ليست ليلة رأس السنة

Image result for ‫ابراهيم الأمين‬‎ابراهيم الأمين

الناس الخارجون من العاصمة باتجاه المناطق، يذهبون بغالبيتهم للمشاركة في الانتخابات النيابية. صحيح أن هواة الاستجمام لهم حصتهم. لكن الذين يريدون الاقتراع أو المقاطعة يعرفون أن غداً هو يوم مهم.

يوم مهم، لأن لبنان مقبل على تحديات غير مسبوقة. برضى أو بغير رضى أهله، وهي تحديات، لا تتصل هذه المرة بحجم الدين العام، أو بمصير مشروع إنمائي أو تشكيلات إدارية. بل هي، متصلة هذه المرة، وأكثر من أي مرة، بموقع لبنان في المعركة الإقليمية ــــ الدولية القائمة في المنطقة، والتي ترتفع فيها الأسقف إلى حيث لا شيء إلا السماء!

(مروان بوحيدر)

الأسئلة الكثيرة الخاصة بالعملية الانتخابية قد توحي بأن الناس لاهية عما يجري حولنا. وبرغم أن الشعارات الانتخابية تستخدم ملفات المنطقة كأداة للتعبئة، إلا أن القوى السياسية، كما جمهورها، تتصرف فعلياً بأن الخيارات الانتخابية هي حكماً جزء من الخيارات السياسية الكبرى. وهذا ما يسهّل فهم التدخلات الخارجية في هذه الانتخابات، وما يجب فهمه أن هذا البلد يقوم على قواعد عمل ليست كلها من بنات أفكار اللبنانيين، ولا من عضلاتهم ولا من جيوبهم. وإذا بقي الجميع في حالة إنكار، فإن ما نُقبل عليه قريباً جداً سوف يجعل انتخابات الغد، كأنها «صبحية» متأخرة في أول يوم من السنة الجديدة.

غداً، الجميع سيشاركون في العملية السياسية. المقترع والممتنع على حد سواء. ولكل فعل نتيجته المباشرة. لكن الحقيقة التي سيعيشها الناس بعد الأحد الكبير، هي أن الأزمة الداخلية لم تكن متصلة بهذا القدر مع أزمة المنطقة. تعقدت الأمور وتداخلت الى حدود صار معها بالإمكان القول، لا الادعاء أو الزعم، بأن اقتصاد لبنان رهن خياراته السياسية في المنطقة. وأن عيش الناس وأعمالهم رهن خياراتهم السياسية. وأن أحلامهم بالبقاء هنا، أو الهجرة والبحث عن فرص في بلاد الأحلام، هي أيضاً رهن خياراتهم السياسية. كما أن مستقبل الآباء قبل الأبناء، هو فعلياً رهن هذه الخيارات السياسية.

من قرر الاقتراع، سوف يدفع قريباً جداً ثمن ما اقترفت يداه. فلن تنفعه أبداً كل تبريرات تستند الى حكاية الزعبرة اللبنانية. سيعرف الذين رفضوا مساءلة من صوّتوا لهم قبل تسع سنوات، أنهم إذا أعادوا الكرّة، فسيحصدون المزيد. وهذا المزيد ليس إيجاباً في كل الأمكنة. سوف يحصل الملتصقون بالخيار الأميركي ـــ السعودي على نتائج قاسية تشمل الإحباط والتعب والنزف، إن هم اعتقدوا أن بالإمكان الاستمرار بهذه الحالة لعقد إضافي. وفي المقابل، سيحصل الملتصقون بخيار المقاومة على فرصة لحياة أفضل، لكنها تحتاج الى خوض معركة قاسية جديدة، فيها الكثير من الدم والدموع. والمشكلة التي تزعج قسماً غير قليل من اللبنانيين، أن محاولة تبني الحياد، والقول بخيار ثالث، هي محاولة خارج الواقع، وهي لا تتصل أبداً بما يجري في لبنان ومن حوله، وهي محاولة سخيفة تفترض أن هذا البلد لديه فائض بشري ومادي وسيادي يتيح له التنمّر على العالم، وهي محاولة مجنونة، تصب في خدمة أحد الفريقين الواضحين في خياراتهما. ومتى وقعت الواقعة، لن يبقى لهؤلاء حتى حائط للبكاء.

الساعات المتبقية ليوم غد هي للاستعداد لوقائع ستدهمنا جميعاً، ومن دون استثناء، ذات صباح قريب!

ما هو مهم غداً، أن غالبية كبيرة جداً من اللبنانيين المقيمين فعلياً في هذا البلد ستشارك في العملية الانتخابية. أما شعار الأغلبية الصامتة، فهو شبيه بكذبة الفرادة اللبنانية. هو شعار العاطلين من الفعل السياسي. وهو شعار الخاسرين غير القادرين على إقناع أنفسهم قبل الآخرين بقدرتهم على التغيير. ونتائج الأحد الكبير، ستكشف أن غالبية تلامس 85 بالمئة من العائلات اللبنانية المقيمة هنا، من مقترعين وأفراد عائلاتهم الممنوعين من الاقتراع بسبب القانون، هي التي وضعت أوراقها في صناديق الاقتراع. وأن خانة «لا أعرف» أو «لا أحد» التي ترد كثيراً في استطلاعات الرأي، ستكون «لا شيء» في حصيلة يوم الانتخاب.

صحيح أن من قرر الاقتراع قرر التعبير علناً عن موقفه، وأن من قرر المقاطعة قرر التعبير علناً عن قرفه، لكن، ليس هناك من لم يدل بصوته. الجميع سيكون مقترعاً غداً. ونتيجة الاقتراع التي تظهرعلى شكل توزيع لمقاعد نيابية، هي التي تمسك بمقاليد حياة الجميع، مقترعين ومقاطعين. ولذلك، فإن كل محاولات التغابي والإنكار، والهروب من السؤال الكبير حول موقع لبنان في الصراع الكبير من حولنا، هي محاولات لا تنفع في منع الناس من تحمّل النتيجة قريباً، وقريباً جداً…
ما قد يرفض البعض الإقرار به، هو أن اللبنانيين الذين تورطوا جميعاً في كل صراعات المنطقة سيكونون جميعاً على موعد قريب مع مواجهة، قد تكون الأخيرة من نوعها في المنطقة. وسيكون الجميع متورطاً فيها، وعندها لن تنفعهم كل قصائد «النأي بالنفس» و«العيش المشترك» و«المسافة الوحيدة من الجميع». وما يعدّ للمنطقة من مواجهة شاملة، تقع فجأة أو نتدحرج صوبها سريعاً، لن يعيد سؤال الناس عن رأيهم في أي خيار يفضلون، كما لن يكون بمقدور فريق منع الفريق الآخر من القيام بما يتوجب عليه من خطوات تعبّر ساعتها عن حقيقة التزامه السياسي…

الساعات المتبقية ليوم غد، ليست ساعات الاستعداد لسهرة رأس السنة، بل هي ساعات الاستعداد لوقائع ستدهمنا جميعاً، ومن دون استثناء، ذات صباح قريب!

Advertisements

صراخ إسرائيل: احموني أو أمسكوني!

 الثلاثاء 10 نيسان 2018

ابراهيم الأمين

تكفي مراجعة خارطة الجمهورية العربية السورية وتوزّع مناطق السيطرة والنفوذ على مختلف مناطقها، حتى يتيقّن المراقب بأن استعادة دمشق سيطرتها على أراضيها تقدمت بطريقة مذهلة خلال العامين الماضيين. في هذه الحال، يمكن فهم حال الذعر التي تسود القوى والدول المعادية لسوريا وحلفائها. إذ يمكن، خلال أسابيع قليلة، الحديث عن وجهة تقود إلى عنوان واحد: فشل مشروع السيطرة الأميركية ــــ الأوروبية ــــ الإسرائيلية ــــ الخليجية على سوريا، مقابل تعاظم نفوذ الدولة السورية، وإلى جانبها حليفاها المركزيان: إيران وحزب الله. فكيف في ظل استدارة روسية كبيرة تمثلت في توفير موسكو أضخم مظلة عسكرية للمعركة المفتوحة في وجه الارهاب؟

منذ أواخر الصيف الماضي تنشغل إسرائيل، مع الولايات المتحدة وعواصم أوروبية وخليجية، في كيفية احتواء الهجوم المضاد الذي تشنّه دمشق وحلفاؤها. الهاجس المركزي لم يعد في دعم المجموعات المسلحة، بل في جعل الساحة السورية غير قابلة للحياة، لا للدولة ولا للناس ولا للآخرين. ما يهم إسرائيل، هنا، يفوق بكثير ما يهم العواصم الأخرى. ذلك أن ما يسمى بالأمن القومي بات في دائرة الخطر الحقيقي، وبالتالي انتقلت تل أبيب إلى مرحلة البحث عن آليات عملانية تضمن أمنها، سواء من خلال التوجه إلى روسيا أو من خلال حثّ العواصم العربية المعادية لدمشق على إطالة أمد الحرب عبر تعزيز المجموعات المسلحة، أو عبر استغلال الوجود العسكري الأميركي المستجد لفرض توازنات تمنع تعرض إسرائيل للخطر.

عملياً، كل المحاولات الإسرائيلية باءت بالفشل، ما جعل قادة العدو يدركون أنّ تحقيق المصالح يتطلب المبادرة من دون الاتكال على أحد. هذه القناعة تعززت مع فشل الغرب في تحصيل ضمانات روسية، ومع فشل محاولات تعويم المجموعات المسلحة. وفي كل مرة عمد فيها العدو إلى الاعتداء على سوريا كانت الأمور تتعقد أكثر، إذ لا نتيجة سياسية لذلك. فلا روسيا قبلت التعهد بتوفير ضمانات لإسرائيل، ولا إيران اعتبرت نفسها معنية بالرسائل الإسرائيلية، بينما ذهبت دمشق ــــ بالتعاون مع حزب الله ــــ إلى تعزيز الواقع الميداني بما يسمح بالرد المباشر على تل أبيب متى أتيحت الفرصة. اتضّح ذلك، مثلاً، في العاشر من شباط الماضي، عندما أُسقطت طائرة إسرائيلية ما فرض على العدو تحدياً جديداً، بينما كانت الوقائع الميدانية تفرز المزيد من النجاحات للجيش السوري وحلفائه، بما في ذلك منع العدو من القيام بأي خطوة ذات فائدة في الجنوب السوري.

الهاجس المركزي أصبح في جعل الساحة السورية غير قابلة للحياة لا للدولة ولا للناس

اليوم، تشعر إسرائيل بأن الأمور قد تتخذ منحى خطيراً بالنسبة لها. فهي غير قادرة على البتّ في قرار شنّ حرب شاملة ضد الجبهة الشمالية التي تشمل سوريا ولبنان وحتى إيران. كما أنها لا تضمن مشاركة أميركية ــــ أوروبية ــــ عربية في مثل هذه الحرب. وبالتالي، تجد نفسها مضطرة للعمل بمفردها.

قبل أسابيع، يوم انطلقت معركة تحرير الغوطة الشرقية، راهنت تل أبيب على تحرك غربي من نوع مختلف. حينها حاول الأميركيون، بالتعاون مع الأوروبيين، «القيام بشيء ما»، وصدرت تهديدات كبيرة مترافقة مع استنفار عسكري غير مسبوق للقوات الأميركية في المنطقة. لكن الوقائع لم تقد إلى تحقيق الهدف الإسرائيلي بشن الحرب المعاكسة، بل خرج دونالد ترامب ليتحدث عن رغبته بسحب قواته من سوريا بصورة نهائية. وهي الخطوة غير الواقعية، بحسب المعادلات، لأنها تحمل في طياتها اعلان هزيمة كبرى لها في سوريا، وترك المنطقة أمام نفوذ مختلف نوعاً وكمّاً لخصوم إسرائيل.

ما الذي حصل؟

كان الجميع يتوقع أن يبادر الغرب إلى خطوة ما مستغلاً مسرحية السلاح الكيميائي في الغوطة. إلا أن الأمر كان سيبقى في إطار محدود. بمعنى أن أي ضربة أميركية ـــ أوروبية في سوريا لن تتخذ طابع الضربة الاستراتيجية التي تهدد النظام في دمشق، فموسكو أولاً لا تقبل بذلك، ما يعني احتمال حصول صدام أميركي ــــ روسي فوق سوريا، وهو أمر ليس مطروحاً على جدول أعمال البلدين. بالتالي، كان الجميع، حتى ساعة متقدمة من ليل أول من أمس، لا يستبعد حصول ضربة أميركية، لكن على نحو مشابه (ولو أكبر بقليل) لضربة الشعيرات التي تلت مسرحية «كيميائي خان شيخون». لكن، فجأة، خرجت طائرات العدو لتنفذ هجوماً مدروساً ومقرراً ضد قاعدة «شاهد» الإيرانية التي تشتمل على منظومة عمل الطائرات المسيرة في مطار «تي فور». إذاً، قالت إسرائيل إنها اختارت لحظة مناسبة، لتجاوز نتيجة ما حصل في 10 شباط الماضي ولدفع جميع اللاعبين على الساحة السورية، إلى طرق أبوابها بحثاً عن حلّ. وهي خطوة تستهدف تحقيق مجموعة من الأهداف.

عملياً، ينتظر الجميع الردّ على الغارة الإسرائيلية، وهناك ترقب للموقف الإيراني، مع العلم أن الجميع لا يزال ينتظر القرار الأميركي ــــ الأوروبي النهائي بشأن توجيه ضربة جديدة ضد الدولة السورية.

المنطقة أمام أيام حساسة للغاية. صحيح أن الجميع لا يريد الدخول في مواجهة شاملة. لكن مرور العدوان الإسرائيلي من دون نتائج سياسية مناسبة للعدو يدفع تل أبيب إلى تكرار الخطوة، وفي هذه الحال نكون أمام مزعج يطرق الباب مراراً وتكراراً… ما يوجب في لحظة ما أن يخرج من يردّ عليه!

من ملف : سوريا: من يرسم المعادلة الأخيرة؟

الوقاحة القطرية

Related image

هو نفسه، الأمير السابق لقطر حمد بن خليفة آل ثاني، روى كيف أنه قصد ووزير خارجيته حمد بن جاسم الولايات المتحدة الأميركية، ساعياً إلى الحصول على اعتراف كامل بحكمه من واشنطن. قال الرجل إن الأمر لا يحتاج إلى كثير شرح، حتى نفهم نحن العرب أن الغطاء الأميركي هو الوحيد الذي يكفل استمرار حكمك، فكيف إذا كانت السعودية تريد رأسك؟

رواية «الأمير الوالد»، كما يُطلق عليه اليوم بعد تركه منصبه لنجله تميم، لا تتوقف عند السعي إلى مباركة أميركية لانقلابه على والده. بل يستمر في الكلام، قائلاً إن موظفاً أميركياً رفيع المستوى زاره في مقر إقامته في أميركا، وقال له: 

الأمر بسيط، عليك التوجه من هنا إلى فندق آخر حيث يقيم شمعون بيريز. اجلس وتفاهم معه، وعندما تعود، أُبلغك بموعدك في البيت الأبيض.

مرّت سنوات طويلة على هذه الحادثة وحصلت تطورات كثيرة، لكن القاعدة النظرية لضمان حماية النظام القطري لا تزال هي نفسها. وعندما قررت السعودية والإمارات ومصر عزل قطر قبل مدة، سارعت الدوحة إلى العنوان المناسب: الولايات المتحدة وإسرائيل!
التوتر القطري الناجم عن الحصار المفروض عليها من قبل دول خليجية وعربية، دفعها إلى القيام بخطوات سياسية كثيرة، من بينها العمل على تطوير العلاقات مع روسيا وإيران وتركيا، وإعادة الحرارة إلى هواتف توصلها بحكومات وقوى وشخصيات متنوعة في العالم العربي، مبدية استعدادها لفتح صفحة جديدة مقابل الحصول على دعم هذه الجهات في مواجهتها الحصار.
تتمسّك الدوحة بسياسة إرضاء إسرائيل لأجل كسب حماية أميركا على حساب الفلسطينيين
وفي هذا السياق أبدى القطريون الاستعداد للقيام بتغيير العديد من سياساتهم في المنطقة، بما في ذلك، وتحديداً، في ملفات سوريا والعراق واليمن، وأن يلعبوا دوراً سمّته الدبلوماسية القطرية «احتواء الإخوان المسلمين».
عملياً ما الذي حصل؟
في الملف العراقي، اكتشف القطريون أنّ السعودية لا تترك مجالاً لأحد، وأن تورط الولايات المتحدة الاميركية في إرسال جنودها من جديد إلى هناك لا يوسع هامش المناورة أمام الدوحة. وجاءت قصة احتجاز أفراد من العائلة الحاكمة إلى جانب قطريين آخرين في العراق، والتسوية التي قضت بإطلاقهم، لتخفّفا من دعم المجموعات الارهابية المقاتلة للدولة العراقية. لكن الأمر لم ينسحب على الدعم الاعلامي والسياسي المستمرين، بما في ذلك دعم أنصار النظام العراقي السابق، وبعض القيادات الاسلامية القريبة من تنظيم «القاعدة».
في سوريا، تعرضت المجموعات المدعومة من قطر لضربات كبيرة في الميدان. والمجموعات السياسية الخاضعة لسلطة قطر، تعرّضت بدورها لحصار نتيجة عدم فعاليتها، بينما تولّت السعودية سحب قسم منها باتجاهها. لكن قطر ظلت، وبإشراف تركي، تقدم الدعم المالي للمجموعات الارهابية، وخصوصاً في الشمال السوري، ولا سيما منها «جبهة النصرة»، والتي لا تزال حتى اليوم تملك نفوذا كبيراً داخل قياداتها الدينية والميدانية، رغم أنّ الدوحة أبلغت الجميع أنها في صدد وقف الاتصالات مع هذا التنظيم، وأنها لن تشارك في أي وساطات جديدة، بما في ذلك «اعتذارها» عن المساهمة في الوساطات التي قامت على إثر الضربات التي وجهت إلى «جبهة النصرة» على الحدود اللبنانية ــ السورية، علماً بأن قطر لم توقف دعمها الاعلامي والسياسي للمجموعات المسلحة السورية، وهي لا تزال تقود أوسع حملة بالتعاون مع الاميركيين والفرنسيين لمنع أي تواصل مع الحكومة السورية.
في اليمن، تصرفت قطر على أنها «تحررت» من الورطة السعودية. لكن موقفها الفعلي لم يكن ــ وليس هو الآن ــ ضد العدوان وضد الجرائم اليومية بحق الشعب اليمني، وكل ما في الأمر أنّ الدوحة تريد منافسة الرياض وأبو ظبي على النفوذ في البلد المنكوب، ولديها جماعاتها هناك، ولا سيما المجموعات المتصلة بالإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) وبعض القيادات القومية العربية ومجموعات سلفية. وهي عندما ترفع الصوت ــ إعلامياً ــ لا تُقدم على أي خطوة عملية في اتجاه وقف حمام الدم في اليمن. بل حتى عندما يتطرق الأمر إلى مفاوضات جانبية، تظهر قطر التزاماً كاملاً بالتوجّهين الأميركي والبريطاني في ما خصّ المفاوضات مع «أنصار الله» حول مستقبل اليمن.
لكن كل ما سبق ليس إلا ذرة مقابل ما تقوم به في الملف الفلسطيني. وهنا بيت القصيد، حيث تعود الدوحة إلى «القاعدة الذهبية» التي تقول إن الحصول على دعم غربي في مواجهة ضغوط السعودية والإمارات ومصر، يتطلب رضى أميركياً صريحاً. ولهذا الرضى مداخل عدة، أبرزها رضى إسرائيل،

وهذا ما يتضح أن قطر تقوم به، سواء من خلال برامج التعاون القائمة بواسطة موفدها إلى غزة السفير محمد العمادي، الذي يفاخر بعلاقاته الإسرائيلية وبلياليه الحمراء في تل أبيب ولقاءاته المفتوحة مع القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية، أو من خلال ممارسة أبشع عملية ابتزاز بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، لجهة المحاولات المستمرة لمقايضة برنامج الدعم للإعمار بالحصول من الجانب الفلسطيني على تنازلات تخصّ ملف الصراع مع إسرائيل. مع التذكير بأنّ قطر روّجت، ولا تزال، لفكرة تقول إن فشل مساعي التسوية السياسية يرافقه فشل في برنامج المقاومة. وهي فكرة تستهدف الدخول إلى العقل الجمعي للفلسطينيين وتثبيت أن الأكل والشرب أولوية لا تسبقها أيّ أولوية، بما في ذلك معركة الاستقلال.

Hamas Joke: Al-quds waiting for “men”, the half-men fighting Syria

ما يصل من غزة، وبقية فلسطين، عمّا تقوم به قطر، من خلال مندوبها، لا يبشّر بالخير، ويؤكد مرة جديدة أن كل ما تقوم به «فقاعة الغاز» لا يعدو كونه منافسة للإمارات والسعودية على كسب ودّ الولايات المتحدة وإسرائيل.
Related image

والمشكلة هنا ليست مع قطر نفسها، بل مع من لا يزال من الفلسطينيين أو العرب يثق بأنها تقف فعلياً إلى جانب الحق العربي في التحرر من الاحتلال ومن التبعية للغرب الاستعماري… إنه زمن الوقاحة القطرية!

 

المواجهة الشاملة… حتماً!

المواجهة الشاملة… حتماً!

Related Videos

Either America or Al-Quds إما أميركا… وإما القدس!

Either America or Al-Quds

al-Quds

Ibrahim Al-Amin

What Donald Trump did yesterday might be the best opportunity to stabilize the situation originating from the settlement colonial project called “Israel”. Yesterday, dissolutely and rudely, America has told us – despite the will of some of its allies and partners in the colonial project – what it has been telling us throughout the ages and eras that it is the source of our oppression, misery and injustice.

This means, we will not recover an inch of Palestine unless we declared an all-out war against it and work to turn its life into hell, its banner into a slogan of shame, and its army into a mobile monster in the world. Isn’t it time for the Arabs to realize that America, in short, is the origin of scourge and evil? As for “Israel”, let us leave it aside. Whatever is said about its “power, superiority and preparation”, it is but an American-British colony that cannot live one day without the protection, care and blind support of the West.

This colonial West, and specifically the United States of America, is the reason for the existence of the usurper entity. All its efforts forcibly extend “Israel’s” artificial existence, which is contrary to truth and logic and the movement of history, as it waits for its definite end.

This is the lesson the arsonist at the White House is teaching the Arab people today. Some Arab rulers have not understood for seventy years that “Israel” is nothing without the protection of the West and will not exist without America’s cover and support. “Israel” is no longer the source of fear and anxiety, after the destruction of its military legend by the popular resistance in Lebanon and Palestine. Nothing that it does alone can keep it alive, not even for one hour.

Today, the moment when someone amongst us Arabs proclaims the full submission to America under the banner of “peace” is nothing more than subordination and surrender. At the moment when the free world stands helpless and idly in the face of the cowboy’s madness, we have nothing left but to stand up for our dignity. We have to address the root of the problem and not its symptoms. We have no choice but to raise the slogan, voice, and fists as one and shout: “Death to America!” We have to declare an all-out war on America and its interests everywhere.

This move was necessary, even though it was expected a short while ago. This symbolic move for the Arabs and Muslims which is extremely dangerous and terrible and which Parliament Speaker Nabih Berri called “a new Balfour Declaration” was necessary for us to make sure that our real battle was with America before “Israel”; the America which was founded – like “Israel” – on the massacre and the destruction of an entire civilization, where the “Paradise of Freedom” was built on the ruins [of these civilizations]; America, which never flourished except through the exploitation of the world, the vulnerable people, and through colonial wars; America that covered up and covers up all of “Israel’s” crimes, massacres, and racist and settlement policies. It is useless to fight “Israel” and leave it [America]. Perhaps some Arabs need this extra lesson, rather this shock, this earthquake, giving Al-Quds to the invaders, so that they know that betting on America is a form of absurdity, suicide or conscious betrayal. Precisely today, all Arabs have to choose: either America or Al-Quds!

Whoever chooses Al-Quds must know that the battle requires an alliance with everyone who stands up to America. He has to understand that inciting people against America means inviting them to oppose and fight it by all means and reject all that comes from it, even if it comes wrapped in the delusions of the solution or the desired antidote.

Those who choose to belong to and defend Al-Quds must work unceasingly, with all their might, to kill every American soldier outside his country’s borders, to occupy, burn or destroy America’s embassies all over the world. Let us expel from our country every American employee, diplomat, politician or others, and everyone who receives a salary from the US government. Let us face their fake democracy, cut off all the projects of their mercenaries in our countries and the world that serve suspicious agendas that only serve “Israel”, behind false slogans about “human rights, development and progress”.

Those who choose Al-Quds must choose the time of total resistance, which obligates us to do something that is not simple, but possible, in order to abandon everything that is related to them. Those who choose Al-Quds must work to make the American people aware that their responsibility is great and that they will pay the price of the policies of the ones they chose to govern their country.

It is true that it is a long and arduous process, but it is a compulsory path for anyone who wants to get rid of “Israel’s” nightmare and its arrogant servants sitting on the throne of power in our country – the perpetrators of legitimacy, justice and freedom. What the rulers of the kingdoms of oppression did in the Arabian Gulf, and before them governments in the Mashriq [the region of the Arab world to the east of Egypt] and North Africa, would not have been possible if it hadn’t been for our silence to their conspiracy, the submission of some of us, accepting this and promoting the culture of surrender.

Today, Donald Trump opens the door to a new opportunity for the resistance movement in Palestine and the Arab world. “He is helping us” – with thanks – to redirect attention to the harsh truth, which is America’s direct influence or through “Israel” is the only purpose that is supposed to be confronted and to turn the table over the heads of its collaborators.

Source: Al-Akhbar Newspaper, Translated by website team

إما أميركا… وإما القدس! 

ابراهيم الأمين 

ما فعله دونالد ترامب، أمس، قد يكون الفرصة الأنسب لتثبيت الموقف من أصل المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي يحمل اسم «إسرائيل». أميركا التي عادت فقالت لنا أمس، بفجور وفجاجة، وضد إرادة جزء من حلفائها وشركائها في المشروع الاستعماري، ما تقوله لنا على امتداد الحقبات والعهود، بأنّها مصدر قهرنا وبؤسنا وظلمنا.

أي أننا لن نسترجع شبراً من فلسطين إلا إذا أعلنّا حرباً شاملة عليها، وإذا عملنا على تحويل حياتها إلى جحيم، ورايتها إلى شعار العار، وجيشها إلى وحش متنقل في العالم. أما آنَ أن يعي العرب أن أميركا، باختصار، هي أصل البلاء وأصل الشر؟ أما إسرائيل، فلنتركها جانباً، إذ مهما قيل عن «قوّتها وتفوقها وتحضّرها»، فليست سوى مستعمرة أميركية – بريطانية، لا يمكن أن تعيش يوماً واحداً بلا حماية الغرب، ورعايته، ودعمه الأعمى.

هذا الغرب الاستعماري، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركيّة، هو علّة وجود الكيان الغاصب، وكل ما يبذله من جهود، يمدّد قسراً وجود إسرائيل الاصطناعي، المخالف للحق وللمنطق، ولحركة التاريخ، في انتظار أن تنتهي إلى حتفها الأكيد.

لم يعد أمامنا سوى رفع الشعار
والقبضات والهتاف الواحد: الموت لأمريكا!

هذا هو الدرس الذي يلقنه اليوم للشعوب العربيّة، مشعل الحرائق المعتوه في البيت الأبيض. بعض الحكام العرب الذين لم يفهموا منذ سبعين عاماً، أن «إسرائيل» هذه، ليست شيئاً من دون حماية الغرب… ولن يكون لها وجود من دون غطاء أميركا ودعمها. «إسرائيل» هذه، لم تعد مصدر الخوف والقلق، بعد تحطّم أسطورتها العسكريّة على صخرة المقاومة الشعبيّة في لبنان وفلسطين… وكل ما يمكن أن تقوم به، وحدها، لا يستطيع أن يبقيها، ولو لساعة واحدة، على قيد الحياة.

اليوم، في اللحظة التي يطلع بيننا، نحن العرب، من يعلن الخضوع الكامل لأميركا، تحت راية «سلام» ليس إلا تبعيّة واستسلاماً… وفي اللحظة التي يقف فيها «العالم الحرّ»، عاجزاً ومكتوف اليدين، أمام جنون الكاوبوي، لم يعد أمامنا سوى أن ننتفض لكرامتنا، أن نذهب إلى معالجة جذر المشكلة لا عوارضها. لم يعد أمامنا من خيار، سوى أن نرفع الشعار والصوت والقبضات والهتاف الواحد: «الموت لأمريكا»! أن نعلن الحرب الشاملة على أميركا ومصالحها في كل مكان.

كان لا بد من هذه الخطوة، وإن كانت متوقّعة من زمن غير قصير، هذه الخطوة العالية الرمزيّة بالنسبة إلى العرب والمسلمين، البالغة الخطورة والفظاعة، التي نعتها الرئيس نبيه برّي بـ «وعد بلفور جديد»… كان لا بدّ منها لنتأكد من أن معركتنا الحقيقية هي مع أميركا قبل إسرائيل. أميركا التي تأسست مثل إسرائيل على المجزرة، وعلى إبادة حضارة كاملة لتبني على أنقاضها «جنّة الحريّة». أميركا التي لم تزدهر يوماً إلا عبر استغلال العالم، والشعوب المستضعفة، وعبر الحروب الاستعماريّة. أميركا التي غطّت وتغطّي على كل جرائم إسرائيل، ومجازرها، وسياساتها العنصريّة والاستيطانيّة… لا يجدي أن نحارب إسرائيل ونتركها. وربما كان بعض العرب يحتاج إلى هذا الدرس الإضافي، بل قل هذه الصدمة، هذا الزلزال، إهداء القدس إلى الغزاة، حتى يعرف أن الرهان على أميركا ضرب من ضروب العبث أو الانتحار أو الخيانة الواعية. اليوم تحديداً، بات على كل العرب أن يختاروا: فإما أميركا وإما القدس!

إنّ من يختار القدس، عليه أن يعلم أن المعركة تتطلب التحالف مع كل من يقف في مواجهة أميركا. وعليه أن يعي، أن تحريض الناس على أميركا، يعني دعوته إلى معارضتها ومقاتلتها والانتفاض عليها بكل الوسائل. ورفض كل ما يأتي منها، حتى ولو كان مغلفاً بأوهام الحل، أو الترياق المنشود.

إنّ من يختار الانتماء إلى القدس والدفاع عنها، عليه العمل من دون توقف، وبكل ما أوتي من قوة، لقتل كل جندي اميركي خارج حدود بلاده، ولاحتلال سفارات أميركا في كل العالم أو إحراقها وتدميرها. لنطرد من بلادنا كل موظف أميركي، دبلوماسي أو سياسي أو خلافه. وكل من يتقاضى راتباً من الحكومة الأميركية. لنواجه ديموقراطيتهم الزائفة، نقطع السبل أمام كل مشاريع مرتزقتهم المنتشرين في بلادنا والعالم، في خدمة أجندات مشبوهة لا تخدم إلا إسرائيل، خلف شعارات مزيّفة عن «حقوق الإنسان والتنمية والتقدم».

إنّ من يختار القدس، عليه أن يختار زمن المقاومة الشاملة، التي تلزمنا بعملية ليست بسيطة، لكنها ممكنة، من أجل التخلي عن كل ما له صلة بهم. ومن يختار القدس، عليه العمل على إشعار الشعب الأميركي بأن مسؤوليته باتت عظيمة، وأنه سيكون من يدفع ثمن سياسات من يختارهم لحكم بلاده.

صحيح أنها عملية شاقة وطويلة، لكنها مسار إلزامي لكل من يريد التخلص من كابوس إسرائيل، ومن خدمها الأذلاء المتربّعين على عروش السلطة في بلادنا، مغتصبي الشرعية والعدالة والحريّة. وما فعله حكام ممالك القهر في الخليج العربي، وقبلهم حكومات في المشرق وشمالي إفريقيا، لم يكن ممكناً لولا صمتنا عن تآمرهم، ولولا خنوع بعضنا، وقبول هذا البعض، بل الترويج، لثقافة الاستسلام.

اليوم، يفتح دونالد ترامب الباب أمام فرصة جديدة لتيار المقاومة في فلسطين والعالم العربي. «يساعدنا» مشكوراً على إعادة توجيه الأنظار صوب الحقيقة القاسية، وهي أن نفوذ أميركا المباشر أو من خلال إسرائيل، هو الهدف الوحيد المفترضة مواجهته، وقلب الطاولة على رؤوس المتعاونين معه.

Related Videos

Related Articles

شروط الرياض لإطلاق الحريري

وقائع الاتصالات مع السعودية حول أزمة الحريري

الرياض تطالب حزب الله بوقف دعم الحوثيين وطرد انصار الله من بيروت (مروان طحطح)

ابراهيم الأمين

على عكس ما كان السعوديون يريدون منها، جاءت المقابلة التلفزيونية مع الرئيس سعد الحريري ليل أول من أمس بنتائج عكسية. فهي، من جهة، لم تساعد في امتصاص النقمة اللبنانية بعدما أثبتت بالملموس أن الرجل ليس حراً في تصرفاته، ومن جهة أخرى زادت الغضب السعودي عليه.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن ظروف الرئيس الحريري ساءت في الساعات الـ 24 الماضية، بعد الانتهاء من المقابلة، بعدما ثبت للسعوديين أنها لم تحقق هدفها لجهة تهدئة الأجواء بين أنصاره وإرباك المساعي التي يتولاها الرئيس ميشال عون لتحرير رئيس الحكومة من معتقله السعودي. كما ساء سجّاني الحريري أنه أظهر نفسه متعباً وغير مرتاح، وأوحى بتصرفاته أن الأمور ليست على ما يرام، ولم يكتف بمغازلة الرئيس عون، بل ثبّت موقف لبنان لناحية ان الاستقالة ليست قائمة حتى عودته، كما أن سقف موقفه من حزب الله جاء متدنياً جداً.

وبعيداً عن الظروف الرديئة التي أحاطت بالمقابلة على أكثر من مستوى، وعن السجال المهني حيال مبدأ إجراء حوار مع رجل بات العالم كله يجمع على انه ليس حراً، أقرّت مصادر دبلوماسية أوروبية بأن التقديرات الاولية التي كانت سائدة بأن الحريري حر الحركة تبدّدت سريعاً. وثبّت هذه القناعة تقرير من السفير الفرنسي في الرياض فرانسوا غويات إلى باريس، أفاد فيه أن الظروف التي أحاطت بزيارته للحريري لم تكن طبيعية على الاطلاق، وأن الأخير كان مرتبكاً، وكان اللقاء سريعاً وعاماً. وتبيّن لاحقاً للجانب الاوروبي ان الإجراءات حول منزل الحريري مشدّدة جداً، وأن عائلته ممنوعة من التواصل مع الآخرين، كما أن أفراد عائلة زوجته المقيمين في الرياض ممنوعون من زيارته. فيما هناك من يتولى تلبية الحاجات اللوجستية للمنزل من دون حاجة إلى التواصل مع الخارج.

وفيما تتواصل الاتصالات على أكثر من مستوى، عُلم أن الرياض تركز على مقايضة غير انسانية مفادها: تريدون الحريري، أعطونا اليمن! واليمن، بحساب إجماع مصادر دبلوماسية، هو الكلمة المفتاح في كل نقاش مع الجانب السعودي. إذ أن الرياض تعتبر ان حزب الله هو الطرف الوحيد القادر على معالجة مسألة الصواريخ اليمنية التي باتت تصل الى الرياض. ويجيب السعوديون كل من يسألهم حول اسباب تصعيدهم ضد لبنان وضد الحريري، بأن مشكلتهم مع الحريري «داخلية»، أما مع لبنان فان الامر بات «يتطلب اعلاناً لبنانياً رسمياً بضمان عدم تدخل حزب الله في النزاعات القائمة في المنطقة (اقرأ اليمن) وان يعلن الحزب بنفسه هذا الالتزام».

واطلعت «الأخبار»، من مصادر دبلوماسية اوروبية، على بعض التفاصيل المتعلقة بالوساطات الجارية، وبنتائج مقابلة الحريري أول من امس وانعكاساتها على هذه الوساطات. وتقول المصادر ان عائلة الحريري أخفقت في الوصول الى اي جهة سعودية داخلية قادرة على المساعدة، خصوصاً أن احتجاز الحريري تزامن مع اكبر عملية قرصنة يقوم بها محمد بن سلمان ضد كبار المسؤولين وأمراء من العائلة الحاكمة، بحيث لم يعد أي مسؤول سعودي قادراً على التجرؤ على البحث في الأمر. ودفع ذلك آل الحريري الى التواصل مع الاميركيين والفرنسيين والمصريين والاردنيين بحثاً عن حل، قبل أن يتبين ان فرنسا هي الجهة الوحيدة المستعدة لمناقشة الموضوع. وهذا ما لمسه ايضا الرئيس عون الذي لم يترك باباً الا وطرقه، وهو مستعد للذهاب الى ابعد مما يقدّر السعوديون في ملاحقة قضية «خطف رئيس الحكومة».

لكن المصادر نفسها أشارت الى «جو من الإحباط» عاد به الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من زيارتيه الى الامارات والسعودية الجمعة الماضي. إذ لمس ان ابو ظبي ليست في وارد الضغط على السعودية، وان ابن سلمان ليس مهتماً بالاستجابة للوساطة الفرنسية. وحصل ذلك فيما كان المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم يجتمع مع مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية برنار ايمييه في باريس، ويشرح له المعطيات اللبنانية التي تؤكد أن الحريري قيد الاحتجاز.

ولفت ابراهيم الى ان تصريحات وزير الخارجية الفرنسي ​جون إيف لودريان في صباح اليوم نفسه عن انه لا يعتقد أن الحريري غير حر في حركته، غير صحيحة، وتوفر تغطية لما تقوم به السعودية. وقد تفهّم الفرنسيون الأمر، وترجموا ذلك ببيان صدر عن الخارجية الفرنسية في وقت لاحق تضمن الاشارة الى ضرورة عودة الحريري الى لبنان. لكن ذلك لم يشكل عنصرا دافعا نحو حل سريع للازمة. فقد أبلغ الفرنسيون جهات معنية في لبنان، لاحقاً، رفض الرياض الدخول في اي مفاوضات مع لبنان حول مصير الحريري، وانها ترفض ان يزورها أي مسؤول امني لبناني لهذه الغاية. وتبين ان هذا الجواب السلبي جاء رداً على اقتراح بتوجه اللواء ابراهيم، او المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء عماد عثمان الى الرياض. وسارع السعوديون الى الطلب من ممثلهم الدبلوماسي في بيروت وليد البخاري بأن يعرض على رئيس الجمهورية إيفاد وزير الخارجية جبران باسيل للقاء الحريري والاستماع منه الى حقيقة موقفه. علماً أنهم كانوا يعرفون أن الجواب سيكون بالرفض، لأن البخاري سبق ان اطلع على موقف عون الرافض لزيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي الى السعودية في ظل استمرار احتجاز الحريري.

شروط الرياض

وبحسب المصادر الاوروبية، فان حصيلة الاتصالات والمعطيات التي تجمعت حول اعتراض الرياض على الحريري، تفيد بالآتي:

أولاً، فهم المتصلون بالسعوديين ان الضغط القائم قد يفتح الباب امام حل وحيد، يتضمن عودة الحريري الى بيروت وفق اتفاق يقضي بتقديم استقالته والسفر إلى فرنسا واعتزال العمل السياسي، فيما تطرح باريس الاتفاق على عودته وقبول استقالته وتكليفه تشكيل حكومة جديدة، من دون تأليفها قبل التوصل الى تسوية سياسية جديدة.

ثانياً، تعبّر الرياض عن استياء شديد من الحريري وتعتبر أنه خالف ما تعهد به ولا تأخذ بتبريراته حول عدم قدرته على مواجهة حزب الله او اقناع الرئيس عون بمساعدته في مواجهة الحزب.

ثالثاً، بات السعوديون على قناعة بأن الحريري أضعف من أن يقود فريقهم في لبنان ولا قدرة له على مواصلة مهماته، وهم اصلا يخشون من انه، في حال عاد الى بيروت، قد يتراجع عن اي التزام معهم، وعندها قد يبقى رئيسا للحكومة من دون اي تغيير. وبدأت الرياض البحث ليس عن خليفة للحريري فحسب، بل في تغيير كل الصف القيادي القريب منه. ويحمل المسؤولون السعوديون بالاسم على نادر الحريري ونهاد المشنوق باعتبارهما مشاركين في «اضعاف الحريري»، ويقولون إن لديهم معلومات من جهات لبنانية ــ يشار بالاسم الى «القوات اللبنانية» ــ بأن نادر الحريري والمشنوق أبرما اتفاقات مع عون وصهره جبران باسيل وحزب الله لتسهيل حصولهما على نفوذ كبير في السلطة.

وتلفت المصادر إلى ان الرياض تعتقد جازمة بأن الحريري لا ينبغي ان يقود الانتخابات المقبلة. وفي حال بقي الرفض لتولي شقيقه بهاء المسؤولية، فان السعودية ترى انها قادرة على اختيار بديل من بين قيادات «المستقبل»، على أن تساعده في تنظيم تحالفات مع القوى السنية الأخرى.

ثمن حرية الحريري؟

وتلفت المصادر الى ان السعودية «ليست في عجلة من امرها»، وان جواب الديوان الخاص بابن سلمان عن كل طلب بعلاج سريع للأزمة، هو الدعوة الى الانتظار لبضعة ايام وربما لاسبوع اضافي، ما جعل الفرنسيين يسألون عما اذا كان هناك من هو قادر على التحدث مع الجانب السعودي غير الاميركيين. وتشير الى ان الرئيس عون مستعد للذهاب فورا نحو مجلس الامن، لكنه يقف عند خاطر آل الحريري الذين لا يريدون تفجير الامور بصورة كاملة مع السعوديين.

وتعتبر المصادر الاوروبية ان السعوديين يتصرفون بكثير من الخفة مع الملف اللبناني عموما، إذ انهم يريدون من الحريري تولي مهمة كبيرة جدا تتعلق بتغيير سياسات حزب الله في المنطقة. وان الرياض مقتنعة بأن على لبنان المبادرة الى إلزام الحزب باخراج خبرائه من اليمن، ووقف كل اشكال الدعم السياسي والاعلامي والعسكري لـ«انصار الله» داخل اليمن وخارجه، بما في ذلك إبعاد ممثلي الحركة من لبنان. وتضيف المصادر بأن السعودية المحبطة من عدم قدرتها على تحقيق نتائج سريعة خلال الاسبوع الاول بعد استقالة الحريري، باتت اكثر تشاؤماً، وتحديداً بعد الخطاب الاخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أقفل فيه النقاش حول موقف الحزب من الملف اليمني.

Related Videos

Related Articles

جمهور الحريري: من الذهول إلى الانتفاضة الكامنة

جمهور «المستقبل» لم يتفاعل مع طلبات السعودية وتصرّفاتها (هيثم الموسوي)

ابراهيم الأمين

رد فعل جمهور تيار «المستقبل» وجمهور الرئيس سعد الحريري على محنته تبدّل خلال أيام قليلة، من الذهول والصدمة في اليومين الأولين إزاء ما حصل، الى ارتفاع منسوب الاستياء جدياً مع تأكّد الأنباء عن وجوده في الإقامة الجبرية، ولا سيما أن قيادة «المستقبل» وضعت قواعدها في أجواء حقيقة ما يحصل. وكانت الضربة الأكبر عندما انتشر خبر طلب السعودية من آل الحريري مبايعة بهاء الحريري بديلاً من سعد.

السعوديون كانوا يراهنون على استجابة سريعة من جانب الدولة اللبنانية ومن جانب الجمهور لخطوة الاستقالة. والمشكلة، بالنسبة الى السعودية، لم تنحصر في موقف الرئيس ميشال عون وبقية المؤسسات الدستورية فحسب، بل في أن جمهور «المستقبل» لم يتفاعل مع طلبات السعودية وتصرّفاتها.

ففي ما خص بيان الاستقالة نفسه، لم تنجح السعودية في تحويله الى بند رئيسي على جدول أعمال أنصار رئيس الحكومة، بل سرعان ما توحّد هؤلاء خلف قيادتهم وخلف المطلب الرئيسي بعودة الحريري فوراً الى لبنان. وكان التأخير وطرح مبايعة بهاء سبباً في تعاظم الاستياء، وخصوصاً بعدما رفض أفراد العائلة الطلب السعودي. مع الإشارة الى أن قيادات المستقبل، على الأرض، أتيح لها أيضاً الاطلاع على تفاصيل التواصل حول قضية بهاء. وكان لافتاً للجمهور أنه رغم الخلافات بين أفراد العائلة، إلا أن الجميع أبلغ بهاء نفسه أن الأولوية هي لعودة سعد وليس أي شيء آخر، وخصوصاً أن الفاعلين في التيار، الذين يرفضون فكرة تولي بهاء، لفتوا الى أنه لا يمتلك المواصفات المطلوبة للعب دور سياسي، فيما بات سعد الحريري صاحب خبرة واحترام لدى فئة كبيرة من اللبنانيين.

المعضلة الأخرى التي واجهها السعوديون هي تحوّل حملة التعاطف مع الحريري الى حملة وطنية، مع ارتفاع منسوب الغضب لدى أنصار «المستقبل»، الذين جهدت قيادتهم لمنعهم من أي تحرك شعبي، خشية أن يتطور الموقف الى حملة عدائية ضد السعودية، كون ذلك يشكل سابقة، عدا عن خشية قيادة التيار وآل الحريري من انعكاسات سلبية لمثل هذه الحملة على الحريري نفسه.

وبين الفاعلين في «المستقبل» من يعتقد بأنه قد يكون من واجب التيار مساعدة الرياض على مخرج سريع، يستند أساساً الى عودة سعد أولاً، على أن يجري ترتيب الأمور لاحقاً بمشاركته حتى ولو كان قرار الانسحاب. ويعتقد هؤلاء بأن المرحلة الانتقالية لا يمكن أن يقودها إلا شخص من آل الحريري، وربما بإمكان النائبة بهية الحريري أن تتولى الأمر، علماً بأن المقابلة التلفزيونية مع الحريري أمس تفتح الباب أمام مخرج كهذا، يوفّر للسعوديين سلّماً للنزول من أعلى الشجرة التي تسلّقوها، لأن بقاءهم على موقفهم سيكشف لهم سريعاً أنهم باتوا بلا حلفاء في لبنان. وسيفضل كثيرون الخروج حتى من سوق العمل السعودي، إذا كان البديل العيش في ظل سياسة الإذلال.

اللافت أن الكل يتذكر اليوم المثل القائل «أكلت يوم أكل الثور الأبيض». حتى إن هناك رجال أعمال، ممن لا تربطهم علاقة طيبة مع الرئيس الحريري، يتعاطفون معه الآن، وبعضهم يقول إن ما يجري مؤشر خطير على الجميع. وإذا نجح السعوديون في تطويع تيار المستقبل وجمهوره بهذه الطريقة، فسيكون الجميع في حالة إحباط. وهذه المرة سيتهم الناس السعودية وليس إيران أو حزب الله.
أما المشكلة الإضافية للسعودية، فتتمثل في أن حلفاءها الحقيقيين اليوم، غير قادرين على جذب الشارع صوبهم. لا أشرف ريفي ولا «القوات اللبنانية» التي يتهمها أنصار «المستقبل» بأنها كانت جزءاً من المؤامرة على الرئيس الحريري، وأن قيادتها كانت على الدوام تحرّض عليه عند السعوديين والإماراتيين والأميركيين، وتركز على مدير مكتبه نادر الحريري وآخرين واتهامهم بأنهم خلف التسوية مع عون وحزب الله.
قبل أيام، عقد في الطريق الجديدة اجتماع لمناصرين وكوادر في تيار «المستقبل». جرى نقاش كبير، وكان هناك نقد كبير وواضح للسعودية. وطالب هؤلاء قيادتهم بأن تسمح لهم بتنظيم تظاهرات في بيروت وتظاهرة سيارة من أمام مبنى السفارة السعودية. ووصل الأمر بأحد المسؤولين الى السؤال: «هل وصلنا الى درجة أن حزب الله هو من سيحمينا». حتى إن الأمين العام للتيار أحمد الحريري، في سياق رده على تساؤلات قياديين في التيار عما يجري مع الرئيس الحريري في الرياض، اضطر إلى توجيه سهام النقد الى من يريد «إجبارنا على مقايضة أن نبقى في الحكم بأن ندفع نحو حرب أهلية جديدة في لبنان». وعندما سئل عن قصة تطويب بهاء الحريري زعيماً، كرر الحريري ما قاله وزير الداخلية نهاد المشنوق بـ«أننا لن نقبل بأن يفرض علينا زعيم فرضاً. وبمعزل عن الاسم، فإن المسالة ليست وراثة. وعندما تولى سعد القيادة، حصل ذلك في ظل ظروف خاصة جداً. أما اليوم، فإن الحريري انتخب زعيماً شعبياً، له محبة كبيرة بين الناس، وله حضور في البلد كله، ولديه قدرة على إدارة الأمور، ولا يمكن أن تتم إقالته وفرض غيره علينا، وليس بيننا من يقبل بذلك».


ماذا بقي لسعد من أعمال في السعودية؟

سعد الحريري مرتبك إزاء كيفية تعامل محمد بن سلمان معه، إذ إن وضعه تغيّر كثيراً في السعودية. صحيح أن العائلة كلها لم يعد لديها أعمال هناك. وهم يعرفون أن مهمة إقفال باب رزقهم في المملكة اتخذت منذ وقت غير قصير، إلا أن محمد بن سلمان سرّع في تنفيذها.

فـ«سعودي أوجيه»، التي كانت تضم سابقاً 45 ألف موظف، أفلست اليوم، وبقي فيها الآن نحو 300 موظف فقط يعملون على ملف التفليسة والإقفال، وليس لدى الشركة أي مشروع جديد. أما مشاريع الصيانة، فلم يجر التجديد التلقائي لها، كما كان يجري الأمر سابقاً، بل كُلّف مشغلون آخرون القيام بذلك. لكن محمد بن سلمان نفسه، ترك للحريري متابعة صيانة جامعة الملك عبدالله في ثوال قرب جدة، وهي الجامعة التي كانت «سعودي أوجيه» قد تولت تشييدها. والآن يوجد مشروع صيانة ضخم فيه حوالى 1600 موظف أو أكثر يعملون تحت اسم «سعودي أوجيه»، لكن إدارتهم باتت مستقلة عن الشركة الأم، وكذلك ملفاتهم المالية والوظيفية، وهم يتبعون مباشرة لمدير المشروع وإدارة الجامعة.

أما مشاريع الإعمار فقد توقفت نهائياً، وما تبقى منها تولى صاحب المشروع الدفع مباشرة لفريق العمل والمقاولين لإنهاء الأعمال المتبقية، مثل مشروع وزارة التربية ومشروع جامعة الأميرة نورة.

أما شركة MACC الجديدة، فحجمها صغير جداً، وليس لديها سوى ثلاثة مشاريع صغيرة تعتبر تكملة لمشاريع «أوجيه» السابقة والتي تخص الملك وابنه، وهي مشاريع تتم بالطلب المباشر والتراضي وليس من خلال مناقصات. وفي هذه الشركة مئات عدة من العمال والموظفين، مع الإشارة الى أن شركة «سعودي أوجيه» تملك فندق «شيراتون»، وهو يعاني هذه الفترة صعوبات كبيرة.


الإمارات: لتسوية تخرج الرياض من المأزق

كانت لسعد الحريري علاقة خاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة، لكنها انهارت فجأة بسبب مشاكله مع الرجل القوي في أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد. كان ذلك يوم طلب سعد الحريري دعم محمد بن زايد له في محنته المالية، واستدان منه مبالغ كبيرة، وسدّدها مع تعثر. وتردّد لاحقاً أن الحريري عجز عن تسديد ما يساوي 159 مليون دولار، وعرض مقابله طائرة خاصة وأسهماً في البنك العربي (قبل بيعها) ثم أسهماً في بنك البحر المتوسط، لكن ابن زايد رفض ما اعتبره إهانة لكرامته بمثل هذه العروض، فحصلت القطيعة بينهما، ولم يزر الحريري أبو ظبي منذ وقت طويل.

ومعلوم أن الإمارات تقف بقوة إلى جانب محمد بن سلمان في ما يقوم به في لبنان. وهي لها أجندتها الخاصة هنا أصلاً، وتنفذها عبر ضباط أمنيين ناشطين من خلال سفارتها في بيروت، أو من خلال دبلوماسيين سابقين يعملون في حقول الأعمال والإعلام. وهي أيضاً تسعى الى توسيع نفوذ القيادي الفلسطيني محمد دحلان داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، علماً بأن دحلان لم يتأخر في بناء علاقات جيدة مع شخصيات وقوى غير فلسطينية. وكان اللافت توثيقه علاقات مع قيادات في تيار المستقبل نفسه.

الإمارات، اليوم، ترى أن السعودية ربما تكون قد تورطت كثيراً في مسألة الرئيس الحريري. هي تقف الى جانب السعودية في المعركة، لكنها، كما القاهرة، تبحث أيضاً عن حلول وسط. وآخر ما نقل عن المسؤولين الإماراتيين عرضهم تسوية في ما خص العناوين الكبرى، من بينها تعهد الحكومة اللبنانية بمنع حزب الله من التدخل في الدول العربية، مع تركيز على ملف اليمن. أما غربياً، فإن أبو ظبي ترى أن بإمكان العالم كله الوقوف موقفاً حاسماً بعدم الاعتراف بأي حكومة تضم حزب الله، والعمل مع واشنطن للضغط على أوروبا كي تقايضها في مسالة الاتفاق النووي مع إيران، مقابل أن تضع أوروبا حزب الله كاملاً على لائحة الإرهاب. وأن تتوافق أوروبا مع أميركا ودول الخليج على إصدار قرار عن مجلس الأمن يفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب البرنامج الصاروخي.

مقالات أخرى لابراهيم الأمين:

Related Videos

Related Articles

%d bloggers like this: