتاح على مذهب أو رأي، والتاريخ عندهم حمّال أوجه لا حقائق فيه.
في حالتنا اللبنانية والعربية، يصبح فشل النظام الرسمي العربي، ومعه نخب وأفكار وأحزاب، في حفظ السيادة والاستقلال والعجز عن تأمين التطور والازدهار، مبرراً للاعتراف بالعدو. يريد أهل الانكار لنا أن نكون مثلهم. أن نعيش تحت وطأة الهزيمة كل العمر.

أهل الانكار يشكون من أنظمة متهالكة تسببت بالفقر والتخلف والاحتلال. ثم يقولون لمن يحاول ــــ وقد نجح ــــ في مواجهة الاحتلال وتقليص حجم الظلم:

لا نريد سيادة واستقلالاً على أيديكم. ثم يصدرون الفتوى بأن المشكلة ليست في الاحتلال والاستعمار، بل في من يرفض الاستسلام.

ومع خلاصات كهذه يصبح صحيحاً قولهم بأنه لا مجال لاتفاق على وطنية أو مقدّسات، ولا حتى على بعض من قيم!

لنعد إلى بديهيات كالتي تلجأ إليها الشعوب من أجل صياغة تفاهمات الحدّ المقبول للعيش بسلام. يتم جمع الأوراق والأفكار في دستور يرسم إطار الوطنية العامة، ولا يغلق الباب على تعديلات فيه أو نسف له. وفي حالتنا نسأل:

هل ثمة تفاهمات أولية لدينا في لبنان؟
هل إسرائيل عدو لنا؟
هل تمثّل مجموعات الإرهاب خطراً علينا أم لا؟

إذا كان لدى البعض رأي آخر، فليخرج ويقل لنا، علناً، إن إسرائيل ليست عدواً. وليطالب بإلغاء حالة الحرب معها، وليقل لنا إن ارهابيي العصر لا يشكلون خطراً وإنهم أخوة لنا. ولكن، ليرفق موقفه بالدعوة إلى استفتاء، كما تفعل الدول التي يعشقها أهل الانكار، وبرعاية من يشاؤون. وإذا ربحوا بفارق واحد في المئة، سنذعن لهم، أو نترك البلد ليرتاحوا منا.

أما إذا كانت النتيجة، كما هو واقع الحال، حيث أن غالبية لبنانية حقيقية مقتنعة بأن إسرائيل هي العدو، بعدما جرّبناها جميعاً، محتلاً أو حليفاً، وبأن الإرهابيين يمثلون نقيض الحياة، وقد جربناهم انتحاريين أو ثواراً أتقياء… فماذا نفعل؟
كيف يستقيم الحال مع هؤلاء، وهم لا يرون حقيقة القوى المعادية لبلادنا. وهي القوى التي تعطينا الدرس تلو الآخر، عقداً بعد عقد، بأنها تحتقرنا، ولا تريد لنا مكانة تعلو فوق نعالها.

كيف لنا مناقشتهم وهم يقولون لنا إنه لا موجب لمقاومة الاحتلال وقتال الإرهابيين، وإن كل ما علينا فعله هو الصمت، وانتظار بركات الرجل الأبيض؟

هل يقول لنا أهل الانكار كيف نتصرف معهم وهم يرفضون مراجعة مواقفهم وتصريحاتهم ونصوصهم خلال ربع قرن، وكيف لم يصيبوا في تشخيص أو تحليل أو تقدير واحد؟

بماذا نصفهم، عندما يصبح موقفهم معادياً لمن يرفض الاحتلال والقهر والمجانين. بماذا ننعتهم وهم يرفضون كل مقاومة للعدو والإرهابيين؟

هل من صفة تطلق على هؤلاء، سواء في العالم المتخلّف أو المتقدّم، أو حتى في عوالم من ينتظر على الرصيف، غير صفة الخائن والعميل؟

أهل الانكار يريدون لنا اعتبار فشلهم، المتوالد سنة بعد سنة وإطاراً بعد إطار ومشروعاً بعد مشروع وفكرة بعد فكرة، أنه نتيجة تعنّتنا نحن، وإصرارنا نحن، على مقاومة الاحتلال وأدوات الاستعمار!

■ ■ ■

على أيّ حال، من بين قلة يمكن مناقشتهم، بعض العقائديين، حتى العظم، من فريق يرفض كل ما يمتّ إلى عالم المقاومة بصلة. بينهم حازم صاغية، المنتمي طواعية إلى نادي الخصوم. وبرغم ما يعتبره جرأة في رفض المقاومة، فهو لا يزال يخاف من قول حقيقة موقفه من إسرائيل ومن الإرهابيين وفي كيفية مواجهتهم… إذا كان يرى وجوباً لهذه المواجهة.

في مقالة له في ٢٦ تموز الماضي، كتب حازم صاغية في «الحياة» ما عناه درساً لنا بعد انتصار المقاومة في تحرير جرود عرسال من قتلة وإرهابيين. قال بجدية أو سخرية:

«إنّ من ينتصر يتعلّم الرحابة والثقة في النفس. يدعو خصومه، وقد انتصر، إلى طيّ صفحة الماضي. إلى فتح صفحة جديدة. وقد يقول، مثلاً، عبارات من نوع: «عفّى الله عمّا مضى». قد يتذكّر الأوصاف القديمة التي نسبتها كتب الإنشاء إلى العرب: العفو عند المقدرة».

حسناً، لنفعل ذلك، وقد فعلنا، لكن: كم مرة تقول للشخص نفسه عفى الله عما مضى، وكم مرة تسامحه، وكم مرة تطلب له العفو؟ ألم يتعلم من كل ما مضى، ويتوقف عن الخطأ؟ ألا يعرف أن المدرسة التي يتعلم فيها فاشلة، وأن مرجعيته خائبة، وأن خياراته تجعله في مواجهة الجدار دوماً؟ لكن حازم صاغية يكرر وصفته الدائمة بأن «انتصار طرف كهذا ــــ وليكن على «داعش» أو «النصرة» أو إسرائيل ــــ هزيمة. لن يُبتزّ أحد بالطبيعة القبيحة للطرف الآخر، لكنّ أحداً ينبغي ألّا يُبتزّ بالطبيعة المثيرة للغثيان في هذا الطرف».

هل نعود هنا مع حازم صاغية نفسه، إلى ما كتبه عشية تحرير العام 2000، يوم طالب المقاومة بإلقاء السلاح والرحيل، حتى قبل خروج قوات الاحتلال؟ وجد ما يكفي من الأسباب لحلها. لكن الجواب جاءه يومها من جهاد الزين الذي دعاه لأن يصبر ويهدأ ولا يغضب من انتصار مقاومة ليست على ذوقه الايديولوجي!

ثم يعود حازم صاغية، في ٢ آب ٢٠١٧، لينشر في «الحياة» درسه الجديد لنا بأن 

«ظاهرة العمالة والخيانة، لا تنشأ إلّا في بيئة الأنظمة الاستبداديّة والتوتاليتاريّة التي تقول بوجود قضيّة مقدّسة أو قضايا مقدّسة»،

ثم تراه لاعب جمباز يقفز فوق كل الحقائق صارخاً

«أعطنا قضيّة مقدّسة وخذ عملاء وخونة».

وحتى لا يطول بنا الانتظار يقف بيننا مثل خطيب حاسماً النقاش: 

«نحن مختلفون عميقاً في معنى الوطنيّة، في معنى مكافحة إسرائيل، في معنى محاربة الإرهاب».

ثم يزجر بنا متوهّماً تفوقاً معرفياً وأخلاقياً ليقول:

«قياساً بوطنيّين كهؤلاء، يسعدنا أن نكون خونة هذا البلد وعملاءه. إنّ الدنس خير من تلك القداسة».

في كل ما سبق، يبقى حازم صاغية أميناً لفكرة سكنته منذ اكتشف عجز المقاومة الفلسطينية عن تحرير فلسطين، وعجز الحركة الوطنية اللبنانية عن إنتاج حل لأزمة لبنان. وهذا حقه. لكن المشكلة التي تحزّ في القلب، أن يصل به فقر المنطق وصدأ أدوات التحليل، إلى أن يعتبر مهاجمة الخونة والعملاء تورية تخفي «طائفيّة مقنّعة بحيث تُستخدم تهمة العمالة لتجنّب ذكر جماعات طائفيّة أخرى هي المقصودة فعلاً بالشتيمة».

في هذه النقطة، من المفيد لفت انتباهه إلى أن آخر ما يتمناه المرء لشخص مثل حازم صاغية، أن يكون مواظباً علىسماع أناشيد فؤاد السنيورة حول الطائفية والمذهبية. لأن حقيقة ما نعيشه يقول، بوضوح، بأن اتهام الآخرين بالعنصرية والطائفية هو، في الحقيقة، حيلة المهزومين!

بالأمس، كتب حازم صاغية مقالة بعنوان «زمن حزب الله» متحدّثاً عما شهده لبنان في الأسابيع الماضية، وبدا فيها متفاجئاً وعاتباً كيف

«نعيش اليوم الحقيقة الخطيرة التي هي اندماج البندقيّة بالتأييد الشعبيّ العابر للطوائف». ثم في لحظة تخلٍّ يرى أن هناك أسباباً لانتصارات حزب الله بينها «سبب اسمه حسن نصر الله: الوجه السياسيّ الوحيد غير التافه في صحراء السياسة اللبنانيّة. ذاك الرجل بنى موقعه بالعمل والجدّ والسهر، والعيش تحت الأرض… في خطاباته سلّح، ويسلّح، جمهوره بالحجج التي تغذّي سجالهم السياسيّ…

يخطب نصر الله فيُشتقّ موقف سياسيّ من خطابه». ربما يجد البعض في ما يقوله حازم صاغية «إقراراً بالهزيمة». ربما في ذلك بعض الحقيقة. لكن الأكيد، أنه إقرار يشبه إلى حد المطابقة إقرار ابو مالك التلي بهزيمته في جرود عرسال. إنه أشبه باستسلام من خسر المعركة ولم يبدّل قناعاته.

حازم صاغية، هنا، لا يخبرنا بجديد عندما «يمدح» عدوه الأول، و«يبهدل» من اعتبرهم هو، يوماً، الأمل في بناء دولة لا وجود للمقاومين والممانعين فيها. لكن الصدمة التي لن يتأخر حدثها وستفقده صوابه، تتعلق بأن الغرب، الذي يعشقه صاغية، يركض بكل أنفاسه، بالإغراء كما بالتهديد، صوب حزب الله وما يمثله، يريد منه تواصلاً، أو علاقة وتعاوناً، وربما تحالفاً إن لزم الأمر. وهي صدمة سبق لحازم أن جرّبها قبل عقود!

في ذلك الزمن، كتب الراحل جوزيف سماحة عن صديقيه وليد نويهض وحازم صاغية، محللاً علاقة خاصة بينهما، وسجالاً حيال النظرة إلى إيران والغرب في ثمانينات القرن الماضي مع انكشاف فضيحة «ايران غيت»، إذ تبين أن الأميركيين يبيعون السلاح لإيران. قال جوزيف يومها إن «حازم ذهب في «الحداثة» محمولاً على المد الريغاني باعث أمجاد الغرب وأميركا ووائد كارتر، «الديمقراطي المائع» الذي لم يعرف أن يلقن خاطفي الأميركيين في بيروت الدرس الذي يستحقون. لكنه عاش مفاجأة «أميركية». أحسّ أن ريغان غدر به. جعله يعتقد أن أميركا العائدة بقوة إلى قيادة العالم هي خارج إطار التعاطي السياسي مع إيران».

قال جوزيف

إن حازم «يهاجر من جواب إلى جواب». هي الهجرة التي تحولت مهنة. لكنها بلغت حدوداً تتجاوز الحدود المعقولة لسن التقاعد، وهو ما قد يكون العلاج الأنجع… أو لنقل إنه حيلة المفلسين!

■ ■ ■

اليوم، 14 آب، الذكرى السنوية لتحطيم المقاومة أسطورة جيش إسرائيل. ويصادف، أيضاً، يوم صدور العدد الأول من «الأخبار». نعود إلى ذلك الصباح الذي كتب فيه جوزيف سماحة إننا في «زمن يتميّز بوفرة «الحسابات الخاطئة». إنّ لبنان في مرحلة مفصلية، وكذلك منطقتنا. ويمكن قول الأمر نفسه عن العدوان المتمادي الذي نتعرض له. لقد دخلنا هذه المرحلة المفصلية لأن هناك من أجرى «حسابات خاطئة». لقد كدنا نعتاد أن هذه التهمة توجّه إلى من يقاوم ظلماً، أو يتمرّد عليه، أو يرفضه بعنف. إلا أن الفترة الأخيرة توفّر أدلة لا تحصى على أن التهمة انتقلت من جهة إلى أخرى. لم يعد سرّاً اليوم، من هو الطرف الذي خالف الدقة».

قال جوزيف قبل 11 عاماً ما يطابق حالنا اليوم، حيث

ان لبنان «الخارج من صلابة الممانعة وركام الخرائب لن يكون لبنان الذي عرفناه قبل. فلبنان قبل 12 تموز 2006 كان وطناً معلّقاً ومزرعة سمّيت، تجاوزاً، دولة. يجب الحؤول دون ترميم المزرعة من أجل التقدم نحو بناء دولة المواطنين التي يمكنها، وحدها، بعدلها وقدرتها وحرصها السيادي، أن تستوعب هذا الاستعداد المذهل للانتصار على الصعاب، وأن تنظر إلى المقاومة، أيّ مقاومة، بصفتها عصباً يشدّ النسيج الوطني، ويقوّي صلابته، ويدافع عن عروبته، ويمنع انزلاقه نحو الخراب الكبير الرافع وهم «الحياد» والداعي إلى حرمان الأمة من المساهمة اللبنانية الفذّة. دلالات المواجهة المستمرة كثيرة».

اليوم، نقترب أكثر، من أي وقت مضى، من فرصة إعادة صياغة المنظومة السياسية والاقتصادية التي ستحكم هذا الشرق لعقود طويلة. وهي حقبة قاسية وموجعة بعوارض نموها، وربما بأصعب من آلام المواجهة مع المستعمر وشياطينه.

بيننا مقاوم يرتفع دوماً فوق القامات.

وبيننا خونة وعملاء لن تغسل الدماء عارهم.

وبيننا مهزومون يحتاجون الى علاج على يد مبدع يمنع عن مرضاه الارتماء في حضن شياطين العصر، حيث لا شيء سوى الجنون والانتحار!

مقالات أخرى لابراهيم الأمين:

خونة وعملاء… وإرهابيون أيضاً

خونة وعملاء… وإرهابيون أيضاً

ابراهيم الأمين

 

ليهدأ خصوم المقاومة وكارهوها من الخونة والعملاء (وبعض المُضلَّلين). فعملهم لم ينته بعد. فأمامهم مهمات إضافية، وسيحتاج إليهم المشغل المحلي أو الإقليمي أو الدولي، ولا سيما منهم، المتحدرون من سلالة «شيعة السفارة» أو ما يعادلها من «كارهي أصولهم وطالبي الانتساب الى بيئة أخرى». وما هو مطلوب منهم، سيلزمهم البقاء في ذواتهم الحالية، أي أن قبول طلبات انتسابهم الى النادي الجديد سيظل قيد الدرس لوقت إضافي.

طبعاً، ليس لدينا من تفسير علمي لغضب هؤلا، سوى شعورهم الحقيقي بالخسارة مرة جديدة. وإذا كان هناك من يرتبك في تفسير ظاهرة «لبنانيون يناصرون إرهابيين»، فالصورة تبدو أكثر وضوحاً عند معرفة أن هؤلاء الخونة والعملاء ــ الذين يستحقون فعلاً عقوبة الإعدام ــ إنما يعيشون فقط على دخل مصدره من يريد القضاء على المقاومة. صحيح أن الاستخبارات الأميركية رفعت صوتها ضد هدر الأموال مع مجموعات لا تنفع في شيء، لكن السعودية والإمارات العربية المتحدة لا تجدان ضرراً في صرف حفنة قليلة، وقليلة جداً، من الدولارات، مقابل سماع هذه الأصوات، مع العلم بأن الرياض وأبو ظبي تسألان كثيراً في الآونة الأخيرة عن سبب عدم تحول هؤلاء الخونة والعملاء إلى أبطال شعبيين!

أما لماذا يغضب هؤلاء عندما يصار إلى تذكير الناس بأن عقوبة الخونة والعملاء هي الإعدام، فلأنهم يشعرون بأن الكلام يطالهم هم بالتحديد، فيشرعون بالصراخ والاستغاثة وطلب العون، ويخرجون من جحورهم دفعة واحدة، ويتداعون الى التشاور في ما يجب القيام به. ثم يرفعون الصوت كمن يكسر خوفه بالغناء. أما احتجاجهم على عدم قيام فريقهم السياسي بخطوات لحمايتهم (ممَّ؟!) فهو احتجاج يظل صداه داخل المنزل فقط.

على أي حال، فإن لهؤلاء مهمات إضافية منتظرة. ذلك أن المعركة مع الإرهاب لم تنته بعد. وبرغم الأهمية غير العادية لإسقاط القواعد العسكرية المباشرة لهذه المجموعات، فإن مجالين للعمل سيستمران، واحد له بعده الأمني، حيث تنشط الخلايا الإرهابية بقصد توجيه ضربات في أكثر من مكان، وآخر سياسي ــ إعلامي، حيث يفترض العمل على الترويج الإضافي للإرهابيين، ولو من باب حقوق الإنسان والحريات.

وهذا يعني ببساطة أن على الجمهور الانتباه إلى كون المرحلة الجديدة من المواجهة مع الإرهابيين وداعميهم تتطلب درجة أعلى من اليقظة والاستنفار وعدم المهادنة. وستكون المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية تحت أعين المراقبة والتقييم، لأن أسلوب العمل في المرحلة السابقة يجب أن يوضع له حد، لجهة التباين الكبير في النشاط والنتائج. فحماسة وإنتاجية استخبارات الجيش والأمن العام، قابلتهما في السنوات الماضية برودة من جانب فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، قياساً إلى قدراته، وخطوات هامشية لجهاز أمن الدولة.

لكن الجميع يعرف أن لهذه الفروقات أسبابها. فأمن الدولة كان خارج العمل الأمني فعلياً. وهو باشر حديثاً نشاطه، وهناك مؤشرات على إمكانية تحقيقه قفزات في هذا العمل، ويمكن القيام بالكثير، في حال نجاحه في إقفال «خدمة الخَدَم» التي يطلبها منه كبار القوم.

أما الجيش والأمن العام، فالأمر واضح عندهما، لناحية أن قيادتَي هاتين المؤسستين على اقتناع تام، وطوعي، بأن الإرهاب حقيقي، وأنه يستهدف جميع اللبنانيين، وأن العمل الاستباقي ضروري لمواجهته، بما في ذلك ما يقوم به حزب الله. وأن المواجهة مع هذه المجموعات تتطلب التنسيق مع كل من يقاتلها بجدية، من الحكومتين السورية والعراقية، الى روسيا وإيران، الى الأجهزة الأمنية في بعض الدول العربية والاوروبية.

أما فرع المعلومات، فمشكلته ليست في ضباطه أو أفراده. المشكلة الأساسية تكمن في موقف جهة الوصاية على الجهاز، أي تيار المستقبل ومن خلفه قوى محلية وإقليمية ودولية، لا تنظر الى هذه المجموعات الإرهابية على أنها شر كامل، بل ترى في بعض أعمالها ما هو مناسب، وخصوصاً إذا كانت هذه الأعمال موجهة الى سوريا وإيران وحزب الله. وهو موقف أثّر سلباً على هذا الجهاز، القادر، بقوة، على تحقيق إنتاج كبير جداً، وهو ما سيكون محل نقاش ومتابعة في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، سيجد الخونة والعملاء عملاً لهم، إذ إنهم سيتولّون التشكيك بالعمل الأمني الهادف الى استئصال المجموعات الإرهابية، من مفكريها، الى مديريها، الى أفرادها، الى حاضنيها، الى مموليها، وسيطلب إليهم قول الكثير عن التمييز العنصري وعن الاستنساب السياسي وعن التعرض لكرامات الناس وحقوق هذا أو ذاك.

لكن هؤلاء سيكتشفون أن قرار إطاحة الإرهابيين لا يحتمل المزاح، وسيسمعون من الأقربين قبل الأبعدين النصح بالتعقل، لأن من يبرر الإرهاب ويحمي القائمين عليه، أو يسهل لهم عملهم، يعدّ شريكاً كاملاً… فهل يشرحون لنا، ما هي عقوبة الخائن والعميل قبل أن يصير إرهابياً؟

مقالات أخرى لابراهيم الأمين:

موتوا بغيظكم… الإمرة للمقاومة أينما وجدت

 Hezbollah-Arsal Barrens

ابراهيم الأمين

هل من داعٍ لسجال جديد مع أنصار الإرهاب في لبنان؟

ماذا ينفع النقاش، بعد كل ما حصل وإزاء ما تقوم به المجموعات المسلحة في سوريا من أعمال إرهابية، مع من لا يزال يتحدث عن ثورة وثوار؟

ماذا ينفع النقاش مع من ينظرون إلى من يفوز بالمعركة، لا إلى من يخسر؟ هؤلاء ضد أن تخسر إسرائيل الحرب مع العرب إذا كان ذلك سيحصل على أيدي رجال محور المقاومة، فهل سيبالون بهزيمة أقذر المجموعات الإرهابية في العالم؟

ماذا ينفع النقاش مع من هم مقتنعون بأن المقاومة في لبنان فعل إجرامي يقوم به مرتزقة يتبعون لإيران، ولا يوجد أي بعد وطني لما تقوم به؟

طرد الاحتلال عام 2000، ومنعه من العودة عام 2006، كان بالنسبة إلى هؤلاء هزيمة، ليس لأن إسرائيل خسرت، بل لأن محور المقاومة ربح.

ماذا ينفع النقاش مع من لم يروا جريمة واحدة ارتكبتها الولايات المتحدة وأوروبا في عالمنا العربي؟ مع أفراد وجهات لا يريدون إحصاء عدد الذين قتلتهم أميركا والغرب في الحرب على العراق، ولا هم يسألون، اليوم، عن عدد المدنيين الذين تقتلهم أميركا وأوروبا في سوريا باسم قتال الإرهاب.

ماذا ينفع النقاش مع مجموعات تعيش على استغلال النازحين السوريين؟ التدقيق في مصادر دخل من يقودون حملات التضامن ضد المقاومة والجيش بحجة مناهضة العنصرية، وفي أماكن عملهم وأنواعه، سيبيّن لمن يرغب سبب غيرتهم على النازحين، وجلّهم لم يزر نازحاً في خيمته. وهؤلاء، كما فريق رئيس الحكومة الرسمي والسياسي والأمني والحزبي والديني، لا يريدون لنا أن نعرف كيف صرفت موازنات المساعدات العربية والدولية الخاصة بالنازحين، ولا أسماء المؤسسات والشركات والمطاعم والصيدليات والمكتبات والمحلات التي صارت مورداً لحاجات النازحين، ومن يشتري بونات المازوت أول كل شهر.

هؤلاء يريدون أن يقرروا، نيابة عن النازحين، أن موعد العودة إلى بلادهم لم يحن بعد. طبعاً، سمير جعجع وفارس سعيد وسعد الحريري ومعين المرعبي يعرفون دواخل النازحين، وهم تثبّتوا مباشرة، من النازحين أنفسهم، أنهم لا يريدون العودة إلى مناطق سيطرة النظام في سوريا، ولا إلى مناطق سيطرة المعارضة… لكنهم لا يريدون البقاء في لبنان، وهم ممنوع عليهم سؤال السعودية أو الكويت أو قطر أو الإمارات العربية أو فرنسا أو بريطانيا عن سبب عدم استضافتهم في بلادها الغنية!

ماذ ينفع أن تناقش فريقاً لا توصيف دقيقاً لمهنته سوى العمالة؟ العمالة التي تعني التآمر على أبناء بلده، والتعاون مع أعداء لبنان من أجل مصالحه الخاصة. والصدفة ــ ما أحلى الصدفة! ــ هي التي تجعل خصوم المقاومة قبل التحرير، والمطالبين برأسها مع القرار 1559، والداعين إلى تدميرها في 2006، ودعاة إلقاء السلاح بعد 2006، والساعين إلى الانقلاب عليها في 2008، والمستعدين لمحاصرتها وعزلها باسم العدالة والعقوبات ومكافحة الإرهاب… هم أنفسهم يريدون من المقاومة اليوم ترك التكفيريين يجولون ويصولون في العراق وسوريا ولبنان. وهم أنفسهم الذين فرحوا ويفرحون عندما يفجر الإرهاب عبوة ناسفة في الضاحية، أو عندما يُعلَن استشهاد مقاوم في سوريا. وهم أنفسهم الذين يموتون غيظاً لأن «أبو مالك التلّي» في أزمة. وهم أنفسهم الذين يستعدون لفعل أي موبقة ما دام لا يجب على محور المقاومة الفوز بهذه المعركة أو تلك…

أليس هؤلاء بعملاء، حتى ولو حملوا بطاقات عضوية في أحزاب موجودة داخل الحكومة أو المجلس النيابي، وحتى لو كتبوا طوال الليل والنهار في صحف ومواقع إلكترونية، أو احتلوا الشاشات المحلية أو العربية، حتى ولو كانوا رؤساء أحزاب أو نواباً أو وزراء أو مسؤولين في مؤسسات الدولة الرسمية والسياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية. وحتى ولو كانوا أصحاب مصارف أو متاجر كبيرة، أو كانوا من رجال الأعمال وأصحاب الشركات الكبرى، أو أساتذة جامعات أو مدارس أو أطباء أو مهندسين أو محامين أو خلاف ذلك.

لا تهمّ مواقعهم، ولا وظيفتهم في الحياة، ولا طائفتهم ولا مذهبهم ولا منطقتهم… هم عملاء وخونة وليس أي شيء آخر. وليس علينا سوى التعامل معهم على أساس أنهم عملاء وخونة!

غير ذلك، ستلاحق المقاومة كل تافه وحقير وتكفيري وعميل، وكل جندي أميركي وإسرائيلي، وكل مرتزق عربي أو إسلامي يعمل مع الاحتلال، وستقتلهم بندقية المقاومة في كل بلاد العرب وحيث أمكن الوصول، أما من لديه رأي آخر، فليبلِّط البحر بعد أن يشرب ماءه!

Trump to Tamim: Pay to Save Your Ass ترامب لتميم: إدفع تَسْلم

انتَظروا واشنطن… فهي الخصم والحكم!

ابراهيم الأمين

لا مأساة تفوق مأساة الإعلام السعودي ــ الإماراتي في نوع الاتهامات المسوقة ضد قطر، إلا مأساة «الجزيرة» التي تنقل مراسلتها في واشنطن، عن مصادر مجهولة، أن تغريدات الرئيس الاميركي دونالد ترامب ــ المعبّرة عن موافقة على ما تقوم به الرياض وأبو ظبي ــ موقف شخصي ولا تعكس موقف الادارة الاميركية.

بين المأساتين، فإن جمهور العاملين أو المتعاطفين أو المنتفعين من الدول المتنازعة يقف مدهوشاً إزاء ما يحصل، ثم يظهر سلوك غير مسبوق عند أبناء الخليج، الذين يصفون ما يجري بأنه زلزال لم يعرفه العرب قبلاً. وكأن ما يحصل في الدول العربية منذ سنوات طويلة لا يسمّى حدثاً. وفي لحظة القسوة هذه، يخرج عرب غاضبون أو متضررون من سياسات دول الخليج، فيطلقون تعليقات وتوصيفات كأن ما يجري هناك يجري في مكان بعيد من العالم، أو أن ما يحصل لا يهمهم. أما الغلاة من الشامتين، فيصل الأمر بهم حدّ تمنّي اشتعال النيران في كل آبار النفط والغاز.
دبلوماسية أهل الصحراء مغلقة، فاتحة الباب أمام نقاش تعرضه وسائل الاعلام التابعة للدول المتنازعة. وهو نقاش قد يعطي الانطباع الخاطئ، لأن من قرر معاقبة قطر، لا يقف عند طبيعة الاتهامات الموجهة اليها.

لكن القيّمين على إعلام المتنازعين ليسوا أصحاب مخيّلة خصبة، بل هم فقراء العقل والإبداع. الموقف عندهم يكون على شاكلة عبارات من زمن البطولات الفارغة مثل القول «طفح الكيل… بلغ السيل الزبى … الانصياع أو العزلة». أما اللائحة الاتهامية، فتتحول الى أحجية يصعب حلها، مثل القول إن مشكلة قطر تكمن في توافقها مع إيران ودعم حماس وحزب الله والحوثيين، ثم إنها في الوقت نفسه تدعم القاعدة وجبهة النصرة وداعش وطالبان، وهي أيضاً، تتواصل مع العدو الصهيوني… ما أحلى العبارة الأخيرة عندما ترد على لسان شخصيات من دائرة الحكم في دول الخليج، (بأسلوب يذكّرنا ببيانات قوى 14 آذار عندنا، حين كانت تفتتح مواقفها الداعية الى نزع سلاح المقاومة بالتشديد على أن إسرائيل عدو يجب ردعه) مع تشديد على إبراز أن قطر تلعب دوراً يضرّ بمصالح العالم (اقرأ الولايات المتحدة الاميركية).

في الدوحة والجهات الإعلامية الدائرة في فلكها، فإن الصورة لا تختلف كثيراً. الخطاب هنا يركز أساساً على محاولة إبراز قوة التحالف بين قطر والإدارة الأميركية. حتى عندما يأتون على مضمون رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بسفير الامارات في واشنطن، يقول أنصار الدوحة إنها تعكس سعي أبو ظبي لإحداث ضرر في صورة حلفاء واشنطن، أي قطر، ثم يُكثرون من استضافة عاملين أو باحثين في مراكز دراسات تخضع لنفوذ الادارة الاميركية، وهم يظهرون الشكوك حول دور أميركي في خطوة السعودية والامارات.

مرة جديدة نعود الى المشترك بين الطرفين، وهو استرضاء الجانب الاميركي. وهو مشترك يعكس حقيقة تسليم هذه الدول بأن القرار الفصل يعود الى واشنطن. فهي من يملك السلطة والقدرة على إطلاق الحكم وتنفيذه، ما يجعل أيّ وساطة خليجية أو عربية تقوم بين المتنازعين غير ذات معنى، ما لم تحظَ برعاية الولايات المتحدة أو دعمها. ووساطة الكويت على وجه التحديد باتت تحتاج حكماً الى ضامن، وليس من ضامن في قاموس هؤلاء سوى الولايات المتحدة الاميركية.

في هذا السياق، ليس صدفة أو نوعاً من التسلية أن يسود اعتقاد واسع لدى الجمهور العربي، بأن الحملة تهدف إلى إجبار قطر على دفع حصتها من الأموال الواجب توفيرها للخزينة الاميركية مقابل الحماية والدعم. وحتى الذين يعتقدون أن دفع الاموال بدأ فقط في «قمة النذالة» المنعقدة أخيراً في الرياض، يرون أن قطر لم تقدم على ما فعلته الرياض وأبو ظبي. وبالتالي، فإن واشنطن معنية بتحريك النار من حول الجميع، والتأهب لإطفاء أيّ حريق، شرط الحصول مسبقاً على ثمن كبير.

هذا الاعتقاد يبقى هو الأقرب الى العقل، ليس لأنه لا توجد أهداف أخرى، مثل تعديل طبيعة وآلية الحكم المسيطر على دول مجلس التعاون الخليجي، بل لكون النتيجة المتوخاة أميركياً وغربياً من هذا التعديل هي وضع اليد على المزيد من الثروات العربية الموجودة في أرض الجزيرة العربية، من دون أي ضمانة من قبل أميركا بأنها ستقدر على منع انهيار النظم السياسية القائمة هناك. وعدم وجود هذه الضمانة ليس سببه تمنّع الاميركيين، بل سببه عجز الاميركيين عن القيام بذلك. ومن يعتقد بأن عواصم التاريخ العربي القديم أو المعاصر، في القاهرة وبغداد ودمشق، يمكن أن تلفّها النيران، وتبقى محصورة فيها، فهو مجنون مهما كابر المكابرون!
يبقى السؤال الذي يخصّ الناس، أو من يضع نفسه في خانة المواجهة مع هذه الدول، وكيفية التصرف إزاء حدث ستكون له تداعياته على كل بلادنا وشعوبنا.

ليس من واهم بأن تغييرات نوعية مقبلة على المنطقة. وإذا كانت الانتفاضات أو الثورات أو المؤامرات أو ما شاكل لم تأت بالديموقراطية ولم تحفظ الناس ولا التاريخ في البلدان الملتهبة، فإن من الصعب توقّع خروج دول مدنية وديموقراطية من رحم وحوش القهر القابضين على الجزيرة العربية. ومن يُرِد أن يتّعظ، عليه تمنّي تسويات تمنع احتراق هذه الدول، كي لا تزيد مصائب العرب، لكن، من دون التخلي عن الموقف الصارم بضرورة محاسبة هؤلاء، مثل الآخرين المسؤولين عن ويلاتنا ومآسينا منذ زمن بعيد!

مقالات أخرى لابراهيم الأمين:

Related Videos

Related Articles

طريق المقاومة: معركة التواصل الآمن من طهران إلى فلسطين

(تصميم سنان عيسى) | للصورة المكبرة انقر هنا

ابراهيم الأمين

في جوانب الأزمة الكبيرة القائمة في سوريا والعراق، يتجنّب كثيرون من أبناء بلادنا كما الأطراف المنخرطة في المعركة، الحديث عن البعد الجوهري لما يجري… وهو المتصل بالبعد الجديد لحركة المقاومة ضد الاحتلال والنفوذ الأميركي في المنطقة، وضد الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية.

هذا الكلام لا يعني أنّ جدول أعمال خاصاً بالشعوب في هذه الدول يجب أن يهمل تماماً، لكن لعبة الأولويات تجعل الناس في هذه المنطقة يلتفتون ولو متأخرين، إلى أن ما تلقَّوه من دعم مفاجئ وكبير من جانب الأميركيين والغربيين وحلفائهم، لا يستهدف تطوير حياتهم كبشر بقدر ما يستهدف تغيير طبيعة الحكومات القائمة وسلوكها، وهدف هؤلاء، لن يكون أبداً في تعزيز حقوق المواطن، بل في قمع أي محاولة للتمرد على النظام العالمي المستعمر لبلادنا والناهب لثرواتنا.

بالتالي، ومن دون البقاء أسرى النقاش – غير المجدي للأسف – حول طبيعة الأزمة القائمة وخلفيتها، فإنّ المشترك الفعلي بين القوى المتنازعة والأكثر حضوراً على الأرض، هو الصراع على الدور الاستراتيجي لهذه المنطقة، لا في رسم مستقبل الشرق الأوسط وحسب بل في وضع قواعد جديدة للنفوذ العالمي في منطقتنا. وهذا ما يجب أن يقودنا صراحة إلى مقاربة المرحلة الحالية من الصراعات الهائلة القائمة في العراق وسوريا، والمعارك الأقل سخونة الجارية في فلسطين ولبنان.

مكابر إن لم يكن أكثر، من يريد تجاهل حقيقة التبدّل الجوهري للصراع مع الأميركيين وإسرائيل بعد حرب تموز عام 2006. يومها لم يتعطل المشروع الأميركي ــ الإسرائيلي فحسب، بل جرى تثبيت جدوى خيار المقاومة. وهو ما فرض على قوى محور المقاومة وحكوماته الانتقال إلى مرحلة جديدة من التخطيط والعمل. لذلك، كان متوقعاً أن ينتقل العدو إلى مرحلة أخرى. وبناءً عليه، يمكن الجزم بأنَّ الحرب على سوريا تستهدف دورها المحوري في «هلال المقاومة». فهي أولاً، الحاضن الحقيقي لا الشكلي، للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وتشكّل ثانياً المجال الحيوي لكل منهما. ثم إن سوريا تمثّل واسطة عقد محور المقاومة الممتد من طهران إلى حزب الله في لبنان. وفوق ذلك، باتت سوريا مزوّداً للمقاومة في جزء مهم من ترسانتها العسكرية، وبعضها ذو طابع استراتيجي.

لذلك، شهدنا جولات كثيرة منذ ست سنوات إلى الآن، ولذلك أيضاًَ كان طبيعياًَ انخراط كل أطراف محور المقاومة في المعركة، كما كان طبيعياً العمل بقوة استثنائية على إبعاد قوى المقاومة الفلسطينية عن هذه المعركة. والحاصل اليوم، أن الجميع أقرّ بصعوبة إسقاط النظام في سوريا. كل ذلك، جعل العدو ينتقل إلى مرحلة تعطيل وظيفية الحكم السوري على صعيد المقاومة في المنطقة. وكان التركيز في الآونة الأخيرة على إبعاد سيطرة الجيش السوري عن الحدود العراقية، نظراً إلى اقتناع الأميركيين والإسرائيليين وحلفائهم من العرب بأن حصول تواصل عراقي ــ سوري على المقاطع الحدودية من شأنه أن يكرّس معادلة الهلال المقاوم ابتداءً من طهران وصولاً إلى لبنان وفلسطين.

من هنا، جاءت الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي ركّزت في الأشهر الأخيرة على محاولة فرض سيطرتها ــ حيث تستطيع ــ على طول الخط الحدودي بين البلدين. ومن خلال وجهة تترك السيطرة للفصائل الكردية و«قوات سوريا الديموقراطية» في الشمال السوري، والعمل على مساعدة الفصائل المسلحة المحسوبة على أميركا أو غرفة «الموك» في الجنوب الشرقي للسيطرة على المنطقة الممتدة جنوباً حتى معبر التنف. وهو أمر ترافق مع دعم أميركي واضح ومباشر للمجموعات المسلحة في مواجهة تقدم الجيش السوري وحزب الله في المنطقة الجنوبية، بالتزامن مع فرض «فيتو» على مشاركة «الحشد الشعبي» العراقي في معارك الموصل ورسم خطوط حمراء أمامه تمنعه من التقدم باتجاه تلعفر وغربها.

لكن الذي حصل فعلياً، هو أن قوات «الحشد» وصلت إلى الحدود في منطقة أم جريص (غربي القيروان، وجنوبي جبال سنجار)، ما يعدّ عملياً تجاوزاً واضحاً للخطوط الحمر الأميركية، وبما يسمح بفرض معادلة جديدة تقوم على فرض السيطرة على مقاطع من الحدود رغماً عن الإرادة الأميركية.

ويكفي هنا القول إنّ تمكّن قوى محور المقاومة (المتمثلة في «الحشد» عراقياً، والقوات السورية وحزب الله) من السيطرة على مقاطع حدودية إضافية، حتى يُكسَر الهدف الأميركي بإقفال الحدود، ما يجعل أي سيطرة أميركية على بقية الحدود أمراً عديم الجدوى.

عملياً، يمكن القول بأن ما حصل في الشمال، وبرغم أن المسافة التي يسيطر عليها «الحشد» تقلّ عن 15 كلم، فإنها الخطوة الأولى التي تفتح المعابر الاستراتيجية البرية بين أطراف محور المقاومة.

هذا يعني من الناحية العملية تقويض لكل الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى منع التواصل السوري ــ العراقي، وبالتالي فإنّ السيطرة على مقاطع حدودية بين البلدين وتحقيق الوصل الجغرافي البري بين بغداد ودمشق، تعني استراتيجياً إسقاط كل المفاعيل التي جرى الرهان عليها للحرب السورية، والمقصود تلك المتعلقة بإسقاط الدور الوظيفي للنظام السوري على مستوى محور المقاومة.

ما هو متوقع في المرحلة المقبلة، يمكن أن يفتح الباب على مفاجآت كبيرة. إذ بالرغم من الانتشار العسكري الأميركي المباشر، فإنّ المواجهة لم تحسم جنوباً مع وصول الجيش السوري وحزب الله إلى مسافة تقلّ عن 80 كيلومتراً من معبر التنف، خصوصاً أنّ أسبوعاً واحداً كان كفيلاً بطرد «داعش» من مساحة 9000 كلم مربع في كل المنطقة التابعة لبادية حمص، وحيث تعرضت مجموعات التنظيم لهزيمة غير مسبوقة، ولا سيما أنها خلّفت وراءها كمية هائلة من الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

فمن جهة، يجري الاستعداد من جانب الجيش السوري وحزب الله لخوض معركة استعادة مدينة السخنة (شمال شرق تدمر) التي تفتح الباب أمام معركة باتجاهين متلازمين: فك الحصار عن مدينة دير الزور، واستعادة السيطرة على الجانب السوري من معبر القائم مع العراق. علماً أنّ النقاش قائم بقوة داخل العراق حول إمكانية خوض المعركة الفاصلة في غرب الأنبار، ما يقود القوات العراقية ومعها «الحشد الشعبي» إلى الحدود من جهة القائم، في خطة معاكسة لخطة أميركية تقوم على إنشاء تحالف بين عشائر سورية وعراقية تنتشر على جانبي الحدود بإشراف مشترك مع الأردن، تبقى هذه المنطقة بعيدة عن سيطرة أو نفوذ قوى المحور المقاومة في البلدين.

من جهة ثانية، هناك لعبة عضّ أصابع جارية مع الأميركيين الذين يحاولون فرض واقع ثابت، يقول بمنع محور المقاومة من الاقتراب من هذه النقاط، وفق قواعد يجري تثبيتها حتى مع الجانب الروسي، الذي ربما لا يريد من حلفائه في سوريا التقدم صوب مواجهة الاميركيين على طول المقطع الجنوبي من الحدود مع العراق، لكن دون تخلي موسكو عن دورها في مساعدة الجيش السوري على إنهاء وجود «داعش» في كل هذه المنطقة.

هدف قوى المقاومة في منع إسقاط الحكم في سوريا تحقق، وهدف هذه القوى في محاصرة المجموعات المعادية يتحقق يوماً بعد يوم، أما هدف فتح ثُغَر كبيرة على طول الحدود مع العراق، فهو دخل مرحلة التنفيذ، وليس متوقعاً أن تتراجع قوى المقاومة عن توسيعه وتثبيته وحمايته مهما كلّف الأمر، ما يقود إلى تذكير الجميع بأنّ قواعد العمل في سوريا أو العراق لا تزال محكومة بتوافقات تشمل جميع الأطراف. وبالتالي نحن أمام احتمال كبير بأن تقع المواجهة المباشرة والفعلية بين حلفاء سوريا من حزب الله أو قوات الحرس الثوري، والقوات الأميركية إذا قررت الانخراط مباشرة في المعركة إلى جانب المجموعات المسلحة. وبالنظر إلى خلفية القرار عند حلفاء سوريا، يجب التعامل مع الاحتمال بجدية كبرى، ما يشير إلى شكل جديد من المواجهة في سوريا وربما خارجها…

مقالات أخرى لابراهيم الأمين

Related Videos

Related Articles

(تصميم سنان عيسى) | للصورة المكبرة انقر هنا

ابراهيم الأمين

في جوانب الأزمة الكبيرة القائمة في سوريا والعراق، يتجنّب كثيرون من أبناء بلادنا كما الأطراف المنخرطة في المعركة، الحديث عن البعد الجوهري لما يجري… وهو المتصل بالبعد الجديد لحركة المقاومة ضد الاحتلال والنفوذ الأميركي في المنطقة، وضد الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية.

هذا الكلام لا يعني أنّ جدول أعمال خاصاً بالشعوب في هذه الدول يجب أن يهمل تماماً، لكن لعبة الأولويات تجعل الناس في هذه المنطقة يلتفتون ولو متأخرين، إلى أن ما تلقَّوه من دعم مفاجئ وكبير من جانب الأميركيين والغربيين وحلفائهم، لا يستهدف تطوير حياتهم كبشر بقدر ما يستهدف تغيير طبيعة الحكومات القائمة وسلوكها، وهدف هؤلاء، لن يكون أبداً في تعزيز حقوق المواطن، بل في قمع أي محاولة للتمرد على النظام العالمي المستعمر لبلادنا والناهب لثرواتنا.

بالتالي، ومن دون البقاء أسرى النقاش – غير المجدي للأسف – حول طبيعة الأزمة القائمة وخلفيتها، فإنّ المشترك الفعلي بين القوى المتنازعة والأكثر حضوراً على الأرض، هو الصراع على الدور الاستراتيجي لهذه المنطقة، لا في رسم مستقبل الشرق الأوسط وحسب بل في وضع قواعد جديدة للنفوذ العالمي في منطقتنا. وهذا ما يجب أن يقودنا صراحة إلى مقاربة المرحلة الحالية من الصراعات الهائلة القائمة في العراق وسوريا، والمعارك الأقل سخونة الجارية في فلسطين ولبنان.

مكابر إن لم يكن أكثر، من يريد تجاهل حقيقة التبدّل الجوهري للصراع مع الأميركيين وإسرائيل بعد حرب تموز عام 2006. يومها لم يتعطل المشروع الأميركي ــ الإسرائيلي فحسب، بل جرى تثبيت جدوى خيار المقاومة. وهو ما فرض على قوى محور المقاومة وحكوماته الانتقال إلى مرحلة جديدة من التخطيط والعمل. لذلك، كان متوقعاً أن ينتقل العدو إلى مرحلة أخرى. وبناءً عليه، يمكن الجزم بأنَّ الحرب على سوريا تستهدف دورها المحوري في «هلال المقاومة». فهي أولاً، الحاضن الحقيقي لا الشكلي، للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وتشكّل ثانياً المجال الحيوي لكل منهما. ثم إن سوريا تمثّل واسطة عقد محور المقاومة الممتد من طهران إلى حزب الله في لبنان. وفوق ذلك، باتت سوريا مزوّداً للمقاومة في جزء مهم من ترسانتها العسكرية، وبعضها ذو طابع استراتيجي.

لذلك، شهدنا جولات كثيرة منذ ست سنوات إلى الآن، ولذلك أيضاًَ كان طبيعياًَ انخراط كل أطراف محور المقاومة في المعركة، كما كان طبيعياً العمل بقوة استثنائية على إبعاد قوى المقاومة الفلسطينية عن هذه المعركة. والحاصل اليوم، أن الجميع أقرّ بصعوبة إسقاط النظام في سوريا. كل ذلك، جعل العدو ينتقل إلى مرحلة تعطيل وظيفية الحكم السوري على صعيد المقاومة في المنطقة. وكان التركيز في الآونة الأخيرة على إبعاد سيطرة الجيش السوري عن الحدود العراقية، نظراً إلى اقتناع الأميركيين والإسرائيليين وحلفائهم من العرب بأن حصول تواصل عراقي ــ سوري على المقاطع الحدودية من شأنه أن يكرّس معادلة الهلال المقاوم ابتداءً من طهران وصولاً إلى لبنان وفلسطين.

من هنا، جاءت الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي ركّزت في الأشهر الأخيرة على محاولة فرض سيطرتها ــ حيث تستطيع ــ على طول الخط الحدودي بين البلدين. ومن خلال وجهة تترك السيطرة للفصائل الكردية و«قوات سوريا الديموقراطية» في الشمال السوري، والعمل على مساعدة الفصائل المسلحة المحسوبة على أميركا أو غرفة «الموك» في الجنوب الشرقي للسيطرة على المنطقة الممتدة جنوباً حتى معبر التنف. وهو أمر ترافق مع دعم أميركي واضح ومباشر للمجموعات المسلحة في مواجهة تقدم الجيش السوري وحزب الله في المنطقة الجنوبية، بالتزامن مع فرض «فيتو» على مشاركة «الحشد الشعبي» العراقي في معارك الموصل ورسم خطوط حمراء أمامه تمنعه من التقدم باتجاه تلعفر وغربها.

لكن الذي حصل فعلياً، هو أن قوات «الحشد» وصلت إلى الحدود في منطقة أم جريص (غربي القيروان، وجنوبي جبال سنجار)، ما يعدّ عملياً تجاوزاً واضحاً للخطوط الحمر الأميركية، وبما يسمح بفرض معادلة جديدة تقوم على فرض السيطرة على مقاطع من الحدود رغماً عن الإرادة الأميركية.

ويكفي هنا القول إنّ تمكّن قوى محور المقاومة (المتمثلة في «الحشد» عراقياً، والقوات السورية وحزب الله) من السيطرة على مقاطع حدودية إضافية، حتى يُكسَر الهدف الأميركي بإقفال الحدود، ما يجعل أي سيطرة أميركية على بقية الحدود أمراً عديم الجدوى.

عملياً، يمكن القول بأن ما حصل في الشمال، وبرغم أن المسافة التي يسيطر عليها «الحشد» تقلّ عن 15 كلم، فإنها الخطوة الأولى التي تفتح المعابر الاستراتيجية البرية بين أطراف محور المقاومة.

هذا يعني من الناحية العملية تقويض لكل الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى منع التواصل السوري ــ العراقي، وبالتالي فإنّ السيطرة على مقاطع حدودية بين البلدين وتحقيق الوصل الجغرافي البري بين بغداد ودمشق، تعني استراتيجياً إسقاط كل المفاعيل التي جرى الرهان عليها للحرب السورية، والمقصود تلك المتعلقة بإسقاط الدور الوظيفي للنظام السوري على مستوى محور المقاومة.

ما هو متوقع في المرحلة المقبلة، يمكن أن يفتح الباب على مفاجآت كبيرة. إذ بالرغم من الانتشار العسكري الأميركي المباشر، فإنّ المواجهة لم تحسم جنوباً مع وصول الجيش السوري وحزب الله إلى مسافة تقلّ عن 80 كيلومتراً من معبر التنف، خصوصاً أنّ أسبوعاً واحداً كان كفيلاً بطرد «داعش» من مساحة 9000 كلم مربع في كل المنطقة التابعة لبادية حمص، وحيث تعرضت مجموعات التنظيم لهزيمة غير مسبوقة، ولا سيما أنها خلّفت وراءها كمية هائلة من الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

فمن جهة، يجري الاستعداد من جانب الجيش السوري وحزب الله لخوض معركة استعادة مدينة السخنة (شمال شرق تدمر) التي تفتح الباب أمام معركة باتجاهين متلازمين: فك الحصار عن مدينة دير الزور، واستعادة السيطرة على الجانب السوري من معبر القائم مع العراق. علماً أنّ النقاش قائم بقوة داخل العراق حول إمكانية خوض المعركة الفاصلة في غرب الأنبار، ما يقود القوات العراقية ومعها «الحشد الشعبي» إلى الحدود من جهة القائم، في خطة معاكسة لخطة أميركية تقوم على إنشاء تحالف بين عشائر سورية وعراقية تنتشر على جانبي الحدود بإشراف مشترك مع الأردن، تبقى هذه المنطقة بعيدة عن سيطرة أو نفوذ قوى المحور المقاومة في البلدين.

من جهة ثانية، هناك لعبة عضّ أصابع جارية مع الأميركيين الذين يحاولون فرض واقع ثابت، يقول بمنع محور المقاومة من الاقتراب من هذه النقاط، وفق قواعد يجري تثبيتها حتى مع الجانب الروسي، الذي ربما لا يريد من حلفائه في سوريا التقدم صوب مواجهة الاميركيين على طول المقطع الجنوبي من الحدود مع العراق، لكن دون تخلي موسكو عن دورها في مساعدة الجيش السوري على إنهاء وجود «داعش» في كل هذه المنطقة.

هدف قوى المقاومة في منع إسقاط الحكم في سوريا تحقق، وهدف هذه القوى في محاصرة المجموعات المعادية يتحقق يوماً بعد يوم، أما هدف فتح ثُغَر كبيرة على طول الحدود مع العراق، فهو دخل مرحلة التنفيذ، وليس متوقعاً أن تتراجع قوى المقاومة عن توسيعه وتثبيته وحمايته مهما كلّف الأمر، ما يقود إلى تذكير الجميع بأنّ قواعد العمل في سوريا أو العراق لا تزال محكومة بتوافقات تشمل جميع الأطراف. وبالتالي نحن أمام احتمال كبير بأن تقع المواجهة المباشرة والفعلية بين حلفاء سوريا من حزب الله أو قوات الحرس الثوري، والقوات الأميركية إذا قررت الانخراط مباشرة في المعركة إلى جانب المجموعات المسلحة. وبالنظر إلى خلفية القرار عند حلفاء سوريا، يجب التعامل مع الاحتمال بجدية كبرى، ما يشير إلى شكل جديد من المواجهة في سوريا وربما خارجها…

مقالات أخرى لابراهيم الأمين

Related Videos

Related Articles

قمة النذالة!

ابراهيم الأمين

لم يغيّر النذل دونالد ترامب فاصلة في كل ما يقوله. لم يدخل تعديلاً على ابتسامته، ولا على مصافحته، ولا على ضحكته، ولا على قول ما لا يضمر. حتى سيداته، استبدلن لباسهن بما لا يخفي المجون المرافق دائماً للمرابي والسارق.

وكذلك هي حال الأنذال الآخرين. لم يعدّلوا في ابتسامة الأبله المسرور بسرقته أمام عينيه. لم يغيّروا أبداً في سلوك مراضاة السيد الابيض منذ تعرفوا عليه عبيداً قبل قرون، وتركوا خزائن الذهب والزخرف تسبقهم الى السيد الذي ينتظرون منه ابتسامة الرضى فقط. ولم يجدوا كاتباً أو فقيهاً من أهل البلاط يدخل مفردة جديدة على خطاب التسليم. وفوق كل ذلك، ها هم يصطفون مثل عبيد القرون القديمة الذين ينالهم الرضى إن رمقهم السيد الابيض بنظرة فقط.

لا يهمّهم كم سيدفعون من ثرواتنا، ولا يهمّهم كم سيصرفون من دمائنا، ولا يهمّهم حجم اللهيب الذي يوقدون فيه نارهم. كل ما يهمّهم البقاء لصيقين بكراس عفنة ولو طليت بالذهب، وكل ما يهمّهم مراضاة من يغطّي عجزهم وكسلهم وفقر أنفسهم، وهم يستعدون لدفع كل ما يتوجب، من ثروة وأنفس وكرامات، لقتل من تجرّأ ورفع ا

لصوت سائلاً عن حقه وأرضه وعرضه…

الصور الآتية من مملكة القهر ليس فيها غير نار الجحيم التي تنتظر بلادنا بفعل هلوسات أمراء الموت والعدم.
الأخبار الواردة من هناك ليس فيها سوى نذير الشؤم، بأن علينا الاستعداد لسماع أنين وصراخ أطفال وإخوة وأبناء ونساء ورجال يصيبهم رصاص طاغية العالم.

لكن، هل هو قدرنا؟

زماننا، وسنواتنا السابقة والحاضرة، المليئة بالدماء النقية، والرؤوس المرفوعة على الأشهاد، تقول لنا، وتقول لهؤلاء المجانين، إن الغزو إن حصل، لن تفتح له الأبواب، ولن تترك له الأرض والسماء، بل سيكون فوق كل غيمة، وتحت كل حبة رمل، من يحمل خنجره، الذي يسعى الى مسكنه في نحور هؤلاء الأنذال وأسيادهم، المجتمعين في قمة النذالة…

ولأن حال هؤلاء القذرين لم يتغيّر، فلا بأس من إسماعهم، مجدداً، ما قاله الكبير مظفر النواب قبل عقود:

أولاد القحبة…
من باع فلسطين/ سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام/ ومائدة الدول الكبرى
أولاد القحبة/ لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم/ إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
الآن أعريكم
في كل عواصم هذا الوطن العربي قتلتم فرحي/ في كل زقاق أجد الأزلام أمامي
أصبحت أحاذر حتى الهاتف/ حتى الحيطان وحتى الأطفال
أعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذيء كهزيمتكم.
يا شرفاء المهزومين/ ويا حكام المهزومين/
ما أوسخنا… ما أوسخنا… ما أوسخنا ونكابر
ما أوسخنا/ لا أستثني أحدا.
هل وطن تحكمه الأفخاذ الملكية… هذا وطن أم مبغى/
ماذا يدعى استمناء الوضع العربي أمام مشاريع السلم/ وشرب الأنخاب مع السافل (من فورد الى ترامب)؟
أصرخ فيكم
إن كنتم عربا… بشرا… حيوانات/ فالذئبة… حتى الذئبة تحرس نطفتها/ والكلبة تحرس نطفتها/ والنملة تعتز بثقب الأرض
لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية
يا أمراء الغزو موتوا
سيكون خرابا… سيكون خرابا… سيكون خرابا!

Related Videos

Related Articles

سليم الحص، ضميرنا الذي يصرخ بنا… أفيقوا

 jamila_x2

سليم الحص، ضميرنا الذي يصرخ بنا… أفيقوا!

ابراهيم الأمين

من أطلق على الرئيس سليم الحص لقب ضمير لبنان، لم يخطئ أبداً. هو ليس الرجل صاحب الضمير الذي يرفض الفعل الحرام وحسب، بل هو الضمير الذي يؤنّب كلّ من أمضى نهاره وهو يرتكب الفعل الحرام أو يسكت عنه.

سليم الحص هو الضمير الذي نحتاج إليه جميعاً في حياتنا اليومية. هو من يقول لنا كل يوم إن العيش ممكن من دون مدّ اليد الى جيوب الآخرين. وهو من يقول لنا كل يوم إن العيش جميل من دون أقنعة وقفازات. وهو من يقول لنا كل يوم إن الحياة الكريمة تتطلب نفساً كريمة لا تقبل الذل ولا الهوان. وهو من يقول لنا كل يوم إن تجاوز حقوق الآخرين، أكانوا دولة أم مؤسسات أم أفراداً، إنما هو رجس من عمل الشيطان يجب تجنّبه. ومن يقول لنا كل يوم إن الصمت عن فاعلي الشر هو مشاركة في فعل الشر نفسه.

سليم الحص، هو الضمير الذي لا يتعب، وهو الذي يقول لنا كل يوم إن الإنسان، في أي وقت من حياته، وفي أي مكان يعيش فيه، لا مبرر له لقبول الضعف أمام متجبّر طاغية. وهو الذي يقول لنا كل يوم إن السنوات مهما كانت طويلة أو قصيرة، لا معنى لها إن لم يكن صاحبها واقفاً حيث يجب أن يكون، أي حيث الحق.

سليم الحص هو الضمير الذي يعذبنا جميعاً، عندما نقف متخاذلين أمام جبروت ظالم لا نحرّك ساكناً. وهو الذي يقول لنا كل يوم ان أفيقوا، واصرخوا في وجه الجلاد رفضاً، وافهموا أن الظلم اللاحق بكم، وبقريبين منكم بصلة الدم، إنما هو نفسه الظلم الذي يلحق بإخوة لكم بصلة الهوية والثقافة، وهو نفسه الظلم الذي يلحق ببني البشر المواجهين لقهر الظالمين أينما وُجِدوا على هذه الأرض.

أمس، أعلن سليم الحص، الذي فاق عمره 87 عاماً، الإضراب عن الطعام، تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو الإسرائيلي. صرخ بنا جميعاً، بصوت يتفوّق على صراخ القاهرين، بأن تنبّهوا الى عدو حاقد لم يتوقف يوماً عن قتلنا وقهرنا، ولن يتوقف حتى ولو انخرطنا في نهش لحوم بعضنا. وهو يصرخ بكل من يعتقد نفسه ناطقاً أو معنياً أو منتمياً الى هذه الأمة، أن في هذه المنطقة أرضاً اسمها فلسطين، وفوقها يعيش شعب مظلوم اسمه شعب فلسطين، ويحتلها قاهر اسمه مغتصب فلسطين، وفي سجونه، يحشر الأبناء الإخوة من أسرى فلسطين، وأن هؤلاء يحتاجون منا إلى كل فعل يساعد في خلاصهم وخلاص فلسطين.

ليس مثلك أيها الإنسان الرائع، ليس مثلك بيننا اليوم مَن يجعل آمالنا تتفوّق على خيباتنا، وليس مثلك من نسعى للتماثل مع ظله إذا أمكن، علّ الضمير الذي يسكننا يبقى يقظاً، حياً، مثل روحك الطيبة التي لا هواء يتّسع لها.

سليم الحص وشوقي يونس

ناصر قنديل

مايو 3, 2017

– في بادرتين منفصلتين أقدم كلّ من الرئيس الدكتور سليم الحص والدكتور الطبيب شوقي يونس على مبادرتين، تستدرج كلّ منهما دمعة من العين ورفّة في القلب لشفافية الروح الإنسانية التي تسكن كلاً من هذين الرجلين العظيمين، وتشكّل من كلّ منهما مثالاً لرجل الشأن العام، والرئيس الحص ضمير العرب ورئيس رجال الدولة بينهم لا حزب ولا طائفة ولا ميليشيا وراءه، بل عقله وضميره وحدهما وراءه وقلبه أمامه. وقف أمام زلزال يصيب الضمير يتمثل بالإضراب المفتوح عن الطعام حتى الموت الذي أعلنه الأسرى في سجون الاحتلال، في ظلّ صمت مطبق عربياً وإسلامياً وعالمياً، فما وجد إلا جسده النحيل والمتعَب يقدّم عبره كلمة التآخي التي اشتاق إليها المُضربون من أبناء أمّتهم، معلناً صيامه ليوم تضامناً معه، واليوم كافٍ مع الحال الصحية للرئيس الحص لتعريض حياته للخطر. أما الدكتور شوقي يونس الذي سمع به اللبنانيون حديثاً، فهو طبيب من بلدة الصرفند الجنوبية يحمل فكر والتزام الحزب السوري القومي الاجتماعي، أقدم على التبرّع بكليته لمريض يحتاجها ولا تربطه به مصلحة، مُخاطراً بحياته وما سيرتّبه التبرّع من إرباك لنمط عيشه، وخلفيّته الوحيدة، القيام بما يشعر ضميره بالراحة ويمنح الحياة الإنسانية معنى التشارك، والتضحية، حيث يمكن إنقاذ حياة أخرى بقدر من المخاطرة الطوعية والتطوّعية.

– الرجلان ينتميان إلى مدرسة واحدة تترفّع عن الجسد ومتطلباته، وعن الـ«أنا» وعقدها وأمراضها، لكنهما ليسا مجرّد فاعلَي خير، بل هما ناشطان منتميان فكرياً بقوة لخيار المقاومة والوحدة الاجتماعية والقيم الإنسانية في ممارسة ومقاربة الشأن العام، وخطوة كلّ منهما تقول بقوة إنّ هذه النماذج تنضح عفوياً وتلقائياً بما يفيض عن قدرات البشر العاديين، لأنّ النفوس والأرواح التي تسكن أجساد المؤمنين بفكر إنساني كبير والذين يعبّرون عن التزام على هذا القدر من الصدق والأخلاق والجدّيّة، يسقط فيه أيّ فاصل ولو افتراضي بين القول والفعل. هي النفوس التي يليق بها تعاطي الشأن العام تنحني لها مواقع القيادة، وتشعر مَن ينتمي معها للمنهج والفكر ذاتهما بالسمو والفخر، وتطرح التساؤلات الجدية حول العلاقة بين السياسة والأخلاق، وحول الإنسان السياسي، الذي كثر ربطه بالكذب والنفعية والرخص الأخلاقي، لتأتينا نماذج تقول السياسة، بما هي أعلى مراتب المسؤولية في المجتمع لا تستقيم إلا لرجال ونساء من هذا الطراز. طراز لا مكان للسياسة فيه إلا بصفتها فعل أخلاق وإنسانية وترفّع وكبر وتضحيات وصدق وشفافية في الروح قبل اللسان.

– أوسمة على صدور أمتنا وبلادنا هذه النماذج وفخر لمن ينتمون لمفاهيم يتشاطرونها معهم، والذين يرونهم مثالاً يُحتذى لمريدي عقيدة المقاومة وفكر الحرية والتحرير.

(Visited 1٬238 times, 65 visits today)
%d bloggers like this: