17 أيار… ذكريات لا تُنسى

مايو 18, 2017

17 أيار… ذكريات لا تُنسى

ناصر قنديل

– لم يكن خافياً على الجيل الذي انطلق في خيار المقاومة منذ بدء الاجتياح الإسرائيلي للبنان حجم المعركة السياسية المرافقة للعمل العسكري المقاوم الذي عليه الاستعداد لخوضه. وكان المقاومون عسكرياً وسياسياً قلة مسلحة بالحق والإرادة وروح الاستشهاد، وكانت انتصارات المقاومة العسكرية المحققة في وقت قياسي في الأشهر الأولى للاحتلال مصدر نهوض سياسي وشعبي للخيار المقاوم، بمثل ما كانت العنصرية المرافقة للنظام الذي رعاه الاحتلال للسيطرة على لبنان تتكفل بضخ المزيد من الغضب السياسي التقليدي في ساحة المواجهة، من الجبل إلى بيروت والشمال، بينما الاحتلال يحزم حقائبه ويرحل من العاصمة ويستعدّ لفعل الشيء نفسه تباعاً في الجبل وصيدا وصولاً إلى بعض الليطاني خلال سنوات قليلة.

– على ضفة الاحتلال كانت الإنجازات الأولى كفيلة بإعلان تحقيق الانتصار، فخلال شهور نجح في فرض مناخ سياسي وأمني محلي وإقليمي ودولي أنتج رئيسين متتاليين يحملان الاستعداد ويملكان التغطية لمنحه شرعية المكاسب التي أرادها، وكانت الرعاية الأميركية المجسّدة سياسياً باتفاقية أبرمها مبعوثه فيليب حبيب أفضت للانسحاب العسكري الفلسطيني والسوري من بيروت، وبحضور عسكري مباشر مثلته القوات المتعددة الجنسيات وفي طليعتها قوات المارينز قرب مطار بيروت وعلى مدخل العاصمة في خلدة، قد نجحت بضم لبنان إلى لائحة الدول التابعة لواشنطن سياسياً وعسكرياً بصورة رسمية وأشرفت على إعادة بناء وهيكلة الجيش اللبناني ومخابراته وفقاً لعقيدة قتالية جديدة.

– كان اتفاق السابع عشر من أيار هو الوثيقة الاستراتيجية التي تشكل التعبير عن التحولات التي أراد الاميركيون و»الإسرائيليون» لها أن تحدث. وقد وفّروا لها دعماً عربياً تجسّد في قمة الرباط، بمبادرة من ولي العهد السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز، رغم المعارضة الشرسة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي أعلن في القمة دعم سورية للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال والتي تشكلت من مواقع متعددة توزعت بين الأحزاب الوطنية والقومية وحركة أمل والمجموعات الإسلامية التي تشكل منها حزب الله لاحقاً، ورعاية جبهة الخلاص الوطني التي ضمّت الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي والنائب وليد جنبلاط، بالتنسيق المستمر مع الرئيس نبيه بري، الذي عقد له لواء قيادة المعركة السياسية والمقاومة العسكرية معاً.

– كان لي شرف الحضور في ساحات المواجهة المتعددة والمختلفة والتواصل والتنسيق والتعاون مع كافة القيادات والقوى المعنية بهذه الأوجه المختلفة للمواجهة، وطنييها وإسلامييها، سياسييها ومقاوميها، وكانت في الأول من أيار مناسبة الاحتفال بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني في فندق الكارلتون لتداول سياسي ونيابي حول كيفية خوض المعركة السياسية، بين رأيين، أحدهما يدعو لمقاطعة الجلسة النيابية المقررة لمنح الحكومة التفويض الدستوري بتوقيع الاتفاق الذي يشكل النسخة اللبنانية من كامب ديفيد، وتظهير المقاطعة كتعبير وازن عن الرفض ورأي مقابل يتمسك برفض النواب الوطنيين للاتفاقية بصوت مرتفع مهما قل عددهم أو تعرّضوا للأخطار، والأمانة التاريخية تقتضي القول إنه في تلك الليلة كان النائب زاهر الخطيب وحيداً قد حسم الذهاب حتى النهاية في رفض الاتفاقية من تحت قبة البرلمان معلناً باسم المقاومة وشهدائها رفض الاتفاقية. وقد إنضم إليه النائب نجاح واكيم قبيل الجلسة، وبقيا وحدهما يمثلان هذا الصوت، بينما صوت المجلس النيابي على التفويض مع غياب عدد من النواب وامتناع بعض آخر.

– في الشارع كانت حالة غليان من كثير من ممارسات الحكم ومخابراته، والاعتقالات قد طالت الآلاف، وفي الجبل جمر تحت الرماد، أما في الضاحية وبيروت فذعر ينشره زوار الفجر كما أسماهم لاحقاً المفتي الشهيد حسن خالد في خطبة العيد من ذلك العام. وقد شق الصمت خروج مجموعة من العلماء الشباب الذين شكّلوا تجمّع العلماء المسلمين يحملون الراية يومها وأعلنوا الدعوة للاعتصام، فجرّدت عليهم حملة عسكرية في مكان الاعتصام في مسجد الإمام الرضا في بئر العبد، حيث سقط الشهيد محمد بديع نجدة، فكانت طليعة الانتفاضة التي تفجرت لاحقاً في الضاحية وحررتها في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر نهاية آب، وتكرّرت في بيروت في السادس من شباط من العام التالي.

– شكل إسقاط اتفاق السابع عشر من أيار الشعار الأبرز للنضال السياسي لتلك المرحلة، بينما شكل استنزاف الاحتلال بعمليات نوعية الشعار الأهم للنضال العسكري. وشكلت روح المواجهة الشعبية آلية تتنامى كل يوم، وقد كان لكل منها رموزها، ومثلما كان الشهداء الحاج عماد مغنية ومصطفى بدر الدين ومحمد سعد، ومن الأحياء الذين يواصلون مسيرتهم النائب أسعد حردان، عناوين البعد العسكري للمواجهة، شكل الشهداء داوود داوود ومحمود فقيه والشيخ راغب حرب وخليل جرادي والراحل عبد المحسن الحسيني أبو ظافر عناوين المواجهة الشعبية في عمق الجنوب، بينما كان في صيدا الراحل الكبير نزيه البزري والشهيد القيادي والمقاوم مصطفى سعد والشيخان الجليلان أحمد الزين وماهر حمود، فيما تصدّر الساحة النيابية النائبان زاهر الخطيب ونجاح واكيم، وكان كل الصف العسكري والسياسي المقاوم عينه على مواقف الرئيس بري وساعة توقيته للمواجهة الحاسمة، حيث سيُكتب له إعلان إسقاط الاتفاق، من ضمن تسوية جنيف ولوزان للحوار الوطني بعد انتفاضة السادس من شباط التي قادها عام 1984، بينما توجب توجيه تحية خاصة لروح الراحل الكبير السيد محمد حسين فضل الله الذي رعى وبارك شباب المقاومة والتحركات السياسية والشعبية، كما وجبت التحية لروح المبادرة والمواجهة التي حمل مشعلها بكفاءة وشجاعة تجمّع العلماء المسلمين وعلى رأسه الشيخ حسان عبدالله ورفاقه، الذين سجلوا في تاريخنا التحرك الأبرز في الشارع لرفض هذا الاتفاق، بالنيابة عن الشعب اللبناني، الذي حمل الرفض باسمه إلى داخل المجلس النيابي النائبان الخطيب وواكيم.

– نستذكر هذا الذي حدث في بلدنا الصغير وهو مفتت في حرب أهلية ورازح تحت الاحتلال، بينما تستعد دول عربية كبرى لا تعيش ما عشناه وتنعم بكل أسباب الوفرة والراحة، لتوقع علناً 17 أيار عربياً يمنح «إسرائيلط ما عجزت عن فرضه على لبناننا الصغير والضعيف.

(Visited 134 times, 134 visits today)

جولة للحريري إلى عرسال؟

 

جولة للحريري إلى عرسال؟

أبريل 22, 2017

ناصر قنديل

– لقيت جولة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في الجنوب إثر الجولة الإعلامية التي نظمها حزب الله وأوصل خلالها رسائل الردع
التي يريدها، اهتمام «الإسرائيليين» خصوصاً بتعليقاتها الخجولة على ما قاله حزب الله، بعدما كانت قناته التلفزيونية قد قالت كلاماً قاسياً بحق الجولة واعتبرتها خرقاً خطيراً للقرار 1701 وانتظر «الإسرائيليون» سماع ذلك من الحريري فلم يسمعوه، لتصير الجولة من موقع تجاهل ما قام به حزب الله نوعاً من التغاضي المبتادل على البارد لقضية خلاف، أنهتها مأدبة غداء بدعوة من رئيس المجلس النيابي في صور، حضرها الحريري والوزير محمد فنيش ممثلاً حزب الله، و«يا دار ما دخلك شرّ».

– أُحبط «الإسرائيليون» وما بقي إلا ما قاله وما فعله حزب الله، فسقف اهتمام مَن راهنت أنهم سيقفون بوجه حزب الله، هو مخاطبة المجتمع الدولي بمعادلة، مهما فعل حزب الله، فالحكومة ملتزمة بالقرار 1701، وطالما «إسرائيل» التي تنتهك القرار لا تجرؤ على المراجعة بما تسمّيه انتهاكات لحزب الله، فرئيس الحكومة لن يفتح معركة مجانية مع الحزب، ليحقق الحزب بواسطة رئيس الحكومة بنداً من بنود أهداف الجولة، وهو ربط كلّ نقاش حول القرار الأممي بالانتهاكات «الإسرائيلية» بداية، وبقيت سائر الرسائل التي تقصّدها حزب الله من الجولة تفعل فعلها وتشغل الإعلام والسياسة والأمن في كيان الاحتلال، وضاعت كلمات قناة المستقبل وأخواتها والعزف المنفرد الذي رافقها لرئيس القوات، في الهواء.

– لبنانياً، بدت زيارة رئيس الحكومة غير المقرّرة، بمثابة دعوة وجّهها حزب الله للمشاركة بجولته تمّت بتأخير يوم واحد لتلتقي مع موعد دعوة مأدبة غداء رئيس المجلس النيابي في صور، بينما الوضع في الجنوب بحكم جهوزية الجيش والمقاومة لا يؤذن بمخاطر قريبة أو جدّية، فمعادلات الردع التي تحكم المواجهة هناك تجعل الحرب خطراً بعيداً، بينما الحرب خطر داهم على جبهة عرسال، بعدما أتمّ الجيش السوري تقدّمه في جبهات القتال المحيطة كلّها، سواء من ناحية حي الوعر في حمص أو من ناحية الزبداني، ويتهيأ الجيش للتقدّم لحسم الوضع في بقية القلمون، حيث التداخل الحدودي يفترض خطر نزوح مسلحي النصرة وداعش نحو عرسال اللبنانية، ويفرض لمنع المحاذير تنسيقاً لبنانياً سورياً وحضوراً فاعلاً بغطاء سياسي للجيش اللبناني، لا يحتاج الجيش أيّاً منهما جنوباً.

– جولة لرئيس الحكومة برفقة وزير الدفاع وقائد الجيش إلى الحدود الشمالية الشرقية إيذاناً بمرحلة جديدة في التعامل مع الوضع السائد في عرسال تبدو ضرورية، ولا أحد يعلم ما إذا كانت مشروطة بجولة ينظمها حزب الله إعلامياً على تلك الجبهة ومأدبة غداء في اليوم الثاني يدعو إليها رئيس المجلس النيابي. ولا مشكلة في أن يُسأل رئيس الحكومة عن رأيه بجولة ينظمها حزب الله على مواقعه في القلمون، وأن يقول هناك لا علم لنا بالجولة ولا نؤيدها، لكن الحكومة حاضرة هنا، كما في البيان الوزاري للحكومة أمام المجلس النيابي؟

(Visited 2٬628 times, 2٬628 visits today)
Related Videos




Nasser Kadil: Syria 1980-1982

The memorandum of the former Presidents makes them subject to trial مذكرة الرؤساء السابقين تعرّضهم للمحاكمة – انتهكوا الدستور لخدمة غبّ الطلب بلا قيمة سياسية

The memorandum of the former Presidents makes them subject to trial

 They violated the Constitution to serve their demand without political value

مارس 30, 2017

Written by Nasser Kandil,

The message sent by the former Presidents of the Republic and the government Amin Gemayel, Michael Suleiman, Fouad Al Siniora, Tamam Salam, and Najib Miqati makes them subject to trial for violating the constitution, knowing that two of them have sworn to preserve and to maintain it, as they have sworn that the President of the Republic is the President of the country, the symbol of its unity, and the one who negotiates on the foreign treaties, this item cannot be restricted with the contractual financial, military, and the political mono or multiple parties-understandings, because the political statements which are issued by the Arab, Islamic, and the international summits are foreign treaties signed by Lebanon, it undertakes to abide by their content. Lebanon starts its negotiating on them through the words recited by its President at the summit. The memorandum of the five former Presidents is a negotiation on behalf of the President of the Republic, and a desire of its owners to affect what the president will negotiate through the content of his words.

It is not important to talk about the political framework of the behavior of the former presidents because it is clear, as a Saudi bullying attempt against the Lebanese President in the name of the former presidents and in the light of the inability of Saudi Arabia to enlist a position that targets Hezbollah according to the balances of the summit in which there is an Iraqi- Egyptian-Algerian axis that seeks for calm and mobilizing the capacities and the Arab and the international relationships to confront the danger of the terrorism, and the fed up with the absurd Saudi wars against Syria,  Hezbollah, and Yemen. This will mean that the memorandum is without any political value because it will not benefit Saudi Arabia; however it will affect its launchers. The President of the Republic will not be hurt after he was notified that previous formers have addressed the summit by a memorandum that says things and things to say that do you accept if I have messages from the opposing groups in your countries and recite them at the summit, the place of the oppositions are inside the constitutional institutions of their country and within the concept of sovereignty not outside it. There is no justification to falter in the words of those who bother themselves and wrote the memorandum to be read during the summit,  otherwise there will be who can read the message of the Yemeni former President Ali Abdullah Saleh. So O his Majesty the King, do you agree to ask us to support you in your war in Yemen which killed, destroyed and ruined just under the slogan of supporting the constitutional legitimacy which is short deficient?

The issue is pure Lebanese and it is so serious, so it is enough to imagine its size to wonder whether the former French President Nicolas Sarkozy will send to the European Summit a memorandum in which he precedes the words of the French President Francois Hollande  in order to affect the decision of the summit in an unfavorable way to what the constitutional and the legitimate President will ask, or if the former US President Barack Obama will send to the Twentieth Summit a message that contradicts and confuses what the legitimate constitutional President Donald Trump will ask, this is not a heresy or a  political silliness only, and it is not only constitutional and political chaos, but it is also a contravention of the concept of the sovereignty, the concept of legitimacy and democracy, and the meaning of the existence of the country and the constitution.

It is understood that that the Kings do not understand the meaning of the constitutions which they do not experience in their country, but the presidents who have known, read, and those who have sworn to protect it and those who did not know the magnitude of the crime which they are committing by making the judge between them and their President a foreign institution. They know the meaning that they are announcing a coup against the country, selling the sovereignty and violating the constitution. There is no suspicion in this issue, a complaint against the constitutional President to the Arab League as an alternative institution of the Lebanese country and its constitution which organizes the principles and the rules of the political life for those who agree and oppose, defining the mechanisms of the expression and change, so any violation of its rules or resorting to an alternative is a coup, and when the alternative is a foreign one then it is a violation of the sovereignty, and when it is an overbidding on what the president is going to negotiate upon as the foreign treaty entitled a statement of the Arab League, and if it is an attempt to negotiate instead of him, then it is a constitutional crime that worth the trial.

Hurry up to the birth of the Supreme Council to institute legal proceedings against those presidents and ministers; it seems that those are proceeding toward the dock

Translated by Lina Shehadeh,

 مذكرة الرؤساء السابقين تعرّضهم للمحاكمة – انتهكوا الدستور لخدمة غبّ الطلب بلا قيمة سياسية

مارس 29, 2017

ناصر قنديل
– الرسالة التي وجّهها الرؤساء السابقون للجمهورية والحكومة أمين الجميّل وميشال سليمان وفؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي تعرّضهم للمحاكمة بتهمة خرق الدستور، وقد أقسم اثنان منهما على الحفاظ عليه وصيانته، كما أقسما على أنّ رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدة البلاد، وعلى كونه من يفاوض على المعاهدات الخارجية، وهنا بند لا يمكن حصره بالتفاهمات التعاقدية المالية والعسكرية والسياسية الثنائية او المتعددة الأطراف. فالبيانات السياسية التي تصدر عن القمم العربية والإسلامية والدولية هي معاهدة خارجية يوقعها لبنان، ويتعهّد بالالتزام بمضمونها، ويبدأ لبنان مفاوضته عليها بالكلمة التي يلقيها رئيسه في القمة، ومذكرة الرؤساء السابقين الخمسة هي مفاوضة بالنيابة عن رئيس الدولة، بل وفقاً لرغبة أصحابها تخريباً على ما سيتولى المفاوضة عليه، في مضمون الكلمة التي سيلقيها.

– ليس مهماً بعد الحديث عن الإطار السياسي لخطوة الرؤساء السابقين فهي واضحة، كمحاولة استقواء سعودية على الرئيس اللبناني بما كتب باسم الرؤساء السابقين، في ظلّ عجز سعودي عن تمرير موقف يستهدف حزب الله وفقاً لتوازنات القمة التي تبلور فيها محور عراقي مصري جزائري يسعى للتهدئة وحشد الطاقات والعلاقات العربية والدولية لمواجهة خطر الإرهاب، وسئم الحروب السعودية العبثية ضدّ سورية وحزب الله وفي اليمن. وهذا سيعني أنّ المذكرة بلا قيمة سياسية لأنها لن تنفع السعودية بل ستلحق الضرر بأصحابها، فلن يضير رئيس الجمهورية أن يُقال له إنّ رؤساء سابقين خاطبوا القمة بمذكرة تقول أشياء وأشياء ليقول لهم، هل ترضون أن أحضر معي رسائل من معارضين في بلادكم وأتلوها في القمة، فمكان المعارضات داخل المؤسسات الدستورية لبلدها وضمن مفهوم السيادة، وليس خارجها، ولا يوجد ايّ مبرّر للتعثر بكلمات الذين عذبوا أنفسهم وكتبوا المذكرة وتلاوتها في القمة وإلا جاء من يتلو رسالة من الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح فهل ترضى يا جلالة الملك وقد جئت تطلب منا دعم حربك في اليمن التي قتلت ودمّرت وخرّبت، فقط تحت شعار دعم الشرعية الدستورية على ما فيها من نواقص وعلات؟

– القضية لبنانية صرف اليوم وهي قضية على درجة من الخطورة يكفي لتخيّل حجمها التساؤل عما لو توجّه الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي للقمة الأوروبية بمذكرة للقمة الأوروبية يستبق فيها كلمة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وبهدف التأثير على قرار القمة بصورة معاكسة لما جاء يطلبه الرئيس الدستوري والشرعي، أو أن يوجه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى قمة العشرين برسالة تناقض وتشوّش على ما جاء يطلبه منها الرئيس الشرعي والدستوري دونالد ترامب، هذه ليست هرطقة وسخافة سياسية وحسب، ولا مجرد فوضى دستورية وسياسية وحسب، بل نقض لمفهوم السيادة ومفهوم الشرعية والديمقراطية، واستطراداً معنى وجود الدولة والدستور.

– من المفهوم أن لا يفقه الملوك بمعنى الدساتير التي لم يختبروها في بلادهم، لكن الرؤساء الذين عرفوا وقرأوا ومَن أقسم منهم ومَن لم يقسم على حمايته، يعرفون حجم الجريمة التي يرتكبونها بجعل الحكم بينهم وبين رئيس دولتهم مؤسسة خارجية، ويعرفون معنى أنهم يعلنون انقلاباً على الدولة ويبيعون السيادة وينتهكون الدستور. فالقضية لا التباس فيها، شكوى على الرئيس الدستوري للقمة العربية كمؤسسة بديلة عن الدولة اللبنانية ودستورها الذي ينظم أصول وقواعد الحياة السياسية لمن يوافق ومن يعترض، محدّداً آليات التعبير والتغيير، وكلّ خروج عن قواعده والتجاء لبديل عنها هو انقلاب وعندما يكون البديل خارجيا يكون انتهاكاً للسيادة، وعندما يكون مضاربة على ما ذهب الرئيس ليفاوض عليه من معاهدة خارجية إسمها بيان القمة العربية، ومحاولة للمفاوضة بدلاً منه، يصير جريمة دستورية تستحق المحاكمة.

– عجلوا بولادة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء فيبدو أنّ هناك من يزحف بقدميه إلى قفص الاتهام أمامه.

(Visited 3٬770 times, 3 visits today)
Related Videos
 










Related Articles

الحكومة والوقت الضروري للنضوج

 

ناصر قنديل

– ليس معلوماً بعدُ مَن الذي ورّط مَن في إشاعة أجواء التشكيل السريع للحكومة كمحاولة للقول إنّ الأمور كلها تحت السيطرة، أو رداً على المناخ الذي أشيع عن وجود محاولات للعرقلة ناتجة عن مسارات ما قبل الانتخابات الرئاسية، وقد بدا أنّ حماسة الرئيس سعد الحريري مصدر هذا الإيحاء بموعد ما قبل عيد الاستقلال، وأنّ بعض المتحمّسين للعهد تفاعلوا مع الإيحاء وساهموا بتسويقه، لكن يبدو الآن أنّ تبرير التأخر بتشكيل الحكومة يضعهم جميعاً، ويُجبرهم على الخوض في مناخ معاكس عنوانه وجود مشيئة تعطيل عبّر عنها ذات يوم الرئيس الحريري رداً على سؤال عن موعد مرتقب للإنجاز بالقول اسألوا من يعرقل وهو معلوم.

– هل كان الحريري مدركاً التعقيدات التي لا بدّ من تذليلها لتتشكّل الحكومة وتقصّد الإيحاء بموعد ما قبل الاستقلال واليوم بموعد ما قبل الأعياد، ليضع رئيس الجمهورية في واجهة مأزق يرتب تعقيداً لعلاقاته مع حليفه الأبرز حزب الله، إذا أخذنا بالحساب الإعلام المستقبلي وتركيزه على هذا الشأن في مواكبة الشأن الحكومي بإيحاء جديد مباشر عنوانه أنّ حزب الله يعرقل تشكيل الحكومة في محاولة فرض معادلة الوصاية على العهد وتظهير أنّ الحكومة مثلها مثل الرئاسة لا تبصر النور من دون مشيئته، وهل كان الذين بادروا لافتراض القدرة على إنجاز الحكومة خلال أيام يعلمون أنّ مبالغتهم بالتفاؤل سترتدّ تشاؤماً يؤذي العهد وصورته، وأنّ خلق مناخ متوتر مبكر حول الترقب لتشكيل الحكومة سيطبع الأيام الأولى من العهد بأسئلة مبالَغ بطرحها قبل أوانها، والموعد المنطقي والطبيعي لولادة الحكومة بنجاح لا يسمح بطرح السؤال عن التأخير قبل مرور شهرين على التكليف بتشكيلها، فتتخطى المهل الطويلة التي عرفتها الحكومات السابقة، التي تراوحت مهل ولادتها بين أربعة وعشرة شهور؟

– معلوم من متابعة طبيعة العقد المرتبطة بالتشكيل الحكومي، أنّ بعضها يتصل بالشأن الحكومي والقوى المطلوب تمثيلها، وبعضها الآخر متصل بتعقيدات التفاهم على قانون جديد للانتخابات النيابية، وانعكاس حسابات المعادلة الحكومية على التشكيلة الوزارية بما يضمن وجود أو عدم وجود ثلث معطل لدى فريق أو مجموعة فرقاء، ومعلوم من الذي جرى على المسار الحكومي أنّ القسم الأول يتراوح في شأن الحقائب بين كتل حركة أمل والقوات اللبنانية وتيار المردة، وبالتالي بين حلفاء حزب الله من جهة، أمل والمردة، وحليف التيار الوطني الحر، أيّ القوات، وأنّ التواصل بين حزب الله والتيار معني وقادر، لكن ضمن زمن معقول على تخطي هذه العقبات، سواء بترطيب العلاقة بين المردة والتيار الوطني الحر أو بالتدخل لدى القوات لحلحلة عقد الحقائب أو بتعاون حزب الله ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري لتكوين بيئة ثقة تواكب مسار العهد بين الرئيسين عون وبري، ومعلوم في المقابل أنّ العقد المتصلة بقانون الانتخابات تتجسّد في حجم تمثيل القوات ومسعاها المشترك مع تيار المستقبل للاحتفاظ بالثلث المعطل في الحكومة لمنع ولادة قانون انتخابي جديد، أملاً بالذهاب للانتخابات على أساس قانون الستين وجذب التيار الوطني الحر لتحالف ثلاثي، وأنّ هذا الهدف هو الذي يفسّر تمسك الحريري بحكومة الأربعة وعشرين وزيراً، والسعي لإبعاد الحزب السوري القومي الاجتماعي والنائب طلال أرسلان والوزير السابق عبد الرحيم مراد أو الوزير السابق فيصل كرامي عن الحكومة، وصولاً لتهميش حزب الكتائب وعرقلة انضمامه للحكومة.

– معلوم أنّ مدة الشهر التي انقضت على الانتخابات الرئاسية، وصولاً لتسمية رئيس مكلف تشكيل الحكومة، هي مهلة مستحيلة لتشكيل حكومة تضمّ قوى وصلت علاقاتها إلى التصادم على خلفية الاستحقاق الرئاسي، وتتوزّع بين حلفاء للرئيس في خطه السياسي وحلفاء آخرين في الاستحقاق الرئاسي وحلفاء في كليهما، وخصوم في المقابل في كليهما، فكيف إذا تجمّعت مع هذه الاعتبارات المشاكل المستعصية لاستيلاد قانون جديد للانتخابات، تراكمت سنوات وعجز المعنيون بتشكيل الحكومة أنفسهم عن حلها سابقاً ويتقرّر على ضوء الصيغة التي سترسو عليها الانتخابات النيابية، ببقاء قانون الستين أو ولادة قانون جديد آثار أكبر بكثير على العهد وعلى جميع القوى السياسية، سلباً على بعضها وإيجاباً للبعض الآخر، من تلك الآثار الناجمة عن بلوغ مهلة تشكيل الحكومة بضعة أسابيع، بينما استهلك سواها بضعة شهور.

– يبدأ المسار الجدّي للتشكيل عندما يحسم الحريري مصير قانون الانتخابات النيابية، ويقرّر التخلي عن ضمان الثلث المعطّل حكومياً لتمثيله وتمثيل القوات اللبنانية معاً حتى تبدأ الحلحلة سواء فعل ذلك من ضمن صيغة الأربعة وعشرين وزيراً أو قبل للخروج من المأزق الذهاب لحكومة الثلاثين وما تتيحه من فرص الجمع لمكوّنات طاولة الحوار الوطني كتعبير مباشر عن مفهوم حكومة الوحدة الوطنية. وعندها سيكون حزب الله قادراً على بدء موازٍ لمسار الفك بين تعقيدات تشكيل الحكومة وتوازنات في حسابات قانون جديد للانتخاب، وما يرتبه ذلك من حلحلة في شأن الحقائب في مثلث التيار الوطني الحر وحركة أمل وتيار المردة.

Related Videos

 

Related Articles

ماراتون ما قبل 22

ناصر قنديل
في 22 تشرين الثاني يَعِدُ اللبنانيون أنفسهم بحكومة جديدة. وفي 22 كانون الثاني من العام المقبل بعد شهرين ونصف يَعِدُ الأميركيون أنفسهم برئيس جديد، وينطلق في الساحات المحلية والإقليمية ماراتون لبناني وآخر عراقي وثالث سوري ورابع يمني. اللبنانيون جميعاً يتوقون لرؤية ولادة سريعة لحكومة العهد الأولى ويتوقعون صرف رصيد الإيجابية المتراكم لصالح هذه الولادة، لكن في الماراتون اللبناني تتسابق هذه الرغبة مع الطلبات المتعاكسة التي تعبّر عن الفهم المختلف للحكومة ودورها، والمصالح المتباينة للقوى التي ترافق مسيرة العهد الجديد، وبسرعة صار حزب الله والقوات اللبنانية طرفَيْ المواجهة في طبيعة الخيار الحكومي، ويتوقف على ما يقرره رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة مصير الماراتون، فتبصر الحكومة النور قبل عيد الاستقلال أو ربما تنتظر الاستحقاق الثاني في 22 كانون الثاني وفقاً للنصائح السعودية لكلّ من يرتبط معها بحسابات المنطقة، أن يصمدوا ويكتفوا بما قدّموا من تنازلات لتعزيز صمودهم، حتى يتسلّم الرئيس الجديد مهامه في البيت الأبيض، على قاعدة هيلاري كلينتون فائزة، فهي أقرب للسعودية من باراك أوباما وفريقه وستغيّر في السياسات الإقليمية، أو ترامب فائز ومع الجمهوريين ستتمكن السعودية من إعادة تكوين اللوبي الداعم للصمود بوجه روسيا وإيران وحلفائهما في الشرق الأوسط، وهو لوبي سعودي «إسرائيلي» تشكل على خلفية الحرب في سورية.

يطرح رئيس حزب القوات اللبنانية حكومة تستبعد مسيحياً كتلة النائب سليمان فرنجية والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الكتائب، وتقاسم ثلاثي عوني قواتي مستقبلي للمقاعد المسيحية في الحكومة. بينما يدعو حزب الله ويقف مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري بقوة في الدعوة لترجمة مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بتبني تشكيل حكومة وحدة وطنية، بضمّ ممثلين للأحزاب الثلاثة، وتمييز النائب فرنجية بحقيبة وازنة ويفضل أن تكون سيادية، ومعلوم أنّ ما سيسري على المقاعد المسيحية يشبه ما سيجري على المقاعد الإسلامية. فعندما يُستثنى فرنجية سيصير الحديث وفقاً لجعجع عن حكومة الأربعة وعشرين وزيراً ويسقط تمثيل النائب طلال إرسلان والوزير السابق فيصل كرامي. والصراع هنا ليس صراع حصص ومصالح سياسية وحسب، فهو إنْ كان كذلك بالنسبة للقوات لتضخيم حصتها، إلا أنه سياسي أيضاً بمقاربة القوات لحكومة يسهل التحرك فيها لتشكيل مناخ متعب لرئيس الجمهورية يجعله رهينة تفاهم القوات وتيار المستقبل كحليفين، ويحاصر حلفه مع حزب الله، ويصعّد التوتر بين رئيسَي الجمهورية ومجلس النواب، لكن بالنسبة لحزب الله والرئيس بري فلا حصة إضافية ينالانها من توسيع قاعدة التمثيل، فالأمر كله سياسة خالصة، بمنح العهد فرصة إقلاع مريح، وتشكيل قاعدة شعبية وسياسية خالية من توترات ما قبل الانتخابات وتهيئة مناخ سلس للانتخابات النيابية ومناقشة قانونها، وتمكين رئيس الجمهورية من التحرّك وسط تعدّد الألوان في الحكومة، بما يتيح تشكيل تحالفات مرنة ومتغيّرة بتغيّر الموضوع، وبالرغم من وضوح صورة المصالح لكلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بتفاعل إيجابي مع دعوة بري وحزب الله، خصوصاً للمردود الانتخابي لهذه الدعوة عليهما، يبقى أنّ التعقيد هنا سيرمي موعد ولادة الحكومة الجديدة إلى الانتظارات السعودية لما بعد تسلّم الرئيس الأميركي الجديد، المسألة تتوقف على خيار رئيس الحكومة أن يفعل ما يقتنع بصحته في وقته أم ينتظر، كما حدث في خياره الرئاسي. الانتظار يجعل الحكومة التي تصنع في لبنان صنعت في الخارج عملياً، كما الرئاسة.

في المشهد الإقليمي تتضح مزاحمة الماراتونات من سورية إلى اليمن والعراق لحسم الأوراق قبل بدء ولاية الرئيس الأميركي الجديد، وتبدو الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها منخرطة في هذا السباق لآخر يوم لها في الحكم، سيسجل معه الرئيس باراك أوباما سحب آخر جندي أميركي من أفغانستان محققاً وعده الانتخابي بالانسحاب من حربي العراق وأفغانستان، رغم العودة المختلفة إلى العراق وبعض سورية تحت عنوان الحرب على الإرهاب، التي يبدو أنها ستترسم مع نهاية ولاية أوباما، وفقاً لخطوط التفاهم الروسي الأميركي، في ظلّ تراجع الصراخ حول حلب، والتسليم الأميركي بالفشل في اجتماعات الخبراء التي عقدت في جنيف بشراكة سعودية قطرية تركية، ولم تنجح في فك التشابك بين النصرة والفصائل المسلحة، وفقاً للتعهّد الأميركي لموسكو، فيما تستعدّ موسكو والحلفاء لحسم معركة حلب، والعودة إلى بنود التفاهم بالتعاون في حربَي الرقة وإدلب، حيث تجمّعات النصرة وداعش، بينما بدأت أميركا عشية الانتخابات الرئاسية بتسخين جبهة الرقة، بانتظار الانضمام الروسي بعد حسم حلب.

في العراق توطنت أميركا على حقيقة عجز البيشمركة والتشكيلات الكردية عن لعب دور حاسم في الحرب على داعش، وحقيقة التلاعب التركي بالعنوان لكن لمآرب أخرى، وحقيقة أنّ الحشد الشعبي يشكل القيمة المضافة في هذه الحرب، التي تحتاجها أميركا بإنجازات لا تنهيها، بل يخرج فيها داعش من مجاري نهري الفرات ودجلة، حيث المدن الكبرى، إلى ما بين النهرين حيث مفاوضات لم تنته بعد محورها النفط والعلاقات الأمنية مع الحكومتين السورية والعراقية، ومن خلفهما مفاوضات مع إيران وروسيا بديلاً عن المفاوضات ما قبل الانسحاب من أفغانستان، حول طريق الحرير الذي يقطع تواصله اليوم وجود داعش على المناطق التي تربط سورية بالعراق من القائم إلى تلعفر والحسكة، ويمنع بقاء داعش التواصل السلس بين إيران وسورية والمقاومة براً، وبالتالي التواصل براً بين روسيا والصين عبر إيران مع ضفاف المتوسط.

في اليمن تغلق الحرب الخيارات السياسية وتراوح مكانها كحرب استنزاف بلا أفق، ويتقدّم السعي لإغلاقها وفقاً للمبادرة التي أعدّها وزير الخارجية الأميركي جون كيري وحصل على موافقة السعودية ودول الخليج عليها، وتلاقت في جوهرها مع أهمّ ما يطلبه تحالف أنصار الله والمؤتمر الشعبي اليمني، ويدور التفاوض على ما يشبه تفاوض ما قبل الرئاسة اللبنانية. فالتسليم بالتسوية يفتح ملف الرئاسة والحكومة هناك، ومثل سورية يدور التفاوض تحت الطاولة على الامتيازات الأميركية النفطية والأمنية من باب المندب إلى الحديدة. ويبدو موعد تسلم الرئيس الأميركي الجديد سقف الانتظارات الممكنة لترسيخ قواعد التسوية وإقلاعها، بيقين سعودي أن لا شيء تغيّر مع وصول رئيس أميركي جديد.

يبقى ما تفعله تركيا التي تعيش خارج التاريخ والجغرافيا، فتتراجع عن حرب الموصل وتكثر الكلام عن تلعفر، بينما يتقدّم نحوها الحشد الشعبي، وتصمت تركيا عن حلب بسبب العجز، وما تكاد تعلن التقدّم نحو مدينة الباب تسمع الموقف السوري الحاسم بالتصدّي لأيّ انتهاك في الجو أو في البرّ، وتقف تركيا على مسافة ثلاثة عشر كيلومتراً من مدينة الباب بينما صار الجيش السوري والحلفاء على مسافة خمسة كيلومترات منها فقط.

ماراتونات الشرق الأوسط الجديد تكرّس معادلات حروب السنوات الست، وتعيد تشكيل بيئة جيواستراتيجية جديدة في المنطقة الأهمّ في العالم.

Related Videos

Related Articles

ماذا لو لم تجر الانتخابات وفق النسبية؟

نوفمبر 2, 2016

ناصر قنديل
– يتساءل الكثير من المعنيين والمتابعين عن المفتاح الذي يمكن من خلاله قياس مدى قدرة العهد الجديد على التبشير بتغيير سياسي اقتصادي اجتماعي، أو التحوّل إلى عهد إدارة للتوازنات والمصالح، فالنقاش المقارن بين عهدي الرئيسين العمادين إميل لحود وميشال عون، لا يمكن أن يطال ملف السياسة الخارجية، ولا الموقف مع المقاومة وسورية، والفارق الذي يستطيع عهد العماد الرئيس ميشال عون تقديمه مقارنة بعهد الرئيس العماد إميل لحود، هو بالقدرة على صياغة مشهد داخلي مختلف لتحقيق الوعود ذاتها بالتغيير التي بشر بها عهد الرئيس لحود، وكانت موضع التفاف شعبي مشهود بداية العهد، والمصدر الذي يستند إليه الأمل بالقدرة على تحقيق ما لم يتحقق في عهد الرئيس لحود هو حجم الكتلة الشعبية المساندة بثبات للرئيس العماد عون، والزعامة السياسية والشعبية التي تمنحه صفة أقوى الزعماء المسيحيين، مقابل ما أخذ من نقطة ضعف على عهد الرئيس لحود بافتقاده الحاضنة الشعبية المسيحية، ووقع عهده على خط الاشتباك مع الشارع المسيحي الذي كان يتقاسم قيادته تيار العماد عون ومناصرو حزب القوات الذي يرأسه سمير جعجع.

– الفارق الذي نتحدث عنه هنا ليس بالتأكيد التطلع لحلول سحرية لأزمات نظام تفاقمت وتراكمت إلى الحدّ الذي بات معها كلّ إنقاذ وإصلاح محكوم بتواضع السقوف، خصوصاً أنه يجري في ظلّ الحفاظ على الصيغة الطائفية للنظام السياسي التي تشكل مصدراً رئيسياً من مصادر الأزمات، وسيكون القياس بعين التطلع لمثل هذا التغيير الجذري واعتباره أساساً للحكم على العهد فيه ظلم كبير للعهد، وتهاون في تقدير حجم الأزمات من جهة وحجم تجذر وقوة النظام الطائفي من جهة أخرى ودوره في تفاقم الأزمات وتعقيد مسيرة الإصلاح من جهة ثالثة، لكن الفارق الذي نتحدث عنه أيضاً ليس الفارق الذي سيحدثه مجرد وصول العماد عون للرئاسة بحجم ما يمثل كركن مقرّر في معادلات الدولة والمجتمع، سواء بالقدرة على إدارة التوازنات والمصالح في قلب معادلة الحكم، أو بحجم الحصانة السياسية والشعبية التي سيمنحها للخيارات الإقليمية الداعمة للمقاومة وسورية، من الموقع المزدوج للرئاسة والزعامة معاً، إنه الفارق الذي يتمثل بإحداث تراكم تصاعدي لحساب فكرة الدولة وعبرها لفكرة المواطنة، ومعهما لمنطق القانون، وما سيمثله هذا التراكم من نقلة نوعية في بنية الدولة وهيبتها، وتضعف معها أحجام المساحات التي تحتلها الطوائفيات، من الدولة وعلى حسابها.

– الفارق المنشود يتوقف على إقامة توازن جديد، في قلب معادلات الحكم، فهل تكفي مهابة الرئاسة المستندة إلى الوزنين السياسي والشعبي للعماد الرئيس، أم أنّ ذلك يحتاج إلى توازن جديد، هذا هو السؤال المفتاحي في مطلع العهد، والجواب تقوله الوقائع السياسية والدستورية، وفيها أنّ الرئيس سيملك حكماً قدرة التعطيل، بحق الفيتو الذي يملكه من جهة، وبامتلاكه قدرة تحويل الفيتو إلى سبب كافٍ لمنع ما يجب منعه، بحكم استناد الرئاسة إلى الزعامة، زعامة شارع شعبي وازن سيزداد نهوضاً، وزعامة تكتل نيابي لا يمكن تخطيه، ومعهما تحالفات وازنة نيابياً وقادرة على إشهار البطاقة الحمراء لحماية موقع الرئاسة عند الضرورة، وقد فعلت ذلك لسنتين ونصف السنة حتى أوصلت العماد بأمان إلى قصر بعبدا. لكن السؤال يطال الفعل الإيجابي القائم على قدرة العهد وفقاً لرؤية واقعية، بسقوف متواضعة، تعرف تركيبة النظام وتراعيها، وتعرف المصالح الحيوية للقوى المشاركة في الحكم وتضعها في الحساب، لكنها رغم ذلك وفوق ذلك تستطيع الدفع بقوة وثبات وبلا تصادمات كبيرة تعطل الدولة، وتحقق التراكم المنشود.

– الأكيد هو أنّ التوازن القائم في المجلس النيابي، يتكفل بتعطيل قدرة الرئيس على إحداث ما يتخطّى قدرة ممارسة الفيتو وصولاً للتعطيل، منعاً لإفشال العهد، وجعله رهينة لعبة إدارة الأزمات، وأيّ تغيير منشود وبسقوف متواضعة يستدعي توازنات جديدة في المجلس النيابي تبرّر توازنات جديدة في الحكومة المقبلة، والانتخابات على مسافة شهور قليلة، لكنها ستنتج مجلساً عمره أربع سنوات هي العمر المجدي للعهد الجديد، ومثلما سيكون التمديد للمجلس النيابي الحالي إعلان وفاة للآمال التغييرية المعقودة على العهد، وهو الذي رفض بشخص الرئيس العماد ومعه تياره وشارعه عمليات التمديد السابقة، وصولاً إلى معادلة لا شرعية المجلس الحالي التي أثارت إشكاليات كثيرة، لا تزال حاضرة، فإنّ إنتاج مجلس نيابي جديد تحكمه توازنات المجلس الحالي ذاتها سيكون إعلان اكتفاء العهد بإدارة توازنات النظام، والإقرار سلفاً عن رومانسية وطوباوية التطلع للتغيير وبالعجز عن إحداثه.

– وفقاً لمعادلة الواقعية والحاجة لمراعاة التحالفات والتفاهمات التي أنتجت الرئاسة بالصيغة التي عرفناها، ستكون العملية الانتخابية المقبلة إذا جرت وفقاً للنظام الأكثري، سواء قانون الستين أو سواه، ممراً إلزامياً لإعادة إنتاج مجلس نيابي يشبه المجلس القائم، حيث سيكون التيار الشعبي المساند للرئيس سواء في الساحة المسيحية أو في ساحات أخرى مقيّداً بعدم إثارة الاشتباك المبكر مع أطراف التفاهمات التي أنتجت الرئاسة. ولا مفرّ من هذا القيد إلا بقانون انتخابي يحرّر الجميع من التحالفات، ويجعلها مستحيلة، وهذا لا يتحقق إلا بقانون يعتمد النسبية حيث تبدأ التحالفات بعد الانتخابات، وبدلاً من إلزامية تقاسم مقاعد الدوائر مع الشركاء في الخيار الرئاسي بالتراضي، الذي لن يجد أمامه لا مراعاة التوازن النيابي الحالي مقياساً، سيكون مع التمثيل النسبي طبيعياً أن يخوض كلّ فريق تجربته الانتخابية منفرداً، والتوجه بعد الانتخابات نحو التحالفات، لكن بأحجام نيابية أفرزتها الانتخابات، وسيكون طبيعياً عندها التطلع لصرف الفائض الشعبي الذي أضافته الرئاسة إلى الزعامة في طائفتها وسائر الطوائف بكتلة نيابية أكبر وتحالفات نيابية تتيح تشكيل أكثرية، تغييرية إصلاحية، لكن عاقلة وغير تصادمية، وقادرة على صياغة مشروع حكومي، لا مانع من بقاء رئاسة الحكومة فيه للرئيس سعد الحريري، طالما التمثيل الحكومي للكتل النيابية سيراعي أحجامها.

– قد تكون من المرات النادرة التي يشكّل فيها قانون إصلاحي انتخابي وفقاً للنسبية، مخرجاً من المأزق لقوى طائفية كانت تراه مصدراً لخسارتها. فالرئيس الحريري الذي يتطلع نحو طرابلس بقلق انتخابي، سيكون مرتاحاً لقانون يضمن له حصته النيابية وفقاً للنسبية، بينما قد يهدّد النظام الأكثري بوضعه خارج معادلتها النيابية كلياً. والنائب وليد جنبلاط في الشوف في وضع لا يخرجه من القلق تجاه ثلاثي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وتيار المستقبل، إلا التمثيل النسبي الذي يمنحه فرصة حصاد مقاعد خارج طائفته لن يكون ممكناً في ظلّ النظام الأكثري. والتحالفات القائمة، التي قد لا تعرض على جنبلاط أكثر من ضمان مقاعد طائفته، ومن موقع الضعيف، ومثلهما، سيكون في العلاقة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، الذهاب للنظام الأكثري تكريساً لثنائية تقتل مشروع التيار الذي يحيا بتعددية خياراته التحالفية مسيحياً، والحفاظ على حرية الحركة داخل هذا التعدد، وهو ما لا يحققه دون تصادم غير وارد بالتأكيد مع القوات، إلا النظام النسبي، حيث سيتقاسم التيار والقوات والمردة والقوميون مثلاً تمثيل دائرة تضمّ بشري وزغرتا والكورة والبترون، ومثلها المتن مع حلول الكتائب بدلاً من المردة، ومن دون أيّ إخلال بالتفاهم والتعاون مع القوات.

– المفتاح واضح كما القفل واضح، النظام النسبي في دوائر متوسطة الحجم تتشكل من الأقضية التي يبلغ عدد نوابها ثمانية، ومن دمج الأقضية التي تنتج دوائر يتراوح عدد نوابها بين ثمانية واثني عشر نائباً، وهذا قد يكون ممكناً بتوظيف زخم العهد لإنتاجه، وبشرح هادئ لمصالح الجميع باعتماده وهو ما تقول مقاربة سريعة لنتائجه إنه سيطلق دينامية سياسية وشعبية ونيابية ستمنح العهد البداية التي يحتاجها للتبشير بآمال تليق بالرئيس وتاريخه والوعود الكبيرة التي يضعها الناس لأنفسهم ولبلدهم مع وصوله إلى سدة الرئاسة.

Related Articles

%d bloggers like this: