الأيام الفاصلة بين مشروعيْنِ كبيرَيْنِ

مايو 1, 2018

ناصر قنديل

– مهما تلوّنت الصراعات وتبدّلت وجوهها وتموضعت في ضفافها قوى ملتبسة الهوية، تبدو المنطقة في مواجهة مفتوحة منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران ورفع إمامها لشعار اليوم إيران وغداً فلسطين، فيما كانت «إسرائيل» تفوز بإخراج أكبر دولة عربية هي مصر، من خارطة الصراع عبر بوابة كامب ديفيد، لتصير هذه المواجهة منذ عام 1979 بين مشروع عنوانه مقاومة «إسرائيل» ومشروع مقابل اسمه تشريع اغتصاب «إسرائيل» لفلسطين والتطبيع معها، ومثلما تقف إيران كقاعدة استراتيجية لمشروع المقاومة الذي يضمّ إليها سورية وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، تقف أميركا كقاعدة استراتيجية لمشروع تشريع «إسرائيل» والتطبيع معها، ومعها عرب تتقدّمهم علناً دول الخليج وفي طليعتها السعودية، وتقف «إسرائيل» طبعاً، ومعها دول الغرب ودول إقليمية وعربية.

– مثلما كانت الحرب التي خاضها النظام العراقي السابق على إيران بتمويل خليجي ودعم أميركي غربي حلقة من حلقات هذه المواجهة وانتهت بالفشل، كان اجتياح «إسرائيل» للبنان حلقة من حلقات هذه المواجهة، وكانت أميركا حاضرة بقواتها المتعددة الجنسيات ومعها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، ورعايتها لاتفاق السابع عشر من أيار، وكانت السعودية حاضرة باحتضانها الاتفاق بالقمة العربية في الدار البيضاء. وجاءت الحصيلة تباعاً من انتفاضة السادس من شباط عام 1984 وصولاً لتحرير الجنوب في العام 2000 لتتكرّس هزيمة هذه الحلقة الفاصلة المشروع الأميركي. كذلك كانت حرب العراق واحتلاله مقدمة لإخضاع سورية وإيران حلقة من حلقات هذه المواجهة. وجاءت أميركا مباشرة هذه المرة لتأديب قوى مشروع المقاومة. وجاءت الحصيلة بالفشل الأميركي في تحقيق الهدف فصمدت سورية وصمدت إيران. والأهم صار العراق نفسه مشكلة لأميركا.

– الحرب على سورية بقدر ما كانت حرباً على سورية بذاتها، كانت حرباً بين هذين المشروعين ومكانة سورية بينهما. وها هي الحرب ترسم مساراً ثابتاً للاحق تطوّراتها باتجاه لم يعُد ممكناً تغييره. وهو اتجاه خروج سورية معافاة من محنتها، وقيامة دولتها أشدّ قوة وأكثر التزاماً بثوابتها وخياراتها، وموقعها في خيار المقاومة، ومثلها الحرب على اليمن حرب بين هذين المشروعَيْن. وقد قال وزير خارجية الحكم المدعوم سعودياً في اليوم الأول للحرب أن «إسرائيل» تستطيع الاطمئنان بأن صواريخ الحديدة التي تهدّد أمن «إسرائيل» في إيلات سيتمّ تدميرها، وها هي الصواريخ تتحوّل أداة ردع تهدّد العاصمة السعودية.

– الملف النووي الإيراني مفردة من مفردات هذه المواجهة، فلو لم تكن إيران قاعدة لمشروع المقاومة لما كان امتلاكها للطاقة النووية ولا حتى لسلاح نووي أسوة بباكستان والهند مشكلة. ويوم توقفت المفاوضات حول هذا الملف في آب 2012 بعد جولة بغداد، معلوم أن واشنطن كانت قد عرضت تشريع الملف النووي الإيراني مقابل تعديل الموقف الإيراني في سورية وما يرمز إليه من تموضعها كقاعدة لمشروع المقاومة. ومثل الملف النووي الإيراني المواجهة مع روسيا تدور في قلب هذه المواجهة التي يشكل مشروع المقاومة عنوانها، فقد عرض على روسيا الكثير من المكاسب والمصالح كدولة عظمى في سورية وغير سورية مقابل إخراج إيران وقوى المقاومة، وتعرّضت روسيا لمخاطر وتهديدات وعقوبات لدفعها للتخلّي عن تموضعها مع إيران وسورية والمقاومة في المنطقة. وهي ترى في هذا التموضع تعبيراً عن تمسكها بكسر الهيمنة الأميركية وحماية خيار الاستقلال الوطني لدولتها وللدول التي تشبهها في هذا التمسك.

– نقل السفارة الأميركية إلى القدس إحدى خطوات قلب هذه المواجهة تحت عنوان التشريع والتطبيع، وصفقة القرن مثلها، والغارات الإسرائيلية والعدوان الأميركي كذلك، وما تشهده الانتخابات النيابية في لبنان والعراق مفردات إقليمية دولية بلباس محلي في قلب هذه المواجهة. فتُصرَف الأموال وتنظم الحملات الإعلامية لخدمة إنتاج موازين قوى في لبنان تحاصر المقاومة، وفي العراق موازين تشرّع بقاء الاحتلال الأميركي، وبالمقابل مواصلة الجيش السوري لحرب التحرير ومسيرات العودة الفلسطينية مفردات في هذه المواجهة، ومثلهما صمود اليمن ونجاحه في إنتاج توزان الردع والرعب رغم الآلام والجراح والحصار والمرض والجوع.

– الأيام المقبلة فاصلة في هذه المواجهة، والواضح أن واشنطن تستعدّ لملاقاتها بالابتعاد عن قلب الطاولة الذي كانت تهدّد به وتبحث عن مخارج حفظ ماء الوجه والتفرّغ للملف الكوري الشمالي، فيما تعيش «إسرائيل» والسعودية على نار القلق والخوف، وتنتظر إيران وسورية والمقاومة ملاقاة الاستحقاقات بثقة واطمئنان. وفي حزيران سيظهر المطمئن بأسه ويظهر الخائف والقلق ضعفه، وما يبدو تصعيداً واستفزازاً من جهة لقلب الطاولة قبل حزيران، سيفشل عبر ملاقاته ببرود أعصاب يخطئ مَن يقرأه ضعفاً، لأنه سيرى في حزيران وما بعده صورة القوة الحقيقية والضعف الحقيقي. فمشروع المقاومة الذي حقّق خلال أربعة عقود تراكماً من الانتصارات يعرف كيف يصونها، ويعرف أنها علامات تغييرات جوهرية في الموازين لا تحتاج الاستعراض لإثباتها بل الثبات الهادئ للحفاظ عليها.

مقالات مشابهة

Advertisements

مشهد سياسي جديد في لبنان في 7 أيار

أبريل 17, 2018

ناصر قنديل

– وفقاً لكون العدوان السداسي على سورية، الذي نفّذته واشنطن ولندن وباريس وساندته تل أبيب والرياض والدوحة، بالمخابرات والمال والقواعد العسكرية، آخر ما يمكن فعله للتأثير سلباً على مجريات العملية الانتخابية في لبنان والعراق والتي يوليها الأميركيون والإسرائيليون اهتماماً يعادل اهتمامهم بالمتغيّرات الجيواستراتيجية، لجهة صعود دور الدولة السورية وتعاظم مكانة روسيا وإيران في أحداث المنطقة، يفترض أنّ الانتخابات المقبلة على العراق ولبنان خصوصاً، ستحمل معادلات سياسية لم يعد ممكناً التدخل لتعديل مساراتها. وتشير المعلومات المتوافرة، إلى أنّ الحساب التقليدي للنتائج المرتقبة في لبنان وفقاً للانقسامات التي سبقت الانتخابات، ورغم ما لحقها من تصدّع في التحالفات الانتخابية ستعود إلى مواقعها الطبيعية بعدها، ما يعني أنّ الحلف المساند للمقاومة في لبنان والمكوّن من ثنائي حركة أمل حزب الله وحلفائهما في قوى الثامن من آذار ومعهم التيار الوطني الحر، سيتمكّن من حصاد يزيد عن الأغلبية اللازمة لتسمية رئيس جديد للحكومة والتحكم بتشكيل الحكومة ونيلها الثقة ووضع بيانها الوزاري، حتى لو كانت تسمية الرئيس سعد الحريري رئيساً لحكومة ما بعد الانتخابات.

– في مقابل هذه الفرضية التي تنطلق برأي كثيرين من اصطفافات ما قبل التغييرات التي دخلت على العلاقات والمواقع السياسية بفعل التحالفات والخصومات الانتخابية، والتي قد لا تخلو من أصابع خارجية، ثمة من يقول إنه سيكون صعباً إعادة لمّ شمل الحلفاء التقليديين، فلا حساب الجمع بين ما سيناله تيار المستقبل وسائر قوى الرابع عشر من آذار سيكون له قيمة، حتى لو كانت الحصيلة تأكيد الفشل بنيل ثلث النواب في المجلس الجديد، كما أنّ حساب الجمع بين حركة أمل والتيار الوطني الحر ومعهما سائر قوى الثامن من آذار ليس دقيقاً، حتى لو أوحى أنه سيوفر مجموعاً يزيد عن الأغلبية اللازمة لتسمية رئيس الحكومة الجديد، فوفقاً لأصحاب هذه المقاربة، إنّ التحسّب الغربي لهذه الفرضية قد أنتج تدخلات فكّكت الكثير من التحالفات، وأنشأت الكثير مقابلها. فالتيار الوطني الحر وتيار المستقبل رغم كلّ خلافاتهما الانتخابية يظهران كحليفين سياسيين ما بعد الانتخابات، وربما ينضمّ إليهما بعض قوى الثامن من آذار كالنائب طلال إرسلان. وفي المقابل سيظهر تحالف يضمّ كتلة مسيحية وازنة يقودها النائب سليمان فرنجية وتضمّ إلى نواب المردة النواب المسيحيين في قوى الثامن من آذار، وتكتل من نواب الطائفة السنية الخارجين عن لوائح المستقبل سواء في قوى الثامن من آذار أو من خارجها يقوده الرئيس نجيب ميقاتي، وسيكون لهذين التكتلين حلف واضح مع الرئيس نبيه بري ونواب التنمية والتحرير، ونواب اللقاء الديمقراطي بزعامة النائب وليد جنبلاط الغاضب مما يسمّيه استهداف تحالف التيارين الأزرق والبرتقالي لزعامته وسعي الحليفين لتحجيمه.

– وفقاً لهذه المقاربة سيكون المجلس النيابي الجديد مرة أخرى منقسماً بين أقليتين كبيرتين لكلّ منها قرابة الخمسين نائباً، وسيكون خارجهما من جهة نواب القوات اللبنانية الذين لن يجدوا مَن يحالفهم، ونواب حزب الله، الذين خلافاً لفرضية خسارتهم فرصة تجميع أغلبية نيابية كما تفترض المقاربة، سيحصلون على فرصة الاختيار بين تكوين أغلبيتين. فسيكون للمقاومة حلفاء ثابتون في التكتلين المتقابلين، يلعبون دوراً قيادياً فيهما، فمن جهة التيار الوطني الحر ومن جهة مقابلة حركة أمل. وسيكون لكلّ من التكتلين مرشحه لرئاسة الحكومة ومرشحه المقبل لرئاسة الجمهورية، وسيصير بمستطاع المقاومة لعب دور بيضة القبان في النظام السياسي والبرلماني، وهذا بدلاً من أن يضعفها سيقوّيها، وعند الضرورة سيكون بمستطاع المقاومة جمع التكتلين في حكومة وحدة وطنية.

– ما يُقال إنه مشروع غربي لمنع تشكل أغلبية وراء المقاومة يراه كثيرون فرصة المقاومة للإمساك بدور صمام الأمان وحليف المتخاصمين. وربما تكون المقاومة قد تنبّهت لما يحضّره سواها وسارت بتشجيع حلفائها على طرفي الخصومة للتشكل في حلفين متقابلين تستفيد المقاومة من كونهما للمرة الأولى يقدّمان للحياة السياسية في لبنان أولى ثمار النسبية، بخصومة وتنافس بين جبهتين مكوّنتين من الطوائف كافة، لا يمكن للمنافسة والخصومة بينهما أن تتحوّل صراعاً طائفياً كان يتكفل دائماً بتعطيل الحياة السياسية.

Related Videos

Related Articles

التحالفات الكبرى في لبنان ممنوعة… إقليمياً!

ديسمبر 27, 2017

د. وفيق إبراهيم

تزداد العراقيل التي تحول دون تشكيل أحلاف واسعة بين القوى المتنوّعة في لبنان، فتبدو الاشتباكات بينها وكأنّها على مواضيع داخلية، لكنها ليست أكثر من محاولات لحجب الأدوار المعترضة لقوى الإقليم المهيمنة على لبنان. هذه القوى تعتبر ازدياد تأثيرها رهناً بتعميق الانقسامات الداخلية.

آخر هذه الأحلاف المطروحة هو الحلف الخماسي المفترض أن يضمّ تيار رئيس الجمهورية الوطني الحرّ المسيحي ، وحزب رئيس الحكومة سعد الحريري المستقبل السنّي ، والثنائية الشيعية لحزب الله وحركة أمل، والحزب الاشتراكي الدرزي للوزير وليد جنبلاط. وهذه قوى وازنة تحتكر التفاعلات السياسية، وتكاد تسيطر على أكثر من 75 في المئة من الناخبين باستعمال الوسائل التقليدية في التحشيد والجذب.

أمّا الباقون خارج هذا الحلف، فهم الأحزاب المسيحية في القوات اللبنانية والكتائب و»الوطنيين الأحرار» والمردة والشخصيات المستقلة، والذين ينافسون رئيس الحكومة سعد الحريري في زعامته «السنية» معتمدين على تأييد خليجي لهم. هذا بالإضافة إلى قوى سياسية درزية وشيعية ووطنية أخرى تنقسم بين تأييد المقاومة وحزب المستقبل.

إنّ طبيعة هذا التعاهد الخماسي تشي بأنّه يريد السيطرة على الانتخابات النيابية المقبلة بشكل يؤمّن غالبية المقاعد في إطار من التسويات الطائفية، فيصبح بوسع أحزابه السيطرة على التعيينات الإدارية وتوزيع المال العام بما يخدم هيمنتها الداخلية.

لذلك يقدّم هذا التحالف صورة طاغية بوسعها الإمساك بلبنان بشكل كامل، وإقصاء القوى المناوئة له في المذاهب والطوائف كافة.

ولتأمين أوسع قاعدة له، يستطيع حزب المستقبل إرضاء شخصيات مسيحية متحالفة معه بمقاعد نيابية من حصته في التحالف. وينطبق الأمر نفسه على حزب الله وحركة أمل اللذين يستطيعان أيضاً إرضاء تحالفاتهما من بين الأحزاب والشخصيات السنية والمسيحية والدرزية.

بأيّ حال، تدلّ هذه الفرضيات على ما يعنيه هذا التحالف الخماسي من إمكان الاستحواذ على كامل المشهد السياسي الرسمي والشعبي في لبنان، ما قد يؤدّي إلى إنتاج موقف لبناني «موحّد» من أحداث الإقليم. ولن يكون إلا في إطار الابتعاد عن الصراعات العربية والإسلامية على قاعدة أنّ العدو «الإسرائيلي» والإرهاب هما العدوّان الاساسيان للاستقرار الداخلي.

فهل هذا ممكن؟

يتزعّم رأس لائحة المعترضين الأحزاب المسيحية غير الموجودة في التحالف، الذي تعتبره مشروع انقلاب للسيطرة على الدولة وإبعادها عنها، وتساندها «قوى كهنوتية» تضغط بدورها على رئيس الحكومة سعد الحريري لمنعه من استبعاد «حزب جعجع» ومحاصرته.

ولهذا الكهنوت علاقاته الغربية التي لا تقبل بأدوار كبرى لحزب المقاومة في الدولة اللبنانية. كما يرد على هذه اللائحة معظم القوى الدينية من المدارس المتطرّفة التي لا تزال ترى أنّ الصراع السني الشيعي هو العنصر الأساسي المطلوب توفيره لمنع حزب الله من مقاتلة الإرهاب في الإقليم. لكن هذه القوى المعترضة لا تستطيع بمفردها منع تشكّل الحلف الخماسي، فتتجه إلى المساندات الإقليمية والدولية الحاسمة التي تمتلك قدرة على الإقناع.

والمعروف أنّ لبنان يعتمد تاريخياً على قوى إقليمية مسنودة دولياً، هي التي تحدّد سياساته الخارجية، وتترك لنظامه السياسي التدبّر الداخلي بالحدود الضيقة. وتبدّلت هذه القوى تبعاً لتطوّر العلاقات الدولية والإقليمية بدايةً مع فرنسا دولة التأسيس اللبناني، مروراً بالوريثة الأميركية التي سيطرت على العالم بدلاً من الحلف الفرنسي البريطاني التاريخي، وشاركتها النفوذ في لبنان مصر الناصرية في أواخر الخمسينيات، لكنّ خروج مصر من الصراع العربي «الإسرائيلي» في كامب ديفيد 1979، ودخول سورية الأسد في لعبة الأدوار في لبنان، جعلت دمشق من أصحاب النفوذ في لبنان حتى 1990. وتشاركت مع إيران في تقاسم هذا الدور حتى 2001، تاريخ اندلاع الهجوم الإرهابي على سورية، الأمر الذي جعل من واشنطن وطهران أهمّ قوتين تؤدّيان دوراً لبنانياً لعلاقتيهما بقوى متنوّعة في الداخل إلى جانب السعودية التي تطوّر دورها اللبناني إلى حدود قياسية مع سيطرة آل الحريري على رئاسة الحكومات المتعاقبة.

لكنّ نجاح التيار الوطني الحر في إيصال مرشّحه العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وتراجع الدور الأميركي لتحبيذ واشنطن إيكال المهام في «الشرق الأوسط» إلى قوى إقليمية، جعل من السعودية وفرنسا وإيران قوى محورية تمتلك وسائل لإقناع الفئات اللبنانية.

لذلك، فإنّ لهذه القوى آراء متنوّعة في هذا الحلف الخماسي… هل يناسب أدوارها في لبنان والإقليم؟ أما قد يؤدّي إلى صعود قوى معادية لها؟

لجهة إيران، فإنّها موافقة على هذا الحلف، لأنّه يمنح حزب الله فرصة الشرعية السياسية والدستورية، معزّزاً أدوار حلفائها ومؤدّياً بالتالي إلى استقرار لبناني لا يستهدف حزب المقاومة كعادته. كما أنّه يقضي على قوى سياسية معادية «بالولادة» لإيران وحزب الله. وهي على التوالي أحزاب القوات اللبنانية والكتائب و»الأجنحة الإسرائيلية»، دافعاً إلى خنق التيارات الوهابية والتكفيرية في حزب المستقبل وخارجه، خصوصاً بين شخصيات مدعومة من جهات خليجية. وهذا يكشف عن استحسان إيراني لهذا الحلف، ينعكس في تأييد حزب الله وحلفائه له بشكل لافت.

على مستوى فرنسا، فهي لا ترى بدورها غضاضة في هذا الحلف، لأنّها تعرف أنّ جبهة المقاومة واسعة في لبنان، وعلى درجة عالية من القوة والتمكّن، ما يجعل من محاولات القضاء عليها مسألة عبثية. وتراهن باريس على انتهاء الحرب في سورية والعراق، ما يفرض على حزب الله انسجاماً أكبر في دعم الاستقرار اللبناني، لذلك تجد فرنسا أنّ مصلحتها في العودة إلى المنطقة من البوّابة اللبنانية بشرط البحث بدقّة عن قواسم مشتركة «مدنية» مع حلف المقاومة المؤدّي إلى طهران، وربما… إلى موسكو.

وتعتبر فرنسا أنّ لديها أوراقاً كثيرة في لبنان، تبدأ بالتيار الوطني الحر مروراً بحزب المستقبل، ولا يضيرها أيّ تحالف لأنّها قد تكتفي بهذا التحالف الثنائي بين عون الحريري إذا تأزّمت أوضاع الحلف الخماسي وتعذّرت ولادته.

أمّا المعادي الأساسي للحلف الخماسي، فهي السعودية التي تعتبر أنّ أيّ اتفاق مع حزب الله سيكون في مصلحة أعدائها في إيران وحزب الله.

وهناك من يقول إنّ الرياض أرسلت إنذاراً إلى الحريري بضرورة الامتناع عن التحالف مع حزب الله، وعدم التخلّي عن حزب القوات اللبنانية. وكان النظام السعودي استدرج رئيس الحكومة سعد الحريري إلى الرياض واعتقله وأرغمه على الاستقالة، لأنّه لم يخاصم إيران وحزب الله بالقدر الكافي.

هذا ما دفع بآل سعود إلى تأزيم الوضع الدبلوماسي مع لبنان بالامتناع عن استقبال السفير اللبناني الجديد لديهم، وتلكّؤ السفير السعودي الجديد في لبنان بتقديم أوراق اعتماده في بيروت، وبخطوات متوازية تدعم السعودية شخصيات سنّية متطرّفة للاستمرار في استعداء حلف المقاومة والتحضّر لانتخابات نيابية قد تؤدّي إلى دعم الرياض لرئيس بديل من سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

ضمن هذا الإطار، تتراجع حظوظ الحلف الخماسي لمصلحة تحالفات موضعية تضرب في كلّ اتجاه، وهذا يعني أنّ الإقليم مستمرّ في ابتلاع السياسات الخارجية للبنان في حركة لا تتغيّر إلا بانهيار النظام السياسي الطائفي الذي يمدّه الإقليم بمختلف أسباب الحياة للزوم مصالحه وحاجاته… فمتى يأتي هذا اليوم؟

Related Articles

“Saudi Attempted to Expose Lebanon to Israeli Attack by Excluding Hariri”

Source

November 18, 2017

Former Israeli Military Intelligence chief Amos Yadlin

Former Israeli Military Intelligence chief Amos Yadlin said Saudi Arabia attempted to expose Lebanon to an Israeli attack through excluding Lebanese Premier Saad Hariri.

In an interview with Israeli Channel 12, Yaldin praised what he called an alliance between the Zionist entity and Saudi, stressing that Riyadh “can go far away” with Tel Aviv.

Yaldin was hailing the Saudi decision to say it clearly that Riyadh enjoys good relations with the Zionist entity.

“The most important event that took place this week is not the interview which Israeli military chief gave to Saudi media, but rather the Saudi decision to publish it,” Yaldin said referring to the interview Saudi-owned Elaph online newspaper conducted with Lieutenant General Gadi Eizenkot.

The Israeli ex-intelligence chief meanwhile, disclosed that he meets from time to another Saudi princes in Europe and the United States.

Saudi officials “say it clearly: Iran is the enemy; they kill us but you no. Absolutely there is an alliance between us,” Yaldin said referring to relations between Saudi Arabia and Saudi Arabia.

 

Related Videos

Related Articles

 

Lebanon is sleeping on explosive silk لبنان ينامُ على حرير متفجِّر

Lebanon is sleeping on explosive silk

نوفمبر 2, 2017

Written by Nasser Kandil,

Many Lebanese people think that there is a magic cover that prevents the ignition of their country and that the regional and the international decision which provided the opportunity for the political settlement and then the governmental one forms a barrier that prevents the turning of the political absurdity into a project of uncontrollable explosion .Therefore, some politicians find it easy to provoke the tension to the edge of the abyss, feeling confident that everything will remain under control, while they are looking at the regional and the international escalation which targets the resistance in a way that will not reach to the extent of threatening the Lebanese stability.

 “This sleeping on silk” was disrupted by the reality of the intransigence reached by the American project in the region, which encouraged and paved the way for the Lebanese settlements under the slogan of the fear of more provocation of Hezbollah that will push it to have control on the country which the Americans want to keep it an arena for the regional messages towards confrontations and settlements. After everything had reached to its limit and after it became constant that America cannot challenge Iran in a direct confrontation, especially after the results of the dealing with its nuclear file have proved that America is afraid to reach a step that is difficult to withdraw from, moreover after the experience of the secession of the Iraqi Kurdistan and the Iranian offensive movement said that Washington does not dare to go further in challenging Tehran, and after Israel was certain of the failure to alienate Moscow from its alliance with Iran and Hezbollah in Syria in a way in order to achieve some of the Israeli security, furthermore, after Israel was certain of its inability to wage a direct war against Hezbollah and after the Saudis found the size of the important equations that rule the Iraqi and Syrian realities, therefore the bets on making a change has become blocked, Lebanon became the only arena for confronting Hezbollah  and through unilateral confrontation against the axis of the resistance.

It is not possible to look spontaneously at the rapid activity witnessed by the political and the popular environment that surrounds Hezbollah, and it is not possible to imagine at least in media what is going to be in it through the hostile situation against Hezbollah as mere coincidence, or the US and the Saudi statements especially the relationship which puts Hezbollah in a position that worth the punishment. The intention here is the allies of America and Saudi Arabia which justify the common authoritarian dealing with Hezbollah due to the necessities of stability. It is not a secret that the statements of the Saudi Minister Thamer Al-Sabhan are targeting the partnership of the Prime Minister Saad Al-Hariri with Hezbollah in the government and the content of the prevailed settlement in Lebanon, and it must not be a secret that the American sanctions are targeting the Lebanese banking system, so while the governor of the Bank of Lebanon is trying to ease their pressure. Washington’s group tries to attack him, after it was from the taboos to infringe them. No one must find it easy what has happened and what will happen as fabricating clashes with the environment in which Hezbollah lives under the slogan of spreading the law and the control of country as has happened in Hai Al salloum to escalate the confrontation between Hezbollah and some groups for which life is no longer tolerable.

Everything around us says that the US –Saudi decision will remain exerting pressure on the Presidency of the Republic , on the banking sector, and on the prime minister, since the pressure tools are available inside the government and outside it. So extorting Hezbollah in the name of stability to deprive it of its people will be met by extortion by Hezbollah in the name of the interests of people that drive it for confrontation. Tomorrow maybe the relationship with Syria from the gate of the return of the displaced or others will be an issue for explosion or a pretext to impose a law in the area of the southern suburb or Bekaa or the south. And maybe the issue of the US sanctions and the banking system will be a gate for a growing clash that threatens the governmental stability, and maybe some people will tell the Prime Minister Al-Hariri that running the elections from outside the rule is better for the winning, because the issue has become how to launch a war on Lebanon through financial and political pressures in order to weaken the resistance and to behold it the responsibility of the consequences.

The case of Habib Shartouni and the case of the Hai Al salloum reveal examples of the extortion which the resistance will face in the name of keeping the stability. What is required is to refuse the extortion and to put the others between two choices either to go on in the fair just settlement and to get out of it early, and let it be what it will be.

Translated by Lina Shehadeh,

 

لبنان ينامُ على حرير متفجِّر

أكتوبر 28, 2017

ناصر قنديل

– يظنّ الكثير من اللبنانيين أن ثمة غطاءً سحرياً يمنع انفجار بلدهم، وأن القرار الدولي الإقليمي الذي أتاح فرصة التسوية الرئاسية فالحكومية يشكل مانعاً دون تحول العبث السياسي إلى مشروع انفجار يخرج عن السيطرة، ولذلك يستسهل بعض السياسيين اللعب فوق الأوتار المشدودة ويذهبون إلى حافة الهاوية في اللعبة واثقين أن كل شيء سيبقى تحت السيطرة، بينما ينظرون إلى التصعيد الإقليمي والدولي الذي يستهدف المقاومة بصفته موجات لن تصل حد تهديد الاستقرار اللبناني.

– هذا النوم على حرير يكذبه واقع الاستعصاء الذي بلغه المشروع الأميركي في المنطقة، والذي سمح بالتسويات اللبنانية وشجّع عليها تحت شعار الخشية من أن يؤدي المزيد من استفزاز حزب الله إلى دفعه لوضع يده على البلد الذي يرغب الأميركيون ببقائه ساحة للرسائل الإقليمية نحو المواجهات والتسويات، لكن بعدما بلغ كل شيء مداه، وصار ثابتاً أن ليس بمستطاع الأميركي الذهاب لتحدي إيران في مواجهة مباشرة، وقد جاءت نتائج التجاذب حول ملفها النووي تقول بالحذر الأميركي من بلوغ طريق اللاعودة، وجاءت تجربة انفصال كردستان العراق والحركة الهجومية الإيرانية تقول إن واشنطن لا تجرؤ على الذهاب بعيداً في تحدّي طهران، وبعدما بلغ «الإسرائيلي» اليقين من الفشل في إبعاد موسكو عن حلفها مع إيران وحزب الله في سورية، بما يحقق قدراً من الأمان «الإسرائيلي»، وبعدما تيقنت «إسرائيل» من عجزها عن خوض حرب مباشرة على حزب الله، وبعدما لمس السعوديون حجم المعادلات الثقيلة التي تحكم الواقعين العراقي والسوري، بما يجعل الطريق لرهانات التغيير مسدودة، صار لبنان ساحة وحيدة لمواجهة حزب الله، بعدما صار الهجوم على حزب الله اتجاهاً أحادياً للمواجهة مع محور المقاومة.

– لا يمكن النظر للنشاط المحموم الذي تشهده الساحة السياسية والشعبية المحيطة بحزب الله نظرة بريئة، ولا تصوّر ما سيجري فيها بدعم ظاهر لحالة معادية لحزب الله، إعلامياً على الأقل، بصفته مصادفات محضة، ولا للتصريحات الأميركية والسعودية، خصوصاً التي تضع العلاقة مع حزب الله في موقع الجرم الذي يستحق العقاب. والمقصود ليس حلفاء حزب الله، بل حلفاء أميركا والسعودية الذين يبررون التعاطي السلطوي المشترك مع حزب الله بضرورات الاستقرار، فليس خافياً أن تصريحات الوزير السعودي ثامر السبهان تستهدف شراكة الرئيس سعد الحريري في الحكومة مع حزب الله ومضمون التسوية التي تظلل لبنان، ولا يجوز أن يكون خافياً ان العقوبات الأميركية تستهدف النظام المصرفي اللبناني، وحيث يقف حاكم مصرف لبنان للتخفيف من وطأتها تخرج جماعة واشنطن لشنّ الهجوم عليه بعدما كان من المحرّمات الممنوع المساس بها، ولا يجوز أن يستهين أحد بما ظهر وما قد يظهر من تصنيع لأحداث تصادمية مع شرائح من البيئة التي يعيش حزب الله في حضنها، تحت شعار بسط القانون وسيطرة الدولة، كما جرى في حي السلم، لتصعيد المواجهة بين حزب الله وفئات من هذا الجمهور التي لم تعُد الحياة تطاق بالنسبة إليها.

– كل شيء يقول من حولنا إن القرار الأميركي السعودي سيبقى يضغط على العهد من جهة والقطاع المصرفي من جهة ثانية، ورئيس الحكومة من جهة ثالثة، وأدوات الضغط متاحة داخل الحكومة وخارجها، حتى ينفرط عقد البلد وليس عقد التسوية الداخلية فقط، وأن ابتزاز حزب الله باسم الاستقرار لتجريده من ناسه سيقابله ابتزاز حزب الله باسم مصالح الناس لدفعه للمواجهة، وغداً ستكون قضية العلاقة بسورية من بوابة عودة النازحين أو سواها مدخلاً لتفجير، أو ذريعة فرض القانون في منطقة من الضاحية أو البقاع أو الجنوب، أو قضية العقوبات الأميركية والقطاع المصرفي، مدخلاً لتصادم يكبر فجأة ليهدد الاستقرار الحكومي، وسيزيّن البعض للرئيس الحريري أن خوض الانتخابات من خارج الحكم أفضل للفوز بها، لأن القضية صارت كيف يمكن شنّ حرب على لبنان بالضغوط المالية والسياسية بهدف إضعاف المقاومة وتحميلها مسؤولية التبعات.

– قضية حبيب الشرتوني وقضية حي السلم تكشفان عيّنات من الابتزاز الذي ستتعرّض له المقاومة باسم الحفاظ على الاستقرار، والحبل على الجرار، والمطلوب واحد رفض الابتزاز ووضع الآخرين بين خيارَيْ المضي في تسوية شريفة نزيهة أو الخروج المبكر منها، وليكن ما يكون.

Related Videoes

Related ARTICLES

حزب الله والتيار الوطني الحر وغلطة الشاطر؟

حزب الله والتيار الوطني الحر وغلطة الشاطر؟ 

أكتوبر 24, 2017

ناصر قنديل

– مثل العفو عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع من زاوية كونه لعباً سياسياً بمسار قضائي مكتمل، خللاً كان يمكن تفاديه بقانون يتيح إعادة المحاكمة للذين تصدر بحقهم قرارات قضائية عن المجلس العدلي بعد إخراجهم من مفاعيل قانون العفو. وهو بالضبط توصيف حال جعجع، ما يمنح القوات ومَن أيّد العفو فرصة الإثبات بأنّ الحكم بحقه كان سياسياً وتعوزه النزاهة القضائية كما يقولون، ويحفظ للقضاء مهابته، وعندها يرتضي الجميع مسار إعادة المحاكمة في ظروف سياسية لا يمكن التذرّع بكونها تميل لصالح فريق بوجه فريق، لكن العفو الذي قبله فريق وازن في الثامن من آذار جرى تسويقه كمحاولة لطيّ صفحة سياسية ثبت أنها لم تُطوَ، وتحوّل العفو بنظر المستفيدين منه إلى إثبات براءة وحكم مبرم بإسقاط التهم، بل توجيه الاتهام لكلّ الخصوم وملاحقتهم قضائياً، أمام قضاء شعر بالهزيمة ورفع الغطاء عنه، فراح يصدر الأحكام التي يعتقد بأنها تنسجم مع السياسة، وتعفيه من الإحراج، فخسرنا السياسة وخسرنا القضاء.

– يومها امتنع حزب الله عن المشاركة، رابطاً موقفه بقضيتَيْ اغتيال الراحلين رشيد كرامي وطوني فرنجية وموقف عائلتيهما، وجعجع لم يكن موضوع محاكمة بتهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي، لكن المشاركين في العفو نيابياً، وعلى رأسهم حركة أمل وتيار المستقبل، قدّموا تبريرهم كلّ على حدة، تيار المستقبل بتقديم أوراق اعتماده لحلف جديد، وحركة أمل بتخطّي مرحلة صعبة من التوترات والاحتقانات بأقلّ الأثمان، بينما احتفل المؤيدون سياسياً للعفو وعلى رأسهم التيار الوطني الحر، باعتباره محواً لنتاج مرحلة سياسية كان التيار برأيهم من ضحايا التهميش خلالها أسوة بالقوات، وكان العفو تعبيراً عن إزالة آثارها.

– منذ ذلك التاريخ توطّدت العلاقة بين معادلات التغيير التي أصابت القضاء، وأصابت السياسة، فصار القضاء يقرأ استباقاً عن السياسة ما تريده، وصارت السياسة مجبولة بالمزيد من عناصر العبث الطائفي والانتخابي، وصارت التحالفات السلطوية الجديدة أشدّ قدرة على التعبير عن المطلوب، فنبشت قضية المقاوم حبيب الشرتوني من الأدراج لتقديم أوراق اعتماد جديدة للعبة الطائفية والانتخابية، وللانتهازية الوظيفية التي هزمت في داخلها العدالة، وسقطتْ معايير القانون بعدما اعتُدي عليها وجرى اغتصابها من السياسة في وضح النهار، فاستسهلت تسليم قرارها غبّ الطلب منعاً لتكرار العدوان والمهانة. فتيار المستقبل يرتاح للعبة تصفية الحساب مع المقاومة كفكرة، في اصطفافه السياسي على الضفة الأميركية السعودية، والتيار الوطني الحر يرتاح لتقديم أوراق اعتماده للعبة المسيحية كممثل شرعي ووحيد، يُنجز بقوة التحالف مع حزب الله ما عجز مَن سبقه إلى السلطة عن إنجازه. وهنا تقول حركة أمل إنها بغنى عن سبب إضافي للخصومة مع التيار الوطني الحر وتأزيم العلاقة معه، وهو يحظى بدعم حزب الله، الحليف المشترك لكليهما، والمعني مثل «أمل» إنْ لم يكن أكثر بقضية المقاومة، ليصير السؤال برمّته عند حزب الله.

– قضية بشير الجميّل ليست قضية المسيحيين ولا قضية حبيب الشرتوني قضية القوميين. والقضيتان ليستا جزءاً من قضايا الحرب الأهلية. فالشرتوني مسيحي مثله مثل الجميّل، وما يفرّقهما الموقف من الاحتلال الإسرائيلي، والقضية ليست اغتيالاً سياسياً، ولا هي خصومة حزبين، ولا هي قضية إلحاح قضائي لملف مستحقّ. فالملف نائم منذ سنوات وقد عاش سنوات في عهد أمين الجميّل ولم يصدر فيه حكم. فالقضية اختصار لعنوان التعامل مع الاحتلال وفكرة المقاومة. وإذا لم يكن البلد ناضجاً لحسمها بمحاكمة المتعامل وتكريم المقاوم بفعل الحساسيات الطائفية ومبالغات اللعبة السياسية وانتهازيتها، فهل من المقبول الإقرار بأنه ناضج لفعل العكس في زمن انتصارات المقاومة، فيُحاكَم المقاوم ويُحكَم عليه، ويعلن المتعامل كبطل جرى الاقتصاص ولو نظرياً من قتلته؟

– الفضيحة هي في كون كلّ المحتفلين بالحكم على الشرتوني، لا يتمالكون أنفسهم عن تبرير العمالة، بصفتها مرة ضرورة ذلك الزمن وتلك المرحلة، ويُمعنون الشرح في ظروفها وملابساتها، أو ينتقلون لمنح صفة الرئاسة والرمزية القيادية لبشير لدى جماعته لفرض تعليق معيار قانوني واحد للموقف من التعامل مع العدو، أو يصلون حدّ الخلط بين العدو وسواه، بالقول تجب محاكمة كلّ مَن تعاون مع غير «إسرائيل» كما تعامل معها، وتعود نغمة «اعرف عدوك»، السوري أو الفلسطيني، التي ميّزت مرحلة بشير، لتنبض بين حروف الكتابات والتصريحات.

– القضية ليست قضية بشير ولا قضية الشرتوني، بل قضية التعامل مع الاحتلال وقد جرى انتهاك ثقافة بكاملها في الحكم المنتَج لإرضاء لعبة رخيصة، وخسرت المقاومة وخيارها الكثير بسبب التهاون مع هذه اللعبة، وأشعلت فتنة كانت نائمة. وهناك مَن أيقظها، فهل كان بمستطاع حزب الله أن يسأل التيار الوطني الحر عن الحكمة من هذه الإثارة القاتلة؟ وهل يستحقّ حجم الربح الافتراضي حجم الخسارة المحققة منها، وها هي الخسارة تقع والربح المفترض يتبخّر، فيعامَل رئيس التيار في احتفال صدور الحكم كدخيل؟

– زمن الانتصارات ترجمته ترسيخ ثقافة المقاومة وتنميتها، وحيث تحول اللعبة الطائفية والسياسية دون ذلك، منع حصول العكس، وترك النائم يغطّ في نومه، فهل هي غلطة الشاطر؟

 

Related Articles

حين تخرج الأفاعي من جحورها لتبثَّ سمومَ الحقد والكراهية

أكتوبر 23, 2017  –

معن حميّة

حكايات كثيرة تُروى عن «قوس قزح»، ولعلّ ما رسخ في الأذهان منها، أنّ كلّ من مرّ تحت هذا القوس قد تحوّل، عقاباً له على محظور تخطّاه! لذا اعتدنا أن نتحاشى النظر إلى قوس قزح، لنحدّق بالشمس التي هي في اتجاه معاكس له.

زمن تلك الحكايات صار وراءنا، وإنْ ظهر قوس قزح، لا يخشاه الأطفال والصبية. فأجيالنا الجديدة، لم ترَ إلاّ أقواس النصر، وهي ترتفع مع كلّ شهيد يرتقي، ومع كلّ نصر للمقاومة على العدو الصهيوني وعملائه وقوى الإرهاب والتطرف.

في لبنان تحديداً، ارتفعت أقواس نصر كثيرة.

في 21 تموز 1982، كانت الانطلاقة الفعلية لجبهة المقاومة الوطنية، بإطلاق القوميين صواريخ الكاتيوشا من سوق الخان في حاصبيا على منطقة الجليل الفلسطينية المحتلة، فأسقطت هذه العملية الشعار الذي أطلقه العدو الصهيوني على اجتياح لبنان «سلامة الجليل».

في 14 أيلول 1982، نفّذ المقاوم حبيب الشرتوني حكم الشعب ببشير الجميّل الذي نُصّب رئيساً للبنان على ظهر الدبابة «الإسرائيلية»، قبل أن يصبح رئيساً فعلياً، فأسقط هذا العمل المقاوم مشروع العدو الصهيوني بتحويل لبنان محمية «إسرائيلية» تابعة.

في 24 أيلول 1982، نفّذ المقاوم خالد علوان، عملية ضدّ ضباط وجنود الاحتلال، في مقهى الويمبي في قلب العاصمة بيروت، وشكلت تلك العملية فاتحة تحرير بيروت التي غزاها الاحتلال بالتكافل والتضامن والتآزر مع عملائه وأدواته.

في 25 أيار 2000، وبعد عقدين من مقاومة الاحتلال الصهيوني، استطاعت المقاومة تحريرَ معظم الأرض اللبنانية، وشكّل هذا التحرير حدثاً تاريخياً جعل لبنان الصغير بمساحته وعدد سكانه، كبيراً في مقاومته التي حققت ما عجزت عنه الأمم، أيّ تنفيذ القرار الدولي 425.

بين 12 تموز و14 آب 2006، واجه لبنان بمقاومته وجيشه وشعبه، حرباً «إسرائيلية» تدميرية إبادية وقفت وراءها دول كبيرة وصغيرة، وأشباه دول وأنصاف رجال وعملاء وأدوات، ورغم كلّ ذلك انتصر لبنان بمقاومته، واعترف العدو «الإسرائيلي» بالهزيمة المدوّية.

في كلّ هذه المحطات وما بينها من عمليات استشهادية وبطولية ونوعية، كانت ترتفع أقواس النصر، فتآلف اللبنانيون مع هذه الظاهرة الجديدة التي تحمل في مضامينها كلّ وقفات العزّ دفاعاً عن السيادة والكرامة.

أما تحت قوس المحكمة، فلم تتمّ الإحاطة الكاملة بملف أحد أركان هذه الانتصارات الكبيرة، التي حمت لبنان وأعادت بناء الدولة والمؤسسات. ومن تحت هذا القوس صدر حكم جائر تشوبه ثغرات قانونية ومغالطات، الأمر الذي وجدت فيه أفاعي العمالة ضالّتها، فخرجت من أوكارها، تعمشقت على حبال القرار، وجاهرت بـ «عمالة الضرورة» التي لن يمرّ عليها الزمن، وأباحت لنفسها محظور المبادئ والقيم والكرامة.


خرجت هذه الأفاعي تبثّ سموم الحقد والكراهية والفتن، كاشفة عن تموضعها مجدّداً في مربّع خياراتها ورهاناتها المشؤومة، وممارساتها التي جلبت على لبنان الخراب.

خرجت هذه الأفاعي، المتعدّدة الرؤوس والأذناب، بخطاب موحّد، يدين كلّ قوى المقاومة التي قاتلت الاحتلال الصهيوني. لأنها ترى في الحكم على حبيب الشرتوني حكماً على قوى المقاومة كلّها! وهذا ما نبّهنا إليه، ووضعنا ما لدينا من حقائق يعرفها القاصي والداني عن فعل الخيانة، وأنّ فصل الملف المتعلّق بفعل الحبيب عن سياقه التاريخي، ليس عدلاً.

السلطة القضائية، هي من مؤسسات الدولة التي استعادت حيويتها ووحدتها وهيبتها نتيجة إسقاط مخطط تقسيم لبنان، وإلحاق الهزيمة بالعدو الذي وضع هذا المخطط، وبتحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال، لذا كان لا بدّ لهذه السلطة القضائية أن تحكم بموجب كلّ الحيثيات والدوافع الشريفة والوطنية التي كانت وراء فعل حبيب الشرتوني.

اليوم، نديم الجميّل وسمير جعجع، وغيرهما من الأتباع والمتلوّنين والمتحوّلين، يتخذون من حكم القضاء الجائر ذريعة للمطالبة بإدانة كلّ قوى المقاومة. هم كانوا ينتظرون هذا الحكم ليس لأنهم يريدون عدالة حقيقية، فهم يعرفون أنّ العدالة تحققت بإرادة الشعب قبل 35 عاماً، بل هم يريدون ركوب الموجة «الإسرائيلية» مجدّداً، لأنهم يعتبرون أنّ مَن وصل اليوم إلى سدة الرئاسة، لا يمثل خياراتهم الموغلة في العمالة.

ما تنطوي عليه خطابات الجميّل وجعجع وآخرين، تؤكد أنّ الغرف السوداء عادت لتنشط مجدّداً بخلاياها الإجرامية كلّها، وما تضمين الخطابات كلّ هذا الهجوم على الحزب القومي وقوى المقاومة، سوى مؤشر على جرعات دعم تلقاها هؤلاء للمقامرة مجدّداً بمصير البلد. ولعلّ أبلغ تعبير عن أحقادهم وخياراتهم، هو ما نطقت به النائبة ستريدا جعجع، من عبارات نابية نكأت جراحاً عميقة، ليست فقط جراح عائلة فرنجية خاصة والزغرتاويين عموماً، بل نكأت جراح عائلة كرامي والطرابلسيين، وجراح عائلات شهداء المجازر التي ارتُكبت في أكثر من منطقة لبنانية على يد الكتائبيين والقواتيين، لا سيما عائلات شهداء مجزرة عينطورة.

إنّ مَن قطع رأس الأفعى «الإسرائيلية» في لبنان، هو مَن صنع المجد لهذا البلد، أما الذين يحتفلون برمز العمالة، فهم ورثة الذلّ والخيانة، وينطبق عليهم قول سعاده:

«لا يشعرُ بالعار مَن لا يعرف العار ولا يعرفُ العار مَن لا يعرف الشرف ويا لذلّ قومٍ لا يعرفون ما هو الشرف وما هو العار».

ورثة الذلّ والخيانة يستعيدون كلّ مفردات خطاب التحريض والكراهية، وخلف هذا الخطاب الفتنوي تقف جهات عديدة، وضمناً العدو «الإسرائيلي»، وذلك بهدف النيل من المقاومة، نهجاً وفكراً وثقافة. لأنّ هذه المقاومة، دولاً وأحزاباً، أفشلت مشاريع التفتيت والتقسيم، وانتصرت على الاحتلال والإرهاب ورعاتهما.

المقاومة هي المستهدفة، ومسؤولية المؤمنين بخيار المقاومة، حماية المجتمع من آثام العمالة والخيانة، بردع الذين يضربون عرض الحائط بالثوابت والمبادئ.

الأمر شديد الخطورة، وأكثر تعقيداً، وقد آن الأوان لفضح الذين يحاولون إعادة عقارب الساعة إلى زمن الاجتياح الصهيوني، وجعل العدو الصهيوني صديقاً، بعدما أمعنوا في العداء لمحيط لبنان القومي.

مجتمعنا، يرفض أن يمارس هذا البعض من اللبنانيين طقوس العمالة والخيانة التي تتنافى مع القيم والمبادئ، ولن يسمح لهم التصرف كيفما شاؤوا، كي لا يأتي يوم، فيتفشّى هذا الوباء، ويفسد المجتمع.

عميد الإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي

Related Articles

%d bloggers like this: